بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
51

ما قلنا و ما قيل تظهر عند الشكّ في صحّة التجوز في لفظ و اللّه الهادي إلى الصّواب‏

الموضع الثاني [الكلام في تعيين الواضع‏]

في الواضع اختلفوا في تعيينه أقوال ثلاثة أو أربعة ذهب قوم إلى أنه اللّه تعالى و قيل إنّه البشر و قيل بالفرق بين الضّروريات فمن الله و غيرها فمن اصطلاح البشر و حجج الأقوال في غاية الضّعف و السّخافة و لهذا سكت المحقّقون عن ترجيح الأقوال بعضها على بعض بعد ما وجدوا عدم نهوض شي‏ء من أدلّتها على إثباته لكن المظنون أو المعلوم أمران أحدهما فساد سلب التوقيفية على نحو العموم و الثاني إيجابها كذلك (أمّا الأوّل) فلأن مخاطبة الله سبحانه لأول مخلوقه القابل للخطاب قبل خلق البشر أمر ثابت ضروريّ لجميع أهل الأديان فلا بدّ من ثبوت وضع في الجملة للألفاظ حتّى يصحّ المخاطبة و منع كون المكالمة و المخاطبة بالألفاظ لإمكان كونهما بغير اللّفظ أمر يمكن دفعه أيضا بالضّرورة سلّمت لكن خطاب الله لآدم بعيد خلقته بل و مكالمة بعض الملائكة معه ليس ممّا ينكر بل القرآن المجيد صريح في خطاب الله للملائكة كآية الأمر بالسّجود فثبت أنّ طائفة من الألفاظ كانت موضوعة لمعانيها من دون مدخلية فيه للبشر و أيضا القرآن المجيد ممّا ليس للبشر في وضع ألفاظه مدخلية و قد ثبت بالقاطع وجودها قبل خلق البشر و من شواهده قوله تعالى‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بناء على كون المراد بالإنزال غير إنزاله إلى النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) لأنّه كان في أزمنة متعدّدة إلا أن يقال سبق وجوده على خلق البشر لا يستلزم كون واضع ألفاظه غير البشر فافهم (و أمّا الثّاني) فلأنا نعلم أنّ جملة من اللّغات من اصطلاحات أربابها فكيف يقال إن جميع اللّغات واضعها الله تعالى ثمّ إن هذا النزاع قد ذكر له في تمهيد القواعد فروعا عديدة لا نفهم مساسها بالنّزاع المعروف نعم لو حرّر النّزاع بأنّ اللغات هل هي توقيفية بمعنى وجوب حملها في المحاورات على ما يقتضيه وضع الواضع سواء كان هو الله أو غيره أم اصطلاحية أي جعلية منوطة في المحاورات على إرادة المتكلّم تمت الفروع الّتي ذكرها فارجع إليها و سدد النظر نعم قد يتوهّم للنّزاع المعروف ثمرة أخرى و هي أن الوضع لو كان توقيفيّا متلقّى من اللّه تعالى كان خبر الواحد و نحوه من الأدلّة الشّرعية حجة في الأوضاع اللّغوية كالأحكام الشرعية لجامع التوقيفية و فيه ما لا يخفى لأنّ الأمور الّتي لا يترتب عليها حكم شرعي يمتنع ثبوته بغير الدليل العلمي فإن أريد حجية خبر الواحد في إثبات اللّغة في موضوع لا يترتب عليه حكم شرعي فهي ممتنعة و إن أريد حجيتها في ما يترتب عليه حكم شرعي فهي غير متوقفة على توقيفية اللّغة و تلقيها من الشّارع و اللّه الهادي‏

الموضع الثّالث في الموضوع و فيه أبحاث‏

بديعة [الكلام في أنه هل للمركبات وضع أم لا]

نسب إلى جماعة من علماء العربيّة أن المركبات لا وضع لها و أنّه مختصّ بالمفردات لحصول المعنى التركيبي بوضع المفردات بعد ضمّ بعضها إلى بعض و هو الظاهر من المنية و محلّ النّزاع هي المركبات الإسنادية بأقسامها لا غيرها و لا بدّ من استثناء المركبات الّتي يغيّر التركيب معاني مفرداته و كالجمع المحلى باللام على القول بأنّه للاستغراق فإنّه ليس من المركّبات المزجيّة قطعا ضرورة كون التعريف أيضا مقصودا من أداته و كذا الجمعيّة من الصّيغة و إن كانت على نحو الاستغراق و مثل المضارع المجزوم بلم و نحوه ممّا يغيّر التركيب معان مفرداته و من أمثلته رقبة مؤمنة و نحوه من المركّبات التقييدية و التوصيفية على مذهب من يقول بأنّ مدلول الألفاظ المطلقة من المصادر و أسماء الأجناس هي المهية المطلقة الشّائعة كما هو ظاهر تعريف المشهور للمطلق لأن تقييد الطبيعة الشّائعة على شيوعها ممتنع فلا بدّ من القول بكونها في تلك المركبات مجازات كما هو صريح المحقق القمي (رحمه الله) أو التزام وضع آخر للفظ المطلق في حال التركيب المزبور مغاير لوضعه في تركيب آخر و لوضعه في حال الإفراد كما يأتي تنقيح الكلام في هذا المرام في بحث المطلق و المقيد فإن قيل بالتّجوز كان كسائر المجازات في دخولها في المركّبات المتنازع فيها إذ النزاع في وضع المركبات بالنّسبة إلى الإسناد التام أو الناقص المشتمل عليه الكلام يعم ما لو كان الطّرفان حقيقيّين أو مجازيين أو مختلفين و إن قيل بالثّاني أي يكون معنى المطلق في ضمن التّركيب مغايرا لمعناه الإفرادي كان حالها حال أخواتها المشار إليها في شمول البحث لها و الّذي يظهر من دليل النافين من كفاية أوضاع المفردات في إفادة المعنى المركّب كون الوضع فيها اتفاقيا لوضوح عدم إفادة ضمّ المفردات المشار إليها للمعنى المستفاد منها في حال التركيب فلا بدّ من استناد هذه المغايرة إلى وضع الهيئة مع إمكان استناده إلى وضع المفردات في حال التّركيب فيضرب مثلا موضوعة للدّلالة على الزّمان الماضي حال دخول لم الجازمة عليه لا أنّ الماضوية مستفادة من التركيب و الهيئة التركيبيّة و بينهما فرق واضح (و التحقيق) أنّ هذا القسم من المركّبات إن اشتمل على نسبة بين الطّرفين فهو داخل في محلّ النّزاع فعلى تقدير كون معنى رقبة في مثل رقبة مؤمنة مغايرا لوضعه الإفرادي كما هو لازم قول من يزعم أنّها موضوعة للطّبيعة الشّائعة السّارية يكون نحو قولنا رقبة مؤمنة من محل النّزاع إذ لا فرق بين المركبات التامّة و النّاقصة في ثبوت الوضع و عدمه و لم أجد أحدا فرق بينهما مع عموم أدلّة الطّرفين و إن لم يشتمل على النّسبة مثل الجمع المحلّى باللاّم و المضارع المجزوم و نحوهما ممّا حصل التركيب فيه من الحروف و الأسماء و الأفعال فهو خارج عن محل الكلام بمعنى عدم ثبوت الوضع له اتفاقيا فتلخص ممّا ذكرنا أن المركبات المتنازع فيها ما كان مركبا من اسمين سواء كان تامّا أو ناقصا أو من اسم و فعل (و أمّا) المركب من الحروف و غيره فالظاهر خروجه عن محلّ البحث إذ الحروف لا تصلح طرفا للنّسبة حتى تكون الهيئة التركيبية موضوعة لإفادتها كما هو كذلك في أكثر المركبات من الأسماء فإن أريد من وضع المركبات ما يعم ذلك فالاستثناء في محلّه و إلا دخل في محلّ النزاع (ثمّ) الدليل على عدم ثبوت وضع للمركبات ما عرفت من إغناء

52

أوضاع المفردات و أوضاع الحركات في إفادة المقصود عن التزام وضع آخر هذه خلاصة ما في المنية من الاستدلال (أقول) فيكون ارتكاب وضع آخر أمرا مستدركا كما لا يصحّ صدوره من الواضع مضافا إلى انسداد باب العلم أو الظنّ بمثل هذا الوضع بعد عدم مساعدة الاستعمالات أهل اللّسان له و لا الأمارات الّتي يستعمل في إثبات الأوضاع اللّغوية لأنّ غاية ما يقال هنا إنّ المتبادر من جملة زيد قائم مثلا ثبوت القيام له فتكون موضوعة لإفادته و فيه منع دلالة التبادر على ثبوت وضع مغاير لوضع المفردين مع ما بهما من اللواحق للهيئة التركيبية لأن وضعها يكفي في دلالتها على ثبوت النّسبة فمتى علم السّامع بوضع المفردات و وضع الحركات للنّسب و ارتسمت في ذهنه معانيها انتقل ذهنه إلى النّسبة و قد يستدل على ثبوت الوضع بأن المركبات تستعمل في معاني مختلفة بعضها يحتاج إلى القرينة دون الآخر و ذلك آية كونها موضوعة لذلك المعنى الّذي لا يحتاج إلى القرينة مثلا الجملة الاسمية لو خليت على حالها دلت على الإخبار فقد تستعمل في الإنشاء و إظهار التحزن و التذلّل و التحسّر و التخشّع و الضّعف كقول اللّه أكبر في مقام إظهار التعجّب و لا إله إلاّ اللّه عند البكاء و التحزن و أنا عبدك في مقام التذلل و عليل في جواب العارف بحال القائل السّائل عن حاله و نحوها (و أجيب) عن ذلك بأن الدّلالة على النّسبة من مقتضيات وضع المفردين و الحركات الموضوعة للدّلالة على الربط و سائر الفوائد إنّما يحتاج إلى القرينة لكونها اعتبارات زائدة عمّا يقتضيه أوضاع المفردات و الحركات فتبادر الإسناد من نفس الجملة لا يقتضي بوضع آخر لها غير وضع المفردات كما أنّ احتياج إفادة الفوائد المزبورة إلى القرينة لا يستلزم التجوز في المفردات و لا في الجملة إلا إذا لم يقصد من المفردات معانيها الحقيقية كما في قوله أنا عبدك فإنّ المراد بالعبد لازمه (قلت) الإخبار و الإنشاء معنيان متضادان و ليس أحدهما اعتبارا زائدا على الآخر و لا يجتمعان في مورد واحد و من الواضح أن وضع المفردات لا يقتضي شيئا منها فالإخبار في الجملة الاسميّة مستند إلى وضع المركب ثمّ قال (فإن قلت) إنّ الإسناد الحاصل في الجمل الاسميّة الخبريّة مما يدلّ عليه صريح العبارة مع أن أوضاع المفردات مما لا يدلّ عليه فليس ذلك إلاّ من جهة التركيب (قلت) ليس ذلك من جهة وضع المركب و إنما هو من جهة الطّوارئ الواردة على الكلمة إذ الظّاهر أن الأعاريب الواردة على تلك الكلمات هي الموضوعة بإزاء النّسب و رابطة بين الموضوع و المحمول و كذا سائر الارتباطات الحاصلة بين الكلمات إنما يستفاد من الأعاريب الواردة عليها انتهى مهذبا و ملخّصا (أقول) الظاهر أن السّؤال غير مدفوع بما ذكره في الجواب لأنّ أوضاع المفردات بنفسها غير كافية في إفادة النّسب باعترافه و كذا أوضاع الحركات بعد انضمام الألفاظ بعضها ببعض ضرورة عدم كفاية مطلق الضم بل لا بدّ في الضمّ من محافظة الطّرق المعهودة بين أهل اللّسان كتقديم المبتدإ و الفعل و نحوهما فالتركيب أي الترتيب على وجه مخصوص معلوم المدخلية في الدلالة على النّسب و لا ريب أن المدخلية في الجملة كافية في ثبوت الوضع للهيئة بل قد يقال إن الحركات إنما وضعت لتماميّة الكلمة و صحة استعمالها لا للدلالة على النّسب إذ يبعد التزام ألف وضع للتنوين وضع للفاعل و وضع للمبتدإ و وضع للخبر إلى غير ذلك من الموارد الّتي وظيفتها تنوين الاسم فيها فالظاهر أنّ معنى قول علماء العربية حق الفاعل الرفع مثلا أن الفاعل لا بدّ أن يكون مصحح استعماله و متمّمه هو الرّفع لا أنّ الرفع وضع للدّلالة على نسبة الفعل إلى فاعله و بينهما من الفرق ما لا يخفى فالأظهر أن الهيئات التركيبية لها مدخلية في إفادة النّسب بل هي مستقلة بالدلالة و الأحوال الإعرابيّة شرائط لاستعمال الألفاظ الموضوعة و ليست بموضوعة للدّلالة على النسب نعم الظاهر أنّ هذه المدخلية ليست بتعيين الواضع بل باستقرار طريقة المتحاورين و بنائهم على الكيفيات المخصوصة عند التعبير عن المراد باستعمال الألفاظ و أنت خبير بأنّ المقصود ليس إثبات الوضع للمركبات من الواضع و تعيينه بل من أيّ وجه كان هذا كلّه مضافا إلى تصريح غير واحد من علماء البيان بأن المجاز كما يتصوّر في المفرد كذلك يتصور في المركب مثل قول وليد بن يزيد مخاطبا و معاتبا لمروان أراك تقدّم رجلا و تؤخر أخرى و قول القائل أحياني اكتحالي بطلعتك و المجاز بلا وضع اتفاقي في البطلان نعم ذهب العضدي إلى أنّ المجاز في المركب يرجع إلى التجوز في المفردات و نسبه إلى المحققين و عليه بنى المجيب أيضا

حيث نزل قول من صرّح بالمجاز في المركب على ما سمعت من العضدي و شنع به على من خصّ التجوّز بالمركب دون المفردات (و التحقيق) أن المجاز في المركبات الّتي نصّ علماء البيان بكونها مجازات ليس على نسق واحد ففي بعضها يرجع إلى المفردات و في الآخر يرجع إلى الكفاية و في الثالث لا يرجع إلى شي‏ء أصلا ففي نحو قول الوليد أراك تقدم رجلا و تؤخر أخرى يرجع إلى التجوز إلى المفردات على نحو الاستعارة المصرّحة الّتي لا إشكال في كونها مجازا مثل رأيت أسدا إلا على مذهب السكاكي و ليس المقام قاضيا بتفاصيل القول فيه و من راجع إلى مظانّه علم أن ما ذكرنا مما ذهب إليه أولو البصائر في ذلك الفنّ و هكذا في كلّ مقام شبه فيه جملة بجملة فإن تشبيه المفردات يستلزم تشبيه الجملة و لعلّ المجيب نظره إلى مثل هذه الموارد و مثل المثال المتقدّم أعني أحياني اكتحالي بطلعتك يمكن فيه منع التجوز رأسا إلا في مادة الاكتحال فإنه استعارة عن الرّؤية و كذا في مثل أنبت الرّبيع البقل لأن غاية ما قيل في مجازيته إن إسناد إحياء إلى الاكتحال و إسناد الإنبات إلى البقل إسناد إلى غير من هو له (و فيه) أن المدار في الإسناد على مجاري العرف و العادة و الشي‏ء كما يسند إلى السّبب التام كذلك يسند إلى السّبب الناقص لأن المدخلية الناقصة مصحّحة عرفا للإسناد و ليس في‏

53

ذلك خروج عن وضع المفرد و لا المركب أ لا ترى أن قول القائل رأيت زيدا و قد رأى رأسه لم يتوهّم أحد التجوّز في مفرداته أو في إسناده مع أنّ الجمود على أوضاع المفردات يقضي باستيعاب الرؤية لزيد لأنّه موضوع لمجموع الشّخصي و كذا قوله جلست في الدار مع أن الأخذ بأوضاع المفردات يقضي بوقوع الجلوس في مجموع الدّار و لو قيل إن القرينة الخارجيّة من العقل أو العادة قضت بالدلالة على وقوع الجلوس في بعض الدّار قيل إن القرينة لا تنافي كون النّسبة مجازية و نحن ندعي أنه لا تجوز في أمثالها مطلقا لا في المفردات و لا في الإسناد و من هنا يظهر أن جعل قول اللّه تعالى‏ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏ من المجاز في الكلمة بعلاقة الكلّ و الجزء ليس على ما ينبغي لأنّ جعل الأصابع في الأذن يصدق عرفا بجعل الأنامل فيه كما يظهر أيضا أنّ قول القائل غسلت يدي و قد غسل ما تحت الزند ليس مبنيا على اشتراك اليد لفظا أو معنى بين الكلّ و الجزء و لا على التجوز في اليد أو في النّسبة بناء على كونها موضوعة لمجموع العضو لأن المفردات فيه باقية على حقائقها و كذا المركب بناء على ثبوت الوضع فيه لكن نسبته الغسل إلى اليد حقيقة في العرف و العادة إلى ما يعمّ الاستيعاب و التّبعيض لا بمعنى أنّها حقيقة عرفية بعد كونها حقيقة في الاستيعاب لغة بل بمعنى أن مجاري الإسناد أمر بيد العرف من ابتداء الأمر و الأمر التوقيفي المتلقى من الواضع هو وضع المفرد و الهيئة التركيبيّة الموضوعة للإسناد على اختلافه من حيث النقصان و التّمام و الإضافة و التوصيف و نحوها و دعوى أنها مسامحات عرفية و لو لم تكن مجازات لغوية من حيث المفرد أو من حيث المركب مجازفة فإن نحو لقيت العسكر إذا رأى بعضه ليس مبنيا على شي‏ء من التأوّل و التجوّز نعم الظّاهر أن مثل أنشبت المنيّة أظفارها مجاز عقلي يرجع إلى الإسناد لا إلى الكلمة كما هو واضح و لا في المركب لأنّ التركيب وظيفة الاستعمال في الإسناد و قد وقع في محلّه و أمّا ما يرجع إلى الكناية و نحوها من المركبات الّتي لم يقصد منها إفادة مدلولها المطابقي (فالتحقيق فيها) ما هو التحقيق في الكناية من كونها مجازا أو حقيقة فإن فسرنا الحقيقة بأنّها المستعملة في الموضوع له المقصود فهي مجاز و إلا فهي حقيقة و ذلك كالأخبار الّتي يقصد منها لازم الإخبار لا نفسه و لا لازم المفردات و هذا نظير الأوامر الابتلائية التي يقصد من إنشاء الطّلب فيها حصول أمر غير المطلوب فإن الظّاهر أنّها ترجع إلى نحو الكناية في مدلول المركب دون المفرد و كذا مثل قوله اللّه أكبر في مقام التعجّب فإن المتعجب كثيرا ما يستعمل هذه الكلمة إظهارا لتعجّبه بخلاف مثل قوله أنا عبدك في مقام إظهار الذلة لإمكان القول بأنّ العبد هنا كناية عن الذّلّة أو مجاز عنها فتحقق بما ذكرنا أن الحق في المسألة المتنازع فيها بين العلماء من استلزام التجوز في المركب التجوز في المفرد هو التفصيل و اللّه الهادي‏

بديعة ينقسم اللّفظ بملاحظة معناه إلى الجزئي و الكلّي‏

إلى المشكّك و المتواطي و قد عرفت في تقسيم الوضع بملاحظة الموضوع له تعريف الكلّي و الجزئي و أن النكرة داخلة في الثاني بناء على كونها موضوعة بوضع واحد و أمّا على تقدير كون النكارة من مقتضيات واضع التنوين خاصّة فالاسم المنكر داخل في الكلّي جدّا لكونه حينئذ من أسماء الأجناس و كذا المنوّن بتنوين التمكن فإنه أيضا كلّي فإنّ المراد بالنكرة المتنازع في جزئيتها و كلّيتها ما يدلّ على الفرد المنتشر لا مطلق النكرة و يمكن أن يقال إن التنوين دائما للتمكن و الفردية مستفادة من القرينة الخارجية إذ الفارق بين تنوين التمكن و تنوين التنكير ليس إلاّ القرائن المحفوفة بالكلام من الخارج و الداخل فلو لا قرينة الإخبار في مثل جاءني رجل و قرينة الطلب في مثل ادخل السّوق أو ادخل سوقا لم نفهم الفردية من حاق التنوين و إن أبيت عن صلاحيّة الطّلب لكونه قرينة على الفردية أبينا أيضا عن كون المراد بسوق فرده لأن الطلب كما يتعلّق بالفرد كذلك يتعلّق بالكلّي أيضا و التنوين عند المشهور كما يجي‏ء للتنكير يجي‏ء للتمكن أيضا و من أين يعلم أنّ المراد في مثل أكرم رجلا فرد الرّجل لا جنسه ثم إنّ الكلية و الجزئية كما تعرضان للأسماء كذلك تعرضان للحروف و الأفعال بالنّسبة إلى كلّ واحد من مداليلها الثلاثة و لم أجد من أحد التصريح باختصاصها بلفظ دون لفظ غير أن المحقق القمّي (رحمه الله) يظهر منه نسبة عدم عروضها للحروف إلى القوم و وجّه بأن عدم استقلال معاني الحروف يمنع عن اتصافها بالوصفين و فيه أولا أنا لم نتحقق صدق النّسبة المزبورة و إن ذكره بعض المنطقيين بل المحقق خلافه كيف و قد عرفت منازعة بعض المحققين مع العضدي في أن معاني الألفاظ الّتي ذهب المحققون إلى كون الوضع فيها عاما و الموضوع له خاصّا جزئيات حقيقية أو الأعم منها و من الجزئيات الإضافية و يبعد كلّ البعد اختصاص نزاعهم بغير الحروف و إن أراد من عدم تقسيم الحروف إليهما عدم وجود القسمين بينهما معا فهذا مطرد في جميع الألفاظ كما لا يخفى و ثانيا ما وجهه به من عدم استقلال معاني الحروف و لا مساس له بالمقام لأنه إن أراد أن عدم الاستقلال يمنع عن الاتصاف بهما في موارد الاستعمال فهو جيد لكن الكلام ليس في ذلك و إن أراد منه أنّه مانع عن الاتصاف بهما في الواقع فهو ممنوع و إلا امتنع الحكم عليها بعدم الاستقلال أيضا و إن أراد أن الجزئية و الكلية ليستا من الأمور المعتبرة في مداليل الحروف شرطا أو شطرا فهو يجري في الأسماء أيضا كما سبق إليه الإشارة في تقسيم الوضع الثانوي و قد يقال كما هو ظاهر عبارته إن المراد عدم اتصافها بهما استقلالا و إن اتصفت بهما تبعا لمتعلّقاتها و هو حق كما عرفت في السّابق لكن التبعية لا تنافي أصل الإنصاف فلا وجه لتخصيص التقسيم بغير الحروف هذا حال الحروف و أمّا سائر ما يشاركها في عمومية الوضع و خصوصية الاستعمال من الأسماء فالعموم و الخصوص حينئذ يتبع موارد الاستعمالات فلا وجه لإخراجها عن التقسيم أيضا كما فعله (قدّس سرّه)

54

لأنّ الموضوع له حينئذ نفس الخصوصيات و ليس لها معنى سواها حتى يلاحظ عدم الاتصاف بالنّسبة إليه هذا على رأي المتأخرين و أمّا على رأي القدماء فهي أيضا داخلة في التقسيم و قسم من الكلّي كما صرّح به صاحب المحصول فيما مضى و التواطي و التشكيك صفتان عارضتان للألفاظ بملاحظة نفس المعنى الموضوع له تارة و بملاحظة الاستعمال أخرى و الأوّل عبارة عن اختلاف صدق المعنى على أفراده بالأولية أو الأولوية أو الشدّة و الضّعف و عدمه و على هذا يجري استعمال لفظ التشكيك و التواطي في المنطق و الثاني عبارة عن اختلاف ظهور اللّفظ في أفراد الموضوع له و عدمه و هذا ما يقال إن إطلاق المطلق ينصرف إلى الفرد الشّائع و قد سبق في الوضع التعييني بيان مراتب الانصراف قيل و هذا اصطلاح من الأصولي فإن المشكّك عندهم ما يختلف ظهوره في أفراد الموضوع له (و فيه) تأمّل يظهر من قلّة موارد استعمال التشكيك في هذا المعنى لو لم نقل بعدمه رأسا و يمكن إرجاعه إلى الأوّل ادعاء لأن عدم انتخاب حكم المطلق إلى الفرد النادر مظنّة لتوهّم خروجه عن حقيقته فكيف عن ضعف صدقه عليه و لو كان وجود أصل الطّبيعة فيه آكد و أقوى بحسب نفس الأمر مثل لفظ الماء ممّا ينصرف إلى بعض أفراده أو أنواعه كغير ماء الكبريت و هذا الانصراف يوجب توهم خروج ماء الكبريت عن حقيقة الماء الّتي هي الجسم الرّطب السّيال و إن كان صدق هذه الحقيقة عليه مساويا لصدقه على غيره أو آكد ثم إنّه لا ريب في وجود التشكيك بالمعنى الأوّل و أمّا بالمعنى الثّاني ففي وجود بعض أقسامه و هو البدوي و كذا البالغ حد إجمال اللّفظ أيضا لا إشكال فيه نعم في وجود جميع مراتبه المشار إليها فيما تقدم حتّى المرتبة الموجبة لحمل اللّفظ على الفرد الشائع من دون بلوغه حدّ النقل إشكال غامض مذكور في باب المطلق و المقيّد و وجهه أن انصراف اللّفظ إلى بعض الأفراد دون بعض إن كان مستندا إلى القرينة لزم خلاف الفرض إذ المفروض اتصاف نفس اللّفظ بالتشكيك و مع استناد فهم الخصوصية إلى القرينة يكون نسبة اللّفظ إلى جميع أفراد الموضوع له متساوية و لو قيل إنّ هذا مجرّد اصطلاح كان جميع الألفاظ مشكّكة فيبطل التقسيم و إن لم يكن مستندا إلى القرينة فهو أمر ممتنع إلا بعد طرو النقل لاستحالة التّرجيح بلا مرجح و دعوى كون الشيوع مرجحا مبني على اعتبار مطلق الظّنّ بالمراد و لم يثبت إن لم يكن خلافه ثابتا و بقية الكلام يأتي في محله إن شاء الله و اللّه الموفق‏

بديعة ينقسم اللّفظ بملاحظة نفس الموضوع له أيضا إلى متحد المعنى و متكثره إلى المشترك و المنقول‏

و أمّا الحقيقة و المجاز فهما صفتان عارضتان للفظ بملاحظة الاستعمال لا بملاحظة نفس الموضوع له و من جعله من أقسام متكثّر المعنى كصاحب المعالم فأراد بالمعنى المستعمل فيه و يشكل حينئذ من حيث انحصار الألفاظ حينئذ في متكثر المعنى لجواز التجوّز فيها فتأمل و الصّواب هو ما قلنا و هذه اصطلاحات وضعوها لتأدية المراد بسهولة (أمّا) المشترك فله تعريفات أحسنها ما في غاية المرام و هو اللّفظ الموضوع لمعنيين ابتداء و الأولى زيادة قيد تفصيل لإخراج المبهمات و نحوها هذا هو المعروف في تعريف المشترك و زاد بعضهم قيد عدم المناسبة بين المعاني و لعلّه سهو أو أراد من عدم المناسبة عدم ملاحظتها و هو جيّد و المنقول و المرتجل يشاركانه في القيود عدا الأخير لاعتبار ترتب الوضعين و هجر الوضع الأول في الأول فالمنقول و المرتجل ما كان موضوعا لمعنى أولا ثم لمعنى آخر و يتفارقان في أن هجر المعنى الأول بحيث لو استعمل فيه احتاج إلى نصب القرينة كما في المجازات معتبر في الأول دون الثاني و أيضا ملاحظة المناسبة بين المعنى الأول و الثاني معتبرة في المنقول دون المرتجل هذا هو الصّحيح في حدّ المنقول و المرتجل و يظهر من المعالم أن المنقول و المرتجل قسم من أقسام المجاز حيث جعلهما و الحقيقة و المجاز مما يختص فيه الوضع بواحد فأورد عليه سلطان المحققين تارة بأنّه خلاف تصريح القوم لأنهم يقولون بأن المنقول و المرتجل من المعاني الحقيقيّة الموضوع لها الألفاظ و أخرى بأن استعمال المرتجل حينئذ غير صحيح لأن الاستعمال الصحيح ناش عن الوضع أو المناسبة و يمكن الجواب عنهما بعد تنزيل كلام صاحب المعالم (رحمه الله) على ما هو الغالب في المنقول من كون الوضع فيه تخصيصيّا لا تخصّصيّا بأنه مبني على ما أشرنا إليه في تعريف الوضع من اختصاصه بالتعييني و أن إطلاق الوضع على التعيين مبني على التجوّز باعتبار بعض العلائق الذي أشرنا إليها هنالك فلا منافاة بين كونه من الحقائق و عدم ثبوت الوضع له و ليس في كلامه ما يدلّ على عدم كونه حقيقة بل ظاهر قوله و إن غلب أو صريحه كونه حقيقة لأنّ المراد بالغلبة هجر المعنى الأوّل باعترافه و من الواضح أن هجر المعنى الأول يستلزم اختصاص اللّفظ بالثاني نعم لو قيل بأن المرتجل قسم من المشترك كما هو ظاهر الأكثر و صريح التفتازاني و القوانين أشكل ذلك بأن المعروف في تعريف المرتجل عدم اعتبار المناسبة بين المعنيين أو اعتبار العدم فلا بدّ أن يكون وضع المرتجل تخصيصيّا لأن التخصصي إنّما يحصل بالاستعمالات المجازية المبنيّة على ملاحظة المناسبة و هو متعذّر في المرتجل و جعل عدم المناسبة أيضا علاقة للتجوّز خروج من الفرض و هو كون الوضع في المرتجل غير مبني على ملاحظة المناسبة بالمعنى الأعمّ الشامل لعلاقة التّضاد و حينئذ يتجه المؤاخذة على عبارة المعالم في خصوص المرتجل دون المنقول ثمّ إن جعل المرتجل من أقسام المشترك مبني على عدم اعتبار هجر المعنى الأول في المرتجل لوضوح عدم مساعدة الاصطلاح على صدق المشترك على ما هجر أحد معنييه و إلاّ لدخل المنقول أيضا و هو خلاف ظاهر الأكثر و إن أدرجه التفتازاني في تعريف الحاجبي للمشترك و حينئذ فلا يبقى فرق بين المشتركين حتى يسمى بعضها

55

بالمرتجل دون بعض نعم لو قيل باعتبار عدم المناسبة بين المعنيين في المرتجل صحّ تقسيم المشترك إلى مرتجل و غيره و لكنّه كما ترى بعيد عن كلمات القوم أمّا أولا فلأن المرتجل في كثير من الكلمات قسيم للمشترك و أمّا ثانيا فلأنّهم يفرقون بين المنقول و المرتجل باعتبار المناسبة في الأوّل دون الثّاني و قد اعترف به المحقق القمّي (رحمه الله) حيث جعل أخذ عدم المناسبة في تعريف المرتجل تعسّفا و قد يقال إن المرتجل ما كان أحد وضعيه من الواضع و الآخر من العرف مع بقاء المعنى اللّغوي بأن كان اللّفظ في اللّغة موضوعا لمعنى ثمّ في العرف طرأ عليه وضع آخر لمعنى آخر ابتداء من دون ملاحظة مناسبة للمعنى اللّغوي فالمشترك على قسمين (أحدهما) ما كان جميع أوضاعه من الواضع (و الثاني) ما كان أحد الأوضاع من أهل العرف فالأول هو المشترك و الثاني هو المرتجل و هذا ظاهر التفتازاني و هو حسن هذا و يرد على تعريف المنقول دخول المشترك المشهور في بعض معانيه لأنّ غير المشهور يحتاج في إرادته إلى نصب القرينة (و يدفع أوّلا) بمنع صلاحية الشهرة لهجر بعض المعاني إلا على القول بالتوقف في المجاز المشهور أو الحمل على المعنى المجازي (و ثانيا) بأن المراد بالهجر ما يخرج إلى نصب القرينة الصّارفة لا مطلق القرينة (و كيف كان) فالمنقول بالمعنى الأعم أو الأخص ينقسم إلى تخصيصي و تخصّصي و قد سبق في تقسيم الوضع أن منشأ التخصّص ما ذا و أنّه الاستعمالات المجرّدة عن القرينة خلافا لبعض المحققين قال في القوانين و الثاني أعني التخصصي إنّما يثمر مع معلوميّة تاريخ التخصيص (و فيه نظر) أمّا أولا فلأن ثمرة النقل هو حمل اللّفظ على المنقول إليه و هذه الثمرة تترتب على النقل التخصصي مطلقا (أمّا) مع معلومية التاريخ فواضح (و أمّا) مع عدمها فلأن أصالة تأخّر زمان الاستعمال عن زمان حصول التخصيص يقتضي حمل اللّفظ على المعنى الثاني و لا يعارضه أصالة عدم المتخصص في زمان الاستعمال لأنّ التخصص ليس بحادث مستقلّ في عرض الاستعمال بل هو من قبيل لوازم الماهيّات التي جريان الأصل فيها يتبع جريانها في ملزوماتها و المفروض عدم جريان الأصل هاهنا في ملزوم التخصص الّذي هو الاستعمال إذ لا ريب في بلوغ الاستعمالات درجة النّقل (و إنّما الكلام) في الاستعمال الّذي بلغ اللّفظ عنده درجة النقل إلاّ أن يقال إن الأصل في اللازم إنما يلغى إذا كان الملزوم مجرى له (و أمّا) مع عدم جريانه في الملزوم فهو يجري في اللازم فيقال إن الأصل عدم حصول صفة التخصيص قبل الاستعمال لا عدمها بالاستعمالات السابقة فافهم (و أما ثانيا) فلأن الأصل في مجهولي التاريخ التقارن و ليس هذا من الأصل المثبت لأنه إنما يكون في إثبات الأحكام الشّرعية بواسطة اللّوازم العقلية و المقصود من الأصول في هذه المقامات ترتيب غير الأحكام الشرعية كحمل اللّفظ على المعنى الحقيقي أو المجازي فإذا ثبت التقارن تعيّن كون المراد هو المنقول إليه أيضا لأن الاستعمال المقارن لحصول النقل في النقل التخصصي لا يتصوّر إلاّ في المعنى المنقول إليه كما يظهر بالتأمّل (و أمّا ثالثا) فلأنّ اعتبار هذا الشّرط أعني معلوميّة التاريخ في الأول أولى لأنّه إذا جهل التاريخ تعارض أصالة عدم الاستعمال قبل النّقل و أصالة عدم النقل أعني التخصيص قبل الاستعمال و لا يتصوّر فيه التقارن أيضا إلا على بعض الوجوه البعيدة فالتقييد هنا يجعل الكلام من قبيل الإنسان الأبيض إذا نام لا يبصر شيئا إذ لا يتصوّر للتقييد به فائدة مع كون الحكم في المسكوت عنه أعني الأول أولى (و قد يعتذر) عنه بأنّ الأول أعني النّقل التخصيصي في العرف بعيد عن مجازي العادة و إنما هو فرضي مبني على مجرّد الإمكان و على تقدير وجوده فالعادة تقضي بضبط تاريخه كما هو الشّأن في كلّ أمر بديع يخترعه الرّئيس فلا يتصوّر فيه جهل التاريخ إلاّ على وجه النّدرة الّتي لا يلتفت إليه بخلاف الثاني فإنّ الغالب فيه لو لم يكن هو الجهل بالتاريخ فلا أقلّ من مساواته لصورة العلم فهو المحتاج إلى شرط معلومية التاريخ دون الأوّل و هو جيّد بل لا بدّ في إخراج كلامه عن الاستهجان الفاحش من الحمل عليه و لكنّه بعد موقوف على صحّة ما أشرنا إليه من أصالة عدم حصول التخصيص قبل الاستعمال و الله الهادي‏

القول في الحقيقة و المجاز

و هما صفتان عارضتان للألفاظ بملاحظة الاستعمال و الكلام في تعريفهما و في أقسامهما و في الطّرق المثبتة لهما و بعض ما يناسب ذكره في المقامات الثلاثة

بديعة [الكلام في تعريف الحقيقة و المجاز]

[أما الحقيقة]

الحقيقة لغة فعلية من حق بمعنى الفاعل أو المفعول و التاء للتأنيث على الأول و ناقلة على الثاني لاستواء المذكر و المؤنث في التفعيل بمعنى المفعول و يمكن أن تكون ناقلة على الوجهين و لعلّ السّر في عدم التفاتهم إليه أن الأصل في التاء أن تكون للتّأنيث فلا يصار إلى غيرها مع إمكان إبقائها على أصله كما على الوجه الأوّل و مع عدم الإمكان كما على الوجه الثاني تتعيّن أن تكون ناقلة أو شيئا آخر (و فيه) أن لفظ الحقيقة بعد نقلها إلى المعنى الاصطلاحي تشبه بالجوامد لعدم كون الملحوظ فيها بعد النقل ما يقتضيه وضعه الأصلي أعني الوصفية و إن كانت تلك الملاحظة معتبرة في إطلاقها عليه قبل تحقق الوضع و بعد غلبة الاسميّة على الوصفية لا معنى لمراعاة مطابقتها للموصوف المقدر في التأنيث حتّى تكون التاء علامة لتلك المطابقة فتعين كونها ناقلة و لو أغمض عن ذلك و جوّز المطابقة ففي مراعاة الجهة الاسميّة العارضة لها أيضا وجه مصحّح لجعل التاء فيها ناقلة و كونها للتأنيث على الثاني أيضا وجه في شرح التلخيص محكي عن صاحب المفتاح و اصطلاحا هو اللّفظ المستعمل في ما وضع له من حيث إنّه كذلك و هذا أحسن من تعريف الحاجبي و من تبعه حيث عرفوها باللّفظ المستعمل في وضع أول لاشتماله على جملة من التأويلات الغير اللاّئقة بالحدود كما يظهر

56

للمتأمّل المتتبّع و المراد باللّفظ ما يعم المادة و الهيئة و المفرد و المركب بناء على ثبوت الوضع للمركبات و خرج بقيد الحيثية اللّفظ المستعمل في الموضوع له المهجور مع القرينة لأنّه مستعمل في ما وضع له لكن لا من الحيثية المزبورة و يمكن استدراك هذا القيد لأنّ المتبادر من الاستعمال في الموضوع له كونه كذلك في زمان الاستعمال خصوصا إذا أبدلنا قولنا ما وضع له بالموضوع له لأن المشتق مجاز فيما انقضى عنه المبدأ على التحقيق و يدفع بأنّه لو لا قيد الحيثية لانتقض التعريف بما إذا استعمل لفظ موضوع لمعنى في اصطلاح في المعنى الّذي وضع له في اصطلاح آخر فإنه مجاز قطعا مع أنه لفظ مستعمل فيما وضع له في زمان الاستعمال لكن لا من حيث إنّه موضوع له و كذا ينتقض بما إذا استعمل المشترك في أحد معنييه بعلاقة الآخر لا بملاحظة الوضع لأنّ المستعمل فيه في هذا الفرض موضوع له اللّفظ في زمان الاستعمال و من هنا يظهر أن قيد الحيثية أولى من إخراج ما ذكر بقيد في اصطلاح به التخاطب إذ لا يحصل به الاحتراز عن الفرض المزبور إلا أن يمنع صحّة هذا الاستعمال لأنّ العدول عن السّبب القوي أعني الوضع إلى السّبب الضّعيف أعني العلاقة أمر غير معهود و فيه أن جميع المجازات كذلك لأنّ العدول عن الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني المجازية إلى الألفاظ المجازية عدول عن السّبب القوي إلى الضّعيف لتحصيل مزايا المجاز نعم يمكن أن يقال إن الفرض المزبور ممّا لا يتعلّق به تلك المزايا في المحاورات إذ المشترك لا بدّ له من القرينة المعينة فإذا استعمل في أحد معنييه بملاحظة العلاقة لا الوضع فهذه الملاحظة لا يمكن الوصول إليها بالقرينة القائمة المعينة و نصب قرينة أخرى دالّة على الملاحظة المزبورة خارج عن حدّ قرائن التجوز لأنّ قرينة المجاز قرينة على إرادة المعنى المجازي لا على التجوّز و إن دلّت عليه بالتبع بل نصب القرينة على التجوّز يخرج الكلام عن فائدة المجاز مثلا إذا قيل ائت عينا جارية ثم قيل إن الملحوظ في هذا الاستعمال العلاقة دون الوضع نصبا للقرينة الثانية خرج عن اللّطف المطلوب في المجازات و دخل في المضحكات و أيضا فوائد المجاز إنما تترتب عليه لما فيه من الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي باعتبار القرينة الصّارفة و ليس ما نحن فيه كذلك فافهم فلا وجه للعدول من قيد الاصطلاح الّذي اعتبر القوم إلى قيد الحيثية كما فعل بعض الأجلّة

و أمّا المجاز

لغة فهو مفعل من جاز بمعنى تعدّى نقل أولا إلى الجائز بعلاقة الكلّ و الجزء (ثمّ) إلى المعنى الاصطلاحي المقابل للحقيقة كذا قيل و ظاهر التفتازاني هو النّقل إلى المعنى الاصطلاحي خاصة و هو مطابق للأصل مع عدم قيام شاهد على النّقل الأول و يعلم حدّه بالمقابلة بعد جعل المقسم الاستعمالات الصّحيحة لأن الاستعمال الصّحيح إذا لم يكن على وجه الحقيقة فلا بدّ أن يكون على وجه المجاز هذا هو الكلام في تحديد الحقيقة و المجاز

بقي الكلام في الكناية

و ما يشبهها من أنواع المبالغة و البلاغة فقيل إنها قسم ثالث واسطة بينهما عند البيانيين دون الأصوليين و فيه أن مغايرة اصطلاح الأصولي في لفظي الحقيقة و المجاز لاصطلاح البيانيين و سائر علماء الأدب غير ثابتة بل الظّاهر الاتحاد لأنّ تعريف الأصوليين لهما عين ما عرّفهما به البيانيّون كما لا يخفى على المتتبع نعم الأنسب بمقاصد الأصوليين جعل الكناية قسما من المجاز لأنّ غرضهم من تقسيم اللّفظ إلى الحقيقة و المجاز تمييز ما هو الأصل في الاستعمال عن غيره حتّى ينفع في الاستعمالات الخالية عن القرائن فكلّ ما يجري على خلاف الأصل في الاستعمالات فالأنسب إدراجه في المجاز المصطلح حقيقة لا حكما سواء كان المستعمل فيه هو المعنى الموضوع له أم لا لكن في تعريفه قصور عن التناول له بناء على ما ستعرف من أن الكناية لفظ مستعمل فيما وضع له فيختل تعريف كلّ من الحقيقة و المجاز (و أمّا) البيانيون فمنهم من جعل الكناية قسما من الحقيقة و هو ظاهر تلخيص المفتاح و منهم من جعلها واسطة بينهما و هو صريح محكي المفتاح قال المراد بالكلمة المستعملة إمّا معناها وحده و إمّا غير معناها وحده أو معناها و غير معناها و الأوّل الحقيقة و الثاني المجاز و الثالث الكناية و الحقيقة و الكناية يشتركان في كونهما حقيقتين و يفترقان في التّصريح و عدم التصريح و يمكن إرجاع عبارة التلخيص إلى ذلك و هو مرضي التفتازاني إلا أنه جوز في الكناية خلوّها عن إرادة معناها الحقيقي لصحّة قولنا فلان طويل النجاد و إن لم يكن له نجاد بل هو ظاهر التلخيص أيضا حيث فسّرها بلفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه فإنّ لفظ الجواز صريح في عدم التعيين و يمكن حمل ما سمعت من المفتاح على ذلك خصوصا مع ملاحظة ما ذكره من عدم إرادة المعنى صريحا في الكناية فإنه مبني على كون المقصود الأصلي من الكناية إرادة اللاّزم و أن إرادة المعنى مقصودة تبعا و حينئذ فيطابق الكلمة في أنّ الكناية قد يراد به المعنى الحقيقي و المجازي معا و قد يراد به المعنى المجازي خاصّة و إلى ذلك يشير قولهم في مقام الفرق بينهما و بين المجاز أن المجاز ملزوم لقرينة معاندة لإرادة المعنى الموضوع له دون الكناية يعني أن الكناية لما كانت جامعة بين الحقيقة و المجاز دائما أو أحيانا لم تكن ملزومة للقرينة المعاندة و إلا فيتعيّن أن يراد بها خصوص المعنى اللاّزمي المجازي فيخرج عن إفادة الغرض الكنائي (قلت) إذا عرفت هذه الكلمات فيرد على ظاهرها إشكالات (الأوّل) أن استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي و المجازي غير صحيح عند الأكثر فكيف يراد بالكلمة الواحدة معناها و غير معناها في الاستعمال الواحد كما صرّح به صاحب المفتاح و ارتضاه التفتازاني و ليس ذلك مبنيا على جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى لأنه على تقدير جوازه غير واقع أو داخل تحت الكلام الغير الفصيح و الكناية مع كثرتها من طرق الفصاحة و البلاغة (و الثّاني) أن الكناية إذا كان المراد بها خصوص‏

57

المعنى اللاّزمي كما جوّزه التفتازاني فما المائز بينه و بين المجازات في كيفية الاستعمال و إن فرق بينهما بوجود القرينة المعاندة و عدمها فمع أنّه فرق لفظي لا معنويّ لا يتم لأنّ الكناية المقصود بها المعنى اللاّزمي خاصّة لا بدّ أن تكون مقرونة بالقرينة المعاندة لئلاّ ينتقض الغرض (و الثالث) أن الكناية على أيّ قسم كان خلاف ما يقتضيه أصل وضع الكلام و كلّ مخالف للأصل لا بدّ أن يكون مقرونا بالقرينة و القرينة لا تكون إلا معاندة لما يقتضيه الأصل لأنّ الكلام إذا لم يكن معه ما يعاند وضعه الأصلي فلا يصرف عنه إلى غيره فما معنى قولهم في الفرق بين الكناية و المجاز بأن الثاني ملزوم للقرينة المعاندة دون الأول و أيضا تعريف الحقيقة و المجاز مطلقا حتّى في العلوم الأدبية في طرفي النّفي و الإثبات أعني الاستعمال في الموضوع له و عدم الاستعمال فكيف يقال بكونها قسما ثالثا و لا بدّ في كشف الغطاء عن حقيقيّة المقام من تمهيد مقدّمة موضحة للمرام (فنقول) إن في مقام التكلّم و التحاور أمورا ثلاثة ذكر اللّفظ و إضمار المعنى و الغرض الدّاعي ثمّ الغرض الدّاعي قد يكون هي الإفادة و قد يكون غيرها كالإغراء بالجهل و محافظة النفس أو العرض كما في بعض أقسام التّورية و التقية و الإكراه و غيرها من الوجوه الخارجة عن وجوه الإفادة و غرض الإفادة أيضا على أقسام ثلاثة لأن المقصود من الكلام قد يكون إفادة معناه و قد يكون إفادة لازم المعنى و قد يكون إفادة لوازم الحكم و الإخبار و يحصل من الملفق من الوجوه الثلاثة احتمالات زائدة و الكلام هنا ليس فيها إذا عرفت ذلك (فاعلم) أنّ استعمال اللّفظ في المعنى عبارة عن الأمرين الأوّلين أعني ذكر اللّفظ و إرادة المعنى و إضماره في النفس و أمّا غرض الإفادة فالظّاهر عدم اعتباره في حقيقة الاستعمال المذكور في تعريف الحقيقة و المجاز لبداهة أن المورّي و المتقي و المكره مثلا قد يقصدون من الألفاظ معانيها فلا يصحّ سلب الكلمة المستعملة عمّا يجري في ألسنتهم تورية أو تقية أو إكراها (فإن قلت) إن المورّي لا ضرورة داعية له إلى إضمار المعنى لأنّ الإغراء بالجهل الّذي هو المقصود باستعمال اللّفظ المجرّد عن القرينة مثلا يحصل سواء أضمر المعنى عند استعمال الكلمة أو لم يضمر و كذا المتقي و المكره فإذا لم يكن هناك إرادة المعنى و إضماره في النفس لم يتحقق حقيقة الاستعمال لوضوح اعتباره في صدق الاستعمال و لذا لا يصدق على كلام النائم و الهازل و العابث و اللاّعب و أمثالهم أنّها كلمة مستعملة (قلت أوّلا) إنّه منقوض بما إذا كان الغرض من الكلام إفادة اللاّزم فإنّ إرادة المعنى حينئذ و إضماره في النّفس لغو صرف أيضا لا مساس له بغرضه الّذي هو الانتقال إلى اللاّزم لكونه قهريّا حاصلا من ملاحظة السّامع وضع اللّفظ أو ملاحظة القرينة و ستعرف جلّ ذلك (و ثانيا) أنا نتكلّم على تقدير إرادة المورّين معنى من اللّفظ و إضماره في نفسه كما هو المحسوس بالوجدان في حال التورية و كذا حال التقية و نحوها و ندّعي صدق الاستعمال حينئذ مع عدم كون غرضه شيئا من الإفادات بالنّسبة إلى المعنى المنوي بل محض الإغراء بالجهل فظهر أن صدق استعمال اللّفظ في المعنى لا يتوقف على كون المقصود من الكلام أصل الإفادة فضلا عن إفادة ذلك المعنى نعم الظاهر اعتبار أصل الغرض في الجملة في صدق الاستعمال لعدم صدقه على مثل ما يصدر من العابث و الهازل فضلا عن النائم و أمّا الإشكال المشار إليه فينحسم بعد النّقض بما إذا قصد من الكلام إفادة المعنى لا إفادة لازمه أو لازم الحكم لعدم ضرورة داعية له إلى قصد المعنى من اللّفظ أي إضماره عند التلفظ بل لو ذكر اللّفظ الموضوع فبمجرّده يحصل إفادة المعنى و لو لم يقصدها أوّلا بأنه شبهة في قبال البديهي لأنا نشاهد بالعيان أنّ المعاني كثيرا ما تكون مضمرة في النّفس في الصّورة المشار إليها (و استوضح الحال) بالمراجعة إلى وجدانك في تلك الحالات فإنّك إذا أردت التكلّم على وجه التورية نويت من اللّفظ معنى يخالف ظاهره أو التكلّم على وجه التّقية أردت من اللّفظ معناه و يدل عليه مضافا إلى البداهة ما اتفق عليه الكلّ من جواز الكذب للضّرورة مع أنّ المضطرّ إلى الكذب لا ضرورة له إلى قصد المعنى فإنّ ضرورة الكذب تندفع بمجرّد إصدار اللّفظ الظّاهر في معناه الموضوع له مثلا سواء قصد المعنى معه أم لا و مثله المتفق عليه من عدم صحّة طلاق المكره و بيعه و نحوهما من العقود و الإنشاءات مع أن أثر الإكراه إنّما يتوجه إلى اللّفظ فالغرض الداعي‏

إلى إجراء صيغة الطّلاق عند الإكراه إنما يحصل بمجرّد ذكر اللّفظ لأن قصد المعنى أمر قلبي لا يعقل الإكراه عليه فلا يتصوّر للطّلاق المكره عليه حينئذ مصداق خارجيّ و ثانيا أن المورّي و المتقي و المكره و الملجأ إلى الكذب قد لا يكون ملتفتا إلى تجريد اللّفظ عن المعنى فينوي المعنى حينئذ باعتبار جريان العادة على إرادة المعاني من الألفاظ المستعملة لأنّ قصد المعنى من اللّفظ أمر عادّي للإنسان فالباعث على قصد المعنى و الداعي إليه في تلك الأحوال و ما شابهها هي العادة الجارية في العرف و هذا مثل تقييد المطلقات بالقيود المتعارفة الغالبة الشّائعة مع عدم قصد الاحتراز منها فكما أن ذكر بعض الألفاظ ليس إلا لمجرّد قضاء العادة و التعارف كذلك قصد المعنى في بعض الأحيان إنّما هو باعتبار جريان العادة فالباعث له حينئذ ليس غرض الإفادة فظهر ممّا ذكر أن قصد المعنى شي‏ء و تعلّق القصد بإفادته من الكلام شي‏ء آخر فالمقصود بالإفادة قد يكون عين المستعمل فيه و قد يكون غيره و قد يكون واحد أو قد يكون متعدّدا و إن منعنا عن تعدّد المستعمل فيه كما هو الأشهر إذ لا ملازمة بين عدم جواز تعدّد المستعمل فيه و عدم جواز تعدد المقصود بالإفادة فإنّ الثّاني أمر غير منضبط يختلف باختلاف مقتضيات الأحوال بخلاف الأوّل فإنّه أمر توقيفي‏

58

متوقف على الرخصة الوضعيّة شخصا كما في الحقائق أو نوعا كما في المجازات إذا تحقق ذلك فاتضح دفع الإشكالات المزبورة برمّتها (أمّا الأوّل) فلأن قول صاحب المفتاح منزّل على تقسيم المقصود بالإفادة لا تقسيم المستعمل فيه و كيف لا يكون كذلك مع أن عدم استعمال اللّفظ في معناه الحقيقي و المجازي قد فرع على سمع كلّ أديب و أصولي و ليس كلامه هذا مبنيا على اختياره جواز الاستعمال فإنّ سبق الكلام لإفادة اللاّزم و الملزوم أمر معتاد عند البلغاء مرضي عند العلماء طرّا و جواز الاستعمال في المعنيين بمكان من الشّذوذ قائلا و مقولا و بالجملة إرادة المعنى في باب الكناية لا يراد بها استعمال اللّفظ في المعنى بل يراد بها تعلّق الغرض بإفادته فصار حاصل كلام السّكاكي أن المعنى المقصود بالإفادة إمّا أن يكون معنى اللّفظ الحقيقي أو المجازي أو هما معا فالأوّل هي الحقيقة و الثاني هو المجاز و الثالث هي الكناية نعم في تطبيق كلامه على ما قلنا بعض التكلّفات الّذي يظهر للمتدرّب (و أمّا الثّاني) فلأنّ الفرق بين المجاز و الكناية المراد بها خصوص اللاّزم هو أن المستعمل فيه و المقصود بالإفادة في المجاز معنى واحد و هو اللاّزم و في الكناية معنيان أحدهما المستعمل فيه و هو الملزوم و الثاني المقصود بالإفادة و هو اللاّزم لا يقال الكناية الّتي أريد بها اللاّزم خاصّة كيف تكون مستعملة في معناه الحقيقي مع عدم وجوده مثل قوله طويل النّجاد حيث لا نجاد له (لأنّا نقول) عدم وجود المعنى إنّما يمنع عن تعلّق القصد بإفادته من اللّفظ لا مجرّد قصده و إضماره مقارنا لحال صدور اللّفظ فافهم هذا بحسب المعنى و أمّا بحسب الظاهر فبالقرينة الكاشفة عن الاتحاد و عدمها فإن قامت على استعمال اللّفظ في اللاّزم الّذي هو المقصود بالإفادة فهو المجاز و إلاّ فهي الكناية لأنّ الاستعمال عند عدم القرينة محمول على وجه الحقيقة (و أمّا الثالث) فلأنّ المراد بالقرينة المعاندة للمعنى الحقيقي في المجاز دون الكناية هي الّتي تعاند كون المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة فإنّها أمر لازم في المجاز لأنّ المقصود منه إفادة المعنى المجازي خاصّة بخلاف الكناية فإنّها لا تستدعي ذلك و إن كانت تجامعها أحيانا مع كون المستعمل فيه خصوص المعنى الحقيقي أو يقال إن قرينة المجاز تعاند كون المعنى الحقيقي مستعملا فيه و الكناية ليست ملزومة لمثل هذه القرينة لأنّا بيّنا الاستعمال في المعنى الحقيقي في جميع أفراد الكناية حتّى ما قصد به إفادة خصوص اللاّزم و هذا أوضح إلا أن اللاّزم أن يفرقوا بينهما بأنّ المجاز ملزوم للقرينة المعاندة و الكناية لعدمها لا أنّها ليست بملزومة له فافهم و ذكرت هذا الإشكال لبعض فضلاء العصر في فن البيان (فأجاب) بما ذكره السّلطان من أنّ المجاز يلازمها قرينة معاندة لإرادة المعنى الحقيقي مطلقا مستقلاّ و منضمّا مع إرادة المجاز و الكناية لا تستدعي مثل هذه القرينة بل قرينة معاندة لإرادته مستقلاّ خاصّة و كلام علماء البيان مبني على جواز استعمال اللّفظ في المعنيين و هو كما ترى (و أمّا) الإشكال الرابع فالظاهر وروده على من جعلها واسطة بين الحقيقة و المجاز لأنّ الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضع له باتفاق ما عثرت عليه من تعريفاتها و قد عرفت أن جميع أقسام الكناية مستعملة فيما وضع له إلاّ أن يقال إنّ الحقيقة هي الكلمة المستعملة في الموضوع له الّذي قصد إفادته من الكلام خاصّة لا مطلقا و كذلك المجاز و إنّما تركوا هذا القيد في تعريفها ثقة بما هو الغالب المتعارف من اتحاد المستعمل فيه مع المقصود بالإفادة فيخرج قسما الكناية لعدم كون الموضوع له خاصّة مقصودا بالإفادة فيها و هو حسن إلاّ أن الأوثق بكلمات القوم كون الكناية قسما من الحقيقة المصطلحة و إن شاركت المجاز في الاحتياج إلى القرينة (و لبعض) المحققين هنا تحقيقات باكرة و إفادات فاخرة و محصّل مجموع ما ذكره بعد المساعدة على ما ادّعينا من تعلّق القصد أحيانا بإفادة غير المستعمل فيه هو أن مناط الاستعمال الحقيقي كون المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة بالذات فما كانت من الكناية من هذا القبيل فهي داخلة في الحقيقة و إن قصد معه إفادة اللاّزم أيضا بالتبع و ما كان منها مسوقة لإفادة اللاّزم كذلك فهو مجاز و إن تقدّمه إرادة المعنى الحقيقي صورة و وصلة إليه لصدق حدّ المجاز المعروف عليه هذا في الكلام الذي يقصد به إفادة لازمه و أمّا ما يقصد به إفادة لازم الحكم أو نحوه من الفوائد اللاّزمة لنفس الإخبار دون المخبر به كالتلذّذ و أمثاله فهو داخل في الحقيقة لكون اللّفظ حينئذ مستعملا في المعنى الحقيقي و إن قصد به إفادة لوازم الإخبار دون المخبر به (أقول‏

) يرد عليه (أوّلا) أنّه إذا قصد من الكلام إفادة المعنى و لازمه على وجه الاستقلال فعلى ما ذكره يخرج عن كونه كناية معتبرة و كان من الاستعمال في المعنى الحقيقي و المجازي لأنه فسّر الاستعمال في تعريفي الحقيقة و المجاز بإطلاق اللّفظ و قصد إفادة المعنى أولا و بالذّات و من الجائز تعلّق القصد كذلك بإفادة اللاّزم و الملزوم معا و دعوى عدم صحّة مثل هذا الاستعمال مع مجازفتها نظرا إلى شيوع مثل ذلك في المحاورات خصوصا في ألسنة البلغاء يدفعها ظاهر كلمات القوم فإنّهم يعرفون الكناية بذكر اللّفظ و إرادة اللاّزم مع جواز إرادة الملزوم من دون إشارة إلى أولية و آخرية بين الإرادتين و قد عرفت كلام صاحب المفتاح و تصريحه بأن الكلمة المستعملة إذا أريد بها معناها و غير معناها فهي الكناية فإن زعم أنّ ما ذكره مراد القوم فلم نجد عليه شاهدا بل وجدنا الشهادة على خلافه و إن أراد تخطئتهم فالخطب سهل إذا أغمضنا عمّا نجد من شيوع هذا الاستعمال (و ثانيا) أنّ الفرق بين الكلام المقصود به إفادة لازم الإخبار و لازم المخبر به لم يأت في إثباته ببيان موجّه فلو كان‏

59

الثّاني داخلا تحت المجاز لزم أن يكون الأوّل أيضا كذلك مع أن فساد التّالي معلوم لعدم صدق المجاز عليه بل لا يشاركه في الحكم أيضا فلو شككنا في أنّ المقصود من الكلام إفادة الحكم أو لازمه فليس هنا أصل يرجع إليه كما لو شككنا في صدق الكلام و كذبه نعم إذا شككنا في القسم الأوّل و أنّ الكلام مسوق لإفادة المعنى أو لإفادة اللاّزم فالأصل هو الأوّل كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى فالثاني داخل في حكم المجاز و خارج عن حدّه بخلاف الأوّل فإنّه خارج عنهما فالأظهر في حسم الإشكالات على وجه جامع بين الكلمات ما اخترنا في تفسير الاستعمال و أنّ المقصود بالإفادة غير المستعمل فيه يتحدان و يتفارقان بتعدّد الأوّل دون الثّاني‏

تنبيهات‏

الأوّل‏

إذا قامت قرينة على عدم إرادة المعنى الموضوع له لا أصالة و لا وصلة إلى الانتقال إلى اللاّزم مثل قوله فلان طويل النجاد إذا لم يكن له نجاد أو ممدود الظلّ في مقام بيان شجاعته أو علوّ شأنه و رفعة قدره فالظّاهر خروجه عن الكناية المصطلحة لوجوب محافظة إرادة المعنى الحقيقي و لو صورة في جميع أقسامها كما اتضح فما ذكره التفتازاني من كونه كناية مبني على ما إذا أريد معنى الحقيقي و صلة إذ قد عرفت في الجواب عن الإشكال الثاني إمكان ذلك و أن الممتنع كون طول النجاد مراد بالأصالة نعم الظّاهر عدم كونه مجازاً أيضا لا في الكلمة و لا في الكلام و لاستعمال كلّ من الألفاظ فيما وضعت له حتى المركب على القول بوضعه للإسناد لأنه قد استعمل في محلّه فهو إمّا مجاز في الإسناد أو حقيقة ادعائية نظير قوله (عليه السلام) أنشبت المنيّة أظفارها

الثاني‏

أنه يجوز استعمال الكلمة كناية عن معنيين أو أزيد إذا كان بينها و بين الموضوع له المناسبة المصحّحة لها عند أهل اللّسان فليس كاستعمال اللّفظ في المعنيين على القول بمنعه لأنّ حقيقة الكناية و ما شابهها ترجع إلى الأغراض و الدّواعي الباعثة على الكلام المصدري لا إلى استعمال اللّفظ في المعاني المتعدّدة و هل يتوقف جوازها على ترخيص الواضع كما هو الحال في استعمال اللّفظ في المعاني المجازية فلو كني عن معنى غير معهود بين أهل اللّسان نوعا أو صنفا كان غلطا من الاستعمال أم يجوز الكناية عن كلّ معنى بدا للمتكلّم صرّح بعض المحققين بالثّاني و فيه نظر لأنّ وضع المحاورات من الحقائق و المجازات و الكنايات و نحوها كلّها على مجاري العرف و العادة و إن لم يلزم بلوغ الآحاد أو التّخصيص من الواضع و بالجملة الفرق بينها و بين المجازات مشكل‏

الثالث‏

أنّه كما يقصد في الإخبار إفادة غير المستعمل فيه فيختلف المقصود و المستعمل فيه مثل بعض أقسام الكناية و مثل الكلام المسوق لإفادة لازم الحكم كذلك يقصد في الإنشاء التّوصل إلى غير الموضوع له الّذي استعملت فيه الكلمة فيستعمل صيغة افعل مثلا في الطّلب و يكون المقصود منه حصول شي‏ء غير المطلوب فهذا أيضا حقيقة لغوية و إن كان ملحقا بالمجاز في الافتقار إلى القرينة كما هو الشأن في الأوامر الابتلائية و بعض أوامر التقية على أحد الوجهين و أقواهما بل يمكن إرجاع أكثر ما ذكروه لصيغة افعل من المعاني العشرة أو أزيد إلى حقيقتها اللّغويّة و هي الطّلب بأن يكون الاختلاف بينها في المقصود لا في المستعمل فيه كما عرفت و سيجي‏ء إن شاء الله تعالى لكن هذا موقوف على كون الطّلب غير الإرادة و إلا فالاختلاف في موارد استعمالها حاصل في نفس المستعمل فيه دون الغرض و مثل صيغة افعل أدوات سائر الإنشاءات و أسمائها فيمكن إبقاء الاستفهامات و الترجيات الواقعة في القرآن كلّها على حقائقها اللّغويّة بأن يكون الفارق بين الاستفهام الحقيقي و غيره هو الغرض دون المستعمل فيه و هكذا الترجي و بذلك يستغنى في دلالة آية التّحذير على وجوب الحذر عمّا ارتكبه صاحب المعالم و غيره من الحمل على الطّلب الوجوبي لكونه أقرب المجازات بعد انسلاخ لعلّ عن الترجي و سيأتي تتمة الكلام في بابه إن شاء الله تعالى‏

الرّابع‏

أنّه لا شبهة في أنّ الأصل في الكلام عدم كونه مسوقا على وجه الكناية فلو دار الأمر بينها و بين سوقه لإفادة معناه الحقيقي حمل على الثاني و إن لم يكن في الأوّل تجوّز لأنّ وجوه مخالفة الأصل في الكلام ليست منحصرة في الأمور الرّاجعة إلى التصرّف في معاني الألفاظ فالكناية و المبالغة بأقسامها و التقية و السّهو و النّسيان و سائر وجوه خلاف الأصل الغير الراجعة إلى التصرف في الألفاظ كلّها محتاجة إلى الدّليل الذي لولاه لحمل الكلام على خلافها بلا دليل لاستقرار طريقة العرف و العقلاء على ذلك فليس احتمال الكناية مثل احتمال الكذب في الكلام فإنّ احتمال الكناية مدفوع بالأصل عند عدم القرينة بخلاف احتمال الكذب و ما قيل من أنّ مدلول الكلام هو الصّدق و أن الكذب احتمال عقلي يراد به غير ما يقضى به ظاهره من السّخافة فلو دار الأمر بين الكناية المقصود بها إفادة الملزوم و اللاّزم معا و بين المجاز فالكناية أولى و لو دار الأمر بين الكناية المقصود بها اللاّزم خاصّة و بين المجاز ففي ترجيحها على المجاز اتباعا لأصالة الحقيقة أو التوقف لمعارضتها بأصالة انسياق الكلام إلى إفادة المستعمل فيه وجهان كالوجهين فيما إذا دار الأمر بين المجاز و كون الكلام سهويّا غير مقصود به الإفادة أصلا إلاّ أنّ الأظهر في الثاني تقديم أصالة عدم السّهو على أصالة الحقيقة بل الظّاهر تقديم كلّ أصل يرجع إلى جهة الكلام على كلّ أصل يرجع إلى ألفاظه و لذا يجعل امتناع إرادة الحقيقة بقرينة مانعة عنها دليلا على إرادة المجاز فلو لا وجوب المحافظة على الأصول الجهتيّة عند كافة العرف لم يتجه ذلك كما لا يخفى على المتدرب و أيضا لو لم يبن علي تقديم الأصول الجهتيّة انسدّ باب التخصيص و سائر أبواب التصرّفات اللّفظية المتعارفة في المحاورات بين أهل اللّسان لأنّ التصرّف في جهة الخاصّ مثل حمله على وجه الإكراه أو الخوف أو التقية أو السّهو أو النّسيان أو التعريض‏

60

أو الكناية و ما أشبهها في سلامة الأوضاع اللّغويّة و اختلال الجهة الّتي يجب محافظتها في الكلام مهما أمكن يرفع التعارض بينه و بين العام و كذا الكلام في كل نصّ و ظاهر أو ظاهر و أظهر إلاّ أن يقال إنّ الأصول الجهتيّة في كلّ كلام يتبع الأصول اللّفظية الجارية في ذلك الكلام في صلاحيّة المعارضة مع الأصول اللّفظيّة الأخر و عدمه فكلّ كلام يقدم أصل الحقيقة فيه على أصل الحقيقة في كلام آخر كأصل الحقيقة في الخاصّ بالنّسبة إلى العام يقدم أيضا سائر ما به من الأصول الراجعة إلى جهته على أصل الحقيقة في ذلك الكلام لاشتراك الجميع في وجه التقديم و هو بناء العرف و كلّ ما يعارض أصله اللّفظي أصلا لفظيّا آخر يعارض الأصل المرعى في جهة ذلك الأصل اللّفظي أيضا (و التحقيق) أن المجاز أولى من الكناية و ما شابهها لقلّتها بالنّسبة إليه و كذلك ما هو بمنزلتها من الوجوه المخالفة للأصل و إن لم يكن مجازا و ربّما يترتّب على ذلك بعض الثمرات في أدلّة الأحكام كما إذا تعارض ظاهر قطعي لم يحتمل التصرّف في شي‏ء من جهاته مثل آية القرآن لو بني على سلامة جهاته كلاّ و انحصار وجوه التّصرف في ألفاظه و بين نصّ ظنّي يحتمل بعض وجوه التصرّفات الجهتية كالتقية فإنّ المعارضة في مثله يتمحّض بين أصالة الحقيقة في طرف و أصالة عدم التقية و نحوها ممّا يحتمل في كلام المعصوم في آخر ثمّ إن الكلام في الاستعارة يظهر من الكلام في الكناية إن لم نقل بأنّها مجاز لغوي بل حقيقة ادّعائية و إلا فهي كسائر المجازات و اللّه الموفّق‏

القول في الأمور الّتي يعرف بها الحقيقة و المجاز

و اعلم أنّ الشكّ في الحقيقة و المجاز قد يكون باعتبار اشتباه حال اللّفظ في المعنى من حيث كونه موضوعا له و عدمه و قد يكون باعتبار اشتباه حاله من حيث كونه مستعمل في المعنى الحقيقي و عدمه‏

فهنا مقامان‏

الأوّل في الأمور المتعلّقة بالأوضاع اللّغوية و مثبتات الوضع و عدمه‏

(و الثّاني) فيما يتعلّق بمرادات المتكلّم من حيث كونه معنى حقيقيا أو مجازيا فلنتكلّم أوّلا في المقام الأوّل‏

بديعة ذكروا لإثبات الوضع و عدمه أموراً كثيرة

بين ما يفيد الظنّ‏

أو العلم‏

فمن الأوّل قول آحاد أهل اللّسان‏

كالجوهري و ابن الأثير و الفيروزآبادي و نحوهم ممّن هو من أهل الخبرة باللّغات إذا أخبروا بها عن رواية لا عن دراية و اجتهاد و قد اختلفوا فيه على قولين بل أقوال و المشهور هو الأوّل بل ادعى غير واحد من الفحول الإجماع عليه منهم السيّد في المفاتيح ناقلا له عن جماعة و منهم المحقق الكاظمي في المحصول بل لم أجد أحداً من الأصوليين ذكره و لم يرسله إرسال المسلمات من القدماء و المتأخرين لكن في دلالة جملة منها على كفاية الظّن نظر لعدم التصريح بذلك و إنّما المصرّح به اعتبار تصريح أهل اللّسان و هو أعمّ من العلمي و الظّني فتأمّل نعم صرّح العلاّمة في النهاية باعتبار قول الآحاد في اللّغات الخفية ثم نقل خلاف من منع من الاعتماد على النقل مطلقا لامتناع تواتره و عدم حجيّة آحاده (و أجاب عنه) بأن ألفاظ الكتاب و السّنة غالبا يثبت معانيها بالتواتر و ما يوجب العلم و الّذي طريقه الآحاد قليل لا يعمل به في المسائل العلميّة بل في المسائل الظنيّة للإجماع على حجيّة الظنّ و لعلّه أراد بالمسائل الظنيّة المسائل العلمية أعني الفقه و بالظنّ الظنّ في الفقه مع احتمال كون المراد الظنّ في اللّغة و أشكل شيخنا الأستاذ دام ظله في اعتبار الظّن في المقام فلم يقم عنده قاطع على حجيّة شي‏ء من أفراده حتّى الظّن الحاصل من إخبار آحاد النّقلة (حجّة الأوّل) وجوه ذكرها بعض من اختار هذا القول و نحن نذكر أمتنها تقليلا لإساءة الأدب (أحدها) الإجماع المحقق العملي فإنّ عمل العلماء قديما و حديثا على المراجعة إلى أقوال النقلة في ألفاظ الكتاب و السنة و هذا لوضوحه غير منكر و الإجماع القولي لأن الأصوليين كالحاجبي و العضدي و غيرهما قد صرّحوا في كتبهم أنّ طريق ثبوت الوضع بعد عدم المناسبة الذاتية هو النّقل المتواتر أو الآحاد و الإجماع المنقول في غير واحد من كتب المحققين و المعتبرين العارفين بشرائط الإجماع و شرائط النقل منهم العلامة كما نقلنا (الثّاني) تقرير المعصوم (عليه السلام) نقل الاستدلال به عن بعض المحققين قال في تقريبه ما حاصله أنّ تدوين اللّغة قد حصل في زمان الصّادق (عليه السلام) و الكاظم (عليه السلام) و شاع بعدهما في المائة الثالثة غاية الشيوع و لم ينقل عن الأئمة و لا عن غيرهم من التابعين إنكاره بل ورد عنهم الحث على تعلّمه كما يظهر من تتبع الأخبار (و الثّالث) ما نقل عن بعض المحققين أيضا من أنّه إذا ثبت جواز التعويل على الظّن في الأحكام فيستلزم جوازه في المقدمات و إلا لزم زيادة الفرع على الأصل (و الرّابع) أنّ أمر الأحكام أشدّ و أعظم و لذا لم يعوّل على الظنّ فيها من عول عليه في غيره كالمرتضى رضي الله عنه فإذا ثبت جواز التعويل عليه في الأحكام جاز في غيره بطريق أولى (و الخامس) أنه لا فرق بين الظنّ الحاصل من خبر الواحد بالمراد من اللّفظ و بين الظّن الحاصل منه بالوضع (و السّادس) دليل العقل لأنّ عموم البلوى باستعلام اللّغات في الكتاب و السّنة و غيرهما من الطّوامير المشتملة على الأقارير و الوصايا و العقود و الإيقاعات و عدم حصول الغناء عنها مع انسداد طريق القطع و الظّنّ الخاص كقول العدل في كثير منها يكشف عن أن الشارع اكتفي فيها بالظّن مطلقا في ما يتعلّق بمراداته و يقضي بوجوب متابعته عند صريح العقل كما هو الشأن في كلّ مقام انسدّ فيه باب العلم غالبا مع استلزام الاقتصار عليه إمّا فوات المقصود غالبا أكثر من العمل بالظّن أو محذورا آخر كالضّيق و الحرج المنفيين و شبههما و يشير إلى هذا الوجه كلام بعض المحقّقين و هذه الوجوه لا ينهض شي‏ء منها بالمدّعى (أمّا الأوّل)

61

فلأنّ مراجعة العلماء إلى كتب النقلة أمر معلوم لكن عملهم بأقوالهم في صورة عدم حصول العلم أمر غير معلوم فلعلّ المراجعة إلى كتبهم لأجل تحصيل العلم كما هو الغالب الّذي اعترف به العلاّمة (قدّس سرّه) لأنّ دواعي الكذب في الإخبار بمعاني الألفاظ غير موجودة و احتمال الخطإ في الأمور السمعيّة في غاية البعد و في مثل المقام يفيد قول أهل الخبرة غالبا العلم خصوصا إذا تعدد من غير ظهور اختلاف و دعوى أن إخبار النقلة مستندا إلى اجتهاداتهم الّتي لا يؤمن الخطأ فيها مدفوعة بأنّ مستند النقل ليس إلاّ التبادر و صحّة النّفي و عدمه و ملاحظة الاستعمالات و نحوها من الأمور الحسيّة أو الراجعة إليها فإذا أخبر بعض أهل اللّسان بأنّ لفظ الأرض مثلا موضوعة لكذا فقد أخبر بما أحسّ به من الاستعمالات و سائر الأمور الوجدانية الّتي يبعد الخطأ فيها و بالجملة لم يعلم من بناء العلماء الاعتماد على قول آحاد اللّغويين بمجرّد حصول الظنّ و إنّما المعلوم شي‏ء أعمّ من ذلك و أنّى للمستدل بإثباته (و أمّا الإجماع القولي) المستفاد من تصريحاتهم في الكتب الأصولية فقد ظهر ما فيه من عدم صراحتها و لا ظهورها في المدّعى نعم صرّح بعضهم كالعضدي و الحاجبي بكفاية النقل الظّني في ما يقبل التشكيك و فيما لا يقبله كالأرض اعتبر التواتر ناقلا للخلاف في ذلك و أنّه لا يكفي الظن مطلقا مع أن ظاهر مقالته في المقام أو صريحها استناد الحكم إلى ما يرجع إلى الدليل العقلي المزبور و ستعرف ما فيه مضافا إلى عدم بلوغ المصرّحين بكفاية النقل في اللّغة حدّا يمكن تحصيل الإجماع به (و أمّا الإجماع المنقول) في كتاب بعض المحققين فمع ما في حجيّة الإجماع المنقول موهون بما عرفت من فساد المستند و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن الثّاني أيضا لأنّ المراجعة إلى اللّغة على وجه يرجع إلى العمل بالظّن إلى يومنا لم نعلم بها من العلماء و الرّواة فكيف في زمان الأئمة (عليهم السلام) و مطلق المراجعة على تقدير العلم بها في زمانهم لا يجدي كما مرّ (و أمّا الثالث) فمع إمكان قلبه عليه لأن المقدّمات أصل بالنّسبة إلى ما يتوقف عليه فينبغي عدم اعتبار الظّن في الأصل تفرقة بينه و بين الفرع فتأمل مبني على حجيّة الظّن في الأحكام مطلقا و لا كلام لنا على هذا التقدير مع أن إلحاق الظّن بالمقدّمات على الظن بالنتيجة إنما هو من حيث الاستنتاج فلا يترتّب عليه جواز التعويل عليه في المقدّمة بنفسها مع قطع النظر عن النتيجة فالّذي يلزم القول بحجيّة الظنّ في الأحكام القول بحجيّة الظّن في الأحكام الناشئ من الظّنّ باللّغة فهذا ليس حينئذ اعتدادا بالظنّ في ثبوت اللّغة حتّى يثمر في الموضوعات مثل الأوقات و الأقارير و نحوهما مضافا إلى أن مزية الفرع على الأصل لا مساس له بالمقام و لذا ذهب الأكثر إلى عدم الاعتبار بالظنّ في الأصول و لعلّ الشّبهة حصلت من الخلط بين الوجوب و الوجود فإنّ المتفرّع على الأحكام أي وجوب العمل بها وجوب العمل بالمقدّمات لا وجودها بل الأمر في الوجود بالعكس لأنّ وجود النتيجة تابع لوجود المقدّمات فافهم و منه يظهر الكلام في الوجه الرّابع (و أمّا الخامس) ففيه ما لا يخفى لأنّ الكلام ليس في حجيّة خبر الواحد و إن أراد بخبر الواحد غير ما هو المصطلح أعني مجرّد نقل الآحاد ففيه من القياس ما ترى لأنّ حجيّة الخبر الحاكي عن قول المعصوم (عليه السلام) لا يستلزم حجية خبر من يحكي عن لسان العرب مضافا إلى ما في الخبرين من الفرق الفاحش حيث إن خبر الواحد المعمول به في الأحكام مشروط في العمل به بمثل العدالة و نحوها من الأمور المقرّرة في محلّه بخلاف خبر الواحد هنا فإنّه على تقدير حجيّته غير مشروط بشي‏ء من تلك الشّروط (و أمّا السّادس) ففيه أوّلا منع بعض المقدّمات و هو انسداد العلم باللّغات غالبا إذ الظّاهر أنّ العلم باللّغات غالبا متيسّر بالمراجعة إلى علائم الحقيقة و المجازات القطعية كما ستعرف و في ما لا يوجد فيه شي‏ء من تلك العلائم كبعض الألفاظ القليلة الاستعمال في المحاورات يمكن تحصيل العلم به غالبا من المراجعة إلى أقوال النقلة كما أشرنا فلو بقي بعض الموارد النادر خاليا عمّا يوجب العلم فيرجع فيه إلى مقتضى الأصول و القواعد العامة و ثانيا أنّ نتيجة ذلك الدّليل هو العمل بمطلق الظنّ و المدّعى هو حجيّة خصوص قول آحاد النّقلة و لذا لا يعتدّون بقول العلماء في معاني الألفاظ معتذرين بأنه ناش عن اجتهادهم و قد أجاب المنكرون لمفهوم الوصف عن فهم أبي عبيدة من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه عدم‏

حلّية عقوبة لي الفاقد بأنه ناش عن اجتهاده (و الحاصل) أنّ مطلق الظّن لا أظنّ القول بحجيته في الأوضاع اللّغوية كالظّن الحاصل من الشهرة و القياس و نحوهما نعم ربما يوجد في كلماتهم خصوصا المتأخّرين و سيّما المقاربين لعصرنا الاستدلال على التعويل على بعض الظّنون بأنّ المدار في مباحث الألفاظ عليه لكنا نعلم أنّ كثيرا من الظّنون لا يقولون بها مع أنّها ليست من المنهي عنها إلاّ أنّ يقال إن الظنّ الحاصل من قول أهل الخبرة هو القدر المتيقن على تقرير الكشف و أقوى من غيره على تقرير الحكومة فيقتصر فيما خالف الأصل عليه و فيه من المنع ما لا يخفى لأنّ الأولوية المزبورة غير معلومة و إن كانت مظنونة و الأقوائية أيضا غير مطّردة إذ الظنّ الحاصل من الشّهرة لا يقصر عمّا يفيده قول الآحاد من النّقلة بل ربّما يحصل من القياس و نحوه ظنّ أقوى كلّ ذلك مضافا إلى أن حجيّة قول اللّغويين لا يندفع بها محذور الانسداد الغالبي على فرض قبوله لأن أوضاع الهيئات و مداليل التراكيب و الأحوال الإعرابية و سائر الملحقات لا يتكفلها علم اللّغة لأنّها إنما يبحث عن المواد ففي غيرها لا بدّ من دعوى انفتاح طريق القطع كما هو الحق المحسوس المشاهد من المراجعة إلى النحو و الصّرف و المعاني و البيان مع انضمام مساعدة الوجدان لما ذكروه في تلك العلوم غالبا أو دعوى حجيّة ظنّ مخصوص آخر ثم إن كلمات‏

62

اللّغويّين في الموادّ إنّما يعلم بها موارد استعمالاتها من غير تمييز بين حقائقها و مجازاتها و محذور الانسداد لو سلّم لا يندفع بذلك كما لا يخفى (ثمّ) إنّ بعض من عاصرنا من الأجلّة فصّل في اعتبار قول اللّغويين تفصيلا و هو الحجّية مع سلامته عن المعارض و ما يوجب الرّيب قال و أمّا عند التّعارض فإن أمكن الجمع تعيّن و إلاّ فإن كان التّعارض بين النفي و الإثبات تعيّن القول بالإثبات ما لم يعتضده الآخر بما يترجّح عليه لأنّ مرجع الإثبات إلى الاطّلاع و مرجع النفي إلى عدم الاطّلاع غالبا و إلاّ فالتّعويل على ما كان الظنّ معه أقوى كالمعتضد بالشّهرة أو بأكثريّة اطّلاع نقلته أو حذاقتهم أو نحو ذلك (ثمّ) قال ما حاصله إنّ التعويل على النّقل إنّما هو فيما لا يمكن معرفة حقيقته و مجازه بالرّجوع إلى العرف و تتبّع الاستعمالات فلا سبيل إلى التعويل فيما يمكن استعلامه بالتّبادر و صحّة السّلب و نحوه و لذا استقر بناء الأصحاب في مسائل العامّ و الخاصّ و نحوهما إلى المراجعة إلى علائم أخر غير النقل و السرّ فيه أن التعويل على النقل من باب التّقليد فلا يجوز مع إمكان الاجتهاد و لأنّ الظّن الحاصل من التبادر أقوى من الظّنّ الحاصل من النّقل انتهى (أقول) و في كلامه زلاّت ننبّه عليها بعد إيراد مقدّمة و هي أن التّعويل على النّقل إمّا من جهة قيام الدّليل الشّرعي كالإجماع العملي أو القولي عليه أو من جهة مساس الحاجة و الدّليل العقلي المتقدّم فإن بنى على الأوّل كان قول النّاقل من الظنون الخاصة على حدّ سائر الطّرق الّتي يقوم مقام العلم مطلقا أو عند تعذّره و حينئذ فإن بنى على اعتباره من حيث إفادته الظنّ نوعا لم يقدح في حجيّته شأنا ابتلائه بالمعارض لأنّ التعارض لا يوجب خروج الحجّة عن الحجيّة إلا على القول بأنّ الأصل في تعارض الأمارتين التساقط و قد تحقق في باب التعادل و التّراجيح أن قضيّة القاعدة مع قطع النظر عن الدّليل الوارد التوقف أو التخيير و قد صرّح المفصّل في ذلك الباب ردّا على من استحال تعارض الدّليلين بأنّ قضية عموم ما دلّ على حجيّة الأمارات الشّرعية حجيّتها و لو عند التعارض و إن أراد من الحجيّة الحجيّة الفعليّة فهذا أمر بديهي لا ينبغي الالتفات إلى تدوينه مضافا إلى عدم اختصاص له بالمقام بل هو شرط عقلي سار في جميع الظّنون الخاصّة هذا بالنّسبة إلى شرط عدم المعارض و أمّا عدم ما يوجب الرّيب فلا محصّل له أصلا لأنّ الطّرق الشرعية إذا كانت حجيتها من حيث إفادتها الظنّ نوعا فلا يقدح في اعتبارها ما يوجب الوهن في حصول الظنّ منها و إن بنى على اعتبارها من حيث الوصف أي من حيث إفادته الظنّ الشّخصي فلا معنى للشّرط المزبور حينئذ لاستحالة وقوع التّعارض بين الظنّين الفعليين و من هنا يظهر فساد هذا الشّرط بناء على استناد التعويل على النقل إلى الدليل العقلي لأنّ نتيجة ذلك الدّليل التعويل على وصف الظنّ الفعلي الغير القابل للمعارضة جدّا (و كيف كان) فهذا الاشتراط في هذا المقام في كمال البرودة و الركاكة (ثمّ) إنّ التعارض في أقوال النقلة لا يتعقل و لا يتصوّر إلاّ بين النفي و الإثبات لأنّ المثبتين لا تعارض بينهما إلا بعد اتحاد الموضوع مع استحالة الجمع بين المحمولين لأنّ ثبوت الوضع لمعنى لا ينافي ثبوته لآخر فانحصر صورة عدم إمكان الجمع في التعارض بين النّفي و الإثبات أو المثبتين الراجعين إلى التكاذب فما ذكره من الاستثناء بقوله و إلاّ فإن كان التّعارض إلى آخره غفلة بيّنة و زلّة واضحة و أشدّ زلّة من الجميع ما ذكره في وجه ترجيح التبادر و نحوه من العلائم على النقل من الوجهين (أمّا الأوّل) فلأنّ التعويل على النّقل سواء كان من جهة قيام الدّليل الشّرعي عليه أو الدليل العقلي ليس من التقليد في شي‏ء كما لا يخفى و إن أراد أنّ حجيّة قول الناقل مقصورة على مورد انسدّ طريق القطع به فهو إنّما يتمّ بناء على الدّليل العقلي و كلماته ظاهرة في أنّ التّعويل على النّقل ثبت عنده من بناء العلماء و نحوه من الأدلّة الشّرعيّة كما يفصح عن ذلك جعله له من جزئيات قول أهل الخبرة و جعله من باب التقليد فإنّ المراد به بعد القطع بعدم إرادة ظاهره كون التّعويل عليه من جهة تعبّد الشّارع و أمره و لو بنى في التعويل على غير العقل كان كغيره من الظنون الخاصّة المعتبرة مطلقا و لو مع إمكان تحصيل العلم مثل البيّنة في الموضوعات و خبر الواحد في الأحكام (فإن قلت) لعلّه يدعى أنّ قول النّقلة ظنّ خاصّ مع تعذّر العلم لا مطلقا (قلت‏

) و هذا أمر ممكن لكنّه مجازفة واضحة إذ لم يظهر من دليله الاختصاص إلاّ أن يقال إنّه القدر المتيقّن من عمل العلماء الّذي هو الدّليل في المسألة بل قد يدعى العلم بذلك فإن الاعتماد على الموجود في بعض كتب اللّغة من غير حصول العلم مع إمكان تحصيله بطريق آخر غير مؤدّ إلى عسر و حرج لا يظنّ التزام أحد به (و أمّا الثّاني) فلأنّ التّبادر و عدم صحّة النّفي و نحوهما ممّا تتلى من العلائم أدلّة قطعيّة على مؤدّياتها كما يأتي إن شاء الله تعالى توضيحه و تزييف حسبان كونها كلاّ أو بعضا أمارات ظنيّة فلا معنى للاستناد في تقديمه على النّقل إلى كون الظنّ الحاصل منه أقوى و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في حجيّة مطلق الظّن في اللّغات إذ لم يقم عليه دليل شرعيّ نعم استدلّ المحقق القمّي (رحمه الله) في حاشية كتابه على ذلك بدليل الانسداد المعروف و هو على مذهبه جيّد لا على مذهب العاملين بالظنون الخاصّة و أمّا على مذهب العاملين بالظّن في الطّريق فهو مبني على قيام أمارة ظنيّة على حجيّة مطلق الظّن في الأوضاع اللّغوية و على كون الظّن في الموضوعات المستنبطة مثل الظّن في الأحكام في العلم الإجمالي بجعل الشّارع و كلاهما ممنوعان نعم على حجيّة خصوص قول اللّغوي يمكن دعوى قيام الأمارة كالإجماع المنقول و عدم ظهور الخلاف فما يظهر من مخترع هذه الطريقة و مبدعها من حجيّة مطلق الظّنّ في اللّغات فهو مبني على إجراء دليل الانسداد في خصوص الأوضاع اللّغويّة كما تقرّر في محلّه لا على دليل الانسداد المعروف في الأحكام‏

63

الشرعيّة إذ ليس المقام من موارد الظّن بالطّريق كما لا يخفى (ثمّ التحقيق) في تعارض أقوال النّقلة أن يقال إنّ التعويل على النقل إن كان من أمر الشّارع و من حيث إفادته الظّن الشّأني فالحكم فيه ما هو الحكم في تعارض سائر الطّرق الشّرعيّة و قد تقرّر في باب التعادل و التّراجيح أنّ الحكم فيه التوقف دون التخيير و التّساقط إمّا مطلقا كما هو الأظهر أو مع فقد المرجّح بناء على اعتبار الترجيح هنا لكن بغير المرجّحات الدّلالتية لعدم تصوّرها في كلام شخصين و إن كان من جهة حكم العقل أو بشرط حصول الظّن الفعلي سقط البحث من رأسه كما أومأنا إليه (توضيح المقال) على نحو الإجمال فيما إذا اختلفت كلمات اللّغويين هو أنّه إن أمكن الجمع بينها عمل بالجمع و يثبت الاشتراك و إن لم يمكن الجمع إمّا لتعارضهما بالإيجاب و السّلب أو بالتضاد كما إذا اتفقوا على اتحاد معنى اللّفظ و اختلفوا في تعيينه مثل الاختلاف في معنى الأمر فإن كان حجيّة قول اللّغويّين من جهة كونه من الظّنون المطلقة أو الخاصّة المشروطة بالظّنّ الشّخصي سقط بحث التّعارض من رأسه كما لا يخفى و إن كان من جهة إفادته الظّن نوعا كما هو الشّأن في كلّ الأمارات الشرعيّة أو جلّها فالكلام يقع فيه في مقامين (أحدهما) في وجوب الأخذ بالمرجّح إن كان في أحدهما ترجيح كما إذا كان مهارة أحدهما في اللّغة أكثر من الآخر (الثّاني) أنّه إذا لم يكن هناك مرجّح أو كان و لم ينقل باعتباره فهل الحكم التوقف أو التّساقط أو التخيير (و أمّا المقام الأوّل) فالحق فيه عدم الاعتبار بالمرجح للأصل لا يقال أجمع العقلاء و العلماء على أنّ العمل بأقوى الدّليلين واجب لأنّا نقول هذا في ما إذا وجب الأخذ بأحدهما و دار الأمر بين الأحد المخيّر و المعيّن لا في مقابل القول بالتّوقف أو التّساقط و حينئذ فلا بدّ من تنقيح الكلام في المقام الثّاني فإنّ قلنا بالتخيير وجب الأخذ بالمرجّح أيضا لكن لا بالمرجّحات الدّلالتيّة لعدم مسرح لها في كلام اثنين و إن قلنا بالتساقط أو التخيير لم يؤخذ بالمرجّح و قد تحقق في محلّه أنّ الأصل في تعارض الأمارات الشرعية التوقف و من التأمّل في هذا الإجمال يظهر فساد التفاصيل الّتي ذكرها صاحب المفاتيح في المقام كالرّجوع إلى قواعد العام و الخاص في أقوال اللّغويّين و المعارضة و التوقف في المثبتين اللّذين يمكن الجمع بينهما باعتبار أصالة عدم الاشتراك و نحو ذلك ممّا لا يخفى على المتأمّل فساده لوضوح أنّ حجيّة قول اللّغوي يمنع من جريان الأصل المزبور و لعلّ نظره إلى أن قول اللّغوي يثبت به الاستعمال الأعمّ من الحقيقي و المجازي و اللّه العالم‏

تنبيهان‏

الأوّل‏

صرّح بعض من يقول بحجيّة الظنّ في اللّغة مطلقا مستندا إلى الانسداد الغالبي بأنّ قول النّقلة إنّما يكون حجة إذا لم يستند إلى اجتهاده و رأيه و هذا مع الاستناد في حجيّة الظنّ إلى الانسداد الغالبي غير سديد لأنّ المدار على هذا المسلك على حصول الظّن مطلقا و ليس حصوله من اجتهادات اللّغويين بذلك البعيد ثم أشكل عليه الأمر في أقوال اللّغويّين من حيث احتمال استنادهم إلى اجتهاداتهم و تخلّص من الإشكال بأنّ الأصل في كلماتهم كونها إخبارا لا اجتهادا بخلاف الأصل في كلمات الفقهاء فإن الأصل فيها صدورها عن الرّأي و الاجتهاد و لا مدرك للأصلين إلاّ أن يقال إنّ الإخبار بالأمور الحسيّة و ما يجري مجراها كالأمور المتعقّلة من الآثار الحسيّة مثل السّخاوة و الشّجاعة و العدالة و الزوجيّة و العلاقة الوضعيّة و أضرابها محمول في العرف على الوجه المستند إلى الحسّ دون الحدس و الاجتهاد و إلاّ انسدّ باب العمل بالرّوايات لاحتمال ابتنائها على القطع المعول فيه على بعض الطّرق القطعية غير السّمع لكن هذا لا يتفاوت فيه بين المخبرين لأنّ ذلك إنّما هو من خواصّ كون المخبر به حسيّا لا من خواصّ كون المخبر لغويّا فلا وجه للفرق بين إخبار اللّغوي و المجتهد إلاّ أن يقال إنّ وجه بناء العقلاء هي الغلبة و الغالب في إخبار غير أهل الخبرة الاستناد إلى الطّرق الغير الحسيّة و هذا جيّد لكن ينبغي حينئذ تقييد المجتهد بما إذا لم يكن من أهل الخبرة و لعلّه المراد

الثّاني‏

قد سبق أن كلمات أهل اللّغة مسوقة لبيان موارد الاستعمالات من دون تمييز بين الحقائق و المجازات و لكنّه قضيّة غالبية فلا بدّ من التأمّل في كيفية ذكر تلك الاستعمالات فربما تجدها صريحة أو ظاهرة في كون بعضها حقيقة و بعضها مجازا فيؤخذ بظاهرها على القول بحجيّة قول النّقلة لأنّها من الظّواهر اللّفظية لا شبهة في التعويل عليها و ربّما قيل إنّ التقديم و التّأخير أمارتان على الحقيقة و المجاز لبعد ذكر المجاز أولا و كذا قولهم اسم لكذا فإنه دليل على كونه حقيقة فيه و هو حسن لأنّ الاسم حقيقة في اللّفظ الموضوع و إن أطلق أحيانا على كلّ معبر عن المعنى و لو مجازا كإطلاق الاسم على ألفاظ العبادات عند المنكرين للحقيقة الشّرعية و الدّليل على ذلك جواز سلب الاسم عن اللّفظ المجازي و أمّا التقديم و التأخير ففي دلالتها على كون المقدّم حقيقة و المتأخّر مجازا نظر نعم ظاهرها ذلك خصوصا إذا كان ذكر المتأخر بنحو قوله و منه كذا لكن الكلام في كونه ظهورا لفظيّا أو غيره نعم على القول بالتّعويل على الظّن المطلق أمكن الحكم بكون المتقدم حقيقة للظنّ على إشكال و تأمّل و اللّه الهادي‏

و من الطّرق الظنيّة إخبار العدل‏

و الظّاهر عدم الإشكال في حجيّته فإذا أخبر عدل بأنّ اللّفظ الكذائي موضوعة للمعنى الفلاني في العرف العام أو في العرف الخاصّ وجب تصديقه و إن لم نقل بأنّ الأصل في خبر العدل القبول حتّى في الموضوعات لأنّ الموضوعات المستنبطة شرعيّة كانت أو عرفية ممّا يتوقف على معرفتها معرفة الأحكام الشّرعية و كلّ ما هو كذلك فيثبت بخبر العدل مثل عدالة رجال الأخبار و السّؤالات و الأحوالات الّتي لها مدخلية في فهم معاني السّنة

64

و الدّليل عليه على القول بحجيّة أخبار الآحاد هو الدّليل الدال على حجيّتها في الأحكام فيستدلّ عليها بإطلاق آية النبإ و بالإجماع أيضا لأنّ بناء العلماء على الاعتماد بقول العدل فيما يتوقف عليه استنباط الأحكام من الأدلّة اللّفظية و خروج موارد الشّهادة عن تحت الآية لا يقدح في الاستدلال بها في المقام لو قيل بدلالتها على حجيّة قول العدل كما هو ظاهر الكلّ أو الجلّ فإن قبول قول العدل في الأحكام الظّاهر أنّه ليس له مستند سواها عند الأصحاب و وجه عدم القدح أنّ مواضع الشّهادة كلّها من الموضوعات الصّرفة مضافا إلى منع خروجها و غاية الأمر تقييد الإطلاق مفهومها في تلك المواضع بشرط الانضمام نعم الظّاهر الاقتصار في القبول على مقدار ما يتوقف عليه معرفة الأحكام و أمّا في غيره كالإقرارات و الوصايا و الأوقاف و نحوها من الموضوعات الصّرفة فلا يثبت فيها اللّغة بالعدل الواحد بل لا بدّ من العدلين كسائر الموضوعات إذ لا ملازمة بين ثبوت معنى اللّفظ من حيث كونه متعلّقا لحكم شرعي كليّ و بين ثبوته مطلقا و لذا لا يكتفي بمثل التعديلات المشتملة عليه علم الرّجال في صلاة الجماعة و نحوها كشهود الطّلاق نعم لا بدّ أن لا يكون خبر العدل مستندا إلى اجتهاده و حدسه بل إلى ما أحسّ به من تنصيص أهل اللّسان بنفس الوضع أو بلوازمه و ما يجري هذا المجرى كالتبادر و نحوه‏

و منها ورود الرّواية من المعصوم (عليه السلام) في بيان معنى اللّفظ

كما في كلمة باء و أنّه للتبعيض و الحق فيه أيضا الحجّية إذا كانت الرّواية جامعة لشرائطها من العدالة و غيرها و يعرف وجه ذلك ممّا تقرر في قول العدل لأنّهما من باب واحد إلاّ أنّ الملحوظ في الأوّل كون المخبر به نفس الوضع و في الثّاني قول المعصوم (عليه السلام) الّذي هو دليل علميّ عليه و يجري فيه أيضا التفصيل المزبور و هو التّفكيك في اعتباره بين المطابقة و الالتزام فيعتبر في الثّاني دون الأوّل فيعمل بالرّواية الواردة في كلمة باء على تقدير استجماعها لشرائط الحجيّة في مدلولها الالتزامي كإجزاء المسح ببعض الرّأس و لا يعمل في مدلولها المطابقي و هو كون الباء للتّبعيض و لا ضير في ذلك لأنّ التفكيك بين المطابقة و الالتزام إنّما يمتنع من حيث الوجود لا من حيث الاعتبار و هذا مثل عدم العمل بخبر الواحد في نفس الاعتقادات بناء على كون المطلوب فيها العلم أو لاختصاص ما دلّ على حجية الخبر بالفروع مع وجوب ترتيب ما يتفرّع عليها من الفروع فلا يحكم بكفر من دلّ على كفره الآحاد كالنّاصبي مثلا و يحكم بنجاسته و عدم إرثه (و الدّليل) على ذلك أنّ الإخبار بالملزوم إخبار باللاّزم و لو التزاما فإذا كان ذلك اللاّزم حكما فرعيّا وجب تصديقه لوجوب تصديق إخبار العدل بالأحكام الفرعيّة (و مقابل ما اخترنا) قولان آخران في طرفي الإفراط و التّفريط (أحدهما) ثبوته بالخبر الواحد الفاقد لشرائط حجّيته في الأحكام أيضا لإفادته الظّنّ (و الثّاني) عدم الثّبوت مطلقا حتّى مع وجود الشّرائط اقتصارا في من خالف الأصل على القدر المتيقن الّذي هو الظّن الحاصل من قول النقلة و قد يظهر فسادهما لأنّ الأوّل مبني على اعتبار مطلق الظّن في اللغات و الثّاني على كون قول اللّغوي من الظّنون الخاصّة مع عدم نهوض ما دل على حجيّة خبر العدل في الأحكام بإثبات حجيّته في المقام و ضعف الأمرين قد اتضح ممّا ذكرنا

و منها أصل العدم‏

يثبت به حال الوضع من حيث السّبق و اللّحوق و حال المعنى من حيث كونه حقيقة أو مجازا فمن الأوّل ما لو شكّ في كون المعنى العرفي هو المعنى اللّغوي أم غيره فبأصالة عدم النقل و عدم تعدد الوضع يثبت الأوّل هذا إذا علم أنّ اللّفظ كان له في اللّغة وضع أمّا لو شكّ في ذلك فيندرج في القسم الثاني و من الثّاني ما إذا شكّ في مبدإ الوضع بعد العلم بوجوده فبأصالة عدم الوضع في الأزمنة المشكوكة يثبت تأخّره إلى زمان المعلوم ثبوت الوضع فيه سواء علم له وضع آخر في اللّغة أم لم يعلم (و قد يعبر) عن ذلك بأصالة تأخّر الحادث و إلاّ فالتأخّر ليس بمجرى للأصل بل الظّاهر أن الاشتراك و النقل بمعنى الانتقال باعتبار كونهما من اللّوازم ليستا بمجرى أصالة العدم بجريان الأصل في الملزومين أعني الوضع و الاستعمالات الآئلة إلى النقل فجري الأصل فيها إنّما هو الملزوم الّذي هو الوضع و سبب النقل و من الثّالث ما إذا علم استعمال اللّفظ في معنيين مع العلم بوضعه لأحدهما فبأصالة عدم الاشتراك يثبت كون المعنى الثاني الآخر المشكوك مجازا على ما هو المشهور عند العامّة و الخاصة خلافا للمرتضى (رحمه الله) فإنّ الاستعمال مطلقا عنده علامة الحقيقة حتى يعلم خلافه فيرجّح الاشتراك على المجاز و قد يتميز به الحقيقة عن المجاز عند اشتباه أحدهما بالآخر كما سيجي‏ء في بيان مجاري أصالة الحقيقة مع العلم بالمراد (ثمّ) إن الأصل فيما عدا الأخير يمكن أن يكون قاعدة مستقلّة و أن يكون المراد به الاستصحاب أي استصحاب عدم الحادث و هو صريح التّهذيب حيث استدل على كون النقل مخالفا للأصل بوجوه (منها) الاستصحاب و يحتمل أن يراد به الظّاهر في خصوص الأوّل المستند إلى الغلبة لأنّ الغالب اتحاد العرف و اللّغة و كيف كان فالاعتماد على الأصل في هذه الصّور أمر معروف بين العلماء و للمناقشة فيه مجال خصوصا إذا فسّرناه بالاستصحاب أو جعلناه قاعدة برأسها معمولا بها عند العقلاء لعدم قيام القاطع على شي‏ء من القاعدتين (و لا يذهب عليك) أنّ القدح في حجيّة أصالة العدم هنا ليس قدحا في اعتباره مطلقا لأنّ أصالة عدم المانع مع وجود المقتضي الذي هو خارج عمّا نحن فيه يمكن القول باعتباره عند العقلاء نعم لا بعد في الاعتماد على هذا الأصل في القسم الأوّل للغلبة المشار إليها المبني عليها غالب مباحث الألفاظ كما ستعرف في تعارض الأحوال إلاّ أن يقال‏

65

إنّ الغلبة في تعارض الأحوال مرجحة بخلافها في المقام فإنّها حجّة برأسها على كون الوضع ثابتا في اللّغة بحيث يحمل اللّفظ عليه في الاستعمالات المشكوكة و أمّا في الأخير فالظّاهر أنّ المراد به الغلبة و سيأتي توضيح هذا المقال إن شاء اللّه تعالى ثمّ إن العمل بهذه الأصول غير منوط بحصول الظّن الفعلي فإنّها على تقدير عمل العقلاء بها ظنون نوعيّة ترجع إلى نحو تعبّد منهم في الأخذ بمقتضاها حصل الظنّ بها أو لم يحصل باعتبار شهادة بعض الأمارات الغير المعتبرة بخلافها نعم الظّاهر عدم انفكاكها عن إفادة الظّنّ غالبا خلافا لبعض المحقّقين حيث أورد على الاعتماد بهذا الأصل أي أصالة العدم بأنّ اللّغة أمر توفيقي فلا مجال لإثباته بالأصل و الاستصحاب (ثمّ أجاب) بأنّ الحجّة من الأصل و الاستصحاب في المقام هو ما أفاد الظّن و معه فالوجه في الحجيّة ظاهر لأنّ المدار على الظّنّ في الأحكام لانسداد طريق العلم بها غالبا فلو لم يحصل منهما الظنّ فلا معول عليها في إثبات الوضع في الأزمنة المتقدّمة قال و من هنا يظهر القدح في الاحتجاج المعروف لنفي الحقيقة الشرعيّة من الاستناد إلى أصالة بقاء المعنى اللّغوي في عهد الشارع و ممّا ذكرنا ظهر وجوه المناقشة في هذا الكلام لأنّا بيّنا في حجيّة قول اللّغوي أنّ دليل الانسداد في الأحكام على مذاق من يرى حجيّة الظّن في الطّريق خاصّة لا ينهض بإثبات حجيّة الظّن في اللّغة إلا بعد مقدّمتين مفقودتين و هذا مختاره (رحمه الله) و يحتمل أن يكون لفظ الأحكام غلطا في النّسخة و يكون مقامه اللّغات لأنّه (رحمه الله) يستند في حجيّة قول اللّغوي بانسداد طريق القطع باللّغات (و كيف كان) فقد ذكرنا أنّ العمل بمطلق الظّنّ في اللّغة ليس له مستند و ذكرنا أيضا أن العمل بهذا الأصل ليس باعتبار إفادته الظنّ الفعلي بل باعتبار كونه من الظّنون النّوعيّة نظير الأصول اللّفظيّة بالنّسبة إلى إثبات المرادات و غاية ما يوجّه به كلامه أن تعبّد العقلاء أمر غير معقول فحيث ما يعولون على شي‏ء من الطّرق الغير العلميّة فإنّما يعولون عليها من باب الوصف لا من باب التعبد و لعلّ في كلامه بعض الإشارة إلى هذا التوجيه و يرد عليه بعد النقض بالأصول اللّفظيّة فإنّه (رحمه الله) يقول باعتبارها و لو مع العراء عن الظنّ الفعلي أن تعبد العقلاء بما لا يفيد الظّنّ نوعا أمر غير معقول و أمّا تعبّدهم بالظّنون النّوعيّة أعني الأمارات الّتي تفيد الظّنّ من حيث هي فأمر معقول و لذا لا يعذر العبد المأمور إذا تقاعد عن الامتثال معتذرا بعدم إفادة الخطاب له الظّن الفعلي فما ذكره (رحمه الله) من التفصيل في اعتبار هذه الأصول مع بعده عن ظاهر إطباق العلماء غير معلوم الوجه نعم في كلامه بعض التأييد لما أومأنا إليه من التأمّل في حجيّة هذا الأصل بحيث يكون من الظّنون الخاصّة فلا تغفل و اللّه الهادي‏

و منها الاستعمال المستمرّ مع وحدة المستعمل فيه‏

فإنّه دليل على الحقيقة على ما نصّ عليه غير واحد من الأعلام لأنّ المجاز بلا حقيقة على تقدير جوازه ملحق بالمعدوم و صرّح غير واحد بخروج هذا القسم من الاستعمال عن محلّ النّزاع بين القوم و السيّد رضي الله عنه ناقلين الإجماع عليه و فيه تأمّل بل منع لأن الشّيخ صرّح في باب الأمر من العدّة بأن الاستعمال الابتدائي الغير المسبوق باستعمال آخر أيضا لا يحمل على وجه الحقيقة قال في جواب من استدلّ على كون الأمر مشتركا بين الوجوب و غيره بالاستعمال ما هذا لفظه إن الّذي ذكروه يعني كون الأصل في الاستعمال الحقيقة بدليل عدم استلزامها للمجاز بخلاف العكس غير مسلّم لأنّه لا يمتنع أن يكون الواضعون للّغة وضعوا اللّفظة و نصّوا على أنّها إذا استعملت في شي‏ء بعينه كانت حقيقة و متى استعملوها في غيره كانت مجازا و إن لم يقع استعمال اللّفظ في واحد من المعنيين ثم يطرأ على الوضع الاستعمال فربما استعملوها أولا في الحقيقة و ربما استعملوها أولا في المجاز و إنّما كان يتمّ ذلك لو جعلوا الاستعمال بنفسه طريقا إلى معرفته الحقيقة فيجعل ما ابتداء باستعماله حقيقة و قد بيّنا أنّا لا نقول به انتهى كلامه رفع مقامه و هذا الكلام كما ترى صريح فما قلنا و العجب أنّهم كيف جهلوا بمذهب الشّيخ حتى ادعوا الإجماع على أن الاستعمال في متحد المعنى ليس محلّ النّزاع (ثمّ) إنّ ظاهر بعض كلماتهم أن النّزاع في كون الاستعمال دليلا علميّا على الوضع مثل استدلال السيّد على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة بأنّ المجاز يتوقف على دلالة أهل اللّسان عليها و مثل قول النّافين بأنّ الاستعمال كما يكون على وجه الحقيقة كذلك يكون على وجه المجاز و لا دلالة للعامّ على الخاصّ و غير ذلك ممّا لا يخفى على المتتبع فإنّ ظاهر أمثال هذه دعوى السيّد كون الاستعمال دليلا علميّا و إلاّ فلا مساس لقضية عدم دلالة العام على الخاصّ بمدعى النافين فافهم و كذا لا وجه لما ذكر من استدلال السيّد نعم ظاهر قولهم الأصل في الاستعمال الحقيقة حيث عبروا عن المدّعى بالأصل المراد به هنا الراجح أن النّزاع في ظهور الاستعمال في الحقيقة و عليه ينطبق جملة من أدلّة السيّد (رحمه الله) فحينئذ يرجع النّزاع إلى أنّ الاستعمال عند الجهل بالحال هل يفيد الظّنّ بالحقيقة أم لا و يؤيّده أيضا ما اشتهر من الاقتناع في مباحث الألفاظ بالظّنّ فلو كان حصول الظنّ منه اتفاقيا لكان الأصل المزبور اتفاقيا و كيف كان فنحن نفصّل القول في المقام (و نقول) إنّ دلالة الاستعمال على الحقيقة تتصوّر في مواضع أحدها ما صورناه و هو أن يتّحد المستعمل فيه بالاستعمال المستمرّ الشائع سواء علم بعدم استعماله فيما عداه قط أو شكّ في ذلك و الثاني أن يتعدد المستعمل فيه مع القطع بعدم الاستعمال في غيرهما و الثالث مع الشّكّ في ذلك و الرابع مع العلم بأنّ له حقيقة مجهولة أو معلومة سواهما و الخامس مع العلم بكونه حقيقة في أحدهما لا بعينه و السّادس مع العلم بكونه حقيقة في أحدهما بعينه إذا عرفت ذلك فالأقوال في المسألة أربعة

66

أحدها دلالته على الحقيقة مطلقا و هو المنسوب إلى السيّد و جمع كثير من الأصوليّين و نسبه جمال الدّين إلى المشهور و الثاني عدم الدلالة مطلقا و هو خيرة المحقّق القمّي (رحمه الله) و نسبه إلى المشهور و استقر به بعض المحققين بناء على ما زعمه من خروج متحد للمعنى عن محلّ النّزاع مستشهدا بظاهر بعض أدلّة السيّد و هو قياس متعدد المعنى على متحده نظرا إلى دلالته على خروج متحد المعنى عن محلّ النّزاع لكنّك قد عرفت أنّه ليس الأمر كما زعم و أنّ الشّيخ مصرّح بعدم دلالة الاستعمال على الوضع في متحد المعنى أيضا بل الظّاهر صدق ما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) من النّسبة إلى المشهور بين القدماء و يؤيّده أيضا اقتصار بعض أهل التّتبع على نقل القولين في المسألة و إن ذكر في أثناء البحث خروج متحد المعنى عن محلّ النزاع ناقلا له عن أستاذه و نقل الفاضل النّراقي عن والده موافقة المحقق القمّي (رحمه الله) في نسبة القول إلى المشهور و هو صريح الشيخ في العدّة كما عرفت و لعلّه المشهور بين من تقدّم و الثّالث الدالّة على المجاز مطلقا حكي ذلك عن ابن جنّي و الرابع التفصيل بين متحد المعنى أي المستعمل فيه و متعدّده فالدّلالة في الأوّل دون الثّاني و هو مختار جماعة من الأعلام تبعا لشيخهم و أستاذهم (رحمه الله) و ظني أن هذا التّفصيل لم يكن معروفا قبله و إنّما استظهره من بعض أدلّة السّيّد كما عرفت (و التّحقيق) أنّ الاستعمال بنفسه ليس دليلا عقليّا على الحقيقة في شي‏ء من هذه المقامات و أوجه ما يعول عليه في بيان ذلك ما أشار إليه الشّيخ في كلامه المتقدّم و حاصله أن الاستعمال في المعنى المجازي قد يسبق على الاستعمال في المعنى الحقيقي بمعنى جوازه عقلا و صحّته لغة على ما هو الحق من عدم استلزام الحقيقة للمجاز فكيف يستدلّ بصرف الاستعمال على تعيين أحد الوجهين من الحقيقة أو المجاز (لكن الإنصاف) إفادته الظّن على اختلاف مراتبه في تلك المواضع بل في كثير من المواضع يفيد العلم كما في القسم الأوّل مع استمرار الاستعمال و القطع بعدم الاستعمال في غيره لأنّ ما أبداه الشيخ من جواز سبق المجاز على الحقيقة متّجه و (لكن انحصار) استعمالات اللّفظ في المجاز و عدم اتصافه بالاستعمال الحقيقي في مرّ الدّهور و تطاول الأزمنة احتمال العقلي بعيد عن مجاري العرف و العادة خصوصا مع ملاحظة استمرار الاستعمال و مواظبة أهل اللّسان عليه بل ربّما يحصل العلم بملاحظة ذلك أوّلا لامتنع تفهيم اللّغات بالتّرديد على القرائن مع أنّه معظم طريق التّفهيم و التّفهّم و من أنكر ذلك فإنّما ينكره باللّسان و قلبه مطمئنّ بالإيمان حيث يجد من نفسه التوصّل إلى الاصطلاحات المجهولة غالبا بالاستعمال مرّة أو مرّتين و قضيّة ابن عبّاس و قضيّة الأصمعي معروفتان و استناد التفهيم إلى القرينة وجه لا يصير إليه العالم بالوضع إلا بأغراض زائدة عن غرض التفهيم من وجوه البلاغة و المبالغة (و يمكن دفعها) بالأصول بل الظّاهر حصول العلم غالبا عند اتحاد المعنى مع الشّك في الاستعمال الآخر أيضا فلو فرض مورد لم يحصل فيه العلم أمكن نفي الاستعمال فيما عداه بأصالة العدم و بذلك يبطل الفرق بين القطع بعدم استعمال آخر و الشكّ فيه هذا كلّه مع عدم العلم باستعمال سابق و لو علم به و شكّ في كون المستعمل فيه ذلك المعنى الّذي وجدنا استعمال اللّفظ فيه مستمرّا حكمنا باتحاد المعنيين لأنّ استمرار الاستعمال مع الجهل بشرائط المجاز من الوضع و العلاقة يفيد ظنّا قويّا بالوضع و مع عدم الاستمرار فيحكم أيضا بالاتّحاد لأنّ التغاير يستلزم الاشتراك أو المجاز المدفوعين بالأصول فتدبّر و مثل له في القوانين بليلة القدر فإنّها مستعملة تارة في معنى مجهول كما في قوله تعالى‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ و أخرى في معنى معلوم كليلة النصف من شعبان (و فيه نظر) لأنّها مستعملة في معان عديدة منها ليلة النّصف من شعبان فتندرج تحت متعدّد المعنى و أمّا الموضع الثّاني و الثّالث و هو ما إذا علم بتعدّد المستعمل فيه و علم بعدم الاستعمال في غيرهما أو شكّ فيه فالكلام فيه تارة في الحكم بمجازية الاستعمالين معا و أخرى في الحكم بالحقيقة كذلك أو في الجملة (أمّا الأوّل) فقد ظهر ممّا ذكرنا في متّحد المعنى من حيث إفادة الاستعمال العلم أو الظّن و عدم إفادته شيئا منهما لأنّ مناط المسألتين واحد فإن اكتفينا بالظنّ لم يحكم بكونها مجازين لأنّ المجاز السّابق على الحقيقة وجدانا أو بحكم أصالة العدم بمكان من الضّعف (و أمّا الثّاني) ففيه تفصيل لأنّ المعنيين إمّا متباينان أو العام و الخاصّ المطلقين فإن كان‏

الأوّل نوظر فإن كان بينهما جهة جامعة قريبة كالوجوب و الندب ففي الحكم بالاشتراك المعنوي أو اللّفظي أو الحقيقة و المجاز احتمالات و أقوال أشهرها الأوّل لأنّ المجاز و الاشتراك كلاهما مخالفان للأصل لكن لشيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي مناقشة في ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة و المجاز مطلقا (قلت) و وجه ذلك عدم مستند للتّرجيح لأنّ مخالفة المجاز للأصل إنّما هي في ما إذا شكّ في أنّ المراد باللّفظ معناه الحقيقي أو المجازي لا فيما إذا شكّ في أنّ استعمال اللّفظ في المعنى مستند إلى الوضع أو القرينة و الفارق بين المقامين هي الغلبة لأنّ الاستعمالات المجازيّة في مقابل الاستعمالات الحقيقية أقلّ قليل بخلاف المعاني المجازية بالنّسبة إلى المعاني الحقيقيّة فإذا كان الشكّ في الحقيقة و المجاز مسبّبا عن الشكّ في الإرادة تعيّن الأوّل كما يأتي الكلام فيه و أمّا إذا شكّ فيهما باعتبار الشّكّ في أنّ ذلك المعنى المستعمل فيه مجاز أو حقيقة فلا وجه للحمل على الثّاني و الحكم بأنّه معنى حقيقي إلا بدعوى أنّ حقائق كلّ لفظ أغلب من مجازاته و هو كما ترى لأن لكلّ حقيقة عشرين مجازا نوعا أو أكثر و سيأتي بقية الكلام في هذه الغلبة عند ذكر دليل ابن جنّي و قد يستند في ترجيح‏

67

الاشتراك المعنوي بأن المجاز يحتاج إلى كثرة المؤن من نصب القرينتين و ملاحظتهما و ملاحظة العلاقة و فيه أن الاحتياج إلى تلك المؤن إن لوحظ في حال الواضع فأجنبي عن المقام لأنّ الواضع إنّما رخّص الاستعمال في المجاز مع وجود إحدى العلائق المشهورة و لا يختلف حال ما رخّص فيه بكون المشكوك فيه مندرجا تحت بعض هذه العلائق كالمشابه مثلا و عدمه و إن لوحظ في حال المستعمل بأن يقال إن المعنى المشكوك فيه لو كان معنى مجازيا لزم المستعمل كلفة القيام بتلك المؤن عند استعمال اللّفظ بخلاف ما لو كان مندرجا تحت المعنى الحقيقي و جزئيّا من جزئياته ففيه أولا أنّ غرض المتكلّم إذا تعلّق بالتّجوّز فلا بدّ له من محافظة المؤن كلّها و لا يتجاوز عن غرضه فرارا عن الوقوع في تلك الكلفة و ثانيا أن ما يحتاج إليه إطلاق الكلّي و إرادة الفرد و لو بغير طريق التجوّز من المؤن ليس بأقلّ من مؤن المجاز إذ فيه أيضا لا بد من قرينتين يدلّ أحدهما على إرادة الفرد دون الطّبيعة و ثانيهما على إرادة الفرد المعيّن و لأجل ذلك يكون مجملا عند فقد القرينة الثّانية المعينة و ممّا ذكر يظهر فساد ما يتخيل من أنّ المجاز يستلزم حوادث كثيرة و هي الأمور المشار إليها من نصب القرينتين و ملاحظتهما و لو إجمالا و ملاحظة العلاقة بخلاف الاشتراك المعنوي (توضيح الفساد) إن تلك الحوادث إنّما يلزم على تقدير كون ذلك المعنى مجازيّا مع فرض استعمال اللّفظ فيه و مثل ذلك لا يتصوّر فيه جريان الأصل لا في نفس تلك الحوادث لأنّها أمور فرضية متوقفة على فرض وجود علّتها و سببها و لا في المعلّق عليه و هو الاستعمال و كون المعنى مجازيا مثلا إذا قيل لو كان الشمس طالعة فالنّهار موجود فلا يمكن نفي وجود النّهار على تقدير طلوع الشّمس بالأصل كما هو واضح لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة و لا نفي وجود الشّمس لكون وجودها فرضيّا مضافا إلى ما عرفت من التّساوي بين المجاز و الاشتراك المعنوي عند إرادة الفرد في تلك الحوادث فلا حاجة حينئذ إلى ما قيل في منع رجحان الاشتراك المعنوي بأن ما يلزمه من المجاز أكثر لأنّه لو استعمل في كلّ من الخصوصيّتين كان مجازا مع أنّه فاسد في نفسه لأنّ اللّفظ على تقدير كونه حقيقة في أحد المعنيين و مجازا في الآخر فاستعماله في خصوصيات ذلك المعنى الحقيقي يكون نحو استعماله في خصوصيات ذلك القدر المشترك (فإن قلت) كلامنا في المعنيين الّذين استعمل اللّفظ فيهما فعلى تقدير كونه حقيقة في القدر الجامع يكون ما يلزمه من الحوادث أقلّ و على تقدير كونه حقيقة في أحدهما يكون الحوادث أكثر فالأمر دائر بين الالتزام بوجود حوادث كثيرة و عدمها أو عدم بعضها (قلت) قد عرفت فساد ذلك و أنّ الحوادث اللاّزمة للاستعمال المجازي ليس بأكثر من الحوادث اللاّزمة لإطلاق الكلّي على الفرد و لو على وجه يكون حقيقة (ثمّ) إنّه لو بنينا على أنّ المجاز مرجوح بالنّسبة إلى الاشتراك المعنوي فلا يتفاوت فيه بين العلم باستعمال اللّفظ في القدر المشترك أيضا أم لا كما في مفروض البحث (و ذهب بعض) أكابر السّادات إلى الاشتراك المعنوي في الأول دون الثّاني نظرا إلى أن القول به في الثّاني يستلزم كون الاستعمال في الخصوصيتين مجازا بلا حقيقة و فيه أن المجاز بلا حقيقة إنّما يرغب عنه إذا علم بعدم رجوعه إلى الاستعمال الحقيقي و لا سبيل إلى ذلك إذا كان المعنى المجازي فردا من أفراد المعنى الحقيقي لأنّ احتمال كون الخصوصيّة مستفادة من نفس القرينة قائم في جميع استعمالات الكلّي في الفرد فافهم و تدبّر فهذا التفصيل ممّا لا ينبغي الركون إليه و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما في المنية حيث قال في شرح قول العلاّمة المجاز خلاف الأصل قولنا المجاز مخالف للأصل يفهم منه معنيان أراد بها أصالة الحقيقة في مقام الشكّ في المراد و الشكّ في الوضع مع العلم به نعم قد يترجّح الاشتراك المعنوي على المجاز للغلبة كما إذا كان اللّفظ من المنقولات و دار الأمر بين النّقل إلى شي‏ء و بين النّقل إلى القدر الجامع بينه و بين شي‏ء آخر المناسب للمنقول منه فإنّ الاشتراك المعنوي حينئذ أولى بوجهين أحدهما الغلبة فتأمّل و الثّاني أنّ اعتبار الخصوصيّة في الاستعمالات البالغة حد النقل أمر زائد لا يصار إليه إلاّ بدليل أصالة العدم مثلا إذا شككنا في أن الدّابة في الوضع الثّاني التعييني موضوعة لذات قوائم أربع أو لخصوص الفرس حتى يكون استعماله في الحمار مجازا أمكن ترجيح الأول لأنّ استعمالاتها في المعنى الثّاني البالغة إلى درجة النقل مبنيّة على ملاحظة كونه من أفراد المعنى الأولي‏

و مناسبته معه لأنّه شرط في النّقل قطعا فالأمر يدور بين أن يكون المعنى الثاني الّذي هو محلّ الاستعمالات الآئلة إلى النّقل هو مطلق ذات القوائم أو خصوص فرد منها و لا ريب أنّه لو كان الثّاني كان الملحوظ في تلك الاستعمالات أمور ثلاثة نفس المعنى اللّغوي الّذي هو كلّي المتحرك في الأرض في مثال الدّابة و خصوصيّتان أخريان إحداهما خصوصيّة ذات القوائم و ثانيهما خصوصيّة الفرسيّة و المعلوم من الملاحظتين إنما هي الأولى و أمّا الثانية فالأصل عدمها و فيه نظر لمنع تعدّد الملاحظة على تقدير كون المستعمل فيه في تلك الاستعمالات خصوص الفرد (فالتحقيق) أنّه إن علمنا بملاحظة الكلّي في جملة من الاستعمالات و شككنا في طروّ ملاحظة الخصوصية على ملاحظة الكلّي و أنّ البالغ إلى درجة النقل هل هي تلك الاستعمالات الملحوظ فيها المعنى الكلّي أو استعمالات طارئة أخرى ملحوظ فيها خصوص الفرد أمكن دفع الملاحظة الثانية بالأصل و إثبات كون المنقول إليه هو المعنى الكلّي و إلاّ فلا فافهم (و لا يذهب عليك) أنا لا نقول بهذا الأصل في كلّ مقام يدور الأمر فيه بين الوضع للكلّي أو الفرد كما سننبّه عليه في ردّ بعض الأوهام و إن لم يكن بين المعنيين جامع قريب فإمّا أن لا يكون بينهما شي‏ء من العلائق أو يكون فإن كان‏

68

الأوّل ثبت الاشتراك لما مرّ في متّحد المعنى و إن كان الثّاني فإن كانت نسبة العلاقة إلى كلّ منهما على حدّ سواء ثبت الوضع لأحد المعنيين اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المتيقن و هو الوضع الواحد مع عدم ظهور الاستعمال هنا في كونه على وجه الحقيقة في المعنيين و لا يعارضه أصالة عدم القرينة و العلاقة لأنّ الغرض وجودهما و لا أصالة عدم ملاحظتها أو الاستناد إليها لابتلائهما بمعارضة عدم ملاحظة الوضع أو الاستناد إليه فيبقى أصالة عدم الوضع سليمة عن المعارض أيضا نعم يعارضها أصالة عدم وجود أمر زائد على غرض التفهيم داع إلى التّجوز لكن الشكّ فيه مسبّب عن الشكّ في الوضع فالأصل فيه لا ينهض معارضة للأصل في السّبب و كذا الحال في الأصل السّابق أعني أصالة عدم ملاحظة القرينة فإن أصالة عدم الوضع حاكم عليه كما قيل هذا (و التّحقيق) أنّ أصالة عدم ملاحظة العلاقة لا يعارضها أصالة عدم ملاحظة الوضع كما قلنا لأنّ الاستعمال المستند إلى الوضع لا يتوقف على ملاحظته و لو إجمالا بخلاف الاستعمال المستند إلى العلاقة فإنه يتوقّف على ملاحظتها و لو إجمالا و ما قلنا من حكومة أصالة عدم الوضع على أصالة عدم الغرض الزّائد و أصالة عدم ملاحظة العلاقة ممنوع لأنّ الوضع و ملاحظة العلاقة كلّ منهما سبب مستقلّ للاستعمال الصّحيح و الشكّ في أحدهما ليس مسبّبا عن الشّك في الآخر بل الشكّ فيهما مسبّب عن الشك في حال المعنى من حيث كونه موضوعا له و عدمه (و فيه) أنّ الشكّ في ملاحظة المتكلّم العلاقة مسبّب عن الشكّ في كون المعنى موضوعا له إذ على تقدير الوضع لم يجز له العدول عن السّبب القوي الّذي هو الوضع إلى السّبب الضّعيف الّذي هو العلاقة في لفظ واحد لعدم ثبوت الرّخصة في مثل هذا التجوّز كما قدمنا الإشارة إليه في تعريف الحقيقة و المجاز فالشكّ في استناد الاستعمال إلى ملاحظة المتكلّم العلاقة مسبّب عن الشكّ في وضع اللّفظ للمعنى لا محالة فالأصل في الوضع حاكم على الأصل في ملاحظة العلاقة نعم الظّاهر عدم حكومة الأصل في الوضع على الأصل في الغرض لأنّ الشكّ في ذلك الغرض ليس مسبّبا عن الشكّ في الوضع كما يظهر بالتأمّل فأصالة عدم الوضع حاكمة على أصالة عدم ملاحظة العلاقة و القرينة و معارضة لأصالة عدم الغرض الزائد (إلاّ أن يقال) أن أصالة عدم ملاحظة العلاقة غير جارية لأنّ الشكّ فيها مسبّب عن الشكّ في ذلك الفرض الزّائد و الأصل في المسبّب غير جار مع جريانه في السّبب موافقا و مخالفا (و كيف كان) فأصالة عدم الغرض معارضة لأصالة عدم الوضع فلا بدّ حينئذ في ترجيح المجاز على الاشتراك من المتعلّق بدليل آخر غير أصالة عدم الوضع كالغلبة بل لولاها لأمكن إثبات الاشتراك بأصالة عدم الاستناد إلى القرينة و أصالة عدم ملاحظتها إذ لا مانع من إعمال الأصل فيه بعد فرض سقوط الأصل في ملزومه أعني أصالة عدم الغرض الزّائد بالمعارضة إلا أن يقال إنّها معارضة بأصالة عدم الاستناد إلى الوضع (و فيه) ما عرفت هذا كلّه فيما إذا كان اللّفظ مستعملاً في المعنى المشكوك و أمّا مع عدم الاستعمال أو مع قطع النّظر فأصالة عدم الوضع سليمة عن المعارض جدّا و هذا من المواضع الّتي حكموا فيها بأنّ المجاز خير من الاشتراك فافهم (و لعلّنا نتكلّم) بقيّة الكلام المتعلّق بالمقام في تعارض الأحوال عند دوران الأمر بين الاشتراك و المجاز و إن كانت علاقة التجوّز مختصّة بأحدهما بحيث لو كان هو الموضوع له كان الآخر أيضا حقيقة تعيّن الوضع لذلك الآخر فيكون ذو العلاقة مجازا لأصالة عدم الاشتراك و احتمال كون الاستعمال في ذلك الآخر أيضا مجازا قد فرغنا عنه بفرض دلالة الاستعمال في المعنيين على كونهما أو كون أحدهما حقيقة نظرا إلى أن الحكم بمجازيّتهما معا مبني على مراعاة احتمال كون الاستعمال فيهما مجازا بلا حقيقة حقيقة أو حكما أي بملاحظة أصالة عدم الاستعمال في معنى آخر و إن كانت النّسبة بين المعنيين العموم المطلق فقد ذكر (بعض الأجلّة) بعبارة لا تخلو عن إجمال و غموض ما حاصله أنّه يحكم بأنّه موضوع للأعمّ لأنّ أصل الاستعمال ثابت و الكلام في تعيين مورد الوضع فينهض دليلا على تعيين الأعمّ قال و يؤيّده أصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة حيث إنّ ملاحظة الخاصّ تتوقف على ملاحظة الخصوصيّة و مثل له بالاستثناء المتعقب للجمل لتردّده بين أن يكون موضوعا لجزئيات الإخراج عن الجملة الأخير خاصّة أو لجزئيات مطلق الإخراج (أقول) لا يخفى ما فيه (أمّا أوّلا) فلأنّ الكلام فيما إذا استعمل اللّفظ في معنيين و شكّ في كونه حقيقة أو مجازا و الاستثناء لم يستعمل في مطلق الإخراج أبدا كسائر

الحروف فهو مندرج تحت القسم السّابق أعني ما إذا استعمل اللّفظ في معنيين كان بينهما جامع قريب لأنّ أداة الاستثناء كما استعمل في الإخراج عن الأخيرة كذلك استعمل في الإخراج عن الجميع إلاّ أنّ الوجوه المذكورة هناك غير جارية هنا لعدم احتمال الاشتراك المعنوي في الحروف عند المتأخّرين فالأمر في مثله دائر بين الاشتراك الإجمالي و التّفصيلي و الحقيقة و المجاز و أنت خبير بأنّ الأخيرين كليهما مخالفان للأصل فتعيّن الأوّل (و أمّا ثانيا) فلأنّ ما تعلّق به لإثبات مدّعاه من أنّ أصل الاستعمال ثابت و الكلام في مورد الوضع إلى آخره لا مساس له بإثبات الوضع إلا على طريقة السّيّد و هو بمعزل عنها (و أمّا ثالثا) فلأنّ أصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة معارضة بأصالة عدم ملاحظة المفهوم الكلّي لأنّ الاستعمال في الكلّي أو الوضع له يستدعي ملاحظته و هذا الأصل نظير أصالة عدم اعتبار الوحدة في معاني المشترك اللّفظي المستلزمة لجواز استعمال اللّفظ في المعنيين و ما أسلفنا في ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة و المجاز

69

في الوضع الثانوي التّعييني من التعلّق بأصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة في الاستعمالات الآئلة إلى النقل لا ربط له بالمقام لأنّ ملاحظته الخصوصيّة هناك أمر زائد على ملاحظة القدر المشترك فيدفع بالأصل كما أوضحناه سابقا فافهم فالتحقيق أنّه إذا كان أحد المعنيين أعمّ من الآخر و التزمنا بكونه حقيقة في أحدهما أخذا بظاهر الاستعمال فيما لم يعلم من اللّفظ غيرهما تطرق فيه وجوه ثلاثة الاشتراك اللّفظي و كونه حقيقة في العام و مجازا في الخاصّ بعلاقة العموم و الخصوص أو العكس بتلك العلاقة أيضا لأنّ استعمال الفرد في الكلّي مجازا أيضا قسم من المجاز كما في مشفر و كثير في المحاورات بل لعلّه أكثر لأنّ استعمال العام المنطقي في الفرد مع ملاحظة الخصوصيّة أمر لم يعلم به في شي‏ء من الاستعمالات لاحتمال استناد الخصوصيّة فيما يتوهم كونه من هذا القبيل إلى قرينة خارجة عن حاق اللّفظ إلا أن أوسطها أوجهها لأنّ الاشتراك و المجاز كليهما مخالفان للأصل فلا بدّ من الالتزام بالوضع للمفهوم العام و جعل استعماله في المفهوم من قبيل استعمال الكلّي في الفرد لا من حيث الخصوصيّة (و أمّا الرّابع) و هو ما إذا علم أنّ للّفظ حقيقة أخرى غير المعنيين الّذين استعمل فيهما فإمّا أن تكون تلك الحقيقة حينئذ معلومة أو مجهولة و على الأوّل فإمّا أن يكون بينها و بين أحد المعنيين أو كليهما علاقة مصحّحة للتّجوز أو لا فإن كان الأوّل فالاستعمال فيه ليس بدليل على الوضع علما و لا ظنّا فيبقى أصالة عدم الاشتراك سليمة عن المعارض و إن كان الثاني فالحال فيه كما عرفت سابقا في متحد المعنى لأنّ تلك الحقيقة المعلومة إذا لم تكن بينها و بين المستعمل فيه علاقة مصحّحة للمجاز فلا بدّ أن يكون المستعمل فيه حقيقة أو مجازا لحقيقة أخرى و حيث إنّ المفروض عدم العلم بها كان حال الاستعمال حينئذ كحال الاستعمال في متحد المعنى و هو واضح و على الثاني و هو ما إذا كانت الحقيقة مجهولة فالاستعمال أيضا ليس بظاهر في ثبوت الوضع لاحتمال كون المعنيين مجازا عن تلك الحقيقة و هل يثبت بأصالة عدم الاشتراك ثبوت العلاقة بين تلك الحقيقة المجهولة و بين المعنيين فيحكم بمجازيتها و يندرج المقام بذلك تحت الأصل المعروف من أولوية المجاز عن الاشتراك أم لا فيختصّ ذلك الأصل بما إذا أحرز العلاقة المجوّزة للمجاز و دار الأمر بينه و بين الاشتراك إطلاق قولهم في الأصل المزبور يقضي بالأوّل إلا أنّ الأقوى الثّاني ففي المقام لا بدّ من التّوقف فلا يرجح شي‏ء من الاشتراك و المجاز على الآخر لتعارض أصالة عدم الاشتراك أو عدم الوضع مع أصالة عدم مصحّح التجوّز و ليس الأصل الأوّل حاكما على الأصل الثّاني كما يظهر بالتّأمّل (نعم) إذا علم بالعلاقة المصحّحة و شكّ في ملاحظتها أو ملاحظة الوضع فأصالة عدم الوضع حاكم على أصالة عدم الملاحظة كما مرّ إليه الإشارة و إلى الإشكال في ذلك (و أمّا الخامس) و هو ما علم بكون اللّفظ حقيقة في أحد المعنيين لا بعينه فلا بدّ من النّظر فإن كانت العلاقة المصحّحة موجودة في كلا المعنيين كانت أصالة عدم الاشتراك قاضية باتّحاد الوضع فيتوقف في تعيين المجاز عن الحقيقة و إن كانت العلاقة مختصّة بأحد المعنيين بمعنى أنّه على تقدير كونه حقيقة في أحدهما المعيّن يجوز استعماله مجازا في الآخر دون العكس فقد يقال إن أصالة عدم الاشتراك تعيّن الوضع لغير ذي العلاقة و تثبت كونه مجازا فيه إذ لو كان موضوعا لذي العلاقة لزم أن يكون موضوعا للآخر أيضا لأنّ الفرض عدم المناسبة المصحّحة بينه و بين ذلك الآخر (و أمّا السّادس) و هو ما إذا علم كون أحدهما المعين حقيقة و شكّ في الآخر فقد تبيّن الحال فيه ممّا فصّلناه لأنّ المعنى المشكوك إن كان مناسبا لتلك الحقيقة المعلومة ثبت بأصالة عدم الاشتراك كونه مجازا على إشكال في ذلك كما مرّ و يأتي إن شاء الله تعالى و هذا هو القدر المعلوم المتيقّن من قولهم المجاز خير من الاشتراك و الوجه في خيرية المجاز ما أشرنا إليه في الموضع الرّابع فيما إذا كان أحد المعنيين أعمّ من الآخر فارجع و تأمّل و إن لم يكن مناسبا فحال الاستعمال فيه كحاله عند اتحاد المستعمل فيه و قد تلخّص ممّا بسطنا أمران (أحدهما) أنّه إذا استعمل لفظ في معنى على وجه الاستمرار و التّعارف في ألسنة أهل اللّسان و شكّ في أنّه حقيقة أو مبني على الوضع مجهول أو حقيقة مجهولة فظاهر الاستعمال هنا الحقيقة لحصول الظنّ القوي كما يفصح عن ذلك استكشاف اللّغات المجهولة بالاستعمالات الواصلة من أهل اللّسان من غير فرق بين اتحاد المستعمل فيه أو تعدده (و الثاني‏

) أنّ حجيّة هذا الظّهور مبني على اعتبار الظّن المطلق في اللّغة و من يعوّل عليه فالأصل في الاستعمال أن يكون حقيقة عنده هذا هو الّذي اقتضاه التأمّل في المقام (بقي الكلام) في ذكر حجج الأقوال إجمالا و التّنبيه على ما فيها من وجوه الفساد و الاختلال (فنقول) استدلّ على القول الأوّل بوجوه كثيرة نذكر منها أمتنها و أسدّها مع تهذيب و تحرير و هي ثلاثة (الأوّل) استقرار سيرة الناس على معرفة اللّغات بالمراجعة إلى استعمالات أهل اللّسان كما نقل عن ابن عبّاس و الأصمعي أنّهما علما معنى المفطر و الدّهاق من استعمال بعض أهل اللّسان و بناؤهم حجّة و يرد عليه أنا لا ننكر كون الاستعمال من طرق العلم بالوضع كيف و هو من أعظم طرائقه و أشيعها و نحن أيضا نراجع إليها فيما اشتبه علينا من الأوضاع لكنا ندعي أن الاستعمال إذا لم يفد العلم بالوضع و لا الظّن فليس الأصل فيه الحمل على الحقيقة و لم يعلم اعتماد أهل اللّسان على مجرّد الاستعمال في الموارد الخالية عن أحد الوصفين و هذا مثل ما أوردنا على مراجعة العلماء إلى أقوال النقلة من أنّ المراجعة إليها أعمّ من الاعتماد عليها عند عدم حصول العلم و إنّ ادّعي إفادة الاستعمال أحد الوصفين فمع أنّه خروج عن الاستدلال ببناء أهل اللّسان و أئمة اللّغة اتجه المنع و لو سلّم فإنّما يسلّم في متّحد المعنى و بعض صور المتعدّد

70

لا مطلقا (الثّاني) أن حال الاستعمال عند تعدّد المستعمل فيه كحالها عند وحدته فكما أن الأصل في الثاني كونه على وجه الحقيقة فكذلك الأوّل و هذا الدّليل محكي عن الذريعة و هو الّذي أوقع الجماعة في وهم خروج متحد المعنى عن محلّ النّزاع و جوابه منع الحكم في القيس عليه كما يظهر ممّا نقلناه عن العدّة مضافا إلى الفرق الفاحش بين متحد المعنى و بعض أقسام متعدد المعنى مثل ما لو علم بكون بعضها حقيقة و شكّ في الباقي مع ثبوت العلاقة المصحّحة للتجوّز فإنّ الوجوه المعول عليها في إثبات الوضع عند اتحاد المعنى لا يجري شي‏ء منها في هذا القسم المتعدّد (الثّالث) أن غالب ما يجري عليه المحاورات استعمال الألفاظ في معانيها الحقيقية و هذه الغلبة حجّة إمّا لحجيّة الغلبة مطلقا في الألفاظ أو خصوص هذه الغلبة و لذا أجمع العلماء و العقلاء على حمل الاستعمال على الحقيقة عند الشكّ في المراد كما يأتي إن شاء الله تعالى (توضيح ذلك) أنّ ظاهر الاستعمال قاض بإرادة الموضوع له بعد العلم به و الشكّ في إرادته و ليس ذلك إلاّ لغلبة الاستعمالات الحقيقية في المحاورات لأنّ العلم بالموضوع له و عدمه لا دخل له في الظّهور فلو علم المراد و شكّ في كونه الموضوع له حمل أيضا على الحقيقة للظّهور المزبور النّاشئ من الغلبة (و فيه أوّلا) أنّ كون الموضوع له مرادا غير كون المراد موضوعا له و الغلبة في الأوّل لا تستلزم الغلبة في الثاني فظهور الاستعمال في الأوّل لا يستلزم ظهوره في الثّاني مثلا إذا قلنا أنّ الإنسان غالبا صحيح جاز أن يكون الصّحيح غالبا غير إنسان فافهم (فنقول) إنّ المعنى الحقيقي غالبا يراد من اللّفظ و لكن المراد من اللّفظ لا يلزم أن يكون غالبا هو المعنى الحقيقي (فإن قلت) غلبة استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي موجب لإلحاق كلّ جزئي مشكوك منها بالغالب فإذا وجد لفظ مستعمل في معنى و شكّ في كونه المعنى الحقيقي ألحقنا ذلك الاستعمال الجزئي بالغالب فيظنّ أنّه من تلك الاستعمالات و الظنّ بذلك يستلزم الظنّ بكون ذلك المعنى حقيقيّا (قلنا) هذا إذا سلّمنا الغلبة المزبورة في مطلق الاستعمالات و أمّا إذا خصّصناها بالاستعمالات المشكوكة المرادات لم يكن وجه للإلحاق معلوم المراد بتلك الاستعمالات المشكوكة المرادات فتدبّر (و ثانيا) لو سلّمنا حصول الظنّ فالتّعويل عليه مبني على اعتبار الظّن المطلق في اللّغات و قد عرفت ضعفه لا يقال الظّن الحاصل من الاستعمال قطعي الاعتبار لأنّا نمنع اعتباره مطلقا إذ المسلّم إنّما هو اعتبار الظنّ بالمراد و حاصله أنّ الاستعمال يفيد الظّن بأمرين أحدهما الظّن بالمراد مع الشكّ فيه و الأخرى الظّن بالوضع مع العلم بالمراد و القدر المعلوم من حجيّة الظنّ الحاصل من الاستعمال إنما هو الظنّ الأوّل دون الثّاني و إن كان الظنّ به حاصلا من موجب الظنّ بالأوّل (حجّة القول الثّاني) إنّ الاستعمال كما يكون على وجه الحقيقة كذلك يكون على وجه المجاز فهو أعمّ منها و لا دلالة للعام على الخاصّ و الجواب عنه أنّه إن أريد عدم الدّلالة مطلقا و لو ظنّا فمكابرة واضحة لأنّك عرفت أنّه إذا استعمل اللّفظ في معنى أو معنيين أو معان مستمرّا و دار الأمر بين كونها حقائق أو مجازات عن معاني مجهولة فلا جرم يفيد ذلك الظنّ بالأوّل بل ليس في مباحث الألفاظ ممّا يعول عليه من أفراد الغلبة مثل ذلك و احتمال سبق حقيقة مجهولة يندفع بحكم الفرض أو أصالة العدم (حجّة القول الثالث) إنّ أغلب اللّغة مجازات فيلحق المشكوك بالغالب و فيه أنّه إن أريد أنّ الاستعمال المجازي أغلب من الحقيقي فغير سديد و إن أريد غلبة المعاني المجازية على المعاني الحقيقية نظرا إلى أنّ كلّ حقيقة لها مجازات فغير مفيد لأنّ الشكّ هنا في الاندراج و الغلبة لا يجدي في مثل ذلك كما إذا علمنا أنّ أغلب أنواع الحيوان صامت و شكّ في اندراج فرد تحت أحد هذه الأنواع الصّامتة أو تحت النوع النّاطق فإنّه لا سبيل إلى الحكم باندراج المشكوك تحت أحد تلك الأنواع إلا إذا كان الموجود من أفراد الأنواع الصّامتة أغلب من أفراد النّاطق و قد عرفت أنّ غلبة الاستعمال المجازي على الحقيقي في الخارج ممنوع و قد يجاب أيضا بأنّ غلبة المعاني المجازية الثّانية مسلّمة و لكنّها لا تجدي و غلبة الفعليّة ممنوعة و الكلام فيها لا في الثّاني و هذا أوضح (حجّة القول الرّابع) و هو التّفصيل بين متّحد المعنى و متعدّده و هو جريان ما تعلّق به السيّد في الأوّل دون الثّاني لأنّ الاستعمال في المعاني المتعدّدة لا ظهور له في اشتراك اللّفظ بينها بل قضية ندرة الاشتراك اختيار قول ابن جني فيما زاد على‏

الواحد و بناء أهل اللّسان على التعويل على الاستعمال في معرفة الوضع مختصّ أيضا بالأوّل إذ لم يعهد منهم التعلّق بمجرّد الاستعمال لإثبات الاشتراك مضافا إلى أصالة عدم الوضع السّليم عن المعارض في الثّاني دون الأوّل لاستحالة المجاز بلا وضع فلا ضير في نهوض الوجوه المزبورة دليلا على الوضع حيث لا يعارضها أصالة العدم و عدم نهوضها دليلا عليه في صورة المعارضة (أقول) قد عرفت جريان الوجوه المذكورة في متّحد المعنى في كثير من صور متعدّد المعنى و أمّا حديث معارضتها بأصالة عدم الوضع في المتعدّد دون المتّحد ففيه مع عدم تماميّتها في بعض صور المتعدّد كما إذا كان المعنيان غير متناسبين فإنّ أصالة عدم الاشتراك حينئذ غير جارية للعلم بوضع اللّفظ لهما أو لمعنيين آخرين مناسبين لهما أنّ ظاهر الاستعمال على تقدير اعتباره في إثبات الوضع لا يعارضه أصالة عدم الاشتراك كما لا يخفى و على تقدير عدم الاعتبار فلا وجه للتعويل عليه في مقام تعيين الموضوع له و الفرق بين المقامين و إن أمكن لكن لا بدّ فيه من التماس دليل على ذلك‏

إيقاظ

تظهر الثمرة بين الأقوال في الاستعمالات المجرّدة عن قرينة المراد فإنّها على قول السيّد محمولة على ذلك المعنى الّذي وجدنا استعماله فيها و مجملة على القول المشهور أعني التوقف كما أنّها

71

على قول ابن جنّي أيضا مجملة هذا في متحد المعنى و أمّا متعدّده فقد صرّح غير واحد من الأعلام بأنّه لا ثمرة فيه بين الأقوال للزوم التّوقف في الاستعمال المجرّد عن القرينة على جميع الأقوال و فيه نظر لأنّ الاستعمال المجرّد إذا كان معه ما يمنع عن إرادة أحد المعنيين محمول على المعنى الآخر عند السّيّد و مجمل عند غيره لأنّ المشترك يتعيّن في بعض معانيه إذا امتنع إرادة غيره و اللّه الهادي‏

و من الطّرق الظّنيّة أيضا صحّة الاشتقاق و عدمه‏

فالأوّل دليل الحقيقة و الثّاني دليل المجاز فمادة الأمر حقيقة في الطّلب لصّحة الاشتقاق منه و مجاز في الفعل لعدم الاشتقاق ذكره بعض و فيه نظر واضح هذه عمدة ما يعول عليه في معرفة الوضع بالمعنى الأعمّ من الطّرق الظّنيّة و قد ذكروا أشياء أخر يفيد الظّنّ بها كالقياس و الشّهرة و غيرهما و ممّا ذكرنا يعرف الحال فيها لأنّ الاعتداد بها مبنيّ على حجيّة الظّن مطلقا في اللّغات و قد عرفت ما فيه‏

و أمّا العلائم العلميّة

فهي أيضا كثيرة نذكر منها شطرا نافعا لعموم الابتلاء بها

منها التبادر

من المبادرة بمعنى المسابقة و المراد به هنا إمّا حضور المعنى في الذّهن من اللّفظ المجرّد عن القرينة أو انتقال الذهن أي ذهن السّامع إلى المعنى و على التّقديرين فالإطلاق مبني على ضرب من المسامحة و التنزيل و التشبيه فكأن كلّ من المعنى و الذّهن يسبق إلى الآخر من بين المعاني أو الأذهان فالمسبوق عليه على الأوّل سائر المعاني و على الثّاني أذهان غير السّامع و منه يعلم أنّ نسبة السّبق إلى المعنى أولى من نسبته إلى الذّهن هذا إذا كان الإطلاق مبنيا على معناه الحقيقي أعني السّبق و أمّا لو كان مبنيّا على ملاحظة لازمة أعني مجرّد الحركة بأن جعل المعنى الّذي أطلق باعتباره على الحضور أو الانتقال المذكورين هي الحركة كان نسبته إلى الذّهن أولى من نسبته إلى المعنى كما لا يخفى على المتأمّل و جعل شارح المختصر علامة الحقيقة أن لا يتبادر غيره إلى الفهم و في المنية أن علامة المجاز عدم سبق المعنى إلى الذّهن و ما فعلناه يوافق كلاّ منهما في إحدى العلامتين لا في مجموعهما و هو أحسن إذ يرد على ما ذكره الشارح المجازات الّتي حقيقتها مجهولة لأنّها لا يتبادر غيرها إلى الفهم لعدم العلم بالوضع لا يقال الكلام في علامة الحقيقة التي يعتبر فيها الاستعمال و اللّفظ المستعمل لا يخفى حقيقة عند الكلّ لأنّا نقول هذا و إن كان نادرا إلا أنّه أمر ممكن و لو كان غير واقع و محافظة الحدود عن الخلل الممكنة لازمة و يرد على ما في المنية أيضا الحقيقة المجهولة لأنّه لا يتبادر إلى الذهن عند سماع اللّفظ مضافا إلى سلامة ما ذكرنا من الإشكال الّذي أورده الآمدي في محكي الأحكام في المقام و عدم سلامتها إلاّ بتوجيهات و تكلّفات و تعسّفات و هو النّقض بالمشترك المستعمل في المعنى المجازي فإنّه يصدق عليه أنّ غيره لا يتبادر لأنّ المشترك لا يتبادر منه شي‏ء من معانيه عند عدم القرينة مع أنّه مجاز و بالمشترك المستعمل في أحد معنييه فإنّه لا يسبق إلى الذّهن فيكون مجازا بمقتضى تحديد النية و أمّا ما ذكرنا عن الإشكالين من غير تعسّف و تكلّف فواضح لأنّ العلامة لا تجب أن تكون جارية في جميع الحقائق كما لا يخفى و ثبوت الوضع في المشترك بالنسبة إلى كلّ من معانيه و عدم تحقّق التّبادر غير ضائر و كذا عدم ثبوت علامة المجاز أعني تبادر الغير في مجازات المشترك مضافا إلى أن المشترك يتبادر منه جميع المعاني تبادرا معتبرا في الدّلالة الوضعيّة أعني مجرّد الانتقال الذهني كما نبّهنا عليه في تعريف الوضع (و أمّا ما أجاب به) الشّارح في المقام من أنّ المتبادر هو أحد المعاني بعينه و إن لم نميّزه في إرادة المتكلّم و هو حقيقة فيه ففيه أوّلا أنّ النقض يلاحظ حينئذ بالنّسبة إلى غيره فإنّه معنى حقيقي مع عدم كونه متبادرا و ثانيا أنّ ذلك موقوف على توقف الدّلالة على الإرادة و عدم جواز إرادة المعنيين مثلا في استعمال واحد و ستعرف فساد الأوّل و الخلاف في الثّاني مع كون اعتبار هذه العلامة غير خلافيّة (فإن قلت) يرد على ما بنيت في المشترك من كون المتبادر منه جميع المعاني انتقاض علامة المجاز لأنّه يصدق على كلّ واحد من معانيه أن غيره يتبادر فيلزم أن يكون مجازا و هو باطل (قلنا) بطلان اللاّزم ممنوع لأن كلّ واحد من المعاني مجاز بالنّسبة إلى الآخر و من هنا يندفع إيراد آخر و هو لزوم كون كلّ واحد من معاني المشترك حقيقة لكونه متبادرا و مجازا لتبادر غيره مع أنّهما متضادان وجه الاندفاع أن الحقيقة و المجاز يختلف باختلاف الحيثية فكلّ من المعاني حقيقة بملاحظة ما يخصّه من الوضع و مجاز بالنّسبة إلى الوضع المختصّ بالآخر (فإن قلت) قد منعت فيما سبق جواز كون المشترك مجازا في بعض معانيه بعلاقة الآخر فكيف تلتزم هنا بكونه مجازا بالنّسبة (قلنا) المراد بكونه مجازا هنا كونه خلاف الموضوع له و الممنوع سابقا لاتصافه بالاستعمال المجازي و قد يذبّ عن السّؤال الأوّل بأنّ تبادر الغير مع عدم التبادر علامة للمجاز لا مطلقا و مرجعه إلى الجمع بين القولين المتقدمين في علامة المجاز و هو مبني على القصور عن إدراك معنى العلامة لأنّ تبادر الغير في نفسه دليل عقلي على كونه مجازا بالنّسبة إلى ذلك الغير فكيف يعقل توقف دلالته على شي‏ء آخر و أملى الداعي إلى هذا القيد حسبان امتناع كون المعنى حقيقة و مجازا بالنّسبة إلى لفظ واحد و قد عرفت فساده فكيف كان فلا ريب و لا إشكال أن سبق المعنى إلى الذّهن من اللّفظ المجرّد دليل علميّ على الوضع بعد عدم المناسبة الذاتية لاستحالة الترجيح بلا مرجّح و

انحصار التّرجيح في الوضع و قد أورد على هذه العلامة إشكالان (أحدهما) أنّها علامة دوريّة لأنّ نسبة اللّفظ إلى جميع المعاني عند الجاهل بالوضع سواء فيستحيل سبق بعضها دون بعض إلى ذهنه فالسّبق المذكور يتوقف على العلم بالوضع كما يتوقف هو عليه و ما قيل من إمكان سبق المعنى‏

72

إلى الذّهن بدون العلم بالوضع من اشتهار استعمال اللّفظ و حصول المؤانسة الذّهنية بملاحظة الاستعمالات مدفوع بأن تلك الاستعمالات الّتي علم بها الجاهل بالوضع إن كانت مجرّدة عن القرائن المفيدة للمراد لم يحصل منها إدراك مناسبة و علقة بين اللّفظ و المعنى حتى يوجب انتقال الذهن إليه من اللّفظ المجرّد و إن كانت مقرونة بالقرينة (ففيه) أن الاستعمالات المحفوفة بالقرائن لا تصلح لأن تكون منشأ لظهور اللّفظ في المعنى عند التجرد عن القرينة كما أوضحنا الكلام فيه عند تقسيم الوضع إلى التّعيّني و التّعييني حيث ذكرنا مخالفة بعض المحققين في ذلك و ذكرنا ما فيه من مخالفة الاتفاق و الاعتبار نعم على مذاقه (رحمه الله) يتم ذلك الكلام فإنكاره على هذا القائل ليس في محلّه (فإن قلت) الاستعمالات المحفوفة بالقرائن المنفصلة صالحة لأن تكون منشأ لظهور اللّفظ المجرّد في المعنى كما في المنقول و المجاز المشهور (قلنا) نعم لكنّها تفيد العلم بالوضع أعني ارتباط المعنى بنفس اللّفظ قبل العلم بالتّبادر فيكون التّبادر معلولا للعلم بالوضع و إلاّ أي و إن لم يفد العلم بالارتباط المزبور فكيف يكون منشأ لحصول التّبادر و على تقدير إمكان ذلك فمثل هذا التبادر لا يعقل أن يكون دليلا على الوضع لاستناده إلى الاستعمالات الّتي هي في نفسها أعمّ من الحقيقة و المجاز فتدبّر (ثمّ) إنّ ورود الدّور غير متوقف على بطلان القول بالمناسبة الذّاتيّة على ما هو المعقول من احتمالات هذا القول و هو توقف العلم بها على الوضع نعم على بعض ما فيه من الاحتمالات السّخيفة من كون عدم توقف العلم بتلك المناسبات على إعلام الواضع بالوضع لكونها من البديهيات الّتي لا تخفي على العوام فضلا عن الخواصّ لا بدّ من توسيط بطلان القول بالمناسبة في بيان ورود الدّور فما صنعه غير واحد من التّوسيط بقول مطلق ليس على ما ينبغي (و الثّاني) النّقض بالتّبادر الحاصل في بعض أقسام المجاز المشهور (و توضيحه) أنّ اللّفظ باعتبار كثرة الاستعمال و غلبته و شهرته في المعنى المجازي و أحد المعاني الحقيقية إنّما ينصرف إليه فبطل المقدّمة الأخيرة أعني انحصار المرجّح في الوضع إذ قد يكون غيره و هذا البيان أولى من تقرير الإيراد بأنّ اللّفظ لا يتبادر منه الحقيقة إذا كان له مجاز مشهور وجه الأولوية ما مرّ من أنّ العلامة لا يلزم أن تكون منعكسة فقد لا تجري في بعض الموارد و إنّما المعيب تخلّفه لا عدم انعكاسه و عمومه (أقول) و هذان الإشكالان ليس في كتب القوم لهما عين و لا أثر و إنّما صدرا من غير واحد من المتأخرين و التحقيق عدم ورود شي‏ء منهما (أمّا الأوّل) فلأنّ المدار على ذهن العالم لا ذهن الجاهل و الدّور إنّما يرد على الثّاني و ظني أن كلمات القوم في ذكر هذه العلامة مع عدم الإشارة إلى كونها دوريّة مع التعرض له في العلامة الآتية كلّها مبنية على ذلك و ممّا يصرّح به عبارة العميدي حيث قيّد الفهم بفهم أهل اللّسان و عليه جرى أيضا المحقّق القمّي (رحمه الله) و نعم ما جرى نعم يبقى هنا مطالبتهم بالفرق بين هذه العلامة و العلامة الآتية حيث ذكروا أنّها دوريّة حتى وقعوا في دفعه في اضطراب و غلق و لم يذكروه في هذه العلامة مع عدم الفرق بينهما بوجه من هذه الحيثيّة كما ستعرف و أمّا على تقدير تعميم الذّهن لذهن الجاهل فقد تعرض بعض المحقّقين لدفع الدّور أيضا بالفرق بين العلم و العلم بالعلم فجعل الموقوف عليه التبادر العلم بالوضع و الموقوف على التبادر العلم بالعلم بالوضع فالعلم بالوضع عنده سبب للتّبادر و التبادر سبب للعلم بالعلم بالوضع (و أجاب) آخر بالفرق بين العلم الإجمالي و العلم التفصيلي فجعل الأوّل موقوفا عليه التبادر و الثّاني موقوفا على التبادر و لا يبعد رجوعه إلى الأوّل كما يشهد به متابعة هذا المجيب للمجيب الأوّل في أكثر التّحقيقات معنى لا لفظا (و كيف كان) فيرد عليهما بعد المساعدة على الفرق بين العلم و العلم به و على إمكان سببيّة العلم الإجمالي للعلم التفصيلي من غير رجوع إلى الإجمال و التفصيل المعتبر في القياس الّذي لا ربط له بالمقام كما يظهر بالتأمّل أنّهما بعيدان عمّا صرّح به العامّة و الخاصّة في هذه العلامة حيث جعلوها دليلا علم العلم بالوضع للجاهل لا للعالم و لا لغير الملتفت لعلمه مضافا إلى أنّ ما ذكراه من عدم الالتفات إلى العلم أو مفارقة العلم الإجمالي عن العلم التفصيلي على تقدير صحّته ففي غاية النّدرة و مجاري هذه العلاقة قد بلغت في الكثرة أقصاها كما لا يخفى على المنصف (و أمّا الإشكال الثّاني) فالتحقيق في الجواب أن كثرة الاستعمال تارة تكون في مباين الموضوع له و

أخرى في فرده فإن كان الأوّل أجيب أوّلا بمنع إمكان بلوغ الكثرة إلى ذلك الحدّ مع بقاء الحقيقة الأوّلية فإن اللّفظ في مثل هذه الشّهرة يتعيّن للمعنى المجازي و يكون حقيقة فيه و قد تقدّم بعض الكلام في ذلك حيث أشرنا إلى مخالفة بعض المحققين في تقسيم الوضع إلى التعيّن و التعيين و سيأتي في التنبيه الآتي ما يوضح المقال إن شاء الله و ثانيا لو سلّمنا بلوغ الشهرة إلى ذلك الحدّ كما هو أحد الأقوال في المجاز المشهور المحكيّة في تمهيد القواعد أنّ الانصراف إلى المعنى المجازي مع قطع النظر عن القرينة ممّا يقضي باستحالته صريح العقل و لو كانت القرينة هي الشّهرة فالذّهن لا يلتفت إلى المجاز مع بقاء الوضع إلا بعد الالتفات إلى الصّارف الّذي هي الشّهرة فيخرج هذا الانصراف عن الانصراف المجعول علامة أعني انصراف اللّفظ بمجرّده مع قطع النظر عن جميع ما سواه إلى المعنى و على ذلك نبّه في القوانين و فرق به بين الانصراف الموجود في المجاز المشهور و انصراف اللّفظ إلى المنقول حيث إنّ الأوّل مسبّب عن ملاحظة الشهرة دون الثاني و بعض من لم يستحسنه من الأجلّة يزعم أن الانصراف إلى المنقول إليه أيضا قد يتسبّب عن ملاحظة الشّهرة عدل عنه إلى جواب آخر (و حاصله) أنّ الانصراف في المجاز المشهور انصراف ثانويّ متفرع على ملاحظة المناسبة بينه و بين المعنى الحقيقي و لذا يترتب عليه آثار التجوز من المبالغة و البلاغة و غيرهما بخلاف‏

73

الانصراف إلى المنقول إليه فإنّه ابتدائي غير ملحوظ فيه المعنى الأوّل قال و ممّا حقّقنا ظهر فساد ما زعمه الفاضل المعاصر تبعا لبعض المتأخرين في الفرق بين المنقول و المجاز المشهور من أنّ التّبادر في المجاز المشهور بواسطة الشّهرة و في المنقول من نفس اللّفظ (أقول) و لعمري أن ما ذكره أولى بالفساد (أمّا أوّلا) فلأنّ من فرق بينهما بالملاحظة و عدمها أراد أن التّبادر في المعنى المجاز المشهور تبادر ثانويّ بمعنى أنّ الذّهن عند سماع اللّفظ ينتقل إلى المعنى الحقيقي بمقتضى الوضع ثم بعد الالتفات إلى كثرة استعماله في المعنى المجازي ينصرف عنه إليه و هذا في المآل ينطبق على ما اختاره في وجه الفرق (و أمّا ثانيا) فلأنّ النقل يستدعي هجر المعنى الأوّل و حصول علاقة بين اللّفظ و المعنى تكون علّة تامّة للانصراف إلى المنقول إليه كالعلقة الحاصلة من تخصيص الواضع و مدخليّة شي‏ء في تأثير العلّة التامّة متضحة الفساد و إن ادّعي أن كثرة الاستعمال و إن كانت سببا لحصول العلاقة الوضعيّة إلاّ أن مجرّد وجودها الواقعي من غير ملاحظتها لا يكفي كان ذلك أيضا مطّردا فلا وجه لانتقال الذّهن إلى المنقول منه في بعض المنقولات بدون ملاحظتها (ثمّ) إنّ المجاز المشهور على تقدير إمكانه ممّا ليس له أثر واضح في العرف فلو وجد ففي غاية النّدرة فكيف استشهد على مدّعاه بترتب آثار المجاز على المجاز المشهور مضافا إلى أنّ استعمال الأمر في النّدب من أمثلة المجاز المشهور عند القائلين بثبوته و نحن لا نجد فيه شيئا من تلك الآثار (و التحقيق) أنّ الفرق بينهما إنّما هو بالإجمال و البيان فالمجاز المشهور ما كان من المجملات العرفية باعتبار غلبة الاستعمالات و المنقول ما كان ظاهرا في المعنى المجازي كما سنشير إليه في التنبيه الآتي نعم لو بني على مذهب أبي يوسف في المجاز المشهور فلا بدّ من الفرق بينهما بما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) فانتظر تمام الكلام و إن كان الثاني بأن كان كثرة استعمالات اللّفظ في فرد الموضوع له أجبنا أيضا (أوّلا) بالمنع و توجّه انصراف المطلقات إلى الأفراد الشّائعة بأنّه من باب الأخذ بالقدر المتيقن كما هو أحد وجوه الفرق بينه و بين المجاز المشهور (و ثانيا) بما مرّ أيضا في القسم الأوّل من الفرق بين الانصراف النّاشئ من حاق اللّفظ و النّاشئ من ملاحظة شي‏ء خارجي و يمكن أن يجاب أيضا بأنّ حمل المطلق على الفرد الشّائع ليس من باب تبادره من اللّفظ و لو بملاحظة الغلبة بل من باب تعدد الدّال و المدلول فافهم و بما ذكرنا يظهر الجواب عن النقض بالمشترك المشهور في بعض المعاني في علامة المجاز نظرا إلى أنّ عدم كون الغير المشهور متبادرا بل غيره يتبادر فيلزم أن يكون مجازا على القولين في علامة المجاز وجه الظّهور أن تبادر المشهور إن كان مع ملاحظة الشّهرة فهذا ليس من التبادر المبحوث عنه و إن كان مع قطع النظر عنها فاللّفظ ليس مشتركا بينه و بين الغير المشهور لأنّ بقاء العلاقة الوضعية علّة تامّة لالتفات الذهن إلى الموضوع له عند سماع اللّفظ فمع عدم الالتفات كيف يعقل بقاء العلاقة الوضعيّة

تنبيهات فيها تحقيقات‏

الأوّل [الكلام في تحديد المجاز المشهور و نقل الأقوال فيه‏]

نقل الشّهيد الثّاني في تمهيد القواعد و غيره في المجاز المشهور أقوالا ثلاثة الحمل على الحقيقة المرجوحة و الحمل على المجاز الرّاجح و التوقف (و توضيح الحال) فيه يستدعي الكلام أوّلا في تحديده و تمييزه عن المنقول و ثانيا في سببه و ثالثا في إمكانه و رابعا في وقوعه و خامسا في حكمه فهاهنا مقامات أما (الأوّل) فنقول المراد بالمجاز المشهور المتنازع فيه على ما مرّ سابقا ما كان الظّهور النّاشئ من كثرة الاستعمال فيه مساويا للظّهور النّاشئ من وضع بأن يكون اللّفظ مع قطع النظر عن الشهرة باقيا على ظهوره في المعنى الحقيقي و مع ملاحظتها ظاهرا في المعنى المجازي و مع ملاحظة الوضع و الشّهرة معا مجملا متردّدا بين المعنيين ففي كلّ من الجانبين أمارة ظنية تتعارضان فينتفي الرّجحان من الجانبين و حاصله أن تبادر المعنى المجازي في المشهور تبادر تقديريّ معلّق على فرض عدم معارضته لأصالة الحقيقة فلو كان الظّهور النّاشئ من الشّهرة أضعف من الظّهور المستند إلى الوضع أو العكس خرج عن المجاز المشهور المعروف و ربما يظهر من تفصيل بعض المحققين كونهما من أقسام المجاز المشهور أيضا و هو بعيد عن ظاهر كلمات القوم فانظر إلى ما في المنية و تمهيد القواعد و سائر الكتب الأصوليّة تجدها صريحة أو ظاهرة فيما ادعينا (ثمّ) إن الشّهرة إنما توجب الظّهور في خلاف الموضوع له إذا كانت الاستعمالات المحصّلة لها مجرّدة عن القرائن المتصلة كما هو صريح الكلّ أو الجلّ خلافا لبعض المحققين حيث صرّح بإمكان ظهور اللّفظ في المعنى المجازي بسبب الاستعمالات المحفوفة بالقرائن المتّصلة أيضا و قد سبق ذلك في تقسيم الوضع إلى التّعييني و التّعيّني كما سبق بسط المقال في تزييف هذا الرّأي و أمّا الفرق بينه و بين المنقول من حيث الماهيّة و الحقيقة فقد قدّمناه آنفا من حيث الثمرة فيأتي الكلام فيه بعد نقل الأقوال (و أمّا المقام الثّاني) فقد نسب إلى بعض الأعاظم ما يظهر منه عدم الإمكان و الحق أنّه أمر ممكن و قد يستدلّ على الامتناع بأن وجود المقتضي مع عدم العلم بالمانع علّة تامّة للحكم بالمقتضي فبعد بقاء الوضع الأوّلي الّذي يقتضي الحمل على الحقيقة على حاله و عدم هجر الحقيقة الأوّلية مع عدم العلم بالقرينة الصّارفة ينصرف اللّفظ لا محالة إلى المعنى الحقيقي سواء لوحظت الشهرة أم لا (و يدفعه) أن عدم العلم بالمانع لا يكفي في تأثير المقتضي بل لا بدّ من عدم المانع واقعا و مع الشكّ فيه يحصل الشكّ في المقتضي نعم ربما يتأمّل في وقوعه على وجه مسلّم بين الكلّ أو الجلّ إذ ليس في المجازات ما يكون بهذه المثابة و ما نقل عن بعض الأعاظم ظاهره الخلاف في هذا المقام لا في الإمكان و يؤيّده ظاهر قوله في القوانين و الأقوى وجوده نعم استعمال الأمر في الندب كذلك عند صاحب المعالم إلا أنّه مخالف لرأي الأكثر بل الظّاهر عدم‏

74

موافقة قوله لفعله (قدّس سرّه) حيث لا يظنّ به المتوقف في الأوامر المجرّدة عن القرينة و أمّا حكمه على تقدير الإمكان و الوقوع فقد اختلف فيه إلى أقوال ثلاثة أحدها ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحمل على الحقيقة المرجوحة الثاني الحمل على المجاز الرّاجح و هو المحكي عن أبي يوسف و الثالث التوقف و هو خيرة الأكثر (و يمكن) الاستدلال على الأوّل بما أشير إليه في وجه الامتناع من أنّ المقتضي و هو الوضع موجود و المانع غير معلوم أو مدفوع بالأصل فيجب الحكم بترتب المقتضى على المقتضي و يدفعه أنّ عدم العلم بالمانع غير كاف بل لا بدّ من إحراز العدم بالوجدان أو بالدّليل و هما مفقودان في المقام أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثّاني فلأنّ الدّليل على عدم القرينة ليس إلاّ الأصل و هو غير ناهض في المقام بإثبات العدم لما سنحقّقه في الاستدلال على القول المختار (و قد يجاب) عن أصالة عدم القرينة بأن الشكّ في المقام شكّ في مانعيّة الموجود و هي الشّهرة فلا ينهض الأصل فيها أو في تعيين الحادث بعد العلم بوجوده للعلم الإجمالي بملاحظة المتكلّم أحد الأمرين من الوضع أو الشّهرة و أصالة عدم ملاحظة أحدهما معارضة بأصالة عدم ملاحظة الآخر و ضعفها ظاهر (أمّا الأوّل) فلأنّ أصالة العدم لا يفرق فيه بين الشكّ في وجود المانع أو مانعية الموجود (و أمّا الثّاني) فلأنّ استعمال اللّفظ فيما وضع له لا يستدعي ملاحظة الوضع إجمالا أو تفصيلا بخلاف الاستعمال في المعنى المجازي كما سبق نعم تتم المعارضة عند من زعم أنّه لا بدّ في الموضوع له من ملاحظة الوضع و يستدلّ على الثاني بأنّ اللّفظ مع ملاحظة الشهرة تكون ظاهرة عرفا في معناه المجازي فتندرج تحت الظّواهر اللّفظية الّتي لا إشكال في وجوب متابعتها شرعا و عرفا و يرد عليه أنّه مصادرة واضحة إذ الخطب في كون المعنى المجازي من الظّواهر الثانوية كالأمر الواقع عقيب الحظر في الإباحة بالمعنى الأعمّ فإنّا ندعي أنّ اللّفظ إذا غلب عليه الاستعمالات المجازية اندرج تحت المجملات العرفية باعتبار مصادمة الظهور النّاشئ من الشّهرة للظّهور النّاشئ من الوضع و أصالة عدم الصّارف و من هنا يظهر أنّ المختار هو القول الثّالث المشهور الّذي عليه المحقّقون (أمّا أوّلا) فلما ذكره القوم من تعارض الظّهورين و تساقطهما (و أمّا ثانيا) فلما مرّ في ردّ القول الأوّل و حاصله و مرجعه إلى أن أصالة الحقيقة إنّما يعتبر عرفا إذا لم يكن مع اللّفظ حال صدوره ما يصلح كونه قرينة صارفة فإنّها حينئذ تصير موهونة و الأصل في ذلك أن مجرّد الوضع لا يكفي في حمل اللّفظ على الحقيقة مع الشكّ في القرينة بل لا بدّ أن يكون للّفظ ظهور نوعيّ عرفي في إرادة المعنى الحقيقي و هو إنّما يكون إذا كان اللّفظ في حين صدوره مقرونا بعدم المانع الّذي هو القرينة ثم طرأ الشكّ في وجود المانع و أمّا إذا كان مقرونا في حال صدوره بما يحتمل مانعيته فلا ظهور له و السّر في ذلك أنّ أصالة عدم المانع في الأوّل أمارة نوعيّة عند العقلاء دون الثّاني و من أجل ذلك يسري إجمال المخصّص إلى العام فيجعله مجملا اتّفاقا و ممّا ذكرنا يظهر وجه التوقف في مسألة الاستثناء المتعقب بالجمل و أشباهه كما يأتي إن شاء الله تعالى (فإن قلت) ما ذكرت من عدم وجوب الحمل على الحقيقة عند الشكّ في مانعيّة شي‏ء مقرون باللّفظ لو تمّ فإنّما يتمّ فيما إذا كان الأمر المحتمل كونه قرينة لفظا موجودا في الكلام و أمّا غيره من الأمور الخارجية كالشهرة و قرائن الأحوال ففتح هذا الباب فيها يوجب سدّ باب الاستدلال بالأدلّة اللّفظية الشرعيّة إذ ما من خطاب إلاّ و هو محفوف بحال أو مقال يحتمل كونه مانعا عن الحمل على الحقيقة فلو بني على إجمال كلّ خطاب مقرون بما يحتمل كونه مانعا استحال الاستفادة من غير الخطابات الشّفاهيّة مضافا إلى أنّ هذا هو الّذي أنكرت عليه في إبطال ما أجيب به عن دليل القول الأوّل (قلنا) ما ذكرنا إنّما هو فيما إذا علم بصلاحية المقرون بالخطاب لكونه مانعا و قرينة صارفة كالشّهرة فيما نحن فيه و الاستثناء فيما إذا تعقب جملا متعدّدة فلا يجري مع الشّك في أصل الصلاحيّة و تلخيص ما حقّقنا أنّ الشكّ في القرينة الصّارفة يتصوّر على وجوه ثلاثة الأول أن يعلم بصدور اللّفظ عاريا عن جميع القرائن و شكّ في وجود القرينة المنفصلة عن الخطاب و الثّاني أن يشكّ في وجود القرينة باعتبار الشكّ في صلاحية ما يقارنه من الأحوال و الأقوال و غيرهما للصروف الثالث أن يشكّ في وجودها باعتبار الشكّ في اتكال المتكلّم عليها مع إحراز صلاحيتها

للتعويل كالشهرة فيما نحن فيه و توهم الحظر في الأمر الواقع عقيبه و اعتبار أصالة عدم القرينة فالعرف و الظّهور اللّفظي إنّما يسلّمان في الأوّلين دون الثالث (و الفرق) هو أن قابليّة الخطاب لإفادة المعنى المجازي غير محرزة في الأوّلين محرزة في الثالث و من الواضح أن إحراز صلاحية المقام لإرادة كلّ من الحقيقة و المجاز ممّا يمنع عن حصول الظنّ من أصالة العدم و لو شأنا بخلاف ما لو كانت أصل الصّلاحيّة مشكوكة فافهم و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل هو أنّ ظهور اللّفظ في إرادة المعنى الحقيقي مسلّم على الأوّل و لكنه معارض بالظّهور الناشئ من الشهرة و غلبة الاستعمال في المعنى المجازي و ممنوع على الثاني (و منه يظهر) أولوية هذا الوجه عن الأوّل لأنّ الظهور اللّفظي على تقدير تسليمه لا يعارضه الظّهورات الأخر الحاصلة من غير ظواهر الألفاظ كالغلبة و نحوها و كذا لا يتوقف في العمل بالعام مع شيوع التخصيص و غلبته إلى أن قالوا ما من عام إلاّ و قد خصّ كما يأتي توضيحه إن شاء الله تعالى (و لا يذهب عليك) أن هذا لا يرجع إلى القول بإناطة حجيّة ظواهر الألفاظ بالظنّ الفعلي أو بعدم الظّن بالخلاف حتّى لو ظنّ بالقرينة أو بالمعارض سقطت عن الاعتبار بل إلى اشتراط اعتبارها بالظنّ النوعي‏

75

لأنّ اللّفظ المحفوف بما يصلح للصّارفية ليس من الأمارات النوعيّة أيضا فافهم و انتظر لبقيّة الكلام في المقام الثاني هذا ثم إنّ لبعض محققي المتأخرين تفصيلا في المقام قد سبق إليه الإشارة في مبحث الوضع و نزيد هنا و نعيد (و نقول) إن حاصل ما ذكره أنّ الشهرة لها درجات خمسة الشّهرة البالغة إلى حدّ صلاحيّة التعيين دون الصّرف فيثمر فيما لو قامت قرينة صارفة فإنّها تصير حينئذ مرجّحة للمجاز المشهور على ما سواه و الشّهرة البالغة إلى حدّ المصادمة مع الظّهور الوضعي بعد ملاحظتها و الشّهرة البالغة إلى حدّ الرجحان عليه مع ملاحظتها أيضا و الشّهرة البالغة إلى حدّ إجمال اللّفظ بدون ملاحظتها مع رجحان المجاز بملاحظتها و الشّهرة البالغة إلى حدّ رجحان المجاز أيضا بدون ملاحظتها فكيف معها قال اللّفظ في المراتب الثّلاث الأول باق على حقيقته لانصراف اللّفظ إلى الحقيقة بدون ملاحظتها بل و مع ملاحظتها في الأولى دون الثانية و الثّالثة لأنّه في الثّانية بملاحظتها مجمل و في الثالثة محمول على المجاز في المرتبة الرّابعة و الخامسة منقول إلى المعنى الثّاني (أقول) أمّا ما ذكره في المرتبة الأولى و حاصله الفرق بين القرينة المعيّنة و الصّارفة و صلاحيّة الشّهرة في تلك المرتبة للثّاني دون الأوّل فهو مبني على ما اشتهر من أنّه إذا تعذّر الحقيقة فأقرب المجازات و الكلام بعد في صحّته لأنّ الشّهرة إن كانت حجّة فصالحة للأمرين و إلاّ فكيف تكون قرينة التّعيين و لذا لا يحمل المشترك على أشهر معانيه كما صرّح به المحقّق القمّي (رحمه الله) إلاّ أن يقال بأنّه لا ملازمة بين الأمرين لأنّ الصّارفة مصادمة للأصالة الحقيقة و المعيّنة غير مصادمة لها و لا يبعد في اعتبار شي‏ء عند العقلاء في مباحث الألفاظ إذا لم يعارضه دليل فالغلبة ما يعتدّ به العقلاء إذا لم يكن في مقابلها أصل لفظي لا مطلقا أو يقال إنّ اللّفظ بعد قيام القرينة الصّارفة تصير من الظّواهر الثّانوية في المجاز الّذي غلب استعماله فيه بالنّسبة إلى سائر المجازات و هو حسن و أمّا ما ذكره في المرتبة الثّالثة ففيه أيضا إشكال لأنّ الشّهرة إذا لم تكن بالغة حدّ النّقل فكيف توجب حمل اللّفظ على المجاز و أيّ دليل على اعتبارها (فإن قلت) الدّليل على اعتبارها أن بملاحظتها يكون اللّفظ من الظّواهر العرفية في المعنى المجازي المشهور و الظّواهر اللّفظية حجّة إجماعا (قلنا) إذا كانت الشّهرة بحيث تجعل اللّفظ من الظّواهر العرفية فيكون اللّفظ حينئذ من المنقولات لأنّا لا نعني بالمنقول إلاّ ما كان ظهوره في المعنى الأوّل منقلبا إلى ظهوره في المعنى الثاني في العرف بسبب كثرة الاستعمال (فإن قلت) المنقول ما كان ظاهرا في المعنى الثّاني بدون ملاحظة الشّهرة و قد فرض هنا توقف الظّهور على ملاحظتها فالفرق حاصل (قلنا) لا تأثير للملاحظة و عدمها في الشّهرة البالغة إلى حدّ حصول العلاقة بين اللّفظ و المعنى كما يشهد به المراجعة إلى الوجدان فإن غلبة الاستعمال إن بلغت إلى ذلك الحدّ فلا يتوقف على ملاحظتها و إلاّ فلا ينفع الملاحظة و فيه تأمّل و أمّا قوله بالنقل في المرتبة الرابعة فقد تقدم تزييفه في مبحث الوضع بما لا مزيد عليه لأنّ التّردد بين المعنى الأوّل و المعنى الثاني مع قطع النظر عن الشّهرة مبني على عدم اعتبار الهجر في المنقول و إمكان بقاء المنقول منه على حاله مع تجدّد وضع آخر بسبب كثرة الاستعمال و قد ذكرنا ما فيه من البعد عن كلمات القوم لظهورها في عدم تحقق النّقل إلا بعد هجر الأوّل كما هو ظاهر عبارة المعالم و رضي به المحشّون غيره (قدّس سرّه) بل عن الاعتبار السّليم أيضا لأنّا نجد فرقا بين التعيين و كثرة الاستعمال في أنّ الأوّل يمكن أن يكون سببا لحصول العلاقة بين اللّفظ و معنيين فصاعدا في مرتبة واحدة و حال واحد بخلاف الثّاني فإنّ سببيّته لحدوث العلاقة بين اللّفظ و المعنى بعد أن كانت العلاقة الوضعيّة منحصرة في غيره لا يخلو من بعد عقليّ أو عادّي فتأمّل جيّدا (و ربما) يظهر هذا التفصيل من السيّد الصّدر في شرح الوافية قال بعد أن ذكر أن المعنى الأوّل هو الأصل في الإفادة قبل تجدّد معنى آخر ثم إن غير المعنى الأصلي قد يكون مجازا و يدخل فيه التّخصيص و الإضمار و قد يكون حقيقة من غير هجر الأوّل و هو المشترك سواء كان من واضع واحد أم متعدّد و قد يكون مع الهجر و هو المنقول إليه و جميع هذا يكون من عوارض الوضع إلى أن قال و المجاز الغالب الّذي هجر معه الحقيقة ملحق في هذا المقام بالحقيقة كما أن المجاز المساوي يصير اللّفظ بسببه مشتركا لكن لا يبعد

أن يكون المراد بالاشتراك التوقف الّذي هو أثر الاشتراك كما هو القول في المجاز المشهور و ليس المراد هو الاشتراك الحقيقي في المجاز المساوي و القول بحصول النقل بدون هجر المعنى الأوّل ليرجع إلى مقالة المفصّل بل الّذي يظهر من التّأمّل في كلامه خصوصا بعد ملاحظة تصريحه باعتبار الهجر في المنقول قبل ذلك أنّه أراد بالمشترك الّذي جعله من أقسام الحقيقة في صدر كلامه المرتجل و بالنقل ما حصل بالوضع التعييني و أراد بالمجاز الغالب النقل الحاصل بكثرة الاستعمال لا بتخصيص مخصّص و أراد بالمجاز المساوي المجاز المشهور الّذي حكمه التوقف عند الأكثر و أنّ المراد بالاشتراك هو التوقف بل لو أطلق الاشتراك عليه حقيقة لم يكن بغريب غاية الأمر أن يقال إن الاشتراك المصطلح ما كان الترديد بين المعنيين فيه بسبب تعيين الواضع فلا يطلق على ما إذا حصل التّردد بسبب الاستعمال و هو سهل مع أنّك عرفت سابقا أن الاشتراك له إطلاق آخر أعمّ من المنقول و المرتجل هذا ثمّ إن ظاهر المحقّق القمّي (رحمه الله) أنّ القائل بحمل المجاز المشهور على المعنى المجازي أيضا لا ينكر جواز استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة اتكالا على الوضع كالقائل بالتوقف فيمتاز عن المنقول حينئذ على القولين لأنّ النقل يمنع عن جواز استعماله في الحقيقة المرجوحة بلا قرينة و هذا يستفاد منه أمران أحدهما ما قلنا من اعتبار الهجر في النقل و الثّاني لزوم التوقف على القولين في‏

76

المجاز المشهور لأنّه إذا جاز استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة جاء الاحتمال الموجب للتوقّف و الإجمال في جميع الاستعمالات فيشكل الفرق حينئذ بين القول بالتّوقف و القول بالحمل على المعنى المجازي فلا بدّ في إبداء الفرق بين المذهبين حينئذ أن يقال إنّ النزاع في المجاز المشهور صغرويّ ففرقة تمنع إمكان رجحان المعنى المجازي على الحقيقة قبل الوصول إلى درجة النقل و الهجر و أخرى تدعي إمكانه مع التوقف في الاستعمال نظرا إلى عدم الاعتداد بذلك الرّجحان النّاشئ من كثرة الاستعمال و ليس فيه كلّ البعد فاحفظ و اغتنم (و التّحقيق) أنّ النّزاع صغروي بمعنى آخر كما يظهر من توجيه الأقوال الثلاثة بما ذكرنا و هو كون المجاز المشهور ظاهرا في المعنى الحقيقي أو المجازي أو مجملا فأبو حنيفة يدعي بقاء ظهور اللّفظ في المعنى الموضوع له كما أنّ أبا يوسف يدّعي الظّهور في المعنى المجازي و المشهور يقولون بالإجمال فمن زعم تسالمهم على ظهوره في المعنى المجازي و أن اختلافهم إنّما هو في الحكم بعد التّسالم عليه كما يشعر بذلك اعترافهم بتبادر المعنى المجازي و اعتذارهم عنه بالاستناد إلى ملاحظة الشهرة فقد التبس عليه الأمر كلّ الالتباس كيف و بعد التّسالم على الظّهور اللّفظي لا ينبغي الخلاف في اعتباره إجماعا (و العجب) أنّهم مع توقفهم في المجاز المشهور كيف اعترفوا بتبادر المعنى المجازي حتّى اعتذروا عنه بما عرفت أم كيف فرقوا بينه و بين المنقول بما ذكرنا قبل التنبيهات و دعوى تألمهم على الظّهور مع توقفهم في الحكم كيف يجامع دعواهم الإجماع بل الضّرورة على حجيّة الظواهر العرفية ففي كلماتهم تشويش من جهات لم أجد متفطّنا لها و اللّه الهادي (و يمكن) التئام هذه الكلمات بأحد أمرين (أحدهما) أن يكون الملحوظ في الإيراد التّبادر الموجود في المجاز المشهور عند غير الملتفت بالوضع أو الغافل لا الملتفت مع قطع النظر عن الوضع على أن يكون مرادهم بتبادر المعنى المجازي مع قطع النظر عن الوضع الغفلة عنه لا مجرّد قطع النظر و لو مع الالتفات إلى الوضع فإنّ تسليم التّبادر في المجاز المشهور حينئذ يجامع القول بالتّوقّف مع العلم بالوضع و الالتفات إليه كما يظهر بالتّأمّل (و الثّاني) حمل كلامهم في المجاز المشهور بعد التّسالم على تبادر المعنى المجازي على الاختلاف في أنّه ظهور لفظي حتّى يتبع أو ظهور غير لفظي حتّى يلقى و يؤخذ بالمعنى الحقيقي أو يتوقف بينه و بين المجاز فأبو حنيفة يدعي كون التبادر في المجاز المشهور تبادرا حاصلا من أمارة خارجة عن الظّنون اللّفظية كالغلبة و أبو يوسف يدعي أنه من الظّواهر اللّفظيّة نظرا إلى أنّ اللّفظ مع ملاحظة الغلبة تعدّ من الظّواهر العرفية في المعنى المجازي و الأكثر يدّعون الإجمال باعتبار منع الظّهور أو منع كونه لفظيّا ثم إنّ الفرق بين المجاز المشهور و المنقول من حيث الماهيّة و الحدّ قد ذكرناه قبل التنبيهات و أمّا الفرق بينهما من حيث العمل على وجه يثمر في الأدلّة على القول الأوّل و الثالث واضح لأنّ اللّفظ إن كان مجازا مشهورا حمل على المعنى الأوّل عند أبي حنيفة و يكون مجملا عند المشهور و إن كان منقولا حمل على المعنى الثّاني على القولين و أمّا الفرق بينهما على القول الثّاني (ففيه نظر) و تأمّل لأنّ اللّفظ على التقديرين يحمل على المعنى الثاني و يحتاج في حمله على المعنى الحقيقي إلى القرينة فلا ثمرة عمليّة بينهما في الأدلّة و مثل هذا الإشكال يجري في المجاز المشهور الّذي يتبادر منه المعنى المجازي لو قلنا بإمكانه كما سمعت عن المحقّق المذكور في تفصيله المزبور و قد يفرق بينهما كما في القوانين و غيره بأنّ القرينة الّتي يحتاج إليها المعنى الحقيقي في المجاز المشهور نافية لحكم الشهرة الّتي هي قرينة صارفة للفظ عن الحقيقة و مقتضى للحمل عليه في المنقول و هو كما ترى لا يترتب عليه ثمرة عمليّة كما لا يترتب أيضا على الفرق المتقدّم من استناد تبادر المعنى الثّاني في المجاز المشهور إلى ملاحظة الشّهرة و إلى نفسها من دون توسيط الملاحظة في المنقول و أمّا الفرق بينهما بجواز استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة في المجاز المشهور أخذا بمقتضى بقاء الوضع بخلاف المنقول فإنّه لا يجوز فيه ذلك إلا بالقرينة كما ذكره المحقّق القمي (رحمه الله) أيضا فهو أيضا لا يثمر في مقام العمل و في الأحكام مضافا إلى ما فيه من البعد أو الاستحالة الواضحة لأنّ ذكر اللّفظ و إرادة خلاف الظّاهر لا يفرق في قبحه و امتناع صدوره من الحكيم بين الظّاهر الحقيقي و المجازي و كيف كان (فلا يذهب عليك) أنّ البحث في المجاز المشهور مختصّ بغير الخطاب الشّفاهي الّذي يحتمل فيه احتفافه بقرينة

المراد فلا يجري في الخطابات الشّفاهيّة لأنّ التكلّم بالمجمل العرفي في مقام التّفهيم و التفهّم بدون قرينة المراد نقض للغرض فيستحيل صدوره من المختار فضلا عن العاقل و الحكيم فافهم و استقم‏

الثّاني‏

أنّ هذه العلامة كما تجري في المدلول المطابقي كذلك تجري في المدلول الالتزامي و التضمّني فيثبت بها أنّ المدلول المطابقي يلزمه ذلك اللاّزم أو يتضمّن ذلك الجزء و لذا يستدلّ بالتّبادر على دلالة الأمر على الوجوب بالالتزام و على دلالة الجملة الشرطية على الانتفاء عند الانتفاء كذلك لأنّ عدم الرّضا بالتّرك لازم لمدلول الأمر المطابقي أعني الطّلب المتأكّد و كذا الانتفاء عند الانتفاء لازم للعليّة الّتي تدلّ عليها الجملة الشرطية بالمطابقة و من هنا قد يخالج بالبال كما اختلج قد خلج ببال بعض ورود الإشكال على هذه العلامة لأنّها تجري في اللاّزم مثلا مع عدم كونه معنى حقيقيّا و كذا المدلول التضمّني و لكنّه هيّن لأنّ التبادر دليل على كون فهم المتبادر مستندا إلى وضع الواضع لا إلى القرينة فيختلف الاستناد على حسب اختلاف التبادر فإن كان تبادره من اللّفظ على وجه الاستقلال أي بدون تبعيّة تبادر شي‏ء آخر دلّ على كون المتبادر معنى استقلاليّا للفظ و إن كان على وجه التّبعيّة دلّ على استناده إلى الوضع تبعا فكلّ قسم من‏

77

المتبادر و ليس على قسم من الاستناد إلى الوضع و الحاصل أن المراد بكون التّبادر علامة للحقيقة كونه علامة لاستناد فهم المتبادر إلى الوضع لا إلى القرينة فقولهم أنّه علامة للحقيقة مسامحة واضحة أو منزّل على ما هو الغالب من صور استعماله أعني الشكّ في أصل المدلول المطابقي و الغفلة عن ذلك أوهم الإشكال المذكور و إن شئت الاستراحة عن هذا الوهم رأسا قلت في تعريفه ما قلنا فينحسم الإشكال من أصله و أمّا التّفصي عن الإشكال بما ارتكبه بعض المحقّقين من أنّ تبادر الجزء و اللاّزم ليس تبادرا عن حاق اللّفظ بل بملاحظة الملزوم و الكلّ و العلامة هو التّبادر المستند إلى حاق اللّفظ فمع أنّه يرد عليه انتقاض علامة المجاز حينئذ لأنّ المدلول الالتزامي و التضمّني على كلامه يتبادر غيرهما أعني المدلول المطابقي من حاق اللّفظ في حال كونهما متبادرين بذلك التّبادر التبعي يلزم منه فساد القول بأنّ الأثر مثلا حقيقة في الوجوب و على خلافه إطباق الكلّ فإنّهم يصرّحون بأنّ المداليل الالتزاميّة و التضمّنية حقائق لا مجازات يريدون به ما أشرنا من أنّ فهمهما مستند إلى الوضع لا القرينة نعم في المقام إشكال آخر عويص لا يكاد ينحسم من كلمات القوم لا تصريحا و لا تلويحا و هو أن هذه العلامة غير مطّردة في المداليل الالتزاميّة فليس يجري في كلّ مدلول التزاميّ و لذا لم يتمسّك أحد من القائلين بوجوب المقدّمة فيه بالتبادر من الأمر و كذا القائلين بدلالة الأمر بالشّي‏ء على النّهي عن الضد فما الفارق بين المقامات فإن فرق بينهما بخفاء الملازمة و جلائها فيجري في الثّاني دون الأول و بعبارة أخرى في المدلول الالتزامي البين بالمعنى الأخصّ دون الأعمّ أو الغير البين كما قد يستفاد ذلك عن بعض كلمات المحقق القمي (رحمه الله) في بعض مقدّمات مقدّمة الواجب فيصح البطلان لأنّ خفاء الملازمة و جلائها إنّما يؤثر في خفاء التّبادر و جلائه بمعنى كون التّبادر بدويا أو حاصلا بعد التّأمل لا في أصله و قد يفرّق أيضا بين المقامات باللّزوم الوضعي و العقلي فإن كان الأوّل بأن كان أصل الملازمة بين المدلولين جعليّة حاصلة من فعل الواضع و جعله و اعتباره في عالم الوضع جرى في إثباته و نفيه التّبادر و عدمه و إن كان عقليّا صرفا كالملازمة بين أقلّ الحمل و مدلول الآيتين فإنّها ممّا يدركها العقل و ليست ممّا اعتبرها الواضع في ألفاظ الآيتين و لم يجر فيه ذلك و فيه أنّ الملازمة الجعلية ممّا لا نتعقلها في الأوضاع مع أن مجاري التّبادر من الالتزامات كلّها التزامات عقليّة فإن عدم الرّضا بالتّرك لازم لماهيّة الطّلب المتأكّد لزوما عقليّا كلزوم سائر لوازم الماهيات و كذا الملازمة بين مفهوم الشّرط و منطوقه لأنّ منطوقه و هو كون المقدّم علّة تامّة للجزاء و من الواضح أنّ الانتفاء عند الانتفاء الّذي نسمّيه بالمفهوم لازم عقلي صرف لها و حسم الإشكال هو أن يقال إنّ المراجعة إلى التّبادر في إثبات المداليل الالتزاميّة مقصورة على صورة الشكّ في الملازمة لا محالة و الشكّ فيها تارة ينشأ من الشكّ في المدلول المطابقي مع ثبوت الملازمة خفية أو جلية بعد إحراز المطابقة و أخرى من الشكّ في أصل الملازمة مع معلومية المدلول المطابقي فإن كان منشأ الشكّ هو الأوّل أمكن إثبات اللاّزم بالتّبادر و من هذا الباب إثبات الوجوب للأمر و إثبات المفهوم للجملة الشّرطية لأنّ الشكّ في دلالة الأمر على الوجوب مسبّب عن الشكّ في مدلوله المطابقي و أنّه الطّلب الغير البالغ حدّ الحتم و الإلزام حتّى لا يكون دليلا على الوجوب أو البالغ إليه حتّى يكون دليلا عليه (توضيحه) أن الطّلب من الأمور القابلة للشدّة و الضّعف يسمّى في المرتبة الضّعيفة بالنّدب و في المرتبة المتأكدة الشّديدة بالحتم و لازمها عدم الرّضا بالتّرك فالمايز بين الطّلب النّدبي و الطّلب الحتمي ليس بأمرين خارجين يكونان بمنزلة الفصلين لهما بل التميز بينهما إنّما هو بنفس الطّلب كالتميز بين مراتب الوجود فكما أنّ الوجود الضّعيف متميّز عن القويّ بنفس الوجود فكذلك الطّلب الشّديد و الطّلب الضّعيف فالقائل بدلالة الأمر على الوجوب يدعي وضع الصّيغة بإزاء المرتبة الشديدة الّتي يلزمها عدم الرضا بالتّرك و يستدلّ عليه بالتّبادر و القائل بعدم الدّلالة يدعي وضعها للمرتبة الضّعيفة و يستدلّ عليه بعدم التّبادر فالتّبادر و عدمه إنّما استعملا في مثله في المدلول المطابقي حقيقة لا في المدلول المجازي (و من هنا) انقدح جواب آخر عن الإشكال المتوهّم في الأمر السّابق فافهم و كذا الكلام في دلالة الجملة الشّرطية فإنّ الخلاف في دلالتها على المفهوم يرجع إلى الخلاف في أن مدلولها المطابقي ما ذا و أنّه مطلق سببيّة المقدّم للتّالي الّتي لا يلزمها الانتفاء عند الانتفاء

لجواز تعدّد الأسباب أو خصوص العلّة التّامّة الّتي يلزمها ذلك فالاستدلال على ثبوت المفهوم للجملة بالتبادر استدلال به على تعيين المعنى المطابقي و كذا الاستدلال على نفيه بعدم التّبادر و إن كان الثّاني بأن كان المدلول المطابقي معلوما و كان الشكّ في استلزامه لذلك اللاّزم لم يكن لاستعمال التّبادر فيه مجال لأنّ مورده إثبات المعنى الموضوع له و المفروض عدم الشكّ فيه بل في استلزامه لذلك اللاّزم (و من هنا) لم يتّجه التمسّك بالتّبادر في وجوب المقدمة و في حرمة الضدّ لأنّ الكلام في هاتين المسألتين إنّما هو بعد الفراغ عن دلالة الأمر على الوجوب و في أن وجوب الشّي‏ء هل يستلزم وجوب مقدّماته أو حرمة ضدّه لزوما بينا أو غير بين أم لا

الثالث‏

قد علم من تعريف التبادر أنّ التبادر النّاشئ من غير حاق اللّفظ ليس دليلا على الوضع و حينئذ فإن علم الحال من حيث الاستناد إلى اللّفظ و غيره فلا إشكال و إن جهل الحال فمقتضى القاعدة حينئذ التوقف و عدم الحكم بالوضع و لا بعدمه لأنّ أصالة عدم القرينة الخفية معارضة بأصالة عدم الوضع و من هنا يتطرّق في كونه‏

78

دليلا على الوضع إشكال آخر لأن الجاهل بالاصطلاح إذا راجع إلى متفاهم أهل اللّسان و وجد ظهور اللّفظ في المعنى فكيف يحرز كون ذلك الظّهور مستندا إلى الوضع لا إلى قرينة خفية حالية أو مقالية ففيه أنّ هذا إشكال في استعمال هذه العلاقة و التمسّك بها في إثبات الأوضاع اللّغوية لا في كونه دليلا مع أنّ دعوى اطّراد الشّك في جميع موارد التّبادر مكابرة لأنّ العلم بانتفاء القرينة أمر غير عزيز كما لا يخفى و قد يتفصّى عن الإشكال بما ذكره المحقّق القمي (رحمه الله) و تلاه غير واحد من المحقّقين بالاكتفاء بمطلق الظّن في نفي القرينة أو بخصوص أصالة العدم الّتي لا إشكال في متابعتها عند العقلاء خصوصا في مباحث الألفاظ الّتي مدارها على الظّن (أقول) يرد عليهم أنّ الاعتماد على مطلق الظّن فيما يتعلّق بالأوضاع قد ظهر فساده بما لا مزيد عليه (و أمّا) الإشكال على أصالة عدم القرينة ففيه ما عرفت من المعارضة بأصالة عدم الوضع إلا أن يقال إنّ الوضع معلوم إمّا لهذا المعنى المتبادر أو لغيره فلا يجري فيه الأصل أو لا ينفع باعتبار ابتلائه بمعارضة أصالة عدم الوضع لغيره فيبقى أصالة عدم القرينة سليمة عن المعارض و من هنا يتجه التّفصيل بين ما إذا لم يعلم السّامع وضعه لمعنى آخر فلا ينفع أصالة عدم الوضع و بين ما إذا علم بوضعه لمعنى آخر فينفع و مرجعه إلى ما ذكروه في تعارض الأحوال من أولويّة المجاز عن الاشتراك فلا وجه لإطلاق الحكم بترجيح جانب الوضع في كلام الجماعة إلا أنّ الصّورة الثانية لا مسرح للتّبادر فيها لاختصاصه بمتّحد المعنى و لا يأتي في المشترك فالتفصيل لا وجه له لكن الاعتماد على أصالة العدم قبل إحراز المقتضي أمر قابل للمناقشة كما مرّ بل مع إحرازه أيضا إلاّ في بعض المقامات كالمقام الثّاني الآتي و هو الشكّ في أنّ المتكلّم أراد المجاز أو الحقيقة لا الشكّ في أنّ المراد معنى حقيقي أو مجازي نعم لو شكّ في أنّ منشأ التبادر هو الوضع أم كثرة الاستعمال و الشّهرة رجّح جانب الوضع مطلقا لدوران الأمر حينئذ بين قلّة الحادث و كثرته و هذا ما يقال من أنّ الأصل في التّبادر أن يكون وضعيّا لا إطلاقيا ناشئا من كثرة الاستعمال و لكنّه أيضا بعد المساعدة على اعتبار أصالة العدم عند العقلاء بقول مطلق حتى فيما لا يرجع إلى أصالة عدم المانع أو إلى ما يتعلّق بالمرادات في مباحث الألفاظ و قد يتشخّص كون التبادر إطلاقيا أو وضعيّا من صحّة السّلب و عدمها و ذلك في المطلقات المنصرفة إلى الأفراد السابقة إذا شكّ في بلوغ الانصراف درجة النقل فيعرفان فبعدم صحّة سلب معنى اللّفظ عن الفرد النادر يعرف كون التبادر إطلاقيا و بصحته يعرف كونه وضعيّا فافهم و اللّه الهادي فيما أشكلت من الأمور إلى أزكاها

و منها صحّة النّفي و عدمها

فالأوّل دليل على المجاز و الثاني على الحقيقة ذكره العامّة و الخاصّة و زاد العضدي قيد في نفس الأمر احترازا عن السّلب المبني على نحو من الادّعاء و التّنزيل مثل قولهم للبليد ليس بإنسان كما هو الشّائع في العرف و اللّغة تنزيلا للبليد منزلة الحيوان باعتبار فقدانه صفة الإدراك الّذي هو من خصائص الإنسان و هذا الكلام لا غبار عليه إلا أنّ محافظة الحدود عن القيود المستدركة أولى فينبغي تركه كما تركه الكلّ أو الجلّ لأنّ المتبادر من النّفي و السّلب الحقيقيّان و إلى ذلك يشير قول المحقّق القمّي (رحمه الله) في إثبات استدراك القيد أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة و يحتمل أن يكون مراده إجراء الأصل في القضيّة السّلبيّة و هو أيضا جيّد لأنّا إذا رأينا سلب الإنسان عن الشاذ و شككنا في كونه سلبا حقيقيّا أو ادّعائيا أو مجازيا حملناه على الوجه الأوّل فلا حاجة حينئذ إلى هذه الفضلة فمتابعة بعض من تأخّر عنه للعضدي في اعتبار هذا القيد ثم مؤاخذته للمحقّق القميّ (رحمه الله) في دعواه الاستدراك من فضول الكلمات إلاّ أن يلاحظ على الاحتمال الثّاني صورة العلم بكون السّلب ادّعائيا إذ لو لا القيد المذكور لانتقض العلامة بذلك فافهم و كيف كان فقد أورد على هاتين العلامتين إشكالات (منها) لزوم الدّور و تقريره على بيان أتمّ و أوضح ما في حاشية المحقّق الشّريف و حاصله أنّ المراد بصحّة السّلب ليس سلب اللّفظ عن مورد الاستعمال و لا سلب بعض معانيه و لا سلب مطلق معانيه الشّامل للحقيقة و المجاز كما يظهر جميع ذلك بالتأمّل بل سلب جميع معانيه الحقيقية و العلم بسلب جميع المعاني عن مورد الاستعمال موقوف على العلم بعدم كونه شيئا منها و العلم بعدم كونه شيئا منها موقوف على العلم بكون اللّفظ مجازا فيه و إثبات كونه مجازا بعرفان صحّة السّلب يستلزم دورا مضمرا بواسطتين (ثمّ) قال و ورود هذا الاعتراض على الحقيقة أظهر لأنّ العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقية عن المستعمل فيه يتوقف على العلم بكونه من المعاني الحقيقة فإثبات كونه حقيقة فيه بعدم صحّة السّلب يستلزم دورا صريحا بغير واسطة (أقول) إن أراد بالدّور في المقام توقف الشي‏ء على نفسه صحّ ما قال في المجاز من لزوم الدّور بواسطتين لأنّه إذا توقف على ب و ب على ج و ج على أ فقد توقف أ على نفسه بواسطتين و هما ب و ج و لكن ما ذكره في الحقيقة حينئذ غير صحيح لأنّ توقف معرفته الحقيقة على نفسها باعتبار توقفها على عدم صحّة السّلب الّذي يتوقف عليها توقف مع الواسطة أيضا لأنّ أ إذا توقف على نفسه باعتبار توقفه على ب الّذي يتوقف عليه كان ب في البين واسطة في تحقق التوقف بل لا يتصوّر دور إلاّ و فيه واسطة فلا يكون مصرحا و إن أراد بالدّور توقف الشي‏ء على ما يتوقف عليه فما ذكره في المجاز غير واضح لأنّ توقف أ على ما يتوقف عليه أعني ج في المثال المزبور ليس إلاّ بواسطة واحدة و هي ب و إن كان هذا مجرّد اصطلاح بأن يقال إنه إذا توقف الشي‏ء على ما يتوقف‏

79

عليه فيسمّى بالمصرح أعني بغير واسطة إذ لا واسطة بين الموقوف و الموقوف عليه حينئذ أو لوضوح استلزامه توقف الشي‏ء على نفسه لزوما بيّنا كأنّه بغير واسطة و أمّا إذا توقف الشي‏ء على ما يتوقف على ما يتوقّف عليه فهو دور مضمر بواسطتين فيلزم أن لا يتصوّر دور مضمر بواسطة واحدة مع أنّه ذكر في حاشيته منه على تلك الحاشية أنّه لو قيل بعدم توقف العلم بكونه ليس منها على العلم بكونه معنى مجازيا بل باستلزامه له لكونهما في مرتبة واحدة كما ذكره التّفتازاني موردا على العضدي كان الدّور مضمرا بواسطة واحدة مع أنّهما إذا كانا في مرتبة واحدة رجع الدّور في تعريف علامة المجاز إلى نحو الدّور في علامة الحقيقة فيقال العلم بسلب جميع المعاني يتوقف على العلم بكون المبحوث عنه ليس منها و العلم بأنّه ليس منها في مرتبة العلم بأنّه معنى مجازي فالموقوف على الأوّل موقوف على الثاني فعرفان كونه مجازا بصحّة سلب جميع المعاني يستلزم دورا مثل دور علامة الحقيقة (و الحاصل) أنّ في المقام إشكالين (أحدهما) أنّه لو كان في علامة المجاز دور مضمر بواسطتين لزم أن يكون دوره علامة الحقيقة أيضا مضمرا بواسطة واحدة إذ لا فرق بينهما إلاّ بواسطة واحدة فإن كان دور علامة الحقيقة مصرحا فلا بدّ أن يكون دور علامة المجاز مضمرا بواسطة واحدة (و الثّاني) أنّه إذا منع من التّوقف الأخير في علامة المجاز كما منعه التفتازاني صار الدّور مصرحا كما في علامة الحقيقة فكيف ذكر أنّه دور مضمر بواسطة واحدة و ما الفرق بينه و بين الدّور في علامة الحقيقة على هذا التقدير هذا (و يمكن) رفع الإشكال الأخير بما يساعده التأمّل في كلامه و هو أن توقف العلم بسلب جميع المعاني على العلم بكون المعنى ليس منها ليس توقفا على كونه معنى مجازيّا و إن كان الأوّل مستلزما للثاني فيبقى إثبات توقفه عليه موقوفا على ملاحظة توقفه على أمر يستلزمه و إن لم يتوقف عليه فالفرق بين الوجهين هو أنّ العلم بكونه معنى مجازيا غير متوقف عليه العلم بصحّة السّلب بنفسه بل بواسطة توقفه على شي‏ء هو العلم بكونه ليس منها عليه بخلافه على الثاني فإنّه بنفسه متوقف عليه و إن كان العلم بالتّوقف متوقفا على ملاحظة كون العلم بأنّه مجاز في مرتبة العلم بكونه ليس شيئا من المعاني الحقيقية الّذي هو المتوقف عليه حقيقة و على هذا فيرتفع الإشكال الأول أيضا بما وجّهنا من رجوع التسمية إلى مجرّد الاصطلاح لكن يرد عليه أن الدّور على الوجه الثاني أيضا يتوقف على ملاحظة تلك الواسطة الّتي كان ملاحظتها لا بدّ منها على الوجه الأوّل غاية الأمر أنّ الواسطة على الوجه الأوّل واسطة لتوقف العلم بصحّة السّلب على العلم بالمجازية نفسه و على الوجه الثّاني واسطة للعلم بالتوقف لا لنفسه هذا (و التّحقيق) في رفع الإشكالين أن يقال إنّه إذا توقف أ على ب و ب على ج و ج على أ و هذا دور بواسطتين لأنّ توقف أ على ج إنّما هو بواسطة توقفه على ب و توقف ب على ج فالدّور الّذي هو عبارة عن توقف الشي‏ء على ما يتوقف عليه إنّما يحصل في المثال بواسطة التوقفين المزبورين فالمراد بالواسطة هنا هو التّوقف لا الشي‏ء الّذي هو واسطة بين الموقوف و الموقوف عليه حتّى يقال إنّ الواسطة بين أ و ج ليس إلاّ ب و أمّا إذا توقف أ على ب و ب على أ فهذا دور بلا واسطة إذ لا واسطة حينئذ بين التّوقفين أعني توقف أ على ب و ب على أ فظهر أن دور علامة المجاز على الوجه الأوّل المذكور في شرح المختصر دور بواسطتين و دور علامة الحقيقة دور بلا واسطة فارتفع الإشكال الأوّل (ثمّ نقول) إذا منعنا عن توقف ج على أ و قلنا أنّ ج مستلزم لألف كما أورده التفتازاني كان الدّور مضمرا بواسطة واحدة لأنّ أ حينئذ موقوف على ب و ب ليس موقوفا على أ ابتداء حتى يكون الدّور فيه بلا واسطة بل موقوف أولا على ج الّذي هو في مرتبة أ و ليس متوقفا عليه حتّى يتكرّر الواسطة بين توقف أ على ج و توقفه على أ كما على الوجه الأوّل لأنّ توقف أ على ب توقف بلا واسطة و توقف ب على أ إنّما هو بواسطة توقفه على ج الّذي هو في مرتبة أ فالواسطة في الدّور حينئذ أعني توقف أ على ب و بالعكس منحصر في توقف ب على ج فافهم و اغتنم و اجعله من هدايانا فإنّي لم أر من حام حول الإشكالين فضلا عن حول حسمهما (و اعلم) أني بعد ما بلغت إلى هنا ظفرت‏

بتعليقات المحشي الباغنوي فرأيته موردا على المحقّق الشريف بهذين الإيرادين معترفا بعدم انحسامهما مزيدا عليهما إشكالا آخر و هو أن ج إذا لم يتوقف على أ بل استلزمه كما ذكره الشارح فهذا و إن كان مستحيلا و لكنه ليس بدور مصطلح إذ لم يتوقّف ب على أ بل تأخّر منه لكونه موقوفا على ج الّذي هو و أ في مرتبة واحدة فيكون متأخرا عن أ أيضا مع أنّه مقدّم عليه زمانا لكونه دليله و العلم بالدّليل مقدّم على العلم بالمدلول أي التّصديق به و قد عرفت عدم ورود الأولين و أمّا الثالث فالظّاهر أنه غير مندفع لكنه سهل بعد مشاركته للدّور في الاستحالة هذا كلّه في علامة المجاز (و أمّا علامة الحقيقة) فقد عرفت تصريح المحقّق الشّريف بأنّه دور مصرّح بلا واسطة و استشكل فيه المحقق القمّي (رحمه الله) بأن الدّور فيه أيضا مضمر لأنّ العلم بعدم سلب جميع المعاني موقوف على العلم بأنّه ليس في المعاني الحقيقية معنى يمكن سلبه عنه إذ مع وجود ذلك يكون اللّفظ مجازا في المبحوث عنه باعتبار ذلك المعنى المسلوب عنه فيكون الدّور فيه مثله في علامة المجاز في كونه مضمرا بواسطتين و هذا الإشكال بظاهره غير وارد كما نبّه عليه بعض المحققين الناظر في كلامه إذ لا حاجة إلى المقدّمة الأخيرة أعني العلم بأنّه ليس في المعاني الحقيقية شي‏ء يصحّ سلبه عن مورد الاستعمال لأنه يكفي في الحكم بكون اللّفظ حقيقة في معنى عدم صحّة سلب بعض معانيه‏

80

عنه و إلاّ لزم أن لا يكون المشترك حقيقة في شي‏ء من معانيه و قد التفت (قدّس سرّه) إلى ذلك (فأجاب) بما حاصله أنّه كما يكفي عدم صحّة سلب بعض المعاني في كون اللّفظ حقيقة في الجملة كذلك يكفي صحّة سلب بعض المعاني عن مورد الاستعمال في كونه معنى مجازيا بالنّسبة إلى ذلك المعنى و رد بأن المقصود من علامة الحقيقة معرفة كون اللّفظ حقيقة في مورد الاستعمال و هو يحصل بعدم صحّة سلب بعض المعاني إذ ليس المقصود منها معرفة انحصار معنى اللّفظ فيه حتّى يتوقف على معرفة أنّه ليس له معنى حقيقي يجوز سلبه عنه و أمّا المقصود من علامة المجاز فهي معرفة كون اللّفظ مجازا في المورد و هو يتوقّف على سلب جميع المعاني و إلا أمكن أن يكون حقيقة فيه بملاحظة المعنى الغير المسلوب عنه (أقول) سلب جميع المعاني عن مورد الاستعمال يفيد كونه مجازا مطلقا أي في جميع استعمالات اللّفظ و سلب بعضها يفيد كونه مجازا في الجملة أي في بعض الاستعمالات و كذلك عدم سلب شي‏ء من المعاني عن المورد يفيد كونه حقيقة مطلقا أي في جميع الاستعمالات إمّا لانحصار معنى اللّفظ فيه أو لكونه مصداقا لجميع معانيه فلكلّ من العلامتين مجريان و عبارات القوم في بيان علامة المجاز صريحة في المجرى الأوّل و أمّا عباراتهم في علامة الحقيقة فمحتمل لهما معا قال العضدي و عدم صحّة النّفي علامة لها و لذلك لا يصحّ أن يقال للبليد ليس بإنسان و قال المحقّق الشّريف و ورود الدّور على الحقيقة أظهر لأن العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني في الحقيقة عن المعنى المستعمل فيه يتوقف على العلم بكونه من المعاني الحقيقية انتهى فإن حمل سلب جميع المعاني في عبارته هذه على عموم السّلب كما هو الظّاهر كان منطبقا على الوجه الأوّل و إن حمل على سلب العموم انطبق على الوجه الثّاني فحينئذ نقول إنّهم إن أرادوا الأوّل أي عموم السّلب اتّجه عليهم أنّ الدّور حينئذ أيضا مضمر لأنّ عدم سلب شي‏ء من المعاني عن المورد موقوف على أن لا يكون له معنى حقيقي يجوز سلبه عنه و دعوى بعض المحققين أنّهما مفهومان متلازمان و لا توقف بينهما مدفوعة بأن عدم سلب جميع المعاني مرجعه إلى إثبات جميعها في المورد و من المعلوم أن إثبات جميع حقائق اللّفظ في المورد أي التصديق بثبوتها فيه موقوف على أن لا يكون له حقيقة غير منطبقة على المورد لأنّ التّصديق بالإيجاب الكلّي يتوقف على عدم مناط السّلب الجزئي في الواقع و هو انتفاء المحمول في بعض أفراد الموضوع فتصديقنا بأن كلّ إنسان ناطق موقوف على أن لا يكون له فرد لا يكون ناطقا فالمراد بالسّلب في العبارة الأخيرة أعني قوله أن لا يكون للّفظ معنى حقيقي يجوز سلبه عن المورد الانتفاء الواقعي دون التصديق بالعدم حتّى يكون ملازما للتّصديق بالإيجاب الكلّي فاتّضح التّوقف بين المفهومين و إن كان مبنيّا على التفكيك في العبارة بحمل السّلب في العبارة الأولى أعني عدم صحّة سلب المعاني عنه على التّصديق و في العبارة الثانية أعني أن لا يكون له معنى حقيقي يجوز سلبه عنه على مجرّد الانتفاء الواقعي فافهم و إن أرادوا بسلب الجميع سلب العموم حتّى يكون مرجع العلامة إلى الإيجاب الجزئي فعليهم بإبداء النّكتة في التفكيك بين العلامتين حيث يعتبرون علامة المجاز على وجه يفيد كون اللّفظ مجازا في المورد مطلقا و لا يعتبرون علامة الحقيقة كذلك بل على وجه يكون مفيدا لكونه حقيقة في بعض الاستعمالات (و لئن) اعتذروا بمقالة المورد من أنّ المقصود من علامة المجاز العلم بكونه مجازا مطلقا دون المقصود من علامة الحقيقة فإنّه العلم بكونه حقيقة في الجملة فإنّه يرد حينئذ أن المقصود يختلف باختلاف غرض القاصد و لا ريب أن كلّ واحد من العلمين أي العلم بكونه مجازا أو حقيقة مطلقا و العلم بهما في الجملة مقصد برأسه يصلح لتعلّق الغرض الصّحيح للعقلاء به (ثمّ إنّ هذا كلّه) إذا أريد باستعمال العلامتين استعلام حال اللّفظ من حيث الوضع و عدمه بناء على أن يكون المراد بالحقيقة و المجاز الذي جعلت العلامتان علامتين لهما الحقيقة الشّأنية و المجازي الشّأني و أمّا إذا أريد معرفة حال اللّفظ في حال الاستعمال الجزئي كما هو ظاهر لفظي الحقيقة و المجاز لأنّ المتبادر منهما الفعليان كان ما ذكره (رحمه الله) في غاية الوجاهة كما اعترف به المورد لوضوح توقف العلم بكون الاستعمال الجزئي حقيقة على العلم بأنّه ليس للّفظ معنى حقيقي يجوز سلبه عن المستعمل فيه إذ لو احتمل أن يكون له معنى جائز السّلب عن المورد احتمل كون ذلك الاستعمال مجازا مبنيّا على ملاحظة المناسبة بينه و بين المورد فلا

بدّ من التّأمل في أنّ مقصودهم استعلام حال الاستعمال الكلّي أو الجزئي و قول المورد أنّ الكلام ليس في الأخير غير واضح بل لعلّه الظّاهر لأنّ المتبادر من لفظ الحقيقة و المجاز الفعليّان و لا يجوز يتصوّر فعليتهما إلاّ في الاستعمالات الجزئية هذا و لكن لا يذهب عليك أنّه إن منع عن جواز استعمال المشترك في أحد المعنيين بعلاقة الآخر كما تقدم في تعريف الحقيقة سقط كلا التوجيهين لأنّ عدم سلب بعض المعاني حينئذ يكفي في كونه حقيقة على الإطلاق سواء كان الكلام في الاستعمال الكلّي أو الجزئي هذا هو الكلام في بيان ما في العلامتين من الدّور (و أجيب) عنه بوجوه (الأوّل) منع المقدّمة الأولى و هو توقف العلم بالمجاز على سلب جميع المعاني لأنّ سلب البعض كاف لأصالة عدم الاشتراك ذكره العضدي و تلقاه المحقق الشّريف بالقبول و أصله عن الآمدي في محكي الأحكام و فيه أوّلا أنّ محذور الدّور غير مندفع لأنّ سلب بعض المعاني عن مورد الاستعمال لا يكون إلاّ بعد العلم بخروجه عنه و كونه معنى مجازيّا و ثانيا أنّه لو تمّ فإنّما يتمّ في علامة المجاز

81

دون الحقيقة كما لا يخفى إلاّ أن يقال بالنّظر إلى ما انتصرنا للمحقّق القمّي (رحمه الله) إنّ الدّور في عدم صحّة السّلب أيضا مضمر فيكون حاله كحال صحّة السّلب من حيث اندفاع الدّور بالجواب و عدمه و ثالثا أنّ العلامة حينئذ تكون ظنية مع أنّها على تقدير صحّتها علامة علميّة قطعيّة و رابعا أنه لا مدخليّة حينئذ لصحّة السّلب في إثبات المجاز لأنّا لو أغضينا عن ذلك و أجرينا أصالة عدم الوضع بالنّسبة إليه ثبت كونه مجازا إلاّ أن يقال إنّ أصالة عدم الوضع للمورد لا يستقلّ بإثبات كون اللّفظ مجازا فيه لاحتمال اندراجه تحت بعض المعاني الحقيقية فلا بدّ أولا من ملاحظة صحّة سلب المعاني عن المورد (ثمّ) رفع احتمال كونه معنى مستقلاّ بالأصل المزبور لكن تختصّ العلامة حينئذ بعنوان الشّك في الاندراج أعني الشّك في كون المورد مصداقا لمعنى معين من المعاني المعلومة بالإجمال أو التفصيل و سيأتي الكلام فيه و أن فروض الشكّ في الحمل الذّاتي الأولي من مجاري العلامة و الحاصل أنّ صور الشكّ ثلاثة أحدها أن يشكّ في المجازية في مؤدّى الحمل الأولي خاصّة و الثّاني أن يشكّ فيها في مجرى الحمل المتعارف خاصّة و الثّالث أن يشكّ في مورد الحملين بأن كان وضع اللّفظ للمورد و عدمه مستقلا محتملا و كذلك اندراجه تحت بعض معيّن معنى من المعاني ففي الأول يستقل أصالة عدم الوضع بإثبات المجازية من غير حاجة إلى ضميمة صحّة السّلب و في الثّاني يستقلّ صحّة السّلب بإثبات المجازية من غير حاجة إلى الأصل و في الثالث يحتاج إلى الحكم بالمجازية إلى الأمرين (فالجواب) على تقدير صحّته لا يتم إلا في بعض مجاري العلامة نعم يرد حينئذ أنّ العلامة غير ناهضة في غيره بإثبات المجازية لأنّ جزء السّبب ليس بسبب كما نبّه عليه في القوانين (الثّاني) ما ذكره في القوانين من أنّ سلب كلّ من المعاني عن المبحوث عنه دليل على مجازيّته بالنّسبة إلى ذلك المعنى لا مطلقا و فيه ما مرّ من عدم اندفاع الدّور كما يظهر بالتّأمّل بل الدّور فيه مصرّح (الثّالث) ما ذكره العضدي أيضا و رضي به المحقق الشّريف من أنّ الدّور إنّما يتوجّه إذا أطلق اللّفظ على معنى لم يعلم أنّه حقيقة فيه أو مجاز و أمّا إذا علم معناه الحقيقي و المجازي و لم يعلم أيّهما المراد أمكن أن يعلم بصحّة نفي المعنى الحقيقي و المجازي عن المورد أنّ المراد هو المعنى المجازي و ظاهره كما صرّح به المحقق الشّريف عدم جريان هذا الجواب في عدم صحّة السلب لأنّ استعمال الكلّي في الفرد من حيث الخصوصيّة مجاز مع عدم صحّة سلب الكلّي عن الفرد و هذا الجواب ظاهره معيب من وجوه أشار إليها المحقق القمّي (رحمه الله) و أيضا إذا لم يعلم المراد فكيف يسلب عنه المعنى الحقيقي أو لا يسلب و وجّهه بعض المحققين ردّا على المحقق القمي (رحمه الله) بأنّ المراد أنه إذا استعمل اللّفظ في فرد معلوم مبيّن مردّد بين كونه مصداقا للمعنى الحقيقي أو مصداقا للمعنى المجازي فبعدم صحّة السّلب و صحّتها يستعلم ذلك (ثمّ) ادّعى ظهور كلامهم في ذلك و لعلّها دعوى بلا سلطان و تأويل بلا برهان لصراحة قوله و لم يعلم أيّهما المراد فيما فهمه المحقق القمّي (رحمه الله) و مثله عبارة المحقق الشريف أو أصرح و قد سبقه إلى ذلك الفاضل الباغنوي في حاشيته على العضدي (لكن) ظاهره الاعتراف بعدم كونه مراد المجيب حيث إنه بعد أن ذكر الجواب و ذكر أنّه لا يتم عنوان المسألة كما سمعت عن المحقّق القمّي (رحمه الله) قال و توجيهه فإنّ التعبير عنه بالتوجيه مشعر بظهور عبارة المجيب في خلافه و الذي يخالج بالبال هو أن السّامع ربما يسمع لفظا و لم يدر أنّ المراد بها الحقيقة أو المجاز مثل ما إذا سمع أن قائلا يقول طلع القمر حيثما يحتمل إرادة المعنى الحقيقي و المجازي الّذي هو المحبوب فإذا نظر السّامع إلى جانب الأفق و رأى أنّ القمر الحقيقي ليس بطالع علم أنّ الطّالع ليس بقمر فيعلم أنّه المعنى المجازي (ثمّ) إن اتّحد المعنى المجازي تعيّن و إن تعدّد توقف التعيين على دليل آخر و أنت خبير بسلامة هذا النحو من الاستعلام عن الدّور و أمّا قول المحقق القمّي (رحمه الله) بأنّه لا حاجة عند الشكّ في المراد إلى صحّة السّلب و عدمها لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة فيه أنّ الأصل لا يفيد سوى التّعبد أو الظّن بالمعنى الحقيقي و لا يرفع شك السّامع كما لا يخفى بخلاف ما قررنا في استعمال صحّة السّلب و عدمها فإنّه يفيد العلم بالمعنى المجازي و أمّا جريان مثل ذلك في عدم صحّة السّلب و عدم‏

الجريان فالظّاهر أنّ ما أورده المحقّق القمّي (رحمه الله) هنا صحيح لكن يمكن الاعتذار عن المحقق الشّريف بأن إرادة الخصوصيّة من اللّفظ أو من الخارج أمر لا يمكن العلم به في استعمالات الكلّي في الفرد لأنّ فهم الخصوصيّة لا بدّ له من قرينة على التقديرين و عدم صحّة السّلب سار في جميع صور استعمال الكلّي في الفرد فلا يستكشف منه حال الاستعمال الجزئي و أنّه على نحو الحقيقة أو المجاز فافهم (و هاهنا) أجوبة أخرى تبلغ إلى نحو عشرة أو أزيد لكنّها تعسّفات و تكلّفات واضحة و فروضات نادرة أو عادمة يمنع عن إرجاع العلامتين إليها كثرة الانتفاع بهما في العرف و العادة مثل الفرق بين الموقوف و الوقوف عليه بالإجمال و التفصيل و نحوهما ممّا لا جدوى في تعرّضها إلاّ التّطويل و الإطناب و الصّحيح في رفع الإشكال هو أنّ صحة النّفي و عدمها عند العارف باللّسان دليلان على الوضع و عدمه عند الجاهل فلا دور كما قلناه في التّبادر و لا يتوهم قلّة جدواها على هذا التّقدير لمكان التّبادر و تصريحات أهل اللّسان لأنّهما قد لا يتحقّقان (توضيحه) أنّ الجاهل بوضع اللّفظ إن وجد تنصيصا من أهل اللّسان فهو و إلاّ فعليه بالمراجعة إلى التبادر في متفاهمهم كما قلنا فإن لم يجد استعمالاته في العرف فليرجع إلى هاتين العلامتين و لقد أجاد في التهذيب و المنية حيث جعلا هاتين العلامتين من أقسام تنصيص أهل اللّسان بلوازم الوضع من غير تعرض لإيراد الدّور و هو منطبق على ما قلنا من أن الملحوظ فيها صحّة السّلب و عدمها عند العالم و إن أبيت إلاّ

82

عن جريانهما عند الجاهل أيضا فيمكن فرضه إذا كان الشكّ في الاندراج و عدمه كما إذا وجدنا إطلاق الابن علي ابن الابن في كلام العرب و شكّ في كونه مجازا أو حقيقة باعتبار الشك في أن الابن موضوع للمتخلّق من ماء الرّجل أو خاصة لكلّ من خرج من صلبه و لو مع الواسطة فإنّه يمكن أن يتوصّل الجاهل إلى معرفة الموضوع له بصحّة السّلب و عدمه من غير دور لأن علمه بصحّة سلب معنى الابن الحقيقي عن ابن الابن لا يتوقف على العلم بكونه مجازا فيه بل يستلزمه كما في الشكّ الأوّل (و توضيح ذلك) أنّ الإنسان قد يعلم بأن اللّفظ موضوع لكذا و أنه يجوز سلبه عن كذا أو لا يجوز و كلّ منهما مفهوم مغاير لكونه خارجا عن الموضوع له و إن كانا متلازمين فينتقل من الأولين إلى الثاني لما بينهما من الملازمة انتقالا آنيّا لكن هذا لا يجري في ما كان الشكّ في نفس الموضوع له لأن العلم بعدم سلب معنى الإنسان عن الحيوان النّاطق مثلا موقوف على العلم بأنّه معناه الحقيقي فلو توقف العلم بأنّه معناه الحقيقي على العلم بعدم جواز السّلب لزم الدّور و لا يرد مثل ذلك على الشّك في الاندراج لأنّ عدم جواز سلب معنى الابن الحقيقي عن ابن الابن يتوقف على العلم بأنّ معناه الحقيقي هو مطلق من تولد من الصّلب و هذا العلم لا يتوقف على العلم بكونه حقيقة في ابن الابن بل يستلزمه كما لا يخفى إلاّ أن يقال إنّ العلم بعدم صحّة سلب معنى الإنسان عن الحيوان النّاطق إنّما يتوقف على العلم بأنّه معناه إجمالا لا تفصيلا نظير ما تقدّم عن بعض المحققين في التبادر فيقال إنّ العلم بأنّ الإنسان حقيقة في الحيوان الناطق أي أنّه موضوع له موقوف على أمرين أحدهما العلم بأنّ الإنسان موضوع لمعنى إجمالا و الثّاني أنّ ذلك المعنى لا يصحّ سلبه عن الحيوان النّاطق أو أنّه عينه (و لكن) العلم بعدم سلب ذلك المعنى الإجمالي عن الحيوان النّاطق لا يتوقف على العلم بأنّ الحيوان النّاطق ذلك المعنى الموضوع له تفصيلا بل إجمالا كذا ذكره بعض المحققين و فيه نظر لأن العلم بأنّ الحيوان الناطق ذلك المعنى الموضوع له لا يتصوّر على قسمين تارة بالتفصيل و هو المقصود بالاستعلام من العلامة و أخرى بالإجمال و هو الموقوف عليه العلامة و إن أريد من العلم التفصيلي العلم بالعلم و من الإجمالي نفس العلم ففيه ما عرفت في التّبادر من أنّ العلامة حينئذ ليست دليلا على الوضع بل من أسباب التذكّر و إلى هذا ينظر بعض ما أجاب به بعض المحققين عن الدّور و له أجوبة أخرى أيضا لا يخلو بعضها عن الوجاهة و من أراد الاطّلاع عليها فليرجع إلى كتابه الموسوم بهداية المسترشدين (منها) ما توضيحه أنّ اللّفظ موضوع أو ليس بموضوع للمبحوث عنه معنى و عدم سلب معناه أو سلب معناه عن المبحوث عنه معنى آخر و إن كانا متلازمين و لا استحالة في أن يكون أحد المعنيين ملتفت إليه لشخص دون الآخر إلا بواسطة الالتفات إلى الملتفت إليه (و منها) أنّ معرفة كون الحيوان النّاطق معنى الإنسان يتوقف على العلم بعدم صحّة سلب معناه عن الحيوان النّاطق و العلم بعدم صحّة السّلب لا يتوقف على العلم بأنّه الموضوع له بل على العلم بأنّه المفهوم المنساق المتبادر من لفظ الإنسان في متفاهم العرف (توضيحه) أنّ الحيوان النّاطق قد اجتمع فيه عنوانان أحدهما كونه موضوعا له لفظ الإنسان و الثاني كونه المفهوم المنساق منه عند أهل اللّسان و العلم بالأوّل موقوف على عدم صحّة سلب معنى الإنسان عن الحيوان النّاطق و العلم بعدم صحّة سلب معناه عن الحيوان النّاطق لا يتوقف على العلم بأنّه الموضوع له بل على العلم بالعنوان الآخر أعني كونه المفهوم المنساق منه عند أهل اللّسان (ثمّ) إنّ عدم صحّة السّلب قد يكون علامة للمجاز كما إنّ صحّة السّلب قد يكون علامته للحقيقة و الانتفاع بهما على هذا الوجه أكثر من الانتفاع بهما على الوجه المعروف كما إذا كان المطلق منصرفا إلى بعض أفراده و شكّ في بلوغه درجة النّقل فيعرفان عدم صحّة سلبه عن الفرد النّادر يعرف كونه مجازا في ذلك الفرد الشّائع إذا أطلق و أريد على وجه الخصوصيّة و بعرفان صحّة السّلب يعلم بلوغه درجة النّقل و هذا غالب ما تجري عليه العلامتان في الخارج (و الإشكال الثّاني) هو أنّ المسلوب و المسلوب عنه إن كانا متحدين بحسب المفهوم فلا يتصور بينهما حمل بالإيجاب أو السّلب و إن كانا متغايرين لم يفد عدم صحّة السّلب كون ذلك معنى حقيقيا إذ المفروض مغايرته للموضوع له بحسب المفهوم و مجرّد الاتحاد الخارجي‏

لا يقضي بكون اللّفظ حقيقة فيه لأنّ الإنسان مثلا متحد مع النّاطق في المصداق مع كونه حقيقة فيه و هذا الإشكال إنّما يجري في عدم صحّة السّلب و هو من سوانح بعض المحققين و الظّاهر أنّه ليس بذلك الإشكال كما يفصح عن ذلك عدم التفات القوم إليه مع ظهوره (أمّا أوّلا) فلأنّه منقوض بالقضايا المستعملة في التعاريف اللّفظية كما يقال الإنسان حيوان ناطق لأنّ الموضوع في هذه القضية اللّفظية و المحمول إن كانا متغايرين بالمفهوم خرجت عن كونها تعريفا و إلاّ امتنع الحمل ضرورة اعتبار المغايرة بين الموضوع و المحمول بحسب المفهوم (و أمّا ثانيا) فلأنا نختار الشّق الثّاني و نقول إنّ مفاد الحمل في أمثال المقام ليس هو الاتحاد المفهومي حتّى يكون غلطا مستحيلا و لا الاتحاد في المصداق الخارجي حتى يندرج تحت القضايا المتعارفة لأنّ الاتحاد في المصداق عبارة عن اتحاد المفهومين في الوجود الخارجي و من البديهي أنّ مفاد قولنا الإنسان حيوان ناطق أو قولنا لا يجوز أن يقال للحيوان النّاطق إنّه ليس بإنسان ليس هو تصادق مفهوم الإنسان مع مفهوم الحيوان النّاطق في الوجود الخارجي كما هو كذلك في قولنا الإنسان ناطق بل هو كون أحد المفهومين مصداقا للآخر في نفس الأمر مع‏

83

قطع النّظر عن ظرف الذّهن أو الخارج لأنّ موضوع القضيّة في قولنا الإنسان حيوان ناطق هو مفهوم المسمّى أو مفهوم الموضوع له أو نحوهما من المفاهيم العارضة للماهيّات بعد عروض الوضع ضرورة عدم قابليّة لفظ الإنسان لأن يحكم عليه بحيوان ناطق و كذلك المراد بالمحمول أيضا هو المفهوم و من الواضح أن اتحاد مفهوم الموضوع له مع مفهوم الحيوان النّاطق ليس على الوجه المستحيل و لا على الوجه المتعارف الشائع في القضايا المتعارفة مثل زيد إنسان و الإنسان ناطق و نحوهما ممّا يرجع الاتحاد المستفاد من الحمل فيه إلى الاتحاد في الوجود الخارجي بل على نحو آخر من الاتحاد و عدم المغايرة و هو كون أحد المفهومين بنفسه و هو المحمول في قولنا الإنسان حيوان ناطق و الموضوع في قولنا لا يجوز أن يقال الحيوان النّاطق ليس بإنسان مصداقا لمفهوم آخر (و من هنا) انقدح أنّ الحصر المشتمل عليه كلام المستشكل ليس بحاضر لثبوت الواسطة بين اتحاد المفهومين بنفسهما أو بحسب الوجود الخارجي و هي اتحاد المفهومين بأن يكون أحدهما مصداقا للآخر في نفس الأمر فليس إذا امتنع اتحاد المفهومين يرجع الحمل إلى تصادقهما في المصداق الخارجي لإمكان رجوعه إلى نحو آخر من الاتّحاد و ضرب من المغايرة و هو أن يكون مفاد الحمل كون أحد المفهومين بنفسه مصداقا للآخر (و توضيح المقال) أنّ صريح العقل قاض بأن الحمل يستدعي تغاير الموضوع و المحمول بوجه و اتحادهما بوجه آخر إذ لو كانا متحدين مطلقا لزم حمل الشي‏ء على نفسه و لو كانا متغايرين من جميع الوجوه كانا متباينين و الاتحاد المصحّح للحمل قد يكون في ظرف الخارج كما في القضايا الخارجيّة مثل زيد إنسان و النّار حارّة و ما أشبههما و قد يكون في ظرف الذّهن كما في قولنا الإنسان نوع و الحيوان جنس و قد يكون في نفس الأمر فيعمّ الظّرفين كقولنا الأربعة زوج و يعبّر عن الأول بالقضايا الخارجيّة و عن الثّاني بالذهنية و عن الثالث بالنّفس الآمرية (ثمّ) إنّ مفاد الاتحاد في كلّ من الثلاثة قد يرجع إلى تصادق الموضوع و المحمول في شي‏ء واحد و ذلك بأن يكون النّسبة بين الموضوع و المحمول تساويا مطلقا مثل قولنا الإنسان ناطق أو قولنا الناطق ضاحك و قد يرجع إلى كون الموضوع مصداقا للمحمول كما إذا كان الموضوع أخصّ من المحمول فهذه ستة أقسام و مرجع القضايا المستعملة في الحدود اللّفظية نفيا و إثباتا إلى اتحاد الموضوع و المحمول المتغايرين بحسب المفهوم في نفس الأمر على وجه يفيد كون الموضوع مصداقا لنفس المحمول في نفس الأمر و ذلك لما هو الحق المحقق من أن الألفاظ إنّما وضعت لمعاني النفس الآمريّة المعرّاة من جميع الاعتبارات لا المعاني الذّهنية و لا المعاني الخارجية و إن كان كلّ منهما عين الموضوع له لعدم المنافاة بين الماهيّة لا بشرط و بينها مع شرط أي مع وجوده لا مع اعتباره فحينئذ (نقول) إذا قلت الإنسان الحيوان الناطق أو لا يصحّ القول بأنّه ليس بإنسان أردت من لفظ الإنسان مدلوله أو مسمّاه أو ما وضع له لغة أي هذه المفاهيم فلا بدّ أن يدلّ على اتحاد الحيوان النّاطق مع مسمّى الإنسان أو ما وضع له لفظ الإنسان في نفس الأمر و حيث أنّ مفهوم المسمّى أو الموضوع له أعمّ مطلقا من الحيوان الناطق فلا جرم يرجع الحمل فيه إلى حمل العام على الخاص و هو المسمّى بالحمل المتعارفي إذا كانت القضية خارجية و كذا لو كان المراد بالإنسان المفهوم المنساق المتبادر و يكون مفاد الحمل أنّ الحيوان النّاطق هو المنساق المتبادر من لفظ الإنسان فإنّه أيضا يرجع إلى الحمل المتعارفي أي حمل العام على الخاصّ و من المحققين من زعم أنّ الحمل فيه حمل ذاتي و لا يرجع إلى الحمل المتعارفي المشار إليه و وجهه غير واضح لأنّ المنساق من الإنسان مفهوم أعمّ من الحيوان النّاطق فيكون حمله عليه حمل العام على الخاصّ و لعلّه نظر إلى أنّ المفهوم المنساق أمر غير قابل للتكثر و لذلك لا يتبادر شي‏ء من معاني اللّفظ إذا كان مشتركا (و فيه) أنّ المناط في الحمل المتعارف في أن يكون المحمول من حيث المفهوم أعمّ من الموضوع و إن استحال صدقه على غيره بالعرض اللّهم إلاّ أن يكون غرضه من المفهوم المنساق الإشارة إلى ذات المعنى الذي يتبادر من اللّفظ لا أخذه عنوانا في ظرف المحمول فحينئذ يتجه كون الحمل حينئذ ذاتيا أي حملا للشّي‏ء على نفسه لأنّ ذات المعنى المنساق المتبادر من لفظ الإنسان هو عين الحيوان النّاطق لكن الحمل حينئذ يرجع على الوجه المستحيل المشار إليه أعني حمل الشي‏ء على نفسه و لعلّه تفطّن لذلك و تفصّى بأن‏

العلامة هي عدم صحّة السّلب لا الحمل و الأوّل متصوّر في الحمل الذّاتي أيضا لأنّ الشّي‏ء لا يسلب عن نفسه و إن كان الثّاني مستحيلا و (فيه أوّلا) أنّ المراد بما أضيف إليه لفظ العدم أعني السّلب عدم الملكة أي السّلب في ما من شأنه الإيجاب لا مطلقا (و ثانيا) أنّ عدم صحّة السّلب لا يتصور أيضا بين الشي‏ء و نفسه ضرورة لزوم مغايرة المسلوب و المسلوب عنه في الجملة كالمثبت و المثبت له فتدبّر جيّدا (الثّالث) أنّ الشّي‏ء لا يصلح يصحّ سلبه عن أجزائه الذّهنيّة فلا يقال للنّاطق أنّه ليس بإنسان مع أنّه ليس بحقيقة فيه كذا أورد التفتازاني على علامة الحقيقة و تبعه بعض من تأخر عنه و فيه أنّ المراد عدم صحّة السّلب من مورد الاستعمال فإنّه علامة لكون اللّفظ حقيقة في المورد لا أنّ مطلق عدم سلب شي‏ء عن شي‏ء دليل على كونه حقيقة فيه فإن استعمل الإنسان في النّاطق فإن أريد به مفهوم الناطق فصحّة السّلب واضحة و إن أريد به مصداقه من حيث كونه ناطقا أي الذّات مع انضمام النّطق فكذلك لأنّ اعتبار هذه الحيثيّة يوجب إلقاء الجهات الأخر الّتي ترجع إلى غير حيثية النّطق كالجسميّة و نحوها من المفاهيم المتصادقة مع مفهوم النّاطق في الخارج و إن أريد به الذّات المتّصفة بالنّطق بدون شرط الاتصاف فعدم كونه حقيقة فيه ممنوعة لأنّ مصداق النّاطق مصداق للإنسان و فرد منه و إطلاق الكلّي على الفرد حقيقة إذا لم يرد

84

الخصوصيّة من اللّفظ (و إن شئت) قلت أنّ المراد بالنّاطق إن كان هو المفهوم فالسّلب صحيح و إن أريد به المصداق مجرّدا عن اعتبار مفهوم الناطق و بدون ملاحظته معه فاللّفظ حقيقة فيه لأنّ مصداق النّاطق مصداق للإنسان أيضا فاللّفظ حقيقة فيه و على هذا البيان يستغنى عن تخصيص العلامة بما إذا كان هناك استعمال اللّفظ في مورد و من هنا يظهر الجواب عن النّقض بعدم صحّة سلب الكلّي عن الفرد و لو مع إرادتي الخصوصيّة من نفس الكلّي مع أنّه ليس بحقيقة لأنّ الفرد إذا اعتبر فيه الخصوصيّة صار حالها كحال نفس الخصوصيّة من حيث جواز سلب المفهوم عنه و مع عدم ملاحظة الخصوصيّة فليس له حقيقة سوى حقيقة الكلّي فيكون اللّفظ فيه حقيقة و على ما ذكرنا يصحّ قول من خصّ مجرى العلامة بالحمل الذّاتي و قال إنّ موارد النقض كلّها من قبيل حمل الشّائع المتعارف و من المحققين من تفصى عن الإشكال باختلاف الحال في العلامة فإن كان المراد معرفة حال المفهوم من حيث ثبوت الوضع له و عدمه أفاد عدم صحّة السّلب كونه عين مفهوم اللّفظ و إن كان المراد معرفة حال الفرد أفاد اندراجه تحت مفهوم اللّفظ (أقول) و ممّا ذكرنا تعرف إمكان إرجاع الحمل في عدم سلب الكلّي عن الفرد إلى الحمل الذّاتي أيضا بأن يقال إنّ عدم سلب الكلّي عن جزئي حقيقي أو إضافي مع قطع النظر عن الخصوصيّة بالحمل الذّاتي دليل على أنّ حقيقة ذلك الفرد عين حقيقة الكلّي فيكون حقيقة و سلبه عنه دليل على مغايرة حقيقته المجرّدة عن الخصوصيّة مع حقيقة الكلّي المسلوب فيكون ذلك الكلّي مجازا فإن أراد (قدّس سرّه) أن العلامة المعروفة المقصودة عند القوم ما يعمّ الحالات المزبورة فواضح المنع لأنّ صحّة السّلب و عدمها عندهم من علائم الوضع و لا يتصوّر ذلك إلا في الحمل الذّاتي لأنّهما في الحمل المتعارف في لا تثبتان حقيقة و لا مجازا و إنّما تثبتان اتحاد المورد كالإنسان مثلا مع مفهوم اللّفظ كالنّاطق بحسب الوجود الخارجي و إن أراد تقسيم صحّة السّلب و عدمها إلى قسمين ما يفيد الوضع و عدمه و ما يفيد الاتحاد الخارجي و عدمه مع الاعتراف بأن المعدود علامة هو الأوّل فهو سديد لكن لا يحسن ذكره في رفع الإشكال المشار إليه فإنّه غير مندفع إلاّ بما أشرنا كما صنعه الفاضل الباغنوي و المحقّق الخونساري جمال الدّين في حاشيته على كتاب الفاضل المذكور و مرجعه إلى أنّ سلب الإنسان عن جزئه و خارجه المساويين بالحمل الذاتي صحيح فلا نقض و كذا سلب الكلّي عن الفرد و من جميع ما ذكرنا ظهر أنّ منع المحقق الشّريف صحّة سلب الكلّي عن الفرد بقول مطلق غير سديد و أن الحق هو التفصيل كما ذكره المحقّق القمي (رحمه الله)

و منها الاطّراد و عدم الاطّراد

فالأوّل دليل على الحقيقة و الثّاني دليل على المجاز و المراد بالأوّل أن يكون ملاك استعمال اللّفظ في معنى بحيث لو وجد في غير ذلك المعنى كان الاستعمال فيه أيضا صحيحا فينكشف بذلك عدم اعتبار خصوصيّة المحلّ في الموضوع له و كونه ذلك الملاك مثل إطلاق العالم على زيد باعتبار كونه ذا علم فإنّ هذا المناط بحيث لو وجد في عمرو أيضا لصحّ إطلاق العالم عليه كذا مثل العميدي (قدّس سرّه) و الأولى ملاحظة الاطّراد بالنّسبة إلى هيئة فاعل لا بالنّسبة إلى صيغة عالم على ما هو التّحقيق في وضع المشتقات من كون الموضوع له هي الهيئة الكلّية لا الجزئيات الإضافية المندرجة تحت تلك الهيئة كما تقدّم فيقال إن المعنى الّذي أطلق هيئة فاعل على العالم باعتباره هو تلبّسه بالمبدإ و هو العلم فإذا شككنا في كونه على وجه الحقيقة استوضحنا الحال بملاحظة اطّراد استعمالها في إفادة المتلبّس بالضّرب و المتلبس بالقيام و هكذا إلى سائر مصاديق المتلبّس بالمبدإ فإن علم باطّراد الاستعمال علم بأنّ الهيئة حقيقة في إفادة التلبّس بالمبدإ و علم أيضا أنّها موضوعة للذّات المتلبّس بمبدئها و إن تخلف الاستعمال الصّحيح عن بعض أفراد المتلبّس بالمبدإ علم أنّ المتلبّس بالمبدإ معنى مجازي للهيئة قال العضدي و منها أي و من العلائم عدم اطّراده يعني استعمال اللّفظ بأن يستعمل لوجود معنى في محلّ و لا يجوز استعماله في محلّ آخر مع وجود ذلك المعنى فيه كما تقول و اسأل القرية لأنّه سؤال لأهلها و لا تقول اسأل البساط و إن وجد فيه ذلك المعنى و لعلّ موضع الاستشهاد على ما فهمه المحشّي الباغنوي هو لفظ السّؤال و نسب إلى التفتازاني أنه ذهب إلى أن موضع الاستشهاد و هو المركب و نسب إلى جماعة أنّه لفظ القرية و أورد على الأول (أوّلا) بأن مذهب المصنّف هو أنّ المجاز في المركب يرجع إلى التجوز في المفرد (و ثانيا) بأن الكلام في علائم الحقيقة و المجاز في الألفاظ و الهيئة التركيبية ليست بلفظ و على الثاني بأنّ الكلام في أن يستعمل لفظ في مورد لمعنى و لا يستعمل ذلك اللّفظ في مورد آخر مع وجود ذلك المعنى لا أن لا يستعمل نظيره كلفظ البساط فيه (أقول) قد عرفت فيما أسلفنا في مبحث الحقيقة و المجاز أن مثل أنشبت المنية أظفارها و نحوها ليس المجاز فيه يرجع إلى المفردات و لا إلى المركب بل إلى أمر عقلي و من هذا القسم قول القائل اسأل القرية فإنّ التحقيق فيه أيضا أنّ مادّة اسأل و هيئته و كذا الهيئة التركيبيّة كلّ منها مستعمل فيما وضعت له أمّا الأول فواضح (و أمّا الثّاني) فلمنع اعتبار مفعول ما في الأفعال المتعدّية وضعا بل التحقيق منع اعتبار الفاعل أيضا كذلك فإنّ دلالة الفعل على الفاعل و المفعول دلالة عقلية لا وضعية فتأمل و لو سلّم فالمعتبر في الفعل إنّما هو مجرّد الفاعل و المفعول أي أن يقع ظرفا للنّسبة في القضيّة اللّفظيّة و أمّا كونهما فاعلا و مفعولا حقيقيين فهو أمر موكول إلى المتكلّم فقد ينسب الفعل إلى غير من هو له لغرض الفصاحة و البلاغة (و أمّا الثالث) فلما مرّ أيضا هنالك من أن المركّبات إنما وضعت لإيقاع الإسناد و النّسبة بين المفردات طابقت النّسبة للواقع أم خالفت و المثال الواضح لعدم الاطّراد هو استعمال النّخلة مثلا في الإنسان لعلاقة المشابهة مع عدم صحّة استعمالها في موارد

85

أخر موجود فيها تلك العلائق كالحائط و الجبل و دعوى عدم وجود تلك العلاقة بعينها في سائر الموارد لأنّها المشابهة الخاصة الحاصلة من ملاحظة الاعتدال في الطول و العرض غير مجدية بعد عجز المدّعي عن إبداء مشابهة مطّردة و كيف كان فلا خفاء في أنّ الاطّراد و عدمه دليلان علميان على الوضع و عدمه و عدم تسليم بعض أعاظم السّادة لذلك بناء على عدم دلالتهما عليهما لا علما و لا ظنّا معتدّا به مبني على الغفلة عن حقيقة المقام (و الحاصل) هو أنّ المعاني الحقيقة أمور منضبطة محدودة من حيث المميّزات الذّاتية و العرضية لا محالة فيستحيل تخلّف الاستعمال عن بعض مصاديقها و إلاّ لزم الخلف و خرج ما فرض كونه معنى عن كونه معنى اللّفظ بخلاف المعاني المجازية فإنّها معان غير منضبطة لعدم كونها ملحوظة للواضع حين وضع الحقائق بل أمور منتزعة من موارد الاستعمالات (توضيح المقال) في بيان المراد بالعلامتين هو أنّ استعلام حال اللّفظ بالاطّراد و عدمه يتوقف أوّلا على إحراز كون المناط و الملحوظ في صدق اللّفظ على بعض الموارد معنى كلّيا صادقا عليه و على غيره بحيث يكون استعماله في ذلك المورد من جهة كونه فردا من أفراده لا من جهة مدخلية لخصوصيّة الفردية فإذا أحرزنا ذلك و شككنا في كون ذلك المعنى الكلّي معنى حقيقيا أو مجازيّا نظر فإن صحّ استعمال اللّفظ في جميع مصاديق ذلك المفهوم العامّ على النّحو المزبور أعني من باب إطلاق الكلّي على الفرد علم أنّه معنى حقيقي لأنّ الحقائق أمور منضبطة لا يتصوّر تخلّف الاستعمال الصّحيح على النّحو المشار إليه عن بعض الأفراد و إن لم يصحّ علم أنّه معنى مجازيّ و لعمري إن الاطّراد و عدمه على هذا البيان دليلان علميّان على الوضع لذلك المعنى العامّ و عدمه و لا يرد عليهما شي‏ء ممّا زعموا وروده عليهما (توضيحه) أنّ العضدي اقتصر في العلامتين على ذكر عدم الاطّراد بحسبان أنّ الاطّراد غير مطّرد لانتقاضه ببعض المجازات كإطلاق لفظ أسد على زيد باعتبار مشابهة للحيوان المفترس في صفة الشجاعة فإنّ استعمال أسد مطّرد في جميع مصاديق الشّجاع و تلقاء غير واحد من الأعاظم منهم المحقّق القمّي (رحمه الله) بالقبول و زاد بعضهم استعمال الكلّي في الفرد من حيث الخصوصيّة فإنّه مجاز مطّرد بعلاقة الكلي و الفرد و عكسا في التّهذيب و المنية فاقتصرا على ذكر الاطّراد بزعم انتقاض عدم الاطّراد بمثل الرّحمن و القارورة و الأبلق لكونها حقائق في المعاني الّتي أطلقت بسببها على الذّوات المعهودة مع عدم اطّراد استعمالها في جميع مصاديق تلك المعاني فلا يطلق الرّحمن على غير الذّات المقدّسة و لا القارورة على غير الزّجاجة ممّا يستقر فيه الشّي‏ء و لا الأبلق على غير الفرس من الأجسام الّتي فيها سواد و بياض و كذا الفاضل و السّخي فإنّهما إذا أطلقا على البشر كان الإطلاق حقيقيا مع عدم جواز استعمالهما في الذات المقدّسة و ثبوت ملاك الاستعمال في البشر و هو الاتصاف بالفضل و الجود فيها أيضا و بما ذكرنا علم ظهر سلامة العلامتين ممّا زعموها من النّقوض (أمّا الاطّراد) فلأن إطلاق أسد على زيد ليس باعتبار كونه شجاعا بل باعتبار كونه مشابها للمعنى الحقيقي و من الواضح عدم اطّراد استعمال أسد في جميع مصاديق المشابهة لمعناه الحقيقي و أمّا استعمال الكلّي في الفرد فهو أيضا غير مطّرد لأنّ استعمال الكلّي في الفرد من حيث الخصوصيّة يفيد الحصر الادّعائي و من البيّن استهجان الإطلاق على الفرد الفاقد لصفات الكلّي كذلك فلا يطلق الرّجل و يراد به شخص بليد لئيم حقير ذليل على الوجه المزبور أعني الحصر كما لا يخفى على العارف بمفاد استعمال الكلّي في الفرد من حيث الخصوصيّة مع أن جواز استعمال الكلّي في الفرد و إرادة الخصوصيّة من اللّفظ ليس له مثال بيّن في العرف و العادة بل قد عرفت منع صحّته و خروجه عن طرائق المجازات (و أمّا عدم الاطّراد) فلأنّه مشروط بإحراز كون مناط الاستعمال هو المعنى الكلّي من غير مدخلية لخصوصيّة المحلّ و هذا ليس بمحرز في موارد النقض لأنّ إطلاق الرّحمن على الذّات المقدّسة ليس باعتبار كونه مصداقا لمفهوم المتّصف بالرّحمة مطلقا حتى يتصوّر فيه الاطّراد و عدمه بل باعتبار كونه نفس الموضوع له فيجري مجرى الأعلام الّتي لا مسرح للاطّراد و عدمه فيها (توضيحه) أنّ لفظ الرّحمن إن أطلق على الذّات المقدسة بملاحظة وضعه الأولي الثّابت لصيغة فعلان كان النّقض بحاله و أمّا إذا أطلق عليها بملاحظة وضعه الثانوي الحاصل بسبب هجر الوضع الأوّل كان إطلاقها عليها كإطلاق لفظ الجلالة عليها في عدم كون الملحوظ في الإطلاق سوى خصوص الذّات مع ملاحظة اتصافها بالرّحمة فيكون الفرق بينهما أن لفظ الجلالة يجري‏

مجرى الاسم و لفظ الرّحمن يجري مجرى اللّقب و لعلّ ما ذكرنا هو المراد بما اعتذر به في المقام من أنّ عدم الاطّراد في الرّحمن إنّما هو للمنع الشرعي أراد بالمنع النّقل في لسان الشّارع و إلاّ فلا يتصور تأثير المنع الشّرعي في الإطلاق صحّة العرفي و ما يقال من أن أسماء اللّه توقيفية فلا يجوز التّعبير عن الذّات المقدّسة بما يعبّر به عن غير تلك الذّات بل لا بدّ فيه من الاقتصار على التعبيرات الواصلة من الشّرع لانحصار العلم بما عليه تلك الذّات من الصّفات الثبوتية و السّلبيّة من العينية و الفعلية فيها و لذا لا يجوز إطلاق مثل الفاضل و السّخي مثلا على الذّات المقدّسة لعدم ورود الإطلاقين في الإخبار و إلاّ فمقتضى وضع اللّفظين جواز الإطلاق مدفوع مضافا إلى عدم مجيئه في رحمان أنه إن أريد بتوقيفية الأسماء توقيفيتها من حيث كونها أسماء بمعنى وجوب تلقي خصوص الاسم أي ما يعبّر به عن الذات و يجعل حاكيا عنها من الشّرع مع جواز نسبة المبدإ بصيغة الماضي أو المضارع إلى الذّات و مرجعه إلى أنّ الأصل في التّسمية الحرمة تعبّدا إلى أن تثبت الرّخصة ففيه منع واضح لعدم قيام الدّليل على التوقيفية بهذا المعنى فلو علم صحّة نسبة الفضل مثلا إلى الذّات في ضمن الماضي أو المضارع أو المصدر صحّ إطلاق الفاضل و استعماله في الذات جدّا و إن أريد بها توقيفيّتها باعتبار

86

توقيفية المورد بمعنى عدم جواز نسبة كلّ ما ينسب إلى الخلق من الأفعال و الأوصاف إلى الخالق لعدم إحاطة العقول بما عليه الذات المقدّسة من الصّفات الفعلية أو العينيّة فربّما تكون النّسبة كذبا بل كفرا فهو مسلّم و لكن التوقيفية بهذا المعنى ثابتة في أسماء البشر و غيره من سائر الموجودات أيضا لأنّ الإخبار بشي‏ء عن شي‏ء أو التعبير عن الشي‏ء بالصّفات الزائدة عنه يتوقف على إحراز وجود المخبر به أو الصّفة في ذلك الشي‏ء و مع عدم الإحاطة بأحوال الشّي‏ء لا يجوز الإخبار عنه أو توصيفه بالصّفة المشكوكة و هذه توقيفية لا تنفع المجيب لأنّه إن اعترف بوجود صفة الفصل مثلا في الذّات فالتوقيفية بهذا المعنى لا تمنع جواز استعمال الفاضل فيها و إن لم يعترف به بدعوى كون الفضل عبارة عن العلم الّذي من شأنه التّبدل بالجهل فعدم الاطّراد حينئذ مستند إلى عدم كون الذات من موارد وجود المعنى الّذي يطلق باعتباره على البشر لا إلى المنع الشّرعي (و الحاصل) أنّ تأثير المنع الشّرعي في صحّة الاستعمال العرفي لا يرجع إلى معقول مع أنّا لو سلّمنا التوقيفية بالمعنى الأوّل أي تحريم خصوص التّسمية فغاية ما يترتب عليه الإثم دون الفساد فتدبّر و ممّا ذكرنا يظهر التفصّي عن النقض بسائر الأمثلة أيضا لأنّ إطلاق القارورة على الزجاجة إن كان بملاحظة وضعه الأصلي كان من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد فيجري فيه الاطّراد و عدمه و أمّا إذا كان بملاحظة وضعه الثانوي العرفي فليس من قبيل ذكر الكلّي و إرادة الفرد بل من باب استعمال اللّفظ في نفس الموضوع له و هكذا السّخي فإن إطلاقه على البشر ليس باعتبار معنى عام يجري في الذات المقدّسة أعني مطلق الجود بل باعتبار جود خاصّ متقوم بمحلّ خاصّ و هو الجواد الّذي أمكن في حقه البخل و هكذا الكلام في الأبلق لأن إطلاقه على الفرس الّذي فيه سواد و بياض ليس من باب إطلاق الكلّي على الفرد بل من باب الاستعمال في نفس الموضوع له (و أمّا الفاضل) فيمنع فيه عدم الاطراد لكثرة إطلاقه على الذّات المقدّسة في الدّعوات المأثورة هذا ما يساعده النّظر في مجرى العلامتين و حاصله اختصاص جريانهما بالاستعمالات الّتي ترجع إلى إطلاق الكلّي على الفرد فلا يجريان في الأعلام و لا في الاستعمالات الّتي لا ترجع إلى ما ذكر هذا و تخلص الآمدي في محكي الأحكام عن الإيراد في علامة المجاز بجعل الدّال عليه عدم الاطّراد مع عدم المنع من أهل الشّرع أو من أهل اللّغة و أورد عليه العضدي باستلزامه الدّور لأنّ العلم بعدم الاطّراد حينئذ يتوقف على العلم بعدم سببه إذ لا سبيل إلى العلم بالممكن الغير المحسوس بذاته و لا بحسب آثاره إلا بسببه فالعلم به يتوقف على العلم بعدم علّة الاطّراد لأنّ علّة العدم هو عدم علّة الوجود و هو إمّا المانع أو عدم المقتضي و الأوّل مفروض الانتفاء فتعيّن الثاني و مقتضى الاطّراد ليس إلاّ الوضع فالعلم بعدم الاطّراد يتوقف على العلم بعدم الوضع و قد فرضنا حصول العلم به من العلم بعدم الاطّراد و هذا دور (و قد يجاب عنه) بما قرره المحقّق الشّريف مع التنبيه على فساده و ملخّصه مع توضيح و تحرير أنّه إن أريد بالوضع في قوله و مقتضى الاطّراد ليس سوى الوضع الوضع الشّامل للوضع المجازي فالحصر مسلّم لكن فرض انتفاء المانع حينئذ خلف مستحيل لأنّ مقتضى الاطّراد على وجه التجوز موجود في جميع الألفاظ فلا بدّ من استناد عدم الاطّراد حينئذ إلى وجود المانع فكيف يشترط عدمه و إن أريد به الوضع المختصّ بالحقائق فالحصر باطل لأنّ العلاقة المصحّحة للمجاز أيضا مقتضية للاطراد (فأجاب عنه) بأنا نختار الثّاني و نقول إن بطلان الحصر لا يندفع به الدّور لأنّ توقف العلم بعدم الاطّراد على العلم بعدم الوضع باق على حاله غاية الأمر توقفه مع ذلك على عدم العلاقة المصحّحة للتجوّز أيضا (أقول) و بما حققنا في معنى الاطّراد و عدمه تبيّن أنّ الحصر في محلّه لو أريد بالوضع خصوص الوضع الحقيقي فتدبّر (ثمّ أقول) إنّ المراد بالمنع الشّرعي و اللّغوي ما أشرنا إليه أعني النّقل الشّرعي أو اللّغوي فالدّور ينحسم من أصله كما يظهر بالتدرّب و إلا فقد عرفت عدم تأثير المنع الشّرعي في صحّة الإطلاق و أمّا المنع العرفي فهو أيضا غير معقول لأنّ استعمال الكلّي في الفرد لا يفرق فيه في نظر العقل و العرف بين الأفراد صحّة و فسادا نعم قد يكون الفرد باعتبار شيوع الكلّي في غيره عرفا نازلا منزلة الأجنبي و مثل ذلك لا يعدّ منعا عرفيا لأنّه من الانصراف الآئل إلى النّقل و إلاّ فمجرّده أيضا لا يمنع و لذا قلنا سابقا إن‏

عدم النقل إلى الأفراد الشائعة قد يستكشف بعدم صحّة سلب الكلي عن الأفراد النادرة فتدبر جيّدا هذا (و اعلم) أنّ الدّور المتوهّم وروده في العلامتين السّابقتين يرد على هاتين العلامتين أيضا لأنّ العلم بالاطّراد يتوقف على العلم بالوضع لذلك المعنى الّذي فرض اطّراد الاستعمال في جزئياته فلو توقف العلم بالوضع على العلم بالاطّراد لزم الدّور و مثله الكلام في عدم الاطّراد و يعرف الجواب عن الدّور هنا بما تقدّم هنالك بل اندفاع الدّور هنا أوضح لأنّ العلم باطّراد استعمال اللّفظ في جميع موارد وجود ذلك المعنى الكلّي المشكوك في كونه الموضوع له لا يتوقف على العلم بكونه الموضوع له إذ المراد باطّراد الاستعمال ليس هو الاستعمال الحقيقي كما توهّم بل مطلق الاستعمال أعمّ من أن يكون حقيقة أو مجازا و إن كان الاستعمال المطّرد لا ينفكّ عن كونه على وجه الحقيقة في الواقع نعم لو قلنا بأنّ علامة الحقيقة و المجاز هنا اطراد الاستعمال الحقيقي و عدمه كان الدّور واردا و لكنّه خلاف ظاهر الكلّ أو الجلّ إذ لم أجد ذلك إلاّ في كلام بعض الأجلّة و ممّا ذكرنا في معنى الاطّراد و عدمه تعرف أنّه لا حاجة إلى اعتبار هذا القيد لأنّ مجرّد اطّراد الاستعمال يستلزم العلم بالوضع بعد ما عرفت من أنّ المعاني المجازيّة أمور غير منضبطة غير مطّردة فمن اعتبر القيد المزبور غفلة عن معنى العلامتين بزعم أنّ الاكتفاء بمطلق‏

87

الاطّراد ينتقض ببعض المجازات كما مرّ فقد تفصّى عنه بتغييرهما عن وجههما فقالت إنّ موضع استعمالهما ما إذا شككنا في صدق اللّفظ على بعض أفراده كالشكّ في صدق الماء على المياه القذرة مع العلم بصدقه على المياه الصّافية فيستكشف حال اللّفظ في القدر الجامع بينهما و بين الأفراد المشكوكة بملاحظة اطّراد استعمال اللّفظ فيها حقيقة و هذا أعني تفسير الاطّراد بما ذكر و إن نسبه إلى نفسه حيث قال و الأظهر عندي أن يفسّر الاطّراد بما ذكر لكن الظّاهر استفادته من ظاهر كلام العضدي و المحقق الشّريف حيث إنّ بعض كلماتهما في الجواب عن الآمدي ظاهر في التفسير المزبور لكنّهما أيضا لم يلتفتا إلى المقيد المزبور بل جعلا علامة الحقيقة اطّراد الاستعمال مطلقا فالفرق بين ظاهر كلامهما و ظاهر كلامه (قدّس سرّه) هو اعتبار كون الاطّراد على وجه الحقيقة في كلامه لا في كلامهما و حينئذ (نقول) يرد عليهما (أوّلا) أن ذلك لا مساس له بمجرى العلامة لأن صدق الماء على المياه الصّافية مثلا لم يعلم كونه من باب إطلاق الكلّي على الفرد و قد ظهر أن مورد استعمالهما ما إذا علم أن إطلاق اللّفظ على بعض الموارد من باب إطلاق الكلّي على الفرد و شكّ في كون اللّفظ حقيقة في ذلك الكلّي أو مجازا لأنّ تفسيرهم الاطّراد باستعمال لفظ في مورد لمعنى يكون استعماله مطّردا في جميع موارد ذلك المعنى صريح في ذلك إذ مع احتمال مدخلية خصوصيّة المورد لا يعلم كون الاستعمال لأجل ذلك المعنى (و ثانيا) أنّ الكلام في كون الاطّراد دليلا على الوضع و عدمه دليلا على عدمه و الأمر فيما ذكره بالعكس إذ يعلم من عدم اطّراد استعمال الماء في المياه الكدرة كونه حقيقة في المياه الصّافية و يعلم باطّراده كونه مجازا فيها هذا إذا أريد استكشاف حال استعمال لفظ الماء في المياه الصّافية مع إرادة الخصوصيّة من اللّفظ عمّا نحن فيه لأنّ الكلام ليس في الاستعمالات المعلومة الحال و استعمال لفظ الماء في الصّافية على وجه إرادة الخصوصيّة حقيقة قطعا سواء كان الموضوع له خصوص الماء الصّافي أو ما يعمّ المياه الكدرة فلا يفيد الاطّراد و عدمه حينئذ شيئا بالنّسبة إلى المبحوث عنه أعني استعمال الماء في المياه الصّافية و إنّما يفيد شيئا آخر و هو دخول المياه الكدرة في الموضوع و عدمه و إن أريد استكشاف حال اللّفظ في ذلك المعنى المشكوك فيه فهو و إن يدفع الإيرادين إذ يعلم من الاطّراد حينئذ الوضع و من عدمه عدمه في اللّفظ المشكوك الحال لكنّه يرد عليه أن اطّراد استعمال اللّفظ في جزئيات معنى لا يكشف عن كونه معنى حقيقيا أ لا ترى أنّ استعمال أسد في جزئيات الشجاع مطّرد مع أنّه ليس حقيقة هذا ما يرد على ظاهر كلام العضدي و المحقق الشّريف (و أمّا) ما يرد على بعض الأجلّة فهو لزوم الدّور و عدم اندفاعه بمجرّد تفسير الاطّراد بما ذكر لأنّ العلم باطّراد استعمال اللّفظ حقيقة في الأفراد المشكوكة يتوقف على العلم بوضع اللّفظ للقدر المشترك بينهما و بين الأفراد اليقينية فلو توقف العلم بذلك على العلم بالاطّراد لزم الدّور (و العجب) أنّه تفطّن إلى ذلك فأجاب بالإجمال و التفصيل فجعل ما يتوقف عليه العلم باطّراد الاستعمال حقيقة هو العلم بوضع اللّفظ للقدر الجامع إجمالا و ما يتوقف على العلم بالاطّراد هو العلم بالوضع للقدر المشترك تفصيلا فإنّ هذا الجواب على تقدير صحّته يجري من غير الالتزام بما تعسّف من اختصاص مجرى العلامتين بما ذكر و اللّه الهادي‏

و منها اختلاف جمع اللّفظ

بالنّسبة إلى معنيين يستعمل فيهما فإنّه دليل على عدم اشتراكه بينهما معنى فيدور الأمر بين الاشتراك اللّفظي و الحقيقة و المجاز و الأوّل يدفع بالأصل و الغلبة فيتعيّن الثاني و هذه العلامة تقيّد العلم أيضا لأنّ صيغ الجمع كعلامته وضعت للدّلالة على تعدّد مدلول المفرد فرجال مثلا موضوع للدّلالة على أفراد معلومة أو غير معلومة من مدلول لفظ رجل و قضية ذلك جواز التعبير به عن كلّ متعدّد من أفراد مدلوله بالغ إلى مقدار يعتبر في الجمع لأنّ الأفراد متساوية في الاندراج تحت المدلول و المفروض أنّ مفاد صيغة الجمع المعيّنة ليس إلا الدّلالة على التعدّد فإذا علمنا بعدم صحّة استعمال تلك الصّيغة في الدّلالة على أفراد معيّنة كشف ذلك عن خروج تلك الأفراد عن مدلول اللّفظ و بهذا البيان يندفع ما أورده بعض السّادات الأعلام من عدم الملازمة بين كون المعنى صادقا على أفراد معينة و بين التعبير عنها بالجمع الّذي يعبّر به عن سائر ما يصدق عليه المعنى من الأفراد

و منها التزام التقييد

فإنّه دليل على كون المطلق في المقيّد مجازا مثل جناح الذّلّ و نار الحرب ذكره العلاّمة (قدّس سرّه) في محكي النّهاية و الحاجبي و العضدي و أورد عليه بعض المهرة (أوّلا) بأنّ التقييد غير ملتزم فيما ذكر من المثالين بقوله تعالى‏ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ‏ فإنّه دليل على جواز قول القائل أوقد العدوّ نار الحرب فأطفأ اللّه تلك النّار و لقوله تعالى‏ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (و ثانيا) بأنّه لا بدّ في المجاز من القرينة و هي لا تسمّى قيدا (أقول) الظّاهر أنّ المراد بالتقييد في كلامهم على ما يقضي به التمثل بالمثالين هو التقييد بالإضافة فنقول إنّ الالتزام بها دليل على خروج مورد الاستعمال عن مدلول اللّفظ الحقيقي لأنّ عدم إطلاق لفظ النّار مثلا على نار الحرب مجرّدا عن الإضافة دليل على عدم كونه مصداقا لمفهوم النّار الحقيقي لأنّ إطلاق الكلّي و إرادة الفرد صحيح سواء ذكر معه قرينة المراد أو أحيل إلى قرينة خارجية و هذا ليس مرجعه إلى أنّ الالتزام بالقرينة دليل المجاز (أمّا أوّلا) فلأنّ التقييد ليس مجازا على التحقيق فاللّفظة الدّالّة عليه ليست قرينة على المجاز (و أمّا ثانيا) فلأنّ القرينة اللاّزمة في المجاز أعمّ من القرينة المتّصلة و المنفصلة فالالتزام بمطلق القرينة دليل المجاز بخلاف ما نحن فيه فإنّ الدليل على المجاز هنا هو الالتزام بخصوص الأولى لا مطلقا إذ لا يعلم من إطلاق النّار على نار الحرب مع القرينة

88

المنفصلة خروج الحرب عن مفهومه لأنّه على تقدير كون النّار موضوعة لما يعم الحرب افتقر في إطلاقه على نار الحرب إلى قرينة المراد لأنّ إطلاق الكلّي و إرادة الفرد لا يجوز إلاّ مع قرينة حالية أو مقالية فالدّليل على خروج الحرب عن حقيقة النّار هو الالتزام بالقرينة المتّصلة أعني الإضافة فافهم و بهذا البيان صحّ درج الالتزام بالتقييد في الأدلّة العلميّة على خروج المستعمل فيه عن مفهوم المضاف الحقيقي نعم ظاهر الإضافة يقضي بالمغايرة من غير ملاحظة الالتزام بها في سائر الاستعمالات فإن لاحظنا الالتزام بها في سائر الاستعمالات علمنا بخروج المضاف إليه عن حقيقة المضاف و إن أخذنا بظاهر الإضافة فهو أيضا يدلّ على المغايرة لكنّه حينئذ من الظّنون المعتبرة بناء على أنّ ظاهر الإضافة كونها بتقدير اللاّم و إنّما قلنا بأنّه من الظّنون المعتبرة لأنّه ظنّ حاصل من اللّفظ بملاحظة أصالة الحقيقة لو قلنا بأنّ الإضافة بتقدير غير اللاّم مجاز أو بملاحظة شي‏ء آخر يوجب صيرورة اللّفظ من الظّواهر (ثمّ) إن بعض العامة جعل من فروعات دلالة الإضافة على المغايرة خروج المضاف عن حقيقة المضاف إليه كما نقل عن غير واحد دلالة قوله (عليه السلام) تحريمها التكبير و تحليلها التّسليم على خروج التّكبير و التّسليم عن حقيقة الصّلاة و أورد عليه المحقق و العلاّمة و المحقّق الثّاني (قدّس سرّهم) فيما حكي عنهم بأنّ الإضافة لا تدلّ إلا على المغايرة و هي ثابتة بين الشي‏ء و جزئه و لذا صح يد زيد و وجهه (و فيه نظر) لأنّ إضافة اليد إلى زيد ليس من إضافة الجزء إلى الكلّ لأنّ زيدا ليس موضوعا للجسم المشتمل على اليد بل للذّات المشخّصة بالوجود الخاصّ الخارجي الممتاز عن سائر الموجودات و قد تقدّم منّا ما يوضح هذا المقال في تقسيم الوضع إلى الوضع العامّ و الخاصّ و إن كان فيه بعض التأمّل أيضا و الأولى الاستشهاد بمثل سقف البيت و حائطه فإنّ السّقف جزء البيت مع جواز إضافته إليه لا يقال جوازه مبني على كون المراد بالبيت في حال إضافة السّقف إليه معناه المجازي ضرورة عدم تعلّق السّقف بنفسه لأنّا نقول البيت موضوع لمعنى بسيط ذهني مركّب خارجي لأنّ الألفاظ الموضوعة للمركّبات الخارجية قد وضعت لها بلحاظ وحدتها الاعتباريّة و من الواضح أنّ إضافة السّقف إلى البيت بهذا الاعتبار لا يفيد أن تكون للسّقف تعلّق بجميع أجزائه الخارجيّة و السّؤال مبني على أنّ البيت حين إضافة السّقف إليه يراد به مجموع تلك الأجزاء باللّحاظ التفصيلي فافهم‏

و منها صحّة التقسيم‏

فإنّها دليل علميّ على كون القسمين فردين للمقسم في مقابل من يزعم اختصاص وضع المقسم بأحدهما و حاصل ذلك كونها من أدلّة الاشتراك المعنوي إذا دار الأمر بينه و بين الحقيقة و المجاز و هذا مراد العلاّمة و الفخر و جماعة من الأصوليين من عدهم صحّة التقسيم دليلا على وضع اللّفظ للقدر المشترك على ما نسب إليهم (و توضيح المقال) أن صحّة التقسيم دليل على كون القسمين فردين للمقسم بداهة فإن علم أنّ التقسيم تقسيم للمعنى الحقيقي دلّ ذلك على نفي الحقيقة و المجاز و إلاّ فلا بدّ في إثبات كون اللّفظ حقيقة في المقسم من التماس دليل آخر و حيث خفي المراد على بعض من أنكر عليهم فقال إنّ صحّة التقسيم لا تدل على كون اللّفظ حقيقة في المقسم بنفسها بل بعد البناء على مختار السّيّد من كون الأصل في الاستعمال الحقيقة و لم يتفطّن إلى أنّ هذا الكلام في مقام رفع احتمال كون اللّفظ حقيقة في أحد القسمين و مجازا في الآخر لا في مقام رفع احتمال كون اللّفظ مجازا في المقسم فتدبّر و مثل الاشتراك المعنوي اللّفظي في هذه العلامة حرفا بحرف عند السيّد و هو حسن كما يظهر بالتّأمّل‏

و منها الاستقراء

و هو تتبع موارد الاستعمالات كما في استنباط الأوضاع النوعيّة و القواعد الكلّية كأوضاع المشتقات و أوضاع الأحوال الإعرابيّة مثل الرّفع للمسند إليه و النّصب للمفعول و سائر متعلّقات الفعل و أمّا الأوضاع الشخصيّة المتعلّقة بالمراد فلا مسرح له فيها و ذكر بعض المحققين أنّه يمكن استفادتها أيضا من الاستقراء بملاحظة استعمالات اللّفظ في جزئيات معنى فيعلم بوضعه لذلك المعنى الكلّي الجامع و فيه أنّ مجرّد الاستعمال في جزئيات المعنى لا يفيد العلم بوضعه له إلاّ بعد مراعاة قواعد أخر مثل أصالة عدم الاشتراك و مرجوحيّة المجاز بالنّسبة إلى الاشتراك المعنوي فيخرج بذلك عن استناد العلم بالوضع إلى نفس الاستقراء (ثمّ) إنّ الاستقراء الظّني من الظّنون المطلقة الّتي قد ظهر حالها في ما سبق إلاّ أنّ الموجود من الاستقراءات مفيد للعلم و ليس منها ما يفيد الظّنّ نعم قد يستدلّ بالاستقراء على إثبات أصل الوضع لا لتعيين الموضوع له كما استدل به لإثبات الحقيقة الشرعيّة و مرجع ذلك إلى تتبع أحوال النّاس في مخترعاتهم لا إلى تتبع أحوالات اللّفظ و مثله قد يكون ظنّا لكن ذكر مثل هذا الاستقراء في علائم الحقيقة كما صنعه بعض لا يخلو عن مؤاخذة هذه عمدة ما يستدلّ به على الأوضاع اللّغويّة بالمعنى الأعمّ الشّامل لأوضاع المجازات‏

و منها حسن الاستفهام‏

و قد أكثر السيّد (رحمه الله) من الاستدلال به على الاشتراك اللّفظي و قد يستدل به على الاشتراك المعنوي إذا كان اللّفظ في حيّز الإخبار دون الإنشاء و أورد عليه بأنّ الاستفهام يحسن عند مجرّد الاحتمال و لو كان مخالفا للظّاهر محتاجا إلى القرينة و لو قيل إنّ المراد بالحسن الحسن الملزم بمعنى أنّ الدّليل على الاشتراك اللّفظي أو المعنوي وجوب الاستفهام على السّامع و عدم جواز مبادرته إلى حمل الكلام على أحد المعنيين اندفع الإيراد كما لا يخفى نعم مجرّد الحسن بمعنى الرّاجح و لو مع جواز تركه عند العرف لا يدلّ على شي‏ء من الاشتراكين و لعلّ مراد المستدلّ به هو الأوّل دون الثاني هذا و قد يعرف كلّ منهما بأمور أخر غير منضبطة يمكن إرجاعها إلى‏

89

بعض ما ذكرنا طوينا الكلام عنها كشحا ثقة بوضوحها في أفهام المتدرّبين و اللّه الهادي‏

المقام الثّاني في علائم الحقيقة و المجاز عند الشكّ في المراد مع العلم بالوضع‏

و المقصود هنا البحث عمّا يعول عليه في كشف مرادات المتكلم من الطّرق العلميّة و الظّنية لكن الأولى لعدم انضباطها و اختلافها باختلاف أحوال المتكلّم و مقامات الكلام و تفاوت أذهان السّامع و نحوها من الخصوصيات الّتي لا يكاد يعقل دخولها تحت ضابط قانونيّ بخلاف طرق العلم بالأوضاع كما ظهر لم يتعرّض لها القوم (و أمّا الثّانية) أعني الطّرق الظّنّية فهي بين ما يفيد الظّن بأصل الحقيقة أو بتعيينه أو الظّن بأصل المجاز أو تعيينه بعد العلم به في الجملة في لفظ واحد أو لفظين و يتعلّق به كثير من مباحث تعارض الأحوال المشتملة عليها كتب القوم و الكلام في الكلّ تارة في الظنّ الّذي قام القاطع على اعتباره و أخرى في كلّ طريق ظنّي و قد اشتهر حتّى كاد أن يلحق بالضروريّات اعتبار الظّنون اللّفظيّة في جميع المقامات المشار إليها و قد يعبر عنها بالأصول اللّفظية فهاهنا مطالب تتكلّم عليها فيها في طيّ بدائع (أحدها) اعتبار الظّن مطلقا بالمرادات (و الثاني) اعتبار خصوص الظنون اللّفظية (و الثالث) في المراد بالظّن اللّفظي و تمييزه عن غيره و أمّا الظنّ الغير اللّفظي الّذي لا يندرج تحت مطلق الظّن بأن يكون اعتباره ثابتا بقيام القاطع عليه فلم نعثر به و لا بمدّعيه بقول مطلق نعم ربما يظهر منهم التعويل على بعض ما يتخيل خروجه من الظّنون اللّفظية كالغلبة و نحوها في مقام التّعارض و أمّا التّعويل عليه مطلقا لدليل مخصوص به فغير معلوم القائل و إن كان ظاهر بعض عبارات المحقّق القمّي (رحمه الله) قيام الدّليل الشّرعي على اعتبارها مطلقا

بديعة [الكلام في الأصول اللفظية]

لا ريب و لا إشكال في أنّ التعويل على كلّ ظنّ كاشف عن مراد المتكلّم في المحاورات أمر غير ثابت عرفا و لا شرعا لأنّ بناء العرف في المحاورات ليس على استكشاف المرادات إلاّ بظنون خاصّة نشير إليها و لم يرد من الشّرع أيضا ما يدلّ على صحّة تفسير الكتاب و السّنة بكلّ أمارة ظنية إلاّ على مشرب أهل الانسداد فإنّ الظّن بمرادات الكتاب و السّنة حينئذ حجّة من حيث كونه ظنّا بالحكم فيخرج أيضا عن المقام الّذي هو الاعتداد بالظّن المطلق في المرادات من الحقائق و المجازات و أمّا العلماء فظاهرهم الاتفاق على ذلك إذ لم نجد من يدعي الاعتداد بالظّن مطلقا في استكشاف المرادات و إن ظنّ جماعة حجّية الظّن في المقام المتقدّم أعني الأوضاع اللّغويّة فما تداول في الألسنة و يشعر به جملة من عبارات القوم في طيّ مباحث الألفاظ من أنّ المدار فيها على الظّن إن أريد الظّنّ مطلقا فلا أصل له في المقامين و إن أريد به الظّن في الجملة أعني الظّنون الخاصّة القائم على الاعتماد عليها القاطع ففي المقام الأول أيضا لا أصل له كما تقدّم و في المقام الثاني حسن كما سنبيّن و يتفرّع على ما قلنا أنّ تعيين المراد من المجملات العرفية كالحقائق المحفوفة بالقرائن الصّارفة خاصّة و المشتركات اللّفظية العارية عن قرائن التّعيين أو المطلقات المراد بها مقيدات مخصوصة معيّنة واقعيّة غير معلومة في الظّاهر بمثل الشهرة و المناسبات الذّوقية على ما هو المعهود المتعارف عند القصّار من أهل المكاشفة و الاستحسان من توجيه الأحاديث المشكلة الّتي ليس لها متفاهم عرفي ببعض الوجوهات المبنيّة على ما عقد عليه قلوبهم جهلا أو ظنّا من المبادئ الذّوقية الفاسدة خروج عن المنهج القويم و ميل عن الصّراط المستقيم فالمهمّ في المقام هو التعرّض لبيان ما يعول عليه في استكشاف المرادات من الطّرق القائم على اعتبارها القاطع و هي منحصرة بحسب الاستقراء في ظنون ترجع جلّها إلى ظواهر الألفاظ في متفاهم أهل اللّسان و قد تسمّى بالأصول اللّفظية و هي كثيرة

منها أصالة الحقيقة

عند عدم القرينة و يراد بها وجوب حمل اللّفظ على إرادة معناه الحقيقي إذا علم بتجرّده عن القرائن الصّارفة و استدلّ عليه بوجوه (الأوّل) ما ذكره العلامة في النّهاية و التهذيب من توقف حصول التفهّم على ذلك بيانه على ما في المنية أنّ المجاز ليس أصلا أي راجحا على الحقيقة إجماعا فإذا لم يكن مرجوحا كان مساويا للحقيقة فيتردّد السّامعون بين معناه الحقيقي و المجازي و لا يفهمون شيئا إلاّ بعد البحث و الاستكشاف و أمّا بطلان التالي فبالوجدان (أقول) هذا الدّليل بالتقريب الّذي بيّنه السيّد محل مناقشة لأنّ غاية ما يترتب عليه إثبات رجحان المجاز و الكلام بعد في اعتباره شرعا أو عرفا قوله و أمّا بطلان التّالي فبالوجدان كأنّه إشارة إلى ما ذكره بعض فحول السّادات من أنّ سدّ باب التّفاهم يوجب انتفاء فائدة البعث و إرسال الرّسل و إنزال الكتب و فساد النظام (قلت) و يرد عليه أنّ التردّد بين المجاز و الحقيقة في الخطابات الشّفاهية في غاية النّدرة لأنا لا نجد من أنفسنا ذلك في ما يجري بيننا من المكالمات و الخطابات أبدا بل ذلك مجرّد فرض لا أصل له نعم لو التفت السّامع إلى قابليّة المقام لإرادة المعنيين و جوّز إرادة المجاز في حق المتكلّم لبعض الأغراض جاء الشكّ و التّردّد و الالتزام بلزوم الفحص عن المراد حينئذ لا يستلزم شيئا من المحاذير المذكورة هذا و يمكن أن يكون قوله و أمّا بطلان التالي إشارة إلى بعض ما نستدلّ به على المسألة و أولى بالإشارة إليه كلام العلاّمة (رحمه الله) حيث اقتصر على توقف التّفهم على حمل اللّفظ المجرّد على معناه الحقيقي (و الثّاني) ما ذكره أيضا فيهما من أن حمل اللّفظ المجرّد على المجاز لا يجوز لأنّه يلزم أن يكون حقيقة إذ لا معنى للحقيقة إلاّ ذلك و زاد السّيد و لأنّ شرط الحمل على المجاز نصب القرينة و المفروض انتفاؤها و أنت خبير بما فيه من المصادرة لأنّه إذا ثبت ذلك ثبت وجوب الحمل على الحقيقة و لا حاجة إلى ما في المقدّمات لأنّ محلّ البحث هو الكلام المقصود به الإفادة فإذا تعذّر الحمل على أحد المحتملين تعين الآخر فالصّواب الاقتصار في الاستدلال على عدم الحمل على المجاز على الدّليل الأوّل و الحمل عليهما معا في معنى كونه موضوعا للمجموع أو مشتركا بينهما و كلاهما خلاف‏

90

الغرض و عدم الحمل على شي‏ء منهما يستلزم تعطيل اللّفظ و إلحاقه بالمهملات فتعيّن الحمل على الحقيقة (أقول) يظهر الكلام فيه ممّا مرّ في الأوّل لأن تعطيل اللّفظ في حال الشّك يحتاج إبطاله إلى دليل (و الثّالث) ما ذكره (قدّس سرّه) أيضا من أنّ المجاز يتوقّف على وضع و نقل و علاقة و لا تتوقف الحقيقة إلاّ على الأوّل فتكون أولى و كأنّه أراد أن قلّة المؤن ممّا يؤثر في إرادة المتكلّم فيكون ما يحتاج إلى كثرة المؤن أبعد بإرادته و فيه ما لا يخفى مضافا إلى أنّ الثّابت بهذا الدّليل ليس إلا الرّجحان و قد عرفت أنّ الخطب في إقامة الدّليل على اعتباره (و الرّابع) قوله تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ استدلّ به غير واحد من أفاضل المتأخرين و لم يبيّنوا وجه الدلالة مع أنّها بمكان من الخفاء و السّقوط مضافا إلى قصوره عن إفادة تمام المدّعى و هو متابعة أصل الحقيقة مطلقا حتى في المحاورات و الإقرارات و الدّعاوى و نحوها (و الخامس) الإجماع القطعي و فيه أنّه غير نافع في المقام لأنّ متابعة أصالة الحقيقة ليست لأجل تعبّد شرعي دعانا إليه و احتمال ذلك من شرائط الاحتجاج بالإجماع إذ لا مسرح له في غير الشرعيات و منه يظهر ضعف التّمسّك بالإجماع على العمل بظواهر الكتاب و السّنة مضافا إلى أنّ هذا الإجماع لا ينهض باعتبار أصالة الحقيقة مطلقا و إلى خروج ظواهرهما عمّا نحن فيه من العمل بالحقيقة في المخاطبات الشّفاهية (و السّادس) أن فائدة وضع الألفاظ في غير المشتركات تأدية المراد بسهولة و هذه الفائدة إنما يترتب عليه بجعل الواضع نفس الألفاظ كافية في بيان المقاصد من غير حاجة إلى ضمّ شي‏ء من القرائن إذ لو توقف الفهم عليها فات غرض التّسهيل و لأنّه تطويل بلا طائل هذه خلاصة ما حقّقه بعض المحققين ثم تأمّل في أنّ وجوب حمل اللّفظ على معناه الحقيقي هل هو من وضع الواضع بوضع مغاير لوضع الألفاظ كسائر الأوضاع العامة أو متفرع على وضع الألفاظ (أقول) يرد عليه أنّ كون فائدة الوضع حمل اللّفظ على معناه الموضوع له و كونه متلقى من الواضع بوضع مغاير أو غير مغاير لا ينفع عند الشكّ في إرادة المتكلّم خلاف الموضوع له فإنّ هذا على تقدير احتفافه بغرض صحيح غير معيب عليه و على فرض عدم الاحتفاف يكون مقبحا عليه لكن الوجه الّذي نذكره لا لأجل مخالفته لجعل الواضع و مقرّراته لأنّ متابعة الواضع ليس ممّا يقضي بها العقل من دون دليل و لو سلّم فالّذي يترتب على الفائدة المذكورة وجوب الاقتصار في تفهيم الموضوع له على مجرّد اللّفظ لا عدم جواز الاستعمال في خلافه بغير قرينة فإنّه لا بدّ في ذلك من التماس دليل آخر نشير إليه و الحاصل أنّ كون الغرض الدّاعي إلى وضع الألفاظ تفهيم المعاني بنفس الألفاظ و حيالها مسلّم و كون الحمل على الموضوع له من مجعولات الواضع أيضا كذلك و لكنّهما لا ينهضان بمنع جواز الاستعمال في خلاف الموضوع له فلو اكتفي في ذلك لوضوح الحال فالمقدّمة المذكورة أيضا مستدركة بعد عدم ارتباطها بالمقصود (و التحقيق) أن يقال إنّ المتكلّم إذا أتى باللّفظ مجرّدا عن القرينة بأن يكون تجرّده عنها معلوما للسّامع كما هو مصب ما استدل به العلاّمة من الوجوه المذكورة فإمّا أن يعلم بإرادة المعنى الحقيقي أو يشكّ و الأوّل خارج عن مفروض البحث و هو الغالب في الخطابات الشفاهيّة كما مرّ و أمّا الثاني فالشك في إرادة المعنى الحقيقي تارة ينشأ من احتمال كون الكلام غير مسوق للإفادة كما إذا احتمل كون صدور الكلام منه سهوا أو غفلة أو هزلا أو عن شي‏ء آخر غير الإفادة و أخرى من احتمال إرادة المجاز مع عدم نصب القرينة فإن كان الأوّل فلا مسرح لأصل الحقيقة فيه لأنّ مجراه في اللّفظ بعد إحراز كونه في مقام تفهيم المعنى إمّا الحقيقي أو المجازي لا مع الشكّ في أصل كونه للتفهيم نعم هنا أصول عقلائية أخرى لا شبهة في التعويل عليها كأصالة عدم السّهو أو الغفلة أو أصالة كون الكلام في مقام التفهيم عند إحراز قابليّة المقام فإنّ هذا الأصل أيضا ممّا يعتدّ به العقلاء و عليه بناؤهم و منشأ الظّهور النّاشئ من الغلبة و لذا لا يسمع اعتذار من يؤخذ بظاهر كلامه المجرّد عن القرينة بأحد الأمور المذكورة و إن كان الثّاني فإن كان منشأ الشكّ احتمال تعمّده إلى ترك القرينة مع إرادة تفهيم المعنى المجازي فهو يندفع باستلزامه نقض الغرض لأنّ اللّفظ المجرّد لا دلالة له على المجاز قطعا فترك نصب القرينة عمدا نقض للغرض و هو مع قبحه مستحيل عقلا لأنّ الغرض الدّاعي مع‏

عدم المانع علّة لإيجاد الفعل فمع فرض وجوده مستحيل تخلّفه عن الفعل الّذي هو في المقام نصب القرينة فيستكشف من القبح و الاستحالة المزبورين إرادته تفهيم المعنى الحقيقي لأنّ العلاقة الوضعية بين اللّفظ و المعنى تكفي في تفهيمه بمجرّد اللّفظ و ما سمعت عن بعض المحققين في الاستدلال على اتباع أصالة الحقيقة من كون اللّفظ مستقلاّ في إفادة المعنى الحقيقي له مساس بهذه الصورة في الجملة لا بما عداها من الصّور و إن كان منشؤه احتمال غفلة عن نصب القرينة مع إرادته حين صدور اللّفظ فهذا يدفع بالأصل المشار إليه أعني أصالة عدم الغفلة و بأصالة عدم المانع لأنّ الغفلة مع وجود المقتضي تجري مجرى المانع فيدفع بالأصل‏

ثمّ إنّ بناء العقلاء

على العمل بهذه الأصول ليس متوقفا على إفادتها الظّن الفعلي و لذا لو تقاعد العبد المأمور بشراء اللّحم مثلا عن الامتثال معتذرا بعدم مظنّته من الخطاب كون المطلوب هو شراء اللّحم حقيقة لم يسمع عذره و صحّ ذمّه و عقابه و ملامته لكن قد يتأمّل في أصل بنائهم على العمل بهذه الأصول في الخطاب الشفاهي لما عرفت من حصول العلم العادي فيه غالبا كما يشهد به وجدان من يلاحظ مكالماته في ليله و نهاره نعم لو التفت إلى قابليّة المقام لإرادة المجاز فالحاصل له ليس إلاّ الظّن إلاّ أنّ الالتفات إليه أمر فرضيّ و على أيّ حال فلا ريب أنّ الكلام بعد العلم بكونه مسوقا للإفادة و أنّه ليس سهويّا و نحوه يحصل منه العلم بالمراد خصوصا بعد التّأمل‏

91

في استحالة نقض الغرض أو قبحه و قبح الإغراء بالجهل فلو كان في الخطاب الشفاهي المفروض كونه في مقام البيان ظنّ فإنّما هو ظنّ بدوي ينقلب بعد التأمّل إلى العلم العادي أي الجزم النّاشئ من استقراء العادة المنبعثة من قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه و أمّا ذم العبد المتقاعد عن الامتثال فإنّما هو لأجل شهادة العادة بكذبه و لو سلّم أنّ العقلاء يذمونه بعد الاعتراف بشكّه أيضا فإنّما هو لأجل عدم سؤال العبد مع الإمكان و عدم الاحتياط مع عدمه لا لأجل قيام الحجّة عليه و هو اللّفظ المجرّد عن القرينة فالذّم المذكور مستند إلى عدم حكم العقل بقبح عقاب عبد شاك في مراد مولاه غير فاحص أو باحث عن المراد مع الإمكان أو غير محتاط مع عدم الإمكان لا يقال هذا الكلام يقضي بعدم جريان أصل البراءة فيما أجمل فيه الخطاب لأنّ اللّفظ المجرّد عن القرينة إذا لم يكن عند العقلاء محمولا على المعنى الحقيقي في صورة الشكّ كان اللّفظ الّذي لا يقارنه العلم من المجملات العرفيّة (قلت) لا مضايقة في عدم جريان أصل البراءة في المجملات الشفاهية و ما تحقق في محلّه من جريانها عند إجمال النّصّ فإنّما هو في النصّ الغير الشفاهي لاحتمال كونه حين صدوره مبيّنا في عدم التكليف فوجوده كعدمه في البيان الّذي يرفع حكم العقل بقبح العقاب و أمّا الخطاب الشفاهي المعلوم عدم كونه مبنيّا لا في التكليف و لا في عدمه فلا بعد في استقلال العقل في مثله لوجوب السّؤال إن أمكن و الاحتياط إن لم يمكن (فإن قلت) ما ذا تقول إذا بادر العبد إلى الامتثال في صورة عدم العلم مطلقا فهل يجوز للمولى معاتبته بعد الاطّلاع على ما في ضميره من عدم العلم و عدم جواز العقاب و المؤاخذة دليل على أنّ اللّفظ المجرّد حجة قاطعة للعذر متكلّما و مخاطبا (قلت) لا نسلّم عدم جواز العقاب و المؤاخذة على تقدير اعتراف العبد عدم علمه و إنّما يقبح العقاب مع دعوى العبد حصول العلم له من الخطاب فإنّ دعوى ذلك مطابقة لما تقتضيه العادة فيجب تصديقه و من هنا يعلم أنّ عدم سماع الإنكار بعد الإقرار عرفا ليس دليلا على كون الخطاب الغير المفيد للعلم حجّة لأنّ اللّفظ من أمارات العلم العادي بالمراد مع إحراز كون المقام مقام التفهيم (و من الواضح) أنّ مصادمة الأدلّة العلميّة و لو بحسب جريان العادة ساقطة في أنظار العرف و لذا لا تسمع دعوى عدم القصد في الخطابات القبيحة الّتي يريد المتكلّم بها الاعتذار عنها بعدم قصد المعنى و ممّا ذكرنا ظهر أنّ أصالة الحقيقة في هذا الفرض أعني فرض عدم القرينة واقعا في الخطاب الشّفاهي ليس بمعنى واحد بل يختلف معناه باختلاف الصّور فيرجع في بعضها إلى أصالة عدم السّهو و الغفلة و في الآخر إلى أصالة كون المتكلّم في مقام التّفهيم و قد يرجع إلى قاعدة استحالة نقض الغرض إلا أنّ اختلاف المعنى باختلاف الغرض مع مشاركة الكلّ في الحجيّة و الاعتبار لا يمنع عن التعبير بالنّتيجة و هو حمل اللّفظ على المعنى الحقيقي بالأصل (ثمّ إنّه لا يذهب عليك) أنّ فائدة هذا الأصل لا يجري في غير الخطابات الشّفاهيّة كالأخبار و كذلك الكتاب على ما عليه الأكثر نعم يثمر ذلك في الأقارير و الدّعاوى و البيّنات و الأوقاف و البيوع و الوصايا و نحوها و كذلك الكتاب على القول بأنّه مثل كتب المصّنفين لأنّ وضع هذه الكتب لتفهيم كلّ من يراجع إليها يجري مجرى الخطابات الشفاهيّة بالنّسبة إلى الكلّ و هو واضح‏

و منها أصالة عدم القرينة

عند احتمال وجودها و هذا في الجملة ممّا قضت به الضّرورة فضلا عن الإجماع و إنّما الكلام في اعتباره مطلقا أو في الخطابات الشفاهيّة خاصّة أو بشرط حصول الظنّ أو نحو ذلك من التفاصيل الّتي تعرفها (و تفصيل القول فيه) أنّك قد عرفت أنّ اللّفظ المجرّد عن القرينة محمول على إرادة المعنى الحقيقي لا محالة فاللّفظ بمنزلة المقتضي و القرينة بمنزلة المانع فإن علم عدم القرينة فالكلام فيه قد ظهر و إلاّ فاحتمالها قد يكون في الخطاب الشفاهي و ما يجري مجراه و قد يكون في غيره فإن كان في الخطاب الشّفاهي فلا خلاف في حجيّته في الجملة و السّر فيه أنّ السّامع إذا شكّ في وجود القرينة فلا جرم يكون شكّه سببا عن احتمال غفلته عنها أو غفلة المتكلّم و قد عرفت أنّ احتمال الغفلة و السّهو احتمال بعيد مدفوع بالأصل المركوز في أذهان النّاس العمل به من حيث لا يشعر و إن كان في غير الخطاب الشّفاهي كالكتاب و السّنة بالنّسبة إلينا و كذا كل كلام قصد به إفهام مخاطب أو مخاطبين مخصوصين بالنّسبة إلى غيرهم فالظّاهر أيضا عدم الخلاف و الإشكال في حجية أصالة عدم القرينة حينئذ في الجملة نعم ربما يظهر من صاحب المعالم و المحقّق القمّي (رحمه الله) عدم الحجيّة هنا و اختصاصها بالمقام الأوّل أعني الخطاب الشّفاهي و ما يجري مجراه على ما استظهره شيخنا دام ظلّه من كلام الأوّل في دليل الانسداد و من كلام الثّاني في أواخر مسألة حجية الكتاب و أوّل مسائل الاجتهاد و التقليد لكن المتأمّل في كلاهما ربما يقضي بشي‏ء آخر غير التفصيل في اعتبار أصالة عدم القرينة بين الخطاب الشّفاهي و غيره و هو إنكار حجيّة الأصل المزبور رأسا إلاّ من جهة اندراجه تحت الظنّ المطلق القائم على اعتباره دليل الانسداد و كون حجيّة ظاهر الخطاب للمخاطب من جهة إفادته العلم بالمراد لأنّ صاحب المعالم بعد ما ادّعى انسداد باب العلم بالأحكام أورد على نفسه بأنّ الحكم المستفاد من ظاهر الكتاب معلوم بضميمة قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه و بأنّه على تقدير كونه ظنيّا فهو ظنّ مخصوص قام على اعتباره القاطع كالبيّنة (ثمّ أجاب عنه) بأنّ الكتاب من قبيل الخطابات الشّفاهيّة و قد تقدّم أنّها مختصّة بالحاضرين و لا ريب أنّ كلامه هذا لا يدلّ على قوله بأنّ الخطاب الشّفاهي إذا أفاد الظنّ فهو حجّة في حقّ المخاطب خصوصا بعد ملاحظة ذكره في السّؤال مقدّمة قبح الخطاب بما له ظاهر بل الظّاهر اعترافه بأن الحكم‏

92

المستفاد من الخطاب الشفاهي معلوم بملاحظة تلك المقدّمة و أنّ حجّية الكتاب في حقّ المشافهين إنما هي باعتبار إفادته العلم بالمراد لهم لا باعتبار إفادته الظنّ و كون الظّن المستفاد من الخطاب الشّفاهي ظنّا خاصّا ثبت اعتباره بالدّليل كالبيّنة نعم ربما يوهم جعله عنوان البحث ظاهر الكتاب دون الكتاب أنّه أراد إبداء التفصيل في حجيّة الظنّ المستفاد من الكتاب و لكنّه مدفوع بأن هذا التعبير قد لوحظ فيه حال الغائبين لا حال المشافهين فالغائبون ينقسم بملاحظة حالهم آيات الكتاب إلى ظاهر و صريح و أمّا المشافهون فالآيات في حقّهم كلّها من النّصوص و لو بقرائن الأحوال و أمّا المحقّق القمّي (رحمه الله) فهو و إن صرّح في باب الاجتهاد و التقليد بأن الظّن الحاصل من الكتاب حجّة في حقّ المشافهين دون الغائبين لكنّه استدلّ على الحجيّة في حق المشافهين بما يدلّ على أنّ الخطاب للمشافهين كان يفيد العلم بالمراد المقصود لأنّه استدلّ على ذلك في باب حجية الكتاب بقبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه و في باب الاجتهاد و التقليد بالإجماع و بأن اللّه تعالى أرسل رسوله بلسان قومه و أنّ المراد بلسان القوم هو ما يفهمونه و من الواضح أنّ الظّاهر من الفهم هو العلم بالمراد نعم لو لا ما ذكره في باب حجيّة الكتاب من الاستدلال على حجيّته للمشافهين بقبح الخطاب إلى آخره لأمكن التجاوز عن ظاهر لفظ الفهم هنا بحمله على الفهم الظّني بقرينة جعله عنوان البحث حجية الظنّ الكتابي للمشافهين لكن الاستدلال المزبور يمنع عن ذلك فيتعيّن التصرف في عنوان البحث بجعل الظنّ فيه عبارة عن الظنّ البدوي الزائل بملاحظة القبح المذكور أو بجعل التعبير بالظنّ باعتبار ملاحظة حالنا الغائبين لا المشافهين نظير ما مرّ في عبارة المعالم (و تلخيص المقال) أنّهما ذكرا أنّ ظاهر الكتاب أي الظنّ الحاصل من أصالة الحقيقة في ظواهرها حجة في حق المشافهين دون الغائبين و استدلا على ذلك تصريحا أو تلويحا بما يدلّ على أنّ مرادات الكتاب كانت معلومة للمشافهين و هو قبح الخطاب إلى آخره فيدور الأمر بين التصرّف في ظاهر العلّة أو صريحها و ظاهر المعلول و من المقرر أنّ ظهور العلّة حاكم على ظهور المعلول فضلا عن صريحها كما فيما نحن فيه فتعين التصرّف في ظاهر المعلول بأحد الوجهين المزبورين أو بغيرهما من الوجوه القريبة نعم نقل بعض المحققين عن بعض فضلاء عصره ذلك التفصيل و لعلّه أراد به غير المحقّق القمّي (رحمه الله) حيث صرّح ذلك الفاضل فيما نقل عنه بحجية ظواهر الكتاب بالنّسبة إلى جميع الأمة لكونه من قبيل تأليف المؤلّفين و هو خلاف صريح المحقق القمّي (رحمه الله) لأنّه لا يقول بذلك بل ينكر على من زعم شمول الخطابات الشفاهية للغائبين (و كيف كان) فهذا التفصيل مردود بما ذكره شيخنا الأستاذ دام ظلّه العالي من السّيرة الجارية بين النّاس و بناء العقلاء على العمل بمقتضى ظواهر الألفاظ و لو كان العامل غير المخاطب بها و لذا يؤاخذ بظواهر الكتابات الّتي قصد بها مخاطبة المكتوب إليه خاصّة فلو وجد في كتابة زيد إلى عمرو إقرار لبكر أو قذف أو شتم أو نحو ذلك ممّا يرجع إلى غير المكتوب إليه جاز ترتيب آثار الإقرار و القذف عليه عرفا و غير ذلك و ليس لزيد الاعتذار بعدم قصده لظاهر الكتابة باعتبار قرينة معهودة بينه و بين عمرو و لو ساعده عمرو على ذلك و إنّما استظهرنا المطلوب بهذا المثال دون كتب المصنّفين و السّجلاّت المشتملة على الأوقاف و الوصايا و العقود و نحوها لأنّها في حكم الخطابات الشفاهيّة بالنّسبة إلى كلّ أحد كما مرّ (و قد أجاب) المحقّق المزبور عن معاصره بالإجماع دون السّيرة و بناء العقلاء معترفا بعدم ثبوتهما في العمل بالظّواهر في غير الخطابات الشفاهيّة و المحاورات المتداولة بين النّاس (قلت) قد عرفت عدم الفرق بينها و بين غيرها في بناء العقلاء و أهل اللّسان (ثمّ إنّ الإجماع) لا مسرح له في أمثال المقام لأنّا نعلم أن حجيّة ظواهر الألفاظ ليست لأجل تعبّد شرعي بل لأجل إمضاء الشّارع لما هو المتعارف بين الناس قديما و حديثا و بعد الاعتراف بعدم تعارف العمل بالظّواهر في غير الخطابات الشّفاهيّة يتجه منع الحجيّة (ثمّ أقول) إنك قد عرفت أن مرجع أصالة الحقيقة في الخطاب الشّفاهي إلى أصالة عدم غفلة السّامع عن القرينة المنصوبة لا إلى أصالة عدم القرينة كما أنّ مرجعها مع العلم بعدم نصب القرينة إلى أصالة عدم غفلة المتكلّم عن نصبها فانحصر مجرى أصالة الحقيقة بمعنى أصالة عدم القرينة نفسها في غير الخطابات الشفاهية و حاصل الكلام أنّ أصالة الحقيقة تنقسم إلى أصالة عدم غفلة المتكلم من نصب القرينة و إلى أصالة عدم غفلة

السّامع عن القرينة المنصوبة و إلى أصالة عدم نصب القرينة و الأوّلان مختصّان بالخطاب الشفاهي و الثالث مختص بغيره فالتفصيل المزبور إنكار لحجيّة أصالة عدم القرينة رأسا و قول باختصاص الحجيّة بالأوّلين و منه يتضح شناعة التفصيل المزبور لأنّ إنكار حجيّة أصالة عدم القرينة كلّية مصادمة للبديهة (نعم بقي الكلام) في اعتبارها مطلقا أو مع حصول الظنّ منه فعلا فذهب سيّدنا الأجل (قدّس سرّه) في المفاتيح إلى الثاني و بنى عليه التوقف في المجاز المشهور و الاستثناء المتعقب للجمل و نسبه إلى المحقق الخوانساري (قدّس سرّه) و ربّما حكي أيضا عن بعض الأفاضل و كلام المحقق المحكي غير ظاهر فيما نسب إليه لأنّه منع عن العمل بأصالة العموم في مسألة الاستثناء قائلا بعدم ثبوت اعتبار أصالة الحقيقة في مثل المقام و هذا لا يدلّ على قوله بعدم اعتبار ظواهر الألفاظ إلا مع حصول الظنّ كما ستعرف و استدلّ السيّد (رحمه الله) على مختاره بوجوه أحسنها منع بناء أهل اللّسان على العمل بأصالة الحقيقة تعبّدا و عدم دليل على حجيّتها سوى بناء أهل اللّسان و قد عرفت أنّ هذا المنع في محلّ المنع فالأظهر وفاقا للأكثر هو العمل بأصالة الحقيقة سواء أفاد الظنّ أم لا بل و لو حصل الظنّ بالخلاف و لو لا ذلك لانسدّ باب الاحتجاج بالأدلّة السّمعية و يمتنع إقامة الدّليل الإلزامي إذ

93

الخصم له الاعتذار بعدم مظنّته من ذلك الدّليل ظنّا فعليّا و هو خلاف ما يقضي به البداهة من الطّريقة المألوفة المعهودة بين العوام و الخواص نعم يشترط في العمل بأصالة عدم القرينة عدم احتفاف اللّفظ بحال أو مقال قابلا للقرينة فإنّ اللّفظ في هذه الحالة يكون من المجملات العرفية لعدم ثبوت بناء العرف على التّعبد بأصالة الحقيقة حتى في مثل هذه الصّورة و قد حقّقنا ذلك في المجاز المشهور فارجع و تأمّل (و ثمرة المسألة) تظهر في ما إذا عارض ظاهر دليل معتبر أمارة غير معتبرة موجبة لانتفاء صفة الظّن الفعلي من ذلك الدّليل كالقياس و الاستحسان و الشهرة و الاستقراء و الخبر الضّعيف و ما أشبهها فعلى مختار السيّد لزم الحكم بإجمال ذلك الدّليل و أمّا جعله التوقف في المجاز المشهور و في مسألة الاستثناء المتعقّب للجمل من ثمرات البحث فليس في محلّه كما مرّ و مثله المعرّف بلام الجنس مع قابليّة المقام للعهد باعتبار سبق ذكر بعض أفراد الجنس حقيقة أو حكما و قد جعل من أمثلته في تمهيد القواعد بعد أن جعل التّعارف و الشيوع من قرائن العهد المطلقات المنصرفة إلى بعض أفرادها الشّائعة لو لا تعريفها بالجنس كالبطّيخ إلى البطّيخ الغير الهندي (و فيه نظر) لأنّ اللاّم على القول بأنّها حقيقة في الجنس لا يراد بها سوى كونها حقيقة في جنس مدلول مدخولها في حال الدّخول فإذا كان المدخول في نفسه ظاهرا في الأفراد الشّائعة كانت اللاّم إشارة إلى جنس تلك الأفراد الشّائعة خاصّة فلا وجه للتوقف باعتبار تعارض جهة وضع اللاّم مع ظهور العهديّة لأنّهما متعاضدان و لا تعارض بينهما و مثال ذلك ما ذكرنا في بعض أخبار الاستصحاب من أنّ اللاّم في قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشّكّ يحتمل أن يكون إشارة إلى المعهود سابقا و هو يقين الوضوء و أن يكون إشارة إلى جنس اليقين فالحديث من أمثلة ما عنونه في تمهيد القواعد و ربما يظهر من المفاتيح في أواخر المسألة تفصيل آخر و هو أن ما يوجب الوهن في ظهور اللّفظ إن كان دليلا معتبرا كما إذا كان مجملا فاللّفظ ساقط عن درجة الاعتبار فلو وقع في مقابل العام حديث معتبر سندا مجمل دلالة باعتبار احتمال كونه مخصّصا سقط العام عن الاعتبار و كذا جميع الظّواهر اللّفظية غير أصالة العموم و إن كان أمارة غير معتبرة كشهرة و نحوها فظاهر اللّفظ معتبر و لو لم يكن مفيدا للظنّ الفعلي و ممّا ذكرنا يظهر حال هذا التفصيل أيضا بل هو أضعف لأنّ الدّليل المعتبر بعد إجماله يخرج عن كونه دليلا حتى لو كان كتابا إذ لا معنى لكون المجمل دليلا بل هو أسوأ حالا من الأمارات الغير المعتبرة الّتي اعترف بعدم توهينها لدلالة اللّفظ فهذا التفصيل مع مشاركته للتفصيل السّابق في الخروج عن المتعارف بين أهل اللّسان لا يرجع إلى محصّل في نفسه‏

و منها أي و من الظّواهر اللّفظية المجازات المحفوفة بالقرائن‏

و ما هو المشهور من أنّ المجازات مع القرائن حقائق ثانويّة أي في حكمها و هو وجوب حمل اللّفظ عليها عند الخلوّ عن الصّارف و لو مع عدم إفادتها العلم و هو على قسمين أحدهما ما يرجع إلى أصالة الحقيقة في نفس القرينة و الثّاني إلى غيرها بيانه أنّ القرينة الظّنية قد تكون لفظية و حينئذ فظهور اللّفظ في المعنى المجازي مستند إلى أصالة الحقيقة في لفظ القرينة مثلا إذا قيل رأيت أسدا يرمي و دار الأمر بين كون أسد مجازا في الإنسان و كون يرمي مجازا في رمى التّراب كما هو عادة الأسد الغضبان فظهور أسد في الإنسان الّذي هو معنى مجازي له مستند إلى أصالة الحقيقة في لفظ يرمي و هذا القسم من المجاز معتبر عند أهل اللّسان بعين اعتبار الحقائق لأنّ السّبب الدّاعي إليه أيضا هو متابعة أصالة الحقيقة في القرينة إلاّ أن يقال أنّ ما تقديم من الأدلّة إنّما يقتضي متابعة أصل الحقيقة في حمل اللّفظ على معناه الحقيقي و أمّا وجوب العمل بما يترتّب عليه من اللّوازم كالحكم بإرادة المتكلّم من لفظ آخر المعنى المجازي لا الحقيقي فهو ليس ممّا تقضي به تلك الأدلّة و فيه أنّ اعتبار أصالة الحقيقة عند العقلاء إن كان من جهة كونها أمارة إلى الواقع فهذا السؤال لا وقع له أصلا لأنّ الأمارات المعتبرة لا يفرق فيها بين الملزوم و اللاّزم و إن كان من جهة التعبّد المحض فلا ريب في أنّ المتعبّد به عند العقلاء ليس هو الاقتصار في المدلول المطابقي بل هو ثابت بالنّسبة إلى جميع المداليل فإذا وجب التعبّد بحمل اللّفظ على المعنى الحقيقي وجب التعبّد بما يترتب عليه من اللّوازم أيضا و لعلّ السّؤال مبني على جعل الأصول اللّفظية على التقدير الثّاني كالأصول الشرعيّة و هو خطأ بيّن بحكم بناء العقلاء فافهم و تدبّر نعم لا بدّ في تميز القرينة عن المجاز من الدّقة فإنّه لا يخلو عن غموض فكما يمكن في المثال المزبور أن يجعل أصالة الحقيقة في لفظ يرمي قرينة على التجوز في لفظ أسد فكذلك يمكن العكس إذ ليس أصالة الحقيقة في كلّ متأخّر حاكمة على أصالة الحقيقة في كلّ متقدّم كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى بل المدار في ذلك على شي‏ء آخر نذكره إن شاء اللّه تعالى في تعارض الأحوال اللّفظية و قد تكون غير لفظيّة و ذلك كورود الأمر عقيب الحظر أو في مقام توهّمه و الشّهرة في المجاز المشهور مطلقا أو في بعض أقسامه المشار إليه سابقا المختار عند بعض المحققين فإنّ الأوّل قرينة ظنيّة على كون المراد بالأمر الرّخصة و الثاني قرينة على إرادة المعنى المجازي مطلقا عند أبي يوسف أو في بعض أقسامه عند ذلك المحقق و الغرض هو التمثيل و إلا فقد عرفت الرّأي في المجاز المشهور و تعرفه إن شاء الله تعالى في الأمر الوارد في مظنّة الحظر أيضا ثمّ إنّ المقتضي لظهور اللّفظ في المعنى المجازي قد يكون بحيث يعارض الوضع الّذي هو مقتضى الحمل على المعنى الحقيقي و يغلب عليه كالأمثلة المزبورة على القول بها و قد لا يكون كذلك فيشترط في اقتضائه الحمل على المجاز قيام قرينة أخرى مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي فتكون قرينة معيّنة (و من هنا) يعلم أنّ النّسبة بين الصّارفة و المعيّنة في خصوص‏

94

المجازات عموم من وجه و مثاله الشّهرة في المجاز المشهور عند الأكثر القائلين بالتّوقف فإنّها ليست بحيث تغلب على الوضع عندهم بأن تكون منشأ لظهور اللّفظ في خلاف الموضوع له عند احتماله و لكنها صالحة للترجيح و التعيين بعدم قيام القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة فلا يصار عن المجاز المشهور أو عمّا دونه من المجازات الّتي شاعت في العرف إلى غيره بعد القطع بعدم إرادة الحقيقة فالأمر الوارد في الأدلّة الشرعيّة بعد العلم بعدم كونه مستعملا في الوجوب يتعيّن حمله على النّدب و إن لم يكن من المجاز المشهور الّذي ذهب الأكثر فيه إلى التوقف و مثل الشجاعة فإنّها لا تصلح لصرف لفظ أسد عن معناه الحقيقي لكنّها صالحة للترجيح و التّعيين بعد قيام القرينة الصّارفة و لذا لا يحمل أسد في الحمّام على الرّجل البخر مثلا مع عدم منافاة الكون في الحمّام لإرادة البخر فالمقتضي لظهور اللّفظ في المعنى المجازي قد يكون صارفة خاصّته و قد يكون معينته كذلك فالحمّام صارفة خاصّة و الشّجاعة معيّنة كذلك و المدار في الجميع على التّبادر و الظّهور العرفي فإن حصل عمل بمقتضاه سواء عارضه جهة الوضع أم لا و الدّليل على جواز التعويل على الظّهور في المجازات هو الدّليل على حجيّة الظّهور في الحقائق الّتي تسمّى بالأصول اللّفظية كأصالة الحقيقة و أصالة العموم و نحوهما من إجماع العلماء و بناء العقلاء و استقرار سيرة أهل اللّسان فإنّ الغرض صيرورة اللّفظ بملاحظة تلك القرينة من الظّواهر العرفية الّتي يعول العرف عليها فتكون حجّة على ما تحقّق في محلّه من حجيّة بناء العقلاء و لو كان ذلك في العمل بالظّنون و يمكن تفسير الأصل اللّفظي بمعنى يشمل الحقائق و المجازات كلّها كما لا يخفى و أمّا منشأ الظّهور و التّبادر فلا يندرج تحت ضابط خصوصا الظّواهر الشّخصيّة بل لا يعقل له حدّ ينحصر فيه نعم الظّواهر النوعيّة من المجازات في غاية القلّة بحيث يمكن إنكارها رأسا و لذا اختلفوا في المجاز المشهور و الأمر الواقع عقيب الحظر نعم الظّاهر أنّه لا إشكال و لا خلاف في كون المجاز الشّائع من الظّواهر العرفية بعد تعذّر الحمل على الحقيقة كما مرّ و هذا ما يقال من أنّ الحقيقة إذا تعذّرت فأقرب المجازات إذ المراد بالقرب هو القرب بحسب إفهام السّامعين المسبّب من كثرة الاستعمال لا القرب الاعتباري العقلي و إن كان منشأ كثرة الاستعمالات غالبا هو القرب الاعتباري كما يفصح عن ذلك شيوع أسد يرمي في الشجاع دون البخر فإنّ الأول أقرب من الأسد اعتبارا (و أمّا) ما ذكروه في البيان في مبحث الاستعارة من أنّ وجه الشّبه لا بدّ أن يكون من أظهر أوصاف المشبّه و المشبّه به ليحصل به الانتقال من الثاني إلى الأوّل فإنّما أرادوا به الأظهريّة في نظر العرف دون الواقع و نظر العقل و منه يظهر أنّه لا يجوز ترجيح تقدير جميع الآثار على تقدير المؤاخذة أو الأثر الظّاهر في حديث الرّفع بملاحظة كونه أقرب من الحقيقة اعتبارا لأنّ ما لا يترتّب عليه شي‏ء من آثار الوجود أقرب بالمعدوم ممّا لا يترتّب عليه بعض الآثار نعم قد يتسبّب الظّهور العرفي من غير كثرة الاستعمال كظهور قوله (عليه السلام) لا غيبة لفاسق مثلا في نفي الحرمة فإن منشأه ليس كثرة استعمال هذا التّركيب في نفي الحرمة بل كون الحرمة في المنفي أعني الغيبة من أظهر أوصافه و بالجملة المناط هو الظّهور العرفي سواء حصل من الشّهرة أو من القرب العقلي أو من شي‏ء آخر و من أجلّ السّادات المحقّقين من جعل الاشتهار في مقابل الظّهور و التبادر و قال ما حاصله أنّ المقتضي لتعيّن المجاز مع تعذر الحقيقة أمور ثلاثة (أحدها) التبادر و جعل منه تعيّن رأيت أسدا في الحمّام في الرّجل الشجاع لأنّ المتبادر منه ذلك (و ثانيها) الاشتهار قال و هو مقتضى للتعيين و لو لم يتبادر (و ثالثها) القرب من الحقيقة قال و إنّما يقتضي ذلك تعيّن المعنى القريب باعتبار كونه مظنة للاشتهار إلى آخر ما ذكره و بما حقّقنا ظهر ما في هذا التحقيق لأنّ المقتضي لتعيين المجاز ليس سوى التّبادر العرفي و الاشتهار إنّما يكون مقتضيا للتعيّن إذا كان سببا للتّبادر و الظّهور العرفي لا مع قطع النّظر عنه و السّر فيه ما ذكرنا من أنّ استكشاف المرادات منحصر في الظّواهر العرفية فمع قطع النظر عن الظّهور العرفي لا عبرة بالشّهرة كما لا يخفى عبرة بغيره من القرب و نحوه (ثمّ) إنّ الاقتصار على القرب أيضا لا وجه له لما عرفت من أنّ الظّهور و التبادر قد ينشأ أن من غير القرب أيضا فلا محصّل لما ذكره من حصر المقتضي في الثلاثة و من المحققين من أورد

على قوله و إنّما يقتضي ذلك تعيين المعنى القريب باعتبار كونه مظنة للاشتهار بأن القرب أعني تأكد الشّباهة و المناسبة بنفسه من مقتضيات الحمل على المعنى القريب سواء صار منشأ للاشتهار أم لا و بما ذكرنا تعرف ما فيه أيضا لأنّ القرب المعنوي ما لم يوجب الظهور و التبادر العرفي لا يعول عليه في تعيين المجاز و إن أراد ثبوت الملازمة بينهما بمعنى استلزام تأكد المناسبة و الشباهة للتبادر فهو أيضا ممنوع كما أشرنا إليه في حديث الرّفع فإن الشي‏ء المسلوب الآثار أقرب بالمعدوم من المسلوب عنه بعض الأثر مع أنّ المتبادر من رفع الشّي‏ء عرفا ليس هو رفع جميع الآثار بل إنّما يكون بعضها إذا كان الأثر المقصود أثرا ظاهرا لذلك الشّي‏ء المرفوع و الحاصل أنّ المناط هو الظّهور العرفي من أيّ شي‏ء حصل و لا عبرة بما عداه من تأكد المناسبة أو الاشتهار و إن كان التبادر في غيرهما موجودا و اللّه الهادي‏

بديعة في تعارض الأصول اللّفظية

و ما يجري مجراها من الأصول المستعملة في إثبات الأوضاع و نفيها كأصالة عدم الاشتراك و النقل إذا توقف فهم المراد على استعمالها و يدخل فيه البحث المعروف بتعارض الأحوال لأنّ المراد بهذه الأحوال أمور يخالف كلّ واحد منها أصلا من الأصول اللّفظية كالاشتراك و النقل و التخصيص و المجاز و الإضمار فمعارضة بعضها مع بعض يرجع إلى تعارض الأصول اللّفظية و قد يعبّر عنها بمسائل الدّوران و إنّما أفردوا التخصيص و الإضمار مع أنّهما قسمان من‏

95

المجاز لاختصاصهما بمزايا ليست في سائر الأقسام كذا قيل و الأظهر في وجه الإفراد هو أن كون التّخصيص خصوصا المتصل منه مجازا مختلفا فيه و الإضمار أيضا خارج من حدّ المجاز المعروف في الحقيقة و إنّما يطلق عليه المجاز في الإعراب توسّعا فهو ضرب آخر غير المجاز المعروف المحدود في كلامهم و جملة أقسامها الثنائية على ما ذكره في المنية و غيره عشرة و هو كذلك مع الاقتصار في المقام على توضيح الحال في معارضة تلك الخمسة و أمّا جميع أقسام تعارض الأحوال فهي على ما ذكره بعض المتأخّرين أحد و عشرون إذ من الأحوال اللاّحقة للّفظ التقييد و النّسخ فيزيد بعد إضافتها إلى تلك الخمسة أحد عشر قسما آخر كما يظهر بالتأمّل و لعلّ الوجه في إهمال من حصر الأقسام في العشرة هذين القسمين هو النّظر إلى البحث عنهما على وجه الاستقلال إذ يعلم من باب حمل المطلق على المقيد أنّ التقييد أرجح من كلّ مخالف للظّاهر و من باب بناء العام على الخاصّ أنّ النّسخ مرجوح بالنّسبة إلى الكلّ و كيف كان فتنقيح الكلام في هذا البحث يحصل في طيّ مراحل نظير البحث في تعارض الأخبار و غيرها من الأمارات المعتبرة و من هنا يعلم أنّ هذا البحث إنّما هو بعد البناء على حجية الأصول اللّفظية بالخصوص فلو بني على اعتبارها من جهة دليل الانسداد القاضي باعتبار صفة الظنّ الفعلي الشّخصي سقط البحث رأسا (الأولى) في حكم تعارض الأحوال اللّفظية مع عدم المرجّح الشخصي و النّوعي أو مع القول بعدم اعتبار التّرجيح في المقام كما ذهب إليه غير واحد (و الثّانية) في ذكر المرجّحات النّوعية أمّا المرجّحات الشخصيّة الّتي تفيد الظّن بأحد الطّرفين فعلا فهو باعتبار عدم انضباطها لم يصلح لتعلّق غرض الأصولي بذكرها في المقام (و الثّالثة) الاعتماد على المرجح النّوعي أو الشخصي في المقام و ليعلم أولا أنّ محلّ الكلام ما إذا لم يكن الشكّ في بعض هذه الأحوال مسبّبا عن الشك في الآخر و إلاّ فالأصل في الشكّ السّببي مقدم على الأصل في المسبّب كما تحقق ذلك في تعارض الاستصحاب بل الأمر هنا أولى و أوضح لأنّ الأصول اللّفظية أمارات ظنية و لا يعقل الظّن بوجود المسبب مع الظنّ بعدم السّبب و المفروض حصول الظّن من الأصل النّافي للسّبب و من هذا الباب دوران الأمر بين تخصيص العام المتعقب بالضمير و بين ارتكاب الاستخدام في الضمير بإبقاء العام على حاله كما في الآية وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ حيث إن حمل المطلّقات على العموم يوجب الاستخدام في ضمير بعولتهنّ للإجماع على عدم الرجوع في جميع أقسام المطلقة فيدور الأمر بين تخصيص العام مع بقاء الضمير على حقيقته أعني المطابقة للمراد بالمرجع و بين إبقائه على العموم و التزام الاستخدام في الضّمير لكن الشكّ في الثاني أعني الاستخدام لما كان مسبّبا عن الشكّ في التخصيص فبأصالة عدمه يثبت الاستخدام و إن كان التخصيص في نفسه أرجح من المجاز مطلقا

المرحلة الأولى في الأحوال المتكافئة

و جملة القول فيه أن الأصول اللّفظية إذا تعارض بعضها مع بعض و تكافأ من حيث المرجّحات المعتبرة احتمل فيه وجوه (أحدها) إلحاقها بالأخبار المتعارضة المتكافئة في الحكم بالتخيير و هذا و إن لم نجد مصرحا به إلاّ أنّه يظهر من كلماتهم في تعارض القراءات السّبع مع اختلاف الحكم الشرعي باختلافها لأنّ المشهور هنا هو التخيير و هو على تقدير تواترها كما هو المشهور يرجع إلى التخيير في تعارض الظّواهر اللّفظية و لكن يمكن تنزيل كلماتهم على القول بعدم التواتر فيخرج عمّا نحن فيه و يؤيّده أو يدلّ عليه قولهم بالتّخيير بعد فقد المرجّحات الغير الرّاجعة إلى الدّلالة فافهم قال السّيد المحقق الكاظمي في شرح الوافية لما كانت القراءات السّبع المعتبرة كلّها قرآنا كانت إذا اختلف اثنان منها في حكم بمنزلة خطابين متعارضين و الضّابط في ذلك عند الأكثرين التخيير و ذهب قوم من العامة إلى التساقط و الرجوع إلى الأصل (ثمّ) لما كان ذلك مبنيا على تكافؤ القراءات و انتفاء الترجيح و كان ذلك على إطلاقه محلّ نظر رجّح العلامة القراءتين المذكورتين لظهور المرجّح بالسّلامة ممّا استقامت ألسنة الفصحاء على خلافه من الإمالة و الإشمام و نحوهما فقد ظهر المستند عليه فيجب الأخذ بما يقتضيانه دون ما عداهما انتهى كلامه رفع مقامه و أراد بالقراءتين قراءة عاصم من طريق و قراءة حمزة و أنت خبير بأنّ السّلامة من مثل الإمالة و الإشمام لا توجب الترجيح في مقام الاستدلال على الحكم بعد فرض كون القراءتين كليهما متواترتين و الظّاهر أنّ نظر العلامة في الترجيح إلى بعض ما يترتب على القرآن غير الاستدلال على حكم من الأحكام الفرعيّة الثابتة له كالقراءة في الصّلاة و أمثال ذلك و هو ترجيح في محلّه على تقدير كون الإمالة مثلا من منافيات الفصاحة لأنّ الأفصح من آيات القرآن أولى بترتب آثار القرآنية عليه فتأمل نعم لو بني على أنّ القراءات السّبع مطلقا أو عند التعارض فيما يختلف فيه الحكم الشّرعي غير متواتر و في حكم المتواتر كانت السّلامة من مثل الإمالة مرجحة و لكن القول بالتخيير مع التكافؤ لم أجده لأحد في تعارض الأحوال المتكافئة (و ثانيها) إلحاقها بالأصول العمليّة المتعارضة في الحكم بالتّساقط مطلقا حتى في نفي الثّالث و قد ينزّل عليه ما سمعت عن بعض العامة كما هو الظّاهر مع احتمال أن يكون المراد التّساقط فيما يتعارضان فيه لا في نفي الثّالث أيضا الّذي يتفقان فيه (و ثالثها) التوقف بمعنى فرض وجودهما كالعدم في جهة التعارض لا مطلقا فيرجع إلى الأصل الموافق لأحدهما دون المخالف و هذا هو الأقوى لأنّ الاحتمال الأوّل و هو التخيير يحتاج إلى دليل من عقل أو نقل و العقل لا يستقلّ به إلا فيما لا مندوحة فيه كما إذا دار الأمر بين المحذورين و النقل أيضا لم يرد به إلا ما قد يتخيل من دلالة الأخبار الواردة في الخبرين المتعارضين على التخيير في كلّ أمارتين أو احتمالين متعارضين بالفحوى و هو كما ترى خصوصا مع احتمال كون العمل بالخبر من باب‏

96

السّببية المحضة و التكليف النّفسي فإنّ التخيير حينئذ مقتضى القاعدة كما في كلّ حكمين متزاحمين فلا يمكن انسحابه إلى ما نحن فيه لأنّ الأصول اللّفظية أمارات عقلائية أمضاها الشّارع على وجه تجري عليه عند العرف و العقلاء و ليس العمل بها من تعبّد شرعيّ حتّى يكون لذلك الاحتمال أعني السّببية المحضة فيها مجال و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لو قلنا بالتّخيير في تعارض الأصول العملية لم نقل به في المقام أيضا لأنّ العمل بالأصول حكم شرعي أمكن فيه القول بالتخيير عند التّعارض عملا بعموم دليله بقدر الإمكان كما ذهب إليه البعض بخلاف العمل بالأصول اللّفظية فإنّ العمل بها من جهة بناء العقلاء فالحوالة فيها على العرف و العقل دون الدّليل الشّرعي فافهم و أمّا الثّاني أعني التّساقط بقول مطلق كما في الأصول الشرعية على ما هو الحق فيها فلأنّ ذلك يرجع إلى طرح الدليلين من غير تعارض لأنّ الأمارة الحاكية عن الملزوم حاكية عن اللاّزم أيضا و لذا لا يفرق في جواز التعويل عليها بين المداليل المطابقة و الالتزامية فيجب تصديق كلّ أمارة في تمام مدلولها عرفا و شرعا و مقتضى ذلك تصديق الأصلين المتعارضين في مدلوليهما الالتزاميّين أعني نفي الثّالث كما هو الشّأن في كل أمارتين متعارضتين و ليس تساقطهما في المطابقة مانعا عن العمل بهما في الالتزام بخلاف الأصول العملية فإنّها تكاليف ظاهريّة محضة ثبتت من الأدلّة الشرعية و ليس لها جهة كشف لا مطابقة و لا التزاما فإذا وقع بينهما التعارض انحصر الأمر في التخيير أو التّساقط رأسا و أمّا التّساقط في الجملة بأن يكون حجّتين في نفي الثالث فهو ممّا لا يقضي به دليل الأصل و لم يقل به أحد كما تحقق ذلك في محلّه نعم لا بدّ في ترجيح التّساقط على التخيير من النّظر و التأمّل التام و لذا وقع جماعة من الفحول في الخطإ فرجّحوا التخيير على التّساقط و قد احتج عليهم في محلّه بما لا مزيد عليه و المقصود هنا تزييف حسبان التّساقط رأسا (ثمّ) إنّه لا فرق فيما اخترنا من التوقف بين أن يكون التّنافي بين الأصلين عقليّا كما في قولك أسد يرمي أو باعتبار العلم الإجمالي بمخالفته أحدهما للظّاهر من دون تعيين كما إذا علمنا إجمالا بمخالفة أحد الخطابين للظّاهر مع إمكان العمل بهما على ظاهرهما عقلا فإنّ الحكم في الجميع التوقف كما أنه لا فرق أيضا على التقدير الثّاني وفاقا للأستاذ دام ظلّه في أصل البراءة بين أن يكون الأصلان المتعارضان متعلّقين بالأحكام العملية أو كان أحدهما كذلك و الآخر متعلّقا بالقصص و نحوها ممّا لا يترتب عليه حكم عملي فلو علمنا إجمالا بمجازية أحد الخطابين المتعلّق أحدهما بالأحكام و الآخر بالقصص مثلا لم يعمل أيضا بالخطاب المتعلّق بالأحكام و قد يقال بالفرق بين المقامين مثلا فلا يتوقف إلاّ في الأوّل بل يعمل في الثّاني بالأصل الّذي له مساس بالحكم الشّرعي إلحاقا له بسائر الأصول و الأمارات الشّرعية كالاستصحاب و اليد فإنّ العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع لا يؤثر إلا إذا كان كلّ واحد منهما محلاّ لابتلاء المكلّف و هو الّذي يقتضيه ما ذكره الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي في رسالة حجيّة الظنّ في بعض تنبيهات مسألة حجيّة الكتاب و لعلّ الأظهر ما ذكره في أصل البراءة لأنّ مدار الأصول اللّفظية على الظّنون و مع العلم الإجمالي بمخالفة أحد الأصلين للواقع لا يكون شي‏ء منهما مفيد للظنّ و لو كان أحد المتعارضين غير مبتلى به إذ الابتلاء و عدمه إنّما يختلف به الحكم الشرعي دون العرفي ففي الأمارات الشرعية الّتي ثبت اعتبارها تعبّدا من الشّارع يشترط في الحكم بالتوقف بين متعارضيهما أن يكون كلّ واحدة منهما محلاّ لابتلاء المكلّف فيحل اللّحم المأخوذ من يد مسلم مثلا و لو علم إجمالا بنجاسة بعض ما في الأيادي المحصورة إذا كانت الأيادي الأخرى غير يد الدافع غير مبتلى بها بخلاف الأمارات الّتي يناط اعتبارها بالظّن النوعي و ثبت حجّيتها من جهة كونها من الظّنون العقلائية فإن تعارض بعضها مع بعض و لو باعتبار العلم الإجمالي منشأ للحكم بالتوقّف مطلقا و سرّ الفرق بين الأمارتين أنّ التوقف في الأمارات الشرعيّة المتعارضة مستندا إلى امتناع الحكم بحجيّة المتعارضين معا للتناقض و حجيّة أحدهما معينا بعدم الترجيح فلا ينسحب إلى ما إذا كان هناك مرجح لأحدهما كعدم الابتلاء بخلاف التوقف في الأصول اللّفظية و سائر الأمارات العقلائية فإنّه مستند إلى انتفاء موضوع الأمارة و لو باعتبار زوال مناط الاعتبار أعني إفادة الظنّ بالمعارضة و هو أمر قهريّ يترتب على صفة التعارض بالخاصّية فلا يعقل الفرق من حيث كون أحد المتعارضين موردا للابتلاء و عدمه و بعبارة أخرى أنّه إذا لم يكن أحد أطراف المعلوم بالإجمال مبتلى‏

به لم يتحقق موضوع تعارض الأصول و الأمارات الجعليّة لأنّ معنى تعارضها تعارض الحكمين أو الأحكام الشرعية بخلاف تعارض الأمارات العرفية فإن التعارض بينهما يتحقق و إن لم يتعلّق بأحد الطّرفين حكم شرعيّ أو عرفي فإنّ مركوب قاض و مملوكه إذا كان كلّ منهما في محلّ مخصوص و حصل بينهما التكاذب و التعارض سواء ترتب على وجود القاضي في أحد المحلّين مثلا حكم أم لا و قد يفصل و يقال إنّ الأصلين المتعارضين إن كان المخاطب بهما معا لشخص واحد وجب التوقف مطلقا و إن كان شخصين فلا وجه لتوقف كلّ منهما في العمل بالخطاب المتوجّه إليه لأجل العلم بكونه أو كون الخطاب المتوجه إلى صاحبه مجازا مثلا و هو تعسّف و الأقوى التوقف مطلقا لما ذكرنا و هو حسن و أحسن منه القول باعتبار الابتلاء و التّسوية بين الأمارات الشرعيّة كالبيّنة و اليد و بين الأصول اللّفظية لأنّ الأمارات الشرعيّة إمّا أمارات عقلائية أمضاها الشّارع كالأصول اللّفظية أو أمارات جعليّة أحدثها الشّارع طريقا إلى موضوعات الأحكام و على التقديرين يكون حالها كحال الأصول اللّفظية في كونها أمارات أمضاها الشّارع و لا يكون حالها كحال الأصول العملية الّتي ليست أمارة بل حكما فرعيّا صرفا على ما تحقق في محلّه مع أنّ القول بالإجمال و التوقف مع عدم كون أحد المتعارضين مبتلى به يرجع إلى مقالة من يعتبر في العمل بالأصول‏

97

اللّفظية الظنّ الفعلي كما تقدّم و يقول إنّه لو ذهب الظّن من ظاهر دليل باعتبار أمارة غير معتبرة كالشّهرة صار اللّفظ مجملا إذ على تقدير كون أحد الظّاهرين غير متعلّق بالحكم الشّرعي يكون ظاهرا غير معتبر لأنّ ما لا يترتّب عليه حكم لا يتعقل شمول دليل حجيّة الظّواهر له فيكون كالأمارة الغير المعتبرة بل أردى لاستحالة عروض الحجيّة و الاعتبار لمثل ذلك مع أنّ هذا القول قد ظهر ضعفه ممّا قدمنا كما ظهر أيضا سقوط بحث تعارض الأحوال رأسا على هذا القول إذ العبرة حينئذ تكون بالظنّ الفعلي الشخصيّ فلا يتحقق موضوع تعارض الأمارتين فافهم و اللّه الهادي‏

المرحلة الثانية في ذكر رجحان الأحوال بعضها على بعض نوعا

و كشف الحال عن هذا المقال قاض ببسط الكلام في مسائل الدّوران المشار إليها

الأولى دوران الأمر بين الاشتراك و النقل‏

كما إذا علم بلوغ الاستعمال في المعنى المجازي إلى درجة الوضع أو علم بتعيين اللّفظ للمعنى الثّاني تعيينا وضعيا و شكّ في بقاء المعنى الأول حتى يكون مشتركا أو هجره حتّى يكون منقولا مثال ذلك على ما ذكروه قوله (عليه السلام) الطّواف بالبيت صلاة فدوران أمر الصّلاة بين أن تكون مشتركة بين المعنى اللّغوي و الشّرعي فيكون الحديث مجملا و بين أن يكون منقولا إلى المعنى الشّرعي فيكون دليلا على اعتبار الموضوع في الطّواف لكونه من أظهر أوصاف المشبّه به (و قد اختلف) في تقديم الاشتراك أو النّقل و الأكثر على ما نسب إليهم على الثّاني و إن كان ظاهر المنية أنّه قول الرّازي و العلاّمة في النّهاية خاصّة و منشأ اختلافهم الاختلاف في قلّة مفاسد كلّ من الاشتراك و النّقل و كثرته (فاحتج الأوّلون) بأنّ مفاسد النّقل أقلّ من مفاسد الاشتراك لأنّ المنقول محمول على المعنى الثّاني إذا كان مجرّدا عن القرينة بخلاف المشترك فإنه إذا تجرّد عنها كان مجملا فيكون عائدة النّقل أكثر فيكون أولى من الاشتراك (و احتج الآخرون) بأنّ محاسن الاشتراك أكثر لكونه أكثر و أغلب فإنّ أكثريّته دليل على أحسنيّته و أولويّته و لم يتمسّك أحد من الفريقين بالأصول الجارية في إثبات المرام مع أنّها خير ما يعول عليه في أمثال المقام و عليه ديدنهم في سائر مباحث الألفاظ و لعلّ نظرهم إلى أنّ الأولويّة و الرّجحان هو الحكم في المقام لأنّه ظنّ اجتهاديّ بالنّسبة إلى ما تقضي به الأصول العدميّة (ثمّ) إن ظاهر كلماتهم في المقام لا يكاد يفهم بظاهره فإنّ قلّة مفاسد النقل أو مفاسد الاشتراك أي ربط له بالترجيح و الحكم بأن لفظ الصّلاة مثلا منقولة أو مشتركة و أن حكم اللّه تعالى في الطّواف اعتبار الوضوء باعتبار كون النّقل أمرا حسنا ذا مزيّة كاملة و ما يقال في تقريب هذه المرجّحات من المدّعى من أنّ صاحب المزيّة الكاملة أولى بإرادة المتكلّم خصوصا الفصيح و الحكيم فيحصل الظنّ بالمراد فهو على تقدير صحّته مع أنّك ستعرف ما فيه لا مساس له بما نحن فيه أيضا لأنّ ذلك إنّما يقال فيما إذا دار الأمر بين اختيار الراجح أو المرجوح في حقّ فاعل مختار حكيم و النّقل و الاشتراك ليس الدّوران بينهما من هذا الباب كما لا يخفى على من تأمّل نعم لو قيل بأن صاحب المزيّة الكاملة أولى في فعل الواضع و اختياره كان له مناسبة بالمقام لكن كثرة الاشتراك حينئذ لا يدلّ على رجحانه على النقل لأنّ النّقل ليس من فعل الواضع حتّى يستدلّ من كثرة الاشتراك على أنّ النّقل مرجوح عنده بالنّسبة إلى الاشتراك كما نبّه على ذلك في المنية و نعم ما نبّه ثمّ إنّ في ما ذكروه في المقام بحثين آخرين (أحدهما) أنّ دوران الأمر بين الاشتراك و النّقل فيما صوّروه بعيد عمّا هو المعتاد المتعارف لأنّ اللّفظ في اللّغة إذا كان موضوعا لمعنى ثمّ عيّن أو تعيّن لمعنى آخر فذلك يستلزم كونه مجازا في الأوّل كما أومأ إليه في غير موضع حيث أوردنا على من زعم أنّ اللّفظ بسبب كثرة الاستعمال في المعنى المجازي ربما يبلغ إلى درجة الاشتراك الحقيقي بينه و بين المعنى الأولي و قلنا إنّه لو لم يكن مستحيلا عقلا في النقل التعيّني فلا أقلّ من بعده عادة و عدم وجوده في اللّغات جدّا (و هذا تحقيق) لم أجد مصرّحا به فيما عثرت به من الكلمات في المسائل السّابقة إلى أن ظفرت هنا بكلام للمحقّق الكاظمي في المحصول صريح فيما ادّعينا قال و كان ينبغي أن يكون الرّجحان للأوّل أعني الاشتراك لأصالة عدم الهجر لكن حدوث المعنى الآخر إن كان في العرف العام و ما كان يكون بالتجوز و الاشتهار حتّى يهجر الأوّل و يختصّ بالثّاني فاستلزامه للنّقل ظاهر و إن كان باصطلاح خاصّ من شرع أو غيره فلا معنى لصيرورته حقيقة في المعنى الثاني عندهم إلاّ تخصيصه به حتّى إذا استعملوه في الأوّل كان مجازا و إنّما يتصوّر الاشتراك من واضعين ابتداء أو من واضع واحد بوضعين كذلك انتهى كلامه زيد إكرامه و يدلّ على ما قلنا إطباقهم في مسألة الحقيقة الشرعيّة على وجوب حمل الحقائق الشرعيّة على معانيها الجديدة و أنّه ثمرة البحث في المسألة و مع إمكان اجتماع الوضع الجديد مع وضع القديم حتى يكون اللّفظ مشتركا بينهما لا وجه للحمل المزبور بقول مطلق بل لا بدّ من التفصيل بين بقاء الوضع الأولي فعدم الحمل و هجره فالحمل نعم لو كان المراد بالاشتراك في المقام الارتجال صحّ ما ذكروه من دوران الأمر بينه و بين النقل لأن المرتجل قسم من المشترك باتفاق المحققين كلاّ أو جلاّ فهو حقيقة في المعنى الثّاني بالوضع‏

الطّارئ مع بقاء الوضع الأوّل و عدم هجره (و لعلّه المراد) في المقام فتفطن مع أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من استلزام إحداث الاصطلاح لاختصاص الثّاني حتّى إذا استعملوه في الأوّل كان مجازا مناف لما هو المتفق عليه عند المحققين كما سيأتي من أنّ النّحوي لو استعمل لفظ الفعل في الحدث مثلا كان حقيقة إلا أن يقال إنّ ذلك لا ينافي عدم اشتراك لفظ الفعل عند النحوي بين الحدث و المقترن بأحد الأزمنة لأنّ استعمال النحوي لفظ الفعل في الحدث يجوز أن يكون حقيقة أيضا على تقدير عدم الاشتراك بأن استعمله في الحدث تبعا للغوي كاستعمال العرب لفظا عجميّا في معناه العجمي تبعا لهم فإنّه حقيقة مع كون اللّفظ عند العرب‏

98

من المهملات (و أمّا) ما استدللنا به على الملازمة بين إحداث الاصطلاح الجديد و الهجر انتصارا للسّيد من الاتفاق على وجوب حمل الحقائق الشرعية على معانيها الشرعية فيرد عليه أنّ هذا لا ينافي بقاء المعنى اللّغوي أيضا لأنّ شرط الحمل على المعنى الشّرعي بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية أن يكون المخاطب من المتشرّعة و كون المخاطب كذلك قرينة معيّنة على إرادة المعنى الشرعي على تقدير الاشتراك فلا دلالة في الحمل المزبور على استلزام الوضع الجديد لهجر المعنى الأوّل فافهم (الثّاني) ما نبّه عليه المحقق الكاظمي و هي المناقشة في المثال المذكور أعني لفظ الصّلاة فإنّها باتفاق المثبتين و النّافين للحقيقة الشرعية ليست مشتركة بين المعنى اللّغوي و الشّرعي بل إمّا مجاز في المعنى اللّغوي أو في المعنى الشرعي و كيف كان فنحن نفصل الكلام و توضيح المقام (و نقول) إنّ الدّوران بين الاشتراك بالمعنى الأعمّ الشّامل للارتجال و بين النقل يتصور في فروض (منها) الفرض المشار إليه و هو أن يكون اللّفظ حقيقة في الصّدر الأوّل في معنى ثمّ عرض له في العرف العام أو الخاصّ وضع آخر لمعنى غير ذلك المعنى و شكّ في بقاء الوضع الأوّل حتى يكون مشتركا بينهما و هجره فيكون منقولا و الحق في هذه الصّورة تقديم النّقل في هذا الفرض بالنّسبة إلى الاشتراك و لذا قلّ المرتجل قلّة تلحق في جنب المنقول بالمعدوم كما أنّ المنقول بالنّسبة إلى المشترك في غير هذا الفرض كذلك (و من ذلك) يظهر أنّه لا ينهض أصالة عدم الهجر في المقام أعني أصالة بقاء الموضع الأوّل في ترجيح الاشتراك على النّقل لأنّ الظنّ الحاصل من الغلبة حاكم عليه و كذا لا ينفع غلبة الاشتراك نوعا لأن ما ادّعينا من الغلبة غلبة شخصيّة نعم يبقى الكلام في اعتبار الظنّ الحاصل من الغلبة و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله و فصل بعض المحققين في هذا الفرض بين ما إذا كان حدوث المعنى الثاني في عرف غير عرف الأوّل أو عند ذلك العرف فاختار في الأول ترجيح النقل و في الثاني ترجيح الاشتراك استنادا في الموضعين إلى الغلبة و يظهر ممّا حكينا عن المحقق الكاظمي ضعف هذا التفصيل كيف و قد صرّحوا بأنّ اللّفظ يحمل على اصطلاح لافظه و هذا مبني على كون إحداث الاصطلاح ناسخا لسائر الاصطلاحات في ذلك اللّفظ فكيف يكون مشتركا بين الاصطلاحين (و منها) الدّوران بين الاشتراك في اللّغة و النقل إلى المعنى العرفي و ذلك إنّما يكون إذا كان المعنى الأوّل مهجورا قطعا و شكّ في أنّه كان مشتركا فهجر أحد المعنيين أو كان متّحد المعنى فنقل إلى المعنى العرفي و الغالب في هذا الفرض أيضا النّقل لأنّه و إن كان قليلا إلاّ أنّ هجر أحد معنى المشترك أقلّ لكن هذه الغلبة ليست بالغة حد الغلبة المعتبرة و ليست ممّا تفيد الظنّ مطلقا أو الظّن الّذي يصحّ التعويل عليه فالمرجع فيه هو الأصل و مقتضاه ترجيح النّقل لأصالة تأخّر الحادث لكن الثّمر العملي بينهما غير ظاهر و لذا لم يتعرّض القوم لهذا الفرض سوى بعض المحققين نعم تظهر الثمرة على القول بالتوقف في تعارض العرف و اللّغة أو القول بتقديم اللّغة أو مع معلومية تاريخ الوضع العرفي و الاستعمال فافهم (و منها) الدّوران بين اشتراك اللّفظ بين المعنيين العرفيين و بين كونه منقولا إليهما من معنى ثالث آخر مناسب لهما استعمل فيه لغة فمقتضى أصالة تأخر الحادث أعني الوضعين ترجيح النقل على الاشتراك و مقتضى أصالة عدم الوضع لذلك المعنى الثالث الحكم بالاشتراك في اللّغة فيتعارضان و تبقى أصالة عدم تغير حال اللّفظ في اللّغة مرجحا للاشتراك هذه خلاصة ما حققه بعض المحققين (و فيه) أنّ أصالة تأخّر الحادث كما يعارض أصالة عدم الوضع لذلك المعنى الثالث كذلك يعارض أصالة عدم تغيّر الحالة فلا وجه لجعل المعارضة بين الأوّلين و إبقاء الثاني سليما عن المعارض و إن أراد أنّه يعاضد أصالة عدم الوضع لذلك المعنى فمع أنّه خلاف ظاهر كلامه مدفوع أوّلا بأن جعله مؤيّدا أو معاضدا لأصالة العدم ليس بأولى من العكس و ثانيا بأنّ الأصول ليست ممّا يعاضد بعضها بعضا كسائر الأمارات الاجتهادية و إن زعمه غير واحد على خلاف التحقيق المحقق في محلّه إلاّ أن يقال إنّ عدم التعاضد على القول به كما هو الحق مخصوص بالأصول الشرعية فلا يجري في الأصول اللّفظية الّتي هي أمارات ظنية اجتهادية و ثالثا أن تغير الحالة و عدمه من توابع الوضع الثالث المشكوك فيه و قد حققنا في موضعه أنّ الأصول في التوابع لا يجامع الأصل في المتبوع و من ذلك يظهر سقوط الإيراد عليه (قدّس سرّه) رأسا لأن جعل المرجع أصالة عدم تغيّر حال اللفظ

بعد ابتلاء الأصل الحاكم أعني أصالة عدم الوضع بالمعارض الّذي هي أصالة تأخّر الحادث موافق للقاعدة لأنّ الأصل في التابع إنّما لا يجري على تقدير سلامة الأصل في المتبوع عن المعارض و أمّا على تقدير الابتلاء فهو جار معتبر كما حقّقناه في محلّه (و التحقيق) في المسألة أن أصالة عدم الوضع لذلك المعنى الثالث حاكم على أصالة تأخر الحادث المشار إليها لأنّ الشكّ في تأخر الوضعين و تقدّمهما مسبّب عن الشكّ في ثبوت الوضع لذلك المعنى الثالث المناسب كما يظهر بالتأمّل فقضيّة الأصل في المقام ترجيح الاشتراك اللّغوي إلاّ أنّ أغلبيّة متحد المعنى بالنّسبة إلى المشترك في اللّغة حاكم على الأصل المزبور إلاّ أن يقال إنّ متحد المعنى و إن كان أكثر و أغلب من متكثره في اللّغة إلا أنّ المنقول من معنى إلى معنيين أقلّ و أندر من المشترك اللّغوي لأن المنقولات العرفية ليس شي‏ء منها كذلك فيظن حينئذ بكون اللّفظ مشتركا بين المعنيين لغة فيطابق الأصل و الغلبة في ترجيح الاشتراك اللّغوي بين المعنيين على النقل من ذلك المعنى الثالث إليهما عرفا فافهم و الكلام في الثمرة ما مرّ في الفرض المتقدّم و هنا فروض آخر للدّوران بين النقل و الاشتراك يعرف حكمها بالمقايسة إلى ما ذكرنا و لا فرق في جميع ما ذكرنا بين أن يكون في لفظ واحد أو لفظين في خطاب أو خطابين و أمثلة الجميع غير خفية

المسألة الثّانية الدّوران بين الاشتراك و التخصيص‏

و قد ذكروا أنّ التخصيص أولى من الاشتراك و استدلّوا عليه بما يرجع إلى‏

99

أنّ التخصيص أفيد من المجاز الّذي هو أفيد من الاشتراك فيكون أولى لأنّ الخير من الخير من شي‏ء خير من ذلك الشي‏ء بالضّرورة و هذا الاستدلال أيضا مبني على ملاحظة المزايا و المصالح و المفاسد و قد عرفت أنّه في المقام لا يجدي شيئا بل المرجع في أمثال المقام إمّا الأصول أو الغلبة لا بمعنى أنّهما حجتان قد ثبت اعتبارهما دون الرجحانات النّاشئة من ملاحظة المصالح و المفاسد بل بمعنى عدم مساس لتلك الملاحظة بالمقام و عدم صلاحيّتها لتغليب أحد الجانبين على الآخر في الاستعمال الجزئي المشكوك فيه (فنقول) قضية الأصل هنا التّوقف لأنّ كلاّ من الاشتراك و التخصيص مخالف للأصل إلاّ أن يرجح الاشتراك بأنّ التخصيص أكثر حوادثا من الاشتراك لأنّهما و إن تساويا في الاحتياج إلى القرينة و ملاحظتها و سائر ما يتفرع على وجود القرينة إلاّ أنّ التخصيص قسم من المجاز و هو يستدعي وجود أمر زائد على دواعي الكلام في نفس المتكلّم و الأصل عدمه و فيه أنّه معارض بأصالة عدم الوضع فافهم (و أمّا الغلبة) فهي في جانب التخصيص لأنّه أكثر دورانا في لسان العرب فيكون أرجح و قد مثل له مثالان (أحدهما) قوله تعالى‏ وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ و ذلك أنّ النكاح إن كان حقيقة في العقد خاصّة فمقتضى ذلك الحمل عليه و التزام التخصيص بإخراج المعقود عليها من دون وطي و إن كان مشتركا بين العقد و الوطي كانت الآية في المعقودة المجرّدة عن الوطي مجملة كذا قالوا و فيه أنّ الواجب على فرض الاشتراك الحمل على المعنى الّذي لا يلزمه تخصيص و هو الواطي لأنّ المشترك إذا كان أحد معنييه مستلزما لتخصيص و نحوه من الأمور المخالفة لأصل الحقيقة تعين الآخر فافهم (و الثّاني) قول القائل جمع الأمير الصّاغة إذا أريد به صاغة البلد و شكّ في أنّه حقيقة في العموم و صار مخصّصا في المثال أو أنه مشترك بين العام و الخاصّ (أقول) و في كلا المثالين نظر (أمّا الأوّل) فلأنّ النكاح لغة حقيقة في الوطي خاصّة و شرعا في العقد فأين احتمال الاشتراك و لو احتمل بقاء الوضع مع صيرورته حقيقة شرعيّة كانت الآية من باب الدّوران بين الاشتراك و النقل و لو منع عن صيرورته حقيقة شرعيّة في العقد لم يلزم شي‏ء من الاشتراك و التخصيص و على التقادير فالآية ليست من أمثلة الدّوران بين الاشتراك و التخصيص هكذا ذكره بعض السّادة المحققين مع تهذيب و تحرير و زيادة و يمكن ذبّ النظر بأنّا نختار الاحتمال الثّاني أعني كون احتمال الاشتراك من جهة احتمال بقاء الوضع قوله فهذا من باب الدّوران بين الاشتراك و النقل فيه أنّ الدّوران بين الاشتراك و النقل لا ينافي الدّوران بين الاشتراك و التخصيص و أيضا إذا كان الحمل على المعنى المنقول إليه مستلزما للتّخصيص و المقصود من التمثيل بالآية الإشارة إلى صورة الدّوران فيما يترتب عليه ثمرة عمليّة و هو يحصل سواء اجتمع مع هذا الدّوران دوران آخر أم لا لكن يرد عليه حينئذ أنّه لا ينبغي أن يحكم فيه بترجيح التخصيص لأنّ رجحان التخصيص في نفسه على الاشتراك لا ينافي رجحان الاشتراك عليه لخصوصيته كما في المقام لأنّ التخصيص المبني على النقل حاله كحال النقل فمن يقدم الاشتراك على النقل يلزمه تقديم الاشتراك على مثل هذا التخصيص و أيضا أنّ في التزام التخصيص حينئذ التزام بمخالفة الأصل مرّتين لأن كلا من التخصيص و النقل مخالف للأصل بخلاف الالتزام بالاشتراك و فيه أنّ ترجيح التخصيص حينئذ أولى لتعاضد الغلبتين غلبة النّقل بالنّسبة إلى مثل هذا الاشتراك و غلبة التخصيص فافهم فالمثال من أمثلة صرف الدّوران لا من أمثلة ما يقدم فيه التخصيص على الاشتراك لرجحانه فافهم (و أمّا الثّاني) فلأنّه ممّا لا يترتب فيه على شي‏ء من ترجيح الاشتراك أو التخصيص ثمرة عمليّة كما لا يخفى فالترجيح فيه غير معقول نعم لو دار الأمر بينهما في خطابين كان موردا لظهور الثمرة مثل ما لو قال المولى أكرم العلماء ثمّ قال لا تكرم زيدا و احتمل اشتراك زيد بين شخصين شخص عالم و شخص جاهل و اختصاصه بخصوص العالم فإن رجّحنا التخصيص لم يجب إكرام ذلك العالم و إن رجّحنا الاشتراك وجب لاحتمال ما احتمل كونه مخصّصا شخصين للاشتراك لكن قد يقال حينئذ بأنّ أصالة العموم دليل اجتهادي بالنّسبة إلى أصالة عدم الاشتراك فيكون حاكما عليه و مقتضاه الحكم بالاشتراك (فإن قلت) إن رجحان التخصيص إنما ثبت باعتبار الغلبة لا بأصالة عدم الاشتراك حتى ينفع سقوطه في المقام و مرجع الترجيح بالغلبة إلى أنّ أصالة العموم إذا استلزم العمل به الاشتراك النادر سقط عن الاعتبار لغلبة التخصيص و ندرة الاشتراك‏

لا لتقديم أصالة عدم الاشتراك فلا وجه لترجيح الاشتراك على التخصيص في المثال (قلت) إنّ أصالة العموم في حدّ ذاته من الأصول المعتبرة و إن كان ضعيفا لغلبة التخصيص لكن الضّعف ليس إلى مرتبة تسقطها عن الاعتبار و لذا يعمل بها بعد الفحص عن المخصّص مع غلبة تخصيص العمومات فإذا كان في نفسه معتبرا فلا شي‏ء عند استلزامه للاشتراك يوجب سقوطه عن الاعتبار فلا وجه لتقديم التّخصيص على الاشتراك و من هنا يظهر أن ترجيح التخصيص على الاشتراك كما هو المشهور ينزل إطلاقه على ما لا يلزم فيه من الترجيح طرح أصالة العموم في عام محقق موجود (فإن قلت) المرجع في باب التعارض هي الغلبة لأنّها حاكمة على الأصول و لذا قدم النقل على الاشتراك في المسألة الأولى مع كون النقل على خلاف الأصل و لا منافاة بين عدم اعتبار الغلبة في غير التعارض و بين اعتبارها فيه (قلت) قد تقدّم في غير موضع أنّ الغلبة ليست ممّا يعول عليها في مقابل أصالة الحقيقة و لذا أوجبنا التوقف في المجاز المشهور دون المطلقات الّتي غلبت في بعض أفرادها و الغلبة في المقام بعد فرض سلامة أصالة العموم عن المعارض كما قرّرنا تصادم أصالة العموم كما في العمومات الابتدائية الّتي ليس التخصيص فيه طرفا للعلم الإجمالي فلا تصلح مرجحا للتخصيص لأنّ مرجع الترجيح بها هنا إلى ترك اليد عن أصل‏

100

الحقيقة و جعلها قرينة صارفة فلا بدّ من البناء على العام إمّا مع الالتزام بالاشتراك لكونه دليلا عليه في المفروض أو مع عدم الالتزام على أظهر الوجهين عملا بأصالة العموم و أصالة عدم الاشتراك كليهما لعدم استلزام العمل بها مخالفة قطعية عملية كما يظهر بالتأمّل اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ الشّك في التخصيص في المثال مسبّب عن الشكّ في الاشتراك و الأصل في الشك السّببي حاكم على كلّ أصل أو أمارة تجري في الشكّ المسبّبي و لذا لا يلتفت إلى أصالة عدم طروّ سبب الحلّ مع الشكّ في قابلية المرأة للنّكاح أو الحيوان للتذكية نظرا إلى أصالة الحلّ عند الشكّ فيه بناء على جريان أصالة الإباحة في إثبات الإباحة الثّانية أيضا مع أنّ الأمر في الأصول الغير الشرعية أظهر لأنّ اعتبارها إنّما هو لأجل إفادتها الظنّ و مع الظنّ بالسّبب وجودا أو عدما لا مجال للظنّ بالمسبّب جدّا هذا (و التّحقيق) أنّ الشكّ في التخصيص في المثال المزبور ليس مسبّبا عن الشك في اشتراك زيد كما ستعرف فيجب العمل بأصالة العموم لعدم العلم بالمخصّص بل لو تعبّدنا بمقتضى ذلك وجب الحكم باشتراك لفظ زيد بدلالة أصالة الحقيقة الّتي هي من الأمارات الاجتهادية فتكون حاكمة على أصالة عدم الاشتراك و مثبتة له إلا أنّ اعتبار الظنون النوعيّة في اللّوازم البعيدة عند العقلاء دونه خرط القتاد فتدبّر فالأظهر في المثال المفروض تقديم التخصيص على الاشتراك أيضا لما ذكرنا لا للغلبة و من أمثلة الباب الآية المشار إليها إذا احتمل كون النكاح مشتركا بين العقد و الوطي لغة لا عرفا أو شرعا و الترجيح هنا أيضا للتخصيص للغلبة مع عدم نهوض أصالة العموم فيه بإثبات الاشتراك لأنّ الفرض أنّه لا عموم هنا حتى يعمل به على تقدير الاشتراك فالأمر فيه دائر بين التخصيص و الاشتراك من دون أصالة العموم كما لا يخفى بل الظّاهر أنّ الشكّ في التخصيص هنا مسبّب عن الشكّ في الاشتراك فبأصالة عدم الاشتراك يثبت التخصيص نعم لو دار الأمر بينهما في خطابين لأجل العلم الإجمالي بأحدهما لا لأجل كون الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر مثل ما إذا علمنا إجمالا باشتراك بعض ألفاظ دليل أو بتخصيص دليل آخر انحصر ترجيح التخصيص بالغلبة و فيه أنّ الشكّ في التخصيص مسبّب عن الشكّ في أمر زائد من غرض التفهيم لأنّ التخصيص قسم من المجاز و المجاز يحتاج إلى الغرض الزائد عن غرض الإفادة فالمرجع هو أصالة عدم ذلك الأمر الزائد و ليس الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ في الاشتراك كما لا يخفى على المتدبر فتدبّر (فالتحقيق) في المثال المزبور العمل بأصالة العموم لعدم العلم بالمخصّص و على هذه الوتيرة يجب المشي في جميع صور تعارض المجاز بالمعنى الأعمّ مع الاشتراك أو النقل فيقال إن أصالة عدم الاشتراك يعارضها أصالة عدم الغرض الدّاعي إلى التّجوز و ليس الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر كما يظهر فيتعارضان و يتساقطان فيرجع إلى الغلبة و قد سلك بعض المحققين في المسألة الآتية أعني الدّوران بين الاشتراك و المجاز مسلكا آخر و هو أنّ أصالة عدم الوضع يتفرّع عليه مؤن المجاز من نصب القرينة و ملاحظتها و ملاحظة العلاقة و الوضع و غيرها ممّا هو لازم في المجاز بخلاف أصالة عدم هذه الأمور فإنّها لا يتفرع عليها عدم الوضع و الاشتراك إلاّ على التعويل على الأصول المثبتة و ممّا ذكرنا يظهر ما فيه مع أنّ الأصل في أمثال المقام اعتباره مبنيّ على الظنّ باعترافه و على تقديره يتفرع على الأصل جميع اللّوازم و المقارنات و الفرق بينهما بأن الأصل إنّما يثبت اللّوازم دون المقارنات ساقط عن درجة الاعتبار كما حققناه في محلّه فافهم و الله الهادي‏

المسألة الثالثة الدّوران بين الاشتراك و المجاز

و له صورتان لأنّ الدّوران بينهما قد يكون مع ملاحظة الاستعمال و أخرى بدونها و لا خلاف و لا إشكال في ترجيح المجاز على الاشتراك في الأوّل و لعلّه إجماعي نقلا و تحصيلا بل صرّح غير واحد بخروجه عن مسألة الدّوران بين المجاز و الاشتراك و قد أتعب بعض أفاضل المتأخرين في إكثار إقامة الدليل عليه حتى استدل عليه بالعقل و الإجماع و السّيرة و الأخبار الصّحاح و أنت تعرف كما قدمناه غير مرة أن الاستناد في هذه المباحث إلى الأدلة الشرعيّة غير مناسب أو غير صحيح للقطع بعدم كون ترجيح المجاز على الاشتراك مثلا عن تعبد شرعي فالمستند فيه ليس سوى بناء العقلاء على التعويل بأصالة عدم الوضع مع سلامته عن المعارض كما أسلفنا الكلام فيه عند البحث عن مثبتات الوضع و أمّا الصّورة الثانية فهي الّتي اختلف فيها على خمسة أقوال (الأوّل) تقديم المجاز مطلقا (الثّاني) تقديم الاشتراك كذلك (الثالث) التفصيل بين ما إذا كانت العلاقة بين المشكوك فيه و بين المعنى الآخر المعلوم ثبوت الوضع له موجودا فالمجاز و إلا فالاشتراك (الرّابع) التوقف مطلقا (الخامس) التفصيل بين صورة وجود العلاقة فالمجاز و إلاّ فالتوقف و نقل عن بعض دعوى اختصاص محلّ النزاع بما إذا علم كون اللّفظ حقيقة في أحد المعنيين الّذين وجد استعمال اللّفظ فيها و شكّ في الآخر و أمّا مع الشكّ في ثبوت الوضع لهما معا فالحكم فيه الاشتراك باتفاق السيّد و الشيخ و القوم كلاّ و على أيّ حال فقد ظهر ما عندنا في البحث عن علائم الوضع و في أن الأصل في الاستعمال الحقيقة و في المسألة السّابقة فارجع و تأمّل‏

المسألة الرّابعة الدّوران بين الاشتراك و الإضمار

و مثّل له أمثلة أمثلها في الآثار قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في خمس من الإبل شاة فإن كلمة في إن كانت مشتركة بين الظّرفية و السببية كما عن الكوفيّين صارت الرّواية مجملة من حيث دوران الواجب في زكاة الإبل بين مقدار الشاة أو نفسها لا أنّ الرّواية حينئذ دليل على وجوب إعطاء الشاة كما صرّح به بعض المحقّقين إلاّ أن ينظر فيما أشرنا إليه آنفا من أنّ المشترك مع استلزام أحد معنييه إذ و هو هنا الظّرفية يجب حمله على الآخر لأن أصالة عدم الإضمار بمنزلة القرينة فيجب حملها في المثال على السّببيّة