بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
101

و هو جيد و إن كانت مجازا في السّببية كما عن البصريين تعين الإضمار و الحكم بأن المدار مقدار الشاة و ربما نوقش في هذا التمثيل بأنّ المتبادر من كلمة في الظّرفية فتكون مجازا في السّببية فلا احتمال للاشتراك هنا و هو سهل لأنّ مسائل الدّوران إنما تنفع الشاك الجاهل لا العالم و من عنده الدليل على أحد الطّرفين فافهم (و قد اختلف) في المقام قال العلاّمة (رحمه الله) في التهذيب الإضمار أولى من الاشتراك لاختصاص الإجمال ببعض الصّور في الإضمار و عموميته في الاشتراك و قد عرفت ما في هذا النّحو من الاستدلال على الترجيح مضافا إلى عدم تماميّته في نفسه لأنّ الإضمار أيضا إذا فقد قرينة تعين المضمر من عقل أو نقل أو حال أو مقال كان أيضا مجملا كما أنّ المشترك إذا تعيّن أحد معانيه بقرائن الأحوال لم يحتج في الإفادة إلى نصب قرينة فالصّواب أيضا المراجعة إلى ما هو المرجع في الباب كما أشرنا من الأصل و الغلبة و ذكر (قدّس سرّه) في القوانين أن كلاّ من الاشتراك و الإضمار خلاف الأصل لأنّ الأصل عدم الاشتراك و عدم الإضمار و ربما يشكل في الأخير بأن الإضمار ليس عبارة عن سقط شي‏ء و حذف أمر مذكور حتّى يكون مخالفا للأصل بل هو أمر عدميّ مطابق للأصل و يمكن توجيهه بما قدمنا في غير موضع من أنّ المجاز مطلقا خصوصا الإضمار يستدعي دواعي زائدة على غرض التفهيم و الأصل عدمها أو بأن قاعدة التحاور عرفا تقتضي تعبير كلّ معنى من المعاني المقصودة بلفظ دال عليه فالمقتضي للذكر في مورد الإضمار موجود فارتكاب الإضمار يكون مخالفا للأصل و على الأوّل يكون الأصل المذكور بمعنى أصل العدم على الثّاني يكون بمعنى القاعدة لكن لا يبعد أن يقال إنّ الشكّ في الإضمار هنا مسبّب عن الشكّ في الاشتراك فبأصالة عدم الاشتراك يتعين الإضمار و يدفعه ما نبّهنا عليه في نظائره من أنّ الشكّ في الإضمار إنّما هو مسبّب عن الشكّ في الغرض الدّاعي إليه و ليس مسبّبا عن الشكّ في الاشتراك كما لا يخفى فيتعيّن العمل بأصالة عدم الإضمار لأنّها من الأصول اللّفظية الاجتهادية الحاكمة على أصالة عدم الاشتراك كما تقدّم فلا وجه للتّوقف في ترجيح الاشتراك على الإضمار

المسألة الخامسة الدّوران بين النقل و التخصيص‏

كالألفاظ الّتي ادّعي فيها الحقيقة الشرعية فإنّها على تقدير بقائها على أوضاعها اللّغويّة كما يقوله الباقلاني يلزم فيها ارتكاب التخصيص أو التقييد لعدم تعلّق الأحكام الشرعية إلا ببعض مصاديقها و هو الجامع للشرائط عند الصحيحي و أمّا على القول بصيرورتها حقائق شرعية في الأفراد الصحيحة فلا يلزم التخصيص أصلا و هذا الدّوران إنّما هو لمن علم بفساد مذهب الأعمي و شكّ في حقيقة مذهب الباقلاني و الصّحيحي و ثمرة المسألة هي ثمرة النزاع في مسألة أنّ ألفاظ العبادات موضوعة للصّحيحة أو الأعمّ كما لا يخفى (فنقول) إنّ أصالة عدم التخصيص تعارض أصالة عدم النقل و يرجح التخصيص للغلبة مضافا إلى ما في النقل من أكثرية الحوادث بالنّسبة إلى التخصيص لو كان تخصّصيا كما هو الشّأن في ألفاظ العبادات عند جماعة

المسألة السّادسة الدّوران بين النقل و المجاز

و المجاز أرجح وفاقا للكلّ أو الجلّ و استدلّ عليه بأنّ النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللّسان و هو أمر غير ثابت بخلاف المجاز فإنّه أمر معهود ثابت (و فيه) ما لا يخفى فالصّواب هو أنّ الدّوران بينهما إن كان في لفظ واحد كالألفاظ الّتي اختلف في كونها حقائق شرعية فرجحان المجاز واضح إذا كان تعيّنيّا مع كون الشكّ في كثرة الاستعمالات و قلّتها بأن كان القدر المعلوم عن الاستعمالات غير كاف في حصول النقل و لو كان مجرّدا عن القرينة المتصلة و شكّ في ما زاد على وجه يحصل به النقل عادة لأنّ أصالة عدم النقل و استصحاب بقاء المعنى الأول مضافا إلى أصالة عدم ما شكّ فيه من الاستعمالات الزّائدة سليمة عن المعارض كما لا يخفى لأنّ أصالة عدم القرينة أصل في المسبّب و أمّا لو كان الشكّ فيه من جهة الشكّ في تجرّد الاستعمالات المعلومة عن القرائن المتصلة بناء على اشتراط حصول التعيّن بالتجرّد عن القرائن المتصلة على أظهر الوجهين المذكورين في البحث عن الوضع مع استلزام تلك الاستعمالات لحصول النّقل عادة وقع التعارض بين أصالة عدم النّقل و أصالة عدم القرينة و ذلك لأنّه على تقدير النقل يكون جملة من الاستعمالات بلا قرينة بموجب العادة قطعا و هي الاستعمالات الصّادرة بعد تحقق النقل بحكم العادة فلو بني على النّقل كان ارتكاب خلاف الأصل أعني وجود القرينة أقلّ و لو بني على عدم النقل لزم الحكم بوجودها في جميع الاستعمالات فأصالة عدم النقل يعارضها أصالة قلّة الحوادث و كذا لو كان الشكّ في النقل التّعييني فإن أصالة عدمه يعارضها أصالة عدم القرينة ضرورة لابديّة أحد الأمرين من الوضع أو القرينة في الاستعمال فيتعارضان و يتساقطان و ربما قيل بأنّ أصالة عدم النقل حاكمة و مزيلة لأصالة عدم القرينة بالتقريب الّذي سبق في تعارض الاشتراك و المجاز و ربّما يجعل ذلك أعني التحكيم في بناء العرف و الأصحاب دليلا على البناء على عدم الوضع عند الشكّ في الاشتراك أو النقل حتى أن نفاة الحقيقة الشرعية تعلّقوا في النفي بأصالة عدم النقل و لم ينكر المثبتون عليهم ذلك و لم يقل أحد في قبالهم بأن أصالة عدم النقل معارضة بأصالة عدم القرينة بل تمسّكوا في الخروج عن هذا الأصل بالأدلّة الّتي أقاموها على ثبوت الحقيقة الشرعيّة و أنت لو كنت على ذكر بما قدّمنا في دوران الأمر بين الاشتراك و التّخصيص و نظائرها تعرف ما في كلام هذا القائل و ظاهر كلماتهم كما لا يوافق ما ادّعينا من التعارض و التساقط كذلك لا يوافق ما ذكره عن التحكيم لأنّهم يعولون على أصالة عدم الوضع و النقل بانين على سلامته عن الأصل المعارض و لو كان محكوما مع أن تقديم المزيل على المزال ليس منقّحا في كلماتهم بحيث أمكن تنزيل بعض مقالاتهم في بعض المقامات على ذلك و المتبع هو النظر و التأمل في المقام و الأخذ بما يؤديان‏

102

إليه و قد يتوهّم اعتضاد أصالة عدم النقل بأصالة بقاء الوضع الأوّل و هو غير جيد لأنا إن جوّزنا بقاء الوضع الأوّل عند طروّ النقل فلا اعتضاد كما لا يخفى و إن منعنا ذلك كما تقدّم أنّه المختار فالشّك في بقاء الأوّل مسبّب عن الشكّ في حدوث الوضع الثاني و مع جريان الأصل في السّبب لا يجري في المسبّب هذا و إن كان الدّوران في لفظين فقد ذكر بعض الأساطين من السّادة أن الرّجحان أيضا للمجاز للغلبة فلا يصار إلى النادر المبني على هجر المعنى الأوّل (أقول) إذا كان الدّوران في لفظين من غير أن يكون بينهما تسبيب فالحق ما ذكره لما أشرنا من تساويهما من حيث مخالفة الأصول و رجحان المجاز للغلبة و ذلك كما إذا علمنا بأن في أحد الخطابين المتعلّقين بموضوعين مختلفين مثل قوله أكرم زيدا و لا تكرم عمرا مجازا أو في الآخر منقولا و أمّا إذا كان تسبيب فيأتي فيه ما قدّمنا في المسائل السّابقة من أن أصالة الحقيقة دليل اجتهادي بالنّسبة إلى أصالة عدم النقل و مقتضى ذلك ثبوت النقل لكن الشكّ في بقاء أصل الحقيقة حينئذ مسبّب عن الشكّ في النقل فبأصالة عدم النقل يثبت المجاز لحكومة الأصل الجاري في الشكّ السّببي على الأصل أو الأمارة الجارية في المسبّب على تأمل و منع سبقا في نظائره فلا حاجة إلى التمسّك بالغلبة و تظهر الثمرة في المرحلة الثالثة فإن منعنا عن الترجيح بالغلبة في مسائل الدّوران كما ذهب إليه البعض نظرا إلى عدم الدّليل على اعتبارها في المقام كان الترجيح باعتبار ما ذكرنا سليما عن المناقشة و كذا الكلام في المسائل السّابقة و لأجل ذلك توجّهنا إلى قاعدة التّسبيب في هذه المسائل و اللّه الهادي‏

المسألة السّابعة الدّوران بين النقل و الإضمار

و يظهر ممّا ذكرنا ما هو الحال هنا و أنّ الإضمار أولى لأنّ أصالة عدم الإضمار لا يثبت وضعا للّفظ بخلاف أصالة عدم النقل فإنّه يثبت الإضمار كما قيل بل لما قدمنا من الغلبة و أنّ الشكّ في الإضمار مسبّب عن الشكّ في النقل على الإشكال المذكور في غير موضع فأصالة عدم النقل هو الحكم دون أصالة عدم الإضمار و قد جنح سيدنا الأجل في المفاتيح إلى تقديم النقل مع الاعتراف بعدم العثور بقائله مدّعيا لأغلبيّته من الإضمار و لا شاهد لها إن لم يكن عليها نعم لا يبعد الحكم فيها بالتوقف لو نظرنا إلى ذلك الإشكال لأنّ وجه الترجيح حينئذ منحصر في الغلبة و ليس شي‏ء من النقل و الإضمار أغلب من الآخر غلبة يصحّ تعويل العقلاء عليها فالمدار حينئذ في ترجيح الإضمار كما هو المشهور على ملاحظة التسبيب المزبور و كون الشك في الإضمار مسبّبا عن الشكّ في النقل لكن عرفت ما في هذا التسبيب من الإشكال فالتوقف أوجه مثال ذلك قوله تعالى‏ وَ حَرَّمَ الرِّبا لأنّ الرّبا إن كان منقولا إلى العقد سلّم الكلام عن الإضمار و إلاّ فلا بدّ من تقدير الأخذ لأنّ نفس الرّبا و هي الزيادة لا تتصف بالحرمة لأنّها عبارة عن الزائد لا عن الازدياد و هو كسائر الأعيان في عدم الاتصاف بها و ربما نوقش في هذا المثال بأنّ الرّبا على تقدير بقائها على المعنى الأوّل لم يلزم إضمار أيضا لأنّ نسبة الأحكام إلى الأعيان كقوله و حرّم الميتة و الدّم مثلا حقيقة ثانوية عرفية فالمثال من باب الدّوران بين النقل الشرعي في لفظ الرّبا و العرفي في التركيب و فيه ما لا يخفى لأن ثبوت الحقيقة العرفية للمركّب على وجه يكون منقولا عرفيا بمعزل عن الصّواب نعم لو ادّعي أنه حقيقة في ذلك لغة و عرفا بناء على أنّ وضع التركيب ليس إلاّ النّسبة و مجاري النّسب بيد العرف كما حققنا ذلك في مبحث الكناية في مثل أنبت الرّبيع أمكن و كان في المناقشة أحسن‏

المسألة الثّامنة الدّوران بين التخصيص و المجاز

مثاله قوله تعالى‏ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ بعد الاتفاق على اختصاص الحكم بغير أهل الذّمة فقيل إنّ المشركين مستعملة فيمن عداهم مجازا و قيل إنّها مستعملة في معناها العام و خرج أهل الذمة بالدّليل قيل هذا على خلاف ما اشتهر فيهم من أنّ العام المخصّص مجاز في الباقي و الظّاهر على ما يستفاد من كلام له بعد ذلك أنّ المشركين على تقدير كون المراد به غير أهل الذّمة أيضا عام مخصّص كما أنّه على تقدير كونه مستعملا في العموم مع استثناء أهل الذّمة بالدّليل أيضا فكلّ منهما لا ينفكّ عن الآخر ثمّ قال إنّه من باب الدّوران بين الحقيقة الشّرعية أي نقل المشركين في لسان الشرع إلى غير أهل الذّمة كما هو الحق المتبادر و بين التخصيص (قلت) إذا استعمل العام في الخاص بطريق العهد فهذا مجاز قطعا و ليس بتخصيص في شي‏ء و كذا لو استعمل في فرد أو فردين بعلاقة الكلّ و الجزء و لذا يجوز أن يراد بالعامّ على أحد هذين الوجهين فردا أو فردان أو ثلاثة مع عدم جواز تخصيص الأكثر و من جملتها الآية إن الناس قد جمعوا لكم حيث إنّ المراد به خصوص نعيم بن مسعود فلا وجه للمناقشة المزبورة كما لا وجه لادّعاء الحقيقة الشرعيّة في المشركين نعم لا يترتب على ترجيح المجاز أو التخصيص المزبور من ثمرة فلو مثل بما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قال لا تكرم النحويين كان أمثل و كيف كان فالمشهور تقديم ترجيح التخصيص على المجاز مطلقا و ذهب بعض أفاضل المتأخرين إلى التوقف في بعض صور المسألة و نسب القول بالتوقف مطلقا إلى المحقق الخوانساري و صاحب المعالم و الوافية و ظاهر ما حكي عن المحقق لا يساعد على التوقف في جميع صور المسألة و نسب القول بالتوقف مطلقا إلى المحقق الخوانساري و صاحب المعالم و الوافية و ظاهر ما حكي عن المحقق لا يساعد على التوقف في جميع صور المسألة بل في بعضها و أمّا صاحب الوافية فقوله بالتوقف مبني على عدم تعويله على شي‏ء من المرجحات في المقام بقول مطلق (و توضيح الحال) في المسألة هو أنّ التخصيص قد يكون ابتدائيا و قد يكون ثانويّا و المجاز قد يكون في لفظ العام أو في لفظ آخر في خطاب أو في خطابين و قد يضاف إليها كونه شائعا كالأمر في النّدب أو غير شائع و ليس بجيد لأن الكلام هنا مع قطع النّظر عن خصوصيات المجاز و التخصيص و من هنا يظهر أن تقسيم التخصيص إلى قريب و بعيد ليس في محلّه أيضا ففي المسألة صور منها الدّوران بين التخصيص الابتدائي و بين المجاز

103

في لفظ واحد سواء اتحد الحكم كما في الآية السّابقة أو اختلف كما إذا ورد أكرم الشعراء و علم عدم وجوب إكرام بعضهم كالجهّال على تقدير كون المراد بالشّعراء معناه المعروف و وجوب إكرامهم جميعا على تقدير كون المراد به العلماء مجازا و الظّاهر عدم الإشكال في ترجيح التخصيص هنا خلافا للفاضل المتقدم حيث قال فيه بالتوقف و الدّليل على رجحان التخصيص أغلبيّته بالنّسبة إلى سائر أنواع المجاز حتى اشتهر أنّه ما من عام إلاّ و قد خصّ و قد يعارض بما اشتهر أيضا من أن لغة العرب أغلبها مجازات و فيه (أوّلا) أنّ المراد بالمجاز هنا معناه الأعمّ الشامل للتخصيص و لا منافاة بين غلبته و غلبة خصوص التخصيص بل تؤكّده من باب تعاضد الغلبة الجنسيّة و النوعيّة (و ثانيا) أنّ المراد كونها أغلب بالنّسبة إلى الحقائق لا بالنسبة إلى ما سواه (ثمّ) إنّ المراد بغلبة التخصيص أنّ غالب العمومات مخصّصة لا أنّ أغلب وجوه مخالفة الظّاهر هو التّخصيص حتى يتجه ما قيل من أن القدر المسلم من الغلبة غلبة التخصيص في العمومات لا في كلمات المتكلّمين إذ النافع في المقام هو الأوّل و إن كان ألفاظ العموم أو استعمال العمومات في المحاورات في غاية القلّة (و ذلك) لأنّه إذا ورد عامّ يظن من جهة غلبة تخصيص العمومات كونه من الأفراد الغالبة و لا يصادمه كون الألفاظ المستعملة مجازاتها أغلب من عموماتها المخصّصة لأنّ هذه الغلبة لا تفيد الظنّ بالمجاز المردّد بينه و بين التخصيص و إنّما يظنّ به إذا كان مجازات المحاورات أكثر من حقائقها و قد عرفت منع ذلك في ردّ ابن جنّي و أمّا منع حجية هذه الغلبة كما فعله الفاضل المتقدّم فسيأتي الجواب عنها في المرحلة الثالثة إن شاء الله تعالى (و منها) الدّوران بينهما في لفظين في خطاب واحد كما إذا دار الأمر بين ارتكاب التجوز في مادة أكرم أو هيئته في قول القائل أكرم العلماء و ارتكاب التخصيص في العلماء و الكلام فيه ما مرّ و خلاف المحقق الخوانساري محكي في هذه الصّورة و لعلّة متوقف في الصّورة السّابقة أيضا لعدم الفرق بينهما فيكون ذكر هذه الصّورة تمثيلا لا تخصيصا و يمكن الفرق بينهما بملاحظة الغلبة لأنّ المجاز في لفظ العام ليس على حدّه في غيره من حيث الغلبة فلا بعد في القول بالتوقف في الثّاني دون الأوّل (و منها) الدّوران بينهما في خطابين و هو على ضروب منها ما يرجع إلى مسألة ورود العام و الخاصّ المتنافي الظّاهر مثل قول القائل أكرم العلماء و لا تكرم العالم الفاسق حيث إنّ التنافي بينهما يرتفع بأحد أمرين تخصيص العلماء بغير الفاسق و حمل النّهي على الكراهة و لم أجد مصرحا بعدم ترجيح التخصيص هنا حتّى إنّ الفاضل المتقدّم اعترف هنا بترجيح التخصيص لكنّه زعم خروجه عن أقسام الدّوران بين التخصيص و المجاز و لعلّه لإطباق العوام و الخواص في محاوراتهم عليه كما تقرّر ذلك في مسألة بناء العام على الخاصّ و ربما يظهر من توقف صاحب المعالم في ترجيح التقييد على المجاز على ما يقضي به ظاهر كلامه في حمل المطلق على المقيد المتوقف في العام بطريق أولى و كيف كان فالأمر فيه أظهر من جميع الفروض لأنّ أصالة الحقيقة في الخاص حاكم على أصالة الحقيقة في العام لقاعدة التّسبيب و لأنّ اعتبار أصالة العموم معلّق على عدم مجي‏ء الدّليل على التخصيص فبعد ورود المخصّص الظنّي المعتبر يرتفع مجرى أصالة العموم و لا فرق في ذلك بين أن يكون العمل بالعام للتعبّد بأصالة عدم المخصّص أو الظّهور النّوعي لأنّ الظّنون النّوعية أيضا قد يكون اعتبارها عند العقلاء تعليقيّا كالغلبة فلا محال لها بعد وجود المعلّق عليه و الفرق بينه و بين الغير المعلّق يظهر عند التعارض فإن المعارضة لا توجب سلب الحجيّة عن الأحد المعيّن من المتعارضين إلا إذا كان اعتباره معلّقا على عدم معارضة دليل و بقية الكلام يأتي في مسألة بناء العام على الخاصّ (و منها) أن يتعارض حديثان و لم يندفع إلاّ بارتكاب تخصيص في أحدهما أو تجوّز في الآخر و ربما يظهر من بعض خروجه عن محلّ الكلام و وجهه غير واضح نعم فرق بينه و بين سابقه من حيث وضوح الحكم في السّابق و خفائه هنا لأنّ الوجوه المشار إليها لا يأتي شي‏ء منها في المقام فلا بدّ من الاستناد في ترجيح التخصيص إلى الغلبة كالصّورة المتقدّمة و الكلام في جواز التعويل عليها يأتي إن شاء الله تعالى و منها أن يتعارض الحديثان و كان أحدهما مشتملا على عام مخصّص و الآخر على مجاز غير التخصيص على وجه لا يرجع وجه التعارض إلى الدّوران بين التخصيص و المجاز بأن‏

يرتفع بارتكاب أحدهما و هذا لا مساس له بالمقام لأنه ليس من الدّوران بينهما و ذكر بعض الأفاضل إيّاه في أقسام الدّوران محلّ التعجب و المرجع فيه ما هو المرجع على تقدير عدم اشتمالها على التخصيص و التجوّز و تخيل كون الترجيح لما هو فيه عامّ مخصّص اشتباه في اشتباه لأنّ هذا الترجيح على تقدير ثبوته يرجع إلى ترجيح الصّدور و أيّ ربط له بالمقام مع أنّ الرجحان بذلك أمر لا ينبغي أن يتوهّم لأن غلبة التخصيص بالنّسبة إلى المجاز لا يفيد الظنّ بعدم صدور الخطاب المشتمل على المجاز و لو مع العلم بعدم صدور أحدهما إجمالا فتدبّر

المسألة التاسعة الدّوران بين التخصيص و الإضمار

قيل و المعروف أنّهما بمكانة واحدة و فيه تأمّل نعم ظاهر كلام الأكثر بناء ترجيح التخصيص على الإضمار على مساواة الإضمار و المجاز فإن ثبت ترجيح الإضمار على المجاز كما في المنية كان بمكانة واحدة عند الأكثر و الحق رجحان التخصيص للغلبة سواء قلنا بمساواة الإضمار و المجاز أو ترجيح الإضمار مثاله قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لا صيام لمن لم يجمع الصّيام من اللّيل فإنّ المراد بالصّيام الطّبيعة الشّاملة للفرض و النفل فإن أضمرنا و قلنا إنّ المراد نفي الكمال فهو و إلا لزم التخصيص لخروج التطوّع المجمع على صحّته مع عدم التبييت و الثمرة هو وجوب التّبييت في الصّوم الواجب على الثّاني دون الأوّل (أقول) في هذا التمثيل نظر من وجهين (أحدهما) أنّ الشك في التخصيص هنا

104

مسبّب من الشكّ في الإضمار كما يظهر للمتدرب فأصالة عدم التخصيص حاكم على أصالة عدم الإضمار فالإضمار أولى و قد عرفت في صدر البحث أنّ الكلام في الدّوران الّذي لم يكن الشكّ في أحد الطّرفين فيه مسبّبا عن الآخر فلو فرضنا العكس انعكس الحكم و كان التخصيص أرجح (و ثانيهما) أنّ ارتكاب التخصيص فيه مبني على أحد أمرين مخالفين للأصل إمّا التزام الحقيقة الشرعيّة أو الاستعمال المجازي في الصّحيح أو إضمار الصحة بخلاف إضمار الكمال فإنّه يتم على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه فالترجيح هنا للإضمار دون التخصيص لأنّ الاقتصار فيما يخالف الأصل على الأقلّ أولى إلاّ أن يدفع بأنّ غلبة التخصيص توجب المصير إليه و لو استلزم مخالفة أصول كثيرة أو بما نبّهنا عليه من التّسبيب أو ينزل التمثيل على مذهب الصّحيحي و لو فرض الدّوران في خطابين كان أمثل‏

المسألة العاشرة الدّوران بين المجاز و الإضمار

كما في قوله تعالى‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ فإنّ نسبة السؤال إلى القرية لا بدّ أن تكون إمّا بإضمار الأهل أو بجعل القرية مجازا عن السّكان و ربّما قيل إن لفظ القرية في زماننا هذا منقول عرفا إلى السّكان عكس لفظ جماعة إلى نفس البيوت كما يقال حرقت الجماعة إذا حرقت بيوتهم فيخرج عن الدّوران المزبور إلى الدّوران بين النقل و الإضمار و فيه تعسّف نعم ليس الآية من مقام ترجيح أحدهما على الآخر لعدم اختلاف المراد بهما نعم لو قلت اسأل القرية و احتمل التجوّز في السّؤال بإرادة مجرّد المخاطبة و المكالمة الصّوريّة كما يفعله الإنسان في بعض الأحيان كان من الدّوران بينهما على وجه مثمر كما لا يخفى هذه حال الدّورانات العشرة المعروفة و قد سبق أنّ النّسخ و التقييد أيضا من الأحوال الّتي يحصل من ملاحظتهما إحدى عشرة صورة أخرى خمسة منها تحصل من ملاحظة النّسخ مع ملاحظة كلّ من الأمور الخمسة المذكورة و خمسة أخرى من ملاحظة التقييد معها و الحادية عشر من دوران الأمر بينهما (الأولى) الدّوران بين الاشتراك و النسخ و قد صرّح في المنية بأنّ النّسخ مرجوح بالنّسبة إلى الجميع و لعلّه لندرته بالنّسبة إلى كل واحد منها و استدلّ الفخر الرّازي على ترجيح الاشتراك بأن النّسخ لا يثبت بالخبر الواحد و القياس بخلاف التخصيص و اعترض عليه العلاّمة (قدّس سرّه) بأن هذا دليل على رجحان التخصيص عليه لا رجحان الاشتراك و يمكن توجيه الاستدلال بأنّه مسوق لدفع توهّم المساواة بين التخصيص و النسخ باعتبار كون النّسخ أيضا تخصيصا و لو بحسب الأزمان و لكنه أيضا موقوف على مقدّمة أخرى و هي مساواة التخصيص و الاشتراك إذ على تقدير ترجيح التخصيص على الاشتراك لم يكن له مساس بالمدّعى أصلا مثاله ما لو قال النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) صلّوا في الوقت الفلاني ثم قال بعد ذلك طوفوا في ذلك الوقت إذ احتمل كون الطّواف مثلا مشتركا بين معناه المعروف و بين المعنى الآخر فلو بني على الاشتراك لم يلزم نسخ و إلاّ تعيّن مع وجود شرائطه كحضور وقت العمل (أقول) ينبغي أن يرجح في مثل ذلك النّسخ على الاشتراك لحكومة أصالة عدمه على أصالة عدم النّسخ كما يظهر بالتأمّل لكن لو كان ذلك في الأدلّة الشّرعيّة أمكن ترجيح الاشتراك لأنّ توفّر الدّواعي على نقل النسخ يمنع عن العمل في ثبوته بغير الدّليل العلمي مضافا إلى ندرته بحيث لا يصادمها ندرة الاشتراك (فالتّحقيق) في مثل ذلك المثال التفصيل بين ما بأيدينا من الأدلّة و بين الخطابات الشّفاهيّة و اختيار الاشتراك في الأوّل و النّسخ في الثاني نعم لو حصل الدّوران بينهما في دليلين باعتبار العلم الإجمالي من غير أن يكون بينهما تسبّب كما إذا علمنا بأنّ أحد الخطابين منسوخ أو الآخر مشتمل على لفظ مشترك لزم التوقف في غير الأدلّة الشرعيّة لتعارض الأصلين مع عدم مرجّح من غلبة و نحوها (الثّانية) الدّوران بين النقل و النّسخ و يظهر الحال فيه من الأولى و ربما حصل لبعض المحققين وسوسة في ترجيح النقل على النسخ باعتبار الغلبة و لعلّه في غير ما بأيدينا من الأدلّة و إلاّ فقد عرفت عدم مسرح للنّسخ فيها بمجرّد استلزام عدمه لخلاف أصل غير عزيز مضافا إلى ما عرفت من النّدرة حتّى في جنب النقل كما لا يخفى نعم لا مسرح لها في غيرها كالخطابات العرفية و المكالمات الشفاهيّة (الثّالثة) الدّوران بين النّسخ و التخصيص و هذا إن كان في العام و الخاصّ المتنافي الظّاهر دخل في مسألة بناء العام على الخاص و قد تحقّق هنا لك عند أكثر المحققين رجحان التخصيص و إن كان النسخ أيضا قسما من أقسامه و قد يستدلّ على ذلك أيضا بما يستدلّ على رجحان التخصيص على التقييد إذا كان العموم الأزماني مستفادا من إطلاق الدّليل و إن كان في غيرهما فالحال ما عرفت (و اعلم) أن بعض المحققين ذكر في المقام أنّه إذا كان للنسخ ترجيح بحسب مقتضى المقام على التخصيص وجب الأخذ به كما إذا كان البناء عليه مستلزما لإخراج أكثر الأفراد و إذا تكافأ بحسب المقام وجب التوقف و تظهر الثمرة في العام المتأخر فإنّه إذا توقفنا ففي الرّجوع حينئذ إلى الأصول الفقهيّة كالتّخيير و البراءة و الاحتياط أو الأخذ بالخاص عملا بالحالة السّابقة وجهان (قلت) أمّا وجوب مراعاة المرجّحات الشخصية الموجودة في المقام و عدم جواز اطّراد الأخذ بالمرجّحات النوعية فهو كلام صحيح قد نبّهنا عليه في صدر المسألة لكنّه في غير صور دوران النّسخ لأنّ النسخ لا يثبت إلاّ بالقاطع كما ظهر وجه ذلك فلا وجه لترجيح غيره عليه بملاحظة المرجحات الشخصيّة الحاصلة من مقامات الكلام نعم هذا في الخطابات العرفية

أيضا صحيح كما قلنا و أمّا ما ذكره من الوجهين بعد التكافؤ بحسب تصادم المرجحات الشخصية فلم يتحصل المقصود من هذا الكلام إذ لا مسرح مع وجود الاستصحاب و عدم ما يحكم عليه من الأمارات و الأدلة و الأصول للتخيير أو البراءة أو الاحتياط (الرّابعة) الدّوران بين النّسخ و المجاز و الكلام فيه يظهر ممّا ذكرنا و أنّ المجاز يرجح عليه في غير الأدلّة الشرعية إذا كان الدّوران و التعارض من‏

105

من جهة العقل و من باب التسبيب لا من جهة فرض العلم الإجمالي إلى آخر ما ذكرناه و لا فرق بين أن يكون العموم الأزماني المعتبر في النسخ مستفادا من إطلاق دليله أو من عمومه كما إذا قال أكرم زيدا في كلّ يوم ثمّ قال بعد يوم أو أيّام لا تكرمه بعد ذلك لأنّ التخصيص بحسب الأزمان قد عرفت أنّ مرجوحيّته ليس لأجل ضعف دلالة الدّليل على العموم الأزماني حتّى يختلف ذلك باختلاف القوة و الضّعيف كيف و مرجع النّسخ غالبا إلى التقييد الّذي هو أهون من كلّ شي‏ء بل للوجه المشار إليه الّذي لا يتفاوت فيه بين استفادة العموم فيه من العموم الأفرادي أو الأحوالي و هو بعد ثبوت النّسخ بغير الدّليل العلمي و ندرة وجوده ندرة واضحة في جنب جميع الوجوه المخالفة للظّاهر فقول بعض المحققين إنّ ترجيح النسخ على المجاز في مثله غير بعيد عن بعيد السّداد إلاّ أن يكون نظره إلى الخطابات الشفاهية الشّرعية فإنّ هذا النّحو من التخصيص الأزماني يلحق بالأفرادي في القوة و الضّعف فلا بعد في القول برجحانه على المجاز على القول برجحان التخصيص عليه مطلقا إلا أنّ هذا يرجع إلى تخصيص الأكثر المرجوح من المجاز لأنّ العموم الأزماني إذا كان مستفادا من أدوات العموم مثل المثال المزبور فلا يتصوّر فيه إلا النّسخ الحقيقي و أمّا النسخ الصّوري الراجع إلى التّخصيص فيمنع جوازه حينئذ لاستهجانه عرفا كما يشهد به الوجدان السّليم فما ذكره (قدّس سرّه) بظاهره غير مستقيم إلاّ في المحاورات العرفية المتصور فيه النّسخ الحقيقي الغير الرّاجع إلى التخصيص كما في نسخ الأحكام (الخامسة) الدّوران بين النّسخ و الإضمار و الكلام فيه يعرف ممّا ذكرنا في الباقي و حاصل الجميع أن الدّوران بين النّسخ و غيره إن كان فيما بأيدينا من الأدلّة فلا يقاوم شيئا من الوجوه المزبورة لأنّ كمال ندرته و توفر الدّواعي على نقله يمنع عن اعتبار كلّ أصل أو أمارة على وجوده فلا بدّ حينئذ من الرّجوع إلى أصالة عدم النّسخ مطلقا من غير فرق أيضا بين رجحانه بملاحظة المرجّحات الخاصّة و عدمه و إن كان في غير الأدلّة الشرعيّة كالخطابات ففيه التفصيل بين ما إذا كان الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ في غيره كما في مثال المنية فيعمل فيه بمقتضى الأصل الحاكم و يلتزم بالنّسخ و بين ما لم يكن كذلك فالتوقف (فإن قلت) على ما ذكرت يبطل استصحاب عدم النّسخ المجمع عليه لأنّ توفّر الدّواعي إلى نقل النّسخ يمنع عن الشكّ في وجوده فلو كان فهو شكّ بدوي يزول بالتأمّل في ذلك (قلت) بطلان استصحاب عدم النسخ بهذا المعنى لا نسلّم كونه مجمعا على عدمه و إنّما المجمع عليه عدم البناء على عدم النسخ و الرّجوع إلى حكم الشاك و هو غير لازم ممّا ذكرنا فتدبّر هذا (و التّحقيق) أن يقال إن توفّر الدّواعي يوجب ملازمة ظنية بين النّسخ و قيام القاطع عليه بحيث يحصل من عدم القاطع ظنّ شخصيّ متاخم للعلم بعدم النّسخ فلا يعقل في مورده و حصول الظنّ بوجوده بملاحظة المرجّحات الشّخصيّة بل لا بدّ من قيام الدليل العلمي عليه و هذا هو الأنسب بما ذكروه من ثبوت النّسخ بخبر الواحد و إن لم يجوّزوا كون الخبر الواحد ناسخا لا ما ذكرنا أوّلا من الملازمة القطعيّة بين النّسخ و التواتر كالقرآن هذه حال الدّورانات الحاصلة بين النّسخ و الخمس المعروفة و أمّا الحاصلة بين التقييد و بينها فالظاهر رجحان التقييد على الكلّ و الدّليل عليه أمران (أحدهما) الغلبة لأنّ شيوع التقييد أكثر من شيوع التّخصيص الراجح على الجميع (و الثّاني) أنّ أصالة الإطلاق بالنسبة إلى ما عداه من الأصول اللّفظية أصل عملي بناء على ما هو الحق من استناده إلى أصالة عدم القيد لا إلى الوضع و مقتضى ذلك كون كلّ واحد من تلك الأصول حاكما عليه نحو حكومة الدّليل على الأصل مثلا إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قال إن جاءك فاسق فلا تكرمه فعموم العلماء يكون دليلا على تقييد الفاسق بغير العالم لأن شمول عدم وجوب الإكرام للفاسق العالم إنّما كان من جهة عدم دليل التقييد بغير العالم و بعد ملاحظة عموم العلماء المأمور بإكرامهم لا مجال لتوهم عدم الشمول لكن هذا الوجه لعلّه غير مطّرد كما إذا كان إطلاق الحكم متفرعا على عمومه مثل قوله تعالى‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّه على تقدير عمومه للبيع مثلا يدلّ بإطلاقه على وجوب الوفاء في جميع الحالات فلو علمنا عدم وجوب الوفاء ببعض العقود كالبيع في بعض الأحوال كحال المجلس لم يكن الاستدلال بعموم العقود موجبا لتقييد إطلاقه بغير تلك الحالة فلا بدّ فيه من التعلّق بالوجه الأوّل فيرجّح حينئذ وجوب الوفاء بالبيع بعد تفرق المجلس‏

على القول بخروج البيع عن تحت العموم رأسا و ربما نوقش في كون الآية من الدّوران بين التخصيص و التقييد نظرا إلى أن العقود بعمومه يشمل البيع جدّا فإن كان للآية عموم بحسب الأحوال أيضا تعين تخصيصه بالدليل الدالّ على ثبوت الخيار في المجلس و تخصيص حكمه بغير تلك الحالة و إلاّ فلا و كيف كان فلا وجه لإخراج البيع بل أقصى ما هناك قيام الدّليل على عدم وجوب الوفاء في بعض الأحوال فيبقى إطلاق وجوب الوفاء بالعقود فيما بعد تلك الحالة باقيا بحاله هذه خلاصة المناقشة (قلت) الظّاهر أن نظر الممثل بالآية أسدّ من نظر المناقش لما عرفت من أنّ الإطلاق قد يكون متفرعا على العموم الأفرادي بحيث يلزم من عدم كلّ منهما انتفاء الآخر و لا ريب أنّ إطلاق وجوب الوفاء بالنّسبة إلى جميع حالات البيع على القول به مثلا يتوقف على عمومه للبيع و أمّا عدم الإطلاق فيتصوّر على وجهين (أحدهما) أن يكون بانتفاء الموضوع و خروج ذات البيع رأسا (و الثاني) بانتفاء المحمول بعد فرض دخوله تحت العموم فصحّ دوران الأمر بين التخصيص و التقييد بمعنى أن خروج بعض أحوال البيع كما يحتمل أن يكون على وجه تقييد إطلاق الآية كما إذا قلنا بإطلاقها من حيث أحوال العقود زيادة على عمومها من حيث أنواعها كذلك يحتمل أن يكون على وجه التخصيص كما إذا قلنا بأنّ إطلاقها من حيث الأحوال متفرع على عمومه‏

106

من حيث الأفراد و مرجع الأوّل إلى أنّ مدلول الآية أوفوا بكلّ عقد في كلّ زمان و مرجع الثاني إلى منع دلالتها على الكلّية الثانية فما ذكره المناقش (قدّس سرّه) من أنّه على تقدير عدم عموم الأحوال فلا دليل أيضا على خروج ذات البيع و أقصى ما دلّ عليه الدّليل عدم وجوب الوفاء في حال المجلس فيبقى إطلاقه بالنّسبة إلى غير تلك الحالة معمولا به قد تبين فساده بما لا مزيد عليه نعم يمكن المناقشة في التمثيل بها من جهة أخرى و هو أنّ احتمال التقييد دون التخصيص مبني على قيام دليل على عمومه من حيث الأحوال فإنّ الاقتصار على نفس الآية غير قاض بذلك فالمقام ليس من مورد التخصيص المعارض بالتقييد بل من موارد ثبوت التخصيص بدليل لأنّه على تقدير عدم دلالتها على الكلّية الأخيرة فالدليل الدّال على عدم الوفاء بعقد في بعض الأحوال دليل على خروج ذات ذلك العقد رأسا إذ المفروض عدم كون الوفاء بالعقد في كلّ زمان تكليفا مغايرا لأصل وجوب الوفاء به فإذا ثبت عدم وجوب الوفاء به في زمان ثبت عدم وجوب الوفاء بذلك العقد رأسا (و توضيح ذلك) أنّ العموم الأزماني قد يستفاد من العموم و قد يستفاد من الإطلاق و الأوّل مثل ما لو قال أكرم العلماء في كلّ يوم و الثّاني مثل ما لو قال يحرم إكرام الفسّاق و أطلق فإنّه بإطلاقه يدلّ على حرمة إكرام الفاسق في جميع الأزمنة و مقتضى الأوّل ملاحظة الزمان قيدا للإكرام المأمور به بالنّسبة إلى كلّ عالم و لازمه تعدد التكاليف و استقلالها حسب تعدد الأيّام و مقتضى الثّاني ملاحظة مجموع الأزمنة ظرفا للإكرام المنهي عنه بالنّسبة إلى كلّ فاسق و لازمه اتحاد التكليف و هو حرمة إكرام الفاسق في ظرف جميع الأزمنة فلو كان الدّليل الدّال على العموم من قبيل الأوّل لم يلزم من ثبوت عدم وجوب إكرام زيد العالم مثلا في يوم السّبت بدليل خروج زيد من تحت العموم في باقي الأيام و أمّا لو كان من قبيل الثاني كان عدم ثبوت الحكم في بعض الأيام بالنّسبة إلى بعض الفسّاق ملازما لخروجه رأسا في نظرنا و إن لم يعلم ذلك جزما في نظر المتكلّم لاحتمال كون الأزمنة في نظره معتبرة من حيث القيدية لا من حيث الظّرفية إلاّ أنّه اعتبار لا دليل عليه و لا يساعده ظاهر الإطلاق فلا بدّ في مثل هذه الصّورة من التوقف و إجراء حكم التخصيص بالنّسبة إلى ذلك الفاسق في الأزمنة الباقية و لو للاستصحاب إذ المفروض احتمال كون الزمان في نظر المتكلّم ظرفا و كون حرمة إكرام كل فرد من أفراد الفاسق تكليفا وحدانيّا ثابتا في مجموع الأزمنة و مقتضاه ثبوت الملازمة بين جواز الإكرام في بعض الأزمنة و جوازه في الكلّ و حيث إنّ وجوب الوفاء بالعقود في جميع الأزمنة من قبيل الثّاني لزم التوقف و الحكم بخروج أصل البيع من عموم الآية لفظا و إن كان حكمها ثابتا فيه بعد تلك الحالة من أدلة أخرى مثل قوله البيّعان بالخيار ما لم يفترقا بناء على دلالته بنفسه على اللّزوم بعد الافتراق و من التأمّل في جميع ما ذكر يظهر حكم الدّوران بين النّسخ و التقييد أيضا و ربما يفصل في التقييد بين ما إذا كان على وجه التجوز فيلحق بالمجاز في جميع مسائل الدّوران و ما إذا لم يكن كذلك فيقدم على الجميع لسلامته عن جميع وجوه التجوز و إن كان مخالفا للأصل أيضا و ليس بشي‏ء لأنّ التقييد على الوجه الأوّل موقوف على استعمال الكلّي في الفرد من حيث الخصوصية و هذا مع خروجه عن حدّ سائر المجازات لافتقاره إلى قرائن ثلاث قرينة صارفة و قرينة معيّنة و قرينة دالّة على إرادة الخصوصيّة من اللّفظ بخلاف سائر المجازات لعدم افتقارها إلاّ إلى الأوّلين مجرّد فرض لا أصل له في المحاورات إلا في بعض المقامات الفرضيّة الّتي يطلق فيها الكلّي و يراد به الفرد على وجه الحصر الادّعائي الّذي يمكن القول بخروجه عن المجاز في اللّفظ أيضا كما لا يخفى و اللّه الهادي‏

المرحلة الثّالثة في صحّة التعويل على الترجيحات المشار إليها

و ظاهر القوم المفروغية عن العمل بالظنون في مسائل الدّوران إلا أنّ صاحب الوافية و شارحها السيّد الصّدر قد منعا عن التعويل على المرجحات المزبورة و ذهبا إلى التوقف في جميع صور تعارض الأحوال و استندا في ذلك إلى منع الصغرى تارة أعني حصول الظنّ ممّا ذكروه في المقام للترجيح بالمراد و منع الكبرى أخرى أعني جواز التعويل على الظّن في المقام و لا بأس بذكر كلامهما توسّلا إلى التنبيه على بعض ما فيها من المناقشات (قال في الوافية) بعد الإشارة إلى بعض ما ذكره القوم لترجيح بعض الأحوال على الأخر و الأولى التوقف في صور التعارض إلا مع أمارة خارجيّة أو داخلية توجب صرف اللّفظ إلى أمر معيّن إذ ما ذكروه في ترجيح البعض على البعض من كثرة المؤن و قلّتها و كثرة الوقوع و قلّته و نحو ذلك لا يحصل منه الظنّ بأنّ المعنى الفلاني هو المراد من اللّفظ في هذا الموضع (و قال الثّاني) بعد شرح ما في المتن من صور التعارض و وجوه الترجيح بإيراد بعض الأمثلة المشتمل عليها كتب القوم و حاصل الوجهين أراد بهما وجه ترجيح الإضمار على الاشتراك و بالعكس أنّ المتكلّم يختار الأفيد و الأقل مفسدة و الأحسن إلاّ عند الضّرورة فيكون في كلامه أكثر و أغلب فعند الاحتمال يحمل على الأغلب و على هذا فقس (و نحن نقول) إن من ملاحظة هذه الوجوه يحصل لنا اعتقاد أن اللاّئق و الحري و ما ينبغي أن يكون هو غلبة ما فيه الرّجحان و أمّا وقوع هذه الغلبة فلا يحصل لنا الظّن بها لأنا كثيرا ما نرى أمورا نعلم فيها مرجحات على نحو خاصّ ثم نرى الواقع على خلافه أ لا ترى أن كلّ عاقل يحصل له اعتقاد أن اللاّئق تقديم أبناء الدّين على أبناء الدنيا لمرجحات كثيرة ثم إن الواقع على خلافه و مثل هذا كثير فيمنع الوقوع هنا أيضا فلو أعرضت عن هذا و تمسّكت بترجيح الغالب بحسب الواقع (فنقول) القدر المسلم هو غلبة المجاز على غيره من الخمسة أمّا غلبة غيره على غيره فلا نسلّم و غلبة المجاز إنما تكون في أكثر كلام أقلّ العرب فعلى)

107

المجتهد المعوّل على مثل هذا الظن أن يثبت أنّ الشارع من هذا الأقلّ إذ ليس أكثر العرب أكثر كلامهم إلاّ المعاني الحقيقة من اللّغوية و غيرها فليس المتجوز الأعمّ و الأغلب من أفراد المتكلّم حتى يحمل من لا يعلم حاله عليه و من أين إثبات هذا ثم ذكر أنّ الشّارع ليس من هذا الأقلّ لأنّ غرضه الأصلي تفهيم المعاني لا فوائد المجاز و استوضحه (ثمّ قال) فظهر من مجموع هذا الكلام بطوله أنّ العلّة الّتي من أجلها تقدم الحقيقة على غيرها و يظن أنّها المراد هي جعل المتكلّم الأصل و القاعدة في كلامه إرادتها و أنّه لا يعدل عنه إلا لضرورة و داع ليست موجودة و لهذا أشار المصنّف (رحمه الله) إلى منع إفادة هذه المرجحات الظّن بالمراد و بعد التّسليم إلى منع اعتباره إذ الإجماع الذي هو الدليل في الحقيقة لم يثبت في غيرها انتهى موضع الحاجة من كلامه (رحمه الله) زاد اللّه في إكرامه (أقول) في كلماته غفلات لا بأس بالإشارة إليها (فنقول) قوله إنّ اللاّئق بتقديم أبناء الدّين على أبناء الدّنيا فيه أنّ تقديم أبناء الدّنيا إنّما هو لأجل الشهوات و الدّواعي النفسانية الّتي تغلب في نفس المقدم على الأولويّة الّتي تقضي بترجيح أبناء الدين و هذا مثل اختيار أكثر النّاس المعصية على الطّاعة مع استقلال العقول بحسن الثاني و قبح الأوّل و لو كان قد استشهد بذلك كان في تقريب ما ادّعاه أوضح و المعول على تلك المرجحات يقول إنّ العدول في وجوه تأدية المراد من الرّاجح إلى المرجوح اختيارا بعيد عن مجاري العادات إذ لا يعقل لهذا العدول غرض عقلائي و لو كان نفسانيا بخلاف العدول عن المحسّنات العقليّة إلى قبائحها فإن العقلاء مع اعترافهم بقبحها قد يرتكبونها مراعاة لما فيهم من الشهوات و الدّواعي العقلائية و لو كانت قبيحة إذ لا منافاة بين كون الشي‏ء قبيحا و كونه متعلّقا لغرض العقلاء فلا شهادة لما استشهد به على المدعى و إن كان و لا بدّ من الإيراد على إفادة ما ذكروه من المرجحات للظنّ فليورد بأنّه إذا دار الأمر في تأدية مراد واحد بين اختيار الطّريق الراجح و المرجوح فلا ريب في أنّ المأنوس من حال العقلاء اختيار الراجح لعدم اختلاف الدّواعي و الأغراض باختلاف وجوه أداء الكلام إلا الأغراض الرّاجعة إلى محاسن التأدية و لطائف التعبير كالإيجاز و الإطناب و التّأكيد و نحوها ممّا يرجع إلى كيفيات الكلام و أمّا مع اختلاف الحكم و المراد باختلاف تلك الوجوه فلا يتعقّل كون تلك المرجّحات مؤثرة في إرادة المتكلّم بأن يترك اليد عمّا في نفسه من المقصود إذا توقف أدائه على اختيار وجه المرجوح و يختار الوجه الراجح الذي يدل على خلاف مقصوده لرجحانه لأنّه فعل يستحيل صدوره عن عاقل فضلا عن قبحه و من البيّن أن متعلّق غرض الأصولي هو هذا القسم من الدّوران إذ لا يترتب فيما لا يختلف الحكم باختلافه ثمرة على ترجيح إحدى الحالتين على الأخرى بل لا معنى للترجيح حينئذ مثلا إذا قال المولى يجوز إكرام العلماء جميعا ثم قال لا تكرم زيدا العالم و شككنا في أنّ المراد بالنهي هي الكراهة حتّى يكون مجازا أو الحرمة حتى يكون مخصّصا للعام فهذا من الدّوران بين التخصيص و المجاز و لا يذهب على أحد أن رجحان التخصيص أو المجاز في الفوائد و المزايا الرّاجعة إلى الكلام لا يصلح مرجحا للحكم بأنّ غرض المولى حرمة إكرام زيد لا كراهته إذ لو كان إكرام زيد غير مبغوض عنده وجب عليه إرادة الكراهة من النهي فلو عدل عنه و اختار التخصيص باستعمال النهي في التحريم كان ذلك نقضا للغرض و هو مع قبحه قبحا لا يكافئ مرجوحية اختيار المجاز ممتنع الصّدور نعم يجب عليه التعبير عن الكراهة بلفظ يكون حقيقة فيه لو لم يكن له غرض زائد على أصل تأدية المراد كما هو الشّأن في اختيار وجوه التجوز على الحقيقة ففي مثله ينفع تلك المرجحات لأنّ اختيار الطّريق الأفيد و الأرجح أرجح إذا لم يعرضه ما يدعو إلى اختيار المرجوح كاختيار الحقيقة على المجاز (و الحاصل) أنّه لا شبهة في أنّ المرجحات الّتي ذكرها القوم التي ترجع إلى كثرة الفوائد و قلّتها و كثرة المؤن و قلّتها تصلح مرجّحا مع عدم اختلاف الحكم باختلاف حال اللّفظ أو اللّفظين و أمّا مع اختلافه فحسبان صلاحيتها للترجيح حينئذ هوس باطل و كلام عاطل و اللّه الهادي (قوله) القدر المسلّم هو غلبة المجاز على غيره من الخمسة فيه أنك عرفت أن التخصيص و التقييد أغلبان من غيرهما حتى المجاز و إن أراد بالمجاز ما يشملها لم يبق لقوله من الخمسة معنى كما لا يخفى قوله و أما غلبة

غيره على غيره فلا نسلّم (قلت) و كيف لا يسلم مع أن غلبة بعضها على الآخر مما لا يشكّ فيه ذو نصفة أ ترى أن أحدا يتأمل في أغلبيّة التقييد بل التخصيص على الباقي (قوله) و أغلبية المجاز إنما تكون في أكثر كلام أقلّ العرب إلى آخره فيه أنّ أغلبيّة المجاز من الإضمار أو النقل مثلا لا تختص بكلام متكلّم و أيّ عرب ظهر أنّ الإضمار مثلا في كلامه بقدر المجاز و على هذا فقس ما عداه (قوله) إذ ليس أكثر العرب أكثر كلامهم إلا المعاني الحقيقية من اللّغويّة و غيرها أقول و أنت خبير بما فيه من الخلط و الاشتباه إذ الكلام ليس في أغلبية المجاز من الحقيقة و لم يقل أحد بترجيحه عليها كما سبق بل الكلام في أغلبية المجاز مثلا بالنّسبة إلى سائر الوجوه المخالفة للأصل و لا يقدح في هذه الغلبة كون المجازات في جنب الحقائق بمنزلة المعدوم (قوله) و من أين إثبات هذا أي إثبات أن الشارع من هذا الأقلّ و فيه أنّه إن أراد إثبات كون الشّارع من الأقلّ الّذي يغلب مجازات كلامه على حقائقه فقد عرفت خروجه عن المقصود و إن أراد إثبات كونه من الأقلّ الّذي يغلب مجازات كلامه على سائر الوجوه المخالفة فقد ظهر أنّ أغلبيّة المجاز من الإضمار أو الاشتراك لا يختصّ بعرب دون عرب (قوله) و بعد التّسليم إلى منع اعتباره قلت و لعلّه من طغيان القلم إذ المصنف لم يشر إلى منع اعتبار الظنّ المستفاد من المرجحات بل إلى منع إفادتها الظنّ (قوله) إذ الإجماع الّذي هو الدّليل في الحقيقة لم يثبت في المجاز أقول قد أسلفنا الكلام متبعا في وجه التعويل على أصالة الحقيقة و أن وجوب‏

108

حمل الألفاظ المجرّدة عن القرائن على المعاني الأصلية الأولية الحقيقية ليس هو الإجماع و غيره من الأدلّة الشرعية الكاشفة عن حكم تعبدي شرعي بل هي من الأصول العدمية الّتي ثبت اعتبارها ببناء العقلاء و قد ظهر ممّا ذكرنا في مسائل الدّوران أن جملة من الترجيحات مستندة إلى تلك الأصول أيضا فلا يبقى محلّ المطالبة بالدليل إلا ما عدا تلك الجملة مما لا ينهض فيه أصل معتبر سلم عن مزاحمة المعارض بالترجيح و قد ظهر أيضا أن ما عدا تلك الجملة أيضا بين ما يستند إلى بناء العقلاء و الغلبة و بين ما يستند إلى خصوص الغلبة مثلا إذا ورد عام و خاصّ متنافيا الظّاهر كقوله أكرم العلماء و لا تكرم زيدا العالم فهذا ممّا استقر فيه بناء العرف و العقلاء على ترجيح التخصيص على ارتكاب التجوز في المخصص فالترجيح في مثله أيضا مستند إلى الدّليل و هو بناء العرف و العقلاء بل يمكن الاستناد فيه إلى الأصل لأنّ الشك في التخصيص فيه مسبب عن الشكّ في التجوز فأصالة الحقيقة في المخصّص تحكم على أصالة عدم التخصيص فكلّ ما هو من هذا القبيل من الترجيحات المذكورة يشارك مع أصالة الحقيقة في الدليل سواء كان هو الإجماع أو غيره فلم يبق إلا الموارد الّتي لا مدرك للترجيح فيها سوى الظنّ الحاصل من الغلبة الّذي منع (قدّس سرّه) من اعتباره مثل ترجيح النقل على التخصيص و ترجيح التخصيص على غيره في غير مسألة العام و الخاصّ المتنافي الظّاهر و غيرهما من الترجيحات المستندة إلى صرف الغلبة فلا بدّ من إقامة الدّليل على اعتبار الغلبة في مقام ترجيح الأحوال اللّفظية بعضها على بعض (فنقول) قد استدل عليه المحقق القمّي تصريحا و تلويحا بوجوه ثلاثة (الأوّل) ما أشار إليه في ترجيح المجاز على غيره و التخصيص عليه للغلبة بقوله و أمّا حجّية هذا الظنّ أي الظنّ الحاصل من الغلبة فيدلّ عليه ما يدلّ على حجية أصالة الحقيقة مع احتمال إرادة المجاز و خفاء القرائن قال فكما أنّ الوضع من الواضع فهذه الأمور المتخالفة الطّارئة عليه أيضا من جانب الواضع و لذا يقال إنّ المعنى المجازي وضع ثانويّ فكما يكتفي في المعنى المجازي بالقرائن المعهودة و المعدودة فكذا يكتفي في معرفة أن ذلك اللّفظ مجاز لا مشترك و لا منقول بقرينة الغلبة سيّما و الأصل عدم الوضع الجديد و عدم تعدّده و عدم الإضمار و غير ذلك انتهت عباراته زيد حسناته و حاصل قوله فكما أنّ الوضع من الواضع إلى آخره على ما وصل إليه نظري أنّ الوضع و الترخيص في المجازات الّذي يعبّر عنه بالوضع النوعي كليهما من الواضع فكما يكتفي في تشخيص إرادة المجاز في قبال الموضوع له بعد العلم بالوضع بالقرائن المعهودة أي المعهودة عند أهل اللّسان فكذلك ينبغي أن يكتفي في معرفة إرادة المجاز أو التخصيص في قبال الاشتراك مثلا بقرينة الغلبة لأنّها أيضا من القرائن المعهودة لأنّ كلاّ منهما أمر توقيفي له تعلّق بالواضع و الاقتناع في أحدهما بالقرائن المعهودة دون الآخر تحكم بيّن و ممّا ذكرنا ظهر أن هذا ليس وجها مغايرا لما أشار إليه أولا إجمالا من أنّ الدّليل على اعتبار هذا الظنّ هو الدّليل على أصالة الحقيقة بل الفرق بينهما بالإجمال و التفصيل و الغرض من قوله سيّما و الأصل عدم الوضع إلى آخره التّأييد و اعتضاد الظنّ الحاصل من الغلبة فلا يرد أنّ هذه الأصول معارضة بالمثل (و الثاني) إجماع العلماء و قد أشار إليه بقوله و لم نقف على من منع من العمل بهذا الظنّ من الفقهاء (و الثّالث) الاستقرار الحاصل من تتبع الأحكام و الأدلّة الشرعيّة التي رجح فيها جانب الغالب بحيث يظهر منه التعويل على الغلبة مطلقا مثل ما دلّ على إباحة ما يؤخذ من يد مجهول الحال في سوق المسلمين إذا كان الغالب فيه المسلم (أقول) و يمكن المناقشة في الأول بأنّ الدليل على اعتبار أصالة الحقيقة و هو بناء العرف و العقلاء على العمل بأصالة عدم القرينة و ما يجري مجراها من الأصول المستعملة في حمل الألفاظ على الحقائق الّتي فصّلناها و شرحناها و كون بنائهم على الاعتماد بالغلبة في تعيين المرادات من دون أن يكون سببا لصيرورة اللّفظ من الظّواهر العرفية أوّل الكلام حتى أنّه (قدّس سرّه) قد اعترف بعدمه فيما سبق في المجاز المشهور حيث صرّح هناك بعدم صلاحية الشهرة و غلبة الاستعمال لتعيين أحد معنى المشترك و أما قوله فكما يكتفي في المعنى المجازي بالقرائن المعهودة المعدودة فإن أراد به ما فهمناه (ففيه أوّلا) أنّه ليس في العرف قرائن معهودة معدودة لصرف الألفاظ عن حقائقها إلى مجازاتها بل القرائن الصارفة أمور غير منضبطة موكولة إلى ما بين المتكلّم و

المخاطب من المقال أو الحال نعم قد يكون الشي‏ء قرينة على التّجوز عند العرف في خصوص بعض الألفاظ كورود الأمر مثلا في مقام توهم الخطر فإنّه عند العرف قرينة على إرادة الإباحة من الأمر و مثل الشهرة في المجاز على القول بحمله على المعنى المجازي بقرينة الشهرة و أمّا كون الشي‏ء قرينة معهودة عند العرف على التجوز في سائر الألفاظ المجرّدة عن القرينة فلم نتحصّل ذلك و لو أغمضنا عن ذلك و سلّمنا صحّة التعبير عن مثل هذه القرائن الثابتة في ألفاظ مخصوصة بتلك العبارة ورد عليه ما أشرنا من أنّ التعويل على هذه القرائن إنّما هو لأجل صيرورة اللّفظ بملاحظتها ظاهرا عرفيّا في المعنى المجازي و الاكتفاء به لا يستلزم الاكتفاء بالغلبة في ترجيح المجاز على الإضمار مثلا و إن أراد به القرائن المعهودة بين المتكلّم و المخاطب فمع إباء توصيفها بالمعدودة عن ذلك كما لا يخفى يرد عليه أنّ الاكتفاء بالقرائن المعهودة بهذا المعنى إنّما هو لأجل كونها مفيدة للمخاطب العلم بالمجاز و إلاّ فلا يعول عليها إلاّ أن يكون الظنّ الحاصل منها ظنّا معتبرا مستفادا عن أصالة الحقيقة و أيّ ملازمة بين الاكتفاء بها و الاكتفاء بالغلبة في ترجيح المجاز على الاشتراك مثلا و إن أراد أنّه كما يكتفي في التجوّز بالعلائق المعهودة المعدودة كما يشعر به لفظ المعدودة كذلك يكتفي في إثبات أنّ هذا اللّفظ مجاز لا مشترك بالغلبة فمع ما في التعبير عن العلائق بالقرائن من قصور الدّلالة و سقم العبارة يرد عليه ما لا يخفى إذ لا مناسبة

109

بين المقامين رأسا هذا و يمكن توجيه هذا الدّليل بالإرجاع إلى ما يستدلّ به على حجية الغلبة في المقام (و في الثّاني و الثّالث) بالمنع إذ لم نجد مصرحا بحجية الغلبة مطلقا و مجرّد عدم الوقوف على المصرّح بالمنع لا يكفي في تحصيل الإجماع خصوصا إذا كان المنع مطابقا للأصل و لم تحصل أيضا لمراعاة جانب الغالب موارد كثيرة على وجه يظهر منها حجية الغلبة و أمّا ما دلّ على إباحة ما في يد المجهول الإسلام في سوق المسلمين فمع عدم دلالته على المدّعى إلا بدعوى المناط القطعي مورده الموضوع الخارجي فلو تمّ دعوى المناط فإنّما يثبت بها الحجيّة في الموضوعات دون الأحكام إلاّ أن يتعلّق حينئذ بالإجماع المركب أو بالأولوية القطعية فإن كلّ أمارة اعتبرها الشارع في الموضوعات فقد اكتفي بها في الأحكام أيضا فحجيّة الغلبة في الموضوعات تستلزم حجيّتها في الأحكام و قد استند في أثناء كلامه إلى دليل الانسداد أيضا و هو خارج عن محلّ الكلام هذا و قد استدلّ بعض المحققين من السّادة على صحّة ما ذكروه من التراجيح ردّا على صاحب الوافية بما لا يخلو إيراده عن فائدة و إن كان لا ينحسم به مادّة الإشكال أيضا قال بعد إثبات إفادة جملة ممّا ذكروه للظنّ و أن إنكاره على الإطلاق مكابرة على الوجدان ما لفظه هذا و أمّا دعوى أنّ الاعتماد على مثل هذا الظنّ لا دليل عليها فجملة القول في ذلك أنّه لا كلام في وجوب الاعتماد في الأحكام الشرعيّة على الظنون الحاصلة من ظواهر الخطابات و وجوب تنزيل ما جاء من خطابات الشّارع على الظّواهر و الحكم بإرادته لها كما هو الطّريقة في المحاورات ثمّ لا يلتفت إلى ما وراء ذلك من الاحتمالات كاحتمال التجوز و الإضمار و الاشتراك و النقل و إلاّ لبطل النقل و انسدّ باب التفاهم و كذلك لا كلام في الاعتماد على الظنّ الحاصل من الخطابات باعتبار القرائن كيف لا و مرجعه إلى الظّاهر المجمع عليه و لا كلام أيضا في ثبوت الوضع بالظنّ الحاصل من نقل الأئمة المعتبرين كمؤلّفي الصّحاح و القاموس و الأساس و النّهاية و لا في عدم ثبوته بالظنون الضعيفة الحاصلة من أمثال هذه التراجيح و تعلّقهم بها لم يكن لإثبات الاشتراك و المجاز و الدّلالة على الوضع و عدمه بل تأييد الدليل و ترجيح المدلول و إنّما الدليل في الاشتراك هو الاستعمال و أصالة الحقيقة و في النقل كثرة الاستعمال في المعنى الحادث بحيث تقضي العادة بالتعيين و الاختصاص كما في أسماء العبادات و نفيها و في إثبات المجاز أصالة العدم و هو الّذي اعتمدوه في الاستدلال و إن رجح ناس الاشتراك بفوائده و آخرون المجاز بفوائده و عارض كلّ منهما الآخر بالمفاسد (و الحاصل) أنّ التّرجيح بالفوائد و المفاسد في مسألة واحدة و هي ما إذا وجد اللّفظ مستعملا في معنى ثان و لم يدلّ دليل من نقل أو غيره على أنه حقيقة أو مجاز و أنه لمحل ريبة و هو موضع الإشكال و هو النزاع المتقدم بين السيّد و الجماعة لا بدّ فيه من الترجيح و الأخذ بالراجح و ربما استدل بالوجوه الضعيفة على الإرادة مع عدم اختلاف المعنى كما يستدلّ على ترجيح المجاز على التخصيص و الإضمار بأنّه أنسب بالبلاغة و أبلغ في الجزالة و على ترجيحهما بأنّهما أخفّ مؤنة و حاصل الاستدلال بكلّ منهما أنّه أولى بالحكم لكماله فيكون أرجح و متى كان كذلك فالظّاهر إرادته و ما كان ليختار المرجوح على الرّاجح مع أنّه لا يريد بعد ذلك شيئا لاتحاد المعنى و إنما الغرض بيان طريق التأدية و أنّ الدلالة على المعنى بأيّ طريق كان و على هذا فإذا أثبتنا الوضع بالاستعمال كما في المعنى الواحد و النّقل بقضاء العادة المفيدة للعلم العادي و نفينا الاشتراك و النقل بأصل العدم و أثبتنا المجاز فإذا أثبتنا و نفينا بالطّريق المعول عليها عقلا و شرعا و عرفا و إذا ثبت الموضع أو المجاز بهذه الطّرق المستقيمة وجب تنزيل الخطابات عليها و كان الظنّ الحاصل من ذلك من أوثق ما يعتمد عليه من الظنون المبنية على الوضع انتهى إفاداته نمي حسناته (أقول) من كان على ذكر من تفاصيل مسائل الدّوران يعلم أنّ ما أجاد من التحقيقات لا تعلق لها بأكثرها فإن حجية ظواهر الخطابات و الظنّ الحاصل منها بواسطة القرائن أو اعتبار أقوال أئمة اللغويين في إثبات الأوضاع أي فائدة لها في الدّوران بين الاشتراك و الإضمار أو الإضمار و المجاز أو المجاز و التقييد أو نحو ذلك ثمّ أيّ إشكال من الإشكالات الواردة في ترجيح جملة من الأحوال ينحسم بدلالة الاستعمال في المتحد المعنى على الاشتراك أو دلالة أصل العدم على‏

المجاز أو قضاء العادة بالنقل و إنّما ينفع هذه في قليل من مسائل الدّوران كالدّوران بين الاشتراك و المجاز أو المجاز و النقل (و أمّا) في مثل الدّوران بين التخصيص و المجاز أو التخصيص و الإضمار أو نحو ذلك من أقسام الدوران الّتي ليس فيها للتمسّك بظاهر الخطاب أو بقول أئمة اللّغة أو الاستعمال في متحد المعنى أو أصالة عدم الوضع مجال فلا بدّ فيه من التماس دليل آخر للترجيح ثم إنّ قوله (رحمه الله) إنّ الترجيح بالفوائد و المفاسد في مسألة واحدة يظهر ما فيه من ملاحظة بعض كتب القوم فضلا عن جميعها كالمنية و نحوها و كذا يظهر ما في قوله و ربّما استدلّ بالوجوه الضّعيفة على الإرادة مع عدم اختلاف المعنى من ملاحظة تلك الكتب فإن كلماتهم من أوّلهم و آخرهم مشحونة من الاستدلال على الترجيحات بتلك الوجوه الضعيفة و إن أراد أنا لا نتعلّق بذلك بل بشي‏ء آخر كالأصل و ظهور الاستعمال و تنصيص اللّغوي و قضاء العادة و نحو ذلك فهو لا يتم فيما لا يوجد فيه شي‏ء من هذه الأمور كما نبّهنا (و كيف كان) فالتحقيق في الجواب عن صاحب الوافية و شارحها ما عرفت من أن مدار الترجيح في مسائل الدّوران على أحد أمور على وجه منع الخلوّ إمّا الأصل السليم عن المعارض أو بناء العقلاء أو مجرّد الغلبة و لا إشكال في صحّة التعويل على الأولين و لا خلاف كما مرّ و إن كانا متأمّلين في حجيتهما فهي مرحلة أخرى يبحث عنها في غير هذا المحلّ و نحن لا نتحاشى عن الإشارة إلى وجه الاعتداد بهما إجمالا و حيث أنّ وجه التعويل على الأصول في مباحث الألفاظ

110

على ما هو التحقيق المتقدّم سابقا أيضا هو بناء العقلاء فلا جرم نشير إلى حجيّة بنائهم في طريق الإطاعة و الانقياد من حيث استكشاف المرادات أو إحراز موضوعات التكاليف و جملة القول فيه بعد النقض عليهما بأصالة الحقيقة الّتي اعترفا بجواز التعويل عليها هو أنّ الظنّ الّذي يعملون به العقلاء في أغراضهم المهمّة و امتثال أوامر مواليهم مع إمكان تحصيل العلم يستقلّ العقل بجواز سلوكه ما لم يرد من الشارع نهي عنه بالخصوص لأنّ المكلّف إذا علم بوجود تكاليف من المولى و أراد امتثالها فلا طريق له إلى ذلك إلا بالمراجعة إلى الطّرق الّتي يسلكها العقلاء من علم أو ظنّ خاص إذ التوقيفي إنّما هو الحكم الشرعي (و أمّا) طريق إحرازه و امتثاله فهو ليس أمرا توقيفيا مأخوذا من الشارع نعم لو نهى عن بعض ما يسلكه العقلاء و خطّأهم في سلوك ذلك الطّريق لم يخرج سلوكه فحكم العقل بسلوك طريق العقلاء من الطّرق الظنية حكم تعليقي معلّق بعدم نهي منع الشارع و لا يحتاج إلى الإذن كحكمه بعدم جواز سلوك الظن الّذي لا يسلكه العقلاء مع إمكان العلم ما لم يرد من الشّارع الرّخصة فليس من الأحكام التنجيزيّة الّتي لا تقبل الردّ الشرعي كسلوك الطّريق العلمي نعم هنا كلام من جهة ورود النهي عن العمل بالظنّ في الكتاب و السّنة فإنّها بعمومها تردع عن العمل بالظّنون العقلائية و لكن يمكن الجواب عنه (أوّلا) بأنّ المتبادر من الظّن المنهيّ عنه غير الظّن العقلائية الّذي يسلكونه في المقاصد المهمّة لأنّه يجري مجرى العلم فيكون المنساق من الخطابات غيره (و ثانيا) بأن استقرار طريقة السّلف العاملين بتلك النّواهي من الصّحابة و التّابعين على العمل بالظنون العقلائية كظواهر الألفاظ مثلا دليل علمي على اختصاص تلك النواهي بغير تلك الظنون فيرجع فيه إلى ما يقضي به العقل من المنع و الجواز فتأمل حتى لا تتوهّم أن مرجع ذلك إلى التمسّك في حجية الظن العقلائي بالسّيرة أو الإجماع العملي لأن الاستدلال بالسيرة إنّما هو لإثبات حكم شرعي توقيفي و المقصود في المقام الاستدلال بها على مجرّد خروجها عن تلك العمومات فلا بدّ حينئذ في إثبات الرّدع عن العمل بالظّن المتعارف السّلوك عند العقلاء من نهي خاص متعلّق بذلك الطّريق (و ثالثا) بأنّ حرمة العمل بالظنّ إمّا لأجل كونه سببا لطرح الأصول المعتبرة أو لأجل كون التعبد بها تشريعا محرما و إلا فالعقل مستقل بعدم قبح العمل على طبق الظنّ مع عدم تفويت الواقع و شي‏ء من الوجهين غير موجود في الظن العقلائي لأن التعبّد به لا يعدّ تشريعا إذ التشريع عبارة عن الالتزام بما لم يقم عليه طريق شرعي أو عرفي فالّذي قام عليه طريق عقلائي لا يعدّ الالتزام به تشريعا لا في العرف و لا في الشرع (و أمّا الأصول) فيمنع اعتبارها مع وجود الظّن العقلائي كما يمنع مع وجود العلم خصوصا الأصول الّتي مدركها العقل خاصة إذ العقل لا يستقلّ في موارد تلك الظنون بما يستقلّ به في غيره كالشكّ أو الظّن الّذي لا يعتدّ به العقلاء و بقية الكلام يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى و الغرض الإشارة إجمالا إلى أن ما يبتني من صور التراجيح على أصل سالم عن معارض أو بناء العقلاء لم يحسن التأمل في اعتباره و أمّا ما يبتني على صرف الغلبة ففيه أيضا تفصيل بين ما إذا كان الدّوران و التعارض بين أصلين من أصل الحقيقة كما إذا توقف رفع التنافي بين الكلامين أو بين لفظين في كلام واحد على تخصيص عام في أحدهما أو إضمار أو مجازا و تقييد في الآخر أو العكس و بين ما إذا كان المنشأ الشك في حال اللّفظ عند الواضع أو عند العرف أو عند المتكلّم كما إذا شكّ في كون اللّفظ مشتركا أو منقولا و نحوهما ففي الأوّل أيضا لا إشكال في صحّة التعويل على الغلبة لأنّها تصير سببا لكون الطّرف المقابل أظهر مثلا إذا كان التخصيص أغلب كان أصالة الحقيقة أو أصالة عدم الإضمار مثلا أظهر من أصالة العموم فإذا صار الطّرف المقابل أظهر صار من القرائن اللفظية على طرح الأصل الآخر كما في أسد يرمي إذ الوجه في كون يرمي قرينة على التجوز في الأسد دون العكس كونه أظهر في معناه بالنّسبة إلى ظهور أسد في معناه و هو الشّأن في جميع صور تعارض الظّاهر و الأظهر في كلام متكلّم واحد فيجعل الأظهر قرينة على التجوز في الظّاهر و أمّا الثاني ففي الاعتماد على الغلبة نفسها إشكال لأن غاية ما يترتب عليها صيرورة الأصل في الطّرف المقابل أقوى مثل صيرورة أصالة عدم النقل أقوى من أصالة عدم الاشتراك نظرا إلى أغلبيّته بالنّسبة إلى النقل و مجرّد الأقوائية

لا يصلح دليلا للترجيح بعد ما كان الأصل في الأصول المتعارضة التوقف نعم لو بني فيها على التخيير أمكن الأخذ بالترجيح لبناء العقلاء على العمل بأقوى الأمارتين إذا دار الأمر بينه و بين التخيير لكن قد عرفت في المرحلة الأولى أن مقتضى القاعدة في تعارض الأحوال اللّفظية و الأمارات التوقف و لا يرتفع الإشكال إلاّ بدعوى اعتبار الغلبة مطلقا في مباحث الألفاظ بحكم بناء العرف و العقلاء أو يقال إن حكمة اعتبار الأصول العدمية أيضا هي الغلبة و معلوم أنّ اعتبار الغلبة متوقف على أن لا يكون في موردها أمارة على خلافها فإذا فرضنا صورة يغلب فيها النقل كالقسم الأوّل من أقسام الدّوران بينه و بين الاشتراك فأصالة عدم النّقل حينئذ غير معتبرة لمكان الغلبة على خلافها فإذا لم يكن معتبرا وجب ترتيب أحكام المنقول على اللّفظ المشكوك في ذلك القسم كما يظهر وجهه بالتأمل و هكذا القول في سائر أقسام تعارض الأحوال لا يقال قضية ما ذكرت سقوط أصالة العموم رأسا لغلبة لحوق التخصيص بالعمومات فهذه الغلبة أمارة على التخصيص في كلّ عام فلا يجري فيه أصالة عدم التخصيص لأنا نقول غلبة تخصيص العمومات ليست أمارة شخصيّة في جزئي حقيقي من جزئيات العمومات كقوله أكرم العلماء مثلا فلا بدّ في سقوط أصالة عدم التخصيص في كلّ عام غلبة لحوق التخصيص بذلك العام و في مثله نلتزم بسقوط أصالة العموم و لذا ترى الأصحاب يتوقّفون في العمل بالعمومات الّتي خارجها أكثر من داخلها

111

و من ذلك عمومات القصاص و عمومات نفي الحرج و نفي الضّرر و الحاصل أنّ أصالة عدم الاشتراك مثلا إذا كان السّر في اعتبارها ندرة الاشتراك سقط عن الاعتبار و لزم العدول عنها إذا استلزم العمل بها ارتكاب أمر أندر كالنقل لأنّ ندرته حينئذ أمارة شخصيّة على ثبوت الاشتراك و قضية ذلك عدم الاعتناء بأصالة عدم الاشتراك عند الدّوران بينه و بين النقل مثلا و البناء على أصالة عدم النقل و الحكم بثبوت الاشتراك لكن قد عرفت فيما سبق ترجيح النقل في كثير من صور الدّوران الّتي تقضي العادة و الغلبة فيها بثبوت النقل و على هذا نفس سائر صور الدّوران الرّاجعة إلى الشكّ في حال اللّفظ في العرف و اللّغة أو يقال إنّ الدليلين المتعارضين إذا كان أحدهما أقوى و أرجح بالرّجحان الدّاخلي القائم بذات الدّليل وجب الأخذ به بحكم العرف و العقلاء سواء كان الأصل في صورة التكافؤ هو التوقف أو التخيير فليتدبر أو يقال إنّ بناء أهل اللّسان على التعويل على الغلبة في استكشاف المرادات إذا لم يكن العمل بها سببا لترك اليد عن أصل الحقيقة كما في المجاز المشهور و لذلك يحملون المطلقات على الأفراد الشائعة الغالبة في الاستعمال و المشترك على أشهر معانيه و يحكمون بتعين المجاز الغالب عند تعذر الحقيقة و هو جيّد إلا أن يقال إن وجه الاعتداد بها في هذه المواضع صيرورة اللّفظ بملاحظتها من الظواهر العرفية في المعنى الغالب فلا يجري في المقام و إن كان متعلّقا باستكشاف المراد كما لا يخفى و اللّه الهادي إلى كلّ صواب‏

تذنيب‏

قد أشرنا سابقا إلى أنّ التعويل على المرجّحات المزبورة إنّما هو مع قطع النظر عن المرجحات الشخصيّة الموجودة في الكلام و إلاّ فقد يترجح المرجوح على الراجح نوعا بملاحظة خصوصيّة المرجوح النوعي الموجودة فيه مثلا إذا دار الأمر بين التخصيص و المجاز الشّائع قدم المجاز على التخصيص و إن كان التخصيص في نفسه أرجح سواء قلنا في المجاز المشهور بالتوقف أو قلنا بظهور اللّفظ في المعنى المجازي لأنّ التوقف إنّما هو في صورة عدم المعارضة مع غيره و إلاّ فلا بدّ من الحمل على المجاز احترازا عن ارتكاب خلاف أصل آخر (و إن شئت قلت) إنّ أصالة العموم حينئذ رافعة لإجمال المجاز المشهور على القول به فما ذكره بعض من عدم التقديم على هذا القول ليس على ما ينبغي و كذا إذا دار الأمر بين التخصيص القبيح و المجاز مثل ما إذا قال أكرم الناس و علمنا بخروج العلماء من عموم الناس أو بمجاز في لفظ العام أو في غيره و مثله ما يستهجن عرفا من التخصيصات كالتخصيص بالأكثر و هذا واضح لكن لا بدّ أن يكون ذلك الرّجحان الشخصي من سنخ الظّهور اللّفظي بأن يكون مفيدا للظنّ بنفس الرّاجح لا بمضمونه فلو دار الأمر بين التخصيص و المجاز و حصل الظّن بمطابقة الحكم المبني على التجوّز للواقع من أمارة خارجية كالشهرة و الاستقراء و الأولوية و نحوها لم يجز به بترجيح المجاز على التخصيص لأن التخصيص قد ثبت رجحانه نوعا و فرضنا حجيّته في مقام الترجيح فلا يصار عنه إلا بدليل آخر يوجب مزية في الطّرف المقابل و المفروض عدم حصولها و إن حصل لمضمونه رجحان على مضمون التخصيص و هذا الكلام أيضا مبني على ما أسلفنا من أن ظواهر الألفاظ سواء كان في مقام الاستدلال أو في مقام الترجيح لا يناط اعتبارها بالظّن الفعلي أو بعدم الظّن بخلاف مؤدّياتها في الواقع (و من هنا) أمكن القول بعدم اعتبار الرّجحان الشخصي إذا لم يكن رجحانا في العرف و لو كان متعلّقا بنفس المرجوح لا بمضمونه مثل ما إذا ترجح المجاز على التخصيص بما لا يرجع إلى كونه راجحا عند عامة العرف بل بسبب أمارة غير معتبرة حاصلة لخصوص المخاطب بالنّظر إلى حال المتكلّم و نحوها فإنّ تقديم المجاز حينئذ على التخصيص لا يخلو عن إشكال بعد ما كان التخصيص عند العرف أرجح من المجاز نوعا اللّهم إلاّ أن يفرق بين المقامين و يلتزم في مقام الترجيح بأن المدار على حصول صفة الظّن من أيّ شي‏ء حصل و حينئذ فلا بدّ من الأخذ بذلك المرجح الشخصيّ و هذا ليس بعيدا إذ الظّاهر أنّ حجيّة ظواهر الألفاظ ليست حالها كحال حجيّة المرجحات النوعيّة من حيث إناطة الحجيّة بصفة الظن و عدمها نعم الظن بالمضمون من دون السّراية إلى نفس الحالة المرجوحة لا عبرة به ظاهرا (ثمّ) إنّ ما ذكرنا من لزوم مراعاة الرّجحانات الشخصيّة الموجودة في خصوصيات الموارد و جزئيات الكلام لا يجري في النّسخ و ذلك مبني على عدم ثبوت النّسخ بغير دليل علمي كالقرائن باعتبار الملازمة الثابتة بينه و بين التواتر لتوفّر الدّواعي على النقل فلو بنينا على إمكان ثبوته بالدليل الظّني كان حالها كحال غيرها في إمكان رجحانه بالمرجحات الخاصّة و ربما يؤيّد الأخير الإجماع ظاهرا على جريان أصالة عدم النّسخ لأنّ البناء على عدم ثبوت النسخ إلاّ بالإجماع أو التواتر يمنع عن صيرورته مجرى للاستصحاب كما لا يخفى (و اعلم) أنّ الوجوه المخالفة للأصل ليست منحصرة في السّبعة المعروفة فإنّ الكناية أيضا مخالف للأصل مع خروجها عنها و إذا لاحظتها مع تلك الوجوه السّبعة زاد على المسائل المذكورة سبع أخرى و لم أجد أحدا متعرضا لحكم الدّوران بين الكناية و غيرها و نحن قد تكلّمنا بعض الكلام في ذلك البحث عن الكناية في تعريف الحقيقة و المجاز فارجع إلى هناك كما تكلّمنا في حكم تعارض الأصول اللّفظية مع الأصول الراجعة إلى جهة الكلام كالسّلامة عن السّهو و النسيان و الخطإ و الإكراه و التقية و الكذب عن مصلحة داعية إليه مخرجة له عن القبح ثمّ لو جعلنا التضمين حقيقة كان خلاف أصل آخر أيضا غير المجاز فزيد على الأقسام ثمانية أخرى أيضا و تعرف حكمها من التأمّل فيما ذكرنا في مسائل الدّوران و لعلّنا نتكلّم بعض الكلام في حقيقة التضمين في استعمال اللّفظ في المعنيين فارتقب عن قريب إن شاء تعالى ثمّ إنه قد يتحقق التعارض بين أمور غير مخالفة كتعارض العرف و اللّغة أو تعارض العرفين و يأتي الكلام فيهما إن شاء الله تعالى بعد الإشارة إلى تلك الوجوه و اللّه الهادي‏

بديعة [الكلام في انقسام الحقيقة إلى اللغوية و العرفية]

تنقسم الحقيقة بملاحظة الوضع لا الواضع إلى حقيقة لغويّة و عرفية عامة و خاصة و المراد

112

(بالأوّل) هو اللّفظ المستعمل فيما وضع له بحسب اللّغة سواء كان متعدّدا أو متّحدا و سواء كان باقيا على الوضع اللّغوي في العرف أو كان مهجورا إلا أنّه على تقدير الهجر يكون إطلاق الحقيقة عليه باعتبار ما مضى و يندرج تحت المجاز العرفي بملاحظة زمان الهجر (و بالثّاني) هو اللّفظ المستعمل فيما هو الموضوع له عرفا سواء كان ذلك الموضوع له عين الموضوع له اللّغوي أم غيره فالنّسبة بينهما عموم من وجه يتصادقان في اللّفظ المستعمل في الموضوع له اللّغوي مع بقاء الوضع عرفا و هذا مجرى قولهم لغة و عرفا كذا و يتفارقان في الموضوع له اللّغوي المهجور و في الموضوع له العرفي المتحدّث بالنقل و هو واضح أو بغير نقل كما إذا كان اللّفظ أو المعنى من المتحدثات العرفية بأن علم عدم وجوده في الزّمان السّابق و تجدّده بعد و إلاّ فلا يتصوّر اختصاصه بالعرف دون اللّغة و المراد بالعرفية الخاصّة هو المستعمل في الموضوع له عند فرقة خاصّة أو من جهة خاصّة فلو كان اللّفظ موضوعا في العرف العام لمعنى لا من جهة كونهم أهل العرف بل من جهة كونهم متشرعين أو من جهة كونهم نحويّين مثلا فهذا أيضا من العرفية الخاصّة على ما صرّح به بعض المحقّقين معترضا على من فسّرها بما كان واضعه فرقة خاصّة و في هذا الاعتراض نظر لأنّه إذا كان اختصاص لفظ لمعنى عند عامة العرف و لو من جهة خاصّة كان الفرق بينه و بين سائر العرفيات العامة تحكما و لذا لو وقع التّعارض بين العرف العام و بين هذا النحو من الوضع لم تحكم بترجيحه على العرف العام مع أنّ الحكم في تعارض العرف العامّ و الخاص تقديم الأخير على ما يأتي إن شاء الله تعالى و إنّما قلنا بملاحظة حال الوضع لا الواضع لأنّ المعتبر في العرفية العامّة أو الخاصّة كون اللّفظ حقيقة في أحد العرفين في معنى سواء كان هناك واضع من أهل العرف بالتعيين أو لم يكن واضع أصلا كما إذا حصل التعيّن و الاختصاص بكثرة الاستعمالات و قد يجمع بين العرفيّة العامة و الخاصّة في تعريف واحد و يقال الحقيقة اللّغوية هو اللّفظ المستعمل في ما وضع له بحسب اللّغة و الحقيقة العرفية ما استعمل فيما وضع له لا بحسب اللّغة (ثم) يقسم الأخير إلى عامّ و هو ما لم يكن الوضع فيه مستندا إلى عرف مخصوص أو فرقة مخصوصة و إلى خاصّ و هو ما كان الوضع فيه مستندا إلى أحد الأمرين و ما فعلنا أحسن و أسد لأنّ العرف و اللّغة قد يتحدان كما أشرنا إليه بل أكثر الألفاظ كذلك و قضيّة التعريف و التقسيم المذكورين كونهما متباينين كما لا يخفى و يقابل كلّ قسم من أقسام الحقيقة الثلاثة المذكورة مجازة فهو أيضا ينقسم إلى لغويّ و عرفي عامّا أو خاصّا كذا قالوا و لي في صحّة تقسيم المجاز إلى الأقسام المزبورة تأمّل لأنّ المصحّح للاستعمال المجازي ليس إلاّ المناسبة و العلاقة الثابتة بين المجاز و الحقيقة و ليست هي ممّا يختلف باختلاف الألفاظ و الاصطلاحات بخلاف الاستعمال النّاشئ عن الوضع فإن الوضع ممّا أمكن اختصاصه بطائفة دون أخرى و لعلّ نظر من طرد التقسيم إلى المجاز إلى أن الاستعمال في خلاف الموضوع له أيضا من الأمور الإضافية المختلفة باختلاف الاصطلاحات لأنّ خلاف الموضوع له كالموضوع له قد يكون عند فرقة دون أخرى و ممّا ذكرنا يظهر بعد التأمّل فساده لأنّ هذا الاختلاف ليس مناطا في هذا التقسيم فتدبّر بقي شي‏ء و هو أنّ الأعلام حقائق اتفاقا مع عدم كون الوضع فيها بحسب اللّغة أو بحسب العرف العامّ أو الخاصّ فلا بدّ من تربيع الأقسام أو القول بعدم كونها حقائق (أمّا الأوّلان) فظاهران و أمّا الأخير فلأن العرفية الخاصّة على ما صرّح به غير واحد أن يكون الوضع فيها من قوم أو فريق و الأعلام الشخصية ليس كذلك و لأنّ استعمال الأعلام في مسمّياتها حقيقة من أيّ مستعمل كان و العرفيّة الخاصّة إنما تكون حقيقة لو كان المستعمل لها من أهل ذلك الاصطلاح و ربما قيل بدخولها في العرف الخاص لمنع اعتبار استناد الوضع فيها إلى قوم أو فريق بل المعتبر فيها عدم استناد الوضع إلى العرف العام سواء كان من قوم أو من واحد و نقل في المنية عن النهاية و الأحكام كون الأعلام واسطة بين الحقيقة و المجاز نظرا إلى اعتبار الوضع فيهما لغة و عدم كون الأعلام موضوعة في اللّغة ثمّ نظر فيه بأنّ هذا غير مطّرد في جميع الأعلام مثل زيد و عمرو فإنّهما مصدران من زاد و عمر ثمّ قال و التّحقيق أنّ الأعلام بالقياس إلى الأوضاع الجديدة حقائق‏

و أمّا في اللّغة فليست بحقيقة و لا مجاز أمّا الأوّل فلعدم كونها موضوعة لمسمّياتها لغة و أمّا الثاني فلعدم ملاحظة المستعمل لها في معانيها مناسبتها للمعاني اللّغوية (أقول) ما ذكره السّيّد (قدّس سرّه) لعلّه مراد العلاّمة و الآمدي أيضا بل هو ظاهر العضدي و صريح المحقّق الشريف و حينئذ فيخرج الأعلام من الحقائق اللّغوية قطعا و قضية ذلك بعد ملاحظة كونها حقائق في معانيها جزما درجها في الحقيقة العرفية الخاصّة كما ذكره القائل لكن التأمّل الصّادق ربما يقضي بخلافه و ذلك لأنّ المراد بالمقسم أعني الحقيقة ما كان من إحدى اللّغات لا كلّ لفظ مستعمل فيما وضع له و إن لم يمكن منها (توضيح ذلك) أنّه قد علم سابقا في البحث عن اللّفظ الموضوع أنّ اللّغة مأخوذة من لغا يلغو إذا لهج بالكلام و يطلق على كلّ لفظ كاشف عن المقصود و قد يطلق و يراد خصوص ما يقابل العرفين و قد يطلق و يراد به أحد أنواع ما يتحاور به كما يقال لغة العرب و لغة فارس و لغة الترك و نحوها و قد ذكرنا أن جنس الحقيقة و المجاز و مقسمهما ليس هو الإطلاق الأول و لا الثاني بل الثّالث و من الواضح أن الأعلام ليس من اللّغة بهذا المعنى بل بالمعنى الأول فخروجها عن الحقيقة العرفية و اللغوية باعتبار خروجها عن القسم و بهذا يصطلح بين من قال إنّها واسطة بين الحقيقة و المجاز و بين من جعلها من الحقيقة فإنّ مراد الأوّلين كونها واسطة بين الحقيقة و المجاز اللّغويين و هو لا ينافي كونها حقيقة بالنظر إلى الوضع العلمي و الحاصل أنّ الأعلام غير

113

مندرجة تحت شي‏ء من اللّغات كالعربية و الفارسية و الرّومية و نحوها و لذا يجب محافظتها على ما هي عليه في جميع الألسنة حتى أنّها تدخل في طيّ التحاور بالعربي مثلا من غير تغيير و تبديل هذه أقسام الحقيقة

و أمّا تقسيم المجاز

فقد قسّمه في المنية باعتبار المحلّ إلى ثلاثة المجاز في الفرد و كقول القائل رأيت أسدا يرمي و المجاز في المركب كقوله تعالى‏ وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها و المجاز فيهما معا كقوله أحياني اكتحالي بطلعتك فإنّ ألفاظ هذا المركب كلّها مجازات لأنّ المراد بالإحياء السّرور و المراد بالاكتحال الرّؤية و بالطّلعة الوجه و كذا المركب لأنّ موجد السّرور هو اللَّه تعالى دون الرّؤية و قد تقدّم منّا الإشارة إلى الأقوال في المجاز في المركّب و أنّ المختار فيه أن المركب من حيث هو مركب على القول بوضعه لا تجوز فيها أصلا و أنّ التجوّز إنّما هو في أمر عقلي و هو موافق لما ذكره السيّد حيث فسّر التجوز في المركب بما ذكرنا و باعتبار السّبب إلى ثلاثة أيضا الزّيادة كما في قوله تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و النقصان كقوله تعالى‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و النقل أي نقل اللّفظ عن المعنى الموضوع له إلى غيره لعلاقة من العلائق المعهودة مثل نقل لفظ الأسد إلى الشجاع أو الميزاب إلى الماء و نحو ذلك و قد يقال إن حصر السّبب في الثلاثة غير حاصر لأنّ التضمين كما في قوله تعالى (سمع اللَّه لِمَنْ حَمِدَه) و نحوه من التضمنيات خروج عن الموضوع الأصلي إذ المفروض عدم وضع المضمن فيه لما يشمل المضمن فيكون مجازا مع عدم رجوعه إلى شي‏ء من الثلاثة أمّا الأوّلان فواضح و أمّا الأخير فلأنّ المراد باللّفظ معناه الأصلي قطعا غاية الأمر أنّه ضمن شيئا زائدا و هو ليس نقلا للفظ عن موضعه الأصلي هذا ما استقر عليه رأي المحقّقين في التضمين و أمّا على رأي من جعله من باب الحذف و تقدير المضمن فهو داخل في القسم الثّاني و ربما يجعل كلام السّيد هذا دليلا على أنّه من أرباب هذا الرأي لكن ينقض الحصر أيضا باللّفظ المستعمل في المعنى الحقيقي و المجازي معا فإنّه إمّا مجاز مطلقا أو بالنّسبة و على التقديرين فلا يندرج تحت شي‏ء من الأقسام الثلاثة حتى الأخير لأنّ اللّفظ مع إرادة معناه الحقيقي منه غير منقول من معناه إلى غيره و كذا اللّفظ المشترك المستعمل في المعنين عند من يجوزه مجازا فإنّه أيضا خارج عن تلك الأقسام و الّذي يصحّح الحصر في كلامه هو أن يقال إنّه أراد حصر ما به يحصل المجاز بمعنى اللّفظ الموضوع في غير محلّه لا بمعنى الكلمة المستعملة في غير معناه الحقيقي و المجازي بهذا المعنى أي الموضوع في غير محلّه و موضعه الأصلي يصدق على التضمنيات على مذهب المحققين و على اللّفظ المستعمل في معنييه الحقيقي و المجازي أو الحقيقيّين على مذهب من يجوزه مجازا لا حقيقة إذ لا ريب في كونه وضعا للّفظ في غير محلّه و لو كان مستعملا في معناه الموضوع له لأنّ هذا النحو من الاستعمال عند هذا القائل إخراج اللّفظ عن وضعه و هو الاستعمال في الموضوع له في حال الانفراد و الّذي يدلّ على أنّه (قدّس سرّه) أراد بالمجاز هذا المعنى لا معناه المعروف المتقدّم عدّه القسمين الأوّلين منه مع أن المجاز بالمعنى المعروف غير صادق عليهما لأنّ لفظ القرية مثلا في الآية الشريفة لم تستعمل في خلاف معناها الحقيقي إلا على تقدير جعلها من القسم الأخير أعني المجاز بالنقل بإرادة الأهل منها لعلاقة الحلول فيخرج عن المجاز بالحذف و كذا لفظ كاف في كمثله فإنّها إمّا زائدة أو مستعملة في معناها و ليست مستعملة في معنى مغاير له و ممّا ذكرنا ظهر أن في عبارة السّيد مؤاخذة ترجع إلى اشتمال كلامه لنحو من الاستخدام لأنّ الأقسام الثلاثة الأول أقسام للمجاز المعروف و الثلاثة الأخيرة ليست تقسيما للمجاز المعروف من حيث السّبب بل للمجاز بالمعنى المشار إليه أعني وضع الشّي‏ء في غير محلّه فلا بدّ في تصحيح كلامه من استخدام أو حمل المجاز في كلامه مطلقا من أوله إلى آخره على هذا المعنى لأنه معنى عام يشمل المجاز المعروف و غيره فلا مؤاخذة حينئذ كما هو واضح هذا و لا يمكن تصحيح الحصر بأن مختار السّيد عدم جواز استعمال اللّفظ في المعنيين لأنّ مذهبه جواز استعمال المشترك في معنييه مجازا بل ظاهر بعض مناقشاته في دليل العلاّمة على كونه مجازا جوازه على وجه الحقيقة و أمّا الاستعمال في المعنى الحقيقي و المجازي فهو أيضا ممّا يقتضيه ظاهر كلامه مع أن ملاك المسألتين واحد فمن جوّز استعمال المشترك في المعنيين فالظّاهر تجويزه الاستعمال في المعنى الحقيقي و المجازي أيضا فتأمل ثمّ إن الأقوال في التضمين لعلّها ثلاثة أو أربعة يأتي الإشارة إليها في استعمال اللّفظ في المعنيين و اللّه الهادي‏

بديعة [الكلام في ثبوت الحقيقة العرفية]

لا خلاف و لا إشكال في وجود الحقيقة اللّغوية و أمّا الحقيقة العرفية فذهب شرذمة إلى عدمها منهم بعض الفرقة الأخبارية مستدلّين عليه باستحالة اجتماع الناس عادة على أمر واحد و هو نقل اللّفظ عن معناه الأصلي إلى غيره و هذا مع وضوح فساده أخصّ من المدّعى لعدم جريانه في التعييني و ربما أجيب بالنقض باتفاق أهل اللّغة على الوضع الابتدائي و ربما قيل إنّ هؤلاء لعلّهم الّذين نفوا وقوع المجاز في اللّغة كالجويني و أبي إسحاق و ليس ببعيد لو كان المتنازع فيه خصوص ثبوت الحقيقة العرفية على وجه التخصيص الحاصل من الاستعمالات المجازية هذا و الإنصاف أنّ إنكار النقل في العرف بمعنى تعيين أهل العرف العام كلاّ أو بعضا لفظا لغويّا لغير موضوعه الأصلي لا يخلو عن صواب لأنّ النقل و المنقولات العرفية كلّها بسبب الاستعمالات الآئلة إليه و هكذا الكلام في العرفية الخاصة فإن إنكار وجودها مطلقا مصادمة لأبده البديهيات و كيف لا و لكل فرقة من أهل العلم و الصّنائع اصطلاحات مخصوصة بهم و أمّا كون تلك الاصطلاحات منهم على وجه التخصيص و التعيين فهو و إن كان أمرا ممكنا لكن المعهود من طريق الناس سلفا عن خلف غير ذلك إلاّ أن يقال إن احتمال النّقل التعييني في جميع العرفيات الخاصة قائم لعدم العلم بحالها في ابتداء الأمر نعم في خصوص وقوع الحقيقة الشرعية خلاف يأتي و من جملة المنقولات العامة لفظ الدّابة و القارورة و الخابية و الجن و الرواية و الغائط و ربما جعل من هذا الباب أمور غير واضحة منها ما جاء في تحريم المحارم و المحرّمات من المطاعم و المشارب و سائر المآثم فإنها كانت في الابتداء مجازات بحذف المضاف ثم صار بكثرة الاستعمال إلى حيث لا يتعقل منها النّاس إلاّ تحريم اللّحم في الأوّل و النكاح في الثاني و الشرب في الثّالث و سائر ضروب الارتكاب كسماع الغناء في الثالث (قلت) الظّاهر أنّ دعوى النقل لا مسرح لها في هذه لاستدعائه تعيين المنقول‏

114

و لا سبيل إليه هنا ضرورة عدم اختصاص فهم العرف تلك المعاني بخصوص لفظ دون لفظ فإنّهم يفهمون من مثل قول القائل حظرت عليكم والدتكم أو ما يؤدّي هذا المؤدّى كمنعت و نحوه ما يفهمون من قوله تعالى‏ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ و هكذا إلى سائر الأمثلة و لا اختصاص له أيضا بمقام دون مقام بل في كلّ موضع كان المضاف أثرا ظاهرا للمضاف إليه ثمّ حذف المضاف كان المتبادر منه ذلك مثل المؤاخذة في حديث الرّفع على القول بتقديرها لا تقدير جميع الآثار فالتبادر إنّما هو مستند إلى قيام القرينة عرفا على المحذوف المقدّر مثل قول القائل و اسألوا القرية و لعل القائل يلتزم بالنّقل فيه و في أضرابه أيضا و هو كما ترى فالأظهر جعلها من باب المجاز بالإضمار مع القرائن العرفية (و منها) لفظ الأمّ فإنّها حقيقة عرفا في والدة خصوص الإنسان و إن كان في اللّغة لما يتناول سائر الحيوانات فيختصّ قولهم (عليهم السلام) يكره الفرقة بين الأمّ و ولدها بالإنسان بناء على تقديم العرف على اللّغة كما يأتي إن شاء الله تعالى (و منها) لفظ السّيف فإنّه حقيقة عرفا فيما يتناول الغمد و الحمائل و الحلية و إن كان في اللّغة لخصوص النّصل و لذا لو أوصى بسيفه نزل على ما يتناول الجميع (قلت) الظّاهر عدم ثبوت النقل في هذين اللّفظين أيضا و عدم ثبوت الكراهة في تفرقة الحيوانات إنّما هو لاختصاص مناط الحكم و هي الشفقة بالإنسان و أمّا تنزيل الوصيّة بالسّيف على ما يعمّ الغمد و سائر الملحقات فالظّاهر أنّه لأجل التبعيّة كالمفتاح بالنّسبة إلى الدّار و لا يتوهّم أحد كون الدّار في العرف موضوعا لما يتناول المفتاح و السّر في دخول التوابع تحت البيع و الوصيّة و نحوها من العقود ظهور حال الموجب و القابل في الدّخول إلا أن يحصل التصريح بالخروج فيتبع فسراية الأحكام إلى التوابع إنما هو لأجل كونها من لوازم الخطابات المتعلّقة بالمتبوعات فتدبر (و منها) ألفاظ المقادير كالذراع و المثقال و المن و الحمل و أضرابها فإنّه قد يتوهّم أو توهّم كونها حقائق عرفية فيما يتناول الناقص الّذي يتسامح فيه عرفا حتّى أنّهم نزلوا على ما عزي إليهم ما ورد في تجديد الكر و المسافة و البلوغ و الحيض و الإقامة و نحو ذلك على ما يتناول ذلك النقصان و يلزمهم الاكتفاء بإقامة عشرة أيام إلاّ دقيقة أو دقيقتين في تحقق الإقامة الشّرعية و هكذا سائر التحديدات و الظّاهر أنّ هذا اشتباه لأنّ القدر الجامع بين الأقلّ و الأكثر أمر غير معقول على ما سيجي‏ء التنبيه عليه إن شاء الله تعالى فكيف يكون اللّفظ موضوعا لما يتناول الزائد و النّاقص و التزام الاشتراك اللّفظي أيضا بديهي البطلان لعدم انضباط القدر المتسامح فيه عرفا من الزيادة و النقصان بل التحقيق على ما سبق إليه الإشارة في مبحث الوضع أنّ إطلاق تلك الألفاظ على ما يقادر بحقائقها مسامحة من العرف و تنزيل فهي مجازات واقعية و حقائق ادّعائية لأنّه لما لم يكن لما يقارب معانيها لفظ مخصوص اضطرّوا إلى التعبير عنها بلفظ مع محافظة الاختصار و لما لم يكن شي‏ء أنسب بها عن تلك الألفاظ تعارف عندهم ذلك الإطلاق حتى كأنه إطلاق حقيقي و لذا لا يتعدّون عن حقائقها الأولية في المقامات المطلوب فيها المداقة فلو باع بعشرة آلاف لم يزده درهما و لا دانقا و لذا استقر بناء العلماء على الأخذ بمداليلها تحقيقا في سائر الأبواب مثل تحديد الكر و نصاب الزكاة و أضرابهما و ربما استدلّ على ذلك بصحّة استثناء النقيصة و عطف الزيادة فإنّهما شاهدا صدق على عدم الاشتراك المعنوي و هذا مبني على ما هو المعروف من استدعاء الاستثناء عموما استقرائيا للمستثنى منه فلو بني على ما نسب إلى سيبويه من صحّة قول القائل أكرم رجلا إلا زيد صحّ العطف و الاستثناء على تقدير ثبوت الحقيقة العرفية في القدر الجامع أيضا و اللّه الهادي‏

بديعة [الكلام في التعارض في مراد المتكلم‏]

قد ذكر الشّيخ في العدّة و العلاّمة في التهذيب أنّ خطاب اللّه تعالى إذا لم يكن معه شي‏ء من القرائن المقالية أو الحالية المفهمة للمراد يجب حمل ما فيه من الألفاظ على حقائقها الشرعيّة إن كانت تلك الألفاظ ممّا ثبت فيه الحقيقة الشرعية سواء كان لها معنى لغوي أو عرفي مغاير لذلك المعنى الشرعي أو لا و إن فقدنا الحقيقة الشّرعيّة وجب حملها على الحقيقة العرفية طابقت الحقيقة اللّغوية أم خالفت بشرط كونها غالبة عليها على وجه تكون معه الحقيقة اللّغويّة مهجورة و إن انتفت العرفيّة فاللّغويّة و يؤدّي هذا المؤدّى ما ذكره الشهيد الثّاني في تمهيد القواعد بل الظّاهر تطابق الكلمة على هذا التفصيل غير أنّ المحكي عن قواعد الشّهيد الخلاف في المسألة الأولى أعني تقديم العرف على اللّغة فذهب إلى تقديم اللّغة (و توضيح) هذا المقال يستدعي وضع الكلام في مسائل ثلاث و إن كان صور الدّوران الحاصلة من تعارض إحدى الحقائق الثالث مع الأخرى ستّة إلا أنّ الحال فيها يظهر من التأمّل في مسائل ثلاث‏

[المسألة] الأولى في تعارض اللّغة و العرف العام‏

(و اعلم) أنّ محلّ الكلام في هذه المسألة ما إذا كانت العرفية غالبة ناسخة للّغة بحيث احتاج إرادتها من اللّفظ عند أهل اللّسان إلى القرينة كسائر المجازات و الدّليل على ذلك مع التصريح به في التهذيب و المنية و غيرهما هو أنّهم ذكروا في الدّوران بين النقل و الاشتراك أنّه على تقدير الاشتراك أي اشتراك اللّفظ بين المعنى اللّغوي القديم و العرفي الجديد يجب التوقف فكيف يتفقون هنا على تقديم المعنى العرفي مطلقا و لو مع بقاء الحقيقة اللّغويّة و عدم هجرها و ربما يستظهر من بعض الكلمات عدم الفرق بين القسمين و لعلّه سهو بيّن (ثمّ) إذا علم هجر الحقيقة اللّغوية فبملاحظة العلم بتاريخ الهجر و تاريخ صدور الخطاب أو العلم بأحدهما أو عدم العلم بشي‏ء منهما تحصل فتور (منها) العلم بصدور الخطاب مقدّما على زمان الهجر (و منها) العكس و هذان لا إشكال في حكمهما و هو الحمل على المعنى اللّغوي في الأوّل و العرفي في الثاني و ينبغي القطع بخروج الأوّل عن إطلاق كلام الأكثر و الثّاني عن إطلاق كلام الشهيد و لو بملاحظة غلبة جهل التّاريخين فيما بأيدينا من الخطابات و الألفاظ

115

المنقولة إلى غير حقائقها الأصلية (و منها) العلم بتاريخ صدور الخطاب دون النقل (و منها) العكس و حكم هذين أيضا واضح لأنّ قضية أصالة التّأخر تقديم اللّغة في الأوّل و العرف في الثّاني و ينبغي أيضا إخراج الأوّل عن إطلاق كلام القوم و الثاني عن إطلاق كلام الشّهيد بقرينة الغلبة كما مرّ (و منها) الجهل بالتاريخين و مقتضى الأصل فيه التوقف إلا أن يبنى في مجهولي التاريخ على التّقارن و مقتضاه الحمل على المعنى اللّغويّ أيضا إذا كان النقل بالتعيين و التخصيص و أمّا إذا كان بالاستعمالات المجازية تعين الحمل على المعنى العرفي لأنّ الاستعمال المقارن لحصول النقل التعيّني لا يتعقل إلاّ في المنقول إليه و ربما قال غير واحد من المهرة أنّ قضية الأصل الحمل على المعنى اللّغوي لأصالة تأخّر حدوث النقل عن زمان الاستعمال ثمّ أجابوا عن ذلك بأن هذا الأصل لا يفيد الظنّ فلا يعول عليه إذ المدار ليس على الأصل تعبّدا بل على صفة الظنّ الحاصل منه (قلت) ليس في شي‏ء من الأمرين كرامة أمّا الأوّل فلأنّ أصالة تأخّر النّقل تعارض بأصالة تأخر الاستعمال عن زمان النّقل فإنّ كلاّ من الاستعمال و النقل حادث مشكوك التاريخ و لعلّ نظرهم في ذلك إلى الصّورة الثالثة ثمّ طرد و الكلام إلى هذه الصّورة غفلة و أمّا الثاني فلأنّه على تقدير جريان الأصل المزبور فلا مانع من إفادته الظّن هنا و لذا عول عليه في الصّورة الثالثة من منع عن اعتباره هنا هذا مضافا إلى ما في دعوى إناطة العمل بالأصول على الظّن الشخصي من المؤاخذة كما أسلفنا الكلام فيها في أصل العدم هذا هو الكلام بمقتضى الأصول و قد استدلّ على تقديم العرف بأدلّة باردة (منها) الاستقراء و يقرّر تارة بأنّا وجدنا غالب المعاني العرفية ثبوتها من قديم الزّمان كما يعرف ذلك بعد ملاحظة المعاني العرفية و تتبع موارد استعمالها في كلمات الأوائل و يكشف عن ذلك حكم الأكثر مع اختلاف آرائهم بتقديم العرف إذ ليس ذلك إلاّ من الجهة المذكورة الباعثة على الظن بالمراد (و منها) بعد استقرار العرف بعد زمن النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) أو في زمانه (و منها) بناء العلماء و أهل العرف قاطبة على تقديم العرف كما يظهر ذلك من ملاحظة فتياهم في عبارات الوصية و العقود و نحوها (و منها) الشّهرة أي شهرة القول بتقديم العرف على اللّغة فتكون دليلا أو مؤيدا و في الكلّ نظر لا يخفى على المتدرب نعم من ملاحظة المجموع يحصل الظنّ بالمراد و لكن دخوله تحت الظّنون المعتبرة مشكل و البناء على حجيّة مطلق الظّن بالمراد أشكل كما سبق فالأظهر التوقف و لعلّ إطلاق كلام الشيخ و العلاّمة و الشّهيد الثّاني و نحوهم ممّن حكموا بتقديم العرف مرسلين له إرسال المسلمات منزل على الصّورة الثانية أو الرّابعة فإن الحكم بتقديم العرف فيها واضح إلاّ أن يقال إن زمان الصّدور و إن كان مؤخرا عن زمان النقل فلا إشكال في كون المراد هو المعنى العرفي و إن كان مقدّما فالأمر يدور بين إلحاقه بالنادر الّذي هو الاستعمال في المعنى اللّغوي لأنّ النقل لا يحصل إلا بغلبة الاستعمال في المعنى المنقول إليه و بين إلحاقه بالاستعمالات الغالبة و الثاني أولى و لا بعد في القول باعتبار هذه الغلبة السلامة عن معارضة أصالة الحقيقة كما يظهر بالتدبّر فتدبّر ثمّ إن اعتبار قول العدل في تاريخ كتاب أو سنة أو نقل حكمه حكم قول العدل في الأحكام و هو واضح‏

المسألة الثانية تعارض اللّغة مع العرف الخاصّ‏

و ظاهر الأكثر تقديم العرف هنا أيضا كما يظهر ذلك من كلماتهم في ثمرة البحث عن الحقيقة الشرعيّة معلّلين له بوجوب حمل كلّ كلام على اصطلاح متكلمه فإذا وجدنا في كلام النحوي لفظ الكلام وجب حمله على معناه المصطلح عليه عند النحاة لا معناه اللّغوي المصدري بل لم أجد أحدا تأمل في ذلك غير بعض الفضلاء المتأخرين حيث ذكر أنّ ذلك على كلّيته ممنوع لأنّ مجرد ثبوت الاصطلاح في لفظ لا يقضي بهجر معناه اللّغوي أو العرفي مطلقا و لا يصير منشأ لتبادر ذلك الاصطلاح عند كلّ أحد بل عند تبعة ذلك الاصطلاح و بذلك أبطل ما ذكروه في ثمرة الحقيقة الشرعية من وجوب حمل الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني الجديدة عليها عند الإطلاق إلا من جهة العلم بأن مخاطبات الشارع لما كانت مع أصحابه المشاركين له في العرف و الاصطلاح فلا جرم وجب حمل ما اشتمل على تلك الحقائق من الخطابات الشرعية على المعنى الشّرعي (قلت) لا ينبغي أن يخفى على متأمّل أن ثبوت الاصطلاح في لفظ كان له حقيقة عرفية أو لغوية سواء كان بسبب غلبة الاستعمالات العادية عن القرائن أو بسبب التعيين و التخصيص ناسخ للمعنى اللّغوي أو العرفي جدّا عند هذا صاحب الاصطلاح لوضوح أن غلبة الاستعمال على وجه يئول إلى حدوث العلقة الوضعية بين اللّفظ و المستعمل فيه عند المستعمل يمنع عن التفات الذّهن عند سماع ذلك اللّفظ من ذي الاصطلاح إلى ما سوى ذلك المعنى الغالب و إلا لم يحصل النقل و الاصطلاح و لا نعني بالنّسخ و هجر المعنى العرفي إلا التفات الذهن إلى غيره و عدم التفاته إليه إلا لقرينة و كذا تعيين لفظ لغوي لمعنى مغاير له لا معنى له سوى نصب علامة للمراد تسهيلا في تأديته كما هو الشّأن و الغرض في وضع الألفاظ و بالجملة لا يتعقل نقل لفظ إلى معنى في اصطلاح إلا اختصاص المنقول إليه بذلك اللّفظ على وجه يستراح معه من نصب قرينة المراد فدعوى أن مجرّد الاصطلاح لا يوجب نسخ المعنى العرفي و هجره ليس في محلّها كما لا يخفى ثم إنّ قضية ما ادّعينا من النّسخ و الهجر تبادر ذهن كلّ سامع إلى ذلك المعنى المنقول إليه من غير فرق بين أن يكون هو من أهل ذلك الاصطلاح أم لا أ لا ترى أنّه لا يتفاوت في تبادر المعنى من الألفاظ العربيّة بين كون السّامع عربيّا أو عجميّا و لا بين كون المخاطب به من العرب أو من غيره نعم يشترط في ذلك أن لا يكون عرف المخاطب في ذلك اللّفظ مغايرا لعرف المتكلّم فإنّه يندرج حينئذ تحت المسألة الآتية و لا مساس لها بمقالة القوم في هذه المسألة أعني‏

116

وجوب حمل كلام كلّ متكلّم على مصطلحه مطلقا أي سواء كان المخاطب من تبعة ذلك المتكلّم أم لا بأن لا يكون له اصطلاح أصلا إلا أن يكون له اصطلاح مغاير (و الحاصل) أن شرط حمل الكلام على اصطلاح المتكلّم عدم معارضة اصطلاح المخاطب له لا موافقة الاصطلاحين فلو كان المخاطب ممّن لم يكن له في ذلك اللّفظ عرف وجب أيضا حمل اللّفظ على مصطلح المتكلّم و أمّا مع مخالفة عرف المخاطب لعرف المتكلّم فهو خارج عن محلّ كلام القوم و داخل تحت المسألة الآتية فما ذكره (قدّس سرّه) من اختصاص التبادر بمن كان من أهل اصطلاحه من المخاطبين لم نعرف له وجها و يمكن تنزيل كلامه (قدّس سرّه) على ما ذكرنا و إن كان قاصرا عن إفادته و لا فرق فيما ذكرنا بين شي‏ء من العرفيّات الخاصّة فلو دار الأمر بين اللّغة أو العرف العام و العرف الشرعي وجب حمل كلام الشّارع على المعنى الشرعي بل الأمر فيه لعلّه أوضح نعم في إفادة هذا الحمل شيئا لا يفيده الحمل على المعنى اللّغوي كلام تعلم تفصيله إن شاء الله تعالى في الحقيقة الشّرعية و اللّه الهادي‏

المسألة الثالثة تعارض العرفين أو أزيد

و حكم يعلم الثاني من الأوّل و هو يتصوّر على وجوه ثلاثة (الأوّل) دوران الأمر بين عرف المتكلّم و المخاطب و هو على قسمين لأنّ أحد العرفين إمّا يوافق العرف العام أو لا سواء كان عدم التوفيق باعتبار عدم عرف عام في ذلك اللّفظ أصلا كلفظ المن مثلا أو باعتبار مخالفتهما له و قد اختلف في تقديم عرف المخاطب أو المتكلّم فعزي إلى السيّد و بعض من تبعه من المتأخّرين تقديم عرف المتكلّم عملا بأصالة الحقيقة بناء على كون استعمال اللّفظ في خلاف مصطلح اللاّفظ مجازا و نظرا إلى الغلبة لأنّ طريقة النّاس مستمرة على المتكلّم بمقتضى اصطلاحات أنفسهم و عدم جريهم في محاوراتهم على اصطلاحات الغير و عليه بني تقديم العرف الخاصّ على العرف العام كما مرّ و هو خيرة بعض المحققين من المتأخرين و ذهب العلاّمة و ثاني الشّهيدين فيما حكي عنهما و بعض من تبعهما إلى تقديم عرف المخاطب و استدلّ عليه في محكي الرّوض بأن خطاب الشّارع لا بدّ أن يكون متواضعا جاريا على اصطلاحات المخاطبين حذرا عن الإغراء بالجهل إلاّ أن يدلّ على خلافه بقرينة مفهمة و زيد عليه الاستدلال بما روي من أنّ بناء النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) كان على المكالمة مع أهل زمانهم بما يفهمون و ذهب غير واحد من المتأخّرين إلى التّوقّف منهم المحقّق القمي (رحمه الله) في القوانين و الظّاهر أن محلّ الكلام يعمّ القسمين و أنّ المدار عند كلّ فرقة عرف من يقدّم عرفه من المتكلّم أو المخاطب سواء كان ذلك عرفا مختصّا به في مقابل العرف العام أو كان متحدا مع العرف العام و كيف كان فالأظهر ما رآه المحقق القمّي (رحمه الله) من التوقف و عدم نهوض شي‏ء ممّا استدلّ به الفريقان بإثبات المدّعى (أمّا) ما استدلّ به للقول الأول فيرد على الدّليل الأوّل ما أجاب به المتوقفون من أن استعمال اللّفظ في خلاف مصطلح اللاّفظ ليس مجازا إذا كان الاستعمال على وجه التبعية في الاصطلاح (فإن قلت) قد ذكروا في تعريف الحقيقة أن قيد الحيثية لإخراج استعمال النّحوي لفظ الكلام مثلا في معناه اللّغوي و هذا صريح في الالتزام بكونه مجازا (قلنا) نعم لكنه إنّما يكون كذلك إذا كان الملحوظ في الاستعمال المناسبة دون التبعية و هذا الفرض يكفي في تصحيح قيد الحيثية مع أنّه على فرض تسليم المجازية فليس كلّ حقيقة أصلا بالنّسبة إلى كلّ مجاز لأنّ المدار في تقديم الحقيقة على الظّهور العرفي فحيث كان احتمال التجوز مساوقا لاحتمال الحقيقة عرفا لم يترجّح شي‏ء منهما على الآخر كما صرّح به سيّد المتأخرين في المفاتيح و على الثاني بأن القدر المسلّم من الغلبة المذكورة ما إذا كانت المكالمة مع من يوافق عرفه عرف المتكلّم و أمّا إذا كانت مع من يخالف عرفه لعرفه فالغلبة المدّعاة ممنوعة بل الظّاهر عدمها و ردّه بعض المحققين بأنه يكفى ذلك القدر المسلّم من الغلبة في إلحاق المشكوك بالغالب و لا يجب ثبوت الغلبة في خصوص المورد أعني مورد وقوع المكالمة مع من يخالف عرفه لعرفه إذا لم يكن الغالب فيه على عكس الغالب في معظم المحاورات فيزاحم بها تلك الغلبة (أقول) و لقد أجاد التأمل و أحسن الدّقة لأنّ الغلبة النوعية كافية في إلحاق المشكوك إذا لم يعارضها الغلبة الشخصيّة فإذا كان الغالب في أفراد الإنسان هو البياض كان ذلك سببا لإلحاق المشكوك من الزنجي و إن لم يكن الغالب في الزنجي هو البياض بشرط أن لا يكون الغالب فيه السّواد و حينئذ فإذا كان غالب محاورات المتكلّم مبنيّا على إرادة مصطلحه في الألفاظ الّتي ثبت له فيها اصطلاح وجب إلحاق المشكوكات بها و إن كانت تلك المشكوكات من الصّنف الّذي لا غلبة فيها كصنف المكالمة مع المخالف في الاصطلاح لكن النظر الأدقّ و التأمّل الأصدق قاضيان بخلاف ما ذكره في المقام (أمّا أوّلا) فلأنّ الغلبة في النوع لا نسلّم كونها سببا لإلحاق مشكوكات كلّ صنف مطلقا بل مع الجهل بحال ذلك الصّنف فلو علم بحاله و أنّه ليس فيه تلك الغلبة فالظّاهر أن الحكم حينئذ مثل ما لو علم بغلبة الخلاف الّتي اعترف بعدم إفادة الغلبة النوعية للظنّ مع وجودها فحصول الظّن من الغلبة يتوقف على احتمال مساواة المشكوك فيه لسائر الأصناف فمع العلم بعدم المساواة لا يحصل الظنّ سواء كان عدم التّسوية باعتبار العلم بانتفاء صفة الغلبة أو بغلبة الخلاف و السّر في ذلك أن وجه إفادة الغلبة أعني مشاركة أكثر أفراد الكلّي في حكم للظنّ كونها سببا للظّن باقتضاء القدر الجامع لذلك الحكم فإذا وجدنا حال بعض أصناف الكلي مغايرة لحال سائر الأصناف إمّا في عدم الغلبة أو في غلبة الخلاف‏

زال الظنّ باقتضاء ذات الكلّي من حيث هي لذلك الحكم فلو رأينا غالب رمّانات العالم حامضة ثم رأينا رمّانات العراق مثلا مختلفة غير غالبة فيه الحموضة لم يحصل الظّن بحموضة الفرد المشكوك العراقي (و أمّا ثانيا) فلأن المقام ليس من باب ما ذكره بل من باب اختلاف الصّنفين و اختصاص الغلبة بأحدهما

117

دون الآخر لأنّ المكالمة مع كلّ من الموافق في الاصطلاح و المخالف له صنف مستقلّ و غلبة إرادة المعنى المصطلح في أحدهما لا يوجب إلحاق الفرد المشكوك من الصّنف الآخر بالغالب و لو كان وجود ذلك الصّنف في الخارج أغلب و أكثر من هذا الصّنف الآخر فكون معظم محاورات الإنسان مع أهل اصطلاحه و كون الغالب فيه إرادة المعنى المصطلح لا يوجب إلحاق المكالمة مع خارج الاصطلاح بها مع أن دعوى أنّ محاورات الإنسان غالبا تكون مع أهل اصطلاحه في جميع الموارد و في حق كلّ شخص في معرض المنع خصوصا إذا كان ذلك الإنسان رئيسا و كان المصطلح فيه لفظا معينا أو ألفاظا معدودة فما ذكره الجماعة في ردّ الغلبة المزبورة في محلّه (ثمّ) إن ذلك المحقق انتصر لما ذهب إليه بعدم الخلاف في تقديم العرف الخاصّ على العرف العام قال و ليس ذلك إلا من جهة ظهور جري المتكلّم في كلامه على مصطلحه و هو بعينه جار في المقام و أنت خبير بأنّ تقديم العرف الخاصّ على العرف العام الّذي لا خلاف فيه لا يشمل ما نحن فيه كما نبّهنا عليه في المسألة السّابقة فارجع و تأمل (و قد) يستدل على تقديم عرف المتكلّم بأن إرادة ما يوافق عرف المخاطب محتاج إلى القرينة لا محالة و لو لم يكن مجازا و الأصل عدمها (و ربما يجاب) بأنّ وقوع المكالمة مع من يخالف عرفه لعرف المتكلّم قرينة على ذلك أو محتمل لأن يكون قرينة و أصالة عدم القرينة لا تنهض في نفي قرينة حال موجودة و أنت خبير بما فيه و الصّواب في الجواب هو أن إرادة عرف المتكلّم أيضا يحتاج إلى القرينة فأصالة عدم القرينة معارضة بالمثال فافهم (و أمّا) الاستدلال على تقديم عرف المخاطب بأنّه لولاه لزم الإغراء بالجهل فواضح الجواب لأنّ المخاطب إذا كان عالما باصطلاح المتكلّم و نصب له قرينة على إرادته كما هو المفروض في محلّ البحث لم يلزم الإغراء بالجهل و إنّما يلزم ذلك مع جهل المخاطب أو مع عدم نصب القرينة له على المراد و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن الاستدلال الثاني أيضا مع عدم ظهور وجه ظاهري لأصل الاستدلال كما لا يخفى هذا (و اعلم) أنّ هذه المسألة تكاد لا تنفع في الأدلّة الشرعية لأنّ تقديم عرف المتكلّم على القول به مشروط بإحراز علم المخاطب بعرف المتكلّم و إحراز علم المتكلّم بعلمه و تحصيل هذين الشرطين خصوصا الأخير في غاية الإشكال ففي موارد الشكّ لا بدّ من التوقف على جميع الأقوال سواء قلنا بجريان أصل العدم في علم الإمام (عليه السلام) أم لا لأنّ الشكّ في الشّرط يستلزم الشكّ في المشروط و اللّه الهادي (الثّاني) الدوران بين عرف المتكلّم أو المخاطب و بين عرف بلد المخاطبة و المكالمة و الظّاهر هنا أيضا التوقف و ترجيح عرف البلد مع عدم القول به أو شذوذه غير ظاهر الوجه سوى دعوى الغلبة أيضا و الجواب الجواب و هل يصلح مرجّحا إذا وافق عرف المتكلّم أو المخاطب كما جزم به المحقق المتقدّم خصوصا مع مكث المتكلّم في ذلك البلد قدرا معتدّا به و الظّاهر العدم بل الظّاهر عدم الترجيح و لو كان البلد وطنا للمتكلّم فضلا عن كونه بلد إقامته مدّة طويلة و الحاصل أنّ تعارض العرفين يجري مجرى الاشتراك و لا أصل يرجع إليه في شي‏ء من المقامين فلا بدّ من التوقف و التماس القرينة المعينة و اللّه الهادي (الثالث) الدّوران بين عرف المخاطبين أو أزيد بأن علم أنّه لا عرف للمتكلّم في ذلك اللّفظ أو كان و علم بعدم إرادة عرفه و إلاّ فمندرج تحت الوجوه المتقدّمة (و التحقيق) في ذلك يأتي في البحث عن استعمال اللّفظ في أزيد من معنى واحد إن شاء الله تعالى فإن منعنا عن ذلك كان الخطاب مجملا و إن جوّزناه حقيقة فلا بدّ من النظر في أنه الأصل في المشترك المجرّد عن القرينة أو أنّ الأصل كون الاستعمال وحدانيا إلى أن يثبت إرادة المتعدد و نقل بعض الأفاضل عن التهذيب أنّه يجب على كلّ طائفة حمل الخطاب على المتعارف عنده لأنّه الظّاهر عنده و يقبح إرادة خلاف الظّاهر من الحكيم بلا نصب قرينة و لأنه لولاه لحمل إمّا على عرف معيّن منها أو على الجميع أو على معنى خارج عنها و الكلّ باطل لاستحالة الترجيح بلا مرجح و للقطع باتحاد المراد من كلّ طائفة (قلت) و لم أجد في التهذيب ما ذكره من الدّليلين نعم استدلّ العميدي على ما ذكر بالدّليل الأوّل و كيف كان فهذا القول من العلامة ربما ينافي مختاره من عدم جواز استعمال المشترك في المعنيين إلاّ مجازا لأنّ مقتضى أصالة الحقيقة حمله على‏

إرادة أحد المعنيين و لعلّه يدعي أن اختلاف حال المخاطبين قرينة على ذلك فهو على أصله من كون المشترك مجازا في المعنيين متّجه و كذا على أصل الشيخ فإنّ الخطاب المجرّد عن القرينة المعتمدة عنده محمول على جميع محتملاته جمعا أو تخييرا إذا كان الوقت وقت الحاجة و فيه منع القرينة كما لا يخفى أو يقال إن أصل الحقيقة في هذا المقام ساقط لأنه يلزم من وجوده عدمه إذ اللاّزم على تقدير إجرائه إجمال الخطاب فيعتذر العمل به فيتعين حمل اللّفظ على المعنيين و إن كان مجازا ترجيحا للاستعمال على الإهمال إلاّ أن يقال إنّ العمل بأصل الحقيقة يختلف باختلاف المقامات فقد يكون فائدة العمل بها إجمال اللّفظ و فيه ما لا يخفى لأنّ أدلّة اعتبار أصل الحقيقة لا يتناول مثل ذلك و هذا نظير قول من يرى وجوب تصديق الخبر المنافي ظاهره للإجماع مقدّمة لحمله على خلاف ظاهره بقرينة الإجماع لينطبق على المذهب نظرا إلى أن تصديق الخبر مهما أمكن و لو بحمله على خلاف الظّاهر أولى من طرحه و قد زيّفناه في محلّه بما لا يتأمل في صحّته مع أنّ سقوط أصل الحقيقة لا يكفي في حمل اللّفظ على المجاز و ترجيح الاستعمال على الإهمال لا يصلح دليلا عليه أو يقال إن أصالة الحقيقة معارضة بأن الأصل في الخطابات البيان و مدركه الغلبة و هي واردة على أصالة الحقيقة عند التعارض كما في المقام و فيه أنّه لا دليل على اعتبار هذه الغلبة و سيأتي تمام الكلام في هذا المرام إن شاء الله تعالى و اللّه الهادي‏

بديعة اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعيّة و عدمه‏

إلى أقوال يأتي ذكرها

و تنقيح المسألة يستدعي الكلام أولا في أمور

118

الأوّل [الكلام في تحديد الحقيقة الشرعية]

أن المراد بالحقيقة الشرعيّة المتنازع فيها على ما ذكره الفاضل الباغنوي هو اللّفظ المستعمل في وضع أول شرعي و هذا التحديد عندي غير سديد من وجوه (أحدها) أنّه إعادة تعريف مطلق الحقيقة و زيادة هي بمنزلة الفصل مساوقة للمحدود في الوضوح و الخفاء و هذا خروج عن وظائف التحديد (أمّا أوّلا) فلأنّ تحديد النّوع إنّما هو بعد الفراغ عن معرفة الجنس فلا يناسب اشتمال حدّه لحدّ الجنس بل ينبغي اشتماله على نفس الجنس (و أمّا ثانيا) فلأنّ تلك الزّيادة وقعت فصلا في ذلك التعريف مع أن مدلولها العرفي لا يزيد على مدلول المحدود و هي الشرعية فأشبه أن يكون تحديدا دوريّا و (الثاني) أنه مشتمل على مجاز بلا قرينة و هو لفظ الشرع إذ المراد به هو الشّارع لعدم مساعدة الاصطلاح على تسمية الوضع المنسوب إلى الشّرع كالحقيقة المتشرعة حقيقة شرعية (و الثالث) أنّ استعمال الكلمة في الوضع لا محصّل له إلا بعد تأويلات ركيكة مثل حمل كلمة في على السّببيّة و التزام إضمار المستعمل فيه و غيرهما ممّا ذكره في تعريف الحقيقة المطلقة باللّفظ المستعمل في الوضع الأوّل (و الرابع) أنّ اللّفظ المستعمل في المعنى الشّرعي بعد حصول النقل بغلبة الاستعمال لا يندرج تحته لأنّ إطلاق الوضع على التّعيّن الحاصل من الاستعمالات مجاز لا جامع بينه و بين الوضع بمعنى التخصيص و التعيين كما مرّ في تعريف الوضع فيلزم استعمال اللّفظ في المعنيين بلا قرينة فافهم و قد أورد عليه أيضا بخروج المنقولات الشرعية مطلقا تعيينية كانت أو تعيّنيّة بوجه آخر و هو أنّ الملحوظ في المنقول هو الوضع الأوّل المنقول منه الّذي ليس بشرعي و هو ضعيف لأنّ المراد بالوضع الأول الوضع المختصّ بالحقائق احترازا عن الوضع المجازي لا الوضع الأولي الابتدائي و الإيراد مبني على حمل الوضع على المعنى الثّاني فافهم و عرّفها في محكي النّهاية بأنّها اللّفظة المستعمل شرعا فيما وضعت له في ذلك الاصطلاح وضعا أو لا و هو أيضا معيب من وجهين (الأوّل) أنّ قوله شرعا قيد للاستعمال ظاهرا مع أنّ كون الاستعمال من الشّارع غير معتبر في الحقيقة الشرعيّة لوضوح أنّ المعتبر فيها كون الوضع من الشّارع لا الاستعمال فلو كان الواضع الشّارع و المستعمل بعض المتشرّعة كفي في كونه حقيقة شرعيّة و لو أريد من الشّرع ما يعمّ المتشرعة فمع عدم صحّته في نفسه لعدم العبرة باستعمال المتشرّعة أيضا حتّى لو استعمله الدّهري تبعا لهم كان حقيقة شرعية انتقض بالحقيقة المتشرّعة لأنّ ذلك الاصطلاح في كلامه إشارة إلى اصطلاح أهل الشّرع المذكور سابقا و بعد عموم الشّرع المشار إليه للمتشرعة يندرج اللّفظ المستعمل في ما وضعت له في اصطلاح المتشرّعة في التعريف لأنّه يطلق عليهم أهل الشّرع (و ثانيا) أن القيد الأخير أعني قيد أولا مستدرك هنا و إن كان مفيدا في تعريف مطلق الحقيقة على ما ذكره فيه الجماعة لأنّ الوضع الشرعي لا ينقسم إلى أولي أي حقيقي و ثانوي أي مجازي حتّى يتوصّل في إخراج الثاني بقيد أولا فلا فائدة فيه سوى الزّيادة بل المنقسم إليهم الأوضاع اللّغويّة و ذلك لأنّ اللّفظ المستعمل في ما يناسب الموضوع له مجاز لغويّ سواء كان اللّفظ و المعنى كلاهما مستحدثين أو معروفين في اللّغة و العرف أو مختلفين فاستعمال لفظ الصّلاة في خلاف ما وضع له شرعا ليست مستعملة في الموضوع له الشرعي الثّانوي حتّى يجب الاحتراز عنه في الحدّ (و منه) يظهر أن جعل استعمال الشّارع لفظ الصّلاة في الدّعاء على القول بالحقيقة الشّرعية مجازا شرعيّا كما في كلام غير واحد ليس على ما ينبغي (و الحاصل) أنّ المجاز اللّغوي عبارة عن كلّ لفظ مستعمل في خلاف الموضوع له العلاقة سواء كان ذلك الموضوع له معناه لغة أو عرفا عامّا أو خاصّا و سواء كان اللّفظ ممّا يعرفه أهل اللّغة أيضا أم لا فيصدق على كلّ لفظ مستعمل في غير معناه لعلاقة فكلّ مجاز مجاز لغوي لا شرعي فافهم و في التّهذيب نعني بالحقيقة الشرعية اللّفظ الّذي نقله الشّارع من موضوعه اللّغويّ إلى معنى آخر بحيث إذا أطلق فهم من يتكلّم على اصطلاحه المعنى المنقول إليه و فيه بعد الإغماض عمّا فيه من التطويل الغير اللائق بالحدود أنّ النقل ليس من الأمور المعتبرة في الحقيقة الشّرعية و توجيهه العمدي (قدّس سرّه) له بأنّ الواقع من الحقيقة الشّرعية لما كان منحصرا في المنقول اختص التعريف به لا يندفع به ما قلنا لأنّ ذكر شي‏ء غير معتبر في الحدود في التعريف لا جدوى له و لو كان من مقارنات وجود المحدود فافهم مع أنّ ظاهر النقل الوضع و التعيين و في اعتباره إشكال أو منع و ثانيا أنّ الحقيقة لا تستتم إلا بالاستعمال و

ليس في الحدّ إشارة إليه و الأحسن تعريفها باللّفظ المستعمل في المعنى الكلّ الّذي تعيّن له في لسان الشّارع أو في زمانه و تقييد المعنى بالكلّي لإخراج الأعلام الّتي وضعها النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كالحسن و الحسين (عليهما السلام) و قد يستغنى عن التقييد بالكلّي باعتبار حيثية التشريع في الوضع و فيه تعسّف لأنّ الحيثيّة التقييديّة هنا لا معنى لها و التّعليليّة ممّا لا يساعد عليها ظاهر الحدّ مضافا إلى انتقاض الحدّ حينئذ بلفظ أمير المؤمنين (عليه السلام) الّذي وضعه النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) لأنّ هذا الوضع وضع صادر من جهة تشريع الأحكام و تبليغها كوضع لفظ الصّلاة لمعناها فتدبّر و بالجملة لم أجد حداّ للحقيقة الشرعية جامعا مانعا سالما عمّا يجب محافظة الحدود عنها غير ما ذكرنا و المراد بالشّارع هو النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و احتمال كون المراد به هو اللّه تعالى أو ما يعمّهما مبني على تجويز المثبتين ثبوت الوضع من اللّه تعالى و هو غير بعيد خصوصا على القول بأن المتنازع فيه هو الوضع التعييني أو الأعمّ لأنّ الألفاظ المتنازع فيها الموجودة في القرآن مستعملة في المعاني الجديدة فعلى القول بالوضع يكون الواضع هو اللَّه تعالى و ربما يقال إنّه يتعيّن تفسيره به تعالى لأنّ إطلاقه على النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) مجاز يجب صون الحدّ عنه و فيه منع المجازية لأنّ الشارع هو صاحب الشّرع‏

119

أي الطّريقة الإلهيّة المجعولة للمكلّفين و إطلاقه على النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) حقيقة لا مجاز نعم لو فسّر بجاعل الشّرع و موجده فإطلاقه عليه (صلى اللَّه عليه و آله) هنا بناء على عدم تفويض الأحكام إليه يكون مجازا كما صنعه بعض المحققين مستدلا عليه بإسناد الجعل إليه تعالى كما في قوله شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحا الآية (قلت) يمكن أن يكون الإطلاق عليه (صلى اللَّه عليه و آله) على هذا التفسير أيضا حقيقة لأن متعلّق جعل اللّه و إيجاده إنّما هو نفس الأحكام و الدّين و لا ريب أنّ الأحكام المجعولة المقررة في نفس الأمر لا تسمّى شرعا و شريعة إلا بعد بلوغها و وصولها إلى العباد فالشّارع بمعنى جاعل الشّرع أيضا ليس إلاّ النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و إن كان إطلاقه عليه تعالى أيضا حقيقة باعتبار كونه جاعلا لنفس تلك الأحكام الّتي يطلق عليها الشرع بعد بيان النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) ثم إنّ الحقيقة الشرعيّة و يراد منها الاسم الشّرعي و الموضوعات الشرعية قد قسمها المعتزلة إلى حقيقة دينية و غيره و الحقيقة الدينية هي الموضوعات المبتدأة الّتي لا يعلم أهل اللّغة لفظها سواء علموا معناها أم لا و هو قضية تفسير التفتازاني في شرح الشرح و فسّره العضدي بما لا يعلم أهل اللّغة لفظه أو معناه أو كليهما و هذا التفسير على ما صرّح به المحقق الشريف أعمّ من تفسير التفتازاني لأنّه على الثّاني قد يكون منقولا و قد يكون موضوعا مبتدأ (أقول) إذا كان اللّفظ معهودا في اللّغة كان موضوعا لمعنى لا محالة ثمّ إذا وضع ذلك اللّفظ شرعا لمعنى غير معلوم لأهل اللّغة كان منقولا فما معنى قوله و قول المحشّي الشيرازي تبعا له أنّه يحتمل المنقول و غيره نعم يتمّ ذلك لو كان المراد بمعلوميّة اللّفظ عند أهل اللّغة معلوميّته مهملا و هو بعيد عن مجاري العادة و لا محصّل له أيضا إذ لا معنى لمعلوميّة اللّفظ المهمل الغير الموضوع لمعنى اللّهمّ إلا أن يكون المراد بالموضوع المبتدإ ما كان موضوعا للمعنى الشرعي بدون ملاحظة المناسبة للمعنى اللّغوي سواء كان ممّا لا يعرفه أهل اللّغة أصلا أو كان موضوعا عندهم لمعنى آخر و نقل إلى المعنى الشرعي من غير ملاحظة المناسبة فيتم حينئذ ما ذكره المحقق الشّريف من أنّه على تقدير معروفية اللّفظ دون المعنى عند أهل اللّغة يجوز أن يكون من الموضوعات المبتدأة و أن لا يكون كذلك (و أمّا) ما ذكره الفاضل المحشي فلعلّه مبني على عدم إصابة مراد المحقّق الشريف و العضدي فإنّه صرّح على هذا التقدير بجواز أن يكون اللّفظ من المنقولات و أن يكون من الموضوعات المبتدأة فلا يتمشّى في عبارته هذا التوجيه فليفهم إلاّ أن يدعي أن المنقول اسم في الاصطلاح للوضع الملحوظ فيه مناسبة وضع آخر فينطبق على ما وجهنا به كلام المحقق الشّريف و حاصل الفرق بين كلامهما بالظّهور و الصّراحة و كلام المحقق قابل للتوجيه لعدم النّصّ بخلاف كلامه فإنّه صريح في النقل فلا يقبل التّوجيه الأوّل بل الثّاني و الحقيقة الغير الدّينية ما يعلم أهل اللّغة لفظه و معناه معا من دون وضعه له فينحصر في المنقول و خصّ المعتزلة الحقيقة الدّينية بغير أسماء الأفعال كالصّلاة و الزكاة و الصّوم لزعمهم أنّها ممّا يعرفها أهل اللّغة لفظا و معنى بخلاف أسماء الذّات كالمؤمن و الكافر و الإيمان و الكفر فإنّها موضوعات مبتدأة من حيث اللّفظ أو من حيث المعنى أو من الحيثيّتين و لا وجه لما زعموه كما صرّح به غير واحد إلاّ أن يقال إنّ الصّلاة و الصّوم معناهما الشرعيّان قسمان من الدّعاء و الإمساك اللّغويّين لأنّ زيادة الخصوصيّة لا يوجب تغيير المعنى رأسا فهما ممّا يعرفهما أهل اللّغة لفظا و معنى و لو في الجملة و هكذا سائر أسماء الأفعال بخلاف مثل الكفر و الإيمان من ألفاظ الاعتقادات فإنّ معانيها أمور قلبيّة متعلّقة بأمور مجهولة لأهل العرف قبل ظهور الشرع و الأديان رأسا

الثّاني [الكلام في بيان محل النزاع في الحقيقة الشرعية]

أنّ محلّ النّزاع ليس هو خصوص لفظ الصّلاة و الصّوم فلا بدّ من بيان ما هو المناط و الضّابط في محلّ الخلاف و الّذي يقتضيه ظاهر عبارة العضدي و صاحب المعالم أنّه كلّ ما ثبت فيه الحقيقة المتشرّعة من الألفاظ و هذا على إطلاقه بين الفساد لأنّ كثيرا من الألفاظ الّتي ثبت فيها الحقيقة المتشرّعة لم يعلم استعماله في تلك المعاني في زمان الشّارع رأسا فضلا عن الوضع أو الاستعمالات الآئلة إليه مثل كثير من اصطلاحات الفقهاء و المتشرعة في أبواب الفقه من الطّهارة إلى الدّيات و لذا تصدى بعض المحققين لإبداء ضابطة تكون العبرة بها فقال ما حاصله أن كلّ ما اجتمع فيه أمور ثلاثة جرى فيه الخلاف (أحدها) التداول في ألسنة المتشرعة فلو لم يكن كذلك و لو جرى في ألسنتهم أحيانا فالنّزاع فيه غير جار (و الثاني) بلوغ التداول إلى حد الحقيقة (و الثالث) ثبوت استعمالها في المعنى الشّرعي في زمان الشّارع على وجه نظنّ منه تحقق الوضع و أنت خبير بأن الأمرين الأوّلين لا مساس لهما بملاك البحث فإنّ المعتبر فيه كون اللّفظ و المعنى متداولين في زمن الشّارع على وجه يظنّ معه بثبوت العلاقة الوضعيّة بينهما سواء كان في لسان المتشرّعة أيضا متداولا أم لا و سواء بلغ التداول إلى حدّ الحقيقة أم لا نعم الظّاهر ثبوت الملازمة العادية بين التداول في لسان الشارع و الحقيقة المتشرعة فإن نظر إلى هذه الملازمة فالواجب أيضا الاكتفاء بالتّداول في لسان الشّارع و عدم اعتبار كونه حقيقة عند المتشرعة أو من الألفاظ المتداولة عندهم في المعنى الجديد و أمّا الثالث أعني كثرة التداول و الاستعمال في لسان الشّارع فإن كان النزاع في الوضع التعيني خاصّة فاعتباره في الألفاظ المتنازع فيها حق لازم و إن كان في الأعم منه و التعييني فالظّاهر عدم العبرة به بل بأصل الاستعمال كما ستعرف من الأدلّة القاضية بالوضع التعييني و يتفرّع على هذا الضّابط خروج ألفاظ أكثر المعاملات إذ لم يثبت كثرة استعمال الشّارع إياها في معانيها الّتي صارت حقيقة فيها عند المتشرّعة بناء على كونها كذلك على ما يظهر من مثل المحقق و الشهيد حيث يصرّحون‏

120

بأنّها حقائق في معانيها الصّحيحة فلو قيل بأنّها موضوعة عند المتشرعة للأعمّ كما لعلّه الأظهر كان خروج أكثرها عن محلّ النزاع أوضح ضرورة اتحاد معاني كثير منها عند المتشرعة لمعانيها في اللّغة و العرف العامّ نعم الظّاهر أنّ جملة من ألفاظ المعاملات يغاير معانيها عند المتشرّعة لمعانيها اللّغويّة مثل الطّلاق و النكاح و سائر ما فسّروها بنفس الصّيغة من العقود و الإيقاعات فلا بدّ في دخول هذه الجملة تحت النّزاع من إحراز تداول استعمالها فيها في زمان الشّارع و الاتصاف عدم العلم بأصل الاستعمال فضلا عن كثرته (و العجب) أنّ المحقق القمي (رحمه الله) مع جعله مناط ثبوت الحقيقة الشّرعيّة الاستقراء يعني غلبة استعمال الشّارع اللّفظ في معناه الجديد اختار في المعاملات ثبوت الحقيقة الشرعيّة لما عرفت أن استعمال ألفاظ المعاملات في معانيها الجديدة الثابتة عند المتشرعة غير ثابت في لسان الشّارع رأسا فكيف عن كونه على وجه الغلبة و الاستقراء و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا بدّ أن يكون أدلّة الطّرفين منطبقا على هذا الضّابط الكلّي إذ لم يجعلوا شيئا من الألفاظ بخصوصه محلاّ للنّزاع فلو قام دليل على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في خصوص بعض الألفاظ كالمؤمن و الكافر و القرآن و البيت و الصّلاة و الصّوم لم يكن منطبقا على المدّعى كما أنّه ظهر أن التفصيل في الثبوت بين الألفاظ المبتلى بها في كلّ يوم و غيرها ليس تفصيلا في المسألة بل قولا بالإثبات المطلق في المتنازع فيه لأنّ الألفاظ الغير المبتلى بها ليس ممّا كثر استعمالها في المعاني الجديدة في زمان الشّارع فتكون خارجة عن محلّ النزاع‏

الثّالث [الكلام في بيان المراد من الألفاظ في لسان الشارع‏]

أن الألفاظ المتنازع فيها في لسان الشّارع و استعمالاته دائرة بين أحوال ثلاث (أحدها) أن يكون المراد بها في لسان الشّارع المعنى اللّغوي (و الثّاني) أن يكون المراد بها المعاني الشرعية كذلك (و الثّالث) أن يكون المراد بها المعنى اللّغوي تارة و الشرعي أخرى أمّا الأوّلان فمع وضوح فسادهما و قضاء البداهة بخلافهما و صراحة الآيات في كذبهما لم يقل بهما أحد و يكفي في فساد الأوّل قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* في غير موضع من الكتاب العزيز و في فساد الثّاني قوله جلّ ذكره‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ فتعين الثالث و عليه فإرادة المعنى الشرعي الجديد يتصوّر على وجهين (أحدهما) أن يكون حقيقة بأن يكون المراد باللّفظ هو المعنى اللّغوي و يكون الزيادات شروطا خارجية مستفادة من القيد المتّصل أو المنفصل نظير تقييد المطلقات العرفية بالقيود المتصلة أو المنفصلة على ما هو الحقّ المحقّق في محلّه من عدم استلزام ذكر المطلق و إرادة المقيد بمئونة القيد مجازا (و الثّاني) أن يكون مجازا بأن يكون المراد باللّفظ هو خصوص المعنى الجديد بعلاقة الكلّ و الجزء أو بعلاقة الحال و المحلّ كما قيل أو بعلاقة الكلّ و الفرد بناء على كونه علاقة مستقلّة و اختلفوا في أنّ النّافي هل يقول بالأول أو الثّاني و ظاهر العضدي على ما فهمه المحقق الشريف من قوله و لا ثالث لهما هو الأخير و أنّ الأوّل لا يقول به أحد و قد اعترف به سلطان العلماء و قال المشهور اختيار القاضي هو كونها مجازات لغوية و أنّه لم يذهب إلى الاحتمال الثالث أعني بقاء الألفاظ في المعاني اللّغويّة في سائر استعمالات الشّارع أحد و ربما يدلّ على خلاف المشهور اعتراض القاضي على دليل الخصم و هو أنّه لا ريب في أنّ المراد بالصّلاة هي الأذكار المخصوصة و هي غير الدّعاء بأنّها باقية في المعاني اللّغوية و الزّيادات شروط و الشّرط خارج و وجهه المحقق الشريف بأنّه قد يردّ دليل الخصم باحتمال لا يعتقد و ليس بلازم أن يكون ذلك الردّ مذهبا له و أنت خبير بكمال ركاكة هذا التوجيه و غاية خروجه عن قضية الإنصاف نعم لو كان في عبارة القاضي صراحة بالأوّل كان ذلك التّوجيه حسنا و خرج عن السخافة و الّذي يمكن به الجمع بين ذلك الاعتراض و بين قوله بالمجازية هو البناء على كون المطلق موضوعا للماهيّة بوصف الإطلاق فإنّ بقاء لفظ الصّلاة على معناها اللّغوي حينئذ لا ينافي صيرورته مجازا إذا أريد به ذلك المعنى مشروطا بشروط زائدة إلا أنّ تسمية ذلك بالبقاء في المعنى اللّغوي على هذا المعنى لا يخلو عن مسامحة و على أيّ تقدير فلا بدّ من الإغماض عن ظاهر بعض ما حكي عن القاضي و تظهر الثمرة بينهما أنّه على الأوّل يتمّ ما ذكروه في ثمرة النّزاع من حمل الاستعمالات المجرّدة عن القرينة على المعنى اللّغوي على قول القاضي و على المعنى الشّرعي على قول المثبتين مع قطع النظر عمّا يتلى من وجوه المناقشات في ذلك و أمّا على الثّاني فلا لأنّ لفظ الصّلاة على مذهب القاضي حينئذ يكون مجازا مشهودا في كلمات الشّارع كالأمر في الندب فلا بدّ من التوقف عند عدم القرينة لا الحمل على المعنى اللّغوي كما هو واضح و من هذا يظهر أيضا أن مذهب القاضي هو الاحتمال الثاني الّذي ادعى السّلطان و المحقق الشريف عدم كونه مذهبا له فافهم و اللّه الهادي‏

الرابع ثبوت الحقيقة الشرعية في الألفاظ المتنازع فيها يتصوّر على وجوه ثلاثة

(أحدها) أن يكون ذلك بتعيين اللَّه و تعيين رسوله (و الثّاني) أن يكون بتعيين تلك الألفاظ لتلك المعاني من كثرة الاستعمال فيها في كلام اللَّه و رسوله (صلى اللَّه عليه و آله) (و الثالث) أن يكون من مجموع استعمالات اللَّه و رسوله (صلى اللَّه عليه و آله) و الرّعية و ما ذكرنا من الحدّ يشمل الثلاثة كما لا يخفى و أمّا حدود القوم فظاهر جلّها أو كلّها الاختصاص بالقسم الأوّل و ما صنعناه أحسن إذ المقصود من النزاع استكشاف حال الاستعمالات المجرّدة عن القرائن في كلام اللَّه و رسوله من حيث الحمل على المعنى اللّغوي أو الشّرعي كما صرّحوا به في ثمرة المسألة و الأقسام الثلاثة مشتركة في ذلك كما لا يخفى و يمكن أن يكون تركهم التصريح بالتعميم اتكالا على وضوح الحال و ثقة بما ذكروه في الثمرة

الخامس [الكلام في ثمرة النزاع من الحقيقة الشرعية]

ثمرة المسألة على ما ذكروه العضدي و تلقاه الأكثر بالقبول هو حمل الألفاظ المجرّدة

121

عن القرينة على المعنى اللّغوي بناء على القول بالنفي و على المعنى الشرعيّ بناء على القول بالثبوت قال المحقّق الشريف في شرح قول العضدي حتّى إذا وجدناها ما لفظه هذا إشارة إلى فائدة الخلاف فإنا إن قلنا إنّ الشّارع وضعها لهذه المعاني على أحد الوجهين أراد بهما التخصيص و التخصّص فإذا وجدناها في كلامه مجرّدة عن القرينة حملناها على المعاني الشرعيّة إذ الظّاهر أنّه يتكلّم باصطلاحه و هذه المعاني هي الحقائق بالقياس إليه و إن قلنا بعدم الوضع حملناها على المعاني اللّغوية لأنّه يتكلّم على قانون اللّغة و هذه هي الحقائق فيها انتهى و قد أورد على هذه الثمرة إشكالات (منها) ما ذكره بعض المحققين من عدم تماميّته على تقدير كون الوضع تعيينا كما هو مذهب جماعة من المتأخّرين لعدم انضباط تاريخ الغلبة و لا تاريخ صدور الرّواية فينبغي التوقف في الحمل (ثمّ) أورد عليه بأنّ قضيّة الأصل تأخّرهما فيتقارنان و هو كاف في المقصود (ثم أجاب عنه) بأنّ الغلبة ليست ممّا تحصل في آن واحد فلا وجه للمقارنة و بأنّ الأصل المزبور لا يفيد الظّن و اعتباره مشروط به و بأنّه لا يتم في اللّفظ الوارد في روايات متعددة لاشتباه المقارن بالغلبة مع غيرها حينئذ (أقول) أمّا أصل الإشكال على الثمرة فلا وقع له لأنّه على تقدير تماميته إنّما ينتج قلّة الجدوى بها و لا ينتج بطلانها رأسا لإمكان العلم بتأخّر تاريخ الاستعمال عن حصول العلاقة الوضعيّة بالغلبة و لو في الجملة خصوصا في السّنن النبويّة الواردة بعد استقرار أمر الرّسالة و ما بعدها إلى زمان فوت النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و دعوى عدم إمكان العلم به و لو في الجملة ممّا لا ينبغي صدورها عن عاقل مع أنّ حصول العلاقة الوضعيّة بغلبة الاستعمال ممّا لا يتوقّف على انقضاء دهور كثيرة و مضيّ سنين عديدة لأنّا إذا وجدنا لفظا قد استعمل في خلاف الموضوع له بغير قرينة متصلة مرّة أو مرّتين سبق أذهاننا عند سماع ذلك اللّفظ المجرّد إلى ذلك المعنى المجازي فكيف عن تكرّر ذلك في عرض أيام أو أسبوع أو شهور أو سنين فلا وجه للمناقشة في الثمرة لأجل الجهل بتاريخ الغلبة و تاريخ الاستعمال مع أنّها على تقدير صحّتها تجري على تقدير كون الوضع تعيينيّا لأنّ تاريخ التعيين أيضا غير معلوم و لم يدع أحد من المثبتين تاريخا معيّنا و له دعوى أنّ الوضع على تقدير كونه تعيينيا فالظاهر ثبوته في أوّل زمان البعثة و تبليغ الأحكام ممّا لا يساعدها برهان و لا وجدان إذ من الجائز طروّ الوضع في أثناء البعثة عند اشتداد الحاجة إلى التعبير عن المعاني الجديدة بكثرة سؤالات المسلمين و ربما يجعل ما ذكروه في الثمرة دليلا على اتفاق المثبتين و النافين على ثبوت الوضع في أوائل الإسلام و فيه بعد المساعدة على هذا الاتفاق أنّه كما يكون دليلا على ثبوت الوضع في أوائل الإسلام على تقدير التّعيين كذلك يدلّ عليه على تقدير التعين (و أمّا الإيراد) فلأنّ أصالة تأخّر الاستعمال عن زمان النقل في كلّ لفظ مشكوك المراد معارضة بأصالة تأخّر اللّفظ الآخر عن ذلك الزّمان و كذا أصالة تأخّر زمان النّقل عن الاستعمال في كلّ لفظ مشكوك معارض بها في لفظ آخر فكلّ من الأصلين مبتلى بالمعارض في نفسه فلا يمكن إثبات التقارن لهما على القول بأنّه قضية الأصل في مجهولي التاريخ أيضا و إن شئت قلت إنّ أصالة التقارن في كلّ من الاستعمالات المجهولة معارضة بها في الآخر و أمّا الأجوبة الّتي أجاب بها عن الإيراد فهي فاسدة أيضا (أمّا الأوّل) فلأنّ المقارنة الثابتة بأصالة تأخّر الحادث تلاحظ بين صدور اللّفظ و بين العلاقة الوضعية الحاصلة بالغلبة لا نفس الغلبة و إن شئت لاحظتها بين صدور اللّفظ و زمان الاستعمال الأخير الّذي يحصل به الغلبة فيتعيّن بذلك كون ذلك الاستعمال هو الجزء الأخير لعلّة حصول الغلبة (و أمّا الثّاني) فلما مرّ غير مرّة من أن التعويل على الأصول لا يناط بإفادتها الظّن الفعلي (و أمّا الثالث) فلأنّ الاشتباه المقارن بغيره لا يوجب انتفاء الثمرة و إنّما يوجبه إذا كان الاشتباه هذا سببا للتوقف في جميع الاستعمالات المشكوكة و لا إلقاء العلم الإجمالي بمقارنة بعضها للنقل المقتضي للحمل على المعنى الشرعي و فساده واضح فلا بدّ حينئذ من الجمع بين مراعاة هذا العلم الإجمالي و بين ما تقضي به الأصول و القواعد العامّة بعد البناء على التوقف و الإجمال في الكلّ و بذلك تتحقق الثمرة المزبورة في الجملة و الحاصل أنّه لو بني على عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة مطلقا فالاستعمالات المشكوكة المراد تحمل على المعنى اللّغوي جدّا و أمّا إذا بني على الثبوت فإن علم تأخر الصّدور عن‏

النقل حمل على المعنى الشرعي و إن جهل السّبق و اللّحوق فلا بدّ من التوقف و الرّجوع إلى القواعد العمليّة مع مراعاة العلم الإجمالي بأن المراد في بعضها هو المعنى الشّرعي نظرا إلى مقارنة صدور بعضها للنقل قطعا المقتضي للحمل على المعنى الشرعي في الجملة و لا يذهب عليك أنّ هذا غير ما ذكرنا من عدم ثبوت التقارن بالأصلين لأجل المعارضة فإن مرجعه إلى عدم الالتزام بالتقارن رأسا فلا يتوهم اتحاد ما ذكرنا مع ما ذكره المحقق المذكور فيما أورد به أولا على الإشكال هذا كلّه إذا أردنا تصحيح الثمرة المزبورة و أما لو قطع النّظر عنها فالثمرة واضحة و هو التوقف على القول بثبوت الحقيقة الشرعية و لو تعيّنا مع جهل التاريخ كما اعترف به المستشكل (و منها) أنّها مبنية على القول بتقديم عرف المتكلّم على عرف المخاطب فعلى القول بالعكس فالثمرة ساقطة إذا كان المخاطب من أهل العرف و اللّغة و هذا الإشكال أيضا ليس بسديد لأنّ المقام ليس من باب الدّوران بين عرف المتكلّم و المخاطب بل بين عرف المتكلّم و اللّغة و قد عرفت الاتفاق على تقديم عرف المتكلّم نعم قد سبق إشكال بعض معاصري المستشكل فيما

122

ذكروه إذا لم يكن المخاطب من أهل اللّغة و لم يكن موافقا مع المتكلم في عرفه و هو على تقدير صحّته لا يمنع في المقام أيضا لأنّ مخاطبي الشّارع موافقون له في عرفه و إن كانوا من أهل العرف و اللّغة كالشّارع فكما أنّ كون الشارع من أهل العرف لا يمنع عن حمل ألفاظه على مصلحة كذلك كون مخاطبيه من أهلها لا يمنع عن ذلك مع مشاركتهم له في العرف الخاص أيضا نعم على هذا التقدير يتجه الإشكال فيما إذا كان مخاطب الشارع دهريّا أو كافرا أصليّا و لا ريب أنّ القائلين بالثمرة المزبورة لم يقصدوا بثبوتها في هذا الفرض النّادر مع أنّ هذا الإشكال على تقدير وروده مبني على مراعاة مذهب من يقدم عرف المخاطب و قد سبق أنّه قول شاذّ لم يذهب إليه القوم لأنّهم بانين على تقديم عرف المتكلّم أو التوقف و لقد أجاب المستشكل بإبداء الفرق بين عرف الشّارع و سائر الأعراف فجعل القول بتقديم عرف المخاطب مختصّا بغير عرف الشّارع و هو تحكم واضح (و منها) أنّها إنّما تتم لو بني على ثبوت الحقيقة الشّرعيّة في جميع الألفاظ الثابتة فيها الحقيقة المتشرعة و إلاّ فإثباتها في البعض سبب لوجوب التّحري و الاجتهاد في كلّ لفظ من تلك الألفاظ المشتمل عليها الكتاب و السّنة لا للحمل على المعنى الشّرعي نظرا إلى احتمال عدم كون المشكوك فيه من الألفاظ الّتي ثبت فيها الحقيقة الشّرعية و فيه ما لا يخفى لأن معرفة مصداق الحقيقة الشرعيّة شي‏ء و ترتب الثّمرة المذكورة على تقدير المعرفة شي‏ء آخر و القول بالإيجاب الجزئي يورث الإشكال و الاشتباه في الأوّل دون الثّاني هذه إشكالات أوردوها على الثمرة المزبورة و قد عرفت عدم ورود شي‏ء منها نعم هنا إشكال آخر أشرنا إليه في الأمر الثالث من أنّ الألفاظ المتنازع فيها على تقدير عدم ثبوت الحقيقة فيها من المجازات الرّاجحة في المعاني الشرعية و قد سبق في المجاز المشهور أنّ الحق فيه هو التوقف عند الكلّ أو الجلّ و دعوى عدم استعمالها إلاّ في المعاني اللّغوية بجعل الزّيادات شروطا مع وضوح فسادها قد عرفت عدم القائل بها فالأولى جعل الثمرة التوقف على القول بالنفي دون الإثبات كما ظهر فإنّه ممّا لا إشكال فيه كما لا يخفى و اللَّه الهادي‏

السّادس [الأقوال في المسألة]

أنّ الأقوال في المسألة بين القدماء دائرة بين النّفي المطلق و الإثبات كذلك و المشهور هو الثّاني حتى قيل إنّ القول بالنّفي مختصّ بالباقلاني لعدم نقل هذا القول إلاّ منه لكنّ الظّاهر أنّه قول غير واحد يفصح عنه قول نحو العضدي عند إيراد دليل النّافي قالوا فإنّه صريح في أنّ المستدلّين به غير واحد و لا ينافيه الاختصار في نقل القول على الباقلاني كما لا يخفى لأنّ القول و المذهب ينسب غالبا إلى أشهر القائلين به و أعلمهم و لعلّ الباقلاني كذلك عند المطّلعين على النفاة و أمّا المتأخّرون فأحدثوا تفاصيل في المسألة (منها) التفصيل بين المعاملات و العبادات بالإثبات في الثاني دون الأوّل (و منها) التفصيل بين الكثيرة الدّوران فالإثبات و غيرها فالنّفي (و منها) التفصيل بحسب الأعصار فنفي في عصر النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و أثبت في عصر الصّادقين (عليه السلام) (و منها) الجمع بين التفصيلين فأثبت في الألفاظ المتداولة في عصر النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و في غيرها في عصر الصّادقين و أنت بعد الإحاطة بالميزان الّذي قدّمنا لمحلّ النزاع تعرف ما في هذه من عدم كونها تفاصيلا في هذه المسألة و لعلّ ذلك خلط منهم و اشتباه و غفلة في تعيين محلّ الكلام و حسبان عموم النزاع لكلّ لفظ في كلّ عصر أو غفلة من نقلة هذه التفاصيل حيث لم يتفطّنوا لمرادهم فحسبوهم مفصّلين في المسألة و يمكن أن يقال إنّ المفصل الأول لم يرد به التفصيل في هذه المسألة بل أراد تشخيص مصاديق الحقيقة الشّرعيّة على القول بالثّبوت و ذلك أنّك قد عرفت في الأمر الثّاني ما هو محلّ النزاع و أنّه ليس خصوص لفظ دون لفظ و أنّه الألفاظ المعلوم استعمال الشّارع لها في معانيها الشرعيّة كثيرا و من الواضح أنّه بعد الفراغ عن إثبات الحقيقة الشرعيّة في تلك الألفاظ لا بدّ من عنوان مسألة أخرى لتشخيص مصاديق ذلك العنوان المتنازع فيها إذ البحث فيها أهمّ من البحث في المسألة الأولى الّتي قياسها معها فهذا المفصل قصّر نظره على تنقيح المسألة الثانية فذكر أن الثابت فيه الحقيقة الشرعية إنّما هي العبادات دون المعاملات لعدم العلم باستعمال الشّارع للثّاني في معانيها الشرعية و ليس غرضه إحداث تفصيل في المسألة المعروفة فجعله من المفصّلين في المسألة اشتباه من الجاعل لا منه و اللَّه الهادي إذا عرفت هذه الأمور (فنقول) استدل كلّ من الفريقين على النفي و الإثبات بحجج واهية لا جدوى في التطويل بإيرادها و نقضها و إبرامها سوى الإطناب فالأولى الاقتصار على ما هو المعوّل في المسألة (فنقول) قد عرفت أنّ محلّ الخلاف ليس كلّ ما ثبت فيه الحقيقة المتشرعة على ما يعطيه جملة من كلمات الأساطين منهم المحقّق الكاظمي (رحمه الله) بل خصوص ما ثبت استعمال الشّارع لها في معانيها الشرعيّة على وجه يعتدّ به من حيث الكثرة مجرّدا عن القرائن المتصلة فحينئذ نختار القول بالثبوت وفاقا للكلّ أو جلّ المحققين‏

[الكلام في بيان أدلة المثبتين للحقيقة الشرعية]

لنا في إثبات ذلك طرق بعضها بديع‏

الأوّل‏

أنّ العادة قاضية بحصول النقل في مثل ذلك و المنكر إنّما يجاحد باللّسان و قلبه مطمئن بالإيمان إذ لا سبيل له إلى المناقشة في تلك الملازمة العادية لأنّا نجد أنّ الوضع الابتدائي يحصل باستعمال اللّفظ المجرّد و إرادة المعنى على نحو الترديد بالقرائن في يوم أو يومين فضلا عن أسبوع أو شهر أو سنة أو سنتين و لا فرق بينه و بين الوضع الثّانوي من حيث إفادة الاستعمال المستمرّ مجرّدا عن القرينة علم السّامع بعلقة بين اللّفظ و المعنى عند المتكلّم إلا من جهة افتقار الثاني إلى استعمال أكثر لو لم نقل بالتّسوية من هذه الجهة أيضا ترى أنّ العبد إذا

123

سمع مولاه يستعمل لفظا بلا قرينة و يريد منه خلاف معناه اللّغوي الأصلي ثمّ ينبّه على ذلك بحال أو مقال وقت الحاجة مرارا كثيرة لا ينتقل ذهنه بعد تحقق الكثرة المعتدّ بها إلى ذلك المعنى المجازي و لكن عرفت أنّ هذه الدّعوى ممّا لا يترتب عليها شي‏ء إلا بعد تشخيص أنّ هذه الحقيقة المتشرّعة ممّا استعملها الشّارع في معناها الشّرعي كثيرا بلا قرينة و إثبات ذلك موكول إلى ملاحظة موارد استعمال اللّفظ المشكوك فيه في الكتاب و السّنة و لا يلتمس من الأصولي إتقان هذه المسألة بل لو التمس من المحدث أو الفقيه أو المفسّر كان أوقع و من أجل اختلاف نظر المتأخرين في تشخيص تلك الصّغرى وقع فيهم ما وقع من الاختلافات كما نبّهنا عليه آنفا فإنكار الحقيقة الشرعية في لفظ إمّا لأجل إنكار أصل الاستعمال أو الاستعمال المعتدّ به كما في كثير من المعاملات و ألفاظ الأحكام مثل الكراهة و الاستصحاب أو لأجل تجرّدها عن القرينة و احتمال احتفافها في تلك الاستعمالات الكثيرة بالقرائن المتّصلة و الخطب في الثالث أشكل منه في الأوّلين إذ المراجعة إلى الكتاب و السّنة في استكشاف حال اللّفظ المختلف فيه ربما يفيد العلم بأصل الاستعمال و كثرته في المعاني الجديدة كما في ألفاظ العبادات خصوصا الصّلاة و الصّوم و لو بمعونة أمر خارجي يكون قرينة على المراد كالإجماع و نحوه و لكن إحراز تجرّد الاستعمالات حال وقوعها عن قرائن المراد ليس إليه سبيل و من هنا رجّح في المعالم مذهب النّافين و تلقاه السّلطان (قدّس سرّه) بالقبول و يرد عليه بعد النقض بالأمر الّذي اعترف بكونه من المجازات الرّاجحة في النّدب المساوي احتماله لاحتمال الوجوب في كلام الأئمة مع أن شرط النقل و شرط المجاز المشهور واحد كما لا يخفى أوّلا أنّ كثرة الاستعمال ربما تبلغ درجة توجب اختصاص اللّفظ بالمعنى و لو كانت مع القرائن المتصلة كما نقلناه عن بعض المحققين في مبحث الوضع و إن كان على خلاف التحقيق و ثانيا أنّه يمكن التعويل في إثبات شرط التجرّد عن القرائن على الأصل أعني أصالة عدم مقارنة القرينة للألفاظ حال وجودها و لا يعارضها أصالة عدم الوضع لإمكان الجمع بينهما بعد عدم العلم بأحدهما إجمالا لأن المعلوم بالإجمال إنّما هو وجود ما يوجب فهم المراد و هو أعمّ من الوضع و القرائن المتّصلة لإمكان كونه قرينة بعد انقضاء زمان الخطاب أو شي‏ء من قرائن الأحوال نعم قد يناقش في الاعتماد على الأصل المزبور بعدم معلوميّة بناء العقلاء على متابعة الأصل في اللوازم البعيدة و لأجل ذلك يضعف التعويل في إثبات المراد على هذا الطّريق (و قد يجاب عنه) بوجه آخر و هو أنّ الغلبة في لسان الشارع مسبوق بالغلبة في لسان الآخرين قضاء بحكم العادة نظرا إلى كثرتهم و توفر دواعيهم على الاستعمال فيكون صيرورتها حقيقة عندهم متقدّمة على صيرورتها عند الشّارع و بعد صيرورتها حقيقة عندهم يتبعهم لسان الشّارع لأنّ لسان الواحد من القوم تابع للسان الآخرين فلا يتحقق إذن إلاّ الحقيقة المتشرّعة و أنت خبير بأنّ أثر هذا الجواب هيّن لأنّ الالتزام به لا يقدح فيما هو غرض المثبتين من حمل الألفاظ الغير المعلومة المراد على المعاني الشّرعيّة بل يحقّقه و لم يعلم من حالهم أيضا دعواهم استقلال استعمال الشّارع في إفادة الوضع و المؤاخذة عليهم بظاهر حدودهم لها مع وضوح المراد بالنّظر إلى الثمرة ليست من دأب المحصّلين الذين منهم المجيب في زعمه‏

الثّاني‏

من طرق الإثبات هو قضاء الحكمة بوضع الشّارع لفظا لما اخترعه من المعاني الّتي ليس بإزائها لفظ في عرف العرب و لو بحكم أصالة العدم نظرا إلى اشتداد حاجته و حاجة متابعيه إلى التعبير عنها في مقام تعليم أحكامها و تعلّمها و هذه هي الحكمة الدّاعية إلى اختيار وضع الألفاظ للمعاني على سائر طرق الإفهام كالكتب و الإشارة و هل يظنّ أن مثل الصّلاة و الصّوم و نحوهما من الماهيات الجديدة الّتي أرسلت لها الرّسل و أنزلت بها الكتب و قامت الحرب على مساق تهمل و لا يبنى على التعبير عنها بلفظ معيّن يعول عليه في مقام تشريع أحكامها و يستغنى به عن تكلّف تكرير القرينة ثمّ بعد ثبوت الوضع فليس الموضوع سوى الألفاظ الموجودة في الكتاب و السّنة و ذلك ظاهر بالاتفاق و غيره (و أجيب عنه) بأنّ مرجع هذا الدّليل إلى الاستحسان و لا تعويل عليه سيّما في إثبات الوضع مع أنّها لا تقتضي خصوص الوضع بل ما يوجب الغنى عن تكرير القرينة و لو بنصب قرينة عامة كقوله كلّما أطلق هذه الألفاظ فالمراد معانيها الشرعيّة مجازا أو يفهم ذلك بقرائن الأحوال (أقول) الاستدلال بهذا الوجه جرى على مذاق القوم حيث أنّ المعاني الّتي تشتد الحاجة إلى التعبير عنها يجب في الحكمة وضع لفظ بإزائها عندهم و استدلّ عليه العلامة و غيره بأن المقتضي موجود و المانع مفقود أو غير معلوم و قد تقدّم ما عندنا في معنى الوجوب في المقام و أنّ المراد به هو الوجوب العقلي الراجع إلى التّحسين العقلي أو اللّزوم في مقابل الامتناع كما تقدّم المناقشة فيه بكلا المعنيين لكنهم إنّما تعلّقوا في إثبات وضع الألفاظ بعد إبطال مقالة ابن عباد بهذا الدّليل العقلي و أمّا إيراده عليه بأنّه يرجع إلى الاستحسان فهو على أصله من جواز التعويل في اللّغات على الظنون فاسد و منه يظهر أن كلمة سيّما في كلامه ليس في محلّها لأنّ هذا الأصل عنده مخصوص بالألفاظ إلاّ أن يدعي عدم حصول الظنّ من ملاحظة تلك الحكمة و هو كما ترى و أمّا دعوى عدم اقتضائه خصوص الوضع لإمكان الاستغناء عن تكرير القرينة بنصبها عاما فيظهر ما فيه ممّا قدّمنا في تعريف الحقيقة و المجاز موردا عليه حيث زعم جواز التجوّز بالمشترك في أحد معنييه‏

124

بعلاقة الآخر تبعا لظاهر كلام غير واحد من أنّ قرينة المجاز لا بدّ أن يكون سببا لانتقال الذّهن من اللّفظ إلى معنى بعد الانتقال إلى معنى آخر يحصل بالانتقالين أثره المقصود من وجوه البلاغة و المبالغة و أنت خبير بأنّ هذا المعنى غير موجود في القرينة العامة المنصوبة قبل الاستعمال فلا تكون على حدّ قرائن المجاز فليس هي إلاّ إعلاما من المتكلّم لما يبني عليه من الالتزام بتعبير المعاني الجديدة بالألفاظ المعهودة و هل هذا إلاّ وضع هذه الألفاظ لتلك المعاني وضعا تعيينيّا إذ المراد بالوضع التعييني ليس هو إنشاء التعيين لفظا بل المراد به هو البناء على أن يكون الكاشف عن ذلك المعنى المعيّن في اصطلاحه ذلك اللّفظ المخصوص (و العجب) أنّه لم يلتفت إلى أنّ ما أجاب به التزام بمقالة المستدلّ من حيث لا يشعر لأنّا نعلم أنّ القوم لو تسالموا على هذا الّذي أبداه لارتفع النزاع بينهم رأسا و اللَّه أعلم‏

و الثّالث ‏

من طرق الإثبات الاستقراء و يقرّر على وجوه (أحدها) ما هو المراد بما ذكره في القوانين و هو أن يقال إنّما تفحّصنا و استقرأنا في حال لفظ الصّلاة مثلا فوجدناها في الكتاب و السّنة مستعملة في المعنى الشّرعي بحيث يحصل منه الظّن أو العلم بإرادة ذلك المعنى في الاستعمالات المجرّدة عن القرينة و قد تقدّم في البحث عن طرق الوضع و أنّ من أعظمها تتبع موارد استعمالات اللّفظ في كلمات أهل اللّسان فإنّ جاز التّعويل في إثبات الوضع على شي‏ء من الاستقراء فهذا الاستقراء من أظهر أفراده فيعلم به أنّ الصّلاة قد تعيّنت له في لسان الشّارع و صارت حقيقة فيه و هذا يرجع إلى الدّليل الأوّل فيدور ثبوت الحقيقة الشّرعية على هذا الوجه مدار الاستقراء كما صرّح به المحقق القمّي (رحمه الله) فكلّ لفظ كثر استعماله في المعنى الجديد في الكتاب و السّنة فهو ممّا ثبت فيه الحقيقة و لا يذهب عليك أن هذا الدّليل ينطبق على تمام المقصود بناء على ما حرّرناه من محلّ النزاع و أنه ليس كلّ ما يدور في ألسنة المتشرعة من الحقائق المتشرعة و بذلك يظهر أنّ ما تخيله بعض المحققين من افتقار هذا الاستقراء إلى ضميمة الإجماع المركب ليس على ما ينبغي لنهوضه بإثبات المراد من غير ضميمة كما عرفت أوّلا و عدم ثبوت الإجماع المركب ثانيا و عدم مسرح للتمسّك بالإجماع في المقام و نظائره ثالثا (الثّاني) من وجوه الاستقراء التتبع و السّير في أحوال أرباب السّنن البديعة و مقنني القوانين الجديدة و مخترعي الحرف و الصنائع العجيبة و كذا أرباب العلوم المدوّنة كالنّحو و الصّرف فإنّ المتتبع في طريقتهم على كثرتها يجد أن لهم اصطلاحات خاصّة فيما يحتاجون إلى بيانها و يتداول بينهم ذكرها خصوصا فيما ليس له لفظ مخصوص في اللّغة فيحكم بذلك أنّ طريقة الشّارع أيضا لا بدّ أن يكون كذلك لأنّ اهتمامه ببيان مخترعاته و تبليغ أحكامها أشدّ و آكد من اهتمامهم بوظائفهم و إنما لم نقل أنّ المتتبع يجدهم واضعين ألفاظا بإزاء ما يحتاجون إليه كما قيل لأنّ الموجود من طريقتهم ثبوت الاصطلاح مطلقا و أمّا أنّه بالوضع فليس إلى العلم به سبيل في شي‏ء منهما و قد يناقش في هذا بأنّ المعلوم إنما هو ثبوت الاصطلاح لكلّ طائفة منهم فيما يحتاجون و أمّا كونه من مخترع الطّريقة فغير معلوم في شي‏ء منها لاحتمال استقرار الاصطلاح بعد انقضائه في لسان المنتحلين بنحلته لكن الإنصاف أنّها لا تمنع عن حصول الظّن بتحقق الاصطلاحات كلاّ أو جلاّ في عصره و إنّما تمنع عن العلم (الثّالث) من وجوهها ما أبداه بعض المحققين من أن المستفاد من تتبع الألفاظ نقل الشّارع لجملة منها إلى المعاني الجديدة فيستفاد منه أن بناءه كان على النقل في جميع المعاني الجديدة ضرورة مساواة الكلّ في وجه النقل و الدّاعي إليه فكلّ ما دعاه إلى نقل الصّلاة مثلا إلى العبادة المعهودة فهو بعينه موجود في الباقي و الفرق بينه و بين الوجه الثاني واضح و أما الفرق بينه و بين الأوّل فيظهر في الافتقار إلى ضميمة الإجماع المركب و عدمه حيث إنّ الأوّل غير واف بتمام المدعى و هو الثبوت في سائر الألفاظ و عامّتها إلاّ بتلك الضّميمة و الثاني واف به من غير ضميمة و أنت خبير بما في هذا الوجه من الترجّم على الغيب لأنّ الدّاعي إلى النقل في بعض لا يستلزم بنفسه وجوده في بعض آخر فيبقى دعوى وجود الدّاعي إليه في جميع المعاني حتّى ما لا يشتد الحاجة إليه تحكّما بيّنا

الرّابع‏

من طرق الإثبات و هو المعتمد عندي و أقواها أقومها أنّ استعمال الشارع هذه الألفاظ في معانيها الجديدة أمر مفروغ عنه بعد ما عرفت في بعض مقدّمات المسألة أنّ القول ببقائها على معانيها اللّغوية و كون الزّيادات شروطا متفق على بطلانه و إن كان بعض كلمات القاضي مشعرا به بل صريح الوجدان و التتبع قاض بفساده فيدور الأمر بين أن يكون الاستعمال فيها مبنيا على ملاحظة اللّفظ و المعنى خاصّة أو مبنيا على ملاحظتهما و ملاحظة العلاقة بينها و بين المعاني اللّغويّة و مثل المشابهة و الكلّية و الجزئية و علاقة الحلول و أضرابها ممّا ذكروه لتصحيح تجوز الاستعمال في تلك المعاني و بداهة الحدس بل الوجدان قاضية بعدم تعلّق غرض الشّارع عند التعبير عن تلك المعاني بأمر زائد على غرض إفادة المراد مثل أن يكون الغرض زيادة على الإفادة التوصّل إلى بعض مزايا المجاز من البلاغة و المبالغة و نحوهما من وجوه التلطيف في العبادة الّتي لا بدّ للمتجوّز العادل عن الطّريق الأوّلي الأصلي إلى الطّريق الثانوي الفرعي من مراعاتها و هذه الدّعوى لو منعها الخصم مكابرة و اعتسافا على كلّيتها و احتمل أن يكون بداية الاستعمالات مقصودا بها الأمران الإفادة و التّلطيف فالملتمس منه عدم مصادمة البديهي في إنكارها رأسا و تسليم كون بعضها و لو في الجملة مقصودا به الإفادة خاصّة و هو كاف في المقصود لأنّ ذلك الاستعمال الجزئي الحقيقي إذا لم‏

125

يكن على وجه التّجوز فلا بدّ أن يكون على وجه الحقيقة لأنّ الاستعمال الصحيح لا يتجاوز عن الحقيقة و المجاز باتفاق القوم و إطباق أهل اللّسان مع أنّ الظّاهر الموافق للإنصاف مع التجنّب من طريق المكابرة و الاعتساف حصول العلم الوجداني الناشئ من الحدس الصّائب أن استعمال لفظ الصّلاة في العبادة المعهودة لم يكن مبنيا على ملاحظة مشابهتها للدّعاء و لا على ملاحظة علاقة الكلّية و الجزئية و لا ملاحظة سائر العلائق في سائر استعمالاتها و عامّتها (فإن قلت) إنّ المسلم إنّما هو عدم الملاحظة تفصيلا لا مطلقا و لا يكفي في كون الاستعمال مجازيّا ملاحظتها إجمالا (قلنا) هذا غير جار في استعمالات اللّه تعالى جدّا و أمّا استعمالات الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) فمع إمكان منع تصوّر المراتب في علمه (صلى اللَّه عليه و آله) أيضا لا يضرّ الجريان فيه أصل الاستدلال المبني على إثبات الإيجاب الجزئي (فإن قلت) نمنع اعتبار ملاحظة العلاقة في الاستعمال المجازي حيث إنّ المجاز على ما يقضي به إطلاق حدّه هو اللّفظ المستعمل في غير ما وضع له و أمّا ملاحظة العلاقة فهي أمر غالبي لا دائمي و عليه ينزل ما هو المشهور من أنّ المجاز يستدعي ملاحظة المناسبة للموضوع له و لو إجمالا نعم لا بدّ في المجاز من وجود المناسبة و هي موجودة في المقام أيضا (قلت) لعلّ السّؤال مبني على الغفلة عمّا نبّهنا عليه من أنّ استعمال اللّفظ في خلاف موضوعه الأصلي متكلّفا بنصب القرينة لا يصحّ صدوره من عاقل فضلا عن حكيم إلاّ إذا أريد به التوصل إلى أمر زائد عن أصل الإفادة كالتلطيف و البلاغة و المبالغة و هذا التوصّل لا بدّ أن يكون مقصودا للمتكلّم و ملتفتا إليه فكيف يتصوّر في حقه عدم ملاحظة المناسبة إجمالا و تفصيلا (فإن قلت) هذا إذا كان لخلاف المعنى الأصلي لفظ موضوع يدلّ عليه بالوضع و أمّا إذا لم يكن كذلك فالدّاعي إلى الاستعمال فيه حينئذ ليس إلاّ صرف الإفادة و لأجله لا بدّ من تكلّف القرينة و أمّا ملاحظة المناسبة فلا ضرورة داعية إليه (قلنا) نعم لكن إذا كان حال استعمال اللّفظ في خلاف الموضوع له كذلك فهذا في قوّة التعيين و جعل اللّفظ علامة للمعنى لأنّ المتكلّم إذا بنى على أن يعبّر عن معنى بلفظ من غير ملاحظة المناسبة بينه و بين معنى آخر فهذا البناء تعيين منه ذلك اللّفظ لذلك المعنى فيثبت المدّعى لأنّ المقصود الأصلي في هذا البحث هو استكشاف بناء الشّارع حين استعمال تلك الألفاظ في معانيها المستحدثة من أنّه كان على ملاحظة مناسبتها للمعاني اللّغوية و متابعة لسان العرب في الأوضاع المجازية أو على التعبير الابتدائي بنقل بعض الألفاظ اللّغويّة إلى ما يناسب معانيها قضاء لحقّ الإفادة فإذا انتفي الأوّل تعيّن الثّاني و هو المقصود هنا و يمكن أن يستدلّ على انتفاء الأوّل زيادة على الضّرورة و الحدس بأصالة عدم ملاحظة المناسبة و لا يعارضها أصالة عدم الوضع لأنّ الوضع بالمعنى المذكور أعني البناء على التّعبير الابتدائي من لوازم الاستعمال من غير ملاحظة المناسبة فافهم هذا ما اعتمدت عليه من طرق الإثبات فإنّ ما عداها ساقط عند الأنظار المستقيمة ثمّ إن حصل للناظر في مجموعها العلم أو الظنّ الملحق به من حيث الاطمئنان فهو و إلاّ فلا تأمّل في إفادتها الظنّ و لعلّه يكفي في المسألة و إن لم نقل بكفايته في الموضوعات اللّغويّة لأن الموضوعات الشرعية لا يتعلّق غرض الفقيه بالبحث عنها إلا في الأدلّة إذ لا يترتب على ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمها فائدة في مثل النذور و العقود و الأقارير كما تترتب على معرفة الموضوعات اللّغوية فالبحث في المسألة بحث في الحقيقة في نفس الحكم الشرعي و هو أنّ لفظ الصّلاة المجرّدة عن القرينة هل تحمل على الدّعاء مثلا أو على العبادة المعهودة و قد تقرّر أنّ الظنّ في مثل المسألة حجّة أمّا عند المعوّلين على مطلق الظنّ فواضح و أمّا عند المقتصرين على الظّنون الخاصة فإنّ الظنّ المستفاد من تلك الأدلّة مع ملاحظة الإجماعات المنقولة في المسألة و الشهرة المحققة و إشعارات كثير من الأسئلة و الأجوبة الواردتين في الأثر و تبادر أذهان السّامعين إلى المعاني الجديدة من حاق الألفاظ المذكورة و لو بحكم أصالة عدم القرينة و ملاحظة حمل الشارع بعض المعاني الجديدة على بعض الألفاظ المتنازع فيها كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) الصّلاة ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود و أمثال ذلك ممّا وردت في الصّلاة و غيرها من الأخبار البيانية قولا و فعلا ممّا يعول على مثله على جميع المشارب و إن شئت جعلت الأدلّة و الإجماعات من المعاضدات للإشعار المستظهر من الأخبار حتّى يكون‏

ذلك الإشعار بالغا درجة الظّهور اللّفظي المعتبر فتستقيم الحجّة و يظهر المستند للفقيه المتردّد في أنّ المراد بلفظ الصّلاة المجرّد عن القرينة مثلا ما ذا و من جميع ما ذكرنا ظهر حجة المفصّلين مع ما فيها من الصحّة و السّقم‏

[الكلام في بيان حجية النافين للحقيقة الشرعية]

و أمّا حجة النّافين فالّذي يليق بالتعرّض هو أصالة عدم النّقل و استصحاب بقاء المعنى اللّغوي (و أجاب عنه) بعض المحقّقين بأنّ هذا الأصل غير مفيد للظّن باعتبار قيام أمارات الوضع و لو لم تكن مفيدة للعلم أو أمارات معتبرة إلاّ أنّها توجب عدم الوثوق و الظنّ بمؤدّى الأصل المزبور فلا يعول عليه للإناطة العمل بالأصول على الظنّ الفعلي دون التعبّد و هذا الجواب بمعزل عن مسلكنا و نحن نجيب عن الأصل المزبور بما نبّهنا عليه في تعارض النقل و المجاز فارجع و تأمّل و اللَّه الهادي‏

تنبيهات‏

الأوّل‏

أنّ ظاهر الحدود و جملة من أدلّة الطّرفين و تصريح غير واحد من أهل التتبع كون مقصود المثبتين إثبات الوضع التعييني و أنّ الشارع قد نقلها عن المعاني اللّغوية إلى المعاني الشرعية لكن المصرّح به في شرح المختصر و غيره أنّه مطلق الوضع الشّامل للتعيّن الحاصل من غلبة الاستعمال فلو بني على الأوّل أمكن إقامة الدّليل على ثبوتها في جميع الألفاظ الدّائرة في لسان المتشرعة و أمّا على الثاني فلا بدّ من إقامة الدّليل عليها في كلّ لفظ من الألفاظ المعهودة و من ذلك يظهر أنّه لو عوّلنا في المسألة على الوجه الثاني و الرابع ثبت الوضع في جميع الألفاظ لأنّ مفادهما تعيين الشّارع لها بإزاء معانيها الجديدة الّتي استعمل فيها و لو مرّة واحدة و إن اعتمدنا على الوجه الأوّل و

126

بعض وجوه الاستقراء ثبت في خصوص ما علم فيه بكثرة الدّوران في لسان الشّارع و يشارك الأوّلين الوجه الثالث من وجوه الّذي أبداه بعض المحققين كما مرّ

الثّاني‏

أنّ ألفاظ المعاملات ليست ممّا ثبت فيها الحقيقة الشرعيّة لعدم ثبوت استعمال الشّارع لها في غير معانيها اللّغويّة مطلقا عن كثرتها و قد عرفت أنّ ثبوت الحقيقة الشرعية بالتعيين أو التعيّن يتوقف على مغايرة ما أراده الشارع من تلك الألفاظ للمعنى اللّغوي و هو غير معلوم في شي‏ء من ألفاظ المعاملات و إنّما المعلوم مغايرة اصطلاح الفقهاء و المتشرعة لمعانيها العرفية و هي لا ينافي كونها في لسان الشّارع مستعملة في معانيها العرفية و كون الزيادات شروطا مستفادة من الأدلّة الخارجية كسائر المطلقات العرفيّة الّتي علمنا تقييدها متصلا أو منفصلا (و من هنا) يظهر أن إنكار الحقيقة الشرعية في جملة كثير من ألفاظ العبادات أيضا كالركوع و السّجود و الطّهارة و نحوها ممّا يتطرق فيه هذا الاحتمال ليس بذلك البعيد نعم لو قيل إنّ التقييد يستلزم استعمال المطلق في المقيد على وجه التّجوّز كما صرّح به المحقّق القمّي (رحمه الله) في بابه مصرا عليه مخالفا للسّلطان اطّرد القول بثبوت الحقيقة الشرعية و عمّ جميع الألفاظ الدّائرة في لسان المتشرّعة لأنّ الزّيادات سواء أريدت في الكتاب و السّنة شرطا أو شطرا تستلزم مغايرة معانيها فيهما لمعانيها العرفية و كلّ ما كان كذلك فمقتضى الدّليل الثّاني و الرّابع الالتزام بثبوت الوضع فيه و بالجملة المدار على مغايرة ما استعمل فيها تلك الألفاظ في لسان الشّارع لمعانيها العرفية فإن ثبت المغايرة ثبت فيه الوضع تعيينا أو تعيّنا لكنه قد حققنا في محلّه عدم استلزام التقييد لذلك بل مقتضى أصالة الحقيقة إرجاع التقييد في موارد الشكّ إلى تعدّد الدّال و المدلول فلم يبق من الألفاظ الّتي يمكن دعوى العلم بثبوت الحقيقة الشّرعيّة فيه إلا مثل لفظ الصّلاة و الزّكاة و الخمس و الصّوم و الحجّ و نحوها ممّا علم أنّ المراد به في لسان الشّارع قسم خاصّ من معناه اللّغوي على إشكال في الأخيرين لإمكان القول بأنّ الصّوم في الكتاب و السّنة لم يرد به سوى الإمساك المشروط و الحجّ لم يرد به سوى القصد المخصوص على نحو إرادة الشّروط و الخصوصيّة من الخارج و لأجل ما ذكرنا تعلّقنا في إثبات الحقيقة الشرعيّة في الدليل الرابع ببطلان القول ببقائها في المعاني اللّغويّة رأسا و ادّعينا الضّرورة على خلافه و لو في الجملة لأنّ هذا الاحتمال حيثما يتطرق امتنع فيه إثبات الحقيقة الجديدة لأنّ المعاني الشرعيّة كلّها قسم من أقسام معانيها اللّغوية فيكون احتمال التقييد على وجه لا يرجع فيها إلى التجوز قويّا لا دافع له سوى الحدس و الوجدان بضميمة ظهور الاتفاق على خلافه في الجملة كما يظهر ذلك من المحقق في لفظ الحجّ حيث أرسل ثبوت الحقيقة الشرعية فيه إرسال المسلمات‏

الثّالث‏

ذهب المحقق الكاظمي (رحمه الله) في المحصول إلى أن لفظ النكاح ممّا ثبت فيه الحقيقة الشّرعية قطعا لأنّ أهل اللّغة مطبقون على أنّه في اللّغة للوطي مع أنّه في العرف الشرعي للعقد حتّى أنّه لم يرد في الكتاب العزيز بمعنى الوطي إلاّ في قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره على إشكال فيه أيضا لأنّ المرأة موطوءة و ليست بواطئة فيتعيّن حمله على العقد أيضا (أقول) الظّاهر أن لفظ النكاح كما أنّه في اللّغة للوطي كذلك في العرف العام للتّزويج فيكون مثل لفظ البيع الموضوع لنحو من الإنشاء و هذا المعنى على تقدير ثبوته يمكن أن يحمل عليه جميع موارده في الكتاب و السّنة فيخرج حينئذ عن الألفاظ التي يجري فيها النزاع لأنّ جريانه كما ظهر مشروط بكون المعنى المراد منه في الكتاب و السّنة مغايرا لمعناه العرفي الثابت عند العرب و العرف قول صاحب المغرب إنّه كان لغة للوطي ثمّ استعمل في العقد مجازا لعلاقة السّببية لا ينافي كونه حقيقة في التّزويج عرفا لأنّ المعاني العرفية غالبا مسبوقة بالاستعمالات المجازية لكون الوضع فيها غالبا حاصل من غلبة الاستعمال مع أنّه لم يعلم منه أنّه أراد بالعقد التزويج بل الصّيغة و من الواضح أن كونه مجازا في الصّيغة عرفا لا ينافي كونه حقيقة في التزويج و دعوى اتحاد التزويج و العقد واضحة الفساد إذ المغايرة بينهما كمغايرة مفهوم البيع العرفي لعقده الّذي هو حقيقة فيه عند المتشرعة فالحق أنّه لا فرق بين النّكاح و البيع في وجوب تنزيلهما في الكتاب و السّنة على معنييهما العرفيين أعني الإنشائين الخارجيين المقصود بهما تمليك المال و البضع و مجرّد كون الأوّل بمعنى آخر لغة لا يصلح للفرق إلاّ على القول بتقديم اللّغة على العرف العام و الكلام فيه ليس من هذه الجهة

الرّابع‏

أنّ مغايرة المعنى المراد الشرعي للمعنى اللّغوي قد يكون بحسب المفهوم و أخرى بحسب المصداق و الظّاهر أنّ القسم الأخير ليس ممّا يقضي بثبوت الحقيقة الشّرعيّة إذ العبرة في النقل و اختلاف المعنى باختلاف المفهوم لا المصداق و من هذا القبيل لفظ الطّهارة فإنها لغة بمعنى النزاهة و النّظافة و هذا المعنى بعينه هو المراد بها في لسان الشّارع و إن كان النزاهة الشرعيّة يصحّ سلبها عن النزاهة العرفية لأنّ مرجع هذا السّلب إلى التخطئة في ما يزعمه العرف نظيفا و هذا مثل اختلاف الآراء و السّلق في تشخيص ما يندرج تحته المصاديق الخفيّة عن المفاهيم كمنافر الطّبع و ملائمه فإنّ الطّباع مختلفة من حيث النفرة عن بعض الأشياء و عدم النفرة مع عدم اختلاف الآراء في مفهوم منافر الطّبع فقول الشّارع إنّ الكافر ليس بطاهر مع وجود النّظافة العرفية فيه ليس مبنيا على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ الطّهارة و مشتقاته و مغايرة الطهارة الشرعية و العرفية مفهوما بل و يمكن إرجاع الاختلاف بين العرف و الشّرع في كثير من الألفاظ إلى ذلك منها لفظ البيع فإنّه لغة للنّقل و كذلك عند الشارع لكن النقل العرفي ربما يكون أمرا زعميّا لا واقع له عند الشّارع كنقل الخمر و لكن يبعده تمسّك العلماء بمثل أحلّ اللَّه البيع في الأحكام فإنه‏

127

مبني على اتحاد البيع عند العرف و الشّرع مفهوما لا مصداقا كما يظهر بالتأمّل إلاّ أن يقال إنّ الأصل في كون الشي‏ء مصداقا للنّقل عند الشّارع أيضا هو صدق النقل عرفا فيستقيم الاستدلال أيضا إذ لا فرق في جواز الاستدلال بين القول بأنّ مصداق النقل الشّرعي هو ما يصدق عليه النقل عرفا أو القول بأنّ مصداق النّقل عند الشّارع مغاير لمصداقه عند العرف لكن طريق معرفة مصاديقه الشّرعيّة أيضا هو العرف فكلّما يحكمون فيه بتحقق النقل و صدقه فهو مصداق للنقل الشرعي فكما أنّ الصّدق العرفي ممّا يكفي في إثبات الصّحة عند الشكّ في الفساد على الأوّل فكذلك على الثّاني فافهم فإنّ فيه تأمّلا

الخامس‏

قد عرض لبعض المحققين إشكال في المقام و هو أنّ المشهور في لفظ الشّارع تفسيره بالنّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و مقتضى ذلك استناد الوضع الشّرعي إليه و حينئذ فيشكل الأمر في ما ورد في الكتاب من الألفاظ المتنازع فيها لأنّ ثبوت الوضع في لسان النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) لا يستلزم حمل ألفاظ الكتاب على مصطلحه (صلى اللَّه عليه و آله) (ثم) أجاب عنه بأنّ اللّه تعالى لا يختصّ بلغة دون لغة و اصطلاح دون اصطلاح لاستواء نسبة الكلّ إليه بل يخاطب كلّ قوم بلغتهم و كلّ طائفة باصطلاحهم فينزل خطابه على اصطلاح من يخاطبه ثمّ أورد عليه بأنّ هذا يستدعي سبق النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) بالاصطلاح و هو خلاف الظّاهر إذ الظّاهر أنّه إنّما أخذ عن الكتاب و أنّ مبدأ التكليف بما فيه إنّما كان به لا بطريق آخر (ثمّ أجاب عنه) بما حاصله أنّ ما ورد في الكتاب مجملات كانت مقرونة بالبيان فيكون ابتداء الشرع و الوضع منه تعالى (قلت) هذا الجواب منه تخريب لما بني عليه أصل الإشكال من استناد الوضع إلى النّبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) على المشهور (و التحقيق) أنّ نسبة الوضع إليه (صلى اللَّه عليه و آله) على حدّ نسبة الشّرع إليه فكما أنّ إطلاق الشّارع عليه مبني على ملاحظة بروز الشريعة بتبليغه كذلك إطلاق الواضع عليه مبني على ملاحظة ظهور الوضع الصّادر من اللّه تعالى واقعا في لسانه و من الواضح أن كون الوضع من أتمه واقعا يكفي في حملنا ألفاظ الكتاب على المعاني الجديدة و لا يتوقف ذلك على أن يكون العلم به بغير بيانات النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) مع أنّ اشتهار تفسير الشّارع بالنّبي (صلى اللَّه عليه و آله) لا يستلزم اشتهار كون الوضع منه لا من اللَّه تعالى لإمكان أن يكون مرادهم به في تعريف الحقيقة الشّرعيّة معنى عامّا شاملا للَّه تعالى و للنبي (صلى اللَّه عليه و آله) و ربما يجعل إطلاق كلامهم في الثّمرة قرينة على ذلك فافهم‏

و اللَّه الهادي و الحمد للَّه ربّ العالمين و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطّاهرين (قد تمّ) الجزء الأوّل من هذا الكتاب المستطاب المسمّى ببدائع الأفكار و يتلوه الجزء الثّاني إن شاء اللَّه تعالى بيد أقلّ الطّلاب ابن المرحوم المبرور الملاّ محمّد رضا غفر ذنوبه (أبو القاسم) النّوري الكمربني في يوم الواحد و العشرين من شهر ذي القعدة الحرام من شهور سنة 1311 إحدى عشرة و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النّبويّة على هاجرها ألف ألف سلام و تحيّة و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدّين‏

128

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و الحمد للَّه ربّ العالمين و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطّيبين الطّاهرين‏

بديعة [الكلام في بيان أن ألفاظ العبادات هل هي موضوعة للصحيحة أو للأعم‏]

إذ قد عرفت أنّ الأكثر على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في ألفاظ العبادات فاعرف أنّ هنا نزاعا آخر و هو أنّ ألفاظ العبادات هل هي موضوعة للمعاني الصّحيحة أو الأعمّ منها و من الفاسدة

و تنقيح المسألة يستدعي رسم أمور

الأوّل أنّ هذا النّزاع هل هو متفرّع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية

فلا يجري فيما لم يثبت فيه من ألفاظ العبادات و المعاملات أو غير متفرع على ذلك حتّى أنّه لو بني على مذهب النفاة للحقيقة الشرعية جرى النزاع المذكور أيضا في كلّ لفظ جامع للشّرائط الآتية وجهان بل قولان يدلّ على الأوّل ظاهر عناوين المسألة في كتب من تعرّضها حيث يعبّرون عنها بأنّ الألفاظ هل هي أسامي للصّحيحة أو الأعمّ منها و من الفاسدة فإنّ الاسم حقيقة في اللّفظ الدّال بالوضع بحكم التبادر و صحّة السّلب عن المجازات المحفوفة بالقرائن فعلى القول بعدم ثبوت الحقيقة الشّرعية ليس للماهيات الشرعية لفظ موضوع حتّى يبحث عن تعيين الموضوع له و دعوى أن النّزاع في هذه المسألة ليس في وضع الشّارع بل في الوضع بل في الوضع مطلقا و لو كان من المتشرعة و الحاصل أنّ المقصود بالبحث هو تشخيص الموضوع له للحقائق الشّرعية و لو كان الوضع فيها حاصلا بعد زمن الشّارع واهية بعد تطابق الكلمة على كون الغرض من هذا البحث استكشاف حال تلك الألفاظ في لسان الشارع كما يفصح عن ذلك و ينادي به ما ذكروه في ثمرة المسألة و استدلال الطّرفين بالأحاديث المستعمل فيها تلك الألفاظ تارة في المعاني الصّحيحة و أخرى في الأعمّ و ثالثا في الفاسدة هذا مضافا إلى صراحة أدلّة الطّرفين من التبادر و عدم صحّة السّلب و غيرهما من علائم الوضع في ابتنائه على الوضع (و التّحقيق) أنّ ظهور العناوين و الأدلّة إنّما يدلاّن على أنّ النّزاع الواقع بين القوم نزاع من المثبتين الّذين هم الكلّ أو الجلّ و هذا لا يدلّ على التفريع أعني عدم الجريان على قول النفاة فإن أراد القائل بالابتناء هذا الدّعوى الّذي استظهرناه فهو أمر غير منكر و لعلّه من المسلمات بينهم فإن أحدا لا يتأمّل في أنّ النّزاع الواقع ناظر إلى القول المشهور أعني ثبوت الحقيقة الشرعية و إن أراد التفريع بالمعنى الّذي ذكرناه فظاهر أن العناوين و الأدلّة المختصّين بالقول بالثبوت لا يدلاّن على عدم معقولية النّزاع على تقدير عدم الثبوت بل لا بدّ فيه من التماس دليل آخر و قد يستدلّ على عدم الجريان بناء على القول بالعدم بما أشار إليه الفاضل النّراقي و تلقاه بعض من تأخّر عنه بالقبول من أنّ النّزاع بعد التّسالم على عدم الوضع لا بدّ و أن يرجع إلى النّزاع في اختصاص استعمالات الألفاظ المتنازع فيها بالمعنى الصّحيح أو الأعمّ و هو أمر ليس لأحد دعواه إلاّ على وجه المصادمة للبديهة لأنّ استعمالها في المعاني الصّحيحة بل الفاسدة أيضا أمر واضح لا يخفى على من له حظّ من النّظر في الكتاب و السّنة فمن الأوّل قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و قوله (عليه السلام) الصّلاة قربان كلّ تقيّ و نقيّ و غير ذلك من الموارد المقرونة بالقرائن الدّالّة على إرادة خصوص الصّحيحة و من الثاني قوله (عليه السلام) من صلّى بلا طهور فكذا و أمثاله و ممّا ذكرنا يظهر ما في كلام المحقق القمّي (رحمه الله) من أنّ النّزاع على تقدير عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة يجري عند الإطلاق أي في استعمال اللّفظ مطلقا و أنّه الصّحيح أو الأعمّ دون الماهية المخترعة إذ لا شبهة في كونها صحيحة جامعة لجميع شرائط التأثير بل الظّاهر ثبوت الاستعمال في الأعم أيضا كما في رواية فضيل عن الصّادق (عليه السلام) بني الإسلام على خمس الصّلاة و الزكاة و الحجّ و الصّوم و الولاية و لم يناد بشي‏ء كما نودي بالولاية فأخذ النّاس بأربع و تركوا هذه فلو أنّ أحدا صام نهاره و قام ليله و حج دهره و مات بغير الولاية لم تقبل صلاته و لا صومه فإنّ الصلاة و الصّوم المذكورين في ذيل الرّواية أريد بهما الأعم بناء على إمكان كون صلاة

129

المخالفين صحيحة و إلاّ كان من مورد الاستعمال في الفاسدة إلاّ أنّ الظّاهر خروجه عن محلّ النّزاع إذ الكلام في استعمالات الشّارع دون الأئمة و كيف كان فقد يجاب عن ذلك بوجوه (منها) ما ذكره بعض المحققين بعد تشديد الإنكار على المحقق القمّي (رحمه الله) فيما ذكره من أنّ المتنازع فيه على القول بعدم الحقيقة الشّرعيّة هو أنّ الماهية المخترعة الّتي استعمل فيها الشّارع لفظها ما ذا فالصّحيحي يدعي كونها الماهيّة الصّحيحة و الأعمي يدعي كونها الأعمّ (قلت) و لعلّ ما ذكره أولى بتشديد النّكير عليه لأنّ الضّرورة قاضية بأنّ اختراع الأعمّ فعل سفهي لا يصحّ نسبته إلى عاقل فضلا عن حكيم فكيف يمكن النّزاع في أن مخترع الشّارع أمر يترتب عليه الأثر المقصود من الاختراع أم لا و أيّ معنى لاختراع الأعمّ حينئذ يمكن تعقله في فعل الشّارع سلّمنا لكن اختراع المعنى الّذي يقول به الأعمي أمر غير معقول فتدبّر فإن أراد النّزاع إنّما هو في نفس الماهية المخترعة مع قطع النّظر عن الاستعمال فهو بين الفساد كما اعترف به (قدّس سرّه) في طي النّكير على المحقّق القمي (رحمه الله) و إن أراد أنّ النّزاع إنّما هو في الماهية المخترعة من حيث استعمال تلك الألفاظ فيها فهذا يرجع إلى مقالة القمّي (رحمه الله) إذ لا نفهم من النّزاع على هذا الوجه بعد التّسالم على كون المخترعة شيئا صحيحا مرتبا عليه الأثر المقصود إلا النّزاع في أنّ الشارع هل استعمل اللّفظ في تلك الماهيّة الّتي اخترعها أو فيما يعمّها و بعض أبعاضها الّذي هي الفاسدة و إن أراد شيئا ثالثا فنحن معتزلون عنه فلا بدّ من بيانه حتّى نتكلّم فيه (و من عجائب) الغفلات النّاشئة من طغيان القلم هنا ما صدر عنه (قدّس سرّه) حيث فهم في كلام المحقق القمّي (رحمه الله) تناقضا و استغربه فقال و من غرائب الكلام ما صدر من بعض الأعلام من دعوى كون الماهية المخترعة هي الصّحيحة خاصّة و دعوى انحصار الاستعمال فيها أيضا مع القول بأنّها أسامي للأعمّ من غير ابتناء على ثبوت الحقيقة الشّرعيّة وجه الغفلة أن المقدمة الثّانية الّتي جاء التّناقض من قبلها أعني انحصار الاستعمال في الصّحيحة إنّما ذكرها المحقّق بناء على تحرير الخلاف في خصوص الشرائط لا مطلقا فارجع و تأمّل (و منها) أنّ النّزاع على القول بعدم الوضع في أنّ أغلب استعمالات الشّارع هل كان في الصّحيحة أو الأعم أبداه بعض فضلاء العصر ممّن يوثق بنظره و هو أحسن من السّابق لأنّ النّزاع حينئذ أمر معقول إلا أنّه لا يصحّ أيضا من وجهين (أحدهما) أنّ ادّعاء الغلبة في الصّحيحة أو الأعمّ مجازفة واضحة غير معهودة من الفريقين و كيف يدّعى الغلبة في المقام مع أن استعمالات اللّفظ في الطّائفتين غير محصورة و لا مضبوطة (و الثّاني) أن النّزاع على هذا الوجه لا يتفرع عليه الثمرة المقصودة المعهودة لأنّ الغلبة لا تصلح دليلا على التجوّز فبعد الاعتراف بعدم الوضع للصّحيحة مثلا كيف يحمل عليها اللّفظ بحكم الغلبة حتّى يحكم بإجماله و كذا بعد الاعتراف بعدم الوضع للأعم مع أنّ الغلبة أقصاها جعل اللّفظ مجازا مشهورا إلاّ أن يقال إنّ الغلبة بعد قيام القرينة الصّارفة صالحة للتعيين و عليه ينزل ما يقال من أن الحقيقة إذا تعذرت فأقرب المجازات و هو جيّد (و منها) ما ذكره بعض من أدركنا عصره من الأجلّة بعد اختيار ابتناء النّزاع على القول بالحقيقة الشرعيّة من أنّ النّزاع في أنّ الأصل في استعمالات الشّارع ما ذا هل هو إرادة المعنى الصّحيح أو الأعمّ (قلت) في هذا إحالة الكلام إلى أمر مجهول إذا الأصل في الاستعمال بعد عدم الوضع كيف يكون هو الصّحيح أو الأعمّ و ما المعيار في كون بعض المجازات أصلا بالنّسبة إلى الباقي (و الحاصل) أنّ التّجوّز في الصّحيح و الأعمّ عند النّافين أمر مسلّم فجعل الأصل هو الأول أو الثاني لا يرجع إلى محصّل إلاّ بعد بيان ما هو المناط في كون بعض المجازات أصلا بعد القرينة الصّارفة بالنّسبة إلى ما عداه حتى يرجع النّزاع إلى الاختلاف في أنّ ذلك المناط موجود في المعنى الصّحيح أو الأعمّ (و منها) إرجاع النّزاع إلى أوّل استعمالات الشّارع و أنّه كان في المعنى الصّحيح أو الفاسد و هو حسن لو كان السّبق من القرائن المعينة بعد قيام القرينة الصّارفة و يتفرع على النّزاع على هذا الوجه الثّمرة المعروفة أيضا لكن الأولية ليست من القرائن المعيّنة و لم يقل أحد إنّ المجازات إذا تعدّدت وجب حمل اللّفظ على أسبق المجازات و الّذي يمكن أن يصحّح به النّزاع المعروف على وجه يستتبع الثمرة المعروفة مع تسالم الطّرفين على عدم الوضع و على وقوع الاستعمال في كلّ من الطوائف‏

الثلاثة هو أن يقال إنّ الصّحيحي يدّعي أنّ الشّارع بعد ما اخترع ماهية الصّلاة و أحدثها و أراد تعريف المكلّفين إيّاها و تبليغ أحكامها عبّر عنها بلفظ الصّلاة مجازا بعلاقة الكلّ و الجزء مثلا ثم استعملها في النّاقص أو الأعم بملاحظة ذلك المجاز المخترع على وجه التنزيل و التّسامح المتعارفين في ألفاظ جميع المقادير فإن أهل العرف يتسامحون في ألفاظها فيستعملونها في خلاف معانيها الأوّلية تسامحا و تنزيلا إذا لم يكن الاختلاف فاحشا في نظر العرف مثلا يطلقون لفظ المنّ على ما دون المقدار المعهودة الّذي هو معناه الحقيقي الأولي أو ما زاد بالزيادة المتسامح فيها و كذا لفظ الوزنة و الذّراع و ما شابههما من المقادير المتّصلة فلفظ الصّلاة مثلا بناء على مذهب الصّحيحي إنما نقل عن معنى الدّعاء إلى خصوص المركب الواقعي التام الأجزاء و الشّرائط مجازا بعلاقة الكلّ و الجزء أو لغيرها من المناسبات الثابتة بين الدّعاء و بين ذلك المركب و أمّا استعمالها فيما ينقص من هذا المركب أو ما يزيد فهو مبني على ملاحظة ذلك الاستعمال المجازي الأوّلي تنزيلا للنّاقص بمنزلة الكامل مسامحة على نحو التنزيل المتعارف الشّائع في المقادير على أقوى الوجوه المحتملة فيها من غير فرق إلاّ في أنّ المنزل عليه و المتسامح فيه في المقادير معنى حقيقي لها و في‏

130

ألفاظ العبادات معان مجازية و على هذا فيترتب الثمرة و هي الإجمال في الألفاظ المجرّدة أيضا لأن الاستعمالات المقرونة بالقرينة الصّارفة لا بدّ أن تنزل حينئذ على ذلك المركب المخترع الأولي لصيرورته أصلا بالقياس إلى غيره في استعمالات الشّارع لابتناء الاستعمال في الأعم أو الفاسد على التنزيل أو التّسامح الّذين لا يضار إليهما إلاّ بالقرينة لكونهما أيضا مخالفين للأصل كالتجوز فكما أن حمل الألفاظ على المعاني الشّرعيّة محتاج إلى القرينة بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشّرعيّة فكذلك الحمل على ما هو مبني على ملاحظة تلك المعاني المجعولة بعد قيام القرينة الصّارفة عن المعنى اللّغوي و حينئذ فإن وجد قرينة معيّنة للمراد من حال أو مقال فهي و إلاّ فالواجب حمل اللّفظ على المجاز الغير المبني على المسامحة و بعبارة أخرى أن المعنى الصّحيح يحتاج إلى قرينة واحدة و هي الصّارفة عن المعنى اللّغوي إذ بعد قيامها لم يحتج في حمل اللّفظ عليه إلى ارتكاب أمر يمكن دفعه بالأصل بخلاف الأعمّ أو الفاسد فإنّهما بعد قيام تلك القرينة محتاجان إلى قرينة أخرى دالّة على التنزيل أو التّسامح و إلاّ فمقتضى الأصل عدمهما هذا هو الوجه الصّحيح في كون الاستعمال في الصّحيح أصلا في طوائف الشّكّ و قد يوجه ذلك بوجه آخر و هو أن يكون الاستعمال في الأعمّ أو الفاسد بزعم الصّحيحي مجازين منسبكين عن المجاز الأوّل فيدعي الصّحيحي أنّ المجاز المبني على ملاحظة مناسبة المعنى اللّغوي إنّما هو المعنى الصّحيح و أمّا ما عداه فهو مجاز منسبك عن هذا المجاز و مبني على ملاحظة المناسبة بينه و بين المجاز الأول أعني الصّحيح و هذا و إن يصحّح كون الأصل في مجازات لفظ الصّلاة مثلا إرادة المعنى الصّحيح فيحمل عليه مع قيام القرينة الصّارفة عن المعنى اللّغوي نظرا إلى أنّ سبك المجاز عن المجاز مبني على ملاحظة المناسبتين و قضية الأصل الاقتصار على إحداهما في صورة الشّكّ إلاّ أنّ الالتزام به مع كونه ترجما على الغيب إذ لا شاهد له في العقل و الأثر بخلاف الأول فإنّ بناء العرف على المسامحة في المقادير كما نشاهدها بالحسّ و العيان شاهد صدق عليه من دون إسناد لتكلف ركيك و تعسّف سخيف إلى الشّارع لأنّ ملاحظة المناسبة بين الصّلاة الصّحيحة و المعنى اللّغوي أعني الدّعاء ليس فيها لطف لم يكن في ملاحظتها بين الدّعاء و الصّلاة الفاسدة المشتملة على بعض الأذكار و الأدعية كالقنوت و السّورة مثلا مع أنّ انسباك المجاز عن المجاز مع استحالته أو ندرته أو عدم وجوده في الاستعمالات العرفية مطلقا فضلا عن استعمالات العظماء الّذين اعترفوا بالعجز عن إدراك بعض ما في الكتاب العزيز من وجوه الفصاحة و البلاغة يفيد العلم أو الظّن القوي بخلافه فكيف ينزل عليه موارد الاستعمالات في الأعم أو الفاسدة على كثرتها (و الحاصل) أنّ دعوى الصّحيحي هذه المجازفة مصحّحة لما يدّعيه من حمل الاستعمالات المجرّدة على المعنى الصّحيح و جعله الأصل في المجازات الشّرعيّة عكس الأعمي لكنّها لوضوح فسادها ممّا نعلم جزما بعدم كونها مبنى الاختلاف في هذه المسألة المعروفة هذا تصوير مذهب الصحيحي بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشّرعية على وجه لو صدقناه وجب تنزيل الخطاب المجرّد على المعنى الصّحيح دون الأعمّ و أمّا الأعمي فله دعوى انحصار جميع استعمالات الشّارع تلك الألفاظ أوّلا و آخرا في المعنى الأعمّ و استناد فهم خصوص الصّحيحة أو الفاسدة منها إلى القرائن الخارجية نظير إطلاق المطلق و إرادة المقيد من التقييد المنفصل أو المتصل كما هو الشّأن في الاستعمالات المجازية المتعارفة في لسان العرب فإنّ إرادة خصوصيات الأشخاص من الألفاظ المجازية كإرادة زيد في قوله رأيت أسدا يرمي كلّها مستندة إلى قرائن الحال أو المقال على وجه تعدّد الدّال و المدلول و لذا أوردنا على بعض من زعم وجود سبك المجاز عن المجاز مستدلاّ بصحّة قولنا جاءني أسد يرمي مع أنّ الجائي ليس إلاّ زيد و ليس بينه و بين الحيوان مناسبة إلاّ بواسطة الشّجاع الّذي هو من موارد العلاقة المرخّص فيها أعني المشابهة بأنّ المعنى المراد بلفظ أسد في نحو هذا الاستعمال هو الشّجاع و إنّما جاءت الدّلالة على خصوصية زيد أو عمرو بقرينة المجي‏ء في المثال أو لقرينة أخرى في سائر الأمثلة و على هذا فيكون الأصل في استعمالات الصّلاة بعد قيام القرينة الصّارفة هو إرادة المعنى العام على أحسن وجه و له أن يستند أيضا في كون الأعم هو الأصل إلى الوجه الثّاني الّذي وجّهنا به المذهب الصّحيحي بجعل استعمالها في الصّحيحة و الفاسدة مجازين منسبكين من الأعمّ (و فيه) ما عرفت و أمّا احتمال كونهما من باب التسامح أو التّنزيل فغير جار في المقام لأنّ الصّحيح أتم و أكمل من القدر المشترك و

شرط التّنزيل و التّسامح كون المنزل أنقص من المنزل عليه فتأمل نعم يتصوّر فيه التشبيه و علاقة الكلّ و الجزء لكن مرجعه إلى سبك المجاز من المجاز و قد ذكرناه على بعد لأنّه مشروط بما إذا لم يكن المجاز الثاني مناسبا للمعنى الحقيقي مثل مناسبة المجاز الأول و الصّحيح و الفاسد مناسبتهما للادعاء ليست بأضعف من مناسبة الأعمّ له‏

الأمر الثّاني [الكلام في بيان محل النزاع بين الصحيحي و الأعمّي‏]

محلّ النّزاع كلّ لفظ تصرف الشّارع فيه لفظا أو معنى و المراد بالتّصرف اللّفظي نقله إلى معنى آخر مغاير لمعناه اللّغوي و بالمعنوي استعماله كذلك من دون نقل فلا يجري في الألفاظ الّتي أريد بها في كلمات الشّارع معانيها العرفية كالقضاء و القصاص و الالتقاط و نظائرها لكن يشترط على التقديرين كون المعنى ممّا يتصف بالصّحة و الفساد فلو نقل لفظ إلى معنى غير متّصف بهما لم يجر فيه النّزاع و كذا لو استعمل مجازا في معنى كذلك و من ذلك لفظ الإيمان و الكفر و العدالة و الفسق و الطّهارة و النّجاسة و الجنابة و الحدث بناء على مغايرة معانيها الشّرعية لمعانيها العرفية و أمّا مناط الاتصاف‏

131

بهما فهو أن يكون للمعنى أثر شرعيّ أو عرفي مقصود للفاعل مترتب عليه تارة و متخلّف عنه أخرى بنقصان ببعض ما يعتبر فيه من الأجزاء و الشّرائط و احترزنا بالأثر الفاعلي عن الحكم الشّرعي إذ لا عبرة به في الاتصاف بالوصفين و لذا لا ينقسم مثل اللّواط إليهما مع عدم استتباعه لأحكامه التكليفيّة و الوضعية أحيانا و ينقدح من تحرير محلّ النزاع على هذا الوجه أمور (أحدها) خروج ألفاظ المعاملات عن محلّ النّزاع بناء على ما حققناه في المسألة السّابقة من عدم استعمال الشّارع إيّاها في غير معانيها اللّغويّة و إن جعل لترتب آثارها المقصودة شروطا مقرّرة و ذلك لأنّ معانيها العرفية أمور لا تتصف بالصحيحة و الفساد مع قطع النظر عن الشروط الشرعية إذ البيع مثلا متى تحقق عرفا استتبع أثره الّذي هو النّقل العرفي فليس لإنشاء البيع العرفي فرد لا يترتب عليه ذلك الأثر حتى يتصف بالفساد نعم لو ثبت استعمال الشّارع إياها في فرد خاص من ذلك المعنى العرفي و هو الجامع للشرائط المقرّرة كلاّ أو بعضا جرى فيه النّزاع المعروف كما يجري فيه النّزاع المتقدّم أيضا لكن الثّابت إنّما هو الاستعمال في نفس ذلك المعنى العرفي و كون الزّيادات شروطا خارجية مستفادة من الأدلة الخارجية على نحو تعدّد الدّال و المدلول و فرق بين استعمال المطلق في المقيّد وضعا أو مجازا و بين استعماله في المطلق و إفادة القيود من الخارج (فإن قلت) إذا جعل الشّارع لمعنى بسيط عرفي بعض الشّروط في حصول أثره المقصود العرفي اقتضى ذلك اتصافه بالصّحة و الفساد شرعا لأنّ جعل الشّروط لتأثير شي‏ء يوجب انقسام المشروط في نظر الجاعل إلى صحيح مترتب عليه الأثر و فاسد غير مترتب عليه ذلك فما ذكرت من عدم جريان النّزاع في الموضوعات العرفية مطلقا غير صحيح (قلت) لو كانت الشّروط الشّرعية شروطا لحصول الأثر و هو الملك في البيع و الزوجيّة في النكاح حتّى أنّ العقد الفاقد لها لا يؤثر الأثر المقصود واقعا ثم ما ذكرت من جريان النزاع لثبوت ملاك الصّحة و الفساد في المستعمل فيه الشّرعي حينئذ و لكن لقائل أن يقول إنّها شرط لترتب الأحكام على ذلك الأثر شرعا بأن يدعى حصول الملك الواقعي بالبيع الفاسد و يرجع الفساد إلى سلب الأحكام عرفا فإن بني على أن بيع الخمر مثلا يفيد أثره المقصود للبائع أعني تملك الثّمن واقعا لكن الشّارع لم يجوز ترتيب أثر الملك عليه لم يتصوّر في المعاملات ذلك النزاع لأنّ مناط الصّحّة و الفساد في الأشياء ليس على كونها بحيث يترتب عليها أحكامها الشّرعية أو العرفية أو لا يترتب بل على ما حققناه من ترتب الأثر المقصود الفاعلي و عدمه و من هنا أوردنا على من زعم جريان أصل الصّحة في الالتقاط المشكوك في كونه واجدا لشرائط أحكام اللّقطة أو فاقدا لها لأنّ غرض الملتقط ليس هو التوصّل إلى أحكام اللّقطة بل التوصّل إلى التّملك العرفي و هو من لوازم ذات الالتقاط الواقعي الخارجي سواء كان على شروط أحكام اللّقطة أم لا (و إن شئت توضيح) الفرق بين الأثر المقصود و الحكم لاحظت الموضوعات الّتي رتّب الشّارع عليها أحكاما تتخلّف عنها أحيانا كالجنابة و نحوها فإنّها ممّا رتّب الشّارع عليها أحكاما منها الغسل مع أنّ الجنابة الغير المترتب عليها وجوب الغسل مثلا لا تتصف بالفساد كما لا يخفى و هذا من بدائع التّحقيقات الّتي يجب حفظها و اغتنامها و حيث إن الأقوى في النظر كون الشّروط شروطا للتّأثير خصوصا على القول بعدم جعل الأحكام الوضعية و أن العقود أسباب واقعية كشف عنها الشّارع فالمتجه هو القول بدخولها في محلّ النّزاع و مرجعه إلى سقوط اشتراط تصرف الشّارع لفظا أو معنى (الثّاني) أن الموضوعات العرفية غير المركبات كالمفاخين ممّا لا يتصوّر فيه مثل هذا النّزاع فلا يقال في لفظ النار هل هو موضوع للصّحيح أو الفاسد لأنّ آثارها المقصودة لا تنفكّ عن وجوداتها الواقعية نعم لو كان المعنى العرفي ممّا يتّصف بالصّحة و الفساد باعتبار كونه مقيدا للأثر المقصود تارة و غير مفيد له أخرى جرى فيه النزاع حتّى فيما كان من البسائط مثلا إذا كان الأثر المقصود من الأيارج إسهال الصفراء فكلّ ما يفيد ذلك الأثر من أفراد الأيارج فهو صحيح و إلاّ فهو فاسد و هذا جيّد و قد يقال باستحالة ذلك لأنّ الذاتي للشّي‏ء لا يتخلّف عنه إلا بعائق فكلّ ما لا يترتب عليه الأثر المقصود لا بدّ أن يكون لأجل وجود مانع أو فقد شرط كقابلية المحلّ و مثل ذلك لا يعد فاسدا لأنّ صحّة الشّي‏ء كونه بحيث لو خلي و طبعه كان مفيدا للأثر مع استكمال الشّرائط كقابليّة المحلّ و غيره و يدفعه أنّ شرائط

الاقتضاء قد تكون مفقودة فهو في هذه الحالة غير مؤثر ذاتا مع أنّ الصّحة المتنازع فيها هي الصّحة الفعلية دون الشّأنية نعم الظّاهر أنّ الموضوعات الغير الشّرعيّة على تقدير صحّة انقسامها إلى الصّحيح و الفاسد موضوعة للصّحيح الثاني الّذي هو أعمّ من الصّحيح الفعلي فلو قيل بكونها أسامي للأعمّ كان له وجه كما أنّه لو قيل بأنّها أسامي للصّحيح كان وجيها أيضا و سيأتي توضيح الحال فيه في التنبيهات إن شاء الله تعالى و ممّا ذكرنا أمكن إسقاط اعتبار تصرف الشّارع لفظا أو معنى في محلّ النزاع كألفاظ المعاملات على تقدير بقائها في المعاني اللّغوية في استعمالات الشّارع مع رجوع الزّيادات إلى شروط تحقق ما يقصد بها من الآثار كالملكية و الزوجية لا إلى ترتيب الأحكام كما مرّ فتدبّر (الثالث) أنّ مذهب النّافي للحقيقة الشّرعيّة إن كان هو بقاء ألفاظ العبادات و المعاملات في معانيها اللّغوية كما فهم ذلك جماعة من دليل القاضي على النّفي و إن كان في غير محلّه على ما عرفت وجهه فقد ظهر وجه الجريان و عدمه في ألفاظ المعاملات و أمّا ألفاظ العبادات فعلى هذا القول تخرج عن قابلية الجريان لأنّ معانيها اللّغوية ليست ممّا تتّصف بالصّحة تارة و بالفساد أخرى أمّا عرفا فواضح و أمّا شرعا فلأنّ الزّيادات الشّرعيّة عند هذا القائل شروط لاستتباعها الأحكام الشّرعية

132

المجعولة لها لا لآثارها المقصودة للفاعل إذ الطّهارة و القبلة مثلا ليستا شرطين لحصول الغرض المقصود من الدّعاء بل سقوط التكليف المتعلّق به و بأمور أخر و لا فرق في ذلك بين القول بأنّ تقييد المطلق متّصلا أو منفصلا مجاز كما نسب إلى المشهور و عدمه فما قد يتخيل من جريان النزاع على التقدير الأوّل لكون المعنى حينئذ ممّا تصرّف فيه الشّارع و هو المناط في جريان النزاع ليس على ما ينبغي لأنّ هذا النّحو من التّصرف لا يوجب الفساد اتصاف المعنى المتصرّف فيه بالصّحة و الفساد (الرّابع) أنّ النّسبة بين محلّ النّزاع في هذه المسألة و بين ما ثبت فيه الحقيقة الشّرعية عموم من وجه فقد يكون اللّفظ ممّا ثبت فيه الحقيقة الشّرعيّة و لا يجري فيه هذا النّزاع مثل لفظ الجنابة و الظّاهر أن لفظ اللّعان من قبيل لفظ الجنابة فإنّه ليس ممّا يترتب عليه آثاره المقصودة تارة و لا يترتب أخرى و إن كان مختلفا من حيث ترتب الأحكام الشّرعية و عدمها فما زعمه بعض المحققين من جريان النزاع فيه بناء على استعمال الشّارع له في غير معناه اللّغوي غير واضح‏

الأمر الثّالث [الكلام في معنى الصحيح و الفاسد]

أنّ الصّحيح يطلق في العرف على معنيين أحدهما تام الأجزاء و يقابله الفاسد بمعنى النّاقص و هذا الإطلاق يختصّ بالمركبات و الثاني ما يترتب عليه الأثر و مقابله ما لا يترتب عليه ذلك و هذا يجري في المركبات و في البسائط الّتي كانت إفادتها لآثارها مشروطة بأمور خارجة عن حاقّ المعنى (و أمّا) العلماء فالمتكلّمون منهم يريدون بالصّحة في العبادات موافقة الأمر و الفقهاء إسقاط القضاء و ليعلم أن إطلاق الصّحيح في هذه المسألة مبني على ملاحظة إطلاقه العرفي فلا بدّ أن ينزل على أحد المعنيين الأوّلين و الأوفق بكلماتهم و الأنسب بأدلّتهم هو المعنى الثاني فالصّحيحي يدعي الوضع مثلا للماهيّة المفيدة للأثر المقصود و لازمه اشتمالها لجميع الأجزاء و الشّرائط و الأعمي وضعها للأعمّ من المفيد و غير المفيد سواء كان عدم الإفادة باعتبار نقصان الجزء أو انتفاء بعض الشّرائط خلافا لما ذكره الرّئيس البهبهاني (قدّس سرّه) في حاشية المعالم حيث جعل النزاع في الشّرائط خاصّة بعد التّسالم على اعتبار الأجزاء كلاّ في المسمّى و مرجعه إلى اعتبار المعنى الثّاني و إخراج بعض أفراد الفاسد عن مفهوم اللّفظ باتفاق الفريقين أعني ما كان عدم حصول الأثر المقصود فيه باعتبار نقصان الجزء و يشكل ذلك الصريح كلام غير واحد في مبحث المجمل و المبيّن من عدم الإجمال في مثل لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب على تقدير كون الصّلاة موضوعة للصّحيح و أنّها لو كانت للأعم كان مجملا حيث إنّ الإجمال على تقدير كونها للأعمّ مبني على صدق الماهيّة مع عدم الفاتحة حتّى يرجع النّفي بحكم دلالة الالتزام إلى صفة الصّحة أو الكمال و نحوهما ممّا يمكن إرجاع النّفي إليه مضافا إلى أنّ المتبادر من الصّحيح و الفاسد في المركبات كونها تامة الأجزاء و الشّرائط أو فاقدة بعضها و من أجل ذلك لم يفرقوا في الثمرة بين الأجزاء المشكوكة و الشّروط و إنّما قلنا إن الصّحيح المتنازع فيه هو المعنى العرفي لأنّ الصّحة بمعنى موافقة الأمر أو إسقاط القضاء لو كانت معتبرة في الماهيات الشّرعية لزم توقف الموضوع على الحكم المتوقف عليه إذ الأمر و هو الطّلب حكم من أحكام الصّلاة مثلا فلو اعتبر فيها لزم المحذور و استحالته بديهيّة و لذا قلنا إنّ أوامر العبادات الأولية على القول باعتبار قصد القرينة في مسمّاها أوامر صورية جي‏ء بها للتوصّل إلى الأمر الحقيقي الثّابت بالإجماع فقوله أقيموا الصّلاة أمر صوري متعلّق بذات الصّلاة الغير المعتبر فيها نية موافقة الأمر و الأمر الحقيقي هو المتعلّق بماهيّة الصّلاة المقصود به امتثال ذلك الأمر الصّوري نفسا و الحقيقي غيرا (و العجب) من غفلة بعض المحققين حيث ذكر في تنبيهات المسألة أنّ الصّحيح المتنازع فيه هل هو الموافق للأمر الواقعي خاصّة أو الأعم منه و الأمر الظّاهري و منشأ الغفلة حسبان أنّ المراد بالصّحة و الفساد في المقام ما جرى عليه اصطلاح العلماء تنزيلا للألفاظ الصّادرة من كلّ عرف على مصطلحهم أو تخيل أنّ الصّحيح ما كان مستتبعا للأثر و مفيدا للفائدة كما هو قضية الإطلاق العرفي و العبادة الغير الموافقة للأمر الشّرعي باعتبار عدم كونها مأمورا بها لغو محض لا فائدة فيه أصلا لو لم يكن فيه مفسدة أو النظر إلى ظاهر ما استدلّ به بعض القصار على كون الألفاظ موضوعة للأعمّ من أنّها لو كانت موضوعة للصحيحة للزم التكرار في مثل قوله أقيموا الصّلاة فإنّ قضية هذا الاستدلال اعتبار الطّلب في المسمّى و كون الصّحة المتنازع فيها موافقة العبادة للأمر الفعلي الصّادر من الشّارع و يندفع الأوّل بأنّ الأصوليين ليس لهم اصطلاح في لفظ الصّحة فلا بدّ من تنزيل كلامهم على المعنى العرفي مضافا إلى عموم النزاع للمعاملات كلاّ أو جلاّ أو بعضا فلا بدّ من التفكيك بين الصّحة فيها و الصّحة في العبادات و الثاني بأنّ كون المسمّى صحيحة نافعة منشأ لترتّب الأثر المقصود لا يستلزم اعتبار موافقة الأمر في المسمّى لأنّا نقول أن لفظ الصّلاة مثلا موضوعة لذوات الأفعال الجامعة للشرائط المقرّرة الّتي كانت مأمورا بها و موافقة للأمر بها من غير مدخلية لموافقة الأمر في المسمّى فالمسمّى هي ذات العبادة الموافقة للأمر من غير اعتبار صفة الموافقة مفهوما أو مصداقا في المسمّى و هذا ليس تفسيرا للصّحة بمفهوم موافقة الأمر أو بمصداقها حتّى يردّد في أنّ المراد بذلك الأمر ما ذا إذ لا ريب أنّ الأمر الفعلي من الأمور الّتي يختلف بالعلم و الجهل بخلاف ذوات تلك الأفعال الجامعة للشّرائط فإنّها أمور واقعيّة لا اختلاف فيها إلاّ الاختلافات الواصلة من الشّارع بحسب أحوال المكلّفين من السّفر و الحضر و الصّحة و المرض (و استوضح الحال) بملاحظة وضع الألفاظ المعاجين الّتي يخترعها الأطباء فإنّ هذه العبادات المركّبة معاجين الهيئة وضعت لمعالجة أمراض‏

المعاصي و النقائص‏

133

الّتي هي من لوازم دار الدّنيا اخترعها الحكيم الحقيقي تلطّفا بالعباد و ترحما عليهم فكما أنّ ألفاظ المعاجين موضوعة لأمور مركّبة عديدة مقرونة بالشّرائط المقرّرة على القول بكونها أسامي للصّحيحة منها فكذلك ألفاظ العبادات مثلا موضوعة عند الصّحيحي لأفعال عديدة جامعة للشرائط المقرّرة فكما أنّ الحاجة إلى أكل المعجون ليس من الأمور المعتبرة في مداليل ألفاظها كذلك الحاجة إلى فعل العبادات المقتضية لتعلّق الطّلب و الأمر بها ليس معتبرا في مداليلها و ما يقصد من ألفاظها و إنّما الفرق بينهما في شي‏ء و هو أنّ شرائط الأمر بالعبادات لما كانت شروطا لصحّة المأمور بها أيضا كسائر شرائط الوجود فلا جرم يمتنع تحقق مداليلها إذا لم يكن مأمورا بها لعدم الأمر بها إنّما هو لعدم تحقق بعض شروط تأثيرها و خاصيتها بخلاف المعاجين فإنّ شرائط الحاجة إلى شربها و أكلها لما لم تكن شروطا لوجودها و خاصيّتها فلم يتوقف صدق حقائقها على مجي‏ء زمان الحاجة إلى أكلها و أمر الطّبيب إرشادا بأكلها (و الحاصل) أنّ مراد الصّحيحي أنّ الألفاظ موضوعة لشي‏ء يلزم وجوده موافقة الأمر و ترتب الأثر من غير مدخليّة لصفة الموافقة مفهوما أو مصداقا في المسمّى و كذا ترتب الأثر و لا ملازمة بين كون الشّي‏ء لازما للمعنى في الوجود الخارجي و كونه معتبرا شطرا أو شرطا في مفهوم اللّفظ فموافقة الأمر و ترتب الأثر و إن كانا يلازمان المعنى المقصود من لفظ الصّلاة عند وجودها إلا أنّهما غير معتبرين في المعنى شطرا أو شرطا و هذا مع وضوحه يدلّ عليه أمور (أحدها) أنّ موافقة الأمر لو اعتبرت في مدلول لفظ الصّلاة لزم أن يكون وضع لفظ الصّلاة عند الصّحيحي مثل وضع أسماء الإشارة لاشتمالها على معنى حرفي نصبيّ و هو الطلب أو موافقته كاشتمال أسماء الإشارة على معنى الإشارة و فساده مع وضوحه يظهر من ملاحظة الاستعمالات لفظ الصّلاة في المعنى العام الكلّي كما في قوله الصّلاة عمود الدّين و قوله الصّلاة خير موضوع و قد سبق في مبحث الأوضاع انحصار هذا النّحو من الوضع في الألفاظ الّتي لم تستعمل في المعاني الكلّية أبدا (و ثانيها) أنّ اعتبار الطّلب في مفهوم الصّلاة مثلا يوجب التزام الصّحيحي باستعمالها في نحو قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* في الفاسدة و أيّ صحيحيّ يلتزم بذلك بل الظّاهر أنّه ممّا يتناكر عليه الفريقان إذ الأعمّيون مصرّحون بأنّ المراد بها في سياق الأوامر هو الصّحيح و لو بطريق تعدّد الدّال و المدلول كما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى فتأمّل و أمّا الملازمة فواضحة لأنّ اعتبار موافقة الأمر المتعلّق بها في مفهومها يستلزم المحذور المشار إليه أعني توقف الحكم على الموضوع المتوقف عليه و هو دور بيّن فلا بدّ حينئذ من تجريد الصّلاة عن الطّلب حين تعلّق الأمر بها و التزام كون المأمور به هي الفاسدة و هذا هو المدّعى (فإن قلت) لا ضير في الالتزام بفساده بهذا المعنى ضرورة أنّ متعلّق الأوامر إنّما هو نفس الأفعال المقرونة بالشرائط عدا شرط الطّلب و هو ممّا يتسالم عليه الفريقان و إنّما المنكر هو كون المأمور به فاسدا باعتبار فقدان بعض الأجزاء و الشّرائط (قلت أوّلا) إنّ الطّلب أيضا من شرائط الصّحة في العبادات كسائر الشّروط فلا فرق بين الفساد النّاشئ من فقد هذا الشّرط أو سائر الشّروط (و ثانيا) أنّ قضية الكلام المذكور حمل الصّلاة مثلا على معنى ثالث خارج عن معناها اللّغوي و الشّرعي أمّا على مذهب الأعمي فواضح ضرورة كون المعنى الشّرعي عنده هو الأعم لا خصوص الأفعال المجرّدة عن وصف الطّلب و أمّا الصّحيحي فلأنّ المسمّى بالصّلاة شرعا على مذهبه هي الأفعال المقرونة بالشّرائط و الطّلب فحملها على مجرّد الأفعال مع الشّرائط التزام باشتمالها في سياق الأوامر في غير المعنيين (و ثالثها) أنّ اعتبار قيد الطّلب في مدلول الألفاظ عبث لا طائل تحته إذ الغرض من ملاحظة شي‏ء في الموضوع له كشف اللّفظ عنه بالمطابقة أو بالتضمّن أو الالتزام و معلوم أنّ لفظ الصّلاة بنفسها و لو بعد تصريح الشّارع بملاحظة الطّلب في مسمّاها لا يدلّ عليه بل الدّال عليه لا بدّ أن يكون شيئا آخر هذا و يمكن الذّبّ عن هذا الوجه و الوجه الأول بدعوى أنّ المعتبر في مدلول لفظ الصّلاة مفهوم الطّلب لا مصداقه كلفظ المطلوب من غير فرق إلا من حيث العموم و الخصوص فالصّلاة موضوعة لمطلوب خاصّ أي لمفهوم عمل مقرون بمفهوم الطّلب كمعنى المطلوب فلا يرد حينئذ كون هذه الألفاظ من المبهمات و الحروف في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و لا كونها مشتملة على معنى حرفي نسبي كما يظهر بالتأمّل و لا كونها قاصرة في الدّلالة عليه إلا بمئونة الصّيغة لأنّ الموقوف على الصيغة

هو التصديق بحقيقة الطّلب لا تصوّر مفهومه لأنّه يحصل من نفس اللّفظ المفرد و أمّا الوجه الثاني فالظّاهر عدم اندفاعه بذلك لأنّ الأمر بمفهوم مأخوذ فيه الطّلب يستدعي سبق وجود الطّلب مثلا إذا قال المولى افعل مطلوبي أو مطلوبا في فهذا القول إنّما يصحّ إذا كان قد سبق منه طلب شي‏ء و إلاّ كان لغوا فحيث لا طلب سابقا كما هو المفروض في الأوامر الابتدائية فلا بدّ عن تجريد اللّفظ الواقع في حيزها عن قيد الطّلب و هذا محذور لا يلتزم به أحد الفريقين (و فيه نظر) يأتي في ردّ من زعم أن لازم مذهب الصّحيحي لزوم التكرار في مثل قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* لكن الدّعوى المذكورة لكمال ركاكتها و سخافتها لا ينبغي المصير إليها إذ الظّاهر على تقدير اعتبار الطّلب في مفهوم الصّلاة اعتبار مصداقه و حقيقته الخارجية لأنّها الّتي يتوقف عليها صحّتها كما لا يخفى و بالجملة لا سترة على أنّ الصّلاة عند الصّحيحي لم توضع لمعنى اعتبر فيه الطّلب شطرا أو شرطا بل إنّما وضع لمعروض الطّلب من غير مدخلية له في المسمّى بأحد الوجهين لعدم مساعدة شي‏ء من أدلّته على ذلك خصوصا

134

المتبادر الّذي هو أشهرها و أقواها إذ المتبادر من لفظ الصّلاة ليس سوى الماهيّة المخترعة الجامعة الّتي هي المعروضة للطّلب و ملزومة له هذا مضافا إلى أنّ اعتبار موافقة الأمر الظّاهري في المسمّى يرجع إلى القول بالتّصويب في موضوعات الأحكام كما سنبيّنه في التنبيهات إن شاء الله تعالى فلا وجه للوسوسة في أنّ المراد بالصّحيح هو الموافق للأمر الواقعي أو الأعمّ منه و من الظّاهري (فإن قلت) أ ليس من شرائط صحّة الصّلاة قصد القربة الّتي هي عبارة عن قصد موافقة الأمر فكيف يمنع اعتبار موافقة الأمر في مدلول اللّفظ (قلت أوّلا) إنّ اعتبار قصد موافقة الأمر لا يوجب اعتبار الموافقة نفسها حتّى يلزم أن يعتبر في مفهوم الصّلاة معنى حرفي نسبيّ أعني الطّلب فتأمّل (و ثانيا) إنّما تمنع توقف صحّتها على قصد القربة بالمعنى المزبور أعني نية موافقة الأمر و ندّعي أنّ المعتبر في الصّلاة مطلق القربة و لو بأن يكون الدّاعي رجحان العمل و حسنه الذّاتي و محبوبيّته عند الشّارع حتّى لو وصلنا إلى تلك المحبوبية بلفظ آخر غير الأمر مثل قوله (عليه السلام) الصّلاة قربان كلّ تقيّ و نقيّ كفانا في إيجاد العبادة الصّحيحة إتيانها بداعي كونها محبوبة للمولى نعم من وجوه القربة كون الدّاعي موافقة الإلزام و أمر المولى و لكنّها غير منحصرة في ذلك على ما حققنا في محلّه و إنّما اشتهر تفسيرها بها لكونها أسهل وجوه تحصيلها للعوام و الخواصّ و أحوطها في الأنظار القاصرة هذا ثم إنّ شرائط الصّحة منها ما يوجب الإخلال بها تدارك العبادة المشروطة به أداء أو قضاء و منها ما لا يترتب على فوته شي‏ء من الأمرين و لا إشكال في دخول طائفة الأولى عند الصّحيحي تحت مدلول لفظ العبادة شطرا أو شرطا (و أمّا الثانية) فهي على قسمين لأنّ عدم التدارك قد يكون لأجل كفاية الامتثال بالأمر الظّاهري و جعل الشارع إيّاه بدلا عن امتثال الأمر الواقعي و حاصله إمضاء الشّارع لذلك العمل الفاسد على فساده باعتبار مصلحة راعية إلى ذلك مثل كفاية الصّلاة المستصحبة الطّهارة إذا ذكرها في خارج الوقت على القول بعدم القضاء عن الصّلاة الواقعية الجامعة للطّهارة الواقعية و قد يكون لأجل اختصاص شرطيته بحال العلم و الالتفات كالطّهارة الخبثية فإنّ الصّلاة مع نجاسة البدن أو الثوب لا تعاد أداء و لا قضاء عند جماعة لكن عدم الإعادة ليس لأجل قيام أمر ظاهري مقام الأمر الواقعي إذ الغافل لا أمر له بل لأجل اختصاص شرطيّتها بحال العلم و الالتفات و الفرق بينهما حسن الإعادة احتياطا في الأوّل دون الثاني لأنّ المفروض في القسم الثاني وقوع العبادة جامعة لجميع الشّرائط الواقعية فيخرج المقام عن مورد الاحتياط (أمّا الطّائفة الأولى) فلا إشكال في دخولها تحت المسمّى كالقسم الأوّل (و أمّا الثّانية) فقد يقال بعدم اعتبارها نظرا إلى تمامية العبادة بدونها واقعا هذا و الأظهر عدم الفرق لأنّ الشرط في القسم الثاني إنّما هو القطع بوجوده لا نفس الوجود فالعلم هنا قائم مقام المعلوم في القسم الأوّل في كون كلّ منهما معتبرا في صحّة العبادة و فيه منع شرطية القطع أيضا في القسم الثاني فلو غفل المصلّي عن النجاسة و دخل في الصّلاة غير ملتفت إليها كانت الصّلاة صحيحة نعم بعض الشّروط العلميّة كذلك يعني يعتبر في العبادة إحرازها قبل الدّخول فيها بحيث لو دخل فيها و هو غافل لم تجز كعدالة الإمام في صلاة المأموم فإنّها ليست على حدّ القسم الأوّل أعني ما يوجب الإخلال به إعادة العبادة و لا من قبيل الطّهارة الخبثية حتى تكون شرطيتها منحصرة في صورة العلم و الالتفات بل الظّاهر أنّه يشترط في صحّة صلاة المأموم إحرازه لعدالة الإمام قبل الاقتداء سواء وافق الواقع أم خالف على القول به نظير الإسلام فالحق في الشروط العلمية التفصيل و جعل ما هو من قبيل الطّهارة الخبثية خارجا عن المسمّى دون ما هو من قبيل عدالة الإمام و إسلامه و إن كان قد يشكل في ذلك بأن إخراج القسم الأوّل أيضا يقضي بخروج الأجزاء الغير الركنية رأسا لأنّ جزئيتها أيضا منحصرة في حال العلم و الالتفات و لذا لا يحسن الإعادة لناسي الذكر أو السّورة مثلا و هذا ممّا لا يمكن نسبته إلى الصّحيحي و لا يناسب كلماتهم في مثل لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب حيث بنوا عدم إجماله على كون الصّلاة موضوعة للصّلاة الصّحيحة و الفرق بين الجزء و الشرط لا يرجع إلى محصّل فالأظهر عدم الفرق بين الشروط من هذه الجهة أعني جهة كونها شروطا واقعية أو علميّته نعم يمكن الفرق بينهما بما يفرق بين الشّروط الاختيارية و بعض الشّروط الاضطرارية كما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى لكن الفرق من هذه‏

الجهة لا مساس له بجهة العلميّة و الواقعية

الأمر الرّابع [الكلام في تصوير الموضوع له على المذهبين‏]

و هو أهمّ الأمور أنّ الأجزاء و الشرائط ممّا تختلف في العبادات الشرعية بحسب اختلاف أحوال المكلّفين من حيث الصّحة و المرض و السّفر و الحضر و العلم و الجهل و الذّكورية و الأنوثية و نحوها من الأحوالات الّتي لها مدخلية في كيفية العبادات و كميتها بل الأمر في المعاجين و المركبات العرفية أيضا قد تختلف باختلاف المرضى و الأمراض فقد يكون الشي‏ء جزء لأحد دون آخر و في وقت دون وقت أو في حال دون حال و هكذا فالصّلاة مثلا بحسب أنواعها و أفرادها ماهيّات مختلفة شطورا و شروطا و ليس بينها قدر مشترك يكون ملحوظا في حال الوضع أو الاستعمال لعدم معقولية الجامع في المقادير المنفصلة كالواحد و الاثنين بحيث يصدق على كلّ واحد منهما و من الواضح أنّ حقيقة الصّلاة ليست سوى عدة أفعال مردّدة بين الأقلّ و الأكثر بحسب اختلاف الأحوالات فقد تكون حقيقتها ثلاثة أجزاء و قد تكون أكثر أو أقلّ و القدر المشترك بين الزّائد و النّاقص منها من غير أن يرجعان إلى عنوان يكون كلّ واحد منهما مصداقا له لا يكاد يدّعيه عاقل و حينئذ فيشكل الأمر على كلا الفريقين أمّا على الأعمى‏

135

فواضح لابتناء مذهبه على وجود قدر مشترك جامع بين نفس تلك الأفعال الخارجية المختلفة الأجزاء زيادة و نقصانا حتّى يكون ملحوظا في حال الوضع و يكون هو الموضوع له فيعم تلك الأفعال الخارجيّة المختلفة عموم الكلّ لأفراده (و العجب) أنّ المحقق القمّي (رحمه الله) آخذ الصّحيحي بهذا الإشكال مع أنّ وروده عليه أوضح لأنّ الصّحيحي أولى بإبداء القدر الجامع بين العبادات الصّحيحة كما ستعرف من إبداء الأعمي له بين الأفراد الصّحيحة و الفاسدة و لا أقلّ من التّساوي فكيف يستنهض في إبطال مقالة الصّحيحي باستلزامها القول بألف ماهية للصّلاة و عدم استلزام مقالة الأعمي لذلك و أمّا على الصّحيحي فلما عرفت أيضا من عدم معقولية القدر المشترك بين الزائد و النّاقص أو بين الماهيتين اللّتين تختلفان بالقيود المتضادّة أو المتناقضة إذ بعد إخراج الأفراد الفاسدة عن مفهوم لفظ الصّلاة مثلا و اختصاصها بالأفراد الصّحيحة لا بدّ أيضا من تصوير القدر المشترك بين تلك الأنواع الصّحيحة أو الالتزام بأوضاع متعدّدة و الّذي يمكن أن يصحّح به مقالة الصّحيحي أحد أمور (الأوّل) أن يلتزم باشتراك لفظ الصّلاة مثلا بين الأنواع الصّحيحة لفظا و هذا هو الّذي زعمه المحقق القمي (رحمه الله) و نسبه إلى الصّحيحي (و الثّاني) أن يلتزم باختصاص الوضع أو الاستعمال ببعض تلك الأنواع و يجعل الباقي أبدالا لذلك النوع فائدة و مجازات عنها استعمالا في كلمات الشّارع بأن يدعى اختصاص الوضع بالعبادة الجامعة لجميع الأجزاء و الشّرائط المقرّرة في حقّ المكلّف الحاضر العالم القادر المختار و كون باقي الأنواع الصّحيحة أبدالا عن تلك العبادة الجامعة لجميع الشرائط و الأجزاء و مجزية عنها في مقام الامتثال و سقوط التكليف و أنّ استعمال لفظة الصّلاة فيها في لسان الشّارع مبني على ملاحظة المناسبة بينها و بين المعنى الموضوع له الأولى (و الثالث) أن يدّعى الوضع للقدر المشترك بين الأنواع الصّحيحة و يجعل ذلك القدر المشترك معنى بسيطا ساريا في جميع تلك المصاديق المختلفة حتى يكون الاختلاف الحاصل في تلك المصاديق اختلافا ناشئا من خصوصيّات الأفراد و يعبّر عن ذلك القدر المشترك بملزوم الطّلب و معروض المتقرب و هذا مثل وضع الإنسان لمعنى بسيط خارجي و هو الحيوان الناطق مع اختلاف أفراده الخارجية بحسب الأجزاء الخارجية زيادة و نقصانا و لئن طالبهم الأعمى بتحديد ذلك القدر الجامع الّذي هو ملزوم للطّلب تامّا أو ناقصا (أجابوا) عن ذلك بأنّ التحديد غير لازم بل يكفي تصوّره بالعنوان المشار إليه أعني كونه مقربا و ملزوما للطلب لأنّ هذا المقدار من التصوّر كاف في الاستراحة عمّا في المقام من الإشكالات و ليس يلزم عليهم معرفته تفصيلا بكنهه إذ اللاّزم في مقام الوضع معلوميّة الموضوع له عند الواضع لا عند غيره كيف و احتمال القدر المشترك بين الأفراد الصّحيحة هنا ليس بأبعد من وجود القدر المشترك بين أفراد الواجب التخييري الشرعي ككفّارة الخصال على ما يقضي به صريح العقل و البرهان و قد يعبّر عن ذلك الجامع بمطلوب الشارع و يقال إنّ اللّفظ موضوع لشي‏ء مطلوب له و هو مفهوم واحد بسيط لا تركيب في نفسه و إنّما التّركيب في أفراده الخارجية و هو غير قادح بل الأمر كذلك في جميع أسماء الأجناس لأنّ مصاديقها الخارجية مختلفة من حيث الأجزاء قلّة و كثرة و فيه ما مرّ في الأمر السّابق من أنّ اعتبار الطّلب في مدلول اللّفظ يستلزم الدّور أعني تقدّم الطّلب على نفسه أو تجريد لفظ الصلاة عن الطّلب إذا كانت واقعة في حيز الأوامر الابتدائية أو مطلقا فارجع و تأمّل (فإن قلت) ظاهر كلمات القوم و صريح بناء المتشرّعة على تركب معنى الصّلاة و أن الحمد و السّورة و الأركان أجزاء لها نفسها و على هذا التّصوير فهي أجزاء لمقدّمات وجود الصّلاة (قلت) مقدّمية تلك الأجزاء لها على حدّ مقدمية الفرد للكلّي و جزء الأفراد يصحّ عدّها جزءا للكلّي و لو بعد ملاحظة وجود الكلّي في الخارج فافهم (لكن يرد على الأوّل) مضافا إلى بداهة فساده أنه خلاف اتفاق الكلّ لأنّ القول بالاشتراك اللّفظي و تعدّد الوضع من الشارع ممّا لا يلتزم به الصّحيحيّون قطعا و كيف يلتزمون به مع أنّ إثبات الوضع الواحد دونه خرط القتاد فضلا عن إثبات الأوضاع المتعدّدة و دعوى أنّ النزاع غير متفرع على ثبوت الوضع كما سبق فيجري على القول بمجرّد الاستعمال أيضا و عليه فلا مانع عن القول بتعدّد الاستعمال حسب تعدّد المعاني الصّحيحة مدفوعة مضافا إلى ما عرفت من أنّ المتنازعين في هذه المسألة هم الأكثر القائلون بثبوت الحقيقة الشرعية و لو لم يكن متفرعا عليه أن المتنازع فيه على تقدير عدم ثبوت الوضع ليس هو مطلق الاستعمال بل الاستعمال الخاصّ الّذي يكون أصلا بالنّسبة إلى سائر

الاستعمالات المجازية كما سبق و معلوم أنّ الصحيحي غير ملتزم بتعدد مثل هذا الاستعمال فتدبّر (و على الثّاني) أن الالتزام بعدم كون صلاة المسافر مثلا صلاة حقيقة و جعلها بدلا عن صلاة الحاضر ممّا يقضي بفساده صريح الآثار و الاعتبار و هكذا القول بأنّ صلاة المرأة ليست مندرجة تحت اسم الصّلاة المجعولة عند الشّارع حقيقة و إنّما هي بدل عن الصّلاة المجعولة أعني صلاة الرّجل و مجزية عنها في حق المرأة و الظّاهر أنّ هذا أيضا ممّا اتفقت الكلمة على بطلانه و تطابقت الآراء على فساده و تناكر الفريقان لصحّته (و على الثالث) و هو أوجه الأمور أنّ الالتزام به يوجب القول بوجوب الاحتياط عند الشكّ في الشرطية و الجزئية مع أنّه خلاف الكلّ أو الجلّ لأنّ الأصل في الأجزاء و الشروط المشكوكة عند الأكثر و هم الصّحيحيّون البراءة وجه الملازمة هو أن المقصود بأوامر الصّلاة مثلا حينئذ ليس نفس تلك‏

136

الأفعال الخارجية بل حصول ذلك المفهوم المقدر المشترك و إن كان حصوله في الخارج موقوفا على تلك الأفعال و حينئذ فلا بدّ في تحصيل ذلك العنوان الجامع الّذي هو عنوان الأمر بالصّلاة أو الغرض الدّاعي إليه من الاحتياط في مقدمات حصوله الّتي هي الأفعال الخارجية كما سبق في مسألة البراءة و الاشتغال من أنّ إجراء الأصل في أجزاء الماهيّات المركّبة و شرائطها إنّما يتجه إذا لم تكن الماهيّة المركبة محصّلة لعنوان يكون هو المقصود من طلبها و إلاّ كان الشكّ في شرط أو جزء من أجزاء ذلك المركب شكّا في المكلّف به و لازمه وجوب الاحتياط مثلا إذا علم العبد أنّ مولاه أمر بشرب دواء مركب من أجزاء معلومة و شكّ في اعتبار جزء آخر و لم يعلم المقصود من هذا الأمر كان له الاقتصار على شرب الأجزاء المعلومة بعد العجز عن تحصيل العلم أو الظّن باعتبار ذلك الجزء المشكوك فيه اتكالا على قبح مؤاخذة الجاهل و أمّا إذا علم أنّ مقصود المولى من الأمر بشربه إنّما هو التبريد أو إسهال الصّفراء مثلا فيجب عليه الاحتياط بإتيان جميع الأجزاء المشكوكة تحصيلا للبراءة اليقينية بعد العلم بثبوت التكليف بذلك العنوان أعني التبريد و الشكّ في حصوله بالأجزاء المعلومة و لذا أبطلنا مسلك المحقق الخوانساري (رحمه الله) في أجزاء الوضوء و الغسل من إجراء أصل البراءة بأنّ الغرض من أوامر الوضوء و الغسل ليس هو نفس الغسلات الخارجيّة بل حصول الطهارة المعنوية و النظافة الباطنية فمع الشكّ في حصول الطّهارة وجب الاحتياط في مقدمات وجودها أعني الوضوء و الغسل (و يمكن أن يجاب) عن ذلك بعد النقض به على جميع المذاهب و عامة المسالك في وضع ألفاظ العبادات من القول بالوضع للأعمّ و للصّحيح بالاشتراك اللّفظي أو بطريق الحقيقة و المجاز أو بكلّ طريق يبدأ في المقام نظرا إلى أنّ المقصود من أوامر العبادات ليس هو حصول نفس الأفعال الخارجية كأوامر الواجبات التوصّلية بل المقصود منها شي‏ء يتوقف حصوله على تلك الأفعال مع صدورها على وجه الطّاعة نظير توقف التبريد على الأفعال الخارجية في المثال المشار إليه و هذا لا يتفاوت فيه بين القول بوضعها لذلك الأمر الّذي هو المقصود بالأمر أو شي‏ء آخر يكون مقدّمة لحصوله و وجوده بأنّ العلم بحصول ذلك العنوان الّذي هو الموضوع له في الخارج على وجه الاحتياط و لو بإتيان جميع الأجزاء و الشّرائط المشكوكة أمر غير ممكن لاحتمال توقف حصوله في الخارج على إتيان الأجزاء و الشرائط الواقعية مع العلم بكونها أجزاء و شرائط نظير توقفه على إتيان الأفعال بعنوان الإطاعة و قصد القربة و مع هذا الاحتمال يتعذر العلم بحصوله في الخارج و لو بإتيان جميع الأجزاء و الشرائط المشكوكة و حينئذ فإمّا أن يقال ببقاء التكليف بالنّسبة إلى نفس الأفعال أو يقال بسقوط التكليف رأسا بناء على أنّ تعذّر بعض محتملات الواجب قبل تعلّق الوجوب يوجب سقوط التكليف به كما تقرّر في الشّبهة المحصورة الوجوبية و الثاني خلاف الضّرورة فضلا عن الإجماع و الأوّل لا يمنع من إجراء الأصل في أجزاء تلك الأفعال لأنّ أثر التكليف بالصّلاة مثلا حينئذ إنّما يتوجّه إلى نفس تلك الأفعال فكأنّها المقصودة بالأوامر دون العنوان القدر المشترك و هو حسن هذا و قد يوجه مذهب الصّحيحي بالتزام البدلية في بعض و الاشتراك في الباقي معنى أو لفظا فيقال أن صلاة الغرقى و المطاردة و صلاة الخوف و صلاة المستلقي و المضطجع و نحوها ممّا لم تحفظ فيه صورة الصّلاة و صورة الأركان أبدال عن الصّلاة الواقعية مجزية عنها في حقّ هؤلاء المضطرّين و أمّا صلاة المسافر و صلاة المرأة و ما أشبههما في محافظة الصّورة الصّلاتية فهي على حدّ سواء في الاندراج تحت المسمّى لفظا أو معنى و فيه أيضا أنّه التزام بما لا يقول به أحد في الجملة إذ الاشتراك اللّفظي و لو بين نوعين من الصّلاة الصّحيحة ممّا لا يقول به الصّحيحي و لا يساعد عليه شي‏ء من الأدلّة الآتية و الاشتراك المعنوي بين الباقي يستتبع المحذور المتقدّم أيضا إذ لا فرق فيه بين سعة دائرة ذلك القدر المشترك و ضيقه مضافا إلى أن جعل ما ذكر من الصّلاة أبدالا مناف لظاهر أدلّتها فإنّها ظاهرة في كونها صلاة لا أبدالا (و هنا تحقيق آخر) نفيس يصحّح مذهب الصّحيحي قد سبق ذكره في مبحث الوضع و هو أن يقال باشتراك لفظ الصّلاة بين الأنواع اشتراكا لفظيا ناشئا من تصرّف المتشرعة و لو في زمان الشّارع بأن كان الموضوع له عند الشارع هو الفرد الكامل المجعول في حق المختار الحاضر ثمّ أطلق في زمان الشّارع على غيره من العبادات المترتب عليها أثر ذلك المجعول الأوّلي أعني التقرب توسعا

و تسامحا نظير مسامحة أهل العرف في إطلاق ألفاظ المقادير المتصلة كالمنّ و الرّطل و الذراع و نحوها على ما يساوي حقائقها الأولية في حصول الغرض و الأثر من الأوزان و المقادير الناقصة و الزائدة بالزّيادة و النقصان الغير الفاحشين فيطلقون على الرّطل إلاّ مثقالا لا اسم الرّطل و على الذّراع إلا نقطة لفظ الذّراع فإطلاق لفظ الصّلاة بعد اختصاص وضعه بفرد خاصّ من الماهيات الصّحيحة على بقية الأفراد كإطلاق لفظ الرّطل على ما ينقص من المقدار المعهود بيسير من غير فرق إلاّ في بلوغ المسامحة في إطلاقات لفظ الصّلاة إلى درجة الحقيقة في زمان الشّارع أو المتشرعة و عدم بلوغ المسامحة في ألفاظ المقادير إلى تلك الدّرجة و لذا ينصرف عند الإطلاق إلى المعنى الأصلي خصوصا في الأوامر الشرعية (و إن شئت) تمثيلا آخر أطبق بما نحن فيه فانظر إلى ألفاظ المركبات العرفية كلفظ السّكنجبين فإنّ الملحوظ في حال وضعه كان هو المركب من الخلّ و العسل‏

137

فتسامح فيه رعيّة الواضع و تبعته فأطلقوه على كلّ مركّب ينفع فائدته من رفع الصّفراء و البلغم إلى أن وصلت المسامحة إلى درجة الوضع حتى صار إطلاقه على المركب من الخلّ و السّكر مثل إطلاقه على المركب من الخلّ و العسل و بالجملة هذه طريقة معهودة عند العرف في ألفاظ المقادير المتصلة فإذا وضع واضع لفظا لمقدار متّصل فسجيّة تبعة الواضع على إطلاق ذلك اللّفظ لما يساوي ذلك المقدار في الفائدة من المقادير الأخر المتقاربة مع المقدار الموضوع له في الأجزاء و الخاصيّة مسامحة (ثمّ) إنّ المسامحة قد تبلغ درجة الحقيقة فيحصل الاشتراك اللّفظي بتصرف التّبعة و توسّعاتهم كما في لفظ السّكنجبين و نظائره و قد لا تبلغ إليها كما في ألفاظ الأوزان و المقادير هذا و لك أنّ تصور سراية الوضع إلى ما عدا المعنى الأولي على وجه تستريح من الاشتراك اللّفظي و هو أن يقال إنّ المعنى الملحوظ في حال الوضع قد يكون جزئيا حقيقيّا و يكون الموضوع له مع ذلك كلّيا و ذلك كما إذا كان ذلك المعنى الجزئي فيه فائدة و أثر كان الملحوظ في حال الوضع ذلك الجزئي باعتبار اشتماله على تلك الفائدة و حينئذ فالوضع يسري إلى كلّ ما يوجد فيه تلك الفائدة على وجه الاشتراك المعنوي لأن الوضع لمثل هذا الجزئي حقيقة وضع لذلك المعنى الكلّي الموجود فيه فهو من قبيل خاصّ الوضع و عام الموضوع له و نظيره في الأحكام الشّرعية المستنبط العلّة و قد سبق منا توضيح كلا الوجهين في مبحث الوضع كما سبق أيضا إحالة جماعة أولهم المحقق الشّريف لمثل هذا الوضع أعني ما كان المعنى الملحوظ في حال الوضع خاصّا و الموضوع له عامّا و إن شئت توضيح المقام على وجه يرتفع منه غواشي الأوهام حتّى تعترف بما في أيدينا عن يقين فارجع إلى ذلك المبحث فإنا بيّناه هنالك بيانا (فإن قلت) سراية الوضع لفظا أو معنى على أحد الوجهين إلى غير المعنى الأولي الملحوظ في حال الوضع يستلزم اندراج الأفراد الفاسدة أيضا تحت المسمّى فيثبت مذهب الأعمي فلم يكن ذلك تصوير المذهب الصّحيحي لأن إطلاق لفظ الصّلاة على الأفراد الفاسدة أيضا فوق حدّ الإحصاء من عصر الشّارع إلى زمن المتشرّعة فإن كان الوضع سرى إلى جميع المعاني المتقاربة للمعنى الأوّلي كانت الأفراد الفاسدة أيضا صلاة حقيقة و لو بتصرف المتشرعة و توسعات التبعة في زمان الشّارع و إلاّ فلا وجه لسراية الوضع إلى الأفراد الصّحيحة الخارجة عن المعنى الحقيقي الأوّلي بشي‏ء من الوجهين (قلت أوّلا) إنّ شرط مسامحة العرف كون المتسامح فيه مثل المعنى الأولي في الفائدة و الخاصيّة إذ ما لا يترتب عليه فائدة المعنى الموضوع له لا يتصوّر فيه المسامحة أعني التنزيل نعم يتصوّر فيه الإطلاق للمشابهة الصّورية و هذا لا يئول إلى الوضع حتى يكون سببا لاشتراك اللّفظ لفظا أو معنى لأنّ هذا الاستعمال على حدّ سائر الاستعمالات المجازية المبنية على ملاحظة المناسبة و المشابهة و تصرّفات التبعة إنّما تؤثر في حدوث الاشتراك اللّفظي و صيرورة المعنى الثّاني مثل المعنى الأوّل في صحّة الإطلاق إذا كانت مبنية على التّنزيل و التسامح و التّنزيل الادّعائي لا يصدر من العارفين بموارد التنزيل و هم أهل العرف إلا فيما إذا كان المعنى الثاني من جميع الوجوه مقاربا للمعنى الأولي كمّا و كيفا و فائدة فمجرد التقارب في الكيفية و الصّورة ليس ممّا يكون منشأ للاستعمال الآئل إلى الوضع سواء كان مع القرينة أو بدونها بل يتوقف أوّله إلى الوضع على تجرّده عن القرينة المتصلة على أقوى الوجهين و القولين كما تقدّما و هذا الفرق هو الّذي يصحّح تحسين تصرّف التبعة في اللّفظ و توسيعهم دائرة الوضع و جعل المعاني الأخر مساوقة للمعنى الأوّل في إطلاق اللّفظ فإنّهم لما وجدوا الأفراد الصّحيحة مثل المعنى الموضوع له في الأثر المقصود و المنفعة المتصوّرة و لم يجدوا لها لفظا أو ألفاظا في العرف و اللّغة لكونها معاني باكرة و ماهيات مخترعة فمسّت حاجتهم إلى التّعبير عنها بلفظ من الألفاظ كسائر المعاني المحتاج في تعبيرها إلى الألفاظ فعبّروا عنها باللّفظ الموضوع لما يقاربها و يساوقها كمّا و كيفا و خاصيّة تأسّيا بالواضع و اقتباسا منه بطريق تأدية المراد بخلاف الأفراد الفاسدة فإنّ حالها كحال سائر المجازات المغايرة للمعنى الموضوع له في شرط الاستعمال أعني لزوم ملاحظة المشابهة أو نحوها من العلائق المعهودة و نصب القرينة و غير ذلك ممّا يعتبر في صحّة استعمال اللّفظ في المعنى المجازي (و الحاصل) أنّ الأفراد الصّحيحة باعتبار كونها مشتملة على الفرض المقصود من المعنى الموضوع له صارت محلاّ للتنزيل و التّسامح بخلاف الأفراد الفاسدة فإنّها على حدّ سائر المجازات في توقف الاستعمال فيها على ملاحظة العلاقة

و عدم صلاحيتها للاستعمال على وجه التنزيل (و ثانيا) أنّ الغرض في المقام تصوير المذهب الصّحيحي و هو لا ينافى جريانه في المذهب الأعمي أيضا غاية الأمر أنّ النزاع يرجع حينئذ إلى سراية المسامحة إلى الأفراد الفاسدة كما يدّعيه الأعمي أم لا كما يدعيه الصّحيحي لكن الظّاهر أنّ الأعمي لا يلتزم بذلك لأنه يقتضي إجمال اللّفظ عند الإطلاق و من هنا يظهر أنّ الأوفق بمقالة الصّحيحي هو الوجه الأوّل أعني كون الصّلاة مشتركا معنويّا بين الأفراد الصّحيحة لا مشتركا لفظيا بتوسّعات المتشرعة و تصرّفاتهم لأنّ صلاة الحاضر و المسافر على مذهبه في مرتبة واحدة من حيث صدق الصّلاة عليها و ليس صدقها على إحدى الصّلاتين مثلا بتبعية صدقها على الآخر كما هو لازم للطّريقة الثانية من سراية الوضع إلى الأفراد الصّحيحة لفظا من جهة المسامحة و التنزيل و أيضا يلزم الصّحيحي حينئذ أن يتوقف عند إطلاق اللّفظ في كون المراد به هو الفرد الكامل أو فرد آخر من بقية الأفراد الصّحيحة قضاء بحكم الاشتراك في زمان الشّارع و الظّاهر عدم التزامه‏

138

بذلك بل الاستعمال المجرّد عنده محمول على المعنى الكلّي إلاّ أن يقال إنّ الأصل في هذا النّحو من الاشتراك حمل اللّفظ عند الإطلاق على المعنى الموضوع له الأوّلي لكونه أصلا بالنّسبة إلى الباقي و لازمه حمل لفظ الصّلاة عند عدم قرينة المراد على صلاة المختار الجامعة لجميع الأجزاء و الشّرائط و فيه تأمّل أو منع هذا تصوير مذهب الصّحيحي و أمّا مذهب الأعمي فيصوّر على وجوه (الأوّل) أن يقال إنّ الصّلاة مثلا موضوعة لعدّة أجزاء معينة منفصلة كالرّكوع و السّجود و القيام و نحوها من الأركان و أمّا باقي الأجزاء كالسّورة و الطّمأنينة و التشهد فإنّها اعتبرت شروطا كالطّهارة لا شطورا فلا يقدح فواتها في صدق اسم الصّلاة و لا يضر احتمال اعتبارها في التمسّك بالإطلاق مثل سائر الشّروط و هذا هو الذي يلزم المحقق القمي (رحمه الله) من مجموع كلماته فإنّه (قدّس سرّه) بعد ما صرّح بأنّ بعض الأجزاء عند الأعمي من مقدمات الماهية بحيث تنتفي بانتفائه قال في آخر المسألة إنّ ظاهر الأصحاب كون الأركان من هذا القبيل و يرد عليه (أوّلا) أن لازم هذا القول الالتزام بعدم صدق الصّلاة حقيقة على صلاة المستلقي و المضطجع و نحوهما ممّا ليس فيه صورة الركوع و السّجود محفوظة لأنّ الإيماء ليس ركوعا و لا سجودا كما لا يخفى و كذا يلزمه القول بعدم صدق الصّلاة على الصّلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشّرائط عدا القيام المتّصل بعد الركوع أو تكبيرة الإحرام أو بعض الأركان خاصّة و البداهة قاضية بأنّهم لا يلتزمون ذلك فكيف يلتزمونه مع أنّ المدار في الموضوع له عندهم على الصّدق العرفي و غير خفي أنّ الصّلاة المشتملة على جميع الأجزاء سوى تكبيرة الإحرام صلاة عرفا و لو كانت فاسدة و هكذا غيرها ممّا لا يخفى (و ثانيا) أنّ تسمية فاتحة الكتاب مثلا حينئذ جزء للصّلاة غلط بيّن لأنّها غير معتبرة في الموضوع له لا حقيقة و لا عرفا فكيف تسمّى هي بالجزء و تسمّى الطّهارة بالشّرط و ما يقال في تصحيحه من أنّها جزء لفرد الصّلاة و هو الصّحيح لا لنفسها و لا منافاة بين كون شي‏ء جزء للخاص و عدم كونه جزء للعام كالنّاطق فإنّه جزء لمفهوم الإنسان دون الحيوان فيدفعه أنّ الفاتحة و السّورة و نحوهما معدودة عند الفقهاء و المتشرّعة من أجزاء الصّلاة ضرورة و إرجاع جزئيتها لها إلى جزئيتها لفردها مضحكة من القول و مصادمة للبديهة و منافية لما هو المركوز و المعهود في ضمائر المتشرعة و الفقهاء قاطبة من كونها أجزاء للصّلاة نفسها (فإن قلت) قد ذكرت آنفا أنّ جزء الفرد يصحّ عرفا عدّه جزءا للكلّي و لو مع ملاحظة وجوده الخارجي لأنّ الكلّي الموجود عين الفرد الخارجي و لذا لا يتناكرون على من يعد جوارح الإنسان الخارجي أجزاء للإنسان (قلت) هذا جيد فيما إذا اتحد الكلّي و الفرد الخارجي في الخارج و من الواضح أنّ الركوع و السّجود و سائر الأركان غير متّحدة في الخارج مع العمل المركب منها و من أجزاء أخر فتأمل هذا و ربّما نوقش في هذا الوجه بأنّ استعمال لفظ الصّلاة في تامة الأجزاء يكون مجازا لأنّ المركب من الموضوع له و غيره خارج عنه خروج التباين على وجه لا يمكن تصحيح كونه حقيقة و لو من باب إطلاق الكلّي على الفرد و هو حسن و إن كان للنظر فيه مجال يظهر بالتأمل (و الثاني) ما يستفاد من كلمات المحقق القمّي (رحمه الله) أيضا و هو أنّ الصّلاة موضوعة للمركّب من جميع الأجزاء لكن التّسمية عرفية و إن كان المسمّى شرعيّا يعني أن اعتبار جميع الأجزاء الواقعية و شرائطها في مفهوم اللّفظ شرعا لا ينافي الصّدق العرفي على الناقص فاللّفظ موضوع للجامع إلا أنّ مدار التسمية في المركبات على العرف فقد يكون انتفاء الجزء سببا لسلب اسم الكلّ و قد لا يكون و فيه أنّ انتفاء الكلّ بانتفاء الجزء قضية عقلية لا يمكن القول بخلافها عقلا و لا شرعا و لا عرفا لأنّ القواعد العقلية محكمة لا يتطرق إليها فتور بوجه من الوجوه و هذا نظير القول باقتضاء النّهي في العبادات الفساد عرفا لا عقلا في الخلوّ عن التّحصيل نعم ربّما يتسامح عرفا في ألفاظ المركبات فتطلق على ناقصة الأجزاء توسعا و لكنّه مبني على النّحو من المسامحة و التنزيل و هذا ممّا لا ينكر في ألفاظ العبادات أيضا و مناف لظاهر مقالة الأعمي أيضا و مخالف لحمل الإطلاقات المجرّدة على الأعمّ و أمّا صدق اسم الإنسان على مقطوع اليد مع كونها من أجزاء الإنسان فقد ظهر أنّه غير مطابق لما نحن فيه لأنّ اليد و غيرها من الأجزاء أجزاء لفرد الإنسان لا لمفهومه لأنّ الإنسان أمر بسيط

بحسب الخارج مركب بحسب الذهن (الثالث) أن يقال بأنّها موضوعة لمعظم الأجزاء و هي التي لا تستتم الهيئة الخارجية بدونها من غير مدخلية لخصوصيّة جزء دون جزء و عبارته الأخرى الأوضح ما أشار إليه بعض المحققين فقال عن جانب الأعمي إن اللّفظ موضوع لما يقوم به الهيئة العرفية المخصوصة من تلك الأجزاء فإن قامت بعشرين منها مثلا كان ذلك كلاّ و إن قامت بعشرة كان ذلك كلاّ أيضا و لا ينتفي مسمّى اللّفظ مع انتفاء الباقي و إن انتفت الخصوصيّة السّابقة إذ هي غير مأخوذة في معنى اللّفظ و قد وقع ذلك في كثير من الأوضاع فإنّ لفظ البيت إنّما وضع لما قام به الهيئة المخصوصة المعروفة في العادة و تلك الهيئة قد تقوم بجميع الأركان و الجدران و الرّوازن و الأبواب و الأخشاب و غيرها ممّا يندرج في اسم البيت مع وجوده و قد تقوم بمجرّد الأركان و بعض الجدران على اختلاف وجوده إلاّ أنّ وجود الأركان و نحوها قد اعتبرت في تحقق مفهومه لتقوم الهيئة بها لا حصول لها بدونها (و أمّا) البواقي فغير مأخوذة في الوضع بالخصوص فإن حصلت كانت جزءا لقيام الهيئة بها حينئذ أيضا و إلاّ فلا و اختلاف الهيئة مع زيادة ما تقوم به و نقصه لا يوجب اختلاف المعنى فإنّ خصوصيّة شي‏ء منها غير مأخوذة في الوضع و إنّما اعتبرت على وجه‏

139

يعمّ الجميع و نحوها الكلام في الأعلام نظرا إلى عدم اختلاف التسمية مع اختلاف المسمّى جدّا فإنّ البدن المأخوذ في وضعها مختلف في نفسه جدّا عن البدن في زمان الوضع إلى حين الشّيخوخيّة مع قطع النّظر عن ورود سائر الطّوارئ عليه و التّسمية على حالها من غير اختلاف و ليس ذلك إلاّ أن يكون الوضع فيها على ما ذكرنا إلى آخر ما أطال في المقام (أقول) يرد عليه أنا لا نتعقل قدرا مشتركا بين الأمور الّتي يتقوم بها الهيئة عرفا و منشأ هذا التحقيق ما ذكره الفاضل الحلبي في وضع الأعلام حيث ضاق عليه الأمر في تصوير كونها معانيها جزئية لا كلية من أنّ الملحوظ في وضعها ليس هو التّشخص الموجود في حال الوضع حتى يكون إطلاقها على المسمّيات بعد زوال ذلك التشخص إلى تشخص آخر مجازا و لا الذّات المعرّاة عن جميع المشخّصات حتى يكون المسمّى كلّيّا بل الذّات مع أحد المشخصات و نحن قد أزحنا فساد هذا الكلام و صورنا وضع الأعلام على أحسن تقدير و تصوير على وجه يستراح به عن الإشكالين المذكورين من دون سلوك هذا المسلك المتعسّف في تقسيم الوضع إلى العامّ و الخاصّ فارجع إلى ذلك المقام تطلع على حقيقة وضع الأعلام فلو بنينا على أنّ وضع لفظ الصّلاة مثلا كذلك لزم أن يكون مدلولها مثل مدلول النكرة لأنّها على هذا التقدير موضوعة لجملة من الأفعال غير معينة نظير وضع الأعلام للذات مع إحدى المشخصات على قول الحلبي و هذا من خواص النكرة و ليس في الألفاظ ما يدل بجوهره على الفرد الغير المعيّن إذ الدّلالة عليه من خواص الطّوارئ عند الأكثر أو من مقتضيات الكلام على الأقوى كما سبق في مبحث الأوضاع و ظاهر أنّ ألفاظ العبادات عند الفريقين من أسماء الأجناس الدّالة على الماهية و جملة غير معينة من الأفعال متقومة بها هيئة العبادة و مصداق من المصاديق الخارجية على غير وجه التعيين فهو شبهة المبهمات في كون الموضوع له هو الفرد دون الكلّي و إن يفارقها من حيث التعيين و عدمه (و أمّا) وضع المركبات العرفية كالدّار و نحوه فهو على أحد الوجوه المتصوّرة في مذهب الصّحيحي فيقال تارة إنّ لفظ الدّار موضوع لمعنى بسيط كالمسكن و المنزل و ما أشبههما و المركبات الخارجية مصاديق لذلك المفهوم كمصاديق الإنسان المركبة من أجزاء خارجيّة بالنّسبة إلى مفهومه و أخرى إنّه وضع أوّلا لأوّل مخترع من الدّور ثم سرى وضعه إلى جميع ما يساويه في الصّورة و الفائدة المقصودة توسّعا و تسامحا من العرف و مقالة الأعمي لا تنطبق على شي‏ء من الوجهين إذ المفهوم القدر المشترك قد عرفت عدم تعقله على مذهبهم بخلاف مذهب الصّحيحي و سراية الوضع إلى جميع الأفراد تخريب لأساسهم من التمسّك بالإطلاق كما أوضحناه سابقا كلّ ذلك مضافا إلى خروجه عن طريق جعال المركبات لأنّك إذا جعلت مركبا و وضعت له لفظا فإنّما تصنعه لتمام المجعول لا لمعظمه و إلى أنّ القول به التزام بخروج الأجزاء الغير المقومة عن حقيقة العبادة و تنزيلها منزلة الشّروط و إن كانت جزءا للفرد و هو ممّا يمكن استظهار اتفاق كلمات المتشرعة على خلافه فإنّهم يعدون الطّمأنينة جزءا للصّلاة لا جزءا لفردها و فيه نظر (و الرّابع) أن يقال إنّها موضوعة لتامّة الأجزاء لكن الوضع قد سرى إلى الناقص المشتمل على المعظم الّذي يحصل به قوام الهيئة بأحد الوجهين المذكورين في مذهب الصّحيحي أعني الاشتراك اللفظي الناشئ عن المسامحة أو المعنوي كما هو أحد الوجوه في وضع الأعلام فإنّ زيدا مثلا موضوع للبدن الموجود في حال الوضع مع ما بها من الأجزاء كلاّ لكن من حيث اشتماله لمعظم الأجزاء الرئيسة فيسري الوضع حينئذ إلى ذلك البدن في جميع الحالات المحفوظة فيه تلك الأجزاء المعظمة و هكذا يقال في وضع لفظ الدّار و الأيارج و السكنجبين و سائر المركبات و الفرق بين هذا و سابقه هو ملاحظة معظم الأجزاء في حال الوضع و عدمه و الأول مبني على الأول و لذا قلنا بخروجه عن طرائق الجعل و الوضع و الثاني مبني على الثاني يعني على عدم ملاحظة معظم الأجزاء لا تفصيلا و لا إجمالا في حال الوضع مع كونه هو المناط و الملاك في الموضوع له و هو أحسن الوجوه سلامة عن الإشكالات الواردة عليها طرأ غير الإشكال الأوّل الوارد على الثاني و حاصله أنّه إن أريد وضع اللّفظ لمفهوم الأجزاء فهو باطل و إن أريد لمصداقه فهو أمر غير منضبط قلّة و كثرة مع عدم معقولية الجامع في المقادير المنفصلة مع كون الجامع أيضا من المقادير و لا يرد ذلك على مذهب الصّحيحي لأن الجامع الّذي قلنا إنّه المناط في حال الوضع‏

للماهية التامة الأجزاء على مذهب الصّحيحي مفهوم بسيط من غير جنس الأفعال الخارجية و هو المعنى الّذي طلب الأفعال مقدمة لحصوله كما مرّ ثمّ إنّه على الوجه الأوّل من وجهي السراية أعني الاشتراك اللّفظي الناشئ من المسامحة ممّا يقطع بعدم قول الأعمي به لأدائه إلى إجمال اللفظ مع عدم القرينة كما ذكرناه في مذهب الصّحيحي أيضا لعدم الفرق بينهما بناء على هذا الوجه إلا في سعة دائرة الاشتراك الناشئ من المسامحة على مذهب الأعمي لسريانها إلى الأفراد الفاسدة أيضا و ضيقها على مذهب الصّحيحي (و الخامس) أن يجعل الموضوع له قدرا مشتركا بين معظم الأجزاء و تمامها أو بين جميع الأجزاء على وجه يكون أمرا بسيطا خارجا عن جنس المقادير و هو جيّد و أنسب بمقالة الأعمي من جميع الوجوه و أوفق بالثمرة المقرّرة على مذهبهم إلاّ أنّ ذلك الجامع أمر غير متعقل لنا إلاّ أن يعتذر الأعمي بما اعتذرنا به للصّحيحي من أنّ تحديده ليس بلازم و إنّما المجدي إمكانه في مقام تصوير المذهب و لم نجد لذلك استحالة في حكم العقل فيكفي احتمال كونه شيئا معقولا عند الشّارع الواضع و فيه أنّ القدر الجامع مع القريب معلوم‏

140

العدم على مذهب الأعمي بخلافه على مذهب الصّحيحي إذ الأفراد المتقرب بها لا بدّ أن تكون مندرجة تحت عنوان يكون هو المقرب نظير القدر الجامع بين الواجبات التّخييريّة فإنّ العقل بعد ما كان قاضيا بذلك فلا يضرّ عدم علمنا به تفصيلا و من المقرّر أنّ الاشتراك المعنوي يستدعي جامعا قريبا إلا أنّ يدعى الجامع القريب أيضا بين الأفراد الفاسدة و الصّحيحة و لو احتمالا و إن كنا معزولين عن إدراكه و اللّه الهادي هذا كلّه في الأجزاء الواجبة (و أمّا الأجزاء المستحبّة) فيظهر حالها من حيث دخولها تحت المسمّى شطرا أو شرطا ممّا ذكرنا فعلى مذهب الصّحيحي تكون خارجة عن حقيقة المسمّى كالأجزاء الواجبة و أجزاء لأفراده الخارجية على أحد الوجهين و داخلة تحت الموضوع له على الوجه الآخر المبني على الاشتراك اللّفظي النّاشئ عن المسامحة و على مذهب الأعمي تكون كالأجزاء الواجبة الغير المقوّمة فيجري فيها ما يجري فيها هذا إذا كان الجزء المستحبّ غير مطلوب في نفسه و كان استحبابه باعتبار كونه مقدّمة لحصول الكلّ المشتمل عليه و إلا كان خارجا عن حقيقة المسمّى و الفرد على جميع المذاهب (توضيح) هذا الإجمال يقتضي بسطا في المقال و هو أنّ الأجزاء المستحبة على ضروب ثلاثة (أحدها) أن يكون مستحبّا نقيّا في جميع الأحوالات الّتي منها حال الاشتغال بالصّلاة و ذلك كتلاوة القرآن و الذّكر و نحوها من الأمور الّتي ثبت حسنها على كلّ حال و هذا القسم في الحقيقة خارج عن حدّ الجزء و تسميته جزءا للصّلاة مبني على التوسّع و المسامحة و التشبيه (و الثّاني) أن يكون مستحبّا نفسيّا في حال الصّلاة سواء كان مستحبّا في خارجها أيضا أم لا و المراد باستحبابه النّفسي أنّ الرّجحان الشّرعي إنّما ثبت له في حال الصّلاة بحيث يكون الاشتغال بالصّلاة مقدّمة للتوصّل إليه و هذا مثل الصّلاة على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بعد الركوع و السّجود فإنّها في جميع الأحوال مستحبة إلا أنّ استحبابها في أثناء العبادة الصلاة آكد و أرجح منه في غيرها و هذا الاستحباب يسري إلى الكلّ المشتمل عليها مقدّمة فتكون الصّلاة المشتملة عليها مستحبّة غيرية و هو لا ينافي وجوبه التخييري لأنّ الوجوب التخييري يجتمع مع الاستحباب العيني كما تحقق في محلّه أمّا الأجزاء الواجبة فهي لا تتصف بالاستصحاب الغيري لاتصافها بالوجوب العيني الغيري و قد تقرر أن الوجوب العيني لا يجامع سائر الأحكام و لو الاستحباب (و الثالث) أن يكون مستحبّا غيريّا لمستحب نفسي كرفع اليدين في حال التكبير مثلا فإنّه جزء مستحب و معنى كونه كذلك أنّ الصّلاة المشتملة عليه مستحب فيستحبّ حينئذ مقدّمة لحصول تلك الصّلاة فهذا و السّابق متعاكسان من حيث الغيرية و النفسيّة لأنّ الاستحباب في القسم الأول عارض لنفس الجزء أصالة و عروضه للكلّ المشتمل عليه عروض غيري تبعي بخلافه في هذا القسم فإنّ الاستحباب النّفسي فيه عارض في الحقيقة للكلّ و عروضه للجزء عروض غيري و ربما يختلفان في بعض الأحكام مثلا إذا قلنا بأنّ التّسليم مستحب و أن استحبابه من قبيل الأوّل لغي الشكوك الواقعة في حال التّسليم لأنّها شكوك قد عرضت بعد الفراغ عن الصّلاة و لو قلنا أنّه من قبيل الثاني وجب العمل بمقتضاها لأنّها شكوك في حال الصّلاة على هذا التقدير و ربما يجعل الركعتان الأخيرتان من التمام في مواضع التخيير بين القصر و الإتمام من القسم الأول و يلزمه حينئذ عدم جواز اختيار التمام في تلك المواضع لمن عليه فريضة بناء على عدم جواز فعل النافلة لمن كان عليه فريضة (قال) في محكي المنتهى من كان عليه فريضة لا يجوز له الإتمام في مواضع التخيير لأنّه لا صلاة لمن عليه الفريضة (قلت) و هو جيّد بناء على كون الركعتين الأخيرتين مستحبة مستقلّة لعدم توقف صدق النافلة على الافتتاح بالتكبير مستقلاّ و أمّا على تقدير كونهما من القسم الثاني على أن يكون الرجحان ثابتا للإتمام نفسا و يكون عروضه للركعتين عروضا غيريّا ففي ما ذكره إشكال أو منع واضح لأنّ الاشتغال بالفريضة لا يمنع عن فعل مستحبّات الصّلاة كالأذان و الإقامة و القنوت و نحوها ممّا هو مستحبّ غيري بمعنى كونه مقدمة لوجود الكلّ الّذي هو أفضل الفردين كالصّلاة المتعقبة للإقامة مثلا و ربما تظهر الثمرة بين القسمين أيضا في شروط أفعال الصّلاة دون الأكوان فيجب مراعاتها في الجزء المستحبّ إذا كان من القسم الثاني لكونه فعلا من أفعال الصّلاة و جزءا من أجزائها و لا يجب إذا كان من القسم الأول لكونه فعلا أجنبيا غير متقوم به الهيئة الوجوبية و لا الهيئة الاستحبابية فلا وجه لمراعاتها فيها و من هنا يظهر أن تسمية ذلك القسم جزءا مسامحة لأنه ليس مقوّما للفرد الواجب و

لا للفرد المستحب لأنّ الفرد حينئذ مقدّمة لوجوده لا أنه متقوم به فتدبّر و على ذلك فمن يقول بوجوب مراعاة شرائط الأفعال الواجبة في الأجزاء المستحبة أيضا حتى أنه لو أتى بالجزء المستحبّ رياء بطل صلاته فعليه الفرق بين الأجزاء المستحبة و عدم اطّراد القول به في سائر المستحبات و هذا مبني على إشباع التأمّل في تمييز كون الجزء من أي القسمين بعد معرفة أنّ الشرط من شروط الأفعال لا الأكوان إذ الخطب في شروط الأكوان سهل لاقتضاء الإخلال بها فساد العبادة في القسمين كما لا يخفى هذا ثم إنّه لو شكّ في كون الشي‏ء شرطا للعبادة أو جزءا لزم التوقف على المذهبين و الرجوع في الأحكام الثابتة للشرائط أو الأجزاء إلى الأصول فيدفع احتمال اعتبار قصد القربة الثابت لأجزاء العبادة بأصل البراءة و اللّه الهادي‏

الأمر الخامس في ثمرة المسألة و هي ثلاثة

[الثمرة الأولى‏]

أشهرها و أسدّها الإجمال و البيان توضيحه أنّ الألفاظ على القول بوضعها للماهيّات الصّحيحة الواقعية الجامعة لجميع الأجزاء

141

و الشّرائط يكون مداليلها مجملة فلا بدّ عند الشكّ في شرطية شي‏ء أو جزئيته من التحري و الاجتهاد ثم الرجوع إلى ما تقتضيه الأصول العملية لأنّ الألفاظ حينئذ تجري مجاري الأدلّة اللّبية في عدم الإطلاق و أمّا على القول بوضعها للأعمّ فهي كألفاظ المعاملات مداليلها أمور بيّنة من حيث الصّدق العرفي فيرجع إلى إطلاقها عند الشكّ في الشروط أو الأجزاء بعد إحراز صدق الماهية ثم إنّ فوائد البيان و الإجمال أي الإطلاق و عدمه لا تحصى (منها) ما يرجع إلى الحكم التكليفي و هو البراءة و الاشتغال فعلى القول بالاحتياط عند الشكّ بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين وجب الاحتياط بإتيان كلّ جزء مشكوك أو شرط يحتمل على مذهب الصّحيحي و يتمسّك بالإطلاق و صدق الماهية في نفي جزئية المشكوك و شرطيّته تكليفا على مذهب الأعمي (و منها) ما يرجع إلى الحكم الوضعي فعلى مذهب الصّحيحي لا بدّ أن يبنى على عدم ترتب ذلك الحكم الوضعي من السّببية أو الشّرطية عند فقد الجزء أو الشرط المشكوكين لأنّ الأصل المحكم في الأحكام الوضعية العدم و المفروض عدم نهوض ظاهر اللّفظ في العدول عن ذلك الأصل و أمّا على مذهب الأعمي فيتمسّك بالإطلاق في نفي الجزء و الشرط المشكوكين و يلتزم بثبوت ذلك الحكم الوضعي مع فقدهما اتكالا على ظاهر الإطلاق و الصّدق العرفي فلو ورد أنّ الصّلاة مثلا في المسجد بمنزلة القبض في الوقف لزم أن يراعى في الصّلاة المقصود بها القبض في جميع الأجزاء و الشّرائط على مذهب الصّحيحي و أمّا على مذهب الأعمي فهو غير لازم لصدق الصّلاة مع العلم بالفساد مع محافظة معظم الأجزاء فضلا عن الشكّ فيه نعم لو ثبت أنّ القبض إنّما يحصل بالصّلاة الصّحيحة وجب حينئذ مراعاة الأجزاء و الشرائط المعلومة و أمّا المشكوكة فيتمسّك أيضا بالإطلاق على عدم اعتبارها كما يتمسّك به على عدم اعتبار المشكوك في المطلوب و أنّ الامتثال يتحقق بدونه و فيه نظر للفرق بين التكليف و الوضع و عدم الملازمة بين نهوض الإطلاق هناك بنفي اعتبار المشكوك و نهوضه هنا بذلك بل الظّاهر هنا الحكم بعدم ثبوت ذلك الحكم الوضعي إلا مع مراعاة الأجزاء المشكوكة لأنّ إطلاق اللّفظ صار مقيّدا بقيد مجمل و هو الصّحيح فيرجع عند الشكّ في حصول سبب الوضع أصالة العدم هذا إذا كان الحكم الوضعي غير مترتب على الحكم التكليفي و إلا كان كلّ من الصّحيحي و الأعمي في الحكم يترتب ذلك الأثر الوضعي كالقبض مثلا سواء على القول بجواز جريان أصل البراءة في الماهيات المركبة المجملة لأنّ أصالة البراءة ينفي وجوب الجزء أو الشرط المشكوكين فيحصل البراءة و لو ظاهرا بالباقي فيترتب عليه ذلك الأثر الوضعي و كذا أصالة الإطلاق على مذهب الأعمي فلو ثبت أنّ كلّ صلاة مبرئة للذمّة يحصل بها قبض المسجد حكم بحصوله بالصّلاة الفاقدة للجزء أو الشرط المشكوكين و بالجملة ثمرة القولين هو الإجمال و الإطلاق و أمّا ثمرات الإطلاق و الإجمال فلا تحصى عند الخبير العارف بحقائق الظنّ هذا و قد أورد على هذه الثمرة تارة بعدم لزوم الإجمال على مذهب الصّحيحي و أخرى بعدم الإطلاق و البيان على مذهب الأعمي (أمّا الأوّل) فلأنّ الماهيات المخترعة المجعولة كالصّلاة و الوضوء و الغسل و نحوها مقرونة في الأخبار بالبيانات القولية و الفعلية على وجه يرتفع منه الإجمال و يتشخّص به الأجزاء عن الشّرائط و المستحبات عن الواجبات و ناهيك عن ذلك صحيحة حماد الواردة في بيان حقيقة الصّلاة و كيفيتها فكلّ جزء تضمّنه الصّحيحة يحكم باعتباره في العبادة و كلّ ما هو خارج عنها يحكم بعدم اعتباره سواء قلنا بوضعها للصّحيحة أو الأعم و كذا الحال في أجزاء الوضوء و شرائطها فإنّ الوضوءات البيانية تتكفّل ببيان أجزائه و شرائطه سواء قيل بوضعه للصّحيح أو الأعمّ و فيه بعد النقض عن اختصاص البيان القولي و الفعلي ببعض العبادات فلا يأتي في جميع العبادات فضلا عن غيرها أنّ البيانات الواصلة إلينا باعتبار اشتمالها على الأجزاء المندوبة و السّنن المرغّب فيها مجملات من حيث عدم تشخيص المستحبّ عن الواجب مضافا إلى أنّ البيان المنفصل غير البيان الثابت لنفس الألفاظ و كون اللّفظ عن المطلقات العرفية و المدّعى هو إجمال الألفاظ بالمعنى الثّاني إلاّ أن يقال إنه ليس بتلك الثمرة لأنّ البيان المنفصل أيضا يكفي للفقيه في مقام الاستنباط و العمل و فيه أنّه إنّما يكفي في مقام سقوط التكليف و حصول البراءة و أمّا في سائر المقامات فقد لا يجدي شيئا كما في الشبهة المصداقية فإن الأعمي يبني فيها على حصول الماهية و لو كانت فاسدة و يرتّب ما ثبت لها من الأحكام مع قطع النظر عن كونها صحيحة كحصول القبض للمسجد إذا فرض كونه‏

من أحكام مسمّى الصّلاة بخلاف الصّحيحي فإنّ البيان الوارد في الرّوايات غير مجد في هذا المقام فلا بدّ حينئذ من التوقف و الرّجوع إلى الأصل لعدم إحراز صدق الماهيّة عند احتمال نقصان بعض الأجزاء أو الشّرائط المعتبرة و هكذا إلى غير ذلك من مواضع ظهور الثمرة بين كون اللّفظ من المطلقات العرفية على مذهب الأعمي و كونه من المجملات الذّاتية المبيّنة بالبيان الطّارئ التوقيفي و أمّا ما عن بعض الأعلام من أنّ السّير في الرّوايات الواردة في شرح الأجزاء و شرائط العبادات مضافا إلى ملاحظة عموم ابتلاء المكلّفين بها مانعان عن الشكّ المستقر في الأجزاء و الشّرائط بل لو حصل الشكّ فإنّما هو شكّ بدوي زائل بمجرّد الالتفات إلى عموم البلوى القاضي بأنه لو كان جزءا أو شرطا لوصل إلينا فلا فرق حينئذ بين القولين في وجوب البناء على العدم عند الشكّ و لذا استقر طريقة الجلّ أو الكلّ‏

142

على إجراء الأصل في أجزاء العبادات و شرائطها مع قولهم بمذهب الصّحيحي فهو من غرائب التحقيقات إذ يرد عليه مضافا إلى ما في هداية المسترشدين من الإيرادات الأربعة أنّه إن أراد نفي الجزئية و الشّرطية عند الشكّ بالظنّ الحاصل من عموم البلوى فمع ابتنائه على اعتبار مطلق الظّن و منافاته للاستظهار باستقرار طريقة الأصحاب على إجراء الأصل في العبادات لأنّ نفي الجزئية بالظن الحاصل من عموم البلوى غير التعويل على الأصل في نفيها أنّه لا مساس له بإبطال الثمرة الّتي هي إجمال الألفاظ على مذهب الصّحيحي و بيانها على مذهب الأعمي لأنّ حصول الظنّ من عدم النصّ بملاحظة عموم البلوى لا يجعل مدلول الألفاظ المتنازع فيها مبنيا على مذهبه الصّحيحي و إن أراد نفيها بالأصل على مذهب الصّحيحي أيضا فهو ردّ على الثمرة الآتية لا على هذه الثمرة (و أمّا الثاني) فمن وجوه (أحدها) أنّ العقل و الإجماع قاضيان بأنّ الأوامر المتعلّقة بالعبادات المخترعة إنّما تعلّقت بأفرادها الصّحيحة لأنّ الفاسدة غير قابلة لعروض طلب الشّارع عليها فعلى القول بوضعها للأعمّ تكون من المطلقات المقيّدة بالقيد المجمل السّاري إجماله إلى المطلق قولا واحدا فلا وجه لمعاملة الإطلاق مع قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* مثلا بمجرّد القول بوضعها للأعمّ بعد فرض كون المراد بها خصوص فرد مبهم في نظرنا معين عند الشارع و هذا الإيراد أيضا مردود (أوّلا) بالنقض بألفاظ المعاملات ضرورة أنّ إمضاء الشّارع إيّاها إنّما تعلّقت بالصّحيحة منها الجامعة لجميع الأجزاء و لشرائط التأثير سواء كانت موضوعة للأعمّ أو للأخصّ أعني الصّحيحة مع أنّ التمسّك بها صار من فطريات الفقهاء و ضروريّاتهم (و ثانيا) بالحل و هو أنّ الإجماع و العقل إنّما يقضيان بأنّ مطلوبات الشّارع ماهيات صحيحة يترتب عليها حصول القرب و الزّلفى و أين هذا من كون الصّلاة المطلوبة هي الأفراد الصّحيحة الواقعية و نظر المورد إلى أنّ الصّلاة المأمور بها في نحو الآية المذكورة مقيدة بالصّحيحة و أنّ الصّحة معتبرة في المأمور بها فقوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* معناه بعد ملاحظة الإجماع و العقل أقيموا ما كان صحيحا من أفراد الصّلاة أي هذا المفهوم (و نحن نقول) أنّ معناه على مذهب الأعمي أقيموا ما يصدق عليه أنّه صلاة و أنّ المراد بكونها صحيحة أن ما تعلّق به الطّلب و هو كلّ ما يصدق عليه أنّه صلاة عدا بعض الأفراد الثابت خروجه بدليل صحيح مفيد للأثر المقصود لأنّ طلب الفاسد فاسد و السرّ في ذلك هو أنّ التخصيص و التقييد إذا لم يكن من جانب المتكلّم بل من جانب العقل كان تقديريّا موقوفا على وجود عنوان المخصّص في أفراد العام فمتى شكّ في الوجود شكّ في التخصيص فإذا قال المولى صلّ و المفروض أنّ الصّلاة مطلقة كان إطلاقه دليلا و أمارة على كون جميع الأفراد مفيدة للأثر المقصود و صحيحة بهذا المعنى و إن علمنا عن العقل أنّ غير المقيد من أنواع الصّلاة غير داخل تحت الإطلاق لأن العلم بذلك غير مستلزم للحكم بأنّ المراد بالصّلاة المأمور بها هو الفرد دون الكلّ حتى يكون مقيدا بالمجمل لإمكان إبقائه على كلّيته و الحكم بعدم وجود عنوان المقيد و هو الفاقد لشرط التأثير في أفراده (ثمّ) إذا قال المولى مثلا لا تصل في النجس علمنا تقييده بغير الواقع في النجاسة و نأخذ بهذا التقييد و نجري الكلام بالنّسبة إلى المشكوك فيه من الأجزاء و الشرائط إلى آخره و هذا نظير قول الإمام (عليه السلام) لعن اللّه بني أميّة قاطبة في شمول الحكم لجميع أفراد بني أمية إلا ما ثبت إيمانه و صلاحه لأنّ قرينة العقل قاضية بأنّ الصّالح خارج عن عموم هذا الحكم فكما أنّ هذا الخطاب و أمثاله ليس من المجملات العرفية مع ثبوت التخصيص العقلي و احتمال وجود الخارج في أفراد العام الخارجية فكذلك خطاب أقيموا الصّلاة خطاب مطلق بالنّسبة إلى كلّ ما يصدق عليه أنّه صلاة و هو لا ينافي ثبوت الملازمة بين الطّلب و الصّحة لأنّها من عوارض المطلوب الواقعي فيستدلّ من أحدهما أعني الطّلب على وجود الآخر فيقال إنّ هذه صلاة و كلّ صلاة مطلوبة (ثمّ) يقال إنها صحيحة لأنّها مطلوبة و كلّ مطلوبة صحيحة فلو منع أحد كبرى القياس الأوّل دفعناه بإطلاق الأوّل و لو منع عن كبرى الثاني دفعناه بحكم العقل و الإجماع و بالجملة الخلط بين تقييد الصّلاة لمفهوم الصّحيحة و بين كون الصّحة من عوارض المطلوب أوقع المورد في حسبان الإجمال على مذهب الأعمي و هو خطأ واضح نقضا و حلاّ و ربّما يقتصر في الجواب و يقال إن الصّحّة ليست إلاّ موافقة المأمور به و هو عنوان منتزع من الأمر و العناوين المنتزعة من الأمر يستحيل كونها مكثرة و مقيدة للمأمور به‏

إذ القيود المكثرة ما كان من صفاته قبل الأمر و إلا فيلزم الدّور كما لا يخفى و هو حسن لكنّه مبني على تفسير الصّحة بموافقة الأمر و قد عرفت ما فيه فلو فسرناها بتامة الأجزاء و الشرائط تعيّن الجواب بما قلنا فافهم (و ثانيها) أنّه قد ورد في العبادات الشرعية مقيّدة مجملة مثل قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في الصّلاة صلّوا كما رأيتموني أصلّي لأنّا لا ندري كيفية الصّلاة الّتي صلاّها النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و في الحجّ خذوا مناسككم عني و من المقرّر أنّ المطلق المقيد بالقيد المجمل مجمل و فيه بعد النّقض عن عدم اطّراد هذا النحو من التقييد و اختصاصه ببعض العبادات أنّ نفس المقيد إذا كان مجملا و كان له قدر متيقن فإجماله لا يسري إلى المطلق ففي كلّ ما شكّ في جزئيّته للعبادة حينئذ يرجع فيه إلى الإطلاق إذ لم يثبت من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) صلّوا كما رأيتموني أصلّي جزئية الشي‏ء المشكوك و لم يعلم اشتمال صلاته الّتي صلاّها عليه فيرجع فيه إلى إطلاق الصّلاة هذا مضافا إلى العلم القطعي باشتمال صلاته (صلى اللَّه عليه و آله) على جملة من الآداب و الأجزاء المندوبة فلا ينهض الأمر بها للدلالة على وجوب شي‏ء جزءا عند الشكّ و بمثله يجاب عن الثاني أيضا فإنّ مناسك النّبي (صلى اللَّه عليه و آله)

143

كانت مشتملة على السّنن و الآداب قطعا و هو قرينة على حمل قوله (صلى اللَّه عليه و آله) خذوا مناسككم على الاستحباب أو على القدر المشترك فيكون مجملا نعم في الضّدّين اللّذين لا ثالث لهما كالجهر و الإخفات لا يتجه الرّجوع إلى الإطلاق بعد ملاحظة المقيدين المذكورين كما هو واضح فلا وجه لتعطيل الإطلاق مطلقا و قد يجاب عن قوله (صلى اللَّه عليه و آله) صلّوا كما رأيتموني أصلّي بأنّه مجمل من دورانه بين صيغة الماضي فيكون إخبارا عن حال الصّلاة الّتي صلاّها الأنبياء و الأولياء السّابقون و بين صيغة الأمر و هو حسن لو لم يدع ظهورها في الأمر إلاّ أن يقال إنّه ظهور غير لفظي فلا يجدي في رفع الإجمال فتدبّر (و ثالثها) كثرة التقييدات الواردة على هذه المطلقات فإنّها توجب وهنها و سقوطها عن صلاحيّة الاستدلال بها في القيود المشكوكة و فيه مع عدم اطّراده أيضا كما لا يخفى أنّ كثرة التقييد ليست ككثرة التخصيص في توهين العام إلاّ أن يلوح منها عدم ورود المطلق في مقام البيان و هو غير ظاهر من ملاحظة كثرة التقييد فلا بدّ له من بيان آخر (و رابعها) أن معاني الألفاظ المتنازع فيها معاني جديدة مخترعة من الشّارع غير معلومة و لا معهودة عند المخاطبين و من المعلوم اشتراط العلم بالمعنى في صحّة التمسّك بالإطلاق و هذه المناقشة من الأغلاط البيّنة لأن ادّعاء جهل المسلمين المخاطبين بها في جميع استعمالاتها على كثرتها و تداولها في السّنين مصادمة للبديهي خصوصا مع ملاحظة مساس حوائجهم إلى معرفة معانيها علما و عملا في كلّ يوم و ليلة أو في كلّ سنة فلا أقلّ من العلم بها في جملة من الاستعمالات و هو كاف لنا في الاستدلال و لو بمئونة ما علم في بعضها من تاريخ الصّدور و كونه في أثناء البعثة و أواخره المعلوم وضوح معانيها للمسلمين عنده مع إمكان ادّعاء علمهم بها في أول استعمالاتها بدعوى سبق البيان النبوي قبل التكلّم بها (فإن قلت) العلم بوضوح معانيها في بعض الاستعمالات غير كاف لاشتباه متضح المعنى بغيره فوجب التوقف (قلت) بعد ثبوت اتضاح معانيها في الجملة يتجه التمسّك بإطلاق الباقي أيضا بحمله على ذلك البعض الّذي فرض علم المخاطبين بمعناه و فيه تأمّل و الأولى أن يقال إنّ ذلك البعض له قدر متيقن و هو ما قارن أواخر البعثة فيكفي عند الحاجة إطلاقه كلّ ذلك في كلمات النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و أمّا كلمات الأئمة (عليهم السلام) فإنكار وضوح معانيها عند معاصريهم من المسلمين لا سبيل إليه عند من له مسكة (و خامسها) أن مطلقات الكتاب إمّا أن تكون قد وردت في مقام تشريع أصل العبادات على نحو الإجمال أو بعد العلم ببيانها و معرفة أجزائها و شرائطها تفصيلا فهي إمّا قضايا مهملة مسوقة لبيان حكم آخر غير الأجزاء و الشّرائط المعتبرة فيها على تفاصيلها و هو إعلان أصل التشريع و إفهام جنس التكليف أو واردة في مقام الحثّ و التّرغيب و الاهتمام عليها على وجه يجري مجرى المعهود الخارجي و من الأوّل نحو قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* و لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ و غير ذلك من الآيات و الأخبار المقصود بها تشريع الأحكام و من الثاني قوله تعالى‏ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ و اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ* و الحديث أنّ صلاة فريضة خير من عشرين ألف حجّة و نحوها لا تحصى عددا و هذا الإيراد متين في الغاية إلا أن اطّراده في جميع العبادات كالوضوء و الغسل و التيمم و الصّوم و الاعتكاف و غيرها من سائر العبادات أيضا محلّ نظر على أنّ ثمرة الإطلاق غير مختصّة بالكتاب فيجري في السّنة و أخبار الأئمة (عليهم السلام) (و سادسها) ما ذكره المحقق القمّي (قدّس سرّه) في أواخر المسألة من أنّ المراد بألفاظ العبادات في كلمات الشّارع على القول بالأعمّ ليس هي الماهيّات المخترعة تفصيلا على أن تكون ملحوظة مع ما بها من الأجزاء و الشّرائط على وجه التفصيل بل هي مرادة منها على وجه الإجمال الرّاجع إلى ملاحظتها بجنسها الّتي توجب تمييزها عن غير جنسها كجنس ذات الركوع عن ذات السّجود و هو لا يصلح للاستناد إلى الإطلاق في الأجزاء و الشّرائط هذه خلاصة ما حصلنا و نحن بعد إشباع التأمل ما فهمنا منه سوى ما ذكرنا في الوجه الخامس من دعوى الإهمال في تلك المطلقات و عليك بالتأمّل لعلّك تفهم منه شيئا آخر (و سابعها) أن المتبادر من الألفاظ المذكورة هي الماهية الصحيحة باتفاق الفريقين إذ

الأعمي أيضا معترف بهذا التبادر و لكنه معتذر بأنّه ناش من جهة كونها أكمل و أفضل فتكون المطلقات كلّها مجملة لانصرافها إلى أمر مجمل و هذا الإيراد على تقدير تسليم التبادر وارد إذ لا فرق في الإجمال بين عدم اتضاح المعنى الموضوع له أو المعنى المنساق منه بقرينة كالكمال و نحوه‏

و الثمرة الثّانية

جواز إجراء الأصل أو الأصول في أجزاء العبادات و شرائطها المشكوكة على مذهب الأعمي و وجوب الاحتياط و البناء على الجزئية و الشّرطية على مذهب الصّحيحي و فيه على فرض صحتها ما عرفت في الثمرة الأولى من أنّها من ثمرات تلك الثمرة فليست بثمرة أخرى مع أنّها بمكان من الضّعف و السّقوط لأنّ الأكثر مع قولهم بمذهب الصّحيحي كما ستعرف قائلون بعدم الاحتياط في أجزاء العبادات و سائر المركبات كما تحقق في موضعه و أوّل من أحدث القول بالاحتياط في مقابل الأكثر و فتياهم المحقّق السّبزواري على ما نقل عنه إلحاقا للشكّ بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين بالشكّ بين المتباينين و قد زيّفناه و أبطلناه و أفسدناه بما لا مزيد عليه في محلّه و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى ثم تبعه غير واحد من المتأخّرين منهم الرّئيس البهبهاني (رحمه الله) ذاكر هذه الثمرة فهي على مختاره في مسألة البراءة و الاشتغال جيّدة و أمّا

144

على مذهب الآخر الأشهر بين من تقدّم و من تأخر ففسادها قد تبين هذا و ربّما أجيب عن ذلك أيضا بما يتناكر على ذكره أصاغر الطّلاّب و هو أنّ إجمال مدلول لفظ الصّلاة مثلا على مذهب الصّحيحي لا يمنع عن الرجوع إلى الصّدق عند المتشرعة في تعيين المأمور به لأن الوضع عند الشّارع شي‏ء و صدق الماهيّة عند المتشرعة شي‏ء آخر و لا منافاة بين الجهل بأحدهما و العلم بالآخر و فيه أنّ إجمال معنى اللّفظ عند الشّارع مع إمكان إحراز صدق الصّلاة عند المتشرّعة لا يتعقل إلا بمغايرة معناه الشّرعي لمعناه الثابت عند المتشرعة بنقل و نحوه و مع ذلك فكيف يتخيل إمكان الاقتناع في سقوط التكليف بإتيان ما هو صلاة عند المتشرعة مضافا إلى ابتنائه على مغايرة الاصطلاحين و هو خلاف ما عليه بناء الفريقين فإنّ كلاّ منهما يستظهر في دعواه بالتبادر في عرف المتشرّعة و لعلّ المجيب ذهب إلى ما ذكر اغترارا بظاهر بعض كلمات المحقق القمّي (رحمه الله) حيث إنّه ذكر في الردّ الثالث من الرّدود الّتي أوردها على من حكم بالاحتياط عند الشّكّ في الأجزاء لاختياره مذهب الصّحيحي فيها دون الشّرائط و لعلّه الرّئيس البهبهاني (رحمه الله) على ما يوهم ظاهره عند هذا الوهم السّخيف و أنت لو تأملت في كلامه حق التأمل أرجعته إلى ما ذكرناه من عدم اقتضاء إجمال مداليل العبادات سقوط أصل البراءة و أصل العدم في أجزائها و شرائطها المشكوكة فتأمل‏

و الثمرة الثالثة

هي الّتي أفادها المحقق القمي (رحمه الله) أعني جواز إعطاء النذر لمن يشكّ في صحّة صلاته على الأعمي و عدم الجواز على الصّحيحي قال ما حاصله إن الإطلاق و الصّدق على مذهب الأعمي ينهضان بإثبات صحة الصّلاة المشكوكة فيحصل البرء بإعطاء المنذور مباشرها و أمّا على مذهب الصّحيحي فلا شي‏ء يوجب جواز الإعطاء مع الشّكّ في الصّدق و الصّحة و ربما يناقش فيما ذكره من الدّليل و إن كان أصل المدّعى حقا بأنّ الأصل اللّفظي كأصالة العموم عند الشّكّ في المصداق المخصّص ساقط في نظر التحقيق فكيف عن أصالة الإطلاق الّذي ليس من الأصول اللفظية على الوجه الأظهر فالأولى تبديل الإطلاق بالأصل العملي و هي أصالة الصّحة فيقال إنّه إذا شكّ في صحّة صلاة المصلّي حكم بالصّحة عملا بأصالة الصّحة على الأعمي لأنّ صدق الصّلاة محرز و احتمال الفساد مدفوع بالأصل المزبور و لا يحكم بها على الصّحيحي لعدم إحراز صدق الصّلاة الّتي هي موضوع للنّذر و متعلّقه و أصالة الصّحة إنما يثبت به الصّحة لو كانت واقعية لا الموضوع كما تقرّر في محلّه و ربما يشعر بعض كلماته بأنّ أصل الصّحة لا يثبت الصّحة الواقعية فلا ينفع في صورة الشّكّ على مذهب الصّحيحي لأنّ متعلّق النذر هو الفرد الصّحيح الواقعي الّذي يعتقده النّاذر فأورد عليه بأن مؤدّاها الحمل على الصّحيح الواقعي دون الفاعلي و الإنصاف أنّ كلماته (قدّس سرّه) ليست آبية عن الرجوع إلى ما قلنا فيسقط الإيراد كما لا يخفى‏

الأمر السّادس في تأسيس الأصل في المسألة

(و اعلم) أنّ الأصل يختلف حاله باختلاف الوجوه المقرّرة في تصوير المذهب الأعمي فإن كان الوضع للأعمّ ابتداء ناشئا من ملاحظة القدر المشترك بين الصّحيحة و الفاسدة أعني معظم الأجزاء أو من ملاحظة تام الأجزاء من حيث اشتماله على المعظم كان المقام من باب دوران الأمر بين الاشتراك المعنوي و الحقيقة و المجاز و قد سبق الكلام في أولوية أحدهما على الآخر في مسألة دلالة الاستعمال على الحقيقة و محصّله عدم الأولوية بحسب مقتضى الأصول لأنّ أصالة عدم الوضع للخصوصيّة معارضة بأصالة عدمه القدر المشترك و ليس هنا قدر متيقن معتبر في الموضوع له حتى يرجع فيما زاد إلى أصالة العدم و أمّا بحسب الغلبة فقد ذكرنا أنّها تقتضي ترجيح الاشتراك المعنوي في بعض المقامات لا مطلقا و لعلّ محلّ البحث من جملتها لأنّ الغالب في اللّفظ المستعمل في الجامع و الخصوصيتين وضعه للجامع و لكن الكلام في اعتبار هذه الغلبة حتّى يكون القول بالأعم أصلا في المسألة إلاّ أن يؤيّد تلك الغلبة باستلزام القول بالوضع لإحدى الخصوصيّتين جعل الاستعمال في الجامع من باب عموم المجاز الّذي هو في غاية النّدرة مضافا إلى أصالة الحقيقة في استعمالاته في الخصوصيّة الأخرى (و الحاصل) أنه إذا كان اللّفظ مستعملا في الخصوصيّتين و في القدر المشترك بينهما وجب الالتزام بالاشتراك المعنوي لغلبته و أكثريّته في خصوص هذا القسم من أقسام الدّوران بينه و بين الحقيقة و المجاز و ندرة عموم المجاز و أصالة الحقيقة في استعمالاته في الخصوصية الأخرى و من الواضح ثبوت استعمال لفظ الصّلاة مثلا في القدر المشترك بين الصّحيح و الفاسد ثم على تقدير عدم تمامية الغلبة و عدم نهوض الأصل بشي‏ء من المذهبين قد يقال بأن الوضع للصحيحة قدر متيقن على كلّ تقدير و هو كما ترى نعم يجب ترتيب آثار الحقيقة على الفرد في مقام العمل في كثير من الموارد لكونه متيقنا على تقديري الوضع له أو للقدر المشترك لكنه غير مطّرد إذ لا يتم في مثل دوران صيغة الأمر بين الوجوب و القدر المشترك بينه و بين النّدب إلا أن يمنع كونه من هذا القبيل بناء على كون وضع الأمر بحسب الهيئة من قبيل وضع الحروف و إن كان الوضع وضعا ناشئا من المسامحة على الوجه المتقدم انقلب الأصل فيكون موافقا لمذهب الصّحيحي لأنّ بلوغ المسامحة إلى حدّ اندراج الأفراد المتسامح فيها تحت الاسم و هي الأفراد الفاسدة يدفع بالأصل أو الأصول الّتي لا تخفي و اللّه الهادي إذا عرفت هذه الأمور الّتي معرفتها من مقدّمات الخوض في المسألة (فنقول) إنّ الأقوال فيها ثلاثة (أحدها) الوضع للماهية

145

الجامعة لجميع الأجزاء و الشّرائط المعتبرة في الصّحة بالمعنى المتقدّم و هذا محكي عن الأكثر و هو مذهب عبد الجبّار من العامة حيث انتهض في عدم الإجمال في قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب أو لا صلاة إلاّ بطهور بأنّ المراد نفي الحقيقة لكون المنفي أمرا توقيفيّا شرعيّا و نقله الشّيخ (قدّس سرّه) في العدة في باب المجمل و المبيّن و استقربه و على هذا النّمط مشى العميدي في ذلك الباب من المنية و كلّ من ذهب إلى عدم الإجمال في الموضوعات الشّرعيّة الّتي دخلها حرف النفي دون الموضوعات اللّغوية (و ثانيها) الوضع للأعمّ من تامّة الأجزاء و الشّرائط و هو ظاهر العضدي أو صريحه و ظاهر كلّ من ذهب إلى الإجمال في مثل لا صلاة إلاّ بطهور و به صرّح العميدي في باب دلالة النهي على الصّحة مستدلاّ عليه بما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى (و ثالثها) التّفصيل بين الأجزاء و الشّرائط ففي الأوّل اختار قول الصّحيحي و في الثاني مذهب الأعمي و ربما نسب إلى الرّئيس البهبهاني (رحمه الله) و قيل إنّه من محدثاته قلت و الّذي يظهر منه (قدّس سرّه) في حاشية المعالم أنّ القائلين بوضعها للأعمّ يقولون به في الشّرائط خاصة و هذا هو الموافق لما في حاشية العضدي للفاضل الباغنوي و هو أوّل من أشار إلى الخلاف في هذه المسألة فيما عثرت به حيث قال في مسألة دلالة النّهي على الصّحة و عدمها ما حاصله إنّ هذا الخلاف مبني على خلاف آخر و هو أنّ الألفاظ هل هي موضوعة لتامة الأجزاء و الشّرائط أو للأعمّ من تامة الشّرائط و فاقدها و جعل القول بالأعمّ بالمعنى المذكور مذهب الجمهور و ظاهره اختيار هذا القول و ممّا ذكرنا يحصل التوفيق بين نسبة جماعة القول الأول إلى الأكثر و بين ما سمعت عنه من كون القول بالأعمّ مذهبا للجمهور لأنّ التعميم من حيث الشّرائط لا ينافي التخصيص من حيث الأجزاء فينزل القول بالصّحة الّذي حكي عن الأكثر على الصّحة في الأجزاء لكن المحكي عن عبد الجبّار الّذي استقربه الشّيخ في العدة كما نقلناه يأبى عن هذا التنزيل مضافا إلى أنّ ناسب القول بالصّحة مطلقا إلى الأكثر ممّن يبعد في حقه الاشتباه و الخلط بين الأجزاء و الشّرائط

[الكلام في أدلة مذهب الصحيحي‏]

(حجّة القول الأوّل) وجوه أمتنها أمور

الأوّل التبادر

و ذلك يتضح من ملاحظة إطلاقات لفظ الصّلاة و الوضوء و غيرها في عرف المتشرعة الكاشف عن حال تلك الألفاظ في الكتاب و السّنة مثل قول القائل صلّيت الصّبح و توضّأت و حججت و صمت و نحوها و منكر التبادر مكابرة و هو آية الوضع عند المتشرعة فيلحق بها استعمالات الشّارع أو الوضع الشّرعي للاتفاق على أنّ المعاني الثابتة عند المتشرعة هي الّتي وصلت إليهم من الشّارع و إن اختلفوا في قدم الوضع و حدوثه (أقول) فيه (أوّلا) إنّ المقدّمة الّتي هي مبنى الاستدلال بعلائم الوضع من التبادر و غيره في هذه المسألة ممنوعة إذ لا ملازمة بين العرفين و الاتفاق المدعى على فرض تسليمه لا يجدي في المقام كما لا يخفى و لذا استقر رأي المحققين على بطلان الاستدلال بالتبادر في إثبات الحقيقة الشّرعية نظرا إلى عدم نهوض التبادر في عرفهم إلاّ بإثبات الوضع عندهم فإن جاز مغايرة معنى لفظ الصّلاة مثلا بحسب زمان الشّارع و المتشرعة لم ينفع إثبات الوضع للصّحيح في عرف المتشرعة في إثباته أيضا عند الشّارع و إن لم يجز المغايرة و بني على كون عرف المتشرعة مرآة للمراد من هذه الألفاظ في لسان الشّارع كان التبادر نافعا في إثبات الحقيقة الشّرعيّة أيضا مع أنّه بمعزل عن الصّواب في نظر المحققين و إن تمسّك به بعض غفلة أو بضميمة مقدمات أخرى كما مرّ اللّهمّ إلاّ أن يفرق بين المقامين و يقال إن ثبوت الوضع في عرف المتشرعة لا يستلزم ثبوته في زمان الشّارع و لذا سقط الاستناد إلى التبادر في المسألة السّابقة و أما بعد ثبوت الوضع في زمان الشّارع و البناء عليه كما هو مبنى الخلاف في هذه المسألة عند من تعرّض لها من القوم فالظّاهر حينئذ اتحاد المعنيين و أنّ المعنى الّذي أريد منها في الصّدر الأوّل حقيقة أو مجازا هو الّذي آل أمره إلى الوضع في الأزمنة المتأخرة و هذا الفرق أوهن شي‏ء في المقام مع أنّ التعويل على هذا الاستظهار في إثبات المرام فيه ما لا يخفى و الجواب أن ثبوت الحقيقة عند المتشرعة لما كان غير مستلزم لثبوت الحقيقة الشّرعية فعند الشّكّ في ثبوتها يرجع إلى أصل العدم و لو على تقدير ثبوت الحقيقة عند المتشرعة لأصالة التأخر ففي المسألة السّابقة لا يجدي شي‏ء من علائم الوضع بخلاف هذه المسألة فإنّها بعد الفراغ عن ثبوت الحقيقة الشّرعية و أنّ المعنى الشّرعي ما ذا فكلّ ما ثبت عند المتشرعة أنه الموضوع له فبأصالة عدم النقل و التغيير يثبت أنّه هو المعنى الشّرعي و لذا صار المرجع في هذه المسألة علائم الوضع عند الفريقين دون المسألة السّابقة و لا يضرّ في ذلك عدم تفرع النّزاع على ثبوت الحقيقة الشّرعية لأنّ النزاع الواقع إنّما هو بين المثبتين مضافا إلى إمكان إجراء بعض الأصول على تقدير عدم الثبوت بالقياس إلى المستعمل فيه فتدبّر (و ثانيا) بالنقض بالمعاملات أو المتبادر من قول القائل بعت داري أو باع فلان هو البيع الناقل الصّحيح مع أنّها موضوعة في العرف للأعمّ و إن كانت حقيقة في الصّحيحة عند الفقهاء (و ثالثا) بالحلّ و هو أنّ تبادر الصّحيحة من الإخبار بها إنّما هو لأجل قضاء العادة و شهادة العقل و الاعتبار و بعدم إقدام العقلاء على الأفعال الباطلة فهي قرينة على أنّه أراد بالصّلاة الّتي أخبر بإتيانها الصّلاة الصّحيحة النافعة و إن كان الصّادر منها في الخارج محتملا لمطابقته للواقع و عدمها في نظرنا فلو جرّد المقام عن جميع القرائن أمكن منع تبادر الصّحيح لو لم يدع تبادر الأعمّ خصوصا بالنّسبة إلى الشّرائط

146

هذا و ربما أورد على التبادر تارة بعدم العلم باستناده إلى حاق اللّفظ و هو المعتبر فيما يستدل به على الوضع و أخرى بأنّه تبادر بدوي ناش من كون الصّحيحة أكمل من الفاسدة فيزول في ثاني النّظر كتبادر ذي رأس واحد من لفظ الإنسان و تبادر الماء الصافي من لفظ الماء و يؤيّده أنّ المتبادر من الأمثلة المتقدّمة الصّلاة المشتملة على بعض المستحبات أيضا كالقنوت و التكبيرات المتعارفة مع كون الموضوع له أعمّ منه بالاتفاق و يرد (على الأوّل) أنّ المقام ليس ممّا يتطرّق فيه احتمال أو شكّ لأنّ المدّعي للتبادر يدعيه إذا ألقى الكلام إلى أهل العرف مجرّدا عن القرينة و إنّما يتطرق احتمال الاستناد إلى القرينة في المحاورات الجارية بين النّاس كما إذا رأينا أحدا يتكلّم بلفظ فسبق إلى ذهن مخاطبه معنى فإنّه ممّا يحتاج فيه إلى التمسّك بأصالة عدم القرينة في إثبات كون التبادر وضعيّا و ما نحن فيه أجنبيّ عن ذلك كما لا يخفى مضافا إلى ما عرفت في باب التبادر من أن صغراه إذا أحرزت بالأصل كان النتيجة الحاصلة منه و من تلك الصّغرى من الأمور الثابتة بالدّليل بناء على ما استقر عليه طريقة السّلف و الخلف و العرف من الاتكال على الأصول العدمية مطلقا أو في خصوص الألفاظ كما أسلفنا الكلام فيه في طرق الوضع (و على الثاني) المنع إذ المتبادر في الأمثلة المذكورة ممّا لا يدانيه ارتياب على وجه الاستقرار و عدم الزّوال بالتأمّل بل الأمر كذلك بالنّسبة إلى الفرد الكامل و المشتمل على بعض المستحب إلاّ أن السّر فيه هو ما قلنا من استقرار العادة و ظهور حال العاقل فالثاني قرينة عامة على إرادة الصّحيحة و الأوّل قرينة على إرادة الصّحيحة الكاملة و هي المشتملة على المستحبّات المتعارفة فهنا دوال ثلاثة يدلّ كلّ واحد منها على شي‏ء فاللّفظ إنّما يدلّ على أنّ المخبر به هي الصّلاة دون الصّوم مثلا و ظهور حال العقلاء يدلّ على كون المراد بها الصّلاة الصّحيحة و استقرار العادة و التعارف يدلّ على إرادة الكاملة هكذا ينبغي فهم المقام ثمّ الفاصل في هذه الدّعوى صحّة سلب الصّلاة عن الفاسدة و عدمها فالأوّل يكشف عن كون التبادر مستقرا مستندا إلى حاق اللّفظ و الثاني يكشف عن استناده إلى القرينة أو كونه تبادرا بدويّا

الثّاني صحّة السّلب‏

عن الفاسدة مع العلم بالفساد لأنّ ضرورة الوجدان قاضية بأنّ الصّلاة الفاقدة للطّهارة أو القربة أو بعض الأجزاء خصوصا إذا كان ركنا يصحّ سلب الصّلاة المشروعة عنها في عرف المتشرعة و كذا الوضوء الفاقد لبعض الأجزاء كمسح أحد الرّجلين أو بطهارة الماء المستعمل و منكره مكابر و قد يعارض ذلك بصحّة صدق الصّلاة على صلاة اليهود و المخالف بديهة من غير تقييد بالصحّة و ستعرف الكلام فيه في حجة القول الثّاني‏

الثالث ظواهر الآيات و الأخبار

الدّالة على فضائل الصّلاة مثل كونها ناهية عن الفحشاء و المنكر و كونها قربان كلّ تقي و كونها كبيرة إلاّ على الخاشعين و كونها عمود الدّين و كونها كتابا موقوتا و كونها خير من الدّنيا و ما فيها و كونها خير من عشرين حجة و غيرها من الآثار و نحوها ما ورد في الصّوم و سائر العبادات من المثوبات الثابتة لطبائعها من غير تقييدها بالصّحيحة فإنّ الفاسدة ممّا لا يترتب عليها شي‏ء من تلك الفضائل و الآثار بالضّرورة فلا تكون صلاة بقاعدة عكس النقيض و فيه أن ما ورد في ذكر فضائل العبادات و مثوباتها قضايا مهملة وردت في بيان ما يترتب عليها من الفوائد فلا إطلاق فيها حتّى يستدلّ به بطريق العكس على خروج الفاسدة عن حقائقها (توضيحه) أنّ قوله تعالى‏ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ إذا لم تكن كلّية بمعنى أن كلّ فرد من الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر لم يفد انحصار أفرادها في الصّحيحة بطريق العكس لأنّ عكس نقيض الموجبة الجزئية جزئية مثل الأصل و المفروض أنّه ليس في الكلام شي‏ء من أدوات العموم إلاّ الإطلاق الّذي يشترط في دلالته على العموم شروط غير محرزة في المقام سلّمنا بناء على أنّ المطلق في بيان الأحكام الوضعية و لو لم يكن في مقام البيان و كذا النّهي يفيد العموم مثل قوله تعالى‏ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً و أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و نحو ذلك و إن كان فيه ما هو غير خفي على الخبير المتدرّب كما حقّقناه في محلّه لكن نسبتها إلى أدلّة الأعمي كنسبة الأصل إلى الدّليل فعلى تقدير تماميّتها يجب تقييد إطلاقاتها بالصّحيحة فتأمل جيّدا

و الرّابع ما ورد في الشرع‏

من نفي حقائقها لفقد بعض الأجزاء و الشرائط و ذلك مثل قوله (عليه السلام) لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب و لا صلاة إلا بطهور و لا صيام لمن لم يبت الصّيام و أمثال ذلك مما هو مذكور في محلّه فإنّ ظاهرها بحكم أصالة الحقيقة في كلمة لا انتفاء الحقيقة بانتفاء الأمور المزبورة و هو المطلوب و دعوى عدم دلالتها على كونها أسامي للصّحيحة بل على اعتبار خصوص تلك الأجزاء و الشرائط المخصوصة في المسمّى كما في القوانين غير نافعة لنهوضها في إبطال مقالة الأعمي فيتعين القول بمذهب الصّحيحي عقلا بعد فساد احتمال كونها أسامي للفاسدة بالضّرورة فلا حاجة إلى التعلّق بالإجماع المركب بالنسبة إلى باقي الأجزاء كما فعله غير واحد نعم لو أريد التعدّي من الصّلاة إلى غيرها فلا بدّ حينئذ من دعوى الإجماع إلاّ أنّ الاستناد إليه في مثل المسألة كما ترى و يرد عليه بعد الغضّ عن عدم قابليته للمعارضة مع أدلّة الأعمي لكونه أصلا بالقياس إليه كما مرّ في السّابق (أوّلا) أنّ أصالة الحقيقة عند الشكّ من غير جهة نصب القرينة و لو كان في المراد لا دليل على اعتباره‏

147

إذ القدر الثابت من مجراها ما إذا كان الشكّ في المراد من جهة احتمال القرينة لا مطلقا أمّا الشكّ في المراد من جهة الجهل بالوضع فهو و إن لم يكن في وضوح السّقوط مثل أصالة الحقيقة مع العلم بالمراد و الشكّ في الوضع كما يقوله السيّد (قدّس سرّه) إلاّ أنّ هذا أيضا غير معوّل عليه عندنا خلافا لبعض الأفاضل (و ثانيا) أنّ الأمر فيها دائر بين المجاز و التخصيص لوضوح طرو التخصيص عليها بل الظّاهر أنّ خارج بعضها كالأوّل أكثر من داخله لأنّ صلاة المأموم و صلاة المطاردة و الغرقى و سائر المضطرّين كالجاهل و النّاسي و ما أشبهها خارجة عن عموم الأوّل (و العجب) أنّ بعض المحققين استراح عن لزوم تخصيص الأكثر على مذهب الصّحيحي بأنّ السّهو و النّسيان المسقطين للفاتحة بالنّسبة إلى حالة الذكر أقلّ قليل و فيه أنّ المناط في تخصيص الأكثر القبيح أكثرية الخارج أنواعا و لذا لو كان الخارج نوعا واحدا لم يقبح و لو كان الموجود من أفراده أكثر من أفراد الباقي و كيف كان فلا ترجيح للتخصيص على المجاز إمّا مطلقا كما عليه غير واحد أو في خصوص المقام لأنّ استعمال لا في نفي الصّفة خصوصا في كلمات الشّارع من المجازات الشائعة حتّى قيل إنّه حقيقة ثانويّة و نحن و إن لم نقل بذلك و لا بكونه من المجاز المشهور المصطلح لكنا نقول إنّه أرجح من التخصيص المزبور خصوصا بعد ملاحظة كثرته لا أكثريّته أنواعا في البعض هذا (و التّحقيق) أنّ هذا الإيراد ساقط لأن التخصيص لازم على المذهبين بناء على تقدير الصّحة أو إرجاع التنزيل إلى ما يؤدّي مؤدّاها كقولهم لا علم إلاّ ما نفع تنزيلا لغير النافع من العلم منزلة الجهل في عدم الانتفاع به فيدور الأمر بين المجاز و التخصيص اللاّزمين لمذهب الأعمي و بين التخصيص وحده اللاّزم لمذهب الصّحيحي و الثاني متعيّن و إرجاع النّفي إلى الكمال و إن يوجب الاستراحة عن التخصيص لكنه مناف لظاهر بناء الأصحاب و تمسّكهم بأمثال هذه التراكيب في الأجزاء و الشرائط كما شهد به بعض المحققين هذا كلّه إذا كان اللّفظ على الصّحيحي موضوعا للقدر المشترك بين الأفراد الصّحيحة أو للفرد الجامع للشروط و الأجزاء الاختيارية من حيث اشتماله على خاصيّة مخصوصة و أمّا لو قيل بوضعه للجامع و سريانه إلى الباقي بالتوسّعات و تسامحات التّبعة أمكن الجمع بين نفي الجنس و عدم التخصيص بناء على وجوب حمل اللّفظ على الحقيقة الأولية عند الإطلاق في حالتي النفي و الإثبات إذا تعدّدت الحقيقة بالتوسّع و التّسامح كما مرّ لكن عرفت فيما تقدّم أنّ هذا أردأ الوجوه المقرّرة لمذهب الصّحيحي فالأولى الاقتصار في الإيراد على الوجه الأوّل و هو عدم نهوض أصالة الحقيقة إذا كان الشكّ في المراد من جهة الشّبهة في وضع بعض الألفاظ و ربما أجيب عن هذا الدّليل بوجوه أخر مثل ما ذكره في القوانين و غيره طوينا الكلام عنها كشحا لوهنها و ظهور حالها بالتأمل فيما ذكرنا

و الخامس ما نقل عن بعض المحققين‏

من أنّ العبادات توقيفية دون المعاملات و هو لا يتم إلا على القول بوضعها للصّحيح حتى تكون حقائقها مجملة غير معلومة من المراجعة إلى عرف المتشرعة و إلاّ لكانت كالمعاملات في كون المحكم فيها هو العرف و بطلانه ضروريّ أو اتفاقي و محصّله على ما أفاده بعض المحققين و استقره استنصره أنّه لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للأعمّ لكان الرّجوع إلى عرف المتشرّعة كافيا في معرفة تفاصيل معاني العبادات المقرّرة في الشريعة مع أنّه ليس كذلك بل لا تعرف تلك التفاصيل إلاّ بالرّجوع إلى الأدلّة التفصيليّة المقرّرة في الكتب الاستدلالية (قلت) و الجواب أنّ توقيفيّة العبادات مبنية على القول بوضعها للصّحيحة و قول الأكثر بها إنّما هو لأجل كونهم قائلين بوضعها للصّحيحة فدعوى التّوقيفية قول صدر من هؤلاء كيف لا مع أن أرباب القول الآخر ينادون بأصواتهم أنّ المرجع فيها ليس سوى عرف المتشرعة و هل هذا إلاّ الثّمرة المعروفة المشار إليها هذا إذا كان المراد بالتوقيفية عدم المراجعة إلى مطلق العرف في إحراز حقائقها و أمّا لو كان المراد بها عدم المراجعة إلى خصوص العرف العام الّذي هو المرجع في المعاملات كما يقتضيه قرينة المقابلة و صرّح به بعض من تعرّض للجواب عن هذا الدّليل فالأمر واضح و أمّا ما ذكره المحقق المحصّل فهو من الزلاّت الناشئة من طغيان القلم حيث إنّ القول بعدم التوقيفية لا يقضي بالغناء عن المراجعة إلى الأدلّة إذ العمل بظواهر الأدلّة و إطلاقاتها و عموماتها يتوقف على الفحص عن المعارض و القرائن الصّارفة عن الحقائق و الإطلاقات كما لا يخفى هذا خيار ما استدلّ به على قول الصّحيحي و قد عرفت عدم سلامة كلّها أو جلّها عن المناقشة و إن كان الأوّل و الثّاني لا يخلوان عن قوة

[الكلام في أدلة مذهب الأعمي‏]

(حجّة القول الثّاني) وجوه أيضا منها علائم الوضع كالتبادر فيما لو قيل فلان يصلّي و عدم صحّة السّلب و صحّة التقسيم و التقييد و الاستثناء و حسن الاستفهام و الجواب أمّا عن التّبادر فبأن الإخبار الجزمي اليقيني بالأمور المشتملة على أمور عدمية و وجودية خفية خصوصا إذا كان فعلا للغير بعيد عن مجاري العرف و العادة فلا بدّ من التصرف في المخبر به بحمله على صورته كصورة الصّلاة في المثال المشار إليه أو في جهة الإخبار بحمله على الإخبار بمقتضى الطّرق الشرعية و العرفية المقررة لاستكشاف حقيقة مثل أصل الصّحة و أصل العدم و أصالة عدم الغفلة و السّهو و نحوهما كسائر الأصول و الأمارات المعول عليها في الإخبارات المتعلّقة بالأمور الخفية الغير المحسوسة مثل الملكية و الزوجية و النّسب و نحوها فقول القائل فلان صلّى كقوله فلان ابن زيد و فلانة زوجة

148

و أمثال ذلك ممّا يتعلّق الإخبار فيه بالواقع معولا فيه على الأصول و الطّرق العرفية الّتي أمضاها الشارع و هذا باب شائع في إخبارات العرف خصوصا المتشرعة سالم عمّا في الوجه الأوّل من التجوز غير منكر عرفا و شرعا و ليس مبنيا أيضا على المسامحة و التنزيل المتعارفين في إطلاق المقادير و المركبات العرفية على ما يقارب معانيها الحقيقة زيادة أو نقصانا بل على وجه التحقيق في الإخبار و المخبر به و محصّل الجواب أنّ الأعمي يدعي أنّ المتبادر من الصّلاة في المثال المذكور هي الصّورة و التبادر آية الوضع و الصّحيحي يدعي أن تبادر الصّورة إنّما هو لأجل قرينة الإخبار لتعذّر الاطّلاع على السّرائر فيكون الاستعمال مبنيا على التجوز بعلاقة المشابهة الصّورية أو على المسامحة و التنزيل على الوجهين اللّذين تقدّما في المقادير أو يدعي تبادر الصّحيحة و يجعل الإخبار بها إخبارا معولا فيه على الأصول و الأمارات الشرعية من دون ارتكاب مخالفة أصل في الإخبار أو في المخبر به و هو الأوجه لما في الأوّل من شائبة الإنكار فافهم (و أجاب عنه) بعض المحققين بعد المساعدة على ما ادعينا من كون المتبادر هي الصّحيحة مستظهرا باعتراف الأعمي أيضا و إن اعتذر بأنّه تبادر بدويّ ما حاصله أنّ المخبر به هي الصّلاة بزعم المصلّي فالمراد أنّه صلّى بزعمه و جعله من قبيل التبعية في اللّغات مثل استعمال الفارسي اللّفظ العربي تبعا للعرب و فيه ما لا يخفى (أمّا أوّلا) فلأن مدّعي التبادر يدّعيه فيما لو جهل بزعم العامل أيضا إلاّ أن ينتهض في إحراز الزعم بما أبدينا في تبادر الصّحيح من استقرار حال العقلاء على عدم الإقدام إلا على الأفعال المفيدة فتدبر (و أمّا ثانيا) فلأن اعتبار الزّعم إن رجع إلى المخبر به فهو مجاز لا شاهد عليه لأنّ قرينة الاعتبار أعمّ من ذلك مضافا إلى ما فيه من المصادمة لصريح الوجدان لأنا لا نشاهد في هذا الاستعمال شيئا من خواص المجاز و جعله من باب التبعية في اللّغات فيه ما لا يخفى من البون الواضح مع أنّ استعمال الصّلاة في صلاة زعميّة استعمال في غير الصّحيحة الّتي وضع اللّفظ بإزائها فلم يكن المتبادر هي الصّلاة الصّحيحة الواقعية فالأولى أن يعول في منع تبادر الأعمّ على ما ذكرنا (و الجواب عن الثاني) بأنه إن أريد عدم صحّة السّلب مع الشك في صحّة الصّلاة فغير مجد لما عرفت في الجواب عن التبادر من أنّ الأصول و الأمارات الشرعية ناهضة بإثبات كونها صحيحة مضافا إلى أنّ عدم السّلب إذا لم يرجع إلى قضيّة حملية فلا عبرة به لأنّ الشاك لا يسعه الإثبات و لا النّفي و لا نفي النّفي فعدم صحّة السّلب أعمّ من العلم بالصّدق و الشكّ فيه و إن أريد عدم صحّة السّلب عن الصّلاة المعلومة الفساد اتّجه المنع خصوصا إذا كان فساده معلوما للفاعل أيضا بل عرفت أنّ السّلب عن الفاسدة صحيح فكيف يدعى عدمه و قد يصطلح بين الدّعويين بعد الاعتراف بهما و أنّه كما لا يقال عرفا للفاسدة إنّها ليست بصلاة كذلك يقال أحيانا إنّها ليست بصلاة بأنّ مرجع الأوّل إلى الإطلاق و الاستعمال الّذي هو أعمّ من الحقيقة و إن كان ظاهرا فيها و مرجع الثاني إلى عدم الوضع و هو صريح في التجوز فيجمع بينهما بصرف الظّاهر إلى النصّ و هذه قاعدة نافعة في كلّ مقام يتعارض فيه صحة السّلب و عدمها عرفا كما يتفق كثيرا فيؤخذ بالأوّل و يحمل الثاني على التجوّز في القضية الغير المسلوبة هذا و لقائل أن يقول إن ذلك إنّما يتم فيما دار الأمر فيه بين الحقيقة و المجاز اللّغويين و أمّا ما نحن فيه فالأمر فيه دائر بين التصرف في إحدى القضيتين من غير لزوم مجاز في الطّرفين فإمّا أن يقال إن السّلب مبني على التنزيل و الادعاء نظير قولهم لا علم إلا ما نفع أو إنّ عدمه مسامحة من العرف كمسامحتهم في إطلاق المقادير على ما يغاير حقائقها الأوّلية مغايرة غير واضحة و كلّ منهما شائع متعارف على وجه يظن أو ظن معه ثبوت الوضع الثانوي العرفي حتّى قيل إنّ لا النّافية للجنس حقيقة عرفية في نفي الصّفة و إن ألفاظ المقادير حقائق عرفية فيما يعمّ معانيها الأوّلية (و الجواب عن الثالث) أنّ صحّة التقسيم إنّما تدل على أن المراد بالمقسم هو الأعم و أمّا كونه على وجه الحقيقة فلا بدّ فيه من التماس دليل آخر كظهور الاستعمال و نحوه هذا إذا أريد الاستدلال بمجرّد التقسيم و أمّا لو انضم إليه ادعاء كون المقسم هو المعنى الحقيقي و لو لم نعلمه تفصيلا كما حملنا عليه كلام من جعله من أمارات الوضع من الأعلام ففيه المنع الواضح و

منه يعرف الحال في الباقي (و منها) صدق الصّلاة على صلاة المخالفين حقيقة بل على صلاة اليهود و النّصارى أيضا مع وضوح فسادها و فيه منع كون صلاة المخالفين فاسدة و إن لم تكن مقبولة منهم في حال الخلاف بل ظاهر ما ورد في عباداتهم من إعطاء ثوابها لأهل الولاية هو الصّحة إذ الفاسدة لا أثر لها و لا ثواب و لذا لا يجب عليهم القضاء بعد الاستبصار و أمّا صلاة اليهود فدعوى صدق الصّلاة عليها حقيقة مصادرة بل الظّاهر صحّة السّلب و لو على مذهب الأعمي فتدبّر (و منها) إطلاق الصّلاة على الفاسدة في الأخبار و كلمات الأخبار في مقامات عديدة بحيث يبعد الالتزام بمجازيتها على كثرتها و شيوعها (و الجواب عنه) واضح لأنّ مجرّد الاستعمال لا يدلّ على الوضع كما تقدم و لو كان كثيرا إذا كان غير المستعمل فيه المعلوم دخوله تحت الوضع أيضا ممّا استعمل فيه اللّفظ فلا وجه لاستبعاد كونها مجازات نعم قد يقال إن مصبّ تلك الإطلاقات خصوصا في كلمات العلماء ليس مصبّ الاستعمالات المجازية من النبإ على ملاحظة العلاقة و نصب القرينة و نحوها و قد عرفت في المسألة المتقدّمة أنّ استعمال‏

149

اللّفظ في المعنى إذا لم يكن مبنيا على بعض وجوه التجوز فلا بدّ أن يكون مبنيّا على الوضع و يدفعه أن هذه الإطلاقات من وجوه المسامحة العرفية في ألفاظ المركبات قضاء لحق تأدية المراد بلفظ أقرب و أخصر و مراعاة ملاحظة العلاقة و سائر مزايا المجاز إنما تجب في غير المجاز المسامحي فإنّ المفاهيم المتقاربة لمعاني المركبات الحقيقة غير محصورة لا يسع لأهل العرف التعبير عنها إلاّ بألفاظ تلك المركبات و هو ليس مجازا مرسلا أو استعارة أو ادّعائيّا حتى يلزم أن تكون مقرونة بالأغراض المجازية بل هو نحو آخر من المجاز ناش من المسامحة و فرض غير الموضوع له بمنزلة الموضوع له و جعلهما مشتركين في الاسم لضرورة التعبير و عدم وجود لفظ آخر كاشف عن ذلك الغير مجازا و لذا لا ينفكّ هذا النّحو من الاستعمال عن القرائن الحالية و العقليّة و لا يعول في شي‏ء منها على القرائن الصّارفة اللّفظية المتّصلة أو المنفصلة كما هو الشّأن في سائر المجازات فافهم و تدبّر و أكثر ما استدلّ به في القوانين يرجع إلى هذا الدّليل فتفطّن (و منها) الأمر بإعادة الصّلاة بإخلال بعض ما يعتبر في صحّتها من الأجزاء و الشّرائط و مرجع هذا الاستدلال إلى التمسّك بأصالة الحقيقة في لفظ الإعادة لإثبات المدّعى نظير الاستدلال على القول الأوّل بمثل لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب لتوقف حقيقة الإعادة على كون الصّلاة أسماء للأعمّ ليتصوّر فيه إتيان حقيقتها ثانيا فيتحقق معنى الإعادة و إلاّ فيكون المراد بالإعادة إتيان غير ما فعله أوّلا فيكون مجازا (و الجواب عنه) أيضا واضح من غير حاجة إلى إطناب بعض المحققين في حاشية المعالم مع ما فيه من بعض الغفلات و عدم المساس بالاستدلال لأنّ المراد بالصّلاة في موارد الأمر بإعادتها هي الأفعال المأتي بها قطعا و معه لا يلزم في لفظ الإعادة مجاز لاستعماله في إتيان ما فعله أوّلا مع زيادة و لو انتهض الخصم في إثبات المراد بالاستعمال رجع إلى الاستدلال المتقدّم و فيه ما مرّ مع زيادة و هي أنّ الأمر بالإعادة صحيح من دون التئام هيئتها العرفية كمن فسدت صلاته بعد التكبير فلا بدّ فيه أيضا للأعمي من الالتزام بالتجوز لا يقال المراد بالصّلاة المأمور بإعادتها هي الصّلاة الكلّية دون الأفعال المأتي بها فمعنى الإعادة حينئذ إتيان فرد آخر منها و لا ريب في أنه ليس بإعادة حقيقة بناء على مذهب الصّحيحي بخلاف مذهب الأعمي فيحتاج في الجواب إلى ما ذكره (قدّس سرّه) من دعوى صدقها بمجرّد الشّروع في الفعل لأنّا نقول ما ذكر دعوى بلا برهان و مع التّسليم يكون الاستدلال بصرف أوامر الإعادة من دون توسيط تلك الدعوى فاسدا (فإن قلت) مقتضى أصالة الحقيقة حمل لفظ الصّلاة على معناها الكلّي دون الأفعال الموجودة المأتي بها فلا مسرح في الجواب على القول بوضعها للماهية الصّحيحة إلاّ بما ذكره (قدّس سرّه) من أن نسبته الإعادة إلى الصّلاة إنما هي لأجل دخول المصلّي فيها لا لأجل حصول الماهيّة كملا (قلت) تعميم معنى الإعادة حتى يشمل ما لو كان المأتي به بعض المعاد ليس بأولى من دعوى أنّ متعلّق أمر الإعادة هو الفرد المأتي به و أنّه المراد بلفظ الصّلاة مع أنّ الظّاهر من قول القائل أعد صلاتك هو إعادة ما فعله من الأفعال جامعا للشّرط الّذي صار فوته سببا للأمر بالإعادة (و منها) ما استدلّ به العضدي من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) دعي الصّلاة أيّام أقرائك و نظائره من النّواهي المتعلّقة بالعبادات و تقريب الاستدلال بها من وجهين (أحدهما) أنّ المراد بالصّلاة المنهي عنها هي الصّلاة الفاسدة قطعا إذ الظّاهر أنّ المنهيّ عنه ما سمّي بالصّلاة قبل النهي عنها بمعنى أنّ المتكلّم قد لاحظ الأفعال المعهودة مع قطع النظر عن وقوعها في حال الحيض و عدمه فنهى عن الإتيان بها و من الواضح أنّ الأفعال الفاقدة لشرط الطّهور صلاة فاسدة و الاستدلال بها على هذا الوجه ظاهر القوانين (قال) و ادّعاء أنّ التّسمية و إثبات الشّرط قد حصلا بجعل واحد يكذبه الوجدان السّليم لتقدّم التّسمية وضعا و طبعا و ما ذكر إنّما يصحّ إذا قيل معناه أنّ الأركان المخصوصة الّتي هي جامعة لجميع الشرائط و لكونها في غير هذه الأيام و اسمها صلاة على القول بكونها اسما للصّحيحة لا تفعليها في هذه الأيام و المفروض أن كونها في غير هذه الأيّام إنما استفيد من قوله (عليه السلام) لا تفعليها انتهى (قلت) المراد بحصول التّسمية و الشّرط بجعل واحد هو أن يقال إنّ المتكلّم قد تصوّر أفعال الصّلاة الجامعة للأجزاء و الشرائط المقرّرة ثم تصوّر عدم وقوعها من المخاطب أي الحائض فسمّي المفهوم المحصّل من الملاحظتين باسم الصلاة حين إلقاء النهي‏

عنها إلى المخاطب فالمنهيّ عنها حينئذ هي الصّلاة الصّحيحة أي الأفعال الملحوظ فيها جميع الشرائط حتّى شرط الطّهر و هذا المعنى و إن كان بعيدا عن الاعتبار الصّحيح و مخالفا لظاهر اللّفظ أو صريحه كما ذكره (قدّس سرّه) إلاّ أن الأوجه في إبطاله أن يقال إنّه مستحيل عقلا لما فيه من تأثير الحكم و مدخليّته في عنوان الموضوع و هو دور بيّن و من تعلّق التكليف و هو النّهي بأمر حاصل كما لا يخفى إلاّ أن يقال إنّ معنى حصول التسمية و الشرط بجعل واحد هو أن يلاحظ المتكلّم الأفعال المعهودة الجامعة لما عدا الطّهر من الأجزاء و الشرائط أو مطلق الجامعة لسائر الشّرائط سواء كانت جامعة لشرط الطّهر أم لا (ثمّ) يلاحظ النهي عنه ثم ينتزع من النّهي و المنهيّ عنه مفهوما يسمّيه بالصّلاة حال إلقاء النّهي و هذا غير مستلزم لشي‏ء من المحذورين إذ ليس هذا طلبا لترك الممتنع ليكون تحصيلا للحاصل و لا اعتبار للحكم في الموضوع ليكون دورا محالا إلاّ أنّه مخالف للوجدان لما فيه من التفكيك بين المسمّى و المنهيّ عنه فظهر أنّ الاحتمالات المتصوّرة فيما استعمل فيه لفظ الصّلاة حال وقوعها في حيّز النّهي ثلاثة (أحدها)

150

أن يراد به الصّلاة الفاسدة و هي الأفعال الفاقدة لشرط الطّهر أو الأعم منها و من الصّحيحة أو يراد بها الأفعال الجامعة سائر الشرائط من غير ملاحظة كونها في حال الحيض لا في حال الطّهر و ثانيهما أن يراد بها الصّلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشّرائط حتى شرط الطّهر و هي الصّحيحة ثم يوجّه النّهي إليها معبّرا عنها بلفظ الصّلاة (و ثالثها) أن يراد بها الصّلاة الصّحيحة أيضا لكن مع إرجاع النهي إلى غير المسمّى أعني الأفعال المعهودة حتى تكون التّسمية و النّهي في مرتبة واحدة بأن كان المسمّى مفهوما ملفّقا من ملاحظة المنهيّ عنه حال كونه منهيّا عنه (و الأوّل) معقول و مثبت لاستعمال الصّلاة في الفاسدة أو الأعمّ (و الثاني) غير معقول من جهتين إحداهما أنه يرجع إلى تحصيل الحاصل و طلب ترك الممتنع و ثانيهما أنه دور واضح لأنّ اعتبار السّلامة عن النّهي في المنهي عنه اعتبار للشي‏ء في الموضوع بعد الحكم فتأمل (و الثالث) ممّا لا غائلة فيه سوى التفكيك بين المراد من لفظ المنهي عنه و بين نفس المنهي عنه الواقعي و هو بعيد و مكذّب بالوجدان و لذا اقتصر المحقق القمّي (رحمه الله) في ردّه على التعلّق بالوجدان دون البرهان و يحتمل أن يكون قوله وضعا إشارة إلى الوجه الثاني فتدبّر و لعلّ في قوله طبعا إشارة إلى الاستحالة من الجهة الثانية قوله و المفروض إلى آخره أراد به بيان عدم اعتبار شرط الطّهر في المراد من لفظ الصّلاة باعتبار كونه غير معلوم للمخاطب قبل هذا النّهي فإنّ الفعل المنهي عنه لا يجوز أن يكون مجهولا للمخاطب فلا بدّ حينئذ من حمل الصّلاة على معنى احتمل علم المخاطب به قبل النّهي و ليس هو إلا نفس الأركان و الأفعال مطلقا أو مع الاقتران بالشرائط المعلومة سابقا و الجواب عن الاستدلال به على هذا الوجه ما مرّ من أن الاستعمال أعمّ من الحقيقة (و الثّاني) أنّ المنهي عنه في المثال المذكور و أمثاله ممّا تعلّق النهي فيه بالعبادة إنما هو المعنى الشّرعي دون المعنى اللّغوي ضرورة عدم حرمة الدّعاء مثلا للحائض فلا بدّ أن يكون المعنى الشرعي هو الأعمّ من الصّحيح و الفاسد لأنّ العبادة الصّحيحة ملزومة للطّلب فكيف تكون معروضة للنّهي و لو جاز ذلك لكان النهي دليلا على الصّحة كما زعمه أبو حنيفة (توضيح ذلك) أنّه لو قيل بأنّ الصّلاة موضوعة لتامة الأجزاء و الشرائط الّتي يوجب فعلها سقوط الأمر بها لزم القول بدلالة النهي عنها على صحّتها و إن كانت محرمة من حيث اقتضاء النّهي التحريم بيان الملازمة أنّ النّهي عن الشّي‏ء يدلّ بالالتزام العقلي على كون المخاطب قادرا على فعل المنهي عنه و قضية ذلك أن لا يكون صدورها من غير المخاطب من شرائط وجوده مع أنّ هذا الرّأي سخيف عند أولي الآراء الصّحيحة حيث إنّ الكلّ أو الجلّ بين القول بدلالة النّهي على الفساد و بين القول بعدم دلالته عليه و لا على الصّحة و هذا لا يتصوّر إلاّ على تقدير كون المعنى الشرعي لأسامي العبادات هو المعنى الأعمّ و لذا تفصّى العضدي عن دلالة النّهي على الصّحة كما عليه أبو حنيفة باختياره قول الأعمي حيث رأى انحصار الجواب في ذلك (و الجواب عنه) أيضا ما مرّ من أنّ قرينة العقل قاضية بأنّ المراد بالصّلاة المنهي عنها مثلا هي نفس الأركان و الأفعال مطلقا أو مع الاقتران بسائر الشرائط غير الطّهر فعلى القول بمذهب الصّحيحي لا بدّ عن حملها على الفاسدة و هو أيضا معنى شرعي و إن كان مجازا فليس الاستدلال به إلا من جهة قيام القرينة على استعمال الصّلاة في غير الصّحيحة فيرجع إلى الوجه الأوّل و ربما يجاب عنه بعد المساعدة على كون المراد بالصّلاة المنهي عنها هي الصّحيحة تارة بحمل النّهي على مجرّد الإرشاد و يقال إنّ مفاد النّهي عن العبادة عدم إمكان حصولها من المخاطب فتكون صيغة النّهي أو مادّته مقصودا بها محض الإرشاد و إظهار الفساد و يؤيّده أنّ القول بحرمة ارتكاب العبادات الفاسدة ذاتا مشكل بل الظّاهر أنّ حرمتها تشريعيّة و هو لا يتمّ إلاّ على جعل النّهي عنها إرشاديّا و إلاّ لزم القول بحرمة الصّلاة الفاسدة كالفاقدة للطّهورين و نحوها ذاتا كشرب الخمر و هذا الوجه من سوانح بعض المحققين مع توضيح و زيادة و أخرى بما ذكره العضدي و غيره منهم المحقق المذكور و هو أنّ قضية النّهي إمكان صدور المنهيّ عنه من المخاطب قبل النّهي لأنّ ذلك يكفي في صحّة النّهي و يخرجه عن اللّغوية و عدم الإفادة و أمّا استمرار إمكانه إلى ما بعد النّهي أيضا فليس بلازم فقد ينقلب الإمكان إلى الامتناع بسبب النّهي و قد يكون الانقلاب‏

المذكور هو الغرض الدّاعي إليه إذ لا يجب أن يكون فائدة النهي ترك المنهي عنه اختيارا فلو تسبب به إلى تركه اضطرارا بعد ما كان مقدورا كفي ذلك في الغرض المسوغ له و كفي أيضا في اقتضائه الفساد إذ لا نعني به إلا كون المنهي عنه غير منطبق على المأمور به و هو مع طرو الامتناع يكون أظهر هذا توضيح الحال في الجواب المذكور ثمّ إنّ المحقق المذكور استشعر اعتراضا فقال (فإن قلت) إنّ استحالة صدور ذلك من المكلّف عن الأمور الواقعية بالنظر إلى ملاحظة الشي‏ء في نفسه و ليست حاصلة بالنّهي فما تعلّق النّهي به مستحيل قبل تعلّقه به فأجاب عنه بأنّ ثبوت الأحكام الشرعية إنّما يتبع الأدلّة المنصوبة عليها من الشّارع فلو لا تعلّق النّهي بها كانت محكومة بصحّتها في الشريعة نظرا إلى إطلاق الأوامر بعد ثبوت الماهية بظاهر الأدلّة (قلت) و هذان الجوابان ممّا لا كرامة فيهما في المقام (أمّا الأوّل) فلأنّ النّهي الإرشادي أيضا يستدعي محلاّ قابلا كالنّهي الشرعي إذ الإرشاد إنشاء من المرشد متعلّق بترك المنهيّ عنه و لذا يقبح أن يقال للأعمى لا تبصر و لو على وجه الإرشاد و إن أريد بالإرشاد النّهي الغيري فمع منافاته لظاهر التنظير بالنواهي الواردة في أجزاء العبادات و شرائطها و موانعها ممّا لا وجه له أيضا في المقام لأنّ نهي الحائض عن الصّلاة مثلا ليس نهيا مقدميا للتوصّل إلى الغير و ما أكثر اشتباه الحال عليه (رحمه الله) و اختلاط المقامات نعم لو حمل النّهي على صرف‏