أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
939

الإجماع في النقل، إلّا أن تعرف فتاواهم بخلافه» (1) و يفهم منه أنّ نقل هذا القسم من المعصوم (عليه السلام) مجمع عليه.

و أمّا الرابع- و هو ما عارضه خبر آخر مع السكوت عن الصحّة و الإبطال- فلأنّه قال:

«إذا ورد الخبران المتعارضان و ليس بين الطائفة إجماع على صحّة أحدهما، و لا على إبطال الآخر، فكأنّه إجماع على صحّتهما. و إذا كان الإجماع على صحّتهما، كان العمل بهما جائزا سائغا» (2).

فعلم أنّ كلّ خبر لا يعلم الإجماع على خلافه، فهو عنده صحيح، و يعلم منه بالطريق الأولى صحّة الخبرين إذا انعقد الإجماع على صحّتهما، فيبقى غير الصحيح عنده ما انعقد الإجماع على بطلانه.

و هذا الكلام من الشيخ- كما ترى- شهادة منه بالدليل على صحّة جلّ الأخبار، بل كلّها؛ إذ القسم الأخير في غاية الندرة.

قلت: غاية ما يستفاد من كلام الشيخ شهادته على صحّة ما عدا القسم الأخير من الأخبار، كما يستفاد من كلام الكليني و الصدوق، و قد ذكرنا أنّ الصحّة لا تستلزم قطعيّة الصدور (3)؛ على أنّ في كلامه مواضع للأنظار؛ لأنّ الخبر إذا لم يكن له معارض كيف يكون من الباب الذي عليه الإجماع في النقل مع احتمال الكذب فيه؟! و كيف يسمع ذلك منه بمجرّد الدعوى؟!

و أيضا إذا كان له معارض و لم ينعقد إجماع على صحّة أحدهما أو بطلانه، كيف يكون ذلك إجماعا على صحّتهما و جواز العمل بهما؟! و لا أدري ما السبب فيه مع احتمال الكذب في كليهما، فضلا عن احتماله في أحدهما؟

و أيضا تحقّق الإجماع على صحّة خبرين متعارضين- بمعنى جواز العمل بهما- نادر، و بمعنى قطعيّة صدورهما في غاية البعد. هذا.

____________

(1). الاستبصار 1: 4.

(2). المصدر: 3- 5.

(3). تقدّم في ص 935- 936.

940

مع أنّ الاحتياج في صورة التعارض إلى علم الرجال ثابت على أيّ تقدير، و الشيخ لم ينكره.

ثمّ بعض الأخباريّين لمّا تفطّن بما يرد على ما ذهبوا إليه، قال:

مرادنا بالعلم- حيث نقول: إنّ أخبارنا معلومة الصدور، و أنّ مدلولاتها معلومة لنا- هو ما يطمئنّ إليه النفس و يقضي العادة بصدقه- و هو الذي اعتبره الشارع في ثبوت الأحكام، كما يرشد إليه موضوع الشريعة السمحة. و يحصل بخبر الثقة الضابط، و بالقرائن الحاليّة و المقاليّة- لا الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع، فإنّ حصوله غير ممكن‏ (1).

و الظاهر أنّ مراده ب «ما يطمئنّ إليه النفس» هو الظنّ الغالب، فإن كان مراده أنّ مثل هذا الظنّ يحصل في بعض الأخبار، فهو مسلّم و رجوع إلى مذهب المجتهدين، و إن كان مراده أنّه حاصل في جميعها فهو باطل؛ لعدم إمكانه في المتعارضين و أخبار الضعفاء و أهل الكذب. و الظاهر أنّ مراده الأوّل.

و إذ ظهر أنّ الأحاديث ليست قطعيّة الصدور، و القرائن المذكورة لا تدلّ عليها، بل هي ظنّيّة الصدور، فثبت جواز العمل بالظنّ؛ إذ لولاه لزم سدّ أبواب الأحكام، فبطل مذهب الأخباريّين.

ثمّ نقول: كلّ ظنّ لا يجوز التعويل عليه؛ لعموم النهي عن اتّباع الظنّ‏ (2)، و آية التثبّت‏ (3)، فيجب الفحص عن أسانيدها؛ ليتميّز ما يفيد الظنّ المعمول به عن غيره.

فإن قيل: يكفي في ذلك ملاحظة القرائن، بل يتعيّن ذلك؛ لأنّ الظنّ الحاصل منها أرجح من الظنّ الحاصل من ملاحظة السند في علم الرجال، و العمل بالراجح متعيّن.

قلت: التمييز بالقرائن المعمولة عند القدماء غير ممكن في أمثال زماننا؛ لعدم تمكّننا عن تحصيلها، و التمكّن عن قليل منها غير مغن؛ على أنّا امرنا بالأخذ بقول الأعدل عند التعارض‏ (4)، و معرفة الأعدل و الأصدق تتوقّف على علم الرجال. هذا.

____________

(1). انظر الفوائد المدنيّة: 90- 127.

(2). الحجرات (49): 12: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ....

(3). الحجرات (49): 6: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ....

(4). الكافي 1: 67، باب اختلاف الحديث، ح 10، و الفقيه 3: 8- 11، ح 3236، و تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845.

941

مع أنّ تحصيل أكثر القرائن يتوقّف على علم الرجال، و كيف يمكن أن يحصل القرينة الاولى و الخامسة و السادسة من دون النظر في أحوال الرجال؟!

[الوجه‏] الثاني‏ (1): قد ثبت لنا من طريقة العلماء في الأعصار أنّهم يعتبرون مطلق الظنّ، و يعملون بكلّ ما يفيد الظنّ، سواء كان خبرا صحيحا أو ضعيفا أو غير ذلك، و على هذا، لا حاجة إلى علم الرجال؛

لأنّ المناط حينئذ حصول الظنّ، فما يفيده يصحّ العمل به و إن كان خبرا ضعيفا، و ما لا يفيده لا يصحّ العمل به و إن كان خبرا صحيحا.

و الجواب: منع عمل العلماء بكلّ ظنّ؛ لأنّهم صرّحوا بعدم جواز العمل بالظنّ إلّا ما ثبت حجّيّته شرعا، كالظنّ الحاصل من الكتاب، أو الأخبار الصحيحة.

[الوجه‏] الثالث: لا بدّ في اعتبار الظنّ الحاصل من علم الرجال من دلالة، و لم تثبت؛

مع أنّ فيه شبهات و اختلالات، و يرد على الضوابط المقرّرة فيه إشكالات لا يمكن أن يحصل معها ظنّ، و لو حصل في بعض المواضع، فهو ظنّ ضعيف لا يمكن اعتباره قطعا.

منها: أنّه قد وقع الاختلاف فيما يعلم به العدالة، و فيما يزيلها- أعني الكبائر- و ليس مذهب المعدّلين و الجارحين من علماء الرجال في ذلك معلوما لنا، و لا يعلم اتّفاقهم على مذهب واحد، فربما كان مذهب بعضهم في ذلك مخالفا لمذهب بعض آخر، و مع ذلك يقبل كلّ متأخّر قول المتقدّم عليه في التعديل و الجرح، و يبني جرحه و تعديله على قوله، و نحن نقبل من الجميع، مع أنّه لا بدّ لمن يريد العمل من العلم بموافقة مذهبه في ذلك لمذهب المعدّل و الجارح. و أيضا العدالة- أعني الملكة المخصوصة- صفة نفسيّة خفيّة لا يطّلع عليها إلّا صاحبها، و لا يجوز إثباتها بالشهادة و بالخبر الواحد؛ لأنّهما لا يجريان إلّا في المحسوسات.

و منها: أنّه قد ثبت في محلّه أنّ شهادة فرع الفرع لا تسمع، مع أنّ شهادة علماء الرجال على أكثر الرواة بالجرح و التعديل من هذا القبيل.

و منها: أنّ أكثر الأسماء مشتركة بين الثقات و غيرهم، و التمييز في كثير منها غير ممكن،

____________

(1). هذا احتجاج ثان من الأخباريّين. و الدليل الأوّل منهم تقدّم في ص 933.

942

و مهما يمكن إنّما يحصل من ملاحظة الطبقات، و التمييز الحاصل من مثله إنّما هو من ظنّ ضعيف لا يمكن اعتباره.

و منها: أنّ بعض الرواة كان على خلاف الحقّ، ثمّ رجع إليه، و بعضهم كان عليه، فرجع إلى خلافه، و ما وصل إلينا من رواياتهم لا يعلم أنّها صدرت عنهم في أيّ الحالين حتّى نقبلها أو نردّها.

و منها: أنّ قبول خبر جميع رجال سنده الثقات يتوقّف على العلم بعدم سقوط واسطة من البين، و هو غير ممكن في بعض الأخبار.

و منها: أنّه كثيرا ما يذكر جماعة من الرواة بعطف بعضها على بعض، و بعد التتبّع يعلم أنّ العطف سهو، و الصواب نقل البعض عن بعض، و كذا الحال في عكس ذلك.

و منها: أنّه يحكم بالجرح و التعديل بشهادة الميّت، و هو غلط.

و أنت خبير بإمكان دفع كلّ واحدة من هذه الشبهات بطريق على حدة.

و ربما ظهر لك الجواب عن بعضها فيما سبق، و نجيب هنا بما يندفع به جميعها، و هو أنّها تشكيكات في مقابلة الضرورة؛ لأنّا نعلم في كثير من الأخبار أنّها لم يروها إلّا جماعة حصل لنا العلم أو الظنّ المعتبر شرعا بالتتبّع و أقوال أرباب الرجال باتّصافهم بصفة العدالة أو الصدق الذي هو المناط في قبول الخبر، و نعلم في كثير منها أنّ من رواتها من حصل لنا العلم أو الظنّ بالطريق المذكور باتّصافه بالفسق و الكذب. هذا.

و اعتبار الظنّ الحاصل من علم الرجال يعلم ممّا تقدّم، من ثبوت حجّيّة الخبر الصحيح و الموثّق، و قبول خبر الواحد في الجرح و التعديل و غير ذلك.

[الأمر] التاسع‏ (1): ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد أن يكون له ملكة قويّة و قريحة مستقيمة يقتدر بها على ردّ الجزئيّات إلى الكلّيّات، و اقتناص الفروع من الاصول، و الترجيح في مقام التعارض.

و لا يخفى عليك أنّ جعل هذه الملكة من شرائط الاجتهاد إنّما يتأتّى إذا جعل الاجتهاد

____________

(1). تقدّم الأمر الثامن في ص 933.

943

المعرّف هو الاجتهاد الفعليّ، و عرّف بأنّه: «استفراغ الوسع ...» فإنّه يتوقّف عليها؛ لكونها مبدأه و مصدره.

و أمّا إذا جعل المعرّف هو حقيقة الاجتهاد و ذاته، فهو نفس تلك الملكة، كما تبيّن لك‏ (1)، و هي لا تنفكّ عن المقدّمات و الشرائط المذكورة، و لا يمكن وجودها بدون وجودها، بل حصولها مسبوق على حصولها.

و أمّا المقدّمات، فلا تستلزمها كلّيا؛ لأنّ نسبتها إليها ليست نسبة إيجابيّة بمعنى وجوب حصولها عند تحصيلها، بل نسبة إعداديّة، فإن كان للنفس استعداد ذاتي و صفاء غريزي يفاض عليها تلك الملكة بعد تحصيل تلك المقدّمات من المبادئ الفيّاضة، و إلّا فلا، فمن حصلت له هذه الملكة، فقد حصل له جميع ما يتوقّف عليه استنباط الأحكام، فهو مجتهد على الإطلاق، و من لم تحصل له فليس مجتهدا مطلقا و إن بلغ في تحصيل المقدّمات ما بلغ.

ثمّ لا بدّ لنا هنا من بيان أمرين:

أحدهما: الوجه في توقّف استنباط الأحكام عليها.

و ثانيهما: طريق معرفتها.

و بيان الأوّل: أنّ الأدلّة التي لها معارضات لا بدّ فيها من الترجيح، و التي لها لوازم غير بيّنة لا بدّ فيها من العلم بها، و الحكم بها على ما يقتضيه ذو المقدّمة، كما إذا كان واجبا يحكم بوجوب ما يتوقّف عليه و حرمة ضدّه، و إن كان حراما يحكم بحرمة ما يتوقّف عليه و وجوب ضدّه، و كذا يحكم بما يقتضيه مفهومه، و غير ذلك. و التي لها أفراد غير بيّنة الفرديّة لا بدّ فيها من الحكم بفرديّتها للكلّيّات المذكورة فيها.

و ربما كان لمعارضاتها أو مقدّماتها أو أضدادها أفراد غير بيّنة الفرديّة، فلا بدّ من الحكم بفرديّتها أيضا. و ربما وجدت أشياء ظنّ فرديّتها لها و لم تكن أفرادا، فلا بدّ من الحكم بإخراجها، مثلا في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (2)، لا بدّ من العلم بأنّ‏

____________

(1). في ص 900.

(2). الكافي 3: 2، باب الماء الذي لا ينجّسه شي‏ء، ح 1، و تهذيب الأحكام 1: 40، ح 109، و الاستبصار 1: 6، ح 1 و 3. و في المصادر: «إذا كان الماء ...».

944

الكرّ الملفّق من نصفين نجسين مع عدم التغيير هل هو فرد له و يندرج تحته حتّى يحكم بطهارته، أو لا يندرج فيه حتّى يحكم ببقائه على النجاسة؟ و كذا الحكم في اندراج الماء الممزوج بالورد في قوله: «كلّ ماء طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» (1)، و اندراج الخارج من بيته قبل بلوغه حدّ الترخّص في الحاضر أو المسافر. و قس عليها أمثالها، و هي في الكثرة بحيث لا تحصى.

و لا ريب أنّ الترجيح و العلم بالملازمة و الحكم بالفرديّة أو عدمها بدون حصول هذه الملكة ممتنع، و التجربة شاهدة عليه، و لذا ترى كثيرا ممّن صرف عمره في الفقه و بلغ منه الغاية لا يقدر عند التعارض من الترجيح و الخلاص، و لا يتعلّق ظنّه بما يحصل له الاطمئنان، و لا يتنبّه على اللوازم و الأفراد الخفيّة، و ربما تنبّه بعضهم ببعضها بعد نصب و لغوب، و صاحب الملكة تنبّه بسهولة.

و ربما ردّ بعضهم الجزئي إلى غير قاعدته، و يقتنص الفرع من غير أصله، و يحكم بلزوم ما ليس بلازم و خروج ما هو لازم، و بفرديّة ما ليس بفرد، و بعدم فرديّة ما هو فرد، و مثله تشبّه ذا الملكة كتشبّه السوفسطائي بالحكيم.

و ترى جماعة ممّن انقضى عمره في تحصيل المنطق و علم قواعده و بلغ منه الغاية و (2) لا يقدر على ترتيب الأقيسة من عند نفسه، و ترى طائفة ممّن وجّه همّته في تحصيل النجوم و علم قواعده و ضوابطه و (3) لا يتمكّن من استخراج حكم من النظرات و العلامات التي أحكامها متناقضة، و لا يقدر على التخريج.

و ترى جمّا غفيرا ممّن بيّض لمّة لحيته في الطبّ يعجز عند العمل، و إذا تعارض علامات الأمراض، لا يقدر على معرفة المرض، و لا يقدر في بعض الأمراض الخفيّة عن معرفة أسبابها.

ففي جميع هذه العلوم يتوقّف الخلاص عن مضيق التعارض و أخذ النفس ما يحصل لها

____________

(1). الكافي 3: 1، باب طهور الماء، ح 2 و 3، و تهذيب الأحكام 1: 215، ح 619.

(2 و 3). كذا في النسختين. و الظاهر زيادة الواوين، لأنّ ما بعدهما مفعول ثان لترى إلّا أن يكون «ممّن» مفعولا ثانيا لا بيانا.

945

الاطمئنان على الملكة القدسيّة، و قد صرّح بذلك عظماء سائر العلوم حتّى قال بطليموس‏ (1) في الثمرة: «إنّ استنباط الأحكام من علم النجوم لا يتيسّر إلّا لمن حصلت له الملكة القدسيّة» (2).

و لا ينبغي أن يلتفت إلى قول من قال: إنّه لا حاجة إليها و يمكن الاستنباط بدونها (3)؛ فإنّ‏ (4) غاية الأمر أن يمكن الاستنباط بدونها من دليل كان ظاهرا، أو نصّا في معناه و لم يكن له معارض، و لا لازم غير بيّن، و لا فرد خفيّ، كاستنباط عدم نجاسة الكرّ بملاقاة النجاسة من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (5)، و هذا قليل في المباحث الفقهيّة، كما لا يخفى على المتتبّع.

و أمّا بيان الثاني، فهو أن يعرض استدلالات من يراد اختباره، و ترجيحاته المخترعة، على استدلالات ذوي الملكات و ترجيحاتهم، فإن شابهتها فقد حصلت له الملكة، و إلّا فلا، و من لا يتمكّن من العرض و الفهم من عند نفسه، فطريق معرفته إمّا التواتر، أو إخبار جماعة من العلماء باستقامة طبيعته، و صفاء قريحته بحيث يحصل القطع بقلّة كبوته، و ندور سقطته، و عدم اعوجاجه في الغالب.

و القول بأنّ الظاهر أنّ المراد بتلك الملكة ملكة استنباط جميع الأحكام بحيث لا يشذّ عنها شي‏ء، و لا ريب في أنّ حصول مثلها يتوقّف على غاية استعداد للنفس، و تأييد من عند اللّه؛ فلا يفوز بها إلّا أوحديّ من الأذكياء، و على هذا لا يعلم ذو ملكة حتّى يعرض فتاوى من يراد اختباره على فتاويه‏ (6)، شبهة مصادفة للضرورة؛ فإنّا نعلم بديهة أنّ المعارف من الفقهاء كانوا ذوي ملكات قويّة.

و ما قيل: إنّه يلزم على ما ذكر أن يكون تلك الملكة أمرا وجدانيا مقتضاه الإصابة في كلّ‏

____________

(1). في النسختين: «بطلميوس».

(2). لم نعثر على الكتاب.

(3). و هو قول بعض الأخباريّين و قد تقدّم في ص 909.

(4). تعليل للنفي دون المنفيّ.

(5). تقدّم تخريجه في ص 943.

(6). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 4: 170، و مبادئ الوصول: 240، و إرشاد الفحول 2: 206.

946

المسائل و الصواب من طرفي النقيض لا يكون إلّا واحدا؛ مع أنّا نرى اختلافها و عدم انضباطها، و لذا لا يكاد أن يتّفق اثنان في الاستنباط؛ فلا يوجد هنا مرتبة معيّنة حتّى يقال:

من وصل إليها فهو مجتهد، و من لم يصل إليها ليس مجتهدا (1).

يرد عليه: أنّ الملكة أمر واحد و هو حالة يتمكّن بها من ردّ الفروع إلى الاصول. نعم، لها مراتب مختلفة؛ لأنّها تزيد و تنقص، و تشتدّ و تضعف، و يختلف لذلك سرعة الاستنباط و بطؤه، و إصابة الحقّ و عدمها، و لا يوجب ذلك عدم انضباط أصل الملكة، و عدم العلم بها.

تذنيب [: في علوم اخرى لها مدخليّة في الاجتهاد]

اعلم أنّ هاهنا علوما أخر لها مدخليّة في الاجتهاد من حيث التكميل دون الشرطيّة.

و ربما عدّ بعضهم بعضا من الشرائط:

الأوّل و الثاني: علم المعاني، و البيان. و الأكثر على أنّهما من مكمّلات الاجتهاد؛ لأنّ أحوال الإسناد الخبري إنّما تعلم في الأوّل، و هو من مكمّلات العلوم العربيّة، و أحوال الحقيقة و المجاز و تفاصيلهما تعرف من الثاني، و هو من مكمّلات المبادئ اللغويّة.

و ذهب المرتضى‏ (2) و جماعة إلى أنّهما من الشرائط (3)؛ نظرا إلى ظهور الاحتياج في معرفة الأحكام إلى بعض مباحث القصر و الإنشاء الثابت في المعاني، و إلى أحكام الحقيقة و المجاز الثابتة في البيان.

و هو لا يخلو عن قوّة. و ذكر القدر المحتاج إليه منهما في كتب الاصول- لو سلّم- لا يدفع صدق الاحتياج إليهما.

الثالث: علم البديع. و الأكثر على أنّ الاجتهاد لا يتوقّف عليه؛ لأنّه علم يعرف به وجوه محسّنات الكلام، و الفقه لا يتوقّف على ذلك. نعم، له مدخليّة في التكميل؛ لكونه من‏

____________

(1). راجع: الإحكام في أصول الأحكام 4: 170، و مبادئ الوصول: 240، و إرشاد الفحول 2: 206.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 800.

(3). راجع: منية المريد: 377، و كفاية الطالبين (المخطوط)، و الوافية: 280.

947

مكمّلات العربيّة.

و بعض المتأخّرين عدّ العلوم الثلاثة من الشرائط (1)؛ لأنّ الفصاحة و الأفصحيّة ممّا تعلم في هذه الأزمان منها و قد ثبت في باب التراجيح تقديم الأفصح على الفصيح، و هو على غيره.

و كذا معرفة التأكيد و المبالغة في الكلام تتوقّف عليها، و الكلام المشتمل عليهما يقدّم على غيره.

و هو أيضا لا يخلو عن قوّة؛ لأنّ الحقّ- كما يأتي‏ (2)- أنّ الفصيح يقدّم على غيره، و معرفته في أمثال زماننا لا تمكن بدون العلوم الثلاثة.

الرابع: بعض مباحث علم الحساب، كالضرب و القسمة و الأربعة المتناسبة، و الخطأين و الجبر و المقابلة.

الخامس: بعض مباحث الهيئة، مثل ما يتعلّق بالقبلة، و ما يتعلّق برؤية الأهلّة و أحوالها لمعرفة الشهور و الخسوفات، و ما يتعلّق بكرويّة الأرض لمعرفة تقارب مطالع بعض البلاد مع بعض، و تباعد مطالع بعضها عن بعض.

السادس: بعض مسائل الهندسة، كما لو باع بشكل معيّن من أشكالها، كشكل العروس مثلا (3).

السابع: بعض مسائل الطبّ، مثل ما يتعلّق بمعرفة الجنون، و تمييز الدوريّ منه عن المطبق، و ما يتوقّف‏ (4) بمعرفة العفل‏ (5) و القرن و غير ذلك.

و لا ريب في أنّ هذه العلوم الأربعة ممّا له مدخليّة في الاجتهاد من حيث التكميل، و وجهه ظاهر.

____________

(1). قاله أحمد البحراني في كفاية الطالبين (المخطوط)، و الشهيد الثاني في منية المريد: 377 و 378.

(2). في ص 981.

(3). شكل العروس، عند قدماء من علماء الهندسة عبارة عن: كلّ مثلّث قائمة الزاوية، فإنّ مربّع وتر زاويته القائمة يساوي مربّعي ضلعيها، و إنّما سمّي به لحسنه و جماله. موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون و العلوم 1: 1041.

(4). كذا في النسختين. و الصحيح: «يتعلّق».

(5). العفل و العفلة- محرّكتين-: «شي‏ء يخرج من قبل النساء» القاموس المحيط 4: 18، «ع ف ل».

948

و الحقّ أنّها ليست من الشرائط؛ لأنّ شأن الفقيه بيان نفس الأحكام الشرعيّة، و الحكم باتّصال الشرطيّات، و ليس عليه بيان موضوعاتها و تحقيق أطراف الشرطيّة؛ فليس عليه في قول القائل: «لزيد عليّ ستّة إلّا نصف ما لعمرو» و «لعمرو عليّ ستّة إلّا نصف ما لزيد» إلّا الحكم بأنّه إقرار، و أمّا بيان كميّة المقرّ به، فليس من وظيفته.

و كذا ليس عليه إلّا الحكم بأنّ البلاد المتقاربة في المطالع حكمها في رؤية الهلال واحد، و أنّ البيع بشكل العروس جائز، و أنّ الجنون و القرن ممّا يجوز أن ينفسخ به النكاح، و أمّا بيان أنّ أيّ البلاد متقاربة، و شكل العروس ما ذا، و الجنون أو القرن ما ذا، فليس وظيفته.

الثامن: فروع الفقه، و لا ريب في أنّ ممارستها ممّا يعين على الاستنباط، و لكنّه لا يتوقّف عليها. و وجهه ظاهر.

فصل [4] [: إجماع الإماميّة على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن متعبّدا بالاجتهاد و كذا سائر المعصومين (عليهم السلام)‏]

أجمع الإماميّة على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن متعبّدا بالاجتهاد، و أحكامه كانت قطعيّة صادرة عن الوحي لا عن الاجتهاد، و هذا يعمّ عندهم سائر المعصومين (عليهم السلام).

و ذهب أكثر العامّة إلى أنّه كان متعبّدا بالاجتهاد فيما لا نصّ فيه.

لنا: قوله تعالى في حقّه: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (1)، و هو يدلّ على العموم و كون كلّ ما نطق به وحيا، و تخصيصه بالقرآن لا دليل عليه.

و القول بأنّ الاجتهاد بالوحي قول بالوحي لا نطق عن الهوى‏ (2)، مدفوع بأنّ الوحي بالاجتهاد لا يحصل ما ينطق به وحيا، كما لا يصير اجتهادنا لأمره تعالى به في قوله:

فَاعْتَبِرُوا (3) وحيا.

و لنا: أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ (4)،

____________

(1). النجم (53): 3- 4.

(2). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 210.

(3). الحشر (59): 2.

(4). يونس (10): 15.

949

و هو أيضا ظاهر في العموم.

و أيضا مخالفة المجتهد جائزة بالاتّفاق، و مخالفته كفر بلا خلاف.

و القول بأنّ جواز مخالفة المجتهد إذا (1) لم يقترن بحكمه قاطع، و اجتهاده (صلّى اللّه عليه و آله) قد اقترن به قوله و هو قاطع‏ (2)، ضعيف؛ لأنّ قوله لو كان عن مجرّد الاجتهاد و لم يكن وحيا، فمن أيّ سبب يكون قاطعا، و الوحي إليه بأن يجتهد لا يجعل قوله قاطعا، كما لا يجعل أمره تعالى لنا بالاجتهاد قولنا قاطعا.

و أيضا كان (صلّى اللّه عليه و آله) يتوقّف في الأحكام، و هو ينافي تعبّده بالاجتهاد.

و ما قيل: إنّه‏ (3) لاستفراغ الوسع، أو جواز الوحي الذي عدمه شرط في الاجتهاد؛ لأنّه إنّما تعبّد به فيما لا نصّ فيه، فلا بدّ من تحقّق عدم النصّ بعدم الوحي حتّى يجوز له الاجتهاد (4)، لا يخفى وهنه.

احتجّ المخالف بقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ (5)، عاتبه على حكمه، و مثل ذلك لا يكون فيما علم بالوحي.

و بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي» (6)، أي لو علمت أوّلا ما علمت آخرا لما سقت الهدي، و سوق الهدي حكم شرعي، و مثل ذلك لا يستقيم إلّا فيما علم بالاجتهاد و الرأي‏ (7).

و الجواب عن الأوّل: منع كون الإذن حكما شرعيّا.

و عن الثاني: إمكان ثبوت التخيير في سوق الهدي أوّلا، ثمّ إيحاء فضل التمتّع.

اعلم أنّ القائلين بكونه مجتهدا اختلفوا في أنّه هل يجوز عليه الخطأ في اجتهاده، أم لا؟

و نحن لمّا ذهبنا إلى عدم جواز مطلق الخطأ عليه، و عدم تعبّده بالاجتهاد، فلنا مندوحة عن هذا البحث.

____________

(1). هذا خبر أنّ.

(2 و 4). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 209.

(3). أي توقّفه (صلّى اللّه عليه و آله) في الأحكام.

(5). التوبة (9): 43.

(6). مسند أحمد 3: 615، ح 12093.

(7). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 209.

950

فصل [5] [: في عدم جواز الاجتهاد في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)‏]

للعامّة في جواز الاجتهاد، و وقوعه بحضرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و في عصره (صلّى اللّه عليه و آله) أقوال كثيرة.

و الحقّ عدم جوازه في عصر النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) إلّا لمن غاب عنهم بحيث لم يتمكّن من السؤال عنهم.

لنا على الأوّل‏ (1): أنّ العمل بالظنّ خلاف الأصل، خرج العمل به عند فقد اليقين؛ لقضاء الضرورة، فالقادر على اليقين لا يجوز له العمل به مطلقا، و أنّ أصحابهم يرجعون إليهم في القضايا و الأحكام، و لم ينقل عن أحد منهم- سيّما من أصحاب الأئمّة- أن يجتهد.

و على الثاني: ما دلّ على جوازه في زماننا.

احتجّ المجوّزون باجتهاد بعض الصحابة في عصره (صلّى اللّه عليه و آله)، و تقريره (صلّى اللّه عليه و آله) له‏ (2). و هو لم يثبت عندنا.

و يتفرّع على هذا الخلاف جواز الاجتهاد في الأحكام بالظنّ مع القدرة على اليقين، كالاجتهاد في الوقت مع القدرة على تحصيل اليقين بالصبر أو غيره، و في الثوبين مع وجود ثوب ظاهر يقينا، و غير ذلك. و الأصل عدم الجواز إلّا ما ثبت بدليل من خارج.

فصل [6] [: في بطلان القول بالتصويب‏]

أجمع المسلمون- إلّا من شذّ (3)- على أنّ المصيب من المجتهدين المختلفين في العقليّات واحد، و هو من طابق اعتقاده الواقع، و غيره مخطئ آثم؛ لأنّ اللّه كلّف فيها بالعلم، و نصب عليه دليلا، فالمخطئ مقصّر فيبقى في عهدة التكليف؛ و لأنّ المسلمين أجمعوا على قتال الكفّار من غير فرق بين معاند و مجتهد، مع أنّ جلّ الكفّار بل كلّهم يقطعون بأنّهم لا يعاندون الحقّ بعد ظهوره لهم، بل يعتقدون دينهم الباطل عن اجتهاد.

____________

(1). و المراد بالأوّل هو المستثنى منه كما أنّ المراد بالثاني هو المستثنى.

(2). راجع منتهى الوصول لابن الحاجب: 210.

(3). حكاه الفخر الرازي عن الجاحظ و عبيد اللّه بن الحسن العنبري في المحصول 6: 29، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 184.

951

و يدلّ عليه أيضا بعض الظواهر، نحو قوله تعالى: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (1)، و غيره، و تخصيصه بغير المجتهد منهم تحكّم.

احتجّ المخالف- و هو القائل بأنّ كلّ مجتهد فيها مصيب لا على معنى مطابقة ما أدّى اجتهاده للواقع؛ فإنّه غير معقول، و لم يقل به أحد، بل بمعنى زوال الإثم- بأنّ التكليف بخلاف ما أدّى إليه النظر و الاجتهاد تكليف بالمحال؛ لأنّ حصوله‏ (2) بعدهما ضروري، و اعتقاد خلافه ممتنع‏ (3).

و الجواب: أنّ علم الحجّة واضح لمريدها، فمن لم يصلها فقد قصّر في النظر.

و أمّا الشرعيّات‏ (4)، فإن بلغت حدّ القطع، فالمصيب فيها أيضا واحد- و هو من أخذ بالمقطوع به- و غيره آثم.

و إن لم تبلغ حدّ القطع، بل افتقرت إلى نظر و اجتهاد، وجب على المجتهد بذل المجهود فيها، و بعد بذل جهده ما تعلّق ظنّه به يجب عليه العمل به، و لا إثم عليه حينئذ و إن أخطأ؛ لما ثبت بالتواتر من اختلاف الصحابة في المسائل من دون التأثيم من بعضهم لبعض معيّن أو مبهم، مع أنّا نقطع بأنّه لو كان إثم، لقضت العادة بذكره‏ (5).

و الظاهر عدم الخلاف في ذلك، إنّما الخلاف في التخطئة و التصويب، بمعنى أنّ المسألة التي لا قاطع فيها هل فيها حكم معيّن للّه تعالى- من أصابه فهو مصيب و غيره مخطئ معذور- أم ليس فيها حكم معيّن للّه، بل حكم اللّه فيها تابع لظنّ المجتهد، فما ظنّه كلّ مجتهد فيها فهو حكم اللّه تعالى فيها؟ فذهب أصحابنا إلى الأوّل‏ (6)، و أكثر العامّة إلى الثاني.

لنا: شيوع تخطئة السلف بعضهم بعضا من غير نكير (7).

____________

(1). ص (38): 27.

(2). أي حصول الاعتقاد.

(3 و 5). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 211.

(4). عطف على «في العقليّات».

(6). راجع مبادئ الوصول: 244.

(7). حكى ابن الحاجب تخطئة جماعة لآخرين كأبي بكر و عمر و ابن مسعود و عليّ بن أبي طالب و زيد و ابن عبّاس و غيرهم في منتهى الوصول: 213.

952

و ما روي: «أنّ للمصيب أجرين، و للمخطئ واحد» (1).

و لزوم بطلان التصويب من صحّته؛ لأنّا اجتهدنا أنّه باطل، و على القول به لمّا كان حكم اللّه تعالى تابعا لظنّ المجتهد، يلزم كون ما اجتهدناه- و هو بطلانه- حكم اللّه تعالى، فيثبت المطلوب.

و لزوم اجتماع النقيضين لو صحّ التصويب؛ لأنّ كلّ مجتهد لو كان مصيبا فإذا ظنّ حكما، حصل له القطع بأنّه الحكم في حقّه، و بقاء هذا القطع مشروط ببقاء ظنّه؛ إذ لو ظنّ غيره لزمه الرجوع إلى ذلك الغير إجماعا، و إذا كان الظنّ باقيا، يلزم تعلّق الظنّ و القطع بشي‏ء واحد في زمان واحد؛ لأنّه لا حكم على التصويب في الواقع إلّا ما استنبطه و قد ظنّ أنّه الحكم، مع أنّه قاطع بأنّه حكم اللّه، و تعلّق القطع و الظنّ بشي‏ء واحد في زمان واحد اجتماع النقيضين و هو محال.

و لا يرد ذلك على القول بالتخطئة؛ لأنّ متعلّق القطع و الظنّ على هذا القول ليس شيئا واحدا؛ لأنّ الظنّ تعلّق بأنّه حكم اللّه الواقعي، و القطع بأنّه يجب العمل به و لا يجوز مخالفته، أي أنّه حكم اللّه الظاهري؛ فاختلف المتعلّقان؛ فلا يلزم اجتماع النقيضين.

و لنا أيضا: قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ (2)، و وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (3)، و «فيه تبيان كلّ شى‏ء» (4)، و وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ... (5)، و تواتر الأخبار بأنّه ما من واقعة إلّا و لها حكم أنزله اللّه في كتابه، أو بيّنه نبيّه في سنّته‏ (6).

و ما ورد من أنّ حكم اللّه كذا (7)، أو من لم يحكم بحكم اللّه أو بما أنزل اللّه فهو كذا (8)، و قول‏

____________

(1). الامّ للشافعي 6: 203.

(2). الأنعام (6): 38.

(3). الأنعام (6): 59.

(4). اقتباس من الآية 89 في سورة النحل (16).

(5). المائدة (5): 44.

(6). راجع: الكافي 1: 56، باب البدع و الرأي و المقاييس، ح 10، و: 59، باب الردّ إلى الكتاب و ...، ح 3 و 4، و الكافي 2: 624، باب فضل القرآن، ح 21.

(7). راجع الكافي 1: 60، باب الردّ إلى الكتاب و ...، ح 6 و 7.

(8). الكافي 7: 407 و 408، باب من حكم بغير ما أنزل اللّه، ح 1 و 2 و 3.

953

عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة في ذمّ اختلاف الفتيا: «ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الذي استقضاهم، فيصوّب آراءهم جميعا و إلههم واحد، و كتابهم واحد، و نبيّهم واحد» (1).

احتجّت المصوّبة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (2)، و لو كان بعضهم مخطئا في اجتهاده، لم يكن في متابعته هدى؛ لأنّ العمل بغير حكم اللّه ضلالة.

و بأنّه لو كان المصيب واحدا، و المخطئ يجب عليه العمل بمقتضى ظنّه، فلا يخلو إمّا أن يجب‏ (3) عليه مع القول ببقاء حكم اللّه الواقعي في حقّه أو مع زواله، و الأوّل يوجب ثبوت الحكمين في حقّه و هما نقيضان، و الثاني يوجب وجوب العمل بالخطإ و حرمة العمل بالصواب و هو ممتنع‏ (4).

و الجواب عن الأوّل: أنّه لو سلّم الخبر فلا نسلّم أنّ متابعة المخطئ في الاجتهاد ضلالة، بل هو هدى؛ لأنّ كلّا من التابع و المتبوع قد فعل ما يجب عليه.

و عن الثاني: أنّا نختار الثاني. و أداؤه إلى وجوب العمل بالخطإ في الواقع لا بأس به إذا لم يعلم أنّه خطأ، بدليل أنّه لو كان في مسألة نصّ أو إجماع و لم يطّلع عليه بعد الاجتهاد وجب مخالفته، فما نحن فيه مع الاختلاف أجدر بالمخالفة.

إذا عرفت ذلك، فيتفرّع عليه عدم جواز إنفاذ المجتهد حكم مجتهد آخر يخالفه، و على التصويب يجوز.

و عدم جواز اقتداء من يرى وجوب السورة أو التسليم أو غير ذلك بمن لا يراه و لم يفعله، و على التصويب يجوز.

و وجوب القضاء على المجتهد في القبلة إذا ظهر خطأه، و على التصويب لا يجب.

____________

(1). نهج البلاغة: 46، الخطبة 18.

(2). جامع الاصول 9: 409 و 410، ح 6359.

(3). أي يجب العمل بمقتضى ظنّه على المخطئ.

(4). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 214 و 215.

954

و في المسألة تفصيل ورد به النصّ‏ (1) و عمل به الأكثر من أصحابنا، و فيه قول آخر عمل به بعضهم‏ (2).

تذنيب [: في بطلان التفوض‏]

لمّا بطل التصويب، فيترتّب عليه بطلان التفويض، و هو أن يفوّض الحكم إلى المجتهد، فيقال له: احكم بما شئت.

و قد اختلف العامّة في جوازه، و من قال بالجواز احتجّ بقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى‏ نَفْسِهِ‏ (3)، و لا يتصوّر تحريمه على نفسه إلّا بتفويض التحريم إليه، و إلّا كان المحرّم هو اللّه.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لو لا أن أشقّ على امّتي، لأمرتهم بالسواك» (4)، و هو صريح في أنّ الأمر و عدمه إليه.

و قوله: «في [قصّة] مكّة لا يختلى‏ (5) خلاها و لا يعضد (6) شجرها» (7)، فقال العبّاس: إلّا الإذخر، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «إلّا الإذخر» (8)، و هو يدلّ على تفويض الحكم إليه حتّى أطلق أوّلا، ثمّ استثنى بالتماس العبّاس‏ (9).

و الجواب عن الأوّل: أنّ تحريم إسرائيل ما حرّم على نفسه إنّما كان بأمر اللّه، و إسناد التحريم إلى إسرائيل لأجل ميله إلى ذلك و طلبه له.

و عن الثاني: أنّه يجوز أن يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد خيّر في الأمر و عدمه.

و عن الثالث: أنّ الإذخر ليس من الخلى، فيكون الاستثناء منقطعا، أو التخصيص كان‏

____________

(1). راجع وسائل الشيعة 4: 314- 318، أبواب القبلة، الباب 10 و 11.

(2). القول للشيخ في النهاية: 64.

(3). آل عمران (3): 93.

(4). الفقيه 1: 34، ح 123.

(5). الاختلاء: الجزّ. و الخلى: العشب. أي لا يجزّ عشبها.

(6). عضد الشجر قطعه بالمعضد و هو حديدة كالمنجل لقطع الشجر.

(7 و 8). السنن الكبرى، للبيهقي 6: 327- 328، كتاب اللقطة، ح 12117- 12118.

(9). نسبه الآمدي إلى موسى بن عمران و هو مختاره أيضا في الإحكام في أصول الأحكام 4: 215 و 216.

955

مرادا له (صلّى اللّه عليه و آله) و قد فهمه السائل، فقرّره (صلّى اللّه عليه و آله)؛ على أنّه يلزم من ثبوت التفويض في هذه الأمثلة كون الأنبياء مجتهدين، و قد مرّ بطلانه‏ (1).

فصل [7] [: في عدم وجوب تكرير النظر للمجتهد إذا تكرّرت الواقعة عليه‏]

إذا وقعت على المجتهد واقعة فاجتهد فيها و أفتى و عمل، ثمّ تكرّرت، ففي وجوب تكرير النظر أقوال، ثالثها: الوجوب إن لم يكن ذاكرا لما مضى من طرق الاجتهاد، و عدمه إن كان ذاكرا له‏ (2).

و رابعها: الوجوب إن مضى زمان زادت فيه القوّة بكثرة الممارسة و الاطّلاع‏ (3).

و الحقّ أنّه لا يلزمه تكرار النظر مطلقا؛ لأنّه اجتهد مرّة و طلب ما يحتاج إليه في المسألة، و الأصل عدم وجود شي‏ء آخر لم يطّلع عليه.

احتجّ القائل بلزوم التكرار (4) بأنّه يحتمل أن يتغيّر اجتهاده كما نراه كثيرا، و مع هذا الاحتمال لا يبقى ظنّه‏ (5).

و الجواب: أنّ احتمال تغيّر اجتهاده لو اقتضى تكرير النظر، لوجب التكرير أبدا.

و يتفرّع عليه أنّه إذا اجتهد للقبلة و صلّى ثمّ حضر وقت صلاة اخرى، فلا يجب الطلب ثانيا، و إذا طلب الماء و لم يجده فتيمّم و صلّى ثمّ دخل وقت صلاة اخرى، لم يجب الطلب ثانيا.

فصل [8] [: في عدم جواز تقليد المجتهد غيره بعد اجتهاده‏]

لا يجوز للمجتهد تقليد غيره بعد اجتهاده وفاقا، و كذا قبله على الأصحّ. و فيه مذاهب آخر (6).

لنا أنّ التقليد خلاف الأصل، خرج ما أخرجه الإجماع، فيبقى الباقي على أصله.

____________

(1). في ص 948.

(2). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 238، و العلّامة في تهذيب الوصول: 289.

(3). راجع: المحصول 6: 69، و الإحكام في أصول الأحكام 4: 239.

(4). في «أ»: «التكرّر».

(5). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 238.

(6). راجع تمهيد القواعد: 318، القاعدة 100.

956

و أيضا التقليد حكم شرعي لا بدّ له من دليل و الأصل عدمه.

و أيضا التقليد بدل الاجتهاد، و لا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكّن من المبدل.

احتجّ القائل بالجواز بقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1).

و بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أصحابي كالنجوم ... (2)» (3).

و هما لا يدلّان على مطلوبه، كما لا يخفى.

و يتفرّع عليه عدم جواز تقليد العارف بأدلّة القبلة لغيره، بل يجب عليه اعتبارها.

و عدم جواز تقليد المؤذّن الثقة للعارف بالوقت مع عدم عذره، و عدم جواز تقليد الأعمى إذا أمكنه معرفة الكعبة بلمسها.

فصل [9] [: في جواز نقض الحكم الاجتهادي للقاطع و لمجتهد آخر]

الحكم الصادر من مجتهد إن كان مخالفا للقاطع، يجوز له و لمجتهد آخر نقضه، و إن لم يكن مخالفا له، بل كان من الاجتهاديّات، فلا يجوز لكلّ واحد منهما نقضه؛ إذ لو جاز ذلك، جاز نقض النقض، و هكذا، فيلزم التسلسل فيفوت مصلحة نصب الحاكم، و هو رفع الخصومات.

و على هذا، لو تزوّج مجتهد امرأة بغير إذن وليّها عند ظنّه صحّته ثمّ تغيّر اجتهاده و رآه غير جائز، حرم نقضه مطلقا، و وجب إبقاء التزويج كما كان.

____________

(1). النحل (16): 43.

(2). جامع الاصول 9: 410، ح 6359.

(3). حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول: 216.

957

الباب الثاني في التقليد

[في معنى التقليد]

و البحث فيه عنه و عن المفتي و المستفتي و ما يستفتى فيه.

و التقليد في الأصل‏ (1): هو العمل بقول الغير من غير حجّة، كأخذ العامّيّ و المجتهد بقول مثله، و على هذا لا يكون الرجوع إلى النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) تقليدا.

و كذا رجوع العامّيّ إلى المفتي، و القاضي إلى العدول في شهادتهم؛ لقيام الحجّة فيها.

و في العرف يطلق على أخذ العامّيّ بقول المفتي أيضا، و هو الغالب في أمثال زماننا.

و المفتي هو الفقيه.

و المستفتي خلافه.

و المستفتى فيه، المسائل الاجتهاديّة.

فصل [1] [: في لزوم التقليد على من لم يبلغ درجة الاجتهاد]

لا ريب في لزوم التقليد على من لم يبلغ درجة الاجتهاد- سواء كان عامّيّا أو عالما بطرف من العلوم- لورود الأمر في الآيات‏ (2) و الأخبار بسؤال الجهّال عن أهل العلم‏ (3)، و قد وقع التصريح به في مشهورة أبي خديجة (4)، و شيوع استفتاء

____________

(1). و المراد بالأصل هو اللغة. راجع لسان العرب 11: 276، «ق ل د».

(2). النحل (16): 43، و الأنبياء (21): 7، و التوبة (9): 122، و يونس (10): 94، و الزخرف (43): 45.

(3). الكافي 1: 40، باب سؤال العالم و تذاكره، ح 1- 9.

(4). الكافي 7: 412، باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور، ح 4، و الفقيه 3: 2، ح 3219، و تهذيب الأحكام 6: 219، ح 516.

958

العوامّ من العلماء في الأعصار و الأمصار من غير نكير.

و قد نقل غير واحد من الأصحاب إجماع العلماء على الإذن للعوامّ في الاستفتاء من غير تناكر (1).

و لأنّ العوامّ مكلّفون بالعمل بالأحكام، و هو يتوقّف على المعرفة بها، و هي لا تتحقّق إلّا بالاستدلال أو التقليد. و الأوّل باطل؛ لأدائه إلى استيعاب أوقاتهم بالفكر و النظر، فيختلّ أمر معاشهم المضطرّ إليه.

و بذلك يندفع ما ذهب إليه الحلّيون‏ (2) من أصحابنا من وجوب الاستدلال على العوامّ‏ (3).

و ذهب بعض البغداديّين‏ (4) إلى أنّ العالم بطرف صالح من العلم إذا لم يبلغ درجة الاجتهاد و إن لزمه التقليد، إلّا أنّه مشروط بأن يتبيّن له صحّة اجتهاد المجتهد بدليله.

و يدفعه شيوع استفتاء أمثاله من أهل الاجتهاد و اتّباعهم لهم من غير إبداء المستند من غير أن ينكر عليهم.

و قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (5)، و هو عامّ في جميع من لا يعلم، فيقول‏ (6): هذا العالم لا يعلم هذه المسألة، فيجب عليه فيها السؤال.

فصل [2] [: في عدم جواز التقليد في اصول العقائد]

الحقّ وجوب النظر في العقليّات من اصول العقائد؛ لورود الذمّ على التقليد و اتّباع الظنّ في الكتاب‏ (7) و السنّة (8)، خرجت الفروع بالإجماع؛ فبقيت الاصول.

____________

(1). راجع: ذكرى الشيعة 1: 41، و معالم الدين: 243.

(2). كذا في النسختين، و لكنّ الصحيح أن يكون «الحلبيّون» كما في معالم الدين و غيره.

(3). ذكره ابن زهرة في غنية النزوع 2: 414 و 415، و الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 41، و الشيخ حسن في معالم الدين:

243، و الفاضل التوني في الوافية: 304.

(4). حكاه عنهم الفخر الرازي في المحصول 6: 73، و العلّامة في تهذيب الوصول: 290.

(5). النحل (16): 43.

(6). كذا في النسختين. أي فيقول المدّعي. و الأولى: «فيقال».

(7). النجم (53): 28، و الجاثية (45): 24، و يونس (10): 36.

(8). الكافي 1: 57- 58، باب البدع و الرأي و المقاييس، ح 17.

959

و لوجوب تحصيل العلم بالاصول بالإجماع، و قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ (1).

و التقليد لا يحصّله، و قوله: قل انظروا أو لم يتفكّروا في خلق السماوات‏ (2).

و ما ورد من الأخبار من أنّه يسأل في القبر عن الدليل على اصول العقائد (3).

احتجّ المخالف‏ (4)- و هو بين قائل بكفاية الوصول في الاصول إلى المطلوب سواء كان بنظر صحيح أو فاسد أو بالتقليد، و قائل بحرمة النظر و وجوب التقليد فيها (5)- بوجوه:

منها: أنّ الاستدلال صعب، و معرفة الاصول بالنظر و الدلالة العقليّة لا يتمكّن منها كلّ أحد؛ لتعذّرها في حقّ أكثر الناس، كأغباء الترك، و أجلاف العرب، و أكثر النساء و الأطفال في أوائل البلوغ، و أكثر من يتمكّن منها يتوقّف حصولها له على صرف برهة من عمره في تحصيلها، و ربما أدّى في كثير منهم إلى استيعاب أوقاتهم؛ لتوقّفه على مقدّمات كثيرة، فيختلّ أمر المعاش.

و منها: أنّ النبيّ و الصحابة يكتفون في إسلام الكفّار من عوامّ العرب على كلمتي الشهادة من دون تكليف استدلال، بل يحكمون بمجرّدهما على إسلام الأمة الخرساء، و البدوي الذي لم يعرف الهرّ من البرّ (6) من دون عرض الأدلّة عليهما.

و منها: اتّفاق علماء الأمصار على قبول شهادة العوامّ مع أنّا نقطع بأنّهم لا يعلمون تحرير العقائد بالأدلّة.

و الجواب عن هذه الوجوه الثلاثة: أنّ تحرير الأدلّة بالعبارات المصطلح عليها، و دفع الشبهة الواردة عليها ليس بلازم، بل اللازم معرفة دليل إجمالي يوجب الطمأنينة و إن كان اتّفاق العقلاء، أو قول من يوثق به من النبيّ، أو الإمام، و هذا يحصل بأيسر نظر و يتمكّن منه كلّ أحد، و قد كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الصحابة يعلمون من عوامّ العرب علمهم بهذا القدر، كما إذا

____________

(1). محمّد (47): 19.

(2). اقتباس من الآية 8 في سورة الروم (30).

(3). الكافي 3: 238، باب المسألة في القبر و ...، ح 11.

(4). حكاه الفخر الرازي في المحصول 6: 92، و الآمدي في الإحكام 4: 231، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 219.

(5). هم الحشويّة و التعليميّة و العنبري.

(6). هذا مثل يقال لمن لا يميّز فعل من يهرّ في وجهه من فعل من يبرّ به.

960

قال الأعرابي: «البعرة تدلّ على البعير».

و منها: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى الصحابة عن الكلام في مسألة القدر.

و الجواب: أنّ نهيه إنّما كان عن الجدال، مع أنّ مسألة القدر غير ما نحن بصدده.

و منها: أنّه لو كان النظر واجبا، لوجب على الصحابة بطريق أولى، و لو وجب عليهم، لنقل عنهم مع أنّه لم ينقل عن أحد منهم الاستدلال، و لا أمر أحدهم أحدا به.

و جوابه: أنّ عدم النقل و الإلزام لوضوح الأمر عندهم و قلّة الشبه؛ فإنّ من شاهد الوحي و صاحب صاحبه أيّ حاجة له إلى الاستدلال في معرفة اللّه و صفاته؟ بل هو محتاج إليه في زمان انقطاع الوحي؛ لارتفاع صفاء الأذهان، و معارضة الوهم للعقل و إحداثه الشبهات بين الأنام.

و منها: أنّ النظر مظنّة الوقوع في الضلالة؛ لإثارته الشكوك و الشبهات بخلاف التقليد؛ فإنّه طريق سالم.

و جوابه: أنّ ذلك يجري فيمن يقلّد، فيحرم النظر عليه أيضا، فيتسلسل، أو ينتهي إلى ناظر، فيلزم المحذور مع زيادة احتمال كذبه.

و منها: أنّه إن وجب النظر لزم الدور؛ لتوقّفه على العلم بصدق الرسول المتوقّف على النظر في معجزته المتوقّف على وجوب النظر في معرفة اللّه.

و جوابه: أنّ وجوب النظر في المعارف الواجبة عقلي عندنا.

و منها: أنّ قول من يوثق به أوقع في النفس ممّا يفيده هذه الدلائل الكلاميّة.

و الجواب: منع الأوقعيّة، إلّا إذا كان قول المعصوم (عليه السلام) و الرجوع إليه ليس تقليدا.

و منها: أنّ قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ... (1) مطلق غير مقيّد بالفروع.

و الجواب: أنّه قد علم تقييده بما تقدّم من الأدلّة (2).

و منها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «عليكم بدين العجائز» (3).

____________

(1). النحل (16): 43.

(2). في ص 958.

(3). راجع: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4: 230، و بحار الأنوار 66: 136 و هو ليس بحديث.

961

و الجواب: أنّه من كلام الثوري، مع أنّ دين العجائز ليس هو التقليد، بل الرجوع إلى ما يفيد الاطمئنان من الآيات الظاهرة، و نحن نقول بكفايته.

فإن قلت: يلزم على ما ذكرت الحكم بكفر أكثر عوامّ أهل الإسلام؛ لأنّ معرفتهم ناشئة عن التقليد.

قلت: لا يلزم ذلك؛ لأنّ الحقّ أنّ المقلّد للحقّ إذا كان جازما و لم يعلم وجوب النظر، أو علمه و لم يصرّ على تركه، بل رجع إليه، فهو مؤمن غير فاسق، إلّا أن يقال: الجاهل ليس معذورا هنا، فغير العالم بوجوب النظر مؤمن فاسق، و إن علمه و أصرّ على تركه فهو مؤمن فاسق؛ لأنّ مناط الإيمان ثبوت الاعتقاد الثابت الجازم و ليس صدوره عن النظر شطرا أو شرطا له و إن كان واجبا، و كان تركه فسقا محرّما إذا علم وجوبه إلّا أنّ حصول القطع من التقليد في غاية الندرة.

و إن كان ظانّا فهو مؤمن على الظاهر و مرجى في الآخرة. و كونه فاسقا أو غير فاسق يعلم ممّا ذكر، و أكثر عوامّ المسلمين في أمثال زماننا من هذا القبيل، فبقي المقلّد المحكوم بكفره من قلّد الباطل، أو الحقّ من غير جزم و لا ظنّ، و الأوّل ليس من فرق المسلمين، و الثاني قليل.

فصل [3] [: في اعتبار الإيمان و العدالة في المفتي‏]

يعتبر في المفتي- الذي يرجع إليه المقلّد- مع الاجتهاد الإيمان و العدالة، و لا يجوز له التعرّض للفتوى حتّى يعلم اتّصافه بالشرائط من العلم و العدالة.

و لا يجوز للمستفتي الرجوع إليه حتّى يعلم منه ذلك بالمخالطة المطلقة (1)، أو التواتر، أو القرائن الكثيرة المتظاهرة (2)، أو بشهادة العدلين العارفين، و لا يكتفى بمجرّد رؤيته له منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، متصدّرا، داعيا إلى نفسه، و العامّة مقبلون عليه، متّفقون على سؤاله و تعظيمه؛ إذ قد يكون غالطا أو مغالطا. و إقبال العامّة لا حجّيّة فيه؛ لأنّهم يميلون إلى‏

____________

(1 و 2). كذا في النسختين، و الصحيح «المطلعة» و «المتعاضدة» كما في معالم الدين: 239.

962

كلّ ناعق، فاكتفاء بعض أصحابنا (1) به تبعا للعامّة غير صواب.

و الاحتجاج عليه بقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (2)، نظرا إلى شمول أهل الذكر لمثله، ضعيف؛ لأنّه لا بدّ من تخصيص أهل الذكر بمن جمع شرائط الفتوى؛ للإجماع على عدم جواز السؤال من غيره، و حينئذ لا بدّ من العلم بحصول الشرائط، أو ما يقوم مقامه.

فصل [4] [: في الترجيح بين المتّصفين بشرائط الفتوى‏]

المتّصف بشرائط الفتوى إن كان واحدا تعيّن للفتوى. و إن كان أكثر، فإن تساووا في العلم و العدالة تخيّر المستفتي في تقليد أيّهم شاء. و إن تفاضلوا، فإن اختلفوا في الفتوى تعيّن تقليد الأفضل؛ لأنّ الظنّ بقوله أقوى، و يجب اتّباع أقوى الظنّين عند التعارض، و إلّا لزم ترجيح المرجوح، و الظاهر عدم الخلاف بين الأصحاب في ذلك.

و ذهب بعض العامّة إلى تخيير المستفتي هنا أيضا، و جواز تقليده للمفضول‏ (3).

و احتجّوا عليه بشيوع الفتوى من المفضولين من الصحابة من غير نكير. و هو ممنوع.

و لو سلّم صدور بعض المسائل عن بعض المفضولين، فإنّما كان ذلك بعنوان النقل عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا الاستفتاء؛ على أنّه لو سلّم ذلك، فلا ينتهض حجّة لنا.

و بأنّ العامّيّ لا يمكنه معرفة مراتب المجتهدين، فتكليفه بالترجيح تكليف بالمحال.

و فيه: أنّه يتمكّن من معرفة الأفضل بالتسامع و بمشاهدة رجوع العلماء إليه، و عدم رجوعه إليهم، و تقديمهم له و اعترافهم بفضله.

و في كلام المحقّقين إيماء إلى أنّ لزوم الرجوع إلى الأفضل مخصوص بما إذا كان المجتهدون جميعا في بلد المستفتي، أو قريبا منه بحيث يمكنه الرجوع إليهم.

و أمّا إذا كانوا منتشرين في البلاد، فلا يجب عليه أن يخرج إليهم و يتفحّص عن أحوالهم‏

____________

(1). قاله العلّامة في تهذيب الوصول: 292.

(2). النحل (16): 43.

(3). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 221.

963

حتّى يقلّد الأفضل مع وجود المجتهد في بلده؛ للزوم الحرج.

و إن اتّفقوا (1) في الفتوى يحتمل التخيير؛ لعدم الفرق حينئذ بين الأخذ من الأرجح و الأخذ من المرجوح، و تعيّن الأفضل؛ لأنّ الثقة بقوله أقرب و أوكد و إن علم الاتّفاق؛ لأنّه لا ينفي الخطأ، و احتماله بالنسبة إلى المفضول أقرب. و هذا لا يخلو عن قوّة.

و إن ترجّح بعضهم بالعلم و بعضهم بالعدالة، فالحقّ تقديم الأعلم؛ لأنّ الفتوى إنّما يستفاد من العلم، و القدر الذي عنده من العدالة يمنعه عن الكذب في الفتوى بما لا يعلم.

فصل [5] [: في عدم اشتراط مشافهة المفتي في العمل بقوله‏]

لا خلاف عند الفريقين في عدم اشتراط مشافهة المفتي في العمل بقوله، بل يجوز بالكتابة مع أمن التزوير؛ للإجماع على العمل بكتب النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) في أزمنتهم، و بالحكاية عنه ما دام حيّا؛ للزوم الحرج بإلزام السماع عنه، و للإجماع على جواز رجوع الحائض إلى الزوج العامّيّ إذا روى عن المفتي.

و لا خلاف عندنا في عدم جواز إفتاء غير المجتهد بمذهب مجتهد، بأن يفتي من عند نفسه بمذهبه من غير أن يحكيه عنه؛ لأنّه قول بما لا يعلم، فيكون حراما، و قد اختلف العامّة فيه على أقوال:

ثالثها: الجواز عند عدم المجتهد، و عدمه عند وجوده‏ (2).

و رابعها: الجواز لمن كان مطّلعا على المآخذ و النصوص أهلا للنظر، و عدمه لغيره‏ (3).

و هذا هو المشهور بينهم، و لذا ترى يفتي واحد منهم بمذهب أبي حنيفة، و الآخر بمذهب الشافعي، و هكذا.

و احتجّوا على ذلك بوقوعه في الأعصار من غير نكير. و لا يخفى سقوطه عندنا.

____________

(1). هذا قسيم لقوله: «فإن اختلفوا في الفتوى».

(2). قاله الأسنوي في نهاية السؤل 4: 618- 619.

(3). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 241.

964

فصل [6] [: عدم جواز رجوع العامّي إذا عمل بقول مجتهد دون الالتزام بمذهبه‏]

إذا عمل العامّيّ بقول مجتهد في مسألة من غير أن يلتزم مذهبه، فلا يجوز له الرجوع عنه فيها إلى قول غيره وفاقا، إلّا أن يظهر له ما ينافي اجتهاده.

و أمّا في حكم مسألة اخرى فقد اختلف في جواز رجوعه فيه إلى غيره، و الظاهر الجواز؛ للأصل و عدم ما يصلح أن يكون مانعا.

و استدلّ عليه أيضا بوقوعه في زمن الصحابة و غيره؛ فإنّ الناس في كلّ عصر كانوا يستفتون من له أهليّة الفتوى كيف اتّفق، و لا يلتزمون السؤال عن مفت بعينه‏ (1).

و لو التزم أحد مذهب مفت بعينه و صار مقلّده في جميع المسائل- و إن لم يكن لازما عليه- ففي جواز رجوعه إلى غيره أقوال: ثالثها: أنّه كالأوّل و هو من يلتزم، ففي المسألة التي عمل فيها بقوله لا يجوز له الرجوع إلى غيره، و في غيرها يجوز له أن يقلّد فيه من شاء (2).

فصل [7] [: في تقليد المجتهد الميّت‏]

المشهور بين العامّة جواز تقليد المجتهد الميّت‏ (3)، و لذا يقلّد واحد منهم أبا حنيفة، و الآخر الشافعيّ.

و أكثر أصحابنا على المنع منه.

و مال بعض المتأخّرين إلى جوازه‏ (4).

و الحقّ الأوّل‏ (5)؛ لوجهين:

أحدهما: أنّ التقليد خلاف الأصل، خرج تقليد الحيّ بالإجماع، و لزوم الحرج بتكليف جميع الناس بالاجتهاد، فيبقى الباقي على أصله.

____________

(1). راجع الإحكام في أصول الأحكام 4: 242.

(2). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 222.

(3). راجع المحصول 6: 71- 72.

(4). ذكره الشهيد و لم يصرّح باسم قائله في ذكرى الشيعة 1: 44، و نسبه الفاضل التوني إلى العلّامة في الوافية: 300.

(5). و المراد به هو المنع، و هو قول أكثر أصحابنا.

965

و ليس لأحد أن يقول: إنّهما يخرجان تقليد الميّت أيضا؛ لأنّ صورة حكاية الإجماع صريحة في الاختصاص بتقليد الأحياء، و الحرج يندفع بتسويغ تقليد الحيّ.

و القول بأنّ انعقاد الإجماع غير مسلّم، كيف؟ و كلام الكليني في أوّل الكافي‏ (1) ظاهر في المنع عن مطلق التقليد، و صرّح ابن زهرة به و بوجوب الاجتهاد عينا (2)، و قد عزاهما بعض أصحابنا إلى قدماء الأصحاب و فقهاء حلب‏ (3). و الحرج كما يندفع بتقليد الحيّ يندفع بتقليد الميّت أيضا، فالحكم بتعيّن الأوّل تحكّم‏ (4).

ضعيف؛ لأنّه لو قطع النظر عن الإجماع، فلا ريب في أنّ لزوم الحرج ينتهض حجّة قطعيّة لصحّة التقليد، و لمّا كان التقليد مذموما و مخالفا للأصل، فيجب أن يجوّز بقدر ما يندفع [به‏] (5) الحرج؛ لأنّ ما يقدّر للضرورة فإنّما يقدّر بقدرها، و لا شكّ في أنّه يندفع بتقليد كلّ من الحيّ و الميّت، فيجب تقليد أحدهما فقط. و تقليد الحيّ ممّا قال به كلّ من قال بصحّة التقليد، فلا يمكن منهم منعه، فيتعيّن منع تقليد الميّت.

و ممّا يؤكّد ذلك أنّ الآيات و الأخبار التي يمكن أن يستدلّ بها على صحّة التقليد إنّما تدلّ على صحّة تقليد الحيّ دون الميّت؛ لأنّها محصورة بين ما ورد فيه الأمر بالسؤال، كقوله تعالى: فَسْئَلُوا (6).

و ما ورد فيه الأمر بالنظر إلى عارف الأحكام و استنباطها منه، كمشهورة أبي خديجة (7).

و ما ورد فيه الأمر بالاستفتاء أو السماع أو غير ذلك، ممّا يختصّ بالأحياء.

و ثانيهما: أنّ دلائل الفقه لمّا كانت ظنّيّة، لا يكون بينها و بين نتائجها لزوم عقلي، كما تقرّر في محلّه، فلا تكون حجّة من حيث هي، بل من حيث إفادتها الظنّ للمجتهد، فالحجّة هو ظنّه و هو يزول بموته، فيبقى حكمه خاليا عن الدليل، فكيف يمكن اتّباعه؟! و لا يمكن‏

____________

(1). الكافي 1: 8- 9.

(2). غنية النزوع 2: 414- 415.

(3). ذكره الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 41.

(4). قاله الفاضل التوني في الوافية: 304.

(5). أضفناه لاستقامة العبارة.

(6). النحل (16): 43.

(7). تقدّم في ص 957.

966

القول حينئذ بلزوم اتّباع ظنّه للاستصحاب؛ لأنّ شرط الاستصحاب بقاء الموضوع.

و دعوى كفاية ظنّه السابق و عدم لزوم بقائه إلى حين عمل المقلّد، شطط من القول؛ لأنّ اتّباع قول أحد بدون دليل على حجّيّته في غاية الفساد. هذا.

و استدلّ عليه بوجوه أخر كلّها غير نقيّة:

منها: أنّ هذه المسألة اجتهاديّة، فالواجب فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد، و حينئذ فإن رجع فيها إلى فتوى الميّت يلزم الدور؛ و إن رجع فيها إلى فتوى الحيّ، و في غيرها إلى فتاوى الموتى يلزم مخالفة الاعتبار و ما ظهر من اتّفاق الأصحاب على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود الحيّ؛ لأنّ جماعة نقلوا الإجماع عليه صريحا (1).

و يرد عليه: أنّا نختار الشقّ الثاني، و هو صواب غير مخالف للاعتبار، و ليس فيه فساد، و لا بدّ لنفيه من دليل.

و الإجماع- لو سلّم- فهو دليل مستقلّ، و لا يحتاج إلى هذا التطويل.

و أيضا هذا الدليل مبنيّ على عدم صحّة تجزّي الاجتهاد، و قد عرفت صحّته‏ (2)، و حينئذ فيجوز أن يجتهد أحد في هذه المسألة و رجع في غيرها من الأحكام إلى فتاوى الأموات.

و منها: أنّه إذا تعدّد المجتهدون و تفاضلوا، يجب الرجوع إلى الأعلم الأورع منهم، كما تقدّم‏ (3)، و الوقوف لأمثالنا على الأعلم الأورع في الأعصار السابقة ممتنع.

و يرد عليه: أنّ الاطّلاع على الأعلم الأورع ممكن بالشهرة و الأخبار و ملاحظة المصنّفات؛ فإنّ اللازم ليس إلّا تحصيل الظنّ و هو في غاية السهولة.

فإن قلت: تحصيل الظنّ بالأعلم ممكن، و أمّا بالأورع فلا.

قلت: إذا حصل الاطّلاع على الأعلم، فإن كان واحدا، يتعيّن العمل بقوله و إن كان الآخر أورع منه؛ لما تقدّم من لزوم تقديم الأعلم‏ (4)، فلا حاجة حينئذ إلى معرفة الأورع، و إن كان متعدّدا متساويين في العلم، يجب حينئذ الرجوع إلى الأورع منهم، فيقع الاحتياج إلى‏

____________

(1). راجع معالم الدين: 248.

(2). تقدّم في ص 920.

(3). تقدّم في ص 962.

(4). تقدّم في 963.

967

معرفته، لكن لا بدّ للخصم عن إثبات وقوع تعدّد الأعلم كذلك حتّى يثبت الاحتياج إلى معرفة الأورع، و أنّى له إثباته؟

و لو سلّم إمكان إثباته، نقول: معرفته ممكنة بالآثار و الأخبار؛ على أنّ وجوب تقليد الأعلم الأورع إنّما هو عند إمكانه، و مع التعذّر فالمقلّد مخيّر في تقليد من شاء، كما إذا تعدّد المجتهدون الأحياء و تساووا، أو لم يتيسّر للمقلّد تمييز الأعلم الأورع.

و منها: أنّه إذا كان للمجتهد في مسألة قولان، يجب على مقلّده الرجوع إلى قوله الأخير، و كثير من المسائل ممّا يختلف قول المجتهد الواحد فيه، و لا يمكن في الميّت تمييز قوله الأوّل عن الأخير (1).

و فيه: أنّ التمييز من مصنّفاته في غاية السهولة؛ فإنّ تواريخ تصنيف أكثر كتب الأعيان المجتهدين مضبوطة؛ على أنّه لو لم يمكن التمييز، فالظاهر تخيير المقلّد في العمل بأيّ القولين شاء، كما في الأحياء. هذا.

مع أنّه لا يتمّ إلّا في ميّت كان له قولان في مسألة واحدة دون غيره، و في المسائل التي له قولان فيها دون غيرها.

احتجّ الخصم بأنّ فتاوى المجتهدين ليست إلّا بيانات لأقوال الحجج (عليهم السلام)، فالعامل بفتاواهم عامل حقيقة بأقوالهم، فيجوز له العمل بها في كلّ وقت، و لا مدخليّة لحياة المبيّن و موته في ذلك‏ (2).

و فيه: أنّ المجتهد يحتاج إلى تحصيل الظنّ من الجمع بين الأدلّة المتعارضة، و من استنباط أحد محتملات الألفاظ المتشابهة، و اللوازم و الأفراد غير البيّنة، و ما لم يحصل له ظنّ لا يحكم بشي‏ء، فالمتّبع هو ظنّه، و كيف يكون ذلك مجرّد بيان قول المعصوم (عليه السلام) و ظنّه- كما عرفت‏ (3)- ينعدم بموته؟

ثمّ جلّ الفتاوى من الظنون الحاصلة من الترجيحات و الاستنباطات الاجتهاديّة، و ما هو

____________

(1). قاله الكركي في حاشية شرائع الإسلام (ضمن حياة المحقّق الكركي و آثاره) 11: 114.

(2). راجع الوافية: 306.

(3). تقدّم في ص 965.

968

من منطوقات النصوص و مدلولاتها الصريحة من دون معارض في غاية القلّة، حتّى أنّ الفقيه الذي لا يتعدّى عن متون الأخبار- كالصدوق و أمثاله- لا يكون هذا القبيل من فتاويه إلّا في غاية الندرة، و مع ذلك لا يوجد أكثر المسائل المحتاج إليها في فتاويه.

و بهذا ظهر ضعف ما ذهب إليه بعض المتأخّرين من:

أنّ من علم من حاله أنّه لا يفتي إلّا بمحكمات الكتاب و السنّة، و منطوقات الأدلّة، و مدلولاتها الصريحة- كابني بابويه و غيرهما من القدماء- يجوز تقليده حيّا كان أو ميّتا. و من لم يعلم من حاله ذلك- كمن يعمل باللوازم و الأفراد الخفيّة، و المتشابهات و الاصول التي دوّنوها و فرّعوا عليها بالرأي و التظنّي‏ (1)- يشكل تقليده حيّا كان أو ميّتا (2).

تذنيب [: في عدم جواز خلوّ الزمان عن مجتهد حيّ يرجع إليه‏]

إذا ثبت عدم جواز تقليد الميّت، يتفرّع عليه عدم جواز خلوّ الزمان عن مجتهد حيّ يرجع إليه؛ لبقاء التكليف و وجوب تحصيل شرائطه التي يتوقّف حصوله عليها، و من جملتها العلم به عن الأدلّة، فلو جاز خلوّ الزمان عنه؛ لزم إمّا ارتفاع التكليف، أو التكليف بالمحال، و لزم أيضا فسق جميع الامّة؛ لإخلالهم بالواجب الكفائي، و ذلك يوجب رفع الشرائع و الأحكام، و عدم الوثوق بأحد من الأنام، مع أنّه قد ثبت من الآثار أنّ اللّه قد أقام الحجّة على أهل كلّ عصر، و قطع أعذارهم، و بيّن لهم جميع ما يحتاجون إليه، و غير المجتهد- و إن علم طرفا من العلوم- لا يتمكّن من بيان جميع الأحكام.

و أيضا قد صحّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «أنّ الامّة لا تجتمع على الخطأ» (3) و «لا تزال طائفة منهم على الحقّ حتّى يأتي أمر اللّه» (4) أو «حتّى يأتي الدجّال» (5) و هو ينافي فسق جميعهم.

فإن قلت: على ما ذهب إليه الإماميّة من أنّ كلّ زمان لا يخلو عن معصوم (عليه السلام) يلزم عدم‏

____________

(1). التظنّي أصله التظنّن فقلبت النون الثانية ياء و كسرت الاولى لمناسبة الياء فصار التظنّي.

(2). ذهب إليه الفاضل التوني في الوافية: 307.

(3). كنز العمّال 1: 180، ح 909 باختلاف.

(4). فتح الباري 13: 363، ح 7311.

(5). عوالي اللآلئ 4: 62، الجملة الثانية في الأحاديث ...، ح 13.

969

الاحتياج إلى المجتهد؛ لترتّب ما يترتّب على وجود المجتهد مع الزيادة على‏ (1) وجود المعصوم، فلا يلزم شي‏ء من المفاسد المترتّبة على عدم المجتهد.

قلت: إتمام الحجّة و قطع عذر الامّة يتوقّف على وجود عارف بالأحكام يرجع إليه الناس، و يسألونه عمّا يحتاجون إليه، و هو يتوقّف على أن يكون ظاهرا مشهورا، فلا يكفي مجرّد وجود المعصوم من دون ظهوره لعدم‏ (2) الاحتياج إلى المجتهد.

نعم، إن كان ظاهرا فلا كلام في عدم الاحتياج إليه.

فإن قلت: يلزم على ما ذكرت تمكّن كلّ أحد من أخذ الأحكام من المجتهد، و لا يخلو كلّ بلد و قرية عنه، و هو خلاف الوجدان و العيان.

قلت: بعد وجود المجتهد- و إن كان واحدا- يتمكّن أكثر الناس من أخذ الأحكام عنه و لو بالكتابة و التصنيف و الواسطة، و لو لم يتمكّن بعض الناس عنه للبعد المفرط، أو اشتغاله بأمر المعاش المضطرّ إليه، فلا بأس به؛ لأنّ المناط في التبليغ هو التبليغ إلى الغالب، كما في تبليغ الأنبياء، و ليس على مثله حينئذ حرج، و اللازم عليه الأخذ بالاحتياط؛ لأنّه وظيفة من لم يكن مجتهدا و لم يتمكّن من أخذ الأحكام عنه، و لا حرج عليه حينئذ على التحقيق؛ لأنّه لا تكليف فوق الوسع.

فصل [8] [: في بيان وظيفة الفاقد لأخذ الأحكام بالاجتهاد أو بالتقليد]

قد صحّ ممّا ذكرناه انحصار طريق أخذ الأحكام بالاجتهاد، أو بالتقليد من المجتهد الحيّ، فالفاقد للطريقين لا يخلو عن سبعة:

الأوّل: أن يكون جاهلا بالأحكام كلّها أو بعضها، غير مؤدّ للواجبات، مرتكب‏ (3) للمحرّمات.

و لا ريب في كونه معاقبا؛ لما بيّنّا فيما تقدّم من عدم معذوريّة الجاهل‏ (4).

____________

(1). متعلّق بقوله: «لترتّب».

(2). متعلّق بقوله: «لا يكفي».

(3). كذا في النسختين. و هو خبر مبتدأ محذوف.

(4). تقدّم في ص 957.

970

الثاني: أن يعرفها بالسماع من العوامّ، أو تقليد الآباء- سواء كان معتقدا بصحّة الأخذ كذلك، أو لا- و لم تكن مطابقة للواقع و موافقة (1) لأمر الشرع. و لا ريب في بطلانها و كونه معاقبا، و وجهه ظاهر.

الثالث: أن يعرفها بتقليد أحد الأموات من المجتهدين، أو بملاحظة كتب العلماء من غير تقليد لواحد معيّن، و علم أو ظنّ بالاستدلال أو تقليد من كان معتقدا له من الفقهاء صحّة ذلك. و الظاهر عدم كونه معاقبا، و صحّة عباداته و إن لم تكن مطابقة للواقع؛ لأنّه بعد بذل‏ (2) جهده اعتقد صحّة هذا الطريق، فتكليفه غير ذلك تكليف بما فوق الطاقة.

الرابع: أن يعرفها بالنحو المذكور من غير علم أو ظنّ بصحّته، بل إمّا مع اعتقاد فساده أو لا، و لم تكن مطابقة للواقع.

و لا ريب في كونه معاقبا، و بطلان عباداته؛ لأنّه أوقع غير المأمور به على وجه غير مأمور به.

الخامس: أن يعرفها بالنحو المذكور من غير اعتقاد صحّته و كانت مطابقة للواقع.

السادس: أن يعرفها بالأخذ من العوامّ و تقليد الآباء و الأسلاف و كانت مطابقة للواقع.

السابع: أن يحتاط فيها مع تمكّنه من أخذها من المجتهد الحيّ. و قد اختلف في صحّة عبادات هؤلاء الثلاثة و بطلانها، و كونهم معاقبين، أم لا (3).

و الحقّ أنّ عباداتهم صحيحة، و ليسوا بتاركين لها و إن عوقبوا بترك الواجب.

أمّا الثاني، فلما ثبت من أنّ الناس مكلّفون بأخذ الأحكام، و طريقه منحصر في الاجتهاد أو التقليد، و الفرض تمكّنهم من ذلك، فتركه محرّم.

و قيل‏ (4): الأصل عدم وجوب أخذها على هذا النحو؛ لصعوبته، سيّما بالنسبة إلى النساء و الأطفال في أوائل البلوغ؛ لأنّهم لا يعرفون المجتهد و عدالته و عدالة الوسائط، بل لا يعرفون حقيقة العدالة، و أخذهم عنهم فرع العلم بعدالتهم، و معرفة العدالة لا تحصل غالبا

____________

(1). أي و لا موافقة.

(2). في «ب»: «بذله».

(3). ذكره الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 2: 182 و 183.

(4). المصدر.

971

إلّا بمعرفة المحرّمات و الواجبات، و هم الآن ما حصّلوا شيئا، و لا يمكن لهم أن يعلموا بالشياع أنّ الفلان عدل- مع عدم معرفتهم حقيقة العدالة- و لا بالمعاشرة، و لا بالعدلين؛ لما ذكر، بل أكثر جهّال الناس و عوامّهم من أهل القرى و الصحاري تعلّموا شيئا من العبادات و الطاعات من آبائهم أو من هو أعلم منهم، و ظنّوا بل تحقّقوا أنّ هذا هو الواجب عليهم لا غير، و لم يسمعوا وجوب أخذ الأحكام من المجتهد، فكيف يكونون آثمين بترك الطلب و كثير منهم بلغوا في العبادة حدّا لو كلّفوا بأخذ الأحكام من المجتهد الحيّ، لزم التكليف بما لا يطاق؟!

و الجواب: أنّ الكلام فيمن علم مجملا وجوب أحكام عليه، و علم أنّها (1) ممّن يسأل، و يمكن من أخذها عنه و لو بوسائط كثيرة، و لا ريب في كونه مأمورا حينئذ بالسعي و الطلب، فلو تركهما كان معاقبا.

و أمّا من لا يعلم وجوب شي‏ء عليه أصلا، و لم يسمع مجي‏ء مبلّغ عن اللّه بالأوامر و النواهي، فهو من المستضعفين و خارج عمّا نحن بصدده.

و إن علم وجوبها و لكن لم يكن في قوّته و قدرته فهمها، بل كان بحيث لو كلّف بالأخذ عن المجتهد لزم التكليف بما لا يطاق، فهو أيضا خارج و يجب عليه السعي مهما أمكن، و إن أمكنه الفهم و التعليم إلّا أنّه لم يتمكّن من الوصول إلى المجتهد، فليس عليه أيضا حرج بعد الأخذ بالاحتياط.

و أمّا الأوّل‏ (2)، فلأنّ العبادة على التقديرات الثلاثة مطابقة للواقع و موافقة للمأمور به.

أمّا على الأوّلين فبالفرض.

و أمّا على الثالث؛ فلأنّ من صام بنيّة القربة، و كفّ عن جميع ما يحتمل أن يكون مبطلا، و أتى في الصلاة بجميع ما يحتمل أن يكون تركه مبطلا، و ترك جميع ما يحتمل أن يكون فعله مبطلا، يحصل له القطع بموافقة صومه و صلاته للمأمور به على كلّ تقدير. و إذا ثبت مطابقتها للواقع و موافقتها للمأمور به تكون صحيحة؛ لأنّه لا معنى لصحّة العبادة إلّا إيقاعها

____________

(1). كذا في النسختين. و الأولى: «أنّه».

(2). و المراد به صحّة العبادة.

972

على الوجه المأمور به مع نيّة القربة، و ليس النهي متعلّقا بنفس الصلاة أو شي‏ء من أجزائها و لا صفاتها اللازمة، بل بتقليده لمن قلّده‏ (1)، و أخذه على ما أخذه، و هو أمر خارج عن حقيقة الصلاة و شرائطها و صفاتها.

على أنّ أكثر المحقّقين ذهبوا إلى أنّ نيّة القربة كافية في صحّة العبادات، و لا حاجة إلى التعرّض للوجه من الوجوب و الندب، و إذا لم يعتبر نيّة الوجه في أصل العبادات و جملتها، فلا تكون معتبرة في أفعالها و تفاصيل أجزائها بطريق أولى، و إذا لم يعتبر الوجه في أجزاء الصلاة و أفعالها، ثمّ أتى بها بأفعالها و هيئاتها على الوجه المعروف لم يتصوّر القول بالبطلان بوجه.

و أيضا من أوقع العبادة على ما هي عليه في الواقع حصل للنفس كمالها بحسب القوّة العمليّة، سيّما و في بعض التقديرات اعتقد أنّ الشارع وضعها كذلك؛ فلا يقدح في حصول الكمال كون المخبر ممّن لا يجوز تقليده.

و أيضا جلّ أهل الإسلام من هؤلاء، فلو كانت عبادتهم باطلة لم يكن فرق بينهم و بين تاركي الصلاة؛ لعدم الفرق بين ترك الصلاة و الصلاة الباطلة شرعا، فجاءت الطامّة الكبرى، و الداهية العظمى في كفر المسلمين.

و أيضا كما يجب على العوامّ تعلّم الأحكام، يجب على العلماء تعليمها، فلو بطلت عبادة العوامّ بترك تعلّمها، بطلت عبادة العلماء بترك تعليمها إذا أوقعوها في الوقت الموسّع؛ لأنّ الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه.

____________

(1). هذا راجع إلى التقديرين الأوّلين.

973

المبحث الخامس في التعادل و الترجيح‏

[معنى التعادل و الترجيح‏]

تعادل الأدلّة: تساوي مدلولاتها في نظر المجتهد.

و الترجيح لغة: جعل الشي‏ء راجحا (1). و يقال مجازا لاعتقاد الرجحان. و عرفا: تقديم أقوى الأمارتين على الاخرى في العمل بمؤدّاه.

و قيل: تقوية إحدى الأمارتين على الاخرى ليعمل بها (2).

و قيل: اقتران الأمارة بما يقوى به على معارضها (3).

و الأوّلان أظهران؛ لأنّ حقيقة الترجيح هو فعل المجتهد فهو إمّا التقديم أو التقوية، و الاقتران سبب لهما، فالتعريف به تعريف الشي‏ء بسببه.

فصل [1] [: في وقوع التعارض بين الأدلّة الظنّيّة فقط]

لا تعارض في قطعيّين؛ لاجتماع النقيضين، و لا في قطعي و ظنّي؛ لانتفاء الظنّ بالقطع، فالتعارض إنّما يقع في الظنّيين.

و حينئذ إمّا يمكن الجمع بينهما و العمل بهما و لو من وجه أو لا.

فعلى الأوّل يجب العمل بهما؛ لأنّه أولى من إسقاط أحدهما بالكلّيّة؛ لأنّ الأصل في كلّ واحد منهما هو الإعمال، فيجمع بينهما مهما أمكن، فقوله (عليه السلام): «أ لا اخبركم بخير الشهود؟»

____________

(1). لسان العرب 2: 445، «ر ج ح».

(2). قاله الفخر الرازي في المحصول 5: 397.

(3). قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول: 222.

974

فقيل: نعم، فقال: «أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (1). يحمل على حقّ اللّه، و قوله (عليه السلام):

«ثمّ يفشو الكذب حتّى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (2) على حقّ الناس.

و ممّا فرّع عليه الحكم بقسمة دار تعارضت فيها بيّنتان و لم تكن في يد واحد من المتداعيين، أو كانت في يدهما.

و على الثاني إمّا يعلم تاريخهما أو يجهل.

فعلى الأوّل يحكم بكون المتأخّر (3) ناسخا للمتقدّم.

و على الثاني إمّا يقترن أحدهما بما يتقوّى به فيمكن الترجيح، أو يتعادلان فلا يمكن.

فعلى الأوّل يجب الترجيح و تقديم أقوى الأمارتين؛ لشيوع ذلك من الصحابة و من بعدهم من السلف، و تكرّره في القضايا المختلفة من غير نكير (4)، و نقل الإجماع صريحا على وجوب العمل بالراجح من الدليلين‏ (5)، و لزوم ترجيح المرجوح لو لم يعمل به، فالقول بالتخيير حينئذ أو التساقط و الرجوع إلى الأصل‏ (6) ساقط و فساده ظاهر.

و على الثاني يتخيّر المجتهد في العمل بأحدهما وفاقا للمعظم من الفريقين.

و ذهب بعض الأخباريين [إلى‏] (7) أنّه يجب التوقّف حينئذ في الفتوى، و الاحتياط في العمل‏ (8).

و قيل: يتساقطان و يرجع إلى البراءة الأصليّة (9).

لنا: استفاضة الأخبار بثبوت التخيير بعد عدم شي‏ء من المرجّحات المنصوصة، و في بعضها (10) حكم به بعد كون كلّ من الراويين ثقة من دون الأمر بالرجوع إلى مرجّحات أخر.

____________

(1). سنن أبي داود 3: 304، ح 3596.

(2). مستدرك الوسائل 17: 448، أبواب الشهادات، الباب 46، ح 8 باختلاف.

(3). و المراد به هو البيّنة المتأخّرة. و التذكير هنا و فيما يأتي يحتاج إلى التوجيه.

(4 و 5). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 250 و 251.

(6). قاله الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 2: 189، و الأسنوي في نهاية السؤل 4: 437.

(7). أضفناه لاستقامة العبارة.

(8). راجع الرسائل الاصوليّة: 382.

(9). راجع: التمهيد 2: 505، و نهاية السؤل 4: 437.

(10). وسائل الشيعة 27: 121- 122، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ح 40 و 41.

975

احتجّ المتوقّف بالأخبار (1) الدالّة على الوقوف عند الشبهات، و الإرجاء حتّى يلقى الإمام (عليه السلام)(2).

و الجواب: أنّها محمولة على الاستحباب، أو على ما إذا أمكن الوصول إلى الإمام و الرجوع إليه؛ جمعا بين الأخبار، كيف؟ و لو حملت على ظاهرها لزم طرح أخبار التخيير؛ لعدم إمكان الجمع حينئذ مع أنّها أكثر و أشهر و بمضمونها أفتى المعظم، بل لم نعثر على مخالف معتدّ به من الأصحاب؛ فإنّ قدماءهم، كالكليني و الصدوق و أمثالهما و متأخّريهم، كالمحقّق و العلّامة و غيرهما تطابقوا على التصريح به.

حجّة القائل بالتساقط أنّ تعادل الأمارتين يوجب ارتفاع كلّ منهما بالاخرى، فوجودهما كعدمهما، فنرجع إلى ما يقتضيه الأصل‏ (3).

و جوابه: أنّ ذلك لو (4) لم يقم دلالة على ثبوت التخيير، و قد عرفت دلالة الأخبار عليه‏ (5).

تذنيب [: في موارد جريان الجمع و النسخ و الترجيح و التخيير]

الجمع يجري في العامّ و الخاصّ بالتخصيص، و في المطلق و المقيّد بالتقييد، و في عامّين أو مطلقين متناقضين بالتوزيع- أي تخصيص أحدهما ببعض الأفراد، و الآخر ببضع آخر كما في خبري الشهود (6)- و في أمر و نهي بينهما تناقض بحمل الأوّل على الندب و الثاني على الكراهة، و غير ذلك.

و النسخ يجري في نصّين متنافيين متساويين في القوّة و العموم، مع العلم بالمتأخّر.

و الترجيح يجري في متباينين لم يكونا بعامّين أو مطلقين، أو كانا بهما و لم يمكن التوزيع؛ لعدم القائل به.

____________

(1). الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث، ح 10.

(2). راجع الرسائل الاصوليّة: 382.

(3). راجع الفوائد المدنيّة: 93 و ما بعدها.

(4). هذا خبر أنّ.

(5). في ص 975.

(6). تقدّما في ص 973- 974.

976

و في العامّ و الخاصّ من وجه، كقوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها» (1) مع نهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة (2)؛ فإنّ الأوّل عامّ في الأوقات خاصّ ببعض الصلوات و هي المقضيّة، و الثاني عامّ في الصلاة خاصّ ببعض الأوقات.

و قوله لبني عبد مناف: «من ولي منكم أمر هذا البيت فلا يمنعنّ أحدا طاف أو صلّى أيّة ساعة شاء من ليل أو نهار» (3) مع نهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة.

و قوله: «أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» (4) مع قوله: «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما عداه إلّا المسجد الحرام» (5)؛ فإنّ الأوّل عامّ في المواضع خاصّ بالنافلة، و الثاني عامّ في الصلاة خاصّ بغير المسجد الحرام، ففي أفضليّة النافلة في البيت أو في المسجد الحرام يحتاج إلى مرجّح.

و التخيير يجري فيما عدا ما يجري فيه النسخ من الأقسام المذكورة إذا فقد الترجيح و حصل التعادل.

فصل [2] [: في انحصار وقوع التعارض في كلّ من الكتاب أو الخبر الواحد أو الإجماع الظنّي أو واحد من الأدلّة العقليّة]

لمّا ثبت أنّه لا تعارض في القطعيّات، و لا في قطعي و ظنّي، فلا يكاد أن يقع التعارض بين الإجماع أو السنّة المتواترة، و مثله أو غيره: فينحصر وقوع التعارض في كلّ من الكتاب أو الخبر الواحد أو الإجماع الظنّي، أو واحد من الأدلّة العقليّة كالاستصحاب، أو القياس المعتبر، أو غيرهما مع مثله، أو واحد من الثلاثة أو أكثر، و يتخرّج أقسام.

و المناط في ترجيح أحد الطرفين في كلّ منها أن يحصل به الظنّ الأقوى، و هو يتوقّف على كونه أقوى في نفسه أو بالمرجّحات المنصوصة و الاجتهاديّة، و الأوّل لا يتأتّى إلّا فيما

____________

(1). صحيح البخاري 1: 215، ح 572، و صحيح مسلم 1: 471، ح 309/ 680.

(2). صحيح البخاري 1: 211، ح 556، و سنن أبي داود 2: 55، ح 1274- 1276، و صحيح مسلم 1: 57، ح 833 و 834.

(3). سنن ابن ماجة 1: 398، ح 1254.

(4). صحيح البخاري 1: 256، ح 698، و صحيح مسلم 1: 539، ح 213/ 781.

(5). الكافي 4: 555، باب المنبر و الروضة و ...، ح 8 و 10، و تهذيب الأحكام 6: 15، ح 30 و 33.

977

لم يكن الطرف الآخر فيه مثله، و الثاني يتأتّى فيما كان مثله أو غيره من الأدلّة.

فالأوّل كالكتاب بالنسبة إلى الاستصحاب و القياس، فإنّه أقوى في نفسه منهما؛ للقطع بحجّيّته، و وقوع الخلاف في حجّيّتهما. و كذا حكم خبر الواحد بالنسبة إليهما.

و ربما كان بعض أقسام الاستصحاب أقوى من خبر الواحد؛ لقطعيّة دليله، كما لا يخفى على المطّلع بما تقدّم في بحثه‏ (1).

و الإجماعات الظنّيّة لمّا كانت مختلفة في مراتب الظنّ شدّة و ضعفا، فربما كان بعضها أقوى من كلّ واحد من الأربعة، و بعضها أضعف منها، و بعضها أقوى من بعضها أضعف من بعض آخر، و معرفة تفصيل ذلك موكولة إلى نظر المجتهد.

و الثاني كأن يترجّح أحد الخمسة إذا عارض مثله بوجه من وجوه التراجيح و هي كثيرة.

و لمّا كان المذكور في أكثر كتب الاصول وجوه التراجيح بين الخبرين المتعارضين، فنحن نذكرها أوّلا، ثمّ نشير إلى ما يعلم به حال البواقي.

فنقول: ترجيح أحد الخبرين على خمسة أصناف:

[أصناف ترجيح أحد الخبرين‏]

[الصنف‏] الأوّل: ما يقع بحسب السند- أي طريق ثبوته- و هو على ثلاثة أقسام:

[القسم‏] الأوّل: ما يكون بحسب الراوي نفسه و هو يحصل من وجوه:

الأوّل: أن يكون رواته أكثر عددا من رواة الآخر، فيرجّح لقوّة الظنّ؛ إذ العدد الأكثر أبعد عن الخطأ من الأقلّ، و لأنّ كلّ واحد يفيد ظنّا، فإذا انضمّ إلى غيره قوي حتّى ينتهي إلى التواتر المفيد للقطع.

الثاني: أن يكون راويه راجحا على راوي الآخر في صفة يغلب معها ظنّ الصدق، كالثقة و العدالة و الفطنة و الورع و العلم و الضبط و حسن الاعتقاد. و قد صرّح الشيخ بأنّه يرجّح أحد الخبرين بالضابط و الأضبط، و العالم و الأعلم؛ محتجّا بأنّ الطائفة قدّمت ما رواه محمّد بن مسلم، و يزيد بن معاوية، و الفضيل بن يسار و أمثالهم على من ليس له حالهم‏ (2). و الوجه في‏

____________

(1). تقدّم في ج 1، ص 399.

(2). العدّة في أصول الفقه 1: 152- 153.

978

الجميع أنّ ظنّ الصدق بقول من كان راجحا في وصف يفيد ظنّ الصدق أغلب منه بقول من كان مرجوحا فيه.

الثالث: أن يكون راويه راجحا على راوي الآخر في وصف يكون قوله معه أبعد من الخطأ، و أنسب بنقل الحديث على وجهه، كالحفظ و الجزم بالرواية، و العلم بالعربيّة، و مصاحبة المحدّثين، و الشهرة و المعروفيّة؛ إذ الغالب أنّهما لا يكونان إلّا عن مزيّة يكون قول صاحبهما (1) أبعد عن الخطأ من غيره.

الرابع: أن يكون متّصفا بإحدى صفات يكون الاعتماد على قوله معها أقرب و لم يتّصف بها الآخر، و هي كثيرة:

منها: أن يكون دائم العقل، و الآخر مختلطا في وقت ما، و لم يعلم أنّه روى في حال عقله أو اختلاطه.

و منها: أن يعتمد للرواية على حفظه للحديث و على تذكّره سماعه من الشيخ، و الآخر على نسخته و خطّه. و لا ريب أنّ احتمال الاشتباه في النسخة و الخطّ أقرب منه في الحفظ و الذكر.

و منها: أن يكون مباشرا لما رواه دون الآخر، كرواية أبي رافع: «أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نكح ميمونة و هو حلال» (2) فإنّه يرجّح على رواية ابن عبّاس: «أنّه نكح ميمونة و هو حرام» (3)؛ لأنّ أبا رافع كان هو السفير بينهما.

و منها: أن يكون صاحب الواقعة دون الآخر، كرواية ميمونة: «تزوّجني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نحن حلالان» (4)، فإنّها ترجّح على رواية ابن عبّاس‏ (5)، و رواية عائشة في: «وجوب الغسل بالتقاء الختانين» (6)، فإنّها ترجّح على رواية من روى: «إنّما الماء من الماء» (7).

____________

(1). كذا في النسختين. و الأولى: «صاحبها»، أي صاحب المزيّة.

(2). السنن الكبرى 5: 106، ح 9161.

(3 و 5). المصدر: 105، ح 9158.

(4). المصدر: 106، ح 9160.

(6). مسند أحمد بن حنبل 2: 595، ح 6682، و كنز العمّال 9: 376، ح 26544.

(7). جامع الاصول 8: 162، ح 5300.

979

و منها: أن يكون مشافها، و الآخر سامعا من وراء حجاب أو آخذا بالمكاتبة؛ فإنّ السماع من وراء الحجاب و المكاتبة يحتملان من الخلل ما لا يحتمله المشافهة.

و منها: أن يكون عند سماعه أقرب إلى المعصوم (عليه السلام).

و منها: أن يعمل بروايته، و الآخر لم يعمل بروايته، أو لم يعلم أنّه عمل بها أم لا.

و منها: أن يرسل و علم من حاله أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة، بخلاف الآخر، فمراسيل ابن أبي عمير و نظرائه- ممّن شهد بعض المشايخ‏ (1) بأنّهم لا يرسلون إلّا عن الثقات- ترجّح على مراسيل غيرهم.

و منها: أن يتحمّل الرواية بالغا و الآخر صبيّا.

و منها: أن يكون من أكابر الصحابة، و الآخر من أصاغرهم.

و منها: أن لا يلتبس اسمه بضعيف أو مجهول، بخلاف الآخر.

و منها: أن يكون طريقه أقوى في الإدراك، كأن يروي أنّه رأى زيدا بالعراق في يوم كذا، و الآخر يروي أنّه رآه بالحجاز في ليلة.

و منها: أن لا يكون مدلّسا، أي مخفيا للعيب، بخلاف الآخر.

و منها: أن يكون معروف النسب و الآخر مجهول النسب؛ لأنّ احتراز الأوّل عن الكذب أكثر حفظا للمرتبة؛ و للقدرة على معرفة عدالته بالفحص، بخلاف الثاني.

و منها: أن يكون عالي المنصب؛ فإنّ اهتمامه بالتصوّن و التحرّز و حفظ الجاه أكثر، و لذا روي أنّ عليّا (عليه السلام) يحلّف الرواة من الأصحاب سوى أبي بكر (2).

القسم الثاني: ما يكون بحسب تزكية الراوي، و هو من وجهين:

أحدهما: ما يعود إلى المزكّي بأن يكون مزكّي راويه أكثر، أو أوثق، أو أعدل، أو أكثر بحثا من مزكّي راوي الآخر. و كذا الحكم في زيادته في إحدى الصفات المتقدّمة.

و ثانيهما: ما يعود إلى كيفيّة التزكية، فيرجّح التزكية بصريح المقال على التزكية بالحكم بشهادته، و هي على التزكية بالعمل بروايته؛ لأنّ الاحتياط في الشهادة أكثر.

____________

(1). راجع رجال النجاشي: 326، الرقم 887.

(2). راجع المحصول 5: 398.

980

القسم الثالث: ما يكون باعتبار كيفيّة الرواية، فيرجّح المسند على المرسل، و مرسل عظماء الأصحاب على مرسل غيرهم، و المسند المعنعن على مسند إلى كتاب معروف، و هو على مشهور، غير مسند إلى كتاب، و المسند إلى كتاب مشهور عرف بالصحّة- كإحدى الكتب الأربعة- على المسند إلى كتاب لم يعرف بالصحّة، و المسند باتّفاق على ما اختلف في كونه مسندا أو مرسلا، و المسموع من الشيخ على المقروء عليه، و هما على المأخوذ بالإجازة إلّا أن يكون أحاله على أصل مسموع أو مصنّف مشهور؛ فإنّه مساو لهما حينئذ عند بعض‏ (1)، و المتّفق على رفعه إلى المعصوم (عليه السلام) على المختلف في رفعه إليه و في كونه موقوفا على الراوي، و عالي السند- و هو ما يكون رواته أقلّ عددا- على غيره؛ لأنّ احتمال الكذب و الغلط و غيرهما من وجوه الخلل فيه أقلّ.

الصنف الثاني: ما يقع بحسب وقت وروده و هو ينحصر بتقديم المتأخّر على المتقدّم؛ لإمكان نسخه.

و يتفرّع عليه ترجيح المدنيّات على المكّيّات، و ما ورد بعد قوّة الإسلام و علوّ شأن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على غيره؛ لأنّهما كانا في أواخر عصره، و ما فيه التشديد على غيره؛ لأنّ التشديدات متأخّرة، و إنّما جازت حين غلبة شوكة الإسلام، و المؤرّخ بتأريخ مضيّق- نحو آخر الشهر الآخر من سنة كذا- على المؤرّخ بتأريخ موسّع آخره آخر الأوّل، نحو سنة كذا؛ لاحتمال وروده قبل الأوّل.

الصنف الثالث: ما يقع بحسب المتن- أي اللفظ- من حيث هو، أو باعتبار مرتبة دلالته، و هو من وجوه:

أ. أن يكون حقيقة و الآخر مجازا غير راجح، فتقدّم الحقيقة على المجاز، و الشرعيّة على العرفيّة، و هي على اللغويّة.

____________

(1). حكاه الفخر الرازي عن القاضي عبد الجبّار في المحصول 5: 422.

981

ب. أن يكون مجازا يكون مصحّح تجوّزه- أعني العلاقة- فيه أشهر أو أقوى منه في الآخر، فيقدّم عليه، و كذا إن كان دليل تجوّزه- من الامور المتقدّمة في معرفة المجاز، كنصّ الواضع، و صحّة السلب، و عدم الاطّراد، و عدم صحّة الاشتقاق، و شهرة الاستعمال- راجحا على دليل تجوّز الآخر.

ج. أن يكون أقلّ احتمالا و الآخر أكثر احتمالا، فيقدّم غير المشترك على المشترك بين معنيين، و هو على المشترك بين ثلاثة معان.

د. تقدّم المجاز على المشترك؛ لما تقدّم‏ (1).

ه. تقدّم الأشهر مطلقا- أي في الشرع، أو في العرف، أو في اللغة- على غيره.

و. ترجيح اللغوي المستعمل شرعا في معناه اللغوي على المنفرد الشرعي، أي المنقول شرعا من معناه اللغوي إلى غيره؛ لعدم التغيير و الخلاف.

ز. ترجيح المرويّ بلفظ المعصوم (عليه السلام) على المرويّ بمعناه؛ لأنّه أبعد من الزلل.

ح. ما فيه تعرّض للعلّة يرجّح على ما اقتصر فيه على مجرّد الحكم؛ لأنّ شدّة الاهتمام بمعرفة الحكم في الأوّل أكثر.

ط. ترجيح الفصيح على غيره، لا الأفصح عليه. أمّا الأوّل، فلأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) فصحاء العرب، فالفصيح أشبه بكلامهم. و أمّا الثاني، فلأنّ المتكلّم الفصيح لا يجب أن يكون كلّ كلامه أفصح.

ي. ما يؤكّد دلالته بأن يتعدّد جهات دلالته، أو يكون أقوى يرجّح على ما يتّحد جهات دلالته، أو يكون أضعف، و من أمثلة متأكّد الدلالة قوله (عليه السلام): «فنكاحها باطل باطل باطل» (2)، و ما ورد في بعض أخبار التقصير للمسافر من قوله (عليه السلام): «قصّر و إن لم تفعل فقد- و اللّه- خالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (3).

يا. ما يدلّ بالمطابقة يرجّح على ما يدلّ بالالتزام، و وجهه ظاهر.

____________

(1). تقدّم في ج 1، ص 73.

(2). الفردوس بمأثور الخطاب 1: 351، ح 1410.

(3). تهذيب الأحكام 2: 13، ح 29 و 3: 163، ح 353، و الاستبصار 1: 240، ح 856.

982

يب. ما كان دلالته على المراد منه غير محتاجة إلى توسّط أمر آخر يرجّح على ما دلالته موقوفة عليه.

يج. يرجّح المستغني عن الإضمار على المفتقر إليه.

يد. يقدّم المنطوق على المفهوم، و الموافقة على المخالفة، و الاقتضاء على الإشارة، و الإيماء، و النصّ الدالّ بالاقتضاء لضرورة الصدق يرجّح على الدالّ بالاقتضاء لضرورة وقوعه شرعا؛ لأنّ الصدق أهمّ من وقوعه شرعا، و الإيماء لانتفاء العبث أو الحشو يقدّم على الإيماء لترتيب الحكم على الوصف؛ لأنّ الأوّل أظهر دلالة من الثاني.

يه. يقدّم الخاصّ على العامّ؛ لأنّه أقوى دلالة. و كذا الخاصّ من وجه، أو العامّ من وجه على العامّ من كلّ وجه. و كذا الحكم في المطلق و المقيّد.

يو. يقدّم العامّ الذي لم يخصّص، و المطلق الذي لم يقيّد على المخصّص و المقيّد؛ لتطرّق الضعف إليهما بالخلاف في حجّيّتهما.

يز. تقدّم تخصيص العامّ على تأويل الخاصّ؛ لكثرة الأوّل و ندور الثاني.

يح. إذا تعارضت صيغ العموم يقدّم أقوى دلالة على غيره، فالعامّ الشرطي يقدّم على النكرة الواقعة في سياق النفي، و الجمع المحلّى باللام، و اسم الموصول؛ لأنّ دلالته أقوى من حيث إفادته التعليل، و يقدّم الثلاثة على اسم الجنس المعرّف باللام؛ لشيوع استعماله في المعهود، فيصير دلالته على العموم أضعف.

الصنف الرابع: ما (1) يقع بحسب الحكم المدلول من الحرمة و الوجوب و غيرهما.

قيل: بهذا الاعتبار يقدّم التحريم على الندب؛ لأنّ التحريم لدفع المفسدة، و الندب لجلب المنفعة (2)، و الأوّل أهمّ من الثاني في نظر العقلاء. و على الإباحة الشرعيّة؛ للاحتياط، و لقوله (عليه السلام): «ما اجتمع الحلال و الحرام إلّا و غلب الحرام على الحلال» (3).

____________

(1). و المراد بالموصول هو الترجيح.

(2). قاله الفخر الرازي في المحصول 5: 439، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 269.

(3). عوالي اللآلئ 2: 132، ح 358.

983

و قيل بالعكس‏ (1)؛ لموافقته للأصل و على الكراهة؛ للاحتياط. و على الوجوب؛ للأخبار (2).

و يقدّم الوجوب على الندب؛ للاحتياط.

و الإثبات على النفي؛ لأنّ غفلة الإنسان عن الفعل كثيرة، و المتضمّن لدرء الحدّ على الموجب له؛ لقوله (عليه السلام): «ادرءوا الحدود بالشبهات» (3).

و مثبت الطلاق و العتاق على الموجب لعدمهما؛ لأنّ الأصل عدم القيد.

و الحكم التكليفي على الوضعي؛ لأنّه محصّل للثواب.

و قيل بالعكس‏ (4)؛ لأنّ الوضعي لا يتوقّف على فهم.

و الأخفّ على الأثقل؛ لنفي الحرج و اليسر.

و قيل بالعكس‏ (5)؛ إذ الثواب في الأثقل أكثر.

و أنت تعلم أنّ الترجيح بموافقة الأصل و مثله ليس ترجيحا باعتبار المدلول من حيث هو، بل بالأمر الخارج، فهو خارج عن المبحث.

و يمكن أن يقال: إنّ موافقة الأصل أو الاحتياط أو نفي الحرج أو الخبر دلّت على أنّ هذا الحكم مقدّم على ذاك، و الحكم من المدلول، فيصدق أنّ التقدّم بحسب المدلول و إن صدق باعتبار آخر أنّه بحسب الخارج.

الصنف الخامس: ما يقع بحسب الامور الخارجيّة، و هي تسعة:

الأوّل: اعتضاده بدليل آخر من كتاب، أو سنّة، أو غيرهما؛ فإنّه يقدّم على غير المعتضد به. و وجهه ظاهر.

الثاني: اعتضاده بالشهرة و عمل الأكثر به؛ فإنّه يقدّم على غيره؛ لأنّ الكثرة أمارة

____________

(1). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 269.

(2). راجع كنز العمّال 3: 429، ح 7294- 7297.

(3). دعائم الإسلام 2: 465، ح 1649، و الفقيه 4: 74، ح 5149.

(4). قاله الشوكاني في إرشاد الفحول 2: 271.

(5). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 273، و الشوكاني في إرشاد الفحول 2: 271.

984

الرجحان، و العمل بالراجح واجب؛ و للأمر بأخذ المشهور عند الأصحاب في عدّة روايات‏ (1).

الثالث: كونه مخالفا لمذهب العامّة؛ فإنّه يقدّم على الموافق له؛ لاحتمال التقيّة فيه، بخلاف المخالف، فإنّه لا يحتمل إلّا الفتوى؛ و للأمر بأخذه في عدّة روايات‏ (2).

و منع عدم احتمال المخالف إلّا الفتوى؛ لاحتماله الفتوى بما يحتمل التأويل لمصلحة رآها الإمام و إن لم نعلمها، ضعيف؛ لأنّه لو سلّم تأتّي هذا الاحتمال، فلا ريب أنّ احتمال التقيّة أظهر و أقرب منه، كما هو المعلوم من أحوال الأئمّة، و هو كاف في الترجيح.

الرابع: أن يكون مقرّرا، أي موافقا للأصل؛ فإنّه يقدّم على الناقل أي المخالف له، خلافا لبعض أصحابنا (3) و أكثر العامّة.

لنا: أنّ الأصل دليل، فإذا انضمّ إلى الخبر يكون الظنّ الحاصل منهما أقوى من الظنّ الحاصل من الخبر خاصّة، سيّما مع معارضته للأصل.

و احتجّ المخالف بأنّ الناقل يستفاد منه ما لا يعلم إلّا منه، و المقرّر حكمه معلوم بالعقل، فكان اعتبار الأوّل أولى؛ لأنّ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد، و حمل كلام الشارع على الأكثر فائدة أولى‏ (4).

و جوابه ظاهر.

الخامس: أن يكون دليل تأويل أحد المؤوّلين المتعارضين راجحا على دليل تأويل الآخر، فيقدّم الأوّل على الثاني، و وجهه ظاهر.

السادس: أن يكون أحد العامّين المتعارضين واردا على سبب خاصّ، و الآخر ليس كذلك، ففي ذلك السبب يقدّم العامّ الوارد عليه؛ لقوّة دلالته فيه، و في غير ذلك السبب يقدّم العامّ الآخر؛ للاختلاف في شمول الوارد على سبب لغيره.

السابع: أن يكون أحد العامّين المتعارضين خطاب مشافهة لبعض من يتناوله، و العامّ الآخر ليس كذلك، فيقدّم عامّ المشافهة فيمن شوفهوا به، و في غيرهم يقدّم الآخر.

____________

(1 و 2). راجع: الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث، و تهذيب الأحكام 6: 301 و 302.

(3). منهم العلّامة في تهذيب الوصول: 279.

(4). حكاه الفخر الرازي في المحصول 5: 434.

985

الثامن: أن يكون أحد العامّين ممّا لم يعمل به في صورة من الصور، و الآخر عمل به و لو في صورة.

فقيل: يقدّم الأوّل على الثاني ليعمل به، فيقع العمل بهما، و لو قدّم على ما عمل به لزم إلغاء الأوّل بالكلّيّة، و الجمع و لو بوجه أولى‏ (1).

و قيل بالعكس؛ لأنّ العمل من شواهد الاعتبار (2).

التاسع: أن يكون أحد العامّين أمسّ بالمقصود و أقرب إليه، و الآخر ليس كذلك، فيقدّم الأوّل على الثاني، فقوله: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ‏ (3) يقدّم في مسألة الجمع بينهما في وطء النكاح على قوله: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ (4)؛ لأنّه أمسّ بمسألة الجمع.

تذنيب [: في ترتيب الترجيحات في أخبارنا و الاختلاف فيه‏]

بعض الترجيحات المتقدّمة منصوصة في بعض أخبارنا، كترجيح رواية الأوثق و الأصدق و الأفقه و الأورع‏ (5) على رواية غيرهم، و ترجيح المشهور (6) على غيره، و الموافق للقرآن أو السنّة على غير الموافق لهما (7)، و المخالف لمذهب العامّة على الموافق له‏ (8)، و الأحدث على غيره‏ (9)، و الموافق للاحتياط على المخالف له‏ (10).

و قد وقع فيها مخالفة الترتيب، ففي البعض قدّمت الموافقة للكتاب، و في الآخر قدّم الشهرة، و في الآخر المخالفة لمذهب العامّة، و في الآخر أصحّيّة السند (11).

و على هذا يلزم الإشكال إذا كان أحدهما موافقا للقرآن، و الآخر مخالفا لمذهب العامّة،

____________

(1). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4: 276.

(2). قاله العلّامة في تهذيب الوصول: 279.

(3). النساء (4): 23.

(4). النساء (4): 3.

(5). الفقيه 3: 9، ح 3236، و تهذيب الأحكام 6: 301، ح 844 و 845.

(6- 7- 8). الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث، ح 10، تهذيب الأحكام 6: 301- 302، ح 845.

(9). الكافي 1: 67، باب اختلاف الحديث، ح 8 و 9.

(10). عوالي اللآلئ 4: 133، ح 229.

(11). راجع: الكافي 1: 67 و 68، باب اختلاف الحديث، ح 8- 10، و الفقيه 3: 9، ح 3236، و تهذيب الأحكام 6:

301 و 302، ح 844 و 845.

986

أو أصحّ سندا؛ فالرجوع إلى هذه الروايات في الترجيح من غير التمسّك ينافي وجوه التراجيح، و اعتبار الظنون الاجتهاديّة غير كاف لاستنباط الأحكام.

نعم، الظاهر من الأخبار و الموافق للاعتبار أنّ العرض على كتاب اللّه مقدّم، فإذا وافق أحدهما الكتاب، و خالف الآخر مذهب العامّة، أو كان أصحّ سندا، يؤخذ بموافق القرآن.

و الأخبار الدالّة على أخذ الأوفق بالقرآن لا تحصى كثرة، و كذا المستفاد منهما تقدّم الموافقة للسنّة على غير الموافقة للقرآن من وجوه التراجيح.

ثمّ اعلم أنّ طرح الخبر الموافق لمذهب العامّة، و حمله على التقيّة إنّما يصحّ إذا كان موافقا لمذهب جميعهم أو أكثرهم، أو علم أنّ مدلوله كان معمولا به عندهم في زمان الإمام الذي اسند إليه الخبر، أو علم بقرائن خارجيّة أنّه خرج مخرج التقيّة، فليس لأحد أن يحمل الخبر على التقيّة بمجرّد موافقته لمذهب بعضهم؛ فإنّ مذاهب العامّة في الأحكام لم تكن منحصرة في عصر الصادقين بالمذاهب الأربعة، و لم يكن أهل الاجتهاد و الفتوى فيهم منحصرا بأئمّتهم الأربعة، بل كان مذاهبهم غير محصورة، و أرباب الاجتهاد و الآراء فيهم كثيرين. و قد نقل في تواريخهم أنّ أهل الكوفة يعملون في عصر الصادق (عليه السلام) بفتاوى أبي حنيفة و سفيان الثوريّ و رجل آخر، و أهل البصرة بفتاوى عثمان و سوار و سعيد و الربيع، و أهل الشام بفتاوى الأوزاعي و الوليد، و أهل مصر بفتاوى الخليل بن سعد، و أهل خراسان بفتاوى عبد اللّه بن مبارك، و كان فيهم من أهل الفتاوى غير هؤلاء كثيرين‏ (1)، كسعيد بن المسيّب، و الزهري، و ربيعة الراوي، و سفيان بن عيينة و غيرهم‏ (2). و كلّ واحد من هؤلاء كان إمام قوم برأسه. و كان الرؤساء الأربعة كغيرهم من أهل الآراء، و مذاهبهم الأربعة كغيرها من المذاهب إلى أن مال الرشيد إلى الحنفيّة، و غيره إلى غيرها، و لكن لم تترك المذاهب الأخر إلى أن أجمعوا على حصرها في الأربعة في سنة خمس و ستّين و ستّمائة، فصارت أشهر من غيرها (3).

و من هنا يعلم أنّ مخالفة العامّة أقلّ وجودا من سائر وجوه التراجيح المنصوصة.

____________

(1 و 2). منصوبان على الحال.

(3). راجع في الفوائد الحائرية: 220- 221، و روضات الجنّات 1: 191 و 4: 306- 308: «في سنة خمس و ستّين و ثلاث مائة» و راجع أيضا أساس الأحكام في نهاية الأصل الرابع.

987

فصل [3] [: في تخيير المجتهد في العمل بأحد المتعارضين عند عدم وجود المرجّح‏]

لمّا عرفت‏ (1) وجوه التراجيح في الخبرين المتعارضين، فاعلم أنّ الترجيح بين الآيتين المتعارضتين إنّما يكون ببعض تلك الوجوه، كالموافقة للأصل، أو الإجماع، أو الشهرة، أو الآية الاخرى، أو السنّة، أو غير ذلك. و مع عدم الظفر بواحد منها، و عدم إمكان جعل إحداهما ناسخة للاخرى؛ لجهل التأريخ يتخيّر المجتهد في العمل بأيّتهما شاء.

و أمّا الإجماعان الظنّيان المتعارضان، فإن كانا منقولين بأخبار الآحاد، بأن يدّعي بعض الإجماع على حكم، و الآخر على خلافه، فحكمهما في الترجيح حكم الخبرين المتعارضين. و إن كانا استنباطيّين، بأن يعلم بالفحص اتّفاق جماعة من أهل الحلّ و العقد على حكم، و اتّفاق آخرين على خلافه- و هذا في الحقيقة تعارض شهرتين- فيرجّح المتقدّمة منهما على المتأخّرة، كالصحابة على التابعين، و التابعين على تبعهم، و على هذا الترتيب؛ لأنّهم أعلى رتبة و أقرب إلى المعصوم. و يمكن أيضا ترجيح إحداهما ببعض الوجوه المتقدّمة.

و أمّا الأصلان المتعارضان، فيمكن ترجيح أحدهما ببعض الوجوه المتقدّمة، من الموافقة للكتاب، أو السنّة، أو أصل آخر، أو إجماع، أو شهرة، و قد يغلب بالاحتياط، أو ببعض وجوه و اعتبارات أخر، و مع فقد الترجيح فالحكم التخيير، أو التوقّف و الاحتياط.

فلو تيقّن الطهارة و الحدث و شكّ في اللاحق منهما، فاستصحاب حكم كلّ واحد منهما يوجب تعارض الاستصحابين إلّا أنّ الأقوى البناء على الحدث؛ للشهرة و الاحتياط، و لو صلّي جمعتان فصاعدا في فرسخ فما دون، و اشتبه السبق و الاقتران، تعارض أصلا عدم تقدّم كلّ منهما و لا يمكن الترجيح، فيجب على الجميع إعادة الجمعة.

و قد تقدّم بعض أمثلة تعارض الأصلين فيما تقدّم‏ (2)، و تقدّم أيضا كيفيّة الترجيح و الخلاص في تعارض الأصل و الظاهر (3).

____________

(1). في ص 974 و ما بعدها.

(2). في ص 982.

(3). تقدّم آنفا.

988

و أمّا القياسان المتعارضان، فلمّا اشترطنا في حجّيّة القياس التنصيص على العلّة أو التنبيه عليها، و حكم الأصل لا بدّ له من دليل، فما دليل العلّة فيه قطعي أولى من غيره، و كذا ما حكم أصله قطعي أرجح من غيره، و لو ارتفع القطع و صار القياسان ظنّيين فالتعارض فيهما قريب من التعارض في الخبرين؛ لرجوع النزاع إلى النصّ في العلّة و الدليل المثبت لحكم الأصل، فيرجّح أحدهما ببعض الوجوه المتقدّمة.

و قد ذكر العامّة أنّ أحد القياسين المتعارضين يرجّح على الآخر بوجوه‏ (1):

الأوّل: بحسب أصله؛ فيقدّم ما هو أصله قطعي على ما هو ظنّي، و في الظنّي يقدّم ما هو دليله أقوى، و ما لم ينسخ باتّفاق على ما اختلف في كونه منسوخا، و ما قام دليل خاصّ على تعليله و جواز القياس عليه على غيره، و ما على سنن القياس باتّفاق على ما اختلف في كونه على سننه.

الثاني: بحسب علّته؛ فيقدّم العلّة القطعيّة على الظنّيّة، و الباعثة على الأمارة، و الوصف الحقيقي على الاعتباري، و الثبوتيّ على العدمي، و العلّة المنضبطة على المضطربة، و الظاهرة على الخفيّة، و المتّحدة على المتعدّدة، و المتعدّية في فروع أكثر على المتعدّية في الأقلّ؛ لكثرة الفائدة، و المطّردة على المنقوصة، و المنعكسة على غير المنعكسة، و المطّردة غير المنعكسة على المنعكسة غير المطّردة، و الجامعة المانعة للحكمة على ما ليس كذلك، و المنقوصة التي كان موجب التخلّف فيها قويّا على التي كان موجب التخلّف فيها ضعيفا، و العلّة التي لا مزاحم لها في الأصل- أي لا يكون معارضة- على التي تكون معارضة، و المعارضة الراجحة على المزاحم على المعارضة المرجوحة عنه، و العلّة المقتضية للنفي على المقتضية للثبوت؛ لتأييدها بالنفي الأصلي- و قيل بالعكس‏ (2)؛ لأنّ المثبتة تفيد حكما شرعيّا- و العامّة لجميع المكلّفين على الخاصّة ببعضهم؛ لكثرة الفائدة.

الثالث: بحسب دليل العلّة؛ فيقدّم ما دليل علّيّتها قطعي على ما دليل علّيّتها ظنّي، و ما

____________

(1). راجع الإحكام في أصول الأحكام 4: 284- 291.

(2). قاله الشوكاني و نقل عن إمام الحرمين (الجويني) نسبته إلى جمهور الفقهاء في إرشاد الفحول 2: 271.