التفسير الكبير - ج29

- الفخر الرازي‏ المزيد...
533 /
515

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة الممتحنة

و هي ثلاث عشرة آية مدنية

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان في بيان حال الرسول صلى اللََّه عليه و سلم مع الحاضرين في زمانه من اليهود و النصارى و غيرهم، فإن بعضهم أقدموا على الصلح و اعترفوا بصدقه، و من جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا: و اللََّه إنه النبي الذي وجدنا نعته و صفته في التوراة، و بعضهم أنكروا ذلك و أقدموا على القتال، إما على التصريح و إما على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر، و مع أهل الكفر في الباطن، و أما تعلق الأول بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة اللََّه تعالى من الوحدانية و غيرها، و أول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات.

المسألة الثانية: أما سبب النزول‏

فقد روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى أهل مكة أن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يتجهز للفتح و يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل ذلك الكتاب مع امرأة مولاة لبني هاشم، يقال لها سارة جاءت إلى النبي صلى اللََّه عليه و سلم من مكة إلى المدينة، فقال عليه السلام: أ مسلمة جئت؟قالت: لا، قال:

أ مهاجرة جئت؟قالت: لا، قال: فما جاء بك؟قالت: قد ذهب الموالي يوم بدر-أي قتلوا في ذلك اليوم- فاحتجت حاجة شديدة فحث عليها بني المطلب فكسوها و حملوها و زودوها، فأتاها حاطب و أعطاها عشرة دنانير و كساها بردا و استحملها ذلك الكتاب إلى أهل مكة، فخرجت سائرة، فأطلع اللََّه الرسول عليه السلام على ذلك، فبعث عليا و عمر و عمارا و طلحة و الزبير خلفها و هم فرسان، فأدركوها و سألوها عن ذلك فأنكرت و حلفت، فقال علي عليه السلام: و اللََّه ما كذبنا، و لا كذب رسول اللََّه، و سل سيفه، فأخرجته من عقاص شعرها، فجاءوا بالكتاب إلى رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فعرضه على حاطب فاعترف، و قال: إن لي بمكة أهلا و مالا فأردت‏

516

أن أتقرب منهم، و قد علمت أن اللََّه/تعالى ينزل بأسه عليهم، فصدقه و قبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول اللََّه أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى اللََّه عليه و سلم: ما يدريك يا عمر لعل اللََّه تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم:

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر، و قال: اللََّه و رسوله أعلم فنزلت،

و أما تفسير الآية فالخطاب في: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قد مر، و كذلك في الإيمان أنه في نفسه شي‏ء واحد و هو التصديق بالقلب أو أشياء كثيرة و هي الطاعات، كما ذهب إليه المعتزلة، و أما قوله تعالى: لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ فاتخذ يتعدى إلى مفعولين، و هما عدوي و أولياء، و العدو فعول من عدا، كعفو من عفا، و لكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، و العداوة ضد الصداقة، و هما لا يجتمعان في محل واحد، في زمان واحد، من جهة واحدة، لكنهما يرتفعان في مادة الإمكان، و عن الزجاج و الكرابيسي عَدُوِّي أي عدو ديني، و

قال عليه السلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»

و

قال عليه السلام لأبي ذر: «يا أبا ذر أي عرا الإيمان أوثق، فقال اللََّه و رسوله أعلم، فقال الموالاة في اللََّه و الحب في اللََّه و البغض في اللََّه»

و قوله تعالى: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله: تُلْقُونَ بما ذا يتعلق، نقول: فيه وجوه الأول: قال صاحب النظم: هو وصف النكرة التي هي أولياء، قاله الفراء و الثاني: قال في الكشاف: يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالا من ضميره، و أولياء صفة له الثالث: قال و يجوز أن يكون استئنافا، فلا يكون صلة لأولياء، و الباء في المودة كهي في قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحََادٍ بِظُلْمٍ [الحج: 25]و المعنى: تلقون إليهم أخبار النبي صلى اللََّه عليه و سلم و سره بالمودة التي بينكم و بينهم، و يدل عليه: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ .

المسألة الثانية: في الآية مباحث الأول: اتخاذ العدو وليا كيف يمكن، و قد كانت العداوة منافية للمحبة و المودة، و المحبة المودة من لوازم ذلك الاتخاذ، نقول: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر، و المحبة و المودة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ وَ أَوْلاََدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [التغابن: 14] و

النبي صلى اللََّه عليه و سلم قال: «أولادنا أكبادنا»

الثاني: لما قال: عَدُوِّي فلم لم يكتف به حتى قال: وَ عَدُوَّكُمْ لأن عدو اللََّه إنما هو عدو المؤمنين؟نقول: الأمر لازم من هذا التلازم، و إنما لا يلزم من كونه عدوا للمؤمنين أن يكون عدوا للََّه، كما قال: إِنَّ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ وَ أَوْلاََدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ، الثالث: لم قال: عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ و لم يقل بالعكس؟فنقول: العداوة بين المؤمن و الكافر بسبب محبة اللََّه تعالى و محبة رسوله، فتكون محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة اللََّه تعالى لعلة، و محبة حضرة اللََّه تعالى للعبد لا لعلة، لما أنه غني على الإطلاق، فلا حاجة به إلى الغير أصلا، و الذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة، و لأن الشي‏ء إذا كان له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى، الرابع: قال: أَوْلِيََاءَ و لم يقل: وليا، و العدو و الولي بلفظ، فنقول: كما أنا المعرف بحرف التعريف/يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة الخامس: منهم من قال: الباء زائدة، و قد مر أن الزيادة في القرآن لا تمكن، و الباء مشتملة على الفائدة، فلا تكون زائدة في الحقيقة.

قوله تعالى وَ قَدْ كَفَرُوا بِمََا جََاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ إلى قوله فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ ثم قال تعالى: وَ قَدْ كَفَرُوا بِمََا جََاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيََّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهََاداً فِي سَبِيلِي وَ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمََا أَخْفَيْتُمْ وَ مََا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ .

517

وَ قَدْ كَفَرُوا الواو للحال، أي و حالهم أنهم كفروا: بِمََا جََاءَكُمْ مِنَ الدين اَلْحَقِّ ، و قيل: من القرآن يُخْرِجُونَ اَلرَّسُولَ وَ إِيََّاكُمْ يعني من مكة إلى المدينة أَنْ تُؤْمِنُوا أي لأن تؤمنوا بِاللََّهِ رَبِّكُمْ و قوله:

إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم و هو: لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء، و قوله:

جِهََاداً فِي سَبِيلِي وَ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِي منصوبان لأنهما مفعولان لهما، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ عن مقاتل بالنصيحة، ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شي‏ء، فقال: وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمََا أَخْفَيْتُمْ من المودة للكفار وَ مََا أَعْلَنْتُمْ أي أظهرتم، و لا يبعد أن يكون هذا عاما في كل ما يخفى و يعلن، قال بعضهم: هو أعلم بسرائر العبد و خفاياه و ظاهره، و باطنه، من أفعاله و أحواله، و قوله: وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ يجوز أن تكون الكناية راجعة إلى الإسرار، و إلى الإلقاء، و إلى اتخاذ الكفار أولياء، لما أن هذه الأفعال مذكورة من قبل، و قوله تعالى: فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ فيه وجهان: الأول: عن ابن عباس: أنه عدل عن قصد الإيمان في اعتقاده، و عن مقاتل: قد أخطأ قصد الطريق عن الهدى، ثم في الآية مباحث:

الأول: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ متعلق بلا تتخذوا، يعني لا تتلوا أعدائي إن كنتم أوليائي، و تُسِرُّونَ استئناف، معناه: أي طائل لكم في إسراركم و قد علمتم أن الإخفاء و الإعلان سيان في علمي.

الثاني: لقائل أن يقول: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ الآية، قضية شرطية، و لو كان كذلك فلا يمكن وجود الشرط، و هو قوله: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ بدون ذلك النهي، و من المعلوم أنه يمكن، فنقول: هذا المجموع شرط لمقتضى ذلك النهي، لا للنهي بصريح اللفظ، و لا يمكن وجود المجموع بدون ذلك لأن ذلك موجود دائما، فالفائدة في ابتغاء مرضاتي ظاهرة، إذ الخروج قد يكون ابتغاء لمرضاة اللََّه و قد لا يكون.

الثالث: قال تعالى: بِمََا أَخْفَيْتُمْ وَ مََا أَعْلَنْتُمْ و لم يقل: بما أسررتم و ما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق و هو تُسِرُّونَ ، فنقول فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار، دل عليه قوله: يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ [طه: 7]أي أخفى من السر.

الرابع: قال: بِمََا أَخْفَيْتُمْ قدم العلم بالإخفاء على الإعلان، مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس.

فنقول هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه تعالى، إذ هما سيان في علمه كما مر، و لأن المقصود هو بيان ما هو الأخفى و هو الكفر، فيكون مقدما.

الخامس: قال تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ ما الفائدة في قوله: مِنْكُمْ و من المعلوم أن من فعل هذا الفعل فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ نقول: إذا كان المراد من مِنْكُمْ من المؤمنين فظاهر، لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن يكون مؤمنا.

ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال:

يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم و يتمكنوا منكم يَكُونُوا لَكُمْ في غاية العداوة، و هو قول ابن عباس، و قال‏

518

مقاتل: يظهروا عليكم يصادقوكم وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالضرب وَ أَلْسِنَتَهُمْ بالشتم وَ وَدُّوا أن ترجعوا إلى دينهم، و المعنى أن أعداء اللََّه لا يخلصون المودة لأولياء اللََّه لما بينهم من المباينة} لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحََامُكُمْ لما عوتب حاطب على ما فعل اعتذر بأن له أرحاما، و هي القرابات، و الأولاد فيما بينهم، و ليس له هناك من يمنع عشيرته، فأراد أن يتخذ عندهم يدا ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته، فقال: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحََامُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ الذين توالون الكفار من أجلهم، و تقربون إليهم مخافة عليهم، ثم قال: يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ و بين أقاربكم و أولادكم فيدخل أهل الإيمان الجنة، و أهل الكفر النار وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي بما عمل حاطب، ثم في الآية مباحث:

الأول: ما قاله صاحب الكشاف: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدََاءً كيف يورد جواب الشرط مضارعا مثله، ثم قال: وَ وَدُّوا بلفظ الماضي نقول: الماضي و إن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب فإن فيه نكتة، كأنه قيل: و ودوا قبل كل شي‏ء كفركم و ارتدادكم.

الثاني: يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ظرف لأي شي‏ء، قلنا لقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أو يكون ظرفا ليفصل و قرأ ابن كثير: يفصل بضم الياء و فتح الصاد، و يَفْصِلُ على البناء للفاعل و هو اللََّه، و (نفصل) و (نفصل) بالنون.

الثالث: قال تعالى: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و لم يقل: خبير، مع أنه أبلغ في العلم بالشي‏ء، و الجواب: أن الخبير أبلغ في العلم و البصير أظهر منه فيه، لما أنه يجعل عملهم كالمحسوس بحس البصر و اللََّه أعلم. ثم قال تعالى:

اعلم أن الأسوة ما يؤتسى به مثل القدوة لما يقتدى به، يقال: هو أسوتك، أي أنت مثله و هو مثلك، و جمع الأسوة أسى، فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به، قال المفسرون أخبر اللََّه تعالى أن إبراهيم و أصحابه تبرءوا من قومهم و عادوهم، و قالوا لهم: إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ، و أمر أصحاب رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أن يأنسوا بهم و بقولهم، قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهل في قوله تعالى: إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ و قوله تعالى: إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ و هو مشرك و قال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفرون للمشركين، و قال مجاهد و قتادة: ائتسوا بأمر إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه، و قيل: تبرءوا من كفار قومكم فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم و من معه من المؤمنين في البراءة من قومهم، لا في الاستغفار لأبيه، و قال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم و هجرهم في كل شي‏ء إلا في قوله لأبيه: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ، و قال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره، بل المعنى قد كانت لكم أسوة في كل شي‏ء فعله، إلا في قوله لأبيه:

لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ /و قوله تعالى: وَ مََا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له: ما أغني عنك شيئا، و لا أدفع عنك عذاب اللََّه إن أشركت به، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام، و قال ابن عباس:

519

كان من دعاء إبراهيم و أصحابه: رَبَّنََا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنََا الآية، أي في جميع أمورنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنََا رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك، و في الآية مباحث:

الأول: لقائل أن يقول: حَتََّى تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَحْدَهُ ما الفائدة في قوله: وَحْدَهُ و الإيمان به و بغيره من اللوازم، كما قال تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ [البقرة: 285]فنقول: الإيمان بالملائكة و الكتب و الرسل و اليوم الآخر، من لوازم الإيمان باللََّه وحده، إذ المراد من قوله: وَحْدَهُ هو وحده في الألوهية، و لا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره، لا يكون إيمانا باللََّه، إذا هو الإشراك في الحقيقة، و المشرك لا يكون مؤمنا.

الثاني: قوله تعالى: إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ استثناء من أي شي‏ء، هو، نقول: من قوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به، و يتخذوه سنة يستنون بها.

الثالث: إن كان قوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من القول الذي سبق و هو: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فما بال قوله: وَ مََا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ و هو غير حقيق بالاستثناء، ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً [الفتح: 11]نقول: أراد اللََّه تعالى استثناء جملة قوله لأبيه، و القصد إلى موعد الاستغفار له و ما بعده مبني عليه و تابع له، كأنه قال: أنا استغفر لك، و ما وسعي إلا الاستغفار.

الرابع: إذا قيل: بم اتصل قوله: رَبَّنََا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنََا نقول: بما قبل الاستثناء، و هو من جملة الأسوة الحسنة، و يجوز أن يكون المعنى هو الأمر بهذا القول تعليما للمؤمنين و تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم و بين الكفرة، و الائتساء بإبراهيم و قومه في البراءة منهم تنبيها على الإنابة إلى حضرة اللََّه تعالى، و الاستعاذة به.

الخامس: إذا قيل: ما الفائدة في هذا الترتيب؟ فنقول: فيه من الفوائد مالا يحيط به إلا هو، و الظاهر من تلك الجملة أن يقال: التوكل لأجل الإفادة، و إفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق: 2]و التقوى الإنابة، إذ التقوى الاحتراز عما لا ينبغي من الأمور، و الإشارة إلى أن المرجع و المصير للخلائق حضرته المقدسة ليس إلا، فكأنه ذكر الشي‏ء، و ذكر عقيبه ما يكون من اللوازم للإفادة ذلك كما ينبغي، و القراءة في بُرَآؤُا على أربعة أوجه: برآء كشركاء، و براء كظراف، و براء على إبدال الضم من الكسر كرخال، و براء على الوصف بالمصدر و البراء و البراءة، مثل الطماء و الطماءة. /ثم قال تعالى:

قوله: رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً من دعاء إبراهيم. قال ابن عباس: لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق، و قال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم و لا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك، و قيل: لا تبسط عليهم الرزق دوننا، فإن ذلك فتنة لهم، و قيل: قوله لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً ، أي عذابا أي سببا يعذب به الكفرة، و على هذا ليست الآية من قول إبراهيم. و قوله تعالى: وَ اِغْفِرْ لَنََا رَبَّنََا الآية، من جملة ما

520

مر، فكأنه قيل: لأصحاب محمد صلى اللّه عليه و سلم: رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا }ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدا للكلام، فقال: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي في إبراهيم و الذين معه، و هذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم و قومه، قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف اللََّه و يحبون من أحب اللََّه، و قوله تعالى: لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ بدل من قوله: لَكُمْ و بيان أن هذه الأسوة لمن يخاف اللََّه و يخاف عذاب الآخرة، وَ مَنْ يَتَوَلَّ أي يعرض عن الائتساء بهم و يميل إلى مودة الكفار فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ عن مخالفة أعدائه اَلْحَمِيدُ إلى أوليائه.

أما قوله: عَسَى اَللََّهُ فقال مقاتل: لما أمر اللََّه تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم و أبنائهم و جميع أقاربهم و البراءة منهم فأنزل اللََّه تعالى قوله: عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ عََادَيْتُمْ مِنْهُمْ أي من كفار مكة مَوَدَّةً و ذلك بميلهم إلى الإسلام و مخالطتهم مع أهل الإسلام و مناكحتهم إياهم. و قيل: تزوج رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أم حبيبة، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، و استرخت شكيمته في العداوة، و كانت أم حبيبة قد أسلمت، و هاجرت مع زوجها عبيد اللََّه بن جحش إلى الحبشة، فتنصر و راودها على النصرانية فأبت، و صبرت على دينها، و مات زوجها، فبعث رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم إلى النجاشي، فخطبها عليه، و ساق عنه إليها أربعمائة دينار، و بلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يفدغ أنفه، /و عَسَى وعد من اللََّه تعالى: وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ عََادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يريد نفراً من قريش آمنوا بعد فتح مكة، منهم أبو سفيان بن حرب، و أبو سفيان بن الحرث، و الحرث بن هشام، و سهيل بن عمرو، و حكيم بن حزام، و اللََّه تعالى قادر على تقليب القلوب، و تغيير الأحوال، و تسهيل أسباب المودة، وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بهم إذا تابوا و أسلموا، و رجعوا إلى حضرة اللََّه تعالى، قال بعضهم: لا تهجروا كل الهجر، فإن اللََّه مطلع على الخفيات و السرائر. و

يروى: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما.

و من المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى: رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً إذا كان تأويله: لا تسلط علينا أعداءنا مثلا، فلم ترك هذا، و أتى بذلك؟فنقول: إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا، فإذا أتى به فكأنه أتى بهذا و ذلك، و فيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك التأويلات.

الثاني: لقائل أن يقول: ما الفائدة في قوله تعالى: وَ اِغْفِرْ لَنََا رَبَّنََا و قد كان الكلام مرتباً إذا قيل: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم فنقول: إنهم طلبوا البراءة عن الفتنة، و البراءة عن الفتنة لا يمكن وجودها بدون المغفرة، إذ العاصي لو لم يكن مغفوراً كان مقهوراً بقهر العذاب، و ذلك فتنة، إذ الفتنة عبارة عن كونه مقهوراً، و اَلْحَمِيدُ قد يكون بمعنى الحامد، و بمعنى المحمود، فالمحمود أي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم، و الحامد أي يحمد الخلق، و يشكرهم حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال.

ثم إنه تعالى بعد ما ذكر من ترك انقطاع المؤمنين بالكلية عن الكفار رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار فقال:

521

اختلفوا في المراد من اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا/رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم على ترك القتال، و المظاهرة في العداوة، و هم خزاعة كانوا عاهدوا الرسول على أن لا يقاتلوه و لا يخرجوه، فأمر الرسول عليه السلام بالبر و الوفاء إلى مدة أجلهم، و هذا قول ابن عباس و المقاتلين و الكلبي، و قال مجاهد: الذين آمنوا بمكة و لم يهاجروا، و قيل: هم النساء و الصبيان، و

عن عبد اللََّه بن الزبير: أنها نزلت في أسماء بنت أبي بكر قدمت أمها فتيلة عليها و هي مشركة بهدايا، فلم تقبلها و لم تأذن لها بالدخول، فأمرها النبي صلى اللََّه عليه و سلم أن تدخلها و تقبل منها و تكرمها و تحسن إليها،

و عن ابن عباس: أنهم قوم من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرها، و عن الحسن: أن المسلمين استأمروا رسول اللََّه في أقربائهم من المشركين أن يصلوهم، فأنزل اللََّه تعالى هذه الآية، و قيل الآية في المشركين، و قال قتادة نسختها آية القتال: و قوله: أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل من اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ و كذلك أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بدل من اَلَّذِينَ قََاتَلُوكُمْ و المعنى: لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، و إنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، و هذا رحمة لهم لشدتهم في العداوة، و قال أهل التأويل: هذه الآية تدل على جواز البر بين المشركين و المسلمين، و إن كانت الموالاة منقطعة، و قوله تعالى: وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ قال ابن عباس يريد بالصلة و غيرها إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ يريد أهل البر و التواصل، و قال مقاتل: أن توفوا لهم بعهدهم و تعدلوا، }ثم ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم فقال: إِنَّمََا يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ قََاتَلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ. ..

أَنْ تَوَلَّوْهُمْ و فيه لطيفة: و هي أنه يؤكد قوله تعالى: لاََ يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ . ثم قال تعالى:

في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول، و هو أن المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة، إما أن يستمر عناده، أو يرجى منه أن يترك العناد، أو يترك العناد و يستسلم، و قد بين اللََّه تعالى في هذه الآيات أحوالهم، و أمر المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال.

أما قوله تعالى: قَدْ كََانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرََاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ [الممتحنة: 4]فهو إشارة إلى الحالة الأولى، ثم قوله: عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ عََادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: 7]إشارة إلى الحالة الثانية، ثم قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا جََاءَكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتُ إشارة إلى الحالة الثالثة، ثم فيه لطيفة و تنبيه و حث على مكارم الأخلاق، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن، و بالكلام إلا بالذي هو أليق.

و اعلم أنه تعالى سماهن مؤمنات لصدور ما يقتضي الإيمان و هو كلمة الشهادة، منهن، و لم يظهر منهن ما

522

هو المنافي له، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان و الامتحان و هو الابتلاء بالحلف، و الحلف لأجل غلبة الظن بإيمانهن، و

كان رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يقول للممتحنة: «باللََّه الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج، باللََّه ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض، باللََّه ما خرجت التماس دنيا، باللََّه ما خرجت إلا حبا للََّه و لرسوله»

و قوله: اَللََّهُ أَعْلَمُ بِإِيمََانِهِنَّ منكم و اللََّه يتولى السرائر: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ العلم الذي هو عبارة عن الظن الغالب بالحلف و غيره، فَلاََ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفََّارِ أي تردوهن إلى أزواجهن المشركين، و قوله تعالى: لاََ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لاََ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُمْ مََا أَنْفَقُوا أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور، و ذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة يرد إليهم، و من أتى مكة منكم لم يرد إليكم، و كتبوا بذلك العهد كتابا و ختموه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة و النبي صلى اللََّه عليه و سلم بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي، و قيل: صيفي بن الراهب، فقال: يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطا أن ترد علينا من أتاك منا، و هذه طية الكتاب لم تجف، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان للرجال دون النساء. و

عن الزهري أنه قال: إنها جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و هي عاتق، فجاء أهلها يطلبون من رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أن يرجعها إليهم، و كانت هربت من زوجها عمرو بن العاص و معها أخواها عمارة و الوليد، فرد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أخويها و حبسها فقالوا: أرددها علينا، فقال عليه السلام: «كان الشرط في الرجال دون النساء»

و عن الضحاك:

أن العهد كان إن يأتك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، و إن دخلت في دينك و لها زوج ردت على زوجها الذي أنفق عليها، و للنبي صلى اللََّه عليه و سلم من الشرط مثل ذلك، ثم نسخ هذا الحكم و هذا العهد، و استحلفها الرسول عليه السلام فحلفت و أعطى زوجها ما أنفق، ثم تزوجها عمر، و قوله تعالى: وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذََا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن إذا المهر أجر البضع وَ لاََ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوََافِرِ و العصمة ما يعتصم به من عهد/و غيره، و لا عصمة بينكم و بينهن و لا علقة النكاح كذلك، و عن ابن عباس أن اختلاف الدارين يقطع العصمة، و قيل: لا تقعدوا للكوافر، و قرئ: تُمْسِكُوا ، بالتخفيف و التشديد، و تُمْسِكُوا أي و لا تتمسكوا، و قوله تعالى: وَ سْئَلُوا مََا أَنْفَقْتُمْ و هو إذا لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها و لم يدفعوها إليكم فعليهم أن يغرموا صداقها كما يغرم لهم و هو قوله تعالى:

وَ لْيَسْئَلُوا مََا أَنْفَقُوا ذََلِكُمْ حُكْمُ اَللََّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي بين المسلمين و الكفار و في الآية مباحث:

الأول: قوله: فَامْتَحِنُوهُنَّ أمر بمعنى الوجوب أو بمعنى الندب أو بغير هذا و ذلك، قال الواحدي: هو بمعنى الاستحباب.

الثاني: ما الفائدة في قوله: اَللََّهُ أَعْلَمُ بِإِيمََانِهِنَّ و ذلك معلوم من غير شك؟نقول: فائدته بيان أن لا سبيل إلى ما تطمئن به النفس من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر به علام الغيوب.

الثالث: ما الفائدة في قوله: وَ لاََ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ و يمكن أن يكون في أحد الجانبين دون الآخر؟ نقول: هذا باعتبار الإيمان من جانبهن و من جانبهم إذ الإيمان من الجانبين شرط للحل و لأن الذكر من الجانبين مؤكد لارتفاع الحل، و فيه من الإفادة مالا يكون في غيره، فإن قيل: هب أنه كذلك لكن يكفي قوله: فَلاََ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفََّارِ لأنه لا يحل أحدهما للآخر فلا حاجة إلى الزيادة عليه و المقصود هذا لا غير، نقول:

التلفظ بهذا اللفظ لا يفيد ارتفاع الحل من الجانبين بخلاف التلفظ بذلك اللفظ و هذا ظاهر.

523

البحث الرابع: كيف سمى الظن علما في قوله: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ ؟ نقول: إنه من باب أن الظن الغالب و ما يفضي إليه الاجتهاد، و القياس جار مجرى العلم، و أن صاحبه غير داخل في قوله: وَ لاََ تَقْفُ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36]. ثم قال تعالى:

روى عن الزهري و مسروق أن من حكم اللََّه تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، و يسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأقر المسلمون بحكم اللََّه و أبي المشركون فنزلت: وَ إِنْ فََاتَكُمْ شَيْ‏ءٌ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ أي سبقكم و انفلت/منكم، قال الحسن و مقاتل:

نزلت في أم حكيم بنت أبي سفيان ارتدت و تركت زوجها عباس بن تميم القرشي، و لم ترتد امرأة من غير قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام، و قوله تعالى: فَعََاقَبْتُمْ أي فغنمتم، على قول ابن عباس و مسروق و مقاتل، و قال أبو عبيدة أصبتم منهم عقبى، و قال المبرد فَعََاقَبْتُمْ أي فعلتم ما فعل بكل يعني ظفرتم، و هو من قولك:

العقبى لفلان، أي العاقبة، و تأويل العاقبة الكرة الأخيرة، و معنى عاقبتم: غزوتم معاقبين غزوا بعد غزو، و قيل:

كانت العقبى لكم و الغلبة، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر، و هو قوله: فَآتُوا اَلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوََاجُهُمْ مِثْلَ مََا أَنْفَقُوا ، و قرئ: (فأعقبتم) و (فعقبتم) بالتشديد، و (فعقبتم) بالتخفيف بفتح/ القاف و كسرها.

روي أن النبي صلى اللََّه عليه و سلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء و هو على الصفا و عمر أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و يبلغهن عنه، و هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفا من رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أن يعرفها، فقال عليه الصلاة و السلام: «أبايعكن على أن لا تشركن باللََّه شيئا، فرفعت هند رأسها و قالت: و اللََّه لقد عبدنا الأصنام و إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأينا أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام و الجهاد فقط، فقال عليه الصلاة و السلام: و لا تسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح و إني أصبت من ماله هناة فما أدري أ تحل لي أم لا؟فقال: أبو سفيان ما أصبت من شي‏ء فيما مضى و فيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و عرفها، فقال لها: و إنك لهند بنت عتبة، قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي اللََّه عفا اللََّه عنك، فقال: و لا تزنين، فقالت: أتزن الحرة، و في رواية ما زنت منهن امرأة قط، فقال: و لا تقتلن أولادكن، فقالت: ربيناهم صغارا و قتلتهم كبارا، فأنتم و هم أعلم، و كان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي اللََّه عنه حتى استلقى، و تبسم رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فقال: و لا تأتين ببهتان تفترينه، و هو أن تقذف على زوجها ما ليس منه، فقالت هند: و اللََّه/إن البهتان لأمر قبيح و ما تأمرنا إلا بالرشد و مكارم الأخلاق، فقال: و لا

524

تعصينني في معروف، فقالت: و اللََّه ما جلسنا مجلسنا هذا و في أنفسنا أن نعصينك في شي‏ء»

و قوله: وَ لاََ يَسْرِقْنَ يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال و النقصان من العبادة، فإن يقال: أسرق من السارق من سرق من صلاته: وَ لاََ يَزْنِينَ يحتمل حقيقة الزنا و دواعيه أيضا على ما

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «اليدان تزنيان، و العينان تزنيان، و الرجلان و الفرج يصدق ذلك أو يكذبه»

و قوله: وَ لاََ يَقْتُلْنَ أَوْلاََدَهُنَّ أراد و أد البنات الذي كان يفعله أهل و الجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد و غيره، و قوله: وَ لاََ يَأْتِينَ بِبُهْتََانٍ نهى عن النميمة أي لا تنم إحداهن على صاحبها فيورث القطيعة، و يحتمل أن يكون نهيا عن إلحاق الولد بأزواجهن. قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه، قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن و أرجلهن و ذلك أن الولد إذا رضعته الأم سقط بين يديها و رجليها، و ليس المعنى نهيهن عن الزنا، لأن النهي عن الزنا قد تقدم، و قوله: وَ لاََ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي كل أمر وافق طاعة اللََّه، و قيل: في أمر بر و تقوى، و قيل في كل أمر فيه رشد، أي و لا يعصينك في جميع أمرك، و قال ابن المسيب و الكلبي و عبد الرحمن بن زيد: وَ لاََ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي مما تأمرهن به و تنهاهن عنه، كالنوح و تمزيق الثياب، و جز الشعر و نتفه، و شق الجيب، و خمش الوجه، و لا تحدث الرجال إلا إذا كان ذا رحم محرم، و لا تخلو برجل غير محرم، و لا تسافر إلا مع ذي رحم محرم، و منهم من خص هذا المعروف بالنوح، و

عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، و الطعن في الأنساب، و الاستقاء بالنجوم، و النياحة»

و

قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران و درع من جرب»

و

قال صلى اللََّه عليه و سلم: «ليس منا من ضرب الخدود و شق الجيوب و دعا بدعوى الجاهلية»

و قوله:

فَبََايِعْهُنَّ جواب إِذََا ، أي إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن، و اختلفوا في كيفية المبايعة، فقالوا: كان يبايعهن و بين يده و أيديهن ثوب، و قيل: كان يشترط عليهن البيعة و عمر يصافحهن، قاله الكلبي، و قيل:

بالكلام، و قيل: دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم غمس أيديهن فيه، و ما مست يد رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يد امرأة قط، و في الآية مباحث:

البحث الأول: قال تعالى: إِذََا جََاءَكَ اَلْمُؤْمِنََاتُ و لم يقل: فامتحنوهن، كما قال في المهاجرات و الجواب: من وجهين أحدهما: أن الامتحان حاصل بقوله تعالى: عَلى‏ََ أَنْ لاََ يُشْرِكْنَ إلى آخرة و ثانيهما: أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع لهن على الشرائع، فلا بد من الامتحان، و أما المؤمنات فهن في دار الإسلام و علمن الشرائع فلا حاجة إلى الامتحان.

الثاني: ما الفائدة في قوله تعالى: بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ و ما وجهه؟ نقول: من قال المرأة إذا التقطت ولدا، فإنما التقطت بيدها، و مشت إلى أخذه برجلها، فإذا أضافته إلى زواجها فقد أتت/ببهتان تفترينه بين يديها و رجليها، و قيل: يفترينه على أنفسهن، حيث يقلن: هذا ولدنا و ليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا، و قيل:

الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها و رجليها.

الثالث: ما وجه الترتيب في الأشياء المذكورة و تقديم البعض منها على البعض في الآية؟ نقول: قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، و قيل: قدم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم. ثم قال تعالى:

525

قال ابن عباس: يريد حاطب ابن أبي بلتعة يقول: لا تتولوا اليهود و المشركين، و ذلك لأن جمعا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم، فنهوا عن ذلك و يئسوا من الآخرة، يعني أن اليهود كذبت محمدا صلى اللََّه عليه و سلم، و هم يعرفون أنه رسول اللََّه و أنهم أفسدوا آخرتهم بتكذيبهم إياه فهم يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، و التقييد بهذا القيد ظاهر، لأنهم إذا ماتوا على كفرهم كان العلم بخذلانهم و عدم حظهم في الآخرة قطعيا، و هذا هو قول الكلبي و جماعة، يعني الكفار الذين ماتوا يئسوا من الجنة، و من أن يكون لهم في الآخرة خير، و قال الحسن: يعني الأحياء من الكفار يئسوا من الأموات، و قال أبو إسحاق:

يئس اليهود الذين عاندوا النبي صلى اللََّه عليه و سلم كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم.

و الحمد للََّه رب العالمين و صلى اللََّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

526

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة الصف‏

أربع عشرة آية مكية

وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهادا في سبيل اللََّه و ابتغاء مرضاته بقوله:

إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهََاداً فِي سَبِيلِي وَ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِي [الممتحنة: 1]و في هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان و يحثهم على الجهاد بقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيََانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4]و أما الأول بالآخر، فكأنه قال: إن كان الكفرة بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة، فقد كانت الملائكة و غيرهم من الإنس و الجن يسبحون لحضرتنا، كما قال: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ أي شهد له بالربوبية و الوحدانية و غيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السموات و الأرض و اَلْعَزِيزُ من عز إذا غلب، و هو الذي يغلب على غيره أي شي‏ء كان ذلك الغير، و لا يمكن أن يغلب عليه غيره و اَلْحَكِيمُ من حكم على الشي‏ء إذا قضى عليه، و هو الذي يحكم على غيره، أي شي‏ء كان ذلك الغير، و لا يمكن أن يحكم عليه غيره، فقوله: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ يدل على الربوبية و الوحدانية إذن، ثم إنه تعالى قال في البعض من السور: سَبَّحَ لِلََّهِ [الحديد: 1، الحشر: 1]، و في البعض:

يُسَبِّحُ* [الجمعة: 1، التغاب: 1]، و في البعض: سَبِّحِ [الأعلى: 1]بصيغة الأمر، ليعلم أن تسبيح حضرة اللََّه تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، و المستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، و الأمر يدل عليه في الحال، }و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ منهم من قال: هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين، و هم الذين أحبوا أن يعلموا بأحب الأعمال إلى اللََّه، فأنزل اللََّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ تِجََارَةٍ [الصف: 10]الآية و إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَ [الصف: 4]فأحبوا الحياة و تولوا يوم أحد فأنزل اللََّه تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ و قيل في حق من يقول: قالت و لم يقاتل، و طعنت و لم يطعن، و فعلت و لم يفعل، و قيل: /إنها في حق أهل النفاق في القتال، لأنهم تمنوا القتال، فلما أمر اللََّه تعالى به قالوا: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتََالَ [النساء: 77]و قيل: إنها في حق كل مؤمن، لأنهم قد اعتقدوا و الوفاء بما وعدهم اللََّه به من الطاعة و الاستسلام و الخضوع و الخشوع فإذا لم‏

527

يوجد الوفاء بما وعدهم خيف عليهم في كل زلة أن يدخلوا في هذه الآية ثم في هذه الجملة مباحث:

الأول: قال تعالى: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ* [الحديد: 1، الحشر: 1]في أول هذه السورة، ثم قال تعالى في أول سورة أخرى، و هذا هو التكرار، و التكرار عيب، فكيف هو؟فنقول: يمكن أن يقال: كرره ليعلم أنه في نفس الأمر غير مكرر لأن ما وجد منه التسبيح عند وجود العالم بإيجاد اللََّه تعالى فهو غير ما وجد منه التسبيح بعد وجود العالم، و كذا عند وجود آدم و بعد وجوده.

الثاني: قال: سَبَّحَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و لم يقل: سبح للََّه السموات و الأرض و ما فيهما، مع أن في هذا من المبالغة ما ليس في ذلك؟فنقول: إنما يكون كذلك إذا كان المراد من التسبيح، التسبيح بلسان الحال مطلقا، أما إذا كان المراد هو التسبيح المخصوص فالبعض يوصف كذا، فلا يكون كما ذكرتم.

الثالث: قال صاحب الكشاف: لِمَ هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم و فيم و عم و مم، و إنما حذفت الألف لأن (ما) و الحرف كشي‏ء واحد، و قد وقع استعمالها في كلام المستفهم، و لو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعا، في قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ و الاستفهام من اللََّه تعالى محال و هو عالم بجميع الأشياء، فنقول: هذا إذا كان المراد من الاستفهام طلب الفهم، أما إذا كان المراد إلزام من أعرض عن الوفاء ما وعد أو أنكر الحق و أصر على الباطل فلا. ثم قال تعالى:

و المقت هو البغض، و من استوجب مقت اللََّه لزمه العذاب، قال صاحب الكشاف: المقت أشد البغض و أبلغه و أفحشه، و قال الزجاج: أَنْ في موضع رفع و: مَقْتاً منصوب على التمييز، و المعنى: كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند اللََّه، و هذا كقوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً [الكهف: 5].

قرأ زيد بن علي: يُقََاتِلُونَ بفتح التاء، و قرئ (يقتلون) أن يصفون صفا، و المعنى يصفون أنفسهم عند القتال كأنهم بنيان مرصوص، قال الفراء: مرصوص بالرصاص، يقال: رصصت البناء إذا/لا يمت بينه و قاربت حتى يصير كقطعة واحدة، و قال الليث: يقال: رصصت البناء إذا ضممته، و الرص انضمام الأشياء بعضها إلى بعض، و قال ابن عباس: يوضع الحجر على الحجر ثم يرص بأحجار صغار ثم يوضع اللبن عليه فتسميه أهل مكة المرصوص، و قال أبو إسحاق: أعلم اللََّه تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد و يلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص، و قال: و يجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة، و موالاة بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص، و قيل: ضرب هذا المثل للثبات: يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر، و قيل: فيه دلالة على فضل القتال راجلا، لأن العرب يصطفون على هذه الصفة، ثم المحبة في الظاهر على وجهين أحدهما: الرضا عن الخلق و ثانيها: الثناء عليهم بما يفعلون، ثم ما وجه تعلق الآية بما قبلها و هو قوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ نقول تلك الآية مذمة المخالفين في القتال

528

و هم الذين وعدوا بالقتال و لم يقاتلوا، و هذه الآية محمدة الموافقين في القتال و هم الذين قاتلوا في سبيل اللََّه و بالغوا فيه. ثم قال تعالى:

معناه اذكر لقومك هذه القصة، و إِذْ منصوب بإضمار اذكر أي حين قال لهم: تُؤْذُونَنِي و كانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولا و فعلا، فقالوا: أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً [النساء: 153]، لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ََ طَعََامٍ وََاحِدٍ [البقرة: 61]و قيل: قد رموه بالأدرة، و قوله تعالى: وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اَللََّهِ في موضع الحال، أي تؤذونني عالمين علما قطعيا أني رسول اللََّه و قضية علمكم بذلك موجبة للتعظيم و التوقير، و قوله: فَلَمََّا زََاغُوا أي مالوا إلى غير الحق أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ أي أمالها عن الحق، و هو قول ابن عباس و قال مقاتل: زََاغُوا أي عدلوا عن الحق بأبدانهم أَزََاغَ اَللََّهُ أي أمال اللََّه قلوبهم عن الحق و أضلهم جزاء ما عملوا، و يدل عليه قوله تعالى: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ قال أبو إسحاق معناه: و اللََّه لا يهدي من سبق في عمله أنه فاسق، و في هذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى اللََّه عليه و سلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر و زيغ القلوب عن الهدى وَ قَدْ معناه التوكيد كأنه قال: و تعلمون علما يقينيا لا شبهة لكم فيه. ثم قال تعالى:

قوله: إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ أي اذكروا أني رسول اللََّه أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به في التوراة و مصداقا بالتوراة و بكتب اللََّه و بأنبيائه جميعا ممن تقدم و تأخر وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يصدق بالتوراة على مثل تصديقي، فكأنه قيل له: ما اسمه؟فقال: اسمه احمد قلوله: يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ جملتان في موضع الجر لأنهما صفتان للنكرة التي هي رسول، و في بَعْدِي اِسْمُهُ قراءتان تحريك الياء بالفتح على الأصل، و هو الاختيار عند الخليل و سيبويه في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء ساكنين و إسكانها، كما في قوله تعالى:

وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ [نوح: 28]فمن أسكن في قوله: مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين، و هما الياء و السين من اسمه، قاله المبرد و أبو علي، و قوله تعالى: أَحْمَدُ يحتمل معنيين أحدهما:

المبالغة في الفاعل، يعني أنه أكثر حمدا للََّه من غيره و ثانيهما: المبالغة من المفعول، يعني أنه يحمد بما فيه من الإخلاص و الأخلاق الحسنة أكثر ما يحمد غيره.

و لنذكر الآن بعض ما جاء به عيسى عليه السلام، بمقدم سيدنا محمد عليه السلام في الإنجيل في عدة مواضع أولها: في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: «و أنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم، و يعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد، و الفارقليط هو روح الحق اليقين» هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي، و ذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ: «و أما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي،

529

و يعلمكم و يمنحكم جميع الأشياء، و هو يذكركم ما قلت لكم» ثم ذكر بعد ذلك بقليل: «و إني قد خبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون» ، و ثانيها: ذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا: «و لكن أقول لكم الآن حقا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، و إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، و يدينهم و يمنحهم و يوقفهم على الخطيئة و البر و الدين» و ثالثها: ذكر بعد ذلك بقليل هكذا: «فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم، و لكن لا تقدرون على قبوله و الاحتفاظ به، و لكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم و يؤيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه» هذا ما في الإنجيل، فإن قيل: المراد بفارقليط إذا/جاء يرشدهم إلى الحق و يعلمهم الشريعة، و هو عيسى يجي‏ء بعد الصلب؟ نقول: ذكر الحواريون في آخر الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئا من الشريعة، و ما علمهم شيئا من الأحكام، و ما لبث عندهم إلا لحظة، و ما تكلم إلا قليلا، مثل أنه قال: «أنا المسيح فلا تظنوني ميتا، بل أنا ناج عند اللََّه ناظر إليكم، و إني ما أوحي بعد ذلك إليكم» فهذا تمام الكلام، و قوله تعالى: فَلَمََّا جََاءَهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ قيل: هو عيسى، و قيل: هو محمد، و يدل على أن الذي جاءهم بالبينات جاءهم بالمعجزات و البينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء به من عند اللََّه، و قوله تعالى: هََذََا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ساحر مبين. }و قوله:

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ أي من أقبح ظلما ممن بلغ افتراؤه المبلغ الذي يفتري على اللََّه الكذب و أنهم قد علموا أن ما نالوه من نعمة و كرامة فإنما نالوه من اللََّه تعالى، ثم كفروا به و كذبوا على اللََّه و على رسوله: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ أي لا يوافقهم اللََّه للطاعة عقوبة لهم.

و في الآية بحث: و هو أن يقال: بم انتصب مُصَدِّقاً و مُبَشِّراً أ بما في الرسول من معنى الإرسال أم إِلَيْكُمْ ؟نقول: بل بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول. ثم قال تعالى:

لِيُطْفِؤُا أي أن يطفئوا و كأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدا له لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في لا أبا لك، تأكيدا لمعنى الإضافة في أياك، و إطفاء نور اللََّه تعالى بأفواههم، تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هََذََا سِحْرٌ [الصف: 6]مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، كذا ذكره في الكشاف، و قوله: وَ اَللََّهُ مُتِمُّ نُورِهِ قرئ بكسر الراء على الإضافة، و الأصل هو التنوين، قال ابن عباس: يظهر دينه، و قال صاحب الكشاف: متم الحق و مبلغه غايته، و قيل: دين اللََّه، و كتاب اللََّه، و رسول اللََّه، و كل واحد من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار و ثانيها: أن نور اللََّه ساطع أبدا و طالع من مطلع لا يمكن زواله أصلا و هو الحضرة القدسية، و كل واحد من الثلاثة كذلك و ثالثها: أن النور نحو العلم، و الظلمة نحو الجهل، أو النور الإيمان يخرجهم من/الظلمات إلى النور، أو الإسلام هو النور، أو يقال: الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم المحمود و ذلك هو النور، و الكتاب هو المبين قال تعالى: تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ* [الشعراء: 2]فالإبانة و الكتاب هو النور، أو يقال: الكتاب حجة لكونه معجزا، و الحجة هو النور، فالكتاب كذلك، أو يقال في الرسول: إنه النور، و إلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين، إذ الرحمة بإظهار ما يكون من الأسرار و ذلك بالنور، أو

530

نقول: إنه هو النور، لأنه بواسطته اهتدى، الخلق، أو هو النور لكونه مبينا للناس ما نزل إليهم، و المبين هو النور، ثم الفوائد في كونه نورا وجوه منها: أنه يدل على علو شأنه و عظمة برهانه، و ذلك لوجهين أحدهما:

الوصف بالنور و ثانيهما: الإضافة إلى الحضرة، و منها: أنه إذا كان نورا من أنوار اللََّه تعالى كان مشرقا في جميع أقطار العالم، لأنه لا يكون مخصوصا ببعض الجوانب، فكان رسولا إلى جميع الخلائق، لما

روي عنه صلى اللََّه عليه و سلم: «بعثت إلى الأحمر و الأسود»

فلا يوجد شخص من الجن و الإنس إلا و يكون من أمته إن كان مؤمنا فهو من أمة المتابعة، و إن كان كافرا فهو من أمة الدعوة.

و قوله تعالى: وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ أي اليهود و النصارى و غيرهم من المشركين، }و قوله: بِالْهُدى‏ََ لمن أتبعه وَ دِينِ اَلْحَقِّ قيل: الحق هو اللََّه تعالى، أي دين اللََّه: و قيل: نعت للدين، أي و الدين هو الحق، و قيل: الذي يحق أن يتبعه كل أحد و لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ يريد الإسلام، و قيل: ليظهره، أي الرسول صلى اللََّه عليه و سلم بالغلبة و ذلك بالحجة، و هاهنا مباحث:

الأول: وَ اَللََّهُ مُتِمُّ نُورِهِ و التمام لا يكون إلا عند النقصان، فكيف نقصان هذا النور؟ فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر، و هو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار و هو الإتمام، يؤيده قوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3]و عن أبي هريرة: أن ذلك عند نزول عيسى من السماء، قال مجاهد.

الثاني: قال هاهنا: مُتِمُّ نُورِهِ و قال في موضع آخر: مَثَلُ نُورِهِ [النور: 35]و هذا عين ذلك أو غيره؟ نقول: هو غيره، لأن نور اللََّه في ذلك الموضع هو اللََّه تعالى عند أهل التحقيق، و هنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول.

الثالث: قال في الآية المتقدمة: وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ و قال في المتأخرة: وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ فما الحكمة فيه؟ فنقول: إنهم أنكروا الرسول، و ما أنزل إليه و هو الكتاب، و ذلك من نعم اللََّه، و الكافرون كلهم في كفران النعم، فلهذا قال: وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ و لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، و المراد من الكافرين هاهنا اليهود و النصارى و المشركون، و هنا ذكر النور و إطفاءه، و اللائق به الكفر لأنه الستر و التغطية، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال، و في الآية الثانية ذكر الرسول و الإرسال و دين الحق، و ذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام، و هي اعتراض على اللََّه تعالى كما قال:

ألا قل لمن ظل لي حاسدا # أ تدري على من أسأت الأدب

أسأت على اللََّه في فعله # كأنه لم تعرض لي ما وهب‏

و الاعتراض قريب من الشرك، و لأن الحاسدين للرسول عليه السلام، كان أكثرهم من قريش و هم المشركون، و لما كان النور أعم من الدين و الرسول، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام و الإرسال، و الرسول و الدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين. ثم قال تعالى:

531

اعلم أن قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ في معنى الأمر عند الفراء، يقال: هل أنت ساكت أي اسكت و بيانه:

أن هل، بمعنى الاستفهام، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا و حثا، و الحث كالإغراء، و الإغراء أمر، و قوله تعالى:

عَلى‏ََ تِجََارَةٍ هي التجارة بين أهل الإيمان و حضرة اللََّه تعالى، كما قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ [التوبة: 111]دل عليه تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ و التجارة عبارة عن معاوضة الشي‏ء بالشي‏ء، و كما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر، و رحمة الصير على ما هو من لوازمه، فكذلك هذه التجارة و هي التصديق بالجنان و الإقرار باللسان، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال: بلفظ التجارة، و كما أن التجارة في الربح و الخسران، فكذلك في هذا، فإن من آمن و عمل صالحا فله الأجر، و الربح الوافر، و اليسار المبين، و من أعرض عن العمل الصالح فله التحسر و الخسران المبين، و قوله تعالى: تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ قرئ مخففا و مثقلا، }و تُؤْمِنُونَ استئناف، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ و هو خبر في معنى الأمر، و لهذا أجيب بقوله: يَغْفِرْ لَكُمْ و قوله تعالى: وَ تُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ و الجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة، جهاد فيما بينه و بين نفسه، و هو قهر النفس، و منعها عن اللذات و الشهوات، و جهاد فيما بينه و بين الخلق، و هو أن يدع الطمع منهم، و يشفق عليهم و يرحمهم و جهاد فيما بينه بين الدنيا و هو أن يتخذها زادا لمعاده فتكون على خمسة أوجه، و قوله تعالى: ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني الذي أمرتم به من الإيمان باللََّه تعالى و الجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ /أي أن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم، و في الآية مباحث:

الأول: لم قال: تُؤْمِنُونَ بلفظ الخبر؟ نقول: للإيذان بوجوب الامتثال، عن ابن عباس قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى اللََّه تعالى لعملنا، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء اللََّه يقولون: يا ليتنا نعلم ما هي؟فدلهم اللََّه عليها بقوله: تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ .

الثاني: ما معنى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ نقول: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خير لكم كان خيرا لكم، و هذه الوجوه للكشاف، و أما الغير فقال: الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره، و الخوف من اللوازم كقوله تعالى: وَ خََافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175]و منها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا فنقول: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين، و هم الذين آمنوا في الظاهر، و يمكن أن يكون أهل الكتاب و هم اليهود و النصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا باللََّه و بمحمد رسول اللََّه، و يمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله: فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً [التوبة: 124]، لِيَزْدََادُوا إِيمََاناً [الفتح: 4]و هو الأمر بالثبات كقوله: يُثَبِّتُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: 27]و هو الأمر بالتجدد كقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ [النساء: 136] و

في قوله: صلى اللََّه عليه و آله و سلم «من جدد و قد وضوءه فكأنما جدد إيمانه» ،

و منها: أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن اللََّه و رسوله، و لم يجاهد في سبيل اللََّه، و قد علق بالمجموع، و منها أن هذا المجموع و هو الإيمان باللََّه و رسوله و الجهاد بالنفس و المال في سبيل اللََّه خبر في نفس الأمر. ثم قال تعالى:

532

اعلم أن قوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جواب قوله: تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ [الصف: 11]لما أنه في معنى الأمر، كما مر فكأنه قال: آمنوا باللََّه و جاهدوا في سبيل اللََّه يغفر لكم، و قيل جوابه: ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [الصف: 11]و جزم: يَغْفِرْ لَكُمْ لما أنه ترجمة: ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ و محله جزم، كقوله تعالى: لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ، فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ [المنافقون: 10]لأن محل‏ فَأَصَّدَّقَ جزم على قوله: لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي و قيل: جزم يَغْفِرْ لَكُمْ بهل، لأنه في معنى الأمر، و قوله تعالى: وَ يُدْخِلْكُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي/مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ إلى آخر الآية، من جملة ما قدم بيانه في التوراة، و لا يبعد أن يقال: إن اللََّه تعالى رغبهم في هذه الآية إلى مفارقة مساكنهم و إنفاق أموالهم و الجهاد، و هو قوله: يَغْفِرْ لَكُمْ و قوله تعالى: ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ يعني ذلك الجزاء الدائم هو الفوز العظيم، و قد مر، }و قوله تعالى: وَ أُخْرى‏ََ تُحِبُّونَهََا أي تجارة أخرى في العاجل مع ثواب الآجل، قال الفراء: و خصلة أخرى تحبونها في الدنيا مع ثواب الآخرة، و قوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اَللََّهِ هو مفسر للأخرى، لأنه يحسن أن يكون: نَصْرٌ مِنَ اَللََّهِ مفسرا للتجارة إذ النصر لا يكون تجارة لنا بل هو ريح للتجارة، و قوله تعالى: وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ أي عاجل و هو فتح مكة، و قال الحسن: هو فتح فارس و الروم، و في تُحِبُّونَهََا شي‏ء من التوبيخ على محبة العاجل، ثم في الآية مباحث:

الأول: قوله تعالى: وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عطف على تُؤْمِنُونَ [الصف: 11]لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا و جاهدوا يثبكم اللََّه و ينصركم، و بشر يا رسول اللََّه المؤمنين بذلك. و يقال أيضا: بم نصب من قرأ:

نصرا من اللََّه و فتحا قريبا [الصف: 11]، فيقال: على الاختصاص، أو على تنصرون نصرا، و يفتح لكم فتحا، أو على يغفر لكم، و يدخلكم و يؤتكم خيرا، و يرى نصرا و فتحا، هكذا ذكر في «الكشاف» .

ثم قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصََارَ اَللََّهِ كَمََا قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوََارِيِّينَ مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ .

قوله: كُونُوا أَنْصََارَ اَللََّهِ أمر بإدامة النصرة و الثبات عليه، أي. و دوموا على ما أنتم عليه من النصرة، و يدل عليه قراءة ابن مسعود: كونوا أنتم أنصار اللََّه فأخير عنهم بذلك، أي أنصار دين اللََّه و قوله: كَمََا قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوََارِيِّينَ أي انصروا دين اللََّه مثل نصرة الحواريين لما قال لهم: مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ قال مقاتل، يعني من يمنعني من اللََّه، و قال عطاء: من ينصر دين اللََّه، و منهم من قال: أمر اللََّه المؤمنين أن ينصروا محمدا صلى اللََّه عليه و سلم كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام، و فيه إشارة إلى أن النصر بالجهاد لا يكون مخصوصا بهذه الأمة، و الحواريون أصفياؤه، و أول من آمن به، و كانوا اثني عشر رجلا، و حواري الرجل صفيه و خلصاؤه من الحور، و هو البياض الخالص، و قيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها، و أما الأنصار فعن قتادة:

أن الأنصار كلهم من قريش: أبو بكر، و عمر، و عثمان: و علي، و حمزة، و جعفر، و أبو عبيدة بن الجراح،

533

و عثمان بن مظعون، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و عثمان بن عوف، و طلحة بن عبيد اللََّه، و الزبير بن العوام، ثم في الآية مباحث:

البحث الأول: التشبيه محمول على المعنى و المراد كونوا كما كان الحواريون.

الثاني: ما معنى قوله: مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ ؟ نقول: يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين و الذي يطابقه أن يكون المعنى: من عسكري متوجها إلى نصرة اللََّه، و إضافة أَنْصََارِي خلاف إضافة أَنْصََارَ اَللََّهِ لما أن المعنى في الأول: الذين ينصرون اللََّه، و في الثاني: الذين يختصون بي و يكونون معي في نصرة اللََّه.

الثالث: أصحاب عيسى قالوا: نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ و أصحاب محمد لم يقولوا هكذا، نقول: خطاب عيسى عليه السلام بطريق السؤال فالجواب لازم، و خطاب محمد صلى اللََّه عليه و سلم بطريق الإلزام، فالجواب غير لازم، بل اللازم هو امتثال هذا الأمر، و هو قوله تعالى: كُونُوا أَنْصََارَ اَللََّهِ .

ثم قال تعالى: فَآمَنَتْ طََائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ كَفَرَتْ طََائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ََ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظََاهِرِينَ .

قال ابن عباس يعني الذين آمنوا في زمن عيسى عليه السلام، و الذين كفروا كذلك، و ذلك لأن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق، فرقة قالوا: كان اللََّه فارتفع، و فرقة قالوا: كان ابن اللََّه فرفعه إليه، و فرقة قالوا: كان عبد اللََّه و رسوله فرفعه إليه، و هم المسلمون، و اتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، و اجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم و طردوهم في الأرض، فكانت الحالة هذه حتى بعث اللََّه محمدا صلى اللََّه عليه و سلم، فظهرت المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ََ عَدُوِّهِمْ ، و قال مجاهد:

فَأَصْبَحُوا ظََاهِرِينَ يعني من اتبع عيسى، و هو قول المقاتلين، و على هذا القول معنى الآية: أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفروا به فأصبحوا غالبين على أهل الأديان، و قال إبراهيم: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى اللََّه عليه و سلم و أن عيسى كلمة اللََّه و روحه، قال الكلبي: ظاهرين بالحجة، و الظهور بالحجة هو قول زيد بن علي رضي اللََّه عنه، و اللََّه أعلم بالصواب و الحمد للََّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

انتهى الجزء التاسع و العشرون و يليه الجزء الثلاثون، و أوله تفسير سورة الجمعة.