أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
839

فصل [13] [: في جواز التخصيص بالعامّ و التقييد بالمطلق إذا تساويا مع الخاصّ أو المقيّد]

قد عرفت‏ (1) أنّ العامّ أو المطلق إذا كان أقوى من الخاصّ أو المقيّد لا يجوز التخصيص و التقييد به؛ للزوم إبطال الراجح بالمرجوح، و إلغاء الأقوى بالأدنى، و هو ترجيح المرجوح، و إذا تساويا فالحقّ جوازهما؛ لأولويّة الجمع على الطرح.

و القول بعدم جوازهما حينئذ أيضا للزوم التحكّم‏ (2)، تحكّم؛ و وجهه ظاهر.

و أمّا المجمل فيكفي في بيانه المساوي و المرجوح؛ إذ لا تعارض ليلزم ترجيح المرجوح، أو التحكّم.

فصل [14] [: في عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة]

تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وفاقا للعدليّة و سائر الامّة- سوى بعض الأشاعرة (3)- لأنّه تكليف بما لا يطاق.

و فروعه كثيرة. و ممّا يتفرّع عليه وجوب التفسير فورا على من أقرّ بمبهم ابتداء أو عقيب دعوى بعد المطالبة، فلو امتنع من البيان فورا يحبس حتّى يجيب، و كذا لو طلّق‏ (4) مبهمة.

و أمّا عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فالمختار جوازه مطلقا وفاقا للأكثر.

و منعه قوم مطلقا (5).

و قيل: يجوز فيما ليس له ظاهر كالمجمل، و يمتنع فيما له ظاهر و اريد به غير ظاهره، كالعامّ و المطلق و المنسوخ‏ (6).

و قيل: يجوز في الأوّل، و يمتنع في الثاني؛ لكنّه في البيان الإجمالي‏ (7). و أمّا التفصيلي‏

____________

(1). تقدّم في ص 822.

(2). القول لابن الحاجب في منتهى الوصول: 141.

(3). حكاه عنهم العلّامة في تهذيب الوصول: 165، و الفخر الرازي في المحصول 3: 188.

(4). أي طلّق امرأة مبهمة. و في «ب»: «أطلق».

(5). نسبه ابن الحاجب إلى الكرخي في المصدر.

(6 و 7). حكاه الفخر الرازي عن أبي الحسين البصري في المحصول 3: 188، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 36، و العلّامة في تهذيب الوصول: 164.

840

فيجوز تأخيره، فيجب أن يقول: هذا العامّ مخصوص و هذا المطلق مقيّد، و هذا الحكم سينسخ، و لا يجب تفصيل ما خصّ عنه، و ذكر الصفة التي قيّد بها، و تعيين وقت النسخ.

و قيل بمثل ذلك في غير النسخ‏ (1)، و أمّا فيه، فحكمه حكم المجمل، فلا يلزم بيانه تفصيلا و لا إجمالا.

لنا: عدم مانع من التأخير و إمكان مصلحة فيه يحسن‏ (2) لأجلها، كالعزم و توطين النفس على الفعل إلى وقت الحاجة؛ لما عرفت من ترتّب الثواب عليه‏ (3). و يؤكّده أنّ البيان إنّما يراد ليتمكّن المكلّف من الإتيان بما كلّف به، فلا حاجة إليه قبل الوقت.

و أيضا لا خلاف في عدم اشتراط قدرة المكلّف على الفعل حال الخطاب، و إذا جاز تأخير إقداره على الفعل، فتأخير علمه بتفاصيل بعض صفات الفعل أولى بالجواز.

و لنا أيضا: أنّه لو لم يجز تأخيره زمانا طويلا، لم يجوز زمانا قصيرا مع أنّه جائز؛ للإجماع على جواز تأخير القرينة عن وقت التلفّظ بالمجاز بحيث لا يخرج الكلام عن كونه واحدا عرفا. و أنت خبير بإمكان إبداء الفرق بينهما (4).

و لنا: قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ (5).

وجه الاستدلال به أنّ «ثمّ» للتراخي، فيدلّ على جواز تأخير البيان عن المبيّن.

و لنا: أنّه وقع، و الوقوع دليل الجواز.

أمّا الثاني، فظاهر.

و أمّا الأوّل، فلأنّه تعالى قال أوّلا في المغنم: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ (6)، ثمّ بيّن أنّ السلب للقاتل. و «ذي القربى» بنو هاشم دون بني اميّة و بني نوفل، و هذا عامّ تأخّر عنه بيانه؛ إذ لم يكن معه بيان تفصيلي- و هو ظاهر- و لا إجمالي؛ لأنّ الأصل عدمه، و لأنّه لو اقترن به لنقل؛ لتوفّر الدواعي عليه.

____________

(1). نسبه ابن الحاجب إلى الجبائي في منتهى الوصول: 141.

(2). في «أ»: «يحسّن».

(3). في ص 836.

(4). أي الزمانين. و هذا الأمر- من ردّ المستدلّ نفسه ما استدلّ به- غير معتاد.

(5). القيامة (75): 19.

(6). الأنفال (8): 41.

841

و قال: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ (1) ثمّ بيّن تفاصيلهما من الركعات، و الأركان، و الأجناس، و النصاب، و الأوقات، و الشرائط، و الأحكام بالتدريج.

و قال: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (2) ثمّ بيّن اشتراط الحرز و النصاب بتدريج.

و قال: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا (3) ثمّ بيّن أنّ المحصن يرجم. و نهى النبيّ عن بيع المزابنة (4)، ثمّ رخّص في العرايا (5).

و قال اللّه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (6) و هي كانت معيّنة في الواقع؛ لما سألوا عن التعيين، و لو لم تكن معيّنة، لما سألوا عنه بقولهم: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ‏ (7)، و ما لَوْنُها (8)، ثمّ بيّنها بقوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ‏ (9) إلى قوله: فاقِعٌ لَوْنُها (10).

و اورد عليه بمنع كونها معيّنة بدليل قوله: أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً و هو ظاهر في غير معيّنة، و قوله: وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏ (11)، لدلالته على قدرتهم على الفعل، و وقوع السؤال عن التعيين كان تعنّتا.

و بدليل قول ابن عبّاس: لو ذبحوا أيّة بقرة لأجزأتهم، و لكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم‏ (12).

و فساده ظاهر؛ لأنّها لو كانت غير معيّنة، لما أطال اللّه الكلام بحصر أوصافها. و ذمّهم و تعنيفهم بقوله: وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏ ليس لعدم التعيين، بل لتوانيهم بعد البيان.

و قول ابن عبّاس لم يثبت، و لو ثبت لم يكن حجّة؛ لمعارضته بالكتاب و قول سائر المفسّرين.

و قال: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‏ (13)، فنقض ابن الزبعري بالمسيح‏

____________

(1). البقرة (2): 43.

(2). المائدة (5): 38.

(3). النور (24): 2.

(4 و 5). تهذيب الأحكام 7: 143، ح 633 و 634، و الاستبصار 3: 91، ح 309 و 311.

(6- 7- 8- 9- 10). البقرة (2): 67- 69.

(11). البقرة (2): 71. في هامش «أ»: «الوارد في ذمّهم».

(12). الجامع لأحكام القرآن 1: 448، ذيل الآية 68 من البقرة (2).

(13). الأنبياء (21): 98.

842

و الملائكة (1)، فنزل‏ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ ... (2)، فتأخّر البيان.

فإن قيل: «ما» لما لا يعقل، فلا يتناولهم. و إن سلّم فنقول: خصّوا بالعقل‏ (3)، و قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ‏ ليس بيانا؛ لظهور خروجهم، بل زيادة توضيح احتيج إليه؛ لجهل الناقض.

قلنا: «ما» يعمّ ما يعقل و غيره؛ لقوله تعالى: وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (4).

و ما روي أنّ النبيّ قال له: «ما أجهلك بلغة قومك، أ لم تعلم أنّ «ما» لما لا يعقل» (5)، لم يثبت عندنا.

فإن قيل: النزاع في الأحكام لا في الأخبار.

قلنا: الفرق غير معقول.

احتجّ المانع مطلقا بأنّ التكليف بما ليس له ظاهر، أو له ظاهر غير مراد من غير بيان في الحال، خطاب بما لا يفهم، و هو قبيح، و لو جاز ذلك، لجاز خطاب الزنجي بالعربيّة من غير بيان المراد في الحال؛ لعدم الفرق بينهما (6).

و الجواب: منع كونه خطابا بما لا يفهم من كلّ وجه، فإنّه يعلم أنّ المراد بعض المدلولات المعروفة عنده، و يبيّن له وقت الحاجة إلى العمل، فيثاب و يعاقب بالعزم على الفعل أو الترك و ليس فيه قبح أصلا، و لو قبح مثله، لقبح أن يولّي الملك رجلا على بلد و يقول له: اخرج إليه في غد، و سأكتب لك كتابا فيه تفصيل ما يلزم عليك أن تعمل به، و انفذه إليك عند استقرارك في عملك مع أنّه لا يقبح بالضرورة.

احتجّ المفصّل الأوّل: أمّا على جواز تأخير بيان المجمل، فبنحو ما ذكرناه، و لا نزاع لنا معه فيه.

و أمّا على منع تأخير بيان العامّ المخصوص و المطلق المقيّد و لفظ المنسوخ، فبأنّها

____________

(1). حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 42، و العلّامة في تهذيب الوصول: 165.

(2). الأنبياء (21): 101.

(3). في «ب»: «بالعقلي».

(4). الشمس (91): 5.

(5). رواه الطبرسي في مجمع البيان 7: 116، ذيل الآية 101 من الأنبياء (21).

(6). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 143، و الشيخ حسن في معالم الدين: 163.

843

ألفاظ موضوعة لحقائق مفهومة منها عند إطلاقها و هي الاستغراق، و الشياع، و الدوام يحملها عليها كلّ مخاطب، و لا يعدل عنها إلّا بقرينة التجوّز، فيقبح من الحكيم أن يراد (1) بها في حال الخطاب غيرها من غير دلالة، بخلاف المجمل؛ فإنّه ليس له معنى حقيقي مفهوم عند إطلاقه حتّى يلزم من تأخير بيانه العدول عمّا وضع.

و بأنّ الخطاب وضع للإفادة و من سمع عامّا أو مطلقا أو حكما، و جوّز أن يكون مخصوصا أو مقيّدا أو منسوخا، و يبيّن له في المستقبل، لم يستفد في هذه الحال شيئا، و يكون وجوده كعدمه، و هو ينافي وضع الخطاب.

و بأنّه لو جاز التأخير، فإمّا إلى مدّة معيّنة- و هو تحكّم، و لم يقل به أحد- أو إلى الأبد، فيلزم التكليف بما لا يفهم‏ (2).

و الجواب عن الأوّل: أنّه لا ريب في افتقار استعمال اللفظ في غير الموضوع له إلى القرينة عند الحاجة؛ لئلّا يلزم الإغواء، و أمّا افتقاره إليها عند وقت التكلّم من دون بلوغ وقت الحاجة، فلا دليل عليه و لا يلزم منه الإغواء؛ لأنّه فيما انتفى احتمال التجوّز، و انتفاؤه فيما قبل وقت الحاجة يتوقّف على ثبوت منع التأخير مطلقا، و قد فرضنا عدمه.

و قولهم: «الأصل في الكلام الحقيقة» معناه أنّ اللفظ مع فوات وقت القرينة يحمل على الحقيقة لا مطلقا.

و ممّا يؤكّده اتّفاقهم على جواز إسماع العامّ المخصوص بالعقل و إن لم يعلم المخاطب تخصيصه به، و اتّفاق أجلّة المحقّقين على إسماع العامّ المخصوص بالدليل السمعي من دون إسماع المخصّص؛ لأنّه لو ثبت لزوم الإغواء هنا، ثبت لزومه هناك أيضا، لأنّ السامع للعامّ مجرّدا عن القرينة يحمله على الحقيقة.

فإن قالوا: لا يجوز الحمل عليها إلّا بعد الفحص عن المخصّص.

قلنا: فيما نحن فيه لا يجوز الحمل على شي‏ء حتّى يحضر وقت الحاجة، و يوجد القرينة و يطّلع عليها، فيعمل بمقتضاها.

____________

(1). كذا في النسختين. و الأولى: «يريد».

(2). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 143، و الشيخ حسن في معالم الدين: 164.

844

و بما ذكر ظهر الجواب عن الثاني من غير افتقار إلى بيان.

و الجواب عن الثالث: أنّ التأخير إلى‏ (1) مدّة معيّنة عند اللّه و هو الوقت الذي يعلم أنّه مكلّف فيه، فلا تحكّم. هذا.

و من العجب اللازم لهذا القول وجوب اقتران بيان المنسوخ به‏ (2)، مع أنّ جماعة نقلوا الإجماع على حسن تأخير الناسخ‏ (3)، بل المعروف بين القوم اشتراطه حتّى أنّهم عدّوه شرطا للنسخ. و ممّن عدّه شرطا بعض القائلين بهذا القول‏ (4)، و هو غريب.

و احتجّ المفصّل الثاني على جواز تأخير بيان المجمل مطلقا بنحو ما ذكرناه‏ (5). و لا مخالفة لنا معه فيه. و على امتناع تأخير بيان غيره- ممّا له ظاهر- في البيان الإجمالي دون التفصيلي بأنّه لو ارتفعا معا، يلزم الإغراء بالجهل و هو باطل؛ لأنّ المكلّف يحمل حينئذ على ظاهره و يعمل به.

و أمّا لو وجد البيان الإجمالي و إن لم يوجد التفصيلي، فيعلم المكلّف أنّ ظاهره غير مراد، فيثبت إلى أن يحضر الوقت، و يطّلع على البيان التفصيلي.

و جوابه: قد ظهر ممّا تقدّم، فلا نطيل الكلام بإعادته.

و احتجّ المفصّل الثالث أمّا على جواز تأخير بيان المجمل بنحو ما ذكرناه‏ (6).

و أمّا على امتناع تأخير بيان ما له ظاهر سوى النسخ بأنّ تأخير بيان العامّ، أو المطلق يوجب الشكّ في كلّ واحد واحد من أفرادهما، هل هو مراد للمتكلّم أم لا؟ فلا يعلم تكليف واحد بعينه، و يلزم منه انتفاء أصل التكليف الذي هو غرض الخطاب بخلاف النسخ؛ فإنّ الكلّ داخلون إلى أن ينسخ‏ (7).

و الجواب: أنّ الشكّ مشترك، إلّا أنّه في العامّ و المطلق في أفرادهما، و في النسخ في أفراد الزمان، بل هو أولى بالشكّ؛ لأنّ الشكّ في كلّ واحد من أفرادهما على البدل، و فيه‏

____________

(1). متعلّق بمقدّر خبر «أنّ» و ليس متعلّقا بالتأخير.

(2). أي بالمنسوخ.

(3). راجع: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3: 49، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 144 و 145، و معالم الدين:

167 و 169.

(4). راجع الإحكام في أصول الأحكام 3: 49.

(5- 6- 7). تقدّم في ص 839.

845

يلزم الشكّ في الجميع؛ إذ يجوز في كلّ زمان النسخ من الجميع، و ارتفاع التكليف. هذا.

و قد ظهر كيفيّة التفريع من الأمثلة.

فصل [15] [: في جواز تأخير تبليغ الرسول الحكم إلى وقت الحاجة]

الحقّ جواز تأخير تبليغ الرسول الحكم إلى وقت الحاجة؛ لأنّه ليس فيه محال لذاته، و لذا لا يمتنع التصريح به، و لا لغيره‏ (1)؛ لأصالة العدم؛ و لأنّ التبليغ تابع للمصلحة و هي تختلف بالنسبة إلى الأزمنة، فربما وجدت في التأخير.

احتجّ المخالف بقوله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ (2) و الأمر للوجوب و الفور (3).

و الجواب: أنّ الأمر لا يوجب الفور كما تقدّم‏ (4). و لو سلّم نقول: إنّ المنزل هو القرآن؛ لانصراف إطلاق التنزيل إليه؛ على أنّ نزوله عندنا في قضيّة خاصّة.

فصل [16] [: في جواز إسماع العامّ من لا يعرف المخصّص الشرعي‏]

اختلفوا في جواز إسماع العامّ من لا يعرف المخصّص الموجود إذا كان شرعيّا، بعد اتّفاقهم على جوازه إن كان المخصّص عقليّا، و الأكثر على جوازه، و هو المختار.

لنا: أنّه إذا جاز مع كون المخصّص عقليّا، فيجوز إذا كان شرعيّا؛ لعدم الفرق.

و لنا: أنّه لو لم يجز لم يقع و قد وقع؛ فإنّ الصحابة سمعوا قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (5)، و هو عامّ، و لم يسمعوا إخراج أهل الذمّة و العبد و المرأة إلّا بعد حين. و كذا الحكم في آية السرقة (6)، و الميراث‏ (7)، و غيرهما.

احتجّ الخصم بأنّ جوازه يوجب الإغراء بالجهل و الخطاب بما لا يفهم، و بأنّه يقتضي‏

____________

(1). أي و لا محال لغيره و المراد به هو المانع.

(2). المائدة (5): 67.

(3). راجع معالم الدين: 167- 170.

(4). تقدّم في ص 631.

(5). التوبة (9): 5.

(6). المائدة (5): 38: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ....

(7). النساء (4): 11: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ....

846

عدم جواز العمل بالعمومات إلّا بعد العلم بانتفاء المخصّص، و يلزم منه سدّ باب العمل بها (1).

و الجواب عن الأوّل: أنّ السامع- لتجويزه التخصيص- يسعى في طلب المخصّص، فلا يلزم الإغراء بالجهل و الخطاب بما لا يعلم.

و عن الثاني: أنّ غلبة الظنّ بانتفاء المخصّص كافية في جواز العمل بالعامّ.

و يظهر ممّا ذكر جواز ذكر بعض المخصّصات دون بعض و قد وقع، فإنّه بيّن إخراج أهل الذمّة من آية قتل المشركين‏ (2) أوّلا، ثمّ إخراج العبد، ثمّ المرأة بتدريج، و بيّن في آية السرقة (3) إخراج ما لم يبلغ حدّ النصاب، ثمّ ما وقع فيه شبهة و هكذا، و كذا الحكم في آية الحجّ‏ (4)، و الميراث‏ (5)، و غيرهما.

____________

(1). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 144.

(2 و 3). تقدّم آنفا.

(4). آل عمران (3): 97: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ‏ ... وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ....

(5). تقدّمت في ص 845، الهامش 7.

847

الباب الخامس في الظاهر و المؤوّل‏

[في معنى الظاهر لغة و اصطلاحا]

اعلم أنّ «الظاهر» في اللغة: الواضح‏ (1).

و في الاصطلاح: قيل: ما دلّ على معنى دلالة ظنّيّة (2).

و قيل: دلالة واضحة (3).

و على الأوّل يكون النصّ- و هو ما دلّ دلالة قطعيّة- قسيما منه، و على الثاني يكون قسما منه.

و ظهور الدلالة إمّا بالوضع، كدلالة «الأسد» على الحيوان المفترس؛ فإنّ كونها ظاهرة فيه‏ (4) مستفاد من وضع الواضع، فدلالته على الرجل الشجاع خلاف الظاهر من الوضع.

و منه: دلالة اللفظ على مدلوله من غير تقدير و إضمار؛ فالإضمار خلاف الظاهر من الوضع، و دلالة العامّ على الاستغراق، و المطلق على الشياع؛ فالتخصيص و التقييد خلاف الظاهر.

و قس عليها أمثالها.

أو بعرف‏ (5) الاستعمال، كدلالة «الغائط» على الخارج المتقذّر، فإنّه غلب فيه بعد أن كان لغة للمطمئنّ من الأرض‏ (6)؛ فدلالته عليه‏ (7) خلاف الظاهر من العرف.

____________

(1). الصحاح 2: 731، و لسان العرب 4: 523، «ظ. ه. ر».

(2). قاله الغزالي في المستصفى: 196، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 145.

(3). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 58.

(4). كذا في النسختين. و الصحيح كونه «ظاهرا فيه» كما في شرح التجريد.

(5). عطف على قوله: «بالوضع».

(6). الصحاح 2: 1147، «غ و ط».

(7). أي دلالة لفظ الغائط على المطمئنّ من الأرض.

848

و «التأويل» في اللغة: الإرجاع، من آل يؤول: إذا رجع‏ (1).

و في الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، و هذا يتناول التأويل الصحيح و الفاسد، و إن اريد تعريف الصحيح منه، يجب أن يزاد عليه: «بدليل يصيّره راجحا» و إن اريد تعريف الفاسد منه، يزاد عليه: «بلا دليل» أو «بدليل مساو» أو «مرجوح».

فصل [: في أقسام التأويل‏]

«التأويل» على ثلاثة أقسام:

الأوّل: القريب؛ فرجّح لقربه بأدنى مرجّح.

الثاني: البعيد؛ فيحتاج لبعده إلى مرجّح أقوى.

و الثالث: المتعذّر، أي ما لا يحتمله اللفظ؛ فلا يكون مقبولا، بل يجب ردّه و إن كان عليه دليل.

و بالجملة، يشترط في قبول التأويل أن يكون الدالّ عليه بحيث يترجّح لأجله الاحتمال المرجوح على الراجح الظاهر، و لا ضابط له، بل يختلف باختلاف مشارب أهل العلم، فربّ تأويل كان مقبولا عند بعض، مردودا عند آخر، إلّا أنّه لا خلاف في قبوله في الجملة.

ثمّ الدالّ عليه إمّا عقل، أو نقل، أو إجماع، أو قياس منصوص العلّة على سبيل منع الخلوّ دون الجمع، مثلا قوله (عليه السلام): «إنّما الربا في النسيئة» (2) لا يجوز حمله على ظاهره، و هو حصر الربا في النسيئة؛ لثبوت الربا في بيع الربوي بمثله نقدا بالإجماع‏ (3) و النصّ، و هو قوله (عليه السلام):

«لا تبيعوا البرّ بالبرّ سواء بسواء» (4)؛ فيجب أن يحمل‏ (5) على مختلف الجنس. و هذا و إن كان من التأويلات البعيدة إلّا أنّه يتعيّن؛ لوجود المرجّح القويّ.

____________

(1). الصحاح 3: 1628، «أ و ل».

(2). سنن الدارمي 2: 259، و سنن ابن ماجة 2: 758- 759، ح 2257.

(3). راجع غاية المراد 2: 118- 120.

(4). سنن ابن ماجة 2: 757، ح 2254، و سنن البيهقي 5: 276.

(5). أي قوله: «إنّما الربا في النسيئة».

849

و من التأويلات البعيدة الفاسدة تأويل الحنفيّة قوله (عليه السلام) لغيلان- و قد أسلم على عشر نسوة-: «أمسك أربعا و فارق سائرهنّ» (1) إمّا بأنّ المراد من الإمساك ابتداء النكاح، و المراد من المفارقة عدم النكاح. فالمعنى: انكح أربعا منهنّ، و لا تنكح سائرهنّ. و إمّا بأنّ المراد من إمساك الأربع إمساك الأربع الأوائل منهنّ، فقوله: «أمسك أربعا» أي الأوائل منهنّ، و فارق سائرهنّ، أي الأواخر منهنّ.

و لذا يرى الحنفيّة (2) وجوب تجديد النكاح إن تزوّجهنّ معا، و إمساك الأربع الأوائل إن تزوّجهنّ مرتّبا.

أمّا بعده، فلأنّ المتبادر من الإمساك الدوام و التخيّر (3) دون الابتداء و الترتيب، مع أنّ المخاطب كان متجدّد الإسلام لا يعرف شيئا من الأحكام حتّى يخاطب بغير ظاهر؛ فيبعد خطاب مثله بمثله، مع أنّه لم ينقل تجديد و لا تعيين الأوائل مطلقا لا منه و لا من غيره ممّن أسلم من الكفّار المتزوّجين مع كثرتهم.

و أمّا فساده، فلأنّه لا دليل عليه يترجّح لأجله على ما هو الظاهر من أنّ الكافر إذا أسلم على أزيد من أربع، يمسك أيّ أربع شاء، سواء ترتّب عقدهنّ أو لا، كما قال به أصحابنا (4) و الشافعيّة (5).

و من التأويلات القريبة: تأويل قوله (عليه السلام): «أيّما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، باطل، باطل» (6) بأنّ المراد ب «أيّما امرأة»: الصغيرة، و الأمة، و (7) المكاتبة، و ب «البطلان»: رجوعه إليه‏ (8) غالبا؛ لاعتراض الوليّ عليهما (9).

____________

(1). سنن ابن ماجة 1: 628، ح 1953، و جامع الاصول 11: 506، ح 9074.

(2). راجع: السنن الكبرى 7: 185، و المغني لابن قدامة 7: 540.

(3). في «ب»: «التخيير».

(4). راجع: غاية المراد 3: 170، و الروضة البهيّة 5: 232- 233.

(5). راجع المغني لابن قدامة 7: 540.

(6). سنن الدارمي 2: 137، و سنن الترمذي 3: 407- 408، ح 1102، و سنن أبي داود 2: 229، ح 2083.

(7). كذا في النسختين. و الصحيح: «أو» بدل «و» كما في الكتب.

(8). أي رجوع النكاح إلى البطلان.

(9). أي الصغيرة و الأمة.

850

و وجه قربه شيوع التخصيص و مجاز المشاورة في المحاورات، مع دلالة الإجماع و النصّ على استقلال الثيّب البالغة في النكاح‏ (1). هذا.

و للحنفيّة تأويلات فاسدة في بعض الآيات و الأخبار، مذكورة في بعض كتب الاصول‏ (2) لم نر جدوى في إيرادها.

____________

(1). تهذيب الأحكام 7: 378، ح 1530 و: 380، ح 1538، و الاستبصار 3: 234، ح 842.

(2). راجع: المستصفى: 196- 201، و الإحكام 3: 61- 68، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 145- 147.

851

الباب السادس في المنطوق و المفهوم‏

[في معنى المنطوق و المفهوم‏]

«المنطوق»: ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق، أي يكون حكما شرعيّا للمذكور، أو حالا من أحواله، سواء كان نفسه مذكورا أو لا. و التعميم لدخول المنطوق غير الصريح؛ لأنّه ليس مذكورا بنفسه، و المراد بالنطق معناه اللغوي، فلا دور.

و «المفهوم»: ما يدلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق، أي يكون حكما أو حالا للمسكوت عنه.

ثمّ المنطوق إمّا صريح، و هو ما وضع اللفظ له؛ فيدلّ عليه إمّا بالمطابقة أو بالتضمّن‏ (1). أو غير صريح، و هو بخلافه، أي ما لم يوضع اللفظ له، بل لزم ممّا وضع له؛ فيدلّ عليه بالالتزام، و هو على ثلاثة أقسام:

الأوّل: دلالة «الاقتضاء» و هو (2) ما كان مقصودا للمتكلّم، و توقّف الصدق أو الصحّة العقليّة الشرعيّة عليه، نحو «رفع عن امّتي الخطأ و النسيان» (3) و سْئَلِ الْقَرْيَةَ (4)، و «أعتق عبدك عنّي على مائة»؛ فإنّه لو لم يقدّر «المؤاخذة» أو نحوها في الأوّل، كان كاذبا، و لو لم يقدّر «أهل» في الثاني، لم يصحّ عقلا، و لو لم يقدّر «الملك» في الثالثة- أي مملّكا لي على مائة- لم يصحّ شرعا؛ لتوقّف العتق على الملك شرعا.

____________

(1). في هامش «أ»: «فيه ما فيه، لعدم وضع اللفظ للجزء، و كون استعماله مجازا فيه».

(2). أي الاقتضاء، أو التذكير باعتبار الموصول.

(3). الكافي 2: 463، باب ما رفع عن الامّة، ح 2، و التوحيد للصدوق: 353، ح 24، و وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، ح 5.

(4). يوسف (12): 82.

852

الثاني: دلالة «الإيماء و التنبيه» و قد تقدّم في باب القياس‏ (1) بحدّه و أقسامه.

الثالث: دلالة «الإشارة» و هو (2) ما لا يكون مقصودا للمتكلّم، كدلالة قوله تعالى:

وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (3)، مع قوله: وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏ (4) على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر؛ فإنّه ليس مقصودا للمتكلّم إلّا أنّه لزم منه. و دلالة قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ‏ (5) الآية، و قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ‏ (6) إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (7) على جواز الإصباح جنبا؛ فإنّه و إن لم يقصد من الآيات، لكنّه لزم من جواز استغراق الليل بالرفث.

و قد تقدّم مثال آخر له فيما تقدّم‏ (8). هذا هو التقسيم المشهور بين القوم.

و الظاهر- كما قيل- أنّ المنطوق و المفهوم في تقسيمهم من أقسام المدلول، و أرادوا من الدلالة في قولهم: «دلالة الاقتضاء» و نحوه المدلول مسامحة (9).

و قال بعضهم: إنّهما من أقسام الدلالة (10)، و تعسّف‏ (11) لتطبيق تحديدهما عليها.

ثمّ أنت خبير بأنّه لا بدّ من لزوم ما بين المنطوق و المفهوم؛ إذ لولاه لم يدلّ عليه، و انسدّ طريق الفهم، فالمفهوم أيضا (12) مدلول التزامي.

فالظاهر أنّ غرض القوم أنّ اللزوم بين المعنى الموضوع [له‏] (13) و المنطوق غير الصريح لزوم بيّن بالمعنى الأخصّ، و هو ما يلزم فيه تصوّر المدلول الالتزامي من تصوّر الملزوم، أي الموضوع له لزوما عقليّا، أو عرفيّا، أو الأعمّ، و هو ما يحكم فيه العقل باللزوم بعد تصوّرهما.

____________

(1). تقدّم في ج 1، ص 449.

(2). التذكير باعتبار الخبر.

(3). الأحقاف (46): 15.

(4). لقمان (31): 14.

(5- 6- 7). البقرة (2): 187.

(8). تقدّم في ص 838.

(9). قاله القمّي في قوانين الاصول 1: 167.

(10). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 73.

(11). في هامش «أ»: «بحمل «ما» في الحدّ مصدريّة» أي على المصدريّة.

(12). في هامش «أ»: «كالمنطوق غير الصريح».

(13). أضفناها للضرورة.

853

و بين المنطوق و المفهوم لزوم غير بيّن.

و غير خفيّ أنّ المدلول الالتزامي الذي جعلوه مقسما للمنطوق غير الصريح لا ينحصر في اللازم الأخصّ و الأعمّ، بل هو أعمّ من ذلك؛ فإنّ التتبّع يشهد بأنّ المراد به ما يكون للمعنى الموضوع [له‏] (1) مدخل ما في فهمه بأيّ نحو كان؛ فربما يفهمه بعض العلماء بمعونة مقدّمات عقليّة قطعيّة أو ظنّيّة جليّة أو خفيّة، و لا يفهمه أهل اللغة و العرف من حيث إنّهم كذلك، و قد لا يجتمع إرادته مع إرادة الموضوع له، مثلا رفع المؤاخذة عن الخطأ و النسيان الموجودين في الخارج ليس لازما لرفعهما في الخارج لا بالمعنى الأخصّ و لا الأعمّ، و لذا ليس يفهمه اللغوي من حيث [إنّه‏] (2) لغوي، و لا أهل العرف، و إنّما يفهمه من كان عارفا بأنّ المتكلّم الصادق يصدق كلامه في الواقع. و لا يصدق هنا المعنى المطابقي، و إلّا لزم كذبه، فكيف يجعل مثل هذا المعنى مدلولا التزاميّا، و منطوقا غير صريح، و يخرج مفهوم الموافقة و المخالفة من المنطوق غير الصريح، و يجعل مقابلا له مع أنّ مطلق المفهوم ممّا يفهم من المعنى المطابقي، و له مدخليّة في فهمه، و لذا يفهمه أهل العرف و اللغة؟!

على أنّ بعضهم ادّعى اللزوم البيّن بين المنطوق و المفهوم‏ (3)، و حينئذ يصير حكاية التقابل أشنع.

ثمّ لا ريب في حجّيّة دلالة الالتزام- و إن لم تكن من قبيل المفاهيم- إذا علم توقّف دلالة اللفظ على اللازم في دلالة الاقتضاء، و علم العلّيّة و عدم مدخليّة خصوص الواقعة في دلالة التنبيه و الإيماء، و قطع بكون المدلول الالتزامي لازما في الواقع في دلالة الإشارة، كأقلّ مدّة الحمل اللازم للآيتين‏ (4)، و كذا إذا حصل الظنّ المعتبر بالتوقّف و العلّيّة و اللزوم بحيث صار المدلول الالتزامي متبادرا إلى أذهان أهل اللغة و العرف، و أمّا إذا لم يحصل مثل هذا الظنّ فالحكم بالحجّيّة مشكل. و قد تقدّم تفصيل القول في دلالة الإيماء في القياس‏ (5).

و يتفرّع على ذلك أنّه إذا قال: «أبرأتك في الدنيا دون الاخرى» ثبتت براءته فيهما؛ لأنّ‏

____________

(1 و 2). أضفناها للضرورة.

(3). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 152 و 153.

(4). تقدّمتا في ص 852، الهامش 3 و 4.

(5). تقدّم في ج 1، ص 449.

854

البراءة في الدنيا ملزومة للبراءة في الاخرى، و إذا باع السقف لا يدخل الحائط و إن دلّ عليه بالالتزام؛ لأنّ التوقّف القطعي أو الظنّي المعتبر غير ثابت. و في دخول ما يتناوله المبيع بالالتزام فيه و عدمه يتخرّج فروع كثيرة لا يخفى جليّة الحال فيها بعد الإحاطة بما ذكرناه. هذا.

و بعضهم خصّ المنطوق بالصريح و عرّفه بأنّه: ما دلّ عليه اللفظ بصريحه دلالة أوّليّة (1)، و قسّم غير المنطوق إلى الثلاثة المذكورة (2) و المفهوم.

و يلزم على هذا أن لا يكون الأقسام الثلاثة من المنطوق و لا من المفهوم، و هو كما ترى.

و الأولى أن يقسّم المدلول أوّلا إلى المنطوق و المفهوم، و يجعل المنطوق منحصرا في الصريح، و يقسّم المفهوم إلى الأقسام الثلاثة و مفهوم الموافقة و مفهوم المخالفة؛ ليكون الثلاثة من أقسام المفهوم.

ثمّ المفهوم على قسمين:

[القسم‏] الأوّل: «مفهوم الموافقة» و هو أن يكون حكم غير المذكور فيه موافقا لحكم المذكور إثباتا و نفيا، و يسمّى فحوى الخطاب و لحن الخطاب، و أصله التنبيه بالأدنى على الأعلى. و قد تقدّم في باب القياس‏ (3) أنّه لا خلاف في حجّيّته و ثبوت التعدية به، و أنّ الخلاف في وجه التعدية، و قد أشرنا (4) إلى أنّ الحقّ أنّه‏ (5) دلالة مفهومه و فحواه، لا كونه قياسا جليّا، أو منقولا عن موضوعه اللغوي- و هو الأدنى- إلى الأعلى كما قال به جماعة (6).

و قد تقدّم أيضا أنّه إمّا قطعي، إذا كان التعليل بالمعنى و كونه أشدّ مناسبة للفرع قطعيّين.

أو ظنّي إذا كان أحدهما ظنّيّا (7).

____________

(1). قاله القمّي في قوانين الاصول 1: 168.

(2). أي دلالة الاقتضاء، و الإيماء و التنبيه، و الإشارة.

(3). تقدّم في ج 1، ص 456.

(4). تقدّم في ج 1، ص 457.

(5). أي وجه التعدية.

(6). تقدّم في ج 1، ص 456.

(7). تقدّم في ج 1، ص 456.

855

و بعضهم اشترط فيه أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المذكور (1).

و بعضهم اكتفى بالمساواة، مثل قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً ... (2)؛ حيث دلّ بالمفهوم على تحريم الأخذ، و هو مساو للأكل في الإتلاف‏ (3).

[القسم‏] الثاني: «مفهوم المخالفة» و هو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم إثباتا و نفيا، و يسمّى دليل الخطاب، و له أقسام:

مفهوم الشرط، نحو: «إن دخل فأكرمه» يفهم منه عدم إكرامه إن لم يدخل.

و مفهوم الصفة، مثل: «في الغنم السائمة زكاة» يفهم منه أن ليس في المعلوفة زكاة.

و مفهوم العدد الخاصّ، مثل: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (4)، مفهومه أنّ الزائد على الثمانين غير واجب.

و مفهوم الغاية، مثل: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ‏ (5)، يفهم منه أنّها إذا نكحت زوجا غيره تحلّ، و مثله: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (6).

و مفهوم الاستثناء، مثل: «لا إله إلّا اللّه»، يفهم منه نفي الالوهيّة عن غير اللّه.

و مفهوم إنّما، نحو: «إنّما الأعمال بالنيّات» (7). يفهم منه عدم صحّة الأعمال بدون النيّة.

و مفهوم الحصر، نحو: «العالم زيد»، مفهومه نفي العلم عن غيره.

و مفهوم الزمان و المكان، مثل: «افعله في هذا اليوم» أو «في هذا المكان» مفهومه نفي الفعل في غير ذلك الزمان و المكان.

و مفهوم اللقب، و هو نفي الحكم عمّا لم يتناوله الاسم، و هو أضعف المفاهيم، و لذا لم يقل‏

____________

(1). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 148.

(2). النساء (4): 10.

(3). قاله الغزالي في المستصفى: 265، و الشوكاني في إرشاد الفحول 2: 37.

(4). النور (24): 4.

(5). البقرة (2): 230.

(6). البقرة (2): 222.

(7). سنن ابن ماجة 2: 1413، ح 4227، و صحيح البخاري 1: 3، ح 1، و سنن الترمذي 4: 179- 180، ح 1647، أمالي الطوسي 2: 231، و صحيح مسلم 3: 1515، ح 155/ 1907، و تهذيب الأحكام 1: 83، ح 218، و 4:

186، ح 519.

856

بحجّيّته محقّق. مثاله: «في الغنم زكاة»، مفهومه على القول بحجّيّته نفي الزكاة عن غير الغنم.

و منه مفهوم الاسم المشتقّ الدالّ على الجنس، كقوله: «لا تبيعوا الطعام بالطعام» (1).

هذه أقسام المفاهيم، و ها هي نذكرها بشروطها و تفصيلها في فصول.

فصل [1] [: شروط مفهوم المخالفة]

يشترط في مفهوم المخالفة بأقسامه امور:

الأوّل: أن لا يظهر أولويّة غير المذكور بالحكم، أو مساواته فيه، و إلّا استلزم‏ (2) ثبوت الحكم في غير المذكور و كان مفهوم موافقة، كأن يقول السيّد لعبده في مقام الإغراء على إكرام الداخلين في بيته: «إن جاء أرذل الناس فأكرمه».

الثاني: أن لا يكون قد خرج مخرج الأغلب، نحو: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ‏ (3)؛ فإنّ الغالب كون الربائب في الحجور، فالتقييد لذلك، فلا يدلّ على نفي الحكم عن اللاتي لسن في الحجور.

الثالث: أن لا يكون سؤال سائله عن المذكور، فيجاب على طبقه، بأن لا يحتاج السامع إلى بيانه، مثل أن يسأل: في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب بأنّ: «في الغنم السائمة زكاة» و لا لشدّة الاهتمام ببيان حكمه، بأنّ المطلوب بيان ذلك لمن له السائمة دون المعلوفة.

الرابع: أن لا يكون لدفع توهّم عدم تناول الحكم له، كما في قوله تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏ (4)، فلو لا التصريح بالخشية لأمكن توهّم جواز القتل معها، فدلّ بذكرها على ثبوت الحرمة عندها أيضا.

الخامس: أن لا يكون لاقتضاء الحكمة لإعلام حكم المذكور بالنصّ، و ما عداه بالفحص.

السادس: أن لا يظهر للتقييد فائدة اخرى سوى انتفاء الحكم في غير المسكوت عنه؛ لأنّ وجه دلالته على انتفاء الحكم فيه أنّ للتقييد فائدة و غير التخصيص بالحكم منتف،

____________

(1). لم نعثر عليه في المنابع الحديثيّة و لكن ذكره الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 79.

(2). أي استلزم الظهور.

(3). النساء (4): 23.

(4). الإسراء (17): 31.

857

فيدلّ عليه، فإذا ظهرت فائدة اخرى بطل وجه الدلالة.

ثمّ ظهور فائدة اخرى يقتضي‏ (1) تخصيصه بالذكر إمّا يكون لأجل خوف يمنع عن ذكر حال غير المذكور، أو لتقدّم بيان حكم الغير بنحو هذا من قبل، أو لجهالة بحاله فلا يعلم ما حاله، فيترك التعرّض له. و غير ذلك ممّا يقتضي التخصيص.

و بعضهم عبّر عن جميع الشروط المذكورة بالسادس‏ (2) و أدرج كلّها فيه. و لا بأس به؛ لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه فائدة.

و إذ عرفت ذلك فيتفرّع عليه فروع كثيرة:

منها: جواز إعتاق رقبة مؤمنة أو سليمة إذا قال: «عليّ أن اعتق رقبة كافرة أو معيبة»، و جواز التصدّق بحنطة جيّدة إذا نذر «أن يتصدّق حنطة رديّة» لظهور أولويّة غير المذكور.

هذا إذا كان المنذور مطلقا، و لو كان معيّنا فلا يجزئ غيره وفاقا.

و منها: جواز أن يفتدي الزوجة بعوض الطلاق عند الأمن من إقامة الحدود، مع أنّ اللّه تعالى قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏ (3)؛ لأنّ الغالب أنّ الخلع لا يقع إلّا عند الخوف، فلا يدلّ على المنع عند انتفائه.

و قس عليه التفريع في باقي الشروط.

فصل [2] [: في أنّ مفهوم الشرط حجّة]

مفهوم الشرط حجّة، بمعنى‏ (4) أنّ تعليق مطلق الحكم- أمرا كان أو غيره- على شرط يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ما لم يظهر للتقييد به فائدة اخرى، وفاقا للأكثر.

و قال جماعة منهم المرتضى (رحمه اللّه): إنّه ليس بحجّة (5).

____________

(1). الجملة الفعليّة مرفوعة محلّا على أنّها صفة ل «ظهور» لا خبر له و خبره قوله: «إمّا يكون».

(2). لم نعثر على قائله فلمزيد الاطّلاع راجع: الإحكام في أصول الأحكام 3: 79، و إرشاد الفحول 2: 40.

(3). البقرة (2): 229.

(4). هذا إشارة إلى أنّ الكلام و الاختلاف في وجود المفهوم و عدمه لا في حجّيّته و عدمها، فإنّه حجّة بلا كلام إن تحقّق. و بعبارة اخرى: إنّ الكلام يقع في الصغرى دون الكبرى.

(5). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 392- 393 و 406، و حكاه عن الآخرين الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 96.

858

لنا: أنّ الشرط لغة ما ينتفي المشروط بانتفائه‏ (1)، فإذا ثبت كونه شرطا يلزمه ذلك.

و أيضا قولنا: «إن دخل فأكرمه» بمثابة قولنا: «الشرط في إكرامه الدخول» عرفا. و لا ريب أنّ المتبادر منه انتفاء «الإكرام» عند انتفاء «الدخول» فكذا ما هو بمثابته، و إذا كان كذلك عرفا يكون كذلك لغة؛ لأصالة عدم النقل، فيندفع القول بأنّ تسمية «إن» حرف شرط اصطلاح طار، كالرفع و النصب.

و القول بأنّ الغالب في أداة الشرط في الأحكام استعمالها في السببيّة فلا يلزمه ما ذكر (2)، مندفع بأنّ ترتّبه على السبب أجدر؛ لأنّ المسبّب ينتفي بانتفاء السبب. و إمكان تعدّد السبب مدفوع بأصالة العدم. و لو علم التعدّد- كما [إذا] (3) علم إثبات الحقّ المالي بشاهد و امرأتين، و شاهد و يمين، و شاهدين- فالتعليق على أحدها- كما في قوله تعالى:

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ (4)- لا يمنع من ثبوت الحكم بغيره؛ لأنّ السبب حينئذ (5) «أحدها» فانتفاء المسبّب يتوقّف على انتفاء جميعها؛ لأنّ مفهوم «أحدها» لا يعدم إلّا بعدم الجميع.

و لنا أيضا: أنّه لو لم يدلّ على مخالفة المسكوت عنه المذكور، لم يكن لتخصيص الشرط بالذكر فائدة و كان بمثابة قولنا: «الإنسان إذا كان أبيض لا يعلم الغيب» و «إذا كان أسود لا يبصر إذا نام» مع أنّ ظاهر التخصيص يستدعي فائدة. و غير فائدة تخصيص الحكم بالشرط منتف بالفرض أو الأصل‏ (6)، فيلزم الحكم بدلالته عليه؛ صونا لكلام البلغاء عن اللغو.

و هذا الدليل يجري في سائر المفاهيم المتقدّمة سوى مفهوم اللقب؛ لأنّ اللقب لو اسقط اختلّ الكلام و لم يكن مفيدا أصلا، فذكر لذلك. و أمّا غيره، فلو اسقط انتظم الكلام و أفاد،

____________

(1). المعجم الوسيط: 479، «ش ر ط».

(2). أشار إليه ابن الحاجب في منتهى المطلب: 152.

(3). أضفناه لاستقامة العبارة.

(4). البقرة (2): 282. فإنّ الشاهدين من الرجال أحد الأسباب الثلاثة المذكورة.

(5). أي حين العلم بأنّ أسباب إثبات الحقّ المالي ثلاثة.

(6). و المراد به أصالة العدم، و هو استصحاب عدم تحقّق الفائدة عند الشكّ في تحقّقها.

859

فلا بدّ في ذكره من فائدة، و الفرض عدم فائدة سوى مخالفة المسكوت [عنه‏] (1) للمذكور.

و اعترض عليه: بأنّه إثبات للوضع بما فيه من الفائدة، و أنّه باطل؛ لأنّ طريق ثبوته النقل‏ (2).

و الجواب: منع أنّه إثبات الوضع بالفائدة، بل إثبات له بالاستقراء عنهم أنّه إذا لم يكن للّفظ فائدة سوى واحدة تعيّنت.

و يؤكّده أنّه ثبت دلالة التنبيه و الإيماء، و هو الاقتران بحكم لو لم يرد به التعليل، لكان بعيدا، فيحكم بالعلّيّة؛ دفعا للبعد.

و لا ريب أنّ البعد أقلّ محذورا من عدم الإفادة، فإذا أثبتنا العلّيّة حذرا عن البعد، فإثبات المفهوم حذرا عن لزوم كون الكلام غير مفيد أولى. و لا يرد عليه مفهوم اللقب؛ لما تقدّم‏ (3).

ثمّ بعض من أنكر حجّيّة المفهوم ادّعى أنّه لا يوجد صورة لا تحتمل فائدة من الفوائد المتقدّمة (4)، و ذلك كاف لصون الكلام عن اللغو (5). و أنت خبير بأنّ هذا مجرّد دعوى يكذبه‏ (6) التتبّع و التصفّح.

و قد اعترض عليه‏ (7) أيضا بوجوه واهية لا فائدة في إيرادها و التعرّض لدفعها؛ لظهور اندفاعها.

و لنا أيضا: ما روي أنّ بعض الصحابة قال للنبيّ: ما بالنا نقصر من الصلاة و قد أمنّا، و قد قال اللّه تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ‏ (8)؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «صدقة تصدّق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (9).

____________

(1). أضفناه لاستقامة العبارة.

(2). ذكره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 149.

(3). تقدّم في ص 858، و هو أنّ اللقب إذا اسقط اختلّ الكلام.

(4). في ص 858.

(5). ذكره الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 97، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 149 و 150.

(6). أي يبيّن كذبه. و الأولى: «يكذبها».

(7). أي على التأكيد و هو ثبوت دلالة التنبيه و الإيماء. راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 150- 152.

(8). النساء (4): 101.

(9). جامع الاصول 2: 188، ح 583.

860

وجه الاستدلال به أنّه فهم من تقييد قصر الصلاة بحال الخوف عدم قصرها عند عدم الخوف، و أقرّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليه، و لو لم يدلّ عليه لما فهمه منه، و لما أقرّه النبيّ عليه.

و القول بأنّ الفهم و التقرير مستندان إلى استصحاب وجوب الإتمام لا إلى دلالة المفهوم‏ (1)، خلاف المتبادر؛ على أنّ الأصل هو القصر دون الإتمام؛ لما روي أنّ الصلاة كانت ركعتين سفرا و حضرا، فاقرّت صلاة السفر و زيدت في الحضر (2).

احتجّ المخالف بقوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (3)، فإنّ مفهوم الشرط- لو كان حجّة- دلّ على عدم تحريم الإكراه حيث لم يردن التحصّن مع أنّه حرام مطلقا.

و الجواب عنه أوّلا: أنّه يدلّ على عدم حرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصّن، و لا يلزم منه الإباحة؛ لأنّ انتفاء الحرمة قد يكون بطريان الحلّ، و قد يكون لامتناع وجود متعلّقها عقلا؛ لأنّ السالبة تصدق بانتفاء كلّ من الموضوع و المحمول، و هنا قد انتفى الموضوع؛ لأنّه مع عدم إرادة التحصّن يتحقّق إرادة البغاء، و معه يمتنع الإكراه، لأنّه إلزام الغير على فعل يكرهه، و إذا ارتفع الكراهة ارتفع الإكراه، فلا يتعلّق به الحرمة.

و ثانيا: أنّه ممّا خرج مخرج الأغلب؛ إذ الغالب أنّ الإكراه يكون عند إرادة التحصّن؛ و يؤيّده أنّ الآية نزلت فيمن يردن التحصّن و يكرههنّ المولى على الزنى.

و ثالثا: أنّ حجّيّة المفهوم- كما عرفت‏ (4)- إذا لم يظهر للتخصيص فائدة سوى تخصيص الحكم، و هنا يجوز أن يكون الفائدة المبالغة في النهي عن الإكراه، يعني: أنّهنّ إذا أردن التحصّن، فالمولى أحقّ به.

و رابعا: أنّ المفهوم و إن اقتضى ذلك إلّا أنّه انتفى؛ لتعارض ما هو أقوى منه و هو الإجماع.

____________

(1). ذكره الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 97، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 149 و 150.

(2). وسائل الشيعة 4: 88 و 89، أبواب أعداد الفرائض، الباب 24، ح 6 و 7 و 10.

(3). النور (24): 33.

(4). في ص 857.

861

ثمّ الجواب الثاني هو الجواب عن الاحتجاج بمثل قوله تعالى: وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ (1) [و] وَ اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ (2).

و كيفيّة التفريع أنّه يلزم الحكم بدلالة قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء قدر قلّتين لم يحمل خبثا» (3)، و قول الصادق (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (4) على تنجيس ما دون الكرّ بمجرّد الملاقاة، و عدم‏ (5) دخول الأغنياء من أولاد الواقف في الموقوف عليهم لو قال:

«وقفت على أولادي إن كانوا فقراء».

و قس عليه الحكم في الأيمان، و النذور، و الوصايا.

فصل [3] [: في أنّ مفهوم الصفة حجّة]

الحقّ أنّ مفهوم الصفة حجّة، فيقتضي التعليق بها انتفاء الحكم عند انتفائها، وفاقا للشيخ‏ (6) من أصحابنا، و الشافعي‏ (7) من العامّة، و كثير من علماء الفريقين.

و نفاه‏ (8) المرتضى و الحنفيّة و المعتزلة مطلقا.

و قيل: حجّة في ثلاث صور (9) دون غيرها:

الاولى: أن يرد بيانا، كقوله «في الغنم السائمة زكاة» (10)، فإنّ ذكره كان بيانا لقوله (عليه السلام) «خذ من غنمهم صدقة» (11).

____________

(1). البقرة (2): 283.

(2). النحل (16): 114.

(3). تقدّم تخريجه في ص 810.

(4). الكافي 3: 2، باب الماء الذي لا ينجّسه شي‏ء، ح 1 و 2، و تهذيب الأحكام 1: 40، ح 109، و الاستبصار 1: 6، ح 1 و 3، وسائل الشيعة 1: 117، أبواب الماء المطلق، الباب 9، ح 1 و 2 و 6.

(5). عطف إمّا على «دلالة» أو «الحكم».

(6). حكاه عنه الفاضل التوني في الوافية: 232، و الشيخ- بعد نقله كلاما مبسوطا للسيّد المرتضى في الاستدلال على عدم حجّيّة مفهوم الوصف- قال: و في هذه المسألة نظر. راجع العدّة في الأصول 2: 467- 481.

(7). حكاه عنه الأسنوي في التمهيد: 245.

(8). أي نفى وجود المفهوم و هو مساوق لنفي حجّيّته. راجع: الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 392- 393. و الإحكام في أصول الأحكام 3: 80.

(9). نسبه الآمدي إلى أبي عبد اللّه البصري في الإحكام في أصول الأحكام 3: 80، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 149.

(10 و 11). اقتباس من نصوص الزكاة. راجع: دعائم الإسلام 1: 257، و جامع الاصول 4: 41، ح 2671، و وسائل الشيعة 9: 118، أبواب زكاة الأنعام، الباب 7.

862

الثانية: أن يرد للتعليم و تمهيد القاعدة، كقوله (عليه السلام): «إن تخالف المتبايعان في القدر أو الصفة، فليتحالفا و ليترادّا» (1).

الثالثة: أن يكون ما عدا الصفة داخلا تحتها، كالحكم بالشاهدين، فإنّه يدلّ على نفيه عن الشاهد الواحد؛ لدخوله في الشاهدين‏ (2).

لنا: أنّه المتبادر من نحو قوله: «الميّت اليهودي لا يبصر» و لذا يذمّ قائله عرفا بأنّ الميّت المسلم أيضا لا يبصر.

و لنا أيضا بعض ما تقدّم من الأدلّة في مفهوم الشرط (3)، و ما تقدّم في باب القياس‏ (4) من أنّ الترتّب‏ (5) على الوصف يشعر بالعلّيّة، و الأصل نفي علّة اخرى، فينتفي الحكم بانتفائه.

و ما نقل أنّ أبا عبيدة لمّا سمع قوله (عليه السلام): «ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه» (6) و «مطل الغنيّ ظلم» (7)، قال: هذا يدلّ على أنّ ليّ غير الواجد لا يحلّ عقوبته و عرضه، و مطل غير الغنيّ ليس بظلم‏ (8)، و قول مثله حجّة في أمثال المقام؛ لأنّ أكثر اللغة إنّما يثبت بقول أمثاله من الادباء (9).

و ما نقل من إنكار أخفش‏ (10) لم يثبت.

احتجّ النافي مطلقا بوجوه:

منها: أنّه لو دلّ على انتفاء الحكم عن غير محلّ الوصف لكانت‏ (11) إحدى الثلاث، و هي بأسرها منتفية.

____________

(1). راجع بدائع الصنائع 6: 263، لم نعثر عليه في كتب الحديث بألفاظه.

(2). تقدّم آنفا.

(3). تقدّم في ص 857.

(4). تقدّم في ج 1، ص 454.

(5). في «ب»: «الترتيب».

(6). سنن ابن ماجة 2: 811، ح 2427، و سنن أبي داود 3: 313، ح 3628، و أمالي الطوسي: 520، ح 1146، و عوالي اللآلئ 4: 72، ح 44.

(7). عوالي اللآلئ 4: 72، ح 45.

(8). حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 81، و العلّامة في تهذيب الوصول: 102.

(9). كالشافعي كما في منتهى الوصول لابن الحاجب: 149.

(10). حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 81، و العلّامة في تهذيب الوصول: 102.

(11). أي لكانت تلك الدلالة.

863

أمّا المطابقة و التضمّن، فظاهر؛ إذ نفي الحكم عن غير محلّ الوصف ليس عين إثباته فيه و لا جزأه، على أنّه لو كان كذلك، لكانت الدلالة بالمنطوق لا بالمفهوم و لم يقل به أحد.

و أمّا الالتزام، فلانتفاء اللزوم الذهني و العرفي بين ثبوت الحكم عند صفته و انتفائه عند اخرى‏ (1).

و جوابه: أنّ إنكار ثبوت اللزوم العرفي في مثله مكابرة.

و منها: أنّه لو دلّ عليه لدلّ عليه في الخبر، و اللازم باطل؛ لأنّ قولنا: «في بلدنا رجال علماء» لا يدلّ على عدم الجهّال فيها، و هو ظاهر من اللغة و العرف.

و الجواب: منع بطلان اللازم؛ فإنّا نلتزم أنّ الخبر فيه مثل الأمر لغة و عرفا، و إنّما يختلف في بعض الأمثلة كالمثال المذكور و مثله بقرائن خارجيّة.

و منها: أنّه لو صحّ لما صحّ أداء الزكاة السائمة و المعلوفة، كما لا يصحّ «لا تقل له افّ و اضربه»؛ للزوم التناقض.

و الجواب: أنّ صرف الظواهر عن معانيها لدليل لا يوجب التناقض، و إنّما يوجبه الصرف في القطعيّات، و لذا لا يجوز في مفهوم الموافقة.

و منها: أنّه لو ثبت المفهوم لزم التعارض عند المخالفة، كما في قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (2)؛ إذ مفهومه عدم النهي عن القليل منه، و النهي ثابت في الكثير و القليل، و التعارض خلاف الأصل، و إذا لم يثبت‏ (3) لم يلزم ذلك، و ما يوجب خلاف الأصل مرجوح.

و الجواب: أنّ خلاف الأصل يجب المصير إليه إذا ثبت عليه الدلالة.

و ممّا ذكرنا يظهر فساد القول بالتفصيل.

و كيفيّة التفريع أنّ المفلّس لو زرع في الأرض التي اشتراها و لم يدفع ثمنها و أراد بائعها أخذها، لا يقلع زرعه مجّانا و لا بأرش، بل عليه إبقاؤه إلى إبّان‏ (4) جذاذ الزرع؛ لقوله (عليه السلام):

____________

(1). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 3: 81- 83، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 151.

(2). آل عمران (3): 130.

(3). الضمير المستتر راجع إلى المفهوم.

(4). إبّان الشي‏ء: أوّله.

864

«ليس لعرق ظالم حقّ» (1)، فإنّه يدلّ بالمفهوم على أنّ عرق غير الظالم، له حقّ، و المفلّس ليس بظالم. و كذا لو أخذ الشفيع الأرض بالشفعة بعد زرع المشتري أو انقطعت مدّة المزارعة و الزرع باق و لم يؤخّره عن المدّة المشروطة وقت العقد.

فصل [4] [: الخلاف في حجّيّة مفهوم العدد]

قيل: مفهوم العدد حجّة مطلقا (2).

و قيل: لا حجّيّة فيه مطلقا (3).

حجّة الأوّل: بعض الأدلّة المذكورة في مفهوم الصفة (4)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لأزيدنّ على السبعين» (5) بعد نزول قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏ (6)؛ فإنّه يدلّ على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) فهم منه أنّ حكم ما زاد على السبعين خلاف حكمه، و هو مفهوم العدد.

و فيه: أنّ سوق الآية يدلّ على أنّ ذكر السبعين للتأكيد و المبالغة، فما زاد على السبعين مثله في الحكم، و لعلّه (صلّى اللّه عليه و آله) علم أنّه غير مراد بخصوصه، أو أبقاه على أصله من الجواز؛ إذ لم يتعرّض له بنفي و إثبات، و الأصل جواز الاستغفار للرسول و كونه مظنّة للإجابة، ففهم من حيث إنّه الأصل لا من التخصيص بالذكر.

و بأنّه‏ (7) لو لم يدلّ تعليق حكم على عدد [على‏] (8) مخالفة غيره له في الحكم لزم أن لا يحصل الحكم به؛ لاستلزامه تحصيل الحاصل، ففي نحو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا إحداهنّ بالتراب» (9) يلزم أن لا يكون السبع مطهّرة؛ لأنّ‏

____________

(1). سنن الترمذي 3: 662، ح 1378، و سنن أبي داود 3: 178، ح 3073، و تهذيب الأحكام 6: 294، ح 819، و 7:

206، ح 909، و وسائل الشيعة 25: 388، أبواب الغصب، الباب 3، ح 1.

(2). حكاه الأسنوي عن الشافعي في التمهيد: 252.

(3). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 103- 104.

(4). تقدّمت في ص 863.

(5). الكشّاف 2: 294، ذيل الآية 80 من سورة التوبة (9)، و الدرّ المنثور 4: 254.

(6). التوبة (9): 80.

(7). متعلّق بالمقدّر، أي احتجّ الأوّل بأنّه.

(8). ما بين المعقوفين أضفناه بمقتضى العبارة.

(9). سنن ابن ماجة 1: 130، ح 363، و صحيح مسلم 1: 236، ح 91/ 279.

865

الطهارة حينئذ (1) تحصل بدون السبع و معه لا تحصل بالسبع؛ لأنّه تحصيل الحاصل، و هو محال. و كذا في قوله: «خمس رضعات يحرّمن» (2) يلزم أن لا يكون الخمس محرّمة؛ لما ذكر (3). و هو يدلّ على مخالفة الناقص له دون الزائد (4).

و حجّة الثاني عدم ما يدلّ على المخالفة.

و الحقّ أن يقال: إنّ تعليق شي‏ء على عدد خاصّ إمّا يكون لكونه علّة لوجوده، أو عدمه، أو بدون ذلك.

فإن كان علّة لوجوده، كقوله: «طهور إناء» (5) دلّ على انتفائه في الناقص؛ لانتفاء ما هو العلّة، و ثبوته في الزائد؛ لوجود العلّة فيه.

و إن كان علّة لعدمه دلّ على وجوده في الأقلّ؛ لانتفاء ما هو العلّة، و عدمه في الأكثر؛ لوجود العلّة فيه، كحديث القلّتين‏ (6)؛ حيث يفهم منه أنّ الأقلّ يحمل الخبث دون الأكثر.

و إن لم يكن علّة، فالشي‏ء المعلّق عليه إمّا يكون ثبوتيّا أو عدميّا، فإن كان ثبوتيّا فإمّا يكون حكما شرعيّا أو لا، فإن كان حكما شرعيّا فإمّا يكون تحريما أو غيره.

فإن كان تحريما دلّ على ثبوته في الزائد دون الناقص من حيث اعتباره فقط؛ فإنّ تحريم ضرب المائة يدلّ على تحريم ضرب المائتين، لوجود المحرّم فيه، و لا يدلّ في الناقص فقط على نفي و لا على إثبات.

نعم، يدلّ على تحريمه من حيث إنّه في ضمن المحرّم، و ربما دلّ على تحريمه و إن اعتبر فقط، كتحريم استعمال نصف الكرّ مع وقوع النجاسة فيه؛ فإنّه يستلزم تحريم الأقلّ إذا وقع فيه النجاسة.

و إن كان غير تحريم من إيجاب أو ندب أو إباحة، دلّ على ثبوته في الناقص‏

____________

(1). أي عدم المفهوم.

(2). راجع صحيح مسلم 2: 1075، باب التحريم بخمس رضعات، ح 24 و 25.

(3). و هو لزوم تحصيل الحاصل.

(4). خلاصة الجواب أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّ مقتضى الدليل هو إثبات المفهوم و نفي الحكم بالنسبة إلى الناقص دون الزائد و المدّعى نفي الحكم عن الزائد و الناقص كليهما.

(5). تقدّم آنفا.

(6). تقدّم في ص 861.

866

من حيث إنّه في ضمنه، و لا دلالة فيه عليه من حيث اعتباره فقط و على الزائد بشي‏ء، و سرّه ظاهر.

و إن لم يكن حكما شرعيّا، بل كان غيره كالبيع و الإجارة و أمثالهما، مثل قوله لوكيله:

«بع هذا أو اشتره، أو آجره أو استأجره بمائة» لم يدلّ على شي‏ء من النفي و الإثبات في الناقص و الزائد؛ لانتفاء الدلالة اللغويّة و العرفيّة و العقليّة.

و لذلك لو باع أو اشترى بأقلّ أو أكثر، و أجاز الموكّل، صحّ؛ و لزوم تحصيل الحاصل في الناقص إنّما يكون فيما هو علّة؛ و فهم الانتفاء أو الثبوت في الناقص أو الزائد في بعضها إنّما هو بقرائن خارجيّة، و لذا يفهم في بعض آخر خلافه.

و إن كان عدميّا نحو: «لا تبع أو لا تشتر هذا بمائة» فحكمه حكم السابق، من عدم دلالته على شي‏ء من النفي و الإثبات، و الناقص و الزائد (1).

فصل [5] [: في أنّ مفهوم الغاية أقوى من مفهوم الشرط]

مفهوم الغاية أقوى من مفهوم الشرط، فالتقييد بها يدلّ على مخالفة ما بعدها لما قبلها؛ وفاقا لكلّ من قال بحجّيّة مفهوم الشرط (2)، و بعض من لم يقل بها (3).

و خالف في ذلك المرتضى‏ (4) من أصحابنا، و بعض العامّة (5).

لنا: أنّ التعليق على الغاية يجب أن يكون لفائدة، و الفائدة هي مخالفة ما بعدها لما قبلها في الحكم؛ لأنّ الأصل‏ (6) أو الفرض عدم غيرها من الفوائد. و قد أشرنا (7) إلى أنّ مثل ذلك يجري في جميع التراكيب التعليقيّة.

و القول بأنّ جميع الفوائد متساوية في الافتقار إلى القرينة، و ليس للمخالفة المذكورة

____________

(1). كذا في النسختين. و الظاهر الصحيح: «في الناقص و الزائد».

(2). كالشافعي و الأشعري و إمام الحرمين كما في منتهى الوصول لابن الحاجب: 149 و 152.

(3). كالقاضي و عبد الجبّار و الغزالي و البصري كما في المصدر.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 407.

(5). نسبه ابن الحاجب إلى بعض الفقهاء في المصدر.

(6). و المراد به أصالة العدم و هو استصحاب عدم تحقّق الفائدة عند الشكّ في وجودها.

(7). تقدّم في ص 858.

867

أولويّة على غيرها من الفوائد المتقدّمة ليحمل‏ (1) عليها عند عدم القرينة (2)، ضعيف؛ لأنّها هي المتبادرة عند عدم القرينة.

و الظاهر أنّ المنكر للتبادر، و القائل بأنّ نسبة هذه التراكيب إلى هذه الفائدة و غيرها من الفوائد كنسبة المشترك إلى معانيه، مكابر.

و قد تقدّم- أيضا- في مفهوم الشرط بعض أدلّة أخر (3) يدلّ عليه.

و أيضا «صم إلى الليل» معناه: أنّ آخر وجوب الصوم مجي‏ء الليل، فلو فرض ثبوت الوجوب بعد مجيئه، لم يكن الليل آخر وقت الوجوب، و هو خلاف المنطوق.

و الإيراد عليه: بأنّ المستفاد منه أنّ الصوم الواجب بهذا الخطاب انتهاؤه أوّل الليل و هو لا يستلزم عدم وجوبه بعده، بل يجوز أن يكون مطلوبا موسّعا بعده أيضا لكن سكت عنه لمصلحة (4)، خلاف التبادر، سيّما إذا كان الآمر هو الشارع.

لا يقال: لو كان فرض ثبوت الوجوب بعد مجي‏ء الليل خلاف المنطوق، كان هذا المفهوم من جملة المنطوق؛ لأنّه لو اريد بآخر وجوب الصوم ما ينتهي إليه و ينقطع عنده، فقد صار المفهوم منطوقا، مع أنّه يلزم كون الكلام حينئذ مجازيا مع التصريح بعدم المفهوم، و لم يقل به أحد، و إن اريد به ما ينتهي إليه سواء انقطع أم لا، فلا يلزم خلاف المنطوق.

لأنّا نقول: المراد به، المنتهى لا بشرط شي‏ء، من دون ملاحظة أنّ نفسه أو ما بعده حكمه خلاف حكم ما قبله، و من دون ملاحظة أنّه أو ما بعده أعمّ من أن يكون موافقا أو مخالفا، بل لوحظ من غير تخصيص و تعميم. و يدّعى أنّ كون الشي‏ء منتهى يستلزم أن يكون نفسه أو ما بعده مخالفا لما قبله في الحكم، و لذا لو ارتفع هذا اللازم ارتفع الملزوم الذي هو المنطوق، فلا يلزم صيرورة المفهوم منطوقا، و لا كون الكلام مجازيا مع التصريح بعدم المفهوم.

ثمّ إنّ كون حكم نفس الغاية مثل حكم ما بعدها أو ما قبلها قد ظهر ممّا تقدّم، فلا نعيده.

و كيفيّة التفريع ظاهرة.

____________

(1). في «ب»: «ليحصل».

(2). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 102.

(3). تقدّم في ص 857.

(4). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 102.

868

فصل [6] [: في الفرق بين «إلّا» و «إنّما» في إفادتهما للحصر]

لا ريب في أنّ «إلّا» و «إنّما» يفيدان الحصر، إلّا أنّ «إلّا» يفيده بالمنطوق، و «إنّما» يفيده بالمفهوم.

و يدلّ على الأوّل استعمال الفصحاء، و النقل عن أئمّة النحو و التفسير (1).

و على الثاني عدم جواز: «ما زيد إلّا قائم لا قاعد» و جواز «إنّما زيد قائم لا قاعد»، و استعمال صريح النفي و الاستثناء عند إصرار المخاطب على الإنكار و عدم استعمال «إنّما» عنده.

و من الناس من قال: إنّ «إنّما» لا يفيد الحصر؛ لعدم الفرق بين «إنّ زيدا قائم» و «إنّما زيد قائم»، فإنّ «ما» هاهنا زائدة لمجرّد التأكيد (2).

و منهم من قال: إنّه يفيده بالمنطوق دون المفهوم؛ لعدم الفرق بين «إنّما إلهكم اللّه» و بين «لا إله لكم إلّا اللّه» (3).

و كلاهما مصادرة على المدّعى، يدفعه ما ذكرناه.

و يتخرّج عليه فروع كثيرة من الأخبار و الأقارير و الوصايا و غيرها.

فصل [7] [: في أنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر]

صرّح علماء المعاني بأنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر (4). و هو إمّا يحصل من تقديم المبتدأ على الخبر، نحو: «تميميّ أنا»، أو من تقديم متعلّقات الفعل عليه، كالحال و المفعول و التمييز، أو من تقديم الفاعل المعنوي، نحو: «أنا عرفت» و «رجل عرف».

و لم يلتفت إلى هذه الأقسام في كتب الاصول؛ لمجيئها في مواضع كثيرة لغير الحصر، بل الملتفت إليه فيها قسمان آخران:

____________

(1). راجع تمهيد القواعد: 478، القاعدة 169.

(2). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 106.

(3). حكاه الأسنوي في التمهيد: 218.

(4). راجع المطوّل: 214.

869

أحدهما: أن يعرّف المبتدأ- سواء كان صفة أو اسم جنس- و يجعل الخبر ما هو أخصّ منه مفهوما، سواء كان علما أو غير علم، مثل: «العالم زيد» و «صديقي عمرو» و «الرجل خالد» و «الكرم في العرب» و «الأئمّة من قريش».

و ثانيهما: عكسه، مثل: «زيد العالم».

و الحقّ، أنّهما يفيدان الحصر بالمفهوم دون المنطوق؛ وفاقا لأئمّة المعاني، و محقّقي الاصوليّين‏ (1).

أمّا الأوّل، فلأنّ المعرّف لمّا كان ظاهرا في العموم و الجنسيّة- على ما هو قانون الخطابيّات- أفاد اتّحاد الجنس مع الموصوف بحسب الوجود، و هو المعنيّ من الحصر.

كيف؟ و لو لم يفده، لزم الإخبار بالأخصّ عن الأعمّ- لظهوره في العموم؛ نظرا إلى عدم كونه للعهد و الجنس؛ لعدم القرينة الصارفة إلى العهد، و عدم جواز الإخبار عن الحقيقة الكلّيّة بأنّها زيد الجزئي- و هو (2) غير جائز، كما لا يجوز: «الحيوان إنسان» و «اللون سواد»؛ لأنّ الثابت للعامّ ثابت لجزئيّاته، فيلزم ثبوت زيد لعمرو (3)، و ثبوت الإنسانيّة للفرس.

و أمّا إن لم يجعل ظاهرا في العموم- على ما هو قانون الاستدلال- فلا يفيد الحصر، بل يؤخذ الأقلّ المتيقّن، و لذا يجعله أهل المنطق في قوّة الجزئيّة، أي بعض العالم زيد.

و أمّا الثاني، فلأنّه لا تعلّق له بالنفي أصلا، فلا معنى لدلالته عليه. هذا.

و من الناس من قال: إنّهما لا يفيدان الحصر (4).

و منهم من قال: يفيده‏ (5) بالمنطوق دون المفهوم‏ (6). و تمسّكوا بشبهة واهية أعرضنا عن التعرّض لإيرادها و دفعها؛ لظهور فسادها.

و التفريع غير خفيّ.

____________

(1). حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 107.

(2). أي الإخبار بالأخصّ عن الأعمّ.

(3). توضيحه: أنّ الزيديّة في قوله: «الإنسان زيد» ثابتة لأفراد الإنسان و منهم عمرو فثبت الزيديّة لعمرو. و قس عليه الحيوان إنسان. و على المصنّف أن يتعرّض للازم قوله: «اللون سواد» و هو اجتماع الضدّين، فإنّ السواديّة ثابتة لأفراد اللون و منها البياض، فيلزم اجتماع البياض و السواد.

(4). حكاه الآمدي عن الحنفيّة و القاضي أبي بكر و جماعة من المتكلّمين في الإحكام في أصول الأحكام 3: 107.

(5). كذا في النسختين. و الصحيح: «يفيدانه».

(6). حكاه الشوكاني في إرشاد الفحول 2: 47.

870

فصل [8] [: في حجّيّة مفهوم الزمان و المكان‏]

مقتضى بعض الأدلّة السابقة حجّيّة مفهوم الزمان و المكان، فتقييد الحكم بزمان أو مكان يدلّ على مخالفة غير ذلك الزمان و المكان لهما فيه، فلو قال لوكيله: «افعله»، ثمّ قال له:

«افعله في هذا اليوم» أو «هذا المكان» كان منعا له فيما عدا ذلك، فلو خالف الوكيل و فعل فيما عدا ذلك، لم يصحّ، فلو كان فعله واحدا من العقود أو الإيقاعات بطل.

و لو قال المدّعى عليه: «لا يلزمني تسليم هذا المال اليوم»، فقيل: لا يكون إقرارا (1)؛ لأنّ الإقرار لا يثبت بالمفهوم، و مقتضى المفهوم لزومه في غير ذلك اليوم، فيكون إقرارا بالمؤجّل، أو بثبوته قبل ذلك، فيلزمه إثبات الردّ، فلو لم يثبته لزمه الأداء.

تنبيه [: ظهور فائدة الخلاف في حجّيّة المفهوم عند مخالفة المفهوم للأصل‏]

لا يخفى عليك أنّ فائدة الخلاف في حجّيّة المفهوم و عدمها إنّما تظهر إذا كان المفهوم مخالفا للأصل، نحو «ليس في الغنم المعلوفة زكاة» أو «ليس في الغنم إذا كانت معلوفة زكاة» أو «ليس في الغنم زكاة إلى أن تسوم» و «إنّما ليس في الغنم زكاة». أو «لا تبع في هذا الزمان» أو «المكان».

و أمّا إذا كان موافقا للأصل، نحو «في الغنم السائمة زكاة» و مثله، فلا يظهر للخلاف فيه ثمرة؛ لثبوت المفهوم بالبراءة الأصليّة و إن لم يقل بحجّيّته.

فصل [9] [: في عدم حجّيّة مفهوم اللقب‏]

مفهوم اللقب ليس حجّة؛ خلافا لمن لا يعتدّ به‏ (2)، فتعليق الحكم بالاسم- طلبا كان أم خبرا- لا يدلّ على نفي الحكم عمّا لم يتناوله الاسم؛ لأنّه قد تقدّم‏ (3) أنّ المقتضي لاعتبار المفهوم اشتمال الكلام على اللغو لولاه، و اللقب قد انتفى فيه هذا المقتضي؛ إذ لو طرح اختلّ الكلام.

____________

(1). نقله الأسنوي عن الرافعي في التمهيد: 259- 260.

(2). نسبه ابن الحاجب إلى الدقّاق و بعض الحنابلة في منتهى الوصول: 152.

(3). تقدّم في ص 858.

871

و أيضا لو كان حجّة لزم الكفر من قولنا: «زيد موجود (1)، أو «عالم»، أو «قادر» و «عيسى رسول اللّه».

احتجّ الخصم بأنّ التخصيص لا بدّ له من فائدة.

و قد ظهر جوابه.

و بأنّ قول القائل لمن يخاصمه: «ليست امّي بزانية» يتبادر منه نسبة الزنى إلى أمّ الخصم، و لو لا ثبوت مفهوم اللقب لم يتبادر ذلك‏ (2).

و جوابه: أنّ ذلك مفهوم من القرائن الحاليّة- و هي الخصومة و إرادة الإيذاء- لا من اللقب.

و كيفيّة التفريع أنّ تخصيص واحد من الجماعة الذين وكّلهم في بيع و نحوه بالإذن ليس رجوعا عن غيره. و قس عليه أمثاله.

تذنيب [: كفاية اقتصار تحقّق أقلّ مراتب الحكم المعلّق على اسم‏]

الحكم المعلّق على اسم يكفي فيه الاقتصار على ما يتحقّق معه في أقلّ مراتبه.

و وجهه ظاهر.

و القول بأنّه لا بدّ من آخره احتياطا، لا وجه له؛ فلو لزم على رجل بعقد السلم أو غيره تسليم شي‏ء إلى غيره في البلد الفلاني، يكفيه تسليمه في أوّل جزء من البلد. و قس عليه أمثاله.

____________

(1). لدلالته على نفي الوجود عن غير زيد حتّى عن اللّه تبارك و تعالى.

(2). احتجّ به ابن الحاجب في منتهى الوصول: 152.

872

الباب السابع في النسخ‏

[معنى النسخ لغة و اصطلاحا]

اعلم أنّ «النسخ» لغة: الإزالة (1)، يقال: «نسخت الشمس الظلّ» و «نسخت الريح آثار القدم» أي أزالته. و قد يطلق على النقل، يقال: «نسخت الكتاب» أي نقلت ما فيه إلى آخر، و منه التناسخ في الأرواح، و المناسخات في المواريث.

و الحقّ أنّه حقيقة في الأوّل، مجاز في الثاني؛ لأولويّة المجاز على الاشتراك، و تبادر الأوّل منه دون الثاني عند الإطلاق، و لأنّ الأوّل- و هو الإعدام مطلقا- أعمّ من الثاني و هو إعدام صفة و إحداث اخرى، و وضع اللفظ للأعمّ أولى.

و أمّا في الاصطلاح، فلمّا اختلفوا في أنّه هل هو رفع الحكم، أو بيان انتهاء مدّة الحكم؟

فعرّفه الذاهب إلى الأوّل ب «أنّه رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر» (2).

و عرّفه القائل بالثاني ب «أنّه بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متأخّر» (3).

و احتجّ الأوّل: بأنّ الخطاب تعلّق بالفعل، فلا يعدم لذاته و إلّا لما وجد، فعدمه يتوقّف على مقدّم‏ (4) و هو الناسخ.

و احتجّ الثاني: بأنّه تعالى إن علم الدوام فلا نسخ، و إلّا انتهى الحكم لذاته، و بأنّ الباقي ضدّ الحادث، فليس رفع الباقي بطريان الحادث أولى من دفع الحادث ببقاء الباقي.

و الحقّ أنّه إذا وقع تكليف بفعل ثمّ نسخ بعد ذلك، فلا ريب في أنّ ثبوته بالنسبة إلى اللّه‏

____________

(1). الصحاح 1: 433، «ن س خ».

(2). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 154.

(3). نسبه ابن الحاجب إلى الفقهاء في المصدر.

(4). كذا في النسختين. و الصحيح: «معدم».

873

تعالى و في الواقع إنّما كان إلى ذلك الوقت؛ لعلمه تعالى بأنّه يبقى إلى هذا الوقت و ينقطع بعده، فلو قدّر عدم ورود الناسخ لكان منقطعا عنده تعالى، فهو بالنسبة إليه و في الواقع بيان انتهاء الحكم، و الناسخ مبيّن له.

و القول بأنّه يجوز تعلّق علمه برفع الناسخ إيّاه‏ (1)، يدفعه أنّ الأحكام تتبع المصالح، فتغيّر (2) بتغيّرها، و تغيّرها إنّما هو بحسب الأوقات و الأشخاص و الأعراض المختلفة.

فالنسخ هو ثبوت حكم في زمان دون آخر، أو الأشخاص دون آخرين، أو عند وجود صفة دون اخرى، فهو ينقطع بانقطاعها و انتهائها، فبعدها لا يكون ثابتا حتّى يكون الناسخ رافعا له، بل هو مبيّن لعدمه فيه.

نعم، هو بالنسبة إلينا دفع؛ لعدم علمنا بأنّ ثبوته إلى وقت خاصّ، بل المعلوم عندنا أنّه باق في كلّ وقت و لذا لو لم يطرأ الناسخ لبقي في حقّنا.

و يظهر من ذلك أنّ لكلّ من التعريفين وجها إلّا أنّ الثاني أولى؛ لأنّ طريان الناسخ يكشف لنا عدم ثبوته بعد ذلك، فيعلم أنّه مبيّن لا رافع.

ثمّ إنّ تقييد الحكم بالشرعي؛ لإخراج المباح بحكم الأصل إذا رفع بدليل شرعي، فإنّه ليس نسخا. و يندرج في الحكم الشرعي ما استفيد من خطاب الشرع منطوقه و مفهومه، و صريحه و فحواه، أو من فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

و تقييد الدليل بالشرعي؛ ليخرج رفعه بالعجز و الموت و النوم و الغفلة و الجنون، فإنّ رفعه بها و إن اقتضاه دليل إلّا أنّ الدالّ هو العقل، بمعنى أنّه يحكم برفعه بها، و مجرّد ذلك يخرجه عن النسخ و إن انضمّ إليه دلالة شرعيّة أيضا، فلا يرد أنّ دلالة العقل عليه لا تمنع من دلالة الشرع عليه أيضا (3).

ثمّ هذا مبنيّ على عدم جواز النسخ بالعقل، فمن جوّز النسخ بالعقل لا يحتاج إلى هذا التقييد.

____________

(1). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 156.

(2). أي فتتغيّر بحذف إحدى التاءين.

(3). نسبه ابن الحاجب إلى أبي مسلم الأصفهاني في منتهى الوصول: 154.

874

و تقييده بالمتأخّر؛ لإخراج الحكم المرتفع بالامور المتّصلة به، من الاستثناء و الشرط و الصفة و الغاية. و المراد بالمتأخّر ما يعدّ متأخّرا عرفا، فيرادف المتراخي، و قد قيّد به بعضهم‏ (1)، و هو الأظهر.

لا يقال: إنّ الحكم في الكلام المشتمل على أحد هذه التقييدات لم يثبت قبل مجيئه؛ لأنّ الكلام بالتمام، فلا يحصل به رفع.

لأنّا نقول: رفع التوهّم، و التصريح ممّا يقصد في الحدود. هذا.

و للنسخ حدود مزيّفة مذكورة في بعض مصنّفات الاصول‏ (2) لم نر جدوى في إيرادها.

فصل [1] [: جواز النسخ و وقوعه‏]

لا ريب في جواز النسخ و وقوعه، و قد أجمع عليهما أرباب الأديان إلّا اليهود فيهما (3)، و الأصفهاني في الثاني، سيّما في القرآن‏ (4).

لنا على اليهود: أنّ الأحكام إن كانت تابعة للمصالح فتتغيّر بتغيّرها بحسب الأوقات و الأشخاص، و إلّا فله أن يحكم ما يشاء.

و أنّ آدم زوّج بناته من بنيه- كما في التوراة (5)- و الآن محرّم وفاقا.

و أنّ نوحا احلّ له كلّ دابّة، ثمّ حرّم كثير من الحيوان على لسان موسى.

و أنّ بني إسرائيل امروا بتقريب خروفين كلّ يوم بكرة و عشيّا- كما جاء في السفر الثاني من التوراة (6)- ثمّ نسخ عنهم.

و أنّ نبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) ثبتت بالقاطع و جواز النسخ من ضروريّات دينه.

و ممّا يكذبهم- و إن لم يقل به أهل ملّة- ما هو مذكور في توراتهم الموجودة الآن‏

____________

(1). نسبه المحقّق الحلّي إلى المفيد في معارج الاصول: 166.

(2). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 154- 155.

(3). حكاه الفخر الرازي عن اليهود في المحصول 3: 294، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 127.

(4). حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول 3: 307، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 127.

(5). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 129.

(6). الكتاب المقدّس: 261، عدد 28. و حكاه أيضا الفخر الرازي في المحصول 3: 306.

875

أنّ لوطا شرب الخمر و وطئ بناته‏ (1).

و احتجّوا بأنّ الفعل الواحد لا يحسّن و لا يقبح‏ (2).

و الجواب: أنّه مبنيّ على كون الحسن و القبح من ذاتيّات الفعل و قد تقدّم فساده‏ (3) و بأنّه لو جاز النسخ- و هو ارتفاع الحكم- فإمّا قبل وجوده، أو بعده، أو معه.

و الكلّ باطل.

أمّا الأوّل، فلأنّ ما لم يوجد لا معنى لارتفاعه.

و أمّا الأخيران، فلأنّ ما وجد قد حصل به الامتثال، فلا معنى لنسخه.

و الجواب: أنّ هذا يدلّ على أنّ الفعل لا يرتفع، و لا نزاع فيه، إنّما النزاع في ارتفاع التكليف الذي كان متعلّقا به، بمعنى زوال تعلّقه و استمراره و هو ممكن، كما يزول بالموت؛ فإنّه لم يبق بعد الموت مكلّفا بعد أن كان مكلّفا، و هو معنى الارتفاع في النسخ لا أنّ الفعل نفسه يرتفع.

فإن قيل: نردّد (4) في التكليف.

قلنا: معنى ارتفاعه انقطاع تعلّقه، لا انعدامه بعينه.

فإن قيل: نردّد في التعلّق.

قلنا: معنى ارتفاعه: أنّه وجد في وقت دون وقت آخر، فانقطع الاستمرار الذي كان يتحقّق لو لا الناسخ.

و بأنّ موسى قال لقومه: هذه شريعة مؤبّدة عليكم ما دامت السماوات و الأرض‏ (5).

و الجواب: أنّه فرية، و لو كان صحيحا لقضت العادة باحتجاجهم به على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و قد قيل: إنّما اختلقه ابن الراوندي‏ (6)، أو المراد من الأبد الزمان الطويل كما وقع في‏

____________

(1). الكتاب المقدّس: 29، تكوين 19.

(2). أي معا.

(3). تقدّم في بحث الحسن و القبح.

(4). أي نردّد السؤال في ناحية التكليف دون الفعل. و في «ب»: «يردّد».

(5). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 132.

(6). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 136، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 156.

876

التوراة في عتق العبد: بأنّه يستخدم ستّ سنين، و يعتق في السابعة، فإن أباه، فليثقب اذنه و يستخدم أبدا (1).

و لهم شبه آخر ظاهرة الدفع و لذا لم نتعرّض لإيرادها.

و لنا على الأصفهاني: آية القبلة (2) و العدّة (3)، و الثبات‏ (4)، و الصدقة (5)، و وجوب الوصيّة للأقربين‏ (6)، و إجماع المسلمين على أنّ شريعتنا ناسخة لما يخالفها من الأحكام.

و احتجّ‏ (7) بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ‏ (8).

و جوابه ظاهر.

فصل [2] [: الخلاف في جواز النسخ قبل حضور وقت الفعل‏]

لا خلاف في جواز النسخ بعد حضور وقت الفعل و إن لم يفعله؛ لجواز كون الفعل مصلحة في وقت فيؤمر به، و مفسدة في آخر فينهى عنه، و العاصي و الكافر مخاطبان بالناسخ و المنسوخ.

إنّما الخلاف في جوازه قبل حضور وقت الفعل، كأن يقول: «حجّوا هذه السنة» ثمّ يقول- قبل دخول عرفة، أو بعد دخولها قبل مضيّ زمان يسع المناسك-: «لا تحجّوا»، أو يأمر بصلاة الظهر، و ينسخها قبل دخول الظهر، أو بعد دخوله قبل مضيّ زمان يسع فيه أربع ركعات؛ فالمرتضى‏ (9) و الشيخ‏ (10) و أكثر المحقّقين من أصحابنا و جمهور المعتزلة على عدم الجواز. و المفيد (11) و أكثر العامّة على الجواز.

____________

(1). الكتاب المقدّس (التوراة): 120، الإصحاح 21، الخروج.

(2). البقرة (2): 144: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ....

(3). البقرة (2): 234: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً ....

(4). الأنفال (8): 66: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ‏ ... فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا ....

(5). المجادلة (58): 12: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ....

(6). البقرة (2): 180: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ....

(7). أي الأصفهاني تقدّم في ص 874.

(8). فصّلت (41): 42.

(9). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 430- 431.

(10). العدّة في أصول الفقه 2: 519.

(11). حكاه عنه الشيخ في العدّة في أصول الفقه 2: 518- 519.

877

و الحقّ الأوّل؛ لأنّ الفعل في الوقت الذي عدم فيه الوجوب إن لم يكن واجبا، فلا يكون نفي الوجوب فيه نسخا، و إن كان واجبا لزم توارد الأمر و النهي على محلّ واحد و هو محال؛ لأنّ الأمر يقتضي حسنه. و النهي يقتضي قبحه، و هما لا يجتمعان فيه، و لأنّه إن كان حسنا يقبح النهي عنه، و إن كان قبيحا يقبح الأمر به‏ (1).

و اجيب عنه باختيار عدم وجوبه في هذا الوقت- أي الوقت الذي قبل التمكّن- و منع عدم النسخ حينئذ؛ لأنّ هذا الوقت ذو أجزاء، فالإثبات في بعضها و النفي في بعض آخر، فأمر بالفعل في وقت، ثمّ نهى عنه في وقت آخر هو وقت النسخ، و كلا الوقتين من قبل وقت التمكّن، فالتكليف و عدمه قبل وقت التمكّن في زمانين، فلا تناقض إلّا أنّ متعلّقهما هو الفعل في وقت واحد هو وقت التمكّن، فالأمر (2) بفعل بعد الزوال مثلا يكون مأمورا به عند الطلوع و منهيّا عنه في الضحى، إلّا أنّ متعلّق الأمر و النهي هو الفعل بعد الزوال، و ذلك جائز، و هو محلّ النزاع.

و أنت تعلم أنّ حاصله أنّ الأمر و النهي تعلّقا في زمانين بشي‏ء غير مراد، فالأمر به في هذا الزمان حسن من حيث هو، و النهي عنه في ذلك الزمان قبيح من حيث هو (3).

و فيه: أنّ الأمر و النهي يتبعان متعلّقهما في الحسن و القبح، إن حسنا فحسنان، و إن قبيحا فقبيحان، فمتعلّقهما- و هو الفعل في وقت التمكّن- إن كان غير مراد لم يكن مأمورا به، فلا معنى لحسن الأمر به في وقت، فينتفي النسخ، و إن كان مرادا فلا معنى للنهي عنه.

و بذلك يندفع ما قيل: أنّ الأمر كما يحسن لمصلحة تنشأ من المأمور به، كذلك يحسن لمصلحة تنشأ من نفس الأمر، من توطين نفسه على الامتثال فيصير مطيعا، أو عزمه على الترك فيصير عاصيا (4)، على أنّ ذلك لو صحّ فإنّما يصحّ ممّن لا يعلم العواقب دون من يعلمها؛ لاقتضائه السخريّة و الإغراء بالجهل.

فإن قيل: هذا الدليل ينفي النسخ مطلقا، فلا يصحّ أن يتمسّك به القائل به.

____________

(1). هذا إذا كان نسخ الوجوب بتحريم الفعل لا برفع الوجوب.

(2). كذا في النسختين. و الظاهر: «فبالأمر»، و إلّا يلزم خلوّ الجملة عن العائد إلى المبتدأ.

(3). راجع إرشاد الفحول 2: 51.

(4). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 127.

878

قلنا: إذا فعل بعض أفراد المأمور به لم يلزم التوارد؛ لتعلّق الأمر بما فعل و النهي بما نسخ.

فإن قيل: نردّد (1) في الفرد الذي لم يفعل و قد نسخ.

قلنا: نختار عدم وجوبه و نقول: لا نسخ فيه، إنّما النسخ في التكليف الذي تعلّق بماهيّة الفعل و وجد منها بعض الأفراد.

فإن قيل: فكذلك إذا لم يوجد.

قلت: إذا وجد فرد يحصل للأمر متعلّق حسن، فيحسن لأجله، و إذا لم يوجد لم يوجد له متعلّق حسن، فلا معنى لحسنه كما ذكرناه‏ (2). هذا.

و يدلّ على ما اخترناه أنّه لو جاز خلافه لزم البداء، و هو ظهور حال الشي‏ء بعد خفائه على اللّه؛ إذ شروطه التي هي اتّحاد الفعل و وقته و وجهه و المكلّف، حاصلة.

و الإيراد عليه: بأنّ من شروطه اتّحاد المصلحة و هو منتف فيما نحن فيه‏ (3)، مندفع بعدم تصوّر اختلاف المصلحة بعد اتّحاد الامور المذكورة.

احتجّ المخالف بوجوه‏ (4):

منها: أنّه يجوز ثبوت التكليف قبل وقت الفعل؛ لصحّة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه، فوجب جواز رفعه بالنسخ، كما يرتفع بالموت؛ لأنّهما سواء في انقطاع التكليف بهما.

و الجواب: منع صحّة التكليف مع علم الآمر بانتفاء شرطه، كما تقدّم‏ (5)، فلا يثبت التكليف على من يعلم اللّه أنّه يموت قبل التمكّن.

و منها: أنّ كلّ نسخ قبل وقت الفعل؛ لأنّ الفعل بعد وقته و في وقته يمتنع نسخه‏ (6)؛ لأنّه إن‏

____________

(1). أي نردّد السؤال في الفرد.

(2). تقدّم آنفا.

(3). راجع إرشاد الفحول 2: 52.

(4). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 3: 127 و ما بعدها، و تهذيب الوصول: 188.

(5). تقدّم في ص 872- 873.

(6). المراد من نسخ الفعل نسخ حكمه.

879

فعل في الأوّل‏ (1) أطاع، و إن ترك عصى؛ فلا نسخ، و فعل و أطاع في الثاني، و لا معنى لإخراجه عن الطاعة بعد تحقّقها.

و الجواب: أنّ النزاع في الوقت المقدّر شرعا، و الذي ذكر في الدليل وقت مباشرة الفعل، فأين أحدهما عن الآخر؟

و منها: أنّ إبراهيم امر بذبح ولده؛ لقوله تعالى: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ (2) و إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ* وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ‏ (3)، ثمّ نسخ قبله.

و الجواب: أنّه لم يكن مأمورا بالذبح، بل بمقدّماته من الإضجاع، و أخذ المدية، كما يدلّ عليه قوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (4)؛ إذ لو كان ما فعله بعض المأمور به، لكان مصدّقا لبعض الرؤيا.

و لو سلّم نقول: إنّه امتثل و ذبح لكنّه كلّما قطع عضوا أوصله اللّه، كما ورد في الآثار (5)، و لا ينافيه الفداء؛ لأنّه ليس عن‏ (6) نفس الذبح، بل عن إزهاق الروح المترتّب عليه.

و منها: قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ‏ (7) فإنّه يتناول بعمومه موضع النزاع.

و الجواب: منع تناوله له؛ لأنّ المحو و الإثبات متعلّقان على المشيّة، و لا نسلّم أنّه يشاء مثل ذلك ممّا يمتنع عقلا.

و منها: ما روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) امر ليلة المعراج بخمسين صلاة، ثمّ راجع إلى أن عادت إلى خمس‏ (8)، و ذلك نسخ قبل حضور وقت الفعل.

و الجواب عنه أوّلا: بمنع صحّته؛ لأنّ فيها طعنا على الأنبياء بالإقدام على المراجعة في الأوامر المطلقة.

____________

(1). أي الفعل بعد وقته. و المراد بالثاني في وقته.

(2). الصّافّات (37): 102.

(3). الصّافّات (37): 106- 107.

(4). الصّافّات (37): 105.

(5). راجع التبيان 8: 519، ذيل الآية 106 من الصّافّات (37).

(6). أي بدلا عن نفس الذبح. و وجه المنافاة أنّه لو كان الفداء بدلا عن نفس الذبح، يلزم الجمع بين البدل و المبدل؛ لتحقّق الذبح و أمّا إزهاق الروح، فلم يتحقّق فيصدق الفداء.

(7). الرعد (13): 39.

(8). الفقيه 1: 198، ح 603، و وسائل الشيعة 4: 16، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، ح 10.

880

و ثانيا: بأنّه خبر واحد لا يثبت به أصل.

فصل [3] [: جواز نسخ الحكم المقيّد بالتأييد]

الحكم المقيّد بالتأييد، مثل: «صوموا أبدا» يجوز نسخه؛ لأنّه كالعامّ القابل للتخصيص، و لأنّ النسخ مشروط بالدوام و لا تعاند بين الشي‏ء و شرطه، و يتخرّج من ذلك جواب عمّا احتجّوا (1) به اليهود على عدم جواز النسخ بما نقلوه عن موسى من الأوامر المقيّدة بالتأييد (2).

ثمّ هذا إذا كان التأييد قيدا للفعل. و أمّا إذا كان قيدا للوجوب و بيانا لمدّة بقائه و استمراره و كان نصّا في ذلك؛ مثل: «الصوم واجب مستمرّ أبدا» فلم يقبل النسخ؛ لأنّه يصير حينئذ دلالته على جزئيّات الزمان، مثل دلالة «صم غدا» على صوم غد، و قد بيّنّا أنّه لا يتأتّى فيه النسخ، فكذا ما هو مثله.

و حاصله كما أنّ الدالّ على أفراد الأحكام بالنصوصيّة لا يقبل التخصيص، فكذا الدالّ على أفراد الأزمان بالنصوصيّة لا يقبل النسخ.

فصل [4] [: جواز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل‏]

الحقّ جواز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل؛ لأنّ المصلحة قد تكون في ذلك، و لأنّه لو لم يجز، لم يقع و قد وقع، كنسخ وجوب تقديم الصدقة عند النجوى‏ (3)، و وجوب الإمساك بعد الفطر (4)، و تحريم ادّخار لحوم الأضاحيّ‏ (5)، و نسخ التخيير بين الصوم و الفدية بتعيّن الصوم، و صوم عاشوراء برمضان‏ (6)، و الحبس في البيوت لعقوبة الزاني بالجلد و الرجم‏ (7).

احتجّ المخالف بقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (8)،

____________

(1). هذا إمّا على لغة «أكلوني البراغيث» و إمّا على كون «اليهود» بدلا عن الضمير المتّصل.

(2). تقدّم في ص 874.

(3). المجادلة (58): 12 و هي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً.

(4). راجع الإحكام في أصول الأحكام 3: 149 و 150.

(5). الفردوس بمأثور الخطاب 4: 280، ح 6828.

(6 و 7). راجع الإحكام في أصول الأحكام 3: 149 و 150.

(8). البقرة (2): 106.

881

و لا يتصوّر كون العدم أو الأثقل خيرا أو مثلا (1).

و جوابه: أنّه يجوز أن يكون كلّ منهما (2) خيرا أو مثلا لمصلحة علمت؛ إذ المراد الخيريّة و المثليّة في صلاح حال المكلّف.

فصل [5] [: النسخ إمّا للحكم دون التلاوة أو بالعكس أو لهما]

النسخ إمّا للحكم دون التلاوة، كنسخ الاعتداد بالحول في الوفاة (3)، أو بالعكس، كما روي أنّه كان فيما نزل: «الشيخ و الشيخة إذا زنتا (4) فارجموهما نكالا من اللّه» (5) فنسخ تلاوته، و حكمه ثابت. أو لهما، كما روى العامّة أنّه كان فيما انزل: «عشر رضعات محرّمات» (6) فنسخ تلاوته و حكمه.

و الحقّ أنّ الثلاثة جائزة. و خالف بعض المعتزلة (7) في الأوّلين.

و يدلّ على جوازهما- مضافا إلى الوقوع- أنّ الحكم و التلاوة عبادتان لا تلازم بينهما، و يمكن أن يختلف المصلحة باختلاف الأوقات بالنسبة إلى عبادة معيّنة، فيكون مصلحة في وقت، مفسدة في آخر، فجاز أن يكون هاتان العبادتان مصلحتين في وقت، مفسدتين في آخر، أو يكون إحداهما مصلحة في كلّ وقت، و الاخرى في بعض الأوقات، أو يكون إحداهما مصلحة في وقت، و الاخرى في آخر، فيتأتّى نسخهما معا، أو نسخ إحداهما.

احتجّ المخالف: بأنّ التلاوة و حكمها مثل العلم و العالميّة، و المنطوق و المفهوم، فلا ينفكّان؛ و لأنّ بقاء التلاوة دون الحكم يوجب خلوّ القرآن عن الفائدة، و توهّم بقاء الحكم و أنّه إيقاع في الجهل و هو قبيح من الحكيم. و بقاء (8) الحكم دون التلاوة

____________

(1). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 149 و 150.

(2). أي العدم أو الأثقل.

(3). البقرة (2): 234 و 240: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً ....

(4). هذا من تغليب المؤنّث على المذكّر و هو غير معتاد.

(5). دعائم الإسلام 2: 449، ح 1572.

(6). صحيح مسلم 2: 1075، باب التحريم بخمس رضعات، ح 24.

(7). حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 154.

(8). عطف على اسم أنّ.

882

يشعر بزوال الحكم، و هو أيضا إيقاع في الجهل‏ (1).

و الجواب عن الأوّل: منع التماثل؛ لأنّ التلاوة لو سلّم كونها أمارة الحكم فإنّما هي أمارته ابتداء لا دواما، أي يدلّ ثبوتها على ثبوته، و لا يدلّ دوامها على دوامه، فإذا نسخ أحدهما خاصّة فهو نسخ لدوامه لا لأصله حتّى يلزم نسخ الدليل دون مدلوله أو بالعكس، و يحصل الانفكاك بين الدليل و المدلول، بخلاف العلم مع العالميّة، و المنطوق مع المفهوم؛ فإنّ تلازمهما ثابت ابتداء و دواما.

و عن الأخيرين: منع كونهما إيقاعا في الجهل؛ لأنّه إنّما يكون كذلك لو لم ينصب عليه دليل أو قرينة، و لا يلزم عند بقاء التلاوة فقط خلوّ القرآن عن الفائدة؛ لما عرفت من كونها عبادة مستقلّة (2) يمكن أن يترتّب عليها حكمة خفيّة أو ثواب.

ثمّ إنّ ما نسخ حكمه دون تلاوته قرآن إجماعا، و عكسه ليس قرآنا إجماعا، فلا يجوز للمحدث و الجنب مسّ الأوّل، و يجوز لهما مسّ الثاني.

فصل [6] [: النسخ في إيقاع الخبر و النسخ في مدلوله‏]

النسخ في الخبر يتصوّر على وجهين:

أحدهما: النسخ في إيقاع الخبر

بأن يكلّف الشارع أحدا بأن يخبر بشي‏ء عقلي أو عادي أو شرعي، ك «حدوث العالم» و «إحراق النار» و «إيمان زيد»، ثمّ ينسخه بأن يزيل عنه التكليف بالإخبار، و هذا جائز، و إن كان الخبر ممّا لا يتغيّر مدلوله، كالخبر عن التوحيد؛ لأنّه لا استبعاد في رفع وجوب الإخبار عن مثله لمصلحة، و صدق الخبر لا يمنع من زوال التعبّد به‏ (3) إذا اشتمل على مفسدة.

و أمّا نسخه بنقيضه بأن يكلّفه بالإخبار بنقيضه، فقيل: يجوز مطلقا؛ لجواز تجدّد مصلحة فيه‏ (4).

____________

(1). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 159.

(2). تقدّم آنفا.

(3). في «ب»: «التعبّديّة».

(4). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 157، و نسبه ابن الحاجب إلى الجمهور في منتهى الوصول: 159.

883

و قيل: لا يجوز مطلقا؛ لأنّ أحدهما كذب، فالتكليف به قبيح‏ (1).

و قيل: يجوز فيما يتغيّر؛ لإمكان اختلافه في المصلحة و المفسدة باختلاف الزمان، و لا يجوز فيما لا يتغيّر؛ لكونه مصلحة لا تتغيّر (2).

و الحقّ الثاني؛ لأنّه لا ينفكّ عن البداء أو الكذب؛ لاتّحاد وقت مدلول الخبرين؛ إذ لولاه لم يتصوّر نسخ و إن اختلف وقت الإخبار، و الكذب قبيح على اللّه مطلقا، و جوازه إذا اشتمل على مصلحة إنّما هو للعباد. ثمّ كون ذلك نسخا لأجل‏ (3) أنّ الإخبار الأوّل كان واجبا أو ندبا، فرفعه بأحد الوجهين رفع حكم شرعي.

و ثانيهما: النسخ في مدلول الخبر،

كأن يقول: «عمّرت نوحا ألف سنة» ثمّ ظهر أنّه عمّر ألف سنة إلّا خمسين عاما، فإن كان مدلوله ممّا لا يتغيّر، كوجود الصانع، فلا يجوز نسخه وفاقا.

و إن كان ممّا يتغيّر، فإن كان الخبر خبرا عن الأمر، كما إذا قال: «هم مأمورون بصوم رمضان» (4)، ثمّ قال: «لا تصوموا رمضان» فيجوز نسخه، إلّا أنّه ليس في الحقيقة نسخ الخبر، بل نسخ الأمر.

و إن كان خبرا محضا (5)، فإن احتمل كون ما يرد ثانيا بيانا لإرادة المجاز، كان تخصيصا لا نسخا، سواء كان المدلول حكما شرعيّا كأن يقول: «لاعاقبنّ الزاني أبدا»، ثمّ يقول:

«أردت سنة» أو لا، كما إذا قال: «اعمّر زيدا أبدا»، ثمّ قال: «أردت ألف سنة»، و لا فرق بين أن يعلم البيان بقول المخبر، أو العقل، أو الحسّ.

و إن لم يحتمل أن يكون بيانا، بل تعيّن كونه نسخا- كأن يقول: «لاعطينّك كذا» أو يقول: «لأجعلنّك خليفة على الأرض»، ثمّ قال: «لا أفعل ذلك»- لم يجز؛ لاستلزامه الكذب، و هو قبيح.

____________

(1). حكاه الآمدي عن المعتزلة في الإحكام في أصول الأحكام 3: 157.

(2). حكاه الآمدي عن البصري و غيره في الإحكام في أصول الأحكام 3: 158، و نسبه ابن الحاجب إلى القاضي و أبي هاشم و كثير في منتهى الوصول: 160.

(3). هذا متعلّق بالمقدّر خبر للمبتدا و هو «كون ذلك».

(4). فإنّ هذا الكلام إخبار عن تعلّق الأمر بصوم رمضان فالمخبر به إنشاء.

(5). أي لا يكون المخبر به أيضا إنشاء.

884

فصل [7] [: وجوه نسخ كلّ من الكتاب و السنّة المتواترة و الآحاد بمثلها أو بغيرها]

يجوز نسخ كلّ من الكتاب و السنّة المتواترة و الآحاد بمثله، كنسخ «الاعتداد بالحول» بأربعة أشهر و عشرا (1)، و نسخ «النهي عن ادّخار لحوم الأضاحيّ» (2) بجوازه.

و كذا يجوز نسخ الثالث بكلّ من الأوّلين، و نسخ الأوّل بالثاني، كنسخ «الجلد» في حقّ المحصن برجمه ماعزا (3)، و بالعكس، كنسخ «القبلة» (4) و نسخ «المباشرة» بقوله تعالى:

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ‏ (5). و لا ريب في جميع ذلك، و وجهه ظاهر.

و هل يجوز نسخ الكتاب و السنّة المتواترة بالآحاد؟ الأكثر على عدم جوازه، و الأقلّ على جوازه‏ (6).

احتجّ الأكثر بأنّ القاطع لا يدفع بالظنّ، و بأنّ الصحابة أجمعوا على ترك خبر الواحد إذا رفع حكم الكتاب أو السنّة المتواترة، قال عليّ (عليه السلام): «لا ندع كتاب ربّنا و لا سنّة نبيّنا بقول أعرابيّ بوّال على عقبيه» (7)، و قال عمر: «لا ندع كتاب ربّنا و لا سنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت» (8).

احتجّ الأقلّ بأنّ النسخ تخصيص، و قد جاز تخصيصهما به فليجز نسخهما به، و بأنّ خبر الواحد دليل متأخّر عارض غيره، فوجب تقديمه، و بأنّه واقع فيكون جائزا؛ فإنّ قوله تعالى:

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ... (9) نسخ بما روي أنّه (عليه السلام) «نهى عن أكل كلّ ذي ناب» (10)، و هو

____________

(1). تقدّم في ص 881.

(2). الفردوس بمأثور الخطاب 4: 28، ح 6828.

(3). تقدّم في ج 1، ص 449.

(4). البقرة (2): 144 و 149 و 150.

(5). البقرة (2): 187.

(6). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 158، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 160.

(7). لم نعثر عليه في المجاميع الحديثيّة، و لكن رواه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 160.

(8). مسند أحمد 7: 565، ح 26793.

(9). الأنعام (6): 145.

(10). مسند أحمد 5: 216، ح 1724- 1726.

885

خبر واحد؛ و إنّ قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ (1) نسخ بقوله (عليه السلام): «لا تنكح المرأة على عمّتها، و لا على خالتها» (2)؛ و إنّ التوجّه إلى بيت المقدس كان متواترا و نسخ بخبر الواحد؛ لأنّ أهل مسجد قبا سمعوا مناديه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «ألا إنّ القبلة قد حوّلت» (3) فاستداروا و توجّهوا إلى الكعبة، و لم ينكر عليهم؛ و إنّ النبيّ كان يبعث الآحاد لتبليغ الأحكام إلى أهل القبائل، و كان المبعوث إليهم متعبّدين بقبولها منهم، و ربما كان في تلك الأحكام ما ينسخ متواترا؛ لأنّه لم ينقل الفرق بين الأحكام المبتدأة و الناسخة للواحد و المتواتر (4).

و أجاب الأكثر عن الأوّل: بأنّ التخصيص بيان و جمع للدليلين، و النسخ إبطال و رفع.

و ربما أجاب بعضهم: بأنّ إجماع الصحابة فرّق بينهما (5).

و عن الثاني: بأنّ الظنّ لا يساوي القطع، فلا يعارضه.

و عن الثالث: بالمنع من النسخ المدّعى فيما ذكرتم؛ لأنّ الآية الاولى لحكاية الحال، فالمعنى: لا أجد الآن، و التحريم في المستقبل لا ينافيه حتّى يلزم نسخه.

و أيضا لا يلزم من عدم وجدان التحريم الإباحة الشرعيّة، بل جاز أن يكون مباحا عقليّا؛ فالخبر قد حرّم حلال الأصل و لم يرفع حكما شرعيّا حتّى يلزم النسخ.

و الآية الثانية ليست منسوخة بالخبر، بل مخصّصة به؛ على أنّ التخصيص لم يقع بمجرّد الخبر، بل لأنّ الامّة تلقّته بالقبول.

و أهل قبا إنّما قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد؛ لانضمامه بالقرائن المفيدة للقطع؛ لأنّ منادي الرسول بحضرته على رءوس الأشهاد، و استماعهم الصياح و ارتفاع الأصوات من مسجده- لأنّهم كانوا في قربه- قرينة صدق عادة. و ربما انضمّ إلى ذلك سماعهم من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل ذلك ما يدلّ على تحويل القبلة.

____________

(1). النساء (4): 24.

(2). سنن البيهقي 7: 165، و سنن النسائي 6: 97، ح 3294.

(3). مسند أحمد 4: 201، ح 13620.

(4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 160.

(5). راجع الإحكام في أصول الأحكام 3: 161.

886

و قبول القبائل أخبار الآحاد إنّما كان فيما عدا ما ينسخ المتواتر. و لو سلّم فربما كان لحصول العلم بها بالقرائن الحاليّة.

و أنت إذا تأمّلت في أدلّة الفريقين، تعلم أنّ المعترض على كلّ منهما مستظهر. و لقلّة الفائدة في تلك المسألة نحن لا نبالي بترك الاشتغال عن تحقيقه.

فصل [8] [: في جواز نسخ الإجماع بآية أو نصّ‏]

الجمهور و أكثر أصحابنا على أنّ الإجماع لا ينسخ و لا ينسخ به غيره.

و احتجّوا على الأوّل بوجوه‏ (1):

منها: الإجماع، نقله المرتضى‏ (2) من أصحابنا، و بعض العامّة (3).

و هو في حيّز المنع؛ فإنّ بعض محقّقي أصحابنا على خلافه‏ (4).

و منها: أنّ الإجماع لا يستقرّ إلّا بعد انقطاع الوحي، فالكتاب و السنّة متقدّمان عليه؛ فلا ينسخ بهما؛ لوجوب تأخّر الناسخ.

و هو أيضا ممنوع؛ لإمكان استقراره قبله عند الفريقين.

أمّا عندهم، فلأنّه اتّفاق المجتهدين من هذه الامّة في عصر على أمر، و يمكن أن يثبت مثل هذا الاتّفاق في عصر النبيّ قبل انقطاع الوحي، ثمّ ينسخ بآية أو خبر.

و أمّا عندنا، فلأنّه انضمام أقوال إلى قول لو انفرد لكانت الحجّة فيه، و لا ريب في حصول مثله في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ نسخه بدلالة شرعيّة متراخية.

و منها: أنّه لو نسخ فإمّا بنصّ قاطع، أو بإجماع قاطع، أو بغيرهما، و الكلّ باطل.

أمّا الأوّل، فلأنّه يلزم أن يكون الإجماع على الخطأ؛ لأنّه على خلاف القاطع، و هو محال.

____________

(1). راجع: الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 456، و الإحكام في أصول الأحكام 3: 173، و منتهى الوصول لابن الحاجب: 162، و تهذيب الوصول: 195- 196، و معالم الدين: 120.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 456- 457.

(3). راجع الإحكام في أصول الأحكام 3: 173.

(4). قاله المحقّق الحلّي في معارج الاصول: 174.

887

و أمّا الثاني، فلأنّه يلزم أن يكون كلّ من الإجماعين على الخطأ؛ لمخالفته للقاطع.

و أمّا الثالث، فلأنّه يلزم تقديم غير القاطع على القاطع، و هو باطل؛ للعلم بوجوب تقديم الأقوى على الأضعف.

و فيه: أنّه يجري في سائر القطعيّات من آية قطعيّة، أو سنّة متواترة.

و الحلّ أنّه لا فساد في تعارض قطعيّين في حكم مع اختصاص كلّ منهما بزمان، فالإجماع ما دام ثابتا ليس على الخطأ؛ لعدم ورود القاطع حتّى يكون مخالفا له، و بعد وروده يزول ثبوته، فلا معنى لمخالفته له حينئذ؛ على أنّ كلّ إجماع ليس قاطعا بل قد يكون ظنّيّا، و أنّ تقديم القاطع على غيره مطلقا محلّ النزاع، كما تقدّم‏ (1).

و [احتجّوا] على الثاني أيضا بوجوه‏ (2):

منها: الإجماع. و حاله كما عرفت هناك‏ (3).

و منها: أنّ الإجماع دليل عقلي، و النسخ لا يكون إلّا بدليل شرعي.

و فيه: أنّ الإجماع دلالة شرعيّة. أمّا عندهم، فلأنّ كونه دليلا و حجّة إنّما ثبت من الشرع. و أمّا عندنا، فلأنّ كونه دليلا باعتبار دخول قول المعصوم فيه.

و منها: أنّ المنسوخ بالإجماع إن كان قاطعا، لزم أن يكون على الخطأ؛ لمخالفته للإجماع، و إن كان مظنونا، لزم جواز تقاوم الظنّي و تعارضه للقاطع، و هو باطل؛ لأنّ الظنّ بحكم لا يبقى مع القطع على خلافه دليلا يمكنه التعارض و التقاوم معه، بل انتفى و اضمحلّ فلا يثبت به حكم حتّى يتصوّر فيه دفع و نسخ.

و هذا قد ظهر جوابه ممّا تقدّم‏ (4).

و إذ عرفت ذلك، تعلم أنّه لا استبعاد في ثبوت إجماع في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ نسخه بآية أو نصّ منه (عليه السلام)، و لا في ثبوت حكم من القرآن أو السنّة، ثمّ نسخه بالإجماع.

____________

(1). أي عدم جواز النسخ بالإجماع.

(2). تقدّم في ص 886.

(3). تقدّم في ص 886.

(4). تقدّم في ص 886.

888

و يؤيّده ما روي من طريق العامّة أنّ ابن عبّاس قال لبعض‏ (1) الصحابة: كيف تحجب الامّ بالأخوين و قد قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ‏ (2) و الأخوان ليسا إخوة؟! فقال: حجبها قومك يا غلام‏ (3). و هو دالّ على رفع حكم الكتاب بالإجماع.

فصل [9] [: جواز النسخ بالقياس إن كان منصوص العلّة]

القياس إن كان منصوص العلّة، أو كان الحكم فيه في الفرع أقوى منه في الأصل، جاز أن يكون ناسخا؛ لكونه دليلا شرعيّا، و منسوخا في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بنصّ منه، و أمّا بعده فلا ينسخ؛ إذ لا ولاية للامّة للنسخ. نعم، ربما ظهر بعده أنّه كان منسوخا.

و إن كان مستنبط العلّة لم يمكن أن يكون ناسخا. و وجهه ظاهر. و ربما أمكن أن يكون منسوخا عند القائلين به. و أمّا عندنا، فأصله ساقط.

تذنيب [: نسخ القياس يتمّ بالنصّ على نسخ حكم الفرع أو حكم الأصل‏]

نسخ القياس إمّا بالنصّ على نسخ حكم الفرع- كما إذا ثبت حرمة النبيذ قياسا على حرمة الخمر بجامع الإسكار، فنصّ الشارع على زوال حرمة النبيذ- أو بالنصّ على نسخ حكم الأصل، فيقاس عليه. و في تسمية ذلك نسخا لحكم الفرع نزاع لفظي.

مثاله: أن ينصّ الشارع على زوال حرمة الخمر، فيحكم على زوال حرمة النبيذ أيضا؛ لأنّ نسخ الأصل يستلزم خروج علّيّته عن الاعتبار شرعا؛ إذ علم عدم ترتّب الحكم عليها في الأصل، و الحكم في الفرع إنّما يثبت بالعلّة، فإذا انتفت انتفى، و إلّا لزم ثبوت الحكم بلا دليل.

و قيل: نسخ حكم الأصل لا يوجب نسخ حكم الفرع؛ لأنّ الفرع تابع للدلالة لا للحكم، فلا يلزم من انتفاء الحكم انتفاء الدلالة، فالدلالة الثابتة على حكم الفرع باقية و إن‏

____________

(1). و هو عثمان كما في الإحكام في أصول الأحكام 3: 175.

(2). النساء (4): 11.

(3). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3: 175.