بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
451

كتب المحدّثين الجوامع للأخبار كما صرّح به بعض الأفاضل ثمّ إنّ البحث هنا كالسّابق تارة يكون مع قطع النظر عن الأخبار و أخرى مع ملاحظتها فهنا مقامات (الأوّل) في الترجيح بها من حيث القاعدة فنقول أمّا الشهرة في الرّواية فالظاهر اتفاقهم على الترجيح بها لكن في القسم الأوّل الّذي هو أقوى أقسامها نظر و تفصيل لأن كثرة الرّواة إمّا تفيد القطع بالصّدور أو الظنّ فإن أفاد القطع ففيه نظر يعرف ممّا ذكرنا في معارضة ظاهر الكتاب بمثله من أخبار الآحاد لأن دليل حجيته يجعله كالمقطوع و مقتضى ذلك أن يعامل بينهما معاملة الظاهرين المتعارضين القطعيّين و تقديم الكتاب على الخبر لا يساعده الاعتبار و القاعدة إلاّ أن يستدلّ على تقديم الكتاب بأخبار طرح ما خالف الكتاب و أخبار وجوب عرض الأخبار المعارضة عليه و الكلام هنا مع قطع النظر عن ذلك و إذا كان هذا حال معارضة الخبر مع الكتاب فما حال معارضته مع الخبر المشهور المقطوع الصّدور اللّهمّ إلاّ أن يستدلّ بالقاعدة المجمع عليها في الباب من وجوب العمل بأقوى الدليلين لأنّ مقتضى ذلك الأخذ بالكتاب و طرح الخبر لأنّهما و إن تساويا في الدّلالة إلاّ أنّ الكتاب لقطعية سنده أقوى من الخبر و كيف كان فلا يحكم هنا بالتخيير لاختصاصه بالأخبار الظنية فلا يأتي فيما كان أحد الخبرين مقطوع الصّدور و من هنا يظهر أنّ النّسبة بين قاعدة الترجيح و قاعدة التخيير عموم و خصوص مطلقا إذ تجري الأولى في كلّ ما تجري فيه الثانية و لا عكس فالأمر فيما نحن فيه دائر بين الترجيح و التوقف لا بين الترجيح و التخيير فبعض أدلّة الترجيح لا يأتي هنا بل لا يأتي شي‏ء من أدلّته سوى الإجماع المشار إليه إذ الأخبار المستفاد منها وجوب الترجيح مختصّة أيضا بالأخبار الظنية فكما لا ينفع في الآيات و الأخبار المتواترة المتعارضة على ما هو التحقيق عندنا فكذلك لا يجري فيما لو كان أحد المتعارضين قطعيّا لكن الإنصاف أنّ الإجماع المذكور محقق ثابت و به كفاية و أمّا بقية الأقسام فلا إشكال فيها إذا أفادت الظنّ بالصّدور كما هو الغالب حتى في القسم الأخير و إن أفادت الظن بالحكم المدلول عليه دون الصّدور ففي الترجيح بها وجهان يأتيان في المقام الآتي حيث نتكلّم في اعتبار المرجحات الخارجية التي تفيد الظن بالحكم دون الصدور أو الدلالة أو الجهة و أمّا الشهرة في الفتوى ففي الترجيح بها خلاف و أقوال ثالثها التفصيل بين شهرة القدماء و شهرة المتأخرين و لعلّ التفصيل مبني على عدم التعدّي عن المرجّحات المنصوصة مع دعوى اختصاص النصّ الدال على الترجيح بالشهرة بشهرة الرّواية بناء على عدم انفكاك شهرة الفتوى و العمل بين القدماء عن شهرة الرّواية كما أنّ القول بالعدم مطلقا كما عن الأخباريين و من يقرب منهم مشربا من الأصوليين مبني أيضا على الاختصاص المذكور و هو الظاهر من الفاضلين و الشهيدين و صاحب المدارك (قدّس سرّهم) و كلّ من لا يقول بانجبار الخبر الضعيف بشهرة الفتوى الغير المستندة إليه و التحقيق أنّه لا ملازمة بين المقامين لإمكان منع الجبر و القول بالترجيح كما عليه شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) حيث اشترط في الجبر استناد الأصحاب إليه على ما يظهر منه في غير المقام و يصرّح فيه بالترجيح مطلقا و لو لم يكن مستنده إليه بناء منه على كشفها إجمالا عن مزيّة داخلية سندا و دلالة و جهة و هذا هو الحقّ الّذي لا محيص عنه و الظّاهر قيام الإجماع عليه إذا لم يكن لها معارض من المرجّحات المنصوصة فمقتضى القاعدة عدم الفرق بين الشّهرتين أي شهرة الرّواية و شهرة الفتوى في مقام الترجيح و من عرفت من الأصحاب و إن أنكروا الجبر فهم لا ينكرون الترجيح مع عدم معارضتها بمرجح آخر كما هو الظّاهر لمن أنس بكلماتهم في الكتب الاستدلالية للمسائل الفرعية و أمّا الجبر فنحن نقول إنّ الخبر الّذي مضمونه مشهور و معمول به لا يسعنا عدم قبوله و أمّا كونه من باب الجبر أو لا فمبني على شي‏ء آخر و هو أن يكون حجيّة الخبر منوطة بظن الصّدور فإن قلنا به كما عليه الأستاذ (قدّس سرّه) لم يتحقق به الانجبار بدون الاستناد لاحتمال استناد الشهرة إلى خبر أو دليل آخر غير هذا الخبر الضعيف و إن اكتفينا في الحجيّة بمجرّد مطابقة مضمونه لفتوى الأصحاب حصل الانجبار إمّا لدعوى حصول الظنّ بالصّدور و لو مع عدم الاستناد أو لكونه من التبيّن المأمور به في الآية و القناعة في الحجيّة بوجود الخبر في الكتب المعروفة المعتبرة مع عدم الشذوذ أو شي‏ء آخر مذكور في محلّه و الإنصاف أن رحى الفقه تدور مدار ذلك و من يقول بغير ذلك يكذبه‏

عمله و فتواه في مقام الاستنباط هذا كلّه في جبر السّند و أمّا جبر الدّلالة فمورده ما لو كان اللّفظ غير ظاهر في شي‏ء و كان مشهورا فلا إشكال في عدم الجبر و عدم اعتبار ذلك لأنّ الشهرة الخارجية لا توجب صيرورة اللّفظ من الظواهر نعم لو استندوا إليه أمكن كشف ذلك عن قرينة مفهمة كما فهموا من قوله (عليه السلام) لا سهو في سهو أنّه لا حكم للشكّ في عدد ركعات الاحتياط و أمّا توهين الشّهرة للدّلالة فهو مبني على الأقوال و الوجوه في حجيّة الألفاظ فإن بني فيها على الظنّ الفعلي أو على عدم الظنّ بالخلاف كانت الشهرة المفيدة للظنّ بالخلاف كاسرة و موهنة و أمّا لو بني فيها على الظن النوعي فلا وجه لكونها كاسرة

و أمّا المقام الثّاني‏

فعن بعض السّادة العظام شمول الأخبار لشهرة الفتوى و عدم اختصاصها بشهرة الرّواية مستدلاّ عليها بأمور أحدها عموم ما اشتهر للشهرتين و الثاني دلالة التعليق على المشهور على علّية مأخذ الاشتقاق أي الشهرة

452

و الثالث عموم العلّة المنصوصة و هي قوله (عليه السلام) فإن المجمع عليه لا ريب فيه فإن مقتضاه عموم اعتبار الشهرة مطلقا بل ذهب غير واحد منهم الشهيد و صاحب الرّياض إلى حجيّة الشهرة بنفسها نظرا إلى العموم المذكور فضلا عن كونها مرجحة و ربّما يستدلّ به على حصول الانجبار للخبر الضعيف بشهرة الفتوى كما عليه عمل قاطبة المتأخرين عن صاحب المدارك و يرد عليه أنّ دعوى العموم إن كانت مستندة إلى رفع المعرّف بلام الجنس كما عليه جماعة فهو خلاف التحقيق عندنا و عند المحققين في بابه و إن كانت مستندة إلى المقام كما في سائر المطلقات فهو ممنوع أيضا لأنّ سبق الرّواية يجعل المقام صالحا للعهد و مع قابلية المقام للعهد لا تقتضي الحكمة العموم بل اللاّزم حينئذ الأخذ بالقدر المتيقن و هو الّذي وقع السّؤال عن حكمه و ما يقال إنّ العبرة بعموم الجواب لا بخصوص السّؤال فهو على إطلاقه غير مرضيّ عندنا بل مورده ما إذا لم يحتمل اختصاص الجواب بخصوص السّؤال بالظهور الوضعي كما إذا سئل عن إكرام زيد العالم فقيل في الجواب أكرم العلماء فإن ورود مثل هذا العام بعد السّؤال عن حكم بعض أفراده لا يقدح في عمومه و أمّا لو قال أكرم العالم بعد السّؤال المذكور فلا نسلّم عمومه إذ لا وجه له سوى عموم الحكمة و هو غير جار هنا و إن كان جاريا لو ورد مبتدأ من دون سبق سؤال و بذلك يبطل ما قيل في ميزان الفرق بين المقامين من أنّ الجواب لو كان مفيدا تاما مع قطع النظر عن السّؤال فهو ما يقال إن العبرة بعموم الجواب لا بخصوص السّؤال و لو لم يكن كذلك فهو ما يقال إنّ السّؤال يكون مخصّصا كما لو قال في الجواب عن السّؤال المذكور نعم أكرمه فإن هذا الميزان غير مستقيم بل التحقيق ما عرفت من الفرق المذكور و محصّله أنّ الجواب إن كان محتمل الاختصاص بالسّؤال و لم يكن رفع الإجمال المذكور بعموم الجواب وضعا لم يجز التمسّك بالعموم بل لا بدّ فيه من الاقتصار على القدر المتيقن سواء كان الجواب مقيدا على فرض وروده ابتداء بقوله أكرم العالم أو لا كقوله أكرمه و إنّما الفرق بينهما أنّ القصر على المورد في الأوّل من باب الأخذ بالقدر المتيقن و في الثاني من باب التخصيص و إن لم يحتمل الاختصاص بالسّؤال و لو لأجل الظهور الوضعي فالعبرة فيه بعموم اللفظ و لا يلتفت إلى كونه مسبوقا بالسّؤال و كيف كان فالاستدلال بعموم قوله فإن المجمع عليه لا ريب فيه ممّا لا وجه له بل هو من موارد كون السّؤال مخصّصا لعدم استقامته إذا صدر مبتدأ لمكان الفاء فهو كقوله أكرمه في المثال المذكور و لا وجه لحمله على العموم بحيث يدلّ على حجية الشهرة بنفسها بل يحمل على خصوص المتعارضين و حمله على مطلق الخبر المجمع عليه كما قيل لا خصوص المتعارضين أيضا لا وجه له بعد ما عرفت من لزوم الاقتصار على القدر المتيقن إلاّ أن يقال إنّ ذلك مخلّ بنظم الكلام المسوق لذكر العلّة لوجوب الأخذ بالمجمع عليه من المتعارضين لأنّ نظم الاستدلال يتوقف على صغرى و كبرى و لا بدّ في الكبرى من الكلّية فلو حمل المجمع عليه في العلّة على المجمع عليه المذكور سابقا و هو أحد المتعارضين المجمع عليه انتفي الكلّية في الكبرى رأسا و يكون المعنى هكذا انظر إلى المجمع عليه من المتعارضين فإن المجمع عليه من المتعارضين لا ريب فيه و هو كل عار عن الفائدة علما و عملا لأنّ أحد المتعارضين المجمع عليه إن كان معلوم الصّدور فهو ممّا لا ريب فيه فلا فائدة لقوله لا ريب فيه لكونه من إيضاح الواضحات و إن كان غير معلوم الصّدور فمعنى لا ريب فيه حينئذ وجوب الأخذ به لئلاّ يلزم الكذب فالمعنى أنّه يجب أن يعامل معه معاملة ما لا ريب فيه و هو حينما أمر من الأخذ بالمجمع عليه أولا فلا معنى له سوى التأكيد المرجوح فلا بدّ من حمل المجمع عليه على مطلق المجمع عليه الشّامل للشهرة المنفردة عن الخبر أو على مطلق الخبر للمجمع عليه محافظة لصورة الاستدلال و الأوّل لا دليل عليه فتعيّن الثاني و يتفرع عليه صحّة ما هو المشهور من انجبار الخبر الضعيف بالشهرة كما يتفرع على الأول حجيّة الشهرة المنفردة المستقلّة فظهر أن التعدّي عن شهرة الرّواية كما هو مورد الرّواية إلى شهرة الفتوى غير صحيح هذا و يمكن توجيه الاستدلال بعد المساعدة على كون المراد بالمجمع عليه خصوص أحد المتعارضين بأن المجمع عليه و المشهور و الحسن و القبيح و أمثالها ممّا يختلف باختلاف الإضافات إذا أطلق على‏

شي‏ء احتاج إلى ذكر تميز يرفع الإبهام عند تساوي جهات الإضافة و عدم انسباق بعضها إلى الذهن فلو قيل زيد حسن فلا بدّ أن يضم معه ما يرفع الإبهام مثل قوله وجها أو نفسا أو علما أو جودا أو نحو ذلك فإن لم يضمّ كان مبهما إلا إذا وقع في مقام قاض بعمومه من باب الحكمة كمقام بيان الحكم الشرعي فيدلّ حينئذ على إطلاق الحسن الملحوظ فيه أو عمومه حسب اختلاف المقامات فإذا قيل أكرم رجلا و لم يذكر التميز وجب إكرام من كان حسنا من جميع الجهات أو في بعضها مخيرا لئلا يلزم تأخير البيان عن مقام الحاجة و هكذا قولنا رجل مشهور فإنّه يحتاج إلى ذكر التميز الرافع للإبهام و إلاّ حمل على الإطلاق لأن اشتهار الرجل قد يكون باعتبار وجوده بحيث يعرفه الناس كلاّ أو جلاّ و قد يكون بملاحظة بعض أوصافه و حالاته فإذا أطلق أخذ بإطلاقه أو عمومه لو لم يكن له منصرف ينصرف إليه فالأمر بأخذ خبر المشهور من المتعارضين إمّا أن يدلّ على اشتراط اشتهاره رواية و عملا في الترجيح أو على كفاية إحدى الشهرتين و دعوى انصرافه إلى شهرة الرّواية خاصة واضحة الضعف بعد وضوح صحّة قولنا الخبر الفلاني مشهور إذا كان مشهورا بين العلماء عملا و بملاحظة ذلك صح دعوى عموم العلّة لشهرة الفتوى في مقام التّرجيح عند التّعارض لصدق كونه مشهورا إذا كان مشهورا بأحد الوجهين رواية أو عملا لا يقال إذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من‏

453

اشتراط الترجيح بالشهرتين معا لأن حذف المتعلّق يفيد العموم و لأنا نقول إنّ المقام يكتفي فيه بالإطلاق فلا مقتضى للعموم إذ لو أمر بإكرام رجل حسن فإن الامتثال يحصل بإكرام رجل كان حسنا في بعض الجهات و لا يتوقف على كونه حسنا من جميع الجهات فمقتضى قوله (عليه السلام) انظر إلى ما كان من رواياتنا المجمع عليه وجوب الترجيح بأحد الشهرتين لكون المراد بالمجمع عليه في المقبولة المشهور بقرينة قول الراوي كلاهما مشهوران إذ المجمع عليه القطعي لا يتصور في المتعارضين معا و هذا توجيه لا دخل بشهرة الفتوى في المرجحات المنصوصة فما عن بعض الأعلام لا يخلو عن وجاهة و حسن النظر إلاّ أنّه مبني على أن يكون المراد بالمجمع عليه المظنون الصّدور و للنفس فيه شي‏ء و إن ذكره في الرّسالة ذكر الواضحات و أقام عليه شواهد إذ لا مانع من حمله على مقطوع الصدور كما صرّح به بعض أعاظم السّادات بناء على كون المراد بالمجمع عليه الإجماع على الرّواية دون الفتوى و العمل و نحن و إن عممنا الإجماع بالنّسبة إلى الفتوى إلاّ أنّه لا ينافي كونه مقطوع الصّدور كما هو كذلك في زمان الرّواة فإن اشتهار الرّواية بينهم لا ينفك عادة عن إفادة القطع بالصّدور سواء كان الاشتهار في الرّواية أو الفتوى و العمل فلا مانع من إبقاء المجمع عليه على ظاهره و يؤيّده بل يدلّ عليه قوله (عليه السلام) فإن المجمع عليه لا ريب فيه فإن المراد به نفى الريب في الصّدور دون الحكم المستفاد منه بقرينة الأمر بالأخذ بما خالف العامة بعد ذلك و عدم الأمر بسائر المرجحات التعبدية فلو لا فرض الرّاوي كونهما مشهورتين مقطوعي الصّدور كان الأنسب بل اللاّزم الإرجاع بسائر المرجحات السنديّة الّتي منها الصّفات فهذا يدلّ على كون المراد بالمجمع عليه مقطوع الصّدور فإنّه الّذي لا ريب في صدوره عن الإمام (عليه السلام) دون مظنون الصّدور و دعوى أنّ الرّيب المنفي هو الرّيب الإضافي بالنّسبة إلى الشاذ النادر كما في الرّسالة جازما به حتى جعله أساسا لقاعدة كلية و مدركا لما بني عليه في باب التراجيح من أنّ المناط فيه أن يكون أحد المتعارضين أقلّ احتمالا بموافقة الواقع من الآخر بأن يتطرق فيه من احتمالات البطلان ما لا يتطرق في صاحبه كموافقة العامة فإنّه يحتمل التقية بخلاف المخالف بعد مساواتهما من جميع الجهات أو يكون احتمال البطلان في أحدهما أبعد من احتماله في الآخر كقول الأعدل بالنسبة إلى العادل من غير اعتبار حصول الظن لا شاهد لها و الّذي دعاه إلى ذلك حسبان أن الريب المطلق من جميع الجهات لا يمكن نفيه في المتعارضين فكيف يقول الرّاوي كلاهما مشهوران رواهما الثقات فتعين أن يكون المنفي هو الرّيب الإضافي يعني أنّ المشهور ليس فيه الرّيب الّذي هو في الشّاذ فيستفاد منه قاعدة كلّية أنّه متى تطرق في أحد المتعارضين ريب سندا أو دلالة أو جهة أو مضمونا ما لا يتطرق في الآخر وجب الأخذ به و طرح الآخر فيكون الأصل في الباب ذلك لا ما زعمه بعض من الظنّ و يدفعه أنّ المراد بنفي الريب هو عدم الرّيب في صدق الرّاوي لا في الحكم الّذي دلّ عليه الخبر و من الواضح أنّه لا مانع من القطع بصدورهما معا إذ المحال هو القطع بمضمونهما و دعوى ظهور لا ريب فيه في قطعية الحكم دون الصّدور مع كونها خلاف مقتضى المقام و السياق لا مستند لها لا من الوضع و لا من القرينة و أيّ قرينة هنا تدلّ عليه بل ظاهر اللّفظ هو عدم الريب في الصدور خاصة لأن المراد بالمجمع عليه هو الخبر و نفي الرّيب في هذا الوصف العنوان أعني الخبر المشهور لا معنى له سوى عدمه في الخبر من حيث كونه خبرا عن الإمام لا من حيثيات أخرى خارجة من حيث الإخبار و الرّواية (و الحاصل) أنّ لقوله (عليه السلام) لا ريب فيه احتمالات ثلاثة أحدها نفي الرّيب في الصّدور أي صدق الخبر و ثانيها الظّن بالصّدور و ثالثها قلّة الاحتمالات المعبّر عنه بعدم الرّيب الإضافي حسبما عرفت و حقيقة اللّفظ هو الأوّل كما بيّناه و لو فرض القرينة على خلافه فالمتعيّن هو الثاني لأنّ أقرب المجازات في عدم الرّيب أي العلم هو الظّن دون الثالث الّذي يحتاج إلى قرينة قوية بعيدة عن الاستعمالات و عدم مساعدة الفهم العرفي عليه و يأتي أيضا مزيد بيان لما ذكرنا في المقام الآتي إن شاء الله و مضى أيضا بعض الكلام في ذيل المرجّحات السّندية فراجع و حينئذ يسقط الاستدلال به على ما نحن فيه في ترجيح أحد الظنين على الآخر بالشهرة رأسا نعم هذه المناقشة لا تتطرق في مرفوعة زرارة لأنّه عليه‏

السلام أمر فيها بأخذ ما اشتهر بين الأصحاب ثم قال الراوي كلاهما مشهوران فأمر ثانيا بالترجيح بالأعدلية و هذا يكشف عن كون المراد بالمشهور الظن إذ لا فائدة في مقطوعي الصّدور و ملاحظة أعدلية الراوي إلا أن يقال لم يأمر (عليه السلام) بالترجيح بالأعدلية خاصّة بل الأمر بملاحظة الأعدلية و الأوثقية معا اجتماعهما في الراوي و بما يكون سببا للترجيح أو القطع بصدورهما كما لا يخفى‏

المقام الثالث في اعتبار جميع المرجحات المذكورة

منصوصة كانت أو غير منصوصة داخلية كانت أو خارجية أفادت الظن أم لا

فهنا أبحاث‏

[البحث‏] الأوّل في التعدي عن المرجحات‏

السّبعة أو الثمانية المنصوصة إلى غيرها و هذا هو المعروف بين العلماء بل الظاهر هو اتفاق الأصوليين عليه نعم عن الأخباريين الاقتصار على خصوص المنصوصة و به صرّح في الوافية و محكي الحدائق قائلين بأنّه لا دليل على ما ذكره الأصوليّون من المرجحات ما عدا المنصوص منها فيبقى تحت عموم حرمة العمل بالظنّ و الحق ما عليه الأصحاب لنا على ذلك جميع الأدلّة الّتي أقمناها على وجوب الترجيح فإن مقتضاها العموم و عدم الاختصاص ببعضها و حيث إنها ليست ناهضة على الأخباري و من يقرب منهم مشربا سوى الأخبار فنقول إن المستفاد منها أيضا في بادئ النظر فضلا عن النظر الثانوي العموم و عدم الاختصاص بالمنصوص بوجوه (منها)

454

الترجيح بالأصدقية في المقبولة و منها الترجيح بالأوثقية في المرفوعة فإن اعتبار هاتين الصفتين ليس إلاّ بترجيح الأقرب إلى الواقع على معارضته و ليستا كالأعدلية و الأورعيّة و الأفقهية و غيرها من الصفات الّتي يحتمل اعتبارها تعبّدا (و منها) الجمع بين الأعدلية و الأصدقية و الأفقهية في المقبولة و بين الأول و الأوثقية في مرفوعة زرارة فإن وجب الاقتصار على المنصوص كما يزعم الأخباري لزم عدم الترجيح بالأعدلية فقط بل يجب الاقتصار فيه على جامع الأوصاف المذكورة جميعا و هذا غير معهود من أحد حتى الأخباري فإن اعتذر في ذلك بأنّ المراد بالواو العاطفة في الحديثين هو معنى أو طالبناه بدليل من الأخبار و ليس و إن ادّعي أن المناط هو مزية أحد الخبرين على الآخر و هي حاصلة بأحدهما ففيه اعتراف بما نقول من الاعتماد على كلّ مزية سواء كانت منصوصة أو غيرها ضرورة أن جزء المنصوص ليس بمنصوص (و منها) تعليل الأخذ بالمجمع عليه بأنّه لا ريب فيه بناء على كون المراد به الخبر المشهور المظنون الصّدور دون المقطوع لأن نفي الرّيب حينئذ إمّا بمعنى الظنّ أو بمعنى أقلّية الاحتمال كما مر آنفا و على التقديرين وجب التعدّي إلى كلّ ظنّ أو إلى كلّ ما كان أقلّ احتمالا من صاحبه (و منها) تعليل الأخذ بما خالف العامة بأن الرّشد في خلافهم بعد خروجه مخرج الغالب و إلاّ لزم الكذب القبيح ضرورة عدم كون الرّشد في خلافهم دائما لأن من جملته الشرك و بطلان النبوة و المعاد و غيرها من ضروريات الأصول و الفروع فعموم العلّة قاض بالتعدّي إلى كلّ حديث يكون الرشد الظني في خلافه (و منها) اختلاف الأخبار الواردة في المرجحات كمّا و كيفا في بعضها اقتصر على الواحد و في بعضها ذكر أزيد و الترتيب أيضا مختلف ففي المقبولة قدم الترجيح بأوصاف الرّاوي على سائر المرجّحات و في المرفوعة أخّرها عن بعض و هذا أقوى شاهدا على أنّ الغرض من الكلّ شي‏ء واحد و هو إعطاء القاعدة في ضمن الأمثلة و هي إعمال المرجّحات بين المتعارضين و بعض من رأي ذلك من الأفاضل التجأ إلى إنكار وجوب الترجيح رأسا فحمل الأخبار على الاستحباب بناء منه على أنّ هذا الاختلاف لا يناسب وجوب الترجيح و قد سبق كلامه مع جوابه حيث ذكرنا أنّ اختلافها لا يعالج بحملها على الاستحباب و أيضا لا بحملها على الجواز و لا بشي‏ء آخر كما هو واضح بأدنى تأمّل بل لا بدّ في المعالجة حملها على ما ذكرنا من سوقها لبيان القاعدة تارة في ضمن مثال أو أمثلة و أخرى في ضمن غيرها حسبما اقتضاه المقام و حال الرّاوي و قد يستدلّ أيضا عليهما بدليل الانسداد في الأحكام كما في القوانين أو بدليل انسداد آخر جار في خصوص المقام و قد سلك هذا المسلك الفاضل الجزائري فيما نقل عنه و شيخنا (قدّس سرّه) في آخر البحث عن حجية الظن و محصّله أنّ العلم الإجمالي برجحان أحد المتعارضين على الآخر على وجه يوجب العمل به موجود في الأخبار المتعارضة الواصلة إلينا و الاقتصار على المرجحات المنصوصة غير كافية في الامتثال بذلك المعلوم بالإجمال و باب العلم أيضا منسدّ و التخيير يوجب الوقوع في المخالفة الكثيرة فتعيّن العمل بالظّن بالمرجح و لا شك في أنّ العمل بكلّ مزية مظنون لو لم يكن معلوما من الأدلّة القاضية بالعموم و أورد عليه شيخنا (قدّس سرّه) و زيّفه بعد ما قرّره و لو لا ردّه و تزييفه تعرضنا لما فيه من وجوه الفساد و لكن طوينا الكلام عن ذلك لأن فيما أفاده كفاية و من أراد الاطلاع عليها فليراجع إلى كلامه (رحمه الله) في الموضع المذكور

البحث الثّاني‏

في التعدّي إلى المرجحات الخارجيّة الّتي تفيد الظنّ بالمضمون لا بالصّدور و لا بالدلالة و لا بالجهة و لا ينبغي التأمّل في اعتبارها و دخولها تحت القاعدة المجمع عليها العموم الأدلّة المذكورة العقلية و النقلية المشار إليها حسبما فصّلناه آنفا و دعوى أنّ القدر الثابت من الأدلّة وجوب العمل بأقوى الدليلين و موضوع أقوى الدّليلين لا يتحقق إلاّ بمزية و قوّة داخليّة بأن تكون في أحد جهاتها من الدلالة أو السّند أو الجهة و أمّا رجحان مضمون أحدهما بالسّبب الخارجي فلا يجعله أقوى الدليلين فيكون الرجحان المذكور من الظنون المطلقة الباقية تحت الأصل و إطلاقات التخيير واضحة الضعف لأن المستفاد من الأدلّة وجوب العمل بالترجيح و صاحب المزية و لا إشكال في دخول رجحان المضمون بسبب خارجي تحت ذلك مضافا إلى ما عرفت من التعليلات الواردة في الأخبار حسبما بيّناه فإن مقتضاها وجوب العمل بكلّ ما هو أقرب إلى الواقع بل رجحان الدلالة و السند إنّما اعتبر لأجل إدراك الواقع و إلاّ فلا فائدة في رجحانهما من حيث هو كلّ ذلك مضافا إلى رجحان المضمون بمرجح خارجي يكشف إجمالا عن مزية داخلية في إحدى جهات الدليل فما في الرّسالة في آخر البحث عن حجية الظّن من الدغدغة و الإشكال و التحير في المقام كمن يقدّم رجلا و يؤخر أخرى ليس في محلّه و إن بني أيضا على وجوب العمل بها لكنه لم يأته بضرس قاطع‏

البحث الثالث‏

في التعدّي من الظنّ إلى مجرّد الأقربية و الأبعديّة و إن لم يكن هناك ظن أو إلى قلّة الاحتمالات لمخالفة الواقع و قد تقدم بعض الكلام فيه في المرجحات السّندية كما تقدم أيضا قصور الأدلّة عن إفادة هذا العموم في قبال الأصل و إطلاقات التخيير و نقول هنا إن ما استدلّ به عليه في الرّسالة يرجع إلى أمور (أحدها) أنّ الترجيح بالأعدلية الواردة في الأخبار و كلمات الأصحاب دليل على أنّ العبرة ليس على الظن الفعلي بل على كون أحد الدليلين أقرب إلى الصّواب و أبعد من الباطل من الآخر ضرورة عدم حصول الظن بكذب خبر العادل بمجرّد كون‏

455

الراوي معارضه (و ثانيها) التعليل بأنّ المجمع عليه لا ريب فيه لوجوب الأخذ بالمشهور و طرح الشاذ النادر المعارض له لأن في المجمع عليه ريبا قطعا فلا بدّ أن يكون المراد بعدم الرّيب في الخبر المجمع عليه أي المشهور الرّيب الإضافي يعني أنّ الرّيب الّذي هو موجود في الشاذ ليس بموجود في المشهور فيدلّ على وجوب ترجيح كلّ ما كان أقلّ من صاحبه فإذا كان الواسطة في أحدهما ثلاثا و في الآخر اثنين كان في الأوّل ريب لا يوجد في الثاني و بذلك تنبّه في المنية و قد نقلنا كلامه في بيان الأدلّة و هكذا سائر المرجحات المذكورة في كتب القوم (و ثالثها) حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن في كثير الاحتمال ريب ليس في قليل الاحتمال (و رابعها) ظهور كلمات القوم بل صراحتها في ذلك فإن المرجّحات الّتي ذكروها لا تفيد من الظنّ شيئا بل ذكروا أشياء غير ناظر إلى الواقع مثل جلب المنفعة و دفع المفسدة و غيرها ممّا لا طريقة له إلى الواقع حتى يستفيد الظنّ فليس إلاّ مجرّد كونه ممّا فيه ريب بالإضافة إلى معارضته و في الكل نظر أما في الأوّل فلأنّ الترجيح بالأعدلية المجرّدة غير وارد في النصّ الدال على الترجيح بالصّفات بل الوارد هو الترجيح بها إذا اجتمعت مع الأصدقية و الأفقهية كما في المقبولة أو مع الأوثقية القائمة مقام الأصدقية و الأفقهية و سائر الأوصاف المورثة للوثوق بالحكم المدلول عليه في المرفوعة فهي على خلاف المقصود أوّلا إذ لو كان المدار على صرف الأبعديّة و الأقربيّة لم يكن وجه المجمع بين تلك الأوصاف بل كان المناسب بل اللاّزم الاقتصار على أحدها ضرورة أنّه متى دار الأمر بين تخطئة العادل أو الأعدل كان الأوّل أولى و دعوى أنّ المراد بالواو العاطفة هو التردّد و التحير اللّذان هما مفاد أو مع بعدها عن مجاري الاستعمالات محتاجة إلى شاهد مفقود في المقام فلم يترك اليد عن ظاهر الواو العاطفة و لا تبقى على ظاهرها حتى تدلّ على اعتبار الوثوق و الظن بالصّدور و الحكم و لعمري إنّه لو لم يكن دليل على كون المدار على الظنّ سوى المقبولة و المرفوعة لمكان الواو لنهضنا بالمطلوب و أمّا الثاني فلما عرفت مفصّلا من أنّ حمله على نفي الرّيب الإضافي ممّا لا دليل عليه بل الدليل على خلافه للوجهين الماضيين فراجع و منه يظهر ما في الوجه الثالث من المنع لأن ظاهر الحديث هو الأخذ باليقين و لذا استدلّوا به على وجوب الاحتياط أو استحبابه فما أبعد بين ذلك و بين الاستدلال به على صرف الاحتمال الغير المفيد للظّنّ اللّهمّ إلاّ أن يستدلّ على الترجيح بالأقربيّة و الأبعديّة أو بقلّة الاحتمال لقاعدة الاحتياط الواجب في المقام و الأخذ بالقدر المتيقّن فإنّ هذا هو الأحوط بالقياس إلى التخيير الذي كلامنا فيه كما حققناه مفصّلا لكنّه موقوف على منع إطلاقات أدلّة التخيير فتأمل و أمّا الرابع فلأنّهم يعلّلون المرجحات الّتي ذكروها بأنّها تقيّد الظن فيكون صاحب المرجح أقوى و أظهر من معارضه و هذا التعليل صريح في كون المدار على الظنّ و لا يلتفت إلى إطلاقهم في تعداد المرجّحات أمّا أوّلا فلأنّ غرضهم بيان صغريات المرجّح لا بيان ما هو المناط في المقام و أمّا ثانيا فلأنّ ظهور العلّة هو المتبع دون إطلاق المعلول أو عمومه و الحاصل أنّ الأصل عدم المرجّح و الخروج عنه يحتاج إلى دليل قويّ و القدر الثابت من الإجماع الأخبار هو التّرجيح بالظنّ صدورا أو دلالة أو جهة لا بغيره من المناسبات و الاعتبارات الّتي لا تفيد الظنّ‏

المقام الرّابع في ترتيب المرجحات‏

و تقديم بعضها على بعض عند المعارضة و اختلاف المتعارضين في جهات الترجيح و التحقيق هنا أنّ المرجحات الدلالية تقدّم على الكلّ ما مر عدا مرجح الجهة أي مخالفة العامة فإنّ فيه تحقيقا يأتي فلا يعارض بها شي‏ء من المرجحات السندية و لا المتنية إذا لم ترجع إلى قوة الدّلالة كما مر و لا المرجحات الخارجية الّتي تفيد الظنّ بالحكم كالشهرة و نحوها بناء على كون ظواهر الألفاظ حجة من باب الظن النوعي الغير المشروط بشي‏ء حتى عدم الظّن بالخلاف إذ مع رجحان أحد الدليلين على الآخر في الدلالة لا تأتي أدلّة اعتبار سائر المرجحات لأنّ دليل اعتبارها إمّا الإجماع و إمّا العقل و شي‏ء من ذلك لا ينهض بالترجيح مع كون أحد المتعارضين أقوى دلالة من الآخر و أمّا الإجماع فلأن العلماء صرّحوا بأن الجمع مهما أمكن مقدم على الطّرح معيّنا أو مخيرا و أرادوا بالجمع ارتكاب التأويل فيهما أو في أحدهما سواء ترتب على المؤوّل حكم عملي أم لا و احتمال اختصاصه بالأوّل لأنّ التّأويل بدون العمل ليس عملا بدون الدليل مدفوع بأن بعض أدلّة الجمع و إن اقتضى ذلك لكن الغرض من الجمع تصديق المخبرين في الصّدور و عدم تكذيب أحدهما و هو حاصل بالثاني أيضا و لذا صرّحوا بأنّ الحمل على التقية أيضا جمع بين الخبرين و قد سبق في تأسيس قاعدة الجمع في أوّل الباب و تقديمها على التراجيح بحذافيرها ما لا مزيد عليه و أمّا العقل فواضح و أمّا الأخبار فقد ذكرنا أيضا أن موردها تحير الناظر السّامع للمتعارضين في أمر و مع كون أحد المتعارضين أقوى دلالة من الآخر لا تحير له فإن ضعيف الدلالة في جنب قوي الدلالة عند العرف يجري مجرى ظني الدّلالة في قبال قطعي الدلالة و لا تأمّل لأحد في تأويل الظني إلى القطعي حسبما شرحناه و فصّلناه سابقا تفصيلا لا يتوقع فوقه و ليس الغرض هنا إنشاء الكلام في تحقيق ذلك بل الإشارة الإجمالية و الحوالة على ما تقدم و أمّا سائر المرجحات فالمدار فيها على القوة و الضعف ثمّ العمل بالأقوى و يتحقق القوة بالظنّ الفعلي إذ الظن النوعي لا معنى له في غير المرجحات المنصوصة (توضيحه) أنا إذا فرضنا أحد الخبرين عالي السّند و كان الآخر واجد المرجح أخر غيره كأعدلية الرّاوي أو شي‏ء آخر من المرجحات الّتي ذكرها القوم غير المنصوص وجب مراعاة

456

ما هو أقوى من المرجحين و لا يتصوّر الأقوائية إلاّ بالظّن فإذا كان الظنّ بالصّدور أو بالدلالة أو بالمضمون مع أحدهما دون الآخر لزم الترجيح به و إلاّ فحكمه حكم المتكافئين اللّذين لا ترجيح بينهما و أمّا المرجحات المنصوصة فيحتمل كونها من الظنون النوعية و قد نقلناه سابقا عن بعض الأفاضل لكنّه مبني على عدم درجها في الميزان الكلي و عدم إرجاعها إلى المثال لمطلق المزيّة الراجحة و حينئذ فلو حصل التعارض بين شي‏ء منها و بين سائر المرجحات الغير المنصوصة احتمل تقديم المنصوصة و به صرّح بعض الأفاضل و يحتمل العكس و يحتمل التوقف و ستعرف ما هو الصّواب من الاحتمالات الثلاثة عند التكلّم في تعارض مخالفة العامة مع المرجح الخارجي و قال صاحب الوافية (رحمه الله) بعد ذكر المرجحات المنصوصة ما لفظه و على هذا فإذا تعارض حديثان ينبغي عرضهما على القرآن و السّنة المقطوع بهما و العمل بالموافق و إن لم يعلم الموافقة و المخالفة فالترجيح باعتبار الصّفات المذكورة للراوي و مع التساوي فيهما فالترجيح بكثرة الراوي و شهرة الرّواية و مع التساوي فبالعرض على روايات العامة أو مذاهبهم أو عمل حكامهم و العمل بالمخالف لهما و تأخر هذا عما قبل ممّا صرّح به في التاسعة و الحادية عشر و إن لم يعلم الموافقة و المخالفة للعامة فالعمل بالأحوط منهما للرّواية العاشرة أو للرّوايات الدالة على الاحتياط مع عدم العلم ثم ساق بعض أخبار وجوب الاحتياط الواردة فيما لا يعلم مطلقا لا في خصوص المتعارضين و أراد بالتاسعة مقبولة عمر بن حنظلة و بالحادي عشر ما روي عن قطب الدّين بسنده عن الصّادق (عليه السلام) قال (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فذروه فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه (أقول) لا إشكال في تقديم موافقة الكتاب على مرجحات الصدور مطلقا و على مرجح الجهتية أيضا لأن الكتاب لا يتطرق فيه التقية فلا فائدة في كون موافقة ما يوافق للعامة و مخالفة ما يخالف لهم و كذا لا فائدة في مرجحات الصّدور للمخالف لأنّه لا يبلغ مبلغ الكتاب في القطعية و أمّا تقديمه على مرجحات الدّلالة ففيه وجهان ماضيان مفصّلا و الأوجه عدم التقديم كما سبق و أمّا تقديمه على المرجحات الخارجية ففي الرّسالة أنّه مقدّم عليهما بعد أن نقل تقديمه على جميع المرجحات عن ثقة الإسلام في ديباجة الكافي لكنه مشكل بل ممنوع لأنّ المرجح الخارجي ما أفاد الظن بالواقع و مع الظن به يتطرق الضعف في دلالة الكتاب أيضا فترجيح الموافق له على المخالف إمّا لأنهما دليلان عارضان دليلا واحدا فيقدّمان عليه للتعاضد و إمّا لكون الكتاب مقطوع الصدور عارضا و دليلا ظنيا فيقدّم عليه و إمّا للأخبار الآمرة بذلك و الأوّلان لا يجديان مع كون الظنّ في خلافهما إذ لو تعارض خبران ظنّيان خبرا واحدا و كان المرجح الخارجي معه لم يلتفت إلى تعدد معارضه و تعاضدهما كما عليه سيرة الأصحاب لأن الظن بالحكم أحرى بالاتباع عن الظن بالصّدور عند المعارضة فلو تعارض ظنيان و كان أحدهما أرجح صدورا و الآخر أرجح مضمونا فالظاهر أنّه لا إشكال في ترجيح الثاني و عليه الأكثر خلافا لصاحب المدارك (قدّس سرّه) فلا يلتفت إلى الشهرة إذا كان غير المشهور أصحّ سندا عن معارضه و ربّما ادعي أنّ عليه طرائق الأصحاب كالفاضلين و الشهيدين و غيرهم حيث إنّ بناءهم على تقديم الصّحيح على الضعيف و لو كان مشهورا في العمل و ربما يتردّدون في ذلك و لا يرجحون المشهور و من ذلك ما ورد في وبر الأرانب و الثعالب فإنّ المحقق (قدّس سرّه) أجاز الصّلاة فيهما لصحّة ما ورد فيهما من الرّواية مع معارضتها بما هو المشهور المعمول به بين الأصحاب و أنت خبير بأن مرجع هذا البناء إلى إنكار الترجيح بالمضمون و بطلان المرجح الخارجي رأسا لأنّ لازم الترجيح به ملاحظة القوة و الضعف عند المعارضة مع المرجح الداخلي و متابعة الأقوى و لا ريب في كون مظنون المدلول أقوى من مظنون الصّدور إذ الظن بالصدور إنما جعل مرجحا لكونه أقرب بحكم اللّه فإذا فرضنا الظنّ الفعلي على خلافه لشهرة و نحوها فأيّ فائدة في الجمود عليه و منه يظهر أنّ تقديم الصّفات على الشهرة في المقبولة لا يجديهم أيضا أمّا أوّلا فلمعارضته بتقديم الشهرة في المرفوعة و أمّا ثانيا فلأنّ المراد بالشّهرة هي الشهرة في الرّواية كما صرّحوا به من غير خلاف و لو قيل إنّها أعمّ كما قويناه انتصارا لبعض الفحول لم يجديهم أيضا لأن‏

أساس الترجيح عندهم مبني على قاعدة العمل بأقوى الدليلين لا على الأخبار كالأخباريين فعلى قواعدهم لا بدّ من الأخذ بمرجحات المضمون كما صرّحوا به في كتبهم الأصولية و لازم ذلك ملاحظة القوة و الضّعف عند المعارضة فلا وجه لتقديم الصّفات على الشهرة و ما ضاهاها في إفادة الظن بالمدلول فلا بدّ من التّوجيه لما صدر عنهم أحيانا في الفقه لئلاّ تخالفت و تهافتت أقوالهم و تناقضت أفعالهم فقها و أصولا و يتفرّع على ذلك أنّه لو تعارض القطعي السّند مع ظني السّند و كان الظنّ في جانبه قدم على القطعي لعين ما ذكرنا في ترجيحه على الصّفات و لا يذهب عليك أنّه ليس عملا بالظنّ المطلق في الأحكام بل في ترجيح بعض الظنون الخاصّة على بعض فظهر أنّ تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على المرجحات الخارجية استنادا إلى الوجه الثاني أيضا و هو كون الكتاب قطعيّا و معارضه ظنيا ليس على ما ينبغي (و أمّا الثالث) فإن رجع إلى مذهب من لا يجوز تخصيص الكتاب بالسّنة نظرا إلى الأخبار الآمرة بطرح ما خالف الكتاب و أنّه زخرف و أنّه مكذوب على اختلاف‏

457

مضامينها فهو حسن إلاّ أنّ القوم لا يقولون به و إن كان مبينا على اختيار [أخبار] الترجيح بموافقة الكتاب فقد تقدّم أنّه على إطلاقه غير مسلّم و إنّما المسلم منه ما إذا لم يكن الخبر المخالف أظهر و أقوى دلالة من الكتاب و هذا و إن لم يشمل المقام لأنّ مجرّد الظّن بمدلول الخبر المخالف له لا يجعله أظهر و أقوى دلالة منه لكنه يجري مجراه في الترجيح للقاعدة المشار إليها حسبما عرفت حرفا بحرف (و الحاصل) أنّ الظن بالمدلول في مقام ترجيح الأدلّة الظنية بعضها على بعض لا يكافئه شي‏ء من سائر المرجحات و الترجيح التعبّدي غير ثابت و النّصوص الواردة في بعضها إن طابق القاعدة و إلاّ فهي مؤوّلة كما مرّ في غير موضع و أمّا ما ذكره من تقديم الترجيح بالصّفات على الشهرة و مخالفة العامة فقد خالفه الأستاذ (قدّس سرّه) في الأوّل و وافقه في الثاني مستدلا عليه بما حاصله أن الحمل على التقية ترجيحا لأحد المتعارضين على الآخر إنّما هو بعد إحراز صدورهما حقيقة كما لو كانا مقطوعي الصّدور أو حكما كما إذا كانا متكافئين في المرجحات السّندية فإذا لم يكونا على أحد الوجهين بأن كان موافق العامة أصحّ سندا مثلا من الآخر فلا يتحقق موضوع تعارض الخبرين حتى يحمل الموافق منهما للعامّة على التقية ترجيحا لأنّ رجحان سند أحدهما بعد ملاحظة الأمر يأخذه بالنّص و الإجماع مانع عن تصديق الآخر المعارض له فأين تعارض الخبرين الموقوف على إحرازهما ثمّ أورد سؤالا و جوابا قائلا (فإن قلت) إنّ الأصل في الخبرين الصّدور فإذا تعبّدنا بصدورهما اقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقية كما يقتضي ذلك الحكم بإرادة خلاف الظاهر في أضعفهما دلالة فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدّما على الترجيح بحسب الصّدور (قلت) لا معنى للتعبّد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعيّن على التّقية لأنّه إلغاء لأحدهما في الحقيقة و لذا لو تعين حمل خبر غير معارض على التقية على تقدير الصّدور لم يشمله أدلة التعبّد بخبر العادل نعم لو علم بصدور الخبرين لم يكن بدّ من حمل الموافق على التقية و إلغائه و أمّا إذا لم يعلم بصدورهما كما فيما نحن فيه من المتعارضين فيجب الرّجوع إلى المرجحات الصّدوريّة فإن أمكن ترجيح أحدهما و تعيّنه من حيث التعبّد بالصّدور دون الآخر تعيّن و إن قصرت اليد عن هذا التّرجيح كان احتمال التقية في أحدهما مرجحا فمورد هذا المرجّح تساوي الخبرين من حيث الصّدور إمّا علما كما في المتواترين أو تعبّدا كما في المتكافئين من الآحاد و أمّا ما وجب فيه التعبد بصدور أحدهما المعيّن دون الآخر فلا وجه لإعمال هذا المرجح فيه لأنّ جهة الصّدور متفرعة على أصل الصّدور و الفرق بين هذا الترجيح و الترجيح في الدلالة المتقدمة على الترجيح بالسّند أن التعبّد بصدور الخبرين على أنّ العمل بظاهر أحدهما أو بتأويل الآخر بقرينة ذلك ممكن بصدور أحدهما ثم حمل أحدهما على التقية الّذي هو في معنى إلغائه و ترك التعبّد به انتهى كلامه (رحمه الله) بعين عباراته و إنّما أوردناها على طولها للتنبيه على ما فيه من موارد النظر لئلاّ يتوهّم الناظر أنّه خفي علينا ما أفاده في المقام حتّى اشتبه علينا حقيقة المرام فنقول أمّا مخالفته لصاحب الوافية (رحمه الله) في تقديم الصّفات على الشهرة ففي محلّها و الاستدلال عليه بظاهر المقبولة أو المرفوعة الصّريحتين في ذلك قد أجبنا عنه بوجوه ثلاثة آنفا فلا نعيد و أمّا موافقته في تقديمها على مخالفة العامة فإن استند فيه أيضا إلى النّصين المذكورين كما تقتضيه طريقة صاحب الوافية فالجواب الجواب و إن استند فيه إلى مقتضى القاعدة كما في الرّسالة ففيه بحث و منع لأنّ السّؤال الّذي أورده سديد و الجواب غير مفيد لأنّه منقوض بالمتكافئين إذ لو لم يكن لتصديق الخبر ثم حمله على التقية معنى معقولا لكونه إلغاء له في المعنى و طرحا له في الحقيقة فيلزم من دخوله تحت أدلّة التصديق خروجه و ما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل فكيف يتعقل الحمل على التقية في صورة التكافؤ و فقد المرجح بل لازم ذلك اختصاص هذا المرجّح بالقطعي و عدم جريانه في الظني و هو مع وضوح فساده كما سبق مناف لمختاره من عدم اختصاصه بالقطعي و لعمري إنّ تقديم الصّفات على مخالفة العامة من حيث القاعدة لا لأجل التعبد بالأخبار كما هو بصدده من غوامض العلوم الّتي يقصر عن إدراكها أفهامنا بل الأمر في المقام دائر بين أمرين إمّا عدم ثبوت هذا المرجح في الظنين رأسا و لو لم يكن له معارض من المرجحات أو تقديمه على مرجحات السّند قطعا لوضوح أنّ الخبر الموافق للعامة لا يخلو في الواقع‏

و نفس الأمر إمّا صادر عن الإمام فيدخل تحت قوله (عليه السلام) ما سمعت منّي يشبه قول الناس ففيه التقية و إمّا غير صادر فلا معنى للتعبّد بالكاذب الغير الصّادر فكيف يتعقل العمل به عند التعارض و توضيح المقام أنّ موافقة العامة إمّا هي من المرجحات الخارجية بناء على غلبة الباطل في أخبارهم و أحكامهم أو من المرجحات الجهتية الباعثة على حمل الكلام الصّادر من الإمام على التقية و لا إشكال في تقديمها على الصّفات بناء على الأوّل كما هو (قدّس سرّه) معترف بذلك حيث صرّح في غير موضع بأنّ المرجحات الخارجية مقدّمة على الصّفات و إن هذا المرجح أيضا على الوجه المذكور حكمه حكم المرجحات الخارجية فانحصر تقديم الصّفات عليها على الوجه الثاني و هو غير معقول لأنّ مورد هذا المرجح هو الخبر المقطوع لاختصاص دليله به و مقتضاه عدم العمل بموافق العامة مطلقا قطعيّا كان أو ظنيّا إذ لا فرق بينهما إلاّ احتمال عدم الصّدور في الثّاني دون الأوّل و بداهة العقل قاضية بأنّ احتمال عدم الصّدور لو لم يكن منشأ لعدم التّعبد فلا يصلح منشأ للتعبّد سواء كان راويه جامعا للصّفات المرجحة أو كان سنده كذلك أو لم تكن فاحتمال تقديم المرجحات السندية على مخالفة العامة مع نصّ الإمام (عليه السلام) على طرح ما يوافقهم من العجائب و الغرائب الّتي لم يعهد صدوره عن ذي مسكة فضلا عمّن هو مآل العصمة علما و عملا و لذا نقل عن الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه) في الفوائد أنّه جعله من جملة عيوب المقبولة ذكر مخالفة العامة بعد الصّفات حيث كان فساده عنده من الواضحات التي توجب سقوط الخبر عن الاعتبار هذا مع استقرار طريقة العلماء فيما عثرنا على خلافه لأنّهم يقدّمون مخالفة العامة على موافقتهم من غير ملاحظة المرجحات السّندية وجودا و عدما حتى لو كان الخبر مستفيضا يحملونه على التقية عند التعارض و ليت شعري إنّ هذه الغفلة الواضحة كيف صدرت منه (رحمه الله) مع أنّه في جودة النظر يأتي بما يقرب من شق القمر لا يقال إطلاق الأمر بترجيح خبر الأعدل مثلا قاض به لأنّا نقول بعد ما عرفت من الملازمة القطعية بين القطعي و الظنّي لا مجال لهذا السؤال لا يقال نمنع الملازمة كما منعنا فيما قبل بمنع‏

458

استقلال العقل بذلك بعد احتمال وجود المصلحة في تصديق الأعدل عند المعارضة (قلت) هذا الاحتمال مبني على احتمال الموضوعية و التصويب في حجّية الخبر الصّادر من العادل أو الأعدل مثلا و بناؤه (رحمه الله) على الطريقية دون الموضوعية و لو سلم مماشاة في تحقيق المرام فغير مقيد أيضا لأن مقتضاه الاقتصار في هذا المرجح على مورده الّذي هو القطعي و عدم ثبوته في الظني مطلقا كما عرفت فأين ترجيح الصّفات على ترجيح الجهة ثم لا تغفل عمّا ذكرنا أولا من النقض بالمتكافئين فإنّه ناهض بالمدعى بوجه أخصر و أقصر لأنّ تصديق الخبر لأجل الحمل على التقية إمّا شي‏ء معقول أو لا فإن كان له معنى صحيح فلم لا تصدق خبر الأعدل مثلا حتى تحمله على التقية فإن اعتذرت أنّ دليل الحمل على التقية معارض بدليل ترجيح الأعدل فالجواب أولا أنّه لا تنافي بينهما لأنّ المراد به ترجيح الأعدل هو التعبّد بصدوره فإذا فرضنا أنّ التعبّد بالصّدور لا ينافي الحمل على التقية جمعا بينهما و ثانيا بعد المساعدة على كون المراد بترجيح الأعدل هو الترجيح في مقام العمل و طرح الخبر العادل المعارض نقول إن دليل الحمل على التقية يخصّصه و يجعل مورده غير ما يحتمل فيه التقية للملازمة بين القطعي و الظنّي في الحمل عليها عقلا و إن لم يكن معقولا فكيف يصار إليه مع تكافؤ المتعارضين فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا فرق في حمل موافق العامة على التقية عند التعارض بين القطعيين و الظنيين و المختلفين فلو كان أحد المتعارضين قطعيّا موافقا لهم و الآخر ظنيا مخالفا لهم وجب المصير إلى الظّني و حمل القطعي على التقية لقوله (عليه السلام) ما سمعت منّي يشبه قول النّاس ففيه التقية بل و مقتضى عمومه وجوب الحمل عليها و لو لم يكن له معارض لكنّه غير معهود من العلماء فيقتصر على القدر المتيقن و هو صورة المعارضة بأقسامها الثلاثة بقي الكلام في تعارض مرجح الجهة مع مرجح الدلالة و المرجح الخارجي و تعارض مرجحات الجهة بعضها مع بعض فنقول أمّا الأوّل فقد تكلّمنا فيه عند بيان قاعدة الجمع و ذكرنا أن ترجيح الدلالة مقدّم على الترجيح بالجهة و نقلنا خلاف من خالف فراجع لكن في النفس الآن منه شي‏ء و التحقيق هو أنّهما إمّا قطعيّان أو ظنيان أو مختلفان فإن كانا قطعيين قدم ترجيح الدّلالة فلو تعارض العام و الخاص و كان الثاني موافقا للعامة عمل بالخاص كأخبار بطلان الصّلاة بزيادة الركعة و أخبار صحّتها إذا جلس بعد الرابعة فإنّها موافقة لمذهب العامة لأنّ المدار في الترجيح على الظن و لا شكّ أنّ التخصيص أغلب و أظهر من التقية في الأخبار هذا إذا قطعنا النظر عن النصّ و مشينا على موجب القاعدة و أمّا بعد ملاحظة كون موافقة العامة أمارة تعبّدية على التقية أو جاريا مجرى القرينة العامّة حسبما شرحنا مفصّلا فيما سبق فمقتضى القاعدة أن يكون الأمر بالعكس فيجب حمل الخاصّ على التقية و لو كان قطعي السّند و الدلالة لأنّ الشك في التخصص بعد قطعية الخاصّ مسبّب عن الشك في صدوره تقية و بعد قيام الدليل على صدور الخاص تقية كان حاكما على أصالة العموم و هذا التسبيب و إن كان موجودا مع قطع النظر عن الأخبار إلاّ أنّ أصالة عدم التقية لا مانع من العمل به حينئذ و لا يعارضه أصالة العموم للتّسبيب القاضي بالتقديم (و الحاصل) أنّ قضية التسبيب العمل بما يقتضيه الأصل السّببي فإن كان الأصل عدم التقية عمل بالخاصّ و إن كان هي التقية عمل بالعام ففي المثال المذكور ينبغي حمل أخبار الصّحة بعد الجلوس بعد الرابعة على التقيّة كما فعله صاحب الرّياض و هذا هو الأصحّ و عليه عمل غير واحد في الكتب الفقهية كما لا يخفى على أهل الخبرة (فإن قلت) ما ذكرت من القاعدة من تقديم الأصل الجاري في السّبب على الأصل الجاري في المسبب لا يتم على ما أنت عليه من إنكار هذه القاعدة في بابها (قلت) بناؤنا على معارضة الأصلين دون التحكيم إنما هو في الأصول التعبّدية الشرعية و أمّا الأصول الجارية في الألفاظ فهي طرق عقلائية أمضاها الشارع و ليست عن الأصول الظاهريّة التعبّدية كأصالة الطّهارة مثلا و قد نبّهنا في محلّه على أنّه لا بدّ من إجراء قاعدة التّسبيب و العمل بالأصل الجاري في المسبّب المسمّى بالمزيل في ألسنة المقاربين لعصرنا في الأصول اللفظية و ما يجري مجراها من الأصول العقلائية المعتبرة طريقا إلى الواقع و تمام الكلام في محلّه و هذا لو تعارض الأصل اللّفظي مع الأصل المعمول في الجهة غير التقية كأصالة عدم السّهو و عدم المزاح و عدم الإكراه و عدم الكفاية و عدم التعريض و

عدم التصور [القصد] و أشباهها من الأصول الجارية في الألفاظ من غير أن ترجع إلى حقيقة أو مجاز في غير أدلّة الأحكام قدم الأصل اللّفظي فلو توقف رفع التناقض و التنافي عن كلام متكلّم على ارتكاب أحد الأمرين إمّا التخصيص أو حمل الخاص على المزاح مثلا تعيّن التخصيص لأنّه أغلب و أظهر (فإن قلت) مقتضى القاعدة التوقف و الإجمال لأن الترجيح خلاف الأصل و الأصل في الطّرق و الأصول المتعارضة التوقف دون الأخذ بالراجح و القدر الخارج منه العمل بالأقوى و الأرجح في أدلّة الأحكام دون غيرها (قلت) الظّاهر أنّه لا إشكال بل لا خلاف في أن تقديم النصّ على الظاهر أو تقديم الأظهر على الظاهر في الأصول اللفظية المتعارضة بعضها الراجعة إلى تعارض الأحوال في كلام أو في كلامين لا اختصاص له بأدلة الأحكام و الظاهر أن حكم تعارض بعض الأصول اللفظية مع الأصل في جهات الكلام حكم تعارض الأصول اللّفظية بعضها مع بعض فكما ثبت الترجيح و وجوب العمل بالأرجح هناك فكذلك هنا و أمّا الثاني و هو تعارض الأصل في الجهة أعني خصوص الحمل على التقية مع المرجح الخارجي‏

459

المفيد للظنّ كما لو كان أحدهما موافقا للعامة و الآخر مشهورا مظنون الحكم ففيه وجوه تقديم المرجح الخارجي أو ترجيح الحمل على التقية أو التوقف و هذه الوجوه يتطرّق في كلّ مقام جعل الشارع الظنّ المطلق فيه حجة ثم عارضه بعض الظنون الخاصّة كالبيّنة في الموضوعات الّتي اعتبرها الشارع فيهما مطلق الظنّ مثل القبلة و الوقف و غرّة شهر رمضان للمتواخي و نحوها و ذهب المحقق الثاني (قدّس سرّه) إلى ترجيح الظن الخاص و نسبه إلى الشهيد (قدّس سرّه) و نحن اخترناه سابقا لكن الظاهر أن التوقف و التساقط هو الأقرب و دعوى أنّ الظن الخاص بمنزلة العلم و مطلق الظّن مشروط بعدمه فكما أنّ الظن ليس معتبرا في حق العالم فكذا من جعله الشارع بمنزلة العالم معارض بالمثل لأنّ الظنّ الخاص أيضا مشروط بعدم العلم ضرورة عدم اعتباره في حق العالم و الظنّ المطلق أيضا جعله الشارع بمنزلة العلم و ليس اعتباره من حكم العقل حتى يكون التنزيل من جانب واحد (و الحاصل) أنّ الظنّ المطلق إن كان اعتباره بحكم العقل بدليل الانسداد كان وجود الظنّ الخاص مانعا عن جريان دليل العقل لإثبات اعتبار الظن بالخلاف و أمّا إذا كان دليل اعتباره أيضا غير العقل كالإجماع و نحوه فحكمه حكم الظن الخاص فإذا عارضه ظن خاصّ كان كما لو تعارض ظنان خاصّان كالبينتين المتعارضتين فيتساقطان و لزم التوقف فتدبّر جيّدا لأنّ الشارع جعل مطلق الظن حجة واجب العمل في الترجيح و جعل أيضا خصوص موافقة العامة دليلا على التقية و سببا لترجيح المخالف تعبّدا عليه فإذا كان الظن في طرف الموافق كان من قبيل تعارض الظن المطلق و الخاص المعتبرين بحكم الشارع كما لو ظن المصلّي بشي‏ء من الركعات و قامت البينة على خلافه فيأتي فيه الوجوه فافهم و اغتنم و أمّا الثالث و هو تعارض الأصول الجهتية بعضها مع بعض فالظّاهر فيه التوقف و الإجمال مطلقا إلاّ إذا دار الأمر بين الحمل على التقية و بين الحمل على محامل أخر غيرها في خصوص أدلة الأحكام أمّا الأول فللأصل و عدم المخرج مع احتمال إلحاقها بالأصول اللّفظية و وجوب الأخذ بالأرجح و الأقوى حسبما أشرنا إليه آنفا و الأولى مع الرجحان لأنّ الأصول الجهتية متكافئة لا مزية لبعضها على بعض في الغلبة و الرّجحان فلا بدّ من الإجمال و أمّا الثّاني فلأنّ التقية في الأخبار أغلب بالقياس إلى غيرها من وجوه سوق الكلام لغير إفادة الأحكام و بيانها فتعيّن الحمل عليها عملا بقاعدة الترجيح في أدلّة الأحكام‏

المقام الخامس في حكم المرجّحات الخلافية و هي أمور

منها القياس‏

و نقل المحقّق في محكي المعارج عن بعض القول بكونه مرجحا ثم قال و يمكن أن يحتج لذلك بأن الحق في أحد الخبرين فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما فتعين العمل بأحدهما و إذا كان التقدير تقدير التعارض فلا بدّ في العمل بأحدهما من مرجّح و القياس يصلح أن يكون مرجحا لحصول الظن فتعين العمل بما طابقه ثم قال لا يقال أجمعنا على أن القياس مطروح في الشريعة لأنّا نقول بمعنى أنّه ليس بدليل لا بمعنى أنّه لا يكون مرجحا لأحد الخبرين و هذا لأنّ فائدته كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح فيعود الراجح كالخبر السّليم عن المعارض فيكون العمل به لا بذلك القياس ثم قال و فيه نظر و ظاهر صاحب المفاتيح الميل إلى هذا القول إذا حصل الظن منه بمضمون الخبر الموافق له حيث قال و في صحة الترجيح به إشكال ثم ذكر وجه الإشكال و أطال الكلام في النقض و الإبرام إلى أن قال فالأحوط الأخذ بالخبر الموافق له إذا كان سليما عن المعارض قال و لو كان له معارض من المرجحات فإن كان أقوى من القياس فلا إشكال و كذا لو كان مساويا فتأمّل و أمّا إذا كان القياس أقوى ففيه إشكال عظيم فتأمل انتهى و لا علينا في أن ننقل كلامه مهذّبا لأنّه خير ما عثرت به في المقام أو قيل أو يقال في تحقيق المرام ثم تعقّبه بما سنح لنا من الأوهام قال (رحمه الله) و في صحّة الترجيح به إشكال من الأصل و عموم كثير من الأخبار الواردة في المنع من العمل بالقياس فإن الترجيح به عمل و عموم الأخبار الدالة على التخيير و أنّ القياس لو كان شرعيّا اشتهر بل و تواتر لتوفر الدّواعي عليه و ظهور اتفاق أصحابنا على عدم كونه مرجحا إذ لم نجد أحدا صرّح بأنّه مرجح في مقام ذكر المرجحات و لا يرجح به خبر على آخر و أن ذلك لو كان مرجّحا للزم معرفة مسائل القياس و تنقيحها و ضبطها كما لا يخفى و ذلك قد يكون منافيا لحكمة حرمة القياس كما لا يخفى و من أصالة حجية الظن خصوصا في مقام الترجيح و فحوى ما دلّ على اعتبار كثير من المرجحات الغير المنصوصة و غلبة مرجحات ظنية لم يرد بها نصّ فيلحق بها محلّ الشكّ و هو محلّ البحث و لا يعارض ما ذكرنا عموم الأخبار المانعة عن العمل بالقياس لإمكان دعوى انصرافه إلى المنع من التمسّك به على حكم شرعيّ و لو سلّم شمول بعضها لمحلّ البحث توقف على اعتبار سنده و لو سلّم فغايته إفادة الظنّ بأن هذا الظن لا يكون حجة في هذا المقام و في صلاحيته لمعارضة أصالة حجية الظن إشكال فتأمّل و كذلك لا تصلح لمعارضة ذلك عموم الأخبار الدالّة على التخيير للمنع من ظهورها في المنع من الترجيح سلّمنا و لكن لا نعلم باعتبار سندها و لو سلّم اعتبار سند بعضها ففي صلاحيته لمعارضة أصالة حجية الظن إشكال و مع ذلك فبعضها معارض مع بعض فيبقى الرجوع هنا إلى المرجح اللّفظي الظني و لا يمكن التمسّك بها هنا كما لا يخفى و أمّا دعوى ظهور اتفاق الأصحاب على المنع من الترجيح فمحل إشكال إذ ليس بناء معظمهم على ضبط جميع المرجحات و لا الإشارة إليها و لو سلم ذلك فغايته الظنّ و في صلاحيته لمعارضة الأصل المذكور إشكال ثم قال (رحمه الله) و كيف كان فالأحوط إلى آخر ما نقلناه آنفا (قلت) دعوى انصراف أدلّة القياس إلى التمسّك به دون الترجيح‏

460

به لا بينة و لا مبينة إذ الترجيح أيضا عمل به كما اعترف به (رحمه الله) اللّهمّ إلاّ أن يلاحظ مساق الأخبار الناهية فإنّها سيقت ردّا على من جعله من الأدلّة الشرعية كما هو صريح المروي عن النّبيّ و الوصيّ (عليه السلام) فينصرف إليه و لا يعمّ المقام و فيه أنّها و إن سيقت في مقابل من ذكر إلاّ أن قضية ما فيها من التعليل بأنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول و أن أول من قاس إبليس و أنّه يمحق الدّين أن لا يعمل عليه في شي‏ء من الدّين فلا مناص عن الاعتراف بالعموم كما أنّ منع عموم أخبار التخيير المنافي للترجيح في المقام أيضا ممّا لا شاهد له و لكن بعد تسليم العمومين هنا كلام آخر فنقول قد عرفت أنّ القياس داخل في المرجّحات الخارجية الغير المنصوصة و عرفت أيضا أنّه استدلّ على اعتبارها مضافا إلى ظهور الإجماع و فحاوى مفاد النصوص الواردة في المرجحات بدليل الانسداد الجاري في خصوص المقام بمرجحية كلّ مزيّة لأنّها مظنونة بملاحظة كلمات الأصحاب و الأخبار الواردة في بعض المرجّحات لو لم تكن معلومة فالكلام في مرجّحية القياس تارة يقع في مقابل ذلك الدليل العقلي بعد تسليم مقدّماته و أخرى في مقابل الأدلّة الّتي أقيمت على حجّيتها من عموم معاقد الإجماعات و فحاوى الأخبار (أمّا الأوّل) فلا إشكال في سلامة الدّليل العقلي عن معارضة أدلّة حرمة العمل بالقياس و إن قلنا بالعكس في دليل الانسداد الجاري في الأحكام لأنّ المقامين مختلفان إمّا من حيث إنّ متعلق الظّن هناك الحكم الشرعي من الوجوب أو الحرمة فلا غرو في دعوى تقديم حكم العقل على ما دلّ على حرمة العمل بالقياس نظرا إلى عدم جواز التخصيص في الدليل العقلي فتعيّن رفع اليد عن عموم نواهي القياس في حال الانسداد لو لم نذعن بصحّة الوجوه المقررة في توجيه إخراجه عن تحت الدليل و أمّا متعلقه هنا فهي مرجحية كلّ مزيّة بناء على كونها مظنونة و لا خفاء في أنّ الشكّ في حجية بعض المزايا إمّا لاختلاف العلماء أو لقيام بعض الأمارات على عدمها و لو لم يكن حجة معتبرة فضلا عن المعتبر كأصالة العموم في النواهي مثلا مخرج له عن الكلّية المذكورة لأنّها عام قابل للتخصيص و ليس مثل حجية الظنّ الثابتة بالعقل حتى لا يقبله و بعبارة أخرى أنّ قصوى ما هنا أنّه حصل الظن من كلمات الأصحاب و غيرها أنّ كلّ مزيّة مرجّحة فإذا كان بعض المزايا مختلفا فيه أو قام ظنّ على عدم كونه مرجحا خرج عن موضوع مظنون المرجحية فلا تدخل تحت دليل الانسداد المذكور نعم لو اقتضى القياس مرجحية بعض الأمارات وقع التعارض بين ذلك الدّليل العقلي و بين ما دلّ على عدم جواز العمل بالقياس فيكون الحال هنا مثله في حجيّة الظنّ في الأحكام فلا بدّ من توجيه إخراجه بأحد الوجوه المذكورة هناك لكن الأمر في المقام ليس كذلك كما عرفت و من ذلك يظهر فساد قوله أخيرا بعد تسليم ظهور اتفاق الأصحاب على عدم المرجحيّة و في صلاحيّته لمعارضة الأصل المذكور يعني أصالة حجية الظنّ إشكال وجه الظهور أنّه إن أراد بالظّن الظن بالأحكام كما هو مذهبه فلا ريب أن حجية الظّن المطلق موقوف على فقدان الظن الخاصّ في المسألة و أخبار التخيير هنا يقتضي عدم المرجحيّة إلاّ أن يمنع كونها من الظنون الخاصّة سندا و دلالة و منه يظهر حال قوله سابقا ففي صحة معارضة أخبار التخيير لأصالة حجيّة الظن إشكال و إن أراد به الظن في هذه المسألة أي المرجحية فمع وجود نواهي القياس كيف يحصل الظن بمرجحية القياس حتّى يدخل تحت التخيير [الحجيّة] (و أمّا الثاني) فبعد تسليم عموم النواهي و عدم انصرافها إلى مقام الاستدلال يقع التعارض بينها و بين معاقد الإجماعات و إطلاق الأخبار المستفادة منها حجية كل مرجّح و النسبة بينهما عموم من وجه فيجب التوقف و لازمه العمل بإطلاقات التخيير إذا لم يعارضه مرجّح آخر و أمّا مع المعارضة فقد يقال إنّه يجب الأخذ بالمعارض إذ المفروض عدم كون القياس مرجحا فيبقى المعارض سليما و هذا ما صرّح به في المفاتيح في كلامه المحكي إذا كان المعارض مساويا للقياس في إفادة الظّن و قد يقال إنّ عدم مرجحية القياس إنّما نشأ من تعارض نواهي القياس و دليل مرجحية كلّ مزيّة فعدم مرجحيّته منشؤه إجمال الدّليلين للتعارض و الأصل دون الدليل على العدم فكما أنّ مرجحية القياس مشكوكة و الأصل عدمها فكذلك مرجحية المزية الّتي في مقابلها للملازمة الواضحة بينهما إذ لو كان القياس أيضا من المرجحات لزم الرجوع إلى التخيير لتعارضهما و تساقطهما و كيف يجتمع الشكّ في مرجحية القياس مع عدم الشكّ في‏

مرجّحية المعارض و المفروض أنّ نسبتهما إلى دليل حجية المرجحات نسبة واحدة و الحكم بدخولهما معا تحت غير ممكن و إخراج القياس خاصة دون الآخر لا دليل عليه بعد إجمال دليل القياس فبأيّ سبب يحكم بدخول المعارض خاصة تحت دليل الحجية مع وجود إطلاقات التخيير لا يقال دليل حجّية المرجحات إنّما صار مجملا في حق القياس خاصّة و أمّا ما عداه فلا فالمقتضي للعمل بالمعارض موجود و هو عموم دليل حجية كلّ مرجّح و المانع و هو دليل حرمة العمل بالقياس غير معلوم لإجماله فيجب العمل بالمعارض لأنا نقول كما أنّ المقتضي موجود للمعارض فكذلك موجود للقياس أيضا ضرورة كونه من أفراد المرجحات و قد ذكرنا غير مرّة أنّ العام لا يتناول فردية المتعارضين فالتمسّك بعموم دليل الحجّية ساقط في المقام إلاّ بعد قيام الدّليل على كون القياس خارجا عن عموم دليله فإذا فرض عدم الدليل لإجمال نواهي القياس امتنع التمسّك بعموم دليل المرجحيّة في الجانبين لأصالة التوقف و التساقط عند تعارض الأدلّة و الأصلين و فرق بين استناد عدم مرجّحية القياس إلى الدليل و بين استناده إلى الأصل بعد إجمال‏

461

دليل اعتبار المرجحات و دليل حرمة العمل بالقياس فإنّ قضية الأوّل نهوض عموم دليل الاعتبار لمرجحية المعارض بناء على حجية العمومات المخصّصة في الباقي و قضية الثاني عدم نهوضه لمرجحية المعارض و لا بمرجحية القياس و لأجل ما ذكرنا أمر بالتأمّل بعد اختيار الوجه الأوّل و على احتمال بعيد و هو الحق فالمتبع حتّى في صورة المعارضة مطلقا هو عمومات التخيير لا أنّ الأحوط هو العمل بالمعارض إلاّ إذا كان القياس أقوى فالأحوط هو العمل به من باب الاحتياط دون التعبّد و مثله ما لو لم يكن للقياس معارض و الأحوط فيه مطلقا هو الأخذ بالاحتياط في المسألة الفرعية و اللّه العالم‏

و منها اعتضاد الدليل بدليل آخر

و فيه خلاف و المعظم على الترجيح به و أرسله في المعالم إرسال المسلمات و عن غاية المأمول الاستدلال عليه بوجوه سبعة أكثرها ناظرة إلى إلحاق الاعتضاد بالقوة الحاصلة للدليل من المرجحات الداخلية و هذا يدلّ على أن القدر المجمع عليه من الترجيح ما كان داخليا دون الخارجي و يؤيّده بل يدل عليه أنّه أراد بحمل تلك الأدلة إرجاع الاعتضاد إلى القوة الدّاخلية ليستريح عن مطالبة دليل الإلحاق و استدلّ الخصم بعد النقض بالشهادة و الفتوى و القياس حيث إنّه كان كالأصول لا يعارض عند العاملين به خبرا واحدا و لو تعدد مع كونه معدودا عندهم من الأدلّة فيكشف عن عدم تأثير لكثرة الدّليل و تعدّده بأن المقدار الكافي في الحجّية موجود فيها و الزّيادة لغو ملغى (قلت) الحق أنّ الأدلّة المتعدّدة إذا اتفقت في الكشف عن الواقع و أفادت قوة الظنّ به حصل بها الترجيح للقاعدة المجمع عليها كما مرّ مرارا و إلاّ فمجرّد تعدّد الدليل لا يجدي في المقام شيئا لأنّ القدر الخارج عن تحت الأصل و إطلاقات التخيير هو ذلك و جملة ما استدلّ به على الترجيح بالتعدد من تلك الوجوه لو تمّ لاقتضى الترجيح به مطلقا لكنّها كلّها أو جلّها بينة على بعض اعتبارات و استحسانات لا تساعدها قواعدنا و من أراد الاطّلاع عليها فليراجعها و تظهر الثمرة بين الوجهين في مواضع يجمعها عدم الاعتضاد و التّقوية في الواقع و من ذلك موافقة أحد الدليلين للأصل فعلى ما اخترناه لا ترجيح لأن الأصل غير ناظر إلى الواقع فلا تفيد ظنا و لا تقوية و على التعميم لزم الترجيح لأن الأصل معدود عندهم من الأدلّة و دعوى أنّه دليل فقاهتي و إطلاق الدليل عليه في مصطلحهم يحتاج إلى قرينة فيه كما لا يخفى على المأنوس بكلماتهم‏

و منها دفع المفسدة و جلب المنفعة

بناء على كونه قاعدة مسلّمة فإنّها لا تجدي أيضا في مقام الترجيح و إن بنينا على كونه حجة في ترجيح أحد المدلولين في حدّ ذاتها

و منها موافقة العامة و القواعد العامة

فإنّها أيضا لا تفيد من الظنّ و القوة شيئا مع ورود المخصّص و لو كان معارضا بمثله كما شرحناه في الترجيح بموافقة الكتاب و يأتي أيضا و من المرجحات موافقة الأصل و مخالفته ففيه أقوال (الأوّل) تقديم مخالف الأصل و الظاهر أن عليه الأكثر (و الثّاني) تقديم موافقه نقل عن الشيخ (قدّس سرّه) و جماعة و الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) في محكي الفوائد الحائرية و اختاره صاحب المفاتيح (و الثّالث) عدم الترجيح و البناء على التخيير كما عن المعارج حيث لا يأتي فيه النسخ و اختاره في المعالم (و الرابع) التوقف و مرجعه إلى الثالث مع احتمال المغايرة بالرجوع إلى الأصل مرجعا لا مرجحا و مرادهم بالأصل هو الأصل العقلي كأصل البراءة و أصل العدم و المعروف انحصار الأقوال في الأوّلين و الّذي يستفاد من أدلّة الفريقين أنّ محلّ النزاع بينهم في غير ما نحن بصدده في هذا الباب من بيان مرجحات أحد الظنين من أخبار الآحاد على الآخر و هو أن يعلم بكون أحدهما ناسخا و الآخر منسوخا و اشتبه المقدم بالمتأخّر فيختصّ بالأخبار النبوية الّتي يتطرق فيها النسخ و لا مساس له بالمقام كما لا يخفى فيبقى الإعراض عن أدلّة القولين و التّعرض لبيان ما هو المقصود ثم نتبعه بما تقتضيه القاعدة عند اشتباه الناسخ و المنسوخ و ممّا ذكرنا يندفع ما ربما يورد أو أورد في المقام على القوم من بنائهم في الأصول على ترجيح مخالف الأصل و في الفقه على ترجيح موافقته كما لا يخفى فلا يحتاج إلى الاعتذار و التوجيه لهم بأن عملهم في الفقه مبني على اعتبار الأصل من باب الظن بل لا يصحّ أمّا عدم الحاجة فلما عرفت من أن محلّ النزاع في الأصول هو القطعيّات المعلوم كون أحدهما ناسخا دون الظّنين اللّذين يرجحون الموافق منهما للأصل و أمّا عدم الصّحة فلما نبّه و كيف كان فالأظهر ما نقلناه عن المحقق و صاحب المعالم من التخيير لأنّه الأصل في المتعارضين كما هو سبق و لا يصار عنه إلاّ المرجح يرجح أحدهما و الترجيح لا يحصل بالأصل سواء كان من الأصول الفقاهتية بأن كان مفاده حكما ظاهريّا كأصل الطّهارة و أصل الصّحة و أصالة البراءة بمعنى قبح العقاب بلا بيان أو بمعنى إباحة مجهول الحكم المستفادة من أخبار الحل و الإباحة في المشتبه أو الاجتهادية الناظرة الكاشفة عن الواقع كالعمومات و القواعد العامة الكلّية الواصلة إلينا من الشّرع مثل قاعدة لا ضرر و لا ضرار و قاعدة حلّية الأشياء واقعا و غيرها من العمومات الكلّية أو الجزئية مثل أكرم العلماء لو تعارض في بعض أفراده خبران و يجري هذا المجرى الأصول العقلية بناء على إفادتها الظن كأصل العدم و أصل البراءة و الاستصحاب الظنيين لو قلنا باعتبارها للظنّ فإنّ شيئا من ذلك لا يصلح للترجيح و الخروج عن عمومات التخيير و لا عمّا تقتضيه القاعدة لو بنينا في المتعارضين على التوقف و الرجوع إلى الأصل مرجعا و قد خالفنا في ذلك صاحب المفاتيح (رحمه الله) حيث بنى في الأول على ترجيح موافق الأصل بعد الإشكال و في الثاني بضرس قاطع من دون إشكال لنا على عدم الترجيح في الأوّل أنّ الحكم الظّاهري‏

462

الّذي يفيده الأصل و الحكم الواقعي الّذي يدلّ عليه الخبران المتعارضان لا سنخية بينهما فكيف يحصل التعاضد و التقوية بالموافقة أو المخالفة و هذا مثل ما لو تعارض الخبران في وجوب إكرام زيد و ورد أيضا خبر في وجوب إكرام عمرو فهل يدعي عاقل اعتضاد الخبر الدالّ على إكرام زيد و برجحانه على معارضه بسبب الخبر الوارد في وجوب إكرام عمرو و استدلّ صاحب المفاتيح (رحمه الله) على مختاره في هذه الصّورة بوجوه (أحدها) أنّه لو قدّمنا النّاقل فقد ارتكبنا تخصيص أحدهما في عموم دليل حجيّة المقرر و النافي في عموم حجيّة الأصل و ارتكاب الأوّل تخصيصا (و ثانيها) أن الخبرين يتساقطان بالتعارض فيبقى الأصل سليما عن المعارض (و ثالثها) أن الأصل يفيد حكما ظاهريّا فيقوى الخبر الّذي أفاد الظنّ بالحكم الواقعي لتطابقهما و توافقهما و حيث إنّ هذه الوجوه لا تنهض بالمدّعى على فرض صحّتها مع وجود أدلّة التخيير بين المتكافئين كما لا يخفى التفت إلى جوابه فقال إنّ أكثر هذه الأدلّة ضعيف السّند و الصّحيح منها لا يشمل إطلاقه لمحلّ البحث و لو سلّم وقع التعارض بينه و بين دليل الأصل و النّسبة بينهما عموم من وجه و الترجيح لأدلّة الأصل بكثرتها و الاعتماد عليها في كثير من الموارد و شذوذ القول بالتخيير هنا كما لا يخفى مع كونه أحوط فإنّه لا ينافي القول بالتخيير و أن ينافي القول بترجيح المخالف انتهى مهذبا و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعرف ما في كلامه (رحمه الله) من الأبحاث و المناقشات خصوصا ما ذكره أخيرا من المعارضة بين الدليلين و ترجيح أدلة الأصول لأنّا لو بنينا على عدم التخيير إذا كان أحد الخبرين موافقا للأصل و كذا فيما لو دار الأمر بين الوجوب و الحرمة كما هو المعروف و يأتي الكلام فيه انحصر مورده في المعاملات و هو باطل بالإجماع المركّب إذ كلّ من قال بالتخيير في تعارض الخبرين قال به في العبادات و المعاملات معا أو في العبادات دون المعاملات أو بالعكس فلا قائل به في القائلين بالتخيير و قد يجاب بأنّ مورد الأصل ما إذا فقد الدّليل الاجتهادي مطابقا له أو مخالفا له فلا مورد للأصل إلاّ بعد فرض تساقط المتعارضين لأجل التكافؤ و المفروض هو التخيير دون التساقط على تقدير التكافؤ و فيه أنّه مصادرة و قد يوجّه بأنّ ما دلّ على التخيير حاكم على الأصل فإنّ مؤدّاه جواز العمل بالخبر المخالف له فكما أنّ ما دلّ على وجوب العمل بالخبر الغير المعارض بمثله حاكم عليه فكذلك ما دلّ على جواز العمل به مع المعارض من غير فرق و هذا حسن لو كان مفاد أخبار التخيير هو جعل الحكم الظاهري في المسألة الأصولية أعني حجّية الخبر و أمّا لو كان مفادها جعلها في المسألة الفرعية الّتي تعارض فيها الخبران كما عرفته مفصّلا في تنبيهات البحث عن التخيير فلا حكومة بينهما كما لا يخفى بل معنى جعل الحكم الظاهري على خلاف ما يقتضيه الأصل مثل الحكم بنجاسة البلل المشتبه في مورد استصحاب الطهارة فلا بدّ من ملاحظة النّسبة فإن كانت بالعموم و الخصوص كما في البلل المشتبه تعيّن تخصيص دليل الأصل و إلاّ فلا و قد يجاب بعد المماشاة و تسليم التعارض و عدم الحكومة بأن الترجيح لأخبار التخيير من وجوه أحدها أنّه أقلّ أفرادا من عمومات الأصول فيكون أقوى دلالة كما صرّح به غير واحد و ثانيها أنّ التخصيص في أخبار التخيير يوجب إخراج أكثر أفرادها بخلاف التخصيص في أدلّة الأصول و هذا إن رجع إلى ما ذكرنا أوّلا من الدليل على ترجيح أخبار التخيير و إلاّ ففيه بحث لأنّه إن أريد به تخصيص الأكثر المستهجن فليس كذلك كما لا يخفى و إن أريد به ما دونه ففي كونه سببا للترجيح نظر و إن قاله غير واحد و ثالثها أنّ بعض أخبار التخيير وارد في محلّ الفرض كمكاتبة عبد اللّه بن محمّد الواردة في فعل ركعتي الفجر في المحمل و مكاتبة الحميري المروية عن الإحتجاج في التكبير عند الانتقال من حال إلى حال من أحوال الصّلاة و هو حسن إلاّ أن أهل المداقة في أسانيد الأخبار لا يرضون بالمكاتبة في المسألة الأصولية و كيف كان فلا إشكال في التخيير في هذه الصّورة و لا ينافيه بناؤهم على الترجيح بالأصل في الفقه لأنّ الظّاهر اختصاص ذلك بالقسم الثاني لا في مثل أصالة الطّهارة الّتي ترجع إلى الحكم الظّاهري التعبّدي كما لا ينافيه اشتهار عدم التخيير إمّا بترجيح مخالف الأصل الّذي هو المشهور أو بترجيح موافقه فأمّا أولا فلما ذكرنا من أنّ محلّ البحث عندهم غير المقام الّذي نحن فيه و أمّا ثانيا فلأنّ الوجوه المذكورة لترجيح أخبار التخيير

راجعة إلى الترجيح في الدّلالة الّذي يرجع إلى قاعدة الجمع و قد عرفت غير مرّة أنّ الشهرة لا تصلح موهنا و لا معارضا لقوة الدّلالة و إنّما الإشكال في الصّورة الثانية أعني ما لو كان الأصل من الأصول اللّفظية و القواعد العامة الاجتهاديّة عكس ما عهده (قدّس سرّه) فإنّ هذه الصّورة هي الّتي ينبغي الإشكال فيها لا الصّورة الأولى الّتي لا إشكال في التخيير فيها و الأظهر في هذه الصّورة أيضا التخيير كما تقدّم في الترجيح بموافقة الكتاب إذا كان الخبر المخالف أخصّ و أشرنا إليه آنفا و حاصل ما ذكرنا أنّ بناء الترجيح إن كان على الظن كما هو صريح مذهبه فلا يحصل الظن من العمومات إذا كان لها مخصّص سواء كان له معارض أم لا ضرورة توقف حصول الظنّ من العام على عدم المخصّص كتوقف حصوله عن كلّ أصل لفظي على عدم القرينة فلو شككنا في وجودها فالشكّ كاف في عدم حصول الظنّ من العام و إلاّ لزم اختلاف حال العلّة و المعلول في الظنّ و هو مستحيل بالبداهة و كيف يحصل الظّن بالنّهار مثلا مع الشكّ في طلوع الشمس و ما يقال من أنّ اعتبار أصالة العموم و غيرها من الظواهر غير منوط بالظنّ‏

463

لا يجدي في المقام المطلوب فيه فعليّة الظّن و إنّما يجدي في المقام العمل بها و نحن نقول بموجبه إذ لو خلّينا و القاعدة لقلنا بالتوقف و عملنا بالعام مرجعا إلاّ أن قاعدة التخيير مع التكافؤ في المرجّحات المفروض في المقام حتى من حيث صفة الظن مغن عن ذلك و الحاصل أنّ الخاصّ المبتلى بالمعارض من حيث القاعدة لا يمنع من العمل بالعام بناء على كون الظّواهر من الظنون النوعيّة فمع الغضّ عن أخبار التخيير يكون العام مرجعا لا مرجحا و أمّا بعدها فلا مانع فيه إذ المانع منحصر في المرجح و هو ينحصر فيما يفيد الظن الفعلي المفقود في المقام بالضّرورة في صورة التكافؤ نعم لو جعلنا تعدد الدليل مرجّحا من حيث التعدد لا من حيث الاعتضاد المتوقف على حصول القوة و [الظن‏] الضّعف لم يأت قاعدة التخيير إلاّ أنّك قد عرفت ما في ذلك في الخدشة و المنع ثم إنّ حكم تعارض الخبرين في الإباحة و الحظر مبني على ما هو المختار في مسألة الأصل في الأشياء قبل ورود الشّرع فإن قلنا بأنّه الإباحة ففي إلحاقه بتعارض المقرّر و الناقل وجهان من اندراجه تحته و من كون الاحتياط مرجحا في بعض الأخبار مضافا إلى عمومات الأمر بالاحتياط في الشبهات و لعلّه لذا حصل التفاوت بين هذه المسألة و بين مسألة تعارض المقرّر و النّاقل أي مخالف الأصل و موافقته قولا و قائلا و لعلّ التفاوت المذكور ناشئ من اختلافهم في الصّغرى أي في كون الأصل الإباحة أو الحظر و كيف كان فالأظهر ما عليه الأكثر من الإلحاق و أمّا ما ورد الترجيح بالاحتياط في بعض الأخبار أو أوامر الاحتياط في مشتبه الحكم فلا مانع من العمل بهما في المقام و لو من باب الاحتياط العقلي فيكون الاحتياط مرجّحا بعد نقد المرجحات إذ الظّاهر اتفاق الأصوليين على تقديم سائر المرجحات عليه فمع عدمها أمكن الترجيح به و لا تصغى دعوى اتفاقهم على عدمه مطلقا حتّى مع عدم المعارض للاحتياط العقلي المذكور بعد المساعدة على هذه الدّعوى‏

و منها ترجيح دليل الحرمة على دليل الوجوب‏

قاله العلاّمة (قدّس سرّه) في محكي النهاية و شرح المختصر و الأحكام من غير نقل خلاف و هذا هو الصّواب مع الغضّ عن أخبار التخيير و إلاّ فلا كما عرفت في نظائره من المرجحات الّتي لا يكشف عن الواقع و وجه كونه صوابا ما تقرر في المعقول و تلقاه العلماء بالقبول أنّه متى دار الأمر بين جلب المنفعة و دفع المفسدة كان الواجب هو دفع المفسدة لكن فيه ما لا يخفى لأن الأمر دائر بين المصلحتين أو بين المفسدتين بناء على إناطة الأحكام بالمصالح و المفاسد ضرورة ثبوت المفسدة في ترك الواجب كفعل الحرام كثبوت المصلحة في ترك الحرام كفعل الواجب فالمقام ليس من مجاري تلك القاعدة العقلائية و أمّا بناء على مذهب الأشعري فالأمر دائر بين مفسدة المؤاخذة و العقاب في الحالتين و أمّا سائر ما ذكروه في المقام من تقديم جانب الحرمة فلا يلتفت إليها لضعفها و فسادها

بقي البحث في أنّ قاعدة الترجيح هل يعمل بها في غير الأخبار من الظنون الخاصة أم لا

و المصرّح به في كلام غير واحد من الأصوليّين هو اطّراد هذه القاعدة في جميع موارد الاجتهاد بل ربّما ألحق بالأحكام الموضوعات مطلقا أو فيما كان بناؤه على الاجتهاد بل استظهر بعض عدم الخلاف في خصوص الأحكام و ربّما استدلّ عليه بعموم التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام) فإن المجمع عليه لا ريب فيه و في الكلّ نظر و اللّه العالم‏

(قد تمّ) كتابة هذا الكتاب المسمّى بالتّعادل أو التّراجيح بعون اللّه و حسن توفيقه بيد الحقير الفقير المحتاج إلى رحمة اللّه الغني (أبو القاسم) بن المرحوم المغفور الآخوند الملاّ رضا الكمربني النّوري غفر اللّه له و لوالديه في يوم الإثنين ثمانية و عشرين جمادى الثّانية من شهور سنة 1313 ثلاث عشرة و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبويّة على هاجرها ألف ألف سلام و تحيّة