التفسير الكبير - ج29

- الفخر الرازي‏ المزيد...
533 /
465

المسارعة، فقال: سََارِعُوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، و قوله: إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: لا شك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة، فقال قوم المراد سابقوا إلى التوبة، و قال آخرون: المراد سابقوا إلى سائر ما كلفتم به فدخل فيه التوبة، و هذا أصح لأن المغفرة و الجنة لا ينالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصي و الاشتغال بكل الطاعات.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية دلت على وجوب المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظورا، أما قوله تعالى: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهََا كَعَرْضِ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ و قال: في آل عمران‏ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ [آل عمران: 133]، فذكروا فيه وجوها أحدها: أن السموات السبع و الأرضين السبع لو جعلت صفائح و ألزق بعضها ببعض لكانت الجنة في عرضها، هذا قول مقاتل و ثانيها: قال عطاء[عن‏]ابن عباس يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه الصفة، و ثالثها: قال السدي: إن اللََّه تعالى شبه عرض الجنة بعرض السموات السبع و الأرضين السبع، و لا شك أن طولها أزيد من عرضها، فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك، و رابعها: أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه و يقع في نفوسهم و أفكارهم، و أكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات و الأرض و هذا قول الزجاج، و خامسها: /و هو اختيار ابن عباس أن الجنان أربعة، قال تعالى: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ [الرحمن: 46]و قال: وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ [الرحمن: 62]فالمراد هاهنا تشبيه واحدة من تلك الجنان في العرض بالسموات السبع و الأرضين السبع.

ثم قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج جمهور الأصحاب بهذا على أن الجنة مخلوقة، و قالت المعتزلة هذه الآية: لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: الأول: أن قوله تعالى: أُكُلُهََا دََائِمٌ [الرعد: 35]يدل على أن من صفتها بعد وجودها أن لا تفنى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]الثاني: أن الجنة مخلوقة و هي الآن في السماء السابعة، و لا يجوز مع أنها في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات، قالوا: فثبت بهذين الوجهين أنه لا بد من التأويل، و ذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى لما كان قادرا لا يصح المنع عليه، و كان حكيما لا يصح الخلف في وعده، ثم إنه تعالى وعده على الطاعة بالجنة فكانت الجنة كالمعدة المهيأة لهم تشبيها لما سيقع قطعا بالواقع، و قد يقول المرء لصاحبه: (أعدت لك المكافأة) إذا عزم عليها، و إن لم يوجدها، و الثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها اللََّه تعالى لهم كقوله تعالى: وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ [الأعراف: 50]أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب: أن قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ عام، و قوله: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ مع قوله: أُكُلُهََا دََائِمٌ خاص، و الخاص مقدم على العام، و أما قوله ثانيا: الجنة مخلوقة في السماء السابعة قلنا: إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما

قال عليه السلام في صفة الجنة: «سقفها عرش الرحمن»

و أي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشي‏ء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة.

المسألة الثانية: قوله: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ فيه أعظم رجاء و أقوى أمل، إذا ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن باللََّه و رسله، و لم يذكر مع الإيمان شيئا آخر، و المعتزلة و إن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة

466

الطاعات بحكم تصرف الشرع، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بحرف الباء، فإنه باق على مفهومه الأصلي و هو التصديق، فالآية حجة عليهم، و مما يتأكد به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية: ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ يعني أن الجنة فضل لا معاملة، فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى، فإن قيل:

فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة، و أن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟قلنا: نقطع بحصول الجنة لهم، و لا نقطع بنفي العقاب عنهم، لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة و بقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنة معدة لهم، فإن قيل: فالمرتد قد آمن باللََّه، فوجب أن يدخل تحت الآية قلت: خص من العموم، فيبقى العموم حجة فيما عداه.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل، و هذا أيضا قول الكعبي من المعتزلة، و احتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية، أجاب القاضي عنه فقال: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة و بين كونها فضلا من اللََّه تعالى، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال، و إنما قلنا: إنه لا منافاة بين هذين الوصفين، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق، فلما كان تعالى متفضلا بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلا بها، قال: و لما ثبت هذا، ثبت أن قوله: يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ لا بد و أن يكون مشروطا بمن يستحقه، و لولا ذلك لم يكن لقوله من قبل: سََابِقُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ معنى.

و اعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلا بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى متفضلا بنفس الجنة، فإن من وهب من إنسان كاغدا و دواة و قلما، ثم إن ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفا و باعه من الواهب، لا يقال: إن أداء ذلك الثمن تفضيل، بل يقال: إنه مستحق، فكذا هاهنا، و أما قوله أولا إنه لا بد من الاستحقاق، و إلا لم يكن لقوله من قبل: سََابِقُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ معنى، فجوابه أن هذا استدلال عجيب، لأن للمتفضل أن يشرط في تفضله أي شرط شاء، و يقول: لا أتفضل إلا مع هذا الشرط.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ و المراد منه التنبيه على عظم حال الجنة، و ذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه و أثنى بسببه على نفسه، فإنه لا بد و أن يكون ذلك العطاء عظيما.

في قوله تعالى مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ قال الزجاج: إنه تعالى لما قال: سََابِقُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ [الحديد: 21]بين أن المؤدي إلى الجنة و النار لا يكون إلا بقضاء و قدر، فقال: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ و المعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا و هي مكتوبة عند اللََّه، و المصيبة في الأرض هي قحط المطر، و قلة النبات، و نقص الثمار، و غلاء الأسعار، و تتابع الجوع، و المصيبة في الأنفس فيها قولان: الأول: أنها هي: الأمراض، و الفقر، و ذهاب الأولاد، و إقامة الحدود عليها و الثاني: أنها تتناول الخير/و الشر أجمع لقوله بعد ذلك: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ [الحديد: 23] ثم قال: إِلاََّ فِي كِتََابٍ يعني مكتوب عند اللََّه في اللوح المحفوظ و فيه مسائل:

467

المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال المتكلمون: و إنما كتب كل ذلك لوجوه أحدها: تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه و تعالى عالما بجميع الأشياء قبل وقوعها و ثانيها: ليعرفوا حكمة اللََّه فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم و رزقهم و ثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي و رابعها: ليشركوا اللََّه تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات و عصمته إياهم من المعاصي. و قالت الحكماء: إن الملائكة الذين وصفهم اللََّه بأنهم هم المدبرات أمرا، و هم المقسمات أمرا، إنما هي المبادئ لحدوث الحوادث في هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى: إِلاََّ فِي كِتََابٍ .

المسألة الثانية: استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن الحكم، و وجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها و جاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالما بها بأسرها.

المسألة الثالثة: قوله: وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم و معاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ، و مثبتة في علم اللََّه تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالا، لأن علم اللََّه بوجودها مناف لعدمها، و الجمع بين المتنافيين محال، فلما حصل العلم بوجودها، و هذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها و بين علم اللََّه بوجودها محالا.

المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يقل: إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب، لأن حركات أهل الجنة و النار غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال، و أيضا خصص ذلك بالأرض و الأنفس و ما أدخل فيها أحوال السموات، و أيضا خصص ذلك بمصائب الأرض و الأنفس لا بسعادات الأرض و الأنفس، و في كل هذه الرموز إشارات و أسرار، أما قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا فقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: من قبل أن نخلق هذه المصائب، و قال بعضهم: بل المراد الأنفس، و قال آخرون: بل المراد نفس الأرض، و الكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم، و إن كان الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود، و قال آخرون: المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات، و المخلوقات و إن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود الضمير إليها كما في قوله: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ* [يوسف: 2].

ثم قال تعالى: إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ و فيه قولان: أحدهما: إن حفظ ذلك على اللََّه هين، و الثاني: إن إثبات ذلك على كثرته في الكتاب يسير على اللََّه و إن كان عسيرا على العباد، و نظير هذه الآية قوله: وَ مََا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاََ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاََّ فِي كِتََابٍ إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ [فاطر: 11]. /ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سببا لآخره، كما تقول: قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب، و هاهنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار اللََّه عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء و القدر، و مثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع، و أن لا يشتد حزنه بما لم يقع، و هذا

468

هو المراد

بقوله عليه السلام: «من عرف سر اللََّه في القدر هانت عليه المصائب»

و تحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع واجب، و عدم كل ما لم يقع واجب أيضا لأسباب أربعة أحدها: أن اللََّه تعالى علم وقوعه، فلو لم يقع انقلب العلم جهلا ثانيها: أن اللََّه أراد وقوعه، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنيا ثالثها: أنه تعلقت قدرة اللََّه تعالى بإيقاعه، فلو لم يقع*لانقلبت تلك القدرة عجزا، رابعها: أن اللََّه تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصدق كذبا، فإن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص، و من قدمها إلى الحدوث، و لما كان ذلك ممتنعا علمنا أنه لا دافع لذلك الوقوع، و حينئذ يزول الغم و الحزن، عند ظهور هذه الخواطر و هانت عليه المحن و المصائب، و أما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة و الإرادة، و لكنهم يوافقون في العلم و الخير، و إذا كان الجبر لازما في هاتين الصفتين، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين و بين أن يلزم بسبب الصفات الأربع، و أما الفلاسفة فالجبر مذهبهم، و ذلك لأنهم ربطوا حدوث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية و التخيلات الحيوانية، ثم ربطوا تلك التصورات و التخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة، و يمتنع وقوع ما يخالفها، و أما الدهرية الذين لا يثبتون شيئا من المؤثرات فهم لا بد و أن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي، و إذا كان اتفاقيا لم يكن اختياريا، فيكون الجبر لازما، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء، سواء أقروا به أو أنكروه، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية، قالت المعتزلة: الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكنا مختارا، و ذلك من وجوه الأول: أن قوله: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن الحزن و الفرح، و لو لا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام فائدة و الثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن و الفرح و ذلك خلاف قول المجبرة: إن اللََّه تعالى/أراد كل ذلك منهم و الثالث: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ و هذا يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة و الإرادة سواء، فهو خلاف قول المجبرة: إن كل واقع فهو مراد اللََّه تعالى الرابع: أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله:

لِكَيْلاََ و هذا يدل على أن أفعال اللََّه تعالى معللة بالغرض، و أقول: العاقل يتعجب جدا من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر و القدر و تعلق كلتا الطائفتين بأكثرها.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قرأ أبو عمرو وحده: بما أتاكم قصرا، و قرأ الباقون: آتََاكُمْ ممدودا، حجة أبي عمرو أن: أتاكم معادل لقوله: فََاتَكُمْ* فكما أن الفعل للغائب في قوله: فََاتَكُمْ* كذلك يكون الفعل للآني في قوله: بِمََا آتََاكُمْ و العائد إلى الموصول في الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، و حجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك منسوبا إلى اللََّه تعالى و هو المعطي لذلك، و يكون فاعل الفعل في: آتََاكُمْ ضميرا عائدا إلى اسم اللََّه سبحانه و تعالى و الهاء محذوفة من الصلة تقديره بما آتاكموه.

المسألة الثالثة: قال المبرد: ليس المراد من قوله: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ نفي الأسى و الفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنوا حزنا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم و لا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم، و لا تفرحوا فرحا شديد يطغيكم حتى تأشروا فيه و تبطروا، و دليل ذلك قوله تعالى:

وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه و يبطر، و أما الفرح بنعمة اللََّه‏

469

و الشكر عليها فغير مذموم، و هذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ليس أحد إلا و هو يفرح و يحزن و لكن اجعلوا للمصيبة صبرا و للخير شكرا. و احتج القاضي بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد و الجواب عنه أن كثيرا من أصحابنا من فرق بين المحبة و الإرادة فقال: المحبة إرادة مخصوصة، و هي إرادة الثواب فلا يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أن هذا بدل من قوله: كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ [الحديد: 23]كأنه قال: لا يحب المختال و لا يحب الذين يبخلون يريد الذين يفرحون الفرح المطغى فإذا رزقوا مالا و حظا من الدنيا فلحبهم له و عزته عندهم يبخلون به و لا يكفيهم أنهم بخلوا به بل يأمرون الناس بالبخل به، و كل ذلك نتيجة فرحهم عند إصابته، ثم قال بعد ذلك: وَ مَنْ يَتَوَلَّ عن أوامر اللََّه و نواهيه و لم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت و الفرح بالآتي فإن اللََّه غني عنه القول الثاني: أن قوله: / اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، و هو في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى اللََّه عليه و سلم و يخلوا ببيان نعته، و هو مبتدأ و خبره محذوف دل عليه قوله: وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ و حذف الخبر كثير في القرآن كقوله: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ [الرعد: 31].

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قرأ نافع و ابن عامر فإن اللََّه الغني الحميد ، و حذفوا لفظ هُوَ و كذلك هو في مصاحف أهل المدينة و الشأم، و قرأ الباقون هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ قال أبو علي: ينبغي أن هو في هذه الآية فصلا لا مبتدأ، لأن الفصل حذفه أسهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، و قد يحذف فلا يخل بالمعنى كقوله: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مََالاً وَ وَلَداً [الكهف: 39].

المسألة الثالثة: قوله: فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ معناه أن اللََّه غني فلا يعود ضرر عليه ببخل ذلك البخيل، و قوله: اَلْحَمِيدُ كأنه جواب عن السؤال يذكر هاهنا، فإنه يقال: لما كان تعالى عالما بأنه يبخل بذلك المال و لا يصرفه إلى وجوه الطاعات، فلم أعطاه ذلك المال؟فأجاب بأنه تعالى حميد في ذلك الإعطاء، و مستحق للحمد حيث فتح عليه أبواب رحمته و نعمته، فإن قصر العبد في الطاعة فإن و باله عائد إليه.

ثم قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنََا رُسُلَنََا بِالْبَيِّنََاتِ و في تفسير البينات قولان: الأول: و هو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة و الدلائل القاهرة و الثاني: و هو قول مقاتل بن حيان: أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة اللََّه و إلى الإعراض عن غير اللََّه، و الأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات.

ثم قال تعالى: وَ أَنْزَلْنََا مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْمِيزََانَ لِيَقُومَ اَلنََّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ .

470

و اعلم أن نظير هذه الآية قوله: اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ وَ اَلْمِيزََانَ [الشورى: 17]و قال:

وَ اَلسَّمََاءَ رَفَعَهََا وَ وَضَعَ اَلْمِيزََانَ [الرحمن: 7] و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: في وجه المناسبة بين الكتاب و الميزان و الحديد وجوه. أحدها: و هو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين: أحدهما: فعل ما ينبغي فعله و الثاني: ترك ما ينبغي تركه، و الأول هو المقصود بالذات، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد، لأن الترك كان حاصلا في الأزل، و أما فعل ما ينبغي فعله، فإما أن يكون متعلقا بالنفس، و هو المعارف، أو بالبدن و هو أعمال الجوارح، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من/الأفعال النفسانية، لأن يتميز الحق من الباطل، و الحجة من الشبهة، و الميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق، و الميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم و الزائد عن الناقض، و أما الجديد ففيه بأس شديد، و هو زاجر للخلق عما لا ينبغي، و الحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، و الميزان إلى القوة العملية، و الحديد إلى دفع مالا ينبغي، و لما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغي، روعي هذا الترتيب في هذه الآية و ثانيها: المعاملة إما مع الخالق و طريقها الكتاب أو مع الخلق و هم: إما الأحباب و المعاملة معهم بالسوية و هي بالميزان، أو مع الأعداء و المعاملة معهم بالسيف و الحديد و ثالثها: الأقوام ثلاثة: أما السابقون و هم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب، فينصفون و لا ينتصفون، و يحترزون عن مواقع الشبهات، و إما مقتصدون و هم الذين ينصفون و ينتصفون، فلا بد لهم من الميزان، و إما ظالمون و هم الذين ينتصفون و لا ينصفون و لا بد لهم من الحديد و الزجر و رابعها: الإنسان، إما أن يكون في مقام الحقيقة و هو مقام النفس المطمئنة و مقام المقربين، فههنا لا يسكن إلا إلى اللََّه، و لا يعمل إلا بكتاب اللََّه، كما قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ [الرعد: 28]و إما أن يكون في مقام الطريقة و هو مقام النفس اللوامة، و مقام أصحاب اليمين، فلا بد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط و التفريط، و يبقى على الصراط المستقيم و إما أن يكون في مقام الشريعة و هو مقام النفس الأمارة، و هاهنا لا بد له من هاهنا لا بد له من حديد المجاهدة و الرياضيات الشاقة و خامسها: الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة و الوصول فلا أنس له إلا بالكتاب، أو صاحب الطلب و الاستدلال فلا بد له من ميزان الدليل و الحجة أو صاحب العناد و اللجاج، فلا بد و أن ينفى من الأرض بالحديد و سادسها: أن الدين هو إما الأصول و إما الفروع، و بعبارة أخرى: إما المعارف و إما الأعمال، فالأصول من الكتاب، و أما الفروع: فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم و مصلحتهم و ذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل، و الحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين و سابعها:

الكتاب إشارة إلى ما ذكر اللََّه في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل و الإنصاف، و الميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل و الإنصاف و هو شأن الملوك، و الحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف، و هذا يدل على أن مرتبة العلماء و هم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف، و وجوه المناسبات كثيرة، و فيما ذكرناه تنبيه على الباقي.

المسألة الثانية: ذكروا في: إنزال الميزان و إنزال الحديد، قولين: الأول: أن اللََّه تعالى أنزلهما من السماء،

روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح، و قال: مرقومك يزنوا به،

و عن ابن عباس‏

471

نزل آدم من الجنة و معه خمسة أشياء من الحديد السندان و الكلبتان/و المقمعة و المطرقة و الإبرة، و المعمقة ما يحدد به، و يدل على صحة هذا ما

روى ابن عمر أنه عليه الصلاة و السلام قال: «إن اللََّه تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد و النار و الماء و الملح» .

و القول الثاني: أن معنى هذا الإنزال الإنشاء و التهيئة، كقوله تعالى: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعََامِ ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ [الزمر: 6]قال قطرب: أَنْزَلْنََاهََا [النور: 1] أي هيأناها من النزل، يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا، و منهم من قال هذا من جنس قوله: علفتها تبنا و ماء باردا، و أكلت خبزا و لبنا.

المسألة الثالثة: ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط، و القسط و الإقساط هو الإنصاف و هو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك، و العادل مقسط قال اللََّه تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ* [الحجرات: 9]و القاسط الجائر قال تعالى: وَ أَمَّا اَلْقََاسِطُونَ فَكََانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15]و أما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه، و فيه أيضا منافع كثيرة منها قوله تعالى: وَ عَلَّمْنََاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [الأنبياء: 80]و منها أن مصالح العالم، إما أصول، و إما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة و الحياكة و بناء البيوت و السلطنة، و ذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله و ثوب يلبسه و بناء يجلس فيه، و الإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل، و ذلك الانتظام لا بد و أن يفضي إلى المزاحمة، و لا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض، و ذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد، و ذلك في كرب الأراضي و حفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب و تولدها لا بد من خبزها و تنقيتها، و ذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم الحبوب لا بد من طحنها و ذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم لا بد من خبزها و لا يتم إلا بالنار، و لا بد من المقدحة الحديدية، و أما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها، و قطعها على الوجوه الموافقة للأكل و لا يتم ذلك إلا بالحديد، و أما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب و خياطتها إلى الحديد، و أما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، و أما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم و لا تكمل إلا بالحديد، و عند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد، و يظهر أيضا أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شي‏ء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شي‏ء من مصالح الدنيا، و لو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، و الذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، و عند هذا يظهر أثر وجود اللََّه تعالى و رحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر، جعل وجدانه أسهل، و لهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع*وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان في الحال، فلا جرم جعله اللََّه أسهل الأشياء وجدانا، و هيأ أسباب التنفس و آلاته، حتى إن الإنسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير/حاجة فيه إلى تكلف عمل، و بعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء، و بعد الماء الطعام، و لما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة و العزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد، كان وجدانه أسهل، و كل ما كان

472

وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، و الجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا، لا جرم كانت عزيزة جدا، فعلمنا أن كل شي‏ء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، و لما كانت الحاجة إلى رحمة اللََّه تعالى أشد من الحاجة إلى كل شي‏ء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا، قال الشاعر:

سبحان من خص العزيز بعزه # و الناس مستغنون عن أجناسه

و أذل أنفاس الهواء و كل ذي # نفس فمحتاج إلى أنفاسه‏

ثم قال تعالى: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللََّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى و ليعلم اللََّه من ينصره، أي ينصر دينه، و ينصر رسله باستعمال السيوف و الرماح و سائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائبا عنهم. قال ابن عباس: ينصرونه و لا يبصرونه، و يقرب منه قوله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اَللََّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7].

المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم اللََّه بقوله: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ و الجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم، فكأنه تعالى قال: و لتقع نصرة الرسول عليه الصلاة و السلام ممن ينصره.

المسألة الثالثة: قال الجبائي: قوله تعالى: لِيَقُومَ اَلنََّاسُ بِالْقِسْطِ فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان و الحديد، و مراده من العباد أن يقوموا بالقسط و أن ينصروا الرسول، و إذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه: أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، و أن الجمع بين الضدين محال، و أن المحال غير مراد.

المسألة الرابعة: لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب، و معناه أن تقع عن إخلاص بالقلب، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع.

قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً وَ إِبْرََاهِيمَ وَ جَعَلْنََا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتََابَ و اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات و المعجزات، و أنه أنزل الميزان و الحديد، و أمر الخلق بأن/يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر الأشياء التي أنعم بها عليهم، فبين أنه تعالى شرف نوحا و إبراهيم عليهما السلام بالرسالة، ثم جعل في ذريتهما النبوة و الكتاب فما جاء بعدهما أحد بالنبوة إلا و كان من أولادهما، و إنما قدم النبوة على الكتاب، لأن كمال حال النبي أن يصير صاحب الكتاب و الشرع.

ثم قال تعالى: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ أي فمن الذرية أو من المرسل إليهم، و قد دل عليهم ذكر الإرسال و المرسلين، و المعنى أن منهم مهتد و منهم فاسق، و الغلبة للفساق، و في الفاسق هاهنا قولان: الأول: أنه الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر و على من لا يكون، كذلك إذا كان‏

473

مرتكبا للكبيرة، و الثاني: أن المراد بالفاسق هاهنا الكافر، لأن الآية دلت على أنه تعالى جعل الفساق بالضد من المهتدين، فكأن المراد أن فيهم من قبل الدين و اهتدى، و منهم من لم يقبل و لم يهتد، و معلوم أن من كان كذلك كان كافرا، و هذا ضعيف، لأن المسلم الذي عصى قد يقال فيه: إنه لم يهتد إلى وجه رشده و دينه.

قوله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنََا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ بِرُسُلِنََا وَ قَفَّيْنََا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ .

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى، و المراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله اللََّه تعالى بعدهم و آتاه الإنجيل.

المسألة الثانية: قال ابن جني قرأ الحسن: وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ بفتح الهمزة، ثم قال: هذا مثال لا نظير له، لأن أفعيل و هو عندهم من نجلت الشي‏ء إذا استخرجته، لأنه يستخرج به الأحكام، و التوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار، و مثله الفرقان و هو فعلان من فرقت بين الشيئين، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له، و غالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع و له* وجهان أحدهما: أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل و ثانيهما: أنه ظن الإنجيل أعجميا فحرف مثاله تنبيها على كونه أعجميا.

قوله تعالى: وَ جَعَلْنََا فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبََانِيَّةً اِبْتَدَعُوهََا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق للََّه تعالى و كسب للعبد، قالوا: لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة للََّه تعالى، و حكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية، قال القاضي: المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية، التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب من الخلوة و اللباس الخشن و الجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، على أنا و إن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضا، و ذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان و إلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء و الجمع بينهما متناقض، و إذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعا، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعا، و إذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض.

المسألة الثانية: قال مقاتل: المراد من الرأفة و الرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض، كما وصف اللََّه أصحاب محمد عليه الصلاة و السلام بذلك في قوله: رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ (رآفة) على فعالة.

المسألة الرابعة: الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان و هو الخائف فعلان من رهب، كخشيان من خشي، و قرئ: (و رهبانية) بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان، و هو جمع راهب كراكب و ركبان، و المراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة و متحملين كلفا زائدة على‏

474

العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة و اللباس الخشن، و الاعتزال عن النساء و التعبد في الغيران و الكهوف، عن ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى و محمد عليهما السلام غير الملوك التوراة و الإنجيل، فساح قوم في الأرض و لبسوا الصوف، و

روى ابن مسعود أنه عليه السلام، قال: «يا ابن مسعود: أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة، كلها في النار إلا ثلاث فرق، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام، و قاتلوا أعداء اللََّه في نصرته حتى قتلوا، و فرقة لم يكن لها طاقة بالقتال، فأمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر، و فرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين، فلبس العباء، و خرجوا إلى القفار و الفيافي و هو قوله: وَ جَعَلْنََا فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً إلى آخر الآية» .

المسألة الخامسة: لم يعن اللََّه تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم و نذروها، و لذلك قال تعالى بعده: مََا كَتَبْنََاهََا عَلَيْهِمْ .

المسألة السادسة: رَهْبََانِيَّةً منصوبة بفعل مضمر، يفسره الظاهر، تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، و قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حملها على جَعَلْنََا ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولا للََّه تعالى، و أقول: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين، و من أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

ثم قال تعالى: مََا كَتَبْنََاهََا عَلَيْهِمْ أي لم نفرضها نحن عليهم.

أما قوله: إِلاَّ اِبْتِغََاءَ رِضْوََانِ اَللََّهِ ففيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع. أي و لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان اللََّه الثاني: أنه استثناء متصل، و المعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة اللََّه تعالى، و المراد أنها ليست واجبة، فإن المقصود من فعل الواجب، دفع العقاب و تحصيل رضا اللََّه، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة اللََّه تعالى.

أما قوله تعالى: فَمََا رَعَوْهََا حَقَّ رِعََايَتِهََا فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ ففيه أقوال:

أحدها: أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها، بل ضموا إليها التثليث و الاتحاد، و أقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدا عليه الصلاة و السلام فآمنوا به فهو قوله: فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ ، و ثانيها: أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة اللََّه تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال لكن لا لهذا الوجه، بل لوجه آخر، و هو طلب الدنيا و الرياء و السمعة و ثالثها: أنا لما كتبناها عليهم تركوها، فيكون ذلك ذما لهم من حيث إنهم تركوا الواجب و رابعها: أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدا عليه الصلاة و السلام، و لم يؤمنوا به، و قوله: فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ أي الذين آمنوا بمحمد و كثير منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به، و يدل على هذا ما

روي أنه عليه السلام قال: «من آمن بي و صدقني و اتبعني فقد رعاها حق رعايتها، و من لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون»

و خامسها: أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية و انقرضوا عليها، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان، و ما كانوا مقتدين بهم في العمل، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها، قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون، ثم قال: وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ و المعنى أن بعضهم قام برعايتها و كثير منهم أظهر الفسق و ترك تلك الطريقة ظاهرا و باطنا.

475

اعلم أنه لما قال في الآية الأولى: فَآتَيْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أي من قوم عيسى: أَجْرَهُمْ [الحديد:

27]قال في هذه الآية: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا و المراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا اللََّه و يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة و السلام ثم قال: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولا بعيسى، و ثانيا بمحمد عليه الصلاة و السلام، و نظيره قوله تعالى: أُولََئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: 54]عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول و أسلموا فجعل اللََّه لهم أجرين، و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: ما الكفل في اللغة؟ الجواب: قال المؤرج: الكفل النصيب بلغة هذيل و قال غيره بل هذه لغة الحبشة، و قال المفضل بن مسلمة: الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من العقود على البعير.

السؤال الثاني: أنه تعالى لما آتاهم كفلين و أعطى المؤمنين كفلا واحدا كان حالهم أعظم و الجواب:

روي أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين،

و هو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدرا من النصيبين، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفا، و إذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء، فالنصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من عشرين نصيبا من القسمة الثانية، فكذا هاهنا، ثم قال تعالى: وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أي يوم القيامة نُوراً تَمْشُونَ بِهِ و هو النور المذكور في قوله‏ يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ [الحديد: 12] وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ما أسلفتم من المعاصي وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الواحدي هذه الآية مشكلة و ليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها.

و اعلم أن أكثر المفسرين على أن (لا) هاهنا صلة زائدة، و التقدير: ليعلم أهل الكتاب، و قال أبو مسلم الأصفهاني و جمع آخرون: هذه الكلمة ليس بزائدة، و نحن نفسر الآية على القولين بعون اللََّه تعالى و توفيقه.

أما القول المشهور: و هو أن هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنه لا بد هاهنا من تقديم مقدمة و هي: أن أهل الكتاب و هم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي و الرسالة فينا، و الكتاب و الشرع ليس إلا لنا، و اللََّه تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة و السلام وعدهم/بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، و الغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم و غير حاصلة إلا في قومهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان، و أطنبنا في الوعد و الوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل اللََّه بقوم معينين، و لا يمكنهم حصر الرسالة

476

و النبوة في قوم مخصوصين، و أن الفضل بيد اللََّه يؤتيه من يشاء و لا اعتراض عليه في ذلك أصلا أما القول الثاني: و هو أن لفظة (لا) غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: أَلاََّ يَقْدِرُونَ عائد إلى الرسول و أصحابه، و التقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي و المؤمنين لا يقدرون على شي‏ء من فضل اللََّه، و أنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه، ثم قال: وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ أي و ليعلموا أن الفضل بيد اللََّه، فيصير التقدير: إنا فعلنا كذا و كذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل اللََّه و إحسانه في أقوام معينين، و ليعتقدوا أن الفضل بيد اللََّه، و اعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ تقدير و ليعتقدوا أن الفضل بيد اللّه و أما القول الأول: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شي‏ء موجد، و من المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلا أصلا، أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهما للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى و اللََّه أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ: (لكي يعلم) ، و (لكيلا يعلم) ، و (ليعلم) ، و (لأن يعلم) ، بإدغام النون في الياء، و حكى ابن جني في «المحتسب» عن قطرب: أنه روي عن الحسن: (ليلا) ، بكسر اللام و سكون الياء، و حكى ابن مجاهد عنه ليلا بفتح اللام و جزم الياء من غير همز، قال ابن جني: و ما ذكر قطرب أقرب، و ذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي لنلا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها و انكسار ما قبلها ياء فيصير ليلا، و أما رواية ابن مجاهد عنه، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له: فمنهم من قاس المظهر عليه، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ: وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبََالُ [إبراهيم: 46].

و أما قوله تعالى: وَ أَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ أي في ملكه و تصرفه و اليد مثل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ لأنه قادر مختار يفعل بحسب الاختيار وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ و العظيم لا بد و أن يكون إحسانه عظيما، و المراد تعظيم حال محمد صلى اللّه عليه و سلم في نبوته و شرعه و كتابه، و اللََّه أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب، و الحمد للََّه رب العالمين، و صلى اللََّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

477

بسم اللّه الرحمن الرّحيم

سورة المجادلة

و هي عشرون و آيتان مدنية

روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت رآها زوجها و هي تصلي، و كانت حسنة الجسم، و كان بالرجل لمم، فلما سلمت راودها، فأبت، فغضب، و كان به خفة فظاهر منها، فأتت رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم و قالت: إن أوسا تزوجني و أنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني و كثر ولدي جعلني كأمه، و إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، و إن ضممتهم إليّ جاعوا، ثم هاهنا روايتان: يروي أنه عليه السلام قال لها: «ما عندي في أمرك شي‏ء» و روي أنه عليه السلام قال لها: «حرمت عليه» فقالت: يا رسول اللََّه ما ذكر طلاقا، و إنما هو أبو ولدي و أحب الناس إليّ، فقال: «حرمت عليه» فقالت: أشكو إلى اللََّه فاقتي و وجدي، و كلما قال رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم: «حرمت عليه» هتفت و شكت إلى اللََّه، فبينما هي كذلك إذ تربد وجه رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم، فنزلت هذه الآية، ثم إنه عليه الصلاة و السلام أرسل إلى زوجها، و قال: «ما حملك على ما صنعت؟فقال: الشيطان فهل من رخصة؟فقال: نعم، و قرأ عليه الأربع آيات، و قال له: هل تستطيع العتق؟فقال: لا و اللََّه، فقال: هل تستطيع الصوم؟فقال: لا و اللّه لولا أني آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري و لظننت أني أموت، فقال له: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟فقال: لا و اللََّه يا رسول اللََّه إلا أن تعينني منك بصدقة، فأعانه بخمسة عشر صاعا، و أخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكينا»

و اعلم أن في هذا الخبر مباحث:

الأول: قال أبو سليمان الخطابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: (و كان به لمم) ، الخبل و الجنون إذ لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شي‏ء، بل معنى اللمم هنا: الإلمام بالنساء، و شدة الحرص، و التوقان إليهن.

البحث الثاني: أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية، لأنه في التحريم أوكد ما يمكن، و إن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له، و إلا لم يعد نسخا، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية، لكن الذي‏

روي أنه صلى اللّه عليه و سلم قال لها: «حرمت»

أو

قال: «ما أراك إلا قد حرمت»

كالدلالة على أنه كان شرعا. و أما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك.

478

البحث الثالث: أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق، و لم يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه اللََّه ذلك المهم، و لنرجع إلى التفسير، أما قوله: قَدْ سَمِعَ اَللََّهُ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: قَدْ معناه التوقع، لأن رسول اللََّه و المجادلة كانا يتوقعان أن يسمع اللََّه مجادلتها و شكواها، و ينزل في ذلك ما يفرج عنها.

المسألة الثانية: كان حمزة يدغم الدال في السين من: قَدْ سَمِعَ و كذلك في نظائره، و اعلم أن اللََّه تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما: المجادلة و هي قوله: تُجََادِلُكَ فِي زَوْجِهََا أي تجادلك في شأن زوجها، و تلك المجادلة

أنه عليه الصلاة و السلام كلما قال لها: «حرمت عليه» قالت: و اللََّه ما ذكر طلاقا

و ثانيهما:

شكواها إلى اللََّه، و هو قولها: أشكو إلى اللََّه فاقتي و وجدي، و قولها: إن لي صبية صغارا، ثم قال سبحانه:

وَ اَللََّهُ يَسْمَعُ تَحََاوُرَكُمََا و المحاورة المراجعة في الكلام، من حار الشي‏ء يحور حورا، أي رجع يرجع رجوعا، و منها نعوذ باللََّه من الحور بعد الكور، و منه فما أحار بكلمة، أي فما أجاب، ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي يسمع كلام من يناديه، و يبصر من يتضرع إليه.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسََائِهِمْ مََا هُنَّ أُمَّهََاتِهِمْ اعلم أن قوله: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ فيه بحثان:

المسألة الأولى: ما يتعلق بالمباحث اللغوية و الفقهية، فنقول في هذه الآية بحثان.

أحدهما: أن الظهار ما هو؟الثاني: أن المظاهر من هو؟و قوله: مِنْ نِسََائِهِمْ فيه بحث: و هو أن المظاهر منها من هي؟.

أما البحث الأول: و هو أن الظهار ما هو؟ففيه مقامان:

المقام الأول: في البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة و فيه قولان: أحدهما: أنه عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فهو مشتق من الظهر.

و الثاني: و هو صاحب «النظم» ، أنه ليس مأخوذا من الظهر الذي هو عضو من الجسد، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعة، و التلذذ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من العلو، و منه قوله تعالى: فَمَا اِسْطََاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: 97]أي يعلوه، و كل من علا شيئا فقد ظهره، و منه سمي المركوب ظهرا، لأن راكبه يعلوه، و كذلك امرأة الرجل ظهره، لأنه يعلوها بملك البضع، و إن لم يكن من ناحية الظهر، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل و ظهر له و يدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها، و في قولهم: أنت عليّ كظهر أمي، حذف و إضمار، لأن تأويله:

ظهرك علي، أي ملكي إياك، و علوي عليك حرام، كما أن علوي على أمي و ملكها حرام علي.

المقام الثاني: في الألفاظ المستعملة بهذا المعنى في عرف الشريعة. الأصل في هذا الباب أن يقال: أنت‏

479

علي كظهر أمي، فإما أن يكون لفظ الظهر، و لفظ الأم مذكورين و إما أن يكون لفظ الأم مذكورا دون لفظ الظهر، و إما أن يكون لفظ الظهر مذكورا دون لفظ الأم، و إما أن لا يكون واحد منهما مذكورا، فهذه أقسام أربعة:

القسم الأول: إذا كانا مذكورين و هو معتبر بالاتفاق، ثم لا مناقشة في الصلاة إذا انتظم الكلام، فلو قال: أنت علي كظهر أمي، أو أنت مني كظهر أمي، فهذه الصلاة كلها جائزة و لو لم يستعمل صلة، و قال: أنت كظهر أمي، فقيل: إنه صريح، و قيل: يحتمل أن يريد إنها كظهر أمه في حق غيره، و لكن هذا الاحتمال كما لو قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: أردت بذلك الإخبار عن كونها طالقا من جهة فلان.

القسم الثاني: أن تكون الأم مذكورة، و لا يكون الظهر مذكورا، و تفصيل مذهب الشافعي فيه أن الأعضاء قسمان، منها ما يكون التشبيه بها غير مشعر بالإكرام، و منها ما يكون التشبيه بها مشعر بالإكرام، أما الأول: فهو كقوله: أنت علي كرجل أمي، أو كيد أمي، أو كبطن أمي، و للشافعي فيه قولان: الجديد أن الظهار يثبت، و القديم أنه لا يثبت، أما الأعضاء التي يكون التشبيه بها سببا للإكرام، فهو كقوله: أنت علي كعين أمي، أو روح أمي، فإن أراد الظهار كان ظهارا، و إن أراد الكرامة فليس بظهار، فإن لفظه محتمل لذلك، و إن أطلق ففيه تردد، هذا تفصيل مذهب الشافعي، و أما مذهب أبي حنيفة، فقال أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن» : إذا شبه زوجته بعضو من الأم يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا، و هو قوله: أنت علي كيد أمي أو كرأسها، أما إذا شببها بعضو من الأم يحرم عليه النظر إليه كان ظهارا، كما إذا قال: أنت علي كبطن أمي أو فخذها، و الأقرب عندي هو القول القديم للشافعي، و هو أنه لا يصح الظهار بشي‏ء من هذه الألفاظ، و الدليل عليه أن حل الزوجة كان ثابتا، و براءة الذمة عن وجوب الكفارة كانت ثابتة، و الأصل في الثابت البقاء على ما كان ترك العمل به فيما إذا قال:

أنت علي/كظهر أمي لمعنى مفقود في سائر الصور، و ذلك لأن اللفظ المعهود في الجاهلية هو قوله: أنت علي كظهر أمي، و لذلك سمي ظهارا، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعرا بالتحريم، و لم يوجد هذا المعنى في سائر الألفاظ، فوجب البقاء على حكم الأصل.

القسم الثالث: ما إذا كان الظهر مذكورا و لم تكن الأم مذكورة، فهذا يدل على ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: أن يجري التشبيه بالمحرمات من النسب و الرضاع، و فيه قولان: القديم أنه لا يكون ظهارا، و القول الجديد أنه يكون ظهارا، و هو قول أبي حنيفة. المرتبة الثانية: تشبيهها بالمرأة المحرمة تحريما مؤقتا مثل أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر فلانة، و كان طلقها و المختار عندي أن شيئا من هذا لا يكون ظهارا، و دليله ما ذكرناه في المسألة السالفة، و حجة أبي حنيفة أنه تعالى قال: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ و ظاهر هذه الآية يقتضي حصول الظهار بكل محرم فمن قصره على الأم فقد خص و الجواب: أنه تعالى لما قال بعده: مََا هُنَّ أُمَّهََاتِهِمْ إِنْ أُمَّهََاتُهُمْ إِلاَّ اَللاََّئِي وَلَدْنَهُمْ دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم، و لأن حرمة الأم أشد من حرمة سائر المحارم، فنقول: المقتضي لبقاء الحل قائم على ما بيناه، و هذا الفارق موجود، فوجب أن لا يجوز القياس.

القسم الرابع: ما إذا لم يذكر لا الظهر و لا الأم، كما لو قال: أنت علي كبطن أختي، و على قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهارا.

البحث الثاني: في المظاهر، و فيه مسائل: ـ

480

المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه اللََّه: الضابط أن كل من صح طلاقه صح ظهاره، فعلى هذا ظهار الذمي عنده صحيح، و قال أبو حنيفة لا يصح، و احتج الشافعي بعموم قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ و أما القياس فمن وجهين الأول: أن تأثير الظهار في التحريم و الذمي أهل لذلك، بدليل صحة طلاقه، و إذا ثبت هذا وجب أن يصح هذا التصرف منه قياسا على سائر التصرفات الثاني: أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجرا له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول و زور، و هذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح، و احتجوا لقول أبي حنيفة بهذه الآية من وجهين الأول: احتج أبو بكر الرازي بقوله تعالى: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسََائِهِمْ و ذلك خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين الثاني: من لوازم الظهار الصحيح، وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق بدليل قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا -إلى قوله- فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ شَهْرَيْنِ مُتَتََابِعَيْنِ [المجادلة: 3-4]و إيجاب الصوم على الذمي ممتنع، لأنه لو وجب لوجب، إما مع الكفر و هو باطل بالإجماع، أو بعد الإيمان و هو باطل،

لقوله عليه السلام: «الإسلام يجب ما قبله»

و الجواب: عن الأول/من وجوه أحدها: أن قوله: مِنْكُمْ خطاب مشافهة فيتناول جميع الحاضرين، فلم قلتم: إنه مختص بالمؤمنين؟سلمنا أنه مختص بالمؤمنين، فلم قلتم: إن تخصيصه بالمؤمنين في الذكر يدل على أن حال غيرهم بخلاف ذلك، لا سيما و من مذهب هذا القائل: أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن حال ما عداه بخلافه، سلمنا بأنه يدل عليه، لكن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق، فكان التمسك بعموم قوله: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ أولى، سلمنا الاستواء في القوة، لكن مذهب أبي حنيفة أن العام إذا ورد بعد الخاص كان ناسخا للخاص، و الذي تمسكنا به و هو قوله: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ [المجادلة: 3]متأخر في الذكر عن قوله: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْكُمْ و الظاهر أنه كان متأخرا في النزول أيضا لأن قوله: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْكُمْ ليس فيه بيان حكم الظهار، و قوله: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ فيه بيان حكم الظهار، و كون المبين متأخرا في النزول عن المجمل أولى و الجواب عن الثاني من وجوه الأول: أن لوازمه أيضا أنه متى عجز عن الصوم اكتفى منه بالإطعام فههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفى منه بالإطعام و إن لم يتحقق العجز فقد زال السؤال، و الثاني: أن الصوم يدل عن الإعتاق، و البدل أضعف من المبدل، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع، مع صحة الظهار، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار الثالث: قال القاضي حسين من أصحابنا إنه يقال: إن أردت الخلاص من التحريم، فأسلم و صم، أما

قوله عليه و السلام: «الإسلام يجب ما قبله»

قلنا: إنه عام، و التكليف بالتكفير خاص، و الخاص مقدم على العام، و أيضا فنحن لا نكلفه بالصوم بل نقول: إذا أردت إزالة التحريم فصم، و إلا فلا تصم.

المسألة الثانية: قال الشافعي و أبو حنيفة و مالك رحمهم اللََّه: لا يصح ظهار المرأة من زوجها و هو أن تقول المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي، و قال الأوزاعي: هو يمين تكفرها، و هذا خطأ لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين، و هو الأصل فكيف يلزم المرأة ذلك؟و لأن الظهار يوجب تحريما بالقول، و المرأة لا تملك ذلك بدليل أنها لا تملك الطلاق.

المسألة الثالثة: قال الشافعي و أبو حنيفة إذا قال أنت علي كظهر أمي اليوم، بطل الظهار بمضي اليوم،

481

و قال مالك و ابن أبي ليلى، هو مظاهر أبدا لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت و إلا لما انحل بالتفكير، و إذا كان قابلا للتوقيت، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت قياسا على اليمين، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ ، أما قوله تعالى: مِنْ نِسََائِهِمْ فيتعلق به أحكام المظاهر منه، و اختلفوا في أنه هل يصح الظهار عن الأمة؟فقال أبو حنيفة و الشافعي: لا يصح، و قال مالك و الأوزاعي:

يصح، حجة الشافعي أن الحل كان ثابتا، و التكفير لم يكن واجبا، و الأصل في الثابت البقاء، و الآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ [المجادلة: 3]يتناول الحرائر دون الإماء، و الدليل عليه قوله: أَوْ نِسََائِهِنَّ [النور: 31]و المفهوم منه الحرائر/و لو لا ذلك لما صح عطف قوله: أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُنَّ لأن الشي‏ء لا يعطف على نفسه، و قال تعالى: وَ أُمَّهََاتُ نِسََائِكُمْ [النساء: 23]فكان ذلك على الزوجات دون ملك اليمين.

المسألة الرابعة: فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات، قال أبو علي: قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمر:

و الذين يظهرون بغير الألف، و قرأ عاصم: يُظََاهِرُونَ* بضم الياء و تخفيف الظاء و الألف، و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي يظاهرون بفتح الياء و بالألف مشددة الظاء، قال أبو علي: ظاهر من امرأته، ظهر مثل ضاعف و ضعف، و تدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر و تظهر، و يدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع، دحرجته فتدحرج، و إنما فتح الياء في يظاهر و يظهر، لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع، دحرجته فتدحرج، و إنما فتح الياء في يظاهر و يظهر لأنه المطاوع كما أن يتدحرج كذلك، و لأنه على وزنهما، و إن لم يكونا للإلحاق، و أما قراءة، عاصم يظاهرون فهو مشتق من ظاهر يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف.

المسألة الخامسة: لفظة: مِنْكُمْ في قوله: اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْكُمْ توبيخ للعرب و تهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم، و قوله تعالى: مََا هُنَّ أُمَّهََاتِهِمْ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية المفضل: أُمَّهََاتِهِمْ بالرفع و الباقون بالنصب على لفظ الخفض، وجه الرفع أنه لغة تميم، قال سيبويه: و هو أقيس الوجهين، و ذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه، فكذا ينبغي أن لا يغير النفي الكلام عما كان عليه، و وجه النصب أنه لغة أهل الحجاز و الأخذ في التنزيل بلغتهم أولى، و عليها جاء قوله: مََا هََذََا بَشَراً [يوسف: 31]و وجهه من القياس أن ما تشبه ليس في أمرين أحدهما: أن: (ما) تدخل على المبتدأ و الخبر، كما أن (ليس) تدخل عليهما و الثاني: أن (ما) تنفي ما في الحال، كما أن (ليس) تنفي ما في الحال، و إذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام، إلا ما خص بالدليل قياسا على باب مالا ينصرف.

المسألة الثانية: في الآية إشكال: و هو أن من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فهو شبه الزوجة بالأم، و لم يقل: إنها أم، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله: مََا هُنَّ أُمَّهََاتِهِمْ و كيف يليق أن يقال:

وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً و الجواب: أما الكذب إنما لزم لأن قوله: أنت علي كظهر أمي، إما أن يجعله إخبارا أو إنشاء و على التقدير الأول أنه كذب، لأن الزوجة محللة و الأم محرمة، و تشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل و الحرمة كذب، و إن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضا كذبا، لأن كونه إنشاء معناه أن‏

482

الشرع جعله سببا في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذبا و زورا، و قال/بعضهم: إنه تعالى إنما وصفه بكونه: مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا، و الزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا، فلا جرم كان ذلك منكرا من القول و زورا، و هذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشي‏ء بالشي‏ء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة و المؤقتة.

قوله تعالى: إِنْ أُمَّهََاتُهُمْ إِلاَّ اَللاََّئِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً أما الكلام في تفسير لفظة اللائي، فقد تقدم في سورة الأحزاب عند قوله: وَ مََا جَعَلَ أَزْوََاجَكُمُ اَللاََّئِي تُظََاهِرُونَ [الأحزاب:

4]ثم في الآية سؤالان: و هو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة، و هذا مشكل، لأنه قال في آية أخرى:

وَ أُمَّهََاتُكُمُ اَللاََّتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: 23]و في آية أخرى: وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ [الأحزاب: 6]و لا يمكن أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أما، و زوجة الرسول أما، حرمة النكاح، و ذلك لأنا نقول: إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة، فإذا لا يلزم من عدم كون الزوجة أما عدم الحرمة، و ظاهر الآية يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة، و حينئذ يتوجه السؤال و الجواب:

أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية كأنه قيل: الزوجة ليست بأم، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة، و لم يرد الشرع بجعل هذا اللفظ سببا لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة، فإذا لا تحصل الحرمة هناك ألبتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذبا و زورا.

ثم قال تعالى: وَ إِنَّ اَللََّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ إما من غير التوبة لمن شاء كما قال: وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* أو بعد التوبة.

قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا قال الزجاج: اَلَّذِينَ رفع بالابتداء و خبره فعليهم تحرير رقبة، و لم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلا عليه، و إن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة. أما قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة، و لا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة، و ثانيا من بيان أقوال أهل الشريعة، و فيها مسائل:

المسألة الأولى: قال الفراء: لا فرق في اللغة بين أن يقال: يعودون لما قالوا: و إلى ما قالوا و فيما قالوا، أبو علي الفارسي: كلمة إلى و اللام يتعاقبان، كقوله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا [الأعراف: 43] و قال: فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْجَحِيمِ [الصافات: 23]و قال تعالى: وَ أُوحِيَ إِلى‏ََ نُوحٍ [هود: 36]و قال:

بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ََ لَهََا [الزلزلة: 5].

المسألة الثانية: لفظ ما قالوا في قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فيه وجهان أحدهما: أنه لفظ الظهار،

483

و المعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ و الثاني: أن يكون المراد بقوله: لِمََا قََالُوا المقول فيه، و هو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه، و نظيره قوله تعالى: وَ نَرِثُهُ مََا يَقُولُ [مريم: 80]أي و نرثه المقول، و

قال عليه السلام: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه»

و إنما هو عائد في الموهوب، و يقول الرجل: اللهم أنت رجاؤنا، أي مرجونا، و قال تعالى: وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ [الحجر: 99]أي الموقن به، و على هذا معنى قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا أي يعودون إلى الشي‏ء الذي قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول: قال أهل اللغة، يجوز أن يقال: عاد لما فعل، أي فعله مرة أخرى، و يجوز أن يقال: عاد لما فعل، أي نقض ما فعل، و هذا كلام معقول، لأن من فعل شيئا ثم أراد أن يقال مثله، فقد عاد إلى تلك الماهية لا محالة أيضا، و أيضا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه، لأن التصرف في الشي‏ء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه.

المسألة الثالثة: ظهر مما قدمنا أن قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض و الرفع و الإزالة، و يحتمل أن يكون المراد منه، ثم يعودون إلى تكون مثله مرة أخرى، أما الاحتمال الأول فهو الذي ذهب إليه أكثر المجتهدين و اختلفوا فيه على وجوه: الأول: و هو قول الشافعي أن معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، و ذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم، و لا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة، و احتج أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن» على فساد هذا القول من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا و ثم تقتضي التراخي، و على هذا القول يكون المظاهر عائدا عقيب القول بلا تراخ، و ذلك خلاف مقتضى الآية الثاني: أنه شبهها بالأم و الأم لا يحرم إمساكها، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة، فلا يكون إمساك الزوجة نقضا لقوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك و الجواب عن الأول: أن هذا أيضا وارد على قول أبي حنيفة فإنه جعل تفسير العود استباحة الوطء، فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي، مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضا، ثم نقول: إنه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه، لا يحكم عليه بكونه عائدا، فقد تأخر كونه عائدا عن/كونه مظاهرا بذلك القدر من الزمان، و ذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة: ثم و الجواب عن الثاني: أن الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية و يحرم الاستمتاع بها، فقوله: أنت علي كظهر أمي، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية، أو في الاستمتاع بها، فوجب حمله على الكل، فقوله:

أنت علي كظهر أمي، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية، فكان هذا الإمساك مناقضا لمقتضى قوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب الحكم عليه بكونه عائدا، و هذا كلام ملخص في تقرير مذهب الشافعي الوجه الثاني: في تفسير العود، و هو قول أبي حنيفة: أنه عبارة عن استباحة الوطء و الملامسة و النظر إليها بالشهوة، قالوا: و ذلك لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة هذه الأشياء كان ذلك مناقضا لقوله: أنت علي كظهر أمي، و اعلم أن هذا الكلام ضعيف، لأنه لما شبهها بالأم، لم يبين أنه في أي الأشياء شبهها بها، فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة

484

الاستمتاع، و حرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فوجب أن يحمل هذا التشبيه على الكل، و إذا كان كذلك، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية لحظة، فقد نقض حكم قوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن يتحقق العود الوجه الثالث: في تفسير العود و هو قول مالك: أن العود إليها عبارة عن العزم على جماعها و هذا ضعيف، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة القصد إلى استحلال جماعها، و حينئذ نرجع إلى قول أبي حنيفة رحمه اللََّه الوجه الرابع: في تفسير العود و هو قول طاوس و الحسن البصري: أن العود إليها عبارة عن جماعها، و هذا خطأ لأن قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا بفاء التعقيب في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يقتضي كون التكفير بعد العود، و يقتضي قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا أن يكون التكفير قبل الجماع، و إذا ثبت أنه لا بد و أن يكون التكفير بعد العود، و قبل الجماع، وجب أن يكون العود غير الجماع، و اعلم أن أصحابنا قالوا: العود المذكور هاهنا، هب أنه صالح للجماع، أو للعزم على الجماع، أو لاستباحة الجماع، إلا أن الذي قاله الشافعي رحمه اللََّه، هو أقل ما ينطلق عليه الإسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود، و أما الباقي فزيادة لا دليل عليها ألبتة.

الاحتمال الثاني: في قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ أي يفعلون مثل ما فعلوه، و على هذا الاحتمال في الآية أيضا وجوه الأول: قال الثوري: العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام، و تقريره أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل اللََّه تعالى حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ يريد في الجاهلية: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا أي في الإسلام و المعنى أنهم يقولون في الإسلام مثل ما كانوا يقولونه في الجاهلية، فكفارته كذا و كذا، قال أصحابنا هذا القول ضعيف لأنه تعالى ذكر الظهار و ذكر العود بعده بكلمة: ثم و هذا يقتضي أن يكون المراد من العود شيئا غير الظهار، فإن قالوا: المراد و الذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام، و العرب/تضمر لفظ كان، كما في قوله: وَ اِتَّبَعُوا مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ [البقرة: 102] أي ما كانت تتلوا الشياطين، قلنا: الإضمار خلاف الأصل القول الثاني: قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد، فإن لم يكن يكرر لم يكن عودا، و هذا قول أهل الظاهر، و احتجوا عليه بأن ظاهر قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا يدل على إعادة ما فعلوه، و هذا لا يكون إلا بالتكرير، و هذا أيضا ضعيف من وجهين: الأول: أنه لو كان المراد هذا لكان يقول، ثم يعيدون ما قالوا الثاني: حديث أوس فإنه لم يكرر الظهار إنما عزم على الجماع و قد ألزمه رسول اللََّه الكفارة، و كذلك‏

حديث سلمة بن صخرة البياضي فإنه قال: كنت لا أصبر عن الجماع فلما دخل شهر رمضان ظاهرت من امرأتي مخافة أن لا أصبر عنها بعد طلوع الفجر فظاهرت منها شهر رمضان كله ثم لم أصبر فواقعتها فأتيت رسول اللََّه فأخبرته بذلك و قلت: أمض في حكم اللََّه، فقال: «أعتق رقبة»

فأوجب الرسول عليه السلام عليه الكفارة مع أنه لم يذكر تكرار الظهار القول الثالث: قال أبو مسلم الأصفهاني: معنى العود، هو أن يحلف على ما قال أولا من لفظ الظهار، فإنه إذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياسا على ما لو قال في بعض الأطعمة، إنه حرام عليّ كلحم الآدمي، فإنه لا تلزمه الكفارة، فأما إذا حلف عليه لزمه كفارة اليمين، و هذا أيضا ضعيف لأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك و لا يمين هناك و في قتل الخطأ و لا يمين هناك.

أما قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا ففيه مسائل:

485

المسألة الأولى: اختلفوا فيما يحرمه الظهار، فللشافعي قولان: أحدهما: أنه يحرم الجماع فقط القول الثاني: و هو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات و هو قول أبي حنيفة رحمه اللََّه و دليله وجوه الأول: قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا فكان ذلك عاما في جميع ضروب المسيس، من لمس بيد أو غيرها و الثاني: قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ألزمه حكم التحريم بسبب أنه شبهها بظهر الأم، فكما أن مباشرة ظهر الأم و مسه يحرم عليه، فوجب أن يكون الحال في المرأة كذلك الثالث:

روى عكرمة: «أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى اللََّه عليه و سلم فأخبره بذلك فقال اعتزلها حتى تكفر» .

المسألة الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مرارا، فقال الشافعي و أبو حنيفة: لكن ظاهر كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد، و أراد بالتكرار التأكيد، فإنه يكون عليه كفارة واحدة، و قال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة مائة فليس عليه إلا كفارة واحدة، دليلنا أن قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ...

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يقتضي كون الظهار علة لإيجاب الكفارة، فإذا وجد الظهار الثاني فقد وجدت علة وجوب الكفارة، و الظاهر الثاني إما أن يكون علة للكفارة الأولى، أو لكفارة ثانية و الأول باطل لأن الكفارة وجبت بالظهار الأول و تكوين الكائن محال، و لأن تأخر العلة عن الحكم محال، فعلمنا أن الظهار الثاني يوجب كفارة /ثانية، و احتج مالك بأن قوله: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ يتناول من ظاهر مرة واحدة، و من ظاهر مرارا كثيرة، ثم إنه تعالى أوجب عليه تحرير رقبة، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف في الظهار، سواء كان مرة واحدة أو مرارا كثيرة و الجواب: أنه تعالى قال: لاََ يُؤََاخِذُكُمُ اَللََّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمََانِكُمْ وَ لََكِنْ يُؤََاخِذُكُمْ بِمََا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمََانَ فَكَفََّارَتُهُ إِطْعََامُ عَشَرَةِ مَسََاكِينَ [المائدة: 89]فهذا يقتضي أن لا يجب في الأيمان الكثيرة إلا كفارة واحدة، و لما كان باطلا، فكذا ما قلتموه.

المسألة الثالثة: رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة و قال: أنتن علي كظهر أمي، للشافعي قولان: أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات، نظرا إلى عدد اللواتي ظاهر منهن، و دليله ما ذكرنا، أنه ظاهر عن هذه، فلزمه كفارة بسبب هذا الظهار، و ظاهر أيضا عن تلك، فالظهار الثاني لا بد و أن يوجب كفارة أخرى.

المسألة الرابعة: الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة، فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، و هو قول أكثر أهل العلم، كمالك و أبي حنيفة و الشافعي و سفيان و أحمد و إسحاق رحمهم اللََّه، و قال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان، و هو قول عبد الرحمن بن مهدي دليلنا أن الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود، فههنا فاتت صفة القبلية، فيبقى أصل وجوب الكفارة، و ليس في الآية دلالة على أن ترك التقديم يوجب كفارة أخرى.

المسألة الخامسة: الأظهر أنه لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه و بينها و يجبره على التكفير، و إن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع، قال الفقهاء: و لا شي‏ء من الكفارات يجبر عليه و يحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة و امتناع من إيفاء حقها.

المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رحمه اللََّه هذه الرقبة تجزئ سواء كانت مؤمنة أو كافرة، لقوله تعالى:

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب، و قال الشافعي: لا بد و أن تكون مؤمنة و دليله وجهان‏

486

الأول: أن المشرك نجس، لقوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28]و كل نجس خبيث بإجماع الأمة و قال تعالى: وَ لاََ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ [البقرة: 267]الثاني: أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فكذا هاهنا، و الجامع أن الإعتاق إنعام، فتقييده بالإيمان يقتضي صرف هذا الإنعام إلى أولياء اللََّه و حرمان أعداء اللََّه، و عدم التقييد بالإيمان قد يفضي إلى حرمان أولياء اللََّه، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلا لهذه المصلحة.

المسألة السابعة: إعتاق المكاتب لا يجزئ عند الشافعي رحمه اللََّه، و قال أبو حنيفة رحمه اللََّه إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا جاز عن الكفارة، و إذا أعتقه بعد أن يؤدي شيئا، فظاهر الرواية أنه لا يجزئ، و روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجزئ، حجة أبي حنيفة أن المكاتب رقبة/لقوله تعالى: وَ فِي اَلرِّقََابِ* [البقرة: 177] و الرقبة مجزئة لقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، حجة الشافعي أن المقتضى لبقاء التكاليف بإعتاق الرقبة قائم، بعد إعتاق المكاتب، و ما لأجله ترك العمل به في محل الرقاب غير موجود هاهنا، فوجب أن يبقى على الأصل، بيان المقتضي أن الأصل في الثابت البقاء على ما كان، بيان الفارق أن المكاتب كالزائل عن ملك المولى و إن لم يزل عن ملكه، لكنه يمكن نقصان في رقه، بدليل أنه صار أحق بمكاسبه، و يمتنع على المولى التصرفات فيه، و لو أتلفه المولى يضمن قيمته، و لو وطئ مكاتبته يغرم المهر، و من المعلوم أن إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف أشق على المالك من إزالة الملك الضعيف، و لا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد القن خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب، و الوجه الثاني: أجمعنا على أنه لو أعتقه الوارث بعد موته لا يجزئ عن الكفارة، فكذا إذا أعتقه المورث و الجامع كون الملك ضعيفا.

المسألة الثامنة: لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بينة الكفارة عتق عليه، لكنه لا يقع عن الكفارة عند الشافعي، و عند أبي حنيفة يقع، حجة أبي حنيفة التمسك بظاهر الآية، و حجة الشافعي ما تقدم.

المسألة التاسعة: قال أبو حنيفة: الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام، و عند الشافعي لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير، حجة أبي حنيفة ظاهر القرآن و هو أن الواجب هو الإطعام، و حقيقة الإطعام هو التمكين، بدليل قوله تعالى: مِنْ أَوْسَطِ مََا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة: 89]و ذلك يتأدى بالتمكين و التمليك، فكذا هاهنا، و حجة الشافعي القياس على الزكاة و صدقة الفطر.

المسألة العاشرة: قال الشافعي: لكل مسكين مد من طعام بلده الذي يقتات منه حنطة أو شعيرا أو أرزا أو تمرا أو أقطا، و ذلك بمد النبي صلى اللََّه عليه و سلم و لا يعتبر مد حدث بعده، و قال أبو حنيفة: يعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير و لا يجزئه دون ذلك، حجة الشافعي أن ظاهر الآية يقتضي الإطعام، و مراتب الإطعام مختلفة بالملكية و الكيفية، فليس حمل اللفظ على البعض أولى من حمله على الباقي، فلا بد من حمله على أقل مالا بد منه ظاهرا، و ذلك هو المد، حجة أبي حنيفة ما

روي في حديث أوس بن الصامت: «لكل مسكين نصف صاع من بر»

و

عن علي و عائشة قالا: لكل مسكين مدان من بر،

و لأن المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين، فيكون نظير صدقة الفطر، و لا يتأدى ذلك بالمد، بل بما قلنا، فكذلك هنا.

المسألة الحادية عشرة: لو أطعم مسكينا واحدا ستين مرة لا يجزئ عند الشافعي، و عند أبي حنيفة يجزئ، حجة الشافعي ظاهر الآية، و هو أنه أوجب إطعام ستين مسكينا، فوجب رعاية ظاهر الآية، و حجة أبي‏

487

حنيفة أن المقصود دفع الحاجة و هو حاصل، و للشافعي أن يقول: التحكمات غالبة على هذه التقديرات، فوجب الامتناع فيها من القياس، و أيضا فلعل إدخال السرور/في قلب ستين إنسانا، أقرب إلى رضا اللََّه تعالى من إدخال السرور في قلب الإنسان الواحد.

المسألة الثانية: عشرة: قال أصحاب الشافعي: إنه تعالى قال في الرقبة: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ شَهْرَيْنِ و قال في الصوم: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعََامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً فذكر في الأول: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ و في الثاني: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فقالوا: من ماله غائب لم ينتقل إلى الصوم بسبب عجزه عن الإعتاق في الحال أما من كان مريضا في الحال، فإنه ينتقل إلى الإطعام و إن كان مرضه بحيث يرجى زواله، قالوا: و الفرق أنه قال في الانتقال إلى الإطعام: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ و هو بسبب المرض الناجز، و العجز العاجل غير مستطيع، و قال في الرقبة: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ و المراد فمن لم يجد رقبة أو مالا يشتري به رقبة، و من ماله غائب لا يسمى فاقدا للمال، و أيضا يمكن أن يقال في الفرق إحضار المال يتعلق باختياره و أما إزالة المرض فليس باختياره.

المسألة الثالثة عشرة: قال بعض أصحابنا: الشبق المفرط و الغلمة الهائجة، عذر في الانتقال إلى الإطعام، و الدليل عليه‏

أنه عليه السلام لما أمر الأعرابي بالصوم قال له: و هل أتيت إلا من قبل الصوم فقال عليه السلام «أطعم»

دل الحديث على أن الشبق الشديد عذر في الانتقال من الصوم إلى الإطعام، و أيضا الاستطاعة فوق الوسع، و الوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هو أن يتمكن الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، و معلوم أن هذا المعنى لا يتم مع شدة الشبق، فهذه جملة مختصرة مما يتعلق بفقه القرآن في هذه الآية، و اللََّه أعلم.

قوله تعالى: ذََلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قال الزجاج: ذََلِكُمْ للتغليظ في الكفارة تُوعَظُونَ بِهِ أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار و لا تعاودوه، و قال غيره ذََلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ أي تؤمرون به من الكفارة وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من التكفير و تركه.

ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ شَهْرَيْنِ مُتَتََابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعََامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً فدلت الآية على أن التتابع شرط، و ذكر في تحرير الرقبة و الصوم أنه لا بد و أن يوجدا من قبل أن يتماسا، ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام ستين مسكينا، و لم يذكر أنه لا بد من وقوعه قبل المماسة، إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع، و المسائل الفقيهة المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة في كتاب الفقه.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ وَ لِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ أَلِيمٌ و في قوله: ذََلِكَ وجهان الأول: قال الزجاج: إنه في محل الرفع، و المعنى الفرض ذلك الذي وضعناه، الثاني: فعلنا ذلك البيان و التعليم للأحكام لتصدقوا باللََّه و رسوله في العمل بشرائعه، و لا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق، و في الآية مسائل.

المسألة الأولى: استدلت المعتزلة باللام في قوله: لِتُؤْمِنُوا على أن فعل اللََّه معلل بالغرض و على أن

488

غرضه أن تؤمنوا باللََّه، و لا تستمروا على ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر، و هذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الإيمان و عدم الكفر.

المسألة الثانية: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: أمرهم بهذه الأعمال، و بين أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدلت الآية على أن العمل من الإيمان و من أنكر ذلك قال: إنه تعالى لم يقل: (ذلك لتؤمنوا باللََّه بعمل هذه الأشياء) ، و نحن نقول المعنى ذلك لتؤمنوا باللََّه بالإقرار بهذه الأحكام، ثم إنه تعالى أكد في بيان أنه لا بد لهم من الطاعة وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ وَ لِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ أَلِيمٌ أي لمن جحد هذا و كذب به.

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في المحادة قولان قال المبرد: أصل المحادة الممانعة، و منه يقال للبواب: حداد، و للمنوع الرزق محدود، قال أبو مسلم الأصفهاني: المحادة مفاعلة من لفظ الحديد، و المراد المقابلة بالحديد سواء كان ذلك في الحقيقة، أو كان ذلك منازعة شديدة شبيهة بالخصومة بالحديد، أما المفسرون فقالوا:

يحادون أي يعادون و يشاقون، و ذلك تارة بالمحاربة مع أولياء اللََّه و تارة بالتكذيب و الصد عن دين اللََّه.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: يُحَادُّونَ يمكن أن يكون راجعا إلى المنافقين، فإنهم كانوا يوادون الكافرين و يظاهرون على الرسول عليه السلام فأذلهم اللََّه تعالى، و يحتمل سائر الكفار فأعلم اللََّه رسوله أنهم كُبِتُوا أي خذلوا، قال المبرد: يقال: كبت اللََّه فلانا إذا أذله، و المردود بالذل يقال له: مكبوت، ثم قال:

كَمََا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من أعداء الرسل: وَ قَدْ أَنْزَلْنََا آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ /تدل على صدق الرسول:

وَ لِلْكََافِرِينَ بهذه الآيات: عَذََابٌ مُهِينٌ يذهب بعزهم و كبرهم، فبين سبحانه أن عذاب هؤلاء المحادين في الدنيا الذل و الهوان، و في الآخرة العذاب الشديد.

ثم ذكر تعالى ما به يتكامل هذا الوعيد فقال:

يَوْمَ منصوب بينبئهم أو بمهين أو بإضمار اذكر، تعظيما لليوم، و في قوله: جَمِيعاً قولان:

أحدهما: كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث و الثاني: مجتمعين في حال واحدة، ثم قال: فَيُنَبِّئُهُمْ بِمََا عَمِلُوا تجليلا لهم، و توبيخا و تشهيرا لحالهم، الذي يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤس الإشهاد و قوله: أَحْصََاهُ اَللََّهُ أي أحاط بجميع أحوال تلك الأعمال من المكية و الكيفية، و الزمان و المكان لأنه تعالى عالم بالجزئيات، ثم قال: وَ نَسُوهُ لأنهم استحقروها و تهاونوا بها فلا جرم نسوها: وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ أي مشاهد لا يخفى عليه شي‏ء ألبتة.

489

في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ . ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات فقال: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ .

قال ابن عباس: أَ لَمْ تَرَ أي ألم تعلم و أقول هذا، حق لأن كونه تعالى عالما بالأشياء لا يرى، و لكنه معلوم بواسطة الدلائل، و إنما أطلق لفظ الرؤية على هذا العلم، لأن الدليل على كونه عالما، هو أن أفعاله محكمة متقنة منتسقة منتظمة، و كل من كانت أفعاله كذلك فهو عالم.

أما المقدمة الأولى: فمحسوسة مشاهدة في عجائب السموات و الأرض، و تركيبات النبات و الحيوان.

أما المقدمة الثانية: فبديهية، و لما كان الدليل الدال على كونه تعالى كذلك ظاهرا لا جرم بلغ هذا العلم و الاستدلال إلى أعلى درجات الظهور و الجلاء، و صار جاريا مجرى المحسوس المشاهد، فلذلك أطلق لفظ الرؤية فقال: أَ لَمْ تَرَ و أما أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلأن علمه علم قديم، فلو تعلق بالبعض دون البعض من أن جميع المعلومات مشتركة في صحة المعلومية لافتقر ذلك العلم في ذلك التخصيص إلى مخصص، و هو على اللََّه تعالى محال فلا جرم و جب كونه تعايل عالما بجميع المعلومات و اعلم أنه سبحانه قال: يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و لم يقل: يعلم ما في الأرض و ما في السموات و في رعاية هذا الترتيب سر عجيب.

ثم إنه تعالى خص ما يكون من العباد من النجوى فقال:

/ مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ، وَ لاََ خَمْسَةٍ إِلاََّ هُوَ سََادِسُهُمْ، وَ لاََ أَدْنى‏ََ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْثَرَ إِلاََّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مََا كََانُوا، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمََا عَمِلُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ إِنَّ اَللََّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ .

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن جني: قرأ أبو حيوة ما تكون من نجوى ثلاثة بالتاء ثم قال و التذكير الذي عليه العامة هو الوجه، لما هناك من الشياع و عموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، و ما حضرني من جارية، و لأنه وقع الفاصل بين الفاعل و المفعول، و هو كلمة من، و لأن النجوى تأنيثه ليس تأنيثا حقيقيا، و أما التأنيث فلأن تقدير الآية: ما تكون نجوى، كما يقال: ما قامت امرأة و ما حضرت جارية.

المسألة الثانية: قوله: مََا يَكُونُ من كان التامة، أي ما يوجد و لا يحصل من نجوى ثلاثة.

المسألة الثالثة: النجوى التناجي و هو مصدر، و منه قوله تعالى: لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ [النساء:

114]و قال الزجاج: النجوى مشتق من النجوة، و هي ما ارتفع و نجا، فالكلام المذكور سرا لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير، و يجوز أيضا أن تجعل النجوى وصفا، فيقال: قوم نجوى، و قوله تعالى: وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ [الإسراء: 47]و المعنى، هم ذوو نجوى، فحذف المضاف، و كذلك كل مصدر وصف به.

490

المسألة الرابعة: جر ثلاثة في قوله: مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مجرورا بالإضافة و الثاني: أن يكون النجوى بمعنى المتناجين، و يكون التقدير: ما يكون من متناجين ثلاثة فيكون صفة.

المسألة الخامسة: قرأ ابن أبي عبلة (ثلاثة) و (خمسة) بالنصب على الحال، بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه.

المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر الثلاثة و الخمسة، و أهمل أمر الأربعة في البين، و ذكروا فيه وجوها:

أحدها: أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة، و ذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا أخذ اثنان في التناجي و المشاورة، بقي الواحد ضائعا وحيدا، فيضيق قلبه فيقول اللََّه تعالى: أنا جليسك و أنيسك، و كذا الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيدا فريدا، أما إذا كانوا أربعة لم يبق واحد منهم فريدا، /فهذا إشارة إلى أن كل من انقطع عن الخلق ما يتركه اللََّه تعالى ضائعا و ثانيها: أن العدد الفرد أشرف من الزوج، لأن اللََّه وتر يحب الوتر، فخص الأعداد الفرد بالذكر تنبيها على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور و ثالثها: أن أقل ما لا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة، حتى يكون الاثنان كالمتنازعين في النفي و الإثبات، و الثالث كالمتوسط الحاكم بينهما، فحينئذ تكمل تلك المشورة و يتم ذلك الغرض، و هكذا في كل جمع اجتمعوا للمشاورة، فلا بد فيهم من واحد يكون حكما مقبول القول، فلهذا السبب لا بد و أن تكون أرباب المشاورة عددهم فردا، فذكر سبحانه الفردين الأولين و اكتفى بذكرهما تنبيها على الباقي و رابعها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين، و كانوا على هذين العدين، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في ربيعة و حبيب ابني عمرو، و صفوان بن أمية، كانوا يوما يتحدثون، فقال أحدهم: هل يعلم اللََّه ما تقول؟ و قال الثاني: يعلم البعض دون البعض، و قال الثالث: إن كان يعلم البعض فيعلم الكل و خامسها: أن في مصحف عبد اللََّه: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا اللََّه رابعهم، و لا أربعة إلا اللََّه خامسهم، و لا خمسة إلا اللََّه سادسهم، و لا أقل من ذلك و لا أكثر إلا اللََّه معهم إذا أخذوا في التناجي) .

المسألة السابعة: قرئ: وَ لاََ أَدْنى‏ََ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْثَرَ بالنصب على أن لا لنفي الجنس، و يجوز أن يكون وَ لاََ أَكْثَرَ بالرفع معطوفا على محل (لا) مع (أدنى) ، كقولك: لا حول و لا قوة إلا باللََّه، بفتح الحول و رفع القوة و الثالث: يجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول و لا قوة إلا باللََّه و الرابع: أن يكون ارتفاعهما عطفا على محل مِنْ نَجْوى‏ََ كأنه قيل: ما يكون أدنى و لا أكثر إلا هو معهم، و الخامس:

يجوز أن يكونا مجرورين عطفا على نَجْوى‏ََ كأنه قيل: ما يكون من أدنى و لا أكثر إلا هو معهم.

المسألة الثامنة: قرئ: و لا أكبر بالباء المنقطعة من تحت.

المسألة التاسعة: المراد من كونه تعالى رابعا لهم، و المراد من كونه تعالى معهم كونه تعالى عالما بكلامهم و ضميرهم و سرهم و علنهم، و كأنه تعالى حاضر معهم و مشاهد لهم، و قد تعالى عن المكان و المشاهدة.

المسألة العاشرة: قرأ بعضهم: ثم ينبئهم بسكون النون، و أنبأ و نبأ واحد في المعنى، و قوله: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمََا عَمِلُوا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أي يحاسب على ذلك و يجازي على قدر الاستحقاق، ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ

491

عَلِيمٌ و هو تحذير من المعاصي و ترغيب في الطاعات.

في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‏ََ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا نُهُوا عَنْهُ ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا عن النجوى فقال: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‏ََ ثُمَّ /يَعُودُونَ لِمََا نُهُوا عَنْهُ و اختلفوا في أنهم من هم؟فقال الأكثرون: هم اليهود، و منهم من قال: هم المنافقون، و منهم من قال: فريق من الكفار، و الأول أقرب، لأنه تعالى حكى عنهم فقال: وَ إِذََا جََاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمََا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللََّهُ ، و هذا الجنس فيما روي وقع من اليهود، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول عليه السلام قالوا: السام عليك، يعنون الموت، و الأخبار في ذلك متظاهرة، و قصة عائشة فيها مشهورة.

في قوله تعالى وَ يَتَنََاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ إلى قوله لَوْ لاََ يُعَذِّبُنَا اَللََّهُ بِمََا نَقُولُ ثم قال تعالى: وَ يَتَنََاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ إِذََا جََاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمََا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللََّهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاََ يُعَذِّبُنَا اَللََّهُ بِمََا نَقُولُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال المفسرون: إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون فيما بينهم و يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون ذلك إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك و عادوا إلى مناجاتهم، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية، و قوله:

وَ يَتَنََاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ يحتمل وجهين أحدهما: أن الإثم و العدوان هو مخالفتهم للرسل في النهي عن النجوى لأن الإقدام على المنهي يوجب الإثم و العدوان، سيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة و إظهار التمرد. و الثاني: أن الإثم و العدوان هو ذلك السر الذي كان يجرى بينهم، لأنه إما مكر و كيد بالمسلمين أو شي‏ء يسوءهم.

المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده، (و يتنجون) بغير ألف، و الباقون: يَتَنََاجَوْنَ ، قال أبو علي: ينتجون يفتعلون من النجوى، و النجوى مصدر كالدعوى و العدوى، فينتجون و يتناجون واحد، فإن يفتعلون، و يتفاعلون، قد يجريان مجرى واحد، كما يقال: ازدوجوا، و اعتوروا، و تزاوجوا و تعاوروا، و قوله تعالى:

حَتََّى إِذَا اِدََّارَكُوا فِيهََا [الأعراف: 38]و أدركوا فأدركوا افتعلوا، و أدركوا تفاعلوا و حجة من قرأ:

يَتَنََاجَوْنَ ، قوله: إِذََا نََاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ [المجادلة: 12] وَ تَنََاجَوْا بِالْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ [المجادلة: 9]فهذا مطاوع ناجيتم، و ليس في هذا رد لقراءة حمزة: ينتجون، لأن هذا مثله في الجواز، و قوله تعالى: وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ قال صاحب «الكشاف» : قرئ (و معصيات الرسول) ، و القولان هاهنا كما ذكرناه في الإثم و العدوان و قوله: وَ إِذََا جََاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمََا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللََّهُ يعني أنهم يقولون في تحيتك، السام عليك يا محمد و السام الموت، و اللََّه تعالى يقول: وَ سَلاََمٌ عَلى‏ََ عِبََادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‏ََ [النمل: 59]و يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ* و يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ* ثم ذكر تعالى أنهم يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاََ يُعَذِّبُنَا اَللََّهُ بِمََا نَقُولُ يعني أنهم/يقولون في أنفسهم: إنه لو كان رسولا فلم لا يعذبنا اللََّه بهذا الاستخفاف.

ثم قال تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهََا فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ و المعنى أن تقدم العذاب إنما يكون بحسب‏

492

المشيئة، أو بحسب المصلحة، فإذا لم تقتض المشيئة تقديم العذاب، و لم يقتض الصلاح أيضا ذلك، فالعذاب في القيامة كافيهم في الردع عما هم عليه.

قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا تَنََاجَيْتُمْ فَلاََ تَتَنََاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ وَ تَنََاجَوْا بِالْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ .

اعلم أن المخاطبين بقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قولين، و ذلك لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‏ََ [المجادلة: 8]على اليهود حملنا في هذه الآية قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا على المنافقين، أي يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم، و إن حملنا ذلك على جميع الكفار من اليهود و المنافقين، حملنا هذا على المؤمنين، و ذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود و المنافقين على التناجي بالإثم و العدوان و معصية الرسول، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم، فقال: فَلاََ تَتَنََاجَوْا بِالْإِثْمِ و هو ما يقبح مما يخصهم وَ اَلْعُدْوََانِ و هو يؤدي إلى ظلم الغير وَ مَعْصِيَةِ اَلرَّسُولِ و هو ما يكون خلافا عليه، و أمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان و بالتقوى و هو ما يتقي به من النار من فعل الطاعات و ترك المعاصي، و اعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت: مناجاتهم، لأن ما يدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره، و ذلك يقرب من قوله:

لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ [النساء: 114]و أيضا فمتى عرفت طريقة الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد.

ثم قال تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي إلى حيث يحاسب و يجازي و إلا فالمكان لا يجوز على اللََّه تعالى.

قوله تعالى: إِنَّمَا اَلنَّجْوى‏ََ مِنَ اَلشَّيْطََانِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا الألف و اللام في لفظ اَلنَّجْوى‏ََ لا يمكن أن يكون للاستغراق، لأن في النجوى ما يكون من اللََّه و للََّه، بل المراد منه المعهود السابق و هو النجوى بالإثم و العدوان، و المعنى أن الشيطان يحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التي/هي سبب لحزن المؤمنين، و ذلك لأن المؤمنين إذا رأوهم متناجين، قالوا: ما نراهم إلا و قد بلغهم عن أقربائنا و إخواننا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا و هزموا، و يقع ذلك في قلوبهم و يحزنون له.

ثم قال تعالى: وَ لَيْسَ بِضََارِّهِمْ شَيْئاً إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ و فيه وجهان: أحدهما: ليس يضر التناجي بالمؤمنين شيئا و الثاني: الشيطان ليس بضارهم شيئا إلا بإذن اللََّه، و قوله: إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ فقيل: بعلمه و قيل: بخلقه، و تقديره للأمراض و أحوال القلب من الحزن و الفرح، و قيل: بأن يبين كيفية مناجاة الكفار حتى يزول الغم.

ثم قال: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ فإن من توكل عليه لا يخيب أمله و لا يبطل سعيه.

493

قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجََالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اَللََّهُ لَكُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض و التنافر، أمرهم الآن بما يصير سببا لزيادة المحبة و المودة، و قوله: تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجََالِسِ توسعوا فيه و ليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني، أي تنح، و لا تتضاموا، يقال: بلدة فسيحة، و مفازة فسيحة، و لك فيه فسحة، أي سعة.

المسألة الثانية: قرأ الحسن و داود بن أبي هند: (تفاسحوا) ، قال ابن جني: هذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل: (تفسحوا) ، فمعناه ليكن هناك تفسح، و أما التفاسح فتفاعل، و المراد هاهنا المفاعلة، فإنها تكون لما فوق الواحد كالمقاسمة و المكايلة، و قرئ: في المجلس قال الواحدي: و الوجه التوحيد لأن المراد مجلس النبي صلى اللََّه عليه و سلم و هو واحد، و وجه الجمع أن يجعل لكل جالس مجلس على حدة، أي موضع جلوس.

المسألة الثالثة: ذكروا في الآية أقوالا: الأول: أن المراد مجلس رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم كانوا يتضامون فيه تنافسا على القرب منه، و حرصا على استماع كلامه، و على هذا القول ذكروا في سبب النزول وجوها الأول:

قال مقاتل بن حيان: كان عليه السلام يوم الجمعة في الصفة، و في المكان ضيق، و كان يكرم أهل بدر من المهاجرين و الأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، و قد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلى اللََّه عليه و سلم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ما يحملهم على القيام و شق ذلك على الرسول، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، و شق ذلك على من أقيم/من مجلسه، و عرفت الكراهية في وجوههم، و طعن المنافقون في ذلك، و قالوا: و اللََّه ما عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم، و أحبوا القرب منه فأقامهم و أجلس من أبطأ عنه، فنزلت هذه الآية يوم الجمعة

الثاني: روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن الشماس، و ذلك أنه دخل المسجد و قد أخذ القوم مجالسهم، و كان يريد القرب من الرسول عليه الصلاة و السلام للوقر الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب، ثم ضايقه بعضهم و جرى بينه و بينه كلام، و وصف للرسول محبة القرب منه ليسمع كلامه، و إن فلانا لم يفسح له، فنزلت هذه الآية، و أمر القوم بأن يوسعوا و لا يقوم أحد لأحد، الثالث: أنهم كانوا يحبون القرب من رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و كان الرجل منهم يكره أن يضيق عليه فربما سأله أخوه أن يفسح له فيأبى فأمرهم اللََّه تعالى بأن يتعاطفوا و يتحملوا المكروه و كان فيهم من يكره أن يمسه الفقراء، و كان أهل الصفة يلبسون الصوف و لهم روائح، القول الثاني: و هو اختيار الحسن أن المراد تفسحوا في مجالس القتال، و هو كقوله: مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ [آل عمران: 121]و كان الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة و القول الثالث: أن المراد جميع المجالس و المجامع، قال القاضي: و الأقرب أن المراد، منه مجلس الرسول عليه السلام، لأنه تعالى ذكر المجلس على وجه يقتضي كونه معهودا، و المعهود في زمان نزول الآية ليس إلا مجلس الرسول صلى اللََّه عليه و سلم الذي يعظم التنافس عليه، و معلوم أن للقرب منه مزية عظيمة لما فيه من سماع حديثه، و لما فيه من المنزلة،

494

و لذلك‏

قال عليه السلام: «ليليني منكم أولو الأحلام و النهى»

و لذلك كان يقدم الأفاضل من أصحابه، و كانوا لكثرتهم يتضايقون، فأمروا بالتفسح إذا أمكن، لأن ذلك أدخل في التحبب، و في الاشتراك في سماع ما لا بد منه في الدين، و إذا صح ذلك في مجلسه، فحال الجهاد ينبغي أن يكون مثله، بل ربما كان أولى، لأن الشديد البأس قد يكون متأخرا عن الصف الأول، و الحاجة إلى تقدمه ماسة فلا بد من التفسح، ثم يقاس على هذا سائر مجالس العلم و الذكر.

أما قوله تعالى: يَفْسَحِ اَللََّهُ لَكُمْ فهو مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان و الرزق و الصدر و القبر و الجنة.

و اعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد اللََّه أبواب الخير و الراحة، وسع اللََّه عليه خيرات الدنيا و الآخرة، و لا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس، بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم، و إدخال السرور في قلبه، و لذلك‏

قال عليه السلام: «لا يزال اللََّه في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه المسلم» .

في قوله تعالى وَ إِذََا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا إلى قوله وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ثم قال تعالى: وَ إِذََا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ/دَرَجََاتٍ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: إذا قيل لكم: ارفعوا فارتفعوا، و اللفظ يحتمل وجوها أحدها: إذا قيل لكم: قوموا للتوسعة على الداخل، فقوموا و ثانيها: إذا قيل: قوموا من عند رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و لا تطولوا في الكلام، فقوموا و لا تركزوا معه، كما قال: وَ لاََ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذََلِكُمْ كََانَ يُؤْذِي اَلنَّبِيَّ [الأحزاب: 53] و هو قول الزجاج و ثالثها: إذا قيل لكم: قوموا إلى الصلاة و الجهاد و أعمال الخير و تأهبوا له، فاشتغلوا به و تأهبوا له، و لا تتثاقلوا فيه، قال الضحاك و ابن زيد: إن قوما تثاقلوا عن الصلاة، فأمروا بالقيام لها إذا نودي.

المسألة الثانية: قرئ: اُنْشُزُوا بكسر الشين و بضمها، و هما لغتان مثل: يَعْكُفُونَ و يعكفون [الأعراف: 138]، و يَعْرِشُونَ* و يعرشون* [الأعراف: 137].

و اعلم أنه تعالى لما نهاهم أولا عن بعض الأشياء، ثم أمرهم ثانيا ببعض الأشياء وعدهم على الطاعات، فقال: يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجََاتٍ أي يرفع اللََّه المؤمنين بامتثال أوامر رسوله، و العالمين منهم خاصة درجات، ثم في المراد من هذه الرفعة قولان: الأول: و هو القول النادر: أن المراد به الرفعة في مجلس الرسول عليه السلام و الثاني: و هو القول المشهور: أن المراد منه الرفعة في درجات الثواب، و مراتب الرضوان.

و اعلم أنا أطنبنا في تفسير قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا [البقرة: 31]في فضيلة العلم، و قال القاضي: لا شبهة أن علم العالم يقتضي لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن، و لذلك فإنه يقتدي بالعلم في كل أفعاله، و لا يقتدي بغير العالم، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام و الشبهات، و محاسبة النفس مالا يعرفه الغير، و يعلم من كيفية الخشوع و التذلل في العبادة مالا يعرفه غيره، و يعلم من كيفية التوبة و أوقاتها و صفاتها مالا يعرفه غيره، و يتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره، و في الوجوه كثرة، لكنه كما

495

تعظم منزلة أفعاله من الطاعات في درجة الثواب، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب، لمكان علمه حتى لا يمتنع في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيرا منه.

المسألة الأولى: هذا التكليف يشتمل على أنواع من الفوائد أولها: إعظام الرسول عليه السلام و إعظام مناجاته فإن الإنسان إذا وجد الشي‏ء مع المشقة استعظمه، و إن وجده بالسهولة، استحقره و ثانيها: نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة و ثالثها: قال ابن عباس: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم حتى شقوا عليه، و أراد اللََّه أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت هذه الآية شح كثير من الناس فكفوا عن المسألة و رابعها: قال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء على مجلس النبي عليه الصلاة و السلام و أكثروا من مناجاته حتى كره النبي صلى اللََّه عليه و سلم طول جلوسهم، فأمر اللََّه بالصدقة عند المناجاة، فأما الأغنياء فامتنعوا، و أما الفقراء فلم يجدوا شيئا، و اشتاقوا إلى مجلس الرسول عليه السلام، فتمنوا أن لو كانوا يملكون شيئا فينفقونه و يصلون إلى مجلس رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فعند هذا التكليف ازدادت درجة الفقراء عند اللََّه، و انحطت درجة الأغنياء و خامسها: يحتمل أن يكون المراد منه التخفيف عليه، لأن أرباب الحاجات كانوا يلحون على الرسول، و يشغلون أوقاته التي هي مقسومة على الإبلاغ إلى الأمة و على العبادة، و يحتمل أنه كان في ذلك ما يشغل قلب بعض المؤمنين، لظنه أن فلانا إنما ناجى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم لأمر يقتضي شغل القلب فيما يرجع إلى الدنيا و سادسها:

أنه يتميز به محب الآخرة عن محب الدنيا، فإن المال محك الدواعي.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا، لأن الأمر للوجوب، و يتأكد ذلك بقوله في آخر الآية: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه، و منهم من قال: إن ذلك ما كان واجبا، بل كان مندوبا، و احتج عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: ذََلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ و هذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض و الثاني: أنه لو كان ذلك واجبا لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، و هو قوله: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا [المجادلة: 13]إلى آخر الآية و الجواب عن الأول: أن المندوب كما يوصف بأنه خير و أطهر، فالواجب أيضا يوصف بذلك و الجواب عن الثاني: أنه لا يلزم من كون الآيتين متصلتين في التلاوة، كونهما متصلتين في النزول، و هذا كما قلنا في الآية الدالة على وجوب الاعتداد بأربعة أشهر و عشرا، إنها ناسخة للاعتداد بحول، و إن كان الناسخ متقدما في التلاوة على المنسوخ، ثم اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقال الكلبي: ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ، و قال مقاتل بن حيان: بقي ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ.

المسألة الثالثة:

روي عن علي عليه السلام أنه قال: إن في كتاب اللََّه لآية ما عمل بها أحد قبلي، و لا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلما ناجيت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم قدمت بين يدي نجواي درهما، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد،

و

روي عن ابن جريج و الكلبي و عطاء عن ابن عباس: أنهم نهوا عن

496

المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا/علي عليه السلام تصدق بدينار، ثم نزلت الرخصة.

قال القاضي و الأكثر في الروايات: أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته،

ثم ورد النسخ، و إن كان قد روي أيضا أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت و ما فعلوا ذلك، و إن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض، و إلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله، و أقول على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت و ما فعلوا ذلك، فهذا لا يجر إليهم طعنا، و ذلك الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه، و يوحش قلب الغني فإنه لما لم يفعل الغني ذلك و فعله غيره صار ذلك الفعل سببا للطعن فيمن لم يفعل، فهذا الفعل لما كان سببا لحزن الفقراء و وحشة الأغنياء، لم يكن في تركه كبير مضرة، لأن الذي يكون سببا للألفة أولى مما يكون سببا للوحشة، و أيضا فهذه المناجاة ليست من الواجبات و لا من الطاعات المندوبة، بل قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة، و لما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سببا للطعن.

المسألة الرابعة:

روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لما نزلت الآية دعاني رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «ما تقول في دينار؟قلت: لا يطيقونه، قال: كم؟قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد»

و المعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك.

أما قوله تعالى: ذََلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ أي ذلك التقديم في دينكم و أطهر لأن الصدقة طهرة.

أما قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فالمراد منه الفقراء، و هذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه.

المسألة الخامسة: أنكر أبو مسلم وقوع النسخ و قال: إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، و إن قوما من المنافقين تركوا النفاق و آمنوا ظاهرا و باطنا إيمانا حقيقيا، فأراد اللََّه تعالى أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عمن بقي على نفاقه الأصلي، و إذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت، و حاصل قول أبي مسلم: أن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخا، و هذا الكلام حسن ما به بأس، و المشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: أَ أَشْفَقْتُمْ و منهم من قال: إنه منسوخ بوجوب الزكاة.

و المعنى أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من إنفاق المال، فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به و تاب اللََّه عليكم و رخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة و الزكاة و سائر الطاعات. فإن قيل: ظاهر الآية يدل على تقصير المؤمنين في ذلك التكليف، و بيانه من وجوه أولها: قوله: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا و هو يدل على تقصيرهم و ثانيها: قوله: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا و ثالثها: قوله: وَ تََابَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ قلنا: ليس الأمر كما قلتم، و ذلك لأن القوم لما كلفوا بأن يقدموا الصدقة و يشغلوا بالمناجاة، فلا بد من تقديم الصدقة، فمن ترك المناجاة

497

يكون مقصرا، و أما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة، فهذا أيضا غير جائز، لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول من المناجاة، فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم، فأما قوله: أَ أَشْفَقْتُمْ فلا يمتنع أن اللََّه تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب، فقال هذا القول، و أما قوله: وَ تََابَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ فليس في الآية أنه تاب عليكم من هذا التقصير، بل يحتمل أنكم إذا كنتم تائبين راجعين إلى اللََّه، و أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة، فقد كفاكم هذا التكليف، أما قوله: وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ يعني محيط بأعمالكم و نياتكم.

كان المنافقون يتولون اليهود و هم الذين غضب اللََّه عليهم في قوله: مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة: 60]و ينقلون إليهم أسرار المؤمنين: مََا هُمْ مِنْكُمْ أيها المسلمون و لا من اليهود وَ يَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ و المراد من هذا الكذب إما ادعاؤهم كونهم مسلمين، و إما أنهم كانوا يشتمون اللََّه و رسوله و يكيدون المسلمين فإذا قيل لهم: إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من القتل، فيحلفون أنا ما قلنا ذلك و ما فعلناه، فهذا هو الكذب الذي يحلفون عليه.

و اعلم أن هذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ إن الخبر الذي يكون مخالفا للمخبر عنه إنما يكون كذبا لو علم المخبر كون الخبر مخالفا للمخبر عنه، و ذلك لأن لو كان الأمر على ما ذهب إليه لكان قوله: وَ هُمْ يَعْلَمُونَ تكرارا غير مقيد،

يروى أن عبد اللََّه بن نبتل المنافق كان/يجالس رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم في حجرته إذ قال: يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان-أو بعيني شيطان-فدخل رجل عيناه زرقاوان فقال له: لم تسبني فجعل يحلف فنزل قوله: وَ يَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ .

و المراد منه عند بعض المحققين عذاب القبر. ثم قال تعالى:

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ الحسن: اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ بكسر الهمزة، قال ابن جني: هذا على حذف المضاف، أي اتخذوا ظهار إيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم و كيدهم للمسلمين، أو جنة عن أن يقتلهم المسلمون، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب و تقبيح حال الإسلام.

المسألة الثانية: قوله تعالى: فَلَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ أي عذاب الآخر، و إنما حملنا قوله: أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ عَذََاباً شَدِيداً على عذاب القبر، و قوله هاهنا: فَلَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ على عذاب الآخر، لئلا يلزم التكرار، و من الناس من قال: المراد من الكل عذاب الآخرة، و هو كقوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ زِدْنََاهُمْ عَذََاباً فَوْقَ اَلْعَذََابِ [النحل: 88].

498

روي أن واحدا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا و أولادنا، فنزلت هذه الآية.

قال ابن عباس: إن المنافق يحلف للََّه يوم القيامة كذبا كما يحلف لأوليائه في الدنيا كذبا أما الأول:

فكقوله: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23]. و أما الثاني: فهو كقوله: وَ يَحْلِفُونَ بِاللََّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [البقرة: 56]و المعنى أنهم لشدة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنه يمكنهم ترويج/كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب، فكان هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبدا، و إليه الإشارة بقوله: وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28]قال الجبائي و القاضي: إن أهل الآخرة لا يكذبون، فالمراد من الآية أنهم يحلفون في الآخرة أنا ما كنا كافرين عند أنفسنا، و على هذا الوجه لا يكون هذا الحلف كذبا، و قوله: أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكََاذِبُونَ أي في الدنيا، و اعلم أن تفسير الآية بهذا الوجه لا شك أنه يقتضي ركاكة عظيمة في النظم، و قد استقصينا هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23].

قال الزجاج: استحوذ في اللغة استولى، يقال: حاوزت الإبل، و حذتها إذا استوليت عليها و جمعتها، قال المبرد: استحوذ على الشي‏ء حواه و أحاط به، و قالت عائشة في حق عمر: كان أحوذيا، أي سائسا ضابطا للأمور، و هو أحد ما جاء على الأصل نحو: استصوب و استنوق، أي ملكهم الشيطان و استولى عليهم، ثم قال:

فَأَنْسََاهُمْ ذِكْرَ اَللََّهِ أُولََئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطََانِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطََانِ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و احتج القاضي به في خلق الأعمال من وجهين الأول: ذلك النسيان لو حصل بخلق اللََّه لكانت إضافتها إلى الشيطان كذبا و الثاني: لو حصل ذلك بخلق اللََّه لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب اللََّه لا حزب الشيطان. ثم قال تعالى:

أي في جملة من هو أذل خلق اللََّه، لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم الثاني، فلما كانت عزة اللََّه غير متناهية، كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضا، }و لما شرح ذلهم، بين عز المؤمنين فقال: كَتَبَ اَللََّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ نافع و ابن عامر: أَنَا وَ رُسُلِي بفتح الياء، و الباقون لا يحركون، قال أبو علي:

التحريك و الإسكان جميعا جائزان.

المسألة الثانية: غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة، إلا أن منهم من ضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف، و منهم من لم يكن كذلك، ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ قَوِيٌّ على نصرة أنبيائه: عَزِيزٌ غالب لا يدفعه أحد عن مراده، لأن كل ما سواه ممكن الوجود لذاته، و الواجب لذاته يكون غالبا للممكن/لذاته، قال مقاتل: إن‏

499

المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا اللََّه على فارس و الروم، فقال عبد اللََّه بن أبي: أ تظنون أن فارس و الروم كبعض القرى التي غلبتموهم، كلا و اللََّه إنهم أكثر جمعا وعدة فأنزل اللََّه هذه الآية.

المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء اللََّه، و ذلك لأن من أحب أحدا امتنع أن يجب مع ذلك عدوه و هذا على وجهين أحدهما: أنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب وداد أعداء اللََّه، لم يحصل فيه الإيمان، فيكون صاحبه منافقا و الثاني: أنهما يجتمعان و لكنه معصية و كبيرة، و كبيرة، و على هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافرا بسبب هذا الوداد، بل كان عاصيا في اللََّه، فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم و معاشرتهم، فما هذه المودة المحرمة المحظورة؟قلنا: المودة المحظورة هي إرادة منافسه دينا و دنيا مع كونه كافرا، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه، ثم إنه تعالى بالغ في المنع من هذه المودة من وجوه أولها: ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان لا يجتمعان و ثانيها: قوله: وَ لَوْ كََانُوا آبََاءَهُمْ أَوْ أَبْنََاءَهُمْ أَوْ إِخْوََانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ و المراد أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل، و مع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مغلوبا مطروحا بسبب الدين،

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد اللََّه بن الجراح يوم أحد، و عمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، و أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال النبي عليه الصلاة و السلام: «متعنا بنفسك» و مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، /و علي بن أبي طالب و عبيدة قتلوا عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة يوم بدر،

أخبر أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم و عشائرهم غضبا للََّه و دينه و ثالثها: أنه تعالى عدد نعمه على المؤمنين، فبدأ بقوله: أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المعنى أن من أنعم اللََّه عليه بهذه النعمة العظيمة كيف يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء اللََّه، و اختلفوا في المراد من قوله: كَتَبَ أما القاضي فذكر ثلاثة أوجه على وفق قول المعتزلة أحدها:

جعل في قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ما هم عليه من الإخلاص و ثانيها: المراد شرح صدورهم للإيمان بالألطاف و التوفيق و ثالثها: قيل في: كَتَبَ قضى أن قلوبهم بهذا الوصف، و اعلم أن هذه الوجوه الثلاثة نسلمها للقاضي و نفرع عليها صحة قولنا، فإن الذي قضى اللََّه به أخبر عنه و كتبه في اللوح المحفوظ، لو لم يقع لا نقلب خبر اللََّه الصدق كذبا و هذا محال، و المؤدي إلى المحال محال، و قال أبو علي الفارسي معناه: جمع، و الكتيبة: الجمع من الجيش، و التقدير أولئك الذين جمع اللََّه في قلوبهم الإيمان، أي استكملوا فلم يكونوا ممن يقولون: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: 150]و متى كانوا كذلك امتنع أن يحصل في قلوبهم مودة الكفار، و قال جمهور أصحابنا: كَتَبَ معناه أثبت و خلق، و ذلك لأن الإيمان لا يمكن كتبه، فلا بد من حمله على الإيجاد و التكوين.

المسألة الثانية: روى المفضل عن عاصم: كتب على فعل ما لم يسم فاعله، و الباقون: كَتَبَ على‏

500

إسناد الفعل إلى الفاعل و النعمة الثانية: قوله: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ و فيه قولان: الأول: قال ابن عباس:

نصرهم على عدوهم، و سمى تلك النصرة روحا لأن بها يحيا أمرهم و الثاني: قال السدي: الضمير في قوله:

مِنْهُ عائد إلى الإيمان و المعنى أيدهم بروح من الإيمان يدل عليه قوله: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورة: 52]النعمة الثالثة: وَ يُدْخِلُهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا و هو إشارة إلى نعمة الجنة النعمة الرابعة: قوله تعالى: رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ و هي نعمة الرضوان، و هي أعظم النعم و أجل المراتب، ثم لما عدد هذه النعم ذكر الأمر الرابع من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء اللََّه فقال:

أُولََئِكَ حِزْبُ اَللََّهِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ و هو في مقابلة قوله فيهم: أُولََئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطََانِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطََانِ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ [المجادلة: 19].

و اعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله: لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ نزلت في حاطب بن أبي بلتعة و إخباره أهل مكة بمسير النبي صلى اللََّه عليه و سلم إليهم لما أراد فتح مكة، و تلك القصة معروفة و بالجملة فالآية زجر عن التودد إلى الكفار و الفساق.

عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه كان يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر و لا لفاسق عندي نعمة فإني وجدت فيما أو حيث لاََ تَجِدُ قَوْماً إلى آخره»

و اللََّه سبحانه و تعالى أعلم، و الحمد للََّه رب العالمين، و صلاته و سلامه على سيد المرسلين و خاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين.

501

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة الحشر

و هي عشرون و أربع آيات مدنية

} سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ*`هُوَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ دِيََارِهِمْ لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ صالح بنو النضير رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم على أن لا يكونوا عليه و لا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر، فلما هزم المسلمون يوم أحد تابوا و نكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة و حالفوا أبا سفيان عند الكعبة، فأمر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم محمد بن مسلمة الأنصاري، فقتل كعبا غيلة، و كان أخاه من الرضاعة، ثم صحبهم رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بالكتائب و هو على حمار مخطوم بليف،

فقال لهم: أخرجوا من المدينة،

فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب، و قيل:

استمهلوا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فبعث إليهم عبد اللََّه بن أبي و قال: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، و لئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا الأزقة فحاصرهم إحدى و عشرون ليلة، فلما قذف اللََّه في قلوبهم الرعب، و آيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، فجلوا إلى الشأم إلى أريحاء و أزرعات إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق، و آل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، و لحقت طائفة بالحيرة. و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: ما معنى هذه اللام في قوله: لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ الجواب: إنها هي اللام في قولك: جئت لوقت كذا، و المعنى: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر.

السؤال الثاني: ما معنى أول الحشر؟ الجواب: أن الحشر هو إخراج الجمع من مكان إلى مكان، و إما أنه لم سمي هذا الحشر بأول الحشر فبيانه من وجوه: أحدها: و هو قول ابن عباس و الأكثرين إن هذا أول حشر أهل‏

502

الكتاب، أي أول مرة حشروا و أخرجوا من جزيرة/العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، لأنهم كانوا أهل منعة و عز و ثانيها: أنه تعالى جعل إخراجهم من المدينة حشرا، و جعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام، ثم تدركهم الساعة هناك و ثالثها: أن هذا أول حشرهم، و أما آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام و رابعها: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم، لأنه أول قتال قاتلهم رسول اللََّه و خامسها: قال قتادة هذا أول الحشر، و الحشر الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، و تقيل معهم حيث قالوا: و ذكروا أن تلك النار ترى بالليل و لا ترى بالنهار.

قوله تعالى: مََا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا قال ابن عباس: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم و قوتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم، و إنما ذكر اللََّه تعالى ذلك تعظيما لهذه النعمة، فإن النعمة إذا وردت على المرء و الظن بخلافه تكون أعظم، فالمسلمون ما ظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج هؤلاء اليهود، فيتخلصون من ضرر مكايدهم، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم.

قوله تعالى: وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مََانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللََّهِ قالوا كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول اللََّه، و في الآية تشريف عظيم لرسول اللََّه، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول اللََّه هي بعينها نفس المعاملة مع اللََّه، فإن قيل: ما الفرق بين قولك: ظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم و بين النظم الذي جاء عليه، قلنا: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها و منعها إياهم، و في تصيير ضميرهم اسما، و إسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة و منعة لا يبالون بأحد يطمع في منازعتهم، و هذه المعاني لا تحصل في قولك: و ظنوا أن حصونهم تمنعهم.

قوله تعالى: فَأَتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: أن يكون الضمير في قوله: فَأَتََاهُمُ عائد إلى اليهود، أي فأتاهم عذاب اللََّه و أخذهم من حيث لم يحتسبوا و الثاني: أن يكون عائدا إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر اللََّه و تقويته من حيث لم يحتسبوا، و معنى: لم يحتسبوا، أي لم يظنوا و لم يخطر ببالهم، و ذلك بسبب أمرين أحدهما: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة، و ذلك مما أضعف قوتهم، و فتت عضدهم، و قل من شوكتهم و الثاني: بما قذف في قلوبهم من الرعب.

المسألة الثانية: قوله: فَأَتََاهُمُ اَللََّهُ لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء، فدل على أن باب التأويل مفتوح، و أن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ‏ فَآتََاهُمُ اَللََّهُ أي فآتاهم الهلاك، و اعلم أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل، لأن هذه القراءة لا تدفع القراءة الأولى، فإنها ثابتة بالتواتر، و متى كانت ثابتة بالتواتر لا يمكن دفعها، بل لا بد فيها من التأويل.

503

قوله تعالى: وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ قال أهل اللغة: الرعب، الخوف الذي يستوعب الصدر، أي يملؤه، و قذفه إثباته فيه، و فيه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفا لاكتنازه و تداخل أجزائه، و اعلم أن هذه الآية تدل على قولنا من أن الأمور كلها اللََّه، و ذلك لأن الآية دلت على أن وقوع ذلك الرعب في قلوبهم كان من اللََّه و دلت على أن ذلك الرعب صار سببا في إقدامهم على بعض الأفعال، و بالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، و حصول تلك الداعية لا يكون إلا من اللََّه، فكانت الأفعال بأسرها مسندة إلى اللََّه بهذا الطريق.

قوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو علي: قرأ أبو عمرو وحده: يُخْرِبُونَ مشددة، و قرأ الباقون: يُخْرِبُونَ خفيفة، و كان أبو عمرو يقول: الإخراب أن يترك الشي‏ء خرابا و التخريب الهدم، و بنو النضير خربوا و ما أخربوا قال المبرد: و لا أعلم لهذا وجها، و يخربون هو الأصل خرب المنزل، فإنما هو تكثير، لأنه ذكر بيوتا تصلح للقليل و الكثير، و زعم سيبويه أنهما يتعاقبان في الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو فرحته و أفرحته، و حسنه اللََّه و أحسنه، و قال الأعمش:

«و أخربت من أرض قوم ديارا»

و قال الفراء: يُخْرِبُونَ بالتشديد يهدمون، و بالتخفيف يخربون منها و يتركونها.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في بيان أنهم كيف كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين وجوها أحدها: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا مساكنهم و منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، و المسلمون من خارج و ثانيها: قال مقاتل: إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا، و دربوا على الأزقة و حصنوها، فنقضوا بيوتهم و جعلوها كالحصون على أبواب الأزقة، و كان المسلمون يخربون سائر الجوانب و ثالثها: أن المسلمين إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه، و كان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم، و ينقبونها من أدبارها و رابعها: أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، و اليهود لما أيقنوا بالجلاء، و كانوا ينظرون/إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم، و ينزعونها و يحملونها على الإبل، فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟قلنا قال الزجاج: لما عرضوهم لذلك و كانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به و كلفوه إياهم.

قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ المسألة الأولى‏ اعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية في كتاب «المحصول من أصول الفقه» على أن القياس حجة فلا نذكره هاهنا، إلا أنه لا بد هاهنا من بيان الوجه الذي أمر اللََّه فيه بالاعتبار، و فيه احتمالات أحدها: أنهم اعتمدوا على حصونهم، و على قوتهم و شوكتهم، فأباد اللََّه شوكتهم و أزال قوتهم، ثم قال: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ و لا تعتمدوا على شي‏ء غير اللََّه، فليس للزاهد أن يتعمد على زهده، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام، و ليس للعالم أن يعتمد على علمه، أنظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار، بل لا اعتماد لأحد في شي‏ء إلا على فضل اللََّه و رحمته و ثانيها: قال القاضي: المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر و الكفر و الطعن في النبوة، ـ

504

فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر، و الكفر في البلاء و الجلاء، و المؤمنين أيضا يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي.

فإن قيل: هذا الاعتبار إنما يصلح لو قلنا: إنهم غدروا و كفروا فعذبوا، و كان السبب في ذلك العذاب هو الكفر و الغدر، إلا أن هذا القول فاسد طردا و عكسا أما الطرد فلأنه رب شخص غدر و كفر، و ما عذب في الدنيا و أما العكس فلأن أمثال هذه المحن، بل أشد منها وقعت للرسول عليه السلام و لأصحابه، و لم يدل ذلك على سوء أديانهم و أفعالهم، و إذا فسدت هذه العلة فقد بطل هذا الاعتبار، و أيضا فالحكم الثالث في الأصل هو أنهم:

يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ و إذا عللنا ذلك بالكفر و الغدر يلزم في كل من غدر و كفر أن يخرب بيته بيده و بأيدي المسلمين، و معلوم أن هذا لا يصلح، فعلمنا أن هذا الاعتبار غير صحيح و الجواب: أن الحكم الثابت في الأصل له ثلاث مراتب أولها: كونه تخريبا للبيت بأيديهم و أيدي المؤمنين و ثانيها: و هو أعم من الأول، كونه عذابا في الدنيا و ثالثها: و هو أعم من الثاني، كونه مطلق العذاب، و الغدر و الكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب، فأما خصوص كونه تخريبا أو قتلا في الدنيا أو في الآخرة فذاك عديم الأثر، فيرجع حاصل القياس إلى أن الذين غدروا و كفروا و كذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك العذاب كان في الدنيا أو في الآخرة، و الغدر و الكفر يناسبان العذاب، فعلمنا أن الكفر و الغدر هما السببان في العذاب، فأينما حصلا حصل العذاب/من غير بيان أن ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة، و متى قررنا القياس و الاعتبار على هذا الوجه زالت المطاعن و النقوض و تم القياس على الوجه الصحيح.

المسألة الثانية: الاعتبار مأخوذ من العبور و المجاوزة من شي‏ء إلى شي‏ء، و لهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، و سمي المعبر معبرا لأن به تحصل المجاوزة، و سمي العلم المخصوص بالتعبير، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، و سميت الألفاظ عبارات، لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع، و يقال: السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، و لهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء و جهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شي‏ء آخر من جنسها، و في قوله: يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ وجهان الأول: قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب و العقل و البصائر و الثاني: قال الفراء: يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ يا من عاين تلك الواقعة المذكورة.

معنى الجلاء في اللغة، الخروج من الوطن و التحول عنه، فإن قيل: أن (لو لا) تفيد انتفاء الشي‏ء لثبوت غيره فيلزم من ثبوت الجلاء عدم التعذيب في الدنيا، لكن الجلاء نوع من أنواع التعذيب، فإذا يلزم من ثبوت الجلاء عدمه و هو محال، قلنا معناه: و لولا أن كتب اللََّه عليهم الجلاء نوع من أنواع التعذيب، فإذا يلزم من ثبوت الجلاء عدمه و هو محال، قلنا معناه: و لو لا أن كتب اللّه عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة، و أما قوله: وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذََابُ اَلنََّارِ فهو كلام مبتدأ و غير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفا على ما قبله لزم أن لا يوجد لما بينا، أن (لولا) تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط.

أما قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فهو يقتضي أن علة ذلك التخريب هو مشاقة اللََّه‏

505

و رسوله، فإن قيل: لو كانت المشاقة علة لهذا التخريب لوجب أن يقال: أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب، و معلوم أنه ليس كذلك، قلنا: هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها.

ثم قال: وَ مَنْ يُشَاقِّ اَللََّهَ فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ و المقصود منه الزجر.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: مِنْ لِينَةٍ بيان لـ مََا قَطَعْتُمْ ، و محل (ما) نصب بقطعتم، كأنه قال: أي شي‏ء قطعتم، و أنت الضمير الراجع إلى ما في قوله: أَوْ تَرَكْتُمُوهََا لأنه في معنى اللينة.

المسألة الثانية: قال أبو عبيدة: اللينة النخلة ما لم تكن عجوة أو برنية، و أصل لينة لونة، فذهبت الواو لكسرة اللام، و جمعها ألوان، و هي النخل كله سوى البرني و العجوة، و قال بعضهم: اللينة النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين و جمعها لين، فإن قيل: لم خصت اللينة بالقطع؟قلنا: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة و البرنية، و إن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد.

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكاشف» : قرئ قوما على أصلها ، و فيه وجهان أحدهما: أنه جمع أصل كرهن و رهن، و اكتفى فيه بالضمة عن الواو، و قرئ قائما على أصول ، ذهابا إلى لفظ ما، و قوله: فَبِإِذْنِ اَللََّهِ أي قطعها بإذن اللََّه و بأمره وَ لِيُخْزِيَ اَلْفََاسِقِينَ أي و لأجل إخزاء الفاسقين، أي اليهود أذن اللََّه في قطعها.

المسألة الرابعة:

روي أنه عليه الصلاة و السلام حين أمر أن يقطع نخلهم و يحرق، قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل و تحريقها؟. و كان في أنفس المؤمنين من ذلك شي‏ء، فنزلت هذه الآية،

و المعنى أن اللََّه إنما أذن في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار، و تتضاعف حسرتهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم.

المسألة الخامسة: احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفرة و ديارهم لا بأس أن تهدم و تحرق و تغرق و ترمى بالمجانيق، و كذلك أشجار هم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة، و عن ابن مسعود قطعوا منها ما كان موضعا للقتال.

المسألة السادسة:

روي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة، و الآخر اللون، فسألهما رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فقال هذا: تركتها لرسول اللََّه، و قال هذا: قطعتها غيظا للكفار،

فاستدلوا به على جواز الاجتهاد، و على جوازه بحضرة الرسول.

قال المبرد: يقال فاء يفي‏ء إذا رجع، و أفاءه اللََّه إذا رده، و قال الأزهري: الفي‏ء ما رده اللََّه على أهل دينه، من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم و يخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على‏

506

جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، و يتركوا الباقي، فهذا المال هو الفي‏ء، و هو ما أفاء اللََّه على المسلمين، أي رده من الكفار إلى المسلمين، و قوله: مِنْهُمْ أي من يهود بني النضير، قوله: فَمََا أَوْجَفْتُمْ يقال: وجف الفرس و البعير يجف وجفا و وجيفا، و هو سرعة السير، و أوجفه صاحبه، إذا حمله على السير السريع، و قوله: عَلَيْهِ أي على ما أفاء اللََّه، و قوله: مِنْ خَيْلٍ وَ لاََ رِكََابٍ الركاب ما يركب من الإبل، واحدتها راحلة، و لا واحد لها من لفظها، و العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، و يسمون راكب الفرس فارسا، و معنى الآية أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة و السلام أن يقسم الفي‏ء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر اللََّه الفرق بين الأمرين، و هو أن الغنيمة ما أتعبتم أنفسكم في تحصيلها و أوجفتم عليه الخيل و الركاب بخلاف الفي‏ء فإنكم ما تحملتم في تحصيله تعبا، فكان الأمر فيه مفوضا إلى الرسول يضعه حيث يشاء.

ثم هاهنا سؤال: و هو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياما، و قاتلوا و قتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنيمة لا من جملة الفي‏ء، و لأجل هذا السؤال ذكر المفسرون هاهنا وجهين الأول: أن هذا الآية ما نزلت في قرى بني النضير لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل و الركاب و حاصرهم رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و المسلمون بل هو في فدك، و ذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى و الأموال في يد الرسول عليه السلام من غير حرب فكان عليه الصلاة و السلام يأخذ من غلة فدك نفقته و نفقة من يعوله، و يجعل الباقي في السلاح و الكراع، فلما مات ادعت فاطمة عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا، فقال أبو بكر: أنت أعز الناس علي فقرا، و أحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، و لا يجوز أن أحكم بذلك، فشهد لها أم أيمن و مولى للرسول عليه السلام، فطلب منها أبن بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن، فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى اللََّه عليه و سلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، و يجعل ما يبقى في السلاح و الكراع، و كذلك عمر جعله في يد علي ليجريه على هذا المجرى، ورد ذلك في آخر عهد عمر إلى عمر، و قال: إن بنا غني و بالمسلمين حاجة إليه، و كان عثمان رضي اللََّه عنه يجريه كذلك، ثم صار. إلى على فكان يجريه هذا المجرى/فالأئمة الأربعة اتفقوا على ذلك و القول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير و قراهم، و ليس لمسلمين يومئذ كثير خيل و لا ركاب، و لم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، و إنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشيا، و لم يركب إلا رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و كان راكب جمل، فلما كانت المقاتلة قليلة و الخيل و الركب غير حاصل، أجراه اللََّه تعالى مجرى ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلا فخص رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم بتلك الأموال، ثم‏

روى أنه قسمها بين المهاجرين و لم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة و هم أبو دجانة و سهل بن حنيف و الحرث بن الصمة.

ثم إنه تعالى ذكر حكم الفي‏ء فقال:

507

قال صاحب «الكشاف» : لم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى فهي منها و غير أجنبية عنها، و اعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله: وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ بنو هاشم و بنو المطلب. قال الواحدي: كان الفي‏ء في زمان رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم مقسوما على خمسة أسهم أربعة منها لرسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم خاصة و كان الخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم، سهم منها لرسول اللََّه أيضا، و الأسهم الأربعة لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، و أما بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام فللشافعي فيما كان من الفي‏ء لرسول اللََّه قولان أحدهما: أنه للمجاهدين المرصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول اللََّه في رباط الثغور و القول الثاني: أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور و حفر الأنهار و بناء القناطر، يبدأ بالأهم فالأهم، هذا في الأربعة أخماس التي كانت لرسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، و أما السهم الذي كان له من خمس الفي‏ء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف، و قوله تعالى: كَيْ لاََ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيََاءِ مِنْكُمْ فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال المبرد: الدولة اسم للشي‏ء الذي يتداوله القوم بينهم يكون كذا مرة و كذا مرة، و الدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، فالدولة بالضم اسم ما يتداول، و بالفتح مصدر من هذا، و يستعمل في الحالة السارة التي تحدث للإنسان، فيقال: هذه دولة فلان/أي تداوله، فالدولة اسم لما يتداول من المال، و الدولة اسم لما ينتقل من الحال، و معنى الآية كي لا يكون الفي‏ء الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها واقعا في يد الأغنياء و دولة لهم.

المسألة الثانية: قرئ: (دولة) و (دولة) بفتح الدال و ضمها، و قرأ أبو جعفر: دُولَةً مرفوعة الدال و الهاء، قال أبو الفتح: يَكُونَ هاهنا هي التامة كقوله: وَ إِنْ كََانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ [البقرة: 280]يعني كي لا يقع دولة جاهلية، ثم قال: وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني ما أعطاكم الرسول من الفي‏ء فخذوه فهو لكم حلال و ما نهاكم عن أخذه فانتهوا وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ في أمر الفي‏ء إِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ على ما نهاكم عنه الرسول، و الأجود أن تكون هذه الآية عامة في كل ما آتى رسول اللََّه و نهى عنه و أمر الفي‏ء داخل في عمومه.

اعلم أن هذا بدل من قوله: وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ [الحشر: 7]كأنه قيل:

أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء و المهاجرين الذين من صفتهم كذا و كذا، ثم إنه تعالى وصفهم بأمور: أولها:

أنهم فقراء و ثانيها: أنهم مهاجرون و ثالثها: أنهم أخرجوا من ديارهم و أموالهم يعني أن كفار مكة أحوجوهم إلى الخروج فهم الذين أخرجوهم و رابعها: أنهم يبتغون فضلا من اللََّه و رضوانا، و المراد بالفضل ثواب الجنة و بالرضوان قوله: وَ رِضْوََانٌ مِنَ اَللََّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72]و خامسها: قوله: وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أي بأنفسهم و أموالهم و سادسها: قوله: أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ يعني أنهم لما هجروا لذات الدنيا و تحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر صدقهم في دينهم، و تمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر رضي اللََّه عنه، فقال: هؤلاء الفقراء من المهاجرين و الأنصار كانوا يقولون لأبي بكر يا خليفة رسول اللََّه، و اللََّه يشهد على‏

508

كونهم صادقين، فوجب أن يكونوا صادقين في قولهم يا خليفة رسول اللََّه، و متى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته.

ثم إنه تعالى ذكر الأنصار و أثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفي‏ء إذ للمهاجرين دونهم فقال:

و المراد من الدار المدينة و هي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين و تقدير الآية: و الذين تبوءوا المدينة و الإيمان من قبلهم فإن قيل: في الآية سؤالان أحدهما: أنه لا يقال: تبوأ الإيمان و الثاني: بتقدير أن يقال: ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين و الجواب عن الأول من وجوه أحدها: تبوءوا الدار و أخلصوا الإيمان كقوله:

و لقد رأيتك في الوغى # متقلدا سيفا و رمحا

و ثانيها: جعلوا الإيمان مستقرا و وطنا لهم لتمكنهم منه و استقامتهم عليه، كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام و ثالثها: أنه سمى المدينة بالإيمان، لأن فيها ظهر الإيمان و قوي و الجواب: عن السؤال الثاني من وجهين الأول: أن الكلام على التقديم و التأخير، و التقدير: و الذين تبوءوا الدار من قبلهم و الإيمان و الثاني: أنه على تقدير حذف المضاف و التقدير: تبوءوا الدار و الإيمان من قبل هجرتهم، ثم قال:

وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا و قال الحسن: أي حسدا و حرارة و غيظا مما أوتي المهاجرون من دونهم، و أطلق لفظ الحاجة على الحسد و الغيظ و الحرارة، لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة، فأطلق اسم اللام على الملزوم على سبيل الكناية، ثم قال: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ يقال: آثره بكذا إذا خصه به، و مفعول الإيثار محذوف، و التقدير: و يؤثرونهم بأموالهم و منازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم و أموالكم و قسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم و إن شئتم كان لهم الغنيمة و لكم دياركم و أموالكم فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا و أموالنا و لا نشاركهم في الغنيمة»

فأنزل اللََّه تعالى: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال، و لكنه عن حاجة و خصاصة و هي الفقر، و أصلها من الخصاص و هي الفرج، و كل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص، الواحد خصاصة، و ذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام و تعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار، و الصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفي‏ء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات، ثم قال: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ الشح بالضم و الكسر، و قد قرئ بهما.

و اعلم أن الفرق بين الشح و البخل هو أن البخل نفس المنع، و الشح هو الحالة النفسانية التي/تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس، لا جرم قال تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه اللََّه عن أخذه و لم يمنع شيئا أمره اللََّه بإعطائه فقد وقى شح نفسه.

509

اعلم أن قوله: وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ عطف أيضا على المهاجرين و هم الذين هاجروا من بعد، و قيل: التابعون بإحسان و هم الذين يجيئون بعد المهاجرين و الأنصار إلى يوم القيامة، و ذكر تعالى أنهم يدعون لأنفسهم و لمن سبقهم بالإيمان، و هو قوله: يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ وَ لاََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنََا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي غشا و حسدا و بغضا.

و اعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أ الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم، و بين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين و الأنصار أن يذكر السابقين و هم المهاجرون و الأنصار بالدعاء و الرحمة فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية.

قال المقاتلان: يعني عبد اللََّه بن أبي، و عبد اللََّه بن نبتل، و رفاعة بن زيد، كانوا من الأنصار، و لكنهم نافقوا يقولون لإخوانهم، و هذه الأخوة تحتمل وجوها أحدها: الأخوة في الكفر لأن اليهود و المنافقين كانوا مشتركين في عموم الكفر بمحمد صلى اللََّه عليه و سلم و ثانيها: الأخوة بسبب المصادقة و الموالاة و المعاونة و ثالثها: الأخوة بسبب ما بينهما من المشاركة في عداوة محمد صلى اللََّه عليه و سلم، ثم أخبر/تعالى عنهم أنهم قالوا لليهود: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاََ نُطِيعُ فِيكُمْ أي في خذلانكم أَحَداً أَبَداً و وعدوهم النصر أيضا بقولهم:

وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ثم إنه تعالى شهد على كونهم كاذبين في هذا القول فقال: وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ .

و لما شهد على كذبهم على سبيل الإجمال أتبعه بالتفصيل فقال:

و اعلم أنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، فعلم الموجودات في الأزمنة الثلاثة، و المعدومات في الأزمنة الثلاثة، و علم في كل واحد من هذه الوجوه الستة، أنه لو كان على خلاف ما وقع كيف كان يكون على ذلك التقدير، فههنا أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا فهؤلاء المنافقون لا يخرجون معهم، و قد كان الأمر كذلك، لأن بني النضير لما أخرجوا لم يخرج معهم المنافقون، و قوتلوا أيضا فما نصروهم، فأما قوله تعالى: وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ فتقديره كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير: لا نسلم أن الأمر كما تقول، و لئن سلمنا أن الأمر كما تقول، لكنه لا يفيد لك فائدة، فكذا هاهنا ذكر تعالى أنهم لا

510

ينصرونهم، و بتقدير أن ينصروا إلا أنهم لا بد و أن يتركوا تلك النصرة و ينهزموا، و يتركوا أولئك المنصورين في أيدي الأعداء، و نظير هذه الآية قوله: وَ لَوْ عَلِمَ اَللََّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ ، فأما قوله: ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ ففيه وجهان: الأول: أنه راجع إلى المنافقين يعني لينهز من المنافقون: ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ بعد ذلك أي يهلكهم اللََّه، و لا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم و الثاني: لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.

ثم ذكر تعالى أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من اللََّه تعالى فقال:

أي لا يعلمون عظمة اللََّه حتى يخشوه حق خشيته.

ثم قال تعالى: لاََ يُقََاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاََّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرََاءِ جُدُرٍ يريد أن هؤلاء اليهود و المنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا كانوا في قرى محصنة بالخنادق و الدروب/أو من وراء جدر، و ذلك بسبب أن اللََّه ألقى في قلوبهم الرعب، و أن تأييد اللََّه و نصرته معكم، و قرئ جدر بالتخفيف و جدار و جدر و جدر و هما الجدار.

ثم قال تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتََّى ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَعْقِلُونَ و فيه ثلاثة أوجه أحدها: يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس و الشدة، لأن الشجاع يجبن و العز يذل عند محاربة اللََّه و رسوله و ثانيها: قال مجاهد:

المعنى أنهم إذا اجتمعوا يقولون: لنفعلن كذا و كذا، فهم يهدون المؤمنين ببأس شديد من وراء الحيطان و الحصون، ثم يحترزون عن الخروج للقتال فبأسهم فيما بينهم شديد، لا فيما بينهم و بين المؤمنين و ثالثها: قال ابن عباس: معناه بعضهم عدو للبعض، و الدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتََّى يعني تحسبهم في صورتهم مجتمعين على الألفة و المحبة، أما قلوبهم فشتى لأن كل أحد منهم على مذهب آخر، و بينهم عداوة شديدة، و هذا تشجيع للمؤمنين على قتالهم و قوله: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَعْقِلُونَ فيه وجهان: الأول: أن ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم و الثاني: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم.

أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب فإن قيل: بم انتصب قَرِيباً ، قلنا: بمثل، و التقدير كوجود مثل أهل بدر. قَرِيباً ذََاقُوا وَبََالَ أَمْرِهِمْ أي سوء عاقبة كفرهم و عداوتهم لرسول اللََّه من قولهم: كلأ وبيل أي وخيم سيئ العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا وَ لَهُمْ في الآخرة عَذََابٌ أَلِيمٌ . ثم ضرب لليهود و المنافقين مثلا فقال:

511

أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ [الشر: 11]ثم خذلوهم و ما وفوا بعهدهم: كَمَثَلِ اَلشَّيْطََانِ إِذْ قََالَ لِلْإِنْسََانِ اُكْفُرْ /ثم تبرأ منه في العاقبة، و المراد إما عموم دعوة الشيطان إلى الكفر، و إما إغواء الشيطان قريشا يوم بدر بقوله: لاََ غََالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلنََّاسِ وَ إِنِّي جََارٌ لَكُمْ إلى قوله‏ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكُمْ [الأنفال: 48]. ثم قال:

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال مقاتل: فكان عاقبة المنافقين و اليهود مثل عاقبة الشيطان و الإنسان حيث صارا إلى النار.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قرأ ابن مسعود (خالدان فيها) ، على أنه خبران، و فِي اَلنََّارِ لغو، و على القراءة المشهورة الخبر هو الظرف و خََالِدَيْنِ فِيهََا حال، و قرئ: عََاقِبَتَهُمََا بالرفع، ثم قال:

وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ أي المشركين، لقوله تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13].

ثم إنه تعالى رجع إلى موعظة المؤمنين فقال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ لِغَدٍ .

الغد: يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له، ثم ذكر النفس و الغد على سبيل التنكير. أما الفائدة في تنكير النفس فاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك، و أما تنكير الغد فلتعظيمه و إبهام أمره كأنه قيل: الغد لا يعرف كنهه لعظمه.

ثم قال: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ كرر الأمر بالتقوى تأكيدا أو يحمل الأول: على أداء الواجبات و الثاني: على ترك المعاصي.

ثم قال تعالى: وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ و فيه وجهان: الأول: قال المقاتلان:

نسوا حق اللََّه فجعلهم ناسين حق أنفسهم حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده الثاني: فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم، كقوله: لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ [إبراهيم: 43] وَ تَرَى اَلنََّاسَ سُكََارى‏ََ وَ مََا هُمْ بِسُكََارى‏ََ [الحج: 2].

ثم قال: أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ و المقصود منه الذم، و اعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين إلى ما هو

512

مصلحتهم يوم القيامة بقوله: وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18]و هدد الكافرين بقوله: كَالَّذِينَ /نَسُوا اَللََّهَ فَأَنْسََاهُمْ أَنْفُسَهُمْ بين الفرق بين الفريقين فقال:

و اعلم أن التفاوت بين هذين الفريقين معلوم بالضرورة، فذكر هذا الفرق في مثل هذا الموضع يكون الغرض منه التنبيه على عظم ذلك الفرق، و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة، لأن الآية دلت على أن أصحاب النار و أصحاب الجنة لا يستويان، فلو دخل صاحب الكبيرة في الجنة لكان أصحاب النار و أصحاب الجنة يستويان، و هو غير جائز، و جوابه معلوم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي، و قد بينا وجه في الخلافيات.

ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال:

لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلى‏ََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ و المعنى أنه لو جعل في الجبل عقل كما جعل فيكم، ثم أنزل عليه القرآن لخشع و خضع و تشقق من خشية اللََّه.

ثم قال: وَ تِلْكَ اَلْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي الغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، و غلظ طباعهم، و نظير قوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74]و اعلم أنه لما وصف القرآن بالعظم، و معلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بشرح عظمة اللََّه فقال:

و قيل: السر و العلانية و قيل: الدنيا و الآخرة.

اعلم أنه تعالى قدم الغيب على الشهادة في اللفظ و فيه سر عقلي، أما المفسرون فذكروا أقوالا في الغيب و الشهادة، فقيل: الغيب المعدوم، و الشهادة الموجود ما غاب عن العباد و ما شاهدوه.

ثم قال: هُوَ اَللََّهُ اَلَّذِي لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْمَلِكُ و كل ذلك قد تقدم تفسيره.

ثم قال: اَلْقُدُّوسُ قرئ: بالضم و الفتح، و هو البليغ في النزاهة في الذات و الصافات، و الأفعال‏

513

و الأحكام و الأسماء، و قد شرحناه في أول سورة الحديد، و مضى شي‏ء منه في تفسير قوله: وَ نُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30]و قال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.

و قوله: اَلسَّلاََمُ فيه و وجهان الأول: أنه بمعنى السلامة و منه دار السلام، و سلام عليكم وصف به مبالغة في كونه سليما من النقائض كما يقال: رجاء، و غياث، و عدل فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى بين القدوس، و بين السلام فرق، و التكرار خلاف الأصل، قلنا: كونه قدوسا، إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي و الحاضر، كونه: سليما، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شي‏ء من العيوب في الزمان المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شي‏ء من العيوب، فإنه تزول سلامته و لا يبقى سليما الثاني: أنه سلام بمعنى كونه موجبا للسلامة.

و قوله: اَلْمُؤْمِنُ فيه و وجهان الأول: أنه الذي آمن أولياء عذابه، يقال: آمنه يؤمنه فهو مؤمن و الثاني:

أنه المصدق، إما على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم، أو لأجل أن أمة محمد صلى اللََّه عليه و سلم يشهدون لسائر الأنبياء، كما قال: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ [البقرة: 143]ثم إن اللََّه يصدقهم في تلك الشهادة، و قرئ بفتح الميم، يعني المؤمن به على حذف الجار كما حذف في قوله: وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ [الأعراف: 155].

و قوله: اَلْمُهَيْمِنُ قالوا: معناه الشاهد الذي لا يغيب عنه شي‏ء. ثم في أصله قولان، قال الخليل و أبو عبيدة: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيب على الشي‏ء، و قال آخرون: مهيمن أصله مؤيمن، من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن، و قد تقدم استقصاؤه عند قوله: وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: 48]و قال ابن الأنباري:

المهيمن القائم على خلقه برزقه و أنشد:

ألا إن خير الناس بعد نبيه # مهيمنه التاليه في العرف و النكر

قال معناه: القائم على الناس بعده.

و أما اَلْعَزِيزُ فهو إما الذي لا يوجد له نظير، و إما الغالب القاهر.

و أما اَلْجَبََّارُ ففيه وجوه أحدها: أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير، و أصلح الكسير. قال الأزهري:

و هو لعمري جابر كل كسير و فقير، و هو جابر دينه الذي ارتضاه، قال العجاج:

«قد جبر الدين الإله فجبر» .

و الثاني: أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراده، قال السدي: إنه الذي يقهر الناس و يجبرهم على ما أراده، قال الأزهري: هي لغة تميم، و كثير من الحجازيين يقولونها، و كان الشافعي يقول:

جبره السلطان على كذا بغير ألف. و جعل الفراء الجبار بهذا معنى/من أجبره، و هي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين، و هما جبار من أجبر، و دراك من أدرك، و على هذا القول الجبار هو القهار الثالث: قال ابن الأنباري: الجبار في صفة اللََّه الذي لا ينال، و منه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة الرابع: قال ابن عباس: الجبار، هو الملك العظيم، قال الواحدي: هذا الذي ذكرناه من معاني الجبار في صفة اللََّه، و للجبار معان في صفة الخلق أحدها: المسلط كقوله: وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبََّارٍ [ق: 45]، و الثاني: العظيم الجسم كقوله: إِنَّ فِيهََا قَوْماً جَبََّارِينَ [المائدة: 22]و الثالث: المتمرد عن عبادة اللََّه، كقوله: وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبََّاراً [مريم: 32]، «و الرابع: القتال كقوله: بَطَشْتُمْ جَبََّارِينَ [الشعراء: 130]

514

و قوله: إِنْ تُرِيدُ إِلاََّ أَنْ تَكُونَ جَبََّاراً فِي اَلْأَرْضِ [القصص: 19].

أما قوله: اَلْمُتَكَبِّرُ ففيه وجوه أحدها: قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شي‏ء مثله و ثانيها: قال قتادة: المتعظم عن كل سوء و ثالثها: قال الزجاج: الذي تعظم عن ظلم العباد و رابعها: قال ابن الأنباري:

المتكبرة ذو الكبرياء، و الكبرياء عند العرب: الملك، و منه قوله تعالى: وَ تَكُونَ لَكُمَا اَلْكِبْرِيََاءُ فِي اَلْأَرْضِ [يونس: 78]، و اعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر، و ذلك نقص في حق الخلق، لأنه ليس له كبر و لا علو، بل ليس معه إلا الحقارة و الذلة و المسكنة، فإذا أظهر العلو كان كاذبا، فكان ذلك مذموما في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو و الكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله و علوه، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه و لهذا السبب لما ذكر هذا الإسم:

قال: سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يُشْرِكُونَ كأنه قيل: إن المخلوقين قد يتكبرون و يدعون مشاركة اللََّه في هذا الوصف لكنه سبحانه منزله عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو و العزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال، فسبحان اللََّه عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق.

ثم قال: هُوَ اَللََّهُ اَلْخََالِقُ و الخلق هو التقدير معناه أنه يقدر أفعاله على وجوه مخصوصة، فالخالقية راجعة إلى صفة الإرادة.

ثم قال: اَلْبََارِئُ و هو بمنزلة قولنا: صانع و موجد إلا أنه يفيد اختراع الأجسام، و لذلك يقال في الخلق: برية و لا يقال في الأعراض التي هي كاللون و الطعم.

و أما اَلْمُصَوِّرُ فمعناه أنه يخلق صور الخلق على ما يريد، و قدم ذكر الخالق على البارئ، /لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة و قدم البارئ على المصور، لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات.

ثم قال تعالى: لَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ و قد فسرناه في قوله: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الأعراف: 180].

أما قوله: يُسَبِّحُ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ فقد مر تفسيره في أول سورة الحديد و اللََّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب، و الحمد للََّه رب العالمين، و صلاته على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين، و سلم تسليما كثيرا.