أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
739

و لزوم صحّة استعماله في المؤنّث خاصّة لو كان موضوعا له وحده، أو للقدر المشترك، و هو باطل وفاقا.

و قوله تعالى: وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ‏ (1)، بعد قوله: لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ (2).

و قوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏ (3)، فإنّ مدلول: «المؤمنات» و «المسلمات» لو كان داخلا في «المؤمنين» و «المسلمين» لما حسن هذا العطف، و لا مزيّة للخاصّ، حتّى يقال: إنّه للاهتمام به كما في عطف «جبرئيل» على «الملائكة».

و القول بأنّ فائدته كونه نصّا في النساء فلا يقبل التخصيص فهو مذكور للتأكيد (4)، يدفعه أولويّة التأسيس على التأكيد، على أنّه قد روي عن أمّ سلمة أنّها قالت: يا رسول اللّه، إنّ النساء قلن: ما نرى اللّه ذكر إلّا الرجال‏ (5)، فأنزل اللّه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ‏ (6)، و لو كنّ داخلات لما صحّ تقريره النفي.

احتجّ الخصم بنصّ أهل اللغة على تغليب المذكّر على المؤنّث لو اجتمعا. و منه قوله تعالى:

وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً (7) و اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (8)، و بأنّه لو لم يدخلن في هذه الصيغ، لما شاركن في الأحكام؛ لثبوت أكثرها بها، كما في أحكام الصلاة و الصوم و الزكاة (9).

و الجواب عن الأوّل: أنّ التغليب مجاز، و لا كلام في الإطلاق المجازي، إنّما الكلام في الإطلاق الحقيقي.

____________

(1). النور (24): 31.

(2). النور (24): 30.

(3). الأحزاب (33): 35.

(4). حكاه الآمدي بعنوان «إن قيل» في الإحكام في أصول الأحكام 2: 286.

(5). ذكره أحمد بن حنبل في مسنده 6: 301 و 305، و ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 3: 339، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 285.

(6). الإحكام في أصول الأحكام 2: 285، منتهى الوصول لابن الحاجب: 115.

(7). البقرة (2): 58.

(8). البقرة (2): 36.

(9). قاله ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 3: 336- 338، و حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 285 و 286.

740

و عن الثاني: أنّ الاشتراك قد علم بدليل من خارج، و لولاه لم يثبت الاشتراك بمجرّد هذه الصيغ، كما في الجهاد و الجمعة.

إذا عرفت ذلك، فيظهر الفائدة في مواضع متكثّرة، كما لو وقف على «بني زيد» مثلا، أو خاطب ذكورا و إناثا ببيع أو وقف، فقال: «بعتكم» أو «وقفتكم»، أو خاطب رقيقه الكفّار فقال: «للّه عليّ أن اعتق من آمن منكم»، و لا ريب في دخول الإناث مع القصد، و لذا لو وقف على بني هاشم دخلت الإناث؛ لأنّ القصد حينئذ الجهة عرفا.

و يظهر الفائدة أيضا في الدعاء في خطبة الجمعة؛ فإنّه واجب للمؤمنين و المؤمنات إذا (1) اقتصر على «المؤمنين»، و في دعاء الاستفتاح إذا صلّت المرأة، فهل يجوز لها أن تقول:

«و ما أنا من المشركين و أنا من المسلمين»؟ و الوجه هنا الجواز، و قد روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لقّن فاطمة بهذا النحو في ذبح الأضحية و قال لها: «قومي، و قولي: إنّ صلاتي ...» (2).

فصل [17] [: في أنّ العموم الوارد من الشرع يتناول العبيد مطلقا]

الحقّ أنّ العموم الوارد من الشرع نحو: «المسلمين» و «المؤمنين» و نحوهما يتناول العبيد مطلقا، كما أنّ نحو: «المسلمات» يتناول الإماء، و «الناس» يتناولهما.

و قيل: يتناولهم إن كان الخطاب بحقّ اللّه دون حقوق الناس‏ (3).

لنا: أنّ العبد من «المسلمين» و الأمة من «المسلمات» و كليهما من «الناس».

احتجّ الخصم بثبوت صرف منافع العبد إلى سيّده عموما، فلو كلّف بالخطاب، لكان صرفا لمنافعه إلى غيره، فيلزم التناقض‏ (4).

و الجواب: منع ثبوت الصرف عموما؛ لعدمه وقت تضايق العبادات، فلا تناقض.

و بخروجه عن خطاب الحجّ، و الجهاد، و الأقارير، و التبرّعات و نحوها.

____________

(1). قيد لقوله: «و يظهر الفائدة».

(2). المستدرك على الصحيحين 5: 313، ح 7599.

(3). نسبه الآمدي إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة في الإحكام في أصول الأحكام 2: 289، و كذا الأسنوي في التمهيد: 355.

(4). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 116.

741

و الجواب: أنّه بدليل من خارج، كخروج الحائض و المريض و المسافر من بعض العمومات.

و يتفرّع عليه وجوب الجمعة، و الإحرام بالحجّ أو العمرة عليه إذا أذن له السيّد؛ لأنّ المانع كان من جهته و قد زال.

فصل [18] [: دخول المتكلّم في عموم تعلّق خطابه‏]

المتكلّم يدخل في عموم متعلّق خطابه، خبرا كان، نحو: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (1)، أو أمرا، مثل: «من أحسن إليك فأكرمه»، أو نهيا، مثل: «من أكرمك فلا تهنه»؛ لتناوله له لغة، و عدم صلاحية كونه‏ (2) متكلّما للمانعيّة. و عدم التناول في مثل قوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (3) بدليل خارجي‏ (4)، فهو مخصّص.

و يتفرّع عليه طلاق زوجته لو قال: «نساء المسلمين، أو العالمين طوالق»، و دخوله في الموقوف عليهم لو وقف على الفقراء و كان فقيرا.

و يظهر ممّا ذكر أنّ العمومات الواردة من لسان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، مثل: «يا أَيُّهَا النَّاسُ» و «يا عِبادِيَ» تتناوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و كلّ مخاطب- بالفتح- يدخل في العمومات التي القيت إليه.

و يتفرّع عليه استحباب حكاية الأذان للمؤذّن، و جواز تطليق الزوجة نفسها إذا قال لها زوجها: «طلّقي من نسائي من شئت»، و جواز بيع الوكيل من نفسه إذا قال الموكّل له: «بع هذا»، و جواز إبراء الوكيل نفسه إذا وكّله في إبراء غرمائه و كان منهم، و جواز تزويج الرجل المرأة التي وكّلته في تزويجها لمن شاء لنفسه.

و قد وقع الخلاف بين الأصحاب في بعض هذه الفروع بأدلّة خارجة عن القاعدة (5).

____________

(1). البقرة (2): 29.

(2). أي عدم صلاحية كون المخاطب متكلّما.

(3). الرعد (13): 16.

(4). و هو استحالة كونه تعالى مخلوقا.

(5). راجع تمهيد القواعد: 180، القاعدة 60.

742

فصل [19] [: خطاب الشارع لواحد من الامّة لا يعمّ جميع الامّة]

خطاب الشارع لواحد من الامّة لا يعمّ جميع الامّة، و الخطاب الخاصّ بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، مثل:

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ‏ (1)، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (2)، ليس بعامّ للامّة، و وجهه ظاهر.

و قد وقع الخلاف في الموضعين من شرذمة قليلة (3) لا اعتداد بهم و بما احتجّوا به عليه، و لذا أعرضنا عن إيراده و نقضه.

فصل [20] [: الفرد النادر يدخل في العموم‏]

الحقّ أنّ «الفرد النادر» يدخل في العموم، خلافا لبعض‏ (4).

لنا: تناول الصيغة له، و عدم مدخليّة ندوره لخروجه إلّا أن يبلغ الندور حدّا يخصّصه العرف بغير النادر، كما يأتي‏ (5).

و من فروعه: دخول الاكتساب النادر- كالهبة، و اللقطة- في المهايأة (6).

فصل [21] [: في حجّيّة المفهوم و عمومه‏]

الذين قالوا بحجّيّة المفهوم اختلفوا في أنّه عامّ أم لا، فالأكثر على الأوّل، و الغزالي على الثاني‏ (7).

و الحقّ أنّه بعد ثبوت حجّيّته لا تأمّل في عمومه، بمعنى أنّ الحكم يثبت بمفهوم الموافقة في جميع ما عدا المنطوق من الصور، و ينتفي بمفهوم المخالفة عن جميع ما عداه؛ للفهم العرفي، و لزوم التحكّم لولاه.

____________

(1). المزّمّل (73): 1.

(2). المدّثّر (74): 1.

(3). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 113 و 114.

(4). حكاه الأسنوي عن الرافعي في التمهيد: 345، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 179، القاعدة 59.

(5). يأتي في ص 748 و ما بعد.

(6). المهايأة: الأمر المتهايأ عليه. و المهايأة: أمر يتهايأ القوم فيتراضون به. لسان العرب 1: 189، «ه. ي. أ».

(7). المستصفى: 239.

743

و الظاهر أنّ الغزالي لا ينكر ذلك، بل لا يطلق العموم على هذا المعنى، إمّا لأنّ العموم عنده من عوارض الألفاظ و المفهوم ليس بلفظ، فيكون النزاع لفظيّا. أو لأنّ العامّ ما يقبل التخصيص و المفهوم لا يقبله؛ لأنّ القابل له يجب أن يكون ملفوظا حقيقة أو تقديرا، و المفهوم ليس بملفوظ مطلقا؛ لأنّه لازم عقلي يثبت تبعا لملزومه، فلا يتجزأ في الإرادة و لا يحتمل إرادة البعض.

و للأكثر أن يقولوا: إنّ المفهوم ملفوظ تقديرا، فيقبل التخصيص.

و كيفيّة التفريع ظاهرة.

فصل [22] [: تعليق الحكم على العلّة يفيد العموم‏]

الحقّ أنّ تعليق الحكم على العلّة يفيد العموم، بمعنى أنّه يوجد الحكم في جميع صور وجود العلّة، و يكون العموم بالشرع قياسا لا باللغة صيغة.

و قيل: لا يفيد العموم‏ (1).

و قيل: يفيده صيغة (2).

لنا: أنّ التعليق ظاهر في استقلال العلّة بالعلّيّة، و تخلّف المعلول عن العلّة المستقلّة غير جائز، فوجب أن يثبت الحكم حيث يثبت العلّة، فيثبت العموم بالاستدلال، و لا إشعار به في اللفظ بوجه و لذا لا يقتضي قول القائل: «أعتقت غانما لسواده» عتق جميع السودان؛ لأنّه لو دلّ بصيغته على العموم، لكان بمثابة: «أعتقت كلّ أسود» فليس عمومه بالصيغة لغة.

احتجّ القائل بعدم إفادته العموم بأنّ التعليق لا يفيد استقلال العلّة بالعلّيّة؛ لجواز أن تكون جزء العلّة المستقلّة، و الجزء الآخر منها خصوصيّة المحلّ‏ (3).

و الجواب: أنّه خلاف الظاهر على أنّ المفروض عندنا العلّة التي علمت علّيّتها بإحدى الطرق المعتبرة من غير مدخليّة شي‏ء آخر.

____________

(1). نسبه ابن الحاجب إلى القاضي أبي بكر في منتهى الوصول: 112، و الأسنوي في التمهيد: 468- 469.

(2). نفس المصدر.

(3). حكاه عنه ابن الحاجب في المصدر.

744

و احتجّ القائل بإفادته العموم صيغة بعدم الفرق بين «حرّمت الخمر لإسكاره» و «حرّمت كلّ مسكر» (1).

و الجواب: منع عدم الفرق، فإنّ الثاني عامّ لكلّ مسكر بصيغته، بخلاف الأوّل؛ فإنّ إثبات عمومه يتوقّف على الاستدلال.

فصل [23] [: في التخصيص‏]

«التخصيص» قصر العامّ على بعض مسمّياته، و القصر يعمّ القصر باعتبار الدلالة و الحكم، و باعتبار الحكم فقط، فيتناول ما لم يرد به إلّا بعض مسمّياته ابتداء كما في غير الاستثناء، و ما اريد به جميع مسمّياته ثمّ اخرج بعض، كما في الاستثناء. و قيل: هو إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه‏ (2).

و قيل: هو تعريف أنّ العموم للخصوص‏ (3).

و فيه دور، إلّا أن يخصّص «الخصوص» باللغوي.

و قد يطلق التخصيص على قصر غير العامّ على بعض مسمّياته‏ (4)، مثاله لفظ: «العشرة» ليس عامّا، و مع ذلك إذا قصر على خمسة بالاستثناء عنه، يقال: قد خصّص، و كذلك:

«المسلمون» للمعهودين‏ (5).

و اعلم أنّ الضابط في التخصيص أنّه كلّ ما يصحّ تأكيده ب «كلّ» و يدلّ على الكثرة حقيقة (6) أو حكما (7) يصحّ تخصيصه، و ما لا، فلا.

و الإيراد عليه بنحو: «ما رأيت أحدا»، فإنّه يخصّص و لا يؤكّد، و نحو: «أكلت‏

____________

(1). أيضا حكاه عنه ابن الحاجب في المصدر.

(2). قاله الفخر الرازي في المحصول 3: 7، و نسبه ابن الحاجب إلى أبي الحسين في منتهى الوصول: 119، و هو قول العلّامة في تهذيب الوصول: 135.

(3). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 299 و 300، و حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 119.

(4). في هامش «أ»: «و فيه أنّ الخمسة في المثال المذكور ليس من مسمّيات العشرة بل من مسمّاه، لاتّحاده».

(5). في هامش «أ»: «إذا قصر على بعضهم».

(6). في هامش «أ»: «في شمول الأفراد».

(7). في هامش «أ»: «في شمول الأجزاء».

745

الرغيف» فإنّه يؤكّد و لا يخصّص‏ (1)، مندفع بأنّ المراد التلازم بين التأكيد و التخصيص بأحد الإطلاقين لا بكلّ منهما.

ثمّ الدالّ على الكثرة إمّا من جهة اللفظ، كألفاظ العموم، أو من جهة المعنى و هو العلّة الشرعيّة، و مفهوم الموافقة، و مفهوم المخالفة.

و قد عرفت جواز تخصيص العلّة المنصوصة في بحث النقض‏ (2). و منه جواز بيع العرايا (3) مع النهي عن بيع الرطب بالتمر؛ لعلّة النقصان عند الجفاف مع وجود تلك العلّة بعينها في العرايا.

و أمّا مفهوم الموافقة- كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب و غيره من أنواع الأذى- فيجوز تخصيصه؛ لكونه دليلا عامّا دالّا على الكثرة المعنويّة.

و يتفرّع عليه جواز قتل الوالد إذا ارتدّ، و ضرب الامّ إذا زنت، و جواز حبس الوالد لحقّ الولد.

و قس عليه مفهوم المخالفة؛ فإنّه يدلّ على انتفاء الحكم في جميع صور المسكوت عنه، فيقبل التخصيص؛ لكونه دليلا عامّا؛ فقوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» (4) يدلّ بمفهومه على أنّ ما دونه ينجس بمجرّد ملاقاة النجاسة، فيجوز تخصيصه بما عدا ما لا يدركه الطرف من الدم، كما ذهب إليه الشيخ‏ (5) و جماعة (6) استنادا إلى رواية عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)(7).

فائدة [: بيان الفرق بين التخصيص و النسخ‏]

الفرق بين التخصيص و النسخ من وجوه:

منها: أنّ النسخ يخصّص الحكم بزمان معيّن، فهو أخصّ من التخصيص بهذا الاعتبار.

____________

(1). راجع المحصول 3: 7- 9.

(2). تقدّم في ج 1، ص 506.

(3). جمع العريّة و هي النخلة التي يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرها. و المراد هنا جواز بيع الثمر في رءوس النخل بالتمر. راجع لسان العرب 15: 49- 50، «ع ر ا».

(4). عوالي اللآلئ 1: 76، ح 156 و 2: 16، ح 30.

(5). المبسوط 1: 7، و الاستبصار 1: 23، ذيل الحديث 57.

(6). كالصدوق في المقنع: 31، و المفيد في المقنعة: 64، و سلّار في المراسم: 36، و ابن حمزة في الوسيلة: 74.

(7). الكافي 3: 74، باب النوادر، ح 16، و تهذيب الأحكام 1: 412، ح 1299، و الاستبصار 1: 23، ح 57، و وسائل الشيعة 1: 150، أبواب الماء المطلق، الباب 8، ح 1.

746

و منها: أنّ التخصيص لا يصحّ إلّا في الألفاظ، و النسخ قد يكون لما علم بدليل شرعي لفظا كان أو غيره، فينعكس النسبة بهذا الاعتبار.

و منها: أنّ التخصيص مقارن أو متقدّم، و النسخ متراخ.

و منها: أنّ المخصوص غير مراد عند الخطاب، و المنسوخ مراد عنده.

فصل [24] [: العامّ بعد التخصيص حقيقة مطلقا في الباقي‏]

إذا خصّ العامّ فالحقّ أنّه حقيقة مطلقا في الباقي.

و الأكثر على أنّه مجاز فيه كذلك.

و قيل: حقيقة إن كان الباقي غير منحصر- بمعنى أنّ له كثرة يعسر العلم بعددها- و إلّا فمجاز (1).

و قيل: حقيقة فيه إن خصّص بما لا يستقلّ بنفسه- من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية- و إن خصّص بما يستقلّ- من سمع أو عقل- فمجاز (2).

و قيل: حقيقة فيه إن خصّ بشرط أو استثناء، و مجاز فيه إن خصّ بصفة و غيرها (3).

و قيل: حقيقة فيه إن خصّص بشرط أو صفة، و مجاز فيه إن خصّص باستثناء و غيره‏ (4).

و قيل: حقيقة إن خصّ بدليل لفظي متّصل أو منفصل، و مجاز فيه إن خصّ بغيره‏ (5).

و قيل: حقيقة في تناوله، مجاز في الاقتصار عليه‏ (6).

لنا أنّ اللفظ كان متناولا له حقيقة بالاتّفاق، و التناول باق على ما كان لم يتغيّر، و إنّما طرأ (7) عدم إرادة المخرج بالمخصّص.

____________

(1). نسبه ابن الحاجب إلى أبي بكر الرازي في منتهى الوصول: 106.

(2). حكاه الأسنوي عن أبي الحسين في نهاية السؤل 2: 397.

(3). نسبه ابن الحاجب إلى القاضي في منتهى الوصول: 106.

(4). نسبه ابن الحاجب إلى عبد الجبّار في المصدر.

(5). حكاه الأسنوي عن الكرخي في نهاية السؤل 2: 401.

(6). نسبه ابن الحاجب إلى إمام الحرمين (الجويني) في منتهى الوصول: 106.

(7). في «ب»: «ترى».

747

و الجواب عنه بأنّه كان متناولا له مع غيره، و الآن يتناوله‏ (1) وحده، و هما متغايران، فقد استعمل في غير ما وضع له، مندفع بمنع عدم تناوله للغير (2) في ذاته، فإنّه يتناوله في نفسه و إن حكم بالخروج بسبب آخر. هذا.

و ما قيل في دفعه: أنّ عدم تناوله للغير، أو تناوله له لا يغيّر صفة تناوله لما يتناوله، لا يخفى ضعفه؛ لأنّه إذا لم يتناول الغير و تناول الباقي وحده، لا معنى لكونه حقيقة فيه؛ لأنّه إنّما يكون من حيث استعماله فيما يكون ذلك الباقي بعضا منه، لا من حيث استعماله في الباقي وحده.

احتجّ الأكثر بأنّ «الباقي» و «الكلّ» مفهومان متغايران، فلو كان حقيقة في الأوّل كما في الثاني لزم كونه مشتركا بينهما، مع أنّ الفرض قد وقع في الألفاظ التي ثبت وضعها للعموم خاصّة.

و الجواب عنه: أنّ إرادة الاستغراق منه باقية، و إنّما يخرج ما يخرج بالمخصّص، ثمّ يسند الحكم إلى الباقي، و على هذا لا يراد الباقي وحده منه، بل يراد في ضمن الكلّ.

و لا ريب أنّ ما وضع للكلّ حقيقة في البعض إذا لم يرد خاصّة، بل اريد في ضمن الكلّ؛ لأنّه لم يرد حينئذ بوضع و استعمال ثان، بل الوضع و الاستعمال الأوّل، و المجاز بخلاف ذلك.

و لزيادة التوضيح نقول: إنّ العامّ يراد به العموم، و الخاصّ يراد به الخصوص، و الباقي وحده إنّما يراد من مجموع العامّ مع مخصّصه لا من العامّ فقط ليلزم الاشتراك، و هذا لا ينافي كونه وحده مستعملا في العموم؛ لأنّ وضع المطلق غير وضع المقيّد؛ فقولنا: «أكرم بني تميم الطوال» بمنزلة «أكرم بني تميم من قد علمت من صفتهم أنّهم الطوال»، و يرجع المعنى إلى أنّه: «أكرم من جميع بني تميم طوالهم» و لهذا يصحّ أن يقال: «و أمّا القصار منهم، فلا تكرمهم» فيرجع الضمير إلى جميع بني تميم. و قس عليه المخصّص بشرط، أو استثناء، أو غاية.

و يعلم من ذلك أنّ الحقّ- كما يأتي‏ (3)- أنّ العامّ المخصوص، مثل: «له عشرة إلّا ثلاثة»

____________

(1). في «ب»: «أو لأنّ تناوله».

(2). و المراد بالغير هنا هو المستثنى.

(3). يأتي في ص 765.

748

مستعمل في معناه الحقيقي، فيتناول السبعة و الثلاثة معا، ثمّ أخرج المخصّص منه ثلاثة، و بقي سبعة و اسند إليه بعد الإخراج لا أنّه مستعمل في الباقي، أي السبعة كما ذهب إليه الأكثر، و يأتي‏ (1) أنّ قول القاضي- و هو أنّ المجموع المركّب بإزاء السبعة حتّى كان له اسمان: مفرد و هو سبعة، و مركّب و هو عشرة إلّا ثلاثة (2)- يرجع إلى المذهب الحقّ.

و ممّا ذكر- من أنّ الحكم إنّما يسند إلى الباقي- يندفع ما قيل: إنّ المتكلّم حال إطلاق لفظ العامّ إن لم يرد البعض المدلول عليه بالمخصّص، و أراد الموضوع الأصلي للعامّ، لزم إرادة تعلّق الحكم بجميع الأفراد أوّلا، ثمّ إخراج بعضها ثانيا، و ذلك نسخ لا تخصيص‏ (3).

فإن قلت: إذا كان لفظ العامّ باقيا على عمومه، فلا يراد منه الباقي و لا يكون عامّا مخصّصا مع أنّ البحث في العامّ المخصّص الذي اريد منه الباقي، و لذا جعل الترجمة عن البحث بما ذكر. و على ما ذكرت- من بقائه على عمومه، و إخراج المخصّص ما أخرج، و إرادة الباقي من مجموعهما- لا يصحّ الترجمة عنه به.

قلت: لمّا اريد منه الكلّ، و أخرج المخصّص منه ما أخرج، و بقي الباقي على ما كان، فمن حيث ورود المخصّص يصدق عليه أنّه عامّ مخصّص، و من حيث إرادة الباقي منه مع المخصّص يصدق أنّ العامّ المخصوص اريد منه الباقي، و من حيث إنّ إرادة الباقي منه لأجل أنّه في ضمن الكلّ و بالوضع الأوّل يصدق أنّه حقيقة فيه. هذا.

و احتجّ‏ (4) كلّ من المفصّلين باعتبارات واهية لا يخفى ردّها بعد الإحاطة بما ذكرناه.

فصل [25] [: جواز تخصيص العامّ إلى أيّ مرتبة كانت‏]

الحقّ جواز تخصيص العامّ إلى أيّ مرتبة كانت حتّى إلى الواحد؛ وفاقا لجمع من المحقّقين‏ (5).

____________

(1). يأتي في ص 765.

(2). حكاه عنه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 122.

(3). راجع تمهيد القواعد: 194، القاعدة 64.

(4). راجع: منتهى الوصول لابن الحاجب: 121- 125، و التمهيد: 388، و تمهيد القواعد: 194، القاعدة 64.

(5). كما في المحصول 3: 13، و نهاية السؤل 2: 390.

749

و قيل: يجوز إلى أقلّ المراتب، فيجوز في الجمع إلى ثلاثة، و في غيره إلى الواحد (1).

و قيل: لا بدّ من بقاء اثنين‏ (2).

و قيل: ثلاثة (3).

و الأكثر على أنّه لا بدّ من بقاء جمع يقرب من مدلول العامّ إلّا أن يستعمل في حقّ الواحد على سبيل التعظيم.

و قيل: التخصيص بالبدل و الاستثناء يجوز إلى واحد، نحو: «اشتريت العشرة أحدها» و «عشرة إلّا تسعة»، و بغيرهما إن كان متّصلا كالصفة و الشرط يجوز إلى اثنين، نحو: «أهن الناس الجهّال» أو «إن كانوا جهّالا».

و إن كان منفصلا ففي المحصور القليل يجوز إلى اثنين، مثل: «قتلت كلّ زنديق» و هم ثلاثة أو أربعة و قد قتل اثنين أو ثلاثة، و في غير المحصور الواقعي أو العادي لا بدّ من بقاء جمع يقرب من مدلول العامّ‏ (4).

و الظاهر- كما قيل-: إنّ الخلاف في غير ألفاظ المجازات و الاستفهام‏ (5)؛ إذ فيهما يجوز الانتهاء إلى الواحد وفاقا.

لنا: ما تقدّم‏ (6) من أنّ العامّ المخصّص مستعمل في معناه الحقيقي، و أخرج المخصّص غير الباقي، ثمّ وقع الإسناد.

و لا يتصوّر فرق بين الواحد و ما فوقه ممّا يبقى بعد الإخراج إلّا أن يقال: إنّه يستهجن إرادة جميع أفراد العامّ ثمّ إخراج مجموعها حتّى يكون المحكوم عليه واحدا؛ إذ العدول عمّا يدلّ على الواحد مع إيجازه إلى كلام طويل مبهم قبيح.

و هو مدفوع بأنّ العدول إنّما يكون لنكتة، و مثله قوله تعالى: أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (7)

____________

(1). حكاه الأسنوي عن القفّال الشاشي في التمهيد: 377، و نهاية السؤل 2: 389.

(2). نسبه الأسنوي إلى القاضي في نهاية السؤل 2: 385 و 391.

(3). نسبه الأسنوي إلى الشافعي و أبي حنيفة في المصدر: 391.

(4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 119.

(5). حكاه الفخر الرازي في المحصول 3: 13، و العلّامة في تهذيب الوصول: 136.

(6). تقدّم في ص 746- 747.

(7). العنكبوت (29): 14.

750

مع كون «تسعمائة و خمسين» أخصر و أصرح.

و لنا: أنّ المفروض بعد ورود مخصّص جامع لشرائط جواز العمل مخصّصا (1) للعامّ إلى الواحد، فهو حجّة للجواز. و لا يجوز طرح مثله ببعض الاعتبارات الواهية التي احتجّ بها الخصم.

و أيضا لو امتنع ذلك، لكان‏ (2) لتخصيصه و إخراج اللفظ عن موضوعه إلى غيره، و هذا يوجب امتناع كلّ تخصيص.

و الجواب بمنع كون الامتناع لمطلق التخصيص، بل لتخصيص خاصّ و هو المنتهى إلى الواحد؛ لقبحه لغة و عرفا مدفوع بعدم قبحه، كما يأتي‏ (3).

و لنا أيضا أنّ العامّ إذا استعمل في غير الاستغراق، فليس بعض الأفراد أولى من بعض، فيجوز استعماله في كلّ مرتبة من المراتب إلى أن ينتهي إلى الواحد.

و الجواب بأنّ الأكثر أولى؛ لقربه إلى الجمع يصحّح أرجحيّة إرادة الأكثر، لا امتناع إرادة الأقلّ، و هو المدّعى.

و قد اجيب عنه بأنّ استعمال العامّ في الخصوص مجاز كما هو الحقّ، و لا بدّ في جواز مثله من وجود العلاقة المصحّحة للتجوّز، و لا يتصوّر هنا علاقة سوى المشابهة- أعني الاشتراك في صفة- و هي هاهنا الكثرة، فلا بدّ من تحقّق كثرة تقرب مدلول العامّ ليتحقّق المشابهة المعتبرة (4).

و على ما اخترناه من أنّ العامّ المخصّص حقيقة في الباقي يندفع هذا الجواب.

و قيل: إنّ العلاقة هنا هي الجزئيّة؛ فإنّ بعض الأفراد بعض مدلول العامّ، فهو جزؤه، فإذا استعمل في الواحد، يكون استعمالا للّفظ الموضوع للكلّ في الجزء (5).

و الحقّ، أنّ هذا الجواب فاسد؛ لأنّ كلّ بعض من أفراد العامّ بعض مدلوله، إلّا أنّ الأفراد

____________

(1). حال من «مخصّص»، و لا بأس بكون ذي الحال نكرة موصوفة كما هنا.

(2). أي الامتناع.

(3). في ص 752.

(4). راجع الإحكام في أصول الأحكام 2: 303 و 304.

(5). قاله الفاضل التوني في الوافية: 126.

751

ليست أجزاء له؛ لأنّ مدلوله كلّ فرد- و هو العامّ الاصولي- لا مجموع الأفراد، و إنّما يتصوّر تحقّق الكلّ و الجزء في مدلول هو المجموع لا كلّ فرد.

[العلاقات المتصوّرة بين العامّ و الخاصّ‏]

و الحاصل أنّ العلاقة المتصوّرة هاهنا لا تخلو من أحد امور أربعة:

[الأمر الأوّل‏]: المشابهة، و هي مفقودة وفاقا.

و [الأمر الثاني‏]: علاقة الجزء و الكلّ، و هي أيضا مفقودة هنا؛ إذ ليس الخاصّ الاصولي جزء العامّ؛ لأنّها تتصوّر في الكلّ المجموعي و ليس هو عامّا اصوليّا؛ فإنّ العامّ الاصولي هو كلّ واحد، و لا ريب أنّ نسبة الواحد إلى كلّ واحد ليست نسبة الجزء إلى كلّه.

نعم، ربما ظنّ أنّ نسبة الواحد إلى العشرة- و هو المنزّل منزلة العامّ- نسبة الجزئيّة، إلّا أنّ التصفّح يعطي أنّ إطلاق اسم الكلّ إنّما يكون على جزء يكون المقصود منه بالذات كونه جزءا مع عروض هيئة اجتماعيّة وحدانيّة، كالأنامل و الأصابع، لا الجزء المنفصل المستقلّ في الوجود، فلا يتحقّق العلاقة المصحّحة.

و القول بأنّ إطلاقه على الجزء المستقلّ في الوجود و إن لم يثبت صحّته لغة، و لم يرد في فصيح الكلام إلّا أنّه لمّا جاز عقلا فيمكن القول به؛ لأنّ عدم الاطّلاع على نوع علاقة ليس مانعا عقليّا من القول به‏ (1)، ضعيف؛ لأنّ ثبوت مثله من اللغة لا من العقل.

فإن قيل: ما قال الفقهاء من أنّ من قال: «له عشرة إلّا تسعة» يلزمه واحد يدلّ على إرادة الواحد من العشرة، و ما ذلك إلّا لتحقّق العلاقة.

قلت: يجوز أن يكون بناء ذلك على أنّ المراد من العشرة معناها الحقيقي، و الاستثناء أخرج التسعة، و الإسناد وقع بعد الإخراج كما اخترناه.

و [الأمر الثالث‏]: علاقة الكلّي و الجزئي، و هي التي تكون بين العامّ و الخاصّ المنطقيّين، و هي أيضا مفقودة هنا؛ لأنّ الكلّي يحمل على الجزئي، و لا يحمل على فرد واحد من الإنسان أنّه كلّ إنسان، بل يحمل عليه ماهيّة الإنسان من حيث هي، و هي كلّي منطقي‏ (2).

____________

(1). راجع نهاية السؤل 2: 390 و بعدها.

(2). كذا في النسختين. و الأولى: «و هي كلّيّة منطقيّة». و اعلم أنّ العامّ و الخاصّ المنطقيّين هما المفهومان الكلّيّان بخلاف الاصوليّين منهما، فإنّ الخاصّ لا يعتبر فيه الكلّيّة بل يكون زيد خاصّا بالنسبة إلى الإنسان كما يشير إليه المصنّف بقوله الآتي: «أي بعض الأفراد ...».

752

و [الأمر الرابع‏]: علاقة العموم و الخصوص، و هي التي تتصوّر بين العامّ و الخاصّ الاصوليّين- أي بعض الأفراد [و] (1) كلّ واحد منهما (2)- و لم يصرّح أحد بتجويز نوعها، و لم تستعمل في كلام فصيح.

و ما ورد في كلام بعض الفضلاء من إطلاق «العلماء» على زيد؛ لادّعاء أنّه اشتمل على كلّ عالم؛ لاتّصافه بجميع علومهم‏ (3)- مع أنّه غير المبحث؛ إذ لم يستعمل العامّ في الواحد، بل جعل الواحد عامّا و اطلق لفظه عليه- ليس حجّة.

و قد ظهر ممّا ذكر أنّه لا يمكن وجود العلاقة المصحّحة بين العامّ و الواحد، و هو من الشواهد على ما اخترناه من كونه حقيقة في الباقي؛ إذ وقوع استعماله في الواحد في كلام القوم ممّا لا يمكن إنكاره. هذا.

و احتجّ القائل بجواز التخصيص إلى أقلّ المراتب بصحّة إطلاق كلّ لفظ على أقلّ مراتبه‏ (4).

و الجواب: أنّ الكلام في أقلّ مرتبة يخصّص إليها العامّ، لا في أقلّ مرتبة يطلق عليه اللفظ و لا تلازم بينهما.

و احتجّ القائل بجوازه إلى اثنين أو ثلاثة بما قيل في الجمع، و أنّ أقلّه اثنان أو ثلاثة (5).

و جوابه: ما عرفته؛ فإنّ الجمع ليس بعامّ، فلا يكون المثبت لأحدهما مثبتا للآخر، مع أنّ ذلك لا يتأتّى في غير الجمع من العمومات.

و احتجّ الأكثر بأنّه يقبح قول القائل: «أكلت كلّ رمّانة في البستان» و فيه آلاف، و قد أكل واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، و قوله: «أخذت كلّ ما في الصندوق» و فيه ألف، و قد أخذ دينارا أو دينارين، و قس عليهما أمثالهما من الأمثلة.

____________

(1). أضفناه للضرورة.

(2). توضيحه أنّ هذا العالم الفاسق مثلا خاصّ بالنسبة إلى العلماء و بالنسبة إلى العالم الفاسق كليهما أي بعض الأفراد خاصّ بالنسبة إلى كلّ من العامّ و الخاصّ.

(3). أشار إليه الفخر الرازي في المحصول 3: 14، و الفاضل التوني في الوافية: 126.

(4). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 301 و 303.

(5). تقدّم في ص 721.

753

و الجواب: منع القبح بعد نصب القرينة، أمّا عقلا و شرعا، فظاهر. و أمّا عرفا و لغة، فلما يظهر على المتتبّع في موارد الاستعمال؛ فإنّ العامّ- كما ذكرنا- لا يستعمل في الواحد المخصوص أوّلا، بل يستعمل في معناه الحقيقي، ثمّ بعد الإخراج يتعلّق الحكم به، و لو لا ذلك لم يصحّ قول القائل: «أكلت كلّ رمّانة في البستان إلّا الحامض» إذا كان الحلو واحدا، سواء كان الحامض كثيرا أو قليلا، مع أنّه صحيح. هذا.

و حجّة القائل الأخير على كلّ من دعاويه تظهر من حجج الأقوال المتقدّمة عليه، و ما نخالفه فيه قد ظهر جوابه، و ما نوافقه فيه لا يفتقر إلى جواب.

إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع أنّه لو قال: «و اللّه لا اكلّم أحدا» و نوى زيدا، أو «لا آكل طعاما» و نوى معيّنا، ففي قبوله وجهان. و على ما اخترناه يتأتّى القبول، و كذا لو قال:

«نسائي طوالق» و كان له أربع زوجات، ثمّ قال: «نويت واحدة».

تذنيب: [في جواز تقييد المطلق إلى واحد]

تقييد المطلق كتخصيص العامّ خلافا، و اختيارا، و احتجاجا، و جوابا، و تفريعا. فعلى ما اخترناه يجوز تقييده إلى واحد.

فصل [26] [: في أنّ العامّ المخصّص بمبيّن هل هو حجّة أم لا؟]

العامّ المخصّص بمجمل، نحو: «هذا العامّ مخصوص» أو «لم يرد به كلّ ما تناوله» ليس بحجّة، و لا يمكن الاستدلال به وفاقا؛ إذ ما من فرد إلّا و يجوز أن يكون هو المخرج، و منه قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ (1).

و أمّا المخصّص بمبيّن، مثل أن يقول: «اقتلوا المشركين» ثمّ ظهر أنّ الذمّيّ غير مراد، فقد اختلف في كونه حجّة في الباقي على أقوال:

ثالثها: أنّه حجّة في أقلّ الجمع من اثنين، أو ثلاثة على الرأيين‏ (2).

و رابعها: أنّه حجّة فيما بقي إن خصّ بمتّصل، و ليس بحجّة فيه إن خصّ بمنفصل‏ (3).

____________

(1). المائدة (5): 1.

(2 و 3). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 2: 252 و 253، و تمهيد القواعد: 219، القاعدة 80، و الوافية: 117.

754

و خامسها: أنّه إن لم يحتجّ‏ (1) قبل التخصيص إلى بيان، فحجّة فيه، و إلّا فلا (2).

و سادسها: أنّه إن كان منبئا عنه‏ (3) قبل التخصيص فحجّة و إلّا فلا (4)، مثاله: «اقتلوا المشركين»، فإنّه ينبئ عن الحربي و هو الباقي إنباؤه عن‏ (5) الذمّي؛ لأنّهما قسمان أوّليّان للفظ «المشركين» ينتقل الذهن منه إليهما. و يدلّ على كلّ منهما بالتضمّن، بخلاف‏ وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (6) فإنّه لا ينبئ عن كون المال مخرجا من حرز، و في نصاب السرقة- و هو الربع-؛ لأنّ لفظ «السَّارِقُ» لا يدلّ عليهما بشي‏ء من الدلالات، و لا ينتقل الذهن منه إلى خصوصهما، فإذا بطل العمل به في صورة انتفائهما، لم يعمل به في صورة وجودهما.

و الحقّ أنّه حجّة فيما بقي مطلقا؛ وفاقا للأكثر.

لنا: تناوله للباقي أوّلا، و الأصل بقاء ما كان، و احتجاج السلف به عليه شائعا ذائعا من غير نكير، و ذمّ العقلاء للعبد بإهمال الكلّ إذا أخرج المولى من المأمور به بعض الأفراد، و كون أكثر العمومات أو جميعها كذلك، فلو لم يكن حجّة، لزم إبطالها جميعا، و عدم توقّف حجّيّته في بعض الموارد على حجّيّته في البعض الآخر، و إلّا لزم الدور أو التحكّم.

و اورد عليه بالتزام توقّف كلّ من الطرفين على الآخر، إلّا أنّه ليس توقّف تقدّم ليلزم الدور المحال، بل توقّف معيّة، فيلزم دور المعيّة و هو جائز (7).

و لا يرد أنّه لو كان توقّف معيّة- كما في المتضايفين- لما أمكن تعقّل أحدهما بدون الآخر مع أنّه ممكن؛ لأنّ توقّف المعيّة في الوجود لا يستلزم توقّفها في التعقّل كما في العلّة المستقلّة و معلولها، و في معلولي علّة واحدة لجهتين متلازمتين.

____________

(1). أي الباقي و معناه أنّ الباقي إن كان قدرا متيقّنا من العامّ. و الفرق بين هذا و السادس أنّ إرادة الباقي في هذا تعلم من الخارج و في السادس تعلم من اللفظ.

(2). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 2: 252 و 253، و تمهيد القواعد: 219، القاعدة 80، و الوافية: 117.

(3). أي إن كان العامّ منبئا عن الباقي أو إن كان الباقي منبئا عنه.

(4). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 2: 252 و 253، و تمهيد القواعد: 219، القاعدة 80، و الوافية: 117.

(5). «عن» هنا بمعنى «بعد» أي الحربيّ هو الباقي إنباؤه بعد إخراج الذمّيّ.

(6). المائدة (5): 38.

(7). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 253.

755

احتجّ من أنكر الحجّيّة مطلقا بأنّ حقيقة اللفظ العموم، و سائر ما تحته من المراتب مجازاته، و الباقي أحدها، فلمّا لم يرد الحقيقة و تعدّدت المجازات، يكون اللفظ مجملا فيها، فلا يحمل على شي‏ء منها فيبقى متردّدا بينها و لا يكون حجّة في شي‏ء منها (1).

و الجواب: أنّ ذلك لو كانت المجازات متساوية و لا دلالة على تعيين أحدها، و أمّا إذا كان بعضها أقرب إلى الحقيقة، أو وجد الدليل على التعيين، فلا إجمال، و فيما نحن فيه وجد الأمران؛ لأنّ الباقي أقرب إلى العموم، و ما قدّمناه من الأدلّة دلّت على حمله عليه. هذا.

و على ما اخترناه- من أنّ العامّ حقيقة في الباقي- لا يخفى كيفيّة الجواب.

و احتجّ القائل بأنّه حجّة في أقلّ الجمع بأنّه المتحقّق، و الباقي مشكوك فيه، فلا يصار إليه‏ (2).

و الجواب: منع كونه مشكوكا فيه بعد ثبوت الدلالة على وجوب الحمل عليه. هذا.

و احتجّ كلّ من أصحاب المذاهب الأخر باعتبارات‏ (3) ضعيفة لا ينبغي ضبطها في المصنّفات؛ لظهور فسادها، فلذا أعرضنا عن إيرادها و ردّها.

و كيفيّة التفريع ظاهرة.

فصل [27] [: في تبعيّة الجواب للسؤال في عمومه و خصوصه‏]

الجواب إن لم يكن مستقلّا، يتبع السؤال في عمومه و خصوصه وفاقا، مثل أن يسأل: «هل يتوضّأ بماء البحر؟» فيقال: «نعم».

و إن كان مستقلّا فإن كان مساويا، فأمره واضح. و إن كان أعمّ، فالحقّ أنّ العبرة بعموم لفظه لا بخصوصيّة السبب، فالسبب الخاصّ لا يخصّص العامّ المستقلّ سواء كان السبب سؤالا- كسؤالهم عنه (عليه السلام) عن بئر بضاعة و جوابه (عليه السلام) بقوله: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‏ء إلّا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه» (4)، و سؤالهم عنه (عليه السلام) عمّن اشترى عبدا فاستعمله، ثمّ‏

____________

(1). نسبه الآمدي إلى عيسى بن أبان و أبي ثور في الإحكام في أصول الأحكام 2: 252.

(2). ذكره الآمدي في المصدر: 253، و الفاضل التوني في الوافية: 117.

(3). راجع الإحكام في أصول الأحكام: 252- 254.

(4). وسائل الشيعة 1: 135، أبواب الماء المطلق، الباب 1، ح 9.

756

وجد به عيبا فردّه هل يعزم اجرته؟ و جوابه بأنّ الخراج بالضمان‏ (1)- أو لا، كما روي أنّه مرّ بشاة ميمونة فقال: «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» (2) فيحكم بطهارة كلّ ما لم يتغيّر أحد أوصافه، و كلّ إهاب مدبوغ.

لنا: أنّ المقتضي- و هو عموم اللفظ- موجود، و المانع مفقود؛ لأنّه ليس ثمّة غير خصوص السبب و هو لا يعارضه؛ لعدم المنافاة، و أنّ الصحابة عمّمت العمومات المبيّنة على أسباب خاصّة كآية السرقة (3)، و آية الظهار (4)، و آية اللعان‏ (5).

و يؤيّده ما روى عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏ (6)؟ قال: «نزلت في رحم آل محمّد [(صلّى اللّه عليه و آله)‏]، و قد تكون في قرابتك»، ثمّ قال: «فلا تكوننّ ممّن يقول للشي‏ء: إنّه في شي‏ء واحد» (7).

احتجّ الخصم بأنّ الجواب لو عمّ لم يكن مطابقا للسؤال، و لم يكن لذكر السبب فائدة، و ما كان ينبغي أن يبالغوا في بيانه و ضبطه و تدوينه، و جاز تخصّص السبب عنه بالاجتهاد و بطلانه قطعي، و كان حكما بأحد المجازات من غير مرجّح؛ لفوات الظهور بالنصوصيّة في صورة السبب حيث تناولها بخصوصها بعد أن لم يكن، فصار مصروفا عمّا وضع له إلى غيره، فالسبب خاصّة مع سائر الخصوصيّات، و مع بعضها و دونها مجازات له، فالحمل على السبب خاصّة مع سائر الخصوصيّات على التعيين تحكّم.

و بأنّه لو قال: «تغدّ عندي» فقال: «و اللّه لا تغدّيت»، لم يعمّ قوله هذا كلّ تغدّ بل حمل على التغدّي عنده حتّى لو تغدّى عند غيره لم يحنث‏ (8).

____________

(1). سنن ابن ماجة 2: 754، ح 2243، و سنن الترمذي 3: 582، ح 1285، و سنن أبي داود 3: 284، ح 3508.

(2). سنن النسائي 7: 182- 183، ح 4247.

(3). المائدة (5): 38: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ....

(4). المجادلة (58): 3: وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ ....

(5). النور (24): 6- 9: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ ....

(6). الرعد (13): 21.

(7). الكافي 2: 156، باب صلة الرحم، ح 28.

(8). راجع الإحكام في أصول الأحكام 2: 257 و 258.

757

و الجواب عن الأوّل: منع الملازمة؛ إذ طابق و زاد، و الزيادة غير مخرجة عن المطابقة.

و عن الثاني: أنّ معرفة الأسباب من الفوائد.

و عن الثالث: منع الملازمة؛ للقطع بدخول السبب، و لا استبعاد في اختصاص شي‏ء خاصّ من بين ما يتناوله العموم بالمنع من إخراجه بدلالة، فيصير كالنصّ فيه و الظاهر في غيره، فيمكن إخراج غيره دونه.

و عن الرابع: منع فوات الظهور بالنصوصيّة، بل هو باق على ظاهره، و النصّ قد علم بقرينة خارجيّة، و هي وروده فيه.

و عن الخامس: أنّه خرج من عموم الدليل لعرف خاصّ، و التخلّف لمانع غير قادح.

و قد ظهر كيفيّة التفريع من الأمثلة.

و ممّا فرّع عليه أنّه هل يختصّ العرايا بالفقراء؛ لأنّ اللفظ الوارد في جوازه عامّ، و إن‏ (1) ورد في سبب خاصّ و هو الحاجة إلى شرائه و ليس عندهم ما يشترون به إلّا التمر (2)؟ و على ما اخترناه لا تختصّ. على أنّ السبب هنا مشكوك فيه.

و قد ظهر ممّا ذكر أنّ السبب لو كان عامّا و الجواب خاصّا، كان العبرة بخصوص لفظ الجواب لا بعموم السبب.

و كيفيّة التفريع: أنّه إذا حلف أن لا يشرب ماءه من عطش؛ فإنّه لا يحنث بالأكل و الشرب من غير عطش و إن كان السبب- و هو المخاصمة بينهما- يقتضي العموم.

و الحقّ أنّه يحنث؛ لما تقدّم من أنّه من المجازات الراجحة (3) و (4) إن اقتضت هذه القاعدة الحنث.

____________

(1). الظاهر زيادة قوله: «و إن» و إلّا ليس بين العلّة و المعلّل تناسب. و المراد أنّ عموم الجواب محكوم بخصوصيّة السبب، فالمراد من العرايا في الرواية ما هو المختصّ بالفقراء، فجواز بيع الثمر في رءوس النخل بالتمر يختصّ بالفقراء و لا يجوز للأغنياء، لأنّه يستلزم الربا. و المراد بالتمر الثمن التمر في المستقبل.

(2). في «ب»: «التحسّر».

(3). تقدّم في ص 756.

(4). الظاهر زيادة «الواو». و في «أ» كأنّه مشطوب.

758

فصل [28] [: الخلاف في جواز العمل بالعموم قبل البحث عن طلب المخصّص‏]

اختلفوا في جواز العمل بالعموم قبل البحث عن طلب‏ (1) المخصّص، فقيل: يجوز (2).

و قيل: لا يجوز (3).

و يشترط حصول الظنّ بعدمه بالفحص عنه، لا بأصالة عدمه.

و قيل: بل يشترط حصول القطع بعدمه‏ (4). و خير الأقوال أوسطها.

لنا على اشتراط الظنّ أنّ الاجتهاد بذل الجهد و استفراغ الوسع، فيجب على المجتهد البحث عن الأدلّة و كيفيّة دلالتها؛ و النظر في وجوه التراجيح و التخصّص كيفيّة في الدلالة.

و أيضا شيوع المثل المشهور (5) لو لم يوجب الظنّ بوجوده، فلا ريب في إيجابه الشكّ في وجوده، فلو عمل به قبل الفحص، لزم العمل بالشكّ، مع أنّ توقّف حصول امتثال أمر الشارع على القطع أو الظنّ بمراده في غاية الظهور.

و على هذا لا يحصل الظنّ بشي‏ء من أفراد العامّ قبل الفحص أنّه المراد، أو داخل فيه بطريق التعيين؛ لأنّه مع احتمال المخصّص يمكن في كلّ فرد أن يكون هو المخرج من غير ترجيح لفرد على الآخر، فحصل الإجمال، و ينسدّ طريق الاستدلال به.

فإن قيل: يلزم على ما ذكرت أن يكون نسبة صيغ العموم إلى العموم و الخصوص متساوية، فلا معنى لتبادر العموم منها.

قلت: التبادر إنّما هو بالنسبة إلى نفس الصيغة مع قطع النظر عن الامور الخارجة كالمثل‏ (6)، كما هو الشأن في حقائق المجازات الراجحة.

فإن قيل: إذا كانت الصيغة حقيقة في العموم، و التخصيص‏ (7) خلاف الأصل، فيجب العمل‏

____________

(1). هذه الكلمة مستغنى عنها.

(2). قاله العلّامة في تهذيب الوصول: 138، و حكاه الأسنوي عن الصيرفي في نهاية السؤل 2: 403.

(3). قاله الغزالي في المستصفى: 256.

(4). حكاه الغزالي عن القاضي الباقلاني في المستصفى: 256، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 404.

(5). و المراد به قولهم: «ما من عامّ إلّا و قد خصّ».

(6). تقدّم آنفا.

(7). في «أ»: «التخصّص».

759

بالعموم من غير توقّف على شي‏ء آخر، كما هو الشأن في سائر الحقائق.

قلت: هذا أيضا بالنظر إلى نفس الصيغة مع قطع النظر عمّا يدلّ على وجوب البحث عن المخصّص و المعارض.

كيف؟ و لو لم يلزم استقصاء البحث عن الأدلّة و كيفيّة دلالتها، و الفحص عن المعارض و المخصّص، بل جاز العمل بما يظفر به من دليل عامّ أو خاصّ من غير توقّف على سعي آخر، لزم بطلان الاجتهاد، أو كون كلّ واحد مجتهدا.

و بهذا يظهر عدم كفاية الظنّ الحاصل من أصالة عدم المخصّص.

و لنا على عدم اشتراط القطع: أنّه ممّا لا سبيل إليه غالبا؛ إذ غاية الأمر عدم الوجدان، و هو لا يدلّ على عدم الوجود في الواقع، فلو اشترط، لزم إبطال العمل بجلّ العمومات.

احتجّ القائل بعدم اشتراط الفحص مطلقا بوجوه‏ (1):

منها: احتجاج السلف بالعمومات شائعا ذائعا من دون ضمّ نفي المخصّص، و قبول الخصم منه من دون أن يقول: لا علم لي ببحثك عن المخصّص.

و يؤكّده عمل أصحاب الأئمّة و من قاربهم بأخبار بعض الاصول الأربعمائة؛ لعدم تمكّن أحد منهم بجمع الكلّ، و الأئمّة (عليهم السلام) كانوا عالمين بذلك و قرّروهم عليه، فلو كان الفحص لازما، لأمروهم بتحصيل جميعها، و نهوهم عن العمل ببعضها؛ إذ جلّ أحكامها من العمومات و المطلقات.

و الجواب: منع الاحتجاج المذكور، بل وقوع تسليم كلّ احتجاج العامّ على فرد من أفراده إنّما كان بعد حصول ظنّ الخصم بعدم المخصّص، كيف؟ و لو ثبت الاحتجاج المذكور، لثبت الإجماع على عدم لزوم الفحص عن المخصّص، مع أنّ لزوم فحصه ممّا ذهب إليه المعظم و نقل عليه الإجماع‏ (2).

و عمل أصحاب الأئمّة بأخبار بعض الاصول إنّما كان بعد علمهم، أو ظنّهم بتعيّن العمل به، فإنّهم كانوا متمكّنين من استنباط ذلك، أو بعد فحصهم عمّا تمكّنوا من فحصه، فإنّ‏

____________

(1). أي العلّامة في تهذيب الوصول: 138.

(2). ادّعاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 144.

760

القائل بالفحص لا يشترط أزيد من فحص ممكن بسهولة، و لم يكن أحد من أصحاب الأئمّة متمكّنا من جمع جميع الاصول.

و منها: أنّه لو وجب في التمسّك بالعامّ طلب المخصّص، لوجب في التمسّك بالحقيقة طلب المجاز؛ لأنّ إيجاب الطلب للتحرّز عن الخطأ، و هو مشترك بينهما، و اللازم منتف وفاقا.

و الجواب: الفرق بين العامّ و الحقيقة بأنّ أكثر العمومات مخصوصة، فيصير إرادة العموم مرجوحة، أو مشكوكة، فيجب الفحص، بخلاف المجاز.

و ما قيل من أنّ أكثر اللغة مجازات‏ (1) يكذبه التتبّع. على أنّا نقول في الحقائق المحتملة لإرادة المعاني المجازيّة منها بالاحتمال الراجح، أو المساوي: إذا وردت في الأحكام الشرعيّة، يجب البحث عن المعاني المجازيّة لتحقّق البحث عن كيفيّة دلالة الأدلّة.

و منها: آية التثبّت‏ (2)؛ حيث نفت بالمفهوم التثبّت عن مجي‏ء العدل، و البحث عن المخصّص تثبّت و أيّ تثبّت.

و الجواب: أنّ اللازم من منطوق الآية- كما يدلّ سوقها- وجوب التثبّت في خبر الفاسق؛ لاحتمال كذبه، فاللازم من مفهومها عدم وجوبه في خبر العدل من هذه الجهة، و لولاه لزم عدم لزوم التثبّت في الخبر المجمل إذا جاء به العدل، و هو باطل وفاقا.

اعلم أنّ هذه الدلائل لو تمّ دلالتها على عدم وجوب الفحص عن المخصّص، لدلّت على عدم لزوم الفحص عن المعارض أيضا، و يخرج‏ (3) منه أصل فاسد و هو جواز العمل بكلّ ما وصل إلينا من دون الافتقار إلى جمع الأدلّة و نضدها (4) و النظر في وجوه التراجيح و العمل بالأرجح، بل يلزم منها جواز العمل بأيّ خبر رأيناه في باب من أبواب أحد الكتب المعتبرة من دون احتياج إلى الأبواب الأخر و الكتب الأخر و ملاحظة أقوال العلماء، فيبطل‏

____________

(1). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 124.

(2). هو آية إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ...، الحجرات (49): 49.

(3). في «ب»: «و يتخرّج».

(4). في «أ»: «بضدّها». و في «ب»: «يفيدها». و الصحيح ما أثبتناه.

761

الاجتهاد، و يختلّ أمر الفقاهة. و ليت شعري من قال بصحّة الاجتهاد كيف يقول بهذا؟! و أنّى يجمع بين ذاك و ذا هذا.

و حجّة من اشترط القطع واهية ركيكة جدّا، فلا فائدة في إيرادها و دفعها.

و اعلم أنّه على ما اخترناه- من اشتراط الظنّ دون القطع في فحص المخصّص و المعارض- لا بدّ لمن أراد أن يستنبط مسألة أن ينظر فيما يتعلّق بها من الآيات و الأدلّة الاصوليّة المدوّنة في بعض الكتب الاصوليّة للإماميّة، و لا افتقار إلى ملاحظة جميعها و تلاحظ الأخبار المتعلّقة بها، المضبوطة في الكتب الأربعة؛ و لا يشترط ملاحظة غيرها ك العيون و العلل و الخصال و الأمالي و أمثالها؛ لعدم تفرّدها غالبا بما يصلح أن يكون مؤسّسا لحكم، بل لا يبعد أن يقال بكفاية ملاحظة الكافي و التهذيب، بل ملاحظة التهذيب فقط؛ لندرة مخصّص أو معارض وجد في الكافي دون التهذيب، فيحصل الظنّ من ملاحظته فقط أيضا. و يلزم في فحص مخصّص، أو معارض متعلّق بمسألة الطهارة- مثلا- ملاحظة كلّ واحد من أبوابها و أبواب الكتب المناسبة لها، ككتاب الصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها من كتب العبادات، و قس على الطهارة غيرها.

فصل [29] [: في أقسام المخصّص‏]

«المخصّص» إمّا متّصل، أو منفصل.

و الأوّل خمسة: الاستثناء المتّصل، و الشرط، و الصفة، و الغاية، و بدل البعض.

ثمّ منها: ما يخرج المذكور، كالاستثناء و الغاية.

و منها: ما يخرج غير المذكور، كالشرط و الصفة و البدل. هذا.

و غير خفيّ أنّه يحصل التخصيص بالحال أيضا؛ لأنّه وصف من جهة المعنى، بل يحصل بأشياء أخر من المقيّدات، كالتمييز و ظرفي الزمان‏ (1)، كما يأتي‏ (2).

و الثاني سبعة: العقل، و الحسّ، و العرف الاستعمالي، و العرف الشرعي، و النيّة،

____________

(1). كذا في النسختين. و لعلّ المراد بهما الظرف المتصرّف و غير المتصرّف، أو سقوط كلمة «المكان».

(2). في ص 855.

762

و فعله (صلّى اللّه عليه و آله)، و تقريره، و الإجماع، و الدليل السمعي من الآيات و الأخبار.

و ها هي نذكرها بأقسامها، و شروطها، و أحكامها، و ما يتعلّق بها في فصول.

فصل [30] [: عدم مدخليّة الاستثناء المنقطع في التخصيص‏]

المستثنى إن كان من جنس المستثنى منه فالاستثناء متّصل، و إلّا فمنقطع. و الثاني لا مدخل له في التخصيص وفاقا؛ لأنّ قوله‏ (1): «جاءني القوم إلّا حمارا» لا يخرج بعض المسمّى.

و لا بدّ في صحّة المنقطع من مخالفة المستثنى للمستثنى منه، و المخالفة إمّا في نفس الحكم، كالمثال المذكور، أو في أنّ المستثنى نفسه حكم آخر مخالف للمستثنى منه بوجه، مثل: «ما زاد إلّا ما نقص»، و «ما نفع إلّا ما ضرّ»، فإنّ «النقصان» و «الضرّ» حكمان مخالفان للزيادة و النفع.

و بالجملة، فإنّه يقدّر ب «لكن»، فكما يجب فيه مخالفة- إمّا تحقيقا، مثل: «ما جاءني زيد لكن جاءني عمرو» أو تقديرا، مثل: «ما جاءني لكن أهانني»- فكذا هاهنا، و لذا لا يصحّ أن يقال: «ما جاءني زيد إلّا أنّ حدوث العالم حقّ».

فصل [31] [: لفظ «الاستثناء» حقيقة في المتّصل، مجاز في المنقطع‏]

الحقّ أنّ لفظ «الاستثناء» حقيقة في المتّصل، مجاز في المنقطع، و ليس مشتركا لفظيّا و لا معنويّا بينهما؛ لأنّ المجاز خير من الاشتراك؛ و لأنّ المتّصل أظهر و أعرف و هو المتبادر من الاستثناء عند إطلاقه.

و كذا الحقّ أنّ صيغته أيضا حقيقة في المتّصل، مجاز في المنفصل؛ لتبادر الأوّل منها دون الثاني، و لذا لم يحملها العلماء على المنقطع إلّا عند تعذّر المتّصل، حتّى قالوا في قول القائل: «له عندي مائة درهم إلّا ثوبا» و «له عليّ إبل إلّا شاة»: معناه إلّا قيمة ثوب، أو قيمة شاة، فعدلوا للحمل على المتّصل عن الظاهر، و ارتكبوا الإضمار المخالف له‏ (2).

____________

(1). في «ب»: «قولك».

(2). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 121.

763

احتجّ الخصم بورود الاستثناء من غير الجنس في القرآن، كقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ (1)، و إِلَّا إِبْلِيسَ‏ (2)، و إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‏ (3)، و إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (4)، و إِلَّا خَطَأً (5)، و غير ذلك، و الأصل في الاستعمال الحقيقة (6).

و الجواب- كما عرفت مرارا-: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، و ورود المجاز في القرآن غير عزيز.

فصل [32] [: إذا كان الاستثناء مشتركا بين المتّصل و المنفصل، لم يحدّا بحدّ واحد]

الاستثناء إن كان متواطئا في المتّصل و المنفصل- أي كان مشتركا معنويّا بينهما- أمكن أن يحدّ المتّصل و المنفصل بحدّ واحد باعتبار المعنى المشترك بينهما، و هو مجرّد المخالفة الأعمّ من الإخراج و عدمه، فيقال: هو ما دلّ على مخالفة بحرف وضعت له غير الصفة.

و إن كان مشتركا بينهما، أو حقيقة في المتّصل، مجازا في المنقطع، فلا يمكن تحديدهما بحدّ واحد؛ لتغاير حقيقتهما حينئذ، بل يحدّ المنقطع حينئذ بأنّه: ما دلّ على مخالفة بحرف وضعت له من غير إخراج.

و حاصله ما لم يدخل المستثنى فيه في المستثنى منه. و تفسيره بكونه من غير جنس المستثنى منه، فاسد، كما نبّه عليه جماعة من النحاة؛ لأنّ قول القائل: «جاء بنوك إلّا بني زيد» منقطع مع أنّه من جنس الأوّل‏ (7). فكلّ ما كان من غير جنس المستثنى منه منقطع، و لا عكس كلّيا.

و يحدّ المتّصل بأنّه الإخراج بحرف وضعت له غير الصفة. و يخرج بقولنا: «حرف‏

____________

(1). النساء (4): 29.

(2). البقرة (2): 34.

(3). النساء (4): 157.

(4). الواقعة (56): 26.

(5). النساء (4): 92.

(6). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 121.

(7). نقله عنهم الأسنوي في التمهيد: 392، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 197، القاعدة 67، و اعلم أنّ عدّ بني زيد من جنس بنوك نشأ من سوء تفسير الجنس. و الحقّ أنّ عدم دخول بني زيد في «بنوك» كعدم دخول الحمار في القوم.

764

وضعت له» ما عدا الألفاظ المشهورة ممّا يدلّ على الإخراج، مثل: الغاية و «لا» (1) في نحو:

«جاء القوم لا زيد»؛ لأنّ وضعه ليس للإخراج و إن فهم الإخراج منه في بعض التراكيب.

و ما قيل- من أنّه‏ (2) الإخراج ب «إلّا» و أخواتها، أو ب «ما كان» نحو: «إلّا» (3)- يرد عليهما مثل الغاية، و «جاء القوم لا زيد» إن اريد بأخواتها و نحوها ما يدلّ على الإخراج، و إن اريد بهما ما وضع للإخراج، أو الألفاظ المشهورة، فيؤول إلى ما ذكرناه.

فعلى الحدّ الذي ذكرناه إذا قال: «هذه الدار لزيد، و هذا البيت منها لي» أو «هذا الخاتم له، و فصّه لي» أو «له عليّ ألف أحطّ منها مائة» لم يقبل؛ لأنّه ليس استثناء و إن كان إخراجا لبعض ما يتناوله اللفظ.

و يمكن أن يقال بالقبول و إن لم يقل بكونه استثناء؛ لأنّه كلام واحد يتمّ أوّله بآخره، و ليس فيه إنكار لما أقرّ به؛ لأنّ المقرّ [به‏] هو ما عدا البيت.

و على الحدّين الآخرين يقبل؛ لأنّه استثناء، نظرا إلى أنّه الإخراج بما يدلّ عليه، إلّا أن يراد بأخواتها و نحوها: الألفاظ المشهورة، فلا يكون استثناء.

و يخرج بقولنا: «غير الصفة» ما يكون فيه الحرف الموضوع للإخراج للصفة، مثل قوله:

لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (4)، و ضابطه أن يكون تابعا لجمع منكور غير محصور، و بعضهم لا يشترط ذلك فيه‏ (5).

و يظهر الفائدة في قول القائل: «له عليّ ألف إلّا مائة» يرفع المائة، فعلى الأوّل يكون إقرارا بتسعمائة، و على الثاني يكون إقرارا بالألف. هذا.

و قد حدّ الاستثناء المتّصل بحدود أخر (6) كلّها مزيّفة منقوضة، و لم نر جدوى في إيرادها و دفعها.

____________

(1). عطف على فاعل «يخرج».

(2). أي أنّ الاستثناء المتّصل.

(3). قاله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 192، القاعدة 63.

(4). الأنبياء (21): 22.

(5). و هو سيبويه كما في مغني اللبيب 1: 70- 71.

(6). راجع المصدر.

765

فصل [33] [: في المراد من «العشرة» في «له عشرة إلّا ثلاثة»]

الحقّ- كما اشير إليه‏ (1)- أنّ المراد (2) بالعشرة في: «له عشرة إلّا ثلاثة» معناها، ثمّ اخرجت منها ثلاثة، و اسند الحكم إلى الباقي بعد الإخراج، فالاستثناء على هذا يحتمل أن يقال: إنّه تخصيص؛ نظرا إلى الحكم؛ لأنّه للعامّ في الظاهر، و المراد الخصوص. و حينئذ (3) يمكن أن يقال: إنّه إخراج بعد الحكم؛ نظرا إلى الحكم المسند في الظاهر إلى العامّ. و يمكن أن يقال:

إنّه إخراج قبل الحكم؛ نظرا إلى الحكم المسند إلى الباقي.

و يحتمل أن يقال: إنّه ليس بتخصيص؛ نظرا إلى لفظ العشرة؛ إذ لم يرد به إلّا العموم كما كان عند الانفراد.

و قال الأكثر: المراد من العشرة السبعة و «إلّا» قرينة التجوّز.

و قال القاضي: المجموع- و هو عشرة إلّا ثلاثة- بإزاء سبعة (4)، كأنّه وضع لها اسمان:

مفرد و مركّب، و [الاستثناء] (5) على هذا تخصيص؛ لأنّه قصر للعامّ على بعض مسمّياته، و إخراج بعد الحكم.

و الحقّ أنّ قوله راجع إلى المذهب المختار، و من لم يحصّل مراده جعل الاختلاف هنا على ثلاثة أقوال، مع أنّه لا يزيد على قولين.

بيان ذلك: أنّ لفظ «العشرة» حقيقة في العشرة من الأفراد- سواء كان مطلقا أو مقيّدا ب «إلّا ثلاثة»- لا في سبعة أفراد؛ إذ لا شي‏ء من السبعة عشرة؛ لأنّ الأعداد أنواع متباينة لا يصدق بعضها على بعض سواء وردت مطلقة أو مقيّدة؛ لعدم تغاير مفهوماتها

____________

(1). تقدّم في ص 747.

(2). و المراد به هو المراد الاستعمالي أي ما استعمل فيه لفظ العشرة معناه اللغوي و أمّا الأكثر فهم يقولون باستعمال لفظ العشرة في السبعة مجازا.

(3). أي حين كون «إلّا» للتخصيص.

(4). حكاه عنه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 122، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 194، القاعدة 64، و الأسنوي في التمهيد: 388.

(5). أضفناه للضرورة.

766

في الحالتين، فيثبت الثلاثة (1) في ضمن العشرة.

ثمّ لا ريب أنّ السبعة مرادة (2) في هذا التركيب، فينفى الثلاثة فيه‏ (3)، ففيه إثبات الثلاثة في ضمن العشرة، و نفي لها صريحا، و هو التناقض‏ (4). و لدفعه ذهب الأكثر إلى أنّ المعنى الحقيقيّ لهذا التركيب هو العشرة الموصوفة بإخراج الثلاثة منها، فيكون مجازا في السبعة من باب التخصيص.

و قال القاضي: إنّه‏ (5) الباقي من العشرة بعد إخراج الثلاثة، فيكون حقيقة في السبعة (6)، لا على أنّ هذا التركيب وضع لها وضعا واحدا- بمعنى أن يكون كلمة موضوعة بإزائها- بل بمعنى أنّ مفرداتها مستعملة في معانيها الحقيقيّة، و محصّل المجموع معنى مركّب لازم للسبعة، فيصدق عليها و لا يتبادر منه إلى الفهم غيرها؛ لأنّ الشي‏ء قد يعبّر عنه باسمه الخاصّ، و قد يعبّر عنه بمركّب يدلّ على بعض لوازمه، كما يعبّر عن الخفّاش بالطائر الولود، و عن عدد خاصّ بنقصان بعض الأعداد عن بعض، أو ضمّ بعضها إلى بعض‏ (7)، كما يقال: بنت سبع و أربع و ثلاث، و المراد بنت أربع عشرة.

و إذا حمل مذهب القاضي على ذلك، كان عين المذهب المختار؛ لأنّ المراد منه- كما اشير إليه‏ (8)- أنّ «العشرة» في التركيب حقيقة في كمال معناها، و وقع الإسناد إلى السبعة بعد الإخراج.

و حاصله أنّ كلّ واحد من مفرداته مستعمل في معناه، و المركّب حقيقة في المعنى الذي وقع فيه الإسناد إليه، أي السبعة. و مذهب القاضي- على ما قرّرناه- ليس إلّا هذا؛

____________

(1). و المراد به الثلاثة المخرجة.

(2). أي بالإرادة الجدّيّة.

(3). أي في هذا التركيب.

(4). و الحقّ هو عدم التناقض، لأنّ الثلاثة داخلة من حيث الإرادة الاستعماليّة و خارجة من حيث الإرادة الجدّيّة، و بتعدّد الحيثيّة يرتفع التناقض، فلا احتجاج لدفعه إلى ما قاله الأكثر.

(5). أي المعنى الحقيقي لهذا التركيب.

(6). تقدّم آنفا.

(7). مثل التعبير عن العشرة تارة بإخراج الخمسة من الخمسة عشر (15- 5 10) و اخرى بإضافة خمسة إلى خمسة (5+ 5 10).

(8). آنفا في أوّل الفصل.

767

فإنّ المطلوب من كلّ منهما أنّ المركّب حقيقة في السبعة، و مفرداته مستعملة في معانيها الحقيقيّة.

و أمّا مذهب الأكثر، فلا يرجع إلى المذهب المختار كما توهّم؛ لأنّه على المشهور استعمل العشرة المقيّدة بإخراج الثلاثة- على أن يكون القيد خارجا- في السبعة، فالعشرة مستعملة في السبعة و ليست مستعملة في معناها. و على المختار يكون العشرة مستعملة حقيقة في معناها.

و إذا رجع قول القاضي إلى ما اخترناه و صارت المسألة ذات قولين، فمن إبطال قول الأكثر يثبت ما اخترناه؛ لعدم محمل صحيح آخر، و لذا لو لم يحمل قول القاضي عليه‏ (1) لم يكن له معنى محصّل.

و يدلّ على بطلان قول الأكثر وجوه:

منها: أنّه لا يمكن تصوّر العشرة المقيّدة بإخراج الثلاثة منها، على أن يكون القيد خارجا عنها؛ لأنّ تقييدها بإخراج الثلاثة منها كتقييد الأربعة بكونها ليست بزوج، و تصوّر ذات الشي‏ء مع عدم ما يلزم ذاته لذاته يقتضي قلب حقيقته و كونه غير ذاته، و إذا لم يبيّن كونها حقيقة العشرة (2)، فلا يمكن أن تكون مجازا في السبعة؛ لأنّ تحقّق المعنى الحقيقي و تصوّره لازم في تحقّق التجوّز و إن لم يلزم استعمال اللفظ فيه.

و لو جعل العشرة مع القيد دالّة على السبعة، لرجع إلى المذهب المختار، و لا معنى حينئذ لكونها مجازا في السبعة، بل تكون حقيقة فيها.

و منها: أنّه لو اريد من الجارية في قولنا: «اشتريت الجارية إلّا نصفها» نصفها، لزم الاستغراق إن كان ضمير «إلّا نصفها» للجارية بكمالها، و هو ظاهر. و التسلسل‏ (3) إن كان للجارية المراد بها النصف؛ لأنّ المراد بالنصف المستثنى منه هو الربع؛ لأنّه الباقي من الباقي من النصف بعد إخراج نصفه عنه، ثمّ يلزم أن يكون المراد به الثمن؛ لأنّه الباقي‏

____________

(1). أي على المختار.

(2). أي في العشرة. و المراد أنّ كلمة العشرة إذا لم تستعمل في هذه المرتبة حقيقة.

(3). عطف على الاستغراق.

768

من الربع بعد إخراج نصفه عنه، و هلمّ جرّا.

و منها: أنّا نقطع بالتبادر أنّ الضمير عائد إلى الجارية بكمالها؛ إذ المراد نصف كمالها قطعا.

و منها: أنّ أهل العربيّة أجمعت على أنّ الاستثناء المتّصل إخراج بعض من كلّ‏ (1)، و لو اريد من الجارية نصفها لم يكن ثمّة كلّ و بعض و إخراج.

و منها: أنّه يبطل النصوص كلّها؛ إذ ما من لفظ له أجزاء أو جزئيّات إلّا و يمكن الاستثناء لبعض مدلوله، فيكون المراد هو الباقي، فلا يبقى نصّا في الكلّ، مع أنّا نقطع بأنّ بعض الألفاظ نصّ في مدلوله. هذا.

و قد أجاب الأكثر عن هذه الوجوه بأنّ المراد بالمستثنى منه هو المجموع من حيث الظاهر و بالنظر إلى إفراد اللفظ، و الباقي من حيث الحكم و بالنظر إلى التركيب، فلا يلزم شي‏ء منها.

و غير خفيّ أنّ هذا رجوع إلى المذهب المختار.

و قد اعترض بعض‏ (2) من وافقنا على مذهب القاضي بوجوه؛ لعدم تحصيل مرامه، و بعد حمله على المذهب المختار لا مدخليّة لشي‏ء منها في إبطاله، بل ربما أيّدت صحّته. هذا.

و احتجّ الأكثر- لإبطال ما اخترناه ليثبت ما اختاروه- بأنّ «العشرة» في هذا التركيب ليست مهملة، فلا بدّ أن يراد منها كمالها أو سبعة. و الأوّل باطل؛ لأنّا نقطع أنّه لم يقع الإقرار إلّا بسبعة، فتعيّن الثاني، و هو المطلوب.

و بأنّه لو اريد منها كمالها، لزم كذب ما هو صدق قطعا، كقوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (3)؛ لما يلزم من إثبات لبث الخمسين و نفيه، و هو تناقض.

و جوابهما- كما عرفت‏ (4)-: أنّ الحكم بالإقرار و اللبث إنّما هو بعد الإخراج، و لذا نحكم بهما على الباقي لا لأنّه المراد من العشرة و الألف.

____________

(1). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 122.

(2). المعترض هو ابن الحاجب في منتهى الوصول: 123.

(3). العنكبوت (29): 14.

(4). في ص 749.

769

إذا عرفت ذلك، ففائدة الخلاف تظهر في التعارض؛ لأنّا إذا قلنا: إنّ الاستثناء قبل الحكم، فلا يقع بين المستثنى منه و الاستثناء تعارض؛ لأنّ الثاني يدلّ على إخراج المستثنى من المستثنى منه، و الأوّل لا يدلّ على إدخاله فيه.

و إن قلنا: إنّه بعده، يقع بينهما التعارض؛ لأنّ الأوّل حينئذ يدلّ على إدخاله فيه، فإذا عارض الاستثناء أو المستثنى منه دليل آخر قدّمناهما؛ لأنّ كثرة الأدلّة من المرجّحات.

فصل [34] [: اشتراط الاتّصال العادي في الاستثناء]

اشتراط الاتّصال العادي في الاستثناء ممّا لا ينبغي الريب فيه، و إلّا لم يستقرّ شي‏ء من الإيقاعات و الأقارير، و لم يتحقّق الحنث في الأيمان و النذور، و لم يعلم صدق و لا كذب؛ لجواز أن يرد عليها استثناء بعد مدّة فيغيّر حكمها.

و ما روي عن ابن عبّاس- أنّه يصحّ الاستثناء و إن طال الزمان شهرا (1)- لم يثبت عندنا، و لو ثبت و كان قوله حجّة يحمل على أنّه أراد إظهار ما نوى أوّلا في الأيمان.

و ما روي من قضيّة سؤال اليهود عن مدّة لبث أصحاب الكهف‏ (2) لو سلّم فيها ثبوت الجزء الذي احتجّ به الخصم، فلا دلالة له على مطلوبه.

و ما روي أنّه (عليه السلام) قال: «و اللّه لأغزونّ قريشا»، ثمّ سكت، ثمّ قال: «إن شاء اللّه» (3) لو ثبت، فيحمل على السكوت الذي لا يخرج عن الاتّصال عادة من تنفّس أو سعال، جمعا بين الأدلّة.

و يعلم ممّا ذكر فساد ما قيل: إنّه لا يشترط الاتّصال لفظا، بل يجوز الاتّصال بالنيّة مطلقا (4)، و إن لم يتلفّظ به أصلا، و ما قيل: إنّه يجوز الانفصال في القرآن خاصّة (5)؛ لما روي أنّه نزل قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بعد قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ ... (6)، بزمان‏ (7).

____________

(1- 2- 3). فتح الباري 11: 603.

(4). نسبه ابن حجر إلى مالك في المصدر: 602.

(5). نسبه الآمدي إلى بعض الفقهاء في الإحكام في أصول الأحكام 2: 310.

(6). النساء (4): 95.

(7). مجمع البيان 3: 166.

770

و السرّ فيه أنّ القرآن نزل منجّما بحسب المصالح، فيجوز أن يكون الاستثناء غير مصلحة في زمان مصلحة في زمان آخر، فيقع فيه التأخير إليه؛ لأنّ‏ (1) الأدلّة المذكورة تدفعهما، و الرواية لم تثبت، و تغيّر المصلحة بحسب الزمان مشترك بين القرآن و غيره.

و يتفرّع عليه فروع كثيرة:

و منها: ما لو قال: «له عليّ ألف- أستغفر اللّه أو يا فلان- إلّا مائة». و لا يخفى عليك جليّة الحال على ما ذكرناه.

و في حكمه لو وقع مثل هذا الفصل بين الشرط و المشروط، كقوله: «أنت عليّ كظهر امّي- أستغفر اللّه- إن دخلت الدار».

فصل [35] [: في الاستثناء المستغرق‏]

الاستثناء المستغرق- سواء كان مثل المستثنى منه أو أكثر- لغو وفاقا.

و الحقّ جواز الأكثر من الباقي حتّى يبقى أقلّ من النصف، فضلا عن مساويه حتّى يبقى النصف، وفاقا للأكثر.

و قيل: بمنعهما مطلقا (2).

و قيل: بمنعهما في العدد خاصّة (3)، فلا يجوز: «عشرة إلّا ستّة أو خمسة» و يجوز: «أكرم القوم إلّا الجهّال» و هم ألف و العالم فيهم واحد.

لنا: قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏ (4)، استثنى الغاوين و هم أكثر من غيرهم؛ لقوله: وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ‏ (5)، و كلّ من ليس بمؤمن غاو، على أنّ بعض المؤمنين بل أكثرهم غاوون؛ لأنّ الغاوي من يتّبع إبليس و لو في بعض الأفعال، فيصير الغاوون أكثر بكثير من غيرهم، و إذا ثبت جواز الأكثر، يثبت جواز المساوي بطريق أولى.

____________

(1). تعليل لقوله: «يعلم ممّا ذكر فساد ما قيل».

(2). حكاه الفخر الرازي في المحصول 3: 37، و الآمدي عن القاضي أبي بكر و الحنابلة في الإحكام في أصول الأحكام 2: 318.

(3). نسبه ابن الحاجب إلى ابن درستويه و القاضي في أحد قوليه في منتهى الوصول: 125.

(4). الحجر (15): 42.

(5). يوسف (12): 103.

771

و الحديث‏ (1) القدسي: «كلّكم جائع إلّا من أطعمته» (2)، استثنى المطعمين، و هم أكثر من غيرهم، و إجماع فقهاء الأمصار على ثبوت الواحد إذا قال: «له عليّ عشرة إلّا تسعة» (3).

فإن قيل: لا يلزم من عدم صحّة تلك العبارة لغة عدم كونه ظاهر الدلالة على استثناء التسعة، كما لا يلزم من عدم صحّة قولنا: «جاءني أحمد» (4) عدم دلالته على مجي‏ء أحمد.

قلت: ظهور الدلالة مع عدم الصحّة لغة و عرفا، لا يصير سببا لثبوت المدلول و الأخذ به، بل السبب له هو الموافقة للّغة أو العرف، و لذا لو قال: «له عليّ عشرة إلّا عشرة» يلزم عليه العشرة و يلغو الاستثناء، و ما هو إلّا لعدم الصحّة لغة لثبوت ظهور الدلالة، و لو لم يكن ذلك الاستثناء أيضا صحيحا لصار قليل- لا أقلّ- إلى لزوم العشرة.

احتجّ الخصم بأنّ مطلق الاستثناء على خلاف الأصل؛ لأنّه إنكار بعد إقرار، فيقتصر فيه على الأقلّ؛ لأنّه قد ينسى. و بأنّه يستقبح أن يقال: «له عليّ عشرة إلّا تسعة و ثلثين و ربعا» و ما هو إلّا لأنّه استثناء الأكثر (5).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الكلام جملة واحدة، فلا إنكار بعد إقرار.

و عن الثاني: أنّ استقباحه لا يوجب عدم صحّته، كاستقباح: «له عليّ واحد و واحد» إلى عشرة أو: «له عليّ عشرة إلّا دانقا و دانقا» إلى عشرين دانقا و المجموع ثلث العشرة؛ فإنّهما يستقبحان؛ للتطويل، مع صحّتهما وفاقا.

و فروع هذه القاعدة كثيرة في أبواب الأقارير و الوصايا.

و ممّا يتفرّع عليها من غيرهما (6) أنّه لو قال: «كلّ امرأة لي طالق إلّا هندا- أو- إلّا أنت» و لم يكن له امرأة غيرها، يقع عليها الطلاق بمقتضاها (7).

____________

(1). هذا و ما يأتي عطف على المبتدأ و هو قوله: «قوله تعالى».

(2). السنن الكبرى 6: 93، و صحيح مسلم 4: 1994، ح 55/ 2577.

(3). تقدّم في ص 749، و حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 125.

(4). وجه عدم الصحّة هو صرف غير المنصرف، أو المراد هو فرض عدم الصحّة.

(5). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 125.

(6). أي غير الأقارير و الوصايا.

(7). أي بمقتضى القاعدة. و في «أ»: «بمقتضاهما».

772

فصل [36] [: صلاحيّة كلّ واحد من أدوات الاستثناء لأن يقع صفة]

كلّ واحد من أدوات الاستثناء كما يصلح له يصلح لأن يقع صفة، فالامتياز يتوقّف على الإعراب، و مع الإبهام و عدم ظهور الإعراب، أو صدورها عن غير العارف يحمل على الاستثناء؛ لأنّه المتبادر منها، اللهمّ إلّا في بعضها مثل: «غير» فإنّ أصله الصفة كما يأتي‏ (1).

و يتفرّع على هذه الضابطة مسائل كثيرة، مثلا لو قال: «له عشرة سوى درهم» أو «حاشا» أو «ليس» أو «خلا» أو «ما خلا» أو «عدا» أو «ما عدا» أو «لا يكون»، أو «غير درهم» بالنصب، لزمه تسعة. و لو رفعه و كان عارفا لزمه عشرة؛ لأنّه وصف حينئذ، و لو لم يكن عارفا، لزمه تسعة، إلّا أن يقال: المتبادر من «غير» كونه صفة.

و لو قال: «كلّ امرأة لي غيرك طالق» أو «طالق غيرك» بنصب الغير، و لم يكن له امرأة غيرها، وقع الطلاق. و لو رفعه لم يقع. و لو كان القائل غير عارف، فحكمه ما ذكر.

و لو قال: «له عشرة إلّا درهما»، لزمه تسعة. و لو رفع الدرهم لزمه العشرة؛ نظرا إلى ما ذكره ابن هشام من أنّه: لا يشترط في كون «إلّا» صفة وقوعها بعد جمع‏ (2). و لو اشترط ذلك- كما ذكره جماعة (3)- لزمه تسعة، لكونها للاستثناء حينئذ.

تذنيبات‏

الأوّل: [أدوات الاستثناء]

أدوات الاستثناء منحصرة على التحقيق بما ذكر إلّا أنّه يقال في «حاشا» حاش وحشا، و زاد بعض النحاة «ما» النافية (4)؛ محتجّا بقول بعض العرب: «كلّ شي‏ء مهه ما النساء و ذكرهنّ» (5). يعني إلّا النساء.

____________

(1). سيأتي في ص 773.

(2). مغني اللبيب 1: 71.

(3). تقدّم في ص 764.

(4). كالفرّاء و عليّ بن المبارك و السهيلي، انظر مجمل اللغة 4: 290، و تمهيد القواعد: 492، القاعدة 174.

(5). راجع القاموس المحيط 4: 414، «ما».

773

و الحقّ- كما ذهب إليه الأكثر- أنّها ليست للاستثناء.

و ما ورد منصوب بإضمار «عدا».

فعلى ما ذهب إليه بعض النحاة لو قال: «له عليّ عشرة ما ثلاثة» يقبل قوله‏ (1)، و على المشهور يحتمل القبول؛ نظرا إلى إضمار «عدا». و يحتمل عدمه؛ لأنّ الإضمار خلاف الأصل. و لا ريب في قبوله ممّن يعرف الخلاف و يدّعي إرادة الاستثناء، دون غيره.

الثاني: [اتّفاق النحاة على أنّ أصل «غير» هو الصفة]

اتّفق النحاة على أنّ أصل «غير» هو الصفة، و الاستثناء بها عارض.

و «إلّا» عكسه‏ (2).

و يشترط في «غير» أن يطلق‏ (3) ما قبلها على ما بعدها مثل: «مررت برجل غير طويل» أو «بطويل غير عاقل». و لا يجوز: «مررت برجل غير امرأة» أو «بطويل غير قصير» و «لا» النافية عكسها. هذا إذا لم يكونا (4) علمين، و لو كانا علمين، جاز العطف ب «لا» و «غير».

و كيفيّة التفريع أنّه لو قال: «عليّ ألف غنم غير ثوب» لزمه الألف، و لم يقبل قوله: «غير ثوب» لعدم حصول شرطه، فهو لحن. و لو حصل شرطه، فينظر إلى الإعراب، فيحمل على ما يقتضيه، و مع الإبهام يحمل على الصفة. و مثاله قد ظهر ممّا تقدّم.

الثالث: [الاستثناء ب «إلّا» إمّا في كلام موجب أو منفي‏]

الاستثناء ب «إلّا» إمّا في كلام موجب أو منفيّ. و الأوّل يقتضي نصب المستثنى مطلقا (5) بلا خلاف.

و الثاني إمّا تامّ، و هو الذي يذكر فيه‏ (6) المستثنى منه. أو غير تامّ، و هو خلافه.

و الثاني لا عمل فيه ل «إلّا» بل الحكم عند وجودها مثله عند فقدها، مثل: «ما رأيت إلّا زيدا» و «ما جاءني إلّا عمرو».

____________

(1). راجع تمهيد القواعد: 492، القاعدة 174.

(2). المصدر: 495، القاعدة 176.

(3). كذا في النسختين، و لكنّ الصحيح: «ينطبق» كما في المصدر.

(4). أي ما قبلها و ما بعدها.

(5). أي سواء كان الكلام تامّا أو ناقصا. و مثال الثاني: جاء إلّا عليّا.

(6). في «ب»: «معه».

774

و الأوّل إمّا متّصل نحو: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ (1) و وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ‏ (2)، أو منقطع.

و الأوّل يجوز فيه النصب و اتباع المستثنى للمستثنى منه، كما في الآيتين و هو الأرجح.

و التابعيّة إمّا البدليّة كما ذهب إليه البصريّون؛ فإنّهم قالوا: إنّه بدل «بعض» حينئذ (3). أو العطفيّة كما ذهب إليه الكوفيون؛ فإنّهم قالوا: إنّه عطف النسق حينئذ (4).

و الثاني إن أمكن فيه تسلّط العامل على المستثنى، مثل: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‏ (5)، و: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ‏ (6)، فأهل الحجاز على نصب المستثنى، و بنو تميم على اتباعه‏ (7).

و إن لم يمكن تسلّطه عليه، فالنصب وفاقا، نحو: «ما زاد هذا المال إلّا ما نقص» إذ لا يقال «زاد النقص».

و كيفيّة التفريع أنّه لو قال: «عليّ عشرة إلّا درهما» بالنصب يلزمه تسعة؛ لكون «إلّا» للاستثناء حينئذ، و لو قال «إلّا درهم»- بالرفع- يلزمه عشرة؛ لكونها للصفة حينئذ.

و لو قال: «ما له عليّ إلّا عشرة» لزمه ما بعد «إلّا» خاصّة؛ لأنّه مستثنى من النفي الناقص، و لو نصب المستثنى كان لحنا. و في كونه إقرارا بالمستثنى حينئذ وجهان؛ نظرا إلى ظهوره في الاستثناء من المنفيّ و إن كان لحنا، و عدم موافقته لمحاورات أرباب اللسان، و معاضدته بأصالة البراءة.

و لو قال: «ما له عليّ عشرة إلّا درهم»- بالرفع- فهو إقرار بدرهم. و لو قال: «إلّا درهما»- بالنصب- يحتمل كونه إقرارا بالدرهم؛ لجواز نصبه على الاستثناء، و إن كان مرجوحا. و عدمه؛ لمخالفته لما هو الأرجح مع معاضدته بأصالة البراءة. و هذا هو المشهور.

____________

(1). النساء (4): 66.

(2). الحجر (15): 56.

(3 و 4). حكاهما عنهم ابن هشام في مغني اللبيب 1: 70.

(5). النساء (4): 157.

(6). النمل (27): 65.

(7). راجع تفسير الكشّاف 3: 378، ذيل الآية 56 من النمل (27).

775

و لو قال: «ما له خمسة أثواب إلّا درهم» بالرفع، فهو إقرار بالدرهم على رأي أهل الحجاز (1) دون بني تميم‏ (2). و ينعكس إذا قال: «إلّا درهما» بالنصب.

فصل [37] [: في أنّ الاستثناء المجهول بأقسامه باطل في العقود]

الجهل في الاستثناء إمّا لجهل المستثنى منه و المستثنى معا، كقوله: «له صبرة إلّا جزءا منها».

أو لجهل أحدهما، كقوله: «له صبرة إلّا منّين منها» و: «له عشرة دراهم إلّا شيئا منها».

و لا ريب أنّ الاستثناء المجهول بأقسامه باطل في العقود، و يبطل العقود المشتملة عليه بشرط تعلّق العقد- من البيع أو الإجارة- بالمستثنى منه، كقوله: «بعتك صبرة إلّا جزءا منها» و «آجرتك بيتا» أو «هذا البيت إلّا بعضا منه».

و لو تعلّق بالمستثنى، فإن كان مجهولا بطل العقد، سواء كان المستثنى منه مجهولا أو معيّنا، مثل: «ما بعتك إلّا بيتا» أو «هذا البيت‏ (3) إلّا جزءا منها». و إن كان معيّنا فالعقد صحيح، و إن كان المستثنى منه مجهولا، مثل: «ما بعتك من هذه الصبرة إلّا منّان منها» أو «ما آجرتك من هذه الدار إلّا هذا البيت منها».

و يتفرّع عليه جواز بيع قدر معيّن من أثمار بستان و أوراقه.

و أمّا في الأقارير فيكلّف بالتفسير، و يقبل قوله إن فسّر بغير المستوعب، و إلّا فقيل:

يبطل تفسيره و يصحّ الاستثناء (4)؛ لسبق الحكم بصحّته، و عدم اقتضاء بطلان التفسير لبطلانه، فيكلّف بالتفسير ثانيا و ثالثا إلى أن يفسّر بغير المستوعب، و يقبل قوله حينئذ.

و قيل: يبطل الاستثناء أيضا (5)، و هو الصحيح؛ لانحصار مراده بالاستثناء فيما بيّنه. فلو قال: «له ألف إلّا شيئا» أو «إلّا درهما» كلّف بتفسيرهما على الأوّل، و تفسير الثاني على الثاني. فإن فسّر بغير المستوعب قبل قوله. و لو فسّر بالمستوعب، فعلى ما اخترناه يلزمه الألف المفسّر و يبطل الاستثناء؛ لأنّه بيّن ما أراد من اللفظ، فجرى مجرى ما لو تلفّظ به أوّلا.

____________

(1 و 2). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 121.

(3). أي ما بعتك هذا البيت.

(4 و 5). راجع: قواعد الأحكام 2: 430، و تمهيد القواعد: 234، القاعدة 86.

776

هذا على ما هو الصحيح من جواز الاستثناء المنقطع، و إلّا فيتعيّن حمل «الألف» على الثاني على الدراهم، فيلزمه من الدراهم ما يبقى بعد إخراج درهم واحد من ألف درهم.

فصل [38] [: في أنّ إطلاق الاستثناء على الاستثناء المنقطع مجاز]

قد عرفت أنّ الاستثناء المنقطع صحيح‏ (1)، إلّا أنّ إطلاق الاستثناء عليه مجاز، فمع قيام الصارف عن الحقيقة يحمل على المنقطع و يكون صحيحا، مثل: «له عليّ ألف غنم إلّا ثوبا» أو «عبدا»، فإنّه يصحّ و يحمل على المجاز. ثمّ عليه أن يبيّن ثوبا لا يستغرق قيمته الألف.

و مع احتمال الاتّصال و الانفصال فيحمل على الحقيقة؛ لعدم جواز الحمل على المجاز مع إمكان الحمل على الحقيقة، لكنّ هذه الضابطة قد خولفت في باب الإقرار، كما إذا قال:

«عليّ ألف إلّا أربعة دراهم» فله أن يفسّر «الألف» بما أراد وفاقا، و لا يكون تفسير المستثنى تفسيرا للمستثنى منه، و السرّ فيه قيام الاحتمال فيما خالف الأصل؛ إذ الأصل براءة الذمّة (2)، فيقبل تفسير المعاضد بالأصل و إن كان مع قطع النظر عنه مرجوحا.

فصل [39] [: في عدم جواز تقديم المستثنى في أوّل الكلام‏]

لا يجوز تقديم المستثنى في أوّل الكلام، مثل: «إلّا زيدا جاء القوم»، كما لا يجوز تقديم حرف العطف؛ لأنّ معنى «إلّا زيدا»: لا زيد.

و لو تقدّمه ناف، فإن كان النافي حرفا، فالمنع بحاله، مثل: «ما إلّا زيد جاءني أحد».

و إن كان فعلا فيجوز، نحو: «ليس» أو «لم يكن إلّا زيد في الدار أحد». فلو قال: «إلّا درهما عليّ عشرة» لم يكن الاستثناء صحيحا و لزمه العشرة. و لو قال: «ما إلّا درهم عليّ دراهم» لم يصحّ الاستثناء أيضا. و لو قال: «ليس إلّا» (3)، صحّ و لزمه درهم.

____________

(1). تقدّم في ص 773.

(2). قاله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 197، القاعدة 68.

(3). أي «ليس إلّا درهم عليّ عشرة».

777

و يجوز توسّط المستثنى بين المستثنى منه و المحكوم به، و ما في معناه، نحو: «جاء إلّا زيدا القوم» و: «القوم إلّا زيدا جاءوا» (1) و: «في البلد إلّا زيدا أصدقاؤك» و: «ضربت إلّا زيدا أعداءك».

و قيل: إن وقع التوسّط بحيث تقدّم المستثنى على المستثنى منه و العامل، فلا يجوز مطلقا (2).

و قيل: يجوز إن كان العامل متصرّفا، نحو: «القوم إلّا زيدا جاءوا»، و إن كان غير متصرّف‏ (3) لم يجز، نحو: «القوم إلّا عمرا في الدار» (4).

و كيفيّة التفريع أنّه لو قال: «له عليّ إلّا عشرة دراهم مائة درهم» صحّ الاستثناء و لزمه تسعون. و قس عليه أمثاله من الفروع.

فصل [40] [: في أنّ الاستثناء من الإثبات نفي‏]

الاستثناء من الإثبات نفي وفاقا، و بالعكس على الحقّ المشهور (5)، خلافا للحنفيّة؛ حيث قالوا: المستثنى مسكوت عن إثباته و (6) نفيه‏ (7).

____________

(1). يجوز فيه و فيما يأتي الفعل و اسم الفاعل، أي جاءوا و جاءون. و في «ب»: «جاء».

(2). راجع: التمهيد: 391، و تمهيد القواعد: 196، القاعدة 66. و معنى الإطلاق أي سواء كان العامل متصرّفا أم لا.

و مثاله: «إلّا زيدا القوم جاءون» أو «إلّا زيدا جاء القوم».

و اعلم أنّ هذا ينافي مفهوم التوسّط و الإجماع المذكور آنفا. و في «ب»: «تقدّم المستثنى منه على المستثنى و العامل» و هو الصحيح. و في تمهيد القواعد: «نعم إذا تقدّم على المستثنى منه و على العامل ففيه مذاهب».

و يرد عليه أيضا ما أوردناه على نسخة «أ» من عدم تحقّق مفهوم التوسّط، فإنّ قوله: «نعم ...» استثناء عن صورة التوسّط.

و بعبارة اخرى، لا يمكن الجمع بين توسّط المستثنى بين المستثنى منه و المحكوم به، و بين تقدّمه عليه و على العامل.

(3). وجه عدم التصرّف أنّ المقدّر في المثال من أفعال العموم و هي ليست متصرّفة، كأفعال الخصوص مثل: ضرب و جاء. و المقدّر مثل: كانوا في الدار- أو- ليسوا فيها.

(4). لاحظ التمهيد: 391، و تمهيد القواعد: 196، القاعدة 66.

(5). راجع: نهاية السؤل 2: 421، و تمهيد القواعد: 198، القاعدة 69.

(6). في «ب»: «أو».

(7). حكاه عنهم الفخر الرازي في المحصول 3: 39، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 330، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 198، القاعدة 69.

778

لنا النقل من أهل اللغة، و كلمة التوحيد (1). و ما قالوا إنّ إفادتها له شرعيّة لا لغويّة، مكابرة.

احتجّ الخصم بمثل: «لا صلاة إلّا بطهور»؛ حيث دلّ على أنّ المستثنى منه مشروط بالمستثنى لا يتحقّق بدونه، و أمّا أنّه يتحقّق معه فلا. و لو كان الاستثناء من النفي إثباتا، لزم ثبوته معه البتّة، فيثبت الصلاة بمجرّد الطهور، و أنّه‏ (2) باطل‏ (3).

و الجواب: أنّ قولنا: «إلّا بطهور» ليس إخراج الطهور من الصلاة ليثبت‏ (4) بثبوته، فإنّه إنّما يكون إذا قلنا: «لا صلاة إلّا الطهور»، فقولنا: «بطهور» ليس بالمستثنى هنا حقيقة، فلا بدّ من تقدير متعلّق هو المستثنى بالحقيقة، و هو إمّا «صلاة بطهور» أو «باقترانها بطهور» و ذلك المتعلّق هو المستثنى بالحقيقة.

فعلى الأوّل‏ (5) يكون الاستثناء تامّا؛ لأنّ المستثنى منه هو النكرة المنفيّة المذكورة، أي «لا صلاة» و يكون المتعلّق المستثنى‏ (6) مستثنى منها، و يكون قولنا: «بطهور» ظرفا مستقرّا صفة للمستثنى، و التقدير «لا صلاة إلّا صلاة بطهور».

و على الثاني يكون الاستثناء مفرّغا؛ لأنّ المستثنى منه حينئذ قولنا: «بوجه من الوجوه» المقدّر، و يكون المتعلّق المستثنى مستثنى منه، و يكون قولنا: «بطهور» ظرفا لغوا صلة للمستثنى، و التقدير «لا صلاة بوجه من الوجوه إلّا باقترانها بالطهور».

ثمّ لمّا كان المراد من نفي الصلاة نفي صحّتها، فيرجع الحاصل- على التقدير الأوّل- [إلى‏] (7) أنّه «لا صلاة صحيحة إلّا صلاة بطهور»، و على الثاني إلى أنّه «لا صلاة صحيحة بوجه من الوجوه إلّا بالاقتران بالطهور». و يلزم على التقديرين أن لا يصحّ كلّ صلاة لا يكون‏ (8)

____________

(1). أي كلمة: «لا إله إلّا اللّه».

(2). في «ب»: «فإنّه».

(3). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 127.

(4). أي ليثبت المستثنى منه.

(5). و المراد به قوله: «و هو إمّا صلاة بطهور» و يعلم منه المراد من قوله: «و على الثاني».

(6). أي قوله: «صلاة».

(7). أضفناه للضرورة.

(8). التذكير باعتبار الكلّ.

779

مع الطهور، و هو كذلك؛ لكون الطهور شرطا لصحّتها، و أن يكون كلّ صلاة مع الطهور صلاة صحيحة.

و ربما يستشكل ذلك بأنّه قد توجد صلاة مع الطهور من دون سائر شرائطها، فلا تكون صحيحة.

و يدفع بأنّ المراد كلّ صلاة مع الطهور صلاة صحيحة في الجملة، فلا إشكال.

و ما قيل: إذا قيل بصحّة الصلاة المتّصفة بالطهور لزم عموم الحكم في كلّ صلاة كذلك؛ لعموم النكرة الموصوفة بصفة عامّة، مثل: «لا اجالس إلّا رجلا عالما»؛ و لدلالة الكلام على أنّ علّة الصحّة هي الوصف المذكور، ضعيف؛ لأنّ الأوّل ممنوع، و الثاني مسلّم إذا كان الوصف علّة مستقلّة و لم يعارضه‏ (1) قاطع.

هذا هو التحقيق اللائق بالمقام. و للقوم فيه كلمات مشوّشة مختلّة النظام لا ترجع إلى طائل.

و إذا عرفت ذلك، فكيفيّة التفريع لا تخفى عليك. و ممّا فرّع عليه قول القائل: «و اللّه لا اجامعك في السنة إلّا مرّة»، فمضت السنة و لم يجامعها (2) أصلا، فعلى القاعدة يلزم الحنث؛ لأنّها تقتضي إثبات المرّة، فيجب الجماع مرّة، و قيل: لا يحنث‏ (3)؛ لأنّ المطلوب بالذات من اليمين أن لا يزيد على المرّة و ليس في قصده إثباتها.

و كذا في قوله: «لا ألبس ثوبا إلّا الكتّان» فقعد عاريا؛ فإنّ مقصوده بالذات عدم لبس غير الكتّان لا أن لا يكون عاريا أيضا، و يفهم ذلك عرفا. و على هذا يكون «إلّا» للصفة بمعنى «غير»، فتأمّل.

فصل [41] [: في أنّ النفي المشتمل على الاستثناء هو نفي محض‏]

صرّح جمع من الادباء (4) بأنّه إذا قصد بالمنفيّ المشتمل على الاستثناء ردّ الكلام على من‏

____________

(1). في «أ»: «و لا يعارضه».

(2). في «ب»: «و لم يتجامعها».

(3). قاله القرافي في الفروق 2: 93.

(4). حكاه عنهم ابن مالك في التسهيل: 101 و 102، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 496، القاعدة 177.

780

أوجب، لم يكن إثباتا للمستثنى؛ لأنّ المقصود النفي المحض، لا النفي و الإثبات.

و فرّعوا عليه بقاء النصب على حاله و إن كان بعد نفي، فلو قال المدّعي: «لي عليه مائة إلّا عشرة»، فقال المدّعى عليه: «ما له عليّ مائة إلّا عشرة» لم يكن إقرارا بالعشرة. و قس على ذلك ما شئت.

فصل [42] [: في تعدّد المستثنى منه أو الاستثناء خاصّة]

قد يتّحد كلّ واحد من المستثنى منه و الاستثناء، و قد يتعدّد أحدهما خاصّة، و قد يتعدّد كلّ منهما. و الأوّل مثاله مع حكمه ظاهر. و الآخر يظهر حكمه بعد ظهور حكم الباقيين‏ (1).

الأوّل‏ (2): أن يتعدّد الاستثناء خاصّة، و هو لا يخلو من أن يكون معطوفا على سابقه، أو لا.

فإن كان الأوّل، كان الجميع راجعا إلى المستثنى منه؛ لأنّ المعطوف و المعطوف عليه كالجملة الواحدة، سواء تكرّر حرف الاستثناء، مثل: «مائة إلّا عشرة و إلّا خمسة و إلّا أربعة»، أو لا، مثل: «مائة إلّا عشرة و خمسة و ثلاثة».

هذا إذا كان الراجع إلى المستثنى منه ما لا يستغرقه، فيبطل ما يحصل به الاستغراق خاصّة، فلو قال: «عليّ عشرة إلّا خمسة و إلّا ستّة» بطل استثناء الستّة و يكون إقرارا بخمسة.

و إن كان الثاني، فإمّا لا يمكن عود كلّ لاحق إلى سابقه- إمّا لكونه مساويا له، مثل:

«عشرة إلّا ثلاثة إلّا ثلاثة»، أو لزيادته عليه، مثل: «عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة»- أو يمكن عوده إليه، مثل «عشرة إلّا أربعة إلّا ثلاثة إلّا اثنين».

و على الأوّل إن أمكن عود الجميع إلى المستثنى منه كالمثالين، يجب عوده إليه؛ صونا للكلام عن اللغو. و إن لم يمكن عوده‏ (3) إليه، مثل: «عشرة إلّا اثنين إلّا ثلاثة إلّا أربعة إلّا

____________

(1). و هما قسمان للثاني و هو قوله: «و قد يتعدّد أحدهما خاصّة».

(2). أي الأوّل من القسم الثاني و هو أن يتعدّد أحدهما خاصّة.

(3). أي عود الجميع.

781

خمسة» بطل ما يحصل به الاستغراق و هو استثناء «الخمسة»، فيلزمه واحد، و وجهه ظاهر.

و على الثاني يجب عود كلّ تال إلى متلوّه، لا إلى المستثنى منه، و إلّا لزم ترجيح العود إلى الأبعد على ترجيحه إلى الأقرب الصالح للعود إليه.

و لا إليه و إلى المستثنى السابق، و إلّا لزم التناقض؛ لأنّ أحدهما إثبات و الآخر نفي.

فلو رجع إليهما، لكان مثبتا من حيث العود إلى أحدهما، و منفيّا من حيث العود إلى الآخر.

و يلزم منه‏ (1) و ممّا سبق- من قاعدة النفي و الإثبات‏ (2)- أنّه إذا قال: «عليّ عشرة إلّا تسعة إلّا ثمانية إلّا سبعة» إلى الواحد، أن‏ (3) يكون إقرارا بخمسة، و لو أنّه لمّا وصل إلى الواحد، رجع و قال: «إلّا اثنين إلّا ثلاثة» إلى التسعة، يكون إقرارا بواحد؛ لأنّه مقتضى كون الاستثناء من الإثبات نفيا و بالعكس، و عود كلّ تال إلى متلوّه.

و ضابطه أن يجمع الأعداد المثبتة- و هي الأزواج- على حدّ، و المنفيّة- و هي الأفراد- على حدّ، و يسقط المنفيّة من المثبتة، فالباقي هو المقرّ به، و المثبتة في الأوّل ثلاثون، و المنفيّة خمسة و عشرون، و المثبتة في الثاني خمسون، و المنفيّة تسعة و أربعون.

و قس عليه سائر ما يرد عليك في هذا الباب، كما لو لم يصل إلى الواحد، أو بدأ بالمنفيّ.

الثاني‏ (4): أن يتعدّد المستثنى منه خاصّة، بأن يتعقّب الاستثناء جملا متعاطفة، أو مفردات كذلك‏ (5)، و صحّ عوده إلى كلّ واحد. و قد اختلفوا فيه.

و لا نزاع في إمكان رجوعه إلى الجميع و إلى الأخيرة خاصّة، و لا في كون الأخيرة مخصوصة به على كلّ حال، و لا عند وجود القرينة.

إنّما الخلاف في الظهور، و في كون الباقي مخصوصا أيضا و عند فقد القرينة. فالشيخ‏ (6)

____________

(1). أي عود كلّ تال إلى متلوّه.

(2). تقدّمت في ص 777.

(3). الظاهر زيادة «أن» و قوله: «يكون» جواب «إذا».

(4). أي الثاني من القسم الثاني و هو أن يتعدّد أحدهما خاصّة.

(5). أي متعاطفة.

(6). العدّة في الاصول 1: 320- 321.

782

من أصحابنا، و الشافعي من العامّة على أنّه ظاهر في العود إلى الجميع‏ (1)، أي كلّ واحد.

و الحنفيّة على أنّه ظاهر في العود إلى الأخيرة خاصّة (2).

و قال المرتضى: إنّه مشترك لفظا بين الأمرين، و التعيين يتوقّف على ظهور القرينة (3).

و قيل بالوقف، يعني لا يعلم أنّه حقيقة في أيّهما (4).

و ذهب بعض متأخّري أصحابنا إلى أنّ اللفظ محتمل لكلّ من الأمرين لا يتعيّن إلّا بالقرينة (5)، و ليس ذلك لعدم العلم بما هو حقيقة فيه كمذهب الوقف، و لا لكونه مشتركا بينهما مطلقا، بل لأنّ أدوات الاستثناء موضوعة بالوضع العامّ لخصوصيّات الإخراج، فأيّ الأمرين اريد من الاستثناء كان استعماله فيه حقيقة و احتيج في فهم المراد منه إلى القرينة؛ لأنّ إفادة المعنى المراد من الموضوع بالوضع العامّ إنّما هي بالقرينة. و ليس ذلك من الاشتراك في شي‏ء؛ لاتّحاد الوضع فيه و تعدّده في الاشتراك و إن كان في حكمه باعتبار الافتقار إلى القرينة، و لاحتياج المشترك إلى القرينة لتعيين المراد؛ لكونه موضوعا لمسمّيات متناهية، فحيث يطلق يدلّ على تلك المسمّيات إذا كان العلم بالوضع حاصلا، و يحتاج في تعيين المراد منها إلى القرينة بخلاف الموضوع بالوضع العامّ، فإنّ مسمّياته غير متناهية و لا يمكن حصول جميعها في الذهن، و لا البعض دون البعض؛ لاستواء نسبة الوضع إليها، فلا افتقار فيه إلى القرينة لتعيين المراد، بل الافتقار إليها لأصل الإفادة.

و قيل: إن تبيّن الإضراب عن الاولى فللأخيرة، و إلّا للجميع‏ (6).

و هو يرجع إلى الاعتماد على القرينة في الأمرين، فيخرج عن محلّ النزاع؛ لما ذكرناه في تحريره‏ (7).

____________

(1 و 2). حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول 3: 43، و الأسنوي في التمهيد: 398.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 249.

(4). قاله الغزالي في المستصفى: 260.

(5). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 122.

(6). قاله البصري في المعتمد 1: 246، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 126.

(7). و هو كون الخلاف في الظهور بلا قرينة. راجع ص 781.

783

و قيل: إن كان العطف بالواو و لم يتخلّل بين الجملتين كلام طويل عاد إلى الجميع، و إلّا عاد إلى الأخيرة خاصّة (1).

و هذا أيضا يرجع حاصله إلى اعتماد القرينة، إلّا أنّ كون الشرط الأوّل من القرائن غير مسلّم.

ثمّ على القول الأوّل يكون استعمال الاستثناء في الإخراج من الجميع حقيقة، و في الإخراج عن الأخير خاصّة مجازا.

و على القول الثاني بعكس ذلك. و على الثالث و الرابع حقيقة فيهما. و على الخامس حقيقة في أحدهما لا على التعيين، مجاز في الآخر. و حكم الآخرين على ما ذكرناه حكم الأوّل.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الحقّ عندي أنّ اللفظ محتمل لكلّ من الأمرين بالاشتراك؛ لأنّ أدوات الاستثناء موضوعة بالوضع العامّ لخصوصيّات الإخراج- كما ذهب إليه بعض المتأخّرين‏ (2)- إلّا أنّ تعيين كلّ منهما لا يتوقّف على القرينة، و عند الإطلاق لا يوقف كما ذهب إليه المرتضى‏ (3)، بل الأظهر منه عوده إلى الجميع و عند الإطلاق يحمل عليه، و لا منع في أن يكون لفظ موضوعا لمعنيين إذا استعمل في كلّ منهما كان حقيقة فيه إلّا أنّه كان أحدهما ظاهرا متبادرا منه عند الإطلاق؛ فإنّه إذا أمكن أن يصير المجاز راجحا و الحقيقة مرجوحة بحيث يتبادر المعنى المجازي من اللفظ عند الإطلاق، فيمكن بطريق أولى أن يصير أحد المعاني الحقيقيّة راجحا و الآخر مرجوحا.

و لا ريب في أنّ اللازم حينئذ عند الإطلاق حمله على الحقيقي الراجح دون المرجوح.

ثمّ تنقيح ما ذهبنا إليه يتوقّف على إثبات ثلاث دعاو:

[الدعوى‏] الاولى: كون اللفظ حقيقة في كلّ منهما.

و يدلّ عليه تصريح القوم بأنّ أدوات الاستثناء موضوعة لمطلق الإخراج‏ (4)، فيشمل‏

____________

(1). حكاه الشهيد الثاني عن الجويني في تمهيد القواعد: 205، القاعدة 74.

(2). تقدّم في ص 782 و هو الشيخ حسن.

(3). تقدّم في ص 782.

(4). راجع: المستصفى: 257، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 308، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 122.

784

الإخراج من متعدّد و واحد، فالتخصيص تحكّم. و بذلك يظهر فساد القولين الأوّلين؛ لأنّه إذا كان الوضع في الأصل للأعمّ من دون ثبوت خلافه لا معنى لكونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر (1).

[الدعوى‏] الثانية: عدم كون ذلك بالوضع العامّ ليظهر صحّة الاشتراك.

و يدلّ عليه أنّ العموم الذي هو مقتضى عموم الوضع هو عدم الاختصاص بمادّة دون مادّة من أفراد الكلّي الذي لوحظ في حال الوضع لا بالنسبة إلى كلّ شي‏ء و كلّ حال.

فلو قيل: إنّ الاستثناء حقيقة في رجوعه إلى الجملة الأخيرة، لا يكون‏ (2) عموم وضع أدواته إلّا بالنسبة إلى أفراد هذا المعنى، سواء قلنا بوضعها لنفس هذا الكلّي أو أفراده، و لا ينفع في عمومها بالنسبة إلى رجوعه إلى الجملة السابقة، و لا يقتضي كونه حقيقة فيه.

و قس عليه عكسه.

و أمّا على القول بالاشتراك، فعمومه بالنسبة إلى الأمرين ليس بعموم الوضع، بل بالوضعين المعتبرين في الاشتراك.

نعم، عمومه بالنسبة إلى أفراد كلّ منهما على البدل يمكن أن يتحقّق بعموم الوضع و هو خارج عن محلّ النزاع. و ادّعاء أنّ عموم وضعه- باعتبار ملاحظة معنى أعمّ من الأمرين يكون حقيقة فيهما (3)- عين المتنازع فيه.

و بذلك يظهر بطلان قول بعض المتأخّرين‏ (4)، و يثبت منه بضمّ الدعوى الاولى صحّة القول بالاشتراك.

ثمّ إنّ هذا البعض قد أطال الكلام في إثبات مرامه بما لا يرجع إلى طائل، فلا بدّ من ذكره و الإشارة إلى ما يرد عليه ليظهر جليّة الحال، فنقول: قد مهّد أوّلا مقدّمة و هي أنّ كلّا من‏

____________

(1). ليس في القولين الأوّلين من الحقيقة و المجاز أثر بل الموجود هو الظهور، فراجع.

(2). في «ب»: «لا يمكن».

(3). أشار إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 122.

(4). هو الشيخ حسن كما تقدّم ذكره في ص 782.

785

الوضع و الموضوع له إمّا خاصّ أو عامّ، أو الوضع عامّ و الموضوع له خاصّ:

لأنّ الواضع لا بدّ له من تصوّر معنى‏ (1) في الوضع، فإن تصوّر معنى جزئيّا، و عيّن بإزائه لفظا مخصوصا، أو ألفاظا مخصوصة، متصوّرة إجمالا أو تفصيلا، كان الوضع خاصّا؛ لخصوص التصوّر المعتبر فيه أعني تصوّر المعنى، و الموضوع له أيضا خاصّا و مثاله ظاهر.

و إن تصوّر معنى عامّا في تحته جزئيّات إضافيّة أو حقيقيّة.

فإن عيّن له لفظا معلوما أو ألفاظا معلومة بالتفصيل أو الإجمال، كان الوضع عامّا؛ لعموم التصوّر المعتبر فيه، و الموضوع له عامّا أيضا كالمشتقّات؛ فإنّ الواضع وضع صيغة «فاعل» مثلا من كلّ مصدر لمن قام به مدلوله، و صيغة «مفعول» منه لمن وقع عليه. و منه أسماء النكرات و الأجناس؛ فإنّ الواضع وضع لفظ «رجل» مثلا لكلّ من قام به معنى الرجوليّة. و كذا الكلام في البواقي.

و إن عيّن اللفظ أو الألفاظ بإزاء خصوصيّات الجزئيّات المندرجة تحت العامّ؛ لكونها معلومة إجمالا إذا توجّه العقل بذلك العامّ نحوها و العلم الإجمالي كاف في الوضع، كان الوضع عامّا؛ لعموم التصوّر المعتبر فيه، و الموضوع له خاصّا؛ لخصوصه، كالمبهمات مثل: أسماء الإشارات؛ فإنّ الواضع وضع لفظ «هذا» مثلا لخصوص كلّ فرد ممّا يشار به إليه، لكن باعتبار تصوّره للمفهوم العامّ و هو كلّ مشار إليه مفرد مذكّر، و لم يضع اللفظ بإزاء هذا المعنى العامّ، بل لخصوصيّات تلك الجزئيّات المندرجة تحته؛ فإنّ لفظ «هذا» مثلا لا يطلق إلّا عليها، فلا يقال:

«هذا» و يراد به واحد ممّا يشار إليه، بل لا بدّ في إطلاقه من القصد إلى خصوصيّة معيّنة. و قس عليه البواقي.

و من هذا القبيل وضع الحروف، فإنّها موضوعة باعتبار معنى عامّ- و هو نوع من النسبة- لكلّ واحدة من خصوصيّاته؛ فإنّ الواضع وضع لفظة «من» مثلا لخصوص كلّ ابتداء باعتبار تصوّره لمطلق الابتداء. و قس عليها البواقي.

____________

(1). في المصدر: «المعنى».

786

و مثلها الأفعال الناقصة، فإنّها موضوعة باعتبار نوع من النسبة لكلّ واحد من خصوصيّاتها.

و أمّا التامّة، فلها جهتان: وضعها من إحداهما عامّ، و من الاخرى خاصّ، فالعامّ بالقياس إلى ما اعتبر فيها من النسب الجزئيّة؛ فإنّها في حكم المعاني الحرفيّة، فكما أنّ لفظة «من» موضوعة باعتبار المعنى العامّ- و هو مطلق الابتداء- لخصوص كلّ ابتداء، كذلك لفظة «ضرب» موضوعة باعتبار المعنى العامّ- و هو نوع النسبة، أي نسبة الحدث الذي دلّت‏ (1) عليه إلى‏ (2) فاعل- لخصوصيّاتها.

و أمّا الخاصّ، فبالنسبة إلى الحدث [و هو واضح‏] (3).

و بعد تمهيد هذه المقدّمة قال:

إنّ أدوات الاستثناء كلّها موضوعة بالوضع العامّ لخصوصيّات الإخراج.

أمّا الحرف منها، فظاهر. و أمّا الفعل فلأنّ الإخراج به إنّما هو باعتبار النسبة، و قد ظهر أنّ الوضع بالإضافة إليها عامّ. و أمّا الاسم، فلأنّه من قبيل المشتقّ‏ (4).

و قد علمت أنّ الوضع بالنسبة إليه عامّ، و لا ريب أنّ كلّا من العود إلى الجميع و إلى الأخيرة خاصّة إخراج خاصّ فأيّهما اريد من الاستثناء كان حقيقة فيه، و ليس ذلك من الاشتراك في شي‏ء. و بيّنه بنحو ما ذكرناه في تحرير مذهبه.

ثمّ قال:

و اتّضح منه بطلان القول بالاشتراك؛ لأنّه لا تعدّد في وضع المفردات، و لا دليل على كون الهيئة التركيبيّة موضوعة وضعا متعدّدا لكلّ من الأمرين‏ (5).

و أنت تعلم أنّ ما به مناط تحقّق مطلبه عموم الوضع، و لا خلاف في ثبوته في أدوات‏

____________

(1). أي لفظة «ضرب».

(2). متعلّق إلى نسبة الحدث.

(3). أضفناه من المصدر.

(4). معالم الدين: 123- 124.

(5). المصدر: 125.

787

الاستثناء، فكفى له أن يقول: إنّها موضوعة بالوضع العامّ لخصوصيّات الإخراج من دون حاجة إلى التمهيد الذي مهّده، و التطويل الذي ارتكبه. و يرد عليه ما تقدّم‏ (1).

و لو قال: إنّ عموم الوضع محتمل، فمن ادّعى أحد الأمرين أو الاشتراك فعليه البيان، ليرجع إلى القول بالتوقّف مع توسّع دائرة الاحتمال. هذا.

و ما ذكره من أنّ «وضع الأفعال التامّة بالنسبة إلى الحدث خاصّ» (2) ظاهر الفساد؛ إذ الحدث- كالضرب مثلا- أمر كلّي يندرج تحته جزئيّات، فكلّ من الوضع و الموضوع له فيه عامّ.

[الدعوى‏] الثالثة: كون العود إلى الجميع أظهر و أرجح عند الإطلاق.

و يدلّ عليه وجوه:

منها: أنّ الأصل اشتراك المعطوف و المعطوف عليه في المتعلّقات؛ إذ العطف يصيّر المتعدّد كالواحد، فلا فرق بين قولنا: «رأيت زيد بن عمرو، و رأيت زيد بن بكر» و بين قولنا: «رأيت الزيدين». فإذا كان الاستثناء أو غيره من المتعلّقات عقيب الجملة الواحدة راجعا إليها، فكذلك ما في حكمها (3). و ليس هذا قياسا في اللغة، بل استدلال من قواعد أهل اللغة و موارد استعمالهم.

و منها: أنّه قد علم بالاستقراء أنّ الاشتراك بينهما في المتعلّقات كلّها- كالحال و الشرط و غيرهما سوى الاستثناء- ثابت، فيلزم أن يكون الأمر فيه أيضا كذلك؛ إلحاقا للفرد بالأعمّ الأغلب.

و منها: أنّ التعلّق بالمشيّة (4) إذا تعقّب جملا يعود إلى جميعها بإجماع الامّة (5). و هو إمّا استثناء، أو شرط و هو في معناه؛ لأنّ قوله تعالى في آية القذف: إِلَّا مَنْ تابَ‏ (6) جار

____________

(1). راجع ص 783.

(2). تقدّم في ص 786.

(3). أي في حكم الجملة الواحدة كالجمل المتعاطفة.

(4). و المراد به قول: «إن شاء اللّه».

(5). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 2: 323، و تمهيد القواعد: 205، القاعدة 74.

(6). مريم (19): 60.

788

مجرى قوله: «إن لم يتوبوا» على أنّه لا يمكن كونه شرطا على الحقيقة، و إلّا لما صحّ دخوله على الماضي، مع أنّه قد يذكر فيه، كما يقال: «حججت وزرت إن شاء اللّه» فتعيّن كونه استثناء خاصّا، فإذا عاد إلى الجميع البتّة، فكذلك غيره؛ لعدم فرق سوى أنّه استثناء بالمشيّة، و الآخر استثناء بغيره، و هو لا يصلح لأن يكون سببا لاختلاف الأحكام.

و القول بأنّه ليس شرطا و لا استثناء و إنّما يذكر ليقف الكلام عن النفوذ و المضيّ لا لغير ذلك‏ (1)، كلام خال عن التحصيل.

ثمّ إنّه لو فرض أنّ كلّ واحد من هذه الأدلّة لا يفيد الظنّ بالمطلوب، فلا ريب في إفادة المجموع له، فجميعها يصلح لأن ينتهض حجّة لكون الاستثناء ظاهرا في العود إلى الجميع، و إن كان حقيقة في العود إلى الأخيرة أيضا، و قد ذكرنا أوّلا أنّه لا منافاة بين أن يكون لفظ حقيقة في معنيين و يكون ظاهرا في أحدهما، فتذكّر (2).

و إذ ثبت ذلك فقد اتّضح منه بطلان قول المرتضى، و هو الاشتراك مع توقّف التعيين على القرينة (3)، بل قول بعض المتأخّرين‏ (4) أيضا؛ لأنّه أيضا قال بتوقّفه على القرينة، فثبت من إثبات الدعاوي الثلاث بطلان المذاهب الأربعة الاول، و كذا القول بالتوقّف. و القولان الآخران قد عرفت‏ (5) أنّهما خارجان عن محلّ النزاع.

احتجّ القائل الأوّل- و هو من ذهب إلى أنّه حقيقة (6) في العود إلى الجميع، مجاز في العود إلى الأخيرة (7)- ببعض ما ذكرناه في الدعوى الثالثة (8). و هو لا يفيد إلّا ظهوره في الجميع و نحن نقول به، و لا ينفي كونه حقيقة في الأخيرة ليثبت مطلوبه.

____________

(1). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 135.

(2). تقدّم في ص 782.

(3). تقدّم في ص 782.

(4). تقدّم في ص 783.

(5). ص 784.

(6). و القائل الأوّل هو الشيخ و الشافعي و هما يقولان بالظهور لا الحقيقة. راجع ص 781- 782.

(7). تقدّم تخريجه في ص 784.

(8). تقدّم في ص 787.