أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
789

و احتجّ المخصّص بالأخيرة بوجوه:

منها: أنّ الاستثناء خلاف الأصل؛ لأنّه موجب للتجوّز في لفظ العامّ و الأصل الحقيقة، و لأنّ الظاهر من المتكلّم بلفظ العامّ إرادة العموم، و الاستثناء مخالف لهذه القاعدة، و لاستصحاب‏ (1) هذه الإرادة، خولف‏ (2) في الأخيرة للضرورة، فبقي الباقي على أصله‏ (3).

و الجواب عنه: أنّ الاستثناء لا يوجب التجوّز في لفظ العامّ- كما هو الحقّ المختار على ما عرفته‏ (4)- و لا يخالف القاعدة و الاستصحاب؛ للاتّفاق على أنّ للمتكلّم ما دام متشاغلا بالكلام أن يلحق به ما شاء من اللواحق، و هذا يقتضي وجوب توقّف المخاطب عن الحكم بإرادة المتكلّم عن ظاهر لفظه حتّى يتحقّق الفراغ، و لو كان مجرّد صدور اللفظ موجبا للحمل على الحقيقة، لكان التصريح بخلافه قبل فوات وقته منافيا له، و لزم ردّه؛ على أنّ الدليل منقوض بالشرط و الصفة.

و قيل: على القول بأنّ المراد بالمستثنى منه ما بقي بعد الاستثناء مجازا و الاستثناء قرينة التجوّز، لا يلزم التجوّز في العامّ أيضا؛ لأنّ الحكم حينئذ لم يتعلّق بالأصالة إلّا بالباقي، فلا مخالفة بحسب الحقيقة (5).

و هو كما ترى.

و منها: قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ‏ (6) الآية؛ حيث وقع الاستثناء فيه بعد ثلاث جمل، و لو رجع إلى الجميع لوجب أن يسقط الجلد بالتوبة، و لا يسقط به اتّفاقا.

و الجواب: أنّ الظهور في العود إلى الجميع لا ينافي الصرف عنه لدليل، و هنا كذلك.

____________

(1). في «ب»: «و الاستصحاب».

(2). أي العموم.

(3). تقدّم في ص 783.

(4). تقدّم في ص 783- 784.

(5). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 132.

(6). النور (24): 4- 5.

790

و منها: أنّ الظاهر من حال المتكلّم أنّه لا ينتقل‏ (1) إلى الجملة الثانية إلّا بعد استيفاء غرضه من الاولى، فكان الثانية حائلة بينها و بين الاستثناء، فكانت كالسكوت المانع من تعلّق الاستثناء بها.

و الجواب: أنّه مصادرة، و كيف يسلّم كون الثانية حائلة مع أنّ المجموع بمنزلة جملة واحدة.

و منها: أنّ المقتضي لرجوع الاستثناء إلى ما قبله الضرورة، و هو عدم استقلاله، و ما يقتضيه الضرورة يقدّر بقدرها، فيكتفى بالعود إلى ما يعود إليه قطعا و هو الجملة الأخيرة.

و الجواب عنه: أنّ حصول الاستقلال بالأخيرة لا ينافي العود إلى غيرها سيّما إذا ثبت الدلالة عليه.

و منها: أنّه لو عاد إلى الجميع فإن اضمر مع كلّ جملة استثناء لزم مخالفة الأصل‏ (2)، و إن لم يضمر كان العامل فيما بعد الاستثناء أكثر من واحد، و لا يجوز تعدّد العامل على معمول واحد في إعراب واحد؛ لنصّ سيبويه عليه‏ (3)، و لئلّا يلزم اجتماع المؤثّرين على أثر واحد (4).

و الجواب: اختيار الشقّ الثاني، و منع لزوم تعدّد العامل فيما بعد الاستثناء؛ لأنّ ذلك‏ (5) لو كان العامل في المستثنى هو العامل في المستثنى منه، و هو ممنوع، بل العامل فيه «إلّا» لقيام معنى الاستثناء بها كما ذهب إليه جماعة من النحاة (6).

و لو سلّم فلا نسلّم عدم جواز اجتماع العاملين على معمول واحد؛ لعدم حجّة يعتدّ بها عليه.

و نصّ سيبويه لا حجّة فيه؛ على أنّه معارض بنصّ الكسائي على الجواز مطلقا (7)، و قول الفرّاء؛ حيث ذهب إلى التشريك بينهما إن كان مقتضاهما واحدا (8).

____________

(1). في «ب»: «ينقل».

(2). أي أصالة عدم التقدير.

(3). حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول 3: 54.

(5). أي لأنّ ذلك يلزم لو كان.

(4- 6- 7- 8). حكاهم الشيخ حسن في معالم الدين: 135 و 136.

791

و حكاية عدم اجتماع العلل الإعرابيّة على معمول واحد، واهية.

و يدلّ على الجواز قولهم: «قام زيد و ذهب عمرو الظريفان»؛ لأنّ العامل في الصفة هو العامل في الموصوف. و قد جوّزه سيبويه‏ (1)، و هو مخالف للحكم المنقول عنه.

و يدلّ عليه أيضا إخبارهم عن الشي‏ء الواحد بأمرين متضادّين، نحو: «هذا حلو حامض»؛ إذ لا يجوز خلوّهما عن الضمير إجماعا، فهو إمّا في كلّ منهما بخصوصه و هو باطل؛ إذ يلزم منه كون كلّ منهما محكوما به على المبتدأ، و هو جمع بين الضدّين، أو في أحدهما بعينه دون الآخر، فيلزم استقلال ما فيه الضمير بالخبريّة، و انتفاؤها عن الخالي منه و هو خلاف المفروض، أو فيهما ضمير واحد بالاشتراك، فيلزم منه المطلوب.

و منها: أنّه في الاستثناء من الاستثناء- كما لو قال: «عليّ عشرة إلّا ستّة إلّا ثلاثة»- يرجع الأخير إلى ما يليه دون ما تقدّمه، فكذا في غيره، دفعا للاشتراك‏ (2).

و الجواب: أنّ الكلام في المتعدّد المعطوف بعضه على بعض، و أين العطف هنا؟

و احتجّ المرتضى بصحّة الإطلاق‏ (3)، و الأصل فيه الحقيقة.

و هو لا ينافي ما اخترناه، بل يؤكّده إلّا أنّ كون الأصل في الاستعمال حقيقة ممنوع، كما عرفت مرارا.

و بحسن‏ (4) الاستفهام‏ (5). و هو أيضا لا ينافيه؛ لأنّ اللفظ لمّا كان حقيقة في الأمرين، فيصحّ الاستفهام و إن كان ظاهرا في أحدهما؛ لأنّ مجرّد الاحتمال يكفي لحسن الاستفهام.

ثمّ اعلم أنّ جميع ما ذكرناه من الخلاف، و الاختيار، و الأسئلة، و الأجوبة آت في كلّ استثناء متعقّب للمتعدّد إذا صحّ عوده إليه، سواء كان المتعدّد جملا أو مفردات، و سواء كان العامل فيها واحدا، مثل: «اهجر بني فلان و بني فلان إلّا الصالح منهم» أو كان مختلفا

____________

(1). حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول 3: 54.

(2). حكاه الشيخ حسن في المصدر.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 250.

(4). عطف على قوله: «بصحّة الإطلاق».

(5). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 250.

792

مع اختلاف المعمول أيضا، مثل: «اكس الفقراء و أطعم المساكين إلّا الفسقة» و بدونه، مثل «اضربوهم و اشتموهم إلّا فلانا». و قد صرّح بعض النحاة بالعود إلى الأخير في الأخيرين‏ (1).

هذا إذا صحّ العود إلى الجميع.

و أمّا إذا تأخّر عن مفردين أو أكثر يحتمل عوده إلى كلّ واحد و لا يمكن عوده إلى الجميع، فعوده إلى الثاني‏ (2) أولى، فاعلا كان أو مفعولا؛ لأنّ الأصل فيه الاتّصال، مثل «قتلت مائة مؤمن مائة كافر إلّا اثنين».

و إن تقدّم عليهما فالعود إلى الأوّل أولى؛ لما ذكر، نحو «استبدلت إلّا زيدا أصحابنا بأصحابكم» و «ضرب إلّا زيدا أصحابنا أصحابكم».

و إذ عرفت ذلك، فلا يخفى عليك تنزيل الفروع عليه في باب الأقارير، كما إذا قال:

«عليّ ألف درهم و مائة دينار إلّا خمسين» و «عليّ عشرة و سبعة و خمسة إلّا السبعة»، و في هذا المثال يرجع الأخير (3) إلى الجميع دون ما قبله قطعا؛ لاستغراقه له دونه.

تذنيب [: قرائن اتّحاد أو تعدّد كل واحد من المستثنى منه و الاستثناء]

قد عرفت‏ (4) أنّ محلّ النزاع ما لم يوجد فيه قرينة على إرادة العود إلى أحد الأمرين‏ (5)، فلو وجدت، يجب العمل بها بلا خلاف، و هي كثيرة، كبعض الضمائر، و الموصولات، و الإشارات في الاستثناء؛ فإنّه قد يعلم منها اختصاصه بالأخيرة، أو شموله للجميع.

و من القرائن الدالّة على الرجوع إلى الأخيرة أن يتخلّل بينها و بين سابقها كلام طويل، كما لو قال في صيغة الوقف: «وقفت على أولادي على أنّ من مات منهم و عقّب فنصيبه بين‏

____________

(1). راجع المحصول 3: 62.

(2). أي فيما إذا كان المستثنى منه أمرين، فالمراد به هو الأخير.

(3). ليس لمفهوم «الأخير» هنا معنى محصّل، لوحدة الاستثناء.

(4). في ص 782.

(5). و المراد به الجميع و الأخير.

793

أولاده للذكر مثل حظّ الانثيين، و إن لم يعقّب، فنصيبه للذين في درجته. فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي إلّا أن يفسق أحدهم»، فالاستثناء يختصّ ب «إخوتي».

و منها: ظهور الإضراب عن الاولى. و الظاهر أنّه إنّما يتحقّق بأحد الأدوات الدالّة عليه، أو بأن تختلفا نوعا بشرط عدم ضمير اسم الاولى في الثانية، و عدم اشتراكهما في الغرض، سواء اتّحدت القضيّة (1)، مثل «أكرموهم، و هؤلاء علماء إلّا زيدا» فإنّ الاولى أمر و الثانية خبر، و منه الجملة الأخيرة في آية القذف‏ (2) مع سابقها. أو لا، مثل: «أكرم ربيعة، و الفقهاء هم الحجازيّون إلّا زيدا».

أو يختلفا اسما و حكما، أو في أحدهما بالشرطين المذكورين و إن اتّحدتا نوعا، مثل «أكرم ربيعة و أطعم مضر إلّا الطوال» و «أكرم ربيعة و أكرم مضر إلّا زيدا» و «أكرم ربيعة و أطعم ربيعة إلّا زيدا».

ثمّ اشتراط الاختلافات الثلاثة على سبيل منع الخلوّ لا منع الجمع؛ فقد يجتمع الثلاثة و كلّ اثنين منها معا، و تفصيل الأمثلة غير خفيّ.

و على ما ذكر يتحقّق عدم ظهور الإضراب إمّا بانتفاء الاختلافات الثلاثة، سواء وجد الشرطان أو أحدهما، أو لم يوجد شي‏ء منهما؛ لعدم تأثير الشرط بدون المشروط. و ذلك بأن يتّحد الاسم الذي يصلح أن يكون مستثنى منه فيهما، و كذا الحكم بمعنى المحكوم به، و يختلف الاسم المحكوم عليه؛ فإنّه يتعدّد الجملتان حينئذ مع عدم الاختلافات الثلاثة، مثل «ضرب زيد ربيعة» و «ضرب عمرو ربيعة».

أو بانتفاء الشرط الأوّل، سواء اتّحدتا نوعا و حكما، أو اختلفتا فيهما، أو في أحدهما، و سواء وجد الشرط الآخر أم لا؛ لأنّ المشروط لا يؤثّر بدون شرطه، نحو «أكرم ربيعة و استأجرهم، و أكرم ربيعة و هم طوال».

أو بانتفاء الشرط الثاني كذلك، مثل «أكرم ربيعة، و اخلع عليهم» أو «و هم مقرّبون» فإنّ الغرض- و هو التعظيم- فيها متّحد.

____________

(1). و معيار اتّحاد القضيّة و تعدّدها هو اتّحاد الموضوع و المسند إليه و تعدّده.

(2). النور (24): 4: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ....

794

فصل [43] [: في أقسام الشرط]

قد عرفت أنّ من المخصّصات المتّصلة الشرط، و قد علم حدّه و الفرق بينه و بين السبب فيما سبق‏ (1).

و قد قسّموه إلى عقلي كالحياة للعلم، و شرعي كالطهارة للصلاة، و لغوي، مثل «إن دخلت الدار فأنت طالق» فإنّ أهل اللغة وضعوا هذا التركيب و غيره ممّا يدخل فيه أحد أدوات الشرط المتقدّمة؛ ليدلّ على أنّ ما دخلت عليه الأداة هو الشرط، و الآخر المعلّق به هو الجزاء (2).

و أنت خبير بأنّ الشرط اللغوي- أي الشرط باصطلاح النحاة- لا يدخل في الشرط المعرّف في الاصول- و هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط، و لا يلزم من وجوده وجوده- بل يدخل في السبب المعرّف في الاصول- و هو ما يلزم من وجوده الوجود- لأنّ المراد من التركيب المذكور أنّ الدخول سبب‏ (3) للطلاق يستلزم وجوده وجوده، لا مجرّد كون عدمه مستلزما لعدمه من غير سببيّة، فتقسيم الشرط المعرّف في الاصول إلى الأقسام الثلاثة خلط بين الاصطلاحين، اللهمّ إلّا أن يجعل المقسم ما يسمّى شرطا في الجملة.

فصل [44] [: في أنّ الشرط اللغوي و الجزاء إمّا يتّحدان أو يتعدّدان‏]

الشرط اللغوي و الجزاء إمّا يتّحدان أو يتعدّدان، أو يتّحد أحدهما و يتعدّد الآخر. و المتعدّد إمّا على الجمع، بأن يتوقّف المشروط (4) على حصول الشرطين جميعا، و يلزم من الشرط حصول المشروطين‏ (5) معا. أو على البدل، بأن يحصل المشروط بحصول أيّ الشرطين كان، و يلزم من الشرط حصول أحد المشروطين مبهما. فالأقسام تسعة (6). و أمثلة الكلّ واضحة.

____________

(1). سبق في ص 761.

(2). راجع منتهى الوصول: 128.

(3). في «أ، ب»: «مسبّب». و الصحيح ما أثبتناه.

(4). هذا في صورة تعدّد الشرط.

(5). هذا في صورة تعدّد المشروط و الجزاء.

(6). في هامش «أ»: «حاصلة من ضرب الثلاثة من أحدهما- أعني المتّحد و المتعدّد على الجمع و المتعدّد على البدل- في الثلاثة من الآخر».

795

تفريع: إذا قال: «إن دخلتما الدار، فأنتما طالقان» فدخلت إحداهما، فقيل: تطلّق هي؛ إذ العرف يحكم بأنّ كلّا من الشرط و الجزاء أحدهما (1).

و قيل: بل لا يطلّق شي‏ء منهما؛ إذ الشرط دخولهما معا (2).

و قيل: بل تطلّقان معا؛ لأنّ الشرط دخولهما بدلا (3).

و ممّا يتفرّع عليه أنّه لو قال: «إن كان زانيا و محصنا فارجم» افتقر الرجم إليهما. و كذا لو قال: «إن شفيت، فسالم و غانم حرّ»- و شفي- عتقا. و لو قال: «إن كان سارقا، أو نبّاشا فاقطع» يكفي في القطع أحدهما. و كذا لو قال: «إن شفيت، فسالم، أو غانم [حرّ] (4)» فشفي يعتق أحدهما فيعيّن‏ (5) أيّهما شاء.

تذنيب [: في أنّ الشرط إن وجد دفعة يتمّ المشروط عنده‏]

الشرط إن وجد دفعة، مثل «إن دخلت الدار، فأنت طالق» فيتمّ المشروط عنده‏ (6)، و إن وجد تدريجا، مثل «إن قرأت هذه القصيدة، فأنت طالق» فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه‏ (7)، و عند ارتفاع جزء إن شرط عدمه‏ (8).

فائدة [: حكم الشرط كحكم الاستثناء في وجوب الاتّصال‏]

قيل: حكم الشرط حكم الاستثناء فيما ذكر من وجوب الاتّصال، و رجوعه إلى الجميع، أو الأخير (9).

____________

(1). راجع نهاية السؤل 2: 441.

(2 و 3). راجع شرح منتهى الوصول: 268.

(4). أضفناه لاستقامة العبارة.

(5). في «ب»: «فتعيّن».

(6). أي عند الدخول.

(7). أي أجزاء الشرط، و هو في المثال بتكامل أجزاء القصيدة.

(8). أي عدم الشرط، أي شرط عدم القراءة. و المراد أنّه إذا قال: إن لم تقرئي القصيدة فأنت طالق، فإذا قرأ القصيدة إلّا جزءا منها، تصير طالقا، لأنّ عدم قراءة القصيدة- الذي هو الشرط- تحقّق حينئذ.

(9). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 335.

796

و الظاهر من كلام بعض دعوى الإجماع على عوده إلى الجميع‏ (1).

و صرّح أبو حنيفة بالفرق بينهما؛ حيث جعل الشرط للجميع، و الاستثناء للأخير (2).

و هو تحكّم.

و كيفيّة التفريع واضحة.

فصل [45] [: من المخصّصات المتّصلة: الصفة]

و من المخصّصات المتّصلة- كما عرفت‏ (3)- الصفة، و قصرها العامّ على بعض أفراده ظاهر من اللغة (4) و العرف، سواء كانت أخصّ منه مطلقا، مثل: «أكرم قريشا الهاشميين» أو من وجه، مثل: «أكرم بني تميم الطوال»، و هي كالشرط في العود على متعدّد خلافا، و اختيارا.

و من فروعه ما لو قال: «وقفت على أولادي و أولاد أولادي المحتاجين». و جليّة الحال واضحة على ما اخترناه. و كذا لو تقدّمت الصفة عليهما، كأن يقول: «وقفت على المحتاجين من كذا و كذا».

فصل [46] [: من المخصّصات المتّصلة: الغاية]

و منها- كما عرفت‏ (5)-: «الغاية» و ألفاظها: «حتّى» و «إلى» مثل: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (6). فالغاية، و هي‏ «حَتَّى يَطْهُرْنَ» قصرت العامّ، و هو «النِّساءَ» على بعض أفراده، و هو غير الطاهرات.

و «حتّى» كما تكون مخصّصة للعموم فقد تكون مؤكّدة له، مثل: «أعتق عبيدي حتّى الأصاغر».

____________

(1). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 128.

(2). حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول 3: 42 و 43، و ابن الحاجب في المصدر.

(3). تقدّم في ص 761. و راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 2: 235 و 280، و المحصول 3: 27 و 28 و 69.

(4). راجع البهجة المرضية 2: 51، باب النعت.

(5). تقدّم في ص 761.

(6). البقرة (2): 222.

797

و كلّ واحد من الغاية و ما قيّد بها قد يكون متّحدا و متعدّدا على الجمع أو البدل، فتأتى الأقسام التسعة كما في الشرط.

و منع جماعة من تعدّد الغاية (1)؛ لأنّ الشي‏ء الواحد لا يعقل له نهايتان، فالأشياء المتعدّدة التي يتوهّم كون كلّ منها غاية إن ترتّبت في الوقوع، كان الأخير غاية، و إن اتّفقت فيه، فالمجموع هو الغاية. ثمّ الغاية كالصفة في العود على المتعدّد.

و منها- كما عرفت‏ (2)-: «بدل البعض» مثل: «أكرم الناس، العلماء منهم»، و وجه كونه مخصّصا ظاهر. و حكمه في الرجوع على المتعدّد حكم سابقه.

فصل [47] [: من مخصّصات العموم: الحال‏]

قد أشرنا- فيما سبق‏ (3)- أنّ ممّا يصلح لأن يخصّص به «الحال»؛ لأنّه وصف من جهة المعنى، و التقييد به لو لم يفد لكان لغوا، و لم يأت في فصيح الكلام، فيفهم من قول القائل:

«أكرم زيدا صالحا» توقّف الإكرام على صلاحه، و لو قال: «أنت طالق مريضة» لم تطلّق إلّا في حال المرض.

و على هذا في قول القائل: «أكرم ربيعة صالحين» قصر الحال- و هو «صالحين»- العامّ- و هو «ربيعة»- على بعض أفراده و هو «الصلحاء». و حكمه في الرجوع إلى متعدّد حكم سابقه.

تذنيب [: في إمكان تخصيص العمومات بالتمييز و ظرفا الزمان و المكان‏]

التمييز و ظرفا الزمان و المكان كما يمكن أن يحصل بها تقييد المطلقات- مثل: «أكرم زيدا تكلّما» أو «في هذا اليوم» أو «في هذا المكان» فإنّها قيّدت الإكرام بالإكرام اللساني، و في هذا الوقت الخاصّ و المكان الخاصّ- يمكن أن يحصل بها تخصيص العمومات أيضا،

____________

(1). منهم: الفخر الرازي في المحصول 3: 67، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 337، و العلّامة في تهذيب الوصول: 144.

(2). عرفت في ص 761.

(3). سبق في ص 761.

798

مثل: «ضرب زيد قوّة» أو «في هذا اليوم» أو «المكان خير من ضرب عمرو» فإنّها خصّصت‏ (1) العامّ و هو «ضرب زيد» ببعض أفراده. و حكمها في الرجوع على المتعدّد حكم الحال.

فصل [48] [: في المخصّصات المنفصلة]

قد أشرنا فيما تقدّم‏ (2) أنّ المخصّصات المنفصلة تسعة:

الأوّل: العقل‏

و الحقّ جواز التخصيص به خلافا لطائفة (3).

لنا: قوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (4)، و قوله: وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (5)؛ فإنّ العقل يحكم بامتناع خلقه لذاته، و عدم قدرته على إيجاد مثله من كلّ جهة.

و لنا أيضا: قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (6) لحكم العقل بخروج من لا يفهم الخطاب، كالصبيّ و المجنون.

و احتجّوا بأنّ المخصّص متأخّر؛ لأنّ التخصيص بيان، و البيان متأخّر عن المبيّن، و العقل مقدّم على الخطاب؛ و بالقياس على النسخ بجامع كونهما بيانا؛ و بأنّ مثله لو كان تخصيصا لصحّت إرادة العموم لغة؛ إذ التخصيص فرع كون المخصّص و الباقي مسمّيات اللفظ، و إطلاق اللفظ على مسمّياته صحيح قطعا مع أنّه لو اريد من العمومات المذكورة ما أخرجتم يخطأ لغة (7).

و الجواب عن الأوّل: أنّه إن اريد بتأخّر المخصّص تأخّر ذاته، منعنا الصغرى، و إن اريد به تأخّر وصفه- أعني كونه مبيّنا- منعنا الكبرى.

____________

(1). في «ب»: «مخصّصة».

(2). تقدّم في ص 761.

(3). حكاه الآمدي عن طائفة شاذّة من المتكلّمين في الإحكام في أصول الأحكام 2: 339.

(4). الرعد (13): 16.

(5). المائدة (5): 120.

(6). آل عمران (3): 97.

(7). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 129.

799

و عن الثاني بالفرق أوّلا؛ لأنّ النسخ إمّا بيان انتهاء مدّة الحكم أو رفع الحكم، و كلاهما ما لا يطّلع عليه عقول البشر بخلاف التخصيص؛ فإنّ خروج البعض عن الخطاب قد يدركه العقل.

و ثانيا: بمنع علّيّة الجامع.

و ثالثا: بإبطال أصل القياس بمقطوع اليد، فإنّ غسلها كان واجبا، و ارتفع الوجوب بقطعها عقلا، فهو نسخ مستفاد من العقل.

و عن الثالث: بصحّة إرادة الجميع لغة من غير لزوم تخطئة لغة، و إنّما يلزم الكذب في المعنى، و الحاكم بأنّه كذب يجب الاحتراز عنه بالتخصيص هو العقل دون اللغة، و الخطأ لغة غير الكذب عقلا.

الثاني: الحسّ‏

مثل: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (1)، فإنّه عامّ يتناول السماء و الشمس و القمر و العرش و الكرسي. و الحسّ يخصّصه؛ إذ يعلم حسّا أنّه لم تؤت من هذه المذكورات شيئا.

و بعضهم لم يعدّه مخصّصا برأسه‏ (2)؛ لأنّ الحاكم في الحقيقة هو العقل، و هو آلة له.

الثالث: العادة و العرف الاستعمالي، و هو على قسمين:

أحدهما: أن يغلب استعمال اسم العامّ في بعض أفراده حتّى صار حقيقة عرفيّة. و لا خلاف في تخصيص العموم به؛ لأنّ بناء المحاورات على الفهم العرفي، و المفروض تخصيص الاسم بذلك المسمّى عرفا، كتخصيص «الدابّة» بذوات الأربع بعد كونها في اللغة لكلّ ما يدبّ‏ (3)، و «الشواء» باللحم المشويّ بعد كونه في اللغة لكلّ ما يشوى من البيض و غيره‏ (4)، و «الدار» و «السقف» و «الشمس» و «السراج» و «الوتد» بالمعاني المتعارفة،

____________

(1). النمل (27): 23.

(2). قاله المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 452.

(3). القاموس المحيط 1: 67، «د ب ب».

(4). لسان العرب 14: 446، «ش. و. ي».

800

دون سائر ما يسمّى بها أيضا، كالشعريّ و الآدمي و السماء و الجبل‏ (1).

و كيفيّة التفريع غير خفيّة في أبواب الأيمان و النذور.

و ثانيهما: أن يطلق اسم العامّ عليه، إلّا أنّ الغالب أن لا يذكر معه إلّا بقرينة، أو قيد، و كان المعتاد عند المخاطبين غيره، و لا يكادون يفهمون عند الإطلاق دخوله فيه.

و الحقّ أنّ هذا- أيضا- يخصّ به العامّ، كتخصيص «أكل الرءوس» بغير رءوس العصافير و نحوها، و «الأكل من الشجرة» بثمرها؛ لأنّهما تنصرفان عادة إلى ما ذكر، و لا يفهم العرف عند إطلاقهما إلّا ذلك.

و يدلّ على ما اخترناه أنّه لو قال: «اشتر خبزا أو لحما» و المعتاد في البلد تناول خبز البرّ و لحم الضأن لم يفهم سواهما. فغلبة العادة تستلزم غلبة الاسم، و هي تقتضي تخصّص الحكم بالغالب و اعتبار خصوص العادة، دون عموم العبارة.

ثمّ في اعتبار البلد أو المتكلّم وجهان.

و كيفية التفريع ظاهرة.

و احتجّ الخصم- و هو الأكثر- بأنّ اللفظ عامّ لغة؛ لأنّه المفروض، فيجب العمل به حتّى يثبت تخصّصه بدليل، و لا دليل بالأصل؛ لأنّه لم يوجد سوى العادة و ليست بدليل‏ (2).

و الجواب: منع عدم كونها دليلا فيما نحن فيه، لما عرفت مرارا أنّ بناء التخاطب غالبا على ما يفهمه‏ (3) الناس في عرفهم.

الرابع: العرف الشرعي،

و تخصيص العامّ به ظاهر، كتخصيص الصلاة بالأفعال المخصوصة بعد كونها لغة لمطلق الدعاء (4).

____________

(1). الشعريّ راجع إلى استعمال الدار فيه، و الآدمي إلى استعمال الدابّة فيه، و السماء إلى استعمال السقف فيه، و الجبل إلى استعمال الوتد فيه. و جعل الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 211، القاعدة 76، الشمس ممّا قد يستعمل فيه السراج.

(2). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 133.

(3). في «ب»: «يفهم».

(4). الصحاح 4: 2402، «ص ل و».

801

الخامس: النيّة،

و الحقّ جواز تخصيص العامّ و تعميم الخاصّ به‏ (1) ما لم يقم دلالة على خلافه؛ لأنّ النيّة مؤثّرة في الأفعال؛ لاعتبارها في العبادات و معظمها أفعال.

مثال الأوّل: أن يقول: «نسائي طوالق» و يستثني بقلبه واحدة، أو يقول: «إن لبست الثوب الفلانيّ فأنت عليّ كظهر امّي» و نوى به وقتا مخصوصا؛ فإنّه يختصّ به، و يقبل قوله في نيّة ذلك، أو يحلف أن لا يسلّم على زيد، فسلّم على جماعة هو فيهم و استثناه بقلبه، بخلاف ما لو حلف على أن لا يدخل عليه فدخل على قوم هو فيهم و استثناه بقلبه؛ لأنّ الدخول فعل واحد في نفسه فلا يقبل التخصيص.

و مثال الثاني: أن يحلف أن لا يضربه، و نوى أن لا يؤلمه، حنث بكلّ ما يؤلمه من خنق و عضّ و غيرهما، أو يحلف أن لا يدخل هذا البيت، و أراد به هجران قوم ساكنين فيه، فدخل عليهم في بيت آخر، حنث على ما قيل‏ (2)، أو حلفت المرأة أن لا تخرج في تهنئة و تعزية و نوت أن لا تخرج أصلا، حنثت بخروجها لغيرهما.

السادس: فعله (صلّى اللّه عليه و آله)،

كأن يقول: «الوصال في الصوم» أو «استقبال القبلة عند قضاء الحاجة حرام»، ثمّ يفعل ذلك. و قد صرّح أكثر المسلمين كالإماميّة و الحنفيّة و الشافعيّة و الحنابلة على أنّ العموم يخصّص به، إلّا أنّ فيه إجمالا (3).

و التفصيل أن يقال: إنّ حكم الخطاب إمّا يخصّه، أو يخصّ الامّة، أو يتناولهما. و على التقادير إمّا يقال بوجوب التأسّي مطلقا، أو في تلك الواقعة، أو لا.

فإن اختصّ به كأن يقول: «الوصال حرام عليّ دائما» ثمّ واصل كان ذلك تخصيصا في حقّه، سواء قيل بوجوب التأسّي أم لا، و هو في الحقيقة نسخ لتحريمه؛ لارتفاع حكم العامّ‏ (4) بالكلّيّة.

____________

(1). أي بالخامس، و هو النيّة.

(2). راجع المغني لابن قدامة 11: 283.

(3). راجع: العدّة في أصول الفقه 1: 365- 366، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 354.

(4). أي حكم القول العامّ كما يأتي في ص 803.

802

و إن اختصّ بالامّة، أو تناولهما كأن يقول: «استقبال القبلة للحاجة حرام عليكم» أو «على كلّ مكلّف» ثمّ استقبل، فعلى القول بعدم وجوب التأسّي لا يكون تخصيصا و لا نسخا على الأوّل‏ (1) لا بالنسبة إليه و لا إلينا، و وجهه ظاهر، و يكون نسخا في حقّه دون الامّة على الثاني، و سرّه واضح.

و على القول بوجوبه لا يكون تخصيصا و لا نسخا في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله) على الأوّل؛ لعدم اندراجه تحت الخطاب. إنّما الكلام في كونه تخصيصا، أو نسخا في حقّ الامّة فقط على الأوّل، و في حقّه و حقّ الامّة على الثاني، فذهب جماعة إلى أنّه تخصيص للحكم في حقّ الامّة على الأوّل و في حقّ الجميع على الثاني‏ (2)، و يجب عليهم العمل بالفعل سواء ثبت التأسّي في ذلك الفعل بدليل خاصّ، أو في جميع أفعاله بدليل عامّ.

و احتجّوا عليه بأنّ الفعل خاصّ و الحكم عامّ، و العمل بالخاصّ متعيّن‏ (3).

و أنت خبير بأنّ لزوم العمل بالفعل للجميع نسخ للحكم لا تخصيص له؛ إذ لا يبقى التحريم حينئذ لا في حقّه و لا في حقّ الغير، و يرتفع الحكم العامّ بالكلّيّة، و لا يبقى معمولا به في مادّة، فلا يكون تخصيصا، بل نسخا، فالقائل بوجوب الاتّباع و لزوم العمل بالفعل على الجميع يلزمه القول بكون الفعل ناسخا لا مخصّصا.

و من قال: إنّه مخصّص فقد غفل، أو أراد من التخصيص النسخ. و حينئذ يلزم من قول هذه الجماعة إلغاء القول الدالّ على الحكم بالكلّيّة.

و ذهب طائفة إلى أنّه إن ثبت الاتّباع في ذلك الفعل بدليل خاصّ فهو نسخ لتحريمه، و إن ثبت بدليل عامّ في جميع أفعاله، صار هذا الدليل العامّ مخصّصا بالحكم العامّ‏ (4)؛ لأنّ الأوّل أعمّ من الثاني؛ لدلالته على وجوب متابعته في جميع الأفعال، و اختصاص الثاني ببعضها، فيخرج هو عن الحكم العامّ دون امّته، فيجب عليهم مقتضى دليل الاتّباع، و لا يلزم عليهم‏

____________

(1). و هو صورة الاختصاص بالامّة.

(2). راجع: المحصول 3: 82، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 354- 355.

(3). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 132.

(4). راجع: المستصفى: 276، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 355.

803

التأسّي في ذلك الفعل، فلو قال: «كشف الفخذ حرام على كلّ مكلّف» ثمّ كشف، و ثبت وجوب اتّباعه بمثل قوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ‏ (1) لصارت الآية مخصّصة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): حتّى يحرم على الامّة كشف الفخذ، و لا يلزم عليهم اتّباعه في فعله المخالف له. و هذا هو الحقّ؛ لأنّ فيه عملا بالعمومين، أعني قوله الدالّ على الحكم العامّ؛ حيث ثبت منه حرمة الكشف علينا، و الدليل العامّ على الاتّباع؛ حيث خصّص بغير ذلك الفعل، فيثبت منه وجوب التأسّي في غيره، بخلاف ما لو ابقي الثاني على عمومه و جوّز الكشف للامّة أيضا؛ فإنّه يلزم إلغاء الأوّل بالكلّيّة.

و لا ريب أنّ الجمع مهما أمكن أولى من إلغاء أحدهما رأسا. و حاصله أنّ ما اخترناه قول بالتخصيص، و ما ذهب إليه من خالفنا (2) قول بالنسخ، و التخصيص راجح على النسخ.

و على ما قرّرناه يظهر أنّ جواب المخالف بأنّ المخصّص مجموع دليل الاتّباع و الفعل و هو أخصّ من الحكم العامّ فلا يلزم ما ذكر (3)، فاسد؛ لأنّ المجموع يرفع حكم القول العامّ بالكلّيّة فلا يبقى معمولا به في مادّة ليكون مخصّصا بالمجموع و يكون المجموع أخصّ منه، بل يكون منسوخا، فيلزم ما ذكر من إلغائه رأسا.

و كيفيّة التفريع أنّ الزاني المحصن يرجم مع أنّ مقتضى عموم قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا (4) أن يجلد؛ لتخصيصه برجمه الماعز (5).

السابع: تقريره (صلّى اللّه عليه و آله)،

فلو فعل أحد بحضرته ما ينافي العامّ و لم ينكره، كان مخصّصا للفاعل؛ لأنّ سكوته دليل جواز الفعل؛ إذ علم من عادته (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لو لم يكن جائزا لما سكت، و إذا كان تقريره دليل جواز الفعل لزم التخصيص به؛ جمعا بين الدليلين.

ثمّ لو تبيّن معنى هو العلّة لتقريره، حمل على الفاعل من توافقه فيه، و إلّا اختصّ به.

و التفريع عليه ظاهر.

____________

(1). الأنعام (6): 153.

(2). تقدّما في ص 802.

(3). تقدّما في ص 802.

(4). النور (24): 2.

(5). تقدّم في ص 449 و 467.

804

الثامن: الإجماع،

و الحجّة على كونه مخصّصا للعموم- مضافا إلى الإجماع-: أنّه دليل معتبر قطعي يجب العمل بمقتضاه، فيجب التخصيص به جمعا بين الدليلين، و قد وقع التخصيص به، كتخصيص آية القذف‏ (1)؛ فإنّها تدلّ على وجوب ثمانين جلدة للحرّ و العبد، و أوجبوا على العبد نصف الثمانين، فخصّوها بالحرّ (2)، و المخصّص ليس إلّا الإجماع؛ لأنّ قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ‏ (3) إنّما ورد في حقّ الإماء، و قياس العبيد عليها باطل، و لو سلّم صحّته لم يصلح ناسخا. غاية الأمر أن يكون سندا للإجماع. هذا.

و قد صرّح جماعة بأنّ التخصيص بالإجماع عند التحقيق يكون لتضمّنه نصّا مخصّصا (4)، فعمل المجمعين على خلاف العامّ مبنيّ على تضمّنه النصّ المخصّص، حتّى لو أجمعوا على العمل بخلاف ما هو نصّ من غير عموم، كان إجماعهم متضمّنا لنصّ ناسخ لذلك النصّ؛ لامتناع عملهم على خلاف النصّ من غير عثورهم على ناسخ له، و لذا قالوا:

إنّ الإجماع لا يكون ناسخا، و إنّما الناسخ ما يتضمّنه من النصّ. فما قالوا من أنّ الإجماع يكون مخصّصا و لا يكون ناسخا (5)، مجرّد اصطلاح، مبنيّ على أنّ النسخ لا يكون إلّا بخطاب الشرع، و التخصيص قد يكون بغيره من العقل و العرف و غيرهما. و عند التحقيق لا فرق؛ إذ كلّ من النسخ و التخصيص في الظاهر بالإجماع، و في الواقع بما يتضمّنه من النصّ.

و على هذا ينبغي أن لا يعدّ الإجماع مخصّصا برأسه.

التاسع: الدليل السمعي من الآيات و الأخبار.

و في تخصيص كلّ منهما به أو بالآخر يتصوّر أقسام:

[القسم‏] الأوّل: تخصيص الكتاب بالكتاب. و الحقّ جوازه مطلقا.

____________

(1). النور (24): 4: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ....

(2). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 132.

(3). النساء (4): 25.

(4 و 5). راجع: منتهى الوصول لابن الحاجب: 132، و نهاية السؤل 2: 459.

805

و منعه بعض مطلقا (1).

و فصّل جماعة من العامّة بأنّه إن علم التاريخ فإن كان الخاصّ متأخّرا خصّص العامّ، و إن كان متقدّما فلا، بل كان العامّ ناسخا له. و إن جهل التاريخ، تساقطا و يتوقّف في مورد الخاصّ و يطلب فيه دليل‏ (2). و إن علم المقارنة، فبعضهم على أنّ الحكم فيه كالحكم عند العلم بتأخّر الخاصّ‏ (3). و بعضهم على أنّ الحكم فيه كالحكم عند جهل التاريخ‏ (4).

لنا: أنّ العامّ و الخاصّ دليلان متعارضان و يمتنع العمل بكلّ منهما مطلقا؛ للزوم التناقض، و إهمالهما (5)؛ لما فيه من إلغاء الدليل الخالي عن المعارض، و العمل بالعامّ في جميع الصور؛ للزوم إلغاء الخاصّ بالكلّيّة و هو إبطال للقاطع بالمحتمل؛ لأنّ دلالة الخاصّ على مدلوله قطعيّة، و دلالة العامّ على العموم محتملة. فتعيّن العمل بالعامّ في غير مورد الخاصّ، و به في مورده.

و لنا أيضا: أنّه لو لم يجز لم يقع و قد وقع كثيرا، كتخصيص قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (6)، و قوله: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ‏ إلى‏ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً بقوله: وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ‏ (7) و تخصيص قوله: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ‏ (8) بقوله: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏ (9).

و أنت خبير بأنّ الآيات إنّما تنتهض حجّة على المفصّل لو ثبت تأخّر العامّة منها عن الخاصّتين.

احتجّ المانع مطلقا بأنّ التخصيص بيان، و البيان لا يحصل إلّا بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)،

____________

(1). حكاه الفخر الرازي عن بعض أهل الظاهر في المحصول 3: 77، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2:

342، و العلّامة في تهذيب الوصول: 146.

(2). نسبه ابن الحاجب إلى أبي حنيفة و القاضي و إمام الحرمين في منتهى الوصول: 129.

(3). نسبه ابن الحاجب إلى بعض الحنفيّة في المصدر.

(4). نسبه ابن الحاجب إلى بعض آخر من الحنفيّة في المصدر.

(5). هذا و كذا ما يأتي عطف على فاعل «يمتنع».

(6). البقرة (2): 228.

(7). الطلاق (65): 4.

(8). البقرة (2): 221.

(9). المائدة (5): 5.

806

لقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ (1) و (2).

و الجواب، أمّا أوّلا: فبالمعارضة بقوله تعالى في صفة القرآن: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (3).

و أمّا ثانيا: فبأنّه يختصّ بالمشتبه.

و أمّا ثالثا: فبأنّ تلاوته بيان؛ فإنّ كلّ واحد من الكتاب و السنّة ورد على لسانه، فكان هو المبيّن تارة به و تارة بها (4).

و احتجّ المفصّل بأنّه إذا قال: «اقتل زيدا المشرك» ثمّ قال: «لا تقتلوا المشركين» فكأنّه قال: «لا تقتلوا زيدا و لا عمرا» إلى أن يأتي على جميع الأفراد. و لا ريب أنّه لو قال:

«لا تقتل زيدا» لكان ناسخا لقوله: «اقتل زيدا» فكذا ما هو بمنزلته‏ (5).

و الجواب: أنّ خصوصيّة «زيد» إذا كان مركوزا بنصوصيّة، لا يمكن التخصيص، فيصار إلى النسخ، بخلاف ما لو كان مركوزا في العموم؛ فإنّ تخصيصه ممكن فيصار إليه دون النسخ؛ لرجحانه عليه بغلبته، و كونه دفعا و كون النسخ رفعا، و الدفع أهون من الرفع.

و في الثاني‏ (6) نظر يأتي‏ (7).

[القسم‏] الثاني: تخصيص الخبر المتواتر بمثله، كتخصيص قوله (عليه السلام): «فيما سقت السماء العشر» (8) بقوله (عليه السلام): «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (9).

[القسم‏] الثالث: تخصيص الخبر الواحد بمثله، و مثاله ظاهر.

و هذان القسمان كالقسم الأوّل اختيارا، و استدلالا، و إيرادا، و جوابا.

[القسم‏] الرابع: تخصيص الخبر بقسميه بالكتاب؛ و جوازه ممّا لا ينبغي الريب فيه؛

____________

(1). النحل (16): 44.

(2). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 130.

(3). النحل (16): 89.

(4). أي تارة بالقول و تارة بالتلاوة.

(5). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 131.

(6). أي كون الدفع أهون من الرفع.

(7). في ص 808 و 816.

(8 و 9). جامع الاصول 4: 587- 588، ح 2668 بألفاظ متفاوتة.

807

لبعض ما تقدّم‏ (1)، و لقوله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (2).

و احتجّ الخصم: بما احتجّ به المانع مطلقا في القسم الأوّل. و الجواب الجواب‏ (3).

[القسم‏] الخامس: تخصيص الخبر الواحد بالمتواتر؛ و جوازه ضروري.

[القسم‏] السادس: تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر. و يدلّ على جوازه- مضافا إلى الإجماع- بعض ما تقدّم‏ (4)، و وقوعه، كتخصيص قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ‏ (5) الآية، بقوله:

«القاتل لا يرث» (6) و لو لم يجز، لم يقع.

[القسم‏] السابع: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد.

و الحقّ جوازه مطلقا وفاقا لأكثر المحقّقين.

و أنكره جماعة مطلقا، منهم المرتضى‏ (7) و الشيخ‏ (8) من أصحابنا.

و فصّل ثالث بالجواز إن كان العامّ قد خصّ من قبل بقاطع متّصلا كان أو منفصلا، و عدمه إن لم يخصّ من قبل مطلقا، أو خصّ بدليل ظنّي‏ (9).

و رابع بالجواز إن كان قد خصّ من قبل بدليل منفصل، قطعيّا كان أو ظنّيّا، و عدمه إن لم يخصّ به، خصّ بغيره أم لا (10).

و توقّف جماعة (11).

لنا: ما تقدّم‏ (12) من أنّهما دليلان تعارضا، و إعمالهما و لو من وجه أولى من طرح الواحد

____________

(1). ص 805.

(2). النحل (16): 89.

(3). تقدّم في ص 806.

(4). ص 804.

(5). النساء (4): 11.

(6). سنن ابن ماجة 2: 305- 306، و سنن الدارقطني: 465، و السنن الكبرى 6: 219- 221.

(7). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 280- 281.

(8). العدّة في أصول الفقه 1: 344.

(9). حكاه الشيخ عن عيسى بن أبان في العدّة في أصول الفقه 1: 344، و الفخر الرازي في المحصول 3: 85.

(10). نسبه الفخر الرازي إلى الكرخي في المحصول 3: 85.

(11). منهم القاضي أبو بكر على ما حكاه عنه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 28، و الفخر الرازي في المحصول 3: 85، و العلّامة في تهذيب الوصول: 149.

(12). تقدّم في ص 805.

808

رأسا، و شيوعه من الصحابة و التابعين من غير نكير (1).

و منه: تخصيص قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ (2) بقوله (عليه السلام): «لا تنكح المرأة على عمّتها و لا على خالتها» (3) و ليس المخصّص في مثله هو الإجماع؛ لأنّهم أجمعوا على التخصيص بخبر الواحد، فالتخصيص بالخبر (4)، و الإجماع دليله‏ (5).

احتجّ المانع بأنّ الكتاب قطعي و الخبر ظنّي، و الظنّي لا يعارض القطعي؛ و بأنّه لو خصّص لنسخ؛ إذ النسخ تخصيص في الأزمان؛ و بقوله (عليه السلام): «إذا روي عنّي حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه، و إن خالفه فردّوه» (6)؛ فإنّه يدلّ على أنّ كلّ خبر مخالف للكتاب مردود، و خبر الواحد الخاصّ مخالف لعموم الكتاب؛ فيكون مردودا (7).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الكتاب و إن كان مقطوع المتن إلّا أنّه مظنون الدلالة، و الخاصّ عكسه، فتساويا و تعارضا، فجمع بينهما.

و عن الثاني: أنّ عدم النسخ للإجماع على أنّ التخصيص أهون من النسخ، و لا يلزم من تأثير الشي‏ء في الضعيف تأثيره في القويّ.

و عن الثالث: النقض بالمتواتر. و الحلّ بأنّ المراد من الخبر المخالف المردود ما لا يحصل الظنّ الغالب بصدقه؛ لعدم الوثوق براويه، و لذا لا يمكن أن يقاوم الكتاب.

احتجّ المفصّلان بأنّ الخاصّ لظنّيته لا يعارض العامّ لقطعيّته إلّا أن يضعف‏ (8)، و ذلك‏ (9) عند كلّ منهما بما ذكرناه‏ (10).

____________

(1). ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 131.

(2). النساء (4): 24.

(3). الكافي 5: 445، باب نوادر في الرضاع، ح 11، و تهذيب الأحكام 7: 292، ح 1229.

(4). متعلّق بالمقدّر خبر للتخصيص و لا يكون متعلّقا به.

(5). ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 131.

(6). تهذيب الأحكام 7: 274، ح 1169، و الاستبصار 3: 157، ح 573.

(7). راجع المحصول 3: 85.

(8). ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 131.

(9). أي ضعف القاطع بما ذكره. و المراد بما ذكره هو تخصيص العامّ القاطع أوّلا بالقاطع أو بالمنفصل.

(10). في «أ»: «ذكره».

809

و الجواب: منع لزوم الضعف بالتخصيص، و قطعيّة العامّ من كلّ وجه كما تقدّم‏ (1).

احتجّ المتوقّف بأنّ لكلّ منهما قوّة من وجه، فتكافئا، فيلزم التوقّف‏ (2).

و الجواب: أنّ الترجيح للخاصّ؛ إذ في اعتباره جمع بين الدليلين، و هو أولى من إبطال أحدهما أو كليهما.

و إذ عرفت ذلك، فلا يخفى عليك كيفيّة التفريع.

[القسم‏] الثامن: تخصيص الخبر المتواتر بخبر الواحد، و هو كسابقه خلافا، و اختيارا، و احتجاجا، و إيرادا و دفعا.

فصل [49] [: في جواز تخصيص المنطوق بالمفهوم‏]

الأكثر على جواز تخصيص المنطوق بالمفهوم، سواء فيه مفهوم الموافقة و مفهوم المخالفة، كتخصيص قوله (عليه السلام): «في الغنم زكاة» (3) بمفهوم قوله: «في الغنم السائمة زكاة» (4). و الحجّة عليه أنّه دليل شرعي عارض مثله، و في اعتباره جمع بين الدليلين و هو أولى من إهمال أحدهما أو كليهما بالكلّيّة.

احتجّ الخصم بأنّ المفهوم أضعف من المنطوق، فلا يعارضه‏ (5).

و الجواب: منع كون دلالة المفهوم أضعف من دلالة العامّ بالنسبة إلى خصوصيّة الخاصّ، بل أكثر صور المفهوم- التي هي حجّة (6)- لا يقصر في القوّة عن دلالة العامّ على خصوصيّات الأفراد؛ لشيوع تخصيص العمومات. و لو سلّم فنقول: إنّ ضعفه بالنسبة إليه لم يبلغ حدّا ينمحي معه، فلا يعارضه فطرح و ترك الجمع الأولى.

و يتفرّع عليه وجوب تخصيص قوله (عليه السلام): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‏ء إلّا ما

____________

(1). في ص 805.

(2). ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 131.

(3). جامع الاصول 4: 593، ح 2671.

(4). تهذيب الأحكام 4: 2، ح 2، و الاستبصار 2: 2، ح 2.

(5). حكاه ابن الحاجب بعنوان «إن قيل» في منتهى الوصول: 132.

(6). كذا في النسختين. و حقّ العبارة أن تكون هكذا: «التي هو حجّة فيها».

810

غيّر طعمه أو لونه أو ريحه» (1) بمفهوم «إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا» (2).

فصل [50] [: في أنّ مذهب الراوي لعامّ على خلاف العموم ليس مخصّصا له‏]

الحقّ أنّ مذهب الراوي لعامّ على‏ (3) خلاف العموم ليس مخصّصا له، سواء كان الراوي صحابيّا أو غيره؛ لأنّ العموم دليل، و مذهبه ليس بدليل.

و احتجاج الخصم بأنّ مخالفته تستدعي دليلا و إلّا انقدحت روايته‏ (4)، مندفع بأنّه ربما ظنّه دليلا و لم يكن.

و مثاله: رواية أبي هريرة و عمله في الولوغ، فإنّه روى: «غسل الإناء منه سبعا» (5)، و عمله أنّه يجب الغسل ثلاثا من ولوغ الكلب‏ (6). و رواية ابن عبّاس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «من بدّل دينه فاقتلوه» (7) مع أنّ مذهبه أنّ المرتدّة لا تقتل، بل تحبس‏ (8)، و هو قول الأصحاب‏ (9)؛ لأخبار وردت عن الأئمّة (عليهم السلام)(10) فهي المخصّصة عندنا.

فصل [51] [: في جواز تخصيص العموم بمنصوص العلّة]

قد اختلف العامّة في جواز التخصيص بالقياس على أقوال متكثّرة لا فائدة في إيرادها، و ما يقتضيه النظر أنّ ما ثبت حجّيّته يجوز أن يكون مخصّصا؛ لما تقدّم‏ (11) من أنّ إعمال الدليلين و لو من وجه أولى من طرح واحد أو كليهما، دون غيره‏ (12)، و وجهه ظاهر، فعندنا لا يمكن أن‏

____________

(1). وسائل الشيعة 1: 135، أبواب الماء المطلق، الباب 1، ح 9.

(2). سنن الترمذي 1: 97، ح 67، و سنن الدارمي 1: 186- 187، و سنن أبي داود 1: 17، ح 63 و 65.

(3). «على» متعلّق بقوله: «مذهب» و «لعامّ» متعلّق بقوله: «الراوي».

(4). حكاه ابن الحاجب عن الحنفيّة و الحنابلة في منتهى الوصول: 133.

(5). حكاه الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 363.

(6). حكاه عنه الشيخ في المصدر.

(7). سنن ابن ماجة 2: 848، ح 2535، و صحيح البخاري 3: 1098، ح 2854.

(8). راجع الامّ 5: 167.

(9). راجع: المبسوط 8: 282، و السرائر 2: 707.

(10). تهذيب الأحكام 10: 143، ح 565، و وسائل الشيعة 28: 330، أبواب حدّ المرتدّ، الباب 4، ح 1.

(11). تقدّم في ص 803.

(12). أي دون غير ما ثبت حجّيّته.

811

يكون المستنبطة مخصّصة، كأن يخصّ من قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (1) المتناول للمديون و غيره، المديون قياسا على الفقير.

و المنصوص على علّته يجوز أن يكون مخصّصا، كتخصيص: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) بما عدا بيع الزبيب بالعنب بقياسه على [بيع‏] (3) التمر بالرطب، المعلّل منعه بالنقصان عند الجفاف.

فصل [52] [: في عدم جواز تخصيص العموم بإفراد بعض ما تناوله العامّ‏]

إفراد بعض ما تناوله العامّ لا يخصّص؛ لأنّ التخصيص مشروط بالتنافي و لا تنافي هنا، مثاله قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» (4) مع قوله في شاة ميمونة: «دباغها طهورها» (5).

فإن قيل: المفهوم مناف.

قلنا: المفهوم المنافي هنا هو مفهوم اللقب، و هو مردود. نعم، إن كان أحد المفاهيم التي ثبتت حجّيّته فلا ريب في كونه مخصّصا، كما تقدّم‏ (6).

و كيفيّة التفريع: أنّ الإذن لواحد معيّن في البيع أو التزويج أو غيرهما بعد الإذن فيها لجماعة هو منهم لا يكون منعا لغيره من هذه الجماعة. هذا.

و في حكم ما ذكر بعين الدليل إفراد بعض بحكم أخصّ ممّا حكم به على العامّ، سواء افرد بالذكر بعد العامّ أو قبله، فلو أوصى لزيد بخمسة، و للفقراء بثلاثة و كان زيد فقيرا، لم يمنع الوصيّة الاولى من دخوله في الثانية (7). و قس عليه أمثاله في أبواب الوصايا و الأوقاف.

____________

(1). التوبة (9): 103.

(2). البقرة (2): 275.

(3). أضفناه لاستقامة العبارة.

(4). جامع الاصول 7: 106، ح 5080، و سنن النسائي 7: 182- 183، ح 4247.

(5). سنن النسائي 7: 183، ح 4250.

(6). تقدّم في ص 809.

(7). فيعطى زيد في المثال ثمانية.

812

فصل [53] [: في عدم تخصيص العامّ إذا تعقّبه ضمير يعود إلى بعض ما يتناوله‏]

العامّ إذا تعقّبه ضمير يعود إلى بعض ما يتناوله، فالحقّ أنّه لا يخصّصه، وفاقا للشيخ‏ (1) و أكثر المحقّقين.

و قيل: يخصّصه‏ (2).

و قيل بالوقف‏ (3). و إليه ذهب المرتضى‏ (4).

مثاله قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (5) مع قوله: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ فإنّ الضمير في «بردّهنّ» للرجعيات.

فعلى ما اخترناه يعمّ الحكم بالتربّص للرجعيّات و البائنات، و على الثاني يختصّ بالرجعيّات، و على الثالث يتوقّف.

لنا: أنّهما لفظان، و خروج أحدهما عن ظاهره و صيرورته مجازا- إذ تخصيص الضمير مع بقاء المرجع على عمومه يجعله مجازا؛ لأنّ وضعه على المطابقة للمرجع‏ (6)- لا يستلزم‏ (7) خروج الآخر عن الظاهر.

احتجّ القائل بالتخصيص بأنّ تخصيص الضمير مع بقاء العامّ على عمومه يستلزم مخالفة الضمير للمرجع، و أنّه باطل‏ (8).

و الجواب: منع البطلان؛ فإنّ الاستخدام شائع، و باب المجاز واسع؛ على أنّ الإضمار لا يزيد على إعادة المظهر، و هو لا يوجب التخصيص.

____________

(1). العدّة في أصول الفقه 1: 385.

(2). نسبه ابن الحاجب إلى إمام الحرمين و أبي الحسين في منتهى الوصول: 133، و نسبه الأسنوي إلى الشافعي في نهاية السؤل 2: 489.

(3). قاله المحقّق الحلّي في معارج الاصول: 100.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 303- 304.

(5). البقرة (2): 228.

(6). خبر لقوله: «لأنّ».

(7). خبر لقوله: «و خروج».

(8). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 137 و 138.

813

احتجّ المتوقّف بأنّ تخصيص العامّ بما يصحّ عود الضمير إليه يستلزم التجوّز؛ لأنّ العامّ حقيقة في العموم فاستعماله في الخصوص مجاز، و إبقاؤه على العموم يقتضي التجوّز في الكناية؛ لما تقدّم من أنّ وضع الضمير على المطابقة للمرجع‏ (1)، فإذا خالفه، كان من باب الاستخدام و هو مجاز، و إذا تعارض المجازان وجب الوقف‏ (2).

و الجواب: أنّ تخصيص العامّ كما يستلزم التجوّز فيه، يستلزم التجوّز في الضمير أيضا؛ لإيجاب تخصيص العامّ تخصيصه؛ لأنّه حقيقة في المرجع الظاهر فيه و هو العامّ لا فيما يراد به، فإذا رجع إليه لزم التجوّز فيه أيضا، بخلاف التخصيص في الضمير؛ فإنّه لا يقتضي مجازيّة العامّ. و لا ريب أنّ التجوّز مهما كان أقلّ كان أرجح.

و القول بأنّ وضعه لما يراد بالمرجع فإذا اريد بالعامّ الخصوص لم يكن الضمير عامّا ليلزم تخصيصه و التجوّز فيه‏ (3)، خلاف المتبادر، سيّما لو علم تخصيص العامّ بدليل منفصل. هذا.

مع أنّ التجوّز في الضمير أولى؛ لأنّ دلالته أضعف من دلالة المظهر.

و أيضا دلالته تابعة و دلالة العامّ أصليّة متبوعة، و مخالفة الأضعف التابع أولى من مخالفة الأقوى المتبوع.

فإن قيل: لو خصّص العامّ لا يلزم سوى التخصيص، و لو لم يخصّص يلزم الإضمار؛ إذ التقدير في الآية حينئذ: «و بعولة بعضهنّ أحقّ»، و قد تقرّر أنّ التخصيص خير من الإضمار (4).

قلت: لا حاجة في الثاني إلى الإضمار، بل يتجوّز في الضمير بالتخصيص، فيلزم فيه تخصيص واحد، و في الأوّل تخصيصان.

و إذ عرفت ذلك، فاعلم أنّه لا فرق في تعقيب العامّ بالضمير المقيّد أن يكون تقييده بحكم عائد إلى البعض، كما تقدّم‏ (5) مثاله.

____________

(1 و 2). تقدّما في ص 812.

(3). أشار إليه الشيخ حسن في معالم الدين: 138، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 133.

(4). ذكره الشيخ حسن في معالم الدين: 138.

(5). تقدّم في ص 812 و هو وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ....

814

أو بالاستثناء، كقوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (1) إلى قوله: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ‏، فإنّ المراد بالمستثنى- و هو «من يعفو منهنّ»- الكاملات المالكات لامورهنّ، و قد تعقّب العامّ و هو النساء مطلقا.

أو بصفة، مثل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (2) إلى قوله: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً يعني الرغبة في الرجعة، و ذلك إنّما يتأتّى في الرجعيّات دون البائنات، و قد تعقّب العامّ، أي مطلق النساء.

فصل [54] [: في تقديرات العامّ و الخاصّ إن تنافيا]

إذا ورد عامّ و خاصّ، فإن لم يتنافيا فالحكم فيهما ظاهر. و إن تنافيا فالعموم و الخصوص بينهما إمّا أن يكون‏ (3) من وجه، فيجب اعتبار المرجّحات الخارجة منهما، فيختلف الحكم باعتبار الموارد.

أو يكون‏ (4) مطلقا، و حينئذ إمّا أن يكونا من الكتاب، أو الخبر، أو أحدهما من الكتاب و الآخر من الخبر. و الخبر إمّا من النبيّ، أو العترة (عليهم السلام).

و على التقادير إمّا يتحقّق التنافي بين منطوقيهما، أو مفهوميهما، أو منطوق أحدهما و مفهوم الآخر.

و ما كان من الخبر يحتمل أن يكون قطعيّا، أو ظنّيّا في النقل و الدلالة، أو قطعيّا في أحدهما ظنّيّا في الآخر.

و ما كان من الكتاب يحتمل أن يكون قطعيّا أو ظنّيّا في الدلالة؛ لأنّه قطعيّ النقل البتّة.

و إذا لوحظت هذه الأقسام مع التقديرات الاول يتخرّج احتمالات كثيرة. و على كلّ منها إمّا يعلم تاريخهما، أو لا. و على الأوّل إمّا أن يكونا مقترنين، أو أحدهما مقدّما

____________

(1). البقرة (2): 236.

(2). الطلاق (65): 1.

(3 و 4). أي كلّ واحد من العموم و الخصوص. و الأولى: «أن يكونا».

815

و الآخر مؤخّرا. و في صورة تأخّر الخاصّ إمّا أن يكون وروده بعد حضور وقت العمل بالعامّ، أو قبله.

و إذ عرفت ذلك، فاعلم أنّ بعض هذه التقديرات غير متحقّق الوقوع في الخارج، و هو كلّ قطعيّين يتنافى‏ (1) صورة عدم‏ (2) تأخّر الخاصّ عن وقت العمل؛ فإنّهما لا يتصوّران؛ إذ حينئذ يكون الخاصّ بيانا- كما يأتي‏ (3)- فيلزم من فرض قطعيّتهما في هذه الصورة التناقض؛ إذ مقتضى العامّ القطعي هو الحكم على جميع الأفراد في الواقع، و منها الخاصّ، و مقتضى الخاصّ القطعي الذي فرض بيانا خروجه عن الحكم في الواقع، فيخرج هذا البعض. و لبيان حقيقة الحال في البواقي نقول:

إن كانا مقترنين- بأن يكونا في كلام يعدّ واحدا عرفا، سواء كان الخاصّ متّصلا أو منفصلا- يلزم بناء العامّ على الخاصّ، أي كون الخاصّ بيانا له في أيّ تقدير كان من التقديرات المتقدّمة، و وجهه ظاهر. و الظاهر عدم خلاف يعتدّ به فيه.

و لا يتأتّى إمكان القول بالنسخ هنا و إن جوّزناه قبل حضور وقت العمل؛ لأنّ المصلحة في النسخ بعد حضور وقت العمل تحقّق العمل بالمنسوخ في الزمان، و قبله- لو جوّز- مجرّد اعتقاد استمرار التكليف ليثاب عليه ظاهرا، و لا يوجد شي‏ء من المصلحتين في بيان حكم العامّ ثمّ رفعه دفعة من دون فاصلة.

أمّا الاولى، فلفرض الاقتران، و أمّا الثانية، فلفرض كونهما كلاما واحدا عرفا و المخاطب لا يعتقد شيئا إلّا بعد تمام الكلام.

و إن تقدّم العامّ، فإن كان ورود الخاصّ بعد حضور [وقت‏] (4) العمل بالعامّ كان نسخا له في أيّ تقدير كان؛ لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة.

نعم، لو علم المتكلّم أنّ المكلّف لا يعمل بالعامّ عند وقت العمل مطلقا أو في مورد الخاصّ؛ لتعذّره بالنسبة إليه بسبب خارجي، و علم المكلّف أنّ المتكلّم أخّر البيان لعلمه‏

____________

(1). كذا في النسختين. و لعلّ في العبارة سقطا، أو يقرأ الموجود: «متنا في».

(2). في «ب»: «عدمه».

(3). في ص 816.

(4). أضفناه للضرورة.

816

بتعذّر حكم العامّ في مورد الخاصّ، فالظاهر حينئذ كون الخاصّ بيانا، إلّا أنّ الظاهر عدم وجود عامّ و خاصّ بهذه الخصوصيّات. و لو لم يعلم المكلّف ذلك فالراجح كونه بيانا و إن احتمل في الواقع أن يكون التأخير بسبب علم المتكلّم بالتعذير؛ لأنّ الأصل عدم هذا الاحتمال النادر.

و إن كان قبله‏ (1)، فالحقّ أنّه مخصّص و مبيّن له؛ لأولويّة التخصيص على النسخ، و لا يتصوّر مانع إلّا تأخير بيان العامّ و الحقّ جوازه.

و من لم يجوّزه بين قائل بكونه ناسخا و هو من لا يشترط في جواز النسخ حضور وقت العمل.

و بين قائل بعدم كونه ناسخا و مبيّنا، و جاعلهما كالخاصّين المتعارضين في افتقارهما إلى الجمع، أو الترجيح بمرجّح من خارج، و هو من يشترط في جواز النسخ حضور وقت العمل.

و إن تقدّم الخاصّ‏ (2).

فالحقّ أنّه مبيّن أيضا وفاقا للأكثر.

و قال المرتضى و الشيخ و جماعة: إنّه ناسخ‏ (3).

لنا: أنّ عدم بناء العامّ على الخاصّ يوجب إلغاء الخاصّ إن كان وروده قبل حضور [وقت‏] (4) العمل، و نسخه إن كان بعده. و بناءه عليه لا يوجب إلّا التجوّز عند من جعل العامّ المخصّص مجازا فيما عدا المخرج، و خلاف الظاهر عندنا، و هو أهون من كلّ من الإلغاء- و هو ظاهر- و من النسخ؛ لأنّه شاذّ نادر و التخصيص غالب شائع، و إلحاق الشي‏ء بالأعمّ الأغلب ذائع؛ و لأنّ النسخ رفع، و التخصيص دفع، و الدفع أهون من الرفع؛ لأنّ الرفع إبطال استدامة الشي‏ء و بقائه، و البقاء قويّ؛ لاستغنائه عن العلّة، فإبطاله مشكل، و الدفع منع‏

____________

(1). أي قبل حضور وقت العمل بالعامّ.

(2). منهم: المحقّق الحلّي في معارج الاصول: 98، و الشيخ حسن في معالم الدين: 143.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 316- 317، و العدّة في أصول الفقه 1: 393، و غنية النزوع 2: 325، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 141، و تهذيب الوصول: 150.

(4). أضفناه للضرورة.

817

إحداث الشي‏ء، و الحدوث ضعيف؛ لاحتياجه إلى العلّة، فمنعه هيّن.

و فيه: أنّ الرفع الحقيقيّ غير متصوّر بالنسبة إلى الشارع، بأن يكلّف على الاستدامة ثمّ ظهر عليه مصلحة لم يكن يعلمها فرفع الاستدامة؛ إذ ليس لعلمه تجدّد و تغيّر، فالنسخ إظهار انتهاء التكليف و هو ليس رفعا حقيقة، بل رفع بحسب الظاهر عندنا.

و أيضا الحقّ افتقار الباقي إلى المؤثّر و خلافه فاسد، فلا فرق بين البقاء و الحدوث في القوّة و الضعف، فالمناط في كون التخصيص أهون ما ذكر أوّلا (1).

احتجّ الخصم بأنّه إذا (2) قال: «اقتل زيدا [المشرك‏]» ثمّ قال: «لا تقتلوا المشركين ...» (3) كما ذكر في بحث تخصيص الكتاب بالكتاب‏ (4).

و جوابه: ما تقدّم هناك‏ (5).

و بأنّ المخصّص بيان للعامّ، فلا يجوز تقدّمه عليه‏ (6).

و الجواب: أنّ المتقدّم ذاته، و أمّا وصف كونه بيانا، فمتأخّر.

و بقول ابن عبّاس: «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث» (7).

و الجواب: أنّه- على فرض ثبوته و حجّيّته- محمول على الخاصّ المتأخّر؛ جمعا بين الدليلين؛ على أنّ الأخذ بالعامّ على تقدير كونه أحدث أعمّ من العمل في جميع موارده أو بعضها، فيجب حمله على الثاني جمعا.

ثمّ الفرق بين الخاصّ المتأخّر و العامّ المتأخّر في صورة ورودهما بعد حضور [وقت‏] (8) العمل؛ حيث حكم في الأوّل بكونه ناسخا دون الثاني؛ لأنّه لو كان مخصّصا في الأوّل يلزم‏

____________

(1). تقدّم آنفا، و هو كون التخصيص غالبا شائعا.

(2). في العبارة سقط، لأنّه لم يأت جواب «إذا». و لكن في ص 806 هكذا: «لا تقتلوا المشركين» فكأنّه قال:

«لا تقتلوا زيدا و لا عمرا» إلى أن يأتي على جميع الأفراد.

(3). تقدّم في ص 806.

(4). تقدّم في ص 804- 805.

(5). تقدّم في ص 805.

(6). تقدّم في ص 805.

(7). حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 345.

(8). أضفناه لاستقامة العبارة.

818

تأخير البيان و لا يلزم ذلك في الثاني. و أيضا الحكم بالنسخ في الثاني يستلزم إلغاء الخاصّ بالكلّيّة، و الحكم به في الأوّل لا يستلزم إلغاء العامّ بالكلّيّة.

و إن جهل‏ (1) التاريخ، فالحقّ أنّه يكون مخصّصا أيضا؛ لأنّ العلماء لم يزالوا يخصّصون العامّ بالخاصّ مع عدم علمهم بالتاريخ‏ (2)؛ و لأنّه لا يخرج في الواقع عن أحد الأقسام المتقدّمة و قد حكم بالتخصيص في الجميع، إلّا إذا تأخّر الخاصّ و كان وروده بعد حضور وقت العمل بالعامّ، و في صورة الجهل ينفى هذا الاحتمال بالأصل. و لو قطع النظر عنه؛ لأصالة تأخّر الحادث، نقول: لا ريب في وقوع التردّد بين التخصيص و النسخ، و قد بيّنّا رجحان الأوّل على الثاني عند احتمالهما (3)؛ على أنّ في صورة الجهل احتمالات، واحد منها يحتمل النسخ و البواقي لا تحتمل إلّا التخصيص، و يلحق الشي‏ء بالأكثر الغالب، فذلك أيضا يرجّح التخصيص. هذا.

و قيل: أثر هذا الإشكال- على تقدير ثبوته- عند الإماميّة سهل؛ لأنّ جهل التاريخ لا يكون إلّا في الأخبار، و لا يكاد أن يوجد في القرآن؛ لأنّ تاريخ [نزول آيات القرآن‏] (4) مضبوط، و احتمال النسخ لا يتصوّر في أخبار العترة؛ لعدم تصوّره بعد انقطاع الوحي، فينحصر في خبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو قليل‏ (5).

و يشكل ذلك بوجود الخاصّ كثيرا في كلام العترة، و العامّ في الكتاب أو خبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

و لا ريب أنّ الخاصّ وروده حينئذ بعد حضور وقت العمل بالعامّ، فلقائل أن يقول: إنّ ابتداء النسخ لا يتصوّر منهم، لا إبداؤه و إظهاره؛ لأنّهم (عليهم السلام) كانوا حملة جميع الأحكام، و خزنة مسائل الحلال و الحرام، و قد أودعهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جميعها، فيمكن أن يكون انتهاء بعض الأحكام و نسخه بعد زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قد أسرّ (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك إليهم و لم يظهر لجميع الامّة؛ لمصلحة رآها، فإذا حضر هذا الزمان بيّن وصيّه فيه حكم النسخ.

____________

(1). هذا عدل قوله في ص 814: «و على الأوّل» فهو بمنزلة قوله: «و على الثاني».

(2). راجع باب العامّ و الخاصّ.

(3). تقدّم في ص 816.

(4). أضفناه من المصدر.

(5). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 146.

819

و على هذا نقول: إذا ورد العامّ و الخاصّ من المعصومين (عليهم السلام) لا ريب في إمكان العلم بتقدّم أحدهما من جهة تقدّم الراوي أو المرويّ عنه، فإن علم تقدّم الخاصّ، يحكم بالتخصيص مطلقا؛ لما تقدّم‏ (1).

و إن علم تأخّره فإن كان بينهما زمان قصير أمكن أن لا يحتاج أحد في مثله إلى العمل بالعامّ- سيّما إذا كان الحكم ممّا لا يعمّ به البلوى- لجاز في مثله ورود الخاصّ قبل حضور وقت العمل بالعامّ، فيحكم حينئذ بكونه مخصّصا أيضا، مثاله: أن يكونا معا صادرين من معصوم واحد، أو العامّ من الصادق (عليه السلام) مثلا و الخاصّ من الكاظم (عليه السلام).

و إن كان بينهما زمان طويل يبعد أن لا يحتاج فيه أحد إلى العمل بالعامّ كأن يرد العامّ من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو عليّ (عليه السلام)، و الخاصّ من الصادق أو الكاظم (عليهما السلام)، لاستحال عادة في مثله ورود الخاصّ قبل حضور [وقت‏] (2) العمل بالعامّ، سيّما إذا كان الحكم ممّا يعمّ به البلوى، فيحكم حينئذ بكونه ناسخا.

تذنيب [: في تقديرات تكافؤ العامّ و الخاصّ من حيث القوّة]

ما ذكرناه من العمل بالخاصّ عند التعارض إنّما هو من حيث النظر إلى خصوصيّة العموم و الخصوص من غير نظر إلى قوّة كلّ منهما بنفسه و بمرجّحات خارجيّة، و إلّا فيختلف حكم الترجيح بالنظر إلى القوّة و انضمام المرجّحات الخارجة إلى أحد الطرفين، و يكثر الاحتمالات في كلّ من الأقسام.

فلو كان العامّ و الخاصّ متكافئين من حيث القوّة في نفسه، و التأييد بمرجّحات خارجيّة وجودا و عدما، فلا ريب في وجوب العمل بالخاصّ- كما ذكرناه‏ (3)- و أولى منه لو كان الخاصّ أقوى في نفسه بأن يكون قطعيّا و العامّ ظنّيّا. أو من حيث تأييده بمرجّحات خارجيّة، بأن يكون مخالفا لمذهب العامّة مثلا، أو موافقا للقرآن.

____________

(1). تقدّم في ص 816 و هو كون التخصيص غالبا شائعا.

(2). أضفناه لاستقامة العبارة.

(3). في ص 815.

820

و لو كان العامّ أقوى في نفسه بأن يكون قطعيّا من كلّ وجه- و إن كان بعيد التصوّر؛ نظرا إلى أنّه لا يمكن أن يكون قطعيّ الدلالة على جميع موارده لتناول‏ (1) مورد الخاصّ؛ لشيوع تخصيص العمومات؛ على أنّ القطع بإفادة صيغ العموم له مشكل؛ لكثرة الاختلاف الواقع فيها حتّى ذهب بعضهم إلى أنّه لم يوضع للعموم صيغة أصلا (2)- و يكون الخاصّ ظنّيّا، فإن لم يبلغ قوّة العامّ و ضعف الخاصّ حدّا يضمحلّ في جنبه بحيث لا يمكنه التقاوم، فيمكن العمل بالخاصّ أيضا، و مجرّد قطعيّة العامّ و ظنّيّة الخاصّ لا يوجب طرح الخاصّ؛ لأنّ الظنّي المعتبر شرعا يجب العمل به، و يجوز أن يتعارض القطعيّ إذا كان الدالّ على حجّيّته قطعا.

و إن بلغا حدّا اضمحلّ الخاصّ و فقد التقاوم، فاللازم العمل بالعامّ و طرح الخاصّ، و وجهه ظاهر.

و كذا الحكم إذا كان العامّ أقوى من حيث تأييده بمرجّحات خارجة، فما ورد في بعض الأخبار من وجوب الأخذ عند التعارض بموافق القرآن‏ (3)، أو مخالف العامّة (4)، أو غير ذلك لا يخالف ما ذهب إليه القوم من بناء العامّ على الخاصّ‏ (5)؛ نظرا إلى إمكان كون العامّ موافق القرآن أو مخالف العامّة؛ لأنّهم قالوا به عند فقد مرجّحات أخر.

و يمكن أن يدفع التخالف بحمل التعارض في الروايات على ما لا يمكن الجمع بينهما بوجه و يجب طرح أحدهما، فيطرح المخالف للقرآن أو الموافق للعامّة، و فيما نحن فيه يمكن الجمع بحمل العامّ على الخاصّ إلّا أنّ ذلك لو لم يترجّح العامّ بحيث يفقد التقاوم بينه و بين الخاصّ.

و إذ عرفت ذلك، فاعلم أنّ الفروع له أكثر من أن تحصى، كتخصيص قوله (عليه السلام): «في الرقّة (6)

____________

(1). أي لتتناول بحذف إحدى التاءين.

(2). ذكره الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 396، و نسبه ابن الحاجب إلى قوم في منتهى الوصول: 102.

(3 و 4). وسائل الشيعة 27: 118، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ح 29.

(5). تقدّم في ص 815.

(6). «الرّقّة»: كلّ أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء أيّام المدّ، ثمّ ينحسر عنها و ينضب، فتكون مكرمة للنبات.

الصحاح 3: 1483، و المعجم الوسيط: 366، «ر ق ق».

821

ربع العشر» (1) بقوله: «ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة» (2). و تخصيص قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ... (3) الآية، بأشياء كثيرة دلّت على تحريمها السنّة، كالجرّي، و المارماهي، و الخمر (4)، و غيره من الأنبذة و ما أشبهها، و تخصيص ما دلّ عليه الكتاب- من إباحة نكاح الأربع‏ (5)، و كون العدّة للمتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر و عشرا (6)، و قسمة جميع تركة الميّت بين جميع الورثة (7)، و تسويغ النكاح من سوى المعدودات بالحرّ، و الحرّة، و غير ما يحبى به الولد الأكبر و غير القاتل و الكافر و الرقّ، و ما عدا المنكوحة في العدّة، و المطلّقة تسعا للعدّة.

____________

(1). مسند أحمد 1: 22، ح 73.

(2). صحيح البخاري 2: 524، ح 1378.

(3). الأنعام (6): 145.

(4). وسائل الشيعة 24: 130- 137، الباب 9 من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح 1- 23.

(5). النساء (4): 3.

(6). البقرة (2): 234.

(7). النساء (4): 41.

822

الباب الثالث في المطلق و المقيّد

[في تعريف المطلق و المقيّد]

قد عرفت أنّ المطلق ما دلّ على الماهيّة من حيث هي‏ (1) لا بقيد وحدة و لا تعدّد، أو على شائع في جنسه، فالمقيّد خلافه، و هو ما يدلّ لا على الماهيّة، أو لا على شائع في جنسه، فيدخل فيه العمومات و المعارف كلّها.

و قد يطلق المقيّد على معنى آخر هو المراد هاهنا، المناسب لتعريف الخاصّ، و هو ما اخرج عن شائع بوجه من الوجوه، نحو: «رقبة مؤمنة» فإنّ الرقبة كانت شائعة بين المؤمنة و غير المؤمنة، فازيل هذا الشياع بتقييدها بالمؤمنة (2).

فصل [- في اختلاف حكم المطلق و المقيّد و عدم حمل أحدهما على الآخر]

إذا ورد مطلق و مقيّد، فإن اختلف حكمهما (3)، فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه وفاقا؛ لعدم المنافاة سواء كان الخطابان المتضمّنان لهما أمرين، مثل: «أكرم رجلا» [و] (4) «أطعم رجلا عالما» أو نهيين، مثل: «لا تضرب الرجل» [و] (5) «لا تشتم الرجل الصالح»- حيث لا يقصد الاستغراق، و إلّا كان من تخصيص‏

____________

(1). تقدّم في ص 701.

(2). فمصداق «المقيّد» في المثال هو نفس الرقبة، كما أنّ الرقبة في «أعتق رقبة» هي مصداق المطلق.

(3). اختلاف الحكم- مع أنّه في الأمثلة كلّها هو الوجوب أو الحرمة- باختلاف المتعلّق، فوجوب المتعلّق بالإكرام غير الوجوب المتعلّق بالإطعام، فليس المراد من اختلاف الحكمين اختلافهما في النوع كالوجوب و الحرمة و الاستحباب بل المراد من الحكم هو المتعلّق كما يصرّح به في ص 823 بقوله: «مع كون الإعتاق و الملك حكمين مختلفين».

(4 و 5). أضفناه للضرورة.

823

العامّ لا تقييد المطلق- أو مختلفين، نحو: «لا تضرب الهاشمي» و «أكرم الهاشمي العارف».

و سواء اتّحد سببهما، كأن يقول: «إن أدّبت رجلا فاضربه» و «إن أدّبت رجلا مؤمنا، فلا تشتمه». و منه: قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ‏ (1) مع قوله في آية الوضوء:

وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ (2)، فإنّ السبب- و هو التطهير- فيهما واحد، و الحكم مختلف فيهما بالمسح و الغسل، أو اختلف كأن يبدّل الثاني بقوله: «إن لاقيت رجلا مؤمنا فلا تشتمه» و منه: قوله تعالى: فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (3)، مع قوله‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (4)، فلا يقتضي تقييد المساكين بالعدالة.

إلّا (5) في مثل أن يقول: «إن ظاهرت فأعتق رقبة» و «لا يملك رقبة كافرة» فإنّه يقيّد المطلق بنفي الكفر مع كون الإعتاق و الملك حكمين مختلفين؛ لتوقّف الإعتاق على الملك، و هو ظاهر.

و إن اتّحد حكمهما، فإمّا أن يتّحد سببهما، أو يختلف، و على التقديرين إمّا أن يكونا مثبتين، أو منفيّين، أو مختلفين، فهذه ستّة أقسام:

[أقسام المطلق و المقيّد]

[القسم‏] الأوّل: أن يتّحد سببهما و يكونا مثبتين، مثل «إن ظاهرت فأعتق رقبة» [و] (6) «إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة»، و قوله تعالى: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ‏ (7)، مع قوله: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ (8)، و قوله: وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ‏ (9)، مع قوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ (10)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الحمّى من فيح جهنّم، فابردوها

____________

(1). النساء (4): 43.

(2). المائدة (5): 6.

(3). المجادلة (58): 4.

(4). الطلاق (65): 2.

(5). هذا استثناء من صورة اختلاف الحكم لا اختلاف السبب و هو قوله: «فإن اختلف حكمهما فلا يحمل أحدهما على الآخر».

(6). أضفناه للضرورة.

(7). المائدة (5): 5.

(8). البقرة (2): 217.

(9 و 10). البقرة (2): 282.

824

بالماء» (1) مع قوله في خبر آخر: «فابردوها من ماء زمزم» (2)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «خمس فواسق يقتلن في الحلّ و الحرم» (3) و منها: الغراب، و تقييد الغراب في خبر آخر بالأبقع‏ (4). و يجب فيه حمل المطلق على المقيّد إجماعا تقارنا أو تقدّم أحدهما؛ لأنّ فيه إعمال الدليلين؛ لأنّ العمل بالمقيّد يلزم منه العمل بالمطلق بخلاف العكس؛ لحصوله في ضمن غير ذلك المقيّد.

و لا ريب أنّ الجمع أولى من طرح واحد رأسا؛ و لأنّه يقتضي تيقّن البراءة و الخروج عن العهدة بخلاف العكس؛ لإمكان أن يكون مكلّفا بالمقيّد و عمل بالمطلق في ضمن غير المقيّد، فلا يبرأ.

و اورد عليهما بأنّ طرح أحد الدليلين، و عدم الخروج عن عهدة التكليف في صورة العمل بالمطلق فرع انتفاء احتمال التجوّز في لفظ المقيّد (5)، و اليقين باشتغال الذمّة بالتكليف، و هنا يحتمل أن يراد من المقيّد التأكيد، أو الاستحباب- بمعنى كونه أفضل الأفراد- أو الوجوب التخييري، أو غير ذلك ممّا يناسب كلّ موضع، فلا يلزم حينئذ من العمل بالمطلق طرح أحد الدليلين، و لا عدم الخروج عن عهدة التكليف؛ لأنّ التكليف اليقيني يحتاج إلى تحصيل اليقين بالخروج عن العهدة (6).

نعم، إذا انتفى هذه الاحتمالات تعيّن العمل بالمقيّد؛ لما ذكر.

و الجواب عنه: أنّه يلزم منه التجوّز و هو خلاف الأصل.

فإن قيل: إرادة المقيّد من المطلق تجوّز أيضا، فيحصل التعارض المقتضي للتساقط أو التوقّف، و يبقى المطلق سالما عن المعارض.

____________

(1). سنن ابن ماجة 2: 1149، ح 3471، و صحيح البخاري 3: 1191، ح 3091.

(2). صحيح البخاري 3: 1190، ح 3088.

(3). عوالي اللآلئ 1: 36، ح 22.

(4). الفقيه 2: 363، ح 2720.

(5). في العبارة مسامحة واضحة، فإنّ التجوّز ليس في رقبة مؤمنة بل في هيئة «أعتق» بحمله على الاستحباب مثلا، إلّا أن يراد من المقيّد الدليل المقيّد الشامل لأعتق.

(6). راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 2: 382، باب المطلق و المقيّد.

825

قلنا: لا نسلّم أنّ إرادة المقيّد من المطلق تجوّز؛ لأنّ شمول الماهيّة أو الحصّة منها لكلّ من أفرادها على سبيل الحقيقة و إن اريد هذا الفرد خاصّة منها؛ لما تقدّم في العامّ المخصوص‏ (1).

و لو سلّم فنقول: لا ريب في أنّ المجاز اللازم من إرادة المقيّد من المطلق راجح بالنسبة إلى المجاز اللازم من إرادة التأكيد، أو الاستحباب، أو الوجوب التخييري من المقيّد؛ لبعد هذه الاحتمالات و ندورها، و هو ظاهر. هذا.

و الحقّ، أنّ المقيّد المعمول به بيان للمطلق لا نسخ له، سواء تقدّم عليه أو تأخّر عنه.

و قيل: نسخ له إن تأخّر عن المطلق‏ (2).

لنا: أنّ الإطلاق نوع من العموم؛ لأنّ المراد من «الرقبة» مثلا أيّ فرد كان من أفراد الرقبة، فيصير عامّا إلّا أنّه على البدل، فالتقييد نوع من التخصيص، فيكون المقيّد المتأخّر عن المطلق- بعين الدليل الدالّ على أنّ الخاصّ المتأخّر مبيّن لا ناسخ- مبيّنا لا ناسخا.

احتجّ الخصم بأنّ المقيّد لو كان بيانا للمطلق، لكان المراد من المطلق هو المقيّد، فيكون مجازا فيه، و هو فرع دلالته عليه و هي منتفية؛ إذ لا دلالة للمطلق على مقيّد خاصّ‏ (3).

و هو مندفع بما ذكرنا من أنّ التقييد نوع من التخصيص‏ (4)؛ على أنّ ذلك لازم على الخصم إذا تقدّم المقيّد، و في‏ (5) تقييده ببعض الصفات اللازمة كتقييد الرقبة بالسليمة مثلا.

[القسم‏] الثاني: أن يتّحد سببهما و يكونا منفيّين، مثل أن يقول في كفّارة الظهار:

«لا يعتق المكاتب» [و] (6) «لا يعتق المكاتب الكافر»- حيث لا يقصد الاستغراق- و لا خلاف في وجوب العمل بكلّ منهما و عدم جواز حمل المطلق على المقيّد؛ لعدم‏

____________

(1). تقدّم في ص 815.

(2). قاله السرخسي في اصوله 1: 159.

(3). استدلّ به الشيخ حسن في معالم الدين: 155.

(4). تقدّم آنفا.

(5). كذا في النسختين. و الظاهر أنّه عطف على «إذا».

(6). أضفناه للضرورة.

826

المنافاة بينهما، فلا يجزي إعتاق المكاتب أصلا؛ لأنّ نفي الماهيّة إنّما يتحقّق بنفي كلّ فرد منها.

[القسم‏] الثالث: أن يتّحد سببهما و يكونا مختلفين، كأن يقول في كفّارة الظهار:

«أعتق المكاتب» و «لا يعتق المكاتب الكافر»، و يجب فيه حمل المطلق على المقيّد؛ لما ذكرنا (1) من أولويّة الجمع على طرح واحد رأسا.

[القسم‏] الرابع: أن يختلف سببهما و يكونا مثبتين، كأن يقول: «إن ظاهرت أعتق رقبة» و «إن قتلت أعتق رقبة مؤمنة».

[القسم‏] الخامس: أن يختلف سببهما و كانا منفيّين، كأن يقول: «إن ظاهرت لا تعتق المكاتب» و «إن قتلت لا تعتق المكاتب الكافر».

[القسم‏] السادس: أن يختلف سببهما و كانا مختلفين، كأن يقول: «إن ظاهرت أعتق رقبة» و «إن قتلت لا تعتق رقبة كافرة».

و في هذه الأقسام الثلاثة لا يحمل المطلق على المقيّد، بل يعمل بهما؛ لعدم المقتضي للحمل، و عدم المنافاة للعمل بهما.

و ذهب جماعة من العامّة إلى تقييد المطلق فيها إن اقتضى القياس تقييده‏ (2).

و بطلانه ظاهر عندنا.

و كيفيّة التفريع أنّه ورد في بعض الأخبار في كيفيّة الاستنجاء بالأحجار بأنّه بثلاث مسحات مطلقة (3)، و في بعضها: بأنّه بثلاث أحجار و مثلها (4)، فعلى ما ذكرنا يجب حمل المطلق- و هو المسحات- على المقيّد- و هو الأحجار- فيحكم بتعدّد الأحجار، و لا يكفي ذو الجهات الثلاث.

و أيضا ورد في بعض الأخبار النهي عن إجارة الأرض للزراعة بالحنطة و الشعير مطلقا (5)،

____________

(1). تقدّم في ص 824.

(2). راجع: المحصول 3: 145، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 135 و 136.

(3). عوالي اللآلئ 2: 185، ح 59.

(4). راجع وسائل الشيعة 1: 315 و 348، أبواب الخلوة، الباب 9 و 30.

(5). المصدر 19: 138، كتاب الإجارة، الباب 26.

827

و ورد في بعضها النهي عنها مقيّدا بما يخرج منها (1)، و حمل الأكثر المطلق منها على المقيّد.

و هو غير جيّد؛ لأنّهما ناهيتان، فلا افتقار إلى الجمع؛ لعدم المنافاة، كما عرفت‏ (2).

و مثله قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلا بمثل» (3) مع قوله في خبر آخر: «إلّا يدا بيد» (4). و ليس تقييد قوله (عليه السلام): «في كلّ أربعين شاة شاة» (5) بقوله: «في الغنم السائمة زكاة» (6) من حمل المطلق على المقيّد، بل من تخصيص العامّ بالمفهوم.

تذنيب [: في بقاء الحكم المطلق المقيّد بقيدين متضادّين على إطلاقه‏]

إذا ورد حكم مطلقا و مقيّدا بقيدين متضادّين تساقطا و بقي المطلق على إطلاقه، و إلّا لزم التناقض أو التحكّم.

نعم، إن ثبت الدلالة على اعتبار أحد المقيّدين دون الآخر، أو رجحانه، تعيّن العمل به.

مثاله: قد ورد الأمر ببعض الصيام مطلقا، كالأمر بقضاء رمضان في قوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (7)، و ببعضها مقيّدا بالتفريق، كالأمر بقضاء صوم المتمتّع في قوله تعالى:

فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ‏ (8)، و ببعضها مقيّدا بالتتابع، كالأمر بصوم كفّارة الظهار في قوله: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ‏ (9)، فعلى ما ذكر يتساقط القيدان و يبقى المطلق سليما، فكلّ صوم لم يثبت فيه التفريق أو التتابع بدلالة من خارج لا يحكم باشتراط أحدهما فيه.

و أيضا ورد: «أنّه إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا: إحداهنّ بالتراب» (10)،

____________

(1). المصدر: 56، أبواب المزارعة و المساقاة، الباب 16، ح 11.

(2). في ص 825.

(3). عوالي اللآلئ 1: 391، ح 32.

(4). الكافي 5: 251، باب الصروف، ح 31، و تهذيب الأحكام 7: 99، ح 426، و الاستبصار 3: 93، ح 318.

(5). سنن ابن ماجة 1: 577، ح 1805، و سنن الترمذي 3: 17، ح 621.

(6). تقدّم في ص 809.

(7). البقرة (2): 184.

(8). البقرة (2): 196.

(9). النساء (4): 92.

(10). سنن ابن ماجة 1: 130، ح 363، و صحيح مسلم 1: 234، ح 92/ 279.

828

و روي: «اخراهنّ بالتراب» (1)، و روي «أولاهنّ بالتراب» (2). فعلى القاعدة ينبغي إسقاط قيدي الأوّلية و الآخريّة، و جعل المرّة الترابيّة إحدى السبع في أيّ مرتبة كانت، لكنّ رواية «اولاهنّ» عندنا أشهر، فترجّحت بهذا الاعتبار.

تنبيه [: ما ذكر في تخصيص العامّ يجري في تقييد المطلق‏]

اعلم أنّ جميع ما ذكر في تخصيص العامّ- من المتّفق عليه، و المختلف فيه، و المختار، و المزيّف- يجري في تقييد المطلق، فتذكّر.

____________

(1). سنن الدارقطني 1: 65.

(2). صحيح مسلم 1: 234، ح 91/ 279.

829

الباب الرابع في المجمل و المبيّن‏

[معنى المجمل لغة و اصطلاحا]

المجمل لغة: المجموع‏ (1)، و جملة الشي‏ء مجموعه، و منه: أجملت الحساب، أي جمعته. و اصطلاحا: ما دلّ على أحد محتملاته دلالة مساوية، أو ما لا يستقلّ بنفسه في معرفة المراد به، أو ما لم يتّضح دلالته. و قد حدّ بحدود أخر كلّها مزيّفة، لم نر جدوى في إيرادها.

فصل [1] [: في أنّ المجمل إمّا فعل أو لفظ مفرد أو مركّب‏]

المجمل إمّا فعل، أو لفظ مفرد، أو مركّب.

و الفعل المجمل ما لا يقترن به ما ينبئ عن وجه وقوعه.

و المفرد المجمل ما يكون متردّدا بين معانيه بالأصالة أو بالإعلال؛ و الثاني ك «المختار» المتردّد بين الفاعل و المفعول؛ إذ لو لا الإعلال، انتفى الإجمال؛ و الأوّل إمّا أن يكون متردّدا بين حقائقه و هو المشترك ك «العين» أو أفراد حقيقة واحدة، مثل: أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (2) و وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ‏ (3) أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة و تساوت المجازات، فإن ترجّح واحد لكونه أقرب إلى الحقيقة، أو أعظم مقصودا، كتحريم الأكل من‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (4)، حمل عليه.

____________

(1). لسان العرب 11: 127، «ج م ل»، و القاموس المحيط 3: 362.

(2). البقرة (2): 67.

(3). الأنعام (6): 141.

(4). المائدة (5): 3.

830

و المركّب المجمل إمّا أن يكون مجملا بجملته إمّا لهيئته، مثل: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ (1)؛ لتردّده بين الزوج و الوليّ، أو لتخصيصه بمخصّص مجهول، مثل: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ (2)، و وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ‏ (3)؛ فإنّ تقييد الحلّ بالإحصان مع الجهل به أوجب الإجمال فيما احلّ، أو يكون مجملا باعتبار مرجع الضمير حيث يتقدّمه أمران يصلح لكلّ واحد منهما، نحو: «ضرب زيد عمرا فضربته» أو مرجع الصفة، مثل: «زيد طبيب ماهر» لتردّده بين المهارة مطلقا، أو المهارة في الطبّ‏ (4).

فصل [2] [: في أنّ التحريم و التحليل المضافان إلى الأعيان لا إجمال فيهما]

التحريم و التحليل المضافان إلى الأعيان- نحو: «حرّم عليكم لحم الخنزير أو الخمر، أو الخنزير، أو امّهاتكم» و «احلّ لكم بهيمة الأنعام أو القطن و الكتّان، أو ما ينزل من السماء من الماء، أو غير المحارم من النساء»- ينصرفان إلى المنفعة المطلوبة من تلك العين عرفا، فلا إجمال فيهما خلافا للبصري‏ (5).

لنا: أنّ تصفّح كلام العرب يعطي أنّ مرادهم ممّا أطلقوه منهما تحريم الفعل المقصود من تلك العين، أو تحليله، كالأكل من المأكول، و الشرب من المشروب، و اللبس من الملبوس، و الوطء من الموطوء. و الذهن أيضا يسبق إلى ذلك حين الإطلاق و هو دليل الحقيقة، فلا إجمال.

احتجّ المخالف بأنّ تحريم العين أو تحليله‏ (6) غير متصوّر، فلا بدّ من إضمار فعل يصحّ متعلّقا لهما، و الأفعال كثيرة و لا يمكن إضمار جميعها؛ لأنّ ما يقدّر للضرورة إنّما يقدّر

____________

(1). البقرة (2): 237.

(2). الحجّ (22): 30.

(3). النساء (4): 24.

(4). وجه التردّد هو أنّ «ماهرا» هل هو صفة للخبر و هو طبيب أو خبر بعد خبر. و بعبارة اخرى هل الخبر في هذا الكلام مقيّد أو مركّب، فعلى المقيّد يصير المهارة مختصّة بالطبّ، و على التركيب تصير أوسع منه.

(5). حكاه البصري عن أبي عبد اللّه البصري في المعتمد 1: 307، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 15.

(6). الظاهر أنّ العين بمعنى الذات ممّا يذكّر و يؤنّث.

831

بقدرها، فتعيّن إضمار البعض و هو مبهم؛ لعدم دليل على التعيين، فلا يتّضح دلالته على البعض المراد، و هو المراد من الإجمال‏ (1).

و الجواب: أنّ هذا البعض المراد قد اتّضح و تعيّن بالأولويّة البادئة بقضيّة العرف و التبادر.

و كيفيّة التفريع ظاهرة.

فصل [3] [: في أنّ «اليد» في نحو آية السرقة حقيقة في الكلّ‏]

ذهب المرتضى (رحمه اللّه) من أصحابنا (2)، و بعض العامّة إلى أنّ آية السرقة (3) مجملة؛ لأنّ اليد تحتمل جملة العضو إلى المنكب، و بعضه، و القطع يحتمل الإبانة و الجرح، يقال لمن جرح يده بالسكّين: قطع يده، فجاء الإجمال‏ (4).

و الحقّ أنّ اليد حقيقة في الكلّ؛ لظهورها فيه، و سبق الذهن منها إليه، و تطلق على البعض مجازا. و القطع حقيقة في إبانة الشي‏ء عمّا كان متّصلا به؛ لما ذكر، و الجرح إبانة، و لو منع ذلك، كان إطلاقه عليه مجازا، فلا إجمال.

فصل [4] [: في أنّه لا إجمال في ما ينفى فيه الفعل ظاهرا]

ما ينفى فيه الفعل ظاهرا- و المراد نفي صفته لا حقيقته، مثل: «لا صلاة إلّا بطهور» (5) و «لا صيام لمن لا يبيّت الصيام من الليل» (6) و «لا نكاح إلّا بوليّ» (7)- لا إجمال فيه مطلقا، وفاقا للأكثر.

و قيل بإجماله مطلقا (8).

____________

(1). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 160 و 161.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 332- 334.

(3). المائدة (5): 38: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ ....

(4). نسبه السيّد المرتضى إلى عيسى بن أبان في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 332.

(5). تهذيب الأحكام 1: 49- 50، ح 144، و: 209، ح 605، و الاستبصار 1: 55، ح 160.

(6). سنن الدارقطني 2: 172، ح 2، و عوالي اللآلئ 3: 132، ح 5، مع تفاوت.

(7). سنن ابن ماجة 1: 605، ح 1880، و دعائم الإسلام 2: 218، ح 807.

(8). نسبه الفخر الرازي إلى أبي عبد اللّه البصري في المحصول 3: 166، و العلّامة في تهذيب الوصول: 161.

832

و قيل بالإجمال إن كان الفعل المنفيّ لغويّا له أكثر من حكم واحد (1)، و عدمه إن كان شرعيّا، كما في الأمثلة المذكورة، أو لغويّا ذا حكم واحد.

لنا: أنّ النفي قد ورد على ذوات هذه الأفعال، فإن ثبت كونها حقائق شرعيّة في الصحيحة منها- حتّى كان المعنى: «لا صلاة صحيحة» و «لا صيام صحيحا»- كان نفي المسمّى حينئذ ممكنا باعتبار فوات الجزء أو الشرط، فيحمل عليه؛ لأنّه إذا أمكن الحمل على الحقيقة لا يحمل على غيرها، و حينئذ لا إجمال.

و إن لم يثبت ذلك، فإن ثبت حقيقة عرفيّة في الفعل المنفيّ- و هو أنّ مثله يقصد منه نفي الفائدة و الجدوى، نحو: «لا علم إلّا ما نفع» و «لا كلام إلّا ما أفاد»- كان متعيّن الحمل عليه و لا إجمال أيضا.

و إن لم يثبت ذلك، يجب حمله على المجاز، و المجازات كثيرة، مثل نفي الصحّة، و نفي الكمال و غيرهما، إلّا أنّ الحمل على نفي الصحّة أولى؛ لأنّه أقرب إلى نفي الذات- التي هي الحقيقة (2)- من البواقي، و قد تقدّم‏ (3) أنّه إذا انتفت الحقيقة و تعدّدت المجازات و ترجّح واحد- لكونه أقرب إلى الحقيقة- تعيّن الحمل عليه.

احتجّ القائل بإجماله مطلقا بأنّ مثله يمكن أن يراد منه نفي الصحّة و نفي الكمال و نفي الفائدة على السواء، من دون ترجيح لأحدها، فلزم الإجمال.

و الجواب: منع التساوي؛ لأنّ نفي الصحّة راجح؛ لما ذكر.

و احتجّ المفصّل بأنّ الفعل إن كان شرعيّا يمكن انتفاؤه بانتفاء شرطه أو جزئه، فيجري النفي فيه على ظاهره، و لا يكون هناك إجمال، و إن كان لغويّا ذا حكم واحد، انصرف النفي إليه و انتفى الإجمال.

و أمّا إذا كان لغويّا له حكمان أو أكثر، كالإجزاء، و الفضيلة و غيرهما، فليس أحدهما أرجح من الآخر، فيحصل الإجمال.

و جوابه: قد ظهر ممّا تقدّم.

____________

(1). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 138.

(2). حقّ العبارة أن تكون هكذا: «الذي هو الحقيقة»، لأنّ مفاد «لا» لنفي الجنس حقيقة هو نفي الذات لا الذات نفسه.

(3). تقدّم في ص 829.

833

فصل [5] [: في أنّه لا إجمال في آية وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏]

ذهب الحنفيّة إلى أنّ نحو وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ (1) مجمل‏ (2)؛ لأنّه يحتمل مسح الكلّ و البعض، و هو معنى الإجمال، و مسح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ناصيته بيان له‏ (3).

و الأكثر على أنّه لا إجمال فيه، و هم بين قائلين بأنّ «الباء» للتبعيض؛ لأنّه إذا دخل على اللازم كان للتعدية، و إذا دخل على المتعدّي كان للتبعيض، و إلّا لم يكن لدخوله فائدة، و هنا دخل على المتعدّي. و هم أكثر الإماميّة. و قد ورد به النصّ عن الصادق (عليه السلام)(4)، و إذا أفاد التبعيض انتفى الإجمال.

و ذاهبين إلى أنّ «الباء» للإلصاق، كما يقول: «امسح يدك بالمنديل»، فإنّه يفيد إلصاق يده بالمنديل. و هم بين قائل بأنّه يقتضي حينئذ مسح الكلّ؛ لأنّه أفاد مسح الرأس، و الرأس حقيقة في المجموع. و هو مالك و من تبعه‏ (5).

و قائل بأنّه يقتضي مسح البعض؛ لأنّ العرف يفهم من مثله البعض، كما في مثال المسح بالمنديل، فإنّه يتبادر البعض إلى الفهم عند إطلاقه‏ (6).

و ربما اجيب عنه بأنّ «الباء» فيه للاستعانة، و المنديل آلة، و العرف في الآلة يقتضي التبعيض بخلاف غيره‏ (7).

و قائل بأنّه حقيقة فيما ينطلق عليه اسم المسح- أي في القدر المشترك بين الكلّ و البعض- دفعا للاشتراك و المجاز (8).

و أنت خبير بأنّ حمله على التبعيض هنا، و الحكم بمسح البعض متعيّن عندنا، سواء

____________

(1). المائدة (5): 6.

(2). حكاه عنهم الفخر الرازي في المحصول 3: 164، و العلّامة في تهذيب الوصول: 161.

(3). الفقيه 1: 56، ح 212، و الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام).

(4). راجع: تهذيب الأحكام 1: 61، ح 168، و الاستبصار 1: 62، ح 186.

(5). حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 17.

(6). نسبه ابن الحاجب إلى الشافعيّة و عبد الجبّار و أبي الحسين في منتهى الوصول: 137.

(7). أجاب به ابن الحاجب في المصدر.

(8). حكاه ابن الحاجب في المصدر.

834

ثبت مجي‏ء الباء للتبعيض في اللغة أم لا؛ لنصّ الصادق (عليه السلام) و حكمه بأنّه للتبعيض هنا (1).

و أمّا عند غيرنا، فإن ثبت مجيئه له في اللغة، فالحكم كذلك، و إلّا فالظاهر حمله على القدر المشترك، و وجهه ظاهر. و على التقادير لا إجمال.

فصل [6] [: في أنّه لا إجمال في ما إذا رفع صفة و المراد نفي لازم من لوازمه‏]

إذا رفع صفة و المراد نفي لازم من لوازمه، نحو «رفع عن امّتي الخطأ و النسيان» (2).

فالحقّ أنّه لا إجمال فيه؛ لأنّ المتبادر من مثله رفع المؤاخذة و العقاب. و لذا لو قال المولى لعبده: «رفعت عنك الخطأ» كان المفهوم منه عرفا أنّي لا أؤاخذك به، و لا اعاقبك عليه.

لا يقال: يلزم منه سقوط الضمان إذا أتلف مال الغير خطأ؛ لأنّ‏ (3) إلزامه بالضمان من المؤاخذات و العقوبات و قد رفعت.

و الجواب: أنّه مخصّص بدليل من خارج.

و يمكن أن يقال: إنّ المؤاخذة ما يقصد به الزجر و الإيذاء، و هما لا يقصدان بالضمان، بل يقصد به جبر إتلاف مال الغير.

احتجّ المخالف بأنّ الخطأ نفسه لم يرفع، فلا بدّ من إضمار لمتعلّق الرفع و هو متعدّد، و لا يمكن إضمار الكلّ؛ لأنّ ما يقدّر للضرورة يقدّر بقدرها، فلا بدّ من إضمار البعض و لا دليل على تعيينه، فتأتى الإجمال‏ (4).

و الجواب: أنّه معيّن من التبادر العرفي.

فصل [7] [: في إجمال كلّ لفظ يطلق مرّة على معنى واحد و اخرى على معنيين‏]

كلّ لفظ يطلق على معنى واحد تارة و على معنيين اخرى، كالدابّة تطلق على الفرس تارة و اخرى عليه و على الحمار معا.

____________

(1). تقدّم في ص 833.

(2). التوحيد للصدوق: 353، ح 24، و الخصال 2: 417، ح 9، و وسائل الشيعة 15: 369، أبواب جهاد النفس، الباب 56، ح 1.

(3). تعليل للمنفيّ أو «يلزم» دون النفي.

(4). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 138.

835

فالحقّ أنّه مجمل إن لم يكن ظاهرا في أحدهما خلافا للأكثر؛ حيث قالوا: يجب حمله على المعنيين.

لنا: أنّه متردّد بينهما من غير ترجيح، و لا نعني من المجمل إلّا ذاك.

احتجّ الأكثر بأنّ وضع الكلام للإفادة، و ما يفيد معنيين أكثر فائدة، فيتعيّن حمله عليه؛ لتكثّر الفائدة.

و جوابه: أنّه إثبات اللغة بالترجيح، مع أنّه معارض بأنّ أكثر الألفاظ موضوعة لمعنى واحد، و المظنون إلحاق الشي‏ء بالأعمّ الأغلب.

فصل [8] [: في عدم إجمال اللفظ إذا كان له محملين لغوي و شرعي‏]

إذا ورد لفظ من الشرع له محمل لغوي، و محمل في حكم شرعي، فالحقّ أنّه ليس مجملا، بل ظاهر في المجمل الشرعي؛ لأنّ دأب الشارع تعريف الأحكام الشرعيّة دون الموضوعات اللغويّة.

مثاله قوله: «الطواف بالبيت صلاة» (1) فإنّه يحتمل أن يكون المراد به أنّ الطواف يسمّى صلاة في اللغة، و أنّه كالصلاة في بعض الشرائط و الأحكام، و قوله (عليه السلام): «الاثنان فما فوقهما جماعة» (2) فإنّه يحتمل أن يكون المراد به أنّ «الاثنان» (3) يسمّى جماعة لغة، و أنّه يحصل به فضيلة الجماعة.

احتجّ المخالف، باحتمال اللفظ للمحملين.

و جوابه ظاهر ممّا تقدّم.

و يظهر منه أنّ كلّ لفظ له مسمّى لغوي و مسمّى شرعي، كالمنقولات الشرعيّة- من الصلاة، و الصوم، و الزكاة، و غيرها- إذا ورد مطلقا في كلام الشارع، يحمل على الشرعي و لا يكون مجملا، سواء وقع في الإثبات أو النهي‏ (4).

____________

(1). عوالي اللآلئ 1: 214، ح 70.

(2). كنز العمّال 7: 555، ح 20224.

(3). كذا في النسختين، و هو على الحكاية.

(4). المقابل للإثبات هو النفي دون النهي.

836

و خلاف جماعة بأنّه مجمل مطلقا (1)، و آخرين بأنّه مجمل في النهي دون الإثبات‏ (2)؛ إذ فيه يحمل على الشرعي، و آخرين بعدم إجماله مطلقا (3) إلّا أنّه في الإثبات للشرعي، و في النهي للّغوي، لا اعتداد به، و حججهم واهية.

فصل [9] [: في جواز التكليف بالمجمل‏]

الحقّ جواز التكليف بالمجمل؛ فإنّه واقع؛ لما ظهر من الآيات المتقدّمة (4)، و الأخبار المشهورة (5)، و لما ثبت من وقوع المشترك في خطابات الشرع، و الوقوع دليل الجواز.

و احتجّ من لم يجوّزه بأنّه إن لم يقصد به الإفهام كان عبثا غير لائق بالحكيم، و إن قصد به، فإن قرنه بالبيان كان تطويلا بلا فائدة؛ إذ التنصيص عليه أسهل و أبلغ، و إن لم يقرنه كان تكليفا بالمحال‏ (6).

و الجواب: أنّه قصد به الإفهام أمّا في صورة الاقتران بالبيان، فمن كلّ وجه. و نمنع عدم الفائدة فيه؛ إذ يجوز اشتماله على مصلحة لم نطّلع عليها؛ لأنّ درك جميع حكم الشرع ليس في مقدرة البشر.

و أمّا في صورة عدم اقترانه به فمن بعض الوجوه، و هو إفهامه بأنّه قد كلّف بشي‏ء فيستعدّ للامتثال، فيثاب عليه، أو لعدمه فيعاقب به.

و توضيح ذلك: أنّ الغرض‏ (7) الأصلي من التكليف الابتلاء و حصول ملكة الانقياد أو الطغيان ليتفرّع عليه الثواب و العقاب، و يحدث في النفس النوريّة و الصفاء، أو الكدرة و الظلمة، و هو كما يحصل بالعمل يحصل بالاستعداد و توطين النفس عليه.

____________

(1). حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 26، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 139.

(2). الإحكام في أصول الأحكام 3: 27.

(3). المصدر.

(4). في ص 829.

(5). تقدّمت في ص 831.

(6). حكاه العلّامة في تهذيب الوصول: 159، و الظاهر أنّ القول بعدم جوازه لداود الظاهري كما في هامش المصدر، و إرشاد الفحول 2: 14.

(7). أي ما يترتّب على الفعل سواء كان غرضا للفاعل أم لا.

837

فصل [10] [: في معنى المبيّن‏]

«البيان» من «بان» إذا ظهر و هو يطلق على فعل المبيّن- و هو التبيين- كالكلام للتكليم، و السلام للتسليم، و بهذا الاعتبار قيل: إنّه الدلالة أو الإخراج من حيّز الإشكال إلى حيّز التجلّي و الظهور (1).

و على ما يحصل به التبيين، و بهذا الإطلاق قيل: إنّه الدليل‏ (2).

و على متعلّق التبيين و محلّه- و هو المدلول- و بالنظر إليه قيل: إنّه العلم الحاصل عن الدليل‏ (3).

و المبيّن نقيض المجمل فهو المتّضح الدلالة، سواء كان بنفسه- نحو وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (4)؛ إذ إفادته شمول علمه لجميع الأشياء ليس إلّا بنفس اللغة أو بغيره، نحو وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (5)؛ فإنّ دلالته على المراد تتوقّف على قرينة العقل، و ذلك الغير يسمّى مبيّنا. هذا.

و في معنى المبيّن، المفسّر. و الظاهر عدم الفرق بين المبيّن بنفسه و النصّ. لأنّ النصّ- كما تقدّم‏ (6)- ما لا يحتمل غير ما يفهم منه لغة.

فصل [11] [: في موارد وقوع البيان‏]

البيان يقع بأشياء:

«القول» كقوله تعالى: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها (7)؛ فإنّه بيان لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (8)، و قوله (عليه السلام): «فيما سقت السماء العشر» (9)؛ فإنّه بيان لمقدار الزكاة.

____________

(1). نسبه الآمدي إلى الصيرفي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 29.

(2). نسبه الآمدي إلى القاضي أبي بكر و الأكثر في المصدر.

(3). نسبه الآمدي إلى أبي عبد اللّه البصري في المصدر.

(4). البقرة (2): 282.

(5). يوسف (12): 82.

(6). تقدّم في ج 1، ص 197.

(7). البقرة (2): 69.

(8). البقرة (2): 67.

(9). عوالي اللآلئ 2: 231، ح 16.

838

و «الكتابة» كما بيّن اللّه سبحانه لملائكته بما كتبه في اللوح، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بما كتبه لعمّاله و الأئمّة من بعده.

و «الإشارة» كما قال (عليه السلام): «الشهر هكذا و هكذا و هكذا» (1) بأصابعه العشر (2)، ثمّ أعاد و حبس إصبعه في الثالثة. و هو لا يصحّ في حقّ اللّه؛ لافتقاره إلى الأعضاء.

و «فعل النبيّ» (صلّى اللّه عليه و آله) كما بيّن (صلّى اللّه عليه و آله) الصلاة و الوضوء و الحجّ بفعله، و يعلم كون الفعل بيانا بالضرورة من قصده أو بنصّه، كقوله (عليه السلام): «صلّوا كما رأيتموني» (3) و «خذوا عنّي مناسككم» (4) أو بالفعل، كما لو ذكره مجملا و فعل وقت الحاجة إلى العمل فعلا يصلح بيانا له و لم يصدر عنه غيره.

ثمّ من الناس من قال: إنّ الفعل لا يصلح لأن يكون بيانا (5)، و هو ضعيف غير ملتفت إليه.

فصل [12] [: إذا ورد قول و فعل بعد مجمل و كلّ منهما يصلح لأن يكون بيانا له‏]

إذا ورد بعد مجمل قول و فعل كلّ منهما يصلح لأن يكون بيانا له، فإن اتّفقا و علم تقدّم أحدهما- كأن يطوف بعد نزول آية الحجّ طوافا واحدا و يأمر بطواف واحد- فالمتقدّم هو «البيان» و الثاني تأكيد، و إن جهل فالبيان أحدهما من غير تعيين.

و قيل: القول؛ لأنّه يدلّ بنفسه بخلاف الفعل‏ (6).

و إن اختلفا كأن يطوف بطوافين و يأمر بطواف واحد، فالحقّ أنّ البيان هو «القول»، سواء كان متقدّما أو متأخّرا، و الفعل محمول على الندب، أو الوجوب عليه، أو الرخصة له؛ لأنّ القول يدلّ بنفسه، و لأنّ جعله بيانا جمع بين الدليلين، و هو أولى من طرح واحد.

____________

(1). تهذيب الأحكام 4: 162، ح 458.

(2). في «ب»: «العشرة».

(3). صحيح البخاري 1: 226، ح 605، و سنن الدارمي 1: 286.

(4). سنن البيهقي 5: 125.

(5). حكاه الفخر الرازي في المحصول 3: 31، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 140، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 527.

(6). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 141.