التفسير الكبير - ج29

- الفخر الرازي‏ المزيد...
533 /
415

و قوله: فَمََالِؤُنَ مِنْهَا زيادة في بيان العذاب أي لا يكتفى منكم بنفس كما الأكل يكتفي من يأكل الشي‏ء لتحلة القسم، بل يلزمون بأن تملأوا منها البطون و الهاء عائدة إلى الشجرة، و البطون يحتمل أن يكون المراد منه مقابلة الجمع بالجمع أي يملأ كل واحد منكم بطنه/و يحتمل أن يكون المراد أن كل واحد منكم يملأ البطون، و البطون حينئذ تكون بطون الأمعاء، لتخيل وصف المعى في باطن الإنسان له، كيأكل في سبعة أمعاء، فيملئون بطون الأمعاء و غيرها، و الأول أظهر، و الثاني أدخل في التعذيب و الوعيد، }قوله: فَشََارِبُونَ عَلَيْهِ أي عقيب الأكل تجر مرارته و حرارته إلى شرب الماء فيشربون على ذلك المأكول و على ذلك الزقوم من الماء الحار، و قد تقدم بيان الحميم، }و قوله: فَشََارِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ بيان أيضا لزيادة العذاب أي لا يكون أمركم أمر من شرب ماءا حارا منتنا فيمسك عنه بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب إليهم و هي الجمال التي أصابها العطش فتشرب و لا تروى، و هذا البيان في الشرب لزيادة العذاب، و قوله: فَمََالِؤُنَ مِنْهَا في الأكل، فإن قيل:

الأهيم إذا شرب الماء الكثير يضره و لكن في الحال يلتذ به، فهل لأهل الجحيم من شرب الحميم الحار في النار لذة؟قلنا: لا، و إنما ذلك لبيان زيادة العذاب، و وجهه أن يقال: يلزمون بشرب الحميم و لا يكتفي منهم بذلك الشرب بل يلزمون أن يشربوا كما يشرب الجمل الأهيم الذي به الهيام، أو هم إذا شربوا تزداد حرارة الزقوم في جوفهم فيظنون أنه من الزقوم لا من الحميم فيشربون منه شيئا كثيرا بناء على و هم الري، و القول في الهيم كالقول في البيض، أصله هوم، و هذا من هام يهيم كأنه من العطش يهيم، و الهيام ذلك الداء الذي يجعله كالهائم من العطش. ثم قال تعالى:

يعني ليس هذا كل العذاب بل هذا أول ما يلقونه و هو بعض منه و أقطع لأمعائهم. ثم قال تعالى:

دليلا على كذبهم و صدق الرسل في الحشر لأن قوله: أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ إلزام على الإقرار بأن الخالق في الابتداء هو اللّه تعالى، و لما كان قادرا على الخلق أولا كان قادرا على الخلق ثانيا، و لا مجال للنظر في ذاته و صفاته تعالى و تقدس، و إن لم يعترفوا به، بل يشكون و يقولن: الخلق الأول من مني بحسب الطبيعة، فنقول:

المنى من الأمور الممكنة و لا وجود للممكن بذاته بل بالغير على ما عرف، فيكون المنى من القادر القاهر، و كذلك خلق الطبيعة و غيرها من الحادثات أيضا، فقال لهم: هل تشكون في أن اللّه خلقكم أولا أم لا؟فإن قالوا: لا نشك في أنه خالقا، فيقال: فهل تصدقون أيضا بخلقكم ثانيا؟فإن من خلقكم أولا من لا شي‏ء لا يعجز أن يخلقكم ثانيا من أجزاء هي عنده معلومة، و إن كنتم تشكون و تقولون: الخلق لا يكون إلا من (مني و بعد الموت لا والده و لا مني، فيقال لهم: هذا المني أنتم تخلقونه أم اللّه، فإن كنتم تعترفون باللّه و بقدرته و إرادته و عمله، فذلك/يلزمكم القول بجواز الحشر و صحته، و (لو لا) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض و الحث و الأصل فيه: لم لا، فإذا قلت: لم لا أكلت و لم ما أكلت، جاز الاستفهامان، فإن معناه لا علة لعدم‏

416

الأكل و لا يمكنك أن تذكر علة له، كما تقول: لم فعلت؟موبخا، يكون معناه فعلت أمرا لا سبب له و لا يمكنك ذكر سبب له ثم إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة و أتوا بحرف الاستفهام عن الحكم، فقالوا: هلا فعلت؟ كما يقولون في موضع: لم فعلت هذا و أنت تعلم فساده، أ تفعل هذا و أنت عاقل؟و فيه زيادة حث لأن قول القائل: لم فعلت حقيقته سؤال عن العلة، و معناه أن علته غير معلومة و غير ظاهرة، فلا يجوز ظهور وجوده، و قوله: أفعلت، سؤال عن حقيقته، و معناه أنه في جنسه غير ممكن، و السائل عن العلة كأنه سلم الوجود و جعله معلوما و سأل عن العلة كما يقول القائل: زيد جاء فلم جاء، و السائل عن الوجود لم يسلمه، و قول القائل: لم فعلت و أنت تعلم ما فيه دون قوله: أفعلت و أنت تعلم ما فيه، لأن في الأول جعله كالمصيب في فعله لعلة خفية تطلب منه، و في الثاني جعله مخطئا في أول الأمر، و إذا علم ما بين لم فعلت، و أفعلت، علم ما بين لم تفعل و هلا تفعل، و أما (لو لا) فنقول: هي كلمة شرط في الأصل و الجملة الشرطية غير مجزومة بها كما أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لو لا تدل على الاعتساف و تزيد نفي النظر و التواني، فيقول: لو لا تصدقون، بدل قوله: لم لا، و هلا، لأنه أدل على نفي ما دخلت عليه و هو عدم التصديق و فيه لطيفة: و هي أن لو لا تدخل على فعل ماض على مستقبل قال تعالى: فَلَوْ لاََ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ [التوبة: 122]فما وجه اختصاص المستقبل هاهنا بالذكر و هلا قال: فلو لا صدقتم؟نقول: هذا كلام معهم في الدنيا و الإسلام فيها مقبول و يجب ما قبله فقال: لم لا تصدقون في ساعتكم، و الدلائل واضحة مستمر و الفائدة حاصلة، فأما في قوله: فَلَوْ لاََ نَفَرَ لم تكن الفائدة تحصل إلا بعد مدة فقال: لو سافرتم لحصل لكم الفائدة في الحال و قد فات ذلك، فإن كنتم لا تسافرون في الحال تفوتكم الفائدة أيضا في الاستقبال، }ثم قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تُمْنُونَ }من تقرير قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْنََاكُمْ و ذلك لأنه تعالى لما قال: نَحْنُ خَلَقْنََاكُمْ قال الطبيعيون: نحن موجودون من نطف الخلق بجواهر كامنة و قبل كل واحد نطفة واحد فقال تعالى ردا عليهم: هل رأيتم هذا المني و أنه جسم ضعيف متشابه الصورة لا بد له من مكون، فأنتم خلقتم النطفة أم غيركم خلقها، و لا بد من الاعتراف بخالق غير مخلوق قطعا للتسلسل الباطل و إلى ربنا المنتهى، و لا يرتاب فيه أحد من أول ما خلق اللّه النطفة و صورها و أحياها و نورها فلم لا تصدقون أنه واحد أحد صمد قادر على الأشياء، فإنه يعيدكم كما أنشأكم في الابتداء، و الاستفهام يفيد زيادة تقرير و قد علمت ذلك مرارا. قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الترتيب فيه وجهان أحدهما: أنه تقرير لما سبق و هو كقوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]فقال: نَحْنُ خَلَقْنََاكُمْ [الواقعة: 57]ثم قال: نَحْنُ قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ فمن قدر على الإحياء و الإماتة و هما ضدان ثبت كونه مختارا فيمكن الإحياء ثانيا منه بعد الإماتة بخلاف ما لو كان الإحياء منه و لم يكن له قدرة على الإماتة فيظن به أنه موجب لا مختار، و الموجب لا يقدر على كل شي‏ء

417

ممكن فقال: نحن خلقناكم و قدرنا الموت بينكم فانظروا فيه و اعلموا أنا قادرون أن ننشئكم، ثانيهما: أنه جواب عن قول مبطل يقول: إن لم تكن الحياة و الموت بأمور طبيعية في الأجسام من حرارات و رطوبات إذا توفرت بقيت حية، و إذا نقصت و فنيت ماتت لم يقع الموت و كيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئا يتقن خلقه و يحسن صورته ثم يفسده و يعدمه ثم يعيده و ينشئه، فقال تعالى: نحن قدرنا الموت، و لا يرد قولكم: لما ذا أعدم و لما ذا أنشأ، و لما ذا هدم، لأن كمال القدرة يقتضي ذلك و إنما يقبح من الصائغ و الباني صياغة شي‏ء و بناؤه و كسره و إفناؤه لأنه يحتاج إلى صرف زمان إليه و تحمل مشقة و ما مثله إلا مثل إنسان ينظر إلى شي‏ء فيقطع نظره عنه طرفة عين، ثم يعاوده و لا يقال له: لم قطعت النظر و لم نظرت إليه، و للّه المثل الأعلى من هذا، لأن هنا لا بد من حركة و زمان و لو توارد على الإنسان أمثاله لتعب لكن في المرة الواحدة لا يثبت التعب و اللّه تعالى منزه عن التعب و لا افتقار لفعله إلى زمان و لا زمان لفعله و لا إلى حركة بجرم، و فيه وجه آخر ألطف منها، و هو أن قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تُمْنُونَ [الواقعة: 58]معناه أ فرأيتم ذلك ميتا لا حياة فيه و هو مني، و لو تفكرتم فيه لعلمتم أنه كان قبل ذلك حيا متصلا بحي و كان أجزاء مدركة متألمة متلذذة ثم إذا أمنيتموه لا تستريبون في كونه ميتا كالجمادات، ثم إن اللّه تعالى يخلقه آدميا و يجعله بشرا سويا فالنطفة كانت قبل الانفصال حية، ثم صارت ميتة ثم أحياها اللّه تعالى مرة أخرى فاعلموا أنما إذا خلقناكم أولا ثم قدرنا بينكم الموت ثانيا ثم ننشئكم مرة أخرى فلا تستعبدوا ذلك كما في النطف.

المسألة الثانية: ما الفرق بين هذا الموضع و بين أول سورة تبارك حيث قال هناك: خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]بتقديم ذكر الموت؟نقول: الكلام هنا على الترتيب الأصلي كما قال تعالى في مواضع منها قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12]ثم قال بعد ذلك: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذََلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: 15]و أما في سورة الملك فنذكر إن شاء اللّه تعالى فائدتها و مرجعها إلى ما ذكرنا أنه قال: خلق الموت في النطف بعد كونها حية عند الاتصال ثم خلق الحياة فيها بعد الموت و هو دليل الحشر، و قيل: المراد من الموت هنا الموت الذي بعد الحياة، و المراد هناك الذي قبل الحياة.

المسألة الثالثة: قال هاهنا: نَحْنُ قَدَّرْنََا و قال في سورة الملك: خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ فذكر الموت و الحياة بلفظ الخلق، و هاهنا قال: خَلَقْنََاكُمْ و قال: قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ فنقول: كان المراد هناك بيان كون الموت و الحياة مخلوقين مطلقا لا في الناس على الخصوص، و هنا لما قال: خَلَقْنََاكُمْ [الواقعة: 57] خصصهم بالذكر فصار كأنه قال: خلقنا حياتكم، فلو قال: نحن قدرنا موتكم، كان ينبغي أنه يوجد موتهم في الحال و لم يكن كذلك، و لهذا قال: قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ و أما هناك فالموت و الحياة كانا مخلوقين في محلين و لم يكن ذلك بالنسبة إلى بعض مخصوص.

المسألة الرابعة: هل في قوله تعالى: بَيْنَكُمُ بدلا عن غيره من الألفاظ فائدة؟ نقول: نعم فائدة جليلة، و هي تبين بالنظر إلى الألفاظ التي تقوم مقامها فنقول: قدرنا لكم الموت، و قدرنا فيكم الموت، فقوله: قدرنا فيكم يفيد معنى الخلق لأن تقدير الشي‏ء في الشي‏ء يستدعي كونه ظرفا له إما ظرف حصول فيه أو ظرف حلول فيه كما يقال: البياض في الجسم و الكحل في العين، فلو قال: قدرنا فيكم الموت لكان مخلوقا فينا و ليس كذلك، و إن قلنا: قدرنا لكم الموت كان ذلك ينبئ عن تأخره عن الناس فإن القائل إذا قال: هذا معد لك كان‏

418

معناه أنه اليوم لغيرك و غدا لك، كما قال تعالى: وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ [آل عمران: 140].

المسألة الخامسة: قوله: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ المشهور أن المراد منه: و ما نحن بمغلوبين عاجزين عن خلق أمثالكم و إعادتكم بعد تفرق أوصالكم، يقال: فاته الشي‏ء إذا غلبه و لم يقدر عليه و مثله سبقه و على هذا نعيد ما ذكرناه من الترتيب، و نقول: إذا كان قوله: نَحْنُ قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ لبيان أنه خلق الحياة و قدر الموت، و هما ضدان و خالق الضدين يكون قادرا مختارا فقال: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن الشي‏ء بخلاف الموجب الذي لا يمكنه من إيقاع كل واحد من الضدين فيسبقه و يفوته، فإن النار لا يمكنها التبريد لأن طبيعتها موجبة للتسخين، و أما إن قلنا بأنه ذكره ردا عليهم حيث قالوا: لو لم يكن الموت من فناء الرطوبات الأصلية و انطفاء الحرارة الغريزية و كان بخلق حكيم مختار ما كان يجوز وقوعه لأن الحكيم كيف يبني و يهدم و يوجد و يعدم فقال: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي عاجزين بوجه من الوجوه التي يستبعدونها من البناء و الصائغ فإنه يفتقر في الإيجاد إلى زمان و مكان و تمكين من المفعول و إمكان و يلحقه تعب من تحريك و إسكان و اللّه تعالى يخلق بكن فيكون، فهو فوق ما ذكرنا من المثل من قطع النظر و إعادته في أسرع حين حيث لا يصح من القائل أن يقول: لم قطعت النظر في ذلك الزمان اللطيف الذي لا يدرك و لا يحس بل ربما يكون مدعى القدرة التامة على الشي‏ء في الزمان اليسير بالحركة السريعة يأتي بشي‏ء ثم يبطله ثم يأتي بمثله ثم يبطله يدلك عليه فعل أصحاب خفة اليد، حيث يوهم أنه يفعل شيئا ثم يبطله، ثم يأتي بمثله إراءة من نفسه القدرة، و على هذا فنقول قوله في سورة تبارك: خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ لِيَبْلُوَكُمْ [الملك: 2]معناه أمات و أحيا لتعلموا أنه فاعل مختار، فتعبدونه و تعتقدون الثواب و العقاب فيحسن عملكم و لو اعتقدتموه/موجبا لما عملتم شيئا على هذا التفسير المشهور، و الظاهر أن المراد من قوله: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ حقيقته و هي أنا ما سبقنا و هو يحتمل شيئين أحدهما: أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شي‏ء و ثانيهما: في خلق الناس و تقدير الموت فيهم ما سبق و هو على طريقة منع آخر و فيه فائدتان أما إذا قلنا: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ معناه ما سبقنا شي‏ء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى اللّه و تقفون عنده و لا تجاوزونه، فإنكم إن كنتم تقولون: قبل النطفة أب و قبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف و الآباء إلى خالق غير مخلوق، و أنا ذلك فإني لست بمسبوق و ليس هناك خالق و لا سابق غيري، و هذا يكون على طريقة التدرج و النزول من مقام إلى مقام، و العاقل الذي هداه اللّه تعالى الهداية القوية يعرف أولا و الذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة، و المعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب، و يقول: لا بد للكل من إله، و هو ليس بمسبوق فيما فعله، فمعناه أنه فعل ما فعل، و لم يكن لمفعوله مثال، و أما إن قلنا: إنه ليس بمسبوق، و أي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى:

وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27]و يؤيده قوله تعالى: عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ فإن قيل: هذا لا يصح، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل، و المراد ما ذكرنا كأنه قال: و إنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم و ما نحن بمسبوقين، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا، و ذلك لأن قوله تعالى: إِنََّا لَقََادِرُونَ أفاد فائدة انتفاء العجز عنه، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ فائدة ظاهرة، ثم قال تعالى:

عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ في الوجه المشهور، قوله تعالى: عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ يتعلق بقوله: وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي على التبديل، و معناه و ما نحن عاجزين عن التبديل.

419

و التحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشي‏ء كأنه غلبه فعجز عنه، و كلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شي‏ء، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب، و على الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنََا و تقديره: نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر، كما يقول القائل: خرج فلان على أن يرجع عاجلا، أي على هذا الوجه خرج، و تعلق كلمة على هذا الوجه أظهر، فإن قيل: على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم، أي أشكالكم و أوصافكم، و يكون الأمثال جمع مثل، و يكون معناه و ما نحن بعاجزين على أن نمسخكم، و نجعلكم في صورة قردة و خنازير، فيكون كقوله تعالى: وَ لَوْ نَشََاءُ لَمَسَخْنََاهُمْ عَلى‏ََ مَكََانَتِهِمْ [يس: 67]و على ما قلت في تفسير المسبوقين، و جعلت المتعلق لقوله: عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ هو قوله: نَحْنُ قَدَّرْنََا فيكون قوله: نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم، نقول: هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل، و هو الظاهر كما في قوله تعالى: ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ [محمد: 38]و قوله: وَ إِذََا شِئْنََا بَدَّلْنََا أَمْثََالَهُمْ تَبْدِيلاً [الإنسان: 28]فإن قوله: إِذََا دليل الوقوع، و تغير أوصافهم بالمسخ ليس أمرا يقع و الجواب: أن يقال: الأمثال/إما أن يكون جمع مثل، و إما جمع مثل، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على هذا الوجه، و هو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالا، ثم شبانا، ثم كهولا، ثم شيوخا، ثم يدرككم الأجل، و ما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة و إن قلنا: هو جمع مثل فنقول معنى: نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ نجعل أمثالكم بدلا و بدله بمعنى جعله بدلا، و لم يحسن أن يقال: بدلناكم على هذا الوجه، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلا فلا يدل على وقوع الفناء عليهم، غاية ما في الباب أن قول القائل: جعلت كذا بدلا لا تتم فائدته إلا إذا قال: جعلته بدلا عن كذا لكنه تعالى لما قال: نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ فالمثل يدل على المثل، فكأنه قال: جعلنا أمثالكم بدلا لكم، و معناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعا ثم ننشئهم، و قوله تعالى: فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ على الوجه المشهور في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف و الأخلاق، و الظاهر أن المراد: فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ من الأوصاف و الزمان، فإن أحدا لا يدري أنه متى يموت و متى ينشأ أو كأنهم قالوا: و متى الساعة و الإنشاء؟فقال: لا علم لكم بهما، هذا إذا قلنا: إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور و فيه لطيفة: و هي أن قوله: فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ تقرير لقوله: أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخََالِقُونَ [الواقعة: 59]و كأنه قال: كيف يمكن أن تقولوا هذا و أنتم تنشأون في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون و كيف يكون خالق الشي‏ء غير عالم به؟و هو كقوله تعالى: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ [النجم: 32]و على ما ذكرنا فيه فائدة و هي التحريض على العمل الصالح، لأن التبديل و الإنشاء و هو الموت و الحشر إذا كان واقعا في زمان لا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة و لا يغفل عن إعداد العدة، }و قال تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولى‏ََ تقريرا لإمكان النشأة الثانية. ثم قال تعالى:

ـ

420

ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تُمْنُونَ إشارة إلى دليل الخلق و به الابتداء، و قوله:

أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تَحْرُثُونَ إشارة إلى دليل الرزق و به البقاء، و ذكر أمورا ثلاثة المأكول، و المشروب، و ما به إصلاح المأكول، و رتبه ترتيبا فذكر المأكول أولا لأنه هو الغذاء، ثم المشروب لأن به الاستمراء، ثم النار للتي بها الإصلاح و ذكر من كل نوع ما هو الأصل، فذكر من المأكول الحب فإنه هو الأصل، و من المشروب الماء لأنه هو الأصل، و ذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية و أعمها، و دخل في كل واحد منها ما هو دونه، هذا هو الترتيب، و أما التفسير فنقول: الفرق بين الحرث و الزرع هو أن الحرث أوائل الزرع و مقدماته /من كراب الأرض، و إلقاء البذر، و سقي المبذور، و الزرع هو آخر الحرث من خروج النبات و استغلاظه و استوائه على الساق، فقوله: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تَحْرُثُونَ أي ما تبتدئون منه من الأعمال أ أنتم تبلغونها المقصود أم اللّه؟و لا يشك أحد في أن إيجاد الحب في السنبلة ليس بفعل الناس، و ليس بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر و السقي، }فإن قيل: هذا يدل على أن اللّه هو الزارع، فكيف قال تعالى: يُعْجِبُ اَلزُّرََّاعَ [الفتح: 29]و

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «الزرع للزارع»

قلنا قد ثبت من التفسير أن الحرث متصل بالزرع، فالحرث أوائل الزرع، و الزرع أواخر الحرث، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر، لكن قوله: يُعْجِبُ اَلزُّرََّاعَ بدلا عن قوله: يعجب الحراث، يدل على أن الحارث إذا كان هو المبتدي، فربما يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات و الزارع لما كان هو المنتهي، و لا يعجبه إلا شي‏ء عظيم، فقال: يُعْجِبُ اَلزُّرََّاعَ الذين تعودوا أخذ الحراث، فما ظنك بإعجابه الحراث، و

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «الزرع للزارع»

فيه فائدة، لأنه لو قال: للحارث فمن ابتدأ بعمل الزرع و أتى بكراب الأرض و تسويتها يصير حارثا، و ذلك قبل إلقاء البذرة لزرع لمن أتى بالأمر المتأخر و هو إلقاء البذر، أي من له البذر على مذهب أبي حنيفة رحمة اللّه تعالى عليه و هذا أظهر، لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يجعل الزرع للملقى سواء كان مالكا أو غاصبا. ثم قال تعالى:

و هو تدريج في الإثبات، و بيانه هو أنه لما قال: أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزََّارِعُونَ [الواقعة: 64]لم يبعد من معاند أن يقول: نحن نحرث و هو بنفسه يصير زرعا، لا بفعلنا و لا بفعل غيرنا، فقال تعالى: و لو سلم لكم هذا الباطل هذا الباطل، فما تقولون في سلامته عن الآفات التي تصيبه، فيفسد قبل اشتداد الحب و قبل انعقاده، أو قبل اشتداد الحب و قبل ظهور الحب فيه، فهل تحفظونه منها أو تدفعونها عنه، أو هذا الزرع بنفسه يدفع عن نفسه تلك الآفات، كما تقولون: إنه بنفسه ينبت، و لا يشك أحد أن دفع الآفات بإذن اللّه تعالى، و حفظه عنها بفضل اللّه، و على هذا أعاده ليذكر أمورا مرتبة بعضها على بعض فيكون الأمر الأول: للمهتدين و الثاني: للظالمين و الثالث: للمعاندين الضالين فيذكر الأمر الذي لا شك فيه في آخر الأمر إقامة للحجة على الضال المعاند.

و فيه سؤال و هو أنه تعالى هاهنا قال: لَجَعَلْنََاهُ بلام الجواب و قال في الماء: جَعَلْنََاهُ أُجََاجاً

421

[الواقعة: 7]من غير لام فما الفرق بينهما؟نقول: ذكر الزمخشري عنه جوابين أحدهما: قوله تعالى: لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََاهُ حُطََاماً كان قريب الذكر فاستغنى بذكر اللام فيه عن ذكرها ثانيا، و هذا ضعيف لأن/و قوله تعالى:

لَوْ نَشََاءُ لَطَمَسْنََا عَلى‏ََ أَعْيُنِهِمْ [يس: 66]مع قوله: لَوْ نَشََاءُ لَمَسَخْنََاهُمْ [يس: 67]أقرب من قوله:

لَجَعَلْنََاهُ حُطََاماً و جَعَلْنََاهُ أُجََاجاً [الواقعة: 70]اللهم إلا أن نقول: هناك أحدهما قريب من الآخر ذكرا لا معنى لأن الطمس لا يلزمه المسخ و لا بالعكس و المأكول معه المشروب في الدهر، فالأمران تقاربا لفظا و معنى و الجواب الثاني: أن اللام يفيد نوع تأكيد فذكر اللام في المأكول ليعلم أن أمر المأكول أهم من أمر المشروب و أن نعمته أعظم و ما ذكرنا أيضا وارد عليه لأن أمر الطمس أهون من أمر المسخ و أدخل فيهما اللام، و هاهنا جواب آخر يبين بتقديم بحث عن فائدة اللام في جواب لو، فنقول: حرف الشرط إذا دخل على الجملة يخرجها عن كونها جملة في المعنى فاحتاجوا إلى علامة تدل على المعنى، فأتوا بالجزم في المستقبل لأن الشرط يقتضي جزاء، و فيه تطويل فالجزم الذي هو سكون أليق بالموضع و بينه و بين المعنى أيضا مناسبة لكن كلمة لو مختصة بالدخول على الماضي معنى فإنها إذا دخلت على المستقبل جعلته ماضيا، و التحقيق فيه أن الجملة الشرطية لا تخرج عن أقسام فإنها إذا ذكرت لا بد من أن يكون الشرط معلوم الوقوع لأن الشرط إن كان معلوم الوقوع فالجزاء لازم الوقوع فجعل الكلام جملة شرطية عدول عن جملة إسنادية إلى جملة تعليقية و هو تطويل من غير فائدة فقول القائل: آتيك إن طلعت الشمس تطويل و الأولى أن يقول: آتيك جزما من غير شرط فإذا علم هذا فحال الشرط لا يخلو من أن يكون معلوم العدم أو مشكوكا فيه فالشرط إذا وقع على قسمين فلا بد لهما من لفظين و هما إن و لو، و اختصت إن بالشكوك، و لو بمعلوم لأمر بيناه في موضع آخر لكن ما علم عدم يكون الآخر فقد أثبت منه فهو ماض أو في حكمه لأن العلم بالأمور يكون بعد وقوعها و ما يشك فيه فهو مستقبل أو في معناه لأننا نشك في الأمور المستقبلة أنها تكون أو لا تكون و الماضي خرج عن التردد، و إذا ثبت هذا، فنقول:

لما دخل لو على الماضي و ما اختلف آخر بالعامل لم يتبين فيه إعراب، و إن لما دخل على المستقبل بان فيه الإعراب، ثم إن الجزاء على حسب الشرط و كان الجزاء في باب لو ماضيا فلم يتبين فيه الحال و لا سكون، فيضاف له حرف يدل على خروجه عن كونه جملة و دخوله في كونه جزء جملة، إذا ثبت هذا فنقول: عند ما يكون الجزاء ظاهرا يستغني عن الحرف الصارف، لكن كون الماء المذكور في الآية، و هو الماء المشروب المنزل من المزن أجاجا ليس أمرا واقعا يظن أنه خبر مستقل، و يقويه أنه تعالى يقول: جَعَلْنََاهُ أُجََاجاً على طريقة الإخبار و الحرث و الزرع كثيرا ما وقع كونه حطاما فلو قال: جعلناه حطاما، كان يتوهم منه الإخبار فقال هناك: لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََاهُ ليخرجه عما هو صالح له في الواقع، و هو الحطامية و قال الماء المنزل المشروب من المزن جعلناه أجاجا لأنه لا يتوهم ذلك فاستغنى عن اللام، و فيه لطيفة: أخرى نحوية، و هي أن في القرآن إسقاط اللام عن جزاء لو حيث كانت لو داخلة على مستقبل لفظا، و أما إذا كان ما دخل عليه لو ماضيا، و كان الجزاء موجبا فلا كما في قوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنََا لَآتَيْنََا [السجدة: 13]و لَوْ هَدََانَا اَللََّهُ لَهَدَيْنََاكُمْ [إبراهيم:

21]و ذلك لأن لو إذا دخلت على فعل مستقل كما في/قوله: لَوْ نَشََاءُ فقد أخرجت عن حيزها لفظا، لأن لو للماضي فإذا خرج الشرط عن حيزه جاز في الجزاء الإخراج عن حيزه لفظا و إسقاط اللام عنه، لأن إن كان حيزها المستقبل و تدخل على المستقبل، فإذا جعل ما دخل إن عليه ماضيا كقولك: إن جئتني، جاز في الخبر الإخراج عن حيزه و ترك الجزم فنقول: أكرمك بالرفع، و أكرمك بالجزم، كما تقول في: لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََاهُ

422

و في: لَوْ نَشََاءُ جَعَلْنََاهُ [الواقعة: 70]و ما ذكرناه من الجواب في قوله: أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ أَطْعَمَهُ [يس: 47]إذا نظرت إليه تجده مستقيما، و حيث لم يقل: لو شاء اللََّه أطعمه، علم أن الآخر جزاء و لم يبق فيه توهم، لأنه إما أن يكون عند المتكلم، و ذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه، و إما أن يكون عندهم و ذلك غير جائز هاهنا، لأن قولهم: لو شاء اللََّه أطعمه رد على المؤمنين في زعمهم يعني أنتم تقولون: إن اللََّه لو شاء فعل فلا نطعم من لو شاء اللََّه أطعمه على زعمكم، فلما كان أطعمه جزاء معلوما عند السامع و المتكلم استغنى عن اللام، و الحطام كالفتات و الجذاذ و هو من الحطم كما أن الفتات و الجذاذ من الفت و الجذ و الفعال في أكثر الأمر يدل على مكروه أو منكر، أما في المعاني: فكالسبات و الفواق و الزكام و الدوار و الصداع لأمراض و آفات في الناس و النبات. و أما في الأعيان: فكالجذاذ و الحطام و الفتات و كذا إذا لحقته الهاء كالبرادة و السحالة، و فيه زيادة بيان و هو أن ضم الفاء من الكلمة يدل على ما ذكرنا في الأفعال فإنا نقول: فعل لما لم يسم فاعله و كان السبب أن أوائل الكلم لما لم يكن فيه التخفيف المطلق و هو السكون لم يثبت التثقيل المطلق و هو الضم، فإذا ثبت فهو لعارض، فإن علم كما ذكرنا فلا كلام و إن لم يعلم كما في برد و قفل فالأمر خفي يطول ذكره و الوضع يدل عليه في الثلاثي. }}و قوله تعالى: إِنََّا لَمُغْرَمُونَ‏`بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ و فيه و جهان: أما على الوجه الأول: كأنما هو كلام مقدر عنهم كأنه يقول: و حينئذ يحق أن تقولوا: إنا لمعذبون دائمون في العذاب.

و أما على الوجه الثاني: فيقولون: إنا لمعذبون و محرمون عن إعادة الزرع مرة أخرى، يقولون: إنا لمعذبون بالجوع بهلاك الزرع و محرومون عن دفعه بغير الزرع لفوات الماء و الوجه الثالث: في الغرم إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل و أصل الغرم و الغرام لزوم المكروه. ثم قال تعالى:

خصه بالذكر لأنه ألطف و أنظف أو تذكيرا لهم بالإنعام عليهم، و المزن السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ و على مدافعة الأمر و هو التزم في بعض اللغات/السحاب الذي مس الأرض و قد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة، و الظاهر أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم، و قد ذكرناه في قوله تعالى: هََذََا عَذْبٌ فُرََاتٌ وَ هََذََا مِلْحٌ أُجََاجٌ [الفرقان: 53]ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه و الأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه و هي البرودة و اللطافة، و في الماء الآخر أيضا صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه و الأخرى عائدة إلى كيفية لمسه و هي الحرارة، ثم قال تعالى:

فَلَوْ لاََ تَشْكُرُونَ لم يقل عند ذكر الطعام الشكر و ذلك لوجهين أحدهما: أنه لم يذكر في المأكول أكلهم، فلما لم يقل: تأكلون لم يقل: تشكرون و قال في الماء: تَشْرَبُونَ فقال: تَشْكُرُونَ و الثاني: أن في المأكول قال: تَحْرُثُونَ [الواقعة: 63]فأثبت لهم سعيا فلم يقل: تشكرون و قال في الماء: } أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُزْنِ لا عمل لكم فيه أصلا فهو محض النعمة فقال: } فَلَوْ لاََ تَشْكُرُونَ و فيه وجه ثالث: و هو الأحسن أن يقال: النعمة لا تتم إلا عند الأكل و الشرب ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئا

423

مخافة العطش، فلما ذكر المأكول أولا و أتمه بذكر المشروب ثانيا قال: فَلَوْ لاََ تَشْكُرُونَ على هذه النعمة التامة. ثم قال تعالى:

أي: تقدمون.

و في شجرة النار وجوه أحدها: أنها الشجرة التي تورى النار منها بالزند و الزندة كالمرخ و ثانيهما: الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار، لأن النار لا تتعلق بكل شي‏ء كما تتعلق بالحطب و ثالثها: أصول شعلها و وقود شجرتها و لو لا كونها ذات شعل لما صلحت لإنضاج الأشياء و الباقي ظاهر.

في قوله: تَذْكِرَةً وجهان أحدهما: تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى اللََّه تعالى و عذابه إذا رأى النار الموقدة و ثانيهما: تذكرة بصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت و قد ذكرناه في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً [يس: 80]و المقوى: هو الذي أوقده فقواه و زاده و فيه لطيفة: و هو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها متاعا ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم و بالذكر أهم. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في وجه تعلقه بما قبله؟ نقول: لما ذكر اللََّه تعالى حال المكذبين بالحشر و الوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق و الرزق و لم يفدهم الإيمان قال لنبيه صلى اللََّه عليه و سلم: /أن وظيفتك أن تكمل في نفسك و هو علمك بربك و عملك لربك: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ و قد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلشَّمْسِ* [طه: 130]و في موضع آخر.

المسألة الثانية: التسبيح التنزيه عما لا يليق به فما فائدة ذكر الاسم و لم يقل: فسبح بربك العظيم؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: هو المشهور و هو أن الاسم مقحم، و على هذا الجواب فنقول: فيه فائدة زيادة التعظيم، لأن من عظم عظيما و بالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا و عظمه، فلا يذكر اسمه في موضع وضيع و لا على وجه الاتفاق كيفما اتفق، و ذلك لأن من يعظم شخصا عند حضوره ربما لا يعظمه عند غيبته فيذكره باسم علمه، فإن كان بمحضر منه لا يقول ذلك، فإذا عظم عنده لا يذكره في حضوره و غيبته إلا بأوصاف العظمة، فإن قيل: فعلى هذا فما فائدة الباء و كيف صار ذلك، و لم يقل: فسبح اسم ربك العظيم، أو الرب العظيم، نقول:

قد تقدم مرارا أن الفعل إذا كان تعلقه بالمفعول ظاهرا غاية الظهور لا يتعدى إليه بحرف فلا يقال: ضربت بزيد بمعنى ضربت زيدا، و إذا كان في غاية الخفاء لا يتعدى إليه إلا بحرف فلا يقال: ذهبت زيدا بمعنى ذهبت بزيد، و إذا كان بينهما جاز الوجهان فنقول: سبحته و سبحت به و شكرته و شكرت له، إذا ثبت هذا فنقول: لما علق‏

424

التسبيح بالاسم و كان الاسم مقحما كان التسبيح في الحقيقة متعلقا بغيره و هو الرب و كان التعلق خفيا من وجه فجاز إدخال الباء، فإن قيل: إذا جاز الإسقاط و الإثبات فما الفرق بين هذا الموضع و بين قوله تعالى: سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى ؟[الأعلى: 1]فنقول: هاهنا تقديم الدليل على العظمة أن يقال: الباء في قوله: بِاسْمِ غير زائدة، و تقريره من وجهين أحدهما: أنه لما ذكر الأمور و قال: نحن أم أنتم، فاعترف الكل بأن الأمور من اللََّه، و إذا طولبوا بالوحدانية قالوا: نحن لا نشرك في المعنى و إنما نتخذ أصناما آلهة في الاسم و نسميها آلهة و الذي خلقها و خلق السموات هو اللََّه فنحن ننزهه في الحقيقة فقال: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ و كما أنك أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراكهما في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكهما في الاسم، و لا تقل لغيره إله، فإن الاسم يتبع المعنى و الحقيقة، و على هذا فالخطاب لا يكون مع النبي صلى اللََّه عليه و سلم بل يكون كما يقول الواعظ: يا مسكين أفنيت عمرك و ما أصلحت عملك، و لا يريد أحدا بعينه، و تقديره يا أيها المسكين السامع و ثانيهما: أن يكون المراد بذكر ربك، أي إذا قلت: و تولوا، فسبح ربك بذكر اسمه بين قومك و اشتغل بالتبليغ، و المعنى اذكره باللسان و القلب و بين وصفه لهم و إن لم يقبلوا فإنك مقبل على شغلك الذي هو التبليغ، و لو قال: فسبح ربك، ما أفاد الذكر لهم، و كان ينبئ عن التسبيح بالقلب، و لما قال: فسبح باسم ربك، و الاسم هو الذي يذكر لفظا دل على أنه مأمور بالذكر اللساني و ليس له أن يقتصر على الذكر القلبي و يحتمل أن يقال: فسبح مبتدئا باسم ربك العظيم فلا تكون الباء زائدة.

المسألة الثالثة: كيف يسبح ربنا؟ نقول: إما معنى، فبأن يعتقد فيه أنه واحد منزه عن/الشريك و قادر بري‏ء عن العجز فلا يعجز عن الحشر و إما لفظا فبأن يقال: سبحان اللََّه و سبحان اللََّه العظيم، و سبحانه عما يشركون، أو ما يقوم مقامه من الكلام الدال على تنزيهه عن الشريك و العجز فإنك إذا سبحته و اعتقدت أنه واحد منزه عن كل ما لا يجوز في حقيقته، لزم أن لا يكون جسما لأن الجسم فيه أشياء كثيرة و هو واحد حقيقي لا كثرة لذاته، و لا يكون عرضا و لا في مكان، و كل مالا يجوز له ينتفي عنه بالتوحيد و لا يكون على شي‏ء، و لا في شي‏ء، و لا عن شي‏ء، و إذا قلت: هو قادر ثبت له العلم و الإرادة و الحياة و غيرها من الصفات و سنذكر ذلك في تفسير سورة الإخلاص إن شاء اللََّه تعالى.

المسألة الرابعة: ما الفرق بين اَلْعَظِيمِ و بين‏ اَلْأَعْلَى ، و هل في ذكر اَلْعَظِيمِ هنا بدل‏ اَلْأَعْلَى و ذكر الأعلى في قوله: سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى [الأعلى: 1]بدل اَلْعَظِيمِ فائدة؟نقول: أما الفرق بين العظيم و الأعلى فهو أن العظيم يدل على القرب، و الأعلى يدل على البعد، بيانه هو أن ما عظم من الأشياء المدركة بالحس قريب من كل ممكن، لأنه لو بعد عنه لخلا عنه موضعه، فلو كان فيه أجزاء أخر لكان أعظم مما هو عليه فالعظيم بالنسبة إلى الكل هو الذي يقرب من الكل، و أما الصغير إذا قرب من جهة فقد بعد عن أخرى، و أما العلي فهو البعيد عن كل شي‏ء لأن ما قرب من شي‏ء من جهة فوق يكون أبعد منه و كان أعلى فالعلي المطلق بالنسبة إلى كل شي‏ء هو الذي في غاية البعد عن كل شي‏ء، إذا عرفت هذا فالأشياء المدركة تسبح اللََّه، و إذا علمنا من اللََّه معنى سلبيا فصح أن نقول: هو أعلى من أن يحيط به إدراكنا و إذا علمنا منه وصفا ثبوتيا من علم و قدرة يزيد تعظيمه أكثر مما وصل إليه علمنا، فنقول: هو أعظم و أعلى من أن يحيط به علمنا، و قولنا: أعظم معناه عظيم لا عظيم مثله، ففيه مفهوم سلبي و مفهوم ثبوتي و قوله: أعلى، معناه هو علي و لا علي مثله، و العلي‏

425

إشارة إلى مفهوم سلبي و الأعلى مثله بسبب آخر، فالأعلى مستعمل على حقيقته لفظا و معنى، و الأعظم مستعمل على حقيقته لفظا، و فيه معنى سلبي، و كأن الأصل في العظيم مفهوم ثبوتي لا سلب فيه فالأعلى أحسن استعمالا من الأعظم هذا هو الفرق. ثم قال تعالى:

في قوله تعالى فَلاََ أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الترتيب و وجهه هو أن اللََّه تعالى لما أرسل رسوله بالهدى و دين الحق آتاه كل ما ينبغي له و طهره عن كل مالا ينبغي له فآتاه الحكمة و هي البراهين القاطعة و استعمالها على وجوهها، و الموعظة الحسنة و هي الأمور المفيدة المرققة للقلوب المنورة للصدور، و المجادلة التي هي على أحسن الطرق فأتى بها و عجز الكل عن معارضته بشي‏ء و لم يؤمنوا و الذي يتلى عليه، كل ذلك و لا يؤمن لا يبقى له غير أنه يقول: هذا البيان ليس لظهور المدعى بل لقوة ذهن المدعى و قوته على تركيب الأدلة و هو يعلم أنه يغلب بقوة جداله لا بظهور مقاله و ربما يقول أحد المناظرين للآخر عند/انقطاعه أنت تعلم أن الحق بيدي لكن تستضعفني و لا تنصفني و حينئذ لا يبقى للخصم جواب غير القسم بالأيمان التي لا مخارج عنها أنه غير مكابر و أنه منصف، و ذلك لأنه لو أتى بدليل آخر لكان له أن يقول: و هذا الدليل أيضا غلبتني فيه بقوتك و قدرتك، فكذلك النبي صلى اللََّه عليه و سلم لما آتاه اللََّه جل و عز ما ينبغي قالوا: إنه يريد التفضل علينا و هو يجادلنا فيما يعلم خلافه، فلم يبق له إلا أن يقسم فأنزل اللََّه تعالى عليه أنواعا من القسم بعد الدلائل، و لهذا كثرت الأيمان في أوائل التنزيل و في السبع الأخير خاصة.

المسألة الثانية: في تعلق الباء، نقول: إنه لما بين أنه خالق الخلق و الرزق و له العظمة بالدليل القاطع و لم يؤمنوا قال: لم يبق إلا القسم فأقسم باللّه إني لصادق.

المسألة الثالثة: ما المعنى من قوله. فَلاََ أُقْسِمُ مع أنك تقول: إنه قسم؟ نقول: فيه وجوه منقولة و معقولة غير مخالفة للنقل، أما المنقول فأحدها: أن (لا) زائدة مثلها في قوله تعالى: لِئَلاََّ يَعْلَمَ [الحديد:

29]معناه ليعلم ثانيها: أصلها لأقسم بلام التأكيد أشبعت فتحتها فصارت لا كما في الوقف ثالثها: لا، نافية و أصله على مقالتهم و القسم بعدها كأنه قال: لا، و اللََّه لا صحة لقول الكفار أقسم عليه، أما المعقول فهو أن كلمة لا هي نافية على معناها غير أن في الكلام مجازا تركيبيا، و تقديره أن نقول: لا في النفي هنا كهي في قول القائل لا تسألني عما جرى علي، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله فإن غرضه من السؤال لا يحصل و لا يكون غرضه من ذلك النهي إلا بيان عظمة الواقعة و يصير كأنه قال: جرى على أمر عظيم. و يدل عليه أن السامع يقول له ماذا جرى عليك و لو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال:

ماذا جرى عليك، فيصح منه أن يقول: أخطأت حيث منعتك عن السؤال، ثم سألتني و كيف لا، و كثيرا ما يقول ذلك القائل الذي قال: لا تسألني عند سكون صاحبه عن السؤال، أو لا تسألني، و لا تقول: ماذا جرى عليك و لا يكون للسامع أن يقول: إنك منعتني عن السؤال كل ذلك تقرر في أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لا النهي، إذا علم هذا فنقول في القسم: مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة في غاية الظهور فيقول: لا

426

أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر، و أكثر من أن ينكر، فيقول: لا أقسم و لا يريد به القسم و نفيه، و إنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة، و إما لكون المقسم به فوق ما يقسم به، و المقسم صار يصدق نفسه فيقول لا أقسم يمينا بل ألف يمين، و لا أقسم برأس الأمير بل برأس السلطان و يقول: لا أقسم بكذا مريدا لكونه في غاية الجزم و الثاني: يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن و المقسم به هو اللََّه تعالى أو صفة من صفاته، و إنما جاءت أمور مخلوقة و الأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا إن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء كما في قوله: وَ اَلصَّافََّاتِ [الصافات: 1]المراد منه رب الصافات و رب القيامة و رب الشمس إلى غير ذلك فإذا قوله: فَلاََ أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه، و أن يتطرق الشك إليه.

المسألة الرابعة: مواقع النجوم ما هي؟ فنقول: فيه وجوه الأول: المشارق و المغارب أو المغارب وحدها، فإن عندها سقوط النجوم الثاني: هي مواضعها في السماء في بروجها و منازلها الثالث: مواقعها في اتباع الشياطين عند المزاحمة الرابع: مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم، و أما مواقع نجوم القرآن، فهي قلوب عباده و ملائكته و رسله و صالحي المؤمنين، أو معانيها و أحكامها التي وردت فيها.

المسألة الخامسة: هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة؟ قلنا: نعم فائدة جليلة، و بيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك هي من الدلائل، و قد بيناه في الذاريات، و في الطور، و في النجم، و غيرها، فنقول: هي هنا أيضا كذلك، و ذلك من حيث إن اللََّه تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني و موته، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس قدرته و اختياره، ثم لما ذكر دليلا من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضا قدرته و اختياره، فقال: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تَحْرُثُونَ [الواقعة: 63] أَ فَرَأَيْتُمُ اَلْمََاءَ [الواقعة: 68]إلى غير ذلك، و ذكر قدرته على زرعه و جعله حطاما، و خلقه الماء فراتا عذبا، و جعله أجاجا، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار، و لم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئا، فذكر الدليل السماوي في معرض القسم، و قال:

مواقع النجوم، فإنها أيضا دليل الاختيار، لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل فاعل مختار، فقال: بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ ليس إلى البراهين النفسية و الآفاقية بالذكر كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53]و هذا كقوله تعالى: وَ فِي اَلْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ*`وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ [الذاريات: 20، 21] وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22]حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا، ثم قال تعالى: وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ و الضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى: فَلاََ أُقْسِمُ فإنه يتضمن ذكر المصدر، و لهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل، فيقال: ضربته قويا، و فيه مسائل نحوية و معنوية، أما النحوية:

فالمسألة الأولى: هو أن يقال: جواب لَوْ تَعْلَمُونَ ما ذا؟ و ربما يقول بعض من لا يعلم: إن جوابه ما تقدم و هو فاسد في جميع المواضع، لأن جواب الشرط لا يتقدم، و ذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها، فلا يقال: زيدا إن قام و لا غيره من الحروف و السر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعاني، و يميز بين الفاعل و المفعول و غيرهما، فإذا كان العامل معنى لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه و تأخر مدرك بالحس، جاز أن يقال: قائما ضربت زيد، أو ضربا شديدا ضربته، و أما الحروف فلها تقدم و تأخر مدرك بالحس فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني، إذا ثبت هذا فنقول: عمل

427

حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة، فإذا قلت: من، و أن، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على/عمله مع أن المعنى أمكن فرضه متقدما و متأخرا، و عمل الأفعال عمل معنوي، و عمل الحروف عمل مشبه بالمعنى، إذا ثبت هذا فنقول في قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهََا لَوْ لاََ أَنْ رَأى‏ََ [يوسف: 24]قال بعض الوعاظ متعلق بلولا، فلا يكون الهم وقع منه، و هو باطل لما ذكرنا، و هنا أدخل في البطلان، لأن المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر، فإن من قال: لو تعلمون إن زيدا لقائم، لم يأت بالعربية، إذا تبين هذا فالقول يحتمل وجهين أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية لم يقصد بذلك جواب، و إنما يراد نفي ما دخلت عليه لو، و كأنه قال: و إنه لقسم لا تعلمون، و تحقيقه أن لو تذكر لامتناع الشي‏ء لامتناع غيره، فلا بد من انتفاء الأول، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم منتف، سواء علمنا الجواب أو لم نعلم، و هو كقولهم في الفعل المتعدي فلان يعطى و يمنع، حيث لا يقصد به مفعول، و إنما يراد إثبات القدرة، و على هذا إن قيل: فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة، و ترك قوله: إنه لقسم و لا تعلمون؟فنقول: فائدته تأكيد النفي، لأن من قال: لو تعلمون كان ذلك دعوى منه، فإذا طولب و قيل: لم قلت إنا لا نعلم يقول: لو تعلمون لفعلتم كذا، فإذا قال في ابتداء الأمر: لا تعلمون كان مريدا للنفي، فكأنه قال: أقول: إنكم لا تعلمون قولا من غير تعلق بدليل و سبب و ثانيهما: أن يكون له جواب تقديره: لو تعلمون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه، فعلم أنكم لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم، و لا تعظيم فلا تعلمون.

المسألة الثانية: إن قيل قوله: لَوْ تَعْلَمُونَ هل له مفعول أم لا؟ قلنا: على الوجه الأول لا مفعول له، كما في قولهم: فلان يعطي و يمنع، و كأنه قال: لا علم لكم، و يحتمل أن يقال: لا علم لكم بعظم القسم، فيكون له مفعول، و الأول أبلغ و أدخل في الحسن، لأنهم لا يعلمون شيئا أصلا لأنهم لو علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة، فهو كقوله: صُمٌّ بُكْمٌ* [البقرة: 18]و قوله: كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ* [الأعراف: 179]و على الثاني أيضا يحتمل وجهين أحدهما: لو كان لكم علم بالقسم لعظمتموه و ثانيهما: لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه.

المسألة الثالثة: كيف تعلق قوله تعالى: لَوْ تَعْلَمُونَ بما قبله و ما بعده؟ فنقول: هو كلام اعتراض في أثناء الكلام تقديره: و إنه لقسم عظيم لو تعلمون لصدقتم، فإن قيل: فما فائدة الاعتراض؟نقول: الاهتمام بقطع اعتراض المعترض، لأنه لما قال: وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ أراد أن يصفه بالعظمة بقوله: عظيم و الكفار كانوا يجهلون ذلك و يدعون العلم بأمور النجم، و كانوا يقولون: لو كان كذلك فما باله لا يحصل لنا علم و ظن، فقال: لو تعلمون لحصل لكم القطع، و على ما ذكرنا الأمر أظهر من هذا، و ذلك لأنا قلنا: إن قوله: فَلاََ أُقْسِمُ معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين، و الكفار كانوا يقولون: أين الظهور و نحن نقطع بعدمه، فقال: لو تعلمون شيئا لما كان كذلك، و الأظهر منه أنا بينا أن كل ما جعله اللّه قسما فهو في نفسه دليل على المطلوب و أخرجه مخرج القسم، فقوله: وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ معناه عند التحقيق، و إنه دليل و برهان قوي لو تعلمون وجهه لاعترفتم بمدلوله، و هو التوحيد/و القدرة على الحشر، و ذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور و لا يلزم الفلاسفة دليل أظهر منه، و أما المعنوية:

428

فالمسألة الأولى: ما المقسم عليه؟ نقول: فيه و وجهان الأول: القرآن كانوا يجعلونه تارة شعرا و أخرى سحرا و غير ذلك و ثانيهما: هو التوحيد و الحشر و هو أظهر، و قوله: لَقُرْآنٌ ابتداء كلام و سنبين ذلك.

المسألة الثانية: ما الفائدة في وصفه بالعظيم في قوله: وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ فنقول: لما قال: فَلاََ أُقْسِمُ و كان معناه: لا أقسم بهذا لوضوح المقسم به عليه. قال: لست تاركا للقسم بهذا، لأنه ليس بقسم أو ليس بقسم عظيم، بل هو قسم عظيم و لا أقسم به، بل بأعظم منه أقسم لجزمي بالأمر و علمي بحقيقته.

المسألة الثالثة: اليمين في أكثر الأمر توصف بالمغلظة، و العظم يقال: في المقسم حلف فلان بالأيمان العظام، ثم تقول في حقه يمين مغلظة لأن آثامها كبيرة. و أما في حق اللّه عز و جل فبالعظيم و ذلك هو المناسب، لأن معناه هو الذي قرب قوله من كل قلب و ملأ الصدر بالرعب لما بينا أن معنى العظيم فيه ذلك، كما أن الجسم العظيم هو الذي قرب من أشياء عظيمة و ملأ أماكن كثيرة من العظم، كذلك العظيم الذي ليس بجسم قرب من أمور كثيرة، و ملأ صدورا كثيرة. ثم قال تعالى:

}و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الضمير في قوله تعالى: إِنَّهُ عائد إلى ما ذا؟ فنقول: فيه وجهان أحدهما: إلى معلوم و هو الكلام الذي أنزل على محمد صلى اللّه عليه و سلم، و كان معروفا عند الكل، و كان الكفار يقولون: إنه شعر و إنه سحر، فقال تعالى ردا عليهم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ عائد إلى مذكور و هو جميع ما سبق في سورة الواقعة من التوحيد، و الحشر، و الدلائل المذكورة عليهما، و القسم الذي قال فيه: وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ [الواقعة: 76]و ذلك لأنهم قالوا:

هذا كله كلام محمد و مخترع من عنده، فقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏`فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ .

المسألة الثانية: القرآن مصدر أو اسم غير مصدر؟ فنقول: فيه وجهان أحدهما: مصدر أريد به المفعول و هو المقروء و مثله في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ [الرعد: 31]و هذا كما يقال في الجسم العظيم: أنظر إلى قدرة اللّه تعالى أي مقدوره و هو كما في قوله تعالى: هََذََا خَلْقُ اَللََّهِ فَأَرُونِي [لقمان: 11] ثانيهما: اسم لما يقرأ كالقربان لما يتقرب به، و الحلوان لما يحلى به فم المكاري أو الكاهن/و على هذا سنبين فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزكاة: يعطى شيئا أعلى مما وجب و يأخذ الجبران أو يعطى شيئا دونه، و يعطى الجبران أيضا، حيث قال: الجبران مصدر لا يؤخذ و لا يعطى، فيقال له هو كالقرآن بمعنى المقروء، و يجوز أن يقال: لما أخذ جابر أو مجبور أو يقال: هو اسم لما يجبر به كالقربان.

المسألة الثالثة: إذا كان هذا الكلام للرد على المشركين فهم ما كانوا ينكرون كونه مقروءا فما الفائدة في قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ ؟ نقول فيه وجهان أحدهما: أنه إخبار عن الكل و هو قوله: قرآن كريم فهم كانوا ينكرون‏

429

كونه قرآنا كريما و هم ما كانوا يقرون به و ثانيهما: و هو أحسن من الأول، أنهم قالوا: هو مخترع من عنده و

كان النبي صلى اللََّه عليه و سلم يقول: إنه مسموع سمعته و تلوته عليكم‏

فما كان القرآن عندهم مقروءا، و ما كانوا يقولون: إن النبي صلى اللََّه عليه و سلم يقرأ القرآن و فرق بين القراءة و الإنشاء، فلما قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ أثبت كونه مقروءا على النبي صلى اللََّه عليه و سلم ليقرأ و يتلى فقال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ سماه قرآنا لكثرة ما قرئ، و يقرأ إلى الأبد بعضه في الدنيا و بعضه في الآخرة.

المسألة الرابعة: قوله: كَرِيمٌ فيه لطيفة؟ و هي أن الكلام إذا قرئ كثيرا يهون في الأعين و الآذان، و لهذا ترى من قال: شيئا في مجلس الملوك لا يذكره ثانيا، و لو قيل فيه: يقال لقائله لم تكرر هذا، ثم إنه تعالى لما قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ أي مقروء قرئ و يقرأ، قال: كَرِيمٌ أي لا يهون بكثرة التلاوة و يبقى أبد الدهر كالكلام الغض و الحديث الطري، و من هنا يقع أن وصف القرآن بالحديث مع أنه قديم يستمد من هذا مددا فهو قديم يسمعه السامعون كأنه كلام الساعة، و ما قرع سمع الجماعة لأن الملائكة الذين علموه قبل النبي بألوف من السنين إذا سمعوه من أحدنا يتلذذون به التذاذ السامع بكلام جديد لم يذكر له من قبل، و الكريم اسم جامع لصفات المدح، قيل: الكريم هو الذي كان طاهر الأصل ظاهر الفضل، حتى إن من أصله غير زكي لا يقال له كريم مطلقا، بل يقال له: كريم في نفسه، و من يكون زكي الأصل غير زكي النفس لا يقال له: كريم إلا مع تقييد، فيقال: هو كريم الأصل لكنه خسيس في نفسه، ثم إن السخي المجرد هو الذي يكثر عطاؤه للناس، أو يسهل عطاؤه و يسمى كريما، و إن لم يكن له فضل آخر لا على الحقيقة و لكن ذلك لسبب، و هو أن الناس يحبون من يعطيهم، و يفرحون بمن يعطى أكثر مما يفرحون بغيره، فإذا رأوا زاهدا أو عالما لا يسمونه كريما، و يؤيد هذا أنهم إذا رأوا واحدا لا يطلب منهم شيئا يسمونه كريم النفس لمجرد تركه الاستعطاء لما أن الأخذ منهم صعب عليهم و هذا كله في العادة الرديئة، و أما في الأصل فيقال: الكريم هو الذي استجمع فيه ما ينبغي من طهارة الأصل و ظهور الفضل، و يدل على هذا أن السخي في معاملته ينبغي أن لا يوجد منه ما يقال بسببه إنه لئيم، فالقرآن أيضا كريم بمعنى طاهر الأصل ظاهر الفضل لفظه فصيح، و معناه صحيح لكن القرآن أيضا كريم على مفهوم العوام فإن كل من/طلب منه شيئا أعطاه، فالفقيه يستدل به و يأخذ منه، و الحكيم يستمد به و يحتج به، و الأديب يستفيد منه و يتقوى به، و اللََّه تعالى وصف القرآن بكونه كريما، و بكونه عزيزا، و بكونه حكيما، فلكونه كريما كل من أقبل عليه نال منه ما يريده فإن كثيرا من الناس لا يفهم من العلوم شيئا و إذا اشتغل بالقرآن سهل عليه حفظه، و قلما يرى شخص يحفظ كتابا يقرؤه بحيث لا يغير منه كلمة بكلمة، و لا يبدل حرفا بحرف و جميع القراء يقرءون القرآن من غير توقف و لا تبديل، و لكونه عزيزا أن كل من يعرض عنه لا يبقى معه منه شي‏ء، بخلاف سائر الكتب، فإن من قرأ كتابا و حفظه ثم تركه يتعلق بقلبه معناه حتى ينقله صحيحا، و القرآن من تركه لا يبقى معه منه شي‏ء لعزته و لا يثبت عند من لا يلزمه بالحفظ، و لكونه حكيما من اشتغل به و أقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم. و قوله تعالى: فِي كِتََابٍ جعله شيئا مظروفا بكتاب فما ذلك؟نقول فيه و جهان أحدهما: المظروف: القرآن، أي هو قرآن في كتاب، كما يقال: فلان رجل كريم في بيته، لا يشك السامع أن مراد القائل: أنه في الدار قاعد و لا يريد به أنه كريم إذا كان في الدار، و غير كريم إذا كان خارجا و لا يشك أيضا أنه لا يريد به أنه كريم في بيته، بل المراد أنه رجل كريم و هو في البيت، فكذلك هاهنا أن القرآن الكريم و هو في‏

430

كتاب، أو المظروف كريم على معنى أنه كريم في كتاب، كما يقال: فلان رجل كريم في نفسه، فيفهم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلا مظروفا فإن القائل: لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو نائم، و إنما أراد به أنه كريم كرمه في نفسه، فكذلك قرآن كريم فالقرآن كريم في اللوح المحفوظ و إن لم يكن كريما عند الكفار ثانيهما: المظروف هو مجموع قوله تعالى: (لقرآن كريم) أي هو كذا في كتاب كما يقال: وَ مََا أَدْرََاكَ مََا عِلِّيُّونَ [المطففين: 19] في كتاب اللََّه تعالى، و المراد حينئذ أنه في اللوح المحفوظ نعته مكتوب: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ و الكل صحيح، و الأول أبلغ في التعظيم بالمقروء السماوي.

المسألة الخامسة: ما المراد من الكتاب؟ نقول فيه وجوه الأول: و هو الأصح أنه اللوح المحفوظ و يدل عليه قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ*`فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 20، 21]الثاني: الكتاب هو المصحف الثالث: كتاب من الكتب المنزلة فهو قرآن في التوراة و الإنجيل و غيرهما فإن قيل كيف سمي الكتاب كتابا و الكتاب فعال، و هو إذا كان للواحد فهو إما مصدر كالحساب و القيام و غيرهما، أو اسم لما يكتب كاللباس و اللثام و غيرهما، فكيفما كان فالقرآن لا يكون في كتاب بمعنى المصدر، و لا يكون في مكتوب، و إنما يكون مكتوبا في لوح أو ورق، فالمكتوب لا يكون في الكتاب، إنما يكون في القرطاس، نقول: ما ذكرت من الموازين يدل على أن الكتاب ليس المكتوب و لا هو المكتوب فيه أو المكتوب عليه، فإن اللثام ما يلثم به، و الصوان ما يصان فيه الثوب، لكن اللوح لما لم يكن إلا الذي يكتب فيه صح تسميته كتابا.

المسألة السادسة: المكتوب هو المستور قال اللََّه تعالى: كَأَمْثََالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ [الواقعة: 23]، قال:

بَيْضٌ/مَكْنُونٌ [الصافات: 49]فإن كان المراد من الكتاب اللوح فهو ليس بمستور و إنما الشي‏ء فيه منشور، و إن كان المراد هو المصحف فعدم كونه مكتوبا مستورا، فكيف الجواب عنه؟فنقول: المكنون المحفوظ إذا كان غير عزيز يحفظ بالعين، و هو ظاهر للناس فإذا كان شريفا عزيزا لا يكتفي بالصون و الحفظ بالعين بل يستر عن العيون، ثم كلما تزداد عزته يزداد ستره فتارة يكون مخزونا ثم يجعل مدفونا، فالستر صار كاللازم للصون البالغ فقال: مَكْنُونٍ أي محفوظ غاية الحفظ، فذكر اللام و أراد الملزوم و هو باب من الكلام الفصيح تقول مثلا: فلان كبريت أحمر، أي قليل الوجود و الجواب الثاني: إن اللوح المحفوظ مستور عن العين لا يطلع عليه إلا ملائكة مخصوصون، و لا ينظر إليه إلا قوم مطهرون، و أما القرآن فهو مكتوب مستور أبد الدهر عن أعين المبدلين، مصون عن أيدي المحرفين، فإن قيل: فما فائدة كونه فِي كِتََابٍ و كل مقروء في كتاب؟نقول: هو لتأكيد الرد على الكفار لأنهم كانوا يقولون: إنه مخترع من عنده مفترى، فلما قال: مقروء عليه اندفع كلامهم، ثم إنهم قالوا: إن كان مقروءا عليه فهو كلام الجن فقال: فِي كِتََابٍ أي لم ينزل به عليه الملك إلا بعدم أخذه من كتاب فهو ليس بكلام الملائكة فضلا أن يكون كلام الجن، و أما إذا قلنا: إذا كان كريما فهو في كتاب، ففائدته ظاهرة، و أما فائدة كونه في كتاب مكنون فيكون ردا على من قال: إنه أساطير الأولين في كتب ظاهرة، أي فلم لا يطالعها الكفار، و لم لا يطلعون عليه لا بل هو فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ‏`لاََ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ ، فإذا بين فيما ذكرنا أن وصفه بكونه قرآنا صار ردا على من قال: يذكره من عنده، و قوله: فِي كِتََابٍ رد على من قال: يتلوه عليه الجن حيث اعترف بكونه مقروءا و نازع في شي‏ء آخر، و قوله: مَكْنُونٍ رد على من قال:

إنه مقروء في كتاب لكنه من أساطير الأولين.

431

المسألة السابعة: لاََ يَمَسُّهُ الضمير عائد إلى الكتاب على الصحيح، و يحتمل أن يقال: هو عائد إلى ما عاد إليه المضمر من قوله: إِنَّهُ و معناه: لا يمس القرآن إلا المطهرون، و الصيغة إخبار، لكن الخلاف في أنه هل هو بمعنى النهي، كما أن قوله تعالى: وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة: 228]إخبار بمعنى الأمر، فمن قال: المراد من الكتاب اللوح المحفوظ، و هو الأصح على ما بينا، قال: هو إخبار معنى كما هو إخبار لفظا، إذا قلنا: إن المضمر في يَمَسُّهُ للكتاب، و من قال: المراد المصحف اختلف في قوله، و فيه وجه ضعيف نقله ابن عطية أنه نهي لفظا و معنى و جلبت إليه ضمة الهاء لا للإعراب و لا وجه له.

المسألة الثامنة: إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب اللوح المحفوظ، فالصحيح أن الضمير في لاََ يَمَسُّهُ للكتاب، فكيف يصح قول الشافعي رحمة اللََّه تعالى عليه: لا يجوز مس المصحف للمحدث، نقول:

الظاهر أنه ما أخذه من صريح الآية و لعله أخذه من السنة فإن‏

النبي صلى اللََّه عليه و سلم كتب إلى عمرو بن حزم: «لا يمس القرآن من هو على غير طهر»

أو أخذه من الآية على طريق الاستنباط، و قال: إن المس يطهر صفة من الصفات الدالة على التعظيم و المس بغير طهور/نوع إهانة في المعنى، و ذلك لأن الأضداد ينبغي أن تقابل بالأضداد، فالمس بالمطهر في مقابلة المس على غير طهر، و ترك المس خروج عن كل واحدة منهما فكذلك الإكرام في مقابلة الإهانة و هناك شي‏ء لا إكرام و لا إهانة فنقول: إن من لا يمس المصحف لا يكون مكرما و لا مهينا و بترك المس خرج عن الضدين ففي المس عن الطهر التعظيم، و في المس على الحدث الإهانة فلا تجوز و هو معنى دقيق يليق بالشافعي رحمه اللََّه و من يقرب منه في الدرجة.

ثم إن ههنا لطيفة فقهية: لاحت لهذا الضعيف في حال تفكره في تفسير هذه الآية فأراد تقييدها هنا فإنها من فضل اللََّه فيجب علي إكرامها بالتقييد بالكتاب، و هي أن الشافعي رحمه اللََّه منع المحدث و الجنب من مس المصحف و جعلهما غير مطهرين ثم منع الجنب عن قراءة القرآن و لم يمنع المحدث و هو استنباط منه من كلام اللََّه تعالى، و ذلك لأن اللََّه تعالى منعه عن المسجد بصريح قوله: وَ لاََ جُنُباً [النساء: 43]فدل ذلك على أنه ليس أهلا للذكر لأنه لو كان أهلا للذكر لما منعه من دخول المسجد لأنه تعالى أذن لأهل الذكر في الدخول بقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ [النور: 36]الآية، و المأذون في الذكر في المسجد مأذون في دخول المسجد ضرورة فلو كان الجنب أهلا للذكر لما كان ممنوعا عن دخول المسجد و المكث فيه و أنه ممنوع عنهما و عن أحدهما، و أما المحدث فعلم أنه غير ممنوع عن دخول المسجد فإن من الصحابة من كان يدخل المسجد و جوز النبي صلى اللََّه عليه و سلم نوم القوم في المسجد و ليس النوم حدثا إذ النوم الخاص يلزمه الحكم بالحدث على اختلاف بين الأئمة و ما لم يكن ممنوعا من دخول المسجد لم يثبت كونه غير أهل للذكر فجاز له القراءة، فإن قيل: و كان ينبغي أن لا يجوز للجنب أن يسبح و يستغفر لأنه ذكر، نقول: القرآن هو الذكر المطلق قال اللََّه تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ [الزخرف: 44]و قال اللََّه تعالى: وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ [ص: 1]و قوله:

يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ* مع أنا نعلم أن المسجد يسمى مسجدا، و مسجد القوم محل السجود، و المراد منه الصلاة و الذكر الواجب في الصلاة هو القرآن، فالقرآن، مفهوم من قوله: يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ* ، و من حيث المعقول هو أن غير القرآن ربما يذكر مريدا به معناه فيكون كلاما غير ذكرا، فإن من قال: أستغفر اللََّه أخبر عن نفسه بأمر، و من قال: لا حول و لا قوة إلا باللََّه العلي العظيم كذلك أخبر عن أمر كائن بخلاف من قال: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ

432

[الصمد: 1]فإنه ليس بمتكلم به بل هو قائل له غير آمر لغيره بالقول، فالقرآن هو الذكر الذي لا يكون إلا على قصد الذكر لا على قصد الكلام فهو المطلق و غيره قد يكون ذكرا، و قد لا يكون، فإن قيل: فإذا قال: اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ* [الحجر: 46]و أراد الإخبار ينبغي أن لا يكون قرآنا و ذكرا، نقول: هو في نفسه قرآن، و من ذكره على قصد الإخبار، و أراد الأمر و الإذن في الدخول يخرج عن كونه قارئا للقرآن، و إن كان لا يخرج عن كونه قرآنا، و لهذا نقول نحن ببطلان صلاته و لو كان قارئا لما بطلت، و هذا جواب فيه لطف ينبغي أن يتنبه له المطالع لهذا الكتاب، و ذلك من حيث إني فرقت بين أن يقال ليس قول/القائل: اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ* على قصد الإذن قرآنا، و بين قوله: ليس القائل‏ اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ* على غير قصد بقارئ للقرآن، و أما الجواب من حيث المعقول فهو أن العبادة على منافاة الشهوة، و الشهوة إما شهوة البطن، و إما شهوة الفرج في أكثر الأمر، فإن أحدا لا يخلو عنهما، و إن لم يشته شيئا آخر من المأكول و المشروب و المنكوح، لكن شهوة البطن قد لا تبقى شهوة بل تصير حاجة عند الجوع و ضرورة عند الخوف، و لهذا قال تعالى: وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمََّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: 21]أي لا يكون لحاجة و لا ضرورة بل لمجرد الشهوة و قد بيناه في هذه السورة، و أما شهوة الفرج فلا تخرج عن كونها شهوة و إن خرجت تكون في محل الحاجة لا الضرورة، فلا يعلم أن شهوة الفرج ليست شهوة محضة، و العبادة فيها منضمة للشهوة، فلم تخرج شهوة الفرج عن كونها عبادة بدنية قط بل حكم الشارع ببطلان الحج به، و بطلان الصوم و الصلاة، و أما قضاء شهوة البطن فلما لم يكن شهوة مجردة بطل به الصلاة و الصوم دون الحج، و ربما لم تبطل به الصلاة أيضا، إذا ثبت هذا فنقول: خروج الخارج دليل قضاء الشهوة البطنية، و خروج المني دليل قضاء الشهوة الفرجية، فواجب بهما تطهير النفس، لكن الظاهر و الباطن متحاذيان، فأمر اللََّه تعالى بتطهير الظاهر عند الحدث و الإنزال لموافقه الباطن، و الإنسان إذا كان له بصيرة و ينظر في تطهير باطنه عند الاغتسال للجنابة، فإنه يجد خفة و رغبة في الصلاة و الذكر و هنا تتمة لهذه اللطيفة و هي أن قائلا لو قال: لو صح قولك للزم أن يجب الوضوء بالأكل كما يجب بالحدث لأن الأكل قضاء الشهوة، و هذا كما أن الاغتسال لما وجب بالإنزال، لكونه دليل قضاء الشهوة، و كذا بالإيلاج، لكونه قضاء بالإيلاج، فكذلك الإحداث و الأكل فنقول: هاهنا سر مكنون و هو ما بيناه أن الأكل قد يكون لحاجة و ضرورة فنقول: الأكل لا يعلم كونه للشهوة إلا بعلامة، فإذا أحدث علم أنه أكل و لا يعلم كونه للشهوة و أما الإيلاج فلا يكون للحاجة و لا يكون للضرورة فهو شهوة كيفما كان، فناط الشارع إيجاب التطهير بدليلين أحدهما:

قوله صلى اللََّه عليه و سلم: «إنما الماء من الماء»

فإن الإنزال كالإحداث، و كما أن الحدث هو الخارج و هو أصل في إيجاب الوضوء، كذلك ينبغي أن يكون الإنزال الذي هو الخروج هو الأصل في إيجاب الغسل فإن عنده يتبين قضاء الحاجة و الشهوة فإن الإنسان بعد الإنزال لا يشتهي الجماع في الظاهر و ثانيهما: ما

روي عنه صلى اللََّه عليه و سلم: الوضوء من أكل ما مسته النار

فإن ذلك دليل قضاء الشهوة كما أن خروج الحدث دليله، و ذلك لأن المضطر لا يصبر إلى أن يستوي الطعام بالنار بل يأكل كيفما كان، فأكل الشي‏ء بعد الطبخ دليل على أنه قاض به الشهوة لا دافع به الضرورة، و نعود إلى الجواب عن السؤال و نقول: إذا تبين هذا فالشافعي رضي اللََّه عنه قضى بأن شهوة الفرج شهوة محضة، فلا تجامع العبادة الجنابة، فلا ينبغي أن يقرأ الجنب القرآن، و المحدث يجوز له أن يقرأ لأن الحدث ليس يكون عن شهوة محضة.

المسألة التاسعة: قوله: إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ هم الملائكة طهرهم اللََّه في أول أمرهم و أبقاهم/كذلك طول عمرهم‏

433

و لو كان المراد نفي الحدث لقال: لا يمسه إلا المطهرون أو المطهرون، بتشديد الطاء و الهاء، و القراءة المشهورة الصحيحة اَلْمُطَهَّرُونَ من التطهير لا من الأطهار، و على هذا يتأيد ما ذكرنا من وجه آخر، و ذلك من حيث إن بعضهم كان يقول: هو من السماء ينزل به الجن و يلقيه عليه كما كانوا يقولون في حق الكهنة فإنهم كانوا يقولون: النبي صلى اللََّه عليه و سلم كاهن، فقال: لا يمسه الجن و إنما يمسه المطهرون الذين طهروا عن الخبث، و لا يكونون محلا للإفساد و السفك، فلا يفسدون و لا يسفكون، و غيرهم ليس بمطهر على هذا الوجه، فيكون هذا ردا على القائلين: بكونه مفتريا، و بكونه شاعرا، و بكونه مجنونا بمس الجن، و بكونه كاهنا، و كل ذلك قولهم و الكل رد عليهم بما ذكر اللََّه تعالى هاهنا من أوصاف كتاب اللََّه العزيز.

المسألة العاشرة: قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ مصدر، و القرآن الذي في كتاب ليس تنزيلا إنما هو منزل كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ [الشعراء: 193]نقول: ذكر المصدر و إرادة المفعول كثير كما قلنا في قوله تعالى: هََذََا خَلْقُ اَللََّهِ [لقمان: 11]فإن قيل: ما فائدة العدول عن الحقيقة إلى المجاز في هذا الموضع؟فنقول: التنزيل و المنزل كلاهما مفعولان و لهما تعلق بالفاعل، لكن تعلق الفاعل بالمصدر أكثر، و تعلق المفعول عبارة عن الوصف القائم به، فنقول: هذا في الكلام، فإن كلام اللََّه أيضا وصف قائم باللََّه عندنا، و إنما نقول: من حيث الصيغة و اللفظ و لك أن تنظر في مثال آخر ليتيسر لك الأمر من غير غلط و خطأ في الاعتقاد، فنقول: في القدرة و المقدور تعلق القدرة بالفاعل أبلغ من تعلق المقدور، فإن القدرة في القادر و المقدور ليس فيه، فإذا قال: هذا قدرة اللََّه تعالى كان له من العظمة ما لا يكون في قوله: هذا مقدور اللََّه، لأن عظمة الشي‏ء بعظمة اللََّه، فإذا جعلت الشي‏ء قائما بالتعظيم غير مباين عنه كان أعظم، و إذا ذكرته بلفظ يقال مثله فيما لا يقوم باللََّه و هو المفعول به كان دونه، فقال: تَنْزِيلٌ و لم يقل: منزل، ثم إن هاهنا: بلاغة أخرى و هي أن المفعول قد يذكر و يراد به المصدر على ضد ما ذكرنا، كما في قوله: مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء: 80]أي دخول صدق أو إدخال صدق و قال تعالى: كُلَّ مُمَزَّقٍ* [سبأ: 7]أي تمزيق، فالممزق بمعنى التمزيق، كالمنزل بمعنى التنزيل، و على العكس سواء، و هذه البلاغة هي أن الفعل لا يرى، و المفعول به يصير مرئيا، و المرئي أقوى في العلم، فيقال: مزقهم تمزيقا و هو فعل معلوم لكل أحد علما بينا يبلغ درجة الرؤية و يصير التمزق هنا كما صار الممزق ثابتا مرئيا، و الكلام يختلف بمواضع الكلام، و يستخرج الموفق بتوفيق اللََّه، و قوله: مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ أيضا لتعظيم القرآن، لأن الكلام يعظم بعظمة المتكلم، و لهذا يقال لرسول الملك هذا كلام الملك أو كلامك و هذا كلام الملك الأعظم أو كلام الملك الذي دونه، إذا كان الرسول رسول ملوك، فيعظم الكلام بقدر عظمة المتكلم، فإذا قال: مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ تبين منه عظمة لا عظمة مثلها و قد بينا تفسير العالم و ما فيه من اللطائف، و قوله: تَنْزِيلٌ رد على طائفة أخرى، و هم الذين يقولون: إنه في كتاب و لا يمسه إلا المطهرون و هم الملائكة، لكن الملك يأخذ و يعلم الناس من عنده و لا/يكون من اللََّه تعالى، و ذلك أن طائفة من الروافض يقولون: إن جبرائيل أنزل على علي، فنزل على محمد، فقال تعالى: هو من اللََّه ليس باختيار الملك أيضا، و عند هذا تبين الحق فعاد إلى توبيخ الكفار. فقال تعالى:

ـ

434

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: (هذا) إشارة إلى ماذا؟فنقول: المشهور أنه إشارة إلى القرآن و إطلاق الحديث في القرآن على الكلام القديم كثير بمعنى كونه اسما لا وصفا فإن الحديث اسم لما يتحدث به، و وصف يوصف به ما يتجدد، فيقال: أمر حادث و رسم حديث أي جديد، و يقال: أعجبني حديث فلان و كلامه و قد بينا أن القرآن قديم له لذة الكلام الجديد، و الحديث الذي لم يسمع الوجه الثاني: أنه إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى: وَ كََانُوا يَقُولُونَ أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً وَ عِظََاماً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ*`أَ وَ آبََاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ [الواقعة: 47، 48] و ذلك لأن الكلام مستقل منتظم فإنه تعالى رد عليهم ذلك بقوله تعالى: قُلْ إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ [الواقعة:

49]و ذكر الدليل عليهم بقوله: نَحْنُ خَلَقْنََاكُمْ [الواقعة: 57]و بقوله: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تُمْنُونَ [الواقعة: 58] أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تَحْرُثُونَ [الواقعة: 63]و أقسم بعد إقامة الدلائل بقوله: فَلاََ أُقْسِمُ [الواقعة: 75]و بين أن ذلك كله إخبار من اللّه بقوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ [الواقعة: 77]ثم عاد إلى كلامهم، و قال: أَ فَبِهََذَا اَلْحَدِيثِ الذي تتحدثون به أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ لأصحابكم تعلمون خلافه و تقولونه، أم أنتم به جازمون، و على الإصرار عازمون، و سنبين وجهه بتفسير المدهن، و فيه وجهان أحدهما: أن المدهن المراد به المكذب قال الزجاج: معناه أ فبالقرآن أنتم تكذبون، و التحقيق فيه أن الإدهان تليين الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم كما أن العدو إذا عجز عن عدوه يقول له أنا داع لك و مثن عليك مداهنة و هو كاذب، فصار استعمال المدهن في المكذب استعمالا ثانيا و هذا إذا قلنا: إن الحديث هو القرآن و الوجه الثاني: المدهن هو الذي يلين في الكلام و يوافق باللسان و هو مصر على الخلاف فقال: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ فمنهم من يقول: إن النبي كاذب، و إن الحشر محال و ذلك لما هم عليه من حب الرياسة، و تخافون أنكم إن صدقتم و منعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الرسل، و الأول عليه أكثر المفسرين، لكن الثاني مطابق لصريح اللفظ فإن الحديث بكلامهم أولى و هو عبارة عن قولهم: أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة: 47] و المدهن يبقى على حقيقته فإنهم ما كانوا مدهنين بالقرآن، و قول الزجاج: مكذبون جاء بعده صريحا. }و أما قوله: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ففيه وجوه الأول: تجعلون شكر النعم أنكم تقولون مطرنا بنوء كذا، و هذا عليه أكثر المفسرين، الثاني: تجعلون معاشكم و كسبكم تكذيب محمد، يقال: فلان قطع الطريق معاشه، و الرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، يقال للمأكول رزق، كما يقال للمقدور قدرة، و المخلوق خلق، و على هذا/فالتكذيب مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم، و أما قوله: تُكَذِّبُونَ فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قال اللّه تعالى: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا [هود: 6]و غير ذلك، و على الثاني المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب، و هو أقرب إلى اللفظ. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

435

المسألة الأولى: المراد من كلمة: لو لا معنى هلا من كلمات التحضيض و هي أربع كلمات: لو لا، و لو ما، و هلا، و ألا و يمكن أن يقال: أصل الكلمات لم لا، على السؤال كما يقول القائل: إن كنت صادقا فلم لا يظهر صدقك، ثم إنما قلنا: الأصل لم لا لكونه استفهاما أشبه قولنا: هلا، ثم إن الاستفهام تارة يكون عن وجود شي‏ء و أخرى عن سبب وجوده، فيقال: هل جاء زيد و لم جاء، و الاستفهام بهل قبل الاستفهام بلم، ثم إن الاستفهام قد يستعمل للإنكار و هو كثير، و منه قوله تعالى هاهنا: أَ فَبِهََذَا اَلْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة: 81] و قوله: أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ [الصافات: 125]و قوله تعالى: أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اَللََّهِ تُرِيدُونَ [الصافات:

86]و نظائرها كثيرة، و قد ذكرنا لك الحكمة فيه، و هي أن النافي و الناهي لا يأمر أن يكذب المخاطب فعرض بالنفي لئلا يحتاج إلى بيان النفي، إذا ثبت هذا فالاستفهام «بهل» لإنكار الفعل، و الاستفهام «بلم» لإنكار سببه، و بيان ذلك أن من قال: لم فعلت كذا، يشير إلى أنه لا سبب للفعل، و يقول: كان الفعل وقع من غير سبب الوقوع، و هو غير جائز، و إذا قال: هل فعلت، ينكر نفس الفعل لا الفعل من غير سبب، و كأنه في الأول يقول:

لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق، و في الثاني يقول: الفعل غير لائق و لو وجد له سبب.

المسألة الثانية: إن كل واحد منهما يقع في صدر الكلام، و يستدعي كلاما مركبا من كلامين في الأصل، أما في «هل» فلأن أصلها أنك تستعملها في جملتين، فتقول: هل جاء زيد أو ما جاء، لكنك ربما تحذف إحداهما، و أما في (لو) فإنك تقول: لو كان كذا لكان كذا، و ربما تحذف الجزاء كما ذكرنا في قوله تعالى: لَوْ تَعْلَمُونَ [الواقعة: 76]لأنه يشير بلو إلى أن المنفي له دليل، فإذا قال القائل: لو كنتم تعلمون، و قيل له لم لا يعلمون، قال: إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا، فدليله مستحضر إن طولب به بينه و إذا ثبت أن النفي بلو، و النفي بهل، أبلغ من النفي بلا، و النفي بقوله: لم، و إن كان بينهما اشتراك معنى و لفظا و حكما و صارت كلمات التحضيض و هي: لو ما، و لو لا، و هلا و ألا، كما تقول: لم لا فإذن قول القائل: هل تفعل و أنت عنه مستغن، كقوله: لم تفعل و هو قبيح، و قوله: و هلا تفعل و أنت إليه محتاج، و ألا تفعل/و أنت إليه محتاج، و قوله: لو لا، و لو ما، كقوله: لم لا تفعل، و لم لا فعلت، فقد وجد في ألا زيادة نص، لأن نقل اللفظ لا يخلو من نص، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما، على ما في الأصل كما بيناه، و قوله تعالى: فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ أي لم لا يقولون عند الموت و هو وقت ظهور الأمور و زمان اتفاق الكلمات، و لو كان ما يقولونه حقا ظاهرا كما يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع، و هذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله، فإن قيل: ما سمع منهم الاعتراف وقت النزع بل يقولون: نحن نكذب الرسل أيضا وقت بلوغ النفس إلى الحلقوم و نموت عليه؟فنقول: هذه الآية بعينها إشارة و بشارة، أما الإشارة فإلى الكفار، و أما البشارة فللرسل، أما الإشارة و هي أن اللََّه تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها و هي حالة الموت فإنهم و إن كفروا بالحشر و هو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت، و هو أظهر من كل ما هو من مثله فلا يشكون في حالة النزع، و لا يشكون في أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق، و لا إنكار بعمل فتفوتهم قوة الاكتساب لإيمانهم و لا يمكنهم الإتيان بما يجب فيكون ذلك حثا لهم على تجديد النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة، و أما البشارة فلأن الرسل لما كذبوا و كذب مرسلهم صعب عليهم، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول و إلا فعند الموت و هو غير نافع، و الضمير في بَلَغَتِ للنفس‏

436

أو الحياة أو الروح، }و قوله: وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ تأكيد لبيان الحق أي في ذلك الوقت تصير الأمور مرئية مشاهدة ينظر إليها كل من بلغ إلى تلك الحالة، فإن كان ما ذكرتم حقا كان ينبغي أن يكون في ذلك الوقت، و قد ذكرنا التحقيق في حِينَئِذٍ في قوله: يَوْمَئِذٍ [الطور: 11]في سورة و الطور و اللفظ و المعنى متطابقان على ما ذكرنا لأنهم كانوا يكذبون بالرسل و الحشر، و صرح به اللََّه في هذه السورة عنهم حيث قال: إنهم‏ كََانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ*`وَ كََانُوا يَقُولُونَ أَ إِذََا مِتْنََا [الواقعة: 46، 47]و هذا كالتصريح بالتكذيب لأنهم ما كانوا ينكرون أن اللََّه تعالى منزل لكنهم كانوا يجعلون أيضا الكواكب من المنزلين، و أما المضمر فذكره اللََّه تعالى عند قوله: أَ فَرَأَيْتُمُ اَلْمََاءَ اَلَّذِي تَشْرَبُونَ [الواقعة: 68]ثم قال: أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْزِلُونَ [الواقعة: 69]بالواسطة و بالتفويض على ما هو مذهب المشركين أو مذهب الفلاسفة. و أيضا التفسير المشهور محتاج إلى إضمار تقديره أ تجعلون شكر رزقكم، و أما جعل الرزق بمعنى المعاش فأقرب، يقال: فلان رزقه في لسانه، و رزق فلان في رجله و يده، و أيضا فقوله تعالى: فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ متصل بما قبله لما بينا أن المراد أنكم تكذبون الرسل فلم لا تكذبونهم وقت النزع لقوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَحْيََا بِهِ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهََا لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ [العنكبوت: 63]فعلم أنهم كذبوا كما

قال النبي صلى اللََّه عليه و سلم: «كذب المنجمون و رب الكعبة»

و لم يكذبوا و هذا على قراءة من يقرأ تكذبون بالتخفيف، و أما المدهن فعلى ما ذكرنا يبقى على الأصل و يوافقه: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9]فإن المراد هناك ليس تكذب فيكذبون، لأنهم أرادوا النفاق لا التكذيب الظاهر. /ثم قال تعالى:

}و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أكثر المفسرين على أن (لو لا) في المرة الثانية مكررة و هي بعينها هي التي قال تعالى:

فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ [الواقعة: 83]و لها جواب واحد، و تقديره على ما قاله الزمخشري: فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم، أي إن كنتم غير مدينين، و قال بعضهم: هو كقوله تعالى: فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة: 38]حيث جعل‏ فَلاََ خَوْفٌ جزاء شرطين، و الظاهر خلاف ما قالوا، و هو أن يقال: جواب لو لا في قوله: فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ هو ما يدل عليه ما سبق يعني تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم و معاشكم فلو لا تكذبون وقت النزع و أنتم في ذلك الوقت تعلمون الأمور و تشاهدونها، و أما لو لا في المرة الثانية فجوابها: تَرْجِعُونَهََا .

المسألة الثانية: في مَدِينِينَ أقوال منهم من قال: المراد مملوكين، و منهم من قال: مجزيين، و قال الزمخشري: من دانه السلطان إذا ساسه، و يحتمل أن يقال: المراد غير مقيمين من مدن إذا أقام، هو حينئذ فعيل، و منه المدينة، و جمعها مدائن، من غير إظهار الياء، و لو كانت مفعلة لكان جمعها مداين كمعايش بإثبات الياء، و وجهه أن يقال: كان قوم ينكرون العذاب الدائم، و قوم ينكرون العذاب و من اعترف به كان ينكر دوامه، و مثله قوله تعالى: لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80]قيل: إن كنتم على ما تقولون لا تبقون في‏

437

العذاب الدائم فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة، و أما على قوله: (مجزيين) فالتفسير مثل هذا كأنه قال: ستصدقون وقت النزع رسل اللََّه في الحشر، فإن كنتم بعد ذلك غير مجزيين فلم لا ترجعون أنفسكم إلى دنياكم، فإن التعويق للجزاء لا غير، و لو لا الجزاء لكنتم مختارين كما كنتم في دنياكم التي ليست دار الجزاء مختارين تكونون حيث تريدون من الأماكن، و أما على قولنا: مملوكين من الملك، و منه المدينة للمملوكة، فالأمر أظهر بمعنى أنكم إذا كنتم لستم تحت قدرة أحد، فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا كما كنتم في دنياكم التي ليست دار جزاء مع أن ذلك مشتهى أنفسكم و منى قلوبكم، و كل ذلك عند التحقيق راجع إلى كلام واحد، و أنهم كانوا يأخذون بقول الفلاسفة في بعض الأشياء دون بعض، و كانوا يقولون بالطبائع، و أن الأمطار من السحب، و هي متولدة بأسباب فلكية، و النبات كذلك، و الحيوان كذلك، و لا اختيار للََّه في شي‏ء و سواء عليه إنكار الرسل و الحشر، فقال تعالى: إن كان الأمر كما يقولون فما بال الطبيعي الذي يدعى العلم لا يقدر على أن يرجع النفس من الحلقوم، مع أن في الطبع عنده إمكانا لذلك، فإن عندهم البقاء بالغداء و لزوال الأمراض بالدواء، و إذا علم هذا فإن قلنا: غَيْرَ مَدِينِينَ معناه غير مملوكين رجع إلى قولهم من إنكار الاختيار و قلب الأمور كما يشاء اللََّه، و إن قلنا: غير مقيمين فكذلك، لأن إنكار الحشر بناء على القول بالطبع، و إن قلنا:

غير/محاسبين و مجزيين فكذلك، ثم لما بين أن الموت كائن و الحشر بعده لازم، بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك باعثا للمكلف على العمل الصالح، و زاجرا للمتمرد عن العصيان و الكذب فقال:

} هذا وجه تعلقه معنى، و أما تعلقه لفظا فنقول: لما قال: فَلَوْ لاََ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ‏`تَرْجِعُونَهََا [الواقعة:

86، 87]و كان فيها أن رجوع الحياة و النفس إلى البدن ليس تحت قدرتهم و لا رجوع لهم بعد الموت إلى الدنيا صار كأنه قال: أنتم بعد الموت دائمون في دار الإقامة و مجزيون، فالمجزى إن كان من المقربين فله الروح و الريحان، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في معنى الروح و فيه وجوه الأول: هو الرحمة قال تعالى: وَ لاََ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ [يوسف: 87]أي من رحمة اللََّه الثاني: الراحة الثالث: الفرح، و أصل الروح السعة، و منه الروح لسعة ما بين الرجلين دون الفحج، و قرئ، فَرَوْحٌ بضم الراء بمعنى الرحمة.

المسألة الثانية: في الكلام إضمار تقديره: فله روح أفصحت الفاء عنه لكونه فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء، و كذلك إذا كان أمرا أو نهيا أو ماضيا، لأن الجزاء إذا كان مستقبلا يعلم كونه جزاء بالجزم الظاهر في السمع و الخط، و هذه الأشياء التي ذكرت لا تحتمل الجزم، أما غير الأمر و النهي فظاهر، و أما الأمر و النهي فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما جزاءين فلا علامة للجزاء فيه، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر، و الجزاء مرتب على الشرط.

المسألة الثالثة: في الريحان، و قد تقدم تفسيره في قوله تعالى: ذُو اَلْعَصْفِ وَ اَلرَّيْحََانُ [الرحمن: 12] و لكن هاهنا فيه كلام، فمنهم من قال: المراد هاهنا ما هو المراد ثمة، إما الورق و إما الزهر و إما النبات‏

438

المعروف، و على هذا فقد قيل: إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا و يؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه، و قيل: إن المراد هاهنا غير ذلك و هو الخلود، و قيل: هو رضاء اللََّه تعالى عنهم فإذا قلنا: الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوََانٍ وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [التوبة: 21] و أما: جَنَّةُ نَعِيمٍ فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقين في قوله: أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ*`فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ [الواقعة: 11، 12]و ذكرنا فائدة التعريف هناك و فائدة التنكير هاهنا.

المسألة الرابعة: ذكر في حق المقربين أمورا ثلاثة هاهنا و في قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ [التوبة: 21] و ذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة و هي: عقيدة حقة و كلمة طيبة و أعمال حسنة، فالقلب و اللسان و الجوارح كلها كانت مرتبة برحمة اللََّه على عقيدته، و كل من له عقيدة حقة يرحمه اللََّه و يرزقه اللََّه دائما و على الكلمة الطيبة و هي كلمة الشهادة، و كل من قال: لا إله إلا اللََّه فله رزق كريم و الجنة له على أعماله الصالحة، قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ [التوبة: 111]و قال: وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ*`فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ [النازعات: 40، 41]فإن قيل: فعلى هذا من أتى بالعقيدة /الحقة، و لم يأت بالكلمة الطيبة ينبغي أن يكون من أهل الرحمة و لا يرحم اللََّه إلا من قال: لا إله إلا اللََّه، نقول: من كانت عقيدته حقة، لا بد و أن يأتي بالقول الطيب فإن لم يسمع لا يحكم به، لأن العقيدة لا اطلاع لنا عليها فالقول دليل لنا، و أما اللََّه تعالى فهو عالم الأسرار، و لهذا ورد في الأخبار أن من الناس من يدفن في مقابر الكفار و يحشر مع المؤمنين، و منهم من يدفن في مقابر المسلمين و يحشر مع الكفار لا يقال: إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة على ما ذكرت، لأنا نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن عقيدته الحقة و كلمته الطيبة لا يتركانه بلا عمل، فهذا أمر غير واقع و فرض غير جائز و ثانيهما: أنا نقول من حيث الجزاء، و أما من قال: لا إله إلا اللََّه فيدخل الجنة، و إن لم يعمل عملا لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل اللََّه من غير جزاء، و إن كان الجزاء أيضا من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة، و من الفضل مالا كما يعطي الملك الكريم آخر و المهدي إليه غير ملك لا يستحق هديته و لا رزقه. ثم قال تعالى:

}و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في السلام و فيه وجوه أولها: يسلم به صاحب اليمين على صاحب اليمين، كما قال تعالى من قبل: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً وَ لاََ تَأْثِيماً*`إِلاََّ قِيلاً سَلاََماً سَلاََماً [الواقعة: 25، 26]، ثانيها: فَسَلاََمٌ لَكَ أي سلامة لك من أمر خاف قلبك منه فإنه في أعلى المراتب، و هذا كما يقال لمن تعلق قلبه بولده الغائب عنه، إذا كان يخدم عند كريم، يقول له: كن فارغا من جانب ولدك فإنه في راحة. ثالثها: أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم كما يقال: فلان ناهيك به، و حسبك أنه فلان، إشارة إلى أنه ممدوح فوق الفضل.

المسألة الثانية: الخطاب بقوله: لَكَ مع من؟ نقول: قد ظهر بعض ذلك فنقول: يحتمل أن يكون المراد من الكلام النبي صلى اللََّه عليه و سلم، و حينئذ فيه وجه و هو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب النبي صلى اللََّه عليه و سلم فإنهم غير محتاجين‏

439

إلى شي‏ء من الشفاعة و غيرها، فسلام لك يا محمد منهم فإنهم في سلامة و عافية لا يهمك أمرهم، أو فسلام لك يا محمد منهم، و كونهم ممن يسلم على محمد صلى اللََّه عليه و سلم دليل العظمة، فإن العظيم لا يسلم عليه إلا عظيم، و على هذا ففيه لطيفة: و هي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم مكانته فوق مكانة أصحاب اليمين بالنسبة إلى المقربين الذين هم في عليين، كأصحاب الجنة بالنسبة إلى أهل عليين، فلما قال: وَ أَمََّا إِنْ كََانَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ كان فيه إشارة إلى أن مكانهم غير مكان الأولين المقربين، فقال تعالى: هؤلاء و إن كانوا دون الأولين لكن لا تنفع بينهم المكانة و التسليم، بل هم يرونك و يصلون إليك وصول جليس الملك إلى الملك و الغائب إلى أهله و ولده، و أما المقربون فهم يلازمونك و لا يفارقونك و إن كنت أعلى مرتبة منهم. /ثم قال تعالى:

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال هاهنا: مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضََّالِّينَ و قال من قبل: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اَلضََّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ [الواقعة: 51] و قد بينا فائدة التقديم و التأخير هناك.

المسألة الثانية: ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة بعبارة و أعادهم بعبارة أخرى فقال: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8]ثم قال: وَ أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ [الواقعة: 27]و قال: وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ [الواقعة:

9]ثم قال: وَ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ [الواقعة: 41]و أعادهم هاهنا، و في المواضع الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظ واحد أو بلفظين مرتين، أحدهما غير الآخر، و ذكر السابقين في أول السورة بلفظ السابقين، و في آخر السورة بلفظ المقربين، و ذكر أصحاب النار في الأول بلفظ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ ثم بلفظ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ ثم بلفظ اَلْمُكَذِّبِينَ فما الحكمة فيه؟نقول: أما السابق فله حالتان إحداهما في الأولى، و الأخرى في الآخرة، فذكره في المرة الأولى بماله في الحالة الأولى، و في الثانية بماله في الحالة الآخرة، و ليس له حالة هي واسطة بين الوقوف للعرض و بين الحساب، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين، لأن حالهم قريبة من حال السابقين، و ذكر الكفار بألفاظ ثلاثة كأنهم في الدنيا ضحكوا عليهم بأنهم أصحاب موضع شؤم، فوصفوهم بموضع الشؤم، فإن المشأمة مفعلة و هي الموضع، ثم قال: أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ فإنهم في الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم، و يقفون في موضع هو شمال، لأجل كونهم من أهل النار، }ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم في أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم و الحميم، ثم لم يقتصر عليه، ثم ذكر السبب فيه، فقال: إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُتْرَفِينَ*`وَ كََانُوا يُصِرُّونَ [الواقعة: 45، 46]فذكر سبب العقاب لما بينا مرارا أن العادل يذكر للعقاب سببا، و المتفضل لا يذكر للإنعام و التفضل سببا، فذكرهم في الآخرة ما عملوه في الدنيا، فقال: وَ أَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ ليكون ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل، و غير ذلك ظاهر. ثم قال تعالى:

440

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: هََذََا إشارة إلى ما ذا؟ نقول: فيه وجوه أحدها: القرآن ثانيها: ما ذكره في السورة ثالثها: جزاء الأزواج الثلاثة.

المسألة الثانية: كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد؟ نقول: فيه وجوه أحدها: هذه الإضافة، كما أضاف الجانب إلى الغربي في قوله: وَ مََا كُنْتَ بِجََانِبِ اَلْغَرْبِيِّ [القصص: 44]و أضاف الدار إلى الآخرة في قوله: وَ لَدََارُ اَلْآخِرَةِ* [الأنعام: 32]غير أن المقدر هنا غير ظاهر، فإن شرط ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين، و يضاف إليه الحق، و ما يوصف باليقين بعد إضافة الحق إليه و ثانيها: أنه من الإضافة التي بمعنى من، كما يقال: باب من ساج، و باب ساج، و خاتم من فضة، و خاتم فضة، فكأنه قال: لهو الحق من اليقين ثالثها: و هو أقرب منها ما ذكره ابن عطية أن ذلك نوع تأكيد يقال: هذا من حق الحق، و صواب الصواب، أي غايته و نهايته التي لا وصول فوقه، و الذي وقع في تقرير هذا أن الإنسان أظهر ما عنده الأنوار المدركة بالحس، و تلك الأنوار أكثرها مشوبة بغيرها، فإذا وصل الطالب إلى أوله يقول: وجدت أمر كذا، ثم إنه مع صحة إطلاق اللفظ عليه لا يتميز عن غيره، فيتوسط الطالب و يأخذ مطلوبه من وسطه، مثاله من يطلب الماء، ثم يصل إلى بركة عظيمة، فإذا أخذ من طرفه شيئا يقول: هو ماء، و ربما يقول قائل آخر: هذا ليس بماء، و إنما هو طين، و أما الماء ما أخذته من وسط البركة، فالذي في طرف البركة ماء بالنسبة إلى أجسام أخرى، ثم إذا نسب إلى الماء الصافي ربما يقال له شي‏ء آخر، فإذا قال: هذا هو الماء حقا يكون قد أكد، و له أن يقول: حق الماء، أي الماء حقا هذا بحيث لا يقول أحد فيه شي‏ء، فكذلك هاهنا كأنه قال: هذا هو اليقين حقا لا اليقين الذي يقول بعض إنه ليس بيقين، و يحتمل وجها آخر، و هو أن يقال: الإضافة على حقيقتها، و معناه أن هذا القول لك يا محمد و للمؤمنين، و حق اليقين أن تقول كذا، و يقرب من هذا ما يقال: حق الكمال أن يصلي المؤمن، و هذا كما قيل‏

في قوله صلى اللََّه عليه و سلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللََّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها»

أن الضمير راجع إلى الكلمة أي إلا بحق الكلمة، و من حق الكلمة أداء الزكاة و الصلاة، فكذلك حق اليقين أن يعرف ما قاله اللََّه تعالى في الواقعة في حق الأزواج الثلاثة، و على هذا معناه:

أن اليقين لا يحق و لا يكون إلا إذا صدق فيما قاله بحق، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه، }و أما قوله:

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ فقد تقدم تفسيره، و قلنا إنه تعالى لما بين الحق و امتنع الكفار، قال لنبيه صلى اللََّه عليه و سلم هذا هو حق، فإن امتنعوا فلا تتركهم و لا تعرض عنهم و سبح ربك في نفسك، و ما عليك من قومك سواء صدقوك أو كذبوك، و يحتمل أن يكون المراد فسبح و اذكر ربك باسمه الأعظم، و هذا متصل بما بعده لأنه قال في السورة التي تلي هذه: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ [الحديد: 1]فكأنه قال: سبح اللََّه ما في السموات، فعليك أن توافقهم و لا تلتفت إلى الشرذمة القليلة الضالة، فإن كل شي‏ء معك يسبح اللََّه عز و جل.

تم تفسير السورة، و اللََّه أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب، و صلى اللََّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

441

بسم اللّه الرحمن الرّحيم

سورة الحديد

و هي تسع و عشرون آية مكية

و فيه مسائل المسألة الأولى: التسبيح تبعيد اللّه تعالى من السوء، و كذا التقديس من سبح في الماء و قدس في الأرض إذا ذهب فيها و أبعد.

و اعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء، و تبعيد الصفات و تبعيد الأفعال، و تبعيد الأسماء و تبعيد الأحكام، أما في الذات: فأن لا تكون محلا للإمكان، فإن السوء هو العدم و إمكانه، ثم نفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة، و نفيها يستلزم نفي الجسمية و العرضية، و نفي الضد و الند و حصول الوحدة المطلقة. و أما في الصفات: فأن يكون منزها عن الجهل بأن يكون محيطا بكل المعلومات، و يكون قادرا على كل المقدورات، و تكون صفاته منزهة عن التغيرات. و أما في الأفعال: فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة و مثال، لأن كل مادة و مثال فهو فعله، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن، و كل ممكن فهو فعله، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة و مثال، لزم التسلسل، و غير موقوفة على زمان و مكان، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية، فيكون ممكنا، كل مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز، فيكون كل واحد منهما ممكنا و محدثا، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان و إلى مكان، لا فتقرت فاعلية الزمان و المكان إلى زمان و مكان، فيلزم التسلسل، و غير موقوفة على جلب منفعة، و لا دفع مضرة، و إلا لكان مستكملا بغيره ناقصا في ذاته، و ذلك محال. و أما في الأسماء: فكما قال: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا [الأعراف: 18]. و أما في الأحكام:

فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة و إحسان و خير، و أن كونه فضلا و خيرا ليس على سبيل الوجوب عليه، بل على سبيل الإحسان، و بالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه و تكليفه لازم لكل أحد، و أنه ليس لأحد عليه حكم و لا تكليف و لا يجب لأحد عليه شي‏ء أصلا، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح.

المسألة الثانية: جاء في بعض الفواتح سَبَّحَ على لفظ الماضي، و في بعضها على لفظ المضارع، و ذلك إشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص بوقت دون وقت، بل هي كانت مسبحة أبدا في الماضي، و تكون مسبحة أبدا في المستقبل، و ذلك لأن كونها مسبحة صفة لازمة لماهياتها، فيستحيل انفكاك‏

442

تلك الماهيات عن ذلك التسبيح، و إنما قلنا: إن هذه المسبحية صفة لازمة لماهياتها، لأن كل ما عدا الواجب ممكن، و كل ممكن فهو مفتقر إلى الواجب، و كون الواجب واجبا يقتضي تنزيهه عن كل سوء في الذات و الصفات و الأفعال و الأحكام و الأسماء على ما بيناه، فظهر أن هذه المسبحية كانت حاصلة في الماضي، و تكون حاصلة في المستقبل، و اللََّه أعلم.

المسألة الثالثة: هذا الفعل تارة عدي باللام كما في هذه السورة، و أخرى بنفسه كما في قوله: وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً [الفتح: 9] و أصله التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته أي بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته و نصحت له، و إما أن يراد يسبح للََّه أحدث التسبيح لأجل اللََّه و خالصا لوجهه.

المسألة الرابعة: زعم الزجاج أن المراد بهذا التسبيح، التسبيح الذي هو القول، و احتج عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لََكِنْ لاََ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44]فلو كان المراد من التسبيح، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونه الثاني: أنه تعالى قال: وَ سَخَّرْنََا مَعَ دََاوُدَ اَلْجِبََالَ يُسَبِّحْنَ [الأنبياء: 79]فلو كان تسبيحا عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان في ذلك تخصيص لداود عليه السلام. و اعلم أن هذا الكلام ضعيف‏[لحجتين‏]:

أما الأولى: فلأن دلالة هذه الأجسام على تنزيه ذات اللََّه و صفاته و أفعاله من أدق الوجوه، و لذلك فإن العقلاء اختلفوا فيها، فقوله: وَ لََكِنْ لاََ تَفْقَهُونَ لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة، و أيضا فقوله: لاََ تَفْقَهُونَ إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال: كل هؤلاء ما فقهوا ذلك، و ذلك لا ينافي أن يفقهه بعضهم.

و أما الحجة الثانية: فضعيفة، لأن هناك من المحتمل أن اللََّه خلق حياة في الجبل حتى نطق بالتسبيح. أما هذه الجمادات التي تعلم بالضرورة أنها جمادات يستحيل أن يقال: إنها تسبح اللََّه على سبيل النطق بذلك التسبيح، إذ لو جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال اللّه تعالى على كونه عالما حيا، و ذلك كفر، بل الحق أن التسبيح الذي هو القول لا يصدر إلا من العاقل العارف باللََّه تعالى، فينوي بذلك القول تنزيه ربه سبحانه، و مثل ذلك لا يصح من الجمادات، فإذا التسبيح العام الحاصل من العاقل و الجماد لا بد و أن يكون مفسرا بأحد وجهين الأول: أنها تسبح بمعنى أنها تدل على تعظيمه و تنزيهه و الثاني: أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يريد ليس له عن فعله و تكوينه مانع و لا دافع، إذا عرفت هذه المقدمة، .

فنقول: إن حملنا/التسبيح المذكور في الآية على التسبيح بالقول، كان المراد بقوله: مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ من في السموات و منهم حملة العرش: فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ [فصلت: 38]. و منهم المقربون: قََالُوا سُبْحََانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنََا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ: 41]و من سائر الملائكة: قََالُوا سُبْحََانَكَ مََا كََانَ يَنْبَغِي لَنََا [الفرقان: 18]و أما المسبحون الذين هم في الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون: لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ [الأنبياء: 87]و قال موسى: سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف: 143]و الصحابة يسبحون كما قال: سُبْحََانَكَ فَقِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ [آل عمران: 191]و أما إن حملنا هذا التسبيح على التسبيح المعنوي:

فأجزاء السموات و ذرات الأرض و الجبال و الرمال و البحار و الشجر و الدواب و الجنة و النار و العرش و الكرسي و اللوح و القلم و النور و الظلمة و الذوات و الصفات و الأجسام و الأعراض كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال اللََّه

443

منقادة لتصرف اللََّه كما قال عز من قائل: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44]و هذا التسبيح هو المراد بالسجود في قوله: وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ [النحل: 49]أما قوله: وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ فالمعنى أنه القادر الذي لا ينازعه شي‏ء، فهو إشارة إلى كمال القدرة، و الحكيم إشارة إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شي‏ء من الجزئيات و الكليات أو أنه الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة و الصواب، و لما كان العلم بكونه قادرا متقدما على العلم بكونه عالما لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر.

و اعلم أن قوله: وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة تفيد الحصر، يقال: زيد هو العالم لا غيره، فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد، لأن غيره ليس بعزيز و لا حكيم و ما لا يكون كذلك لا يكون إلها. ثم قال تعالى:

في قوله تعالى له ملك السماوات و الأرض‏ و اعلم أن الملك الحق هو الذي يستغني في ذاته، و في جميع صفاته عن كل ما عداه، و يحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم و في صفاتهم، و الموصوف بهذين الأمرين ليس إلا هو سبحانه. أما أنه مستغن في ذاته و في جميع صفاته عن كل ما عداه فلأنه لو افتقر في ذاته إلى الغير لكان ممكنا لذاته فكان محدثا، فلم يكن واجب الوجود، و أما أنه مستغن في جميع صفاته السلبية و الإضافية عن كل ما عداه، فلأن كل ما يفرض صفة له، فإما أن تكون هويته سبحانه كافية في تحقق تلك الصفة سواء كانت الصفة سلبا أو إيجابا أو لا تكون كافية في ذلك، فإن كانت هويته كافية في ذلك من دوام تلك الهوية دوام تلك الصفة سلبا كانت الصفة أو إيجابا، و إن لم تكن تلك لزم الهوية كافية، فحينئذ تكون تلك الهوية ممتنعة الانفكاك عن ثبوت تلك الصفة و عن سلبها، ثم ثبوت تلك الصفة و سلبها، يكون متوقفا على ثبوت أمر آخر و سلبه، و الموقوف على الموقوف على الشي‏ء موقوف على ذلك الشي‏ء، فهويته سبحانه تكون موقوفة التحقق على تحقق علة/ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها، و الموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته، و هذا خلف، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا في ذاته، و لا في شي‏ء من صفاته السلبية و لا الثبوتية إلى غيره، و أما أن كل ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ما عداه ممكن، لأن الواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد و الممكن لا بد له من مؤثر، و لا واجب إلا هذا الواحد فإذن كل ما عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهرا أو عرضا، و سواء كان الجوهر روحانيا أو جسمانيا، و ذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود لا في الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجودا، أما أنه يستحيل أن يجعل السواد سوادا، قالوا: لأنه لو كان كون السواد سوادا بالفاعل، لكان يلزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سوادا و هذا محال، فيقال لهم يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضا بالفاعل، و إلا لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجودا، فإن قالوا: تأثير الفاعل ليس في الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود، قلنا: هذا مدفوع من وجهين الأول: أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمرا ثبوتيا، إذ لو كان أمرا ثبوتيا لكانت له ماهية و وجود، فحينئذ تكون موصوفية تلك الماهية بالوجود زائدة عليه و لزم التسلسل و هو محال، و إذا كان موصوفية الماهية بالوجوه ليس أمرا ثبوتيا، استحال أن يقال: لا تأثير للفاعل في الماهية و لا في الوجود بل تأثيره في موصوفية الماهية بالوجود الثاني: أن بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمرا ثبوتيا، استحال أيضا جعلها أثرا للفاعل، و إلا لزم عند فرض‏

444

عدم ذلك الفاعل أن تبقى الموصوفية موصوفية، فظهر أن الشبهة التي ذكروها لو تمت و استقرت يلزم نفي التأثير و المؤثر أصلا، بل كما أن الماهيات إنما صارت موجودة بتأثير واجب الوجود، فكذا أيضا الماهيات إنما صارت ماهيات بتأثير واجب الوجود، و إذا لاحت هذه الحقائق ظهر بالبرهان العقلي صدق قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بل ملك السموات و الأرض بالنسبة إلى كمال ملكه أقل من الذرة، بل لا نسبة له إلى كمال ملكه أصلا، لأن ملك السموات و الأرض ملك متناه، و كمال ملكه غير متناه، و المتناهي لا نسبة له ألبتة إلى غير المتناهي، لكنه سبحانه و تعالى ذكر ملك السموات و الأرض لأنه شي‏ء مشاهد محسوس، و أكثر الخلق عقولهم ضعيفة قلما يمكنهم الترقي من المحسوس إلى المعقول.

ثم إنه سبحانه لما ذكر من دلائل الآفاق ملك السموات و الأرض ذكر بعده دلائل الأنفس فقال: يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكر المفسرون فيه وجهين أحدهما: يحيى الأموات للبعث، و يميت الأحياء في الدنيا و الثاني: قال الزجاج: يحيي النطف فيجعلها أشخاصا عقلاء ناطقين و يميت/و عندي فيه وجه ثالث و هو أنه ليس المراد من تخصيص الإحياء و الإماتة بزمان معين و بأشخاص معينين، بل معناه أنه هو القادر على خلق الحياة و الموت، كما قال في سورة الملك: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]و المقصود منه كونه سبحانه هو المنفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق، لا يمنعه عنهما مانع و لا يرده عنهما راد، و حينئذ يدخل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المفسرون.

المسألة الثانية: موضع يُحْيِي وَ يُمِيتُ رفع على معنى هو يحيي و يميت، و يجوز أن يكون نصبا على معنى: له ملك السموات و الأرض حال كونه محييا و مميتا. و اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الآفاق أولا: و دلائل الأنفس ثانيا: ذكر لفظا يتناول الكل فقال: وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و فوائد هذه الآية مذكورة في أول سورة الملك.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى:

روي عن رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال في تفسير هذه الآية: «إنه الأول ليس قبله شي‏ء و الآخر ليس بعده شي‏ء»

و أعلم أن هذا المقام مقام مهيب غامض عميق و البحث فيه من وجوه: الأول: أن تقدم الشي‏ء على الشي‏ء يعقل على وجوه أحدها: التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدما على حركة الخاتم، و المراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثرا في المتأخر و ثانيها: التقدم بالحاجة لا بالتأثير، لأنا نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد و إن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين و ثالثها: التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر و رابعها: التقدم بالرتبة، و هو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم، أو من مبدأ معقول، و ذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلا كان أشد تأخرا، و لو قلبناه انقلب الأمر و خامسها: التقدم بالزمان، و هو أن الموجود في الزمان المتقدم، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية و التقدم و عندي أن هاهنا قسما سادسا، و هو مثل تقدم بعض أجزاء

445

الزمان على البعض، فإن ذلك التقدم ليس تقدما بالزمان، و إلا وجب أن يكون الزمان محيطا بزمان آخر، ثم الكلام في ذلك المحيط كالكلام في المحاط به، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا إلى نهاية بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحدا، بل يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية و ذلك غير معقول، و أيضا فلأن مجموع تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال، لأنه لما كان زمانا كان داخلا في مجموع الأزمنة، فإذا ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع و خارج عنه و هو محال، فظهر بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان، و ظاهر أنه ليس بالعلة و لا بالحاجة، و إلا لوجدا معا، كما أن العلة و العلول/يوجدان معا، و الواحد و الإثنين يوجدان معا، و ليس أيضا بالشرف و لا بالمكان، فثبت أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس غير الأقسام الخمسة المذكورة، و إذا عرفت هذا فنقول: إن القرآن دل على أنه تعالى أول لكل ما عداه، و البرهان دل أيضا على هذا المعنى، لأنا نقول: كل ما عدا الواجب ممكن، و كل ممكن محدث، فكل ما عدا الواجب فهو محدث، و ذلك الواجب أول لكل ما عداه، إنما قلنا: أن ما عدا الواجب ممكن، لأنه لو وجد شيئان واجبان لذاتهما لاشتركا في الواجب الذاتي، و لتباينا بالتعين و ما به المشاركة غير ما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركبا، ثم كل واحد من جزأيه إن كان واجبا فقد اشترك الجزآن في الوجوب و تباينا بالخصوصية، فيكون كل واحد من ذينك الجزأين أيضا مركبا و لزم التسلسل، و إن لم يكونا واجبين أو لم يكن أحدهما واجبا، كان الكل المتقوم به أولى بأن لا يكون واجبا، فثبت أن كل ما عدا الواجب ممكن، و كل ممكن محدث، لأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر، و ذلك الافتقار إما حال الوجود أو حال العدم، فإذا كان حال الوجود، فإما حال البقاء و هو محال لأنه يقتضي إيجاد الموجود و تحصيل الحاصل و هو محال، فإن تلك الحاجة إما حال الحدوث أو حال العدم، و على التقديرين فيلزم أن يكون كل ممكن محدثا، فثبت أن كل ما عدا ذلك الواجب فهو محدث محتاج إلى ذلك الواجب، فإذا ذلك الواجب يكون قبل كل ما عداه، ثم طلب العقل كيفية تلك القبلية فقلنا: لا يجوز أن تكون تلك القبلية بالتأثير، لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر و المضافان معا، و المع لا يكون قبل، و لا يجوز أن تكون لمجرد الحاجة لأن المحتاج و المحتاج إليه لا يمتنع أن يوجدا معا، و قد بينا أن تلك المعية هاهنا ممتنعة، و لا يجوز أن تكون لمحض الشرف فإنه ليس المطلوب من هذه القبلية هاهنا مجرد أنه تعالى أشرف من الممكنات، و أما القبلية المكانية فباطلة، و بتقدير ثبوتها فتقدم المحدث على المحدث أمر زائد آخر وراء كون أحدهما فوق الآخر بالجهة، و أما التقدم الزماني فباطل، لأن الزمان أيضا ممكن و محدث، أما أولا فلما بينا أن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد، و أما ثانيا فلأن أمارة الإمكان و الحدوث فيه أظهر كما في غيره لأن جميع أجزائه متعاقبة، و كل ما وجد بعد العدم و عدم بعد الوجود فلا شك أنه ممكن الحدث و إذا كان جميع أجزاء الزمان ممكنا و محدثا و الكل متقوم بالأجزاء فالمفتقر إلى الممكن المحدث أولى بالإمكان و الحدوث، فإذن الزمان بمجموعه و بأجزائه ممكن و محدث، فتقدم موجده عليه لا يكون بالزمان، لأن المتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان، و إلا فيلزم في ذلك الزمان أن يكون داخلا في مجموع الأزمنة لأنه زمان، و أن يكون خارجا عنها لأنه ظرفها، و الظرف مغاير للمظروف لا محال، لكن كون الشي‏ء الواحد داخلا في شي‏ء و خارجا عنه محال، و أما ثالثا فلأن الزمان ماهيته تقتضي السيلان و التجدد، و ذلك يقتضي المسبوقية بالغير و الأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بينهما محال،

446

فثبت أن تقدم الصانع على كل ما عداه ليس بالزمان ألبتة، فإذن الذي عند العقل أنه متقدم على كل ما عداه، أنه ليس ذلك التقدم على أحد هذه الوجوه/الخمسة، فبقي أنه نوع آخر من التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل منها خبر، لأن كل ما يخطر ببال العقل فإنه لا بد و أن يقترن به حال من الزمان، و قد دل الدليل على أن كل ذلك محال، فإذن كونه تعالى أولا معلوم على سبيل الإجمال، فأما على سبيل التفصيل و الإحاطة بحقيقة تلك الأولية، فليس عند عقول الخلق منه أثر.

النوع الثاني: من هذا غوامض الموضع، و هو أن الأزل متقدم على اللايزال، و ليس الأزل شيئا سوى الحق، فتقدم الأزل على اللايزال، يستدعي الامتياز بين الأزل و بين اللايزال، فهذا يقتضي أن يكون اللايزال له مبدأ و طرف، حتى يحصل هذا الامتياز، لكن فرض هذا الطرف محال، لأن كل مبدأ فرضته، فإن اللايزال، كان حاصلا قبله، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة، يكون من جملة اللايزال، لا من جملة الأزل، فقد كان معنى اللايزال موجودا قبل أن كان موجودا و ذلك محال.

النوع الثالث: من غوامض هذا الموضوع، أن امتياز الأزل عن اللايزال، يستدعي انقضاء حقيقة الأزل، و انقضاء حقيقة الأزل محال، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه، و إذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللايزال، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللايزال، و امتياز اللايزال عن الأزال، و إذا امتنع حصول هذا الامتياز امتنع حصول التقدم و التأخر، فهذه أبحاث غامضة في حقيقة التقدم و الأولية و الأزلية، و ما هي إلا بسبب حيرة العقول البشرية في نور جلال ماهية الأزلية و الأولية، فإن العقل إنما يعرف الشي‏ء إذا أحاط به، و كل ما استحضره العقل، و وقف عليه فذاك يصير محاطا به، و المحاط يكون متناهيا، و الأزلية تكون خارجة عنه، فهو سبحانه ظاهر باطن في كونه أولا، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولا أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك و علمك فهو محدود عقلك و محاط علمك فيكون متناهيا، فتكون الأولية خارجة عنا، فكونه تعالى أولا إذا اعتبرته من هذه الجهة كان أبطن من كل باطن، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولا.

أما البحث عن كونه آخرا، فمن الناس من قال: هذا محال، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ما عداه، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما يكون بعده وجوده، و تلك البعدية، زمانية، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه، أن لا يعدم كل ما عداه، فهذا خلف، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال، و هذه الشبهة مبنية أيضا على أن التقدم و التأخر لا يتقرران إلا بالزمان، و قد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة، و أما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه، فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخرا للكل، و هذا مذهب جهم، فإنه زعم أنه/سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، و يوصل العقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة و أهلها، و النار و أهلها، و العرش و الكرسي و الملك و الفلك، و لا يبقى مع اللََّه شي‏ء أصلا، فكما أنه كان موجودا في الأزل و لا شي‏ء يبقى موجودا في اللايزال أبد الآباد و لا شي‏ء، و احتج عليه بوجوه أولها: قوله هو الآخر، يكون آخرا إلا عند فناء الكل و ثانيها: أنه تعالى إما أن يكون عالما بعدد حركات أهل الجنة و النار، أو لا يكون عالما بها، فإن كان عالما بها كان عالما بكميتها، و كل ماله عدد معين فهو متناه، فإذن حركات أهل الجنة

447

متناهية، فإذن لا بد و أن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض و إذا لم يكن عالما بها كان جاهلا بها و الجهل على اللََّه محال و ثالثها: أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة و النقصان، و كل ما كان كذلك فهو متناه و الجواب: أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، و الدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعا لذاته، و لو انقلبت قدرة اللََّه من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير، لانقلبت الماهيات و ذلك محال، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبدا، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء اللََّه تعالى و أما الشبهة الثانية: فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين، و هذا لا يكون جهلا، إنما الجهل أن يكون له عدد معين و لا يعلمه، أما إذا لم يكن له عدد معين و أنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلا بل علما و أما الشبهة الثالثة: فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبدا لا يكون متناهيا، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبدا عولوا في بقاء الجنة و النار أبدا، على إجماع المسلمين و ظواهر الآيات، و لا يخفى تقريرها، و أما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة و النار أبدا، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخرا على وجوه أحدها: أنه تعالى يفني جميع العالم و الممكنات فيتحقق كونه آخرا، ثم إنه يوجدها و يبقيها أبدا و ثانيها: أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخرا لكل الأشياء ليس إلا هو، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه، لا جرم وصف بكونه آخرا و ثالثها: أن الوجود منه تعالى يبتدئ، و لا يزال ينزل و ينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير، الذي كون هو مسببا لكل ما عداه، و لا يكون سببا لشي‏ء آخر، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولا، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي، فهناك وجود الحق سبحانه، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات، آخر عند الصعود من الممكنات إليه و رابعها: أنه يميت الخلق و يبقى بعدهم، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار و خامسها: أنه أول في الوجود و آخر في الاستدلال، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع، و أما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة، أما كونه تعالى ظاهرا و باطنا، فاعلم أنه ظاهر بحسيب الوجود، فإنك لا ترى شيئا من الكائنات و الممكنات إلا و يكون دليلا/على وجوده و ثبوته و حقيقته و براءته عن جهات التغير على ما قررناه، و أما كونه تعالى باطنا فمن وجوه الأول: أن كمال كونه ظاهرا سبب لكونه باطنا، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار و زالت الأضواء عن هذا العالم، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس، فههنا لو أمكن انقطاع وجود اللََّه عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود اللََّه تعالى، لكنه لما دام ذلك الجود و لم ينقطع صار دوامه و كماله سببا لوقوع الشبهة، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شي‏ء له من ذاته، فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده، و من دوام جوده، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره، و احتجب عنها بكمال نوره.

الوجه الثاني: أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة، و يدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشي‏ء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم و اللذة و غيرهما أو أدركه بحسه كالألوان و الطعوم و سائر المحسوسات، فأما ما لا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة، و هويته المخصوصة جل ـ

448

جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر، و يدل عليه أيضا أن المعلوم منه عند الخلق، إما الوجود و إما السلوب، و هو أنه ليس بجسم و لا جوهر، و إما الإضافة، و هو أنه الأمر الذي من شأنه كذا و كذا، و الحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة و يدل عليه أن أظهر الأشياء منه عند العقل كونه خالقا لهذه المخلوقات، و متقدما عليها، و قد عرفت حيرة العقل و دهشته في معرفة هذه الأولية، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول و هو الآخر، و هو الظاهر و هو الباطن، و سمعت والدي رحمه اللََّه يقول: إنه كان يروى أنه لما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت و سجدوا.

المسألة الثانية: احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله: هُوَ اَلْأَوَّلُ قالوا الأول هو الفرد السابق، و لهذا المعنى لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا، لأن شرط كونه أولا حصول الفردية، و هاهنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبدا واحدا لم يعتق، لأن شرط الأولية كونه سابقا و هاهنا لم يحصل، فثبت أن الشرط في كونه أولا أن يكون فردا، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد.

المسألة الثالثة: أكثر المفسرين قالوا: إنه أول لأنه قبل كل شي‏ء، و إنه آخر لأنه بعد كل شي‏ء، و إنه ظاهر بحسب الدلائل، و إنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار، و أن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا:

معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل: فلان هو أول هذا الأمر و آخره و ظاهره و باطنه، أي عليه يدور، و به يتم.

و اعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم/لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة، و ذكروا في الظاهر و الباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شي‏ء، و منه قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا ظََاهِرِينَ [الصف: 14]أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته، و منه قوله تعالى: عَلَيْهََا يَظْهَرُونَ [الزخرف: 33]و هذا معنى ما

روى في الحديث: «و أنت الظاهر فليس فوقك شي‏ء»

و أما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يظن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث: يقال: أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي أخبر بباطنه، فمعنى كونه باطنا، كونه عالما ببواطن الأمور، و هذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله بعد ذلك: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ يكون تكرارا.

أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل: إن أحدا لا يحيط به و لا يصل إلى أسراره، و إنه لا يخفى عليه شي‏ء من أحوال غيره و نظيره‏ تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116].

قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ و هو مفسر في الأعراف و المقصود منه دلائل القدرة.

ثم قال تعالى: يَعْلَمُ مََا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا يَخْرُجُ مِنْهََا وَ مََا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا يَعْرُجُ فِيهََا و هو مفسر في سبأ، و المقصود منه كمال العلم، و إنما قدم وصف القدرة على وصف العلم، لأن العلم بكونه تعالى قادرا قبل العلم بكونه تعالى عالما، و لذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم باللََّه، هو العلم بكونه قادرا،

449

و ذهب آخرون إلى أن أول العلم باللََّه هو العلم بكونه مؤثرا، و على التقديرين فالعلم بكونه قادرا متقدم على العلم بكونه عالما.

ثم قال تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن، و كل ممكن فوجوده من الواجب، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهية و بين وجودها، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية، و من هذا السر قال المحققون: ما رأيت شيئا إلا و رأيت اللََّه قبله، و قال المتوسطون: ما رأيت شيئا إلا و رأيت اللََّه معه، و قال الظاهريون: ما رأيت شيئا إلا و رأيت اللََّه بعده.

و اعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما: أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة و الروية و التأمل و التدبر و الدرجة الثانية: أن تتفق لنفس الإنسان/قوة ذوقية و حالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها، و تكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه.

المسألة الثانية: قال المتكلمون: هذه المعية إما بالعلم و إما بالحفظ و الحراسة، و على التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان و الجهة و الحيز، فإذن قوله: وَ هُوَ مَعَكُمْ لا بد فيه من التأويل و إذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع.

المسألة الثالثة: اعلم أن في هذه الآيات ترتيبا عجيبا، و ذلك لأنه بين بقوله: هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظََّاهِرُ وَ اَلْبََاطِنُ كونه إلها لجميع الممكنات و الكائنات، ثم بين كونه إلها للعرش و السموات و الأرضين. ثم بين بقوله: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ معينه لنا بسبب القدرة و الإيجاد و التكوين و بسبب العلم و هو كونه عالما بظواهرنا و بواطننا، فتأمل في كيفية هذا الترتيب، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسرارا عجيبة و تنبيهات على أمور عالية. ثم قال تعالى:

أي إلى حيث لا مالك سواه، و دل بهذا القول على إثبات المعاد. ثم قال تعالى:

و هذه الآيات قد تقدم تفسيرها في سائر السور، و هي جامعة بين الدلالة على قدرته، و بين إظهار نعمه، و المقصود من إعادتها البعث على النظر و التأمل، ثم الاشتغال بالشكر.

قوله تعالى: آمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعا من الدلائل على التوحيد و العلم و القدرة، أتبعها بالتكاليف، و بدأ بالأمر بالإيمان باللََّه و رسوله، فإن قيل قوله: آمِنُوا خطاب مع من عرف اللََّه، أو

450

مع من لم يعرف اللََّه، فإن كان الأول كان ذلك أمرا بأن يعرفه من عرف، فيكون ذلك أمرا بتحصيل الحاصل و هو محال، و إن كان الثاني، كان الخطاب متوجها على من لم يكن عارفا به، و من لم يكن عارفا به استحال أن يكون عارفا بأمره، فيكون الأمر متوجها على من يستحيل أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر، و هذا تكليف مالا يطاق و الجواب: من الناس من قال: معرفة وجود الصانع حاصلة للكل، و إنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات.

ثم قال تعالى: وَ أَنْفِقُوا مِمََّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ/كَبِيرٌ في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه أمر الناس أولا بأن يشتغلوا بطاعة اللََّه، ثم أمرهم ثانيا بترك الدنيا و الإعراض عنها و إنفاقها في سبيل اللََّه، كما قال: قُلِ اَللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام: 91]، فقوله: قُلِ اَللََّهُ هو المراد هاهنا من قوله: آمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ و قوله: ثُمَّ ذَرْهُمْ هو المراد هاهنا من قوله: وَ أَنْفِقُوا مِمََّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ .

المسألة الثانية: في الآية وجهان الأول: أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال اللََّه بخلقه و إنشائه لها، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف، و تحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع، فالمكلف في تصرفه في هذه الأموال بمنزلة الوكيل و النائب و الخليفة، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه الثاني: أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث، فاعتبروا بحالهم، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها.

المسألة الثالثة: اختلفوا في هذا الإنفاق، فقال بعضهم: هو الزكاة الواجبة، و قال آخرون: بل يدخل فيه التطوع، و لا يمتنع أن يكون عاما في جميع وجوه البر، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجرا كبيرا فقال:

فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة و غيرها فلا أجر له.

و اعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، و ذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير، فلم قلتم: إنها تدل على أنه لا أجر له أصلا. و قوله تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى وبخ على ترك الإيمان بشرطين أحدهما: أن يدعو الرسول، و المراد أنه يتلو عليهم القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة الثاني: أنه أخذ الميثاق عليهم، و ذكروا في أخذ الميثاق وجهين الأول: ما نصب في العقول من الدلائل الموجبة لقبول دعوة الرسل، و اعلم أن تلك الدلائل كما اقتضت وجوب القبول فهي أوكد من الحلف و اليمين، /فلذلك سماه ميثاقا، و حاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل‏

451

و العقل، أما النقل فبقوله: وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ، و أما العقل فبقوله: وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ و متى اجتمع هذان النوعان، فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه، و احتج بهذه الآية من زعم أن معرفة اللََّه تعالى لا تجب إلا بالسمع، قال: لأنه تعالى إنما ذمهم بناء على أن الرسول يدعوهم، فعلمنا أن استحقاق الذم لا يحصل إلا عند دعوة الرسول الوجه الثاني في تفسير أخذ الميثاق: قال عطاء و مجاهد و الكلبي و المقاتلان: يريد حين أخرجهم من ظهر آدم، و قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ [الأعراف: 172]و هذا ضعيف، و ذلك لأنه تعالى إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سببا في أنه لم يبق لهم عذر في ترك الإيمان بعد ذلك، و أخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول، فقبل معرفة صدق الرسول لا يكون ذلك سببا في وجوب تصديق الرسول، أما نصب الدلائل و البينات فمعلوم لكل أحد، فذلك يكون سببا لوجوب الإيمان بالرسول، فعلمنا أن تفسير الآية بهذا المعنى غير جائز.

المسألة الثانية: قال القاضي قوله: وَ مََا لَكُمْ يدل على قدرتهم على الإيمان إذ لا يجوز أن يقال ذلك إلا لمن لا يتمكن من الفعل، كما لا يقال: مالك لا تطول و لا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، و على أن القدرة صالحة للضدين، و على أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق اللََّه.

المسألة الثالثة: قرئ: وَ قَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ على البناء للفاعل، أما قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فالمعنى إن كنتم تؤمنون بشي‏ء لأجل دليل، فما لكم لا تؤمنون الآن، فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية و العقلية، و بلغت مبلغا لا يمكن الزيادة عليها.

قال القاضي: بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن، و غيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، و أكد ذلك بقوله: وَ إِنَّ اَللََّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ و لو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات على ظلمات الكفر، و يخلق ذلك فيهم، و يقدره لهم تقديرا لا يقبل الزوال لم يصح هذا القول، فإن قيل: أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟ قلنا: لو أراد بهذا الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‏ََ عَبْدِهِ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ معنى، لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم، فخلقه لما خلقه لا يتغير، فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم في إخراجهم من الظلمات إلى/النور و لو لا ذلك لم يكن بأن يصف نفسه بأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور أولى من أن يصف نفسه بأنه يخرجهم من النور إلى الظلمات.

و اعلم أن هذا الكلام على خسته و روغته معارض بالعلم، و ذلك لأنه تعالى كان عالما بأن علمه سبحانه بعدم إيمانهم قائم، و عالما بأن هذا العلم ينافي وجود الإيمان، فإذا كلفهم بتكوين أحد الضدين مع علمه بقيام الضد الآخر في الوجود بحيث لا يمكن إزالته و إبطاله، فهل يعقل مع ذلك أن يريد بهم ذلك الخير و الإحسان، لا شك أن مما لا يقوله عاقل، و إذا توجهت المعارضة زالت تلك القوة، أما قوله: وَ إِنَّ اَللََّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فقد حمله بعضهم على بعثة محمد صلى اللََّه عليه و سلم فقط، و هذا التخصيص لا وجه له، بل يدخل فيه ذلك مع سائر ما يتمكن به المرء من أداء التكاليف.

452

ثم قال تعالى: وَ مََا لَكُمْ أَلاََّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لِلََّهِ مِيرََاثُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ .

لما أمر أولا بالإيمان و بالإنفاق، ثم أكد في الآية المتقدمة إيجاب الإيمان أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاب الإنفاق، و المعنى أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة اللََّه، و تحقيقه أن المال لا بد و أن يخرج عن اليد، إما بالموت و إما بالإنفاق في سبيل اللََّه، فإن وقع على الوجه الأول، كان أثره اللعن و المقت و العقاب و إن وقع على الوجه الثاني، كان أثره المدح و الثواب، و إذا كان لا بد من خروجه عن اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح و الثواب أولى منه بحيث يستعقب اللعن و العقاب.

ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة فقال:

لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ، أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قََاتَلُوا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: تقدير الآية: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح، و من أنفق من بعد الفتح، كما قال:

لاََ يَسْتَوِي أَصْحََابُ اَلنََّارِ وَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ [الحشر: 20]إلا أنه حذف لوضوح الحال.

المسألة الثانية: المراد بهذا الفتح فتح مكة، لأن إطلاق لفظ الفتح في المتعارف ينصرف إليه،

قال عليه الصلاة و السلام: «لا هجرة بعد الفتح»

و قال أبو مسلم: و يدل القرآن على فتح آخر بقوله: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذََلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: 27]و أيهما كان، فقد بين اللََّه عظم موقع الإنفاق قبل الفتح.

المسألة الثالثة: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر الصديق، لأنه كان أول من أنفق المال على رسول اللََّه في سبيل اللََّه، قال عمر: «كنت قاعدا عند النبي صلى اللََّه عليه و سلم و عنده أبو بكر و عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال، فنزل جبريل عليه الصلاة و السلام، فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره؟فقال:

أنفق ماله علي قبل الفتح» .

و اعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق في سبيل اللََّه، و القتال مع أعداء اللََّه قبل الفتح يكون أعظم حالا ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح، و معلوم أن صاحب الإنفاق هو أبو بكر، و صاحب القتال هو علي، ثم إنه تعالى قدم صاحب الإنفاق في الذكر على صاحب القتال، و فيه إيماء إلى تقديم أبي بكر، و لأن الإنفاق من باب الرحمة، و القتال من باب الغضب، و

قال تعالى: «سبقت رحمتي غضبي»

فكان السبق لصاحب الإنفاق، فإن قيل: بل صاحب الإنفاق هو علي، لقوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ [الإنسان: 8]قلنا: إطلاق القول بأنه أنفق لا يتحقق إلا إذا أنفق في الوقائع العظيمة أموالا عظيمة، و ذكر الواحدي في البسيط أن أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام، و لأن عليا في أول ظهور الإسلام كان صبيا صغيرا، و لم يكن صاحب القتال و أما أبا بكر فإنه كان شيخا مقدما، و كان يذب عن الإسلام حتى ضرب بسببه ضربا أشرف به على الموت.

المسألة الرابعة: جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام، و أنفق و جاهد مع‏

453

الرسول صلى اللََّه عليه و سلم قبل الفتح، و بينوا الوجه في ذلك و هو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة و السلام بالنفس، و إنفاق المال في تلك الحال، و في عدد المسلمين قلة، و في الكافرين شوكة و كثرة عدد، فكانت الحاجة إلى النصرة و المعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويا، و الكفر ضعيفا، و يدل عليه قوله تعالى: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ [التوبة: 100]و

قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه» .

ثم قال تعالى: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أي و كل واحد من الفريقين وعد اللََّه بالحسنى أي المثوبة الحسنى، و هي الجنة مع تفاوت الدرجات.

المسألة الثانية: القراءة المشهورة وَ كُلاًّ بالنصب، لأنه بمنزلة: زيدا وعدت خيرا، فهو مفعول وعد، و قرأ ابن عامر: (و كل) بالرفع، و حجته أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله فيه، و الدليل عليه أنهم قالوا:

زيد ضربت، و كقوله في الشعر:

قد أصبحت أم الخيار تدعى # علي ذنبا كله لم أصنع‏

روي (كله) بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر، و اعلم أن للشيخ عبد القاهر في هذا الباب كلاما حسنا، قال: إن المعنى في هذا البيت يتفاوت بسبب النصب و الرفع، و ذلك لأن النصب يفيد أنه ما فعل كل الذنوب، و هذا لا ينافي كونه فاعلا لبعض الذنوب، فإنه إذا قال: ما فعلت كل الذنوب، أفاد أنه ما فعل الكل، و يبقى احتمال أنه فعل البعض، بل عند من يقول: بأن دليل الخطاب حجة يكون ذلك اعترافا بأنه فعل بعض الذنوب.

أما رواية الرفع، و هي قوله: كله لم أصنع، فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه غير مصنوع، فيكون معناه أنه ما أتى بشي‏ء من الذنوب ألبتة، و غرض الشاعر أن يدعي البراءة عن جميع الذنوب، فعلمنا أن المعنى يتفاوت بالرفع و النصب، و مما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب في هذا الباب قوله تعالى:

إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]فمن قرأ (كل) شي‏ء بالنصب، أفاد أنه تعالى خلق الكل بقدر، و من قرأ (كل) بالرفع لم يفد أنه تعالى خلق الكل، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقا له فهو إنما خلقه بقدر، و قد يكون تفاوت الإعراب في هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله: وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ [يس: 39]فإنك سواء قرأت‏ وَ اَلْقَمَرَ بالرفع أو بالنصب فإن المعنى واحد فكذا في هذه الآية سواء قرأت وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ أو قرأت و كل وعد اللََّه الحسنى فإن المعنى واحد غير متفاوت.

المسألة الثالثة: تقدير الآية: و كلا وعده اللّه الحسنى إلا أنه حذف الضمير لظهوره كما في قوله: أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً [الفرقان: 41]و كذا قوله: وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً* [البقرة: 48] ثم قال: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ و المعنى أنه تعالى لما وعد السابقين و المحسنين بالثواب فلا بد و أن يكون عالما بالجزئيات، و بجميع المعلومات، حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين، إذا لو لم يكن عالما بهم و بأفعالهم على سبيل التفصيل، لما أمكن الخروج عن عهدة الوعد بالتمام، فلهذا السبب أتبع ذلك الوعد بقوله:

وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .

454

ثم قال تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا أن‏

رجلا من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما استقرض إليه محمد حتى افتقر، فلطمه أبو بكر، فشكا اليهودي ذلك إلى رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم فقال له: ما أردت بذلك؟فقال: ما ملكت نفسي أن لطمته فنزل قوله تعالى: وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آل عمران: 186]

قال المحققون: اليهودي إنما قال ذلك على سبيل الاستهزاء، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر، و كذا القول في قولهم: إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ [آل عمران: 181].

المسألة الثانية: أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة المسلمين و قتال الكافرين و مواساة فقراء المسلمين، و سمي ذلك الإنفاق قرضا من حيث وعد به الجنة تشبيها بالقرض.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق، فمنهم من قال: المراد الإنفاقات الواجبة، و منهم من قال: بل هو في التطوعات، و الأقرب دخول الكل فيه.

المسألة الرابعة: ذكروا في كون القرض حسنا وجوها أحدها: قال مقاتل: يعني طيبة بها نفسه و ثانيها:

قال الكلبي: يعني يتصدق بها لوجه اللََّه و ثالثها: قال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة الأول: أن يكون من الحلال‏

قال عليه الصلاة و السلام: «إن اللََّه طيب لا يقبل إلا الطيب»

و

قال عليه الصلاة و السلام: «لا يقبل اللََّه صلاة بغير طهور، و لا صدقة من غلول»

و الثاني: أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن ينفق الردي‏ء، قال اللََّه تعالى: وَ لاََ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة: 267]، الثالث: أن تتصدق به و أنت تحبه و تحتاج إليه بأن ترجو الحياة و هو المراد بقوله تعالى: وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ [البقرة: 177].

و بقول: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ [الإنسان: 8]على أحد التأويلات و

قال عليه الصلاة و السلام: «الصدقة أن تعطي و أنت صحيح شحيح تأمل العيش، و لا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا و لفلان كذا»

و الرابع: أن تصرف صدقتك إلى الأحوج الأولى بأخذها، و لذلك خص اللََّه تعالى أقواما بأخذها و هم أهل السهمان الخامس: أن تكتم الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال: وَ إِنْ تُخْفُوهََا وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَرََاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 271]، السادس: أن لا تتبعها منا و لا أذى، قال تعالى: لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ [البقرة:

264]، السابع: أن تقصد بها وجه اللََّه و لا ترائي، كما قال: إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى‏ََ*`وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ََ [الليل: 20، 21]و لأن المرائي مذموم بالاتفاق الثامن: أن تستحقر ما تعطي و إن كثر، لأن ذلك قليل من الدنيا، و الدنيا كلها قليلة، و هذا هو المراد من قوله تعالى: وَ لاََ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: 6]في أحد التأويلات التاسع: أن يكون من أحب أموالك إليك، قال تعالى: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ [آل عمران:

92]العاشر: أن لا ترى عز نفسك و ذل الفقير، بل يكون الأمر بالعكس في نظرك، فترى الفقير كأن اللََّه تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله بقوله: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا [هود: 6]و ترى نفسك تحت دين الفقير، فهذه أوصاف عشرة إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضا حسنا، و هذه الآية مفسرة في سورة البقرة.

ثم إنه تعالى قال: فَيُضََاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ و فيه مسألتان:

455

المسألة الأولى: أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين أحدهما: المضاعفة على ما ذكر في سورة البقرة، و بين أن مع المضاعفة له أجر كريم، و فيه قولان: الأول: و هو قول أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى يضم إلى قدر الثواب مثله من التفضيل و الأجر الكريم/عبارة عن الثواب، فإن قيل: مذهبكم أن الثواب أيضا تفضل فإذا لم يحصل الامتياز لم يتم هذا التفسير الجواب: أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ، أن كل من صدر منه الفعل الفلاني، فله قدر كذا من الثواب، فذاك القدر هو الثواب، فإذا ضم إليه مثله فذلك المثل هو الضعف و القول الثاني: هو قول الجبائي من المعتزلة أن الأعواض تضم إلى الثواب فذلك هو المضاعفة، و إنما وصف الأجر بكونه كريما لأنه هو الذي جلب ذلك الضعف، و بسببه حصلت تلك الزيادة، فكان كريما، من هذا الوجه.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و ابن عامر: (فيضعفه) مشددة بغير ألف، ثم إن ابن كثير قرأ بضم الفاء و ابن عامر بفتح الفاء، و قرأ عاصم (فيضاعفه) بالألف و فتح الفاء، و قرأ نافع و أبو عمر و حمزة و الكسائي: فيضاعفه بالألف و ضم الفاء، قال أبو علي الفارسي: يضاعف و يضعف بمعنى إنما الشأن في تعليل قراءة الرفع و النصب، أما الرفع فوجه ظاهر لأنه معطوف على يُقْرِضُ ، أو على الانقطاع من الأول، كأنه قيل: فهو يضاعف، و أما قراء النصب فوجهها أنه لما قال: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ فكأنه قال: أ يقرض اللََّه أحد قرضا حسنا، و يكون قوله:

فَيُضََاعِفَهُ جوابا عن الاستفهام فحينئذ ينصب.

ثم قال تعالى: يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يَوْمَ تَرَى ظرف لقوله: وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: 11] أو منصوب بأذكر تعظيما لذلك اليوم.

المسألة الثانية: المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة، و اختلفوا في هذا النور على وجوه: أحدها: قال قوم: المراد نفس النور على ما

روي عن رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم: «أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر عمله و ثوابه في العظم و الصغر»

فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة فمنهم من يضي‏ء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، و منهم من نوره مثل الجبل، و منهم من لا يضي‏ء له نور إلا موضع قدميه، و أدناهم نورا من يكون نوره على إبهامه ينطفئ مرة و يتقد أخرى، و هذا القول منقول عن ابن مسعود، و قتادة و غيرهما، و قال مجاهد: ما من عبد إلا و ينادي يوم القيامة يا فلان ها نورك، و يا فلان لا نور لك، نعوذ باللََّه منه، و اعلم أنا بينا في سورة النور، أن النور الحقيقي هو اللََّه تعالى، و أن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورا من نور البصر، و إذا كان كذلك ظهر أن معرفة اللََّه هي النور في القيامة فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا القول الثاني: أن المراد من النور ما يكون سببا للنجاة، و إنما قال: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، و وراء ظهورهم القول الثالث:

المراد بهذا النور الهداية إلى الجنة، كما يقال/ليس لهذا الأمر نور، إذا لم يكن المقصود حاصلا، و يقال: هذا

456

الأمر له نور و رونق، إذا كان المقصود حاصلا.

المسألة الثالثة: قرأ سهل بن شعيب وَ بِأَيْمََانِهِمْ بكسر الهمزة، و المعنى يسعى نورهم بين أيديهم و بأيمانهم حصل ذلك السعي، و نظيره قوله تعالى: ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ [الحج: 10]أي ذلك كائن بذلك.

ثم قال تعالى: بُشْرََاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: حقيقة البشارة ذكرناها في تفسير قوله: وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا* [البقرة: 25]ثم قالوا:

تقدير الآية و تقول لهم الملائكة بشراكم اليوم، كما قال: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23، 24].

المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص.

المسألة الثالثة: احتج الكعبي على أن الفاسق ليس بمؤمن فقال: لو كان مؤمنا لدخل تحت هذه البشارة، و لو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة، و لما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن و الجواب: أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه سيخرج منها و سيدخل الجنة و يبقى فيها أبد الآباد، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة، فسقط هذا الاستدلال.

المسألة الرابعة: قوله: ذََلِكَ عائد إلى جميع ما تقدم و هو النور و البشرى بالجنات المخلدة.

المسألة الخامسة: قرئ: ذلك الفوز ، بإسقاط كلمة: هو.

و اعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين. فقال:

قوله: يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلْمُنََافِقََاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونََا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يَوْمَ يَقُولُ ، بدل من يَوْمَ تَرَى [الحديد: 12]، أو هو أيضا منصوب با ذكر تقديرا.

المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده (أنظرونا) مكسورة الظاء، و الباقون (أنظروا) ، قال أبو علي/الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها: أن تريد به نظرت إلى الشي‏ء، فيحذف الجار و يوصل الفعل، كما أنشد أبو الحسن:

ظاهرات الجمال و الحسن ينظرن # كما ينظر الأراك الظباء

و المعنى ينظرن إلى الأراك و ثانيها: أن تريد به تأملت و تدبرت، و منه قولك: اذهب فانظر زيدا أ يؤمن، فهذا يراد به التأمل، و منه قوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ* [الأسراء: 48]، اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ‏

457

عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ [النساء: 50]، اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنََا بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ [الإسراء: 21]قال: و قد يتعدى هذا بإلى كقوله: أَ فَلاََ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: 17]و هذا نص على التأمل، و بين وجه الحكمة فيه، و قد يتعدى بقي، كقوله: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الأعراف: 185]، أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [الروم: 8]و ثالثها: أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله:

و لما بدا حوران و الآل دونه # نظرت فلم تنظر بعينك منظرا

و المعنى نظرت، فلم تر بعينك منظرا تعرفه في الآل قال: إلا أن هذا على سبيل المجاز، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته، فلما كانت الرؤية من توابع النظر و لوازمه غالبا أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال: و يجوز أن يكون قوله: نظرت فلم تنظر، كما يقال: تكلمت و ما تكلمت، أي ما تكلمت بكلام مفيد، فكذا هنا نظرت و ما نظرت نظرا مفيدا و رابعها: أن يكون النظر بمعنى الانتظار، و منه قوله تعالى: إِلى‏ََ طَعََامٍ غَيْرَ نََاظِرِينَ إِنََاهُ [الأحزاب:

53]أي غير منتظرين إدراكه و بلوغه، و على هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت، و مجي‏ء فعلت و افتعلت بمعنى واحد كثير، كقولهم: شويت و اشتويت، و حقرت و احتقرت، إذا عرفت هذا فقوله: اُنْظُرُونََا يحتمل وجهين الأول: أنظرونا، أي انتظرونا، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة، و المنافقون مشاة و الثاني: أنظرونا أي أنظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، و النور بين أيديهم فيستضيئون به، و أما قراءة (أنظرونا) مكسورة الظاء فهي من النظرة و الإمهال، و منه قوله تعالى: أَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ* [الحجر: 36]و أمر رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم بإنظار المعسر، و المعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم.

و اعلم أن أبا عبيدة و الأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة، و قد ظهر الآن وجه صحتها.

المسألة الثالثة: اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها: أن يكون الناس كلهم في الظلمات، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار، و المنافقون يطلبونها منهم و ثانيها: أن تكون الناس كلهم في الأنوار، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعا، و المنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار و ثالثها: أن يكون المؤمنون في النور و المنافقون في الظلمات، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين، و قد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع/عند الموقف، فالمراد من قوله: اُنْظُرُونََا انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم، فقد أقبلوا عليهم، و متى أقبلوا عليهم و كانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار، و إن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة، كان المراد من قوله: اُنْظُرُونََا يحتمل أن يكون هو الانتظار و أن يكون النظر إليهم.

المسألة الرابعة: القبس: الشعلة من النار أو السراج، و المنافقون طمعوا في شي‏ء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا و هو منهم جهل، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم و مما فيه من الكلاليب و الحسك و يلقى على الطريق، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء، ثم على ذلك تغشاهم‏

458

ظلمة فتطفئ نور المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين: اُنْظُرُونََا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ كقبس النار.

المسألة الخامسة: ذكروا في المراد من قوله تعالى: قِيلَ اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً وجوها أحدها:

أن المراد منه: ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية، و الأخلاق الفاضلة و التنزه عن الجهل و الأخلاق الذميمة، و المراد من ضرب السور، هو امتناع العود إلى الدنيا و ثانيها: قال أبو أمامة: الناس يكونون في ظلمة شديدة، ثم المؤمنون يعطون الأنوار، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق: اُنْظُرُونََا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيقال لهم: اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً قال: و هي خدعة خدع بها المنافقون، كما قال: يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ [النساء: 142]فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبا بينهم و بين المؤمنين و ثالثها: قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين: اِرْجِعُوا منع المنافقين عن الاستضاءة، كقول الرجل لمن يريد القرب منه: وراءك أوسع لك، فعلى هذا القول المقصود من قوله: اِرْجِعُوا أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة، لا أنه أمر لهم بالرجوع.

قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بََابٌ بََاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظََاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذََابُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اختلفوا في السور، فمنهم من قال: المراد منه الحجاب و الحيلولة أي/المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين، و قال آخرون: بل المراد حائط بين الجنة و النار، و هو قول قتادة، و قال مجاهد: هو حجاب الأعراف.

المسألة الثانية: الباء في قوله: بِسُورٍ صلة و هو للتأكيد و التقدير: ضرب بينهم سور كذا، قاله الأخفش، ثم قال: لَهُ بََابٌ أي لذلك السور باب بََاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ أي في باطن ذلك السور الرحمة، و المراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين وَ ظََاهِرُهُ يعني و خارج السور مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذََابُ أي من قبله يأتيهم العذاب، و المعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، و ما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب، و الحاصل أن بين الجنة و النار حائط و هو السور، و لذلك السور باب، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور، و الكافرون يبقون في العذاب و النار. ثم قال تعالى:

في قوله تعالى يُنََادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ إلى قوله حَتََّى جََاءَ أَمْرُ اَللََّهِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدنيا و الثاني: أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في العبادات و المساجد و الصلوات و الغزوات، و هذا القول هو المتعين.

المسألة الثانية: البعد بين الجنة و النار كثير، لأن الجنة في أعلى السموات، و النار في الدرك الأسفل، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك، و لا يمكن أن يقال: إن اللََّه عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء جدا، و الكفار موصوفون بالضعف و خفاء الصوت، فعلمنا أن البعد لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا، ثم حكى تعالى: أن المؤمنين‏

459

قالوا بلى كنتم معنا إلا أنكم فعلتم أشياء بسببها وقعتم في هذا العذاب أولها: وَ لََكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي بالكفر و المعاصي و كلها فتنة و ثانيها: قوله: وَ تَرَبَّصْتُمْ و فيه وجوه أحدها: قال ابن عباس: تربصتم بالتوبة و ثانيها: قال مقاتل: و تربصتم بمحمد الموت، قلتم يوشك أن يموت فنستريح منه و ثالثها: كنتم تتربصون دائرة السوء لتلتحقوا بالكفار، و تتخلصوا من النفاق و ثالثها: قوله: وَ اِرْتَبْتُمْ و فيه وجوه الأول: شككتم في وعيد اللََّه و ثانيها: شككتم في نبوة محمد و ثالثها: شككتم في البعث و القيامة و رابعها: قوله: وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمََانِيُّ قال ابن عباس: يريد الباطل و هو ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين حَتََّى جََاءَ أَمْرُ اَللََّهِ يعني الموت، و المعنى/ما زالوا في خدع الشيطان و غروره حتى أماتهم اللََّه و ألقاهم في النار.

قوله تعالى: وَ غَرَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ سماك بن حرب: اَلْغَرُورُ بضم الغين، و المعنى و غركم باللََّه الاغترار و تقديره على حذف المضاف أي غركم باللََّه سلامتكم منه مع الاغترار.

المسألة الثانية: اَلْغَرُورُ بفتح الغين هو الشيطان لإلقائه إليكم أن لا خوف عليكم من محاسبة و مجازاة.

ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاََ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا الفدية ما يفتدى به و هو قولان:

الأول: لا يؤخذ منكم إيمان و لا توبة فقد زال التكليف و حصل الإلجاء.

الثاني: بل المراد لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم، كقوله تعالى: وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا عَدْلٌ وَ لاََ تَنْفَعُهََا شَفََاعَةٌ [البقرة: 123]، و اعلم أن الفدية ما يفتدى به فهو يتناول الإيمان و التوبة و المال، و هذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا على ما تقوله المعتزلة لأنه تعالى بين أنه لا يقبل الفدية أصلا و التوبة فدية، فتكون الآية دالة على أن التوبة غير مقبولة أصلا، و إذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلا أما قوله:

وَ لاََ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ففيه بحث: و هو عطف الكافر على المنافق يقتضي أن لا يكون المنافق كافرا لوجوب حصول المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه و الجواب: المراد الذين أظهروا الكفر و إلا فالمنافق كافر.

ثم قال تعالى: مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ هِيَ مَوْلاََكُمْ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ و في لفظ المولى هاهنا أقوال: أحدها قال ابن عباس: مَوْلاََكُمْ أي مصيركم، و تحقيقه أن المولى موضع الولي، و هو القرب، فالمعنى أن النار هي موضعكم الذي تقربون منه و تصلون إليه، و الثاني: قال الكلبي: يعني أولى بكم، و هو قول الزجاج و الفراء و أبي عبيدة، و اعلم أن هذا الذي قالوه معنى و ليس بتفسير للفظ، لأن لو كان مولى و أولى بمعنى واحد في اللغة، لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر، فكان يجب أن يصح أن يقال: هذا مولى من فلان كما يقال: هذا أولى من فلان، و يصح أن يقال: هذا أولى فلان كما يقال: هذا مولى فلان، و لما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى و ليس بتفسير، و إنما نبهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تمسك بإمامة علي،

بقوله/عليه السلام: «من كنت مولاه فعلي مولاه»

قال: أحد معاني مولى أنه أولى، و احتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن مولى معناه أولى، و إذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه، لأن ما عداه إما بين الثبوت، ككونه ابن العم و الناصر، أو بين الانتفاء،

460

كالمعتق و المعتق، فيكون على التقدير الأول عبثا، و على التقدير الثاني كذبا، و أما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، و حينئذ يسقط الاستدلال به، و في الآية وجه آخر: و هو أن معنى قوله:

هِيَ مَوْلاََكُمْ أي لا مولى لكم، و ذلك لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان و معينه البكاء، أي لا ناصر له و لا معين، و هذا الوجه متأكد بقوله تعالى: وَ أَنَّ اَلْكََافِرِينَ لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ [محمد: 11]و منه قوله تعالى: يُغََاثُوا بِمََاءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف: 29]. ثم قال تعالى:

في قوله تعالى أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللََّهِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ الحسن: (أ لما يأن) ، قال ابن جني: أصل لما لم، ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل، و لما نفي لقوله قد يفعل، و ذلك لأنه لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى و لفظ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي وقت قيامك قام زيد، و أما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها دون مجزومها، فيجوز أن تقول: جئت و لما، أي و لما يجي‏ء، و لا يجوز أن يقول: جئت و لم.

و أما الذين قرءوا: أَ لَمْ يَأْنِ فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأني إذا جاء إناء أتاه أي وقته. و قرئ:

(ألم يئن) ، من أن يئين بمعنى أنى يأني.

المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللََّهِ فقال بعضهم: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان و في قلوبهم النفاق المباين للخشوع، و القائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمنا في الحقيقة إلا مع خشوع القلب، فلا يجوز أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن، و قال آخرون: بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة، /لكن المؤمن قد يكون له خشوع و خشية، و قد لا يكون كذلك، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوها أحدها: لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع و لا رقة، فحثوا عليه بهذه الآية و ثانيها: لعل قوما كان فيهم خشوع كثير، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها، عن الأعمش قال: إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش و رفاهية، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية و عن أبي بكر: أن هذه الآية قرئت بين يديه و عنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب، و أما قوله: لِذِكْرِ اَللََّهِ ففيه قولان: الأول: أن تقدير الآية، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر اللََّه، أي مواعظ اللََّه التي ذكرها في القرآن، و على هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل و القول الثاني: أن الذكر مضاف إلى المفعول، و المعنى لذكر هم اللََّه، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعا، و لا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر، و قوله تعالى: وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ فيه مسائل:

المسألة الأولى: (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر و هو موصول، و العائد إليه محذوف على تقدير و ما نزل من الحق، ثم قال ابن عباس في قوله: وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ يعني القرآن.

المسألة الثانية: قال أبو علي: قرأ نافع و حفص و المفضل عن عاصم، وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ خفيفة، و قرأ

461

الباقون و أبو بكر عن عاصم، وَ مََا نَزَلَ ، مشددة، و عن أبي عمرو وَ مََا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ مرتفعة النون مكسورة الزاي، و التقدير في القراءة الأولى: أن تخشع قلوبهم لذكر اللََّه و لما نزل من الحق، و في القراءة الثانية و لما نزله اللََّه من الحق، و في القراءة الثالثة و لما نزل من الحق.

المسألة الثالثة: يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر و الموعظة و إنه حق نازل من السماء، و يحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر اللََّه مطلقا، و المراد بما نزل من الحق هو القرآن، و إنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن، لأن الخشوع و الخوف و الخشية لا تحصل إلا عند ذكر اللََّه، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر اللََّه، ثم قال تعالى: وَ لاََ يَكُونُوا قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم، و أن لا يكونوا، قال: و لو كان جزما على النهي كان صوابا، و يدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات، ثم قال: كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلُ يريد اليهود و النصارى: فَطََالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكروا في تفسير طول الأمد وجوها أحدها: طالت المدة بينهم و بين أنبيائهم فقست قلوبهم و ثانيها: قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا و أعرضوا عن مواعظ اللََّه و ثالثها: طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب و رابعها: قال: /ابن حبان: الأمد هاهنا الأمل البعيد، و المعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم و خامسها: قال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام و سادسها: طال عهدهم بسماع التوراة و الإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك، قاله القرظي.

المسألة الثانية: قرئ (الأمد) بالتشديد، أي الوقت الأطول، ثم قال: وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، و كأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر. ثم قال تعالى:

و فيه و وجهان الأول: أنه تمثيل و المعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي اللََّه الأرض بالغيث و الثاني: أن المراد من قوله: يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا بعث الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع و الخضوع و زجرا عن القساوة. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي: قرأ ابن كثير و عاصم في رواية أبي بكر: إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ بالتخفيف، و قرأ الباقون و حفص عن عاصم: إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ بتشديد الصاد فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن، فيكون المعنى: إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لأن إقراض اللََّه من الأعمال الصالحة، ثم قالوا: و هذه القراءة أولى لوجهين الأول: أن من تصدق للََّه و أقرض إذا لم يكن مؤمنا لم يدخل تحت الوعد، فيصير ظاهر الآية متروكا على قراءة التشديد، و لا يصير

462

متروكا على قراءة التخفيف و الثاني: أن المتصدق هو الذي يقرض اللََّه، فيصير قوله: إِنَّ اَلْمُصَّدِّقِينَ وَ اَلْمُصَّدِّقََاتِ و قوله: وَ أَقْرَضُوا اَللََّهَ شيئا واحدا و هو تكرار، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار، و حجة من نقل وجهان أحدهما: أن في قراءة أبي: إن المتصدقين و المتصدقات بالتاء و الثاني: أن قوله:

وَ أَقْرَضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً اعتراض بين الخبر و المخبر عنه، و الاعتراض بمنزلة الصفة، فهو للصدقة أشد ملازمة/منه للتصديق، و أجاب الأولون: بأنا لا نحمل قوله: وَ أَقْرَضُوا على الاعتراض، و لكنا نعطفه على المعنى، ألا ترى أن المصدقين و المصدقات معناه: إن الذين صدقوا، فصار تقدير الآية: إن الذين صدقوا و أقرضوا اللََّه.

المسألة الثانية: في الآية إشكال و هو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه هاهنا؟قال صاحب الكشاف قوله: وَ أَقْرَضُوا معطوف على معنى الفعل في المصدقين، لأن اللام بمعنى الذين، و اسم الفاعل بمعنى صدقوا، كأنه قيل: إن الذين صدقوا و أقرضوا، و اعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ، و الذي عندي فيه أن الألف و اللام في المصدقين و المصدقات للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة و هو الإتيان بالقرض الحسن، ثم ذكر الخبر بعد ذلك و هو قوله: يُضََاعَفُ لَهُمْ فقوله: وَ أَقْرَضُوا اَللََّهَ هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله:

إن الثمانين و بلغتها # [قد أحوجت سمعي إلى ترجمان‏]

المسألة الثالثة: من قرأ: اَلْمُصَّدِّقِينَ بالتشديد اختلفوا في أن المراد هو الواجب أو التطوع أو هما جميعا، أو المراد بالتصدق الواجب و بالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة، أما قوله: يُضََاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ فقد تقدم القول فيه.

اعلم أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية حال المؤمنين و المنافقين، و ذكر الآن حال المؤمنين و حال الكافرين، ثم في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: الصديق نعت لمن كثر منه الصدق، و جمع صدقا إلى صدق في الإيمان باللََّه تعالى و رسله و في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن باللََّه و رسله و هو مذهب مجاهد قال: كل من آمن باللََّه و رسله فهو صديق ثم قرأ هذه الآية، و يدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ أي الموحدون الثاني: أن الآية خاصة، و هو قول المقاتلين: أن الصديقين هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم و لم يكذبوا ساعة قط مثل آل ياسين، و مثل مؤمن آل فرعون، و أما في ديننا فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض إلى الإسلام أبو بكر و علي و زيد و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و حمزة و تاسعهم عمر ألحقه اللََّه بهم لما عرف من صدق نيته.

المسألة الثانية: قوله: وَ اَلشُّهَدََاءُ فيه قولان: الأول: أنه عطف على الآية الأولى و التقدير: إن الذين‏

463

آمنوا باللََّه و رسله هم الصديقون و هم الشهداء، قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق و شهيد و تلا هذه الآية، جذا القول اختلفوا في أنه لم سمي كل مؤمن شهيد؟فقال بعضهم لأن المؤمنين هم الشهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، و المراد أنهم عدول الآخرة الذي تقبل شهادتهم، و قال الحسن: السبب في هذا الاسم أن كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه، و قال الأصم: كل مؤمن شهيد لأنه قائم للََّه تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من وجوب الإيمان و وجوب الطاعات و حرمة الكفر و المعاصي، و قال أبو مسلم: قد ذكرنا أن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق و جمع صدقا إلى صدق في الإيمان باللََّه تعالى و رسله فصاروا بذلك شهداء على غيرهم القول الثاني: أن قوله: وَ اَلشُّهَدََاءُ ليس عطفا على ما تقدم بل هو مبتدأ، و خبره قوله عِنْدَ رَبِّهِمْ أو يكون ذلك صفة و خبره هو قوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ و على هذا القول اختلفوا في المراد من الشهداء، فقال الفراء و الزجاج: هم الأنبياء لقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنََا بِكَ عَلى‏ََ هََؤُلاََءِ شَهِيداً [النساء: 41]و قال مقاتل و محمد بن جرير: الشهداء هم الذين استشهدوا في سبيل اللََّه، و

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ما تعدون الشهداء فيكم؟قالوا: المقتول، فقال: إن شهداء أمتي إذا لقليل، ثم ذكر أن المقتول شهيد، و المبطون شهيد، و المطعون شهيد» الحديث.

و اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين، أتبعه بذكر حال الكافرين فقال: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ . و لما ذكر أحوال المؤمنين و الكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا و كما حال الآخرة فقال:

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا و تعظيم حال الآخرة فقال: /الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر، و لا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة، و أما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان اللََّه على سبيل الدوام، و لا شك أن ذلك عظيم.

المسألة الثانية: اعلم أن الحياة الدنيا حكمة و صواب، و لذلك لما قال تعالى: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً ... قََالَ إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]و لو لا أنها حكمة و صواب لما قال ذلك، و لأن الحياة خلقه، كما قال: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]و أنه لا يفعل العبث على ما قال: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً [المؤمنين: 115]و قال: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً و لأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع النعم، و حقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة، و لأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ [البقرة: 28]فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة، فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة اللََّه بل إلى طاعة الشيطان و متابعة الهوى، فذاك هو المذموم، ثم إنه تعالى وصفها بأمور: ـ

464

أولها: أنها لَعِبٌ و هو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدا، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة و ثانيها: أنها لَهْوٌ و هو فعل الشبان، و الغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة، و ذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهبا و العمر ذاهبا، و اللذة منقضية، و النفس ازدادت شوقا و تعطشا إليه مع فقدانها، فتكون المضار مجتمعة متوالية و ثالثها: أنها زِينَةٌ و هذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح، و عمارة البناء المشرف على أن يصير خرابا، و الاجتهاد في تكميل الناقص، و من المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها، فاسدة لذاتها، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها، قال ابن عباس: المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة، و هذا كما قيل:

«حياتك يا مغرور سهو و غفلة» و رابعها: تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ بالصفات الفانية الزائلة، و هو إما التفاخر بالنسب، أو التفاخر بالقدرة و القوة و العساكر و كلها ذاهبة و خامسها: قوله: وَ تَكََاثُرٌ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ قال ابن عباس: يجمع المال في سخط اللََّه، و يتباهى به على أولياء اللََّه و يصرفه في مساخط اللََّه، فهو ظلمات بعضها فوق بعض، و أنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام، و بين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلا، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ يعني المطر، و نظير قوله تعالى: وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ [الكهف: 45]و الكاف في قوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله: لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفََاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكََاثُرٌ ، و الآخر: أن يكون خبرا بعد خبر قاله الزجاج، و قوله: أَعْجَبَ اَلْكُفََّارَ نَبََاتُهُ فيه قولان: الأول: قال ابن مسعود: المراد من الكفار الزراع قال الأزهري: و العرب تقول للزارع: كافر، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، و إذا أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني: أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار باللََّه و هم أشد إعجابا بزينة الدنيا و حرثها من المؤمنين، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا، و قوله: نَبََاتُهُ أي ما نبت من ذلك الغيث، و باقي الآية مفسر في سورة الزمر.

ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال: وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابٌ شَدِيدٌ أي لمن كانت حياته بهذه الصفة، و مغفرة من اللََّه و رضوان لأوليائه و أهل طاعته، و ذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة و سرعة الانقضاء، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم، و إما رضوان، و هو أعظم درجات الثواب، ثم قال: وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ مَتََاعُ اَلْغُرُورِ يعني لمن أقبل عليها، و أعرض بها من طلب الآخرة، قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان اللََّه و طلب الآخرة فنعم الوسيلة.

ثم قال تعالى: سََابِقُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهََا كَعَرْضِ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ و المراد كأنه تعالى قال: لتكن مفاخرتكم و مكاثرتكم في غير ما أنتم عليه، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة.

و اعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله: سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ثم شرح هاهنا كيفية تلك‏