أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
689

طبيعة كلّيّة يجتمعان في شي‏ء هو فرد لكلّ منهما. و لا شكّ أنّ طبيعة المنهيّ عنه حينئذ عرض مفارق بالنسبة إلى طبيعة المأمور به و إلى هذا الفرد.

مثاله ورد الأمر بمطلق الصلاة، و تعلّق النهي بمطلق التصرّف في المكان المغصوب، و هما قد اجتمعا في الصلاة في المكان المغصوب. و التصرّف في المكان عرض مفارق بالنسبة إلى مطلق الصلاة و إلى هذا الفرد.

و إذا لم يجز اجتماع مثل هذا الأمر و النهي، دلّ النهي على فساد مثل هذه الصلاة. هذا.

و إذا تعلّق النهي بشي‏ء لعينه، أو جزئه، أو وصفه اللازم، أو المفارق من غير أن يكون مأمورا به، أي لم يتعلّق به أمر يدلّ على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة عموما، أو خصوصا، كالإمساك في يوم و ليلة بقصد التقرّب فلا ريب في دلالته على فساده، و لا يكون عبادة موافقة لأمر الشارع، و لا معاملة يترتّب عليها الأثر الشرعي، بل يكون بدعة و ضلالة.

و إن كان مأمورا به بأحد الوجوه المذكورة، فلا بدّ في الأوّل‏ (1) من الجمع إن أمكن، و إلّا فالطرح. و كذا في الثاني. و في الثالث لا بدّ من حمل العامّ على الخاصّ. و في الرابع من تخصيص أحدهما بالمؤيّدات الخارجيّة؛ لئلّا يلزم الاجتماع بوجه، كما تقدّم مفصّلا (2).

فإن قيل: إذا لزم من امتناع اجتماع الأمر و النهي دلالة النهي على الفساد، فأيّ حاجة إلى عقد المسألتين؟

قلت: لا يلزم منه إلّا دلالة النهي على الفساد في العبادات لا المعاملات؛ لأنّه اقتضى استحالة اجتماع الوجوب و الحرمة بل الإباحة و الحرمة حرمة المنهيّ عنه، و هو عين فساده إذا كان عبادة، أو مستلزم له لزوما بيّنا؛ لأنّ فساده عدم كونه مراد الشارع و هو عين الحرمة أو لازمها.

و أمّا المعاملة، فحرمتها ليست عين فسادها و لا مستلزمة له؛ لإمكان أن لا تكون مطلوبة للشرع و لكن يترتّب عليها آثارها، فمطلوب القوم من هذه المسألة بيان دلالة النهي على الفساد السببي‏ (3)، أو عدم دلالته عليه.

____________

(1). أي النهي عن الشي‏ء لعينه.

(2). تقدّم في ص 687.

(3). تقدّم في ص 686 معنى الفساد السببي.

690

و قد ظهر من ذلك أنّ الدليل المذكور (1) لا يجري في غير العبادات.

و القول بإجرائه فيه- إذ التجارة مثلا (2) قد تكون واجبة و قد تكون مستحبّة، و على تقدير أن لا تكون إلّا مباحة يلزم أيضا من النهي عنها مع القول بصحّتها اجتماع حكمين فيها و هو غير جائز؛ لأنّ الأحكام كلّها متضادّة لا يمكن اجتماعها؛ إذ قد اعتبر في كلّ منها نقيض ما اعتبر في الآخر (3)- ظاهر الفساد؛ لأنّ التجارة من حيث إنّها واجبة أو مستحبّة من العبادة (4)، فرفعهما بالنهي فساد عبادتي‏ (5)، و لا ريب في تحقّقه بالنهي و عدم اجتماع وجوبها أو استحبابها معه، و ليس الكلام فيه؛ لأنّها من هذه الجهة داخلة في قولنا: «النهي عن العبادة يستلزم فسادها». إنّما الكلام في الفساد السببي و هو غير لازم من النهي؛ لأنّ مقابله- و هو الصحّة بمعنى استتباع الآثار- يجتمع مع مدلول النهي- أي الحرمة- و لا يلزم من اجتماعهما اجتماع الأحكام المتضادّة؛ لأنّها هي الخمسة المعروفة، و الصحّة السببيّة ليست أحد الأربعة غير الحرمة لتضادّها (6).

و حاصله: أنّه ليس بين السببيّة التي هي من الأحكام الوضعيّة و الحكم التكليفي تقابل حتّى يمتنع اجتماعهما.

فإن قيل: المسلّم عدم جواز تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي ذاتا و اعتبارا أو (7) من جهتين لا يمكن الانفكاك بينهما، فثبت منه فساد المنهيّ عنه لعينه، أو لجزئه، أو للازمه المساوي. و أمّا عدم جوازه من جهتين يمكن الانفكاك بينهما، فغير مسلّم؛ للتغاير حينئذ بين المأمور به و المنهيّ عنه؛ فإنّ النهي عن الصلاة في المغصوبة متعلّق بخصوص هذا الفرد الواقع فيها، و الواجب هو ماهيّة الصلاة لا هذا الكون المخصوص الذي يجوز أن لا يفعل، فالنهي بالحقيقة يرجع إلى وصف الغصب.

____________

(1). أي الوجه الأوّل الذي مرّ في ص 686.

(2). لم يرد في «أ»: «مثلا».

(3). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 100.

(4). لا يخفى ما في كون التجارة الواجبة أو المستحبّة عبادة اصطلاحيّة.

(5). كذا في النسختين. و الصحيح: «فساد عباديّ».

(6). أي لتتضادّ الصحّة الحرمة بحذف إحدى التاءين. و يمكن قراءة الكلمة بضمّ التاء من المفاعلة.

(7). لم يرد في «ب»: «أو».

691

قلت- مضافا إلى ما عرفت من عدم جواز اجتماعهما بوجه-: إنّ ما يجري فيه حديث الجهتين إن كان منهيّا عنه لوصفه اللازم، فلا يمكن تعلّق النهي فيه بمجرّد مثل هذا الوصف لو كان الموصوف عبادة؛ لأنّه لا يمكن الامتثال فيه، فيلزم التكليف بالمحال.

و إن كان منهيّا عنه بوصفه المفارق و إن احتمل أن يرجع النهي إلى الوصف إلّا أنّه يحتمل أن يرجع حقيقة إلى الذات أيضا، و يكون رجوعه ظاهرا إلى الوصف لنصب القرينة على إرادة باقي الأفراد- غير الموصوفة بالوصف المذكور- من الكلّي، و عدم إرادة الكلّي من حيث هو.

فعلى الثاني يرجع النهي إلى عين الكلّي في هذا الفرد، فلا يكون عبادة صحيحة.

و على الأوّل و إن كان المطلوب هو الكلّيّ من حيث هو و لا يلزم فساد هذا الكلّي الذي هو نفس العبادة، إلّا أنّه يلزم عدم صلاحية الفرد المخصوص من حيث الخصوص للعبادة؛ لأنّه من حيث الخصوص منهيّ عنه لعينه، فيلزم فساده و يثبت منه المطلوب.

[الوجه‏] الثاني‏ (1): أنّها لو لم تفسد، لزم من نفيها (2) حكمة يدلّ عليها النهي، و من ثبوتها (3) حكمة تدلّ‏ (4) عليها الصحّة، و يمتنع النهي مع تساوي الحكمتين؛ لخلوّه عن الحكمة حينئذ، أو مرجوحيّة حكمته؛ لتفويته الزائد من مصلحة الصحّة، و يمتنع الصحّة مع رجحان حكمة النهي؛ لخلوّها عن المصلحة، بل لفوات الزائد من مصلحة (5) النهي.

[الوجه‏] الثالث: أنّ السلف لم يزالوا يستدلّون على الفساد بالنهي في أبوابه‏ (6)، و بانضمام أصالة عدم النقل يثبت الدلالة اللغويّة.

و ربما اورد عليه بأنّه لا حجّيّة في قول السلف ما لم يبلغ حدّ الإجماع، و ثبوته في محلّ طال فيه النزاع و التشاجر ممنوع.

و الحقّ، أنّ هذا الإيراد ساقط في النهي عن العبادات؛ لثبوت الاحتجاج به على فسادها

____________

(1). مرّ الوجه الأوّل في ص 686.

(2 و 3). في «ب»: «نفيهما».

(4). في «أ»: «يدلّ».

(5). المراد بها هو الحكمة، أي المفسدة.

(6). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 100.

692

من الصحابة و الأتباع و من تأخّر عنهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، و إنكاره مكابرة، و لو سلّم وجود مخالف فيه فلم يبلغ حدّا يقدح مخالفته في الإجماع. نعم، وروده على النهي في المعاملات لا يخلو عن وجه.

[الوجه‏] الرابع: أنّ الأمر يقتضي الصحّة؛ لدلالته على الإجزاء بكلا تفسيريه، كما عرفت‏ (1)، و النهي نقيضه فيدلّ على الفساد؛ لتناقض مقتضيات المتناقضات.

و فيه أمّا أوّلا: فمنع وجوب تقابل أحكام المتقابلات؛ لجواز اشتراكهما (2) في لازم واحد، فضلا عن تناقض أحكامهما (3).

و أمّا ثانيا: أنّ نقيض قولنا: «يقتضي الصحّة» أنّه لا يقتضي الصحّة، و لا يلزم منه أن يقتضي الفساد، و حينئذ فالنهي لا يدلّ على صحّة المنهيّ عنه و لا على فساده، و يتوقّف فهم أحدهما على دليل آخر.

و غير خفيّ أنّ هذه الأدلّة- على فرض تمامها- تدلّ على دلالة النهي عن الشي‏ء لعينه، أو جزئه، أو وصفه اللازم، أو المفارق، و وجهه ظاهر. هذا.

و بقي الكلام فيما أشرنا إليه أخيرا (4)، أي النهي عن الامور الخارجة التي ليست من صفات العبادات أصلا و لا من هيئاته، و لا يتوقّف وجودها عليها بوجه، كالنهي عن «آمين» بعد الحمد.

و قد اختلف في أنّها تفسد العبادة الواقعة هي فيها، أم لا. فقيل بالثاني‏ (5)؛ نظرا إلى أنّها امور خارجة مغايرة للعبادة و لا يتوقّف تحقّق العبادة عليها، فلا يلزم من تعلّق النهي بها فسادها، مع كون الأمر دالّا على الإجزاء وفاقا.

و قيل بالأوّل‏ (6)، نظرا إلى أنّ المفهوم من النهي كون وجود المنهيّ عنه مانعا لتحقّق العبادة، و عدمه شرطا له.

____________

(1). تقدّم في ص 677.

(2 و 3). كذا في النسختين. و الظاهر اشتراكها و أحكامها، أو كون المتقابلات المتقابلين.

(4). تقدّم في ص 685.

(5). مال إليه المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 186، و حكاه الشهيد عن الإسكافي في الدروس الشرعيّة 1: 174.

(6). قاله الشهيد في الدروس الشرعيّة 1: 174.

693

و الحقّ أنّ ماهيّة الصلاة بأجزائها و شرائطها و موانعها إن كانت معلومة من خارج و لم يكن عدم هذه الامور (1) شيئا من الأوّلين‏ (2)، و لا وجودها من الآخر، فالنهي عنها لا يدلّ على فسادها؛ لأنّ تعلّق النهي بشي‏ء مغاير لآخر لا يقتضي تعلّقه بهذا الآخر، و إلّا (3) فالنهي عنها يدلّ على فسادها؛ لأنّه إمّا يعلم حينئذ كون عدمها من الشرائط و وجودها من الموانع، أو يشكّ فيه.

فعلى الأوّل لا إشكال. و على الثاني نقول: لا ريب في ورود النهي عنها، و ظاهره يفيد مانعيّة المنهيّ عنه، كما أنّ ظاهر الأمر يفيد الجزئيّة أو الشرطيّة؛ لأنّ الأمر بإيقاع فعل في عبادة مركّبة عند بيان حقيقته يدلّ على جزئيّته لها التزاما.

و بهذا يظهر ضعف ما قيل: إنّ الجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة إن كانت مشكوكا فيها كان حكمه‏ (4) حكم الأوّل؛ لأنّ الأصل عدمها، و مجرّد الأمر أو النهي لا يدلّ عليها؛ لعدم دلالتهما عليها لا مطابقة و لا تضمّنا و لا التزاما.

ثمّ الاختلاف إنّما فيما تعلّق به النهي لأجل العبادة لا لذاته، و أمّا فيما علم أنّ النهي عنه في العبادة لأجل حرمته مطلقا، كالنظر إلى الأجنبيّة في الصلاة، فلا يقتضي فساد العبادة قولا واحدا.

فإن قيل: يلزم على ما ذكرت في الشقّ الأوّل‏ (5) أن لا يدلّ النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة أيضا على فساد الصلاة؛ لأنّ النهي فيه أيضا متعلّق بشي‏ء خارج عن حقيقة الصلاة، مغاير لها.

قلت: لمّا فرض أنّ ماهيّة الصلاة بتمامها معلومة، و المنهيّ عنه ليس من شرائطها و لا أوصافها و لا موانعها، و النهي تعلّق بمجرّد المنهيّ عنه من غير مدخليّة له بطبيعة العبادة أو الفرد الخاصّ، و الأمر تعلّق بأحدهما، فيكون المنهيّ عنه و المأمور به متباينين، و يكون‏

____________

(1). أي الامور الخارجة عن العبادة.

(2). أي الأجزاء و الشرائط. و المراد من الآخر هو الموانع.

(3). أي و إن لم تكن الأجزاء و الشرائط و الموانع معلومة من خارج.

(4). أي حكم القسم الثاني.

(5). أي إذا علم كون عدمها من الشرائط و وجودها من الموانع.

694

الكلّي أو الفرد الخاصّ مطلوبا، و إن قارنه المنهيّ عنه.

و أمّا في مثل: «الصلاة في المغصوبة» فالفرد الخاصّ بعينه ليس مرادا، سواء كان جهة النهي نفسه، أو وصفه المفارق؛ لأنّ المنهيّ عنه في الأوّل ذات المعروض بنفسها، و في الثاني ذاته مع تحقّق الوصف حين تحقّقه، و المأمور به الطبيعة المطلقة أو الفرد من حيث الذات إذا انفكّ عن الوصف الذي تعلّق به النهي لأجله. فالظاهر في مثله تقييد النهي للأمر، و إفادته أنّ المأمور به هو الطبيعة بشرط عدم تحقّقها في ضمن هذا الفرد الخاصّ، فإذا أتى المكلّف بهذا الفرد لم يأت بشرط المأمور به و أتى بنفسه في ضمنه. و لا فرق في ذلك بين أن يكون النهي خاصّا بالفرد الخاصّ، بأن يقول: «لا تصلّ في الدار المغصوبة» ليتحقّق بين المأمور به و المنهيّ عنه عموم و خصوص مطلقا، أو عامّا يشمله و غيره، كأن يقول:

«لا تتصرّف في المغصوبة» لأنّ المناط تعلّق النهي به، سواء كان عامّا أو خاصّا.

و لنا على الثانية (1):

أنّ النهي لا يدلّ إلّا على الحرمة، و هي لا تستلزم الفساد السببي، أي عدم ترتّب الآثار؛ لأنّ ترتّبها و هو الصحّة لا ينافيها (2)، و لذا يترتّب على الوطء في الحيض آثاره الشرعيّة و هي لزوم المهر كملا، و العدّة، و صحّة النسب مع كونه حراما. و يترتّب على ارتداد الزوج المسلم آثاره، أي بينونة زوجته، و قسمة أمواله بين ورّاثه مع كونه محرّما، و يحصل التطهير إذا وقع إزالة النجاسة بالماء المغصوب، و غير ذلك.

و أيضا لو دلّ عليه، لكانت‏ (3) إحدى الثلاث و كلّها منتفية. أمّا المطابقة و التضمّن، فظاهر.

و أمّا الالتزام، فلأنّ شرطه اللزوم العقلي أو العرفي، و كلاهما مفقود، و لذا يجوز النهي عن معاملة- و التصريح بترتّب آثارها عليها- لو وقعت من دون حصول تناف بين الكلامين.

ثمّ إنّ النهي في المعاملة كما لا يدلّ على الفساد فلا يدلّ على الصحّة أيضا، فالحكم المنهيّ عنه لو لم يدلّ دليل على صحّته بعمومه أو خصوصه يحكم بفساده و إن قطع النظر عن النهي؛ لأصالة بقاء الحكم السابق؛ و لأنّ الصحّة السببيّة- و هي ترتّب الآثار- حكم شرعي‏

____________

(1). أي الدعوى الثانية و هي عدم دلالة النهي على الفساد في المعاملات مطلقا.

(2). أي الحرمة.

(3). أي لكانت الدلالة.

695

يفتقر ثبوته إلى دليل شرعي، فالحكم بالصحّة يتوقّف على دلالة شرعيّة عامّة أو خاصّة، و حينئذ لا يكون النهي مانعا عنها؛ لعدم التنافي، بخلاف العبادات؛ لأنّ الحرمة فيها لمّا كانت منافية لصحّتها فلا يجوز اجتماع الأمر و النهي فيها، فالنهي يدلّ على فسادها، و إن دلّ عامّ أو خاصّ على صحّتها، فيقع بينهما التعارض. هذا.

و احتجّ من قال بدلالته على الفساد في المعاملة أيضا بوجوه:

منها: أنّ العرف يفهم منه الفساد، و الأصل عدم النقل‏ (1).

و جوابه: منع فهم العرف الفساد السببي، بل لا يخطر ذلك ببالهم.

و منها: الدليل الثاني‏ (2).

و الجواب عنه: أنّه إن اريد بالحكمة حالة ملائمة لكون الفعل مطلوبا للشارع، فلا نسلّم دلالة الصحّة السببيّة على وجودها؛ إذ من الجائز عقلا انتفاء الحالة الملاءمة في الطلاق و عقد البيع وقت النداء مع ترتّب البينونة و انتقال الملك عليهما.

نعم، هذا في العبادات معقول؛ لأنّ الصحّة فيها لمّا كانت عبارة عن حصول الامتثال و موافقة الأمر، فالنهي فيها يدلّ على وجود الحالة الملاءمة.

و إن اريد بها حالة مطلقة أعمّ من أن تكون ملائمة، أو مستتبعة للآثار، فاقتضاء الصحّة لها مسلّم إلّا أنّه لا معنى للترديد حينئذ؛ لأنّ الحالة المستتبعة للآثار لا تعارض حكمة النهي حتّى يقال: إنّها مساوية لها، أو راجحة عليها، أو مرجوحة عنها؛ لعدم التضادّ بينهما.

و منها: الدليل الثالث‏ (3).

و قد عرفت جوابه‏ (4).

و منها: أنّ ترتّب الآثار على المعاملات ليس أمرا عقليّا، بل هو بمجرّد جعل الشارع و وضعه، فهو من قبيل الأحكام الوضعيّة الناقلة عن الأصل، فلا يحكم به إلّا مع العلم أو الظنّ الشرعي، و مع تعلّق النهي لا يحصل شي‏ء منهما.

____________

(1). راجع: الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 180، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 100 و 101، و الوافية: 101.

(2). أي الوجه الثاني، و قد تقدّم في ص 691.

(3). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 100.

(4). تقدّم في ص 691.

696

نعم، إن علم جعل الشارع معاملة معرّفة لشي‏ء من الأحكام، أمكن الحكم بترتّب آثارها عليها و إن تعلّق النهي بعينها أو جزئها أو وصفها (1).

و أنت خبير بأنّ هذا اعتراف بعدم دلالة النهي على الفساد، فهو حجّة لنا.

و منها: ما ورد في بعض الأخبار (2) من استدلال الأئمّة على حرمة بعض العقود و الإيقاعات بالمناهي المجرّدة عن القرائن، مع كونها فاسدة في الواقع، فيظهر منه أنّ مرادهم من الحرمة الفساد (3).

و الجواب: أنّهم (عليهم السلام) لم يستدلّوا بها إلّا على الحرمة. و كونها فاسدة للدلالة الخارجيّة لا يقتضي أن يكون المراد من الحرمة الفساد.

و منها: قول الباقر (عليه السلام): «من طلّق ثلاثا في مجلس على غير طهر لم يكن شيئا، إنّما الطلاق الذي أمره اللّه عزّ و جلّ، و من خالف لم يكن له طلاق» (4)، و وجه دلالته أنّه (عليه السلام) نفى حقيقة الطلاق إذا كان منهيّا عنه، و أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة الفساد.

و قوله في حسنة زرارة- بعد ما حكم بصحّة تزويج العبد إذا وقع بدون إذن سيّده ثمّ أجازه، و قيل له: إنّ بعض أهل الخلاف يقول بفساد أصله فلا يحلّه الإجازة-: «إنّه لم يعص اللّه، إنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو جائز له» (5).

وجه الدلالة أنّه يدلّ على فساد النكاح إذا كان معصية للّه تعالى، و فعل المنهيّ عنه معصية (6).

و الجواب: أنّهما لا يدلّان إلّا على فساد ما لم يؤمر به بوجه و كان منهيّا عنه أو معصية، و لذا حكم بصحّة تزويج العبد بعد الإجازة؛ لأنّه كان مأمورا به أوّلا؛ نظرا إلى جواز إيقاع الفضولي. و بطلان ما لم يؤمر به أصلا ممّا نقول به، كما تقدّم‏ (7).

____________

(1). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 100.

(2). تهذيب الأحكام 7: 297، ح 1243 و 1244.

(3). قاله الفاضل التوني في الوافية: 106.

(4). الكافي 6: 58، باب من طلّق لغير الكتاب و السنّة، ح 7، و تهذيب الأحكام 8: 47، ح 146.

(5). الفقيه 3: 350، ح 1675، و تهذيب الأحكام 7: 351، ح 1432.

(6). قاله الفاضل التوني في الوافية: 106.

(7). في ص 689.

697

و احتجّ القائل بالدلالة مطلقا بحسب الشرع لا اللغة أمّا على الجزء الإثباتي: فبما تقدّم من عمل السلف‏ (1)، و قد عرفت أنّه ثبت‏ (2) به المطلوب‏ (3) في العبادات دون المعاملات. و أمّا على الجزء السلبي: فبأنّ فساد الشي‏ء عبارة عن سلب أحكامه، و ليس في لفظ النهي ما يدلّ عليه لغة (4).

و الجواب عن الثاني: أنّه إن اريد بالأحكام الآثار التابعة للعقود و الإيقاعات، فعدم دلالة النهي عليه لغة مسلّم نحن نقول به، إلّا أنّه كذلك أيضا بحسب الشرع كما تقدّم‏ (5).

و إن اريد بها ما يشمل عدم موافقة الأمر، فعدم دلالته عليه ممنوع، فإنّ النهي يدلّ عليه لغة كما يدلّ عليه شرعا، و لا فرق في هذه الدلالة بين اللغة و الشرع؛ لأنّه ليس مدلولا مطابقيّا و لا تضمّنيا لشي‏ء منهما، و لازم عقلي لكلّ منهما؛ لأنّه لازم للتحريم الذي يدلّ عليه النهي لغة و شرعا. هذا.

و ممّا ذكرناه فيما تقدّم‏ (6) قد ظهر حجّة القائل بالدلالة إذا تعلّق النهي بعين الشي‏ء، أو جزئه، أو وصفه اللازم؛ و عدمها إذا تعلّق بوصفه المفارق مع جوابها.

إذا عرفت ذلك، فيتفرّع عليه بطلان الطهارة بالماء المغصوب، و الصلاة في المكان المغصوب، و الصوم سفرا عدا ما استثني، و الحجّ المندوب بدون إذن الزوج و المولى، و بطلان الوضوء إذا ترك غسل الرجلين أو مسح الخفّين في موضع التقيّة، و صحّة البيع وقت النداء، و قس عليها أمثالها.

و ممّا يتفرّع عليه ذبح الأضحية، أو الهدي بآلة مغصوبة، و إيقاع الصلاة مع كون المصلّي مستصحبا لشي‏ء مغصوب.

و بعد الإحاطة بما ذكر لا يخفى حقيقة الحال فيهما.

____________

(1). تقدّم في ص 691.

(2). في «ب»: «يثبت».

(3). في «ب»: «المطلب».

(4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 100.

(5). تقدّم في ص 691.

(6). تقدّم في ص 689.

698

تذنيب [: في عدم دلالة النهي على الصحّة]

عدم دلالة النهي على الصحّة ممّا لا ينبغي الريب فيه بعد الإحاطة بما تقدّم. و بالغ أبو حنيفة و الشيباني في دلالته عليها (1)، و هو من المباحث المشهورة عند الحنفيّة، و استدلّوا عليه بخيالات فاسدة لا ينبغي تدوينها في المصنّفات و التعرّض لها في المحاورات؛ و لذا أعرض عنها الجماهير، و أجمعوا على خلافهما (2).

فصل [21] [: في أنّ حصول الامتثال في الأمر و النهي يتغيّر بتغيّر متعلّقهما]

الأمر و النهي متعلّقهما إمّا مطلق، أو معيّن متجزّئ، أو معيّن غير متجزّئ.

فعلى الأوّل يحصل الامتثال في الأمر بإيقاع جزئي من جزئيّاته، و لا يحصل في النهي إلّا بترك جميع أفراده؛ لأنّ المطلق في جانب النهي كالنكرة المنفيّة في العموم، فلو حلف على أكل رمّان تبرأ ذمّته بأكل واحد، و لو حلف على تركه لم تبرأ إلّا بترك جميع أفراده.

و على الثاني يشترط في امتثال الأمر الاستيعاب، و يحصل الامتثال في النهي بالانتهاء عن البعض؛ لأنّ الماهيّة المركّبة تنفى بانتفاء جزء منها، فلو حلف على الصدقة بعشرة، فلا يكفي البعض، و لو حلف أن لا يأكل رغيفا، أو علّق الظهار به لم يحنث بأكل بعضه، بل الحنث و الظهار يتوقّفان على الاستيعاب.

و على الثالث فلا فرق فيه‏ (3) بين الأمر و النهي؛ لتوقّف امتثال الأمر على فعل هذا المعيّن، و النهي على تركه، كما لو حلف على فعل القتل أو تركه.

____________

(1 و 2). راجع المحصول 2: 300.

(3). أي في الامتثال.

699

الباب الثاني في العامّ و الخاصّ‏

[في حدّ العام‏]

اعلم أنّ العامّ قد حدّ بحدود، أشهرها و أصوبها عندي أنّه: «اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد» و يخرج بقيد: «المستغرق لجميع ما يصلح له» جميع النكرات- مفردة كانت، أو تثنية، أو جمعا- و قيد الأخير؛ لإدخال المشترك إذا استغرق جميع أفراد معنى واحد، كلفظ «العين» إذا استغرق جميع أفراد الباصرة، و لولاه للزم أن يشترط في عمومه استغراقه لجميع أفراد معانيه المتعدّدة، و إدخال اللفظ الذي له معنى حقيقي و مجازي إذا استغرق جميع أفراد أحدهما، و لولاه لزم أن يشترط في عمومه استغراقه لجميع أفراد مفهوميه معا.

و قيل: إنّه لإخراج المشترك و الحقيقة و المجاز أيضا (1)، إذا اريد من الأوّل جميع معانيه عند من يجوّزه، و من الثاني المعنى الحقيقي و المجازي عند من جوّز إرادتهما من اللفظ الواحد.

و فيه: أنّهما يخرجان بالقيد الأوّل؛ لأنّ الأوّل يصلح لجميع أفراد جميع معانيه، و الثاني يصلح لجميع أفراد معنييه، فإذا اريد من كلّ منهما بعض أفراد جميع معانيه لم يكن مستغرقا لجميع ما يصلح له.

و اورد عليه بأنّه ينتقض عكسا بالجموع المعرّفة إن اريد من الموصول‏ (2) الجزئيّات؛ لأنّها من صيغ العموم مع أنّها لا تستغرق جزئيّاتها- أي كلّ جمع جمع- بل تستغرق‏

____________

(1). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 310.

(2). و المراد به الموصول في التعريف في قوله: «ما يصلح له».

700

أجزاءها (1)، أي كلّ واحد واحد كما هو الحقّ. و ب «الرجل» و «لا رجل» إن اريد منه‏ (2) الأجزاء؛ لأنّهما يفيدان العموم مع أنّ ما يصلحان له من جزئيّاتهما لا من أجزائهما.

و بالبسائط العامّة، ك «النقطة» و «الوحدة» باعتبار تناولها الجزئيّات إن اريد منه‏ (3) كلاهما؛ فتعيّن إرادة الأعمّ- أي أحدهما (4) لا بعينه- فينتقض طردا بالجمل و المثنّى و المجموع المنكّر (5)، كزيدين و زيدين، و العشرة و المائة، و غيرهما من أسماء الأعداد؛ لأنّ الجمل مستغرقة لما يصلح‏ (6) لها من أجزائها من الفعل و الفاعل و المفعول، و البواقي أيضا مستغرقة لما يصلح لها من الأجزاء، أي الاثنين و الثلاثة و العشرة و غيرها (7).

و جوابه: أنّ المراد منه‏ (8) الجزئيّات، و لا يرد النقض بالجموع المعرّفة، لا لمنع كون عمومها باعتبار كلّ فرد بل لكلّ جمع كما قيل؛ لأنّ ذلك خلاف التحقيق؛ للزوم التكرار، و انتقال أهل اللسان منها ابتداء إلى كلّ فرد فرد من دون خطور الجمع ببالهم، بل لأنّ اللام‏ (9) يبطل الجمعيّة كما اشتهر بينهم، فيكون جزئيّات مفهومها (10) كلّ فرد فرد لا كلّ جمع.

و قيل: هو اللفظ الموضوع للدلالة على استغراق أجزائه أو جزئيّاته‏ (11).

و ينتقض طردا بالمثنّى، و المجموع المنكّر، و العشرة كما تقدّم‏ (12).

و قيل: هو اللفظ الواحد الدالّ من جهة واحدة على شيئين فصاعدا (13).

____________

(1). أي أجزاء الجزئيّات.

(2 و 3). أي الموصول في التعريف.

(4). أي يراد من الموصول في التعريف أحد من الجزئيّات و الأجزاء. و حاصل الإيراد أنّ المراد من الموصول إن كان هو الجزئيّات وحدها، أو الأجزاء وحدها، أو كليهما يخرج عن التعريف بعض مصاديق العامّ. و إن كان المراد هو الأعمّ منها و من الأجزاء- بمعنى أحدهما لا بعينه- يدخل في التعريف ما ليس عامّا.

(5). كذا في النسختين. و الأولى: الجمع المنكّر أو الجموع المنكّرة، و المراد به ما ليس مدخولا للّام كزيدين.

(6). أي ما يصلح أن يكون مقوّما للجملة.

(7). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 102.

(8). أي الموصول في التعريف.

(9). و المراد هو اللام في مثل الرجال.

(10). أي مفهوم الجموع المعرّفة مثل الرجال.

(11). قاله البهائي في زبدة الاصول: 123.

(12). تقدّم آنفا.

(13). المستصفى: 224، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 217.

701

و اعترض عليه بوجوه يمكن دفعها بتكلّفات، و ما لا يندفع عنه أنّه ينتقض عكسا بالمثنّى و الجمع المنكّر (1).

و للمتكلّف أن يقول: المراد من «الشيئين فصاعدا» الجزئيّات، فيسلم من النقض.

و قيل: هو ما دلّ على مسمّيات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة (2).

و يخرج ب «مسمّيات» مثل: زيد، و ب «اشتركت» نحو: عشرة، و ب «مطلق» المعهود، فإنّه يدلّ على مسمّيات باعتبار ما اشتركت فيه مع قيد خصّصه بالمعهودين، و ب «ضربة» ما يدلّ على مسمّيات على البدل، كرجل‏ (3).

و ينتقض طردا بالجموع المنكّرة، و عكسا بالجموع المضافة، كعلماء البلد؛ فإنّها تدلّ على مسمّيات مع قيد التخصيص.

و قيل: هو اللفظ الواحد المتناول بالفعل لما هو صالح بالقوّة مع تعدّد موارده‏ (4).

و اورد عليه بأنّه ينتقض عكسا بمثل «علماء البلد»، و الموصولات، ك «الذي يأتي‏ (5)» و أسماء الشرط، ك «مهما يضرب»؛ لتناولها قوّة ما لا يتناوله فعلا (6).

فصل [1] [: في الفرق بين العامّ و المطلق‏]

العامّ أخصّ مطلقا من المطلق؛ لأنّ مدلوله الماهيّة المقيّدة بالكثرة الشاملة غير المحصورة، و مدلول المطلق- كما هو الظاهر من عبارات القوم- الماهيّة من حيث هي.

و توضيح ذلك: أنّ لكلّ شي‏ء حقيقة هو بها هو، و هي من حيث هي ليست واحدة و لا كثيرة، و لا عامّة و لا خاصّة، و لا مسلوبا عنها شي‏ء من ذلك؛ لأنّها قابلة للاتّصاف بكلّ منها على البدل، فإن اخذت مع الوحدة تكون واحدة، و مع الكثرة تكون كثيرة، و هكذا بالقياس إلى باقي العوارض.

____________

(1 و 3). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 102.

(2). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 102. و قوله: «ضربة» أي دفعة.

(4). قاله العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الاصول 2: 114.

(5). لم يرد في «ب»: «يأتي».

(6). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 102.

702

و إذا تقرّر ذلك، فنقول: اللفظ الدالّ عليها من حيث هي «المطلق». و عليها مع كلّ جزئيّاتها «العامّ». و مع وحدات محصورة «العدد». و مع واحدة معيّنة «المعرفة». و غير معيّنة «النكرة».

و أنت خبير بأنّ كون المطلق ما اريد به الحقيقة من حيث هي ينافي تعليق الأحكام بالأفراد دون الماهيّات، و لذا قيل: «إنّه ما دلّ على شائع في جنسه» (1). أي على حصّة ممكنة الصدق على حصص كثيرة من الحصص المندرجة تحت مفهوم كلّي، فيخرج ما ليس لحصّة محتملة، كالمعارف بأسرها؛ لأنّها إمّا أن تدلّ على فرد معيّن، نحو: «زيد» و «هذا»، أو على الحقيقة من حيث هي، نحو: «الرجل» و «اسامة»، أو على حصّة معيّنة، مثل: فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (2) أو على استغراق الأفراد و عمومها، نحو: «الرجال» و «كلّ رجل» و «لا رجل»، فالمطلق لا تعيين فيه بوجه. و المعارف فيها التعيين إمّا شخصا، أو حقيقة، أو حصّة، أو استغراقا. هذا.

و يمكن توجيه ما هو الظاهر من كلام القوم بأنّ الأحكام لا يلزم أن تجري أوّلا على الأفراد، بل اللازم أعمّ من ذلك، فيمكن أن تجري عليها أوّلا و على الكلّيات باعتبارها، فأيّ مانع أن يكون مدلول المطلق الماهيّة من حيث هي باعتبار وجودها.

فصل [2] [: في عروض العموم للمعاني‏]

لا خلاف في عروض العموم للألفاظ حقيقة، و إنّما اختلفوا في عروضه للمعاني على أقوال:

ثالثها: عروضه لها مجازا لا حقيقة (3).

و الحقّ، أنّه إن اريد بالعموم استغراق اللفظ لمسمّياته- كما هو اصطلاح الاصوليّين‏ (4)- فهو من عوارض الألفاظ خاصّة، و إن اريد به شمول مفهوم لأفراده- كما هو اصطلاح أهل النظر (5)- فهو من عوارض المعاني خاصّة، و إن اريد به شمول أمر لمتعدّد، فهو من عوارضهما معا لغة و عقلا.

____________

(1). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 150، و البهائي في زبدة الاصول: 143.

(2). المزّمّل (73): 16.

(3- 4- 5). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 102.

703

أمّا كونه عارضا للألفاظ بحسبهما، فلا ريب فيه.

و أمّا كونه عارضا للمعاني لغة، فظاهر من إطلاق الادباء و استعمال الفصحاء إطلاقا شائعا، و استعمالا ذائعا، كقولهم: «عمّ العطاء» و «عمّ البلاء» و «عمّ الخصب» و «عمّ الجدب» و «عمّ المطر» و «عمّ الخير» و غير ذلك‏ (1).

و أمّا كونه عارضا لها عقلا؛ فلأنّه كما يصحّ في الألفاظ أن يوجد لفظ واحد شامل لألفاظ كثيرة متعلّق بها تعلّق الصدق و الحمل لا تعلّق الحلول، فكذلك يصحّ أن يوجد معنى ذهني يشمل أفرادا كثيرة يحمل عليها بالحمل الإيجابي. و إنكار ذلك مكابرة. و الظاهر أنّ من أنكره من الاصوليّين ممّن أنكر وجود المعاني الذهنيّة.

و ظهر من ذلك أنّ الأمر العامّ إذا لم يكن من الألفاظ لا بدّ أن يكون من المعقولات الذهنيّة لا الأعيان الخارجيّة؛ لأنّه لا يمكن أن يوجد في الخارج ما يتّصف بالعموم- أي يكون صادقا و محمولا على كثيرين- إلّا أن يثبت وجود الكلّي الطبيعي في الخارج.

فصل [3] [: في ما يفيد العموم‏]

ما يفيد العموم إمّا يفيده عرفا، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ (2)، فإنّه يوجب عرفا حرمة جميع الاستمتاعات.

أو عقلا، و هو إمّا ترتّب الحكم على الوصف بإحدى الطرق المثبتة للعلّيّة؛ لأنّه إذا ثبتت العلّيّة، يحكم العقل بعمومها، أي ثبوت الحكم أينما وجدت، كقوله: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (3)، الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا (4).

أو دليل الخطاب عند من يقول به، كقوله (عليه السلام): «في سائمة الغنم زكاة» (5) فإنّه يفيد انتفاء الزكاة عن جميع ما عدا السائمة. أو اشتمال السؤال على ما يحكم العقل لأجله بعموم الحكم‏

____________

(1). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 102.

(2). النساء (4): 23.

(3). المائدة (5): 38.

(4). النور (24): 2.

(5). انظر تهذيب الأحكام 4: 2، ح 2، و الاستبصار 2: 2، ح 2.

704

الذي يشتمل عليه الجواب، كأن يسأل عن كلّ‏ (1) من أفطر في نهار رمضان، فيقال: عليه الكفّارة، فيعلم شمول هذا الحكم لكلّ من أفطر.

أو لغة، و هو الصيغ المخصوصة التي يثبت بعد ذلك إفادتها العموم، و منه يثبت أنّ للعموم في لغة العرب صيغا تخصّه، كما ذهب إليه أهل التحقيق‏ (2).

و قال جماعة: إنّ جميع الصيغ التي يدّعى وضعها للعموم حقيقة في الخصوص و إنّما تستعمل في العموم مجازا (3).

و ذهب طائفة، منهم المرتضى إلى أنّها مشتركة بين الخصوص و العموم لغة، إلّا أنّه جزم بأنّها نقلت في عرف الشرع إلى العموم‏ (4).

و قيل بالوقف مطلقا (5).

و قيل به في الأخبار دون الأمر و النهي‏ (6).

و احتجّ القائل بأنّها حقيقة في الخصوص بأنّ الخصوص متيقّن؛ لأنّها إن كانت للخصوص فمراد، و إن كانت للعموم فهو داخل في المراد، و العموم مشكوك فيه، فجعلها للمتيقّن أولى من جعلها للمشكوك فيه.

و بأنّه اشتهر في الألسن- حتّى صار مثلا-: «أنّه ما من عامّ إلّا و قد خصّ منه» و هو ليس محمولا على ظاهره و إلّا لزم من صدقه كذبه؛ فهو أيضا مخصّص بمثل قوله تعالى:

أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (7). و المراد منه المبالغة في تخصيص العمومات و إلحاق القليل- و هو العموم- بالمعدوم. و الظاهر يقتضي كون ما يدّعى عمومه حقيقة (8) في الأغلب و هو

____________

(1). كذا في النسختين. و الظاهر زيادة «كلّ».

(2). راجع: معارج الاصول: 81، و تمهيد القواعد: 147، و معالم الدين: 102.

(3). راجع: معارج الاصول: 82، و معالم الدين: 102.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 198- 201.

(5). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 222.

(6). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 103، و الأسنوي في التمهيد: 297، و الفاضل التوني في الوافية: 112.

و نقله الزركشي عن الشيخ أبي الحسن و معظم المحقّقين في البحر المحيط 2: 192.

(7). البقرة (2): 231.

(8). منصوبان بالخبريّة للكون.

705

الخصوص، مجازا (1) في الأقلّ و هو العموم؛ تقليلا للمجاز (2).

و الجواب عن الأوّل: أنّه بعد قيام الأدلّة القاطعة التي منها الإجماع على أنّها للعموم- كما يأتي‏ (3)- لا معنى للتمسّك بمثل هذه الأولويّة لإثبات خلافه.

و عن الثاني: أمّا أوّلا، فبأنّ التمسّك في أمثال المقام بمثل هذه الشهرة في غاية الركاكة.

و أمّا ثانيا، فبأنّ ظهور كونها حقيقة في الأغلب إنّما يكون عند عدم الدليل على أنّها حقيقة في الأقلّ، و هو قائم، كما يأتي‏ (4).

و أمّا ثالثا، فبأنّ احتياج خروج البعض منها إلى التخصيص بمخصّص يدلّ على أنّها للعموم.

و القول بأنّه لا يدلّ على أنّ استعمالها للخصوص يحتاج إلى مخصّص خارج بل المسلّم دلالته على أنّها تستعمل في الأكثر للخصوص‏ (5)، ساقط؛ لأنّ الجاري على الألسن، و المفهوم صريحا من المثل، و المتلقّى بالقبول عند الجميع أنّها مستعملة في عمومات مخصّصة بمخصّصات.

احتجّ القائل بالاشتراك بأنّها اطلقت على العموم و الخصوص، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فتكون حقيقة فيهما، و هو معنى الاشتراك‏ (6).

و قد مرّ جواب مثله مرارا (7).

و بأنّ ما يعلم به كونها للعموم، إمّا العقل أو النقل، و الأوّل لا مدخليّة له في الوضع.

و الثاني متواتره لم يوجد و إلّا لم يختلف فيه، و آحاده لا تفيد (8).

و جوابه: أمّا أوّلا، فبمنع عدم إفادة الآحاد في إثبات مدلولات الألفاظ.

و أمّا ثانيا، فبمنع الحصر؛ لأنّ التبادر دليل الوضع، و ليس شيئا منهما.

____________

(1). منصوبان بالخبريّة للكون.

(2). تقدّم تخريجه في ص 704.

(3). يأتي في ص 706.

(4). يأتي بعيد هذا.

(5 و 6). تقدّم تخريجها في ص 704.

(7). و منها ما تقدّم في ص 610.

(8). تقدّم تخريجها في ص 704.

706

و أمّا ثالثا، فبتسليم وجود التواتر في بعضها. هذا.

و حجّة القائل بالوقف مع جوابها ظاهرة.

و احتجّ من قال بعمومها في الأمر و النهي و توقّف في الأخبار بأنّ الإجماع منعقد على أنّ التكليف لعامّة المكلّفين، و التكليف إنّما يتحقّق بالأمر و النهي، فلو لا أنّ صيغتهما للعموم لما كان التكليف عامّا (1).

و جوابه: أنّ الإجماع منعقد أيضا على ورود الأخبار في حقّ عامّة المكلّفين‏ (2).

فصل [4] [: في صيغ العموم‏]

صيغ العموم على نوعين:

الأوّل: ما لا خلاف بين القائلين بأنّ للعموم صيغة تخصّه في إفادته للعموم.

و الثاني: ما وقع بينهم الخلاف فيه في إفادته له.

و [النوع‏] الأوّل: «كلّ» و «جميع» و ما يصرف منه ك «أجمع» و «أجمعين» و «جمعاء» و «جمع» و غير ذلك، و توابعها المشهورة ك «أكتع» و أخواته‏ (3) و «معشر» و «معاشر» و «عامّة» و «كافّة» و «قاطبة» و «سائر» شاملة إمّا لجميع ما بقي، أو للجميع على الإطلاق.

و أسماء الاستفهام، نحو: «من» و «ما» و «أين» و «متى» و «أيّ».

و أسماء الشرط، مثل: «من» و «ما» و «أيّ» و «أيّما» و «مهما» و «أينما» و «متى» و «إذ» و «كيفما» و «أنّى» و «حيث» و «حيثما»، و كذا «أيّان».

و النكرة المنفيّة، و الأسماء الموصولة، ك «الذي» و «التي» و تثنيتهما و جمعهما.

و أسماء الإشارة المجموعة، مثل: وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ‏ (4)، ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ‏ (5).

____________

(1). تقدّم تخريجها في ص 704.

(2). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 105.

(3). و هي: الأبصع و الأبتع.

(4). التوبة (9): 20.

(5). البقرة (2): 85.

707

و إذا اكّد الكلام ب «الأبد» أو «الدوام» أو «الاستمرار» أو «السرمد» أو «دهر الداهرين» أو «عوض» أو «قطّ» في النفي أفاد العموم في الزمان.

و ممّا يفيد العموم أمر جمع بصيغة جمع‏ (1) كأن يقول السيّد لعبيده: «قوموا»، و الجمع المعرّف باللام، أو الإضافة، و حكم اسم الجمع كالجمع، مثل: «الناس» و «القوم» و «الرهط».

و النوع الثاني: «كم» الاستفهاميّة و «من» و «ما» الموصولة و «ما» الزمانيّة- و إن كانت حرفا، مثل: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً (2)- و «ما» المصدريّة إذا وصلت بفعل مستقبل، مثل: «ما يعجبني ما يصنع».

و النكرة في سياق الشرط، كأن يقول: «إن ولدت ولدا فأنت عليّ كظهر امّي»، فيحصل الظهار بتوليد واحد، أو اثنين، أو أكثر. و منه: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (3)، وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ‏ (4).

و النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري، نحو: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (5)، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ (6). و في سياق الإثبات إذا كانت للامتنان، نحو: فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ‏ (7).

و في سياق الأمر، نحو: «أعتق رقبة».

و أسماء القبائل بالنسبة إلى القبيلة، مثل: «ربيعة» و «مضر» و «أوس» و «خزرج».

و المفرد المحلّى بلام الجنس، و المضاف، و الجمع المنكّر، و نفي الاستواء (8).

فهذه جملة الصيغ. و نحن نشير إليها مفصّلا، فنذكر ما يوجب دلالة مجموع النوع‏

____________

(1). و المراد به كما يأتي في الصفحة 711 الجمع بصيغة الأمر، و هذا لإخراج نحو «امور».

(2). آل عمران (3): 75.

(3). النساء (4): 176.

(4). التوبة (9): 6.

(5). مريم (19): 65.

(6). مريم (19): 98.

(7). الرحمن (55): 68.

(8). نحو زيد و عمرو لا يستويان و هذا- بناء على كون نفي الاستواء للعموم- يدلّ على أنّهما ليسا مستويين في شي‏ء.

708

الأوّل على العموم، ثمّ ما يختصّ به بعض منه ثمّ تبيّن‏ (1) حقيقة الحال في كلّ واحد من أقسام النوع الثاني.

فصل [5] [: في الأدلّة الدالّة على أنّ للعموم صيغة تخصّه في إفادته للعموم‏]

ممّا يدلّ على كون جميع أقسام النوع الأوّل للعموم تبادره عنها عند الإطلاق و هو دليل الحقيقة، و جواز الاستثناء منها و هو معيار العموم، و تصريح أكثر أهل اللغة (2) و قولهم في المقام حجّة، و استدلال السلف بها عليه شائعا ذائعا من غير نكير (3). و بأصالة عدم النقل يثبت العموم لغة.

و ممّا يدلّ على أنّ لفظ «كلّ» و «جميع» و ما يصرف منه، و أخواته و مرادفاته للعموم- سواء كانت للتأكيد أو غيره- أنّ قولنا: «قام كلّ إنسان» يناقض «ما قام كلّ إنسان» بالاتّفاق، و لو لم يكن الكلّ للعموم كانت القضيّة (4) الاولى مهملة، و هي في قوّة الجزئيّة، و الثانية أيضا جزئيّة، و الجزئيّتان لا تتناقضان؛ لأنّ النفي عن الكلّ لا يناقض الإثبات في البعض.

و لا يرد أنّه إذا كان‏ (5) سور إيجاب جزئي، يكون سلبه سور سلب كلّي، كما في قولنا:

«واحد من الناس كاتب» «ليس واحد من الناس كاتبا»؛ لأنّ «ليس كلّ» لا يفيد العموم وفاقا، و يرشد إليه قولهم: «ما كلّ بيضاء شحمة، و لا كلّ سوداء تمرة».

و أيضا الجزء نقيض الكلّ، و لو لم يكن الكلّ مستغرقا، لم يكن الجزء نقيضه.

و أيضا لو كان «كلّ» و «جميع» و ما بمعناهما للعموم و الخصوص على الاشتراك، لكان قول القائل: «رأيت الناس كلّهم أجمعين» مؤكّدا للاشتباه؛ لأنّ مدلول اللفظ يتأكّد بتكريره، مع أنّا نعلم أنّ مقصود أهل اللغة إزالة الاشتباه بتكرار هذه الألفاظ.

و لقائل أن يقول: قصد إزالة الاشتباه قرينة على إرادة العموم منها، فيخرج عن المبحث.

____________

(1). في «ب»: «تتبيّن».

(2 و 3). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 102- 105.

(4). في «ب»: «الصيغة».

(5). أي كان قام كلّ.

709

و قس على «كلّ» غيره من أخواته و مرادفاته.

ثمّ لفظ «الكلّ» يدلّ غالبا على التفصيل، و قد يراد منه الهيئة الاجتماعيّة، و يلزم عند الإطلاق إرادة الغالب.

و يتفرّع عليه أنّه لو قال لجماعة: «كلّ من سبق منكم فله دينار»، فسبق ثلاثة- مثلا- أن يستحقّ كلّ منهم دينارا، بخلاف ما لو قال: «من سبق منكم». و لو قال: «و اللّه لا اجامع كلّ واحدة منكنّ» يثبت حكم الإيلاء من ضرب المدّة، أو المطالبة لكلّ واحدة منهنّ على انفرادها حتّى لو طلّق بعضهنّ كان للباقيات المطالبة.

و ممّا يدلّ على كون أسماء الاستفهام للعموم أنّ قول القائل: «من دخل داري؟»- مثلا- لو كان للخصوص لما حسن الجواب بالعموم بأن يقال في جوابه: «كلّ القوم»، و لو كان للاشتراك لما صحّ الجواب قبل الاستفهام عن كلّ محتمل مع أنّه صحيح.

فإن قيل: تناول «من» في القول المذكور لزيد و عمرو و بكر و غيرهم من الأفراد ليس دفعة و بحسب الدلالة، بل على البدل و الاحتمال، فلا فرق بينه و بين النكرة في سياق الإثبات في قولنا: «ادخل سوقا».

قلت: تناول «سوقا» لسوق الأمير أو الوزير أو غيرهما على البدل و الاحتمال، و تناول «من» لزيد و عمرو و غيرهما دفعة و بحسب الدلالة، إلّا أنّه بحسب التردّد دون الجزم لا على البدل و الاحتمال، و شتّان ما بينهما.

و قس على «من» غيره من أسماء الاستفهام.

و ممّا يدلّ على كون أسماء الشرط للعموم أنّ لفظ «من» مثلا في قولنا: «من دخل داري اكرمه» لو كان للاشتراك لما صحّ الامتثال قبل السؤال، و لو كان للخصوص لما صحّ الاستثناء؛ لأنّه دليل التناول للنقل، و لأنّه مشتقّ من الثني، و هو المنع و الصرف، فيكون للإخراج، فلو لم يتناول اللفظ الأوّل ذلك المخرج لما كان إخراجا. و أيضا انعقد الإجماع على أنّه إذا قال: «من دخل داري فهو حرّ» أو «طالق» يعمّ العبيد و النساء. و قس على «من» غيره من أسماء الشرط.

و اعلم أنّه صرّح جماعة بأنّ لفظة «أيّ» ليست للتكرار، بخلاف «كلّ»

710

و نحوه‏ (1). و فرّعوا عليه بأنّه لو قال لوكيله: «أيّ رجل دخل المسجد فأعطه درهما» لزم عليه الاقتصار على إعطاء واحد، بخلاف ما لو قال: «كلّ رجل»، و يظهر من ذلك أنّ عمومها للبدل لا للشمول‏ (2)، فتأمّل.

و ممّا يدلّ على أنّ النكرة المنفيّة للعموم أنّه لو قال المولى لعبده: «لا تضرب أحدا» فضرب واحدا ذمّه العقلاء، و لو لا فهم العموم لما توجّه الذمّ. و بأصالة عدم النقل يثبت المطلوب‏ (3).

و أيضا انعقد الإجماع على أنّ كلمة التوحيد تفيد نفي الالوهيّة عن جميع ما سوى اللّه، و أنّ الحنث يحصل بضرب واحد لو قال: «لا أضرب أحدا»، و التكذيب يتحقّق بموجبة جزئيّة لو قال: «ما ضربت أحدا».

و أيضا أجمع العلماء (4) على التمسّك بتحريم «كلّ عمّة» و «كلّ خالة» بقوله (عليه السلام):

«لا تنكح المرأة على عمّتها و لا على خالتها» (5).

اعلم أنّ النكرة المنفيّة إمّا يباشرها حرف النفي، نحو: «ما أحد قائما»، أو يباشر عاملها نحو: «ما قام أحد».

و حرف النفي إمّا «لا» أو «ليس» أو «ما» أو «إن» أو «لم» أو «لن».

و لا خلاف في أنّ النكرة المنفيّة الواقعة بعد «لا» لنفي الجنس، أو (6) «من» للاستغراق، نحو: «ما جاء من رجل»، و الصادقة (7) على القليل و الكثير ك: «شي‏ء» و مثله تفيد العموم.

و أمّا غيرها، نحو: «ما في الدار رجل» و «لا رجل قائما» بنصب الخبر، ففيه مذهبان:

أشهرهما و أصحّهما ذلك. و يدلّ عليه جميع ما تقدّم.

و يستثنى ممّا ذكر سلب الحكم عن العموم، كقولنا: «ما كلّ عدد زوجا» إبطالا لقول من‏

____________

(1). راجع تمهيد القواعد: 155، القاعدة 50.

(2). في «ب»: «الشمول».

(3). في «ب»: «المطلب».

(4). راجع غاية المراد 3: 162.

(5). الكافي 5: 445، باب نوادر في الرضاع، ح 11، و تهذيب الأحكام 7: 292، ح 1229.

(6). كذا في النسختين. و الصحيح: «و».

(7). عطف على المنفيّة.

711

قال: «كلّ عدد زوج» فإنّه ليس من باب عموم السلب، أي ليس حكما بالسلب على كلّ فرد.

و إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع أنّه لو قال المدّعي: «لا بيّنة لي»، فحلف المدّعى عليه ثمّ جاء ببيّنة، فإنّها لا تسمع. و قيل: تسمع‏ (1)؛ لأنّه قد لا يعرفها أو ساهاها.

و لو حلف أن «لا أتكلّم أحدهما أو أحدهم» و لم يقصد واحدا بعينه، فإذا كلّم واحدا، حنث و انحلّت اليمين، فلا يحنث إذا كلّم الآخر. و لو كان له زوجات، فقال: «و اللّه لا أطأ واحدة منكنّ» فإن أراد الامتناع عن كلّ واحدة منهنّ، أو واحدة معيّنة أو مبهمة، تعيّنت، و يقبل قوله في ذلك، و إن أطلق يحمل على التعميم عملا بظاهر الصيغة.

و حجّة العموم في مثل: «الذي» و «التي» و أسماء الإشارة المجموعة هي الحجج المشتركة، و لم نعثر على ما يختصّ به.

و الحجّة على أنّ «الأبد» و مرادفاته يدلّ على العموم الزماني أنّ العموم مدلولها الوضعي، كما يظهر من اللغة (2).

و ممّا يدلّ على أنّ الجمع بصيغة الأمر يدلّ على العموم أنّه لو قال السيّد لعبيده: «قوموا» فتخلّف واحد، استحقّ الذمّ.

و ممّا يدلّ على أنّ الجمع المعرّف باللام- مشتقّا كان أو غيره- للعموم أنّه يؤكّد بما يقتضي العموم، كقولهم: «قام القوم كلّهم» و «رأيت المشركين كلّهم»، و هو دليل العموم.

و أيضا الجمع المنكّر يفيد معنى الجمعيّة، فلو أفاد المعرّف أيضا مجرّد الجمعيّة من دون استغراق، لعرت اللام عن الفائدة.

و أيضا احتجّ أبو بكر على الأنصار بعد ادّعائهم الإمامة لأنفسهم بقوله (عليه السلام): «الأئمّة من قريش» (3).

و اعلم أنّه و إن ذهب أبو هاشم إلى أنّ الجمع المعرّف باللام لا يفيد العموم‏ (4)، و على هذا

____________

(1). قاله الأسنوي في التمهيد: 320.

(2). راجع لسان العرب 1: 40 «أ ب د».

(3). لاحظ المحصول 2: 357، و كنز العمّال 12: 30، ح 33831.

(4). حكاه الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 292، و الفخر الرازي في المحصول 2: 357، و المحقّق الحلّي في معارج الاصول: 84.

712

كان اللازم أن يعدّ من النوع الثاني، إلّا أنّه لمّا لم يشاركه أحد، و لم يلتفتوا إلى قوله، و عدّوه من الشواذّ، جعلناه من النوع الأوّل.

و ممّا يدلّ على أنّ الجمع المضاف للعموم احتجاج فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر- حيث منعها من توريثها عن أبيها- بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‏ (1) و لم ينكر عليها أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر إلى رواية رواها عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)(2). و فهم الخليل إيّاه من قوله تعالى: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ (3)؛ حيث قال: إنّ فيها لوطا و قرّره الملائكة.

و ممّا يدلّ عليه و على سابقه احتجاج عمر على أبي بكر في قضيّة قتال مانعي الزكاة بقوله (عليه السلام): «امرت أن اقاتل الناس حتّى يقولوا: أن لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوه فقد حقنوا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقّه» (4) أي حقّ هذا القول و هو كلمة التوحيد، فقرّره الصحابة، و عدل أبو بكر إلى قوله: «إلّا بحقّه» و الزكاة من حقّه، فدلّ على أنّهم فهموا منه عموم لفظ «الناس» في وجوب قتالهم قبل تلفّظهم بكلمة التوحيد، و عموم ضميره في عدم جواز قتالهم بعده، و عموم الجمع المضاف و هو «الدماء» و «الأموال» (5).

و اعلم أنّ كلّ واحد من المعرّف باللام و الإضافة إلى معرفة و الموصول، يجري فيه الاستغراق و تعريف الجنس و العهد الخارجي و العهد الذهني.

فعلى التقدير الأوّل يفيد العموم نصّا، بخلاف التقادير الأخر، فلا بدّ في فهم العموم منه إلى قرينة، و لذا قيل: العموم إمّا يثبته اللفظ بنفسه من غير قرينة، كأسماء الاستفهام و الشرط، أو مع قرينة في الإثبات‏ (6)، كالجمع المحلّى باللام، و المضاف جمعا، أو اسم جنس مفرد أو الموصول أو مع قرينة في النفي كالنكرة في سياقه؛ لأنّها تدلّ على نفي الفرد المنتشر، أو الطبيعة من حيث هي. و يلزم على الأخير نفي جميع الأفراد، الذي هو العموم.

____________

(1). نساء (4): 11. إشارة إلى «طبيعة كلّيّة».

(2). انظر الاحتجاج 1: 268، و نهاية الوصول إلى علم الاصول 2: 227، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 445.

(3). العنكبوت (29): 31.

(4). سنن ابن ماجة 2: 1295، ح 3927، و صحيح البخاري 1: 17، ح 25، و صحيح مسلم 1: 53، ح 36/ 22.

(5). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 103.

(6). انظر تمهيد القواعد: 156، القاعدة 51.

713

ثمّ لا كلام في أنّه إذا لم يوجد قرينة العهد وجب حمله على الاستغراق.

و يتفرّع عليه عدم وقوع الظهار، لو قال: «إن كان اللّه يعذّب الموحّدين فأنت عليّ كظهر امّي» إلّا أن يقصد تعذيب بعضهم؛ لأنّ التعذيب يختصّ بالبعض.

و لو وجدت قرينة العهد، قيل: يلزم حمله على العهد (1)، و إن احتمل العموم أو الجنس؛ لأصالة البراءة من الزائد، فلو حلف أن لا يشرب المياه، وجب حمله على المعهود حتّى يحنث بالبعض. و لو حمل على العموم، لم يحنث.

و لو حلف أن لا يأكل الجوزات، لحمل على غير الهندي؛ لأنّه المتعارف، إلّا في بلد يكون متعارفا فيه بحيث يطلق عليه اللفظ من غير تقييد.

و لو أوصى للفقراء أو نحوهم، صرف إلى فقراء البلد، أو (2) أقلّ الجمع فصاعدا؛ لقيام القرينة الحاليّة على أنّ العموم غير مراد.

ثمّ في هذا المقام تفصيل و تحقيق يأتي في المفرد المعرّف‏ (3).

هذا بيان أقسام النوع الأوّل. و لبيان تحقيق الحال في أقسام النوع الثاني نقول:

الحقّ أنّ «كم» الاستفهاميّة تفيد العموم كسائر أسماء الاستفهام. و الحجّة عليه ما تقدّم فيها (4).

و أمّا «من» و «ما» الموصولة (5)، نحو: «مررت بمن قام» أو «ما قام»، أي بالذي قام، فالحقّ أنّهما كسائر الأسماء الموصولة في إفادة العموم. و الدليل الدليل.

و ممّا يدلّ على إفادة خصوص «ما» للعموم قصّة ابن الزبعرى و هي مشهورة (6).

و قد يكون كلّ من «من» و «ما» نكرة موصوفة، نحو: «مررت بمن» أو «بما معجب لك» أي شخص معجب لك. و قد تكون «ما» نكرة غير موصوفة و هي «ما» التعجّبية، و حينئذ لا تفيدان العموم وفاقا.

____________

(1). انظر تمهيد القواعد: 156، القاعدة 51.

(2). في «ب»: «و».

(3). سيأتي في ص 716.

(4). تقدّم في ص 709.

(5). كذا في النسختين. و الأولى: «الموصولتان».

(6). حكاها الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 223، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 104.

714

و إذا كانتا موصولتين، فإفادتهما للعموم تتوقّف على أن لا تكونا للعهد، فما يرد عليك من لفظة «من» أو «ما» فلا بدّ لك أن تتأمّل في أنّهما شرطيّتان، أو استفهاميّتان، أو موصولتان، أو موصوفتان، فتحكم على الأوّلين‏ (1) بعمومهما مطلقا، و على الثالث بعمومهما إذا لم يكن ثمّة عهد، و على الرابع لا تحكم بعمومهما أصلا، و كذا لو حصل الاشتباه؛ لأصالة البراءة.

و يتفرّع على ما ذكر أنّه لو قال رجل بعنوان النذر: «من يدخل الدار من عبيدي فهو حرّ» وجب أن ينظر، فإن أتى بالفعل مجزوما، فيعمّ العتق جميع الداخلين؛ لأنّ «من» حينئذ تكون شرطيّة، و كذا إن أتى به مرفوعا على ما اخترناه من أنّ الموصولة للعموم لعدم‏ (2) تقدّم عهد، و على ما ذهب إليه جماعة من أنّ الموصولة للعموم لعدم تقدّم عهد (3). و على ما ذهب إليه جماعة- من أنّ الموصولة لا تفيد العموم‏ (4)- يلزم عتق واحد، و كذا لو أمكن أن تحمل على الموصوفة.

و لو أقام متصرّف عين بيّنة على أنّ فلانا وهبها، و أقام ورثة الواهب بيّنة اخرى بأنّ الواهب رجع فيما وهبه، فالحقّ أنّ العين لا تنزع من يده؛ لاحتمال أن لا يكون هذا العين من المرجوع فيه؛ لجواز أن تكون «ما» (5) نكرة موصوفة، و لو تعيّن كونها موصولة، لزم النزع؛ لكونها عامّة على ما اخترناه. و قس عليه أمثاله.

و أمّا «ما» الزمانيّة و المصدريّة، فالحقّ أنّها لا تفيد العموم؛ لعدم المقتضي و شذوذ القائل بالعموم‏ (6). و كيفيّة التفريع ظاهرة.

و أمّا النكرة في سياق الشرط، فالحقّ أنّ حكمها كأسماء الاستفهام في إفادة العموم، و يجري فيها من الأدلّة ما يجري فيها.

____________

(1). أي كونهما شرطيّتين أو استفهاميّتين.

(2). اللام هنا و فيما يأتي للتوقيت دون التعليل و معناه «عند». و اعلم أنّ إضافة كلمة «جماعة» إلى «اخترناه» تغني عمّا يأتي.

(3). راجع: المحصول 2: 325، و نهاية السؤل 2: 324.

(4). راجع: المصادر المذكورة، و منهم أيضا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 154، القاعدة 49.

(5). و المراد بها ما وقع في قوله: «فيما وهبه».

(6). حكاه الشهيد الثاني عن بعض في تمهيد القواعد: 148، القاعدة 46.

715

و لو قيل: إنّها لا تدلّ إلّا على العموم البدلي دون الاستغراقي؛ لأنّ قوله: «إن ولدت ولدا» لا يدلّ إلّا على الطبيعة المرسلة، سواء تحقّقت في ضمن ولد أو ولدين أو أكثر، فيكون كالنكرة المطلقة.

قلت: دلالتها عليها ليست على البدل، بل على الاستغراق إلّا أنّها على سبيل التردّد دون الجزم، كما تقدّم في أسماء الاستفهام‏ (1)، فلو أوصى بأنّها: «إن ولدت ذكرا فله‏ (2) ألف، و إن ولدت انثى فله‏ (3) مائة» فولدت ذكرين أو انثيين أو أكثر، فللجميع الألف أو المائة.

و أنت خبير بأنّ الحكم كذلك لو لم تكن‏ (4) للعموم الاستغراقي، بل البدلي فلا يختلف به التفريع.

و أمّا النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري، فالظاهر أنّ حكمها حكم النكرة في سياق النفي، و وجهه ظاهر.

و أمّا النكرة في سياق الإثبات- إذا كانت للامتنان-، فلا يبعد أن يدّعى حصول الظنّ بإفادتها للعموم؛ نظرا إلى أنّ الامتنان مع العموم أكثر.

و قيل: إن كان الكلام إنشاء، يفيد العموم، و إن كان إخبارا، فلا بدّ من المطابقة بين الواقع و مدلول اللفظ إن عامّا فعامّا، و إن خاصّا فخاصّا (5).

و ممّا فرّع على عمومها طهوريّة كلّ ماء، سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض؛ لقوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ‏ (6).

و أمّا النكرة في سياق الأمر، فالحقّ أنّها لا تقتضي عموم الشمول‏ (7)، لأنّ قول القائل:

«أعتق رقبة» لا يدلّ إلّا على إعتاق رقبة واحدة من أيّ صنف كانت على البدل، و لا يفهم منها لغة و عرفا أكثر من ذلك، و حينئذ فالفرق بينها و بين النكرة المثبتة في سياق الخبر

____________

(1). تقدّم في ص 709.

(2 و 3). المقصود من «فله» الولد لا الذكر و لا الانثى.

(4). أي النكرة في سياق الشرط.

(5). راجع المحصول 2: 344.

(6). الأنفال (8): 11.

(7). كذا في النسختين. و لعلّ الإضافة بيانيّة.

716

أنّ الواقعة في سياق الخبر واحدة في الواقع، إلّا أنّها التبست علينا، بخلاف الواقعة في سياق الأمر.

و أمّا اسم القبيلة، فالظاهر أنّه يفيد العموم بالنسبة إلى تلك القبيلة؛ لأنّ «ربيعة»- مثلا- وضع‏ (1) لكلّ هذه القبيلة، فلو اطلقت على بعضها، يكون‏ (2) مجازا.

و أمّا المفرد المعرّف بلام الجنس، فالحقّ أنّه لا يفيد العموم لغة و يفيده شرعا. و قبل الخوض في الاستدلال لا بدّ لنا من تمهيد مقدّمة، و هي أنّ «اللام» إذا دخلت على اسم الجنس فإن اشير بها إلى حصّة معيّنة منه- فردا كانت، أو أفرادا- سمّيت لام العهد الخارجي، و إن اشير بها إلى الجنس نفسه من حيث هو- كما في الحدود- سمّيت لام الحقيقة و الطبيعة، و إن اشير بها إلى الجنس من حيث وجوده في ضمن جميع الأفراد سمّيت لام الاستغراق، أو في ضمن بعضها سمّيت لام العهد الذهني.

و إذ (3) ثبت استعمالها في هذه المعاني فإمّا أن تكون مشتركة بين الجميع، كما يظهر من بعض‏ (4)، أو بين اثنين منها أو ثلاثة مجازا في الباقي، أو حقيقة في أحدها فقط مجازا في البواقي.

فعلى الأوّل إن وردت مع قرينة دالّة على إرادة أحدها تعيّن‏ (5) إرادته، كما هو شأن المشتركات، و إن وردت مطلقة فإمّا يقال بإجمالها و وجوب التوقّف- كما هو الحال في بواقي المشتركات- أو يقال بإرادة الجنسيّة من حيث هي؛ لأنّها يقينيّة و البواقي مشكوك فيها؛ لأنّ الاستغراق و العهد يفتقران إلى إرادة الزائد المنفيّ بالأصل.

و على الثاني إن استعملت بقرينة في البعض الأوّل يكون‏ (6) حقيقة فيه، و إن استعملت بقرينة في البعض الثاني يكون‏ (7) مجازا فيه. و إن وردت مطلقة، يجب أن لا تحمل على‏

____________

(1). التذكير باعتبار اللفظ.

(2). أي يكون الإطلاق.

(3). في «ب»: «و إن».

(4). انظر تمهيد القواعد: 167، القاعدة 56.

(5). يمكن قراءة الكلمة بضمّ النون بأنّها مضارع من التفعّل بحذف إحدى التاءين.

(6 و 7). أي يكون الاستعمال. و المراد بالبعض الأوّل هو المعاني المشترك فيها و المعاني الحقيقيّة، و بالبعض الثاني هو الباقي و المعاني المجازيّة.

717

البعض الثاني بل الأوّل، إلّا أنّها تكون محتملة بالنسبة إلى أفراده.

و لو قيل: يتعيّن كون الحقيقة حينئذ من المعاني الحقيقيّة دون المجازيّة. و عدم القول بكونها حقيقة في غير الحقيقة مجازا فيها، لتأتّى القول بإرادة الجنسيّة المطلقة حينئذ، كما ذكرنا في الأوّل.

و على الثالث إن قامت قرينة على إرادة أحد المعاني المجازيّة، فتستعمل فيه مجازا، و إلّا فيراد الحقيقي و تكون حقيقة فيه. و على القول المذكور ينحصر الحقيقي في الحقيقة دون غيرها.

و الحقّ أنّ الحقيقة و الطبيعة لا يمكن أن تكون من المعاني المجازيّة؛ لأنّ وضع هذه «اللام» للجنسيّة، و حينئذ إن لم تكن حقيقة في غيرها، فلا خفاء في تعيّن إرادتها عند الإطلاق، و كذا إن كانت حقيقة في غيرها أيضا من العهد أو الاستغراق؛ لأصالة عدم الزائد.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا قامت القرينة على أنّ اللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق، فلا خلاف في إفادتها العموم، و إن دلّت القرينة على أنّها للعهد الخارجي أو الذهني، فلا خلاف في عدم إفادتها العموم، و إن تعيّن كونها للطبيعة من حيث هي- إمّا لقيام قرينة على ذلك، أو لوقوعها في مقام الإطلاق؛ لأنّها عند الإطلاق ظاهرة في الحقيقة و حملها على غيرها يحتاج إلى دليل، كما تقدّم‏ (1)- فهي التي اختلف في أنّها تفيد العموم أم لا.

و الحقّ- كما قدّمناه- أنّها لا تفيد العموم لغة و تفيده شرعا (2).

لنا على الأوّل أنّ الطبيعة من حيث هي لا تنافي الوحدة و الكثرة، و تتحقّق في ضمن كلّ منهما، و الدالّ على العامّ لا يدلّ على الخاصّ.

و لنا أيضا أنّه‏ (3) لا يؤكّد و لا يوصف بما يؤكّد و يوصف به الجمع.

و الإيراد عليه بأنّ ذلك لعدم التشاكل اللفظي، مندفع بأنّ التأكيد و التوصيف‏ (4) يتبعان المعنى لا اللفظ.

____________

(1). تقدّم في ص 716.

(2). تقدّم في ص 716.

(3). أي اسم الجنس المعرّف.

(4). استعمال لا توافقه اللغة.

718

و الاستدلال عليه بعدم تبادر العموم منه، و عدم جواز الاستثناء منه مطّردا ضعيف، كما لا يخفى.

و احتجّ الخصم بصحّة وصفه بالجمع، كما حكي من قولهم: «أهلك الناس الدرهم البيض و الدينار الصفر»، و قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ عَوْراتِ النِّساءِ (1)، و جواز الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (2) و (3).

و الجواب: أنّ «اللام» في أمثالهما (4) للاستغراق؛ فإنّه لا مجال لإنكار إفادة المفرد المعرّف له في بعض الموارد حقيقة أو مجازا كما تقدّم‏ (5)، مع أنّ الطفل يطلق على الواحد و الجمع، صرّح به الجوهري‏ (6).

و لنا على الثاني أنّه لو لم يفد العموم شرعا، لكان المراد منه إمّا الماهيّة من حيث هي، أو البعض المبهم؛ لأنّ الفرض عدم العهد الخارجي، و إرادة الماهيّة ممتنعة في الأحكام الشرعيّة؛ لأنّها تجري على الكلّيّات باعتبار وجودها، و إرادة البعض المبهم تنافي الحكمة و توجب الإغراء بالجهل و التكلّف بما لا يعلم، و لا يصدر مثله عن الحكيم و مقنّن القوانين، فتعيّن أن يكون المراد منه العموم في الأحكام الشرعيّة.

إذا عرفت ذلك فيتفرّع على الأوّل عدم دخول غير السبت الأوّل لو قال لوكيله: «بع هذا يوم السبت لا غير» و تحقّق الاستحقاق بقراءة بعض القرآن لو قال: «إذا قرأت القرآن فلك كذا» و عدم توقّفه على قراءة جميعه.

و ربما حمل على عرف الشرع؛ لتقدّمه على اللغة، و إن كان في كلام الناس.

و على الثاني جواز بيع كلّ ما ينتفع به؛ لقوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (7)، و عدم انفعال‏

____________

(1). النور (24): 31.

(2). العصر (103): 2- 3.

(3). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 109.

(4). أي في مورد الاستثناء و الوصف بالجمع.

(5). تقدّم في ص 716.

(6). الصحاح 5: 1751، «ط ف ل».

(7). البقرة (2): 275.

719

كلّ ماء بلغ كرّا بمجرّد ملاقاة النجاسة؛ لقوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء كرّا لم ينجّسه شي‏ء» (1)، و طهوريّة كلّ ماء؛ لقوله (عليه السلام): «خلق اللّه الماء طهورا» (2).

تذنيب [: في دلالة المفرد المعرّف إذا تقدّمت قرينة العهد]

ما ذكرناه- من أنّ المفرد المعرّف لا يدلّ إلّا على الماهيّة من حيث هي لغة، و يدلّ على العموم شرعا- إنّما إذا لم تتقدّم قرينة العهد، و مع وجودها فإن كانت قرينة معيّنة له، فيحمل عليه وفاقا كما تقدّم‏ (3). و إن كانت قرينة مصحّحة له- أي احتمل معها إرادة الجنس أيضا- فإن كان أحد المحتملين- أي العهد و الجنس- أرجح، يجب حمله عليه، و إن تساويا، فالحقّ وجوب التوقّف؛ لأنّ الحمل على أحدهما حينئذ يوجب الترجيح بلا مرجّح.

و قيل: يقدّم العهد؛ لأصالة البراءة من الزائد (4)، و لأنّ تقدّم العهد قرينة مرشدة إليه.

و أنت خبير بأنّ الأصالة إنّما تفيد إذا دار اللفظ بين العهد و الاستغراق لا بينه و بين الجنس؛ لأنّ الجنس لا يلزم وجوده في ضمن جميع الأفراد، بل يوجد في ضمن بعضها أيضا أيّ بعض كان، و تقدّم العهد إذا كان قرينة مصحّحة لا معيّنة لا يرجّح إرادته، مع كون اللفظ ظاهرا في الجنس، و أصالة عدم التعيّن المعتبر (5) في العهد.

و قد علم ممّا ذكر حقيقة الحال إذا دار بين الاستغراق و الجنس، أو بين أحدهما أو كليهما و العهد.

ثمّ جميع ما ذكر جار في الجمع المعرّف إذا دار بين العهد و الاستغراق. هذا.

و قرينة العهد إمّا حاليّة أو مقاليّة، و من الثانية أن يذكر الاسم مرّتين معرّفا فيهما، كقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ثمّ‏ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6)، أو منكّرا في الاولى، معرّفا في‏

____________

(1). الكافي 3: 2، باب الماء الذي لا ينجّسه شي‏ء، ح 1 و 2، و الفقيه 1: 9، ح 12، و تهذيب الأحكام 1: 39، ح 107 و 109، و الاستبصار 1: 6، ح 1 و 3.

(2). وسائل الشيعة 1: 135، أبواب الماء المطلق، الباب 1، ح 9.

(3). تقدّم في ص 716.

(4). نسبه الزركشي إلى ابن مالك في البحر المحيط 2: 251.

(5). صفة التعيّن.

(6). الانشراح (94): 5- 6.

720

الثانية، كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولًا* فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (1)، و لو كانا معا نكرتين، أو كان الأوّل معرّفا و الثاني منكّرا، لم يكن أحدهما هو الآخر.

إذا عرفت ذلك، فيظهر الفائدة في مواضع متكثّرة:

منها: لو قال لوكيله: «إن جاء فلان فبعه بمائة»، ثمّ قال: «إن جاء الرجل فبعه بخمسين»، أو قال: «هند طالق»، ثمّ قال: «و الزوجة طالق» و كان له عدّة زوجات. هذا.

و أمّا المفرد المضاف، ك: «ضرب زيد» و «أكل عمرو» فحكمه حكم المعرّف باللام بعينه من دون تفاوت.

فائدة [: في أنّ «إذا» تفيد الماهيّة لغة و العموم شرعا]

ما ذكرنا في المفرد المعرّف باللام- من أنّه لا يفيد العموم لغة و يفيده شرعا (2)- يجري في «إذا»، فإنّها و إن لم تفد العموم لغة؛ لكونها سورا للجزئيّة إلّا أنّها تفيده شرعا بعين الدليل الذي ذكرناه فيه.

و أمّا الجمع المنكّر، فالحقّ أنّه لا يفيد العموم؛ وفاقا لجمهور الاصوليين و الفقهاء و النحاة (3)، و يحمل عند إطلاقه على أقلّ مراتبه- و هو الثلاثة- على الصحيح كما يأتي‏ (4). و لا فرق في ذلك بين جمع القلّة و الكثرة على طريقة أرباب الاصول و الفقه، بخلاف طريقة النحاة.

لنا أنّه إمّا حقيقة في كلّ مرتبة من مراتب الجموع بخصوصه، أو في القدر المشترك بينها. و على التقديرين يكون أقلّ المراتب محقّق الدخول، و يبقى البواقي على حكم الشكّ.

لا يقال: على الأوّل يجب التوقّف؛ لما هو التحقيق من أنّ المشترك لا يحمل على شي‏ء من معانيه إلّا بالقرينة.

____________

(1). المزّمّل (73): 15- 16.

(2). تقدّم في ص 716.

(3). حكاه عنهم الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 159، القاعدة 52، و الزركشي في البحر المحيط 2: 290.

(4). سيأتي في ص 721.

721

لأنّا نقول: هذا إذا لم يكن بعض أفراده داخلا في كلّ واحد من الأفراد الأخر، و إلّا فهو مراد قطعا، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

و احتجّ الخصم بأنّه ثبت إطلاقه على كلّ مرتبة من مراتب الجموع، فإذا حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه، فكان أولى‏ (1).

و جوابه: منع أولويّة حمل المشترك عند الإطلاق على جميع حقائقه، بل يجب إمّا الحمل على ما هو محقّق الدخول إن كان، أو التوقّف إن لم يكن.

و اعلم أنّ الشيخ من أصحابنا ذهب إلى أنّه يفيد العموم شرعا (2)، و استدلّ عليه بمثل ما استدللنا به على إفادة المفرد المعرّف للعموم شرعا (3).

و أنت خبير بأنّ هذا يصحّ في مقام لا يقتضي الإبهام، و لا يكون الحكم على ماهيّة الجماعة من حيث هي، و لا عليها من حيث وجودها في ضمن الثلاثة فما فوقها، و لا على جماعة ما؛ لأنّه ربما كان الحكم على المنكّر مفيدا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يتخرّج عليه فروع كثيرة في أبواب الأقارير و الوصايا و النذور و العتق و غيرها.

و كيفيّة التفريع ظاهرة.

تتمّة [: في أنّ أقلّ مراتب الجمع ثلاثة لا اثنان‏]

الحقّ أنّ أقلّ مراتب صيغ الجمع ثلاثة لا اثنان، خلافا لجماعة (4). و النزاع في نحو:

«المسلمين» و «رجال» و «ضربوا» و «اضربوا»، و في الإطلاق الحقيقي لا في لفظ «ج م ع» فإنّه يطلق على الاثنين حقيقة وفاقا، و لا في الإطلاق المجازي؛ فإنّه ممّا لا ينبغي النزاع فيه.

____________

(1). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 105.

(2). انظر العدّة في أصول الفقه 1: 290- 293.

(3). تقدّم في ص 716.

(4). حكاه عنهم الغزالي في المستصفى: 243، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 242، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 105، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 159- 160، القاعدة 52.

722

لنا: فرق أهل اللغة بين صيغتي الجمع و التثنية (1)، و امتناع اتّصاف أحدهما بما يدلّ على الآخر، و اختلافهما في الضمائر و الموصولات و أسماء الإشارات.

و الاستدلال عليه بتبادر الزائد عن الاثنين عنها (2)، ضعيف؛ لأنّه للخصم منعه.

و احتجّ الخصم بآيات أطلقت صيغ الجمع فيها على الاثنين‏ (3)، و بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الاثنان فما فوقهما جماعة» (4) و (5).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الإطلاق أعمّ من الحقيقة، سيّما إذا ثبت الدلالة على عدمها؛ مع أنّه يمكن ردّ الصيغ فيها إلى ما فوقهما.

و عن الثاني: أنّ المراد منه انعقاد الجماعة و حصول فضيلتها بالاثنين لا إطلاق الجماعة عليهما؛ لأنّ دأبه بيان الشرعيّات لا تعليم اللغات؛ على أنّه لو تمّ ليس من محلّ النزاع في شي‏ء؛ إذ الخلاف- كما تقدّم‏ (6)- في صيغ الجموع لا في لفظة «ج م ع».

و فائدة الخلاف في الأقارير و الأيمان و النذور و الوصايا و التعليقات غير خفيّة، و حقيقة الحال عليك في الجميع على ما اخترناه جليّة. هذا.

و أمّا نفي المساواة، كقوله تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ (7)، فقيل:

يقتضي العموم‏ (8)، أي يدلّ على عدم جميع وجوه المساواة، و كذلك غير المساواة من الأفعال، ف «لا أضرب» عامّ في وجوه الضرب، و «لا آكل» عامّ في وجوه الأكل.

و قيل: لا يقتضيه‏ (9).

و التحقيق: أنّ النفي يتفرّع على الإثبات، فالمساواة الواقعة في الإثبات، نحو: «يستوي‏

____________

(1). راجع: لسان العرب 14: 116، «ث ن ي»: «الاثنان ضعف الواحد»، و 355، «ج م ع»: «الجمع اسم لجماعة الناس».

(2). استدلّ به ابن الحاجب في منتهى الوصول: 106، و الشيخ حسن في معالم الدين: 112.

(3). و هو قوله تعالى: وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ‏، الأنبياء (21): 78.

(4). كنز العمّال 7: 555، ح 20224، و فيه: «اثنان فما ...».

(5). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 105 و 106.

(6). تقدّم آنفا.

(7). الحشر (59): 20.

(8). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 266، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 110.

(9). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 377، و نسبه ابن الحاجب إلى أبي حنيفة في المصدر.

723

هذا و ذاك» إن أفادت العموم حتّى لا يصدق على الشيئين إلّا مع تساويهما من كلّ الوجوه، ف «لا يستوي» لا يفيده؛ لأنّ نقيض الموجبة الكلّية سالبة جزئيّة. و إن لم تفده حتّى يصدق عليهما باعتبار تساويهما من بعض الوجوه، كان النفي عامّا؛ لأنّ نقيض الموجبة الجزئيّة سالبة كلّيّة.

و الحقّ الثاني‏ (1)؛ لأنّ الجملتين نكرتان باتّفاق النحاة، و لذا يوصف بهما النكرة دون المعرفة، سواء كان اتّصافهما بالتنكير باعتبار نفس الجملة، كما هو الظاهر من كلامهم، أو باعتبار المفرد الذي يسأل منها، على ما ذهب إليه أهل التحقيق من أنّ التعريف و التنكير من خواصّ الاسم، و ذلك المفرد هو المصدر الواقع فيهما أعني الاستواء، إلّا أنّه في «يستوي» وقع في سياق الإثبات، فهو إثبات على نكرة فلا يقتضي العموم، و في «لا يستوي» وقع في سياق النفي، فهو نفي على نكرة فيقتضي العموم، كسائر النكرات المنفيّة.

فإن قيل: المساواة المفهومة من «يستوي»- و هي المساواة مطلقا أي في الجملة- أعمّ من المساواة من كلّ وجه، و العامّ لا إشعار له بالخاصّ بوجه من الوجوه، فلا يلزم من نفيه نفيه.

قلت: عدم دلالة العامّ على الخاصّ من طرف الإثبات مسلّم، فوجود الاستواء في الجملة لا يستلزم وجوده من جميع الوجوه. و أمّا من طرف النفي فغير مسلّم، بل خلافه ثابت؛ فإنّ نفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ، فنفي الاستواء في الجملة يستلزم نفي الاستواء من كلّ وجه، و لو لا ذلك، لجاء مثله في كلّ نفي، فلا يعمّ نفي أبدا. هذا.

و احتجّ الخصم‏ (2) بوجوه لا يخفى اندفاعها بعد الإحاطة بما ذكرناه.

إذا عرفت ذلك، فيتفرّع عليه عدم جواز قتل المسلم بالكافر و لو كان ذمّيّا؛ لقوله تعالى:

لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ (3)، و عدم مساواة الزوجة الكافرة للمسلمة في القسم؛ للآية (4).

____________

(1). و المراد به عدم إفادة الإثبات للعموم فنفي التساوي يفيده.

(2). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 110.

(3). الحشر (59): 20.

(4). هو قوله تعالى: وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ‏، البقرة (2): 221.

724

و فرّع عليه بعض العامّة عدم جواز تزويج الفاسق لغيره‏ (1)؛ لقوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ (2)، و على القاعدة- و إن كان التفريع صحيحا- [إلّا] (3) أنّ الجواز عندنا منصوص‏ (4).

فصل [6] [: في عدم خروج العامّ عن عمومه إذا تضمّن معنى المدح أو الذمّ‏]

العامّ لا يخرج عن عمومه إذا تضمّن معنى المدح أو الذمّ، كقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏ (5)؛ لأنّه عامّ بصيغته، و لا منافاة بين التعميم و المدح و الذمّ، فيثبت به الحكم في جميع متناولاته.

و ذهب الشافعي إلى خروجه بهما عن العموم؛ لأنّه سيق حينئذ لقصد المبالغة في الحثّ أو الزجر، فلا يلزم التعميم‏ (6)، و لذا أحال بعض الشافعيّة التمسّك بقوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ ... (7)، في وجوب الزكاة في الحليّ‏ (8)؛ لأنّ ذكر العامّ هنا (9) للمبالغة و الإغراق في إلحاق الذمّ لمن يكنز الذهب و الفضّة لا للتعميم‏ (10).

و الجواب: أنّ التعميم لا ينافي المدح و الذمّ بل هو أبلغ فيهما.

و كيفيّة التفريع: أنّه إذا قال لعبيده أو زوجاته: «و اللّه من يعمل منكم كذا ضربته» أو (11) «إن فعلتم كذا ضربتكم» لم يبرأ ذمّته- لو فعل الجميع- إلّا بضربهم.

____________

(1). راجع الشرح الكبير (ضمن المغني) 7: 466.

(2). السجدة (32): 18.

(3). أضفناه لاستقامة العبارة.

(4). راجع تمهيد القواعد: 177، القاعدة 58.

(5). الانفطار (82): 13- 14.

(6). حكاه الآمدي عن الشافعي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 298.

(7). التوبة (9): 34.

(8). حكاه الفخر الرازي في المحصول 3: 135، و الأسنوي في التمهيد 1: 279.

(9). في «ب»: «هاهنا».

(10). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 118.

(11). في «ب»: «و».

725

فصل [7] [: في أنّ حكاية الصحابي حالا بلفظ ظاهره العموم، لا يفيد العموم‏]

إذا حكى الصحابي حالا بلفظ ظاهره العموم- كقوله: «نهى عن بيع الغرر» (1)، و «قضى بالشاهد و اليمين» (2) و «قضى بالشفعة للجار» (3)- فالحقّ أنّه لا يفيد العموم على تقدير دلالة المفرد المعرّف عليه، فلا يعمّ «الغرر» و «الجار» و «الشاهد» و «اليمين»؛ لأنّ الحجّة في المحكيّ لا في الحكاية، و العموم فيها لا فيه، أو ربما كان المحكيّ خاصّا فيوهمه عامّا، أو يظنّ العموم باجتهاده.

و احتجّ الخصم بأنّه عدل عارف باللغة و بالمعنى، فلا ينقل العموم إلّا بعد ظهوره‏ (4).

و جوابه: أنّ تأتّي الاحتمالات المذكورة لا ينافي العدالة و المعرفة.

و كيفيّة التفريع: أنّه لا يمكن حينئذ الاحتجاج بعموم أخبار وردت بهذه الصيغ.

فصل [8] [: الفعل المتعدّي إذا وقع في سياق النفي و لم يذكر مفعوله أفاد العموم‏]

الفعل المتعدّي إذا وقع في سياق النفي و لم يذكر مفعوله، نحو: «لا آكل» و ما في معناه، كالنكرة في سياق الشرط، مثل: «إن أكلت فأنت طالق» يفيد العموم، أي يعمّ مفعولاته، سواء كان مفعوله منسيّا و صار الفعل بمنزلة اللازم، أو مقدّرا.

أمّا على الأوّل، فلأنّه حينئذ لنفي الطبيعة و نفيها إنّما يتحقّق بنفي جميع الأفراد.

و أمّا على الثاني، فلأنّ عدم ذكر المفعول مع كونه مرادا دليل على إرادة جميع ما يصلح للمفعوليّة.

و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك- أي إفادته للعموم- و لذا يقع الحنث بأيّ فرد اتّفق، اتّفاقا.

____________

(1). سنن ابن ماجة 2: 739، ح 2194، و صحيح مسلم 3: 1153، ح 4/ 1513، كتاب البيوع.

(2). صحيح مسلم 3: 1337، ح 3/ 1712، كتاب الأقضية.

(3). في سنن أبي داود 3: 286، ح 3517 بلفظ: «جار الدار أحقّ بدار الجار أو الأرض»، و السنن الكبرى 6: 106، و سنن النسائي 7: 321.

(4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 112.

726

إنّما الخلاف في أنّه هل هو عامّ لفظي يقبل التخصيص- حتّى لو قال: «أردت مأكولا خاصّا» يقبل منه- أو عقلي لا يقبله؟ فذهب الأكثر إلى الأوّل، و الحنفيّة إلى الثاني‏ (1).

و تحرير محلّ النزاع: أنّ مفعول «لا آكل» مثلا عند الحنفي محذوف غير ملحوظ عند الذكر أصلا، بل هو منسيّ و الفعل بمنزلة اللازم، فيكون قضيّة طبيعيّة يكون المراد منها نفي الماهيّة من حيث هي، لا نفي الأفراد و إن كان مستلزما، فلا يقبل التخصيص؛ لأنّه فرع التعميم في الأفراد، و عند الأكثر مقدّر مراد، و هو كلّ ما يقع مأكولا، فيكون قضيّة محصورة يكون المراد منها نفي الأكل بالنسبة إلى كلّ مأكول، فيقع التعميم في الأفراد، فيقبل التخصيص. و لا كلام للحنفي و الأكثر في ثبوت الاحتمالين في فصيح الكلام، إنّما كلامهما في الظهور.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الحقّ أنّه يقبل التخصيص و إن كان ظاهرا في الإنشاء؛ لأنّ الظهور لا يمنع التصريح بالخلاف، فيكون التخصيص قرينة صارفة عمّا هو ظاهر فيه.

و أيضا لا يشترط في التخصيص التعميم في نفي الأفراد صريحا، بل يكفي التعميم فيه و إن كان لازما لنفي الماهيّة.

احتجّ الحنفي بأنّه نفي فعل مطلق، فلا يصحّ تفسيره بمخصّص؛ لتنافيهما؛ إذ لا شي‏ء من المطلق بمشخّص، و بالعكس؛ لأنّ الإطلاق عدم القيد (2)، و التشخّص وجوده.

و جوابه: أنّه إن أراد بالمطلق ما يكون قيد الإطلاق مأخوذا فيه، يمنع أنّه نفي فعل مطلق بهذا المعنى؛ لقرينة التخصيص، و لاستحالة وجود هذا المطلق في الخارج؛ لأنّ الكلّي المبهم لا يوجد إلّا في الذهن. كيف؟ و لو كان للمطلق لم يحنث بالمقيّد. و إن أراد به المقيّد المطابق للمطلق، فنمنع‏ (3) المنافاة.

____________

(1). حكاه الغزالي في المستصفى: 237، و الفخر الرازي عن الحنفيّة في المحصول 2: 384، و نسبه ابن الحاجب إلى أبي حنيفة في منتهى الوصول: 111.

(2). كذا في النسختين. و الأولى «عدم التقييد».

(3). في «ب»: «فيمنع».

727

فصل [9] [: الفعل المثبت لا يفيد العموم في أقسامه و جهاته‏]

الفعل المثبت لا يكون عامّا في أقسامه و جهاته، فإذا قال الراوي: «قد صلّى النبيّ داخل الكعبة» لا يعمّ الفرض و النفل، فلا يعيّن إلّا بدلالة.

و إذا قال: «صلّى بعد الشفق» فلا يعمّ الصلاة بعد الشفقين؛ لأنّ المشترك لا يحمل عند إطلاقه على معانيه جميعا- كما عرفت‏ (1)- فيتوقّف التعيّن‏ (2) على دليل.

و إذا قال: «كان يجمع بين الصلاتين» فلا يعمّ جمعهما بالتقديم في وقت الاولى و التأخير في وقت الثانية، و لا الأزمان، ليفيد التكرار لغة، إلّا أنّ الإنصاف أنّه يفيده عرفا.

و قد ظهرت كيفيّة التفريع من الأمثلة المذكورة.

فصل [10] [: في أنّ العطف على العامّ لا يقتضي عموم المعطوف‏]

الحقّ أنّ العطف على العامّ لا يقتضي عموم المعطوف؛ لأنّه لا يدلّ إلّا على الجمع الصادق في العامّ و الخاصّ. فإن فهم استغراقه من صيغة، أو العقل، أو العرف يحكم بالعموم، و إلّا فلا. و قد مثّل ذلك بقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ‏ (3) العامّ في كلّ مطلّقة، مع قوله:

وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ (4) الخاصّ بالرجعيّة.

و أنت خبير بأنّ هذا المثال غير مطابق، أمّا أوّلا، فلأنّ المعطوف هنا يفيد العموم بصيغته، فعدمه إنّما علم من خارج.

و أمّا ثانيا، فلأنّه يحتمل أن يكون من باب عطف جملة على اخرى، لا مفرد على آخر.

فمثاله المطابق قول القائل: «عليّ أن اكرم العلماء و فقراء» على القول بعدم إفادة الجمع المنكّر للعموم، كما هو التحقيق.

و يظهر منه كيفيّة التفريع في أبواب الأيمان، و النذور، و الوصايا، و غيرها.

____________

(1). تقدّم في ص 716.

(2). في «ب»: «التعيين».

(3 و 4). البقرة (2): 228.

728

و قد ظهر ممّا ذكر أنّ عطف الخاصّ على العامّ لا يقتضي تخصيص العامّ أيضا، و بالعكس لا يقتضي تخصّص العامّ و لا تعميم الخاصّ. و أمثلة الكلّ مع كيفيّة التفريع ظاهرة.

فصل [11] [: الحكم على المعطوف بحكم المعطوف عليه العامّ لا يقتضي عدم دخول الأوّل في الثاني‏]

الحكم على المعطوف‏ (1) بحكم حكم به على المعطوف عليه العامّ لا يقتضي عدم دخول الأوّل في الثاني و خروجه عن عمومه بالنسبة إليه إذا كان فردا. و هذا مع ظهوره صرّح به أكثر الادباء (2). مثاله: قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ (3). و هكذا الحال إذا كان المعطوف عليه فردا و المعطوف عامّا، كأن يوصي لزيد و للفقراء بثلث ماله.

و منه يظهر كيفيّة التفريع. و في مقدار استحقاق زيد أقوال‏ (4) منضبطة في مصنّفات الفقه، بعضها مبنيّ على القاعدة.

فصل [12] [: المأمور به إذا كان اسم جنس مجرورا ب «من» فمقتضاه الإيجاب‏]

المأمور به‏ (5) إذا كان اسم جنس مجموعا مجرورا ب: «من» فإن كان ممّا يفيد العموم بصيغته، كالمعرّف باللام أو الإضافة، كقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (6) فمقتضاه الإيجاب من كلّ فرد إلّا أن يثبت دلالته على أنّ الأفراد ليست مرادة، و حينئذ فمقتضاه الإيجاب من كلّ نوع، و هكذا.

و تنقيح ذلك أنّ الجمع لتضعيف المفرد، و المفرد قد يراد به الفرد فيراد بالجمع حينئذ جميع الأفراد. و قد يراد به الجنس فيراد بالجمع حينئذ جميع الأنواع، و التعويل في استنباط المراد على القرائن و الأمارات.

____________

(1). أي المعطوف الخاصّ.

(2). لاحظ العدّة في أصول الفقه 1: 217، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 277.

(3). البقرة (2): 238.

(4). راجع تمهيد القواعد: 210، القاعدة 75.

(5). و المراد به هو الموضوع و متعلّق المأمور به لا نفس المأمور به.

(6). التوبة (9): 103.

729

و بالجملة، قضيّة العموم تقتضي الإيجاب من كلّ فرد إلّا أن يعارض العامّ معارض من إجماع، أو عقل، أو عرف في بعض متناولاته، فيبقى حجّة فيما عدا ذلك، و إلّا فمقتضاه الإيجاب من أقلّ أنواع الجمع.

أمّا الثاني، فظاهر.

و أمّا الأوّل، فلأنّ المأمور به حينئذ يفيد الاستغراق، و «من» يفيد البعضيّة، فحاصل الآية: أنّه يجب الأخذ من كلّ فرد من أفراد كلّ نوع من أنواع الأموال، إلّا أنّه لمّا دلّ الإجماع و العرف على أنّه لا يجب الصدقة في كلّ فرد- و لذا لا يجب في كلّ دينار و كلّ درهم- خصّ الأموال بكلّ نوع منها، فيفيد وجوب أخذ الصدقة من كلّ نوع من أنواعها.

نعم، خرج بعض أنواعها بدليل من خارج.

فإن قيل: معنى الجمع العامّ‏ (1) هو المجموع من حيث هو، أو كلّ واحد من المجموع‏ (2) لا من الآحاد، كما صرّح به جماعة (3) و بنوا عليه أنّ استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.

قلت: هذا خلاف التحقيق، و ما أوقعهم فيه أنّه قد يوجد قرينة على أنّ المراد من الجمع العامّ المجموع من حيث هو، لا كلّ الأفراد، مثل: «هذه الدار لا تسع الرجال» أو نفس الحقيقة، مثل: «يا هند، لا تحدّثي الرجال»، فظنّوا أنّه مدلوله، و ليس كذلك، بل هذا الحمل خلاف ظاهره، إلّا أنّه يصار إليه للقرينة، كما في غيره، و لذا يفرّق بين «للرجال عندي درهم» و «لكلّ رجل عندي درهم»، و لا يفرّق بين‏ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ (4) و «يحبّ كلّ محسن»، و لا بين‏ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (5) و «لأحد من العباد»؛ لأنّ البراءة الأصليّة في مقام الإقرار قرينة على حمل العموم على خلاف ظاهره، بخلاف غير مقام الإقرار؛ لعدم هذه القرينة فيه.

____________

(1). و المراد به هو الجمع المعرّف باللام أو الإضافة، نحو الرجال و رجال قريش.

(2). في «ب»: «الجموع».

(3). راجع: المحصول 2: 356، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 297، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 118.

(4). آل عمران (3): 134.

(5). غافر (40): 31.

730

و كيفيّة التفريع: أنّه يجوز الاستدلال بالآية على وجوب الزكاة فيما اختلف في وجوبها فيه، كالحليّ و نحوه.

فصل [13] [: في المقتضي و تقديراته‏]

«المقتضي»- و هو الكلام الذي لا يستقيم عقلا، أو شرعا، أو عرفا إلّا بتقدير- إن احتمل تقديرات متعدّدة يستقيم الكلام بكلّ واحد منها، فإن ثبت دلالة أو أمارة على تعيين مقتضاه، فهو المقدّر لا غير، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ (1) و «حرّم عليكم لحم الخنزير» ممّا يضاف فيه التحريم إلى الأعيان؛ فإنّه يتبادر الذهن في مثله إلى مقدّر معيّن، كالأكل في المأكول، و الشرب في المشروب، و اللبس في الملبوس، و الوطء في الموطوء.

و منه ما ينفى فيه الفعل، كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (2)، و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (3)، و «لا نكاح إلّا بوليّ» (4) إذا ثبت كون الصلاة و النكاح و أمثالهما حقائق شرعيّة في الصحيحة؛ فإنّ المتبادر منه حينئذ نفي الصحّة اللازم منه نفي المسمّى شرعا؛ لأنّ الصحّة إمّا جزؤه أو شرطه. و كيف كان، يلزم من نفيها نفيه. أو حقائق عرفيّة في المفيدة؛ فإنّ المتبادر منه حينئذ نفي الفائدة و الجدوى، نحو: «لا علم إلّا ما نفع» و «لا كلام إلّا ما يفيد».

و من الأمارات الدالّة على تعيين المقدّر أن يدلّ المقتضي على نفي ذات شي‏ء و لم يمكن حمله على الحقيقة؛ لعدم ارتفاعه رأسا، فتعيّن حمله على المجاز، و كان مقدّر معيّن أقرب المجازات إلى الحقيقة، فإنّه يتعيّن حينئذ تقديره؛ للاتّفاق على أنّه إذا تعذّرت الحقيقة و تعدّد المجاز حمل على الأقرب إليها، كأن يقال: تقدير الصحّة في الأخبار المذكورة متعيّن؛ لأنّها تدلّ على نفي أصل الصلاة و النكاح، و ليس كذلك لو اطلقا على الفاسدة أيضا،

____________

(1). النساء (4): 23.

(2). تهذيب الأحكام 1: 49، ح 144، و الاستبصار 1: 55، ح 160، و وسائل الشيعة 1: 365، أبواب الوضوء، الباب 1، ح 1.

(3). عوالي اللآلئ 2: 218، ح 13.

(4). سنن ابن ماجة 1: 605، ح 1880، و دعائم الإسلام 2: 218، ح 807.

731

فيجب أن يقدّر ما تدلّ لأجله على أقرب المجازات إلى الحقيقة، و هو الصحّة، فإنّ نفيها أقربها إلى نفي المسمّى بخلاف نفي الكمال و مثله.

و قد يكون أقرب المجازات لفظا عامّا فيجب تقديره، و لا يلزمه عموم المقتضي- بالكسر- أي عموم التقدير و هو المبحث، بل عموم المقتضى- بالفتح- أي عموم المقدّر، مثاله: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «رفع عن امّتي الخطأ و النسيان» (1) و لا يستقيم بلا تقدير، و يحتمل تقديرات متعدّدة: كالعقوبة و الضمان و الذمّ و الملامة في الدنيا، و الحساب و العقاب و الحسرة و الندامة في العقبى، و يمكن أن يقدّر ما يعمّها، كالمؤاخذة و الحكم و مثلهما، كالأثر، و هو أقربها إلى الحقيقة، و هو نفي الخطأ و النسيان، فتعيّن تقديره.

و إن لم‏ (2) يثبت دلالة أو أمارة على التعيين، فالحقّ أنّه مجمل محتمل للكلّ‏ (3)، و كلّ واحد وفاقا للأكثر.

و قيل: إنّه عامّ في جميع ما يصلح أن يقدّر فيه‏ (4).

لنا: أنّ الإضمار خلاف الأصل، و مع الضرورة يجب أن يقدّر بقدرها و هي تندفع بالبعض دون الآخر.

و أيضا أنّه كما يحتمل إضمار الكلّ‏ (5) يحتمل إضمار البعض، و المراد غير معلوم.

و التعيين بالترجيح لو جاز يتوقّف على وجود مرجّح مقبول، و هو مفقود.

احتجّ الخصم بأنّ أقرب مجاز إلى نفي الصلاة و النكاح، و كذا إلى نفي الخطأ و النسيان نفي جميع أحكامها؛ لأنّ نفي جميع الأحكام يجعلها كالعدم، فكأنّ الذات قد ارتفعت، بخلاف نفي البعض، فيجب الحمل عليه، و هو معنى إضمار الجميع‏ (6).

و الجواب: أنّ إضمار الجميع و إن كان راجحا ممّا ذكرتم إلّا أنّه مرجوح من حيث إنّ‏

____________

(1). سنن ابن ماجة 1: 659، و التوحيد للصدوق: 353، ح 24، و الخصال 2: 417، ح 9، و وسائل الشيعة 15: 369، أبواب جهاد النفس، الباب 56، ح 1.

(2). مرّ قسيمه في ص 730 و هو: فإن ثبت دلالة.

(3). و المراد به كما يأتي إضمار الجميع أي لفظ عامّ و شامل للكلّ.

(4). راجع منتهى الوصول: 111.

(5). مرّ المراد بإضمار الكلّ.

(6). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 111.

732

الإضمار خلاف الأصل، فكلّما كان‏ (1) أقلّ كان مخالفة الأصل أقلّ، فإضمار البعض أولى.

و إذا تعارضت الحيثيّتان و تساقطتا، يبقى ما ذكرنا من الدليل سالما.

و كيفيّة التفريع أنّه إذا تمضمض الصائم عابثا فابتلع شيئا من الماء من غير قصد، فعلى القول بعموم المقتضى لا شي‏ء عليه؛ لقوله: «رفع عن امّتي الخطأ و النسيان» (2)، و على القول بعدمه يمكن القول بوجوب القضاء عليه إلحاقا له بالمتبرّد؛ لأنّه يمكن أن يكون الحكم المرفوع حينئذ هو العقوبة الدنيويّة، أو غير ذلك من المذكورات.

فصل [14] [: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يفيد العموم‏]

قيل: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يفيد العموم‏ (3)، كقوله (عليه السلام) لابن غيلان- حين أسلم على عشرة نسوة-: «أمسك أربعا، و فارق سائرهنّ» (4) من غير سؤال الجمع و الترتيب، فدلّ على عدم الفرق و ثبوت الحكم على الاحتمالين.

و قيل: بل حكايات الأحوال إذا تطرّق عليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، و سقط بها الاستدلال‏ (5).

و الحقّ أن يقال: إنّ السؤال إمّا عن واقعة وقعت في الوجود و هي محتملة لأن تقع على وجوه مختلفة يختلف الحكم باختلافها، أو عن واقعة لم تقع بعد، بل يسأل عنها على تقدير وقوعها، و لها وجوه كذلك.

فعلى الأوّل، إن علم اطّلاع المسئول (عليه السلام) على الواقعة بالوجه الذي وقعت، فالحقّ أنّه لا يفيد العموم، سواء كان الوجوه المحتملة متساوية، أو بعضها- و هو ما وقع عليه الواقعة- راجحا من الوجوه الأخر، أو مرجوحا عنها؛ لأنّ حكمه ينصرف حينئذ إلى الجهة الخاصّة للواقعة المخصوصة و لا يتناول غيرها.

____________

(1). أي كان المضمر.

(2). تقدّم آنفا.

(3). قاله العلّامة في تهذيب الوصول: 133.

(4). سنن ابن ماجة 1: 628، ح 1953.

(5). حكاه الأسنوي عن الشافعي في التمهيد: 337- 338، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 170، القاعدة 57.

733

و إن علم عدم اطّلاعه عليها، فإن كان بعض الوجوه المحتملة أرجح من حيث الوقوع، فيحمل عليه، و إلّا فيقتضي العموم و الاسترسال على جميع الأقسام التي ينقسم إليها؛ إذ لو كان الحكم خاصّا لاستفصل، كما اتّفق منه (عليه السلام) في مواضع‏ (1).

و السرّ فيه أنّ إطلاق السؤال، و إبهام الجواب، و إرسال الحكم من غير تفصيل يقتضي استواء الأحوال في غرض المجيب عرفا، فلو كان في قصده الاختصاص بالبعض و لم يبيّنه لزم الإغراء بالجهل، و هو ينافي الحكمة. و كذا الحكم إن لم يعلم اطّلاعه و عدم اطّلاعه؛ لأنّ الأصل عدم الاطّلاع؛ لما تقدّم‏ (2) من أصالة عدم الحادث إلى أن يعلم الوجود.

و على الثاني فإن كان بعض الوجوه أرجح من الباقي في عصر المجيب، و كان شائعا فيه بحيث يقع الواقعة غالبا عليه، يحمل عليه؛ لظهور انصراف الجواب إلى الغالب الراجح، و إلّا فيفيد العموم؛ لما تقدّم‏ (3). اللهمّ إلّا في مقام يقتضي الإجمال و الإبهام، فيمكن فيه اختصاص الحكم ببعض، و إنّما أخّر البيان لمصلحة.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ فروعه كثيرة. و ممّا فرّع عليه تقديم التمييز على العادة، كما ذهب إليه بعض‏ (4) الأصحاب؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة بنت خنيس- و قد ذكرت أنّها تستحاض-:

«إنّ دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة، و إذا كان الآخر، فاغتسلي و صلّي» (5) و لم يستفصل هل لها قبل ذلك عادة، أم لا. و قس عليه أمثاله.

تذنيب [: في أنّ قضايا الأعيان و حكايات الأحوال لا يفيد العموم‏]

ترك الاستفصال لمّا كان إرسال الحكم من غير استفصال عن الكيفيّة بعد السؤال عن قضيّة يحتمل وقوعها عن وجوه متعدّدة، ففيه لفظ و حكم من المسئول (عليه السلام)، فيفيد العموم كما ذكر.

____________

(1). راجع تمهيد القواعد: 170 و ما بعدها، القاعدة 57.

(2). في ص 732.

(3). في ص 732.

(4). ذكره الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 172- 173، القاعدة 57.

(5). الكافي 3: 83، باب جامع في الحائض، ح 1، و تهذيب الأحكام 1: 381، ح 1183، و وسائل الشيعة 2: 276، أبواب الحيض، الباب 3، ح 4.

734

و أمّا قضايا الأعيان و حكايات الأحوال- و هي الوقائع الفعليّة التي حكاها الصحابي- فليس فيها سوى مجرّد فعله (عليه السلام)، أو فعل الذي يترتّب الحكم عليه.

و يحتمل وقوعه على وجوه متعدّدة، فلا يعمّ جميعها؛ لعدم المقتضي، فيكفي حمله على صورة منها.

و من أمثلتها ترديد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما عزا أربع مرّات في أربع مجالس‏ (1)، فيحتمل أن يكون قد وقع ذلك اتّفاقا لا أنّه شرط، فيكفي فيه حمله على أقلّ مراتبه.

و قوله (عليه السلام) لأبي بكر: «زادك اللّه حرصا» (2) لمّا ركع و مشى حتّى دخل في الصفّ، فيحتمل أن يكون مشيه غير كثير، فيحمل عليه، فلا يبقى حجّة على جواز المشي في الصلاة مطلقا.

و صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على النجاشي‏ (3) إن حملت على غير الدعاء، فيحتمل أن يكون ذلك لأنّه لم يصلّ عليه، أو لأجل خصوصيّة للنجاشي، أو لرفع سريره حتّى شاهده النبيّ، فلا يبقى حجّة على جواز الصلاة على الغائب مطلقا.

فصل [15] [: إطلاق ما وضع لخطاب المشافهة على المعدومين جائز مجازا]

ما وضع لخطاب المشافهة- نحو: «يا أَيُّهَا النَّاسُ» [و] «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»- و ما فيه الأمر، و كاف الخطاب و تاؤه، يطلق على الموجودين الحاضرين في مجلس التخاطب حقيقة بالإجماع.

و أمّا إطلاقه على المعدومين فقط، أو الموجودين الغائبين عن مجلس التخاطب فقط، أو كليهما، أو (4) الأوّل و أحد الثلاثة (5)، ففيه أقوال، ثالثها- و هو الحقّ- الجواز على سبيل المجاز دون الحقيقة.

____________

(1). سنن ابن ماجة 2: 854، ح 2554، و صحيح البخاري 6: 2502، ح 6438، و صحيح مسلم 3: 1321، ح 22/ 1695.

(2). صحيح البخاري 1: 271، ح 750، و سنن النسائي 2: 128، ح 867، و سنن أبي داود 1: 182، ح 683- 684.

(3). سنن ابن ماجة 1: 490، ح 1534- 1538، و صحيح البخاري 3: 1407، ح 3664، و صحيح مسلم 2: 656، ح 62/ 951.

(4). في «ب» بعد قوله: «كليهما» «أو على الجميع».

(5). فالأقسام صارت ستّة.

735

لنا على الأوّل‏ (1) وجوه:

منها: أنّه لو تناول أحد الثلاثة الاول يكون من باب مجاز المشارفة و ما يؤول إليه، و هو آت في فصيح الكلام و مستعمل عند الخاصّ و العامّ. و لو عمّ الحاضرين و الغائبين و المعدومين‏ (2) أو أحدهما يكون تغليبا، و التغليب مجاز شائع عند أهل اللسان و أرباب البيان، و منه قولهم: «أنت و زيد تفعلان كذا».

و التوضيح، أنّ الوجدان و الاستعمال شاهدان على أنّه يجوز أن يلاحظ أفراد في عنوان، فإن كان فيها موجود حاضر، يجعل مخاطبا و مصحّحا لأن يخاطب بتوسّطه من يتّصف حين الوجود بالعنوان بالإمكان أو بالفعل، على اختلاف الرأيين‏ (3) و إن لم يكن وقت الخطاب موجودا، كما إذا أردنا أن نخاطب أمّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ زادنا مباح لمن أكل، و دارنا مباح لمن نزل، نقول للحاضرين: أيّها المسلمون إنّ زادنا كذا و دارنا كذا، فيجعل المسلم عنوانا لملاحظة جميع أفراده.

و منه: أكثر خطابات الملوك و الحكّام، و الوصيّة بالأوامر و النواهي إلى من انتسب إلى الموصي بعدّة بطون- و قد وقع ذلك في وصيّة عليّ (عليه السلام)(4)- أو إلى كلّ من وصل إليه الوصيّة، كما وقع من الأولياء و الحكماء.

و إن لم يكن فيها موجود حاضر، يخاطب جميع من لوحظ في ضمن العنوان بواسطته، كما يفعله المصنّفون من الأمر بالتأمّل و التدبّر و غير ذلك من الخطابات.

و منها: بعض الآيات، كقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ‏ (5) و قوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏ (6).

و منها: الأخبار، و هي كثيرة واردة في موارد مختلفة كلّها يدلّ على المطلوب، كالدالّة

____________

(1). أي جواز الاستعمال و صحّته.

(2). هذا هو القسم السادس و هو: أو الأوّل و كليهما. و قوله: أو أحدهما، ناظر إلى القسم الرابع و الخامس.

(3). إشارة إلى الاختلاف الموجود بين الفارابي و أبي عليّ بن سينا في أنّ صدق عقد الوضع على الموضوع لا بدّ و أن يكون بالفعل أو بالإمكان.

(4). نهج البلاغة: 581، الكتاب 47.

(5). البقرة (2): 117.

(6). الأنعام (6): 19.

736

على نزول بعض الخطابات القرآنيّة فيمن وجد بعد النبيّ‏ (1)، و الدالّة على نداء بعض الأنبياء، كإبراهيم و موسى من لم يوجد (2)، و الدالّة على قول «لبّيك» عند قراءة بعض الخطابات‏ (3)، و غير ذلك ممّا ورد في مطالب جزئيّة مختلفة، و انتشر في مصنّفات الأخبار.

و منها: احتجاج العلماء- حتّى الأئمّة (عليهم السلام)- على أهل الأعصار ممّن بعد الصحابة بتلك الخطابات من غير ذكر إجماع أو نصّ أو قياس‏ (4).

و لنا على الثاني‏ (5): تصريح أرباب اللغة بوضع تلك الخطابات للموجودين الحاضرين.

كيف؟ و حقيقة خطاب المشافهة ليست إلّا توجيه اللفظ إلى الغير للإفهام، فلا يتوجّه إلى الجماد الموجود فضلا عن المعدوم، و مجرّد استعمال أهل اللغة أو الشرع لا يثبت الحقيقة اللغويّة أو الشرعيّة؛ لأنّه أعمّ من الحقيقة.

احتجّ القائل بعدم الجواز مطلقا بأنّه لا يقال للمعدومين: «يا أَيُّهَا النَّاسُ» و نحوه، و إنكاره مكابرة (6).

و الجواب: أنّ السبب في عدم القول إن كان عقليّا- و هو عدم صدق العنوان، ك:

«الناس» و «الإنسان» و «المسلم» و أمثالها على المعدوم- فهو ممنوع، و وجهه ظاهر.

و إن كان لغويّا أو عرفيّا- و هو تحاشي أرباب اللغة و العرف عن ذلك- فهو مسلّم في الإطلاق الحقيقي دون المجازي، كما يشهد به محاوراتهم. ثمّ لو سلّم ذلك فهو في الخطاب التخييري‏ (7) دون التعليقي.

فإن قيل: فإذن يكون الخطاب في الموجود الحاضر منجّزا، و في المعدوم معلّقا، فإذا استعمل فيهما يلزم الجمع بين الحقيقة و المجاز.

____________

(1). كآية 110 من آل عمران (3).

(2). راجع تهذيب الوصول: 184 و 185.

(3). عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 196، الباب 44، ح 5.

(4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 117 و 118، و التوني في الوافية: 120.

(5). أي كون الاستعمال مجازيّا.

(6). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 117 و 118، و الشيخ حسن في معالم الدين: 112.

(7). كذا في النسختين. و الظاهر: «التنجيزي»، بقرينة ما يأتي و هو «فإذن يكون ... منجّزا».

737

قلت: جميع الخطابات معلّقة على شرائط التكليف، و هي مختلفة في الكيفيّة و الكمّيّة بالنسبة إلى آحاد المكلّفين، فمن حصلت له يدخل تحته، و هذا أمر واحد لا تعدّد فيه ليلزم ما ذكر.

ثمّ إنّه لمّا اورد على هذا القائل اشتراك المعدومين للموجودين، و اللاحقين للماضين في الأحكام المستفادة من خطابات المشافهة، أجاب بأنّ الاشتراك قد علم بالإجماع، بل بالضرورة من الدين، لا لتناول الخطاب بصيغته لهم‏ (1).

و يدفعه ما ذكرنا من احتجاج السلف حتّى الأئمّة (عليهم السلام) بها من غير ذكر إجماع أو دليل آخر؛ لأنّه لو كان تناولها لهم للإجماع، لكان هو الدليل، لا هي.

و احتجّ القائل بالجواز مطلقا بالدليل الرابع‏ (2)، و بأنّه لو لم يكن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مخاطبا لمن بعده لم يكن مرسلا إليه؛ لأنّ المرسل هو المبلّغ، و لا تبليغ إلّا بهذه العمومات‏ (3).

و الجواب عنهما: أنّ الشمول المجازي يصحّح الاحتجاج و التبليغ، و لا يتوقّفان على التناول حقيقة.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه يظهر فائدة الخلاف في مسائل كثيرة، فإنّه إذا تناول الخطاب للمعدومين و الغائبين حقيقة أو مجازا، لكان تكليفهم على ما يفهمونه من الخطاب، لا على نحو ما كلّف به الحاضرون؛ لأنّ تكليف الحكيم بما لا يفهمه المخاطب قبيح. و لو لم يتناولهم و يثبت الاشتراك بالإجماع أو دليل آخر لكان تكليفهم على نحو ما كلّف به المخاطبون، فيلزم عليهم الفحص ليعلموا كيفيّة تكليفهم، مثلا، يصحّ الاحتجاج بالوجوب العيني بصلاة الجمعة في زمن الغيبة بالآية (4) على الأوّل؛ لإطلاق الأمر بحضورها، فيتناول زمان الغيبة، و لا يصحّ على الثاني؛ لأنّه للخصم أن يقول: هذا خطاب مشافهة، و الأمر لهم إنّما هو بحضور صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و الإجماع على اشتراك جميع المكلّفين للمخاطبين إنّما هو على‏

____________

(1). المجيب هو ابن الحاجب في منتهى الوصول: 118، و الفاضل التوني في الوافية: 120.

(2). و هو قوله: «و منها احتجاج العلماء ...».

(3). ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 117.

(4). الجمعة (62): 9: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ....

738

نحو ما كلّف به المخاطبون، فإذا كان صلاتهم مشروطة بإمامة النبيّ أو نائبه، فكذا صلاتهم، فلا يثبت منها وجوبها على نحو آخر، و قس عليه أمثالها.

و على ما اخترناه قد ظهر جليّة الحال في الجميع. و بما ذكر يظهر ما في كلام بعض المتأخّرين حيث قال- بعد اعتراف القائل بعدم‏ (1) التناول بالاشتراك‏ (2) بالإجماع أو غيره-:

لا يبقى نزاع و لا يظهر فائدة لهذا الخلاف‏ (3).

فصل [16] [: في عدم دخول النساء في ما ميّز فيه بين المذكّر و المؤنّث بعلامة]

لا نزاع في عدم دخول النساء في نحو: «الرجال» ممّا يختصّ بالمذكّر، و لا في دخولهنّ في نحو: «الناس» و «من» و «ما» ممّا يشترك فيه المذكّر و المؤنّث، و لا في عدم دخول الرجال في صيغة الاناث ك: «المسلمات» و نحوه، و قد وقع النزاع في دخولهنّ في نحو:

«المسلمين» و «فعلوا» ممّا ميّز فيه بين صيغة المذكّر و المؤنّث بعلامة، و يغلّب فيه المذكّر إذا اريد الجمع بينه و بين المؤنّث، فيطلق صيغة المذكّر و يراد بها الطائفتان، و لا يفرد المؤنّث بالمذكّر كما هو دأبهم في تغليب العقلاء على غيرهم، و المتكلّم على الحاضر، و الحاضر على الغائب. و بالجملة، الأشرف و الأعرف على غيرهما.

فقيل: يدخلن فيه عند الإطلاق كما يدخلن عند التغليب‏ (4).

و قال الأكثر: لا يدخلن فيه عند الإطلاق، بل قد يدخلن فيه تبعا و تغليبا (5)، فيكون تناوله لهنّ مجازا لا حقيقة و هو الحقّ.

لنا إجماع أهل اللغة على أنّ هذه الصيغ جمع المذكّر، و الجمع تكرير الواحد، و الواحد مذكّر.

و أصالة عدم الاشتراك.

____________

(1). متعلّق بالقائل.

(2). متعلّق بالاعتراف.

(3). قاله الفاضل التوني في الوافية: 124.

(4). نسبه الآمدي إلى الحنابلة و ابن داود و شذوذ من الناس في الإحكام في أصول الأحكام 2: 284 و 285.

(5). نسبه الآمدي إلى الشافعيّة و الأشاعرة و جمع كثير من الحنفيّة و المعتزلة في المصدر.