أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
639

و إن كان هو العقل، فإن لم يعلم منه أنّ الفوريّة مقصودة الشارع فلا يفيد، و إن علم منه ذلك فيثبت منه أيضا الوضع الشرعي؛ لأنّه أيضا من القرائن المنصوبة، مع أنّه يبعد من الشارع أن يريد من عامّة المكلّفين شيئا و لا ينصب لهم قرينة على مطلوبه، بل يكل استنباطه إلى عقولهم الناقصة حتّى يختلفوا فيه هذا الاختلاف.

و احتجّ المرتضى على الجزء الأوّل، كما احتجّ به القائل بالاشتراك مطلقا. و على الجزء الثاني بحمل الصحابة و التابعين كلّ ما ورد في الكتاب أو السنّة على الفور (1).

و الجواب: المنع؛ لتفرّده بنقل الحمل، بل المسلّم وجوده فيما وجد فيه قرائن الفور.

اعلم أنّ السيّد لم يصرّح بالجزء الثاني في بحث الفور و التراخي من الذريعة، بل اقتصر فيه على كون الأمر مشتركا بينهما (2)، و صرّح به في بحث تحقيق الموضوع له، هل هو الوجوب أو غيره؟ و نقل فيه إجماع الإماميّة على كونه للوجوب و الفور شرعا، محتجّا بما ذكر (3). و قد ذكرنا الإجماع المنقول منه على كون الأمر للوجوب في تضاعيف أدلّته.

و على هذا، فربّما يعترض بأنّ ردّ إجماعه المنقول هنا، و قبوله هناك لا يجتمعان؛ لاتّحاد طريق نقله فيهما، كما في الخبر المشتمل على جزءين: أحدهما: مردود؛ فإنّه لا ينتهض حجّة لإثبات الجزء الآخر.

و دفعه أنّ ردّ أحد جزءي المنقول- إجماعا كان أو خبرا- لمعارض لا يقتضي ردّ الآخر بعد ثبوت حجّيّته. و لو سلّم و ردّ مطلقا، فلا يقدح في كون الأمر للوجوب؛ لكفاية سائر الأدلّة لإثباته.

و حجّة المتوقّف و جوابها كما تقدّم‏ (4).

إذا عرفت ذلك فكيفيّة التفريع أنّه إذا قيل لرجل: «بع هذه السلعة»، فقبضها و أخّر بيعها مع القدرة عليه فتلفت، فعلى ما اخترناه لا يضمن، و على الفور يضمن؛ لتقصيره.

و قد علم وجوب الفور في بعض الأوامر للدلالة الخارجيّة، كالأمر بدفع الزكاة و الخمس‏

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 53 و 54 و 132.

(2). المصدر: 131.

(3). المصدر: 53.

(4). تقدّم في ص 631.

640

عند المطالبة (1) لأنّ تأخيرهما يوجب الإضرار بأهلهما و جواز تأخير الزكاة شهرا و شهرين، و الخمس إلى تمام حوله للنصّ‏ (2) و الاحتياط للمئونة.

و أداء الدين و الأمانة مع المطالبة أو كونهما لمن لا يعلم بهما، فيجب المبادرة إلى الوفاء؛ أو إعلام مستحقّهما بالحال؛ لأنّ تأخيرهما يوجب تضييع مال الغير، و الإضرار به.

و إيقاع الحجّ؛ للنصوص‏ (3).

و الجهاد و قتال البغاة؛ لئلّا يكثر الفساد.

و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ لأنّ تأخيرهما كالتقرير على المعصية.

و ردّ السلام؛ لفاء التعقيب في قوله تعالى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها (4).

و الكفّارات عند جماعة (5)؛ لأنّها كالتوبة الواجبة على الفور من العاصي.

و إقامة الحدود و التعزيرات؛ للأخبار (6)، و لأنّ تأخيرها يوجب تقليل الزجر عن المفاسد المترتّبة عليها (7).

و الحكم بين الخصمين؛ لأنّ المتعدّي منهما ظالم، فيجب المبادرة إلى كفّه عن ظلمه.

فصل [8] [: في أنّ الأمر بالموقّت لا يقتضي فعله في ما بعد ذلك الوقت‏]

الأمر بالموقّت- موسّعا كان أو مضيّقا- لا يقتضي فعله فيما بعد ذلك الوقت، لا أداء و لا قضاء؛ وفاقا للأكثر؛ لبداهة عدم دلالة «صم يوم الخميس» على صوم غيره بوجه.

و احتمال اختصاص جهة الحكمة به؛ لاختلاف الأوقات في وجوه المصالح، كالكيفيّات.

و لأنّ الأمر قد يكون مستتبعا للقضاء، كالأمر بالفرائض الخمس، و قد يكون غير مستتبع له، كالأمر بصلاة العيد و الجمعة، فمطلق الموقّت أعمّ منهما، فلا يدلّ على أحدهما

____________

(1 و 2). راجع تهذيب الأحكام 4: 43- 48، باب تعجيل الزكاة.

(3). آل عمران (3): 97.

(4). النساء (4): 86.

(5). راجع تمهيد القواعد: 134، القاعدة 39.

(6). راجع: الفقيه 4: 32، ح 5021، و تهذيب الأحكام 10: 51، ح 190.

(7). لمزيد الاطّلاع راجع تمهيد القواعد: 133- 135، القاعدة 39.

641

بخصوصه؛ لعدم دلالة العامّ على الخاصّ.

و لأنّه لو اقتضاه، لكان المثال المذكور بمثابة «صوم يوم الخميس أو غيره»، و هو متخيّر (1) بينهما، فيكون الصوم في غيره أداء لا قضاء للأوّل، فيلزم أن يكون التقييد لغوا.

و أيضا يلزم أن يكونا سواء، فلا عصيان بالتأخير.

لا يقال: لو اقتضاه أمر جديد، لكان أيضا أداء؛ لأنّه أمر بالفعل بعد هذا الوقت، فوقته بعده، فإذا أتى به بعده، وقع في وقته لا بعده، و هو الأداء.

لأنّا نقول: يشترط في الأداء أن لا يكون استدراكا لفائت؛ إذ هو ما فعل في وقته المقدّر له أوّلا، و هذا استدراك لمصلحة ما فات، فيكون قضاء.

و ما قيل: «إنّه للخصم أن يقول: إنّي أدّعي أنّه أمر بالصوم و بإيقاعه في يوم الخميس، فلمّا فات إيقاعه فيه، الذي به كمال المأمور به، بقي الوجوب مع نقص فيه‏ (2)، فلا يلزم اقتضاء خصوص غيره، و لا كونه أداء، و لا كونهما سواء» (3)، فاسد؛ لأنّه لو بقي الوجوب في غيره‏ (4)، لكان الأمر مقتضيا له و إن لم يقتضه بخصوصه، و قد ادّعينا البداهة (5) في أنّه لا يقتضيه بوجه.

و لو سلّم اقتضاؤه له- و لو بوجه- كان إيقاع الفعل فيه أداء؛ لأنّ المعتبر فيه كون متعلّقه متناول الأمر الأوّل و لو بالتخيير، و لا يعتبر فيه كونه متناولا له بخصوصه.

و ممّا ذكر يظهر ثبوت التسوية؛ لأنّ المراد منها كونهما سواء في تعلّق الأمر بهما، و وجوب الفعل فيهما، بحيث لا يلزم في تأخيره إلى الثاني عصيان، و هو كذلك؛ لأنّ النقص لرفع الكمال لا يوجب العصيان.

احتجّ الخصم بأنّ الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما لا يسقط الدين بانقضاء الأجل، فكذا لا يسقط المأمور به بانقضاء الوقت.

و بأنّ الزمان لكونه ظرفا للمأمور به غير داخل فيه، فلا يؤثّر اختلاله في سقوطه.

____________

(1). في «ب»: «تخيير».

(2). أي في الصوم أو المأمور به.

(3). حكاه الفاضل التوني في الوافية: 85 باختلاف.

(4). أي في غير يوم الخميس.

(5). في بداية الفصل.

642

و بأنّ هنا مطلوبين: الفعل، و إيقاعه في وقت معيّن، فبفوت الثاني لا يفوت الأوّل‏ (1).

و الجواب عن الأوّل: أنّه قياس لا نقول به. و مع التسليم نقول: إنّ وجوب أداء الدين بعد الأجل قد علم من خارج، و هو اشتغال الذمّة و تعلّق الغرض بإحقاق حقوق الناس من غير مدخليّة خصوصيّة الوقت فيه، و لذا جاز التقديم.

و عن الثاني: أنّ الكلام في مقيّد لو قدّم على وقته لم يعتدّ به، و الوقت في مثله قيد للمأمور به و داخل فيه، و إلّا لجاز التقديم.

و عن الثالث: منع تعدّد المطلوب، بل هو أمر واحد مقيّد.

و تنقيح ذلك: أنّه وقع الخلاف في أنّ المقيّد هل هو شيئان في الخارج، هما:

المطلق و المقيّد، كما في التعقّل و التلفّظ. أو شي‏ء واحد، هو ما صدقا عليه، و يعبّر عنه باللفظ المركّب، و بالمفهوم المركّب الذي هو مدلوله؟ فمن قال بالأوّل، جعل القضاء بالأمر الأوّل؛ لأنّ المأمور به حينئذ شيئان، فإذا انتفى أحدهما بقي الآخر. و من قال بالثاني، جعله بأمر جديد؛ لأنّه ليس حينئذ في الخارج إلّا شي‏ء واحد، فإذا انتفى سقط المأمور به.

و لمّا كان هذا الخلاف مبنيّا على الخلاف في أنّ تركّب الماهيّة من الجنس و الفصل، و تمايزهما هل هو في الخارج، أو العقل؟ لأنّ المطلق و المقيّد بمنزلة الجنس و الفصل. فإن صحّ الأوّل هنا، صحّ الأوّل هناك. و إنّ صحّ الثاني هنا، صحّ الثاني هناك. و لمّا كان الحقّ هنا هو الثاني- و إلّا لم يصحّ الحمل، كما تقرّر في محلّه- يكون الحقّ هناك أيضا هو الثاني، فيبطل كون المطلوب متعدّدا، و يثبت اتّحاده.

و أنت خبير بأنّ حقيقة الثاني مبنيّة على عدم كون التركيب العقلي بحذاء التركيب الخارجي، كتركيب البياض من «اللون» و «مفرّق البصر» و لو كان بحذائه- بأن يكون الجنس مأخوذا من المادّة و متّحدا معها، و الفصل مأخوذا من الصورة و متّحدا معها- كان للجنس وجود (2) ممتاز عن وجود الفصل؛ لأنّ المادّة ممتازة في الوجود

____________

(1). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 201.

(2). في النسختين: «وجوده». و لكنّ الصحيح ما أثبتناه.

643

عن الصورة، فالجنس الموجود في ضمنها ممتاز في الوجود عن الفصل الموجود في ضمنها، فانتفاء أحدهما لا يستلزم انتفاء الآخر.

ثمّ لا يخفى أنّ حكم مطلق طلب الموقّت- سواء كان بعنوان الوجوب أو الاستحباب، و سواء كان بصيغة الأمر أو غيرها، من الشارع أو غيره- ما ذكر اختلافا و اختيارا، و سؤالا و جوابا.

إذا عرفت ذلك، فتعلم أنّ القضاء لا يجب إلّا بأمر جديد.

و يتفرّع عليه عدم وجوب قضاء الفرائض الموقّتة، و عدم استحباب النوافل الموقّتة إلّا بدلالة خارجيّة، كقوله (عليه السلام): «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها» (1).

و ممّا فرّع عليه عدم وجوب إخراج الفطرة، و ذبح الأضحية بعد خروج وقتهما على وكيله لو أمره بإخراجها، و ذبحها قبله.

و مثله- و إن لم يوصف بالأداء و القضاء- إذا قال «بع هذه السلعة»، أو «أعتق هذا العبد»، أو «طلّق زوجتي هذه في هذا الشهر» و لم يتّفق البيع، و العتق، و الطلاق فيه.

تذنيب [: في عدم سقوط التكليف إذا لم يأت بالمأمور به المطلق أوّل أوقات الإمكان‏]

إذا ورد الأمر المطلق و لم يأت بالمأمور به في أوّل أوقات الإمكان، فعلى ما اخترناه من أنّه لا يقتضي الفور، لا يسقط التكليف، بل يجب الإتيان به فيما بعد. و على مذهب الفور فما يلوح من كلام معظم القائلين به، و يقتضيه أكثر أدلّتهم- من أنّه مدلول الصيغة، و هي بنفسها تدلّ عليه- سقوط الوجوب فيما بعد (2)؛ لأنّ إرادة الوقت الأوّل حينئذ جزء مدلولها، فيكون «اضرب» بمنزلة «يجب عليك الفعل في أوّل أوقات الإمكان»، و يصير من قبيل الموقّت فيقضى الفعل بانقضاء وقته، كما تقدّم‏ (3).

نعم، على ما يظهر من كلام بعضهم، و يقتضيه بعض أدلّتهم- و هو الآيات المأمور فيها

____________

(1). عوالي اللآلئ 1: 201، ح 17. و أيضا تقدّم في ص 334.

(2). منهم: السيّد المرتضى في الشريعة الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 132 و 133، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 227، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 187.

(3). تقدّم في ص 640- 641.

644

بالمسارعة (1) و الاستباق‏ (2) من أنّه يجب البدار إلى امتثال الأمر، و إن لم يكن مقتضيا له بنفسه- وجوب الإتيان بالمأمور به فيما بعد؛ لأنّه يدلّ بنفسه حينئذ على وجوب الإتيان به في أيّ وقت كان. و الآيات المذكورة لم تجعله موقّتا، بل اقتضت وجوب المبادرة. و الظاهر منه عصيان المكلّف بتركه، و بقاء مفاد الأمر بحاله‏ (3).

و توضيحه: أنّه لم يعلم من الآيات تقييد المأمور به في الأمر المطلق؛ ليكون الفور مرادا منه أيضا و إن لم يكن بالوضع، و يتحقّق طلب واحد متعلّق بمطلوب مقيّد، بل القدر المعلوم منها طلب المبادرة من غير أن تكون مقيّدة له، كما إذا قال بعد الأمر المطلق: «عجّل و استبق»، فيتحقّق طلبان متعلّقان بمطلوبين مطلقين: أحدهما: طلب إيجاد الماهيّة، و هو المفهوم من الأمر. و ثانيهما: طلب المبادرة، و هو المفهوم من الآيات. فإذا أخلّ المكلّف بالطلب الثاني، عصى من حيث مخالفته، و لم يعص من جهة الطلب الأوّل؛ لأنّ عصيانه بترك الإتيان بالفعل مطلقا، فهو يبقى بحاله. كيف؟ و ارتفاع أحد الأمرين لا يستلزم ارتفاع الآخر إذا لم يتقيّد به.

و يظهر من هذا أنّ الدالّ على الفور لو كان مقيّدا للأمر المطلق- سواء كان منفصلا عنه، كأن يرد بعده خطاب آخر يعلم منه إرادة الفور منه، أو متّصلا به، كأن يقول: افعل معجّلا، أو بسرعة- يسقط الوجوب حيث يمضي أوّل أوقات الإمكان؛ لأنّ الفوريّة لمّا كانت مرادة من الأمر- و إن لم يكن للوضع مدخل فيها، بل علمت إرادتها منه بدليل من خارج- يتحقّق طلب واحد مقيّد، و التكليف المقيّد يفوت بفوات القيد؛ إذ ما علم أنّه مطلوب- و هو المقيّد- لم يحصل، و ما يمكن حصوله- و هو المطلق- لم يعلم كونه مطلوبا، فلا وجه للإتيان به.

و قد تلخّص ممّا ذكرناه أنّ الموقّت‏ (4) ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما صرّح فيه بالتوقيت.

الثاني: ما ورد به أمر مطلق. و قيل بأنّه يفيد الفور وضعا (5).

____________

(1). آل عمران (3): 133: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏.

(2). المائدة (5): 48: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏.

(3). راجع معالم الدين: 60.

(4). أراد به المقيّد الأعمّ من الموقّت الاصطلاحي.

(5). قاله المفيد في التذكرة بأصول الفقه المطبوع ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 9: 30، و حكاه الشيخ في العدّة في الاصول 1: 234.

645

الثالث: ما دلّ على تقييده دليل من خارج متّصلا كان أو منفصلا.

و يسقط الوجوب في الجميع بمضيّ أوّل أوقات الإمكان.

و الفرق بأنّه‏ (1) يجري في المقيّد إذا كان مدلولا للّفظ بحسب الوضع، أو دلّ على تقييده دليل متّصل، و لا يجري فيما دلّ على تقييده دليل منفصل، تحكّم؛ إذ المناط حصول التقييد، و هو حاصل في الصور الثلاث، و لا دلالة للاوليين على زائد. و يبقى المطلق منحصرا بما ورد به أمر مطلق، و لم يقل بأنّه يفيد الفور- كما هو المختار- أو مطلق آخر، و لم يدلّ دليل على وجوب المبادرة أصلا، أو دلّ عليه و لم يدلّ على التقييد. هذا.

و كيفيّة التفريع في الجميع و حقيقة الحال فيه على ما اخترناه ظاهرة.

فصل [9] [: في أنّ الأمر بالشي‏ء المعيّن هل هو نهي عن ضدّه أم لا؟]

لا خلاف في تغاير مفهومي الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضدّه؛ لاختلاف الإضافة قطعا، و إنّما الخلاف في أنّ الأمر بالشي‏ء المعيّن نهي عن ضدّه، أو لا؟

فقيل: هو عينه‏ (2).

و قيل: يستلزمه‏ (3).

و قيل بنفي العينيّة و الاستلزام‏ (4).

و قيل: هو عين النهي عن الضدّ العامّ بمعناه المشهور- أي الترك- دون الخاصّ، و دون المعنى الآخر للعامّ، و هو أحد الأضداد الوجوديّة لا بعينه؛ لأنّه راجع إلى الخاصّ‏ (5).

بل قيل: هو عينه حقيقة؛ لأنّ من قال باستلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن الضدّ الخاصّ، لم يقل بأنّه مستلزم للنهي عن ضدّ خاصّ معيّن من حيث هو معيّن، بل قال: إنّه يستلزم‏

____________

(1). أي سقوط الوجوب.

(2). قاله ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 3: 326، و حكاه الآمدي عن قاضي أبي بكر الباقلاني في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191.

(3). قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 197، و الفخر الرازي في المحصول 2: 199.

(4). قاله الآمدي، و نسبه أيضا إلى إمام الحرمين في الإحكام في أصول الأحكام 2: 192.

(5). قائله الغزالي في المستصفى: 66، و الشيخ حسن في معالم الدين: 3.

646

النهي عنه من حيث هو داخل تحت هذا العنوان- أعني ضدّا خاصّا- و العنوان بعينه أحد الأضداد الوجوديّة لا بعينه، فيسمّى عامّا؛ لانتشاره و عدم تعيّنه، كما يسمّى الترك عامّا؛ لتحقّقه في ضمن جميع الأضداد الوجوديّة (1).

و قيل: هو يستلزمه دون الخاصّ‏ (2).

و قيل: الأمر المضيّق نهي عن ضدّه دون الموسّع‏ (3).

ثمّ اقتصر قوم على الأمر. و زاد جماعة و قالوا: النهي عن الشي‏ء أمر بضدّه‏ (4)، فقال بعضهم: إنّه نفسه‏ (5). و قال آخرون: إنّه يستلزمه‏ (6).

ثمّ القائلون بالاقتضاء- بأيّ نحو كان- بين من خصّص القول بأمر الإيجاب، فجعله نفس النهي عن ضدّه المطلق أو العامّ، أو مستلزما لأحدهما على الخلاف تحريما (7)، و من عمّم القول في أمر الإيجاب و الندب، فجعله مقتضيا لأحد الضدّين بأحد الاعتبارين، تحريما أو تنزيها (8). و كذا الأمر في التخصيص و التعميم في النهي.

و القائلون بالاستلزام بين قائل به بطريق التضمّن‏ (9)، و قائل به بطريق الالتزام‏ (10).

____________

(1). قاله البصري في المعتمد 1: 97، و حكاه الآمدي عن القاضي أبي بكر الباقلاني في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191.

(2). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191 عن القاضي أبي بكر الباقلاني.

(3). قاله الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 100، و حكاه الشهيد الثاني عن جماعة في تمهيد القواعد: 136، القاعدة 40.

(4). قاله الأسنوي في نهاية السؤل 2: 305.

(5 و 6). حكاهما الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 97 و 100.

(7). قاله ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 3: 327.

(8). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 192.

(9). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 85- 88، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 196- 198، و الفخر الرازي في المحصول 2: 199- 201، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191- 195، و الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 97 و 100، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 135 و 136، القاعدة 40، و الشيخ حسن في معالم الدين: 64.

(10). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 85- 88، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 196- 198، و الفخر الرازي في المحصول 2: 199- 201، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191- 195، و الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 97 و 100، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 135 و 136، القاعدة 40، و الشيخ حسن في معالم الدين: 64.

647

و القائلون بالالتزام بين مطلق له. و بين مصرّح بثبوت الالتزام اللفظي‏ (1)، بمعنى أنّه لازم بيّن له يلزم من تصوّر الأمر تصوّره. و مصرّح بثبوت الالتزام المعنوي دون اللفظي‏ (2)، بمعنى أنّ العقل يحكم به و لو بوسائط كثيرة، و قد تخفى على غير ذوي الأنظار الدقيقة.

و بعضهم جعل القول بالالتزام منحصرا بالمعنوي و قال: التحقيق أنّ من قال: الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه، لا يقول بأنّه لازم عقلي له، بمعنى أنّه لا بدّ عند الأمر من تصوّره و تعقّله، بل المراد باللزوم العقلي مقابل الشرعي، يعني أنّ العقل يحكم بذلك اللزوم لا الشرع‏ (3).

و أنت تعلم أنّ هذا الكلام لا يلائم ما صرّح به القوم؛ لأنّ أكثرهم مصرّحون بثبوت الاستلزام اللفظي و إن لم يكن حقّا.

و كما اختلفوا في أصل المسألة، اختلفوا في تحرير محلّ النزاع فيها.

فمنهم: من قال: إنّ النزاع إنّما هو في الضدّ الخاصّ، و أمّا العامّ بمعنى الترك، فلا خلاف في كون الأمر مقتضيا للنهي عنه‏ (4).

و منهم: من قال: إنّ الخلاف في الضدّين، و جعل الخلاف في العامّ باعتبار أنّ الأمر هل هو عين النهي عنه أو يستلزمه؟ لا في أصل الاقتضاء؛ لاستلزام نفيه خروج الواجب عن كونه واجبا (5).

____________

(1). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 85- 88، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 196- 198، و الفخر الرازي في المحصول 2: 199- 201، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191- 195، و الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 97 و 100، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 135 و 136، القاعدة 40، و الشيخ حسن في معالم الدين: 64.

(2). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 85- 88، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 196- 198، و الفخر الرازي في المحصول 2: 199- 201، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 191- 195، و الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 97 و 100، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 135 و 136، القاعدة 40، و الشيخ حسن في معالم الدين: 64.

(3). المصادر.

(4). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 64.

(5). راجع: العدّة في أصول الفقه 1: 196، و المحصول 2: 199- 202، و الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 3:

326، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 192، و منتهى الوصول: 69، و فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1:

100، و تمهيد القواعد: 135 و 136، القاعدة 40، و معالم الدين: 63.

648

و منهم: من جعل النزاع في العامّ و سكت عن الخاصّ‏ (1).

و منهم: من أطلق لفظ الضدّ و لم يبيّن المراد منه، كالقائل بالأقوال الثلاثة الاول‏ (2).

و الحقّ عندي، أنّ شيئا من الأمر ليس عين النهي عن شي‏ء من ضدّه، [أو شيئا من النهي ليس عين النهي عن شي‏ء من ضدّه‏] (3) أو شيئا من النهي ليس عين الأمر بضدّه. و الموسّع من الأمر لا يستلزم النهي عن الضدّ أيضا بوجه.

و أمّا المضيّق منه، فالدالّ منه على الوجوب من غير تقييد بوقت خلوّ المأمور عن الضدّ، فيتضمّن‏ (4) النهي التحريمي عن الضدّ العامّ، و يدلّ بالالتزام المعنوي على النهي عن كلّ واحد من الأضداد الخاصّة الوجوديّة، سواء كان المأمور مشتغلا بالضدّ أم لا، بشرط أن لا يكون الضدّ أيضا واجبا مضيّقا، بل كان مباحا أو ندبا، أو واجبا موسّعا، فإن كان للمأمور [به‏] (5) ضدّ واحد وجودي كالحركة استلزم الأمر به النهي عنه فقط، و إن كان له أضداد كثيرة استلزم النهي عن جميعها، لا من حيث إنّ خصوصيّة الضدّ الواحد أو الأضداد الجزئيّة ملحوظة للآمر، بل من حيث دخولهما تحت ما يضادّ المأمور به، فإنّ ملحوظ الآمر النهي عمّا يضادّه إجمالا، بل ربّما لم يشعر به أصلا، و لكنّه يلزم النهي عنه من كلامه.

أمّا لو كان الضدّ الخاصّ للمأمور به واجبا مضيّقا و أمكن ذلك، فلا يلزم من الأمر به النهي عنه، و يلزم منه عدم لزوم النهي عن الضدّ العامّ أيضا.

و النهي التحريمي عن الشي‏ء يستلزم معنى الأمر بأحد أضداده من غير تعيين.

و أمر الندب و نهي الكراهة يستلزمان كراهة الضدّ العامّ و ندبه.

و نهي الكراهة يقتضي استحباب أحد الأضداد الخاصّة أيضا.

و أمر الندب لا يقتضي كراهة الضدّ الخاصّ أصلا.

____________

(1 و 2). راجع: العدّة في أصول الفقه 1: 196، و المحصول 2: 199- 202، و الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 3: 326، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 192، و منتهى الوصول: 69، و فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 100، و تمهيد القواعد: 135 و 136، القاعدة 40، و معالم الدين: 63.

(3). ما بين القوسين لم يرد في «ب» و هو ليس محلّ الكلام، بل ليس للاقتضاء معنى صحيح و محصّل.

(4). كذا في النسختين. و الأولى: «يتضمّن» بدون الفاء، لأنّه خبر «الدالّ».

(5). اضيف للضرورة.

649

فهنا مقامات:

[المقام‏] الأوّل: في أنّ الأمر مطلقا ليس نفس النهي عن ضدّه مطلقا، لا لفظا و لا حقيقة.

أمّا الأوّل، فلأنّ صيغة الأمر «افعل» و صيغة النهي «لا تفعل».

و أمّا الثاني، فلأنّ الأمر هو القول الدالّ على طلب الفعل، و النهي هو القول الدالّ على طلب الترك، أو الكفّ، فأين العينيّة؟ و كيف يقول به عاقل، فضلا عن الفضلاء؟!

و الظاهر- كما قيل- أنّه ليس مراد من قال من الأوائل: إنّ الأمر بالشي‏ء بعينه نهي عن ضدّه‏ (1) أنّ الأمر نفسه هو النهي، بل مراده أنّهما حصلا بجعل واحد كما في قولهم: الأمر بالشي‏ء أمر بمقدّمته، أي جعلاهما واحد لم يحصل كلّ منهما بأمر على حدة، فرجع إلى التضمّن أو الالتزام؛ إذ القائل بهما يقول باتّحاد جعلهما؛ إذ الفرض عدم صريح النهي، و استنباطه من الأمر. و على هذا يرجع ضمير «بعينه» إلى الشي‏ء لا إلى الأمر.

و ممّا ذكر يعلم أنّ النهي عن الشي‏ء ليس أمرا بشي‏ء من ضدّه.

ثمّ القول بالعينيّة قد نسب إلى بعض القائلين بالكلام النفسي؛ نظرا إلى أنّ كلّ واحد من الأمر و النهي ليس عندهم هو الصيغة، بل عندهم أنّ الأمر طلب الفعل القائم بالنفس، و النهي طلب تركه، و حكموا باتّحاد الطلبين‏ (2).

و احتجّوا عليه بوجهين:

أحدهما: أنّ الأمر لو لم يكن نفس النهي عن ضدّه، لكان إمّا مثله، أو ضدّه، أو خلافه؛ لأنّهما إن تساويا في الصفات النفسيّة- و هي‏ (3) ما لا يفتقر الوصف به إلى تعقّل أمر زائد على ذات الموصوف، أي لا يعتبر فيه إضافة إلى غير الموصوف كالإنسانيّة للإنسان، و الحقيقة و الشيئيّة له، و يقابلها المعنويّة المفتقرة إلى تعقّل أمر زائد، كالتحيّز الثابت للجسم بالإضافة إلى الحيّز، و الحدوث الثابت لغير اللّه بالإضافة إلى الوجود- فمثلان كبياضين أو سوادين،

____________

(1). قاله ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 3: 326.

(2). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 95 و 96.

(3). في «أ»: «هو».

650

و إلّا فإن تنافيا بأنفسهما، فضدّان، كالسواد و البياض، و إلّا فخلافان، كالبياض و الحلاوة.

فإن كانا ضدّين أو مثلين، لم يجتمعا في محلّ واحد، بأن يتحقّقا في شخص واحد، بأن يكون آمرا و ناهيا عن ضدّ ما أمر به إن جعلا (1) مبنيّين للفاعل أو مأمورا و منهيّا عن ضدّ ما أمر به إن جعلا مبنيّين للمفعول، أو في فعل‏ (2) واحد بأن يكون مأمورا به و منهيّا عن ضدّه، مع أنّهما يجتمعان فيه بأيّ معنى اخذ.

و لو كانا خلافين، لجاز اجتماع كلّ منهما مع ضدّ الآخر؛ لأنّ ذلك حكم الخلافين، كما يجتمع البياض- و هو خلاف الحلاوة- مع الحموضة، فيلزم جواز اجتماع الأمر مع ضدّ النهي عن ضدّه، و هو الأمر بضدّه و هو محال؛ لأنّه اجتماع النقيضين، و التكليف بما لا يطاق‏ (3).

و الجواب: تسليم كونهما خلافين، و منع ما زعم أنّه لازم لهما، و هو اجتماع كلّ مع ضدّ الآخر.

أمّا أوّلا، فلأنّه لا يشترط فيهما جواز الانفكاك، فيجوز أن يكونا متلازمين‏ (4)، فيمتنع فيهما ذلك؛ إذ اجتماع أحد المتلازمين مع الشي‏ء يوجب اجتماع الآخر معه، فاجتماع كلّ مع ضدّ الآخر يوجب اجتماع كلّ مع ضدّه، و هو محال.

و أمّا ثانيا، فلأنّهما قد يكونان ضدّين لأمر واحد، كالعلم و القدرة للنوم، فيكون كلّ منهما ضدّ ضدّ الآخر، فاجتماع كلّ منهما مع ضدّ الآخر يوجب اجتماعه مع ضدّه، و لا يستبعدنّ كون الشي‏ء ضدّا لشي‏ء و لخلافه؛ لأنّه يجوز أن يكون الشي‏ء ضدّ الأمر و لضدّه، كالعلم للظنّ و الشكّ، و السواد للبياض و الحمرة، مع أنّه أبعد.

ثمّ لو سلّم كونه لازما، فلا نمنع اجتماع كلّ منهما مع كلّ ما يضادّ الآخر؛ إذ السواد خلاف الحرارة، و لا يجامع الجوهريّة التي هي ضدّها؛ لكونها ضدّا له أيضا، بل المسلّم‏

____________

(1). أي جعل الفعلان معلومين نحو أمر و نهى.

(2). عطف على «شخص واحد».

(3). راجع: منتهى الوصول لابن الحاجب: 95 و 96، و معالم الدين: 65.

(4). كان ينبغي للمصنّف أن يذكر مثالا للخلافين المتلازمين. و لا يخفى ما في الجمع بين الخلاف و التلازم.

651

اجتماعه مع ضدّ الآخر في الجملة، و حينئذ نقول: الضدّ العامّ للنهي عن الضدّ عدم النهي، و تحقّقه‏ (1) إمّا في ضمن الأمر به، أو في السكوت عن كلّ من الأمر به و النهي عنه، و الأمر بالشي‏ء يجوز اجتماعه مع الثاني، و به يتمّ المطلوب، فلا حاجة إلى اجتماعه مع الأوّل.

و على الثاني ما يفهم من الذمّ على فعل الضدّ من جهة أنّه متضمّن لترك المأمور به، لا لأنّه فعل مخصوص.

و ثانيهما: أنّ فعل السكون عين ترك الحركة؛ إذ البقاء في الحيّز الأوّل هو بعينه عدم الانتقال إلى الحيّز الثاني، و إنّما يختلف التعبير، فيكون طلب فعل السكون عين طلب ترك الحركة (2).

و الجواب: أنّ طلب ترك الحركة هو طلب الكفّ عنها، و السكون‏ (3) طلب الفعل، و لا يكون الكفّ عن شي‏ء عين فعل شي‏ء آخر، و إن لزمه.

نعم، إن اريد بطلب ترك الضدّ فعل ضدّ ضدّ المأمور به- و هو عين فعل المأمور به بمجرّد الاصطلاح- صار النزاع لفظيّا في تسمية الفعل المأمور به تركا لضدّه، و في تسمية طلبه نهيا، إلّا أنّه لا بدّ من ثبوته من اللغة و لم يثبت، و لو ثبت يرجع إلى أنّ الأمر بالشي‏ء له عبارة اخرى كاللاحجيّة، مثل «أنت و ابن اخت خالتك» و لا يلتفت إلى مثله في المباحث الكلّية. هذا.

مع أنّ ما ذكر مثال جزئي لا يصحّ أن يجعل دليلا لأصل كلّي. على أنّ هذا يصحّ على رأي الفلاسفة حيث جعلوا السكون عدم الحركة (4)، و لا يصحّ على رأي المتكلّمين؛ لأنّهما عندهم وجوديّان، و ليس أحدهما عدما للآخر (5).

____________

(1). أي عدم النهي.

(2). راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1: 532، و حكاه الغزالي عن أبي بكر الباقلاني في المستصفى: 65، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 194، و لكن لم ينسبه إلى أحد.

(3). عطف على «ترك» أي طلب السكون.

(4). راجع شرح المنظومة: 239- 240.

(5). حكاه الغزالي في المستصفى: 65، و العلّامة في مناهج اليقين: 60، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 142، القاعدة 43.

652

المقام الثاني: في أنّ الأمر بالموسّع ليس عين النهي عن ضدّه العامّ و الخاصّ، و لا يستلزم شيئا منهما أيضا بوجه.

بيانه: أنّ الأمر الموسّع- سواء تعلّق بموقّت موسّع، أو مطلق موسّع، و سواء قيّد بوقت خلوّ المأمور عن الضدّ أو لا- لا يدلّ بوجه على لزوم إيقاع مدلوله قبل حين التضيّق، فلا وجه لدلالته بوجه على النهي عمّا يضادّه، و كيف يحكم بالنهي عن ضدّ ما لا يجب فعله؟! و أدلّة الاستلزام في المضيّق مبنيّة على تسليم تحتّم إيقاع المأمور به؟

و أيضا لو دلّ على النهي، لزم من إيجاب واجب موسّع تحريم كلّ ما هو ضدّ له من الواجبات و المستحبّات و المباحات في وقته، و ليس كذلك.

ثمّ لمّا كان كلّ من الموسّع و المضيّق على قسمين‏ (1): الموقّت، و المطلق. أمّا الموسّع الموقّت، فكالظهر، و غير الموقّت، فكالنذر المطلق و ما وقته العمر. و المضيّق الموقّت، كالصوم، و غير الموقّت، كإزالة النجاسة عن المسجد، و أداء الدين، و الحجّ، فيحصل من جعل كلّ من الأربعة مأمورا به و كلّ من البواقي ضدّا بحسب التركيب الثنائي عشرة أقسام:

كلّ مع مثله، و هو أربعة. و مع غيره و هو ستّة. فإذا كان المأمور به أحد الموسّعين و الضدّ أحد الأربعة، يحصل من التركيب الثنائي سبعة أقسام. و كذا إذا كان المأمور به أحد المضيّقين و الضدّ أحد الأربعة، و تداخل أربعة أقسام في الصورتين. و لا يلزم من الأمر النهي عن الضدّ في شي‏ء من الأقسام السبعة للصورة الاولى؛ لما ذكر. كيف؟ و لو لزم ذلك لزم تحريم أداء الدين، و إغاثة المظلومين بعد زوال الشمس، و كذا النوافل و الأكل و الشرب؛ لأنّ القول يوجب تحريم كلّ ما هو ضدّ للمأمور به، سواء كان واجبا، أو مستحبّا، أو مباحا.

____________

(1). ليس هذا التقسيم على ما ينبغي، فإنّ الموسّع و المضيّق من أقسام الموقّت، فإنّ الواجب إمّا موقّت أو غير موقّت، أي مطلق. و الموقّت إمّا موسّع أو مضيّق، و المطلق- أي غير الموقّت- إمّا فوري أو غير فوري. فالفور و التراخي أمر، و التوقيت و الإطلاق أمر آخر خلطهما المصنّف (رحمه اللّه)، أو له اصطلاح خاصّ. و على ما ذكر المصنّف (رحمه اللّه) يمكن أن يكون واجب مضيّقا مطلقا، إلّا أن يريد من الضيق الفوريّة، أو كان الواجب مطلقا غير موقّت و غير فوري و لكن ظنّ المأمور بموته قبل فعله.

653

و يتفرّع عليه صحّة جميع الامور الواجبة و المستحبّة و المباحة من أوّل وقت كلّ من الصلوات اليوميّة إلى أن يبقى منه بقدر ما يفعل فيه، و قس عليه غيره ممّا يشابهه.

المقام الثالث: في أنّ الأمر الإيجابيّ بالمضيّق- سواء كان موقّتا أو مطلقا- يتضمّن النهي عن الضدّ العامّ، و ذلك لأنّ الأمر يدلّ على الوجوب، و هو ماهيّة مركّبة من أمرين: أحدهما: طلب الفعل. و ثانيهما: المنع من الترك، فالأمر يدلّ على النهي عن الترك بالتضمّن.

و احتجّ من أنكر تضمّنه له بأنّه لو كان متضمّنا له لحصل تعقّله و تعقّل الكفّ عنه عنده، مع أنّه يحصل طلب الفعل مع الذهول عن الترك و الكفّ عنه‏ (1).

و اجيب بأنّ تعقّل الترك و الكفّ عنه حاصل عند الآمر، و ما يذهل عنه هو الأضداد الجزئيّة الخاصّة (2)؛ لأنّ المأمور لو كان متلبّسا بالفعل، لم يطلبه الآمر منه؛ لأنّه تحصيل الحاصل، بل الطلب عند تلبّسه بضدّه و هو الترك، و حينئذ يستلزم الأمر تعقّل ضدّه.

و أنت تعلم ممّا ذكر من حقيقة الإيجاب أنّه يستلزم تعقّل الضدّ و الكفّ عنه و إن كان طلب الفعل عند تلبّس المأمور به‏ (3) بأن يطلب منه الفعل في المستقبل، أي يطلب منه أن يوجده في ثاني الحال كما يوجده في الحال.

نعم، يمكن أن يقال: الإيجاب حاصل للآمر، و لا يلزم تصوّره أصلا؛ لثبوت الفرق بين حصول الشي‏ء و تصوّره‏ (4)، على أنّه يمكن أن يقال: لا يلزم الشعور بالمدلول الضمني، فمن أمر غيره بفعل معيّن، يلزم أن يعقل ما هو مطلوبه قصدا و صريحا، و لا يلزم أن يتعقّل المطلوب الضمني و التبعي، فيمكن أن لا يتصوّر الآمر حين الأمر ضدّه الخاصّ، و لا العامّ،

____________

(1). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 193، و الشيخ حسن عن بعض أهل عصره في معالم الدين: 67.

(2). المجيب هو الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 192 و 193.

(3). أي بالفعل، و الباء متعلّق بالتلبّس، أي تلبّس المأمور بضدّ المأمور به و تركه- كما تخيّله المجيب- غير لازم في صحّة الأمر.

(4). ليس لهذا الكلام محصّل، فإنّ حصول الفعل الاختياري كالإيجاب لا يحصل بلا تصوّر. نعم ليس بين حصول مطلق الشي‏ء و تصوّره تلازم و ليس الكلام فيه.

654

و لا الكفّ عنهما؛ لأنّ النهي عنهما ليس خطابا أصليّا حتّى يلزم تعقّله، بل هو خطاب تبعي، كالأمر بمقدّمة الواجب اللازم من الأمر؛ فإنّ الآمر قد لا يشعر بها أصلا، مع أنّها واجبة و مطلوبة، و كثيرا ما يلزم من الكلام معان ليست مقصودة للمتكلّم، و يسمّى دلالة إشارة، كما تقدّمت الإشارة إليها (1).

ثمّ هذا في أوامر غيره تعالى، و أمّا في أوامره، فكلّ ما يلزمها يعلم به، فلا حاجة فيها إلى هذه التوجيهات. هذا.

و كيفيّة التفريع هنا ظاهرة.

المقام الرابع: في أنّ الأمر المذكور من غير تقييد بوقت خلوّ المأمور عن الضدّ الخاصّ- سواء كان المأمور مشتغلا به أم لا- يدلّ بالالتزام المعنوي على النهي عنه بشرط أن لا يكون الضدّ أيضا واجبا مضيّقا.

و يدلّ عليه وجوه:

منها: أنّ فعل المأمور به لا يتمّ إلّا بترك ضدّه، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب.

و اجيب عنه بأنّه لا مدخل لترك الضدّ في فعل المأمور به، بل العلّة فيه ليست إلّا وجود الداعي إليه، و انتفاء الصارف عنه. نعم، ترك الضدّ غير منفكّ عنه في الخارج، و ذلك لا يستلزم توقّفه عليه. و حاصله، أنّه ليس عينه، و لا مقدّمة له، بل هو مقارن له؛ لأنّ مقدّمة الشي‏ء ما يتوقّف عليه وجود هذا الشي‏ء، فوجوب مقدّمة الواجب مسلّم، و كون ترك الضدّ منها ممنوع. و على هذا لو كان الضدّ واجبا موسّعا فترك المكلّف المأمور به و أتى بالواجب الموسّع كان مؤدّيا له‏ (2)، خارجا عن عهدة التكليف، إلّا أنّه يأثم بترك المأمور به. و من هنا يظهر أنّه لا تلازم بين القول بوجوب مقدّمة الواجب و اقتضاء الأمر النهي عن الضدّ الخاصّ، بل يصحّ أن يقال بالأوّل و إن لم يقل بالثاني‏ (3).

____________

(1). تقدّمت آنفا.

(2). في «أ و ب»: «لها».

(3). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 68.

655

و هذا الجواب فاسد؛ لأنّ توقّف أداء الدين المضيّق على ترك الصلاة في غاية الظهور، و كيف يمكن أداؤه مع الاشتغال بها؟! فهو من الصوارف عنه، فيلزم انتفاؤه، و لو كان الصارف مجرّد عدم إرادة المأمور به، أو إرادة ضدّه- حتّى يكون الداعي و انتفاء الصارف إرادة المأمور به و كراهة ضدّه، و اختصّ ما يتوقّف عليه المأمور به بهما، و لم يكن ترك الضدّ واجبا، بل جائزا- لكانت الإرادة و الكراهة واجبتين من حيث يتوقّف عليهما أداء الدين، و جائزتين من حيث يتوقّف عليهما ترك الواجب الموسّع؛ لأنّه لا ريب في أنّ تركه يتوقّف عليهما، و مقدّمة المباح مباحة، فيلزم اجتماع الوجوب و الإباحة في واحد شخصي، و هو باطل.

و منها: أنّ ترك المأمور به محرّم، و هو لا يتمّ إلّا بفعل ضدّه، و ما لا يتمّ المحرّم إلّا به فهو محرّم.

و بتقرير آخر: الأمر يتضمّن النهي عن الضدّ العامّ، كما تقدّم‏ (1)، و هو إمّا الترك أو الكفّ، و أيّا ما كان فهو ماهيّة كلّية لا توجد إلّا في ضمن أفراد هي التروك الخاصّة، فتحقّقها يتوقّف على تحقّقها، بل عين تحقّقها، و التروك الخاصّة لا تتحقّق إلّا في ضمن الأضداد الخاصّة الجزئيّة، و لمّا كان مطلق الترك كلّيا بالنسبة إلى التروك الخاصّة، فيوجد في ضمن كلّ واحد منها، فالنهي عنه و الخروج عن عهدة هذا النهي، يتوقّف على ترك جميعها المتوقّف على ترك جميع الأضداد الوجوديّة الخاصّة.

و اعترض عليه بأنّه لا مدخل لفعل الضدّ في ترك المأمور به، بل العلّة فيه وجود الصارف عنه و انتفاء الداعي إليه، و معهما لا يفتقر الترك إلى شي‏ء من هذه الأفعال، و إنّما هي من لوازم الوجود الخارجي إن قيل بعدم بقاء الأكوان‏ (2)، و احتياج الباقي إلى المؤثّر. و إن قيل بالبقاء و الاستغناء، جاز خلوّ المكلّف عن كلّ فعل، فلا يكون هناك إلّا الترك.

و على الأوّل‏ (3) يستمرّ هذه الأضداد الخاصّة مع وجود الصارف و انتفاء الداعي، فلو انتفى الصارف و وجد الداعي، فلا يتصوّر صدورها ممّن جمع شرائط التكليف إلّا

____________

(1). تقدّم في ص 653.

(2). و هي أربعة: الحركة، و السكون، و الاتّصال، و الافتراق.

(3). أي بقاء الأكوان و احتياج الباقي إلى المؤثّر.

656

على سبيل الإلجاء و التكليف معه ساقط (1).

و يرد عليه مثل ما تقدّم‏ (2)؛ فإنّه لو لم يتوقّف ترك المأمور به على فعل ضدّ من أضداده- بل على مجرّد وجود الصارف عنه، و انتفاء الداعي إليه، و لذا لم يكن الضدّ منهيّا عنه، و صحّ فعله- لزم- إذا كان الضدّ واجبا موسّعا- أن يكون الصارف واجبا من حيث إنّ فعله يتوقّف عليه، فإنّ فعله بدون الصارف عن المأمور به غير ممكن، و حراما (3) من حيث إنّ ترك المأمور به يتوقّف عليه، فيلزم اجتماع الوجوب و التحريم في واحد شخصي. و يظهر من هذا أنّ ترك كلّ شي‏ء يتوقّف على فعل ضدّ من أضداده، فإن كان الترك حراما- كما نحن بصدده- كان فعل ضدّه أيضا حراما، و إن كان واجبا كان واجبا، و هذا يدلّ على صحّة ما يأتي من أنّ النهي عن الشي‏ء أمر بأحد أضداده‏ (4).

و منها: أنّ فعل الضدّ الخاصّ ملزوم للحرام- الذي هو ترك المأمور به- و ملزوم الحرام حرام، ففعل الضدّ حرام.

و اعترض عليه بأنّ الملزوم إذا كان مقتضيا و علّة للّازم‏ (5)، أو كانا معلولين لعلّة واحدة، فتحريم اللازم يستلزم تحريم الملزوم.

أمّا الأوّل، فلأنّه يستبعد تحريم المعلول من دون تحريم علّته.

و أمّا الثاني، فلأنّه لو انتفى التحريم في أحد المعلولين، و اختصّ بالآخر، فإمّا أن يكون العلّة محرّمة أو لا، و كلاهما باطل. و أمّا إذا انتفت العلّيّة بينهما و الاشتراك في العلّة، فلا يلزم أن يستلزم تحريم اللازم تحريم الملزوم؛ لجواز تحريم أحد المتلازمين من دون تحريم الآخر؛ فإنّ تضادّ الأحكام يمنع من اجتماع حكمين متضادّين في موضع واحد، لا في أمرين متلازمين‏ (6). و إذا ثبت ذلك، فالمراد باللزوم في الدليل إن كان عدم الانفكاك في‏

____________

(1). المعترض هو الشيخ حسن في معالم الدين: 69.

(2). تقدّم في ص 654- 655: «و هذا الجواب فاسد» و ضمير «عليه» راجع إلى الاعتراض.

(3). معطوف على «واجبا».

(4). يأتي في ص 665.

(5). في «ب»: «اللازم».

(6). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 68.

657

الخارج، منعنا الكبرى. و إن كان العلّيّة و التوقّف، منعنا الصغرى؛ لأنّ العلّة في الترك إنّما هي وجود الصارف عن فعل المأمور به، و عدم الداعي إليه، و ذلك يستمرّ مع فعل الأضداد الخاصّة في الخارج من دون أن يكون متوقّفا عليها.

و كذا القول إن اريد باللزوم اشتراكهما في العلّة، فإنّه أيضا ممنوع؛ لأنّ الصارف- الذي هو العلّة في الترك- ليس علّة لفعل الضدّ، بل العلّة فيه ليست إلّا وجود الداعي إليه و انتفاء الصارف عنه، و لا مدخل للصارف عن المأمور به في فعله أصلا، و إن لم ينفكّ عنه في الخارج؛ نظرا إلى أنّ فعل الضدّ إذا لم يكن مع الصارف عن المأمور به لكان مع الداعي إليه، و الداعي إليه علّة لفعله، فيلزم الاشتغال بالضدّين في حال واحد، و هو محال.

و يظهر من هذا أنّ امتناع الانفكاك أيضا ليس بالذات، فكيف يكون لأحدهما مدخل في وجود الآخر؟

و أنت خبير بأنّ هذا الدليل و سابقه متقاربان تقريرا و اعتراضا، فيرد عليه أيضا ما تقدّم‏ (1)، و هو لزوم اجتماع الوجوب و الحرمة في واحد شخصي؛ فإنّه لا ريب في توقّف فعل الضدّ على وجود الصارف عن المأمور به، فيكون مقدّمة لفعل الضدّ، فإذا كان واجبا، للزم وجوبه من هذه الجهة، كما يلزم حرمتها من حيث توقّف ترك المأمور به عليه.

فإن قيل: وجوب مقدّمة الواجب ليس على حدّ غيره من الواجبات؛ لأنّ الوجوب فيها إنّما هو للتوصّل بها إلى الواجب، فإذا فرض حصول التوصّل بمباح أو محرّم حصل الامتثال، و كان المكلّف مؤدّيا للواجب، و لذا إذا وجب الحجّ على النائي فقطع المسافة على وجه منهيّ عنه، حصل الامتثال و صحّ حجّه، و لا يجب عليه إعادة السعي بوجه سائغ، و حينئذ نقول: غاية ما في الباب أن يكون ما يتوقّف عليه الواجب الموسّع- أعني الصارف عن المأمور به، و انتفاء الداعي إليه، أي إرادة الواجب الموسّع، و كراهة المأمور به- واجبا من حيث إنّه وصلة و وسيلة إلى الواجب، و لو لم يكن هذا الوجوب توصّليا لم يجز أن يتعلّق الكراهة بالمأمور به؛ لأنّ كراهته محرّمة، فيجتمع الوجوب و الحرمة في واحد شخصي، إلّا أنّه لمّا كان الوجوب توصّليا، فلا ضير أن يتعلّق بواجب، و يتّصف بالحرمة لذلك؛ لأنّه إذا

____________

(1). تقدّم في ص 654- 655، و ضمير «عليه» راجع إلى الاعتراض.

658

فرض أنّ المكلّف عصى و كره المأمور به، و أراد الواجب الموسّع، و حصل له التوصّل إلى المطلوب، سقط ذلك الوجوب التوصّلي عن المقدّمة؛ لفوات الغرض منه.

قلت: سقوط الواجب حينئذ لا ينفع لدفع ما ذكر؛ إذ يلزم اجتماع الوجوب و الحرمة قبل فعل المقدّمة و حين فعلها و إن سقط بعد فعلها. و قد ظهر ممّا ذكر أنّه بعد التزام وجوب مقدّمة الواجب، و حرمة مقدّمة الحرام و ملزومه، لا بدّ من التزام كون الأمر المضيّق بالشي‏ء نهيا عن ضدّه الخاصّ، و بدون منعهما لا يمكن إبطاله، و هو بعد ما عرفت من إثباتهما بالأدلّة القاطعة [دونه‏] (1) خرط القتاد (2).

و بعضهم منع استحالة اجتماع الحرمة مع الوجوب التبعي و قال: المحال اجتماعها مع الوجوب الأصلي‏ (3).

و يدفعه عموم الأدلّة.

و بعض آخر منع الاستحالة إذا اختلف الموضوع، و قال: هنا كذلك‏ (4)؛ لأنّ وجوب المأمور به في وقت معيّن إنّما يقتضي تحريم الصارف عنه من حيث وقوعه في ذلك الوقت، أي تحريم إيقاعه فيه، لا تحريم ذاته و ماهيّته من حيث هي، و وجوب الضدّ موسّعا يقتضي وجوب ماهيّة الصارف الذي [تركه‏] (5) مقدّمة له، لتوسّع ما يتوقّف عليه، فمتعلّق الحرمة خصوصيّة إيقاعه في الزمان المخصوص، و متعلّق الوجوب ماهيّته من حيث هي، من دون ملاحظة خصوصيّة الزمان معه، فلا يتواردان على موضوع واحد.

و عموم الأدلّة أيضا يدفعه؛ لأنّ تغيير (6) الحيثيّات لا يغيّر الموضوع، و معه يصدق أنّ الاجتماع في واحد شخصي‏ (7).

فإن قيل: يلزم من كلّ من أصل المطلوب و أدلّته تحريم الواجب و انتفاء المباح؛ إذ لو كان‏

____________

(1). اضيف بمقتضى الضرورة.

(2). هو مثل يضرب لبيان كون الأمر صعبا جدّا.

(3). راجع معالم الدين: 70- 71.

(4). أي الموضوع مختلف.

(5). ما بين القوسين اضيف لتكون الصلة جملة.

(6). في «ب»: «تغيّر».

(7). راجع معالم الدين: 70 و 71.

659

الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضدّه، أو وجب مقدّمة الفعل المأمور به، أو حرم مقدّمة الحرام و ملزومه، لحرمت الصلاة من حيث إنّها ترك الحجّ و أداء الدين، و من حيث إنّ تركها يتوقّف عليه فعلهما، و إنّ فعلها يستلزم تركهما، و حرم الأكل و الشرب و النوم و غيرها من المباحات من حيث إنّ فعلها ترك لضدّها المأمور به، و إنّ تركها يتوقّف عليه فعله، و إنّ فعلها يستلزم تركه.

قلت: نحن نلتزم حرمة الواجب الموسّع أو المباح إذا كان ضدّا للواجب المضيّق، و كان تركه ممّا يتوقّف عليه فعله، و فعله مستلزما لتركه، و هل الكلام إلّا في ذلك؟ و أيّ استبعاد فيه بعد قيام الحجّة عليه؟ و لا يلزم منه حرمة كلّ واجب موسّع في كلّ وقت، بل حرمة بعض أفراده في وقت كون ضدّه مأمورا به لا في كلّ وقت، و لا حرمة كلّ مباح؛ ليلزم مثل شبهة الكعبي‏ (1)، بل حرمة بعض أفراده في الوقت المذكور.

و منها: أنّه لو لم يكن الضدّ منهيّا عنه، لجاز فعله، فيفرض فعله و الاتّصاف به، و نقول في هذا الوقت: إمّا يجب امتثال ذلك الأمر المضيّق أم لا.

فعلى الأوّل: يلزم الأمر بإيجاد ضدّ في الأمر بإيجاد ضدّ في وقت وجود ضدّه، و هو تكليف بالجمع بين الضدّين، و هو محال.

و على الثاني: يلزم خروج الواجب المضيّق عن كونه واجبا مضيّقا، فالأمر بالحركة فورا لو لم يستلزم النهي عن السكون، لزم إمّا التكليف بإيجاد الحركة و السكون في وقت واحد، أو عدم كون الحركة مأمورا بها، و كلاهما باطل.

و على هذا لو كان الضدّ عبادة، لزم بطلانها لو فعلت في الوقت المأمور به؛ لأنّ النهي يقتضي البطلان، و إلّا لزم كون شي‏ء واحد واجبا و حراما، أو ندبا و حراما، و هو باطل. هذا.

و ممّا يؤيّد المطلوب من السمعيات قوله تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏ (2) و ما ورد من الأخبار في موارد جزئيّة من الحكم ببطلان عبادة مضادّة للمأمور به، كبطلان صلاة من لم يترك في سعة الوقت‏ (3)، و غير ذلك.

____________

(1). حكاه الغزالي في المستصفى: 66، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 193، و العلّامة في تهذيب الوصول: 111.

(2). المائدة (5): 27.

(3). لم نعثر على حديث في كتب الأحاديث و لكن أفتى به الفقهاء، منهم الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 142، القاعدة 42.

660

و أنت خبير بأنّ هذه الأدلّة إنّما تنتهض حجّة إذا كان المأمور به واجبا مضيّقا، و الضدّ واجبا موسّعا، أو مستحبّا، أو مباحا، و أمّا إذا كان واجبا مضيّقا، فلا؛ لأنّ كليهما حينئذ واجبان مضيّقان‏ (1) قد امر بهما، فمن أين يقدّم أحدهما؟ فالنهي عن الضدّ بالأمر المضيّق ينحصر بما إذا كان الضدّ مباحا، أو مستحبّا، أو واجبا موسّعا دون ما إذا كان مضيّقا.

و قد عرفت‏ (2) سابقا أنّ المأمور به إذا كان أحد المضيّقين يحصل بحسب التركيب الثنائي سبعة أقسام:

أربعة منها ما يكون الضدّ فيه واجبا موسّعا، فيلزم فيها من الأمر النهي عنه؛ لأنّ الوقت المضيّق لمّا تعيّن لإيقاع الواجب المضيّق فيه، خرج عن أن يكون وقتا للواجب الموسّع، و إلّا لما كان فائدة في جعل هذا الوقت المضيّق- الذي ليس إلّا بقدر ما يفعل فيه الواجب المضيّق- وقتا له على التعيين، فلو فعل الموسّع فيه كان باطلا، فمنع خروجه عن وقته الموسّع، و ادّعاء وجود الفائدة- نظرا إلى أنّ الفائدة عصيان المكلّف بترك الواجب المضيّق فيه، و إن كان مؤدّيا للواجب الموسّع لو أتى به- فيه مكابرة.

و ثلاثة منها يكون الضدّ فيها واجبا مضيّقا:

الأوّل: أن يكون المأمور به و الضدّ واجبين مضيّقين، موقّتين.

الثاني: أن يكونا مضيّقين مطلقين‏ (3).

الثالث: أن يكون أحدهما مطلقا و الآخر موقّتا.

و لا يلزم في شي‏ء منها من الأمر النهي عن الضدّ.

و توضيح ذلك: أنّه لو كانا مضيّقين موقّتين- كما إذا أخّر المكلّف الواجبين الموسّعين إلى أن يبقى من الوقت مقدار ما يفعل فيه أحدهما و لا يتصوّران في الشرعيّات فيما عدا ذلك؛ إذ لم يرد في الشرع من هذا القبيل غيره- لم يمكن الاحتجاج على بطلان أحدهما؛ لتعلّق الأمر بكلّ منهما من غير أن يكون أحدهما أهمّ من الآخر، بل ما يقتضيه القواعد

____________

(1). كذا في النسختين. و الأولى: «واجب مضيّق».

(2). في ص 652.

(3). مرّ في ص 652 ما في الجمع بين التضييق و الإطلاق، فراجع.

661

حينئذ وجوب كلّ منهما، إلّا أنّ المكلّف يتخيّر في إيقاع أيّهما شاء؛ لاستحالة إيقاعهما في وقت لا يسعهما، و يلحقه الإثم إن كان التأخير لتقصيره، و ليس وجوب كلّ منهما فيه تكليفا بالمحال؛ لأنّه لم يكلّف ابتداء بإيقاعهما فيه، بل ذلك إنّما لزم من تأخيرهما إليه؛ لأنّه لمّا كلّف بأن يقدّم واحدا منهما عليه، و لا يؤخّرهما إليه، و تركهما معا فيما تقدّم، فلا بدّ أن يأتي بهما فيه لا للإيجاب الابتدائي، بل لسوء اختياره، و لذا لو عوقب حينئذ على ترك واحد منهما، لما عدّ قبيحا.

و الحاصل أنّ نسبة آخر الوقت إلى الواجبين كنسبة أوّله و وسطه إليهما، فكما أنّهما متّصفان بالوجوب فيهما من غير لزوم محال؛ لكون الوجوب راجعا إلى التخييري بحسب أجزاء الوقت، فكذا في آخره، إلّا أنّ التخيير في أوّل الوقت إنّما هو بالنظر إلى ما بعده- أي إن شاء المكلّف أتى به فيه، و إن شاء أتى به فيما بعده، أي في الوسط، أو آخره- و في وسطه بالنسبة إلى ما قبله و ما بعده، و في آخره بالنظر إلى ما قبله لا إلى ما بعده، بل يجب أن لا يؤخّر عنه، فالتخيير بالنظر إلى ما قبله، و التحتّم بالنظر إلى ما بعده، فلا منافاة، و لمّا كان إيجابهما في هذا الوقت بالإيجاب السابق الذي نسبته إلى أوّل الوقت و وسطه و آخره نسبة واحدة بالنحو المذكور، فلا يرد أنّ وجوب كلّ منهما فيه تكليف بالمحال، و لا يجدي إمكان إيقاعهما قبله؛ لأنّ الفرض أنّه قد فات.

و أمّا لو كانا مضيّقين مطلقين- كأداء الدين، و إزالة النجاسة عن المسجد- فلا يمكن الاحتجاج على النهي عن أحدهما بتعلّق الأمر بالآخر؛ لتساويهما فيه، فكلّ منهما من أوّل وقت وجوبهما إلى أن يمضي قدر ما يفعل فيه أحدهما من الزمان يجب تخييرا لا عينا، و لا يعصي المكلّف باختيار أحدهما؛ لأنّ وجوبهما فيه ابتدائي لا يمكن أن يكونا معا متحتّمين فيه، و إلّا لزم التكليف بالمحال، و إذا مضى من أوّل وقت وجوبهما ما يفعل فيه أحدهما، فيصير حكمهما كحكم الموقّتين من دون تفاوت، إلّا أنّه لمّا كان هنا مأمورا بامتثال أحدهما في الجزء الأوّل من الوقت، و الآخر في الثاني، فأخّر الأوّل إلى الثاني، و الثاني إلى الثالث، فيلحقه إثمان.

و ممّا ذكر يعلم حال ما لو كان أحدهما مضيّقا مطلقا، و الآخر مضيّقا مقيّدا. هذا.

662

و احتجّ من أنكر استلزامه له بما احتجّ به المنكر لتضمّنه للنهي عن الضدّ العامّ من ذهول الآمر عن الأضداد الخاصّة و الكفّ عنها، مع أنّ دلالته على النهي تستلزم تعقّلها و تعقّل الكفّ عنها (1).

و قد عرفت هناك‏ (2) جوابا يصلح أن يكون جوابا هنا. على أنّ هذا الاحتجاج هنا على ما اخترناه- من أنّ دلالته عليه بالالتزام المعنوي- ساقط من أصله؛ فإنّه يتوجّه على القائل بالالتزام اللفظي و هو عندنا باطل؛ لأنّ شرطه اللزوم العقلي أو العرفي، و نحن نقطع بأنّ تصوّر معنى الأمر لا يحصل منه الانتقال إلى تصوّر الضدّ الخاصّ و الكفّ عنه.

و احتجّ هذا القائل بأنّ أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه، فالذمّ بالترك من معقول الإيجاب‏ (3) فلا ينفكّ عنه تعقّلا، و لا ذمّ إلّا على فعل؛ لأنّه المقدور، و ما هو هاهنا إلّا الكفّ عن الفعل أو فعل ضدّه، و كلاهما ضدّ للفعل، و الذمّ بأيّهما كان فهو يستلزم النهي عنه؛ إذ لا ذمّ بما لم ينه عنه؛ إذ هو معناه‏ (4).

و الجواب: أنّ ما لا ينفكّ عن الإيجاب- على فرض تسليمه- هو الذمّ على الترك، أعني عدم الفعل- أي استمراره و عدم قطعه- فلا يرد أنّه لا ذمّ عليه؛ لكونه أزليّا غير مقدور عليه. أو الكفّ‏ (5)، لا الذمّ على فعل الضدّ، فيلزم منه استلزامه لفظا للنهي عن الضدّ العامّ لا الخاصّ، بل استلزامه له معنوي، كما ذكرناه‏ (6).

فإن قلت: لو كان الذمّ على نفي الفعل، أو الكفّ‏ (7)، لكان النفي أو الكفّ منهيّا عنه، و النهي هو طلب النفي أو الكفّ؛ فالنهي عن النفي طلب النفي عن النفي، و النهي عن الكفّ طلب الكفّ عن الكفّ؛ فيلزم وجوب تصوّر النفي عن النفي، أو الكفّ عن الكفّ لكلّ آمر بشي‏ء،

____________

(1). قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 197، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 192، و حكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 136، القاعدة 40.

(2). في ص 654.

(3). و المراد أنّ «الذمّ بترك الفعل» داخل في مفهوم الإيجاب.

(4). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 67.

(5). عطف على «الترك».

(6). تقدّم في ص 654.

(7). عطف على «نفي».

663

و هو باطل؛ لأنّه لا يخطر ذلك بباله أصلا.

قلت: منع الخطور ممنوع، مع أنّه قد تقدّم‏ (1) أنّ التضمّن هو اللزوم بحسب الواقع، و تصوّر المدلول التضمّني غير لازم على الآمر. هذا.

و قد عرفت فيما تقدّم‏ (2) أنّ المطلوب من النهي ما ذا على التحقيق.

إذا عرفت ذلك، فيتفرّع على كون الأمر المضيّق مستلزما للنهي عن ضدّه إذا كان واجبا موسّعا على ما اخترناه بطلان العبادات الواجبة الموسّعة عند الأمر بردّ الوديعة، و أداء الدين، و إزالة النجاسة عن المسجد، و بطلان الصلاة بترك جواب السلام، و بعدم تحذير الأعمى لو أشرف على السقوط في بئر، أو نحوه مع انحصار التحذير به.

و القائل بعدم الاستلزام حكم بعدم البطلان في جميع الصور المذكورة.

و بعضهم فرّق في الصورتين الأخيرتين بين ما لو سكت المصلّي عن القراءة وقت الردّ و التحذير، و ما لم يسكت، فأبطل الصلاة بالثاني دون الأوّل؛ لأنّه ليس في تلك الحال منهيّا عن جزء الصلاة، و لا عن شرطها (3).

و لقائل أن يقول: إنّه منهيّ حينئذ عن شرطها، و هي الاستدامة الحكميّة. و كيف كان، هذا العرف مبنيّ على القول بالاستلزام.

ثمّ على ما أصّلناه و اخترناه يقتضي البطلان في جميع الصور المذكورة، و لو لم نحكم به في بعضها، فإنّما هو بدليل من خارج.

و يتفرّع على الاستلزام إذا كان الضدّ مباحا حرمة الأكل و الشرب و النوم و غير ذلك من المباحات عند أمر فوري إذا كانت أضدادا له، و حرمة السفر إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة بمن‏ (4) يجب عليه.

و يتفرّع على الاستلزام إذا كان الضدّ ندبا بطلان صلاة النافلة في وقت الكسوف‏

____________

(1). في ص 653.

(2). في ص 653.

(3). قاله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 137، القاعدة 40.

(4). كذا في النسختين. و الأولى: «لمن».

664

بشرط أن يفوته الفرض‏ (1) بسبب الاشتغال بها.

و ممّا قدّمناه يعلم فساد قول من حكم بصحّتها (2) حينئذ؛ نظرا إلى أنّه لا تناقض في إيجاب عبادة في وقت خاصّ، و استحباب اخرى فيه. و لذا يصحّ التصريح بذلك. و كيف يصحّ مع أنّها لا تنفكّ عن الإثم، و يصحّ من الشارع أن يطلب من العباد ما يوجب العصيان؟!

و ما قيل: إنّ موجب العصيان هو إرادة ترك الواجب، و استحبابها على تقدير هذه الإرادة (3)، فكأنّه قال: إن أردت الواجب فلا أطلب منك غيره، و إن لم ترده فقد عصيت، و لكن حينئذ أطلب منك هذا المندوب، ظاهر الفساد؛ لأنّ إرادة الواجب مطلوبة حتما، فترك ما ينافيها أيضا مطلوب.

و يظهر من هذا عدم صحّة ما يقع في وقت يكون بعض هذا الوقت وقتا لواجب مضيّق.

و ممّا يتفرّع على هذا الأصل حنث من حلف أن لا ينهى زيدا عن شي‏ء فأمره بشي‏ء، و وقوع الظهار لو علّقه على مخالفة نهيه، ثمّ قال لها: «قومي» فقعدت.

و يتفرّع على ثبوت التخيير مع العصيان إذا كان المأمور به و الضدّ واجبين مضيّقين، أو مطلقين، أو موقّتين، أو أحدهما مطلقا و الآخر موقّتا تخيير المكلّف بين أداء الصلاة اليوميّة، و الكسوف في وقت لا يسع إلّا أحدهما، و تخييره بين أداء الدين عند طلبه، و إزالة النجاسة من المسجد، و تخييره بين قضاء الحجّ و أداء المهر إلى الزوجة مع اليسار و مطالبتها إيّاه في وقت لا يسعهما معا، و تخييره بين أداء الدين و قضاء صلاة يوميّة إذا تعارضا في وقت لا يسع أكثر من أحدهما.

و ربما رجّح أحد المضيّقين في بعض الصور بجهات خارجيّة، و ينتفي التخيير حينئذ، كما إذا وقع التعارض بين الصلاة في وقتها المضيّق، و حفظ النفس بحيث لو اشتغل بالصلاة خاف على نفسه الهلاك، فيجب حينئذ محافظة النفس و ترك الصلاة، و لو أتى و الحالة هذه لم تكن صحيحة.

____________

(1). في «ب»: «الفرائض».

(2). راجع مفتاح الكرامة 9: 111- 113.

(3). المصدر.

665

المقام الخامس: في أنّ النهي عن الشي‏ء يستلزم معنى الأمر بأحد أضداده.

و الحجّة على ذلك أنّ المطلوب من النهي إن كان فعل ضدّ المنهيّ عنه حتّى يكون معنى «لا تتحرّك» اسكن- كما ذهب إليه جماعة (1) على ما تقدّم‏ (2)- فيكون النهي عن الشي‏ء عين الأمر بضدّه، فضلا عن أن يكون مستلزما له؛ و إن كان المراد منه الكفّ، و توطين النفس عليه، أو نفي الفعل- على ما اخترناه- فلا ريب في أنّ تحقّقه في الخارج يتوقّف على فعل أحد أضداده، فيكون واجبا من باب المقدّمة.

و أيضا فعل المنهيّ عنه حرام، و هو يتوقّف على ترك جميع أضداده، فيكون حراما؛ لأنّ مقدّمة الحرام حرام.

و أيضا ترك جميع أضداده ملزوم لفعله، فيكون حراما؛ لأنّ مستلزم الحرام حرام.

و ممّا يؤيّد ذلك أنّ ترك كلّ شي‏ء حراما كان أو واجبا يحصل بترك أيّ مقدّمة من مقدّمات وجود هذا الشي‏ء- أي تركها علّة لترك هذا الشي‏ء، و إن كان فعلها شرطا لوجوده- لأنّ عدم كلّ جزء من أجزاء العلّة التامّة علّة تامّة لعدم المعلول، و على ما تقدّم في المقام السابق ترك ضدّ المنهيّ عنه شرط لفعله، ففعل ضدّه علّة و سبب لتركه، و وجوب المعلول يستلزم‏ (3) وجوب علّته.

ثمّ الأدلّة المذكورة هنا لمّا كانت كالأدلّة المتقدّمة في المقام السابق تقريرا، فهي مثلها اعتراضا و جوابا، و كما اورد عليها هناك لزوم حرمة الواجب و المباح، يورد عليها هنا لزوم وجوب المحرّم، و قول الكعبي، و هو وجوب كلّ مباح‏ (4)؛ لأنّه يلزم حينئذ وجوب اللواط من حيث إنّه ترك للزنا، و بالعكس، و وجوب الأكل و الشرب، أو غيرهما من المباحات من حيث إنّ ترك الحرام لا بدّ و أن يتحقّق في ضمن فعل من الأفعال؛ و لا ريب في وجوب ذلك‏

____________

(1). منهم: الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 194، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 142.

(2). تقدّم في ص 651.

(3). الاستلزام من ناحية المعلول للعلّة وجودا و وجوبا في مقام الإثبات دون الثبوت.

(4). تقدّم في ص 659.

666

الترك، فلا يجوز أن يكون الفعل المتحقّق في ضمنه مباحا؛ لأنّه لازم للترك، و يمتنع اختلاف المتلازمين في الحكم. و قد علمت الجواب هناك‏ (1).

و الجواب هنا أمّا عن الأوّل: فبأنّ الواجب هنا [من‏] (2) أضداد المنهيّ عنه، أحدها الذي لم يكن حراما، كما أنّ المحرّم من أضداد المأمور به، هو الذي لم يكن واجبا مضيّقا.

و [الجواب‏] أمّا عن الثاني: فقد يظهر ممّا تقدّم في دفع شبهة الكعبي‏ (3).

و قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ استلزام الأمر للنهي عن جميع أضداده يتقوّى بوجوب مقدّمة الواجب، و حرمة مقدّمة الحرام و ملزومه. و يضعّف بلزوم تحريم الواجب و المباح، كما يضعّف ما يقوّيه أيضا به، و إن كان الضعيف ضعيفا، و استلزام النهي عن الشي‏ء أمرا بأحد أضداده يتقوّى بهما أيضا، و يضعّف بلزوم وجوب المحرّم و المباح، كما يضعّفان أيضا به، و إن كان مندفعا. هذا.

و الحجّة على عدم كون النهي عن الشي‏ء عين الأمر بأحد أضداده ما تقدّم‏ (4) في نفي العينيّة في الأمر.

و احتجّ القائل به بما احتجّ به القائل بالعينيّة في الأمر (5)، و الجواب الجواب.

و بأنّ النهي طلب ترك الفعل و لا يتعلّق الطلب بغير الفعل؛ لأنّه المقدور دون غيره، فيكون الترك فعلا، و ليس فعل غير الضدّ، فهو فعل أحد الأضداد، فيكون مطلوبا، و هو معنى كونه مأمورا به‏ (6).

و الجواب: أنّ المطلوب في النهي عدم الفعل و هو مقدور، كما عرفت‏ (7)، أو الكفّ.

و لا يلزم كونه نفس الأمر بأحد الأضداد الجزئيّة، نعم، هو يستلزمه عقلا، كما ذكرناه‏ (8).

____________

(1). تقدّم في ص 650.

(2). اضيف للضرورة.

(3). تقدّم في ص 659.

(4). تقدّم في ص 649.

(5). تقدّم في ص 649.

(6). حكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 135، القاعدة 40.

(7). في ص 651.

(8). تقدّم في ص 653.

667

و احتجّ من أنكر العينيّة و الاستلزام أيضا بلزوم وجوب المحرّم و المباح‏ (1)، و قد عرفت جوابه‏ (2).

و بأنّ النهي طلب كفّ عن فعل يذمّ فاعله، و الأمر طلب فعل غير كفّ، و طلب فعل هو كفّ لا يستلزم طلب فعل غير كفّ‏ (3).

و الجواب: ما عرفته‏ (4) من استلزام الكفّ لفعل أحد الأضداد الوجوديّة.

فإن قيل: لو كان الأمر بالشي‏ء نهيا عن جميع أضداده، و النهي عن الشي‏ء أمرا بأحد أضداده، كما اخترت، فإذا فرض أضداده ثلاثة و ما فوقها، فالأمر بأحدها يستلزم النهي عن كلّ واحد من الباقين، و النهي عن كلّ واحد منها يستلزم الأمر بالآخر، و الأمر به يستلزم النهي عن جميع ما يضادّه، و من جملته الضدّ الأوّل الذي كان مأمورا به، فمن استلزام النهي عن أحدهما للأمر بالآخر، يلزم أن يكون الآخر منهيّا عنه و مأمورا به، و من استلزام الأمر بالآخر النهي عن جميع ما يضادّه يلزم كون الضدّ الأوّل مأمورا به و منهيّا عنه، و هو باطل.

و الجواب: أنّ استلزام النهي عن كلّ واحد منهما للأمر بالآخر غير مسلّم؛ لأنّ النهي عن الشي‏ء يقتضي الأمر بأحد أضداده على سبيل التخيير، فإذا انحصر أضداده بفردين واحد منهما منهيّ عنه مثله، يتعلّق الأمر بضدّه الآخر، و هو الذي كان مأمورا به صريحا أيضا.

و إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع أنّه إذا ورد النهي عن فعل خاصّ، كالزنا، أو شرب الخمر يجب تخييرا أن يرتكب المنهي لتحقّق الترك فعلا ينافي المنهيّ عنه.

المقام السادس: في أنّ أمر الندب يستلزم كراهة الضدّ العامّ، و نهي الكراهة يستلزم استحباب الضدّ العامّ، و أحد الأضداد الخاصّة.

و الحجّة على الأوّل: توقّف فعل المندوب على الكفّ عن تركه، فيكون الكفّ عن تركه راجحا؛ لأنّ ما يتوقّف عليه الراجح راجح، فيكون نقيضه أعني تركه مرجوحا، و هو المكروه.

____________

(1). قاله الغزالي في المستصفى: 66، و نسبه الآمدي إلى الكعبي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 193.

(2). في ص 651.

(3). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 66.

(4). في ص 662.

668

و الحجّة على الثاني: أنّ فعل المكروه يتوقّف على الكفّ عن تركه و ترك الأضداد الخاصّة و ما يتوقّف عليه المرجوح مرجوح، فيكون نقيضاهما- أعني تركه، و فعل أحد أضداده الخاصّة- راجحين؛ نظرا إلى تعريف المكروه، و هو الاستحباب.

و أيضا فعل ضدّه الخاصّ ملزوم لتركه، و هو راجح؛ نظرا إلى تعريفه، و ملزوم الراجح راجح.

و أيضا يلزم من تعريفه ندبيّة ضدّه العامّ، و هو يتوقّف على فعل أحد أضداده الوجوديّة الخاصّة؛ فيكون مندوبا؛ لأنّ ما يتوقّف عليه المندوب مندوب.

و هذه الأدلّة و إن أمكن أن يورد عليها مثل المناقشات المتقدّمة (1) إلّا أنّها مندفعة بمثل ما ذكر من الجواب.

هذا ما يقتضيه النظر، و الظاهر من كلام القوم أنّ ترك كلّ مندوب ليس مكروها، و كذا العكس‏ (2)، بل اتّصاف ترك كلّ منهما بالآخر في بعض الموادّ دون بعضها الآخر.

و ربّما ظهر من كلام بعض ثبوت الاتّصاف في جميع الموادّ (3).

و قال جماعة: إنّ الترك لا يكون حكما (4) من الأحكام الخمسة؛ لكونه عدميّا (5)، و ردّوه فيما جعل حكما إلى الوجودي، كالاستمرار، أو الكفّ، أو فعل الضدّ (6). و قد تقدّم‏ (7) سابقا بيان ذلك مفصّلا، و ذكرنا هناك أنّ كلام القوم هنا غير منقّح.

و ممّا ذكر تعلم أنّ كلّ ما يجري في أمر الإيجاب و نهي التحريم- من الحجج و الاعتراضات و الأجوبة- يجري في أمر الندب، و نهي الكراهة، فتخصيص الحكم بالأوّلين تحكّم إلّا فيما نذكره من عدم اقتضاء أمر الندب للنهي عن ضدّه الخاصّ؛ لدليل من خارج.

و احتجّ من خصّ النهي عن الضدّ الخاصّ و العامّ أيضا بأمر الإيجاب دون الندب بأنّ أمر

____________

(1). أي في دلالة الأمر على النهي عن ضدّه بأقسامه و أجوبتها.

(2). راجع تمهيد القواعد: 34- 36، القاعدة 2.

(3). راجع تمهيد القواعد: 35 و 36، القاعدة 2.

(4). في إطلاق الحكم على الترك و سلبه عنه مسامحة واضحة و المراد كونه ذا حكم.

(5). قاله الشهيد الثاني و نسبه أيضا إلى متأخّري الاصوليّين في تمهيد القواعد: 34 و 36، القاعدة 2.

(6). ردّه المطيعي و نسبه أيضا إلى القاضي البيضاوي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 292.

(7). في ص 653.

669

الوجوب لمّا كان مستلزما للذمّ على الترك، فاستلزم النهي التحريميّ عن الضدّ، و أمّا أمر الندب، فلا يقتضي إلّا رجحان الفعل، و لا يستلزم ما يصير سببا للنهي التنزيهي‏ (1).

و الجواب عنه: ما عرفته‏ (2) من وجود ما يستلزم كراهة الضدّ.

إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع أنّه يكون ترك كلّ مستحبّ مكروها، و ترك كلّ مكروه مستحبّا، و ما يفعل من الأضداد الخاصّة للمكروه يكون مستحبّا.

المقام السابع: في أنّ أمر الندب لا يستلزم كراهة الضدّ الخاصّ،

و ذلك لأنّ مثل الأدلّة التي تدلّ على أنّ أمر الإيجاب يستلزم حرمة الضدّ الخاصّ، و نهي الكراهة يستلزم استحباب أحد أضداده، و إن دلّت على أنّه أيضا يستلزم كراهة الضدّ- بأن يقال: فعل ضدّه الخاصّ ملزوم لتركه، و هو مرجوح بالنسبة إلى فعله، و ملزوم المرجوح مرجوح. أو يقال:

تركه مرجوح، و هو يتوقّف على فعل الأضداد الخاصّة، فيكون مرجوحا؛ لأنّ ما يتوقّف عليه المرجوح مرجوح. أو يقال: فعل المندوب يتوقّف على ترك كلّ من الأضداد الخاصّة، فيكون تركها راجحا؛ لأنّ ما يتوقّف عليه الراجح راجح، فيكون نقيضه أعني فعلها مرجوحا، فيثبت كراهته- إلّا أنّ هنا قاطعا يدلّ على خلافه، و هو لزوم انتفاء المباح رأسا، إذ ما من وقت إلّا و يندب فيه فعل؛ فإنّ استغراق الأوقات بالمندوبات مندوب، بخلاف الواجب، فإنّه لا يستغرق الأوقات، فيكون الفعل في غير وقت لزوم أداء الواجب مباحا، فلا يلزم انتفاء المباح رأسا.

فإن قيل: ترك الحرام واجب، و ترك المكروه مستحبّ، و هما يستغرقان الأوقات، فيرد عليهما ما يرد عليه.

قلت: الترك لمّا كان أمرا عدميّا ممكن التحقّق في ضمن ضدّ واحد، فغير متّصف بحقيقة الوجوب، أو الكراهة في جميع الأوقات، بل إذا كان‏ (3) مسبوقا بإرادة الفعل، أو مقارنا

____________

(1). قاله ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 3: 327، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 192.

(2). تقدّم في ص 667.

(3). أي الترك.

670

للشعور و القدرة، لا في كلّ وقت ثبوته و إن لم يخطر بالبال، فلا يرد عليهما لزوم انتفاء المباح؛ لإمكان دفعه بأحد الجوابين اللذين ذكرناهما لدفع شبهة الكعبي‏ (1)، و لا يمكن دفعه عن اقتضاء المندوب كراهة الضدّ؛ لأنّ القول به يقتضي كراهة جميع الأضداد في جميع الأوقات من غير اختصاص بوقت دون وقت، أو ضدّ دون ضدّ، و وجهه ظاهر، فيلزم انتفاء المباح رأسا.

إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع ظاهرة عليك.

تتمّة [: في عدول بعضهم إلى القول بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي عدم الأمر بالضدّ]

اعلم أنّ بعضهم عدل عن قولهم: الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن الضدّ، إلى قوله: الأمر بالشي‏ء يقتضي عدم الأمر بالضدّ، معتذرا بأنّ إثبات الأوّل مشكل بخلاف إثبات الثاني‏ (2)، و لا يختلف به‏ (3) التفريع في العبادات؛ لأنّ ما ليس منها بمأمور به يكون محرّما باطلا، و المنهيّ منها كذلك. و أمّا في غيرها، فيختلف به التفريع؛ لأنّه إذا كان منهيّا عنه يكون محرّما، و أمّا إذا لم يكن منهيّا عنه و لا مأمورا به، فيبقى على إباحته الأصليّة.

و أنت خبير بعدم الفرق بين الترجمتين من حيث الإثبات بالأدلّة و عدمه؛ فإنّ التفصيل الذي ذكرناه في الترجمة الاولى جار في الثانية من غير فرق؛ لأنّ المأمور به لو كان واجبا موسّعا، فكما لا يستلزم الأمر به النهي عن ضدّه، فكذا لا يستلزم عدم الأمر به، و إن كان واجبا مضيّقا، فكما يستلزم الأمر به النهي عن ضدّه إذا لم يكن واجبا مضيّقا، فكذا يستلزم عدم الأمر به، غاية الأمر أنّه‏ (4) بطريق أولى. و إن كان الضدّ أيضا واجبا مضيّقا- كما إذا أخّر واجبين موسّعين إلى آخر وقتهما- فكما لا يستلزم الأمر بأحدهما النهي عن الآخر، فكذا لا يستلزم عدم الأمر به؛ لما ذكر. و لا يجوز فيما عدا ذلك اجتماع واجبين مضيّقين؛ لأنّ‏

____________

(1). تقدّمت في ص 659.

(2). قاله المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 309.

(3). أي بالعدول و المراد أنّ لازم كلا الاقتضاءين هو فساد العبادة؛ لأنّها تفسد بعدم الأمر فضلا عن كونها منهيّا عنها.

(4). أي استلزام عدم الأمر بطريق أولى، لأنّ عدم الأمر لازم لكون الفعل حراما و إلّا يلزم اجتماع الضدّين.

671

التكليف الابتدائي بهما تكليف بالمحال. و إنّما أطنبنا في المقام ليكون تفصيلا لما أجملوه، و توضيحا لما أهملوه.

فصل [10] [: في أنّ الأمر بالأمر بالشي‏ء ليس أمرا بذلك الشي‏ء]

الأمر بالأمر بالشي‏ء ليس أمرا بذلك الشي‏ء، فقول السيّد لعبده غانم: «مر سالما ببيع هذه السلعة» ليس أمرا منه لسالم ببيعها؛ لأنّه لو كان لكان، قولك للغير: «مر عبدك بكذا» تعدّيا؛ لأنّه أمر لعبد الغير، و قول المولى لأحد عبديه: «مر الآخر بكذا» مناقضا لقوله للآخر: «لا تطعه» و ليس كذلك، و لزم كون الرجل آمرا لنفسه إذا أمر غيره أن يأمره بفعل، و يؤيّده قوله (عليه السلام) لأولياء الأطفال: «مروهم بالصلاة لسبع» (1) للقطع بأنّ الطفل ليس مأمورا بالصلاة من قبل الشارع.

احتجّ الخصم بأنّ ذلك مفهوم من أمر اللّه رسوله أن يأمرنا، و أمر الملك وزيره أن يأمر فلانا بكذا (2).

و الجواب: أنّ محلّ النزاع أمر الآمر غيره بالأمر من قبل نفسه، لا من قبل الآمر بأن يكون مبلّغا، و الرسول و الوزير مبلّغان لأمر اللّه و أمر الملك. و يعلم من ذلك أنّه لو قامت القرينة على أنّ المراد من الأمر بالأمر التبليغ، أو علم أنّ الآمر الأوّل أوجب إطاعة الأمر (3) الثاني، كان الأمر بالأمر بالشي‏ء أمرا بذلك الشي‏ء، و إلّا فلا؛ لعدم ما يقتضيه، بل القدر اليقيني حينئذ كونه أمرا من قبل الثاني؛ إذ كونه تبليغا شي‏ء زائد يحتاج إلى دليل.

و كيفيّة التفريع أنّه لو قال الموكّل لوكيله زيد: «و كلّ عمرا عنّي» فيكون عمرو وكيلا عن الموكّل، و ينفذ تصرّفه قبل إذن زيد له.

و لو قال له: «وكّله عنك» يكون وكيل زيد، و لا ينفذ تصرّفه إلّا بعد إذن زيد له على‏

____________

(1). كنز العمّال 16: 442، ح 45335.

(2). قاله العلّامة في تهذيب الوصول: 104.

(3). في «ب»: «أمر الثاني»، أي أمر الآمر الثاني.

672

المختار، لكن للموكّل المالك عزله على الأصحّ؛ لأنّه يسوغ له عزل الأصل فالفرع أولى.

و لو قال له: «وكّله» من دون تقييد، فعلى ما ذكرناه يكون حكمه حكم الثاني.

و قيل: حكمه حكم الأوّل‏ (1)؛ لأنّ الظاهر هنا كون الوكيل مبلّغا.

و لا يخلو عن وجه.

و ممّا يتفرّع عليه استلزام قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (2) وجوب الإعطاء؛ نظرا إلى كون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مبلّغا، و وجوب طاعته، و لولاهما (3) لم يكن الإعطاء واجبا بمجرّد الأمر بالأخذ.

لا يقال: وجوب الأخذ يتوقّف على الإعطاء، و ما يتوقّف عليه الواجب واجب، فيجب الإعطاء عليهم، و لو قطع النظر عمّا ذكر.

لأنّا نقول: الأمر إن كان بالطلب لم يتوقّف على الإعطاء، و إن كان بالأخذ فيتوقّف عليه، إلّا أنّه ليس واجبا على الناس؛ لأنّ الأخذ لا يجب عليهم، و من يجب عليه الأخذ لا يقدر على فعل الغير، و مقدّمة الواجب إنّما تكون واجبة إذا كانت مقدورة.

فصل [11] [: في أنّ المراد من الأمر الماهيّة من حيث هي لا الفعل الجزئيّ‏]

الحقّ أنّ المطلوب من الأمر بفعل مطلق- نحو «اضرب»- الماهيّة من حيث هي، لا الفعل الجزئي المعيّن‏ (4) المطابق لها، فلا يدلّ على خصوصيّة الضرب من كونه بسيف، أو خشب، أو غير ذلك، بل مدلوله ليس إلّا طلب طبيعة الضرب بأيّ نحو كان.

لنا: خروج الخصوصيّة عن حقيقة الفعل، فلا يدلّ عليه بشي‏ء من الدلالات، و إجماع الادباء على أنّ المصادر التي ليست منويّة (5)- أي التي في ضمن المشتقّات- موضوعة للطبيعة من حيث هي، و ما اختلف فيه بأنّه للطبيعة أو الفرد المنتشر، فإنّما هو اسم الجنس،

____________

(1). حكاه الأسنوي في التمهيد: 275، و المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 292.

(2). التوبة (9): 103.

(3). أي كون النبيّ مبلّغا و وجوب طاعته.

(4). في النسختين: «المعنى».

(5). كذا في النسختين. و الظاهر: «منوّنة».

673

و هذا يدفع كونه لجزئي غير معيّن أيضا و إن استلزم طلب الطبيعة طلب أحد الجزئيّات لا بعينه؛ لأنّ الماهيّة لا توجد إلّا في ضمن أحد أشخاصها، إلّا أنّ دلالته على طلبها وضعيّة، و على طلبه عقليّة، فلا يتحقّق بيننا و بين من قال بأنّه لفرد لا بعينه‏ (1) نزاع يختلف به الأحكام؛ لاختصاصه‏ (2) بنحو الدلالة.

احتجّ الخصم بأنّ الماهيّة الكلّية يستحيل وجودها في الأعيان؛ لأنّها لو وجدت لزم تعدّدها كلّية في ضمن الأشخاص، فمن حيث إنّها موجودة، تكون مشخّصة جزئيّة، و من حيث إنّها الماهيّة الكلّية تكون كلّية، و هو محال‏ (3).

و الجواب: أنّ المطلوب الماهيّة لا بشرط شي‏ء، أي الكلّي الطبيعي، و الحقّ وجوده في الأعيان لا بنفسه، بل في ضمن الجزئيّات، و إلّا انتفت الحقائق، إلّا أنّ شيئا من المقارنة و التجرّد لمّا لم يكن جزءا أو شرطا له، فيصدق عليه الكلّية حال المقارنة، و لا يخرج بها عنها، و لا ينافي كلّيّته الوجود العيني، و لا يدخل لأجله في الجزئيّة. و لزيادة التحقيق فيه فنّ آخر. هذا.

و بعض من قال: إنّ الأمر المطلق لا يفيد المرّة و التكرار، بل هي الطبيعة من حيث هي، قال هنا: إنّ المطلوب منه الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهيّة، لا الماهيّة (4).

و أحد القولين بظاهره يناقض الآخر. و يمكن أن يحمل كلامه هنا على أنّ المطلوب الفرد المنتشر التزاما.

إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع أنّ المأمور بفعل مطلق- عبادة كان أو معاملة- يجوز له إيقاع ما يصدق عليه هذا المطلق و إن كان أنقص أفراده، إلّا ما علم بقرينة أنّه غير مراد الآمر.

ثمّ الفعل إن كان معيّنا من جهة، مطلقا من جهة اخرى، فلا بدّ من الإتيان بالقدر المعيّن.

____________

(1). راجع فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 392.

(2). أي اختصاص النزوع.

(3). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 99.

(4). قاله البصري في المعتمد 1: 98، و السرخسي في اصوله 1: 20، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2:

204 و 205.

674

فصل [12] [: في الأمران المتعاقبان المتماثلان‏]

الأمران المتعاقبان إن تضادّا أو تخالفا و لم يمكن الجمع بينهما (1)، كان الثاني ناسخا للأوّل، و إلّا (2) وجبا معا. و وجهه ظاهر.

و إن تماثلا فإمّا أن لا يكون الثاني معطوفا على الأوّل، أو يكون معطوفا عليه.

و على الأوّل يجب حمل الثاني على التأكيد إن امتنع التكرير عقلا، نحو: «اقتل زيدا، اقتل زيدا»، أو شرعا مثل: «أعتق سالما، أعتق سالما»، أو عادة مثل: «اسقني ماء، اسقني ماء» فإنّ العادة تمنع من تكرار السقي؛ لرفع الحاجة بمرّة واحدة غالبا، أو كان الثاني معرّفا بلام العهد، مثل «صلّ ركعتين، صلّ الركعتين» و إلّا فإن فهم التغاير من قرينة، فيعمل بهما، و إلّا فالأقرب عندي أنّ الثاني تأكيد، فلا يجب إلّا المرّة.

و قيل: يلزم العمل بهما، فيجب التكرار (3).

و قيل بالوقف‏ (4).

لنا: أصالة براءة الذمّة عن الزائد، و أكثريّة التكرير في التأكيد منه بالتأسيس، و المشكوك يلحق بالأعمّ الأغلب.

احتجّ القائل بوجوب العمل بهما بأنّ التأسيس في المحاورات أكثر، فيجب حمله عليه؛ إلحاقا للفرد بالأكثر الأغلب، و بأنّ فائدته- و هو (5) إيجاب آخر- أولى و أظهر من فائدة التأكيد، و هو (6) نفي و هم التجوّز، و الحمل على الأولى الأظهر أولى و أظهر. و بأنّ الأمر ظاهر في الوجوب أو الندب أو القدر المشترك، و لو حمل على التأكيد لم يستعمل في شي‏ء منها (7).

____________

(1). هذا قيد لصورة التخالف، و لا يخفى ما في تعاند المخالفين.

(2). أي كانا متخالفين يمكن الجمع بينهما.

(3). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 125، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 215، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 206 و 207.

(4). قاله البصري في المعتمد 1: 162.

(5). التذكير باعتبار الخبر.

(6). التذكير باعتبار الخبر.

(7). تقدّم آنفا.

675

و الجواب عن الأوّل: أنّ أكثريّة التأسيس في المحاورات إنّما هي في صورة عدم التكرير، و أمّا عنده فالتأكيد أكثر، كما اشير إليه‏ (1).

و عن الثاني: أنّ أولويّة فائدة زائدة في صورة لم يلزم فيها زيادة تكليف، و مع لزومها فهي منفيّة. و لو سلّمت فهي تعارض بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما، و يبقى الآخر سالما.

و عن الثالث: أنّ حمل اللفظ على التأكيد، لا يخرجه عن معناه الأصلي، فالأمر الثاني أيضا مستعمل في أحد الثلاثة، إلّا أنّ المأمور به هو الأوّل.

و على الثاني‏ (2) يجب العمل بهما؛ لأنّ العطف دليل التغاير، و لم يعهد ورود التأكيد بواو العطف، أو يقل‏ (3)، فإن اقترن بالثاني مع العطف أحد موانع التكرير، وقع التعارض بين مقتضي التكرير و مانعة، فيصار إلى الترجيح، فيقدّم الأرجح، و مع فقده يجب الوقف. فلو كان الثاني مع العطف معرّفا باللام، فإن احتمل كونه لتعريف الطبيعة- كما يحتمل تعريف المعهود- فيكون التكرير أرجح؛ لأنّ مقتضيه يقيني، و المانع محتمل. و إن تعيّن كونه لتعريف المعهود وجب الوقف؛ لتعادلهما. هذا.

و يظهر فائدة الخلاف في مواضع متكثّرة: منها: إذا كرّر الأمر بالطلاق و كان له زوجتان أو أكثر، أو كرّر الأمر بالعتق و كان له عبيد.

و على ما اخترناه لا يخفى حقيقة الحال.

ثمّ لو كان أحدهما عامّا و الآخر خاصّا، مثل «صم كلّ يوم، صم يوم الخميس»، فإن لم يكن الثاني معطوفا على الأوّل، كان تأكيدا؛ لأنّ الثاني كان داخلا في الأوّل، فلا معنى للتأسيس، و لا ينافي عموم الأوّل حتّى يخصّص به.

و إن كان معطوفا عليه، فقيل: لا يكون حينئذ داخلا تحت الأوّل، و إلّا لم يصحّ العطف؛ لأنّه دليل التغاير (4).

____________

(1). اشير إليه بعيد هذا.

(2). أي صورة كان المثل فيها معطوفا على مثله.

(3). عطف على «يعهد» أي لم يعهد أو لم يقل.

(4). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 130، و الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 217، و حكاه البصري عن قاضي القضاة عبد الجبّار في المعتمد 1: 164.

676

و قيل: يكون داخلا تحته؛ لظاهر العموم‏ (1).

و قيل بالوقف؛ لتعارض ظاهر العموم و العطف‏ (2).

و أنت تعلم أنّ [مقتضى‏] (3) قطعيّة العموم، و جواز تأتّي التأكيد بالعطف- و إن كان نادرا- ترجيح الثاني.

و يتفرّع عليه مسائل كثيرة: منها: ما لو قال: «أوصيت لزيد و للفقراء بثلث مالي» سواء وصف زيدا بالفقر أو لا، و سواء قدّمه على الفقراء أو لا. و فيه أقوال متعدّدة مذكورة في كتب الفروع‏ (4).

و على ما اخترناه لا يخفى حقيقة الحال فيه، و في نظائره.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما ذكرناه في الأمرين المتعاقبين يجري في جميع ما يثبت أحد الأحكام من خبرين متعاقبين، أو أمر و خبر.

فصل [13] [: في أنّ الأمر بالعلم بشي‏ء لا يستلزم حصول هذا الشي‏ء]

الأمر بالعلم بشي‏ء لا يستلزم حصول هذا الشي‏ء، فإذا قال: «اعلم أنّ زيدا قائم»، فلا يدلّ على حصول قيامه؛ لأنّ الأمر لطلب ماهيّة في المستقبل، فإذا كانت علما بشي‏ء فربّما يكون هذا الشي‏ء موجودا؛ فيكون المراد الأمر بالعلم بوقوعه، و ربّما لم يوجد بعد فيكون الأمر بالعلم به إذا وقع، فهو أعمّ منهما، و لذا يصحّ تقسيمه إليهما، و العامّ لا يدلّ على الخاصّ.

و يتفرّع عليه أن لا يكون قول الرجل لآخر: «اعلم أنّي طلّقت زوجتي» إقرارا.

و لكنّ الأقوى أنّه إقرار؛ لدلالة العرف عليه.

فصل [14] [: في أنّ المخبر بأمر غيره بالشي‏ء يدخل فيه إن تناوله‏]

المخبر بأمر غيره بالشي‏ء يدخل فيه إن تناوله، سواء أخبر عنه بكلام نفسه، كقوله «فلان‏

____________

(1). هو رأي أبي بكر الصيرفي أيضا كما في هامش العدّة في أصول الفقه 1: 215، و لكنّ الشيخ نسبه إلى قوم، و الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 391.

(2). قاله البصري في المعتمد 1: 164.

(3). اضيف بمقتضى السياق.

(4). راجع تمهيد القواعد: 127، القاعدة 36.

677

يأمرنا بكذا» أو بكلام ذلك الغير، كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا (1)»، و إلّا فلا يدخل فيه على الشقّين، كقوله: «فلان يأمركم بكذا»، و قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

«قال اللّه: وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ (2)»، و الوجه في الجميع ظاهر.

و يتفرّع عليه دخول المخبر عن الوصيّة لطائفة مخصوصة، أو الوقف عليهم في الموصى لهم، و الموقوف عليهم إن كان منهم، و عدم دخوله فيهما إن لم يكن منهم.

فصل [15] [: في الإجزاء]

الإجزاء قد يفسّر بحصول الامتثال، و قد يفسّر بسقوط القضاء.

فعلى الأوّل لا ريب في أنّ الأمر يوجبه، بمعنى أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه- أي كما أمر به الشارع- يوجب حصول الامتثال، و هو متّفق عليه.

و على الثاني فقد اختلف فيه، فقيل: يقتضيه‏ (3). و قيل: لا (4).

و استدلّ للأوّل بأنّه لو لم يوجبه، لم يعلم امتثال أبدا؛ لجواز أن يأتي بالمأمور به و لا يسقط عنه، بل وجب عليه فعله مرّة اخرى قضاء، و كذلك الحكم في القضاء إذا فعله؛ و بأنّ القضاء عبارة عن استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء، و الفرض أنّه قد أتى بالمأمور به على وجهه، و لم يفت شي‏ء منه‏ (5).

و استدلّ للثاني بأنّ القضاء يتوقّف على أمر جديد، فلا يترتّب على الأداء، و لو اقتضى الإتيان بالمأمور به سقوطه، لثبت ترتّبه عليه‏ (6).

و فيه: أنّ المراد من كون القضاء فرضا جديدا متوقّفا على أمر جديد، أنّ عدم الإتيان بالمأمور به في وقته لا يستلزم وجوب فعله بعد ذلك، لا أنّ الإتيان به لا يستلزم سقوطه.

____________

(1). البقرة (2): 21.

(2). النساء (4): 59.

(3). قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 212 و 213، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 196.

(4). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 246، و نسبه الآمدي إلى القاضي عبد الجبّار و متّبعيه في الإحكام في أصول الأحكام 2: 195.

(5). قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 213، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 196.

(6). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 246 و 247.

678

و بأنّه لا يسقط عن المصلّي بظنّ الطهارة إذا تبيّن كونه محدثا وفاقا، مع ثبوت الإتيان بالمأمور به على وجهه.

و هو معارض بسقوطه عنه بظنّ طهارة ثوبه إذا تبيّن نجاسته.

و بأنّه لا يسقط عن متمّم الحجّ الفاسد وفاقا، مع أنّ إتمامه إتيان بالمأمور به على وجهه.

و فيه: أنّ ما وجب في الحجّ إنّما هو قضاء ما فسد، و الإتمام فعل آخر وجب بأمر، و هو لم يجب قضاؤه، فما فعل سقط قضاؤه، و الذي يجب قضاؤه لم يفعل.

و إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحقّ أنّه إن اريد من قولنا: «على وجهه» ما وافق مراد الآمر في الواقع، فلا ريب أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يوجب سقوط القضاء، و الخروج عن العهدة؛ لما ذكرناه أوّلا (1).

و إن اريد منه ما وفق مراده بظنّ المكلّف، فهو قد يوجبه و قد لا يوجبه؛ لورود الأمرين في الشريعة، كما ذكرناه‏ (2).

فصل [16] [: في أنّ حدّ النهي هو القول الدالّ بالوضع على طلب الترك استعلاء]

لمّا عرفت‏ (3) أنّ المطلوب بالنهي هو عدم الفعل، فيعلم أنّ حدّه هو القول الدالّ بالوضع على طلب الترك استعلاء، و هذا هو مقابل حدّ الأمر على ما ذكرناه، فهو الصحيح من حدوده على ما اخترناه. و ما قيل في حدّ الأمر من الحدود المزيّفة قيل مقابلها في حدّ النهي‏ (4) أيضا.

و بعد الإحاطة بما تقدّم في حدّ الأمر تعلم صحّة هذا الحدّ، و شرحه و فائدة قيوده، و بطلان ما سواه. و من قال: المطلوب بالنهي الكفّ عن الفعل عرّفه بأنّه القول الدالّ على اقتضاء كفّ عن فعل استعلاء، كما عرّف الأمر بمقابله و هو القول الدالّ على اقتضاء فعل غير كفّ‏ (5).

____________

(1). تقدّم في ص 677، ذيل «و استدلّ للأوّل».

(2). تقدّم في ص 677، ذيل قوله: «و استدلّ للثاني».

(3). في ص 666.

(4). راجع: المحصول 2: 16- 18، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 208، و قد تقدّمت الأقوال في حدّ الأمر ص 677.

(5). راجع: المعتمد 1: 168، و معارج الاصول: 76، و نهاية السؤل 2: 293، و معالم الدين: 94.

679

فإن قيل: يرد على عكس حدّك «لا تترك»؛ فإنّه نهي مع أنّه يدلّ على طلب ترك الترك لا الترك، و على طرده «اترك»؛ فإنّه أمر مع أنّه يدلّ على الترك، كما يرد كلّ منهما على مقابله الذي اخترته في حدّ الأمر، إلّا أنّ الوارد هنا على الطرد، يرد هناك على العكس، و بالعكس.

قلت: المراد من الترك في حدّ النهي ترك مأخذ الاشتقاق، فإنّ المراد من «لا تضرب» ترك الضرب، و كذا المراد من الفعل في حدّ الأمر فعل مأخذ الاشتقاق، فإنّ المراد من «اضرب» فعل الضرب، و «اترك» لا يدلّ على فعل مأخذ الاشتقاق بل على فعله، فيخرج عن النهي و يدخل في الأمر، و «لا تترك» لا يدلّ على فعل مأخذ الاشتقاق بل على تركه، فيخرج عن الأمر و يدخل في النهي.

و يمكن أن يجاب باعتبار اختلاف الحيثيّة، بأن يقال: مثل «اترك الزنا» يدلّ على طلب الترك من حيث إنّ الترك ملحوظ لذاته، و مطلوب في نفسه، كالصوم و الصلاة في «صم» و «صلّ»، فهو بالاعتبار الأصلي المقصود لذاته مضاف إلى الترك، فبهذا الاعتبار يكون أمرا، و إن كان بالاعتبار التبعي و هو إضافته إلى الزنا نهيا. و أمّا مثل «لا تزن» فدلالته على الترك من حيث تعلّقه بالزنا، لا من حيث إنّه ملحوظ بذاته، و مقصود في نفسه، فالغرض الأصلي منه عدم الزنا. فالترك في الأوّل مستقلّ بالمفهوميّة، و في الثاني غير مستقلّ بها.

ثمّ بمثل هذين الجوابين يمكن دفع ما اورد على حدّي الأمر و النهي للقائل بالكفّ، و هو أنّهما ينتقضان عكسا و طردا ب «كفّ و لا تكفّ» (1) فلا ينتقضان من هذه الجهة و إن لم يكونا صحيحين عندنا من حيث اعتبار الكفّ.

ثمّ تحديدهما بنفس اقتضاء الكفّ، أو فعل غير كفّ دون القول الدالّ عليه- كما فعله ابن الحاجب‏ (2)- فلا ريب في فساده عندنا؛ لما اشير إليه في حدّ الأمر (3).

____________

(1). حكاه الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 2: 100، و المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤال 2: 309- 311.

(2). قاله في منتهى الوصول: 89.

(3). في ص 672- 673.

680

فصل [17] [: في معاني صيغة النهي‏]

صيغة النهي- و هي «لا تفعل» و ما بمعناه- ترد لتسعة معان:

التحريم: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا (1).

الكراهة: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا (2).

التحقير: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ‏ (3).

بيان العاقبة: وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا (4).

الدعاء: لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا (5).

اليأس: لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ‏ (6).

الإرشاد: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏ (7).

التسلية: وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏ (8).

الشفقة: «لا تتّخذوا الدوابّ كرامتي».

و لا خلاف في أنّها ترد لهذه المعاني، و لا في أنّها ليست حقيقة في الجميع، بل الخلاف فيما هي حقيقة فيه على نحو الخلاف في الأمر.

فقيل: إنّه للتحريم‏ (9). و قيل: الكراهة (10). و قيل: القدر المشترك بينهما (11). و قيل: القدر المشترك بينهما (11). و قيل: مشتركة بينهما (12). و قيل فيه أقوال أخر (13).

____________

(1). آل عمران (3): 130.

(2). القصص (28): 77.

(3). الحجر (15): 88.

(4). إبراهيم (14): 42.

(5). البقرة (2): 286.

(6). التحريم (66): 7.

(7). المائدة (5): 101.

(8). الحجر (15): 88.

(9). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 281، و العلّامة في تهذيب الوصول: 121، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 293.

(10- 11- 12- 13). راجع: الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 174- 176، و العدّة في أصول الفقه 1: 255، و المستصفى: 221، و فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 396، و المحصول 2: 282، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 209، و الوافية: 89. فما قيل في الأمر قيل في النهي.

681

و الحقّ- هنا أيضا نظير ما تقدّم‏ (1) في الأمر من- أنّها للتحريم لغة، و شرعا، و عرفا.

لنا: تبادره عرفا عند الإطلاق، و لذا يذمّ العبد بفعل ما نهاه المولى عنه، و الأصل عدم النقل. و سائر ما تقدّم في الأمر سوى الآيات و إن أمكن أن يقال بجريانها أيضا فيه؛ لعدم الفرق بينهما إلّا في متعلّق الطلب.

و لنا قوله تعالى: وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2)، أوجب الانتهاء عمّا نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنه؛ لما ثبت من كون الأمر للوجوب، و ما يجب عنه الانتهاء فقد حرم فعله، و تحريم ما نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنه يدلّ بالفحوى على تحريم ما نهى اللّه سبحانه عنه. فلا يرد أنّ موضع النزاع أعمّ ممّا يدلّ عليه الآية.

و قوله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏ (3)، و وجه دلالته على المطلوب ظاهر.

و قوله تعالى: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏ (4).

و قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى‏ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا (5). و وجه دلالتهما أنّهما وردا في معرض الإنكار و الذمّ على الرجوع إلى المنهيّ عنه، و لو لم يكن الرجوع إليه محرّما، لما توجّه الذمّ، و القول باحتمال توجّه الذمّ على ترك الأولى خلاف الظاهر.

ثمّ بعد دلالة الآيات على التحريم يثبت عموم المطلوب بأصالة عدم النقل.

لا يقال: المسلّم دلالة الآيات على حرمة ما نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنه، لا على دلالة صيغة «لا تفعل» على التحريم، فمن أين يعلم أنّ ما نهى به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو هذه الصيغة؟ فلعلّ ما يتحقّق به النهي التحريمي غير هذه الصيغة، أو هي مع ضمّ القرائن الدالّة على التحريم، و كان الصادر عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في مقام النهي أحدهما دون مجرّد الصيغة.

لأنّا نقول: إنّ حقيقة النهي- كما عرفت‏ (6)- هو القول الدالّ على طلب الترك وضعا، و هو

____________

(1). ص 602.

(2). الحشر (59): 7.

(3). الأعراف (7): 166.

(4). الأنعام (6): 28.

(5). المجادلة (58): 8.

(6). في ص 678.

682

ليس إلّا صيغة «لا تفعل» و ما بمعناها؛ لما تقدّم‏ (1)، فما ذا يمنعها من كونها نهيا بعد انحصار حقيقته بها؟ و أنت بعد الإحاطة بما تقدّم في الأمر (2)، تتمكّن من دفع أمثال ما ذكر.

و إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الفروع له كثيرة، و كيفيّة التفريع ظاهرة.

و ممّا يتفرّع عليه تحريم مباحات على العبد بعد ما قال المولى له: «لا تفعلها»، و كذا تحريم كلّ تصرّف في مال الغير إذا أذنه فيه ثمّ نهاه عنه.

فصل [18] [: في أنّ النهي المطلق للتكرار و الدوام‏]

الحقّ أنّ النهي المطلق للتكرار و الدوام، خلافا لشرذمة قليلة (3).

لنا: أنّه لمنع إدخال الحقيقة في الوجود، فيعمّ جميع الأوقات، و أنّ تخصيص وقت دون آخر به من غير مرجّح تحكّم، و استدلال‏ (4) السلف بمطلقه على عموم التحريم شائعا ذائعا من غير نكير، و إذا أفاد التكرار أفاد الفور؛ لتوقّفه عليه.

احتجّ الخصم بأنّه يصحّ تقييده بالدوام و نقيضه من غير تكرار و نقض.

و بأنّه ورد للتكرار كقوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ (5)، و لخلافه كنهي الحائض عن الصلاة و الصوم، و قول الطبيب «لا تشرب اللبن، و لا تأكل اللحم» و الاشتراك و المجاز خلاف الأصل، فيكون للقدر المشترك.

و الجواب عن الأوّل: أنّ التقييد بالدوام للتأكيد، و بخلافه للتجوّز.

و عن الثاني: أنّ المبحث، النهي المطلق من دون قرينة، و نهي الحائض مقيّد، و قول الطبيب مقرون بالقرينة.

و كيفيّة التفريع واضحة.

____________

(1). في ص 680.

(2). راجع حدّ الأمر في ص 596.

(3). منهم: الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 256، و البصري في المعتمد 1: 168، و العلّامة في تهذيب الوصول:

121، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 288، و قالوا: وزان النهي هو وزان الأمر.

(4). عطف على قوله: «أنّه لمنع إدخال الحقيقة» أي لنا استدلال السلف بأخذهم بمطلق الصيغة.

(5). الإسراء (17): 32.

683

فصل [19] [: في أنّ النهي بعد الوجوب هل هو للجواز أو للحظر]

من قال إنّ الأمر بعد الحظر للوجوب قال: النهي بعد الوجوب للحظر؛ طردا لبابي الأمر و النهي. و من قال بأنّه بعد الحظر للجواز، اختلفوا في أنّ النهي بعد الوجوب للجواز أو الحظر، فقال بعضهم بالأوّل‏ (1)؛ طردا لبابيهما. و قال بعضهم بالثاني‏ (2)؛ لأنّ النهي لدفع المفسدة و الأمر لجلب المنفعة، و اعتناء الشارع بالأوّل أشدّ.

و الحقّ أنّ اطّراد بابيهما لازم؛ لعدم الفرق دلالة، فعلى ما اخترناه هناك لا يخفى جليّة الحال هنا اختيارا، و إيرادا، و جوابا، و تفريعا.

تتمّة (3): [في أنّ النهي بعد الاستئذان كالنهي بعد الوجوب‏]

قال بعضهم: الأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر (4). و على هذا يكون النهي- أيضا- بعد الاستئذان كالنهي بعد الوجوب.

و يظهر الفائدة فيما لو أوصى في مرض الموت بأكثر من الثلث؛ فإنّه قد نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنه في قضيّة سعد بن أبي وقّاص‏ (5)، مع أنّ التصرّف فيه قبل مرض الموت كان مأذونا فيه.

فصل [20] [: في أنّ النهي عن الشي‏ء إمّا أن يكون لعينه أو جزئه أو وصفه‏]

النهي عن الشي‏ء إمّا أن يكون لعينه، أو جزئه، أو وصفه اللازم، أو المفارق. و على التقادير إمّا أن يكون في العبادات، أو المعاملات. و الدلالة على الفساد إمّا تكون بحسب الشرع، أو اللغة، أو كليهما. فمن ملاحظة هذه الاحتمالات بعضها مع بعض يتصوّر أقسام كثيرة، إلّا أنّ كلّ واحد منها لم يجعل مذهبا، بل ما جعل منها مذهبا خمس‏ (6):

____________

(1). راجع: اصول السرخسي 1: 97، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 198.

(2). انظر منتهى الوصول لابن الحاجب: 98، و التمهيد: 271.

(3). في «ب»: «فصل».

(4). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 96. و راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1: 432.

(5). سنن ابن ماجة 2: 903، ح 2708، و سنن النسائي 6: 243، ح 3625، و صحيح مسلم 3: 1250، ح 5/ 1628.

(6). كذا في النسختين. و الصحيح: خمسة أي خمسة أقسام.

684

الأوّل: دلالته على الفساد مطلقا.

الثاني: عدم دلالته عليه مطلقا. نقله بعض العامّة عن أكثر الفقهاء (1).

الثالث: دلالته عليه مطلقا شرعا لا لغة. اختاره المرتضى منّا (2)، و الحاجبي منهم‏ (3).

الرابع: دلالته عليه شرعا بشرط أن لا يرجع النهي إلى وصف غير لازم، بل إلى عين المنهيّ عنه، أو جزئه، أو وصفه اللازم؛ اختاره بعض أصحابنا (4)، و أكثر الشافعيّة (5)، و فخر الدين الرازي‏ (6).

الخامس: دلالته عليه مطلقا في العبادات دون المعاملات. اختاره أكثر المتأخّرين من أصحابنا، و جماعة من العامّة (7)، و هو الحقّ.

و قبل الخوض في الاستدلال لا بدّ لنا من تمهيد مقدّمتين:

[المقدّمة] الاولى: النهي عن الشي‏ء لعينه هو أن يتعلّق بنفسه لا بما ينسب إليه، كأن يقال: «لا تفعل هذا الكلّ» سواء كان عبادة، أو معاملة.

و منه: ما إذا رجع النهي إلى نفس العقد، كبيع الملامسة (8) و المنابذة. و من المنابذة بيع الحصاة، مثل أن يقول: «بعتك من هذه الأثواب ما يقع عليه هذه الحصاة إذا رميتها»، فيجعل نفس الرمي بيعا، و هو باطل؛ لاختلال أصل العقد باختلال الصيغة.

و منه: النكاح الواقع بلفظ التحليل، و الطلاق الواقع بالكنايات.

و النهي عنه لجزئه أن يتعلّق بأحد مقوّماته و ذاتيّاته، كالنهي عن قراءة العزائم في‏

____________

(1). الناقل هو الفخر الرازي في المحصول 2: 291.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 180.

(3). منتهى الوصول: 100.

(4). انظر المعتبر 2: 92.

(5 و 7). حكاه عنهم الأسنوي في التمهيد: 293.

(6). المحصول 2: 291.

(8). و الملامسة في البيع أن تقول: «إذا لمست ثوبك أو لمست ثوبي فقد وجب البيع بكذا».

685

اليوميّة، بناء على جزئيّة السورة. و عن بيع الملاقيح‏ (1)؛ نظرا إلى انتفاء صفة معتبرة في المبيع- الذي هو جزء للبيع- و هو (2) كونه مقدورا للتسليم.

و منه: النهي عن بيع الميتة و الخمر، و نكاح المحرّمات.

و النهي عنه لوصفه اللازم أن يتعلّق بصفة من صفاته الداخلة فيه، و هو إمّا لازم مساو، أو أعمّ، أو أخصّ، كالنهي عن الجهر في الفرائض النهاريّة، و عن عقد الربا؛ فإنّ المنهيّ عنه هو الزيادة، و هو أمر لازم للعقد.

و منه: النهي عن نكاح الشغار (3).

و النهي عنه لوصفه الخارج أن يتعلّق بتشخّص عارض له، أو لسائر مقارناته‏ (4) من المكان و الزمان، كالنهي عن الصلاة في المكان المغصوب، و عن البيع وقت نداء الجمعة.

و قد يتعلّق بأمر عارض له ليس من صفاته و لا من هيئاته التي تتوقّف عليه، كالنهي عن «آمين» بعد الحمد.

و قد يخصّ النهي عن الشي‏ء لوصفه اللازم باسم النهي لوصفه، و يطلق‏ (5) على النهي عنه لمقارنة النهي عن الشي‏ء لغيره.

ثمّ فيما عدا الأوّل يحصل للنهي جهتان:

إحداهما: النهي عن الشي‏ء لجزئه، أو لازمه، أو مقارنه.

و الثانية: النهي عنه لعينه؛ لأنّ كلّا من الجزء و اللازم و المقارن منهيّ عنه بعينه، فالجهة الثانية تستتبع حكم الأوّل من كلّ جهة.

____________

(1). الملاقيح: ما في ظهور فحول الإبل و الخيل من اللقاح، و ما في بطون الامّهات من الأجنّة. لسان العرب 2: 580، «ل ق ح».

(2). أي الصفة المعتبرة. و التذكير باعتبار الخبر.

(3). مصدر شاغره، و هو أن يزوّج كل واحد صاحبه امرأة ممّن له عليها الولاية و السلطة بشرط أن يزوّجه اخرى كذلك، فيجعل مهر كلّ واحد من الامرأتين تزويج الآخر. لسان العرب 4: 417، «ش غ ر».

(4). في «ب»: «بسائر مقارناتها».

(5). المستتر في «يطلق» راجع إلى النهي عن الشي‏ء لوصفه اللازم.

686

[المقدّمة] الثانية: الفساد مقابل الصحّة،

و هي في العبادات- و يقال لها: «الصحّة العباديّة»- إمّا موافقة الأمر، كما قال به المتكلّمون‏ (1). أو كون الفعل بحيث يسقط به القضاء، كما قال به الفقهاء (2). فالفساد فيها إمّا عدم موافقة الأمر، أو كون الفعل بحيث لا يسقط به القضاء، و يقال له: «الفساد العبادتي» (3). و قد عرفت‏ (4) أنّ الحقّ قول المتكلّمين.

و أمّا الصحّة في العقود و المعاملات- و يقال لها: «الصحّة السببيّة»- فهي ترتّب الأثر الشرعي وفاقا، فالفساد فيها عدم ترتّبه، و يقال له: «الفساد السببي».

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ ما اخترناه يشتمل على دعويين:

إحداهما: أنّ النهي عن الشي‏ء لعينه، أو جزئه، أو وصفه المطلق في العبادات يدلّ على الفساد لغة و شرعا.

و اخراهما: أنّه لا يدلّ عليه في المعاملات مطلقا.

لنا على الاولى وجوه:

[الوجه‏] الأوّل: أنّ العبادة المنهيّ عنها لعينها، أو جزئها، أو شرطها لا توافق أمر الشارع؛ إذ لو وافقته، لكانت مأمورا بها أيضا و هو باطل؛ لاستحالة اجتماع الأمر و النهي على شي‏ء واحد؛ للإجماع‏ (5)، و لأنّ النهي يكشف عن كون المأتي به مفسدة (6) قبيحة، و الأمر يقتضي كونه مصلحة (7) حسنة و هما متضادّتان، فلا تجتمعان في محلّ واحد.

و عدم الموافقة هو الفساد في العبادات، كما عرفت‏ (8). و قد تبيّن فيما تقدّم بيان استحالة

____________

(1). حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 209.

(2). حكاه عنهم الفخر الرازي في المحصول 2: 291.

(3). كذا في النسختين. و الصحيح: «الفساد العبادي».

(4). تقدّم آنفا.

(5). لا يخفى ما في تعليل الاستحالة بالإجماع، إلّا أن يسقط من هنا العاطف فيكون وجها ثانيا لعدم الموافقة.

(6 و 7). و المراد هو ذا مفسدة و مصلحة إمّا بتقدير «ذي»، أو بحمل «المفسدة» و «المصلحة» على سبب الفساد و الصلاح كما في اللغة. و قوله: «هما متضادّتان فلا تجتمعان في محلّ واحد» يؤيّد الأوّل.

(8). تقدّم آنفا.

687

كون شي‏ء واحد مأمورا به و منهيّا عنه من جهة، أو جهتين مفصّلا (1)، و يلزم منه ثبوت جميع ما نحن بصدده.

بيانه: أنّه إذا بيّن استحالة اجتماع الأمر و النهي، أو بعض الأحكام مع بعضها الآخر من جهة واحدة، يثبت منه فساد المنهيّ عنه لعينه و جزئه؛ لأنّه لولاه لزم كون الكلّ أو (2) الجزء مأمورا به و منهيّا عنه.

و إذا بيّن استحالة اجتماعهما من جهتين متلازمتين، يثبت منه فساد المنهيّ عنه لوصفه اللازم المساوي.

و إذا بيّن استحالة اجتماعهما من جهتين ينفكّ إحداهما عن الاخرى حتّى يتحقّق بين متعلّق الأمر و النهي عموم و خصوص مطلقا يثبت منه فساد المنهيّ عنه لوصفه اللازم الأخصّ- الذي يلزمه شرعا أو عقلا [و لا ينفكّ‏] (3) عن بعض أفراده و إن انفكّ عن بعضها الآخر- و الأعمّ الذي يلزمه و إن وجد في غيره أيضا، و لوصفه المفارق الأخصّ- أي الذي يعرض لبعض أفراده و إن لم يعرض لبعض آخر- و الأعمّ، أي الذي يعرض لجميع أفراده و إن عرض لغيره أيضا؛ لأنّ‏ (4) تحقّق العموم و الخصوص مطلقا إمّا بأن يكون المأمور به طبيعة كلّيّة و المنهيّ عنه فردها (5)، أو جزءه‏ (6)، أو لازمه، أو مفارقه. و هذا اللازم أو المفارق بالنسبة إلى طبيعة المأمور به و إن لم يكن عارضا أو لازما البتّة؛ إذ عروضه‏ (7) لبعض أفراده، إلّا أنّه بالنسبة إلى الفرد لازم أو عارض البتّة.

مثال الأوّل: النهي عن الجهر في قراءة الصلوات النهاريّة مع الأمر بمطلق القراءة؛

____________

(1). تقدّم آنفا.

(2). في «ب»: «و».

(3). اضيف للضرورة.

(4). تعليل لأقسام فساد المنهيّ عنه الأربعة، و هي فساده لوصفه اللازم الأخصّ و الأعمّ، و لوصفه المفارق الأخصّ و الأعمّ.

(5). إشارة إلى «طبيعة كلّيّة».

(6). إشارة إلى «المأمور به».

(7). متعلّق بمقدّر خبر لعروضه و ليس متعلّقا بالعروض.

688

فإنّ الجهر لازم لبعض أفراد القراءة (1).

و مثال الثاني: النهي عن الصلاة في المكان المغصوب مع الأمر بمطلق الصلاة، و النهي عن صوم يوم العيد مع الأمر بمطلق الصوم؛ فإنّ المكان المغصوب و يوم العيد و إن لم يتعلّقا بمطلق الصلاة و الصوم إلّا أنّهما تعلّقا بالنسبة إلى بعض الأفراد و هو الصلاة الواقعة في المكان الغصبي و الصوم الواقع في يوم العيد، و ليسا بالنسبة إلى هذا البعض لازمين كالجهر؛ لعدم مدخليّتهما في هيئته.

و إذا (2) لم يجز اجتماع مثل هذا الأمر و النهي‏ (3)، فإذا تعلّق النهي بالجهر و الصلاة في المكان المغصوب، و الصوم يوم العيد، دلّ على فسادها.

و إمّا (4) بأن يكون المنهيّ عنه طبيعة كلّيّة، و المأمور به فردها، أو جزءه، أو ملزومه، أو معروضه. و هي‏ (5) و إن كانت لازمة أو عارضة لهذا الملزوم أو المعروض، إلّا أنّها تكون لازمة أو عارضة لغيرهما أيضا.

مثال الأوّل: أن يقدّر ورود النهي عن مطلق الجماعة مع الأمر بصلاة الجمعة؛ فإنّ الجمعة لا تنفكّ عن الجماعة شرعا، و الجماعة توجد في غيرها أيضا.

و مثال الثاني: النهي عن التصرّف في المكان المغصوب مع الأمر بالصلاة فيه.

فإذا لم يجز ذلك دلّ النهي على بطلان صلاة الجمعة و الصلاة في المكان المغصوب.

و إذا بيّن‏ (6) استحالة اجتماعهما من جهتين ينفكّ كلّ منهما عن الاخرى- حتّى يتحقّق بين المأمور به و المنهيّ عنه عموم و خصوص من وجه- يثبت فساد المنهيّ عنه لوصفه المفارق؛ لأنّ تحقّق العموم من وجه يتوقّف على أن يكون كلّ من المأمور به و المنهيّ عنه‏

____________

(1). و هو القراءة التي ليست بإخفاتيّة، فالجهر ليس لازما لمطلق القراءة حتّى الإخفاتيّة، للزوم اجتماع الضدّين، و لازم و وجه لزومه، أنّ غير الإخفاتيّة لو انفكّ عنها الجهر أيضا، للزم رفع الضدّين لا ثالث لهما، للفرد و إلّا يلزم ارتفاعهما.

(2). في «ب»: «و إن».

(3). أي الأمر المتعلّق بالطبيعة، و النهي المتعلّق بلازم الفرد أو عارضه.

(4). عطف على قوله: «إمّا بأن يكون ...» في ص 687.

(5). أي طبيعة المنهيّ عنه.

(6). عطف على قوله: «إذا بيّن استحالة اجتماع الأمر و النهي» في ص 687.