بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
151

الإخبار و كان معنى قوله لا تصل أنّ صلاتك فاسدة ثمّ ما ذكره فيستقيم حمل الصّلاة المنهي عنها على الصّحيحة و لكنّك خبير بأن مجي‏ء النّهي للإخبار أمر منكر لم يوجد له شاهد إلى الآن في كلام متكلّم فضلا عن فصيح أو حكيم و على تقدير صحّته كما ذكره جماعة منهم العلاّمة فأين هذا من استعمال الصّلاة في الأفعال و الأركان المسامحة على وجه كما تقدم و هل يسوغ للعارف بوجوه تأدية الكلام و الخبير بطرائق الحقيقة و المجاز العدول من الثاني إلى الأوّل (و أمّا الثّاني) ففيه مضافا إلى ابتنائه على أصول الأشاعرة من جواز أمر الشارع بكلّ قبيح عقلا و نهيه عن كلّ حسن كذلك فلا وجه لمتابعة بعض أصحابنا للعضدي أن طرو قضيّة الفساد بسبب النّهي دورانه مدار النهي و الحكم بالصّحة في صورة انتفاء النّهي كحال الغفلة و النّسيان مع أنّهم غير قائلين به في مثل المقام ممّا يتعلّق النّهي فيه بنفس العبادة بل يحكمون فيه بالفساد مطلقا و هو معنى التزام كون النهي عنه فاسدا كشف عن فساده النّهي الشّرعي (توضيح ذلك) أن امتناع المنهي عنه بعد النّهي و طروّ الفساد من أجل النّهي لا وجه له بعد البناء على إمكان صدور الفعل المنهي من المخاطب قبل النّهي إذ غاية ما يلزم من النّهي التحريم و هو لا يقتضي الفساد و لا امتناع تحقق المنهي عنه في المعاملات و أمّا في العبادات فهو و إن كان يقتضيه على التحقيق الآتي إلا أن مرجعه إلى التخصيص و خروج المنهيّ عنه عن إطلاقات الأوامر و هذا عين الالتزام بتعلّق النّهي على الفاسد و استعمال اللّفظ فيها بقرينة النّهي (و الحاصل) أنّ الالتزام يكون العبادات المنهيّ عنها هي الصّحيحة الواقعية الّتي ليس فيها سوى الحسن الملزم مع القول باقتضاء النّهي الفساد تناقض بيّن بل لا يرجع إلى محصّل إلاّ في العبادات على بعض الوجوه و هو أن يكون الفساد ناشئا من جهة تزاحم التّحريم و الوجوب كما هو أظهر الوجهين عند اجتماع الأمر و النهي فإنّ النّهي متعلّق بالصّحيح الواقعي و سبب لطرو الفساد عليه بعد النهي طروا واقعيا لا أنّه سبب للعلم بالفساد بأن يكون كاشفا عن خروجه عن المأمور به و أمّا على الوجه الآخر و هو أن يكون الفساد الّذي يقتضيه النّهي في العبادة من جهة التخصيص و خروج المنهي عنه عن إطلاق الأوامر كما عليه ثلّة من أفاضل المتأخرين فلا وجه للالتزام المذكور و بالتأمّل فيما ذكرنا يظهر سقوط السّؤال و الجواب الّذين أوردهما (قدّس سرّه) و أمّا السّؤال فلأنّه مبني على كون النّهي كاشفا عن الفساد لا مؤثرا فيه و قد عرفت أنّ تصحيح الجواب المذكور يتوقف على الوجه الثاني بأن يكون النّهي سببا لطروّ الامتناع و عروض الفساد و أمّا الجواب ففيه أوّلا أنّ الأوامر لا إطلاق لها على مذهب الصّحيحي فكيف يحكم بثبوت الصّحة قبل العثور على النّهي و ثانيا أنّه ليس الكلام في الصّحة الظّاهرية الثابتة بمقتضى الإطلاقات بل في الصّحة الواقعية فإنّ لازم مذهب الصّحيحي هو القول بأنّ ألفاظ العبادات أسامي للصّحيحة الواقعية منها و العبادات الواردة في حيّز النهي لا يمكن حملها على الصّحيحة الواقعية لا قبل النّهي و لا بعده إذ لا يختلف الحال باختلاف علم المجتهد بالنّهي و عدمه لأن ذلك إنّما يؤثر في الصّحة و الفساد الظّاهريّين دون الواقعيّين نعم يتم ما ذكره بناء على التّصويب في الموضوع و أمّا بناء على ما هو الصّواب من التخطئة فلم أجد وجها لما ذكره (قدّس سرّه) و اللَّه الهادي (و منها) أنّها لو كانت أسامي للصّحيح لانسدّ باب الإخبار بها لبعد الاطّلاع على السّرائر و عدم كفاية ما يتيسّر الاطلاع عليه من الأفعال الظّاهرة في صدق الاسم الّذي هو المخبر به و جوابه قد ظهر ممّا حقّقنا في التبادر المستدلّ به على القول الأوّل و محصّله أنّ الإخبار بمثل هذه الأمور المشتملة على بعض الأجزاء و الشرائط الخفية مبني على إحراز وجودها بالطّرق العرفية و الشّرعيّة من غير أن يرجع إلى مجاز في المخبر به أو تنزيل فيه كما في إطلاق المقادير على ما ينقص عن معانيها الأولية مسامحة و توسّعا فسقط أيضا ما توهّم أنّه على مذهب الصحيحي لا بدّ من ارتكاب مجازات في تلك الألفاظ الواقعة في حيّز الإخبار نظير سقوط ما يتوهم من عدم جواز الإخبار بها بمجرّد الشروع فيها على مذهب الصّحيحي بل لا بدّ من الانتظار إلى انقضاء العمل و ذلك لأنّ نسبة الفعل إلى الفاعل لا تتوقف على وقوع الفعل تامّا بل يكفي في النّسبة مجرّد الاشتغال كما يقال سافر زيد بمجرّد الخروج عن البلد و هذا مثل نسبة الرؤية إلى‏

زيد في قولك رأيت زيدا و أنت رأيت رأسه (و منها) أنّها لو كانت موضوعة لخصوص الصّحيحة لما صحّ تعلّق الطّلب بشي‏ء من العبادات معلّقا له على أساميها و التالي ظاهر الفساد بيان الملازمة أنّ الألفاظ المذكورة حينئذ دالّة بنفسها على مطلوبية معانيها مع قطع النظر عن تعلّق صيغ الطلب بها إذ المفروض دلالتها على العمل الصّحيح و هو لا يكون إلاّ مطلوبا فلا يحصل من تعلّق الطّلب بها فائدة جديدة و يكون بمنزلة أن تقول أريد منك العمل الّذي هو مرادي و هذا الدّليل أبداه بعض المحققين للأعمي تبعا للمحكي عن أستاذه العلاّمة الطّباطبائي (رحمه الله) (و أجاب عنه بوجوه) لا يخلو كلّها أو جلّها عن المناقشة و قد ظهر لك فساده ممّا تلونا في الأمر الثالث و محصّله المنع عن اعتبار الطّلب في مفاهيم الألفاظ ثم على تقدير الاعتبار فالمعتبر هو مفهوم الطّلب لا مصداقه فالصّلاة مثلا موضوعة للأفعال المطلوبة نظير لفظ المطلوب لا للأفعال حال تعلّق الطّلب بها فعلا و إلاّ لكان مشتملا على المعنى النّسبي الحرفي و كان من قبيل الحروف و المبهمات في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و هو مع وضوح بطلانه لأنّ لفظ الصّلاة و الصّوم و غيرهما من الموضوعات الشرعية يجري عليها ما يجري على أسماء الأجناس ممّا لم يقل و لا يلتزم به‏

152

أحد و الاستدلال مبني على اعتبار المصداق و كذا الأجوبة لوضوح أنّ اعتبار مفهوم الطّلب في مفهوم الصّلاة لا يقضي بدلالة لفظ الصّلاة على فعليّة الطّلب حتّى يحصل من تعلّق الطّلب بها تكرار في المقام لأنّ اعتبار مفهومه في مفهومها لا يزيد على اعتباره في مفهوم لفظ المطلوب و من البيّن أنّ قول القائل افعل مطلوبي ليس فيه تكرار و لا تأكيد و إنّما يكون كذلك لو دلّ لفظ مطلوبي على سبق من طلب المتكلّم و هو اشتباه بيّن ينشأ من الغفلة عن معنى المشتق و حسبان دلالته على وقوع المبدأ و أن لفظ مضروب مثلا يدلّ على وقوع الضّرب في الخارج فقول القائل أكرم مضروبي مثلا بمنزلة قوله أكرم من ضربته قبل هذا الكلام و هو بيّن البطلان إذ ليس المشتق إلاّ كسائر الجوامد في الدّلالة و الكشف التصوّري عن عنوان من العناوين فضارب و مضروب إنّما يدلان على وجهين من وجوه الذّات و عنوانين من عناوينها مع قطع النظر عن وجودهما في الخارج و عدمه فلفظ الصّلاة مثلا على تقدير اعتبار الطّلب في مفهومها يكون كلفظ مطلوب من غير فرق إلاّ في العموم و الخصوص و كون الصّلاة اسما لمطلوب مخصوص من الأفعال لا لكلّ فعل مطلوب فكما أنّ لفظ مطلوب إذا وقع في حيّز الأمر لا يدلّ على صدور طلب من الأمر بشي‏ء فكذلك لفظ الصّلاة فإذا قال صلّ كان معناه افعل الأفعال المطلوبة و ليس النّسبة النّاقصة مشتملة على الإخبار بوقوع الطّلب و لذا لا تتصف بصدق و لا كذب في نظر المحقّقين مع أنّ اعتبار الطّلب في مدلول لفظ الصّلاة لا يجعلها من المركبات المشتملة على النّسبة النّاقصة كما لا يخفى (و الحاصل) أنّ توهم لزوم التكرار و عدمه إفادة الأوامر المتعلّقة بالعبادات مبنيّ على غفلة في غفلة لعدم كون الطّلب من الأمور المعتبرة في المفهوم و إن كان لازما له كما مرّ سابقا و عدم كون المعتبر هو المصداق على تقدير الاعتبار حتى يلزم التكرار أو المحال في الأوامر الابتدائية كما لا يخفى نعم يتوقف تنجّز هذا التكليف على صدور طلب آخر سابقا أو لاحقا من المولى كما هو كذلك في جميع الأوامر المتعلّقة بالعبادات حيث إنّها بين مجملات ملحوقة بالبيان أو مؤكّدات لما علم تفصيلا قبلها على ما فصّلنا في البحث عن ثمرة المسألة لكن القاضي بذلك إنّما هو عدم استتمام موضوع المأمور به إلاّ به كأوامر الإطاعة و أين هذا من دلالة اللّفظ على المطلوبيّة و صيرورة الأمر المتعلّق بها تكرارا غير مفيد (و منها) أنّها لو كانت أسامي للصّحيحة لزم اعتبار وصف الصّحة في مفاهيم تلك الألفاظ و هو بيّن الفساد لأنّ الصّحة من عوارض الوجود الخارجي و الألفاظ إنّما وضعت على التحقيق للماهيات المعراة عن جميع أنحاء الوجودات و الجواب عنه ما مرّ في المقدّمة الثالثة من أنّ المسمّى على هذا القول ماهيّة إذا وجدت وجدت صحيحة و أين هذا من زعم المستدلّ ثمّ إنّ هذا الاستدلال لا اختصاص له بالعبادات بل يجري في جميع الألفاظ المتنازع فيها حتى المعاملات (و من هنا) يظهر مغايرته للاستدلال السّابق لاختصاصه بالعبادات من أنّ الطّلب على تقدير دخوله في المسمّى فإنّما هو داخل في مسمّى العبادات دون المعاملات بخلاف الصّحة و من غرائب الغفلات في المقام ما صدر عن بعض الأجلّة الأعلام حيث اشتبه عليه مغايرة الدّليلين فذكر في جواب الأوّل ما ذكرنا في جواب الثّاني (و منها) أنّها لو كانت أسامي للصّحيحة لزم عدم انعقاد النّذر أو الخلف على تركها و بطلان التّالي معلوم فكذا المقدّم بيان الملازمة أنّ النّذر الصّحيح ما يجب الوفاء به و يترتب عليه الحنث و هذا مستحيل في النذر المتعلّق على ترك العبادات على المذهب المذكور لأنّه يلزم من وجوب الوفاء به حرمة فعل العبادة و يلزم من حرمتها فسادها فيمتنع صدورها على وجه الصّحة و لازمه عدم ترتب الحنث فيلزم من وجوب الوفاء به عدم وجوب الوفاء به و ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال و أجيب عنه (أوّلا) بالنقض بما لو نذر أو حلف على أن لا يصلّي صلاة صحيحة بناء على مذهب الأعمي بل على جميع المذاهب فما هو الجواب عن ذلك فهو الجواب عن الدّليل المذكور و عندي أنّ هذا النقض ساقط لأنّ الأعمي يدعي امتناع انعقاد النّذر على ترك العبادة الصّحيحة عقلا كيف و الاستدلال مبني على ذلك إذ لو قال بصحّة النّذر على ترك العبادة الصّحيحة كان الاستدلال فاسدا من جهة فساد المقدّمة الأخيرة أعني بطلان التالي فمحصّل الاستدلال أنّ الإجماع منعقد على انعقاد النذر على ترك العبادات و العقل مستقلّ باستحالة انعقاده على ترك العبادة الصّحيحة فينتجان كونها أسامي‏

للأعم بالإجماع (و ثانيا) بالحلّ فتارة على بطلان التالي أعني فساد النذر إذ لا دليل على انعقاد النّذر على ترك العبادات بقول مطلق و دعوى الإجماع على ذلك ممنوعة بأنّه إن أريد إجماع الأعميّين فغير مجد و إن أريد إجماع الكلّ حتّى الصّحيحيّين فممنوع و السّند هو أنّ انعقاد النذر على ترك العبادة ليس له دليل خاصّ يستدلّ به على فساد مذهب الصّحيحي استدلالا إنيّا بل لو صحّ فإنّما يصحّ بملاحظة قواعد النذر و عموم أدلّته الّتي لا تجري في الأمور الممتنعة فكيف يلتزم الصّحيحي بصحّة النذر المذكور و أخرى بمنع الملازمة و هو من وجهين (أحدهما) ما سلكه بعض المحققين و غيره من متأخّري المتأخرين قياسا للمقام بما ذكروه في مثل دعي الصّلاة أيام أقرائك كما مرّ و هو أنّه لا مانع من انعقاد النذر على ترك العبادة الصّحيحة إذ المانع من الانعقاد هو كون متعلّق النّذر أمرا غير مقدور للنّاذر و

153

هو مفقود في المقام لأنّ ترك العبادة الصّحيحة مقدور له قبل النّذر و الفساد إنّما يأتي بالنّذر و هذا يكفي في انعقاد النّذر إذ لا يعتبر فيه استمرار إمكان المنذور إلى ما بعد النذر لعدم الدّليل عليه غاية ما في الباب امتناع حنثه و حينئذ انحصار فائدته و أثره في إفساد ما كان صحيحا من العبادة (قلت) و يمكن المناقشة فيه بأنّ صحّة النذر حكم وضعي مستفاد من وجوب الوفاء به فما ليس له صلاحية الوفاء و قابليّة الحنث لا دليل على صحّته و إن أريد إثبات حجّيته [صحّته‏] بمجرّد تصوير فائدة له غير الحنث كان ذلك دوريّا لأنّ الالتزام بتلك الفائدة و الحكم بترتبها على النذر موقوف على صحّته إذ الفاسد لا يترتب عليه فائدة أصلا فإثبات الصّحة يترتب تلك الفائدة و هي إفساد العبادة في المقام دوري كما لا يخفى فتأمل نعم لو قام دليل خاصّ قاض بانعقاد النّذر المذكور كان ما ذكروه وجها لصحّته عقلا (و ثانيهما) الالتزام بإمكان حنث هذا النّذر و إمكان مخالفته و هو قضيّة ما ذكره الشّهيد (قدّس سرّه) في محكي القواعد من لزوم الحنث بالدّخول في العبادة مع القول بوضع الألفاظ للماهيات الصّحيحة و هذا ما يقال من أنّ متعلّق النذر ما كان صحيحا قبل النذر فيحصل الحنث بفعلها بعد النذر و لو كانت فاسدة و أجاب عنه المحقق القمي (رحمه الله) بأنّ اعتبار الصّحة قبل النذر لا يوجب اتصاف العبادة بها بعد النّذر في نفس الأمر حتى يتصوّر إمكان الحنث (قلت) و لعلّه (رحمه الله) زعم أن القائل أراد إثبات صحّة العبادة بعد النذر أيضا مقدّمة لحصول الحنث فأجاب عنه بما أجاب و إلاّ فلا مساس بين السّؤال و الجواب كما لا يخفى و كيف كان فتوجيه ما ذكره الشّهيد (رحمه الله) من حصول الحنث على مذهب الصّحيحي يمكن بأحد أمرين (أحدهما) أن يقال إنّ متعلّق النذر و لو على قول الصّحيحي هو ترك الأفعال الجامعة لجميع الشّرائط عدى القربة نظير متعلّق الأوامر الواردة بها في العرف و الشّرع فإنّ المراد بالصّلاة المأمور بها شرعا في قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* هي نفس الأفعال الجامعة للشرائط عدى القربة و هكذا سائر العبادات المأمور بها فعلا أو تركا فالمراد هي الأفعال الجامعة للشرائط عدى القربة (و حاصل ذلك) أنّ اللفظ و إن كان موضوعا للعبادة المقرونة بجميع الشرائط حتى القربة إلاّ أنّ مقام النذر كمقام الطّلب يصرفها إلى نفس الأفعال مجازا بطريق الإطلاق التسامحي هذا على تقدير اعتبار القربة في المسمّى على مذهب الصّحيحي و إلاّ فالأمر أهون و يشكل ذلك بما لو صرّح النّاذر بترك العبادة الجامعة للشرائط حتى القربة فإنّ هذا الجواب لا يجدي في صحّة هذا النّذر و إنّما يجدي في النذور المتعارفة بين المتشرعة لكنه يصلح توجيها لقول الشهيد بالحنث لأنّ نظره إلى ما هو المتعارف بين الناس من النذور و كذا يصلح إبطالا للتالي على بعض الوجوه بأن يقال إن أريد بالتالي بطلان النذور و المتعارفة بين الناس بناء على مذهب الصّحيحي فهو ممنوع لما ذكر و إن أريد به بطلان النذر على ترك العبادة الجامعة لجميع الشّرائط حتى القربة كما يقتضيه ظاهر اللّفظ على هذا المذهب فهي صحيحة لكن بطلان التالي حينئذ ممنوع و السّند ما مرّ (و ثانيهما) أن يقال إنّ متعلّق النذر و إن كان هي العبادة الصّحيحة لكن مخالفة هذا النذر عرفا تحصل بإتيان القدر المقدور من الأجزاء و الشرائط بأن يدعى أنّ المرجع في مخالفة النذر و هو حكم العرف بها و هي عند العرف لا تناط دائما بفعل ما تعلّق النّذر بتركه كملا بل قد يحصل بفعله ناقصا إذا كان النّقص حاصلا من نفس النذر (توضيحه) أن من حلف أو نذر على ترك فعل مركب فإن بقي ذلك الفعل بعد النذر ممكنا توقف الحنث على إتيانه بجميع الأجزاء و إن عرضه الامتناع بامتناع بعض الأجزاء و الشرائط فإن كان ذلك مسبّبا عن شي‏ء آخر غير النذر لم يحصل الحنث أيضا بإتيان الباقي لأنّه ليس ارتكابا لما تعلّق النذر على تركه و إن كان مسبّبا عن نفس النّذر باعتبار ثبوت المنافاة بعينه و بين بعض الأجزاء و الشّرائط دار حصول الحنث و عدمه مدار ما يبقى من الأجزاء و الشرائط المقدورة فإنّ الاجتناب عنها قصوى مراتب الطّاعة كما أن ارتكابها غاية ما يتيسّر عن المخالفة هذا ثمّ إنه إن عولنا في الجواب عن الدليل على الوجهين الأولين فهو و إن عولنا على الوجه الثالث و هو الالتزام بالحنث فالظاهر أن للعبادة الفاسدة حينئذ حرمة و لو قلنا بأن حرمة العبادات الفاسدة تشريعيّة لأنّ الحرمة هذه إنّما جائت من قبل النّذر و مخالفة النذر

حرام ذاتا كمخالفة سائر الواجبات و يحتمل أن لا يتفاوت الحال بينها و بين سائر العبادات الفاسدة بناء على استناد الحرمة إلى انتفاء الشرط و هي القربة و إن كان انتفاؤها مستندا إلى النّذر و لا يخفى ضعفه (فرع) ذكر الشّهيد (رحمه الله) في القواعد الماهيّات الجعلية كالصّلاة و الصّوم و سائر العقود لا تطلق على الفاسدة إلا الحجّ لوجوب المضي فيه فلو حلف على ترك الصّلاة و الصّوم اكتفى فيه بمسمّى الصّحة و هو الدّخول فيها و لو أفسدها بعد ذلك لم يزل الحنث و يحتمل عدمه لأنّها لا تسمّى صلاة شرعا و لا صوما مع الفساد (قلت) و فيما ذكره من الحنث بمجرّد الدّخول نظر واضح و لم أعثر بموجه لذلك و يمكن أن يوجه بأنّ النّهي عن عمل شي‏ء مركب خارجي يوجب حرمة الاشتغال به عرفا و لو لم يتم فلو نهى المولى عن صنع الصّنم أو بناء الدّار أو نحو ذلك من المركبات عدّ عاصيا عند العرف و العقلاء بمجرّد الشروع و يمكن على بعد بناء المسألة على حرمة مقدّمة الحرام إذا اقترنت بقصد التوصل إليه و لكنهما على تقدير صحّتهما إنما يجديان في حصول الإثم و العقاب لا في حصول الحنث و ترتب الكفارة إذ لا ملازمة بين آثار التكليف و الوضع كما

154

في المتجري بشرب الخمر معتقدا لخمريته مثلا فإنّه يعاقب عقاب الشّارب على القول بقبح التجري و لكنّه لا يترتب عليه حدود سائر الأحكام الوضعيّة لأنّها تابعة لموضوعاتها الواقعية فلا بدّ في ترتب الكفارة بالحلف من تناول المحلوف على تركه و المفروض عدم حصوله في المقام بناء على مذهب الصّحيحي إلاّ أن يقال إنّ الكفارة خاصّة تدور مدار التكليف لأنّه نوع عقوبة عاجلة و لذلك ترتفع بالجهل و النّسيان و نحوهما من شرائط التكليف و اللَّه الهادي (و منها) ما تقرّر من أنّ الاشتراك المعنوي خصوصا مع العلم باستعمال اللّفظ في القدر المشترك أولى من الحقيقة و المجاز و الجواب عنه ما مرّ في تأسيس الأصل من منع كون ما نحن فيه من ذلك الباب إلا على وجه بعيد تقدّم ذكره كما تقدم أنّ الأصل مساعد لمذهب الصّحيحي على أوجه الوجوه المقرّرة لتصوير مذهب الأعمي مضافا إلى أنّ نسبة هذا الدّليل إلى مستند القولين الأخيرين نسبة الأصل إلى الدّليل فتعيّن المصير إليه و ربما أجيب بأنّ استعمال هذه الألفاظ في خصوص الصّحيحة ممّا لا ريب فيه فلا موقع للأولوية المدّعاة و أنت خبير بأنّ هذا الكلام جار في جميع صور الدّوران بين الاشتراك المعنوي و الحقيقة و المجاز فلو صحّ كان هدما للأصل المزبور بقول مطلق و التحقيق ما عرفت سابقا من وجوب البناء على ذلك الأصل و لو بحكم أصالة الحقيقة في استعمالات اللفظ في الخصوصيّتين (و منها) أنّها لو كانت أسامي للصّحيحة لزم أن يكون لكلّ صلاة ماهيّات متكثرة بحسب اختلاف أحوال المكلّفين و جوابه قد ظهر ممّا زبر في المقدّمة الثالثة (و منها) ما جعله المحقق القمّي (رحمه الله) من مؤيّدات مختاره و هو أنّ الفقهاء قد أطلقوا على الرّكوع الفاسد اسم الرّكوع حيث يقولون تبطل الصّلاة بزيادة الركوع و زيادة غيره من الأركان عمدا و سهوا و قد ظهر جوابه أيضا ممّا مرّ لأنّ ذلك من الموارد الّتي استعمل فيها اللّفظ في الفاسدة و الغرض من تفريده بالذكر هو التنبيه على فائدة نافعة و هي أنّ الركوع ليس ممّا يتصف بالصّحة و الفساد بالقياس إلى الميزان الّذي وصفناه في معرفة اتصاف الموضوعات الشرعية بهذين الوصفين فارجع إلى ما ذكرنا هناك‏

[الكلام في دليل المفصلين‏]

(حجة القول الثالث) قضاء الوجدان و شهادة الرّأي المستقيم بأنّ من جعل مركبا و اخترع مخترعا مشتملا على أجزاء و شرائط ثم عين له لفظا كاشفا يعبّر به عنه عند الحاجة فإنّما يجعل ذلك اللّفظ بإزاء ذلك المركب المشتمل على تمام الأجزاء من غير ملاحظة تقييدها بالشّرائط المقرّرة وجودا و عدما و هذه الدعوى مع وضوحها عند أهل النظر الصّائب يمكن إثباتها بالاستقراء في ألفاظ المركبات أيضا إذ ما من لفظ من الألفاظ الموضوعة للمركبات الخارجيّة إلا و هي موضوعة في أوّل الأمر للكلّ المشتمل على تمام الأجزاء من غير ملاحظة الشّرائط علمنا ذلك بمشاهدة حال الوضع في بعض و بالاستعمالات الجارية و علائم الحقيقة من التبادر و غيره في الآخر و أكثر شي‏ء ينفع في المقام و يرفع غواشي الأوهام هي المراجعة إلى أوضاع ألفاظ الأدوية و المعاجين المحدثة لمعالجة الأمراض البدنيّة فإنّ احتمال اعتبار التّأثير الفعلي الّذي هو من خواص الفرد المقيّد بواجد الشرائط في غاية البعد و ظهور الفساد و من الواضح أنّ تأثيراتها الفعلية و منافعها المنجّزة موقوفة على أمور لا يذهب إلى مدخليتها في المسمّى وهم أ ترى أن خلوّ المعدة و نحوه من شرائط التأثير الفعلي الراجعة إلى أحوال المريض و كيفيات الشّرب من حيث السّرعة و البطؤ و الدّفعة و التدريج و كونه في وقت دون وقت هل هي من مقوّمات مفهوم لفظ الأيارج مثلا في مصطلح الأطباء نعم شرائط الماهية و الكيفيات المعتبرة في تأثيرها الشأني كسحقها و تشميسها و تسخينها وقت الأكل و الشرب يجري مجرى الأجزاء المؤتلفة في دخول التقييد بها تحت المسمّى و أمّا سائر شروط التأثير الفعلي بعد إتمام الماهية من حيث الأجزاء و من حيث شرائط التأثير الشّأني فهي خارجة عن مفاهيم تلك الألفاظ من حيث ذواتها و من حيث التقييد بها أيضا و شروط العبادات كلّها من القسم الأخير إذ الظّاهر أن محافظتها إنّما وجبت شرعا لصيرورة المكلّف بسببها قابلا للتقرب بالأفعال المقرّرة فهي كالشروط الراجعة إلى أحوال المرضى و كيفيّات الشّرب في الأدوية فائدتها إعطاء الاستعداد و حصول قابليّة المحلّ فتكون شروطا للتأثير الفعلي خارجة عن حقائق العبادات و أمّا غير العبادات فحالها كحال سائر المركبات العرفية من حيث دخول الأجزاء و الشّرائط الشأنية تحت المسمّى دون الفعلية (ثمّ) إنّ قضية ما ذكرنا من الوجدان و الاستقراء كونها أسامي للأجزاء في ابتداء الأمر و أمّا عدم طروّ التغيير عليها بالتسامح و التوسّعات في الاستعمال فيعول فيه على الأصل السّالم عن المعارض لاختلاف المركبات في ذلك و عدم كونها على وتيرة واحدة (فمنها) ما سرى الوضع فيه بتوسّعات المستعملين و تسامحهم إلى الناقص المشتمل على معظم الأجزاء و إن لم يكن مفيدا للفائدة المقصودة من الجعل و الاختراع المتعلقين به و يقرب أن يكون من ذلك لفظ الدّار و الحمّام و ما أشبههما (و منها) ما اختصّ السّراية فيه بالأجزاء المفيدة شأنا و لا يبعد كون وضع المعاجين من هذا القبيل (و منها) ما هو باق على حالته الأولية فإذا حصل الشكّ في بلوغ التوسّع إلى حدّ سراية الوضع إلى الأعمّ من المفيد و غيره كان المرجع هو الأصل و كذا إذا شكّ في السّراية إلى المفيدة مع بقاء معظم الأجزاء هذا و قد يستدل على الأصل بظاهر أدلّة الشروط كقوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ و قوله تعالى‏ إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ الآية و قوله (عليه السلام) لا عمل إلا بنيّة و لا

155

صلاة إلاّ بطهور و نحو ذلك حيث إنّ ظواهرها قاضية باستتمام حقيقة الصّلاة مع قطع النظر عن تلك الشّروط و بعد ملاحظة عدم القول بالفصل بين العبادات و الشّرائط يتم المقصود كملا و يرد على الأصل الاستقراء الّذي ليس أتم منه في طرائق الأوضاع لأنّ الجمود على الحالة الأولى و عدم السّراية رأسا في المركبات العرفية بعيد عن مجاري العادات إذ ما من مركب غير شرعي إلاّ و قد اتسع دائرة وضعه الأوّلي بتوسّعات المستعملين و مساس حوائجهم إلى التعبير عن الأفراد النّاقصة بالنقصان الغير الفاحش كما سلف توضيحه و تفصيله في تحرير مذهب الصّحيحي و هل يظن بخروج مثل الصّلاة عن وزان سائر المركبات العرفية مع ثبوت المقتضي للتوسّع فيها على وجه أتم و آكد لكون الاختلاف الحاصل في أصنافها و أفرادها بحسب اختلاف أحوال المكلّفين أشدّ و أكثر من الاختلاف الموجود في أصناف سائر المركبات فلا يرد على ما ادّعي من الوجدان و الاستقراء أنّ الأخذ بمقتضاهما خارج عن المذهبين لأنّهما يقتضيان باختصاص الوضع بتمام الأجزاء و خروج ناقصها و لو كان صحيحا في الجملة و في بعض الأحوال عن المسمّى هذا مضافا إلى أنّ السّراية إلى الأفراد النّاقصة الصّحيحة اتفاقية و إنّما الخلاف في السّراية الزائدة و هو يكفي في سقوط الأصل كما هو واضح و هذا تفصيل قويّ عندي و محصّله الفرق بين شروط الاقتضاء و هي شروط التّأثير الشأني و شروط ترتب المقتضى على المقتضي و هي شروط فعلية التأثير باعتبار التقييد بالأولى في المسمّى دون الثانية لكن الخطب في التمييز بينهما في شروط العبادات لأنّ معرفة كون الشرط من قبيل خلوّ المعدة بالقياس إلى أثر الأيارج المقصود أو من قبيل السّحق و التشميس ممّا هو شرط الاقتضاء لا يخلو عن إشكال و يمكن الفرق في شروط العبادات بين ما هو من أحوال المكلّفين كالطّهارة و السّتر و الأمور الخارجية كالقبلة و الوقت بجعل الأوّل من شروط الأثر الفعلي و الثاني من شروط أصل الاقتضاء و إن كان لا يسلم عن النظر و اللّه الهادي لمن يشاء إلى الحق و الصّواب‏

بقي الكلام في التنبيهات‏

الأوّل [الكلام في تميز الأجزاء عن الشرائط]

أنّه لا إشكال و لا غموض في تميز الأجزاء عن الشّرائط في المركبات الغير الشرعية كالمعاجين و المشروبات و المطبوخات و المصنوعات مثل السّرير و الدّار و السّاعة و اللّباس و أضرابها مما يتوقف آثارها المقصودة على مراعاة أمور خارجة عن حقائقها الخارجيّة و إن كان في توقف الانتفاع ببعض هذه الأمور المذكورة على شروط خارجة عن الماهيّة نظر و أمّا الفرق بينهما في المركبات الشرعية كالصّلاة مثلا فلا يخلو عن غموض و اشتباه‏

و يقع الكلام هنا في مقامات‏

الأوّل في الفرق المفهومي الّذي يجري مجرى التحديد

و هو من وجوه متقاربة أو متلازمة (أحدها) أنّ الشرط ما كان المقصود من اعتباره حدوث فائدة في غيره و الجزء ما كان المقصود منه فائدة متعلّقة بذاته و هذا الفرق منطبق على الشّروط و الأجزاء في المركبات الخارجية أيضا لأنّ الغرض من تسخين الدّواء قبل الشّرب بروز آثار الأجزاء أو تكميل تلك الآثار و الغرض من اعتبار نفس الأجزاء ما هو موجود فيها من الخواص (فإن قلت) حقيقة التركيب قاضية بمداخلة كلّ من أجزاء المركب في الآخر و إلاّ فمجرد الانضمام الخارجي من دون توقف الفائدة المقصودة على تأثير كلّ من المنضمّين في الآخر لا يحصل به حقيقة التركيب و إن كان الغرض الدّاعي إلى الضمّ موقوفا على الانضمام و إلاّ لكان اجتماع عشرة على نقل حمل ثقيل من المركبات الخارجية ضرورة قيام الغرض الباعث على اجتماعهم أعني النقل بأفعالهم جميعا و بطلان التالي معلوم (قلت) ما ذكرت صحيح في المركبات الحقيقية و أمّا المركبات الاعتبارية فمعنى التركيب فيها ملاحظة عدّة أشياء واحدا و هو أمر اعتباري متقوم باعتبار المعتبر سواء كان تلك الأشياء مستقلّة في إفادة آثارها المقصودة و كان الغرض من الضمّ المتعلّق بها التوصّل إلى مجموع تلك الآثار كضمّ أحد الرغيفين إلى الآخر إذا توقف الإشباع على أكلها أو كانت آثارها المقصودة غير حاصلة إلاّ بعد الانضمام كما في المركبات الحقيقية الّتي يحصل من التركيب فيها مزاج آخر فلو لاحظنا أفعال العشرة في المثال المذكور شيئا واحدا و اعتبرنا فيه هيئة اجتماعية كانت من المركبات الاعتبارية لا يقال بعد المساعدة على أنّ التركيب الاعتباري لا يتوقف على تأثير الأجزاء بعضها في بعض نقول إن المركبات الجعلية لا يجوز أن يكون كذلك لعدم الفائدة في الجعل حينئذ إذ يكون تصوّر الأشياء العديدة حينئذ شيئا واحدا هذرا خاليا عن الفائدة و من هنا يستكشف من اختراع الطّبيب معجونا مدخلية التركيب في الأثر المقصود بتأثير كلّ من الأجزاء في الآخر و لو على غير الوجه الآئل إلى المزاج الحقيقي الموجب لانقلاب التركيب إلى البساطة الخارجية بانسلاخ صور الأجزاء فالمركبات الجعليّة الشرعيّة أولى بالكشف عن ذلك و حينئذ يبطل الفرق بين الركوع و السّجود مثلا و بين السّتر و القبلة لقضاء الضّرورة بتوقف خاصيّة الانحناء الرّكوعي مثلا على انضمام الحمد و السّورة و سائر الأجزاء و لذا أمكن سلب الخاصية رأسا عن الانحناء المجرّد و لا يمكن ذلك و لو في الجملة في أكل الرّغيف في المثال المذكور لأنا نقول (أوّلا) إنّ المركّبات الشرعية نمنع كونها مركبات عند الشارع و لو بحسب الجعل و و الاعتبار فمن المحتمل أن تكون الخاصيّة الموجودة في كلّ واحد من أجزائها متقومة بذاته من غير اعتبار جزء آخر و غاية ما يلزم حينئذ أمران (أحدهما) مخالفة ما هو المشهور من اعتبار التركيب في الماهيّات الجعلية كالصّلاة و لو اعتبارا (و ثانيهما) وجوب الالتزام بمصلحة ناقصة في الأجزاء حال الانفراد أيضا و لا غرر في شي‏ء منهما (أمّا الأوّل) فلأنّ إطلاق المركب عليها إنّما هو في كلمات العلماء

156

و أمّا كلمات الشارع فبمعزل عن الإشارة إلى ذلك (و أمّا الثاني) فلعدم قيام قاطع على عراء الأجزاء في حال الانفراد عن جميع أنحاء المصالح و إنّما المعلوم عدم اشتمالها على مصلحة كافية في الحكم الشرعي و لو على وجه الاستحباب و هو لا ينافي الالتزام بالمصلحة الناقصة الّتي إذا جامعتها مصلحة أخرى أو مصالح أخر مثلها كانت كافية في الحسن الملزم أو الغير الملزم (و ثانيا) إن اختلاف خواص الأجزاء باختلاف حالتي الانضمام و الانفراد لا ينافي ما ذكرنا من وجه الفرق لأنّ الأثر المقصود منها في حال الاجتماع مستند إلى الانضمام لا إلى ذوات الأجزاء و لا ريب في كون الانضمام شرطا كيف و من معظم شرائط الصّلاة الهيئة الاتّصالية (و ثانيها) أن الشّرط ما كان مقارنا مع تمام العمل و الجزء ما كان غير مقارن به و نعني بالمقارنة أن يكون زمان واحد جامعا لوجودهما كالاستقبال و الطّهارة فإنّهما مقارنان للصّلاة بالمعنى المذكور بخلاف الحمد و السّورة و الرّكوع و السّجود فإن وجوداتها الخارجية متباينة بحسب الأزمان و حينئذ فإن جعلنا النية المعتبرة في صحة العبادة هي الدّاعي كانت من الشروط لكونه مقارنا لتمام العمل و إن جعلناها عبارة عن الإخطار كانت من الأجزاء إلا أن الاستدامة الحكمية الحاصلة منها من جهة كونها مصاحبة لتمام الأفعال تكون من الشّروط (و ثالثها) أن الشّرط ما كان صفة و حالة و الجزء ما كان فعلا لأنّ العبادة لما كانت مركبة من الأفعال فلا جرم تكون أجزاؤها كذلك و أمّا أنّ الشرط لا يكون إلاّ حالة فواضح أيضا لأن شرط العمل لا بدّ أن يكون مقارنا و لا يتصوّر التقارن إلا في الحالة إذ الفعل وجوده تدريجيّ فينصرم قبل وجود الفعل الآخر و من هنا قلنا إنّ النّية على تقدير كونها الإخطار فلا بدّ أن تكون جزءا لكون الإخطار من الأفعال و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الشي‏ء يمكن أن يكون مطلوبا من جهتين كما إذا كان فعلا موجبا لحدوث حالة مستمرّة أيضا كالنية فمن حيث نفسه جزء لكونه فعلا مطلوبا شرعا و عقلا و من حيث إفادتها حالة مستمرّة مطلوبة كذلك و هي المعبّر عنها بالاستدامة الحكمية شرط

المقام الثاني في تمييز الأجزاء عن الشرائط بحسب المصداق‏

(فنقول) أمّا النية فقد ظهر حالها و أمّا الوضوء فلا إشكال في خروجه عن القسمين أمّا عن الجزء فلانفصاله عن الصّلاة لجواز تخلّل المنافي لها بينهما و جواز فعله قبل وقتها نعم الحالة الحاصلة منه أعني الطّهارة شرط لكونها من الأحوال المقارنة لتمام العمل لا من الأفعال الغير المستقرّة و كذا لا إشكال في أكثر ما اعتبر شرعا في الصّلاة و غيرها كالحمد و السّورة و الركوع و السّجود و تطهير الثوب و البدن و محلّ السّجدة و إنّما الإشكال أو الخلاف في مثل الطمأنينة و القيام و الاستقبال و نحوها من الأفعال المستمرة المقارنة مع غيرها من الأفعال و الأذكار (وجه الإشكال) أنّ القدر الثابت من الأدلّة مطلوبيّتها في الصّلاة و المطلوبيّة تجامع الجزئية و الشرطية لأنّ كلاّ من الجزء و الشّرط مطلوب و يندفع بأنّ هذه الأمور أفعال مطلوبة فلو كانت شروطا كان الطّلب المتعلّق بها غيريّا مقصودا به حصول الحالة المقارنة و قد تقرر في محلّه أنّ قضية إطلاق الأوامر و المأمور به كونه نفسيّا و لا يذهب عليك أن هذا ضرب آخر من الطّلب النّفسي لا ينافي كونه غيريّا بالقياس إلى أصل العبادة بمعنى كون المطلوب جزءا لها (و فيه نظر) لأن الجزء و الشرط سيّان في كون مطلوبيّتهما بحال إمكان المشروط و الكلّ هذا إذا كان المراد التمسّك بإطلاق دليل الشّي‏ء المشكوك في اعتباره شرطا أو جزءا و لو كان المراد إطلاق دليل الجزء الّذي هو المشروط على تقدير كون المشكوك فيه شرطا كان صحيحا لأنّ إطلاق مادة الجزء ينفي تقييده بكونه ملحوقا أو مسبوقا بذلك الشي‏ء المشكوك الشرطية و قد يناقش أيضا في كونها جزء بأن هذه الأفعال ليس فيها خواصّ الأجزاء لأنّ حصولها من غير تحصيل يكفي في صحتها و أجزاء العبادة كنفسها لا بدّ من تحصيلها فلا يبقى سوى الحالة الحاصلة من تلك الأفعال و هي ليست من مقولة الفعل فكيف يكون من أجزاء العبادة و قد يوجّه جزئية الطّمأنينة خاصّة بأن شرطيتها غير معقولة لأنّها إن كانت شرطا فإمّا أن تكون شرطا للأجزاء السّابقة أو اللاّحقة و كلاهما باطلان لأنّ الشرط لا بدّ أن يكون مقرونا بالمشروط إلاّ أن يقال إنّ الشرط هو تعقبها بالأفعال أو بالعكس لكن الشرط حينئذ ليس نفسها بل التّعقيب المنتزع منها و من الأجزاء و هذا التوجيه على إطلاقه غير وجيه لأن الطّمأنينة على تقدير كونها شرطا فهي شرط للجزء المقارن كسائر الشروط المعتبرة في جميع الأفعال نعم يتجه ذلك فيما يجب منها بعد رفع الرّأس عن الركوع و السّجدة الأولى و أمّا الطّمأنينة في حالات الذكر و هي المسمّاة بالاستقرار فلا و فيه نظر

المقام الثّالث في ذكر بعض الثمرات بين الجزء و الشرط

(فمنها) اعتبار قصد القربة في الجزء دون الشرط لأنّ جزء العبادة عبادة هذا و قد يقال إنّ التقييد بالشروط يجب فيه أيضا مراعاة شروط العبادة فكما أنّ الصّلاة يعتبر فيها قصد القربة مثلا كذلك يعتبر في صفتها أعني كونها في حال الطّهارة و السّتر أن يكون مع القربة لأنّه جزء ذهني للعبادة المأمور بها و إن كان منشأ انتزاعه و هو الفعل الخارجي خارجا عنها و فيه أن مرجع الجزء الذهني إلى وجوب إيجاد العبادة في ضمن فرد خاص و هذا واجب شرطيّ توصلي لا يتوقف سقوطه على قصد القربة و إنّما الموقوف عليها نفس العبادة الكلّية و هذا مثل اختيار المكلّف بعض الخصوصيّات لأغراض مباحة كاختيار الصّلاة في مكان دون مكان في عدم قدحه في صحة العبادة الكلّية المقرونة بالقربة

157

فتدبّر جيّدا (و منها) وجوب تحصيل الجزء دون الشرط إذ يكفي حصوله كما في سائر الواجبات التوصلية (و منها) جريان قاعدة الشكّ بعد التجاوز عن المحلّ في الأجزاء دون الشروط لأنّ الأجزاء لما كانت مرتبة فمحلّ كلّ جزء سابق يتجاوز عنه بالدّخول في الجزء اللاّحق بخلاف الشّرط فإن محلّها قبل الإتيان بالمشروط باق و بعد الإتيان به و إن كان منقضيا إلا أنّ جريان القاعدة في نفس العمل مغني عن جريانه في الشّرط و أمّا بعد التلبّس بالمشروط و قبل الفراغ فبالنّسبة إلى الجزء المأتي به حكمه حكم الشّكّ بعد العمل و بالنّسبة إلى الأجزاء الباقية فكالشكّ قبل العمل نعم لو كان الشّرط محلّه الشرعي أو العادي على أظهر الوجهين قبل التّلبّس ببعض المشروط كالطّهارة الحديثة بالنّسبة إلى أجزاء الصّلاة نظرا إلى عدم إمكان إحرازها قبل كلّ جزء باعتبار كونها شرطا للأكوان أيضا أمكن إلغاء الشكّ فيه في الأثناء حتّى بالنّسبة إلى الأجزاء الباقية و من هنا يسهل الخطب و الإشكال في الأمور الّتي يجب فعلها في العبادة كالطّمأنينة و القيام و السّتر و الاستقبال إذ لا يتفاوت الحال فيها بين كونها أجزاء أو شروطا لأنّ الشكّ فيها يلغى على كلّ حال بمعنى أن الشكّ في القيام للفاتحة لا يلتفت إليه إذا عرض في الصّورة و لو كان شرطا لأن محلّه على تقدير كونه شرطا للفاتحة مثلا محلّ الفاتحة مضافا إلى إغناء جريان القاعدة في نفس الفاتحة حينئذ عن جريانها في القيام و كذا الحال في الطّمأنينة و الاستقبال بل قد يقال بوجوب مراعاة القربة و سائر شروط العبادة في هذا الضّرب من الشروط لأنّ قضية تعبّد الشّارع إيّانا بها مراعاة شروطها فيها و لا يرد ذلك في مطلق الشروط لجواز إحرازها قبل وقت العبادة فلا يسري إليها حكمها من القربة و غيرها بل يرجع فيها إلى ما هو الأصل في الواجبات التوصليّة و اللّه الهادي‏

الثاني [الكلام في أن النزاع هل يجزي في ألفاظ المعاملات أم لا]

أنّه قد تبيّن في المقدّمة الثانية و بعض تنبيهات المسألة الأولى حال النزاع في ألفاظ المعاملات (و توضيح المقال) بإعادة الكلام و تنقيحه (و نقول) إنّ جريان النّزاع يتوقف على كون المعنى المراد الشّرعي منها شيئا قابلا لطريان وصفي الصحة و الفساد عليه و حينئذ فإن قلنا إن ألفاظ المعاملات ممّا تصرف فيها الشارع تصرّفا لفظيّا بأنّ نقلها عن معانيها العرفية إلى معنى قابل لهما كالإيجاب و القبول المقرونين بالشّروط المقرّرة كلاّ كما على مذهب الصّحيحي أو في الجملة كما على مذهب الأعمي فلا إشكال في جريان النزاع فيها كما لا إشكال في كون الحال فيها هو الحال في العبادات قضاء لحق عموم الأدلّة المستدلّ بها على القولين و اختيار جماعة من المتأخرين مذهب الصّحيحي فيها إن بني على هذا القول كان صحيحا خاليا عن الإشكال إلاّ الإشكال الّذي هو في أصل ثبوت الحقيقة الشرعيّة كما تقدّم في المسألة السّابقة و إن قلنا بالعدم فالظّاهر أنّها تخالف العبادات حينئذ في جريان النّزاع لأنّها على تقدير عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها باقية على معانيها العرفية و يكون ما اعتبر في صحّتها من الشرائط قيودا لاحقة لها من الخارج فليست كألفاظ العبادات في جريان النزاع فيها على تقديري الثبوت و عدمه لأنّ العبادات على تقدير عدم الثبوت واجدة أيضا للشرط المذكور من الانقسام إلى الصّحيح و الفاسد و السّر فيه على ما سبق تحقيقه في بيان مذهب القاضي هو تركب معاني العبادات مطلقا حتى على مذهب النفاة و بساطة المعاملات لأنّها مقيدة بناء على هذا المذهب و ليست بمركبة و التركيب قاض بقبول الوصفين بخلاف التقييد و أمّا على مذهب المختار من عدم كون التقييد مجازا فواضح لأنّ اللّفظ في حال التقييد باق حينئذ على حسب وضعه و قد عرفت الحال في اتصاف المعاملات بحسب الوضع العرفي بالوصفين من التفصيل في المقدّمة الثانية و أنّ الأقوى جريان النّزاع أيضا فارجع و تأمّل و أمّا على القول بكونه مجازا فلأنّ ذلك أيضا لا يستلزم استعمال المطلق في المقيّد و هو الفرد في موارد التقييد إذ مبنى هذا القول على كون المطلق موضوعا للطّبيعة الشّائعة و يلزمه أنّه إذا حصل التقييد حصل التجوّز سواء كان باستعمال المطلق في المقيد بسبب قرينة التقيد كما يراه المحقق القمّي (رحمه الله) أو باستعماله في الطّبيعة المهملة فإنه مجاز أيضا على هذا المبنى و من الواضح أنّ المعاملات على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها محمولة في الكتاب و السّنة على الطّبيعة المطلقة لا الفرد الجامع للشرائط فالبيع في قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ يراد به البيع الكلّي المطلق و لا ينافيه تقييد إطلاقه بالقيود المستفادة من الخارج مع عدم إرادة خصوصية الفرد و هو الجامع للشرائط منه نعم لو كان مرجع القول بالتجوّز في التقييد إلى رأي المحقق القمّي (رحمه الله) من كشف القرينة عن استعمال المطلق في الفرد كان حال المعاملات كحال العبادات في جريان النّزاع على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة أيضا و تحرير المذهبين على هذا الاحتمال هو أن يدعي الصّحيحي استعمالها في خصوص الفرد الجامع لجميع الشرائط و الأعمي استعمالها في القدر الجامع بينه و بين واجد البعض و ممّا ذكرنا ظهر أن ما نقل عن الشّهيدين من اختيار قول الصّحيحي في ألفاظ المعاملات كما يظهر من بعض فحول السّادات في فوائده أيضا حيث أجاب عمن زعم جريان أصالة الإباحة في المعاملات و نهوضها في إثبات الحكم الوضعي و هي الصّحة بأنّ مورد الأصل المذكور الأفعال المقدورة و مع الشكّ في صحّة المعاملات يكون الأصل القدرة عليها مشكوكة ليس على ما ينبغي لو لم ينزل ما ذكره على عرف المتشرّعة فإنّه ليس بذلك البعيد مضافا إلى منافاته للطّريقة الجارية بين كافة العلماء من التمسّك بأدلّة المعاملات في المسائل‏

158

المشتبهة ضرورة منافاة الاستدلال بها للقول المذكور كما ظهر في ذكر الثمرة و بعض من سلك مسلك الصّحيحي فيها من المحققين تفصى عن هذا الإشكال تبعا لشيخه بإرجاع اختلاف الشّرع و العرف في البيع مثلا إلى التخطئة في المصداق بعد الاتفاق في أصل المفهوم نظير ما ذكرناه في لفظ الطّهارة و العدالة في تنبيهات المسألة السّابقة فقال ما حاصله أنّ البيع اسم للنقل المتعقب بالانتقال شرعا و عرفا و هذا المعنى ليس قابلا لطريان الفساد عليه لكن المصداق أي مصاديق مفهوم النقل مما حصل فيه الاختلاف في نظر الشرع و العرف كاختلاف الذّوائق في مصاديق الحلو و الحامض بعد الاتفاق فيهما بحسب المفهوم و هذا كاف في صحّة الاستدلال بعمومات البيع إذ المانع ليس إلاّ اختلاف معناه شرعا و عرفا و قد ارتفع بما ذكر كما لا يخفى (و فيه أوّلا) أنّ هذا تأويل في المقام من غير ظهور قائل به من الفريقين إذ الظّاهر أنّ القائل بمذهب الصّحيحي في المعاملات إنما يدعي كونها أسامي للصّحيح الشرعي أعني الجامع بين مصاديق النقل الشّرعي و هو الجامع للشّرائط الشرعيّة لا أنّها أسامي لمفهوم النقل و هو لا يكون في الخارج إلاّ صحيحا مستتبعا للانتقال و بينهما من الفرق ما لا يخفى (و ثانيا) أنّ ظاهر هؤلاء أو صريحهم انقسام المعاملات إلى الصّحيح و الفاسد و إن زعموا كونها أسامي لخصوص الصّحيح شرعا و أين هذا من عدم قابليّتها لعروض الفساد عليها شرعا و عرفا (و ثالثا) أنّ ما ذكر في وجه الاستدلال غير سديد لأنّ مجرّد الاتحاد بحسب المفهوم لا ينهض بصحّة الاستدلال بالعمومات عند الشكّ لأنّ الشكّ في الصّحّة و الفساد على هذا الوجه شكّ في صدق النّقل الشرعي مع عدم انتهاض العرف برفعه نظرا إلى عدم الملازمة بين تحقق النقل عرفا أو تحققه شرعا لثبوت الاختلاف و التفارق في غير موضع فالتعويل عليه في استكشاف المصداق الشرعي تعويل على غير العلم من غير دليل و ما هو المعروف من أنّ المحكم في ألفاظ الكتاب و السّنة هو العرف عند عدم الحقيقة الشرعية متين لكنّه غير مربوط بالمقام إذ هو في استكشاف مفاهيم الألفاظ لا في تشخيص المصاديق بعد انكشاف المفاهيم فلو شكّ في مفهوم الغناء مثلا وجب الرّجوع إلى العرف و أمّا إذا شك في مصداقه كما إذا علم اعتبار عدم القرآن في مفهومه و شكّ في أنّ ما يتغنّى به المغنّي قرآن أم لا فلا مسرح للعرف فيه بل المعوّل هنا ليس إلا الطّرق العلمية أو الشّرعية المقرّرة للموضوعات المشكوكة لا يقال كثيرا ما نجد إرجاع العلماء إلى العرف في تشخيص موضوعات الأحكام و من ذلك تحديد كثير الشّكّ و كثير السّفر بما يكون كذلك عرفا (و منها) أيضا الرّجوع إلى أهل الخبرة في تمييز المثلي عن القيمي بناء على تعلّق الحكم الشّرعي بهذين العنوانين في الأدلّة الشرعيّة و كذا في تشخيص القيمة و نحو ذلك من الموارد الّتي لا تخفي على الخبير العارف بها و ليس ذلك إلاّ لأجل كون المحكم فيها هو العرف و من الواضح أنّ ما نحن فيه من جملتها لا من الموضوع الصّرف مثل كون هذا ماء و هذا بولا إذ النّقل ليس ممّا يمكن العلم به مع الاعتزال عن العرف بالمرّة كما هو كذلك في معرفة صرف المصداق بعد تبيّن المفهوم ضرورة أن العلم بمصاديق الماء مثلا بعد معرفة مفهومه أمر ممكن و لو لم يكن في الدّنيا عرف أصلا (لأنّا نقول) إنّ موارد المراجعة إلى أهل الخبرة في الموضوعات الخفية لا مساس لها بالمقام لقضاء الضّرورة بوجوب مراجعة الجاهل إلى العالم فالرّجوع في معرفة مصداق مثل المجتهد من الموضوعات الخفية إلى أهل الخبرة بها من باب الشّهادة أو من باب الظّن أجنبيّ عمّا نحن فيه و الرّجوع إلى العرف في تعيين القيمة من هذا الباب بل تسمية المرجع فيها بالعرف لا يخلو عن شي‏ء إذ لا عبرة بهم من حيث كونهم أهل العرف بل من حيث كونهم أهل الخبرة و أمّا الرّجوع إليه في حدّ كثير السّفر مثلا فالظاهر أنّه من جهة تميز مفهوم الكثرة لأنّ لها مراتب مختلفة بعضها معلوم الاندراج تحت مفهومها العرفي و بعضها معلوم العدم و بعضها مشكوك فالرّجوع إلى العرف لأجل الاحتراز عن المرتبتين الأخيرتين و هذا من أوضح مجاري صحّة السّلب و عدمها المقرّرتين لاستكشاف مداليل الألفاظ و الظّاهر أنّ الرّجوع إليه في تمييز المثل أيضا من هذا الباب إذ المماثلة أيضا لها مراتب مختلفة و مثل الرّجوع فيه و في كثير السّفر إليه مثل الرّجوع إليه عند الشكّ في اندراج ماء السّيل مثلا تحت الماء و ممّا ذكرنا يظهر الحال في سائر موارد الرجوع‏

إلى العرف من حيث تعيين المصداق و من البيّن أنّ الرّجوع إلى العرف في إحراز حقيقة النقل ليس من أحد البابين كما لا يخفى (فإن قلت) لا إشكال في أنّ المعوّل في الموضوعات الصّرفة ليس هو الشّرع و أنّه لا يجب الصّدور فيها عن قول المعصوم (عليه السلام) أو المجتهد بل ربما لا يجدي قولهما إذا خالفهما نظر المكلّف إلاّ من حيثيّات أخرى خارجة عن المقام فإذا فرضنا اتحاد معنى البيع شرعا و عرفا فلم يبق شي‏ء سوى تشخيص المصداق الّذي ليس بيانه وظيفة للشّارع و لا لمن يقوم به تلك الوظيفة فأيّ شي‏ء يمنع بعد ذلك عن العمل بالعمومات مع انتظام قياس منتج بسبب جعلها كبرى لصغرى وجدانية بأن يقال بيع المجهول بيع و كلّ بيع حلال (قلت نعم) لكنّه أقوى دليل على فساد التوجيه المذكور و إن شئت قلت إنّ الأمر لو كان كما ذكره المجيب من رجوع الاختلاف بين الشّرع و العرف إلى المصداق لم يؤثر في الفساد بعد الصّدق العرفي حكم الشّارع بالفساد و التّالي باطل بالضّرورة باعتراف الموجه‏

159

و غيره من القائلين بوضعها للصّحيحة لأنّهم معترفين بتأثير النّهي الشّرعي و بفساد ما حكم الشّارع بفساده و هذا لا يجامع الجواب المذكور ألا ترى أنّه لو ورد من الشّارع أنّ هذا الماء ليس بماء لم يكن ذلك مانعا من ترتيب آثار الماء عند العالم بأنّه ماء إلاّ أن يرجع ذلك إلى التخصيص بدلالة الإشارة يعني خروج هذا الماء عن حكم الماء و المفروض أنّ الالتزام به خلاف فرض المجيب لأنّ البيع عنده حقيقة في النقل الواقعي و الحكم بالفساد في مثله غير معقول كما لا يخفى (و ملخّص المقال) أنّ لفظ البيع مثلا إن قلنا بأنّه اسم في الشّرع و العرف لمعنى قابل لطريان وصفي الصّحة و الفساد أعني ترتب الأثر و هو الملك و عدمه عليه صحّ الاستدلال بعموماته في المسائل المشتبهة و أمّا لو قلنا بأنّه منقول في الشّرع إلى خصوص الفرد الجامع للشّرائط الواقعية أو قلنا بأنّه اسم عرفا و شرعا لمعنى لا يكون إلاّ صحيحا فالاستدلال به ساقط إلاّ أن يلتزم بما ذكرنا في المقدّمة الثانية من أنّ الشّارع إذا حكم بفساد البيع مثلا دلّ ذلك على خروجه عن أحكام البيع و مرجعه إلى الالتزام بحصول النّقل و الانتقال الواقعيّين مع عدم الالتزام بأحكام الملك تعبّدا من الشّارع و هذا في غاية الميل عن الصّواب بل يمكن دعوى القطع بفساده لأنّ بيع الخمر عندنا لا يفيد ملكا في الواقع و هو معنى فساده و معنى النّواهي المتعلّقة به لا أنّه مفيد للملك لكن الشّارع منع من جميع أنحاء التصرّف في الملك الحاصل بسببه و هذا هو الاحتمال [أول‏] الّذي أبديناه في المقدّمة الثانية لإخراج حقيقة المعاملات عن صلاحية الانقسام إلى الصّحيح و الفاسد فظهر من جميع ما ذكر فساد خيرة غير واحد من المتأخرين من القول بمذهب الصّحيحي في المعاملات نعم لا بعد في الالتزام به بحسب عرف المتشرّعة و لعلّه المراد ممّا نقلناه عن الشّهيدين بقرينة ذكرهما له في باب الأيمان و النذر إذ من البيّن أنّ المجدي في اختصاص متعلّق اليمين و النذر بالصّحيح إنّما هو الوضع له في عرف المتشرّعة دون الشّارع بل قد يقال بأنّه ظاهر كلّ من أطلق و لم يقيد العرف بعرف الشّارع و بعض من لم يتفطّن إلى هذا الاحتمال الجيّد في كلماتهم من الأجلّة اختار هذا القول في عرف الشّارع أيضا فقال الحق أنّ ألفاظ المعاملات أيضا موضوعة بإزاء الصّحيحة و الحجّة عليه تبادر الصّحيحة عرفا و صحّة سلب الاسم عن الفاسدة و إذا ثبت عرفا ثبت لغة و شرعا بضميمة أصالة عدم النّقل (أقول) لا يخفى ما فيه (أمّا أوّلا) فلأنّه إن أراد بالعرف العرف العامّ فإن أراد بتبادر الصّحيحة عرفا تبادر الصّحيح الواقعي أعني النّقل المستتبع للانتقال كما لعلّه الظّاهر من قرب مشربه لمشرب المجيب عن الإشكال المشار إليه ففيه أن التمسّك بأصالة عدم النقل حينئذ ليس في موضعه إلاّ على تقدير احتمال نقل الشّارع لها إلى الأعمّ من النّاقل و غيره و هو احتمال لا يلتفت إليه ذو مسكة و إن أراد تبادر الصّحيح الشّرعي أعني الفرد الجامع للشّرائط الواقعية فهو مكابرة جليّة إذ من الواضح أن تبادر البيع في العرف العام ينقسم إلى الصّحيح الشرعي و غيره و إن أراد بالعرف عرف المتشرعة فسقوط التعلّق بأصالة عدم النقل لإثبات الوضع شرعا أو لغة أوضح هذا ثمّ إنّ هذا القائل ممّن يظهر منه في المسألة السّابقة عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في المعاملات حيث اقتصر في ردّ قول الفصل بينها و بين العبادات بإبطال مختاره في العبادات و صريح كلامه هنا ثبوت الحقيقة الشرعية فهذا غفلة أخرى بينة إلاّ أن يرجع إلى مقالة المجيب من دعوى الوضع لغة و شرعا للصّحيح و اللَّه الهادي (ثم اعلم) أنّ أدلّة المعاملات بين طائفتين كأدلّة العبادات (أحدهما) ما ورد في مقام الإمضاء و وجوب ترتيب الأثر على ما هو المتعارف بين الناس قبل الشّرع مثل قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله (عليه السلام) النّاس مسلّطون على أموالهم و توهّم تقييدها بالصّحيحة فتكون مجملة توهّم باطل قد ظهر فساده ممّا ذكرنا في الثّمرة (و ثانيهما) ما ورد في جعل بعض الأحكام و بيان جملة من الفوائد المترتبة على المعاملات الواقعة بينهم فيكون مساقها مساق المعهود مثل قوله (عليه السلام) البيّعان بالخيار ما لم يفترقا و من اشترى بيتا فليولم أو عبدا فليغيّر اسمه و نظائرها و الّذي يمكن التّعويل على عمومه أو إطلاقه في مقام الشّكّ إنّما هي الأولى و أمّا الثّانية فهي مجملة ضرورة كون المراد منها هي الأفراد الصّحيحة بقرينة الأحكام المذكورة

الثّالث [الكلام في انقسام الحكم الشرعي إلى الواقعي أو الظاهري‏]

أنّ الحكم الشرعي ينقسم بملاحظة اختلاف أحوال المكلّفين إلى واقعي و ظاهريّ و الأوّل إلى أولي كحكم المختار و ثانويّ كأحكام ذوي الأعذار و منه الحكم المجعول في حال التقية و الثاني ينقسم إلى ظاهري شرعيّ و ظاهريّ عقليّ ثمّ الظّاهري يتصوّر تارة في الشّبهة الحكمية و أخرى في الشّبهة الموضوعية و هذه الأقسام قد يجري في موضوع الحكم الشرعي أيضا فيقال صلاة واقعية و صلاة ظاهرية إلاّ أنّ جريانها في الموضوع ليس على حدّ جريانها في الحكم لوضوح أنّ حقيقة الحكم الشّرعي موجودة في الصّور كلّها عدا الظّاهري العقلي بخلاف حقيقة الموضوع فإنّه في الصّور الظّاهرية يدور مدار الواقع فالصّلاة الظّاهريّة ليس إلاّ كالماء الظّاهري و القبلة الظّاهرية و هذا ممّا لا ينبغي أن يخفى على أحد و من العجائب ما تخيله بعض المحققين في المقام حيث ذهب إلى صدق الموضوع حقيقة في الظّاهري الشرعي أيضا إذا كانت الشبهة حكمية و أن الصّلاة مع الظنّ الاجتهاديّ بصحّتها مندرجة تحت المسمّى على القول بالصّحيحي ضرورة كونها صلاة صحيحة متّصفة بالصّحة في حق الظانّ و لو كانت الصحّة ظاهريّة و أمّا إذا كانت الشّبهة موضوعيّة ففصّل بين ما يدور مدار الطّرق الشرعيّة كالقبلة على بعض الوجوه فكذلك‏

160

و بين ما يدور مدار الواقع و أنيط الحكم ظاهرا بما جعل طريقا إليه فنفي البعد عن القول بخروجه عن المسمّى ثمّ قال و قد يفصل بين صورة انكشاف الفساد بالعلم التفصيلي أو الإجمالي كما في الشّبهة المحصورة و عدم الانكشاف فمع عدم انكشاف الخلاف بأحد الوجهين يقال بحصول الطّبيعة و اتصافها بالصّحة الشرعية بخلاف صورة الانكشاف (قلت) لعلّ ما ذكره من العثرات الصّادرة عن طغيان القلم لتطابق الآراء و العقول على عدم التّصويب بجميع أقسامه في الموضوعات مطلقا و أنّ التصويب فيها يرجع إلى التصويب في الحكم الظّاهري و من الواضح أنّه لا فرق في ذلك بين الموضوع المستنبط الشّرعي و بين الموضوع الصّرف الخارجي فهل يذهب ذاهب إلى أن البول المظنون المائية مندرج تحت اسم البول و أيّ فرق بين ذلك و بين القول بأنّ الصّلاة الفاقدة للجزء الواقعي المحكوم بالفساد الواقعي داخلة تحت مسمّاها على مذهب الصّحيحي إذا أدّى ظنّ المجتهد إلى تماميّة أجزائها و عدم مدخلية المفقود في ماهيّتها و دعوى أنّ مجرّد الاتصاف بالصّحة و لو ظاهرا يكفي في كون العمل عبادة شرعية فيتناوله الاسم مدفوعة بأنّ الصحّة الظّاهريّة مرجعها إلى ثبوت حكم الصّلاة الواقعية ظاهرا لما ليس بصلاة واقعا و أين هذا من الاندراج تحت مدلول اللّفظ على ذلك المذهب نعم ما ذكره في الواقعي الثّانويّ حقّ في الجملة لما عرفت من سريان الوضع إلى كلّ ما يحصل به الخاصيّة المقصودة من تشريع الصّلاة مع بقاء معظم الأجزاء على هذا المذهب و كذا يتجه ما ذكره في الشروط الّتي يدور شرطها مدار الطّرق الشرعيّة كالشروط العلميّة و ما يجري مجراها بالنّسبة إلى الطّرق الشرعية كالقبلة على القول به فيها دون الطّرق العقلية و قد أشرنا إليه أيضا في بعض المقدّمات و أمّا في غيرها من الشروط الواقعية فلا وجه لما ذكره لأنا إذا قلنا بأنّ الصّلاة اسم للصّحيحة الواقعية المفروض اعتبار الطّهارة الحدثية فيها واقعا فكيف يحتمل حينئذ صدقها على الفاقدة إذا قام أصل أو أمارة على عدم اعتبارها فيها فالتفصيل المذكور في غاية الميل عن الاستقامة بل الإنصاف أن ما صدر عنه من الترديد في خروج معلوم الفساد عن المسمّى كما يفصح عن ذلك التعبير بعدم البعد [خروج‏] عن شاكلته و اللَّه الهادي‏

الرّابع [الكلام في الشك في الجزء و الشرط]

قد عرفت في بيان ثمرة المسألة أن ماهيّات العبادات على القول بوضعها للصّحيحة أمور محتملة لا يمكن إحرازها عند طريان الشكّ في الجزء و الشّرط و اعلم أنّ الشكّ فيهما قد يكون في الشبهة الحكمية و أخرى في الشّبهة الموضوعية فإن كان الأوّل فالمرجع فيه هي البراءة أو الاشتغال على اختلاف المذاهب فيه كما سبق الإشارة إليه هنالك ضرورة عدم توقف استعمال الأصلين على إحراز العنوان و إن كان الثاني فيشكل الأمر فيه من حيث لزوم التوقف و عدم الحكم بالصّحة عند عروض الشكّ و الالتزام به في غاية البعد و الإشكال إذ الظاهر لزوم ترتيب آثار الصّلاة على الصّلاة الواقعة من المسلم وضعا و تكليفا فلو نذر شيئا لمن صلّى صلاة صحيحة حصل البرء بإعطائه المسلم الّذي يصلّي و لو مع الشكّ في حصول بعض الشّروط و عدمه و لو التزم بعدم البرء و لزوم التفتيش حتّى يحصل العلم بحصول جميع الأجزاء و الشّرائط الخفيّة كالنيّة و نحوها فيها فهو مع فساده لا يحسم الإشكال في مثل صلاة الإمام إذا احتمل فقدانها بعض الشرائط لاستقرار السّيرة و جريان الطّريقة على معاملة الصّحة مع صلاة الإمام (عليه السلام) من غير تفتيش و تفحّص بل لو ادّعي الإجماع على ذلك لأمكن و قد تصدى غير واحد من أهل التّحقيق و النّظر لرفع هذا الإشكال مجيبا عن المحقق القمّي (رحمه الله) حين انتصر بذلك لمختاره بأنّ أصالة الصّحة تنهض بإثبات الصّحة الواقعيّة فيحكم بصحّة الصّلاة واقعا عند الشكّ في الأجزاء و الشرائط و لو مع اختلاف العلم باختلاف رأي الفاعل و الحامل في الأجزاء و الشّرائط فضلا عن الشكّ و فيه ما عرفت سابقا من أنّ نهوض الأصل المذكور بإثبات الصّحة الواقعية مع عدم سلامته بقول مطلق عن الإشكال خصوصا مع السلم بمباينة الرّأيين تبيانا كلّيا لا يجدي في المقام لما تقرّر من أنّ الأصول لا يثبت بها العناوين و الموضوعات المتعلّقة بها الأحكام و إنما فائدتها إثبات صرف الأحكام فأصالة الصحّة إنّما يثبت بها صفة الصّحة واقعا من دون إحراز الموصوف و هو غير نافع في الشّبهات الموضوعيّة لأنّ متعلّق النذر إنّما هو الصّلاة الصّحيحة لا مجرّد العمل الصّحيح و عنوان الصّلاة لا يثبته ذلك الأصل و كذا الكلام في الأحكام الثابتة لصلاة الجماعة فإنّها متفرّعة على صحّة صلاة الإمام (عليه السلام) فلا بدّ فيها من إحراز الوصف و الموصوف معا و الّذي يمكن أن يقال في رفع الإشكال أمور (الأوّل) أن يدعى نهوض ذلك الأصل بإثبات الموصوف أيضا إمّا مطلقا أو في خصوص بعض الموارد كصلاة الإمام (عليه السلام) و لا غرو فيه بناء على أن عمدة مستند الأصل المذكور هي السّيرة و الإجماع فيقدر مدلوله و مفاده بقدر ما قاما عليه و لا بعد في دعوى قيامهما على حمل صلاة الإمام (عليه السلام) على الصحيحة في الجملة (و الثّاني) أن يلاحظ أصل الصّحة في إقدام المسلّم على الصّلاة و يحمل أصل الإقدام على الوجه الصّحيح فإنّه يجدي حينئذ في إثبات أصل العنوان لأنّ الإقدام الصّحيح على عمل هو الإتيان به (و الثالث) أن يلاحظ ذلك في أمر المسلم و شأنه بناء على استناد ذلك الأصل إلى ما دلّ على وجوب حمل أمور المسلمين على أحسنها إذ الأصل حينئذ ينفع في إحراز العنوان أيضا لأنّ قضية ذلك أنّه إذا دار أمر المسلم بين الإتيان بما عليه من الواجب و عدمه حمل على الوجه الأحسن و هو الإتيان فإذا شكّ في قراءة الإمام (عليه السلام)

161

للسّورة مثلا و عدمها حملنا أمره على الصّحة و نحكم بالقراءة و هكذا إذا شكّ في طهارته إلى آخر ما شكّ من الأجزاء و الشّرائط فيثبت بذلك جميع ما شكّ فيه و به يثبت عنوان الصّلاة إذ المفروض أنّ الشبهة موضوعيّة يعني كونها بعد تبيّن ماهيّة الصّلاة بالأدلّة فالشّكّ إنّما هو في الوجود بعد ما علم حقيقتها بمقتضى الأدلّة و هكذا الكلام في مسألة النّذر و الحلف و اللَّه الهادي‏

بديعة [الكلام في استعمال المشترك في أكثر من معنى‏]

لا إشكال و لا خلاف معتدّا به في وقوع الاشتراك وضعا و استعمالا في لسان العرب و خصوصا الكتاب و السّنة و قد سبق الكلام في بيان حدّه و تميزه عن نظرائه من متكثر المعنى كالمنقول و غيره و قد اختلفوا في كيفية استعماله فمنهم من ذهب إلى كونه وجدانيّا فغلط استعماله في المعنيين فصاعدا حقيقة كان أو مجازا مطلقا و منهم من أجاز ذلك و صحّحه و هو ظاهر الأكثر و هم بين قائل بالحقيقة مطلقا و قائل بالمجاز كذلك و قائل بالتّفصيل كما يأتي (و اعلم) أنّ لإرادة المعنيين صورا (أحدها) أن يطلق المشترك و يراد به المعنيان مستقلّين على أن يكون كلّ منهما مناطا للحكم و متعلّقا للنّفي و الإثبات كما تقول أقرأت الهندان تريد حاضت هذه و طهرت تلك على سبيل التوزيع حتّى كأنك ذكرته مرّتين (و ثانيها) أن يراد به المسمّى كما تقول أكرم زيدا تريد أكرم من هو مسمّى بهذا الاسم و لا إشكال في صحّته بل في وقوعه لأنّه من عموم الاشتراك الّذي لا خلاف في جوازه (و ثالثها) أن يراد به أحدهما على سبيل التّرديد كما تقول ائتني بالجون تريد أحد المملوكين و المستعمل فيه في هذا الفرض كلّ واحد من المعنيين مردّدا فيه على أن يكون التّرديد جزءا لمدلول اللّفظ فيكون المستعمل فيه على هذا الوجه متضمّنا للمعنى الحرفي أعني التّرديد و هذا بخلاف المستعمل فيه في الفرض السّابق فإنّه أمر كلّي و هو المسمّى فاتضح الفرق بينهما و المعروف من صاحب المفتاح أنّه ذهب إلى كون استعمال المشترك على هذا الوجه حقيقة و بما ذكرنا من رجوعه إلى إرادة المعنى الحرفي ظهر فساده إلاّ أن يوجّه بأن المراد هو أحد المعنيين أي هذا المفهوم و هو أيضا مفهوم كلّي إلا أنّه لوضوح فساده على ما نبّه عليه غير واحد نظرا إلى عدم وضع المشترك لذلك المفهوم الكلّي و إلاّ لكان مشتركا معنويّا و هو خلف بمكان من البعد عن كونه اختيارا له فيتعيّن ما سورناه لأنّ احتمال كونه حقيقة أقرب إلاّ أنّ فيه تلك الدقيقة الّتي نبّهنا عليها من انقلاب معنى الاسم حرفا و الأوجه ما ذكره بعض النّاظرين في كلامه من عدم دلالته على هذا القول كما يظهر لمن راجع إليه لأنّ حمل كلامه على المذهب المشهور على أن يكون المراد بعدم تجاوز المشترك عن معنييه الّذي صرّح بأنه المنساق منه قصر المعنى المنساق فيهما مردّدا بينهما في إرادة المتكلّم ممكن و رابعها أن يراد به مجموع المعنيين من حيث المجموع و هذا إنّما يتصوّر إذا كان المعنيان جزءين لمركب حقيقي أو اعتباري فلا يجري في مثل عين و زيد و نظائرهما من المشتركات الّتي لا تركيب بين معانيها رأسا و هذا أيضا لا إشكال في جوازه مع مراعاة المناسبة المصحّحة لاستعمال الجزء في الكلّ خلافا لبعض المحققين من السّادة حيث صرّح بأن سبيله سبيل الأوّل و لا غرو فيه إذا لم يكن المعنيان جزءين لمركب حقيقي أو اعتباريّ كما قلنا البعد استعمال المشترك كذلك في الاستعمالات السّارية كالأوّل و الفرق بينه و بين الأوّل هو الفرق بين الكلّ المجموعي و الأفرادي كذا في القوانين (و فيه نظر) يعرف ممّا تقرر من أنّ هذا النّحو من الاستعمال لا يتصوّر إلا فيما إذا كان المعنيان جزءين لمركب حقيقي أو اعتباريّ و الكلّ المجموعي لا تركيب بين أجزائه لا حقيقة و لا اعتبارا إذ الجمعية فيه ملحوظة بالقياس إلى تعلّق الحكم بالأفراد على خلاف تعلّق الحكم بالأفراد في العام بناء على ما هو الصّواب عندنا في الفرق بين العام المجموعي و الأفرادي من أنّ الأوّل يدلّ على كون العموم موضوعا للحكم و مسندا إليه حتى أن قولك رأيت كلّ العلماء يجري مجرى قولك إنّ المرئي هو الكلّ دون البعض و الثاني على كونه مرآتا لملاحظة حال الأفراد في إثبات الحكم لها و تعلّقه بها (و الحاصل) أنّ العموم المجموعي و الأفرادي ملحوظ في كلّ منهما صفة العموم و إن كان بينهما بعض الفرق بخلاف المشترك المستعمل في المعنيين فإنّ العموم ليس فيه ملحوظا رأسا سواء كان من قبيل الأوّل أو الثّاني فجعل الفرق بين هذا النّحو من الاستعمال و الاستعمال الأول كالفرق بين الكلّ المجموعي و الأفراديّ غير واضح و كيف كان فهذا النّحو من الاستعمال أيضا خارج عن المتنازع فيه فهو خصوص الضّرب الأوّل من الاستعمال كما صرّح به صاحب المعالم و من تأخر عنه من المحققين و ذكر بعض الأجلّة أنّه غير مطّرد و لا منعكس لعدم العبرة بكون كلّ واحد من المعنيين مناطا للحكم بل يكون كلّ واحد مستقلاّ بالإرادة سواء كان مستقلاّ في تعلّق الحكم به أيضا

أم لا فتحرير محلّ النزاع على هذا الوجه مختل طردا و عكسا (قلت) قد عرفت أن استعمال المشترك في المعنيين بمنزلة تكرّر اللّفظ في إرادة المعنيين المختلفين و في صورة التكرير يكون كلّ واحد متعلّقا للنّفي و الإثبات لا محالة و الّذي أوقعه في الغفلة توهّم تعلّق الحكم بالمجموع في بعض الأمثلة كما في قولك ائتني بزيد إذا كان للمطلوب قائما بإتيانهما معا و قولك لزيد هذا الدّرهم إذا كان المستحق له الزيدان معا فليس كلّ واحد متعلّق للنّفي و الإثبات و مناطا لتعلّق الحكم فيلزم حينئذ خروجه عن محلّ الخلاف و هو بديهيّ البطلان و كذا إذا كان الحكم ثابتا لكلّ واحد مستقلاّ مع عدم استقلال كلّ بالإرادة من اللّفظ بأن كان المستعمل فيه هو المجموع من حيث المجموع و فيه المنع الواضح لأنّ الحكم في المثالين أيضا ثابت لكلّ واحد على وجه‏

162

الاستقلال إذ الأمر مستعمل في الطّلب الغيري بحكم القرينة في المثال الأوّل و كلمة اللاّم مستعملة في الاختصاص الناقص في المثال الثّاني و من الواضح أن كلاّ من الطّلب و الاختصاص المذكورين ثابت لكلّ واحد من زيدين و الغفلة إنّما نشأت من الخلط بين الثّبوت و الثابت و حسبان أن النقصان إنما هو في الأوّل و أنت خبير بأن ثبوت الحكمين لكلّ واحد من المعنيين في المثالين ثبوت تامّ بالاستقلال و إنّما النقصان في أصل الحكم الثّابت أعني الطّلب و الملكية و أمّا العكس أيضا فهو غير وارد لأنّ اللّفظ على تقدير استعماله في مجموع المعنيين من حيث المجموع حسب ما فرضنا في اللّفظ المشترك بين أجزاء المركب الحقيقي أو الاعتباري يكون متعلّق النفي و الإثبات معنى واحدا بسيطا ذهنيّا مركبا خارجيّا كمفهوم السّكنجبين و يستحيل حينئذ تعلّق النّسبة المشتمل عليها ذلك الكلام بأجزائه مستقلاّ كما يظهر بالتأمّل (فإن قلت) إذا قيل زيد يرفع الحجر و أردت أن الزّيدين يرفعانه فالحكم فيه و هو الرّفع قائم بالمجموع لا بكلّ واحد مع أنّ ذلك داخل في محلّ النّزاع إذا كان إرادة الزّيدين من زيد على الوجه الأوّل قلت إن أريد بلفظ زيد في المثال ما هو مفاد التثنية صحّ هذا الاستعمال مع كون الحكم و هو الرّفع قائما بالمجموع نظرا إلى صحّة استعمال التثنية في هذا المقام كصحّته في صورة قيام الحكم بكلّ واحد أيضا لكن المتنازع فيه بمعزل عن ذلك لأن دلالة المشترك على المعنيين بناء على جواز استعماله فيهما ليست كدلالة التثنية و الجمع على أبعاضه إذ التعدّد فيهما يستفاد من صريح علامتيهما و ليس هو مما يدلّ عليه المشترك جدّا و إن كان لازما لمدلوله الّذي هو المعنيان (و الحاصل) أن القول بأنّ المشترك المستعمل في المعنيين يجري مجرى التثنية و الجمع في الدّلالة على التعدّد غفلة واضحة بل التحقيق أن استفادة المعنيين من المشترك بعد قيام القرينة على القول بصحّته ينحلّ إلى دلالتين مستقلّتين منفردتين كما في صورة تكرار اللّفظ مع اختلاف المعنى و ليس فيه دلالة على التعدد لأنّه خارج عن جميع المعاني و حينئذ فإن أريد بزيد في المثال ما يراد من لفظ التثنية صحّ نسبة الرّفع إلى ما أريد به من المعنيين سواء كان قائما بالمجموع أو بالآحاد كما هو الشّأن في أسماء العدد و الكلّ المجموعي و أمّا إذا أريد به المعنيان على وجه الاستقلال نحو الاستقلال في صورة تكرّر اللّفظ و تعدّد الاستعمال فالظّاهر بل المعلوم عدم صحّة ذلك إلاّ في صورة قيامه بكلّ واحد نعم يجوز النّسبة بعد التوسّع في الرّفع و إرادة مجرّد التحريك من لفظه نظير التوسّع في قوله قتل زيد و عمرو و بكرا إذ المراد بالقتل هنا ليس معناه الحقيقي لأنّ المفروض قيامه بمجموع زيد و عمرو لا بكلّ واحد فكيف ينسب إلى كلّ واحد كما يقتضيه ظاهر العبارة إلا أن يراد الاجتماع و المعيّة بالعاطفة فيبقى حينئذ ظاهر لفظ القتل على حاله و إلاّ فلا بدّ من حمل القتل على بعض المقدّمات فلو أريد بالقتل معناه الحقيقي و لم يرد بالعاطفة الاجتماع و المعية كان هذا القول كذبا كما هو واضح و حينئذ فلو قيل قتل زيد عمراً و أريد من زيد معنيان تعين أن يكون المراد بالقتل بعض المقدّمات إذ ليس هنا شي‏ء يدلّ على الاجتماع و المعيّة و من الواضح أنّ القتل بهذا المعنى منسوب إلى كلّ واحد من المعنيين فصحّ قول المحققين في تحرير محلّ النزاع حيث ذكروا أنّه إذا استعمل المشترك في المعنيين بإرادتين مستقلّتين بحيث يكون كلّ واحد مناطا لتعلّق النفي و الإثبات و متعلّقا للحكم ضرورة ثبوت الملازمة بين الاستقلال في الإرادة مع التجرد عمّا يدلّ على اعتبار أمر زائد كالاستغراق أو الضمّ و المعيّة و بين الاستقلال في النفي و الإثبات (فإن قلت) إذا استعمل المشترك في مجموع المعنيين كالتثنية و أسماء العدد و نحوها ممّا يفيد مفاد الكلّ المجموعي فهل هو خارج عن محلّ النزاع أو داخل فإن زعمت أنّه خارج انتقض التحديد المذكور طردا فإنّ الحكم في مثله قد يتعلّق بكلّ واحد مستقلاّ كما اعترفت به آنفا في التثنية و إن زعمت أنّه داخل انتقض عكسا لأنّ الحكم في مثله قد يتعلّق بالمجموع من حيث المجموع باعترافك (قلت) إنّه خارج عن محلّ النزاع لأن الكلام كما بيّنا فيما لو استعمل المشترك في نفس المعاني كما في صورة التكرار و مفاد التثنية و الجمع و لعلّ المجموعي مشتمل على ذوات المفردات مع شي‏ء زائد قولك يلزم اختلال التحديد طردا فيه أولا أنّه يخرج بالقيد الأوّل أعني الاستقلال بالإرادة و ثانيا أنّ مثل هذا الاستعمال باعتبار بعده عن مجاري‏

استعمالات المشترك غير ملتفت إليه في كلمات القوم فاستراحوا عن التصريح بما يخرجه عن محلّ الكلام ببعده عن الاستعمالات الجارية حتّى لا يكاد الاهتداء إليه في الاستعمالات و لو على القول بوجوب حمل المشترك المجرّد عن القرينة على جميع المعاني لأنّ الحمل على هذا الوجه لا يقتضيه الوضع و لا القرينة أمّا الأوّل فواضح ممّا قرّرنا إذ المشترك لم يوضع لمجموع المعاني كلفظ العثرة و لفظ المجموع بل لذوات المعاني و أمّا الثاني فلأنّ غاية ما يتيسر نصب القرينة عليه هو عدم ثبوت الحكم للآحاد و هو لا يكون دليلا على استعمال المشترك في المجموع لإمكان التصرّف حينئذ في لفظ الحكم المشتمل عليه الكلام على وجه يقوم بكلّ واحد كما بيّناه في مثل قوله رفع زيد الحجر إذا أريد بزيد اثنان فترك التصريح لخروجه عن مجاري الاستعمالات فقام البعد المزبور مقام القيد المخرج و نظيره ما يقال في المطلق من أنّ وجود القيد في المكلّف يجري مجرى التقييد في منع الإطلاق ثمّ إن تحرير محلّ النزاع على الوجه الّذي قرّرناه لا يساعده ظاهر مقالة القوم حيث إن المشترك المستعمل في المعنيين يعدونه في عداد العام حتّى أنّ غير واحد منهم كالعضدي و بعض من تبعه ذكر هذه المسألة في مبحث العام و الخاصّ‏

163

لكن التّأمل الصّادق في أدلّة الأقوال و مجاري الاستعمالات قاض بصحّة ما قلنا و أمّا عدا المشترك من ألفاظ العموم على القول بجواز استعماله في المعنيين فلعلّه غير مناف لما ذكرنا لأنّ المقصود بالبحث في باب العموم و الخصوص تحرير موارد سريان الحكم إلى جميع الأفراد مطلقا سواء كان العموم مدلولا عليه باللّفظ أو بالعقل أو بغيرهما و لذا يجعلون النكرة المنفية من العام مع أنّه غير مراد بلفظ من ألفاظ الكلام بل مستفاد من حكم العقل مع ملاحظة المقام هذا

و بقي شي‏ء

و هو أنّ صاحب المعالم اعتبر في محلّ النّزاع أن يكون المعنيان ممّا أمكن استعمال اللّفظ فيهما فاختلف في توجيهه فقيل إنّ المراد به الإمكان العرفي يعني كون الاستعمال على وجه مأنوس بالاستعمالات العرفيّة فأورد عليه بأن متروكية الاستعمال لا يمنع عن جوازه و لا يوجب إخراجه عن محلّ النزاع و إلاّ لزم ترك النزاع في المسألة رأسا لأنّ استعمال المشترك في المعنيين غير مأنوس في العرف و العادة مطلقا و قيل إنّ المراد الإمكان العقلي بأن يكون المعنيان ممّا أمكن اجتماعهما في نفس الأمر لا أن يكونا متضادين أو متناقضين و قيل إنّ المراد به إمكان إرادتهما عقلا سواء كان اجتماعهما ممكنا في نفس الأمر أم لا و أورد عليهما بمثل الأوّل و قيل إنّ المراد الإمكان بحسب اللّغة و القواعد العربيّة بأن لا يكون على أحد المعنيين مرفوعا و على الآخر منصوبا و كأنّهم لم يطّلعوا على مقالة الشيخ في العدّة حتى يتبيّن الحال و يرتفع الاضطراب فإن الشّيخ (قدّس سرّه) بعد ما اختار القول بالجواز و فرع عليه حمل المشترك المجرّد عن القرينة على جميع المعاني كالعام ذكر أن هذا إنّما هو مع إمكان الحمل عليهما و قابليّة الكلام لهما فاحترز به عن مثل الأمر بالقياس إلى الإيجاب و التحريم و أين هذا من جعل ذلك قيدا لمحلّ النّزاع في أصل الجواز فالمراد أنّ القول بالجواز يتفرع عليه حمل المشترك على جميع المعاني إذا لم يكن هناك قرينة مانعة عن إرادة الجميع عقلا أو شرعا أو عادة و هذا التقييد صحيح و إن كان التصريح به يجري مجرى التوضيح فكلّ من صاحب المعالم و المختلفين في تفسير الإمكان مؤاخذ من وجه لا يخفى على المتأمل (ثمّ) إنّ ثمرة الخلاف على ما صرّح به بعض السادات الأعلام هو أنا لو جوزنا استعماله في المعنيين حملنا عليه الكلام إذا امتنع الحمل على الاستعمال الوحداني و لو منعنا عنه طرحنا الحديث المشتمل عليه إذا كان ظنيا مثلا و قد يتأمّل في ذلك بأن أدلّة اعتبار الخبر و ظواهر الألفاظ مطلقة و مجرّد توقف العمل به على استعمال المشترك في المعنيين ليس ممّا يصلح للطّرح إذ غاية ما يلزم منه خروج اللّفظ عن قاعدة محاورات أهل اللّسان و هو ليس من عيوب الرّواية إلاّ أن يحصل الظنّ بعدم الصّدور و حينئذ فلا فرق أيضا بين القول بالجواز و القول بالامتناع لأنّ مجرّد الجواز ممّا لا ينافي العلم أو الظّن بالعدم نظرا إلى ندرته و مرجع الثمرة إلى وجوب طرح الدّليل اللّفظي الظّني إذا كان فيه مخالفة لبعض القواعد العربيّة كنصب الفاعل و لو اجتمع فيه سائر شرائط القبول و هو محلّ تأمّل أو منع و لو سلّم فلا ينفع في المقام أيضا لأنّه إذا انحصر المناص في حمل المشترك على جميع المعاني أمكن إرجاعه إلى بعض الوجوه الجائزة المتقدّمة كعموم الاشتراك فلا يكاد يظهر الخلاف في أصل الجواز الشّامل للحقيقة و المجاز ثمرة أصولية إذا تقرر ذلك (فنقول) إنّ المسألة من التوقيفيّات الراجعة إلى علم اللّغة فلا بدّ فيها من الانتهاء إلى طرائق ثبوتها إذ الاستعمال على الوجه المزبور أمر ممكن لا نجد في عقولنا ما يحيل ذلك لضعف ما تمسّك به المحيّل كما يأتي لكنا لم نجد في طرق الوضع ما يدلّ على صحته مضافا إلى شهادة غير واحد من أهل التتبع و الاستقراء بعدم وجوده في لسان العرب نظما و نثرا و ربّما يساعده تجافي الوجدان و الاعتبار السّليم عن التعبير عن معان مختلفة بلفظ واحد في سائر المقامات المطلوب فيها الإيجاز و لا ثمرة أيضا تحت ذلك كما نبّهنا عليه و أمّا الآيات المستدلّ بها على الوقوع ففيها بعد الغض عمّا أورد عليها المحقّقون من منع الدّلالة لإمكان حمل اللّفظ فيها على عموم الاشتراك أو عموم المجاز أن التمسّك بها يتوقف على إعمال أصول شتّى لا تصلح للتعويل عليها في المقام نظرا إلى كون المسألة علمية محضة غير مترتب عليها شي‏ء من الآثار العمليّة كما عرفت و قد استدلّ المجوّزون بوجود المقتضي و هو الوضع أو العلاقة و انتفاء المانع و أجيب عنه بوجوه (منها) ما ذكره بعض المحققين من السّادة بأن المانع هو شرط الواضع كون الاستعمال وجدانيا و هذا الجواب على تقدير صحّته يمنع عن الاستعمال مطلقا حقيقة كانت أو مجازا و هو عندي ليس على ما ينبغي لأنّه نظير القول باستناد عدم استعمال الحروف و المبهمات و ما يجري مجراها في عموم الوضع و خصوص الموضوع له في المعاني الكلّية على القول بأنها الموضوع لها إلى منع الواضع و قد عرفت ما فيه من وجوه البشاعة فيما تعلّق بمباحث الأوضاع مضافا إلى ما في المقام‏

من السّماجة الزائدة و الركاكة الفاحشة لأن شرط الواضع الانفراد إن رجع إلى اعتبار قيد الوحدة في الموضوع له فهو متّبع لكن الخطب في إثباته و ستعرف ما فيه و إن رجع إلى إلزام متعلّق بكيفية الاستعمال وقع لاغيا و كان كما لو وضع لفظا لمعنى ثمّ منع أصل الاستعمال في ذلك المعنى و من البيّن أن متابعة الواضع في مثل هذا المنع غير لازم و الخروج عنه ليس خروجا عن قانون اللّغة إذ اللاّزم إنّما هو المتابعة في مقرّراته الرّاجعة إلى أحوال الموضوع أو الموضوع له فإنّ التعدّي عنها هو الّذي يوجب تغيير اللّفظ عن وضعه و كونه غلطا (و منها) ما استدلّ به المانع مطلقا من أنّه لو جاز استعماله فيها لكان ذلك بطريق الحقيقة إذ المفروض أنّه موضوع لكلّ من المعنيين و أنّ الاستعمال أيضا في كل منهما و إذا كان بطريق الحقيقة لزم كونه مريدا لأحدهما خاصة غير مريد له خاصة و بيان الملازمة ما قرّره صاحب المعالم (رحمه الله) و هذا الدليل أصله من المحصول و استدلّ‏

164

به في التهذيب على كونه مجازا و هو على تقدير صحّته يقضي بالاستحالة العقلية مطلقا و زعم صاحب المعالم (رحمه الله) أن مقتضاه امتناع الاستعمال حقيقة لا مجازا و فيه أن جواز الاستعمال مجازا مع محافظة معنى المشترك و مراعاة قيد الوحدة الّتي بناء الاستدلال على اعتبارها في المسمّى أيضا أمر مستحيل و دعوى أنّه مناقشة لفظية نظرا إلى أنّ النزاع في صحّة إرادة ذات المعنيين من المشترك سمّيته استعمالا في المعنيين أم لا واضحة السّقوط لأنّه لو ساعد المستدلّ على اعتبار قيد الوحدة في معاني المشترك كما هو خيرته استحال الجمع بينهما في استعمال واحد و لو بطريق التجوز و لو ضايق عن ذلك أمكن الجمع على وجه الحقيقة أيضا إلاّ أن يقال إنّ الكلام إنّما هو في إرادة ذات المعنيين غاية الأمر كون التعبير عن هذا باستعمال اللّفظ في المعنيين مبنيّا على ضرب من المسامحة و هو سهل (و منها) أنّه لو جاز لكان إمّا حقيقة أو مجازا لانحصار الاستعمال الصّحيح في الوجهين لكن التالي باطل بقسميه أمّا بطلان الاستعمال على وجه الحقيقة فلوجوه (أحدها) أنّ الوحدة معتبرة في المسمّى و من الجمع بين المعنيين يلزم إلقاء قيد الوحدة فيخرج الاستعمال عن كونه حقيقة و هذا صريح صاحب المعالم (رحمه الله) و ضعفه غير خفيّ إذ الوحدة من عوارض الاستعمال و اعتبارها في الموضوع له شرطا أو شطرا يستلزم الدّور لتوقف كلّ من الوضع و الاستعمال على الآخر حينئذ فتأمل مضافا إلى شهادة التبادر و سائر العلائم بخلافه (و العجب) أنه (رحمه الله) انتهض في دعواه تبادر الوحدة من لفظ المشترك عند الإطلاق و ارتضاه بعض المحققين في الجملة و فيه (أوّلا) منع أنّ المتبادر من المشترك أحد المعاني مع قطع النظر عن الإرادة إذ الذهن مع قطع النظر عنها ينتقل إلى جميع المعاني كما سبق في مبحث التبادر (و ثانيا) أن المتبادر منه إنما هو ذات أحد المعاني مجرّدا عن وصف الوحدة شطرا أو شرطا و هذا ليس بتبادر الوحدة حتّى يعتبر في الموضوع له غاية الأمر أنّه لا يتبادر مع ذات أحد المعاني معنى آخر و أين هذا من تبادر الوحدة و استوضح الحال بملاحظة تبادر المعنى الموضوع له في غير المشترك فهل ينتقل الذّهن منه إلا إلى نفس المعنى الموضوع له فإن المتبادر من إنسان هو الحيوان الناطق لا بشرط حتى عن شرط صفة الوحدة غاية الأمر أن لا يتبادر منه مفهوم الفرس و هذا ليس بتبادر الحيوان الناطق وحدة فتدبر فإن كلّ شي‏ء يتبادر وحده (و ثالثا) أنّ هذا التبادر منشؤه كثرة الاستعمال حتى أن أئمة اللّغة اعترفوا بعدم وجدانهم للاستعمال في أكثر من معنى واحد مثالا واحدا و مثل هذا لا يصلح سندا لإثبات الوضع و لقد أجاد سلطان المحققين (رحمه الله) حيث صرّح بأن الموضوع له هو نفس المعنى لا بشرط الوحدة و لا بشرط الانضمام و ربما يدفع شرط الوحدة بالأصل و فساده متضح عند من له خبرة بمجاري الأصول (و ثانيها) ما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) من أنّ الوضع لما كان في حال الوحدة و إن لم يكن بشرطها فلا جرم يكون التعدّي عن تلك الحالة إلى حالة الانضمام تعدّيا عن التوظيف الوضعي و مقرّرات الواضع و كلّ استعمال غير محفوظ ملحوظ فيه وظائف الواضع خارج عن قانون اللّغة داخل في الأغلاط فلا يكون حقيقة و لا مجازا هذا توضيح ما أطاله (رحمه الله) في تحقيق المقام و أورد عليه بأنّ حال الوحدة إن رجعت إلى اعتبارها في المعنى شرطا أو شطرا فهو في معنى شرط الوحدة و قد أنكره و إلاّ فلا يقتضي المنع عن الاستعمال عدمها ألا ترى أنّ الأعلام مع وضعها في حال بعض الأوصاف و العوارض الغير المعتبرة في مسمّياتها تصدق عند زوالها و هذا الإيراد وارد على ظاهر ما يفهم من كلام المحقق القمّي (رحمه الله) لكن المورد انتهض بهذا الوجه لإثبات اعتبار الوحدة في نفس الوضع دون الموضوع له كما يأتي الإشارة إليه و الفرق بين المقامين ممّا لا يرجع إلى محصّل (و ثالثها) ما ذكره بعض المحققين من أنّ الوحدة و إن استحال أن يكون شطرا للموضوع له و لا ثمرة للقول بوضع الألفاظ في حال الانفراد أيضا إلاّ أن اعتبارها قيدا في الوضع ممّا لا يأبى عنه العرف في بادي الرّأي بل قد يساعد عليه بملاحظة تبادر المعنى الواحد و كذا اعتبارها قيدا للموضوع له لا جزءا لمساوقتهما بالمآل و مرجع الأمرين إلى تعيين اللّفظ بإزاء المعنى بأن يكون ذلك المعنى تمام المراد من اللّفظ لا أن يكون المقصود من الوضع إفادة اللّفظ للمعنى في الجملة سواء أريد معه غيره أم‏

لا و استدلّ على ذلك بوجهين الأول التبادر و الثاني ما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) من أنّ وضع اللفظ إنّما كان في حال الانفراد فإذا لم يقم دليل على اعتباره في نفس الوضع فقضية الأصل في مثله البناء على الاعتبار و انتفاء الوضع مع عدمه هذه خلاصة ما حقّق به المقام مشتملا على بعض ما هو أوفي بإفادة المرام فيما أطال به الكلام و أنت خبير بأنه نفخة بلا ضرام (أمّا أوّلا) فلأن مساوقة كون الوحدة قيدا للموضوع له لكونها قيدا للوضع لا لكونها جزءا للموضوع له ممّا لا يصل إلى وجهه عقول أولي الأحلام إذ لا نجد للاستحالة الّتي اعترف بها على تقدير كونها جزءا للموضوع له وجها لا يجري على تقدير كونها قيدا له بل الإنصاف أنّ مراد صاحب المعالم (رحمه الله) من اعتبار الوحدة في الموضوع له اعتبارها شرطا لا شطرا و إن كان الجمود على ظاهر بعض كلماته يقضي بالجزئية لكنه ليس في إرجاعه إلى الاشتراط كلّ البعد فلا وجه لتشديده الإنكار عليه في كلامه على طوله (و أمّا ثانيا) فلأنّ حال الانفراد لو أثر في جعلها قيدا للوضع لأثّر في جعلها جزءا للموضوع له و النقض بالأعلام أت هنا حرفا بحرف كما يظهر بالتأمّل (و أمّا ثالثا) فلأنّ التقييد إنّما يعرض ما من شأنه الإطلاق و من الواضح أنّ الوضع فعل صدر من الواضع في حال كونه جزئيا حقيقيا من جميع الوجوه و الإطلاق في مثله غير معقول حتى يتصوّر فيه التقييد فافهم (و أمّا رابعا) فلأنّ قيودات‏

165

الوضع لا وجه لسرايتها إلى الاستعمال إذ من جملة مشخّصاته خصوصية الواضع و تقييد الاستعمال بهذا القيد يشبه المضحكات من الكلمات (و أمّا خامسا) فلأنّه إن أراد بكونها قيدا للوضع كونها غرضا داعيا إليه كما يظهر من كلامه فقد ظهر فساده آنفا حيث قلنا إنّ متابعة دواعي الواضع و مقرّراته الرّاجعة إلى الاستعمال دون المستعمل أو المستعمل فيه ليست بلازمة فالتعدّي عنها لا يوجب خروج الكلام و إن أراد غير ذلك فعليه البيان حتى نتكلّم فيه (و أمّا سادسا) فلأنّ تقييد الوضع بالوحدة خلاف ما يقضي به الوجدان في حال الوضع لأنّا لو وضعنا لفظا لمعنى لم يخطر ببالنا ما عدا المعنى الموضوع له و اعتبار الوحدة بأيّ وجه كان يستدعي ملاحظة سائر المعاني لكونها من الأمور النّسبيّة و من الواضح عدم التفاوت بين وضع المشترك و غيره في ذلك خصوصا المشترك الّذي حصل الاشتراك فيه من اثنين أو أزيد و ممّا ذكرنا ظهر ما في كلام أخيه الفاضل في تحقيق المقام إذ الظّاهر اتحادهما بالمآل و إن كان ظاهر بعض مقالته يقضي بالمغايرة (و التحقيق) في إبطال كون الاستعمال في المعنيين حقيقة هو أنّ الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له مع ملاحظة محافظة القواعد الجارية بين أهل اللّسان الراجعة إلى كيفية الاستعمال و إن لم يتعلّق المستعمل أو المستعمل فيه لوضوح أن بناء المحاورات على مجاري العادات و لذا لم يجز استعمال اللّفظ الموضوع بلا قرينة قبل شيوع التحاور به في العرف (و توضيح ذلك) أنّ الاستعمال على الوجه الصّحيح حقيقة أو مجازا أمر توظيفي من جهات يرجع بعضها إلى اللّفظ و بعضها إلى المعنى و بعضها إلى الاستعمال و الأوّلان يجب تلقّيهما عن الواضع بالرجوع إلى طرائق الأوضاع فالتعدي عن اللّفظ الموضوع أو المعنى الملحوظ للواضع بدون رخصته يوجب خروج الاستعمال عن حدّ الصّحة إلى حدّ الغلط و أمّا الأخير فقد عرفت آنفا أنّ أمره ليس براجع إلى الواضع فلا ينفذ فيه تصرفاته و مقرراته مع عدم مساعدة أهل اللّسان بل المرجع فيه إلى الطّريقة الجارية في العرف فالاستعمال أيضا أمر توقيفي لا بدّ فيه من الصّدور عن إمضاء أهل اللّسان فلو كان الاستعمال خارجا عمّا هو المأنوس المتعارف عند أهل التخاطب بذلك اللّفظ المستعمل لم يكن ذلك الاستعمال صحيحا و لم يجز عدّ ذلك اللّفظ من اللّغة المتحاور بها و قد ثبت بالاستقراء و شهادة غير واحد من أهل الخبرة و التتبع محافظة أهل اللّسان على عدم الجمع بين المعنيين في كلام واحد فقضيّته التوقيفية تغليط ما ليس كذلك من الكلام و إلى هذا يمكن إرجاع مقالة القمّي (رحمه الله) إذا لاحظناه بلحاظ الاصطلاح ثمّ إن قضية هذا الوجه تغليط الاستعمال إذا كان مستندا إلى صرف الوضع فلو فرض صحة استناده إلى ملاحظة العلاقة و نصب القرينة كان صحيحا بناء على عدم اشتراط نقل الآحاد في المجاز و أمّا بطلان الاستعمال على وجه المجاز فلوجوه أيضا (الأوّل و الثّاني) ما تقدّم من الأدلّة السّابقة لأنّ الدّليلين الأوّلين على تقدير صحّتهما ينهضان بمنع الاستعمال مطلقا كما مرّ (و الثّالث) انتفاء جميع العلائق المعهودة في المجاز عدا ما توهّم من وجود علاقة الكلّ و الجزء و قد ظهر ضعفه من الأدلّة على عدم اعتبار قيد الوحدة في الموضوع له (قلت) قد سبق في الاطّراد أنّ علائق المجاز أمور غير منضبطة طردا و عكسا و دعوى العلم بالعدم في مثله لا يخلو عن مجازفة فالأولى أن يقال إن شرط المجاز أن يكون الاستعمال في غير المعنى الموضوع له و بعد ما ثبت عدم اعتبار قيد الوحدة يكون الاستعمال في المعنيين استعمالا في الموضوع له مع أن علاقة المجاز ما كانت بين المعنيين لا بين حالتي المعنى الموضوع له كما في المقام بناء على عدم تأثير لحالتي الانضمام و الانفراد في تغيير الموضوع له و اللَّه الهادي‏

بديعة [الكلام في أن الاستعمال في أكثر من معنى حقيقة أم مجاز]

قد عرفت اختلاف المجوزين من حيث كون الاستعمال على الوجه المذكور حقيقة أو مجازا و الأوّل ظاهر التهذيب و حكي عن الحاجبي أيضا و فصل صاحب المعالم (رحمه الله) فذهب إلى الأول في المفرد و إلى الثاني في التثنية و الجمع ثم القائلون بالحقيقة اختلفوا في كونه ظاهرا مستغنيا عن القرينة أو ليس بظاهر و قد ظهر ممّا ذكرنا وجه القولين و أمّا وجه التفصيل ففي المفرد أيضا ما مرّ و في التثنية و الجمع ما ذكره صاحب المعالم في المعالم من أنّ التثنية في قوة تكرير المفرد في سائر الأحكام حتّى في إرادة المعنيين (قلت) لا بدّ أن يعلم أن المراد باستعمال اللّفظ في المعنيين في التثنية ليس باستعمال أدواتها في معنييها بأن يراد من التثنية أربعة أو أزيد من ماهية واحدة أو متعدّدة (و العجب) أنّ بعض المحققين جعله من محتملات المسألة و إن استضعفه بل المراد استعمال المشترك في المعنيين حال التثنية و الجمع و مرجعه إلى الاكتفاء بالاتفاق اللّفظي في التثنية و الجمع سواء كان مع الاتفاق في المعنى أيضا أم لا (فنقول) إن ما ذكره صاحب المعالم (رحمه الله) ليس على ما ينبغي (أمّا أوّلا) فلأنّ أداة التثنية إنّما وضعت للدّلالة على التعدّد فإمّا أن يراد من الدّخول معنى عامّا كالمسمّى أو المعنيان معا و الأوّل ليس استعمالا في المعنيين كما مرّ و صرّح به (قدّس سرّه) فتعيّن الثاني و هو أن يراد به المعنيان و يأتي بالعلامة قرينة على ذلك و أنت خبير بأنّ هذا إخراج للعلامة عن وضعها لأنّها موضوعة للدلالة على التعدّد بأن يكون الدّال عليه هو العلامة نفسها و في الاستعمال على الوجه المذكور أريد التعدد من المدخول و إنّما جي‏ء بالعلامة قرينة عليه (و أمّا ثانيا) فلأن العلامة بنفسها غير صالحة للدّلالة على المعنيين في غير الأعلام فلا بدّ من ضمّ قرينة أخرى كافية فتقع العلامة لاغية و أمّا في الأعلام فهي و إن دلّت على التعدّد إلا أنّ مجرّده أيضا لا يقضي بكون الاستعمال على الوجه المتنازع فيه لإمكان التأويل فيه إلى المسمّى كما نبّه عليه المحقق القمّي (رحمه الله) فلا بدّ حينئذ من ضمّ قرينة أخرى و هذه القرينة مع خروجها عن حدّ قرائن المجاز كما يظهر بالتأمّل بعد الخبرة بما قدّمناه في تعريف التبادر

166

غير موجودة في المحاورات و لذا اعترف نجم الأئمة على ما عزي إليه بأنّ استعمال اللّفظ في المعنيين عند التثنية لم يوجد له شاهد أصلا إلاّ أن يقال لا حاجة هنا إلى القرينة لأن التأويل إلى المسمّى مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة فمتى لم يكن عليه قرينة حمل على تكرار اللّفظ بمقتضى وضع العلامة (فإن قلت) تأويل الزيدين إلى المسمّيين بهذا الاسم على ما ادّعيت مجاز مع أنّ الظّاهر الاتفاق على كون زيدان و زيدون مثلا حقيقة (قلت) نمنع الاتفاق على ذلك مع ندرة وجوده في المحاورات لأن تثنية الأعلام و جمعها تستعملان غالبا من باب المثال و استراح بعض المحققين من السّادات عن كونه مجازا بدعوى ثبوت الرّخصة من الواضع في إرجاع مدخول العلامتين إلى المسمّى في الأعلام و أنت خبير بضعفه و سقوطه كما يظهر بالتأمل في حال وضاع الأعلام و بعدها عن الترخيص المزبور (و أمّا ثالثا) فلأنّ ما ذكره لو كان صحيحا لاقتضى كونه على وجه الحقيقة في المفرد أيضا على ما بني عليه من عدم اعتبار قيد الوحدة حال التثنية لجريانه في سائر القرائن الدّالّة على إرادة التعدّد إذ الفرق بين خصوص العلامتين و بين سائر ما يكون قرينة على إرادة المعنيين من المشترك لا محصل له و دعوى أنّ العلامة كالعاطف بمنزلة تكرار اللّفظ دون المعنى فزيدان يجري مجرى زيد و زيد فالتعدّد مستفاد من المجموع لا من لفظ المدخول بأن يكون العلامة بمنزلة القرينة و لا من العلامة خاصّة حتّى يلتجأ إلى تأويل المفرد إلى معنى قابل للتعدّد كالمسمّى و هذا لا يتمشى في سائر القرائن الدّالة على إرادة المعنيين كما لا يخفى مدفوعة بأن استعمال العلامة في تكرار المعنى و تعدّده في غير الأعلام مثل رجلين على وجه الحقيقة أمر ثابت بالضّرورة و الجامع بين تكرار اللّفظ و تكرار المعنى على وجه يصلح للقول بأنّه الموضوع له غير واضح إلا مفهوم أحد الأمرين من اللّفظ أو المعنى و هو أيضا غير صالح لأنّه مفهوم انتزاعي عن موارد الاستعمال و ممّا ليس استعمل فيه علامة التثنية في الاستعمالات الدّائرة فهو ممّا تقضي البداهة بعدم ملاحظة الواضع إياه حال وضع العلامة و على تقدير تسليم الملاحظة فالموضوع له إنما هي الخصوصيات المندرجة على ما هو الشّأن في وضع الحروف و المبهمات من عموم الوضع و خصوص الموضوع له فلا بدّ من القول باشتراك العلامة بين تكرار اللّفظ و تكرار المعنى لفظا بالتفصيل أو بالإجمال و كلاهما مخالفان للأصل مع ما عرفت من ندرة موارد استعمالها في تكرار اللّفظ أعني الأعلام و من إمكان تأويل هذه الموارد أيضا إلى تكرار المعنى بإرجاع مدلول المفرد إلى المسمّى و إن كان مجازا لأنّ المجاز أعني لحوق النكارة للأعلام قد ورد في الاستعمالات الشائعة في حال الإضافة كما مرّ في مررت بأحدكم و في سائر الحالات الآبية عن بقاء العلم على حقيقة مثل التوصيف و نحوه بخلاف الالتزام بتعدّد الوضع تفصيلا أو إجمالا بملاحظة ذلك المفهوم الانتزاعي لأنّ الالتزام بذلك في غاية البعد عن الاعتبار مضافا إلى أولوية المجاز عن الاشتراك بقسميه أكثر له و قلّتهما هذا مع ما في الاحتمال الثّاني أعني الالتزام بالاشتراك الإجمالي هنا من تكلّف آخر و هو الترجم على الواضع بما لا طائل تحته لأنّ العدول عن الاشتراك إلى الالتزام بعموم الوضع و خصوص الموضوع له إنما يصار إليه في الخصوصيات المتعذّر ضبطها لكثرتها لا الجامع المنحصر في اثنين كما في المقام (فإن قلت) لعلّ صاحب المعالم يزعم انحصار استعمال العلامة في تكرار اللّفظ و يقول إن مفادها في غير الأعلام كرجلين أيضا ذلك فلا فرق عنده بين زيدين و رجلين في أنّ مفاد العلامة تكرار لفظ المفرد في الموضعين (قلت) يرد عليه (أولا) أنّه خلاف المنساق المتبادر من العلامة لأن المتبادر من رجلين فردان من ماهية الرجل لا تكرار لفظ رجل و لعلّ إنكار ذلك مصادمة للبديهي فلو سلّم ما زعمه من دلالته على تكرار اللفظ فإنّما نسلّم ذلك عند لحوقها للأعلام (و ثانيا) أنّ القول به يستلزم القول باستعمال الكلّي حين لحوق العلامة في الفرد إذ لو أريد به الكلّي لم يفد تكراره سوى التأكيد لأنّ الكلّ على كلّيته غير قابل للتعدّد سواء تعدّد لفظه أو اتحد فلا يتصوّر معنى التعاطف بينهما لأنّ الشي‏ء لا يتعطف على نفسه فإذا قيل أكرم رجلا و رجلا كان المراد بالمعطوف عليه الفرد لا محالة بقرينة استحالة عطف الشي‏ء على نفسه و من الواضح أنّ الالتزام بذلك أقبح شي‏ء في المقام لأنّ المستفاد من مدخول العلامة ليس سوى الطّبيعة القابلة للتّعدّد و الوحدة و هذا غير معقول على تقدير جريان العلامة مجرى العطف اللفظي‏

(و ثالثا) أنّه لو صحّ ما ذكر من وضع العلامة بإزاء تكرار مجرّد اللّفظ بطل ما هو المشهور و المعروف في كتب الأدب و غيرها من أنّها تدلّ على تعدّد مدخوله إذ المراد به هو التعدد المعنوي لا اللّفظي (و رابعا) أنّ الاستقراء قاض بفساد ما ذكر لأنّ حال علامة التثنية و الجمع ليست إلاّ كحال سائر ما تعتور على أسماء الأجناس و من الواضح أنّ التنوين و اللاّم و سائر الحروف أو ما يجري مجراها كالتشديد و التخفيف تدل على معنى زائد في معنى المدخول و استثناء علامة التثنية و الجمع عن ذلك و القول بعدم دلالتها على معنى زائد على ما يلحق بها من الرموز المشار بها إلى اللّفظ دون المعنى كلفظ اللّفظ كما ترى فظهر من جميع ذلك أن الاكتفاء بالاتفاق في اللّفظ في التثنية و الجمع ساقط في الرأي المستقيم فلا بدّ فيما ورد من الاستعمالات الموهمة لذلك مثل الشّيخين و الشّهيدين و الشمسين و القمرين و الحسنين و العيدين و الفرقدين و ما أشبهها من تثنية الأعلام و جمعها من التأويل إلى المسمّى لأنّ هذا التّأويل ثابت في غير موضع اتفاقا و أمّا القول بأنّه من باب التشبيه و الاستعارة كما احتمله القمّي (رحمه الله) فهو مجرّد احتمال في مقابل القول بأنه حقيقة و إبداء احتمال في ردّ ما استدلّ به صاحب المعالم (رحمه الله) من الاستعمال‏

167

فالأولى في ردّه التعويل على ما ذكرنا (قلت) و كذا القول بالتأويل إلى المسمّى مجازا لأن تثنية الأعلام مطّردة في الكلّ و قد حققنا سابقا أنّ الاطّراد دليل قطعي على الحقيقة فالأقوى وفاقا لصاحب المعالم (رحمه الله) و الأندلوسي و غير واحد من أئمة العربية كفاية الاتفاق في اللّفظ فيجوز تثنية الأعلام و مقتضى جوازه جواز تثنية المشترك باعتبار معنييه أيضا لأنّ الفرق بين الأعلام و سائر المشتركات كما عليه نجم الأئمة في ظاهر كلامه لا يرجع إلى محصّل سوى ما ذكرنا و ما ذكره من حصول اللّبس في تثنية المشتركات دون الأعلام و هو غير فارق بعد مساعدة وضع التثنية على الجواز لأنّ هذا اللّبس نظير اللّبس اللاّزم في الاشتراك فلا بدّ من رفعه في الاستعمالات بإقامة القرائن فصار المحصّل أنّ علامة التثنية موضوعة للاثنين المتفقين في اللفظ فزيدين إشارة إلى اثنين شيئين متفقين في لفظ زيد كما أنّ رجلين أيضا يفيد هذا المعنى لأن كلّ متفق في المعنى متفق في اللّفظ أيضا فوضعها على نسق واحد و كذا استعمالاته فلا اشتراك فلا مجاز و هذا هو الصّواب (ثم) إنّ ما ذكرنا من الدّليل على اعتبار الاتفاق المعنوي في التثنية و الجمع جار على احتمال كون المجموع المركب من اللاّحق و الملحق به موضوعا بوضع واحد نظير قول بعض المحققين في المشتقات كما مرّ في تقسيم الوضع مع أنّه بمكان من الضّعف و السّقوط و مناف لتصريحات القوم في الأدب و مستلزم لتجثّمات نحيفة و تكلفات باردة لا يخفى على من تدرّب في كيفية الأوضاع ثمّ إنّ مقتضى جواز الاستعمال حقيقة حمله على الجميع عند عدم القرينة كما هو خيرة الشيخ في مواضع ثلاثة من العدّة و إن كان الكلام المعدّ لتحقيق الحال في المقام ما ذكره أخيرا بقوله فأمّا كيفية المراد باللّفظ الواحد للمعاني المختلفة فالذي ينبغي أن يحصل في ذلك أن نقول لا يخلو اللّفظ من أن يكون متناولا لأشياء على الحقيقة و يفيد في جميعها معنى واحدا أو يفيد في كلّ واحد منها خلاف ما يفيده في الآخر فإن كان الأوّل فلا خلاف بين أهل العلم في أنّه يجوز أن يراد باللّفظ ذلك كلّه و إن كان القسم الثاني فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب أبو هاشم و أبو عبد اللّه و من تبعهما إلى أنّه لا يجوز أن يراد المعنيان المختلفان بلفظ واحد و قالوا في الحقيقة و المجاز و الكناية و التصريح مثل ذلك إلى أن قال و ذهب أبو الحسن عبد الجبّار ابن أحمد إلى أنّه يجب أن يعتبر العبارة و يعتبر ما به صارت عبارة عنه فإن كانت مشتركة بين الشيئين المختلفين و متى أراد أحدهما لم يصحّ أن يريد المعنى الآخر و يستحيل ذلك فيه قطع به و إن لم يمنع من ذلك جوّز أن يراد به المعنيان معا لأنّه إذا كان المخاطب يصحّ أن يريد كلّ واحد منهما بالعبارة و لا مانع يمنع من أن يريدهما جميعا فيجب أن يصحّ أن يريدهما معا قال و قد علمنا أنّ القائل إذا قال لصاحبه لا تنكح ما نكح أبوك يصحّ أن يريد بذلك العقد و الوطي و إرادته لأحد الأمرين لا يمنع من إرادته للآخر و إنّما قلنا إنّه لا يجوز أن يريد بلفظ الأمر و التهديد لأنّ ما به يصير أمرا و هي إرادة المأمور به يضاد ما به يصير تهديدا و هي كراهة ذلك و يستحيل أن يريد الشي‏ء الواحد في الوقت الواحد على وجه واحد من مكلّف واحد و يكرهه على هذه الوجوه و قلنا إنّه لا يصحّ أن يريد بالعبارة الاقتصار على الشي‏ء و تجاوزه لأنّه ينافي أن يريد الزيادة على ذلك الشي‏ء و إلاّ يريده و لذلك استحال ذلك و إنّما نقول إنّه لا يريد بالعبارة ما لم توضع له على وجه لأنّه لا يصحّ أن يريد بقوله تعالى‏ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ* قتل النفس و الإحسان إلى الناس و لا ينافي ذلك و إنما لا يصحّ أن يراد ذلك به لأنّ العبارة لم توضع له و إذا صحّ ذلك و وجدنا عبارة قد وضعت لمعنيان مختلفين نحو القرء في أنّه موضع للطّهر و الحيض لا يتنافى من المخاطب أن يريدهما جميعا فلا وجه لإحالة القول في ذلك إلى أن قال فإن قيل فإرادة الوطي و العقد بهذه الكلمة يعني به النكاح يتعذّر و نجد تعذر ذلك من أنفسنا فلذلك منعت من أن يراد جميعا بها قيل له إن ما ادعيت تعذره نحن نجده منّا متأتّيا فلا معنى لقولك به قال الشّيخ بعد نقل ذلك هذه ألفاظه بعينها قد شفناها على ما ذكره في‏

كتابه العمد و هذا المذهب أقرب إلى الصّواب من مذهب أبي عبد اللَّه و أبي هاشم و ما ذكره سديد واقع موقعه و القول في الكناية و التصريح يجري أيضا على هذا المنهاج انتهى كلامه رفع اللَّه مقامه و الغرض من إيراده على طوله هو التنبيه على دليل المسألة مع ما بها من فوائد أخر ننبّه على بعضها و هو أنّ الوضع سبب مستقلّ لجواز استعمال الموضوع في جميع المعاني الّتي وضع لها فإذا جاز ذلك تعيّن الحمل على الجميع عند عدم القرينة و استدلّ الشيخ في موضع آخر سابق على هذا الموضع بأنّ المقام مقام الحاجة و البيان لأنّا نتكلّم على هذا التقدير و عدم حمل الكلام على شي‏ء من المعاني يوجب إخراج الكلام عن الإفادة إلى الإهمال و الحمل على البعض يحتاج إلى البيان فيتعيّن الحمل على الجميع و بهذا الوجه استدل القائل بوجوب الحمل على الجميع قبل زمان الحاجة أيضا و أجاب عنه الشيخ بأنّه معارض بالمثل لأنّه لو أراد الجميع لبيّنه فوجب التوقف و قد يشكل فيما ذكره الشيخ من الفرق بين زمان الحاجة و غيرها في جريان الدّليل المذكور و لم يتعرّض لوجه الفرق مع وضوح الإشكال و يمكن التوجيه بأن مقتضى الحمل قبل زمان الحاجة معدوم فأيّ المحتملات أخذ احتاج إلى الدّليل بخلاف زمان الحاجة فإنّه لا بدّ فيه من حمل الكلام على شي‏ء لا محالة و لا يجوز إهماله فإذن يتعين الحمل على الجميع لأن عدم القرينة على التعيين قرينة على التعميم كما في النكرة الواقعة في سياق الحكم الوضعي مثل قوله أحلّ اللَّه بيعا أو الجنس الواقع في ذلك السّياق كما في قوله تعالى خلق اللَّه الماء طَهُوراً و الثمرة بين هذا الدّليل و الدّليل الأوّل ظاهرة لأنّ الأوّل مقتضى الحمل على الجميع و لو كان‏

168

على إرادة بعض المعاني قرينة إذا لم تكن تلك القرينة صارفة للّفظ عمّا عداه لأنّ المقتضي لإرادة الباقي أيضا موجود و المانع و هي القرينة مفقود بخلاف الثاني فإنّ مبناه على العموم من باب الحكمة و لا مسرح له مع قيام القرينة على البعض لكفاية ذلك في إخراج الكلام عن الإهمال و من هنا يظهر أنّ التحقيق قاض بصحّة الأوّل دون الثّاني (و كيف كان) فالمشهور بين المجوّزين الحكم بالإجمال مع عدم القرينة لا الحمل على الجميع و هو الحق في الأدلّة الشرعيّة لعدم جواز التّعويل على أصالة عدم القرينة في الحمل على الكلّ بسبب ندرة استعمال اللّفظ المشترك في المعنيين فالظنّ النوعي الّذي هو الباعث على الاعتماد على الأصول اللّفظية يساعد في المقام على خلافها نعم يتجه كلام الشيخ في الخطابات الشفاهيّة لأنّه إذا فرضنا تجرّد اللفظ عما يعيّن أحد المعاني من القرائن الحالية و المقالية و قلنا بجواز استعمال المشترك في جميع المعاني و إنّه يجري مجرى العامّ و كان المقام مقام البيان لا مقام الإهمال و الإجمال تعيّن الحمل على الجميع لوجود المقتضي و هو الوضع و انتفاء المانع لكن الظّاهر أنّ بناء الأصحاب في باب الوصايا و الأقارير على خلاف ذلك حيث يحكمون بفساد ما يتعلّق منهما بما يطلق اسمه على معنيين مختلفين إلاّ أن يحمل كلامهم على ما إذا علم بشهادة الحال أو بغير ذلك إرادة أحد المعاني و قد ذكروا في ما لو أوصى لمواليه شمولها للمعتق و المعتق و إن تردّد فيه بعض أو منع بناء منه على هذه المسألة و يمكن أن يقال بأنّ المولى اسم جنس للرابطة الموجودة بين المعتق و العتق كالأخوة فشموله لهما شمول الجنس للأفراد و لعلّ تنظير الشّيخ له بالأخوّة في تلك المسألة يقرب هذا الاحتمال و بقية الكلام في الفقه و كيف كان فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ القائل بالجواز مجازا لا يتيسّر له القول بإرادة الجميع في الأدلّة عند عدم العلم بالقرينة المعيّنة لأنّ أصالة عدمها معارضة في المقام بالغلبة و الاستقراء و الحاكمين عليها أو المانعين عن جريانها فافهم (و العجب) أنّ العلاّمة مع ذهابه إلى التجوز في المسألة قال في مسألة تعارض العرفين بوجوب الحمل على الجميع و قد سبق بعض الكلام في ذلك هنالك و لو حمل كلامه على الخطاب الشفاهي لتمّ ما ذكره لأن عدم ذكر قرينة التعيين عند اختلاف العرف دليل بقرينة الحكمة على إرادة الكلّ و لو كان مجازا كما لا يخفى و اللَّه الهادي‏

بديعة [الكلام في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي‏]

الكلام في استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي و المجازي كالكلام فيما سبق و قد عرفت فيما نقلناه عن العدّة تصريح المانعين و المجوّزين بذلك و الكلام في الثمرة مثل ما مرّ و المختار المختار و لكن قد يتخيّل أنّ الدليل الّذي عولنا عليه في المسألة السّابقة غير آت هنا لأنّ الاستعمال في المعنى المجازي لا يجب أن يصل إلينا من أهل اللّسان حتى يستدلّ بعدم الوصول على كونه غلطا عندهم كما في الحقائق إلا أنّه تخيّل فاسد لأنّه جار في المقام حرفا بحرف لأنا نقول إن التتبّع في الاستعمالات الواردة و الاستقراء في طريقة المحاورات يدلّ على عدم صلاحية اللّفظ الواحد للتعبير عن المعنيين المختلفين عند أهل اللّسان فاللّفظ الواحد عندهم قاصر عن إفادة المعنيين قصورا لغويّا ناشئا من عدم التعاهد و التعارف سواء كان المقتضي للتعبير هو الوضع أو العلاقة و مقتضى التوقيفية في اللّغات الاقتصار على ما علم من طريقتهم جوازه و عدم التّخطي إلى اقتراح جديد في المستعمل و المستعمل فيه أو الاستعمال سواء كان الخروج عن الطّريقة بتغيير اللّفظ أو المعنى أو كيفية الاستعمال و لا يذهب عليك أنّ هذا ليس رجوعا إلى القول باشتراط نقل الآحاد في المجاز بل إلى إحراز صلاحيّة اللّفظ للاستعمال زيادة على إحراز الوضع أو العلاقة لأنّ التحقيق أن المصحّح للاستعمال يحتاج بعد إحراز أحد الأمرين إلى أمر زائد و هو التعاهد و التعارف فكلّ من الوضع و العلاقة شرط في صحّة الاستعمال و التعارف شرط آخر و لعلّ ما ذكرنا هو مراد المحقق القمّي (رحمه الله) في المقام لأنّ منع وجود العلاقة المصحّحة للاستعمال في المقام كما في استعمال اللّفظ في المعنيين الحقيقيين واضح الفساد إذ العلاقة المصحّحة للاستعمال لا يعقل خروجها عن الصّلاحية بمجرّد ضمّ إرادة المعنى الحقيقي إلى إرادة المجازي و ليس المقام من باب استعمال الكلّ في الجزء حتى يمنع اطرادها بدعوى اختصاصها بالمركبات الخارجية كما لا يخفى و قد يستدلّ في المقام مضافا إلى ما ذكرنا بالأولوية لأنّ الوضع أقوى سبب للاستعمال فمع عدم صلوحه للجمع بين المعنيين في استعمال واحد تكون العلاقة و المناسبة أولى بعدم الصّلاحية (و فيه نظر) و قد يستدلّ أيضا على المنع هنا و لو قيل بالجواز هناك بما صرّح به علماء البيان في الفرق بين المجاز و الكناية من أنّ المجاز ملزوم للقرينة المعاندة لإرادة المعنى الحقيقي دون الكناية و ملزوم معاند الشي‏ء معاند له (و أجابوا عنه) في حواشي المعالم بأنّ اللاّزم في المجاز هي القرينة المعاندة لإرادة المعنى الحقيقي منفردا و مستقلا بدلا عن إرادة المعنى المجازي لا مطلقا و زاد المدقق الشيرواني و قال إنّه لا إشكال في صحّته استعمال اللّفظ الموضوع للجزء في الكلّ مجازا و فيه جمع بين المعنى الحقيقي و المجازي و إن كان إرادة الحقيقي تبعا و هذا يدلّ على أنّ قرينة المجاز لا تجب أن تكون معاندة لإرادة المعنى الحقيقي بجميع أنحاء الإرادة و أجاب بعض الأجلّة عن الأول بأنّه فيه حملا لكلماتهم على خلاف ما هو الظاهر إذ المتبادر من المعاندة معاندتها لإرادة المعنى الحقيقي مطلقا قلت بعد المساعدة على دعوى التبادر يمكن تنزيل كلماتهم على الاستعمالات الغالبة المتعارفة و هي ما أريد به معنى واحد فيرجع محصّل الفرق إلى أنّ الاستعمال الوحداني إن لم يكن مقرونا بالقرينة فهي الحقيقة و إن كان مقرونا بها فإن كانت مانعة من إرادة المعنى الحقيقي بدلا عن المعنى المجازي فهو المجاز و إن لم تكن كذلك بل كان‏

169

المقام صالحا لإرادة خصوص المعنى الحقيقي فهي الكناية (فإن قلت) مع جواز حمل اللفظ على المعنى الحقيقي لا يكون كناية لأنها لا يصار إليها إلاّ مع الضّرورة لكونها على خلاف الأصل أيضا (قلت) لا منافات بين القرينة على إرادة غير المعنى الحقيقي و صلاحيّة المقام لإرادته لأنّ قول القائل زيد كثير الرّماد يمكن حمله على الحقيقة و لو مع العلم بأنّ المقصود إفادة اللاّزم و هو الجود بخلاف المجاز مثل جرى الميزاب فإنّ حمله على وجه الحقيقة ممتنع جدّا هذا و لكن الإنصاف أن حمل المعاندة على المعنى المذكور ساقط عن النظر السّليم لأنّ إرادة المعنى الحقيقي منفردا عبارة عن الاقتصار عليه فمعنى كون القرينة معاندة لذلك أن تكون دالّة على إرادة المعنى المجازي لئلاّ ينتقل الذّهن إلى إرادة خصوص المعنى الحقيقي بمقتضى أصالة الحقيقة و من البيّن أنّ التعبير عن هذا المقصود بأنّه لا بدّ في المجاز من القرينة المعاندة يشبه الضحكات من القول و نظير الأكل من القفا لأنّ حق التّعبير عن ذلك أن يقال إنّه لا بدّ في المجاز من قرينة مفهمة للمعنى المجازي صونا للذّهن من الانتقال إلى خصوص المعنى الحقيقي فالتعبير عن ذلك بأنّه لا بدّ عن القرينة المعاندة للحقيقة أي المعاندة لإرادته مستقلاّ بدلا عن المجاز أجنبي عن قواعد البيان و التحقيق أنّ الإرادة في المقام على تقدير الإطلاق في كلامهم و الإغضاء عمّا قلنا من التنزيل على المورد الغالب هو غير الاستعمال فكون المجاز ملزوما لقرينة معاندة مرادهم بإرادة المعنى في هذا المقام أعني مقام الفرق بين المجاز و الكناية معنى آخر غير استعمال اللّفظ في المعنى و هو كون المعنى مقصودا بالإفادة و النّسبة بينه و بين استعمال اللّفظ في المعنى عموم من وجه كما سبق منا توضيحه في تعريف الحقيقة و المجاز و أقسامهما و على هذا فلا مانع من اعتبار المعاندة الملحوظة في قرينة المجاز على وجه الإطلاق و مرجعه إلى اشتراط المجاز بعدم سوق الكلام لإفادة المعنى الحقيقي مطلقا بخلاف الكناية فإنّه لا يعتبر فيه إلاّ أن يكون الكلام مسوقا لإفادة غير الموضوع له سواء قصد معه إفادته أم لا (و توضيح) هذا المرام يطلب ممّا حقّقناه فيما سبق و هذا جيّد إلاّ أنّ النافع في المقام مساعدة أهل اللّسان لهذا النّحو من الاستعمال لا إجماع أهل العربيّة لأن الركون إليه إنما هو لأجل الاهتداء إلى ما هو الجاري في العرف و العادة فإن شهد التتبع و الوجدان بوجود مثله في كلمات أهل اللّسان سقط تصريح علماء البيان بلزوم القرينة المعاندة في المجاز و إن شهد بالعدم كان التعويل عليه لا على تصريحهم إلا من باب الاعتضاد و من هنا قد يفصل بين المقام و بين استعمال المشترك في المعنيين فيلتزم بعدم الجواز في الثاني كما مرّ لعدم العثور به في سائر اللّغة نظما و نثرا و بالجواز في الأوّل بشهادة وجوده في مواضع (أحدها) الكناية على ما صرّح به المدقق الشّيرواني حيث تخيل أنّه من باب استعمال اللّفظ في معناه الحقيقي و المجازي نظرا إلى عدم لزوم القرينة المعاندة لإرادة المعنى الحقيقي باتفاقهم فيها فيجوز استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له و غيره على سبيل الكناية من غير محذور (قال) و القول بأنّ الكناية غير المجاز و لعلّ هذا الاستعمال بأن يكون حقيقة و كناية جائز و بأن يكون حقيقة و مجازا غير جائز يصير حاصله أن استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له و غير جائز لكن لا يسمّى مجازا و إنما يسمّى كناية لأنّ القرينة المانعة عن إرادة المعنى الحقيقي معتبرة في مفهوم الأوّل و لا يتحقق في هذا الاستعمال و غير معتبرة في الثاني فلا مانع من التّسمية فيكون النزاع لفظيا غير مفيد و إنّما البحث المفيد هو جواز استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي و غيره و عدم جوازه مطلقا انتهى و يظهر ذلك من كلام بعض الأجلّة أيضا حيث صرّح بأن مراد علماء البيان بالمجاز المشروط بالقرينة المعاندة ما يقابل الكناية على ما هو مصطلحهم لا ما يعمّها كما في مصطلح علماء الأصول (قلت) لا إشكال في أنّ القائلين بعدم الجواز و لعلّهم الأكثر قائلون به مطلقا كناية و مجازا فليس هذا النحو من الاستعمال عندهم بصحيح مطلقا مع أنّ الكناية بجميع أقسامها ممّا لا ينكر صحّتها و معهوديتها عند العوام فكيف الخواصّ حتى ما كان منها فاقدا للقرينة المعاندة و صالحا للحمل على إرادة المعنى الموضوع له فكيف تكون من باب ما تناكر عليه العقول الصّحيحة و الآراء السّليمة على كثرتها و تعارفها عند العرب و العجم خصوصا الفصحاء منهم فالتحقيق هو خروج الكناية بأقسامها عن استعمال اللّفظ في الموضوع له و غيره لأن‏

الأقوال فيه ثلاثة (أحدها) أنّها إرادة للمعنى الحقيقي للانتقال منه إلى المعنى المجازي (و ثانيها) أنّها إرادة للمعنى المجازي مع جواز إرادة المعنى الحقيقي نقلهما المدقق الشيرواني في شرح الشّرح و لا إشكال في عدم كون الكناية على هذين التفسيرين من التنازع فيه كما اعترف به (قدّس سرّه) و بنى عليه خروج الكناية عمّا نحن فيه (و ثالثها) أنّه إرادة للمعنى الحقيقي و المجازي معا كما يظهر ذلك من المفتاح حيث قال إنّ المراد بالكلمة المستعملة إمّا معناها وحده أو غير معناها وحده أو معناها و غير معناها و الأولى هي الحقيقة و الثاني هو المجازي و الثالث هو الكناية و قد سبق منّا توضيح المرام بمثل هذه العبارة و أنّ الإرادة في باب الكناية ليس معناها استعمال اللّفظ في المعنى فارجع إلى ما كتبناه في أقسام المجاز تجده مجليا عن غشاوة الجهالة و اللَّه الهادي (و ثانيها) المجاز في المركب على ما زعمه بعض الأجلة قال و المجاز في المركبات على القول بثبوت وضع لها مغاير لأوضاع المفردات يستلزم القول بجواز استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي و المجازي أو في المعنيين المجازيين و تعجّب من غفلة القوم و عدم تفطّنهم بذلك بيان الاستلزام على ما زعمه هو أنّ القول بالمجاز في المركب عند من لا يرى رجوعه إلى التجوز في المفردات خاصّة بإنكاره الوضع للمركبات كالعضدي اثنان أحدهما رجوع التجوز

170

إلى المادة و الهيئة كما هو رأي بعض نظرا إلى انتفاء التقديم و التأخير كالرّجل في مثل قوله أراك تقدّم رجلا و تؤخر أخرى للمتردّد في أمر و ثانيهما كون المفردات مستعملة في معانيها الحقيقية و اختصاص التجوز بالمركب كما عليه التفتازاني و المحقّق الشريف و على القولين فالمركبات مستعملة في المعنيين إمّا الحقيقي و المجازي كما على الثاني أو المجازيين كما على الأوّل (قلت) و لعلّ ما ذكره أولى بالتعجّب و أحق بالانتساب إلى الغفلة (أمّا أولا) فلما عرفت في البحث عن أقسام المجاز من أنّ المجاز في المركّب على القول بمغايرة وضعه لوضع المفردات كما هو الحق عندنا على ما تقدّم ليس مجازا لغويّا و الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لغة بل مجازا عقليا راجعا إلى التصرّف في الأمر العقلي الّذي لا ينافي كونه حقيقة لغوية فإطلاق المجاز عليه نظير إطلاقه على الزيادة و النقصان يراد به مجرّد كون الشي‏ء على غير وضعه الّذي ينبغي أن يكون عليه و من البيّن أنّ المتنازع فيه ما كان من قبيل استعمال اللّفظ في الموضوع له و غيره فلا مساس لمثل أنبت الرّبيع البقل بالمقام (و أمّا ثانيا) فلأنّ الهيئة على القول بوضعها و المادّة يجريان مجرى اللفظين المنفصلين نظير الهيئة و المادّة في المشتقات و لا أظنّ أحدا من المانعين في المسألة يمنع عن التجوّز في هيئة المشتق مع بقاء المادّة على حقيقتها أو بالعكس كيف و لو كان ذلك استعمالا للفظ في المعنى الحقيقي و المجازي لكان كلّ مشتق أو مركب من قبيل استعمال اللّفظ في المعنيين الحقيقيّين و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بأنّ المشتقّات موضوعة بوضع واحد كما هو خيرته (قدّس سرّه) على ما سبق أو القول بمغايرة أوضاع الهيئات لأوضاع الموادّ و تعدّدهما كما هو الحقّ الّذي استدللنا عليه بوجوه واضحة و اللّه الهادي (و ثالثها) التضمين المتعارف الشّائع في لسان العرب و هو إشراب كلمة معنى أخرى كما في قوله تعالى‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى‏ أَمْوالِكُمْ‏ و ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ‏ وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ‏ و لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ‏ و لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ‏ حيث أشرب الأكل معنى الضمّ و الكفران معنى الحرمان و العزم معنى النية و السّماع معنى الإصغاء و العلم معنى التميز و الإبلاء معنى الامتناع و بقي تتمة الكلام على المعنى المشرب إذ الظّاهر أنّه ليس من باب المجاز البحت بل من باب استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له و غيره (و توضيح) هذا المعنى هو أن الوجوه بل الأقوال في التضمين ثلاثة و إن كان المحكي عن ابن جنّي انحصارها في الاثنين (أحدها) أنّه من باب التأويل و إرجاع كلمة إلى أخرى كتأويل أحسن في قوله أحسن بي إلى عطف و هذا هو المجاز ليس إلاّ و (ثانيها) أنّه من باب التقدير و الإضمار و كتقدير نادما حالا بعد يقلب في قوله تعالى‏ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى‏ ما أَنْفَقَ‏ أي يقلب كفّيه نادما و على هذا يرجع ما ذكره التفتازاني في محكي حاشية الكشّاف (رحمه الله) صرّح ابن جنّي فيما حكي عنه بأن مذاهب الناس في التضمين دائرة بين هذين (و ثالثها) ما حققه المحقق الشريف في محكي تعليقاته على الكشاف و ارتضاه بعض السّادة من المحققين قال الأظهر أن يقال إنّ اللّفظ مستعمل في معناه الأصلي فيكون هو المقصود أصالة لكن قصد بتبعيّته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللّفظ أو يقدّر له لفظ آخر فلا يكون من باب الكناية و لا من باب الإضمار بل من باب الحقيقة الّتي قصد بمعناها الحقيقي معنى آخر يناسبه (قلت) أمّا عدم كونه كناية فواضح إذ الكناية كلام سبق لأجل إفادة غير الموضوع له أصالة سواء قصد معها إفادة الموضوع له أيضا أم لا و المعنى المشرب و هو المضمن بالفتح غير مقصود بالتضمين إلاّ على وجه التبعية فافهم و أمّا عدم كونه من باب الإضمار فهو أيضا ظاهر من أجل ما عرفت من تعلّق القصد بإفادة المعنى المشرب تبعا إذ المقدر فيما يتوقف صحّة الكلام فيه على التّقدير مقصود أيضا بالأصالة كما لا يخفى و إنّما الإشكال في عدم كونه من باب الاستعمال المتنازع فيه و لم يتعرّض له المحقق الشريف في كلامه نعم صرّح ذلك المحقق بذلك و أنّه مراد المحقق الشريف و يرد عليه أنّه لا فرق في محلّ الكلام بين كون المعنيين مقصودين بالأصالة أو كان أحدهما مقصودا كذلك و الآخر مقصودا بالتّبع لعموم الأقوال و الأدلّة ضرورة أن التبعيّة و الأصالة أمران راجعان إلى الأغراض الدّاعية إلى إيجاد الكلام فلا

ربط لهما بالمراد من الكلمة المستعملة و لا ينافي كون التابع متعلّقا للنفي و الإثبات الّذي هو محلّ النزاع على ما بنينا عليه وفاقا للأكثر فإشراب التقليب معنى الندامة مثلا و إرادتهما من لفظ واحد بقرينة موجودة في الكلام استعمال للّفظ في المعنى الحقيقي و المجازي إلاّ أن يقال إنّ المقصود بالتبعية كون المعنى المجازي ملحوظا في المعنى المستعمل فيه قيدا لا جزءا فيخرج عن الاستعمال المتنازع فيه لأنّ القيد و المقيد ليس كلّ واحد موردا للنّفي و الإثبات بل النّسبة الموجودة في الكلام قائمة بالمقيد على وجه يكون التقييد داخلا و القيد خارجا و الّذي يفصح عن ذلك اشتراط كون المعنى المجازي في موارد التضمين وجها من وجوه المعنى الحقيقي و حالا من أحواله مثل الندامة بالنسبة إلى التقليب إذ التقليب قد يكون بعنوان النّدامة و قد يكون بعنوان آخر و كذا أكل أموال الأيتام قد يكون في الخارج منضمّا إلى أكل أموال الآكلين و قد لا يكون و هكذا إلى آخر الأمثلة و لذا لا يصحّ تضمين أحد المتباينين في الآخر فصار الحاصل أنّ التضمين هو إطلاق الكلي و إرادة الخصوصية بقرينة و هي الجارّة الموجودة في الكلام و نحوها (و من الواضح) خروج استعمال الكلّي في الفرد على هذا النهج عمّا نحن فيه حتى لو التزمنا بأنّ الخصوصيّة في موارد التضمين أريدت من اللّفظ و لذا صحّ تعليق الجارّ به إذ المقصود إخراج التضمين عن باب استعمال‏

171

اللّفظ في المعنيين و لو كان مجازا فيكون هذا الاستعمال نظير الاستعمال في مجموع المعنيين على أن يكون المستعمل فيه كلاّ ذا جزءين حقيقيّين أو اعتباريّين الّذي قد عرفت جوازه وفاقا للأكثر بل الجواز هنا أوضح لما عرفت من تسوية بعض المحققين بين الكلّي المجموعي و الأفرادي في عدم الجواز و معلوميّة صحّة إطلاق الكلّي و إرادة الخصوصيّة بقرينة خارجية و اللَّه الهادي (و رابعها) البطون القرآنية على ما نطق به كثير من الأخبار فربما يظنّ أن ذلك من باب استعمال اللّفظ في المعنيين الحقيقيين أو المجازيين أو المختلفين و أجيب عنه بوجوه (منها) ما ذكره المحقّق القمّي (رحمه الله) في حاشية القوانين بأنّ المراد بعدم جواز استعمال اللفظ في المعنيين عدم الجواز بالنّسبة إلى ظاهر اصطلاحات أهل اللّسان و محاوراتهم سيّما في المفردات فلا ينافي ذلك تعدّد مرادات القرآن و تكثر معانيها لأنّ الموافق لاصطلاحات أهل اللّسان تنزيلات القرآن و ليس فيها ما يكون من باب الاستعمال المتنازع فيه لأنّ تعدّد المرادات القرآنية إنّما هي بالنّسبة إلى التأويلات و هي خارجة عن ظاهر الاصطلاحات و المحاورات (و منها) ما ذكره بعض الأجلّة من أنّه يجوز أن يكون بطون القرآن بطونا لظاهره و إن لم يساعد أفهامنا على التوفيق بينهما و تكون حينئذ مرادة بإرادته و الظّاهر أنّ المراد بكون البطون بطونا للظّاهر دلالة الظّاهر عليها بالالتزام كسائر الالتزامات و إن لم يساعد على الملازمة بينهما أفهامنا (و منها) ما ذكره أيضا من جواز كون البطون مدلولا عليها بدلالة الإيماء و التنبيه كما في الكناية و هو لا ينافي استعمالها في معانيها الظّاهرة (و منها) ما ذكره أيضا من احتمال أن يكون القرآن عبارة عن الألفاظ المؤلّفة دون استعمالها فيجوز حينئذ أن يراد بتأليفها ما يصلح ممّا فوق المعنى الواحد و هو خارج عن محلّ البحث (و منها) ما ذكره أيضا من احتمال كون الاستعمال متعدّدا على حسب تعدّد البطون و ليس في تلك الأخبار دلالة على أنّ الكلّ مراد باستعمال واحد قال و فيه بعد (قلت) أمّا ما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) فلم نحصل منه شيئا ننظر في وجهه و لعلّ الفائدة في هذا النحو من التعبير أن يذهب الناظر إلى كلّ مذهب ممكن و من جملتها أنّ القرآن كلام قصد به الإفهام بحسب متفاهم أهل اللّسان و رموز و إشارات إلى معاني أخر معلومة لمن أرسل إليه فمن حيث إنّه كلام مقصود به الإفادة يجري عليه ما يجري في سائر كلمات البشر و هو المراد بالتنزيل و من حيث إنّه رموز و إشارات جرى مجرى الألغاز و العلامات و هو المراد بالتأويل و أمّا الوجوه الباقية ففي الكلّ شي‏ء (أمّا الأوّل) فلأنّ كون البطون بطونا للظواهر بالمعنى الّذي فهمنا إن تمّ في البعض فلا يتم في الجميع إذ من جملتها تفسير البحرين في قوله تعالى‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ بعليّ و فاطمة (صلوات اللَّه عليهما) و تفسير اللّؤلؤ و المرجان بالحسنين (عليهما السلام) و لا ملازمة بين هذا البطن و بين ظاهر ما يستفاد من الآية لا خارجا و لا ذهنا و احتمال ثبوتها واقعا و قصور عقولنا عن إدراكها مدفوع بأنّ اللّزوم الذهني لا واقعية له إلا بحسب الإدراك العقلي فمع انعزال العقل عنه يقطع بالعدم و أمّا اللّزوم الخارجي فلا مسرح له أيضا في أمثال المقام كما لا يخفى و من ذلك يظهر الكلام في الوجه الثاني مضافا إلى ما فيه من تشبيه دلالته الإيماء و التنبيه بدلالة الكناية فإنّه خارج عن الاصطلاح اللّهمّ إلاّ أن يراد بالإيماء و التّنبيه في المقام غير ما هو المصطلح عليه أعني الدلالة الحاصلة من إخراج الكلام عن بعد الاقتران بمنافيه من بعض الأحوال (و أمّا الثالث) فلا معنى محصّل له لأنّ الدال على المعاني هي الألفاظ المستعملة دون الاستعمال نعم قد تقدّم في مبحث المجاز أنّ الأغراض الدّاعية إلى إيجاد الكلام و استعمال الألفاظ الموضوعة قد يكون إفادة أمور خارجة عن مداليل الألفاظ من غير قصد إلى إفادة المداليل أيضا و منه الكلام المقصود به إفادة اللاّزم و بعض أقسام التقية إلاّ أن ذلك لا مساس له بالبطون القرآنيّة (و أمّا الرّابع) فهو ممّا اعترف ببعده و الحقّ أنّ مداليل أخبار البطون مجملة مثل ما ورد أن جميع معاني القرآن معنية من باء بسم اللَّه فإنه من المتشابهات الّتي لا يصل إلى حقيقتها عقولنا و يجب ردّها إلى خزّان العلوم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) فلا يرد نقضا بما يساعد عليه النظر و الاستقراء في محاورات أهل اللّسان من المنع عن استعمال اللّفظ في المعنيين مع إمكان استناد البطون إلى أوضاع ألفاظ القرآن القديمة و

استناد المعاني الظّاهرية الّتي يساعدها الأوضاع اللّغويّة إلى نقلها عن الأوضاع السّابقة المعهودة بين اللَّه تعالى و بين الأئمة (عليهم السلام) و الملائكة قبل خلق البشر و خلق لغاتهم و هذا و إن كان متوقفا على تعدّد الاستعمال أيضا كما لا يخفى إلا أنّ الالتزام به على هذا الوجه بحسب مراتب وجودات القرآن و منازلها من العرش إلى الفرش ليس كالالتزام بتعدّده في زمان نزول القرآن إلى النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) فافهم‏

تنبيه‏

و يجري مجرى استعمال اللّفظ في المعنيين الحقيقيين أو الحقيقي و المجازي استعماله في المجازيين و منه استعمال المشترك المعنوي في الفردين أو الأفراد و كذا الجمع بين الحيثيتين في كلام واحد مثل أن يلاحظ المتكلم ثبوت الحكم للموضوع من جهتين مختلفتين و لذلك زيّفنا القول باستفادة قاعدة الطّهارة و قاعدة الاستصحاب من نحو قوله كلّ شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر و قلنا إنّ الجهة الملحوظة في هذه القضية إن كانت هي الحالة السّابقة الّتي هي الملاك الملحوظ في قاعدة الاستصحاب لم يجز معها أن تكون الجهة هو الشكّ في الطّهارة أيضا الّذي هو المناط الملحوظ في قاعدة الطّهارة و هكذا الكلام في كلّ قضية صالحة لتأسيس قاعدتين على البدلية دون الاجتماع مثل قوله (صلى اللَّه عليه و آله) من كان على يقين‏

172

فشكّ فليمض على يقينه لأنّه يصلح دليلا على الاستصحاب و على أصالة الصّحة في الاعتقاد منفردا لا يجتمعا و من أراد توضيح هذا المقال فعليه بما كتبه شيخنا دام ظلّه العالي في الاستصحاب فإنّ له في فهم الأخبار الواردة فيه تحقيقات منها تحقيق هذا المرام في الرّواية المشار إليها فعلى ما ذكرنا ينبغي تنزيل نفي الشيخ في العبارة المتقدّمة الخلاف بين أهل العلم في جواز إرادة الأشياء من المشترك المعنوي على صورة استناد فهم خصوصيّة الأشياء إلى أدلّة أخر من قرائن الأحوال و الأقوال و اللَّه الهادي‏

القول في المشتق و الكلام في موضوعه و في أحكامه بديعة

و من الموضوعات اللّغويّة المشتق و الاشتقاق لغة أخذ شي‏ء من شي‏ء و اقتطاع فرع من أصل يقال اشتق النّهر من الوادي إذا أخذ شي‏ء منه فالمشتق هو شق الشي‏ء المأخوذ منه و أمّا في مصطلح العلماء فله إطلاقات أحدها ما ينقسم باعتباره إلى أصغر و صغير و أكبر و يعتبر في الأوّل الموافقة في الحروف الأصول و الترتيب و المعنى في الجملة و المراد بالموافقة في الحروف اشتمال الفرع لحروف الأصل و زيادة و المراد بقولنا في الجملة وجود معنى الأصل في الفرع بلا زيادة و نقصان كما في مقتل المأخوذ من قتل أو مع زيادة كما في ضرب و ضارب و نحوهما أو مع نقيصة كالمصدر المأخوذ من الفعل على مذهب الكوفيّين و يندرج في هذا الإطلاق تصاريف المصدر من الأفعال و الأسماء و المصادر كالمقتل من القتل و يعتبر في الثاني خصوص الموافقة في الحروف دون الترتيب و الموافقة في المعنى أو المناسبة فيتناول مثل جذب و جبذ المتحدين في المعنى و مثل كنى و تيك المتناسبين فيه فالصّغير أعمّ مطلقا من الأصغر و قد يعتبر في الصّغير عدم الترتيب فيتباينان و في الثالث المناسبة في اللّفظ و المعنى دون الموافقة فيهما كثلم و ثلب و نهق و نعق و لو اعتبر فيه عدم الموافقة كانت النّسبة بينه و بينهما تباينا كلّيا و وجه التسمية في الكلّ ظاهر و هذا الإطلاق يدور في لسان علماء الأدب و الأمثلة المذكورة كلّها قابلة للمناقشة لأنّ تميز الأصل عن الفرع أمر غامض يعول فيه على الذّوق و من هنا اختلف البصريّون و الكوفيّون في كون المصدر أصلا أو الفعل كذلك و عرّفه الحاجبي بما وافق أصلا بحروفه الأصول مع الموافقة في المعنى و هو منطبق على الأوّل إذا أريد بالموافقة في الحروف موافقتها من حيث الترتيب أيضا و إلاّ تناول الثاني أيضا لو كان المراد بالموافقة في المعنى ما يعمّ المناسبة و على التقديرين فالأكبر غير مشمول للعبارة و لو أخذ بظاهر الموافقة و إطلاقها لم ينطبق على شي‏ء من الأقسام الثلاثة أمّا على الأوّل فلاشتراطه بكون الموافقة في الحروف على وجه محفوظ فيه الترتيب لا مطلقا و أمّا على الثاني فلعدم اعتبار الموافقة في المعنى فيه كما عرفت و أمّا على الثالث فهو أوضح (ثمّ) إنّ هذا التعريف دوريّ على ما زعمه بعض الناظرين فيه و تفصّى عنه المحقق الشريف بأنّ المراد بالأصل الموضوع الابتدائي لا المشتق منه و تفصّى غيره بوجه آخر لا جدوى في التكلّم فيه و في سائر ما ذكروه في المقام كانتقاضه طردا بمثل اضرب عنه بمعنى أعرض إذا لاحظناه بالقياس إلى ضرب بمعنى الحدث المعروف سوى الاشتغال به عن الأهم و منها التصاريف المنصاغة من المصدر من الأفعال و الأسماء على اختلاف أقسامها و منها خصوص الأسماء المنصاغة من المصادر كأسماء الفاعل و المفعول و صيغ المبالغة و الصّفة المشبّهة و أسماء الزّمان و المكان و الآلة و غالب ما يجري من إطلاقات المشتق في هذا العلم هو الأخير كما أنّ الغالب في إطلاقاته عند النحاة هو الثاني (و اعلم) أنّه لا بدّ في الاشتقاق من مغايرة الفرع للأصل حركة زيادة أو نقصا بسيطا أو مركبا ثنائيا أو ثلاثيا أو رباعيّا و حاصل المجموع خمسة عشرة أربعة منها بسيطة و هي زيادة الحركة و زيادة الحرف و نقصان أحدهما و هذه أربعة و الباقي مركّبة ثنائية و هي ستّة زيادة الحركة و الحرف و نقصانهما و هذان اثنان زيادة الحركة و نقصان الحرف أو العكس و هما أيضا اثنان زيادة الحركة و نقصانها و زيادة الحرف و نقصانها و هذان أيضا اثنان و هي تمام السّتة أو ثلاثية و هي أربعة زيادة الحركة و الحرف و نقصان الحركة أو نقصان الحرف و هذان اثنان نقصان الحركة و الحرف و زيادة الحركة أو زيادة الحرف و هذه تمام الأربعة أو رباعيّة و هذه واحدة زيادة الحركة و نقصانها و زيادة الحرف و نقصانه و قد استقصى أمثلة الكلّ في التهذيب و المنية إذا تحقق ذلك‏

ففي المشتق أبحاث بالنظر إلى الإطلاق الأخير

[البحث‏] الأوّل‏

أنّه هل يشترط في الاشتقاق لشي‏ء و إجراء الوصف عليه قيام مبدأ الاشتقاق بذلك الشي‏ء كما عليه الأشاعرة مثل الإمام و الآمدي و الحاجبي و غيرهم أم يجوز الاشتقاق مع عدم القيام به أيضا سواء قام بذاته كما في لابن و تامر أم بغيره كما في المتكلّم إذا أطلق على اللَّه تعالى مع قيام الكلام بالشجرة كما عليه العدلية و المعتزلة و محلّ النزاع في المبادي ما كان من قبيل الأوصاف أو الأفعال و أمّا الأعيان فلا مسرح للنّزاع فيه لأنّ الخلاف فيه يرجع إلى الخلاف في صحّة الاشتقاق منها و عدمها و هذا ممّا لا معنى له للاتفاق على صحّته في الجملة كما في لابن و تامر و هذا من المسلمات عند الأشاعرة أيضا على ما صرّح به غير واحد من أهل الخبرة بآرائهم ثم إنّ هذا الاختلاف غير متفرّع عليه شي‏ء من الثمرات الأصولية نعم ذكر بعضهم أنّ الأشاعرة حاولوا بما اختاروا في المسألة إثبات مسألتين كلاميتين (أحدهما) زيادة صفات الواجب على الذات من غير فرق بين الأربعة الثبوتية و بين غيرها لما ثبت ضرورة بالأدلّة الأربعة من جواز إجراء هذه الأوصاف عليه تعالى نحو الإجراء على غيره فلا بدّ من الالتزام بمغايرة المبدأ عن الذات وجودا و زيادته عليها قضاء لحق الاشتقاق‏

173

(و ثانيهما) ثبوت الكلام النّفسي حتّى يصحّ إطلاق المتكلّم عليه تعالى حقيقة لأنّ القول بعدمه و انحصار الكلام في اللّفظي لا يستقيم على القول بالاشتراط في هذه المسألة نظرا إلى استحالة قيام الألفاظ الحادثة الّتي هي عبارة عن الأصوات المتقاطعة القائمة بالهواء و هي المبدأ في التكلّم بالذّات المقدّسة فدعاهم القول بذلك إلى الالتزام بتعدّد القدماء فالكلام هنا في موضعين أحدهما الأصل و الثاني الفرع (أمّا الأوّل) فمحصّل القول فيه أنّ الأشاعرة استدلّوا على الاشتراط بالاستقراء المفيد للعلم أو الظنّ الكافي في المقام على المشهور و أجاب عن ذلك العدليّة و المعتزلة نقضا بمثل زيد ضارب و موجود و اللَّه خالق و عالم باعتبار قيام مباديها بغير ذات الموصوف لأنّ الضّرب قائم بالمضروب و الخلق قائم بذاته كالجوهر أو بغيره كالعرض و العلم غير قائم بشي‏ء إلا بنفسه للدّلائل العقلية القائمة في علم الكلام على عينيّة الصّفات الثبوتية و تفصى الأشاعرة عن هذه النّقوض بوجوه لا يخلو جلّها أو كلّها عن وجاهة (و التحقيق) هو أن السّير و الاستقراء في مداليل المشتقات على كثرتها و اختلاف أقسامها إنّما يقضي بدلالتها على ارتباط بين الذات و المبدأ و علاقة بينهما بنحو من أنحاء المناسبة و ضرب من ضروب العلائق فقد تكون تلك علاقة الحال و المحلّ كما في المشتقات المنصاغة من الملكات و السّجايا و الأحوال و الأعراض نحو أبيض و أسود و قائم و قاعد و نائم و مستيقظ و نحوها و قد تكون علاقة الفعل و الفاعل كما في المشتقات المنصاغة من المصادر المتعدّية و قد تكون علاقة السّببيّة كما في والد و والدة و أشباهما و قد تكون علاقة الملكية كما في لابن و تامر على أحد الوجهين و قد تكون على غير هذه الوجوه من وجوه أخر كما في لابن و تامر أيضا في وجه آخر و دعوى الأشاعرة الاستقراء إن كانت مطلقة فهي مصادمة للبديهة لعدم استقامتها في مثل لابن و تامر و والد ممّا يكون المبدأ فيه من الأعيان لا من الأفعال و الصّفات و إن كانت مخصوصة بالمصادر المتعدّية كما صرّح به غير واحد فهي أيضا ساقطة لأنّ المشتق على وضع واحد في جميع الموارد و القول بتعدّد الوضع و اشتراكه لفظا بين الدّلالة على قيام المبدأ بالموصوف في الأفعال و الأحوال دون الأعيان مدفوع بالأصل أو الأصول بل الوجدان نعم لا يصحّ الاشتقاق و إجراء الوصف على الشّي‏ء مع قيام المبدأ بالغير على وجه لا يكون مرتبطا بذلك الشي‏ء مطلقا فإن أراد الحاجبي و سائر الأشاعرة من عدم اشتقاق اسم الفاعل باعتبار فعل حصل في الغير هذا المعنى فهو غير منكر لكن العدلية و المعتزلة غير قائلين به لأنّهم إنما يقولون بصحّة الاشتقاق حينئذ مع وجود المناسبة و المرابطة و إن أرادوا غيره فما استدلّوا به من الاستقراء غير ناهض ثم إن قيام الفعل أو الوصف بغير الفاعل أو الموصوف الّذي فرضه الأشاعرة و أنكروه غير معقول لأنّ قيام الفعل بالفاعل عبارة عن صدوره عنه و أمّا تعلّقه و وجوده في جسم فهذا غير مناف للقيام بالمعنى المذكور فكون الكلام موجودا في الهواء أو الشجرة لا ينافى قيامه بالمتكلّم لأنّ القائم بالهواء هو الكلام الاسمي و المأخوذ في الوصف الجاري على المتكلّم هو الكلام الفعلي و من الواضح أنّ المعتبر في القيام قيامه بالمعنى الثاني لأنّه الّذي يراد بالمبدإ حين الاشتقاق فالنزاع في صدق المتكلّم على اللَّه تعالى مع وجود الكلام في الشجرة ممّا لا محصّل له (و أمّا الثاني) أعني الفرع فالظّاهر سقوطه أيضا و عدم ترتبه على الأصل المشار إليه لأنّ القول باشتراط قيام الوصف لا ينافى اتحادهما و كون المغايرة بينهما اعتبارية لأن العينية آكد في مقام التوصيف و الاشتقاق و إن زعموا أنّ الاشتقاق و إجراء الوصف على الشي‏ء يدلّ على مغايرتهما ذاتا فهذا كلام آخر يأتي في أن مدلول المشتق مركب أو بسيط فإن قلنا بالبساطة كما عليه المحققون سقط الزّعم كما لا يخفى و إن قيل بالتركيب فيمكن التفصّي عنه أيضا بما يأتي في البحث الثالث فيبطل الثّمرة الأولى أعني دلالة الأوصاف الجارية على اللَّه تعالى على زيادة مباديها على الذات المقدّسة مع أنّ هذه الدّلالة على تقدير ثبوتها لا يعول عليها في إثبات مسألة كلامية إذ المتبع فيها البرهان لا ظواهر اللّفظ تعبدا بها كما في الفروع و أمّا مسألة الكلام النفسي فإثباتها بهذه المسألة دوريّة لأنّ صدق المتكلّم على اللَّه تعالى إن كان باعتبار الكلام اللّفظي كما عليه العدلية لم يناف ذلك اشتراط قيام الوصف بالموصوف في التوصيف لأنّ الكلام اللّفظي إن أخذ بمعناه المصدري كان فعلا من الأفعال و إن أخذ بمعناه الاسمي كان‏

عينا من الأعيان و إن كان باعتبار الكلام النفسي فهو مبني على إثبات الكلام النفسي فإثباتها بمقدّمة الاشتراط المذكور دور واضح كما لا يخفى و لعلّ ذاكر الثمرتين ذكرهما باجتهاده كما يؤيّده خلو كلمات من عثرت بكلماتهم هنا كالحاجبي و العضدي و المحقّق الشّريف و الفاضل الشيرازي عنهما و هو اجتهاد في غير محلّه و اللَّه الهادي‏

البحث الثاني في أنّه هل يجب الاشتقاق للشي‏ء و إجراء الوصف عليه من المعنى القائم به أم لا

ذهبت الأشاعرة إلى الأوّل و بنوا عليه بطلان قول المعتزلة و العدلية بأنّ اللَّه تعالى يخلق الكلام في الأجسام و ليس قائما به تعالى إذ لو كان كما قالوا لصحّ إطلاق المتكلّم على الجسم المخلوق فيه الكلام بناء على الملازمة الّتي ادعوها و احتج العدلية و المعتزلة بعدم إطلاق الفاعل كضارب على المفعول مع قيام المبدأ به و بعدم الاشتقاق من أنواع الرّوائح القائمة بمحالها و حلّه هو أنّ القيام المجدي في الاشتقاق ما يكون على نهج خاصّ لا مطلقا ففي الفاعل من المتعدي لا بدّ أن يكون بالصّدور و في المفعول بالوقوع و في الجوامد بالمعالجة و بالجملة القيام في كلّ شي‏ء بحسبه و قيام الكلام بالهواء ليس قابلا لاشتقاق‏

174

الفاعل منه لعدم كونه قيام صدور و لا لاشتقاق المفعول لعدم كونه قيام وقوع أيضا و ليس من الحلول المعتبر في قيام الأوصاف بمحالها كالسّواد و البياض و أمّا قيام الكلام بالشجرة و الحصى و الضّبّ و الجذع و البعير فقد صرّح بعض أهل التحقيق بكونه مصحّحا للاشتقاق و أنّ إطلاق المتكلّم على اللَّه تعالى حينئذ حقيقة لا يخلو عن إشكال و هو لا يخلو عن وجاهة و إن كان فيما ذكره من الإشكال إشكال ثم إنّ العضدي صرّح بأنّ المشتق ينقسم إلى مطّرد كضارب و نحوه و غير مطّرد كالقارورة و العيوق و الدّبران و لا يخفى أنّ القسم الثاني أيضا من موارد النقض على الأشاعرة في هذا المقام فتأمل‏

البحث الثالث في أنّ مدلول المشتق هل هو مركب أو بسيط

و مقتضى ما ذكروه في حدّه و تفسيره بما دلّ على ناد باعتبار معنى أو ما دلّ على شي‏ء له المشتق منه هو التركيب و دلالته على ذات و صفة و نسبته بينهما إلاّ أنّ المحقق الشّريف قد دقق النظر في حاشيته على شرح المطالع و منع عن اعتبار الشي‏ء و النّسبة في مفهوم المشتق قال الشّارح في توجيه كون التعريف بالفصل و الخاصّة تعريفا بالمركب محافظة لحدّ النّظر بترتيب أمور معلومة عن الانتقاض عكسا أن معنى المشتق شي‏ء له المشتق منه (و قال) المحقق الشريف يرد عليه أن مفهوم الشي‏ء لا يعتبر في معنى النّاطق مثلا و إلاّ كان العرض العام داخلا في الفصل و لو اعتبر في المشتق ما صدق عليه الشي‏ء انقلب مادّة الإمكان الخاصّ ضروريّة فإنّ الشي‏ء الّذي له الضّحك هو الإنسان و ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري فذكر الشي‏ء في تفسير المشتقات بيان لما يرجع إليه الضّمير الّذي يذكر فيه فإن قيل المشتق منه داخل في مفهومه ضرورة و كذا ثبوته للموضوع الّذي نسب إليه فيكون مركبا قلنا ليس شي‏ء منهما محمولا على ما قصد تعريفه بالمشتق فلا يصلح معرّفا له و إن أخذ منهما محمولا عليه كالثّابت له المشتق منه مثلا عاد الكلام إلى مفهومه و أنّ الشي‏ء ليس داخلا فيه فإن اعتبر محمول آخر لزم اعتبار مفهومات متسلسلة إلى ما لا يتناهى انتهى (أقول) ظاهر قوله قلنا جوابا عمّا أورده من السّؤال الاعتراف بتركيب معنى المشتق في غير مقام التحديد و كأنّه تفطّن بذلك بعض الأجلّة فتفصّى عن برهان البساطة بالتزام تركيب معنى المشتق من جهة أخرى غير الدّلالة على ذات ثابت له المبدأ و ربما يؤيّده قول المحقّق الشريف فذكر الشّي‏ء في تفسير المشتق بيان لما يرجع إليه الضمير و قوله في السؤال المشتق منه داخل في مفهومه ضرورة إلى آخره إلاّ أنّ التأمّل قاض بعدم تركيب معنى المشتق من تلك الجهة أيضا ضرورة اتحاد مفاد المشتقات في صورتي الحمل على الذوات القائم بها المبادي و غيره مع عدم استقامة التّركيب على الوجه المذكور في صورة الحمل لأنّ مدلول المشتق على هذا التقدير يكون كمدلول الفعل في الدّلالة على المبدأ و النّسبة غير الزمان فيكون معنى قائم القيام المنسوب إلى الذّات و من البيّن عدم صلاحية هذا المعنى للحمل على الشي‏ء كما صرّح به المحقّق فالظّاهر أنّ المراد نفي التركيب في مدلول المشتق من الجهتين نعم قد يناقش فيما استدلّ به على نفسه من الجهة الأولى بما يشير إليه في حاشية الحاشية و تلقاه المتفصّي المذكور أيضا بالقبول من اختيار الشّق الثاني و وضع انقلاب الإمكان الخاصّ ضروريّة لأنّ المعتبر في مفهوم الخاصّة مثلا هو الإنسان المقيد بالضّحك لا المطلق و ثبوته ليس ضروريّا لكن فيه بعد المساعدة على فساد البرهان المذكور من جهة المادة لبعض ما ذكر في إبطاله أنّ الوجدان و الذوق لا يشهد أن بتركيب معنى المشتق كالأسود و الأبيض أن المتبادر منها بعض عناوين الذات غير مشروح (توضيحه) أنّ الشي‏ء إذا كان له عناوين متعدّدة فالألفاظ الدالّة على تلك العناوين إنّما تدلّ عليها من غير اعتبار ثبوتها لذلك الشي‏ء في مداليل تلك الألفاظ مثلا إذا اجتمع في موجود ذهني أو خارجي عنوان الجسميّة و عنوان السّواد فلفظ كل واحد من الجسم و الأسود إنّما يدل على ما وضع له من العنوان الخاصّ من دون دلالة بالمطابقة أو التضمّن على ثبوته لذلك الشي‏ء و هذا في مدلول لفظ الجسم واضح حتّى أنّه لا يذهب ذاهب إلى تركيب معنى الجسم من جهة دلالته على شي‏ء ثابت له الجسميّة و أمّا لفظ الأسود فحيث كان العنوان الملحوظ في وضعه عرضا متقوّما بغيره في الوجود صار ذلك منشأ لتوهّم الفرق بينه و بين الألفاظ الجامدة من حيث الدّلالة على النّسبة لكن هذا التحقيق لا ينافي ما هو المشهور من تفسير المشتق لشي‏ء له المشتق منه و عليه يبنى بعض مقاصد البحث الآتي لأنّ هذا يجري مجرى التحديد دون التفسير كما يقال الإنسان حيوان ناطق مع قضاء الضرورة ببساطة مدلول لفظ الإنسان و عدم اشتماله على النسبة بخلاف الحدّ المذكور فاحفظ و اغتنم ينفعك فيما يأتي إن شاء الله تعالى و اللَّه الهادي‏

البحث الرابع في أنّه هل يشترط في صدق المشتق بقاء المبدأ أم لا

فيه قولان فصاعدا و التكلّم في هذه المسألة أعظم شي‏ء للأصولي نفعا و قبل الخوض في ذكر المختار و الاستدلال ينبغي التكلّم في أطراف المسألة تحريرا لمحلّ النزاع‏

و يتم ذلك برسم أمور

الأوّل‏

أنّ المراد بالمشتق المتنازع فيه هو ما دلّ على ذات باعتبار معنى فخرج الأفعال و المصادر المزيدة و الجوامد لأنّ الأول إنّما يدل على نسبة المعنى إلى الذات لا المعنى و لا الذات و إن كانا مدلولا عليهما التزاما لأنّ الدّال على النّسبة يدلّ على المنتسبين بالضّرورة دلالة التزاميّة و الثاني إنّما يدلّ على المعنى خاصّة و الثالث إنّما يدل على الذات دون المعنى و دخل فيه أسماء الفاعل و المفعول و الزمان و المكان و الآلة و إن كان في عموم النزاع لبعض هذه المذكورات خلاف يأتي و المراد بالذات‏

175

هنا ما يعمّ الجوهر و العرض فيتناول الحدّ الأوصاف الجارية على الأعراض كما يقال حركة سريعة و سواد شديد و ضرب مفجع و ما أشبهها ثم إنّك طرفت أنّ تعريف المشتق بما ذكر لا ينافي بساطة مدلوله و عدم اشتماله على النّسبة كالأفعال إذ المراد بدلالته على الذات باعتبار المعنى دلالته عليها حال تعنونها بعنوان خارج عنها قائم بها لا دلالته على الذّات و قيام المعنى به و الفرق بينهما جليّ واضح لأنّ النّسبة مأخوذة في مدلوله على الثاني دون الأوّل و هذا بخلاف الجامد فإنّه يدلّ على الذّات من غير تقييد بتلك الحالة و بما ذكرنا ظهر عدم انتقاض الحدّ بالمبادي أيضا مع مشاركتها للمشتقات في الدّلالة على معنى قائم بغيره و ذلك لأنّ الملحوظ في المبدأ مدلول كالسّواد نفس العارض القائم بالغير بخلاف المشتق فإنّ الملحوظ فيه المعروض حال قيام العرض به و قد يفرق بين المصدر و المشتق و العرض و العرضي بما يفرّق به بين الاعتبارات اللاّحقة للأجزاء العقليّة كالحيوان بالنّسبة إلى الإنسان قال المحقق الشّريف في حاشيته على شرح المطالع ما حاصله أنّ الحيوان إذا لوحظ بشرط لا أي بشرط تفرده و استبداده من حيث الوجود فلا يعقل أن يحمل على الإنسان و إذا لوحظ بشرط شي‏ء أي بشرط الاتحاد مع الناطق فلا يعقل أيضا أن يكون محمولا على الإنسان لأنّه بهذه الملاحظة عين الإنسان و إذا لوحظ لا بشرط شي‏ء كان جنسا محمولا عليه و على النّاطق فيقال حينئذ إنّ المصدر هو الحدث الملحوظ بشرط لا و المشتق هو الملحوظ لا بشرط و كذا العرض و العرضي و هو ينافي تعريفهم المشتق بما عرفت أي الدّال على الشي‏ء باعتبار معنى و يمكن الجمع بينهما يجعل هذا التعريف بمنزلة الحدّ في تحليل العقل و هو لا ينافي وضع المشتق لغة للحدث الملحوظ على وجه لا بشرط و كيف كان فهاهنا إشكال آخر و هو أنّ وجود العرض مغاير لوجود الجوهر المعروض فعلى القول بأنّ الأسود مدلوله هو عدم البياض فكيف يحمل على الجسم مع أنّ الحمل يقتضي اتحادا في الوجود (و أجيب عن ذلك) بأنّ الاتحاد المحتاج إليه هو الاتحاد في الإشارة الحسّيّة بأن يكون الإشارة الحسّيّة بأحدهما عين الإشارة بالآخر و لو كان وجوداهما متغايرين و الحال في العارض و المعروض كذلك فيصحّ الحمل و هو مفاد قولنا الجسم أبيض لا يقال إذا كان الملحوظ في معنى المشتق ذلك فلا جرم يكون مركّبا لدلالته حينئذ على ذات المعروض و انتساب العارض إليه فالتقييد به داخل في مدلول المشتق و هي نسبة ناقصة لأنّا نقول إن أريد بدلالته على النّسبة استفادتها من صريح اللّفظ و دلالته عليها بالوضع كما في المركبات و الأفعال فما ذكرنا غير مستلزم لذلك و إن أريد بها انحلال معنى المشتق بالنظر و التأمّل إلى معروض و تقييده بالعارض فهذا لا ينافي ما ادّعينا من البساطة لأن الأجزاء الذهنية للمعاني لا ينافي بساطتها بحسب ما يتفاهم منها عرفا لأنّ لفظ الإنسان مثلا معناه العرفي حيوان مخصوص من غير ملاحظة انشراحه في الذّهن إلى جنس و فصل و نسبته بينهما فهو بسيط بحسب ملاحظة الواضع و إن كان في لحاظ التحليل العقلي مركّبا و لعلّ ما حققه المحقق الشريف من بساطة معنى المشتق لا يتجاوز عمّا ذكرنا و من هنا يسقط إيراده على شارح المطالع لأنّ التركيب العقلي يكفي في صدق تعريف النظر على التعريف بالفصل و الخاصّة و لا يتوقف على كونهما دالّين بالوضع على شي‏ء مآله المشتق منه فليتدبّر في المقام فإنّه من مزال الأقدام‏

الثاني‏

أنّه قد ظهر معنى المشتق و معنى بساطته فهل النّزاع هنا يتفرّع على القول بالتركيب إذ على تقدير البساطة فليست النّسبة في مدلوله مأخوذة حتى نتكلّم في اتحاد زمانها مع زمان الصّدق و عدمه أو غير متفرّع عليه بل يجري على البساطة أيضا و كان شيخنا دام ظلّه كان مائلا إلى الأوّل و وجهه ظاهر لكن قد يقال بأنّ البساطة بالمعنى الّذي ذكرنا لا تنافي جريان النزاع المذكور إذ المناط فيه كون مدلول اللّفظ منشرحا في نظر التّحليل إلى ذات و صفة و نسبة بينهما سواء كان الانشراح على هذا الوجه ملحوظا في وضعه حتّى يكون مركبا أم لا فيكون بسيطا فكلّ لفظ ينحل مدلوله في نظر العقل إلى معروض و عارض أمكن اعتبار هذا النزاع فيه بأن يقال هل يشترط في صدق ذلك اللّفظ حال تشاغل المعروض بذلك العارض أم لا إلاّ أنّ احتمال عدم الاشتراط حينئذ يكون مثل احتمال عدمه في صدق الجوامد على تقدير تعقل النّزاع فيه و سيأتي أنه مقابل للبديهة و مخالف للبرهان و مصادم للوجدان‏

الثالث‏

أنّ ظاهر كلمات الكلّ أو الجلّ في تحرير المسألة اختصاص النزاع بالمشتق فلا يجري في الجوامد سواء كان مساوقا للمشتق في الدّلالة على ذات باعتبار و معنى كالزوج و الزوجة لدلالتهما على ذات الرّجل و المرأة حال تعنونهما بعنوان الزوجية أم لا كالحجر و الماء و الأرض و الهواء و هو ظاهر الفاضل الباغنوي أو صريحه و ظاهر المحقق القمي (رحمه الله) إلا أن المحكي عن الفخر في الإيضاح ما يؤذن بجريانه في القسم الأوّل منها أيضا قال في محكي الإيضاح في باب الرّضاع في مسألة من كان له زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجة له أخرى صغيرة ما هذا لفظه تحرم المرضعة الأولى و الصغيرة مع الدّخول بإحدى الكبيرتين بالإجماع و أمّا المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف فاختار والدي المصنّف و ابن إدريس تحريمها لأنّ هذه يصدق عليها أنّها أم زوجته لأنّه لا يشترط في المشتق بقاء المعنى المشتق منه فكذا هنا و لأنّ عنوان الموضوع لا يشترط صدقه حال الحكم بل لو صدق قبله كفي فيدخل تحت قوله تعالى‏ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ‏ انتهى كلامه رفع مقامه فإن ظاهر قوله فكذا هنا و إن كان مؤذنا باختصاص النزاع بالمشتق و جريانه في غيره بحسب المناط إلا أنّ قوله و لأنّ عنوان‏

176

الموضوع إلى آخره ظاهر في كونه من القواعد المسلّمة عند الكلّ أو الجلّ و هو لا يكون إلاّ بشمول أقوال القائلين بعدم اشتراط البقاء في هذه المسألة للجوامد أيضا و فيه تأمّل واضح نعم صريح صاحب المسالك في هذه المسألة ابتناء القولين في مسألة التحريم على القولين في هذه المسألة و أصرح منه ما ذكره بعد البناء المذكور حيث قال (و اعلم) أنّه يستفاد ممّا ذكروه في علّة التحريم أنّه لا فرق فيه بين كونه في زمان زوجية الكبيرتين و بعد فراقهما بطلاق و غيره لبقاء معنى الزّوجيّة فيهما انتهى و وجه الصّراحة أنّه لا يكفي في تحريم الصّغيرة بقاء معنى الزوجية فيهما بل لا بدّ من بقاء معنى البنتية أيضا إذ الحرمة محمولة على بنت الزّوجية و هي الرّبيبة فالحكم بتحريمها فيما إذا أرضع الكبيرتان إيّاها بعد طلاقهما مبني على دعوى صدق بنت الزوجة بعد انقضاء الزوجية فتدبّر بل ربما يظهر من قول الفخر و لأنّ الموضوع إلى آخره عدم اشتراط بقاء العنوان في القسم الثاني من الجوامد أيضا بل الظّاهر أنّ كلّ من قال بتحريم المرضعة الثانية كالمحقّق و العلاّمة و ابن إدريس (قدّس سرّهم) و أكثر المتأخرين قال بعدم توقف الصّدق على البقاء في مثل الأمّ و النّساء إذ القول بالتحريم مع ورود رواية صريحة في عدمه لا مستند له إلاّ دعوى الصدق مع الانقضاء و من هنا يظهر ضعف القول بالتحريم و سقوطه لابتنائه على إشكال في إشكال إذ التحقيق الآتي في مسألتنا هذه إنما يساعد القول بالاشتراط و على تقدير القول بالعدم فإنما يتجه في المشتقّات فجريانه في الجوامد خلاف التحقيق من وجهين لأنّك عرفت أنّ مدلول الجوامد هي نفس الذات و لا معنى لصدق الذات مع زوال الذاتية فدعوى صدق الماء مثلا على الهواء المنقلب منه نظير دعوى صدق الموجود على المعدوم إذ المفروض أن لفظ الماء موضوع لعنوان مخصوص من عناوين الجسم العنصري و هذا العنوان بعد انقلابه إلى عنوان آخر لم يوضع لفظ الماء بإزائه كيف يكون من مصاديقه لأنّ صدق الماء عليه عبارة أخرى عن صدق ذلك العنوان الملحوظ في حال الوضع و صدقه عليه في قوة صدق الشّي‏ء على ضدّه أو نقيضه كما يقال غير زيد زيد و غير الموجود موجود و هكذا و دعوى أنّه كما ينحل مدلول المشتق على البساطة إلى ذات و وصف فيجري فيه النزاع كذلك مدلول الجامد مثل الرّجل فإنّ معناه ينحل إلى ذات ثبت له الرّجولية فيجري فيه النزاع و يصحّ القول بأن صدق الرّجل لا يتوقف على بقاء معنى الرّجولية نظير القول به في المشتق مدفوعة بأن الوصف المتصوّر في المفهوم الجامد كالرّجوليّة في المثال و الحجريّة في مدلول لفظ الحجر معنى انتزاعي من وضع لفظ الجامد لذلك العنوان بحيث لو لم يكن ذلك اللّفظ موضوعا لذلك العنوان لم يكن ذلك الوصف متعقلا فلو لا وضع الرّجل للذّكر من الإنسان لم يتعقل من لفظ الإنسان معنى الرّجولية فمع زوال تلك الصّفة الانتزاعية كيف يعقل بقاء المعنى الموضوع له و صدق اللّفظ و كيف يتصوّر التفكيك في الوجود الخارجي بين المعنى الانتزاعي و بين منشإ الانتزاع و هذا بخلافه في المشتق إذ الوصف الملحوظ فيه موجود في الذّات قائم بها فيقوم حينئذ احتمال وضع المشتق لنفس الذّات بشرط اتصافه بالوصف المذكور في الجملة من غير مدخلية لخصوص حال الاشتغال نعم يتصوّر النزاع في الجوامد بوجه آخر و هو أن يقال إنّ لفظ الماء مثلا موضوع لجسم عنصري قد عرضه صورة المائية في الجملة سواء انقلبت تلك الصّورة إلى صورة أخرى أم لا فغير الماء ما لم يعرضه تلك الصّورة أصلا لكن هذا مجرّد تصوير لا أظنّ ملتزما به في سائر الجوامد بشهادة التبادر و صحّة السّلب و نصّ أهل اللّسان و اتفاق كافّة العلماء ظاهرا على خلافه و إنّما يمكن القول به في المشتق لانحلال معناه إلى ذات و صفة فظهر أنّ النزاع المعروف لا يعقل جريانه في الجوامد على حدّ جريانه في المشتق لتوقفه على اشتمال مدلول اللّفظ لذات و صفة زائدة و نسبة بينهما و لو في ظرف التحليل و إنّما يتصوّر فيها على وجه آخر متقارب هذا في القسم الثّاني و أمّا القسم الأوّل منها كالزّوج و الزّوجة فالظّاهر تعقل النزاع فيه على الوجهين كما يظهر بالتأمّل في ما ذكرنا إلاّ أنّ الظّاهر مساواته للقسم الثاني عند الكلّ أو الجلّ في الحكم كما أنّ الظّاهر خروجها عن عنوان كلمات القوم و عدم قولهم فيه بنفي الاشتراط

الرّابع‏

قضية ظاهر العنوانات و تصريح المحقق القمّي (رحمه الله) عموم النزاع لسائر المشتقات لعدم صلاحيّة الأمثلة الممثل بها للتخصيص إلا أن لبعضهم وسوسة في بعضها فزعم بعض من أدركنا عصره من الأفاضل اختصاص النزاع المعروف باسم الفاعل و ما بمعناه بدلالة تمثيلهم به و عدم ملائمة جميع ما أوردوه في المقام على التعميم قلت و لم نجد فيما أوردوه ما ينافي جريان البحث في أسماء المفعول و الصّفة المشبهة و المبالغة غير ما ذكره من التمثيل الّذي يعرفه كلّ أحد عدم صلاحيّته للتخصيص مع كون العنوان عامّا لسائر المشتقات مضافا إلى عموم الأدلّة و اتّحاد المناط كما ستقف عليها و على ما زعمه ينبغي أن يفرق بين اسم المفعول و الصّفة المشبّهة بدعوى الاتفاق على عدم الاشتراط في الأوّل و على الاشتراط في الثاني و لعلّ الّذي أوقعه في هذا الحسبان ندرة استعمال المفعول في المتلبّس باعتبار انصباغه من المبادي السّيالة الغير القارة عكس الصّفات المشبّهة من جهة بنائها من المبادي القارة و يرد عليه بعد النقض بأسماء الفاعل المصاغة من المبادي السّيالة لندرة استعمالها في المتلبّس أن أدلّة الباب على تقدير مساعدتها للاشتراط لا يخرج عنها بكثرة الاستعمال إلا بالتزام كونهما منقولين بالغلبة و لم يقل به أحد و على تقدير عدم المساعدة يلتزم به في اسم الفاعل أيضا و من الغريب أنّه نقل عن التفتازاني‏

177

اختصاص محلّ النزاع باسم الفاعل الّذي يكون بمعنى الحدوث دون مثل المؤمن و الكافر و الأبيض و الأسود و الحرّ و العبد و شدّد الإنكار عليه مع مساوقة الفاعل بمعنى الثبوت للصّفة المشبّهة في وجهي الخروج و الدّخول تحت النزاع و من المحتمل إرادته بما في معنى الفاعل ما يعمّ الصّفات المشبّهة فيكون إنكاره على التفتازاني غير منكر عليه إلاّ أنّ الناظر في كلامه إذا مشى بقواعد التعبير لا يجده مساعدا لهذا الاحتمال (ثمّ) إنّه (قدّس سرّه) صرّح قبل المسألة بأنّ اسم المفعول حقيقة في الذّات الّتي وقع عليها المبدأ في الحال و مجاز في الذات الّتي يقع عليها المبدأ في الاستقبال و قد يطلق و يتبادر منه ما يعمّ الحال و الماضي و قد يختصّ بالحال فإن أراد بالحال حال المتلبّس بالمبدإ على أبعد الاحتمالين في كلامه فلا وجه لتخصيص البحث باسم الفاعل و إن أراد به الحال الزماني المقابل للاستقبال و الماضي كما لعلّه الظّاهر من المقابلة كان سهوا من طغيان القلم لاعترافه فيما يأتي من كلامه وفاقا للكلّ بعدم اعتبار الزّمان في مداليل المشتقات هذا و ممّا يدلّ على دخول اسم المفعول في محلّ النّزاع زيادة على تصريح المحقق القمي (رحمه الله) ما نقل عن غير واحد من الفقهاء من بناء كراهة الوضوء و الغسل بالماء المشمس بعد برده على عدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق و كذا كراهة غسل الميت بالماء المسخن بعد برودته و إن كان في التفريع الأخير نظر لأنّ المسخن اسم مفعول من باب التفعيل و مبدأ الاشتقاق فيه هو التسخين لا السّخونة مصدر سخن و لا ريب أنّ التسخين مما ينقضي و ينعدم بترك الفاعل المسخن الاشتغال بالتسخين لاستحالة بقاء الفعل أي التأثير مع انعدام الفاعل المؤثر و أمّا ما يبقى بعده فهو أثر التسخين أعني السّخونة فحالتا السّخونة و البرودة على حدّ سواء من حيث انقضاء المبدأ فيهما فلا وجه مفرق بينهما و تخصيص الانقضاء بحالة البرودة و يمكن الجواب عن ذلك بوجهين (أحدهما) أنّ الكاشف عن بقاء التسخين الّذي هو الفعل لما كانت هي السّخونة عومل معها معاملة المبدإ الّذي هو التسخين و ذلك لأنّ السّخونة لا تكون إلاّ مع بقاء علّة التسخين و اشتغال فاعله و هو المسخن بالتسخين لأنّ السّخونة من الممكنات المفتقرة في وجودها إلى العلّة و مع فرض عدم المسخن الّذي هو فاعل التّسخين يستحيل وجوده لا يقال يكفي في بقاء الأثر وجود المؤثر سابقا و إنّما المحتاج إلى بقائه هو التأثير لا الأثر ألا ترى أن نقش القدم مع كونه معلولا لفعل القادم لا ينعدم بانعدامه لأنّا نقول نقش الأثر أيضا موجود ممكن يحتاج في وجوده حدوثا و بقاء إلى العلّة للأدلّة العقلية القائمة في مظانّها على افتقار كلّ ممكن إلى العلّة لإمكانه لا لحدوثه فعلّة السّخونة لا بدّ أن تكون موجودة حين وجودها الثّانوي أيضا و هذه العلّة ليست إلا التّسخين لأنّ الأثر إنّما يعلل من التأثير و التأثير من الفاعل فقضية البرهان وجود المسخن و وجود التسخين متى كانت السّخونة موجودة و ما ذكرت من كون النقش معلولا لفعل القادم اشتباه و خلط بين معطي الاستعداد و بين المؤثر لأن فعل القادم علّة معدّة كوجود البنّاء للبناء و أمّا العلّة المؤثرة فهي شي‏ء آخر يقوم به التأثير عقيب المعدّات في كلّ ممكن بحسبه (و ثانيهما) أن بناء العرف على الفرق بين اسم الفاعل و المفعول في المشتق منه غالبا إذا كان له أثر يبقى بعد الانقضاء حيث يريدون به في الأوّل نفس الفعل و في الثاني نفس الأثر الحاصل منه فيريدون من مثل ثاقب من يقوم به حدوث الثقب المصدري و بالمثقوب ما كان فيه الثقب و هكذا الصّبّاغ و المصبوغ فيراد بالأوّل مباشر الصبغ و بالثاني ما فيه أثره من اللّون و حينئذ فكون المسخن من باب التفعيل لا يقضي بكون المراد بالمبدإ التّسخين قياسا باسم فاعله أعني المسخن بل المقايسة إلى نظرائه من الأمثلة العرفية قاض بحمله على الأثر أعني السّخونة فيتم التفريع كما لا يخفى قلت و مرجع هذا الجواب إلى دعوى قرينة عامّة على كون المراد بالمشتق منه غير معناه و لو مجازا و لئن استند في ذلك إلى ما في المقام من الإجماع بل العقل على عدم تعلق الكراهة بحالة التسخين كان أروح فيتم التفريع إذ بعد ملاحظة هذه القرينة يتعين حمل المادّة فيه على السخونة و لقائل أن يقول حينئذ إنّ الثابت بالإجماع و العقل إنّما هو ثبوت الكراهة بعد التّسخين أيضا و هذا غير كون المراد بالمبدإ السّخونة مجازا فيدور الأمر بين التصرّف في الهيئة بحمله على خصوص ما انقضى عنه المبدأ أو الأعمّ منه‏

و من المتلبّس على احتمال بعيد و بين التصرّف في المادة بحملها على المعنى المجازي مع استعمال الهيئة في المتلبس و ليس أحد التصرفين أولى من الآخر فالتفريع أيضا ساقط فليتدبّر و من التفريعات الباطلة ما اشتمل عليه الوافية و شرحها حيث جعلا من جملة ما يظهر فيه ثمرة المسألة قول القائل وقفت على سكّان بلد كذا فيظهر الثمرة فيمن سكن مدّة ثم خرج عنها معرضا عنها قاصدا لعدم العود إليها فعلى القول بصدق المشتق على ما انقضى كفي سكونه و توطنه السّابق و إلا فلا و أنت خبير بأن البقاء و الانقضاء على ما ننبّه عليه إنّما يلاحظان بالقياس إلى حال الإطلاق الّذي هو زمان نسبة الحكم الموجود في الكلام و هو إنشاء الوقف و إجراء الصّيغة في المثال المذكور فمن كان ساكنا في حال الصّيغة فهو المتلبس سواء خرج بعد ذلك و انقضى عنه المبدأ أم لا لأنّ زوال المبدأ بعد زمان الإطلاق لا يضرّ إذ لم يقل أحد باشتراط دوام المبدأ في صدق المشتق و مثال ما انقضى في المثال المذكور و هو أن يكون شخص ساكنا قبل الوقف و غير ساكن في وقته فإنّه من موارد الثمرة و أمّا السّاكن في حاله الخارج بعده فلا وجه‏

178

لجعله من قبيل ما انقضى و يمكن حمل كلامهما على ما ذكرنا فالتفريع في محلّه هذا إذا كان الوقف على الأشخاص دون الجنس و إلاّ كان من قبيل الوقف على الفقراء و العلماء و نحوهما من العناوين الكلية و في مثله يلاحظ التلبّس بالمبدإ و الانقضاء بالإضافة إلى زمان الاستحقاق و التملّك لأنّ زمان النّسبة في الإنشاءات هو زمان ظهور آثارها ففي الأمر و النّهي يلاحظ زمن الامتثال و في العقود المملكة يلاحظ زمن التملّك و هكذا و حينئذ يكون التفريع صحيحا على الوجهين كما لا يخفى نعم يمكن القول بخروجه عن تحت الموقوف عليهم من قاعدة أخرى و هي تبعية الحكم و دورانه مدار الأسماء و الموضوعات أو من جهة شهادة حال الواقف أو من جهة أخرى خارجة عن المقام فلا بد من النظر في تمييز المقامات بعضها عن بعض‏

الخامس‏

أن بعض المبادي ممّا لا قرار له و لا ثبات لكونه من الأمور التدريجية الّتي توجد شيئا فشيئا كجميع المصادر السّيالة و أوضح مصاديقه التكلم و البيع و الصّلح و من الواضح أن الاتصاف بمثل ذلك يستحيل عقلا فإمّا أن يلتزم بمغايرة وضع المشتق فيه لوضعه في غيره على القول باشتراط البقاء و اتصاف الذات بالمبدإ أو يلتزم بالتجوّز فيه إمّا في الهيئة باستعمالها فيما انقضى أو في المادّة بإرادة بعض الأجزاء فيقال في مثل البائع و المتكلّم إنّ الصّفة مستعملة فيما انقضى عنه المبدأ مجازا أو يقال بأن المراد بالكلام و البيع بعض أجزائه و هو الجزء الأوّل و كلاهما ممّا يأبى عنه الطّبع السّليم مضافا إلى ما في الأوّل من اتفاق جلّ القائلين باشتراط البقاء أو كلّهم بعدم اشتراك المشتق لفظا بحسب اختلاف المبادي فانحصر المناص في إرجاع التوسّع إلى النّسبة الملحوظة في مدلول المشتق بأن يقال إن انتساب المبدإ إلى الذات و اتصافها بها أمر عرفي فقد يصحّ النّسبة و الاتصاف مع اشتغال الذات ببعض المبدإ و نظير ذلك في النّسبة التامة المصرّح بها في الكلام ما في قول القائل رأيت العسكر إذا رأى بعضه و قوله ضربت زيدا إذا ضرب رأسه أو رجله و من هذا التحقيق الّذي صدر من أهله كالعضدي و غيره يسهل الخطب في كثير من المشتقات على القول باشتراط البقاء و يسقط جملة من التفاصيل الآتية المبنية على ملاحظة خصوص بعض الأمثلة

السّادس‏

أنه قد ظهر ممّا نبهنا عليه في لفظ المسخن أن المبدأ قد يكون المراد به معناه المجازي فيلاحظ التلبّس و الانقضاء بالقياس إلى مجازه لا إلى حقيقته و من هنا ينقدح اتجاه إيراد المحقق القمي (رحمه الله) على الفاضل التوني حيث فصل في المسألة بين ما إذا كان الاتصاف بالذات بالمبدإ أكثريّا بحيث يكون عدم الاتصاف به مضمحلا في جنب الاتصاف و لم يكن الذات معرضا عن المبدإ و راغبا عنه و بين غيره فاختار في الأوّل عدم اشتراط البقاء في الصّدق الحقيقي و اشتراطه في الثاني مستدلاّ بصحّة إطلاق الكاتب و الخيّاط و أمثالهما على الذّوات المعهودة في حال انقضاء تلك المبادي بل مع طريان أضدادها كالنّوم و نحوه على محالها وجه الورود أنّ المراد بهذه المبادي ملكات الأفعال المعهودة و لو مجازا لا نفسها فانقضاؤها إنّما يكون بزوال الملكة و معه لا ريب في عدم صحّة الإطلاق و لعلّه استشعر إلى هذا الإيراد (فأجاب عنه) بأنّ دعوى وضع هذه الألفاظ للملكات ممّا يأبى عنه الطبع السّليم و فيه أن دعوى الوضع مستدركة إذ يكفي مجرّد الاستعمال و لو مجازا إلاّ أن يقال بعدم مساعدة الوجدان و علائم المجاز لكون الإطلاقات المذكورة مبنية على بعض وجوه المجاز و لو في المادّة فالأولى أن يقال إن الاتصاف بالمبدإ و البقاء قد يتوسع فيهما بالرجوع إلى العرف و العادة كما أوضحناه في الأمر السّابق و من جملة ذلك حكم العرف باتصاف الذات بالكتابة إذا كان لها ملكتها و استعداد إيجادها فلا تجوز حينئذ لا في الهيئة و لا في المادة و لا في النسبة كما في الأمثلة المشار إليها مثل قول القائل رأيت العسكر و لا حاجة أيضا إلى تجشم بعض محققي السّادة من التزام نقل بعض التراكيب عرفا عمّا كان عليه لغة كما نبّهنا عليه في البحث عن المنقولات العرفية مع ما فيه من الالتزام بالمجاز بلا حقيقة لما في النقل العرفي من سبق الاستعمال المجازي و لك أن تقول إن الكتابة و الخياطة و أمثالهما مشتركة عرفا بين الأفعال المعهودة و ملكاتها تكذيبا لما ادّعاه الفاضل من إباء الطّبع السّليم و يعول في ذلك على جملة من علائم الوضع كعدم صحّة السّلب و تردّد الذّهن عند فقد جميع القرائن بينهما و لعلّه ممّا لا تعرف له منكرا من أهل النظر و أن تقول إنّ إطلاق الكاتب على من له ملكة الكتابة عرفا مبني على التنزيل و المسامحة البالغة حدّ الاشتراك التسامحي مثل ما عرفت في ألفاظ العبادات على مذهب الصّحيحي إلاّ أن القول به في المقام يستلزم المجاز التسامحي بلا حقيقة كما لا يخفى فالأظهر في تصحيح الإطلاقات العرفية على وجه الحقيقة الاعتماد على ما أبدينا

السّابع‏

قد وقع إجماع أهل العربية على عدم دلالة الأسماء مطلقا حتى المشتقات على شي‏ء من الأزمنة الثلاثة و ربما يتوهم أو توهّم منافاته لما عليه إجماع الأصوليين من كون المشتق حقيقة في الذات المتلبّسة بالمبدإ في الحال و إن اختلفوا في الذات المتلبّسة بها في الماضي لأنّ قضيّة إجماع الأصوليين دلالة المشتق على الزمان في الجملة إمّا الحال خاصّة أو الأعمّ منه و من الماضي حتى إن سيّدنا في المفاتيح حاول التوفيق بينهما بحمل إجماع أهل العربية على عدم الدّلالة مطابقة و حمل إجماع الأصوليين على الدّلالة بالالتزام و هو الظّاهر من ما ذكره بعض من تأخر عنه حيث قال إن الزمان خارج عن مدلول المشتق وضعا و قيد لحدثه فالفاعل مثلا إنّما وضع ليطلق على الذات المتصفة بمبدئه الخاص أعني المأخوذ باعتبار زمن الاتصاف أو الأعمّ منه و

179

ما بعده و عندي أنّ دلالة المشتق على زمان الاتصاف و لو التزاما ساقط لأنّ المتفق عليه عند علماء الأصول كون المشتق حقيقة في المتلبّس و أين هذا من الدّلالة على زمان الحال أو الأعمّ و الّذي أوجب هذا الحسبان اشتباه المراد بلفظ الحال في المقام حيث ظن أنّ المراد به الحال الزماني المقابل لأخويه من الماضي و المستقبل مع أنّه من الواضح البديهي أنّ المراد به المعنى المقابل للزّمان نظير ما يراد به عند تقسيم العموم إلى عموم الأزمان و الأحوال فالمراد أن إطلاق المشتق على الذّات المتصفة بالمبدإ حقيقة إجماعا و أمّا في الذات الفاقدة له بعد وجدانه ففيه الخلاف و من هنا يظهر أن ما صرّح به غير واحد من أن الزّمان الّذي يقاس إليه البقاء و الانقضاء هو زمان التلبّس أعني زمان نسبة الحكم المشتمل عليه الكلام ردّا على من زعم أنّ المقيس عليه هو زمان التكلّم مستدرك و إن كان صحيحا بل ربّما يوهم بعض ما يخالف المقصود حيث يتخيل من مثل ذلك دلالة المشتق على الزمان ببعض وجوه الدّلالة و هو واضح الفساد إذ المشتق من حيث الدّلالة على الزّمان و عدمه حاله كحال الجامد فأحسن ما يعبّر به عنوان المسألة هو ما صنعه العلاّمة و العضدي و العميدي و غيرهم و حاصل عنوانات الكلّ هو أنّ المشتق هل هو حقيقة في الذّات الفاني عنه المبدأ لم يختصّ بالذات المتصف به فعلا نعم ربّما يشتبه الحال في المشتق من جهة كون المراد به هو المتلبّس أو المنقضي أو ما يتلبّس بالمبدإ بعد فيشتبه أحدهما بالآخر و يظنّ المستعمل في المتلبّس أنّه مستعمل في المنقضي و هكذا فلا بدّ من الدالّة عليه بنصب علامة (فنقول) إنّ المعتبر في زمان التلبّس هو التلبّس بالمبدإ في زمان النّسبة الموجودة في القضية الملحوظة فإن كان المشتق المستعمل في تلك القضية واجدا للمبدإ في الزمان المذكور كان ذلك استعمالا في المتلبّس و إن كان فاقدا بعد ما كان واجدا كان استعمالا في المنقضي أو مع صيرورته واجدا في المستقبل كان استعمالا فيما سيأتي سواء كان النّسبة تامة أو ناقصة خبرية أو إنشائية على اختلاف أقسامها و أمّا زمان النّطق و التكلّم الّذي زعم شارح الوافية أنّه ظاهر الوافية مطلقا و كثير من [الكلمات‏] العلماء و صريح بعض فلا عبرة به فيدخل في الأوّل أعني المتلبّس مثل أكرمت أو سأكرم قائما إذا كان الاتصاف حال الإكرام لا حال النطق و يدخل في الثاني و الثالث على تقدير العكس بأن يكون الاتصاف حال النّطق لا حال الإكرام فنحو أكرمت قائما يكون من الاستعمال فيما يأتي و نحو سأكرم قائما من قبيل الاستعمال فيما انقضى و أمّا نحو زيد ضارب أمس أو غدا فظاهر أئمة الفنّ كالحاجبي و العضدي و المحقق الشريف و جملة أخرى كثيرة من العامة و الخاصّة أن الأوّل منهما من باب الأوّل و الثاني من ضرب الثالث و لي في ذلك تأمّل لأنّ الزمان في المثالين اعتبر في مدلول ضارب و جي‏ء بالأمس أو الغد قرينة على ذلك فمدلول زيد ضارب أمس أنّه كان بالأمس ضاربا فيدخل في المتلبّس حينئذ كما بيّناه في أكرمت قائما و هكذا مدلول ضارب غدا و كذا الحال لو أريد المضي و الاستقبال بالظّرفين لا بالمشتق فإن الضارب حينئذ مستعمل في المتلبّس من غير أن يكون مجازا إلاّ أنّ الظاهر سقوط هذا الوجه للاتفاق ظاهرا على كون المشتق في المثال الثاني مجازا و هو لا يكون إلا باعتبار الاستقبال في مدلوله و ممّا يدلّ عليه أن لفظ أمس و غد إنما يدلاّن على نفس الزمان و ليسا من الروابط الزمانية فلا يصح استعمالهما في الدّلالة على وقوع النّسبة في الزمان و لذا لا يصحّ أن يقال للخلّ المستحيل خمرا هذا خمر أمس أو غدا و أمّا المشتق فهو على ما حققنا و إن لم يكن دالا على وقوع النّسبة أيضا فضلا عن وقوعها في زمان إلاّ أنّ مشابهته للفعل أوجبت صحّة استعماله في الإخبار بوقوع النّسبة في أحد الأزمنة مجازا

الثامن‏

أنّ استعمال المشتق فيما انقضى و ما يتلبّس يتصوّر على وجوه لا بأس بالإشارة إليها (منها) استعماله فيما انقضى بعلاقة الكون السّابق كما في الجوامد نظير إطلاق الخمر على المسكر بعد انقلابه خلاّ و إطلاق الكلب على الكلب الواقع في المملحة بعد انقلابه ملحا و إنّما يتصوّر هذا النحو من الاستعمال للمشتق على القول باشتراط بقاء المبدإ في صدقه و إلا كان الوجه في الاستعمال هو الوضع للقدر المشترك بين المتلبّس و المنقضي و قد يستعمل على هذا القول بعلاقة العام و الخاص المنطقيّين (و منها) استعماله فيما انقضى باعتبار أخذ الزمان في مفهوم المشتق و جعله كالماضي كما ذكره المحقق القمّي في الحاشية و ممّا ذكرنا آنفا تعرف أنّه ليس من الاستعمال فيما انقضى بل في المتلبّس و إن كان المشتق حينئذ مجازا بملاحظة ما اعتبر فيه من الزمان و أمّا استعماله فيما يتلبّس فيتصوّر أيضا على وجوه (منها) استعماله فيه بأخذ الاستقبال في مفهومه كما ذكره المحقق القمي (رحمه الله) أيضا و الكلام فيه ما عرفت من أنّه استعمال في المتلبّس و إن كان مجازا من جهة اعتبار الزمان في المسمّى (و منها) الاستعمال فيه بعلاقة الأوّل و منها الاستعمال بعلاقة المشارفة و فرق بينهما المحقق القمّي (رحمه الله) في الحاشية ما حاصله أنّ علاقة الأوّل عبارة عن ملاحظة المناسبة بين الذات في الزّمان الأوّل و بينها في الزّمان الثاني لأنّ بين حالات الشي‏ء مناسبة لا محالة توجب انتقال الذهن من إحداهما إلى الأخرى و علاقة المشارفة عبارة عن ملاحظة المناسبة بين الزمانين نفسهما لقرب أحدهما من الآخر و في هذا الفرق نظر لأنّ ملاحظة المناسبة بين الزمانين لا يجدي فيما لا دلالة له على الزمان رأسا كالجوامد و ما ذكره إنما يناسب مثل استعمال المضارع في الحال على القول باختصاصها بالاستقبال و أمّا الأسماء العارية عن الزمان رأسا فلا معنى لإرجاع المناسبة

180

الملحوظة في مجازاتها إلى المناسبة الملحوظة بين الزّمانين فالظّاهر أنّ المجاز بالمشارفة ما كان العلاقة فيه هو الأوّل نعم يمكن الفرق بينهما بإرجاع المشارفة إلى المجاز الادّعائي بتنزيل القوة القريبة منزلة الفعلية

التّاسع‏

أنّ المسألة من دوران الأمر بين الحقيقة و المجاز و الاشتراك المعنوي للاتفاق ظاهرا على اتحاد وضع المشتق و أنّه للمتلبّس أو للأعم و قد ذكرنا في غير موضع منها مسألة الصّحيحي أنّ الأصل اللّفظي في مثل المقام غير مساعد لشي‏ء من القولين فليس للقائل بالاشتراك أن يستند إلى أصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة حين وضع المشتق و لا للقائل بعدم الاشتراك أن يعتمد على أصالة عدم سراية الوضع إلى غير المتلبّس لسقوط كلّ منهما بقول مطلقا أمّا الثاني فواضح و أمّا الأوّل فلأنّ أصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة معارضة بأصالة عدم ملاحظة العموم فيتساقطان و ليس اندراج أحد طرفي الشكّ في الآخر محتاجا إلى مزيد ملاحظة غير الملاحظة المتعلّقة بالمندرج فيه و أمّا الأصل العملي فقد يساعد القول بالاشتراط و المراد به الأخذ بمقتضى الحقيقة في مقام العمل و البناء فيما تعلّق الحكم فيه بالكلّي في قوله جئني بعالم على ثبوت الحكم للمتلبّس حقيقة إمّا لاختصاص الوضع به أو لاندراجه تحت الموضوع له مبني على سقوطه بإتيان ذات لابسة للعلم في زمن المجي‏ء و أمّا غير الأصل من الأمارات فقد اشتهر كما نبّهنا عليه رجحان الاشتراك المعنوي على الحقيقة و المجاز إذا دار الأمر بينهما كما في المقام لأجل الغلبة و قد أسبقنا أيضا في غير موضع خصوصا في البحث عن أصالة الحقيقة أنّ هذه الغلبة لا أصل لها إذ ليس الغالب في كلّ معنيين يكون بينهما جامع قريب أو بعيد أن يكون لفظ مشتركا بينهما معنى و إلا لكان الحقائق الّتي لها مجازات أقلّ ممّا ليس له مجاز مع أنّ اللفظ الّذي لا يتجوّز فيه أصلا نادر أو معدوم بل كلّما تفحّصنا عن ذلك فلم نتمكّن من تحصيل مثال له إلاّ لفظ الجلالة على إشكال فيه أيضا وجه الملازمة أنّ مجازات كلّ لفظ تندرج مع حقيقته تحت جامع لا محالة فهي من الموارد الخارجة عن الغلبة نعم قد أثبتنا فيما مضى موضعين و قلنا فيهما برجحان الاشتراك المعنوي (أحدهما) ما إذا علم كون الملحوظ في وضع اللّفظ الطبيعة لا محالة و شكّ في ملاحظة تقييدها بخصوصيّة فيدفع ملاحظتها بالأصل بلا إشكال بناء على التعويل على الأصول في إثبات الأوضاع مثل لفظ الخمر فإنّه موضوع للخمر [للمخمر] أعني المسكر مع الشكّ في ملاحظة العنبيّة في أصل المسمّى و مثل الغناء فإنّ المعنى الملحوظ في وضعه هو ترجيع الصّوت مع الشكّ في تقييده بالطّرب و كاللّقطة فإنّه اسم لما يلتقط من الأرض مع الشكّ في مدخلية الصّمت و السكوت فيه قيدا و أمّا في مثل الوجوب و الندب فلا مسرح لأصالة عدم ملاحظة الإلزام في مدلول لفظ الأمر حتى يكون مشتركا بينهما معنى للعلم بأنّ الملحوظ في وضع الأمر ليس إلاّ أحد المفهومين من الوجوب أو الرجحان و ليس كونه موضوعا للوجوب مبنيا على ملاحظة زائدة كما لا يخفى (و الثّاني) ما إذا استعمل اللّفظ في القدر المشترك فإنّ الوجه فيه هو البناء على كونه موضوعا و إلاّ لكان من عموم المجاز النادر بخلاف ما إذا لم يستعمل فإن البناء على عدم الوضع فيه لا يستلزم ارتكاب أمر بعيد نادر مضافا إلى استحالة هذا النحو من الوضع عادة أو ندرته لأن الاستعمال في الخصوصيات حينئذ مع كثرتها تكون مجازات بلا حقيقة هذا كلّه بناء على ما ظهر لنا في المسألة من الاتفاق على عدم الاشتراك اللفظي و أمّا على ما زعمه المحقق القمي (رحمه الله) من كون الوضع لخصوص المتلبّس اتفاقيا و إنّما النزاع في وضع آخر للمشتق بإزاء ما يعمّ المتلبّس و المنقضي فمساعدة الأصل للقول بالاشتراط واضحة و الله الهادي‏

إذا تحققت هذه الأمور (فنقول)

الأقوال في المسألة اثنان‏

(أحدهما) الاشتراط و عليه عامة الأشعري كالرازي و الآمدي و الحاجبي و العضدي (و الثاني) العدم و هو مذهب المعتزلة و قدماء العدلية و أمّا متأخرو المتأخرين فقد ساعد أنظارهم على القول الأوّل‏

[الكلام في حجة القائلين بالاشتراط]

و نعم المساعدة و الدّليل عليه التبادر و صحة السلب كما لا يخفى لا يقال ليس المتبادر من أقتل القاتل و أضرب الضّارب و أقطع السّارق و أجلد الزّاني الذوات المتلبّسة بالمبادي حين تحقق الأفعال المذكورة (قلت) نعم لكن المتبادر من مثل قوله أكرم العلماء و أضف الشعراء و أهن الفسّاق و نحوها المتلبس و ليس ذلك إلا لأجل استناد التبادر في الأوّل إلى ما في تلك الأمثلة من القرائن القطعيّة أو الظنية لأنّ القتل لا يراد تعلّقه بالقاتل حين قتله و هكذا الباقي و دعوى مثله في القسم الثاني واهية إذ لا داعي إلى اعتبار العلم حين الإكرام غير التبادر الناشئ من حاق الوضع (و الحاصل) أنّ صرف النظر إلى حاق المشتق مع الإغماض عن التراكيب قاض بصحّة ما قلنا و من هنا غلب استعمال الفاعل المبني من المتعدي في المنقضي لقلّة ما يناسب تعلّقه بالفاعل حين فعله من الأحكام و إن كان أيضا كثيرا مثل قوله رأيت قاتله أصبّ ناصره و نحو ذلك ممّا لا يخفى و ممّا ذكرنا يظهر لك سقوط ما أحدثه بعض من التفصيل الآتي بين المتعدّي و غيره و ربما أورد على صحّة السّلب و حاصله أنّه إن أريد بصحّة السّلب صحّته مطلقا فممنوع و إن أريد صحّته مقيدا بالحال فغير مجد لأنّ علامة المجاز صحّة السّلب المطلق (و أجيب) بأنّ التقييد بالحال في القضية السلبية كقوله هذا ليس بضارب الآن إذا انقضى عنه الضّرب إنما يلاحظ بالقياس إلى السّلب دون المسلوب فالمراد النفي المقيد بالحال لا نفي التقييد و من الواضح أنّ النفي المقيد يستلزم نفي المطلق ضرورة ثبوت الملازمة بين الخاصّ و العام و

181

(أجاب عنه) العضدي بأنّه لو ادعى صدقه على إطلاقه لغة منعناه أو عقلا فلا تنافي و في الحواشي اختلاف في تفسير هذه العبارة و بيان مرادها و حاصل ما ذكره المحقق الشريف و الفاضل الباغنوي في توضيحه هو أنّ الخصم إن ادّعى صدق النفي على الإطلاق لغة يعني صحّة قول هذا ليس بضارب بلا تقييده بالحال إذا كان الضرب منقضيا فهو ممنوع و إن ادعى صحّته عقلا على الإطلاق أي في الجملة فهو مسلّم لثبوت الملازمة بينه و بين السّلب المقيد بالحال لكنه لا يجدي لأنّ دليل المجاز هو الضرب الأوّل من صحّة السّلب لا مطلق السّلب و لو في الجملة (قلت) و عندي أنّ جميع هذه الكلمات و سائر ما أوردوه في المقام من النقض و الإبرام ساقطة لأنّ صحّة السّلب المجازي في الأسماء على نسق واحد فهل يجوز تقييد سلب الإنسان عن الحمار بالحال أو الاستقبال أو غير ذلك و منشؤها هو ما ذكر في أذهان كثير من العوام و الخواصّ من اشتمال المشتق على نسبة المبدإ إلى الذات نسبة ثبوتية خبريّة مضمرة غير مصرّح بها حتى تخيلوا أنّ قولنا يا ضارب يجري مجرى قولنا يا من له الضرب و قولنا يا غير ضارب يجري مجرى قولنا يا من ليس له الضرب فجعلوا سلب الضّارب من الذات بملاحظة الحال و الماضي منقسما إلى ثلاثة مقيد بالحال و مقيد بالماضي و مطلقا محتمل لهما و قد ظهر ممّا مرّ في معنى المشتق فساد هذه الهوسات فجريان صحّة السّلب في المشتق بعد انقضاء المبدإ ليس إلاّ كجريانه في لفظ الماء بعد انقلابه هواء و أنت خبير بكمال فضاحة التقييد بحال أو بغيره من الأزمنة في قولنا مشيرا إلى الهواء هذا ليس بماء في الحال و كيف كان فيرد على العضدي أوّلا أن منع صدق زيد ليس بضارب لغة و عرفا مع انقضاء المبدإ مكابرة محضة و الحوالة في مثله على الوجدان و ثانيا أنّ ما اعترف به من صحّة السّلب مقيدا بالحال يكفينا في إثبات المراد سواء لوحظ التقييد بالقياس إلى السّلب نفسه أو إلى المسلوب لأنّ القائل بعدم اشتراط بقاء المبدإ يدعي صدق ضارب عليه في الماضي و المستقبل و الحال نظير صدق زيد على مسمّاه في جميع أوقات الدّهر كيف لا و هل الدّعوى إلا ذلك و الخطب إلاّ فيه فمن يدعي وضع صيغة فاعل للقدر المشترك بين الذات المتلبّسة و المنقضي عنها المبدأ كيف يرضى بصدق زيد ليس بضارب الآن على من ضرب قبل هذا الكلام نعم يجوز سلب الضّارب عن الذات المنقضي عنها المبدأ إذا قيّدناه بقيد غير الحال كما يجوز إثباته لها بملاحظة قيد آخر فيقال إنّه ليس بضارب بضارب مخصوص أعني المتلبس و ضارب بضارب آخر غيره كما هو الشّأن في جميع أسماء الأجناس المندرجة تحتها الأنواع أو الأصناف فإنّه يجوز سلب اسم الجنس عن كلّ صنف بعد التقييد بصنف آخر و هذا لا يجديه في المقام (ثمّ) إن قضية كلماتهم عدم جواز إثبات مجازية المشتق فيما يتعلّق بصحة السّلب انحصار طريقه في النقل عن الأئمة و إجماعهم لعين ما ذكروه فيما انقضى حذو النعل بالنعل كما لا يخفى على المتدرّب هذا و قد يستدلّ أيضا بما أشار إليه العضدي معارضة لبعض أدلّته النافي الآتي و ارتضاه المحقق القمّي (رحمه الله) أيضا و بيانه على ما في حاشية المحقق الشّريف و الباغنوي هو أنّ صدق الأبيض حقيقة على الجسم بعد عروض البياض له كما يدّعيه النافي للاشتراط ملزوم لمحال و هو اجتماع الضدين و ملزوم المحال محال بيان الملازمة أن صدق الأبيض على الجسم المتحد في الخارج مع مفهوم الأسود لا يكون إلا مع وجود مفهوم أبيض في ذلك الجسم و اتحاده معه في الوجود ضرورة توقف الصّدق الحقيقي على وجود مفهوم اللّفظ في المصداق و من الواضح تضادّ مفهوم أبيض مع مفهوم أسود و استحالة تصادقهما في موضوع واحد في آن واحد و بعبارة أخرى إن مفهوم أبيض بعد عروض السّواد إن كان فانيا كان الصّدق مجازيّا و إلا لزم تصادق المتضادين (قلت) و هذا الاستدلال في غاية السّقوط و نهاية الفساد لأنّ مفهوم أبيض على القول بعدم اشتراط بقاء المبدإ في صدق المشتق ليس مضادا لمفهوم أسود بل النّسبة بينهما على هذا القول نسبة التخالف بطريق العموم من وجه لا نسبة التضادّ كما لا يخفى فالجسم العارض له السّواد بناء على هذا القول مادة لاجتماع المفهومين فلا إشكال‏

[الكلام في حجة القائلين بعدم الاشتراط]

(حجّة القول الآخر) أيضا وجوه (منها) دعوى التبادر و فسادها قد ظهر ممّا مرّ مضافا إلى أنّ المدّعى إن كان تبادر القدر المشترك فمع مصادمته للبديهة ممّا لم أعثر بمدّعيه و إن كان تبادر خصوص المنقضي عنه المبدأ في مثل يا ضارب و يا قاتل أو قتلت قاتله فبعد الغضّ عمّا عرفت آنفا من ظهور استناده إلى قرينة المقام يرد عليه أنّ قضية ذلك وضع المشتق لخصوص المنقضي لظهور عدم تبادر الفرد على تقدير الوضع للكلّي الجامع و هو مدفوع بالإجماع المحقق و الاتفاق المحصّل ظاهرا إذ لم نجد و لا حكي قائل به و إن صرّح المحقق القمي (رحمه الله) بأنّ النزاع في الاشتراك اللّفظي بين المتلبّس خاصّة و القدر الجامع بينه و بين المنقضي (و منها) عدم صحّة السّلب في مثل مضروب و مقتول و منصور و أضرابها و فيه ما عرفت غير مرّة من أنّه متى وقع التعارض بين السّلب و عدمه قدم الأوّل لأنّ باب التسامح و التنزيل في الإثبات أوسع منه في النفي فيعول عليه في الحكم بخروج المورد عن مفهوم اللّفظ هذا على تقدير تسليم عدم صحّة السّلب في بعض الموارد من دون تصرّف في المبدإ و لك أن توجه عدم صحة السّلب في موارده بأن المراد بالمبدإ أمر باق و لو مجازا كما في الصّناعات فيخرج عن موارده حينئذ لأنّ المنقضي إنّما هو المعنى الحدثي لا الملكة (فإن قلت) لا تعارض هنا بين صحّة السّلب و عدمها لأنّ مجرى الأوّل ما بني من المبادي‏

182

اللاّزمة و مجرى الثاني ما بني من المبادي المتعدّية فاللاّزم حينئذ هو القول بالتفصيل بينهما كما اختاره بعض قضاء لحق الأمارتين (قلت) هذا جيد لو كان عدم صحّة السّلب في جميع المشتقات المتعدّية مطّردا و من البيّن أنّه ليس كذلك لجواز سلب المطلوب عمّا انقضى عنه الطلب فلو عوّلنا على عدم صحّة السّلب فلا بدّ من التفصيل في المشتقات المتعدّية أيضا و هو مع وضوح فساده ممّا لم يقل به أحد فتأمل جيّدا (و منها) إجماع النحاة على إطلاق اسم الفاعل على زيد ضارب أمس و منها إجماعهم على صحّة زيد ضارب أمس و الأصل في الإطلاق الحقيقة فلفظ ضارب في المثال و كذا إطلاق اسم الفاعل عليه حقيقة عند النحاة و إجماعهم حجة و فيها بعد الابتناء على أصلين فاسدين من أصالة الحقيقة في الاستعمال و كون إجماع النحاة حجة مع مصادمة لعلائم الوضع و الاستقراء أنّ الأصل المزبور يصار عنها بقرينة إجماعهم في موضع الوفاق أيضا أعني زيد ضارب غدا مع أنّ صدق اسم الفاعل عليه حقيقة مبني على اصطلاح النحاة لأنّ اسم الفاعل عندهم اسم لما هو على زنة فاعل و لو أريد به معنى المفعول فضلا عن غير المتلبّس كما في عيشة راضية كذا عن التفتازاني مع توضيح و تأييد و أنت خبير باستدراك توسيط اصطلاح النحاة في البين لصدق اسم الفاعل حقيقة على مثل زيد ضارب أمس بحسب اللّغة أيضا إذ المراد بضارب في المثال هو مباشر الضرب في الماضي مجازا و كونه مجازا لا ينافي كونه فاعلا حقيقة كما لو استعمل صيغة افعل في الوجوب فإنّه مصداق حينئذ لمادة الأمر و لو على القول بكونها للنّدب اللّهمّ إلاّ أن يتعلّق بظهور لفظ اسم في كون لفظ ضارب اسم فاعل حقيقة في المثال المذكور فيحتاج إلى المقدمة المتوسّطة و فيه منع ظهور لفظ الاسم هنا في ذلك و إن كان ظاهرا في الحقيقة لأنّ التجوز في ضارب أمس اتفاقي و لو من جهة اعتبار الزمان في مفهومه فهذا قرينة على أن لفظ اسم أطلق فيه على المجاز دون الحقيقة و يدفعه أن قضية ما ذكر كون المستعمل فيه لفظا مجازيا لا كون المستعمل مجازا فافهم (فالتّحقيق) في الجواب أنّ المراد بضارب أمس هو الذات المتلبّس بالضرب في الزمان الماضي و هذا عين الاستعمال في حال التلبّس كما أشرنا إليه سابقا حيث ذكرنا أن المناط في صدق المشتق حقيقة هو تلبس الذات بالمبتدإ في زمان النّسبة لا في زمان التكلّم (و منها) و هو العمدة في الباب استدلال الإمام (عليه السلام) تأسّيا بالنبي (صلى اللَّه عليه و آله) في غير واحد من الأخبار بقوله تعالى‏ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا بمنصب الإمامة و الخلافة مريدين به التعريض على الثلاثة و التنبيه على جورهم في الخلافة الظّاهرية لأن دلالة الآية على ذلك تتوقف على كون المشتق و هو الظّالم موضوعا للأعمّ من المتلبّس كما لا يخفى (و أجاب عنها) سيّدنا في المفاتيح بضعف السّند و الدلالة و لعلّ ضعف السّند هنا غير قادح للاطمئنان بصدورها بشهادة ما فيها من المضامين الناطقة بالحق الشاهدة بالصّدق مع تجاوزها عن حدّ الاثنين و أما ضعف الدلالة فوجهه على ما نبه عليه بعض المحققين أنّ غاية ما ثبت منها إطلاق الظّالم في الآية و إرادة ما يعمّ المتلبّس و المنقضي و الإطلاق أعمّ من الحقيقة (قلت) ليس المقام من هذا الباب لأنّ مساق هذه الأخبار إرادة الإمام (عليه السلام) الاستدلال و الاستشهاد بالآية فلا بدّ أن يكون الاستدلال جاريا على قانون اللّغة و هو لا يكون إلاّ على تقدير صدق المشتق حقيقة مع انقضاء المبدإ أو اقتران الآية بقرينة واضحة على إرادة ما يعمّ المتلبّس و المنقضي من لفظ الظالم مجازا و سياق الاستدلال آب عن الاحتمال الثاني كما لا يخفى على العارف بالأساليب و بيّن شيخنا الأستاذ دام ظلّه وجه الضّعف بأنّ المراد بالعهد إمّا الإمامة الفعلية و هي الرئاسة العامة بعد انقضاء النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الجعل أو التقرير الثابتين في علمه و قضائه قبل خلق العالم فإن كان الأوّل تعيّن حمل الظّالم في الآية على ما يعمّ المتلبّس و المنقضي و لو مجازا لأنّ مساق الآية بيان تعظيم منصب الإمامة و ذكر شرفها و عظم خطرها و رفعة محلّها و جلالة قدرها و كرامتها عند اللّه تعالى و لا يجامع ذلك كون المراد به خصوص المتلبس بالظّلم في زمان تلك الرّئاسة بأن يكون شرط الإمامة الفعلية عدم الظلم بكفر و نحوه في حينها و لو مع الظّلم قبلها بساعة أو دقيقة لأنّ جميع المناصب الشرعيّة و ما يشبهها

كالإمامة و الشهادة مشروطة بعدم الظلم في حينها فلا مزيّة حينئذ للإمامة الّتي هي صنو النبوة على غيرها و إن كان الثاني كان المعنى أنّي ما قدرت و جعلت الإمامة للظالم فمن سبق في علم اللّه تعالى ظلمه في دار وجوده فهو خارج عن عهد الإمامة سواء تاب بعد ظلمه أم لا إذ التوبة إنما تجدي إذا كانت سابقة على التقدير لا مسبوقة به فتدبّر (قلت) و على هذا يكون المراد بالظّالم المتلبس لا الأعم لأنّ التلبس بالظّلم في زمن التقدير الّذي هو زمن الإطلاق عبارة عمّن تعلّق علم اللّه تعالى بظلمه بعد وجوده فتسقط الآية عن الدّلالة على وضع المشتق للأعمّ لكن لا بدّ حينئذ من جعل قوله و لا ينال بمعنى الماضي ليكون المعنى ما نال عهدي أي تشريعي و جعلي للإمامة الظّالمين في علمي إلاّ أن يقال إن الآية بهذا الوجه لا تدلّ على منع الكفر السّابق عن الإمامة لأنّ الحكم يدور مدار الموضوع فينقلب بانقلابه فعدم تقدير اللَّه تعالى إمامة للظّالم لا يقتضي عدمها مع تبدل الكفر بالإسلام مع صيرورته موضوعا آخر و من ذلك يظهر سقوط ما ذكر من عدم فائدة للتوبة بعد كون الشخص في برهة من الزمان ظالما لعدم تعلّق مشية اللّه تعالى بإمامة الظّالم مطلقا وجه السّقوط أن الممتنع إنّما هو تغير المشية و التقدير بالتوبة و أمّا

183

تغيير الموضوع بسببها الموجب لاختلاف الحكم فهو أمر لازم للتوبة لا ممتنع فالأولى في الجواب عن هذه الأخبار التعويل على الوجه الأول أعني شهادة المساق بكون المراد بالظّالم الأعمّ و لك أن تجيب أيضا بأنّ الظلم من المبادي السّيالة و قد عرفت أن كون المبدإ كذلك قرينة لازمة على إرادة المعنى العامّ بالهيئة و دعوى أنّ المراد بالظّلم هنا هو الكفر بشهادة استدلال الإمام (عليه السلام) يمكن دفعها بإرجاع الاستدلال إلى الفحوى لا المنطوق هذا ثم إنّ في المسألة تفاصيل حادثة غير معروف بين الأكثر و لذا طوينا الكلام عنها كشحا فاقتصرنا تبعا لغير واحد على القول بالنفي و الإثبات المطلقين فلا نطيل بذكرها مع وضوح فسادها لمن تأمّل في ما ذكرنا غير التفصيل بين المحكوم عليه و المحكوم به باختيار عدم الاشتراط في الأوّل مستدلاّ بآيتي الزّنا و السّرقة و الاشتراط في الثاني للأدلّة المتقدّمة و وجه الاستدلال بالآيتين هو أن ثبوت حكم الزنا و السّرقة بعد انقضاء الفعل من جملة الضّروريّات و لا مستند له سوى الآيتين فلو لا عدم اشتراط البقاء في المحكوم عليه لكان الاستناد إليهما محتاجا إلى القرينة و هي مفقودة في الآيتين و احتمال استفادته من الخارج مناف لظاهرهم من الاستناد إلى نفس الآيتين و أورد عليه المحقق القمّي (رحمه الله) بوجوه واضحة الفساد في أنظارنا القاصرة فلعلّها عثرات نشأت من طغيان القلم فإن مفاسدها ممّا يضيق عن الإحاطة بها نطاق الرّقم و كيف لا و من جملتها ما ذكره أخيرا بانيا له على التحقيق في الزمان المبحوث عنه في المقام من ثبوت حكم الجلد و القطع لمن انقضى عنه زمان الزنا و السّرقة بحكم الاستصحاب لا الآية و قضية ذلك كون القطع و الجلد من الأحكام الظّاهريّة الثابتة بالأصول و هو كما ترى و اللّه الهادي (و التّحقيق في الجواب) بعد ما عرفت من أن كون المبدإ من المصادر السّيالة قرينة عامة على تعلّق الحكم بالذات بعد الانقضاء هو أنّ الآيتين مسوقتان لبيان ما يستحقه الزاني و السّارق بفعلهما من الحدّ فمعنى آية الزّنا أنّ الزاني يستحق مائة جلدة و كذا آية السّارق و لا شبهة في أن المراد به هو المتلبّس و لا ضير فيه إذ لا يلزم من حدوث الاستحقاق حال التلبّس زواله بانقضائه بل الحكم باق إلى أن يجي‏ء المسقط و يمكن إرجاع مقالة المحقق القمّي (رحمه الله) إلى ذلك (و توضيح المرام) أنّه حصل للمستدلّ خلط بين زمان النّسبة الّتي يعتبر بقاء المبدإ فيها و بين زمان الجلد فزعم أنّ زمان النّسبة هو زمان الجلد فبنى على أن المشتق و هو الزاني مستعمل فيما انقضى لأنّ الجلد لا يثبت للزاني في حال الاشتغال و لو بعد فراقه و هو فاسد لأنّ الزمان المعتبر بقاء المشتق فيه هو زمان تعلّق الحكم و هو الوجوب على الزاني و لا ريب في أنّ الحكم إنّما يتعلّق به في حال الاشتغال و التلبّس بالزنا فالتقييد بحال الاشتغال إنما يرجع إلى زمان الحكم دون الجلد فالمعنى أنّه تعلّق على الزاني فيحال الاشتغال وجوب الجلد المطلق و لا منافات بين إطلاق الجلد أو تخصيصه بحال الانقضاء و بين تخصيص الوجوب بحال التلبّس (ثمّ) إنّ هذا القائل إن كان يدّعي اختلاف وضع المشتق باختلاف الحكم عليه و به فهو كلام لا ينبغي أن يصدر أو يدعي اختلاف المراد باختلاف الحالين و أنّ الحكم عليه قرينة على إرادة الأعمّ فهو جيّد على ما اعترف به المحقق القمّي (رحمه الله) لكن فيه أن اختلاف الحالين على تقدير صحّته قضية غالبيّة لإمكان إرادة خصوص المتلبّس من المحكوم عليه أيضا في موارد شتّى لا يخفى على الفطن المتدرّب و اللّه الهادي‏

الموضع الرّابع من مواضع الكلام في المبادي اللّغويّة في الموضوع له و فيه مسائل‏

بديعة [الكلام في أن الألفاظ موضوعة للمعاني الخارجية أو للصور الذهنية]

اختلفوا في أنّ الألفاظ هل هي وضعت للمعاني الخارجية أو للصّور الذّهنية إلى أقوال (ثالثها) الفرق بين الجزئي فالأوّل و الكلّي فالثاني (و رابعها) الوضع للمعاني المهملة المعرّاة عن لحاظ تحصيلها في الخارج أو الذهن و هذا هو الأقوى في النظر (و اعلم) أنّ بعض المحققين نقل لهذه المسألة ثمرات و زيفها (منها) أنّه لو قيل بوضع الألفاظ للمعاني الذّهنية توقف أداء المكلف به على العلم به فلو أمر بإتيان شاة فلا بدّ في صدق الإتيان بها التفاته إلى مفهوم الشاة ثم الإتيان بما يعتقد اندراجه تحت هذا المفهوم و أورد عليه (أوّلا) بأنّ حضور المعنى غير العلم بوضع اللّفظ بإزائه فإذا أتى بشاة عالما بكونها شاة فقد أتى بما وضع اللّفظ بإزائه و إن لم يعلم بالوضع له و كذا لو أتى بالمصداق معتقدا خلافه أو شاكّا في كونه مصداقا مع علمه بما كلّف به لصدق إتيانه بتلك الطبيعة المعلومة و إن لم يكن اندراج ذلك المصداق فيها معلوما له حين الإتيان نعم لو كان غافلا عن الطبيعة الّتي كلّف بإتيانها غالطا في المصداق أيضا احتمل عدم تحقق الامتثال على الوجه المذكور (و ثانيا) أنّ الحضور المأخوذ في المكلّف به بناء على الوجه المذكور هو الحضور عند المستعمل دون المكلّف فإذا أتى بالطّبيعة الحاضرة عنده تحقق الإتيان سواء كان المكلّف عالما بالحال أو لا (أقول) الظاهر أنّ الإيراد الأوّل مبني على حمل الثمرة على غير وجهها إذ المراد بها أن تعلّق التكليف بالماهيّات الذهنية كما هو قضية القول بوضع الألفاظ لها يقتضي توقف الامتثال بها على إحضارها في الذهن و الالتفات إليها حين الإتيان بالمصداق إذ الأمر بالمقيد أمر بالقيد فالأمر بالمفهوم الذهني يقتضي الإتيان بمصداقه حال كونه حاضرا في الذهن قضاء لوظيفة الذهنية لأن إتيان كلّ شي‏ء بحسبه فالإتيان بالمقيد و هو المفهوم يتوقف على إتيان المصداق و الإتيان بالقيد أعني كونه ذهنيا يقتضي الإحضار الذهني‏

184

و عدم سقوط التكليف بدون عروض صفة الذّهنية لذلك المفهوم و ما ذكره المورد من كفاية تصوّر مفهوم الشاة و عدم لزوم العلم بالوضع له أجنبيّ عن المقام إذ الكلام مفروض في كيفية الامتثال بعد الفراغ عن علم المكلّف بالوضع و أنّه لا بدّ من إحضار الماهيّة المأمور بها في الذهن زيادة على إتيان المصداق الخارجي فلا يجزي مجرّد الإتيان بالمصداق فضلا عن صورة اعتقاد الخلاف نعم لو كان ملتفتا إلى المفهوم المأمور به حين الإتيان بمصداقه كفي ذلك في الامتثال و لو كان شاكا في كونه مصداقا فالتّسوية بين اعتقاد الخلاف و بين الشكّ في الانطباق كما فعله المورد أيضا ساقطة ثم إنّ ما ذكره بقوله نعم إلى آخره بظاهره على وجه لا يرجع إلى صورة اعتقاد الخلاف التي ذكرها قبل غير مستقيم تركناه احتمالا لغلط النّسخة (و أمّا الإيراد الثاني) فيمكن المناقشة فيه بأن كون المدار في الحضور المأخوذ في المكلّف به بناء على الوجه المذكور على الحضور عند المستعمل تحكّم واضح بل الظّاهر أنّ المدار فيه على الحضور المأخوذ في الموضوع له و هو إمّا الحضور عند الواضع أو عند من يتعلّق له غرض بمدلول اللّفظ فالصّواب في إبطال الثمرة هو أنّ اعتبار الحضور الذهني في مداليل الألفاظ لا يقتضي بتعلق التكاليف بها على ذهنيتها إذ التكليف إنّما يتعلّق بنفس الماهية و لو كان الملحوظ في حال الوضع الماهية الحاضرة في الذهن بوصف الحضور الذهني و مقتضى ذلك إجزاء الإتيان بالماهية مع الذهول عنها رأسا إلا أن يقوم دليل على اشتراط سقوط التكليف بالالتفات و منها الاكتفاء بأداء الأذكار الموظّفة و غيرها بتخيلها بناء على القول المذكور حتى فيما لو كان دليله مثل قوله من ذكر أو قال لأنّ الذكر و القول أيضا ألفاظ و المفروض وضعها للصّور الذهنية (و منها) جواز النظر إلى المرأة الأجنبية في الخارج بناء على القول المذكور لعدم وضع لفظ المرأة المنهي عن النظر إليها بإزاء حقيقتها الخارجية بل بإزاء صورتها الذّهنية فيحرم تخيّلها لأنّ النظر إلى الصّورة الذّهنية بوصف الذهنية لا يكون إلاّ بالتّخيل و الجواب عنها ما عرفت من أن مقام التكليف قرينة شرعا بل عقلا على توجيهه إلى تلك الصّورة من حيث كونها مرآتا للواقع لا من حيث أنفسها و ليس فيه ارتكاب تجوّز لا في اللّفظ الدّال على التكليف و لا في لفظ المكلّف به كما توهّم (و منها) دوران حصول الامتثال مدار انطباق المأتي به على المأمور به بحسب اعتقاد المستعمل أو المكلّف على الوجهين فيما هو المناط من الحضور المعتبر في المكلّف [التكليف‏] لا بحسب الواقع على القول المذكور (و أجاب عنه المحقق) المذكور بأنّه مبني على الخلط بين هذه المسألة و مسألة أخذ الاعتقاد في مداليل الألفاظ مع أن النّسبة بينهما قائلا و مقولا عموم من وجه بجريان كلّ من القولين في المسألة الثانية على كلّ من القولين في المسألة الأولى فللقائل بوضع الألفاظ للصّور الذهنية أن يقول باعتبار الاعتقاد في مدلول اللّفظ زيادة على اعتبار الحضور الذهني و أن يقول بعدم الاعتبار و كذا القائل بوضعها للمعاني الخارجيّة (أقول) الظّاهر أن ما زعمه من جريان القولين في مسألة الاعتقاد على القول بوضع الألفاظ للصّور الذهنية ساقط لأنا لا نتعقل ذلك إلا بملاحظة الاعتقاد بناء على القول المذكور بالنّسبة إلى وضع اللّفظ بإزاء تلك الصّور بأن يدّعى أن لفظ الإنسان مثلا موضوع لمفهوم الإنسان الحاضر في الذهن من حيث حضوره فيه مع اعتقاد وضع لفظ الإنسان لذلك المفهوم إذ لا نسبة هنا تكون معرضة للاعتقاد غير النسبة الملحوظة بين الوضع و الموضوع له و من البين أن اعتبار الاعتقاد بالمعنى المذكور في الموضوع له أمر مستحيل لكونه دورا واضحا للمتأمل فالظّاهر على ما سننبه عليه و يستفاد من أدلّة القائلين بوضع اللّفظ للمعاني المعلومة أن الخلاف في ذلك إنما هو بين القائلين بوضع الألفاظ للمعاني الخارجية و هم الأكثرون فذهب بعضهم إلى أنّ مداليل الألفاظ ليست هي مجرّد المعاني الواقعية أو الخارجية بل المعاني المعلومة احترازا عن المعاني الواقعية المجهولة فالقول باعتبار العلم أو الاعتقاد في مدلول اللّفظ أخصّ من القول بوضعه للمعنى الخارجي أو الواقعي و ليس أعمّ كما توهّم حتى يكون المعنى الاعتقادي بالاعتقاد المخالف للواقع مندرجا تحت الموضوع له عند القائل باعتبار الاعتقاد في المدلول نعم الظاهر أن ذلك هو محصّل القول بوضع الألفاظ للمعاني الذهنية كما يفصح عن ذلك دليله الّذي استدل به في التهذيب و المنية من دوران النسبة مدار الصّور الذهنية كما يأتي توضيحه فالحق أنّ هذه الثمرة جيّدة لأنّ قضيّة القول بوضع اللّفظ للمفهوم الحاضر في الذهن مع قطع النظر عن الواقع دوران سقوط التكليف مدار الإتيان بشي‏ء

منطبق على ذلك المفهوم في نظر الآتي لا في نفس الأمر اللّهمّ إلا أن يتعلّق في إبطالها بما ذكرنا أيضا من أنّ التكليف بل مطلق الأحكام إنّما تعلّق بالمفاهيم الذهنية من حيث كونها مرآتا للواقع و لو لم تكن هذه الحيثية ملحوظة في مقام الوضع‏

[الكلام في بيان الدليل على المذهب المختار]

(و من الواضح) أنّ وظيفة المرآت عدم كونها طرفا للنّسبة رأسا و اختصاص الحكم بما هي جعلت مرآتا له و هو المرئي فالتكليف بها إنّما ينصرف إلى المعاني الواقعية خاصة فيتوقف سقوط التكليف حينئذ على إتيان المرئي الواقعي دون الاعتقادي و اللَّه الهادي هذا و لنا على ما اخترنا من عراء الموضوع له عن سائر القيود حتى قيد الذهن و الخارج مساعدة عمدة علائم الوضع من التبادر و عدم صحّة السّلب و صحّة التقسيم و صلاحية الحكم عليها بالوجود الخارجي تارة و الذهني أخرى على حدّ الحكم عليها بسائر ما يجري عليها من العوارض و الأحوالات الخارجية و الذهنية فإنّ‏

185

الحكم على التمر بالوجود في قول القائل التمر الموجود على نهج الحكم عليه بالحلاوة في قوله التمر حلو و هكذا مع سائر الأمثلة من غير لزوم مجازا و ارتكاب خلاف ظاهر فلو صحّ القول باعتبار الوجود الخارجي في مداليل الألفاظ كان قوله التمر موجود مبنيا على نحو من التجريد في لفظ التمر و إلاّ لكان من حمل الشي‏ء على نفسه و أدّى إلى انقلاب القضايا الممكنة ضرورية و هكذا الكلام بالقياس إلى الوجود الذهني و لا يذهب عليك ما اخترنا من عدم اعتبار شي‏ء من الوجودين في المدلول ليس اعتبارا لعدمهما لأنا نجد صحّة الحكم عليهما بالعدم أيضا فيكون كلّ من الوجود و العدم من الأحوالات العارضة في ظرف الحمل الملحوظ في القضية (و من عجائب) الدّعاوي في المقام ما زعمه بعض المحققين الأعلام من أنّ المنساق المتبادر من الألفاظ هي المفاهيم من حيث وجودها اللاّئق بحالها دون الماهية نفسها و انتهض بذلك على ما اختاره في المسألة من الوضع للأمور الخارجيّة و أنت خبير بأنّ القول بذلك يوجب الالتزام بعدول الذهن في مثل قولك الإنسان معدوم عمّا انتقل إليه من موضوع القضية بملاحظة محمولها مضافا إلى ما ستقف عليه من بطلان الحجج المعول عليها في إثبات هذا القول هذا (و اعلم) أنّ عدم صحّة السّلب في المقام إنما يلاحظ في الحمل الذاتي و أمّا في الحمل المتعارف بأن يلاحظ بالقياس إلى الصّور الذهنية أو المعاني الخارجية نظير عدم صحّة سلب الإنسان عن البليد فالظّاهر أنّه غير صحيح لأنّ الماهية الذهنية و الماهية الخارجيّة ليستا فردين من المفهوم الكلّي حتّى يكون صدقه عليهما صدق الكلّي على فرده بل الذهن و الخارج اعتباران من الاعتبارات اللاّحقة للمهيّة من غير أن تكون منوعة ألا ترى أن الماهية بملاحظة لحاظ اللاّحظين و ذهن الذاهنين لا تعدّ كلّيا صادقا على كثيرين و إلاّ لكان مفهوم زيد كليّا

حجّة القول بوضعها للصّور الذّهنيّة

ما أشار إليه في التهذيب من دوران التسمية مدار الصّور فإنّك إذا رأيت شبحا فظنّت أنّه إنسان سمّيته بالإنسان و إذا زال الظنّ و اعتقدت أنّه شجر سمّيته بالشجر فلو لا دوران التّسمية مدار الصّور كانت إحدى التّسميتين مجازا مع أنّهما حقيقتان بالضّرورة و الجواب أنّ إطلاق لفظ الحجر و الإنسان على الشّبح من باب إطلاق الكلّي على الفرد فالمستعمل فيه هو المفهوم الكلّي المعرّى عن الذّهن و الخارج و إنّما أطلقا على الشبح لأجل اعتقاد المستعمل كونه مصداقا لأحدهما تارة و للآخر أخرى فعلى المختار من وضع الألفاظ للمعاني المطلقة لا يلزم التجوز في شي‏ء من التّسميتين و إنما الغلط و الاشتباه في اعتقاد المستعمل كون الشبح مصداقا لمدلول اللفظ و هو أمر آخر خارج لا يرجع إلى المفهوم الّذي استعمل فيه اللّفظ و هكذا القول بناء على القول بوضعها للأمور الخارجية هذا إذا لم يرد الخصوصيّة من نفس اللّفظ و إلاّ كان كلّ من الإطلاقين مجازا بناء على المختار و بناء على القول بوضعه للأمور الخارجية يكون المجاز خصوص الإطلاق الغير المطابق للواقع فتأمّل و ربما أجيب عن الحجة بوجوه أخر مزيّفة و الصّواب ما ذكرنا

حجة القول بوضعها للأمور الخارجيّة

أنّ المتبادر من قول القائل أكلت الخبز و شربت الماء و اشتريت العبد و هكذا هي الأمور الخارجية كما هو ظاهر من ملاحظة الخطابات العرفية فلو كانت هي الموضوع لها فهو و إلاّ لزم أن تكون تلك الاستعمالات مجازات من جهة مشاكلة تلك الأمور الخارجية لصورها الذهنية و بطلانه ضروري و ضعف هذه الحجّة واضح يظهر بأدنى تأمّل (و اعلم) أنّ الظاهر المتبادر من القول المذكور و دليله هو اعتبار الوجود في الموضوع له شطرا أو شرطا و ذكر بعض المحققين لهذا القول احتمالين مقابلين لهذين الاحتمالين و اختار الاحتمال الرابع (أحدهما) أن يقال بوضعها للمفاهيم باعتبار وجودها الخارجي من حيث تحققها كذلك سواء كان موجودا في الخارج أم لا و ثانيهما أن يراد بذلك وضعها للمفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها في الواقع سواء كان من شأن مصاديقها أن تكون خارجية أو ذهنية أو أعمّ منهما و لو كان تقديريّا كما في الممتنعات أو لم يكن تقديريا إلاّ بنحو من الاعتبار كاللاّ شي‏ء و اللاّ موجود المطلق و نحوهما فكونها خارجية باعتبار مقابلتها للصّور الذهنية و خروجها عن الإدراكات المفروضة و إن كانت مدركات للعقل على فرض تصوّرها و استدلّ على ذلك بوجوه لا يفي شي‏ء منها بتمام المقصود إلاّ ما زعمه من المتبادر لأنّ مفاد الباقي بطلان اعتبار الوجودين في الموضوع له و أمّا بطلان كون الموضوع له هي الماهيّة المطلقة فلا (قال) إن المتبادر من الألفاظ عند التجرّد عن القرائن هو ذلك إذ لا ينساق منها إلى الذهن إلاّ نفس المفاهيم على النحو المذكور يعني من حيث كونها عنوانا و حاكية عن المصاديق (قلت) و يرد عليه بعد المساعدة على مغايرة هذا المعنى و المعنى السّابق للقول باعتبار الوجود الخارجي في المدلول شطرا أو شرطا (أولا) أنّ دعوى تبادر الحيثية المزبورة ممنوعة في كثير من الألفاظ الّتي لم تجر العادة بوجود مدلولها في الخارج أو مع الشك فيه إذ المتبادر من اللّفظ حينئذ هو ما ادّعينا أعني الماهية المطلقة من غير حكاية عن المصداق و التفصيل بين هذا القسم من الألفاظ و الألفاظ الّتي جرت العادة بوجود مصاديق معانيها في الخارج لا يرجع إلى محصّل بعد استناد الحكاية عن المصاديق في القسم الثاني إلى جريان العادة (و ثانيا) أنّ حكاية المفاهيم عن المصاديق الخارجية و كونها مرآتا لها

186

من الأمور اللاّزمة لها نظير الزوجيّة بالقياس إلى الماهيّة و هذا التبادر لا يقضي بملاحظة الواضع حيثيّة العنوان في الموضوع له لأنّا لو علمنا بعدم اعتباره لها فيه أو باعتبار العدم انتقل أذهاننا أيضا من الألفاظ إلى معانيها مقرونة بصفة الحكاية لأنّ الانتقال إلى اللّوازم عقلي يستحيل انفكاكه عن الملزوم مع أنّ إبداء هذا الاحتمال في مداليل الألفاظ هو لا ينبغي نسبته إلى الواضع الحكيم إذ الغرض من إحداث الأوضاع الفهم و التفهيم فاعتبار شي‏ء في الموضوع له من غير أن يترتب عليه ذلك الغرض لا ينبغي صدوره من الواضع و من البين أنّ ملاحظته لحيثيّة الحكاية عن المصاديق و عدمها سيّان في استفادتها من اللّفظ و انفهامها منه كما عرفت‏

حجّة القول بالتّفصيل بين الجزئي و الكلّي‏

أنّه لا يصحّ القول بوضع الألفاظ الموضوعة للمعاني الجزئية كالأعلام بإزاء نفس الماهية إذ ليس هناك مع قطع النظر عن الوجودين ماهيّة غير ماهية الإنسان يتحصّل بانضمامها ماهية الشخص بل هويّات الأشخاص ماهيّات كليّة ينتزعها العقل من الموجودات الخارجية فشخصيّتها و جزئيتها إنّما هو بانضمام الوجود إليها من غير حاجة إلى انضمام أمر آخر و فيه وفاقا لغير واحد من أفاضل المحققين نقلا و تحصيلا أنّ المفاهيم بنفسها تنقسم إلى جزئي و كلّي من غير ملاحظة الوجود الخارجي لأن امتناع الصّدق على الكثيرين قد تحصل من ملاحظة تعيّنات المفاهيم بالفصول المنوعة و الخصوصيّات المصنّفة و المشخّصات المفردة (و الحاصل) أنّ امتناع الصّدق على الكثيرين و إن لم يحصل من ضمّ المفاهيم بعضها مع بعض من دون عروض الوجود لها إلا أنّ نفس العارض خارج عن حقائق تلك المفاهيم الموجودة فبعد وجود الماهيّة يعرض لها صفة الامتناع على حدّ عروض الوجود لها فالماهية تتصف بامتناع الصّدق على الكثيرين في حال الوجود لا بشرطه و حاصله أنّ العقل إذا نظر إلى موجود خارجي انتزع منه مفهوما يستحيل صدقه على موجود آخر و هذا معنى خروج الوجود عن مفهوم الجزئي فتدبّر و يدلّ عليه مضافا إلى عدم الدّليل على اعتبار الوجود في مداليلها ما مرّ من الحكم عليها تارة بالوجود و أخرى بالعدم مع بعد الالتزام بالتجوّز في الثاني كما في قولك زيد معدوم نعم لما كان المعنى الجزئي لا يتعلّق به غرض إلاّ بعد وجوده فلا جرم جرت العادة على تأخّر الوضع عن الوجود حتى صار منشأ لتوهّم دخول نفس الوجود الخارجي في المسمّى و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بأن الأصيل في الخارج هي الماهية أو الوجود و اللّه الهادي‏

بديعة [الكلام في أن العلم غير داخلة في الموضوع له‏]

نقل بعض الفضلاء ممّن قاربنا عصره عن جماعة ممّن لا تحقيق لهم القول بدخول العلم في مدلولات الألفاظ و ظاهر الحكاية مع مساعدة الاعتبار كون هذا القول أخصّ من القول بوضعها للأمور الخارجية فلا يجري على القول بوضعها للمفاهيم الذّهنية و قد صرّح بعض المحققين بجريانه على القولين كما مرّ و قد عرفت ما فيه و أنّه على القول المذكور لا شي‏ء يتعلّق به العلم و الجهل (فنقول) إنّ اعتبار العلم في مداليل الألفاظ إن رجع إلى القول المذكور فقد ظهر فساده و إن رجع إلى ما قلنا من اعتبار الواقع و العلم معا احترازا عن المعنى الخارجي المجهول كان مطالبا بالدّليل مع أنّ المتبادر خلافه مطلقا ثم إنّ الفاضل المذكور اقتصر على نقل القول و لم ينقل عنهم دليلا على ذلك نعم ذكر عليه دليلا تخريجيا حاصله أن المتبادر من قول المخبر بطهارة شي‏ء و نجاسته هو الإخبار عن معلوم ذلك الشي‏ء معلوم النجاسة فقوله هذا الماء طاهر أنّ الشي‏ء المعلوم كونه ماء معلوم كونه طاهرا فالمنساق من الماء و الطّاهر هو المعلومان (فأجاب عنه) بعد الإذعان بالتبادر بما جعله من تحقيقاته و هو أنّ الألفاظ و إن كانت موضوعة للمعاني النفس الأمريّة و لكنّه إذا علّق حكم على لفظ فإمّا أن يكون هذا الحكم أيضا أمرا نفس أمري غير مطلوب من شخص كما إذا قيل الفاسق معذّب في النّار أو يكون ممّا تعلّق به الطلب كما إذا قيل تبيّنوا في خبر الفاسق و لا شكّ أنّ المراد في الأوّل هو المدلول النّفس الأمري و الحكم فيه مطلق بالنّسبة إلى العلم و أمّا في الثاني فذلك غير ممكن لأنّه مطلوب من شخص آخر و لا يمكن طلب معلّق على شي‏ء من شخص مع قطع النظر عن علمه فالفاسق و إن كان بحسب وضعه موضوعا لمن ثبت له صفة الفسق في الواقع سواء علم المخاطب ثبوته أو عدمه أو جهل الحال و لكن إذا علّق عليه التبيّن المأمور به فلا يمكن إبقاؤه على إطلاقه و إلاّ لكان المعنى تبيّن في خبر من ثبت له الفسق سواء علمت ثبوته أو عدمه أو جهلت الحال و هذا تكليف بما لا يعلم بل مستلزم لعدم كون الحكم معلّقا على هذه الصّفة و ما قيل من أنّه لو كان كذلك لم يجب الفحص و التفتيش فيه إن اعتبار العلم لا ينافي وجوبهما لأنّه مقيد بالعلم الحاصل بهما فالمعنى إن جاءكم من علمتم فسقه بعد الفحص و لو تنزّلنا عن ذلك و أبقينا اللّفظ على مقتضى وضعه نقول لا شكّ في أنّ التكليف مشروط بالعلم فيكون المعنى تبيّنوا في خبر من له صفة الفسق في الواقع بشرط علمكم به و مع التنزّل عنه نقول إن اعتبار العلم في التكليف تعليقه على أمر واقعي فما لم يعلم ينفي التكليف بالأصل و قد يقال بعدم اعتبار العلم في التكليفات أيضا استنادا إلى أنّ اعتباره موجب لكون الامتثال موقوفا عليه و لا يتوقف لإمكان الامتثال بفعل جميع ما وقع فيه الاشتباه أو تركه فيجب لوجوب ما لا يتمّ‏

187

الواجب إلاّ به و من ثم ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الاجتناب عن الشّبهة و فيه (أوّلا) أنّه مختصّ بالاشتباه بين الأمور المعيّنة و لا يجري في غيره (و ثانيا) أنّه أيضا يتوقف على العلم بحصر المأمور به في أشياء و إن لم يعلم بعينه و نحن لا نقول باشتراط العلم من جميع الوجوه انتهى كلامه رفع مقامه (قلت) و في هذه الكلمات ما لا يخفى من الغرائب (أمّا أوّلا) فلأنّ التحقيق كما اعترف به (قدّس سرّه) في موضع آخر عدم اعتبار العلم في مداليل الألفاظ مطلقا لا في مقام الوضع و لا في مقام الإخبار و لا في مقام التكليف كيف و القول به مستلزم للتصويب و لتوقف سقوط التّكاليف مطلقا على العلم و الشّعور بعنوان المأمور به و لغير ذلك من الأباطيل الّتي لا يرضى بقولها أهل الحقّ بل العلم طريق إلى الواقع لا يفيد في الألفاظ الموضوعة بإزائه تقييدا رأسا و هو واضح (و أمّا ثانيا) فلأنّ ما جعله من باب التكليف أعني قوله تبيّنوا في خبر الفاسق قسم من الإخبار الّذي اعترف بكونه ناظرا إلى الواقع إذ المراد بالتبيّن هنا هو الوجوب الشرطي فالمعنى أنّه يشترط في قبول خبر الفاسق التبيّن (و أمّا ثالثا) فلأنّ قوله جوابا عمّا قيل فالمعنى إن جاءكم من علمتم فسقه بعد الفحص واضح السّقوط لأنّه إن أراد وجوب تحصيل العلم بالفحص من باب المقدّمة لكون المأمور به مقيدا بالعلم فهذا غير متفرّع على ما بنى عليه بالتبيّن من تقييد الفاسق بالمعلوم إذ التكليف بالنّسبة إلى عنوان ما يتعلّق به مشروط في مثل المقام و إن لم يكن كذلك في سائر المقامات فلو قال تبيّن في خبر كلّ مخبر لم يتفرّع عليه وجوب تحصيل المخبر مقدّمة للتبيّن في خبره بل يتوقف التكليف بالتّبين على تحقيق المخبر في الخارج و كذا لو قال تبيّن في خبر من علمت فسقه نعم لو قال أكرم عالما لم يبعد وجوب تعليم الجاهل مقدّمة لو فرض توقف العالم عليه و إن أراد غير ذلك فهو اعتراف باللاّزم (و أمّا رابعا) فلأنّ ما ذكره في التنزل الأوّل أيضا ساقط لدورانه بين الاعتراف باللاّزم مع بطلانه لأنّ الأمر بالتبيّن لا يسقط عند الشكّ في فسق المخبر كما لا يخفى و بين الرّجوع إلى الأوّل و منه يظهر فساد ما ذكره في التنزل الثاني من الرجوع إلى الأصل عند الشكّ في الفسق على أنّ الفرق بينه و بين سابقه خفي لأنّ مرجع السّابق إلى اشتراط التكليف بالعلم بالفسق و من البيّن أنّ مجرّد الاشتراط لا يقضي بالبراءة عند الشكّ في وجود الشرط بل لا بدّ معه من التعلّق بأصل القدم أو أصالة البراءة إلاّ أن يقال إنّ مجرّد الشكّ في الشرط يوجب الشكّ في المشروط من غير الاستناد إلى أصل أو أمارة و فيه أنّ الشكّ في المشروط أيضا لا يجدي إلا أن يقوم بالنّفي أصل أو قاعدة و ممّا ذكرنا يعرف النظر فيما ذكره جوابا عمّا أبداه بقوله و قد يقال إذ لا مساس له بالسّؤال المذكور بناء على كون المراد بالتكليف المأخوذ في السّؤال التكليف الواقعي كما هو ظاهر الاستظهار من الشّبهة المحصورة إذ العمدة في ذلك الباب كون التكليف متعلّقا بالواقع من دون اشتراطه بالعلم و إن توقف تنجّزه عليه تفصيلا أو إجمالا فلا وجه لسقوطه مع عدم العلم التفصيلي (و من الواضح) أنّ الإيراد عليه بما ذكره من الإيرادين ليس على ما ينبغي ثم إن للفاضل المذكور كلاما آخر في عوائده يقرب ممّا قرّرناه من إناطة الأحكام خبرا أو إنشاء بالموضوعات الواقعية من دون مدخلية للعلم إلا على نحو الطّريقية قال و هذا هو الأصل إلاّ أن ثبتت تعلّق الحكم بالواقع المعلوم على أن يكون الحكم معلّقا على العلم فحينئذ يعتبر علم الفاعل إذا كان الموضوع من الأفعال كما في بطلان الصّلاة في الثوب أو المكان المغصوبين و فيه نظر واضح لأنّ العلم بالإباحة ليس موضوعا للحكم الشرعي و ليس شرطية للصّلاة ثابتة من الشرع بل من العقل بملاحظة عدم جواز اجتماع الأمر و النّهي و تمام النظر يظهر بالتأمّل و اللَّه الهادي‏

بديعة الإرادة غير داخلة في الموضوع له‏

و ما رأيت و لا سمعت مخالفا في ذلك نعم نقل عن ابن سينا و العلاّمة الطّوسي (رحمه الله) أنّ الدلالة تابعة للإرادة و هذا كلام آخر تقف إن شاء الله تعالى على تفاصيله لا ربط له باعتبارها في المسمّى كيف و استحالته ممّا يقضي بها صريح العقل لأنّ الإرادة تابعة للاستعمال و الاستعمال تابع للوضع فالوضع مقدّم على الإرادة فلو كانت معتبرة في الموضوع له كانت مقدّمة على الوضع تقدم الموضوع على الحكم فيلزم تقدّم الشّي‏ء على ما يتقدّم عليه و إن هذا دور واضح و لعلّ الغفلة عن ذلك دعى بعض من عاصرناه من الأعلام إلى البحث عن ذلك حين رأى اختلافا بين القوم في تبعيّة الدّلالة للإرادة فقال هل الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي أو من حيث كونها مرادة للافظها وجهان يدلّ على الأوّل بعد مساعدة التبادر عليه أمران (الأوّل) إطلاقهم بأنّ الوضع تعيين اللّفظ للدّلالة على المعنى من غير اعتبار حيثية إلى أن قال (الثّاني) أن الحيثية المذكورة أمر زائد على المعنى فالأصل عدم اعتبارها في الوضع و يضعّفه أنّ الأصل من الأصول المثبتة و لا تعويل عليها حيث لا يساعدها دليل كما في أصالة عدم النقل و نحوه قلت و فيه (أوّلا) أنّ تحديد الوضع لا مساس له بتحديد الموضوع له فالتعلّق بظاهر الأوّل على تعيين مشخصات الموضوع له مضحكة من القول ألا ترى أنّ القائل بوضع الألفاظ للماهيات المطلقة لو تمسّك في إبطال القول بوضعها لها بشرط الوجود بظاهر قولهم في تعريف الوضع و إطلاقه كان ساقطا في أنظار العلماء لأنّ مثل ذلك لا ينبغي أن يذكر أو يدوّن (و العجب) أنّه اعتذر عن إطلاق قولهم بدلالة لفظ المعنى عليه فلا حاجة إلى التصريح به في الحدّ و ظاهره أنه لو لا دلالة لفظ المعنى عليه كان التصريح به في الحدّ محتاجا إليه‏

188

و فساده واضح حتى على القول بملاحظة الحيثية المزبورة في معاني الألفاظ لأنّ بيان [ملاحظة] شرائط الموضوع له في تعريف الوضع غير لازم فلو عرّف بأنّه تعيين اللّفظ للدلالة على الشي‏ء كان التعريف صحيحا بناء على القول المزبور بل الظّاهر أنّ التصريح به في التعريف غير صحيح لأنّه يوجب انتقاضه عكسا من حيث عدم شموله حينئذ للوضع المتعلّق بذات المعنى من دون ملاحظة الحيثية فلو قبل إنّه تعيين اللّفظ للدلالة على المعنى من حيث كونه مرادا للافظ خرج ما إذا كان الملحوظ فيه المعنى بدون الحيثية و هو واضح (و ثانيا) أنّ ما تعلّق به في ردّ أصالة عدم الاعتبار ساقط لأنّ الأصول المبنيّ اعتبارها على الظّنون النوعية أو الشخصيّة على الخلاف لا تنقسم إلى ما كان مثبتا و غيره لأنّ هذا التقسيم يلحق الأصول الّتي مستندها الأخبار و التعبّد و لو أراد بالأصل المثبت مجرّد ما يراد به إثبات اللاّزم فمع خروجه عن ظاهر الاصطلاح الّذي تلقاه من بعض معاصريه في مسألة الاستصحاب إذ الظاهر أنّ مراده بالأصل المثبت هناك ما يقصد به ترتب أثر شرعيّ بواسطة أمر غير شرعيّ يرد عليه أنّ أصالة العدم من الطّرق المعتبرة في إثبات اللّغة عند القوم حيث يعوّلون عليها في مقامات شتّى لا تخفي على الخبير العارف بعلم الأصول و قد ذكرنا مواضع منها في علائم الوضع و الدّليل عليها بناء العقلاء و أهل اللّسان من غير فرق بين أصالة عدم النقل و عدمه نعم يمكن المناقشة في هذا الأصل بما أسبقناه مرارا من أنّه إذا دار الأمر بين الوضع للعامّ أو الخاصّ لم يجز إثبات الوضع للعام بأصالة عدم ملاحظة الزيادة و هي الخصوصيّة لمعارضتها بأصالة عدم ملاحظة العموم إلاّ أن يقال كما أومأنا إليه في بحث المشتق إنّ ذلك إنما هو فيما إذا لم يرجع المسألة إلى الشكّ في الإطلاق و التقييد بأن يكون ملاحظة العام مع قطع النّظر عن التقييد [القيد] معلومة و يكون الشكّ في ملاحظة التقييد ثانيا و ما نحن فيه من هذا الباب و هو جيّد (ثمّ) قال و يدلّ على الثاني يعني دخول الحيثية المزبورة في الموضوع له التّبادر و أنّ الغرض من الوضع حصول الإفادة و الاستفادة فلا بدّ من اعتبارها لئلاّ ينتفي الغرض فيلغو الوضع (ثمّ أجاب عنه) بأن تبادر الحيثية إنما هو مستند إلى ما هو الظّاهر من الغرض الدّاعي إلى الاستعمال بدليل تبادر المعنى عند تجريد النظر عن ذلك و حينئذ فلا يلزم من عدم اعتبارها في الوضع عراؤه عن الفائدة (قلت) ممّا لا ينبغي أن يخفى على أحد هو أنّ سماع الألفاظ الموضوعة بمجرّده سبب لانتقال الذهن إلى المعنى و إرادة المتكلّم إيّاه من دون الاستشعار بالغرض الدّاعي و منكره متعسّف فدعوى استناد تبادر الإرادة إلى ملاحظة الغرض المذكور دون اللّفظ سخيفة جدّا (و التّحقيق في الجواب) بعد المساعدة على التبادر هو أن التبادر إنما يكون دليلا على الوضع إذا لم يكن ناشئا من الملازمة العقلية أو العادية كالملازمة بين اللّفظ و اللاّفظ الّتي توجب الانتقال من سماع اللّفظ إلى وجود اللاّفظ فلو كان الانتقال مسبّبا عن لزوم عقلي أو عاديّ فهو غير دليل على الوضع جدّا و ما نحن فيه من باب الملازمة العادية لأنّ جريان العادة و بناء العقلاء في التفهيم و التفهّم على إلقاء الألفاظ الموضوعة هو الباعث على انتقال ذهن السّامع إلى إرادة المتكلم للمعنى و لذا لو كثر اللّغو أو التّورية أو الهذيان في كلام شخص لم يتبادر من الألفاظ الجارية على لسانه إرادته للمعاني فأحد التبادرين أعني تبادر نفس المعنى مستند إلى الوضع لعدم المناسبة الذاتية و لا الملازمة العقلية أو العادية و أمّا تبادر الإرادة فهو مستند إلى الملازمة العادية النّاشئة من جريان العادة و اللّه الهادي‏

الموضع الخامس من المواضع الخمسة في الدّلالة

بديعة [الكلام في الدلالات الثلاث (المطابقية و التضمن و الالتزام)]

دلالة اللّفظ بالوضع عبارة عن كون اللّفظ بحيث يفهم منه المعنى و هذا التحديد خيرة بعض السّادة المحققين تبعا لغيره حيث وجد في تعريف صاحب الكشّاف و هو المعروف أعني فهم المعنى من اللّفظ تسامحا واضحا لكون الدّلالة من صفات اللّفظ و الفهم من صفات المتكلّم و أنت لو تأمّلت عرفت أن هذا الحدّ أيضا غير مستقيم لأنّ الدّلالة من مقولة الفعل و التأثير و نسبتها إلى اللّفظ مبني على المسامحة من باب نسبة الشّي‏ء إلى الآلة و أمّا كونه بحيث يفهم منه المعنى فهو من الكيفيّات و الأحوالات اللاّحقة للأصوات المتقاطعة فالأولى أن يقال إنّ دلالة اللّفظ على المعنى عبارة عن كشفه عن المعنى أو يقال إنها صفة قائمة باللّفظ توجب فهم المعنى و هي تنقسم إلى مطابقة و تضمّن و التزام و المعروف في تفاسيرها أنّ الأول دلالة اللّفظ على تمام الموضوع له و الثّاني دلالته على جزء الموضوع له و الثالث دلالته على خارج لازم و في حدود الدلالات إشكال مشهور و هو انتقاض بعضها ببعض بالمشترك بين الجزء و الكلّ إذا استعمل في أحدهما كالكلّ فإنّ دلالته على الجزء في هذا الاستعمال دلالة تضمّنية مع أنّه يصدق عليها أنّها دلالة اللّفظ على تمام الموضوع له و كذا إذا استعمل في الجزء فإنّ دلالته عليه في هذا الإطلاق دلالة بالمطابقة مع أنّه يصدق عليها أنّها دلالة اللّفظ على جزء الموضوع له و هكذا الكلام في المشترك بين الملزوم و اللاّزم و المعروف في الجواب عن هذا الإشكال التعلّق بقيد الحيثية كما نبه عليها العلاّمة في التهذيب حيث عرف المطابقة بدلالة اللّفظ على المعنى بتوسط الوضع فالمعنى أن المطابقة عبارة عن دلالة اللّفظ على تمام الموضوع له من حيث إنه تمام الموضوع له فيندفع النقض الأوّل لأنّ دلالة الكلّ على الجزء ليست بهذه الحيثية كما لا يخفى و هكذا إلى [آخر] سائر النقوض فإنها تندفع جميعا باعتبار الحيثيات‏

189

في حدود الدّلالات و اعتذر التفتازاني من عدم التصريح بالحيثية في تلخيص المفتاح بأنّ المقصود ليس هو التعريف حتى يبالغ في مراعاة القيود بل الإشارة إلى ما به يتحقق الأقسام الثلاثة و قد استراح العلاّمة الطّوسي عن ذلك بجعل الدّلالة الوضعية تابعة للإرادة فيستقيم الحدود حينئذ من غير مراعاة الحيثية المذكورة و تلقاه غير واحد من المحقّقين كالمحقق القمّي (رحمه الله) بالقبول و اعترض عليه التفتازاني (أوّلا) بأنّ كون الدّلالة وضعية لا يقتضي أن تكون تابعة للإرادة لأنّ العلم بالوضع سبب للانتقال إلى الموضوع له سواء أراده اللاّفظ أم لا (و ثانيا) بأنّ القول بالتبعيّة يستلزم القول بامتناع اجتماع الدّلالات الثّلاث ضرورة عدم جواز إرادة المعنيين في استعمال واحد فيمتنع اجتماع الدّلالتين مع أنّ التضمّن و الالتزام يستلزمان المطابقة (و ثالثا) بأنّه غير مفيد في المقام لأن اللّفظ المشترك بين الجزء و الكلّ إذا أطلق و أريد به الجزء لا يظهر أنّه مطابقة أم تضمّن و أيّهما أخذت يصدق عليه تعريف الآخر و كذا المشترك بين الملزوم و اللاّزم قال فظهر أنّ التقييد بالحيثية ممّا لا بدّ منه (و أجاب عنها) المحقق القمّي (رحمه الله) انتصار العلاّمة بأن المراد أن الدّلالة الوضعية الجارية على قانون الوضع تابعة للإرادة لا مطلق الدّلالة فكلّ دلالة لا يقارنها الإرادة فهي خارجة عن قانون الوضع فليست من الدّلالات المبحوث عنها في المقام فالمشترك لا يدلّ على معنييه أبدا بالدّلالة المعتبرة لعدم ثبوت الرخصة من الواضع في إرادة المعنيين من استعمال واحد و أمّا مجرّد التصوّر و الانتقال اللاّزمتين من العلم بالوضع فهي ليست من الدّلالة المعتبرة فلا يقال إنّ المشترك يدلّ على جميع معانيه لأنّه يوجب الانتقال إلى الجميع فإذا كان اللّفظ مشتركا بين الكلّ و الجزء فإن أريد به الكلّ اختصّت الدّلالة الجارية على قانون الوضع بالكلّ و لا يدلّ حينئذ على الجزء بالدّلالة الجارية على قانون الوضع المستتبع للإرادة و إن أريد به الجزء بالنظر إلى الوضع المختصّ به لم يدلّ عليه حينئذ بطريق التضمّن لأنّ دلالته عليه كذلك موقوفة على إرادة الكلّ في هذا الاستعمال و هو غير جائز لعدم ثبوت الرّخصة فلم يوجد مادّة يتوهّم فيها استعمال المشترك في معنييه حتى يقال إنّه اتّحد مصداق الدّلالة المطابقية و التضمّنية و بعبارة أخرى من عباراته (قدّس سرّه) فلا يمكن تصادق الدّلالة التضمنية الحاصلة في الصّورة الأولى أعني صورة الاستعمال في الكلّ مع المطابقة الّتي هي الدّلالة على هذا الجزء بعينه من جهة وضعه له و استعماله فيه هذه خلاصة ما حصّلته من كلامه (رحمه الله) على طوله و لعلّ ما ذكره (قدّس سرّه) لا يشفي القليل و لا يعالج به العليل و لا يندفع به إيراد التفتازاني و ليس للمحقق الطّوسي (أمّا أوّلا) فلأنّ التضمّن و الالتزام على ما ذكره ينبغي أن يكونا خارجين عن قانون الوضع لعدم كونهما مقرونين بالإرادة مع أن الكلّ أو الجلّ عدوّهما من الدّلالات الوضعية و لو بملاحظة العقل فيها و إن عمّم الإرادة إلى ما يشمل الإرادة الإجمالية فمع أنّ في كلماته تصريحا بخلافه كما يظهر للنّاظر يرد حينئذ امتناع اجتماع الدّلالات الثلاث كما لا يخفى فافهم (و أمّا ثانيا) فلأن الإشكال ليس هو تصادق الدّلالات في مادة واحدة كيف و هو أمر غير معقول على جميع المذاهب في حدود الدّلالات بل الإشكال هو صدق تعريف بعضها على الآخر و من الواضح أن تبعيّة الدّلالة للإرادة بالمعنى الّذي ذكره (قدّس سرّه) و محصّله عدم جواز استعمال اللّفظ المشترك بين الكلّ و الجزء فيهما باستعمال واحد لا ينحسم به شي‏ء من تلك الرّدود على الطّوسي (رحمه الله) عدا الأوّل أمّا الثاني فلأنّ الدّلالات التضمّنية من الدّلالات المعتبرة الجارية على قانون الوضع اتفاقا و كلّ دلالة تكون كذلك فهي مشروطة عنده بالإرادة و قد ذكر أنّ الإرادتين لا يجتمعان في لفظ واحد فيلزم أن لا يجتمع فردان من الدّلالة المعتبرة في لفظ واحد سواء منعنا استعمال المشترك في المعنيين أو جوزناه إذ لا مساس لهذه المقدّمة بالمقام و هو المحذور و دفع هذا المحذور لا يتيسّر إلا بالرّجوع عن إحدى المقدّمتين أمّا مقدّمة التبعيّة أو امتناع اجتماع الإرادتين في لفظ واحد و الأوّل خلاف أصل المجيب و الثاني خلاف أصل الموجّه مع أنّ منع الأخير يوجب القول بجواز استعمال المشترك في المعنيين و دعوى أن حديث التبعيّة إنّما يلاحظ في المداليل المطابقية دون التضمّنيّة و الالتزامية كما صرّح بها (قدّس سرّه) دفعا لإيراد المذكور تأويل في كلام المجيب من غير دليل و تخصيص من غير مخصّص مع أنّ هذه الدّعوى كما سنبيّن كافية في حسم الإشكال من رأسه أعني اختلال حدود الدّلالات من غير توسيط ما بني‏

عليه تحقيق المقام من عدم جواز استعمال المشترك في المعنيين فالتعلّق به مقدمة مستدركة (و أمّا الثّالث) فلأنّ المشترك بين الكلّ و الجزء إذا استعمل في الجزء استعمالا مقرونا بالإرادة فإن كان الاستعمال باعتبار وضع اللفظ بإزائه كانت الدلالة عليه مطابقة مع أنّه يصدق عليها أنّها دلالة اللّفظ على جزء الموضوع له دلالة مقرونة بالإرادة فإن قيل إن إرادة المعنى من حيث كونه موضوعا له غير إرادته من حيث كونه جزءا له و المعتبر في التضمّن هو الثاني فهو كرّ على ما فرّ لأنّ مرجع ذلك إلى الاستراحة عن النقض بقيد الحيثية غاية الأمر أنّ المشهور جعلوها قيدا للدّلالة و جعلها (قدّس سرّه) قيدا للإرادة مع أنّ العلاّمة الطوسي (رحمه الله) أراد التفصّي عن الإشكال من دون الالتزام بالحيثية (و العجب) أنه (قدّس سرّه) أجاب عن هذا الإيراد بأنا نلتزم أن دلالة اللّفظ على الجزء إذا استعمل فيه مطابقة وفاقا للمحقّق الشّريف مع أنّ مجرّد ذلك غير مفيد إذ المفيد صون الاستعمال على هذا الوجه عن صدق التضمّن عليه هذا إذا كان الاستعمال‏

190

باعتبار الوضع و أمّا إذا كان باعتبار العلاقة فإن قيل إنّ المجازات داخلة في الالتزام دون المطابقة كما على مبنى هذا الإيراد ظاهرا انتقض حينئذ تعريف المطابقة لأنّه يصدق على الدّلالة على الجزء بهذا الوجه أنّها دلالة على تمام الموضوع له و إن بنى على أنّها مطابقة كما هو عن المحقق الشّريف كان النقض كالأوّل و على كلّ تقدير فحديث عدم جواز إرادة المعنيين من اللّفظ في استعمال واحد غير مربوط بالمقام و لعلّه لأجل ما ذكرناه قال العلاّمة (قدّس سرّه) بعد حكاية حديث التبعيّة عن المحقق الطّوسي (رحمه الله) كفايتها في تصحيح الحدود و فيه نظر (و التّحقيق) في توجيه ما ذكره المحقق الطّوسي (رحمه الله) في المقام أن يقال إنّه (قدّس سرّه) جرى في التضمّن و الالتزام على اصطلاح علماء البيان حيث إنّ الدلالة الوضعية عندهم مختصّة بالمطابقة فيجعلون الدّلالة على الجزء و اللاّزم من الدلالة العقليّة المحضة و تقسيم الدّلالة الوضعية إلى الثّلاثة مبني على اصطلاح أهل الميزان و حينئذ نقول إن الدّلالة الوضعية عنده منحصرة في المطابقة و الدلالة الوضعية لا بدّ أن تكون مقرونة بالإرادة فالدّلالة المطابقية خاصّة لا بدّ أن تكون مقرونة بها فكلّ دلالة ناشئة من العلم بالوضع إن كانت مجامعة للإرادة كانت مطابقة و إلاّ كانت عقلية محضة كدلالة الصّورة على المصوّر و بذلك تستقيم حدود الدلالات من غير انتقاض لأنّه إذا استعمل اللّفظ المشترك بين الكلّ و الجزء في الجزء باعتبار وضعه له كانت الدّلالة عليه مطابقة و لا يصدق عليه التضمّن لكونه دلالة على الجزء في ضمن الكلّ لا مطلقا و إذا استعمل في الكلّ كانت الدلالة عليه بالتضمّن و لا يصدق عليه المطابقة إذ المفروض عدم كون ذلك الجزء مرادا للاّفظ فلا يكون مطابقة إذ ليست المطابقة مطلق الدلالة على الموضوع له بل الدّلالة الخاصّة المقرونة بالإرادة فدعوى أنه يصدق عليها دلالة اللّفظ على تمام الموضوع له ساقطة بعد اعتبار كون الدّلالة من الدلالة المعهودة و هي الجارية على قانون الوضع المقرونة بالإرادة (و من هنا يظهر) أنّ التصريح بالتبعيّة في الحدّ بعد ما كان اعتبارها في المحدود مفروغا عنه غير لازم و هكذا الكلام في اللّفظ المشترك بين الملزوم و اللاّزم و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكره الفاضل الچليني في المقام انتصارا للتفتازاني و هو لزوم التناقض في كلام المحقق (قدّس سرّه) لأنّه صرّح بأنّ دلالة اللّفظ على الجزء الّذي هو مراد اللاّفظ تضمّن و صرّح أيضا بأنّ التضمّن و الالتزام يستلزمان المطابقة و مقتضى ذلك أن تكون الدّلالة على الجزء المراد مطابقة أخرى لو كانت هي مطابقة وجه السّقوطان نسبة التصريح الأوّل إلى المحقق (قدّس سرّه) مبني على اجتهاد الفاضل و زعمه عموم التبعية الّتي أبداها المحقّق (قدّس سرّه) للتّضمّن و الالتزام أيضا و هو اشتباه ناش من جعل التضمّن و الالتزام من الدلالة الوضعية دون العقلية (و الحاصل) أنّ هنا مقدّمتين لو ثبتتا كانت التبعية المدّعاة مغنية عن قيد الحيثية إحداهما انحصار الدّلالة الوضعية في المطابقة و هذه المقدّمة ثابتة عند علماء البيان لأنّهم يجعلون التضمّن و الالتزام من الدّلالات العقلية لعدم كون فهم الجزء في ضمن الكلّ مقصودا للواضع حين وضع الألفاظ بإزاء معانيها بل قد يكون الموضوع له بسيطا بزعم الواضع مركبا بزعم السّامع فالدلالة التضمّنية موجودة من غير أن تكون مقصودة للواضع و الثانية أنّ التضمّن و الالتزام عبارتان عن الدّلالة على الجزء و اللاّزم في ضمن الكلّ و الملزوم و هذه أيضا ممّا لا تنكر لاتفاقهم على استلزامهما المطابقة فحيث كان الجزء مرادا بالاستقلال لم تكن الدّلالة عليه بالتضمّن و بعد هاتين المقدّمتين يستراح عن قيد الحيثية بحديث التبعيّة كما قرّرنا و اللّه الهادي (هذا هو الكلام) في إغناء التبعية عن قيد الحيثية في الحدود و أمّا الكلام في صحّتها و سقمها فيظهر أيضا ممّا قرّرنا هنا و في المسألة السّابقة لأنا ذكرنا أن جعل الإرادة من حدود معاني الألفاظ و دخلها في الموضوع له شطرا أو شرطا غلط واضح و مستحيل لائح و كذا القول بتوقف الانتقال و التصوّر على العلم بالإرادة فإن ذلك أيضا مصادمة للبديهة حيث إن الانتقال إلى الموضوع له من اللّوازم العقلية للالتفات إلى اللّفظ عند العلم بالوضع و لا توقف له على وجود اللاّفظ فضلا عن شعوره و إرادته نعم الغرض الداعي إلى الوضع إرادة الموضوع له عند استعمال اللّفظ تحصيلا للإفادة و الاستفادة المتوقفين عليها فكلّ دلالة غير مقرونة بالإرادة غير مقصودة من وضع الألفاظ لكن التعبير عن ذلك بأن الدّلالة تابعة للإرادة لا يخلو عن تعسّف و تكلّف إلاّ أن يقال إنّ نسبة شي‏ء إلى فعل اختياري ظاهرة في كون ذلك الشي‏ء من‏

الفوائد الملحوظة للفاعل في ذلك الفعل فالدّلالة الوضعية أي الدلالة المنسوبة إلى الوضع الّذي هو فعل الحكيم ما كانت ملحوظة له حال الوضع و هي ما كانت مقارنة بالإرادة فكلّ ما لا يقارنها من الدّلالات ليست من الدّلالة الوضعية فالدّلالة الوضعيّة تابعة للإرادة

بقي في المقام شيئان‏

أحدهما

أن قضية تعريف المطابقة بدلالة اللّفظ على تمام الموضوع له كون دلالة اللّفظ على المجاز المقرون بالقرائن خارجة عنها داخلة في أحد قسيميها و يؤيّده أو يدلّ عليه أيضا ما عليه علماء البيان من الاتفاق على كون المجازات من الالتزاميات و هذا ربما ينافي ما ذكروه في حقيقة التضمّن و الالتزام من أنّ الدّلالة فيهما دلالة تبعية و أنّ الأوّل عبارة عن دلالة اللّفظ على الجزء في ضمن الكلّ و الثاني عن دلالته على اللاّزم في ضمن الملزوم حتّى ذكروا أنّ المطابقة لا تنفكّ عنهما فإنّ قضية التبعية أن ينتقل أوّلا إلى الملزوم أصالة ثم ينتقل إلى اللازم تبعا و الأمر في المجازات ليس كذلك لأنّ الدلالة عليها دلالة مقصودة و لأنّ اللّفظ بملاحظة القرينة يدلّ على المعنى المجازي دلالة صريحة أولية

191

و لذا ذهب بعض الأصوليين إلى أن المطابقة دلالة اللّفظ على تمام المراد سواء كان حقيقة أو مجازا و التضمّن دلالته على جزء المراد و الالتزام دلالته على لازم المراد فوضع مكان الموضوع له المراد و يلزمه جريان الالتزام و التضمّن في الحقائق و المجازات كليهما كما أنّ البناء على التفسير الأوّل يقتضي انحصارهما في الحقائق نعم يظهر من التفتازاني في المقام خلاف المسلكين حيث نسب القول بأنّ التضمّن فهم الجزء في ضمن الكلّ و الالتزام فهم اللاّزم في ضمن الملزوم و أنّه إذا قصد باللّفظ الجزء أو اللاّزم كما في المجازات صارت الدّلالة عليهما مطابقة لا تضمّنا و لا التزاما إلى كثير من النّاس مشعرا بتمريضه و أن الحق خلافه و يؤيّده أيضا الإيراد الثالث من الإيرادات الثلاثة المتقدّمة كما يظهر للمتأمّل و على ما ذكره فالتّبعية في التضمّن و الالتزام غير ملحوظة رأسا لا بالقياس إلى الموضوع له و لا بالقياس إلى المراد بل يكون العبرة فيهما بالمدلول و أن دلالة اللّفظ على جزء الموضوع له دلالة تضمّنية سواء كانت الدّلالة عليه في ضمن الكلّ أم لا و كذا الالتزام و هذا مناف لما اتفق عليه الكلّ من اعتبار الحيثية في الدلالات الثلاث (و العجب) أنّه اعترف بلزوم قيد الحيثية في الحدود و مع ذلك يزعم أنّ دلالة اللّفظ المستعمل في الجزء أو اللاّزم دلالة تضمنية أو التزامية مع أن اللّفظ إذا استعمل في الجزء أو اللاّزم كانا مستقلّين بالإرادة فكيف يجري فيه حديث التضمّنية إلاّ أن يوجّه ذلك بما يأتي (و الحاصل) أنّ كلمات القوم في المقام لا يخلو عن تشويش و اختلال لكن الأمر فيه سهل بعد عدم اختلاف مقاصد الفنّ باختلاف الاصطلاحات في الدلالات بل باختلاف الوضوح و الخفاء و الّذي أظنّ أنّ تقسيم الدّلالة إلى الأقسام المذكورة تقسيم لما كان منها بسبب مدخلية الوضع من دون مدخلية القرينة فالمقسم فيها هي الدّلالة الغير المحتاجة إلى القرينة فالمجازات حينئذ خارجة عن الثلاثة لقصور المحدود لا لقصور الحدّ و إن أبيت إلا عن إدخال المجازات في إحدى الدلالات فالبناء على ما جرى عليه التفتازاني أولى ممّا جرى عليه بعض من تفسير المطابقة بدلالة اللّفظ على تمام المراد لأنّ فيه خروجا عن ظاهر الاصطلاح (فنقول) إنّ ظاهر الاصطلاح يقضي بأنّ دلالة اللّفظ المستعمل في اللاّزم و هو المسمّى بالمجاز دلالة التزاميّة و لا غائلة فيه و لا مشاحة (فإن قلت) فأين حديث التضمّنية الّتي صرّح بها الكلّ و مع مراعاتها كيف يصدق على المجاز تعريف الالتزام و هي دلالة اللّفظ على اللاّزم في ضمن الملزوم بأن يكون الانتقال إلى الملزوم سابقا على الانتقال إلى اللاّزم (قلت) التضمّنيّة بالمعنى المذكور موجودة في المجازات أيضا ضرورة انتقال الذهن فيها أوّلا إلى الحقيقة ثم إلى المعنى المجازي نعم لو أريد بالتبعيّة أن يكون اللاّزم تابعا للملزوم في الإرادة فهذا غير موجود في المجازات لأنّ المداليل المجازية مرادة بالذات حتى أنّ الانتقال إلى الحقيقة إنّما تعلّق به غرض المتكلّم المتجوّز تبعا لا أصالة و لعلّ من عدل عن تعريف القوم للمطابقة و فسّرها بالدلالة على تمام المراد ليتناول المجازات زعم أنّ المطابقة اسم لكلّ دلالة صريحة مرادة للمتكلّم قصدا و هذا موجود في المجازات أيضا و فيه أنّه لا داعي إلى تفسير المطابقة بذلك بعد استقرار ظاهر اصطلاحهم على غيره (فإن قلت) بناء على اختصاص المطابقة بالحقائق محافظة لظاهر الاصطلاح فدلالة اللّفظ المستعمل في الجزء مجازا عليه تضمّنيّة أو التزامية (قلت) يظهر من كلام التفتازاني المتقدّم أنّها تضمّنية و وجهه أنّ الذّهن في هذا الاستعمال أيضا ينتقل إلى المعنى المستعمل فيه و هو الجزء في ضمن الانتقال إلى المعنى الحقيقي و هو الكلّ و فائدة القرينة هي الدّلالة على كونه تمام المراد لا جزءه و لا منافاة بين كون الشّي‏ء جزءا لمدلول اللّفظ و تمام المراد به كما مرّ إليه الإيماء و يمكن عدّها التزامية لأنّ الانتقال إلى الجزء من اللفظ الموضوع للكلّ بمساعدة القرينة انتقال إلى ما هو لازم للموضوع له و ليس عينه كما في سائر المجازات و لذا يطلق على التضمّن الالتزام كثيرا فالالتزام له إطلاقان أحدهما ما يقابل قسيميه و الثاني ما يقابل المطابقة بناء على أنّ الجزء و الخارج سيّان في كون الانتقال إليهما من لوازم الانتقال إلى الموضوع له فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تفسير المطابقة بدلالة اللّفظ على تمام المراد اقتراح لا طائل تحته و خروج عن اصطلاح الأواخر و الأوائل و أنّ المدلول إذا كان خارجا عن الموضوع له يسمّى الدّلالة عليه التزامية سواء كان تمام مراد اللاّفظ أو لازما لمراده و هكذا التضمّن و لا حزازة في ذلك بعد مساعدة الاصطلاح عليه (و

الثّاني) أن اللّزوم المعتبر في المداليل الالتزامية يعمّ العقلي و العرفي و العادي و هذا واضح و ربما قيل بعدم اشتراط اللّزوم في الالتزام و أنّ العبرة بحصول الانتقال إلى المعنى الخارج عند تعقل المسمّى سواء كان منشؤه اللّزوم أو قرائن الحال و عزاه التفتازاني إلى ظاهر ابن الحاجب في المختصر و صريح العلاّمة قطب الدّين في شرحه ثم اصطلح بين الفريقين بأنّ مراد المشترطين أيضا هو عدم الانفكاك بين التّعقّلين لا عدم الانفكاك في الخارج لوضوح عدم وجود اللّزوم بهذا المعنى في كثير من المجازات و الكنايات فيلزم خروجها عن كونها التزامية و كان بطلان التالي من المسلّمات فيما بينهم و هذا أيضا من مؤيّدات ما حقّقنا في معنى المطابقة و زعم المحقق الشّريف أنّ اللزوم المعتبر في المجازات لزوم واقعي أيضا إذا جعلنا الدالّ على المعنى المجازي مجموع اللّفظ و القرينة و إنّما يستند الانتقال إليه إلى القرينة إذا قلنا بأنّ الدال هو المجاز خاصّة و أراد بذلك الردّ على التفتازاني في ما اصطلح به بين القولين بتصحيح الكلّية المتوهّمة في كلام المشترطين للملازمة الواقعية و أنت خبير بأنّ ما ذكره نفخة بلا ضرام إذ العبد

192

الغضّ عما أورده بعض الناظرين في كلامه يرد عليه أنّ دلالة مجموع اللّفظين على المعنى المجازي ليست دلالة الالتزامية لأن المعنى المجازي ليس خارجا لازما للمراد من اللّفظين بل عينه و لا المجموع معنييهما الحقيقيّين إذ من البيّن أنّ الرّجل الشجاع ليس خارجا عن مجموع معنى الأسد الرّامي لازما خارجيا لهما باللّزوم بمعنى عدم الانفكاك لأنّ المفهوم المتعقل من ملاحظة مجموع المعنيين أعني مفهوم الأسد و مفهوم كونه راميا أمر غير موجود في الخارج فكيف يكون ملازما لموجود خارجي فالانتقال إلى المعنى المجازي مستند إلى أمر غير الملزوم و هي قرينة الحال لأنّ قول القائل رأيت أسدا راميا بعد تعذّر حمله على الحقيقة لامتناع تعلّق الرّؤية بأمر مستحيل عادة ينصرف عرفا إلى قوله رأيت شجاعا هذا مضافا إلى أنّ المشترطين جعلوا اللّزوم المعتبر في الالتزام اللّزوم الذهني دون الواقعي و اللّزوم الذهني عبارة أخرى عمّا فهمه التفتازاني من عدم حصول الغفلة عن تعقّل المدلول الالتزامي عند تعقل المسمّى و قد تلخص من مجموع ما ذكرنا أنّ المطابقة دلالة اللّفظ على تمام الموضوع له و التضمّن دلالته على جزئه و الالتزام دلالته على خارجه و أن المجازات خارجة عن المقسم لكونه هي الدّلالة الناشئة من نفس الوضع من دون الالتفات بالقرينة أو أنّها داخلة في الالتزام على الوجه الّذي فصّلناه إن بنينا على كون التقسيم حاضرا (و اعلم) أنّ أبعد ما حرّرنا المقام بما أدّى إليه نظرنا في توجيه كلام العلاّمة الطّوسي (رحمه الله) و عدم فائدة لمنع استعمال اللّفظ في المعنيين في تصحيح حدود الدّلالات و توجيه دخول المجازات في الالتزام مع كونها مرادة بالذات و غير ذلك من التّفاصيل راجعت إلى حاشية المحقق الشريف على شرح التلخيص فوجدته مصرحا أو ملوحا بما حققنا و عليك بالمراجعة إليها لعلّك تفهّم منها ما يخالفنا كلاّ أو بعضا و اللّه الهادي‏

بديعة [الكلام في بيان منشإ دلالة الالتزام‏]

قد ظهر ممّا ذكرنا في تقسيم الدّلالات و حدودها أنّ دلالة الالتزام قد تكون ناشئة من حاق اللّفظ بعد العلم بوضعه للملزوم و قد تكون من جهة قرائن خارجة و الأولى هي الّتي يستدل بها على الوضع عند الاختلاف كما يقال إن الأمر للوجوب لأنّ الصّيغة الموضوعة للطّلب دالّة عليه بلا معاونة القرينة و لذا لا يفرق العلماء في التمسّك بالتبادر بين إثبات المعاني المطابقية و الالتزامية فكما أنّ التبادر دليل على إثبات الوضع و تعيين الموضوع له فكذلك هو دليل على تعيين الأجزاء و لوازم الموضوع له و هذا معنى كون الأمر حقيقة في الوجوب مع كون الوجوب غير معناه الموضوع له بل إمّا جزء له أو لازم و قد سبق منّا بعض الكلام في توضيح المقام في البحث عن التبادر حيث أوردوا إشكالا في كونه علامة للحقيقة و زعموا تخلفه عنها لوجوده في المعاني الخارجة اللازمة مع عدم كونها موضوعا لها و أجبنا عن ذلك بأنّ المراد بكون التبادر علامة للحقيقة دلالته على كون الانتقال من اللّفظ إلى المعنى بواسطة الوضع لا بواسطة القرينة و أمّا كون ذلك المعنى عين الموضوع له أو جزءه أو خارجه فمستفاد من الأصليّة و التبعية فالتّبادر يدلّ أوّلا على استغناء اللّفظ في إفادة المعنى عن القرينة و يدلّ ثانيا على كونه تمام الموضوع له أو جزءه أو خارجه باعتبار الصّراحة و عدمها فكلّ معنى يتبادر من صريح اللّفظ من غير حاجة إلى عمل العقل فهو الموضوع له و كلّ ما يحتاج تبادره إلى عمل العقل فهو الجزء أو اللاّزم (و من هنا) اختلف المشارب في التضمّن و الالتزام فجعلا تارة من الدّلالة العقلية نظرا إلى توقفهما على عمل العقل بعد العلم بالوضع و عليه جرى علماء البيان و أخرى لفظية وضعية نظرا إلى كفاية العلم بالوضع في تحققهما من دون الاحتياج إلى قرائن خارجة كما عليه مشي أهل الميزان فليس الالتزام اللّفظي الوضعي مثلا غير الالتزام العقلي كما يوهمه كثير من عبارات القوانين خصوصا في مقدمة الواجب و عبارات غيره لأنّ حقيقة الالتزام هو الانتقال من حاق اللّفظ إلى أمر خارج عن الموضوع له بعمل العقل بعد العلم بالوضع و ليس مدلول الالتزامي يستغن فيه عن إحدى الأمرين و التقسيم إلى العقلي و اللّفظي لا بدّ أن يستند إلى فارق و هو غير متحقق نعم بعض المداليل الالتزامية لا يصحّ التعلّق في إثباته بالتّبادر كوجوب المقدّمة و حرمة الضدّ بالقياس إلى وجوب ذي المقدّمة و طلب الضدّ الآخر و بعضها ممّا لا سبيل إلى التوصّل إليه سوى التبادر أو ما يجري مجراه من تواتر أو إجماع أو أمارة أخرى كالوجوب بالقياس إلى الأمر و هذا صار سببا لتوهّم انقسام الالتزامات إلى القسمين و قد زيفنا هذا التوهم و أوضحنا الوجه في ذلك في مبحث التبادر و من أراد الخبرة فليرجع إلى ذلك المبحث نعم ستعرف أنّ بعض الالتزامات يحتاج بعد الأمرين إلى ملاحظة القرائن و أشياء أخر لكنه خارج عن مراد المقسم قطعا فانتظر و تدبّر (و أمّا الثانية) و هي الناشئة من قرائن الحال أو المقال بعد العلم بالوضع فهي على ضربين (أحدهما) أن يكون الدّلالة عليه على وجه التجوّز و ذلك بأن يكون مؤدّى القرينة استقلال اللاّزم بإرادة المتكلّم كما في المجاز المرسل و المجاز بالاستعارة و قد يكون الدّلالة عليه لا على وجه الحقيقة و لا على طور المجاز بل على طور ثالث لا يرجع إلى العقليّة المحضة و ذلك مثل المعاني الّتي تستفاد من مقامات صدور الكلام و ملاحظة حال المتكلّم و سائر ما به من الخصوصيات فهذه تستفاد أيضا من اللّفظ بعد العلم بالوضع لأنّ ملاحظة صدور ذلك الكلام و إرادة معانيه الموضوع لها في المقام المخصوص توجب الانتقال إلى ذلك اللاّزم و هذا مثل الحصر المستفاد من السّكوت في مقام البيان فإن الدّالّ عليه ليس هو اللّفظ مستقلاّ حتى يندرج‏

193

تحت القسم الأوّل من المداليل الالتزامية فينتقل إليها من حاق اللّفظ و لا العقل المحض حتى ينسلك في سلك دلالة اللّفظ على وجود اللافظ بل العقل و اللّفظ جميعا بعد ملاحظة مقام البيان و ملاحظة أنّ الاقتصار على بعض المقصود في ذلك المقام لا ينبغي صدوره من عاقل فهذا ضرب آخر من الالتزام اللّفظي ليس من المجاز و لا من الحقيقة و لا من العقليّة المحضة و التميز بين هذا القسم و الأوّل المستند إلى عمل العقل بعد العلم بالوضع من دون الاستعانة بالقرائن الخارجة بحسب المفهوم واضح و أمّا بحسب المصداق فقد يكون مشكلا و ممّا تطرق فيه الإشكال دلالة المفاهيم فمنهم من زعم أنّ التعليق على الشرط أو الوصف يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء التزاما وضعيا نظير دلالة الأمر على الوجوب و دلالة الشمس على الضّوء بناء على أنّ التعليق موضوع للسّببيّة المطلقة الّتي يلزمها الانتفاء عند الانتفاء و منهم من ذهب إلى أن مفاد التعليق لا يزيد على الثبوت عند الثبوت من غير مدخلية للمعلّق عليه فيه رأسا أو على وجه يلزمه الانتفاء عند الانتفاء إلا أنّ ما ذكرنا لا دخل له في الحكم و الإتيان بالفضلة لا يليق بحال العاقل إلا لغرض و ذلك الغرض عند الإطلاق يعني عند فقد ما يعلم به ذلك الغرض الدّاعي إلى إتيان الفضلة محمول على غرض الاحتراز و الانتفاء عند الانتفاء كما يأتي تحقيق المقام إن شاء الله تعالى في محلّه و من هذا القسم الأخير أيضا مداليل فحاوي الخطابات كحرمة الإيذاء و وجوب الإكرام المستفادين من تحريم الأف فإن الاقتصار على ملاحظة أوضاع ألفاظ ذلك الخطاب لا يقتضي عمل العقل و حكمه بإرادة حرمة الإيذاء بل لا بدّ مع تلك الملاحظة ملاحظة ما سيق لأجله الكلام من الترفية و التّبجيل و الإشفاق و بعد ضمّ الملاحظتين يدلّ العقل على الحرمة و الوجوب المذكورين بالأولوية القطعية فالمفاهيم مخالفها و موافقها على نسق واحد إذا لم يبن في المخالف على كون الدّلالة فيه من القسم الأخير الناشئ من مقتضيات المقام و قرائن الحال أو المقال لا من جهة الملازمة الواقعية بين الموضوع له و غيره كما في الأوّل و ربما يظهر من بعض أجلّة السّادة أنّ الأوّل يرجع إلى المطابقة و الثاني أعني الموافق إلى الالتزام (قلت) أما رجوع الأوّل إلى المطابقة فعلّله بأنّ التقييد بالشرط حقيقة في التعليق موضوع له و فيه أن الانتفاء عند الانتفاء ليس عين مفهوم التعليق بل لازمه فالدال على التعليق و التقييد دال على المفهوم بالالتزام و أمّا رجوع الثاني إلى الالتزام فإن أراد كونه من القسم الأول ففيه أيضا ما عرفت و إن أراد كونه من الثاني فهو حق و كيف كان فقد ظهر لك أنّ مداليل الألفاظ و ما يستفاد منها بلا واسطة أو مع الواسطة لا يتعدّى عن الثلاثة المطابقة و التضمّن و الالتزام المنقسم إلى أقسامه الثلاثة و أن الكلّ داخل في الدّلالة اللّفظية لمدخلية اللّفظ و وضعه فيها في الجملة و زعم السيّد المتقدّم أن مداليل الألفاظ بحسب متفاهم العرف قد تكون خارجة عن الأقسام الثلاثة و جعل دلالة الأمر على وجوب المقدمة و حرمة الضدّ ضربا رابعا و دلالة الآيتين على أقلّ الحمل قسما خامسا و صرّح بأن المدار في الدلالة على متفاهم أهل العرف نهوض اللّفظ بها عرفا فلا يشترط الوضع و لا الدّخول في الموضوع له و لا اللّزوم الذهني (ثمّ قال) إذا عرفت هذا بان لك أن ما تكرّر على ألسنة جماعة من الاستدلال على نفي الدلالة بانتفاء الأولين لعدم الوضع و الدّخول و الثالثة بعدم اللّزوم الذهني لا وجه له (قلت) لا إشكال و لا خلاف في أنّ المدار في الدلالة اللّفظية على ما ذكره (قدّس سرّه) من تفاهم أهل العرف إنما الكلام في منشإ التفاهم و أنّه الوضع أو اللّزوم أو القرينة أو مقامات الكلام و أيّما كان فقد عرفت دخوله في أحد الأقسام المذكورة و ما ذكره القوم و علماء البيان و الميزان من حصر الدلالة في الثّلاثة حصر عقلي لأنّ دلالة اللّفظ لا بدّ فيها من الاستناد إلى سبب و إلاّ لدلّ كلّ لفظ على كلّ معنى و ذلك السّبب قد يكون هي العلاقة الجعلية كالعلاقة الموجودة بين اللّفظ و نفس الموضوع له و قد تكون واقعية كالعلاقة الموجودة بين الموضوع له و غيره جزءا كان أو خارجا فما ليس بينه و بين مدلول الكلام من المعاني الخارجية علاقة أصلا كان سبقه إلى الذهن من بين سائر الأغيار ترجيحا بلا مرجّح نعم قد عرفت أنّ العلاقة أعني اللّزوم الذّهني قد يكون ثابتا بين المعنى و بين نفس الموضوع له كما في وجوب‏

المقدّمة بالنّسبة إلى وجوب ذيها و حرمة الضدّ بالنّسبة إلى وجوب ضدّه على القول بهما من دون الحاجة إلى ملاحظة قرائن الحال أو المقال و قد يكون ثابتا بينهما بعد ملاحظة مقتضيات الأحوال و مقامات الكلام كالحصر المستفاد من السّكوت في الكلام المسوق لبيان تمام المراد و كذا كلّ مقام يستفاد من عمل العقل بعد ملاحظة الخصوصيّات المخصوصة به مثل استفادته العموم من الألفاظ الغير الدالّة عليه بالوضع باستعمال مقدماته الّتي منها الحكمة و لو لا تمثيله للخارج عن الثلاثة بدلالة الأمر على وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ كان توجيه ما ذكره بحمل كلامه على الالتزام الناشئ من الملازمة بين المعنى و نفس الموضوع له ممكنا إذ لا يبعد اختصاص الاصطلاح بذلك و خروج الدّلالة الناشئة من ملاحظة قرائن الأحوال و الأقوال غير المجازات عن الالتزام اصطلاحا إلا أنّ التمثيل بهما يفصح عن خفاء الملازمة الّتي بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها عليه (قدّس سرّه) حيث كان العلم بها محتاجا إلى بعض النّظر و التأمّل كما يدلّ عليه اختلاف عقول الأعلام في إثباتها و نفيها و سيأتي إن شاء الله تعالى في بابه ما يزيح العلّة و يكشف الغمّة عن وجه المرام و نسأل اللّه التوفيق و العافية عن جميع الآلام و الأسقام ثم إنّه (قدّس سرّه)

194

بعد الفراغ عن حدود الدّلالات أشكل عليهم في المجازات حيث يجعلونها من قسم الالتزام و قد أجاد في وجه الإشكال حيث تنبّه إلى بعض ما سبق منّا في ذلك المقام و لكنّه لم يلتفت إلى ما أبدينا في جسمه فقد حفظ شيئا و غابت عنه أشياء أخر و من أراد الاطّلاع على تفاصيل ما ذكره فليراجع إلى كتابه المعروف بالمحصول ثمّ إلى ما أسلفنا يجده مجليا لغشاوة الأوهام و اللّه الهادي (و اعلم) أنّه لا إشكال في أنّ الدّلالات الثلاث كلّها معتبرة حتّى ما كان منها ناشئة من عمل العقل بملاحظة القرائن الحالية أو المقالية أو العقلية لاندراجها تحت الدلالات اللّفظية و لو بوسائط و لم أر فيما زعموا مخالفا و مفصّلا في ذلك سواء سمّينا دلالة الالتزام عقلية كما فعله علماء البيان أو وضعيّة كما صنعه أهل الميزان و سواء بنينا على جواز التعويل على العقل في إثبات الأحكام الشرعية كما عليه جلّ المجتهدين أو لا كما عليه جلّ الأخباريّين لأنّ المختلف فيه إنّما هو التعلّق بالحكم العقلي المستقل و أمّا الحكم الناشئ من توسيط الخطابات الشرعيّة و هو المسمّى [بالاستلزامات‏] بالالتزامات فالظاهر أنّه غير مختلف فيه و معنى اعتبار الدّلالة هو البناء على أنّ مدلولها هو حكم اللَّه الواقعي و العمل عليه في حقّ من قامت عنده الدّلالة ثم إن ثبت الملازمة بين جواز العمل و جواز الفتوى كانت حجّة في الموضعين و إلاّ اقتصر في الاعتماد عليها على الأوّل إلاّ أنّ الظّاهر ثبوت الاتفاق على تلك الملازمة بالقياس إلى نفس الدّلالات فكلّ من يجوز له الفتوى بموجب بعضها جاز له الفتوى بموجب الآخر اتفاقا و هذا الكلام منّا يشبه إيضاح الواضحات ارتكبناه للتنبيه على غفلة من ذهب من اعوجاج الطريقة إلى خلاف ذلك ففصّل و جوّز التقليد إذا كان المجتهد ممّن يفتي بالدّلالات الصّريحة كابن بابويه من القدماء دون من يفتي بموجب الالتزامات الغير البيّنة (أقول) و هذا الكلام مع مخالفته لإجماع كلّ من جوّز التقليد يوجب انسداد باب التقليد رأسا لأنّ المانع عن الرّجوع إلى من يستنبط الحكم الشرعي بالالتزام الغير البيّن ليس إلاّ اتّهامه في حدسه و احتمال خطائه في فهم الملازمة و هذا الاحتمال قائم في التّمييز بين البيّن و غير البيّن و بين الصّريح و غير الصّريح أيضا و حيث يقوم هذا الاحتمال عند المقلّد فليس له ما يرفع به الشك و يميز به الواقع من القوة النظريّة و إلاّ كان مجتهدا فلا بدّ له ترك التقليد رأسا و لو فرض له ظنّ في حقّ بعض المجتهدين بأنّه لا يفتي إلا بالمداليل الصّريحة لم يجز له التعويل على ظنه لأن ظنون المقلّد و كذا ظنّ كلّ منعزل عن طرق الواقع ملغى في نظر الشارع و ظنّي أنّ صاحب هذا التّفصيل أراد موافقة فقهاء حلب و بعض الأخباريين في إنكار شرعيّة التقليد رأسا بلسان آخر محافظة لصورة الكلام عمّا يتناكر عليه علماء عصره من سدّ باب التقليد و انحصار طريق الامتثال بالأحكام الشرعية في العمل بالأخبار بلا واسطة أو بواسطة ترجمتها لفظا و اللَّه الموفق و الهادي هذا بعض الكلام في المبادي اللّغويّة و قد طوينا الكلام عن سائر ما يتعلّق بها من المسائل الباحثة عن الحروف و مواد الألفاظ كشحا لكونها ممّا يعرف حالها من العلوم الأدبية متابعة لجلّ أصحابنا المتأخرين و محافظة للطّريقة المألوفة حيث اقتصروا في هذا العلم على البحث ممّا لم يبحث عنه في علم آخر و أمّا سائر المبادي فالشّأن في المنطقية و الكلامية منها أيضا ما عرفت لأن لكلّ منهما علما مستقلاّ و أمّا الأحكامية فمعظم مسائلها غير مبحوث عنها في علم آخر فينبغي للأصولي أن يتصدّى لها تصدّي التوضيح و التنقيح لكن صاحب المعالم و أكثر المتأخرين عنه عدلوا عن طريقته السّلف فبحثوا عن مهمّاتها في أثناء المقاصد بمناسبة المقام و نحن أيضا نقتفي أثرهم و لا نتخطّى مثالهم كثر اللَّه أمثالهم لأنّ موافقة الجماعة في الطّريق مع اتحاد المقصد أولى من الانفراد في المسلك مضافا إلى ما فيه من مراعاة أنس الأذهان و تسهيل الأمر على مشتغلي الزمان غير أنا نذكر منها في المقام مسألة واحدة غامضة قد طال التشاجر فيها بين المحققين و اللَّه الفياض المستعان‏

بديعة [الكلام في أن الأحكام الشرعية منحصرة بالتكليفية أو منقسمة إليها و إلى الوضعية]

اختلفوا في أن الأحكام الشرعية المجعولة منحصرة في الخمسة التكليفية أو منقسمة إليها و إلى ما يسمّونها بالأحكام الوضعية و رفع غشاوة الأوهام عن وجه المرام يتوقف على كشف الكلام بتمهيد مقدّمة و هي أن الحكم الشرعي في اصطلاح القوم عرف بتعاريف (منها) أنّه خطاب اللَّه المتعلّق بأفعال المكلّفين و منها خطاب الشارع لفائدة شرعية و هذان من الأشاعرة كالغزالي و الآمدي (و منها) ما في الزبدة أعني طلب الشارع الفعل أو الترك أو الترخيص و لا يخفى أنّ شيئا من هذه المعاني غير قابل لجريان النزاع المذكورة فيه (أمّا الأوّلان) أعني الخطاب فلوضوح انقسامه إلى ما يشتمل على التكليف و الوضع فكيف يتوهّم أنّ الحكم بهذا المعنى يختص بالتكليفي و الظّاهر أنّ هذا ممّا لا خلاف فيه نعم يظهر من العضدي و الحاجبي أنّ بعضهم لا يسمّون الخطاب المشتمل على الحكم الوضعي كالسّببية حكما و لكنّه غير مناف لما ادّعينا من الاتفاق إذ الخلاف في التّسمية غير الخلاف في الانقسام من حيث المفهوم (و أمّا الثالث) فأوضح لأنّ الغرض من تعريف الحكم بالطّلب إخراج الوضعية كما صرّح به في الزّبدة فكيف يتوهّم انقسام الحكم بهذا المعنى إلى التكليفي و الوضعي و لعلّه لأجل ما ذكرنا اختار بعض من يعتقد عدم الانحصار تعريفا رابعا جامعا بين القسمين (فقال) إن الحكم في الشرع ما حكم به الشارع في التكليف من وجوب و حرمة و غيرهما و في الوضع من سببيّته و شرطيته و مانعيّته و غيرها (قلت) إن أراد بالموصول الّذي جعله مقسما للتكليف و الوضع الحكم بمعنى الإنشاء القائم بنفس الحاكم على احتمال بعيد مبني على خلط في العبارة فخروج‏

195

السّببية و الشرطية من الأمور الوضعيّة عنه واضح لأنّ السّببية صفة قائمة بالسّبب و ليست من الإنشاءات القائمة بنفس المنشي و إن أريد به المحكوم به أي الصّفة الّتي حكم بها الشارع و أخبر بها فخروج الوجوب و الحرمة عنه واضح لأنّهما إنشاءان قائمان بنفس الحاكم و ليسا من الصّفات القائمة بالأفعال نعم ينتزع منهما صفتان أخريان قائمتان بالأفعال و هما كون الفعل مطلوبا بحيث يستحق فاعله الثواب و تاركه العقاب أو منهيّا بحيث يثاب تاركه و يعاقب فاعله و قد يطلق عليهما الوجوب و الحرمة أيضا تسامحا و توسّعا لكنّهما في هذا الإطلاق ليسا من الأحكام الشرعيّة بل من الأمور الانتزاعيّة منها ككون الأمر طالبا و المأمور مطلوبا منه (و الحاصل) أنّه ليس للحكم معنى يتصوّر النّزاع في انحصاره في التكليف و عدمه لأنّه إن فسّرناه بما فسّره به الأشاعرة من الخطاب فلا ريب أنّه لا ينحصر فيما يتعلّق بأفعال المكلّفين على سبيل الاقتضاء و التخيير حتى ينحصر في التكليفية لإمكان كونه غير متعلّق بأفعال المكلّفين أصلا أو كان و لم يكن على وجه الاقتضاء و التخيير بل على وجه الوضع أو غير الوضع من الأمور التوقيفية المتعلّقة بالآخرة و هذا أعني عدم انحصار الحكم بمعنى الخطاب في التكليفية ممّا لم ينكره أحد فإنّ منهم من قال إنّ الخطاب المشتمل على الوضع متعلّق بفعل المكلّف بالالتزام كالمحقق الشريف و المحشي الشيرازي و جمال الدّين الخونساري (رحمه الله) فيدخل في تعريف الغزالي و منهم من زاد في تعريف الحكم بالخطاب قيد أو الوضع بناء على عموم الحكم الشرعي الاصطلاحي للخطابات الوضعيّة و اختصاص التعريف المذكور بما يتعلّق بأفعال المكلّفين صراحة لا التزاما و منهم من قال إنّ الحكم الشرعي لا يطلق اصطلاحا على الخطابات الوضعيّة فلا حاجة إلى ازدياد القيد و جميع هذه الكلمات متفقة على عدم انحصار خطاب اللَّه تعالى في الأحكام الخمسة فلو فسّر الحكم بالخطاب فلا بدّ من تحرير النزاع بوجه آخر و هو أنّ الخطاب المشتمل على الوضع هل يسمّى حكما و الأمر فيه سهل و هو نزاع آخر غير النّزاع المعروف في انحصار الأحكام في الخمسة إذ الظّاهر أنّه نزاع معنويّ لا يرجع إلى محض الاصطلاح و إن فسّرناه بما فسّره به شيخنا البهائي (قدّس سرّه) من الطّلب و التخيير فلا خفاء في انحصاره في التكليفية و لم يقل أحد إنّ الحكم الشرعي بهذا المعنى يعمّ الوضعي فظهر ممّا ذكرنا أن تقسيم الحكم الشرعي إلى التكليفي و الوضعي بناء على كون الحكم غير الخطاب غير صحيح لأنّ صحّة التقسيم فرع تعقّل الجامع و لم نجد في معاني الحكم ما يصلح جامعا بينهما نعم لو قيل إنّ النّزاع في أنّ السّببيّة و الشرطية و نحوهما ممّا يطلق عليه الحكم الشرعيّ مجازا أو بالاشتراك هل هي مجعولة كالخمسة التكليفية أو أنّها أمور منجعلة منتزعة من الخمسة التكليفية سواء تعقّل الجامع فيها أم لا أمكن فحينئذ لا بدّ من بيان معنى الجعل و تحرير ما هو المراد منه في المقام (فنقول) إنّ الجعل في التكوينيّات عبارة عن إيجادها و خلقتها في الخارج و هو تأثير قائم بالجاعل لكن المجعول بهذا الجعل قائم بغيره و ينقسم إلى مجعول بالذّات و إلى مجعول بالتبع كاللّوازم فإنها منجعلة بجعل الملزومات قائمة بها في وجوداتها الخارجية و أمّا في الأحكام فهو عبارة عن الإنشاءات القائمة بنفس الجاعل فجعل الوجوب عبارة عن إنشاء خاصّ متعلّق بفعل المكلّف و إضافة الجعل إليه من قبيل إضافة الشي‏ء إلى نفسه بملاحظة جهتين كإضافة الفعل إلى نحو الضّرب إذ ليس في مقام إيجاب الشّي‏ء إلا إنشاء واحد قائم بنفس الموجب و هو بملاحظة نفسه يسمّى إيجابا و بملاحظة صدوره عن الموجب يسمّى إنشاء و بملاحظة تعلّقه بالفعل يسمّى وجوبا و لو جعل الإضافة بيانية كان أيضا وجها يستراح به عن ملاحظة الجهتين و بما ذكر كلاّ أو جلاّ صرّح المحققون و الأحكام الوضعية على القول بجعلها لا بدّ أن تكون من القسم الأخير بأن تكون عبارة عن إنشاءات خاصّة قائمة بنفس الحاكم و إن لم تكن من سنخ الطّلب لا من قبيل الأول بأن تكون حقيقتها خارجة عن الإنشاء قائمة بغير الحاكم كالبياض القائم بالجسم فإن جميع الموجودات أحكام بهذا المعنى أعني محمولات ثابتة لموضوعاتها بجعل الشّارع إلاّ أن يتجشّم في إخراج سائر الموجودات باعتبار الحيثية في الشارع كما يشعر به ما تقدّم من بعض من تقسيم ما حكم به الشارع إلى تكليف و وضع إذا تحقق ذلك (فاعلم) أن الموجود في غير واحد من العبارات أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة (أحدها) انحصار الحكم الشرعي في التكليف و عدم كون الوضع حكما و نسبه في المنية إلى‏

المشهور و في شرح الوافية إلى رأي المحقّقين و هم بين من يقول باستلزامه للحكم التكليفي و من يقول برجوعه إليه فإنّ معنى سببيّة الدّلوك وجوب الصّلاة عنده (و الثّالث) أنه حكم مجعول شرعيّ في قبال الحكم التكليفي فكلّ من الوضع و التكليف حكم مستقلّ و هو ظاهر الحاجبي و العضدي و المحقّق الشريف و الباغنوي و سيّدنا في المفاتيح و قد بالغ المحقق جمال الدّين حيث عدّ من الأحكام الشرعية نحو قوله تعالى‏ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ‏ و هذا هو الحق بناء على تفسير الحكم بالخطاب كما تقدّم و أمّا بناء على كون الحكم عبارة عن مدلول الخطابات لا نفسه فالأظهر هو القول الأوّل أعني انحصار مداليل الخطابات الشرعيّة من الأحكام في التكليفية

[الكلام في بيان الحجة على المذهب المختار]

(و الظّاهر) أنّ هذا أمر غير منكر و لم أجد مخالفا فيه إلاّ القائلين بالأحكام الوضعيّة كلامهم مبني على تفسير الحكم بالخطاب و أمّا على غير هذا التفسير فلم أجد مصرحا بشموله للحكم الوضعي غير جماعة من متأخري متأخري أصحابنا المحققين كصاحب المفاتيح و صاحب الإشارات و صاحب المحصول و الفصول و غيرهم فإنّهم مع تفسيرهم للحكم الشرعي بغير الخطاب ذهبوا إلى عمومه للتكليف و الوضع لنا على ما اخترنا أنّك عرفت أنّ الحكم سواء كان من سنخ الطّلب أو من غير سنخه لا بدّ أن‏

196

يكون قسما من الإنشاء قائما بالحاكم و نحن لا نتعقّل في الخطابات الوضعية مثل قوله الدّلوك سبب لوجوب الصلاة شيئا سوى الإخبار بالسّببية عن الدلوك و شي‏ء منهما أي الإخبار و المخبر به ليس حكما إلاّ نفس الإخبار داخل في الخطاب و في صفات الحاكم و أفعاله و هو حكم بالمعنى المصدري لا العرفي كما اعترف بذلك معظم القائلين بثبوت الأحكام الوضعية حيث قال إنّ نفس الجعل من صفات الحاكم و أفعاله و ليس حكما بالمعنى العرفي بل بالمعنى المصدري و أمّا المخبر به و هي السّببية في المثال المشار إليه فقد صرّح بأنّ الحكم عبارة عنها و عن الشرطية و المانعيّة و ما أشبهها و أنت خبير بفساده لأن السّببية من صفات الدّلوك فكيف يكون حكما قائما بالحاكم نعم هو حكم بمعنى المحكوم به في قضية خبريّة و هو غير منكر فإن أراد أن الأمور الوضعية مفاهيم مغايرة للخمسة المعروفة أخبر بها الشارع عن موضوعاتها الواقعية فهو مسلّم بل عين المدّعى لأنا نعترف بأنّ السّببية و الشرطية من الصّفات القائمة بالأشياء الخارجية مستفادان من الخطابات الشرعية إمّا مطابقة كما إذا ورد الدّلوك سبب لوجوب الصّلاة أو التزاما كما في قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ و إن أراد أنّها أحكام قائمة بالحاكم نظير الخمسة فهو مصادمة للبديهة لأنّ تلك الأمور معقولات ثانوية تتعقل بعد تعقل أحد الأحكام الخمسة في وقت كذا أو حال كذا قائمة بمحالها من الأفعال و الأعيان الخارجية فكيف يدّعى كونها أحكاما شرعية مع أنّ وظيفة الحكم أن يكون قائما بالحاكم و من المتأمّل فيما ذكرنا يظهر فساد ما ذكره الآخرون قال السّيد في المحصول و أمّا الوضعي فهو على أقسام أيضا السّببية و الشرطية و المانعية و الدّلالة و ذلك أن الحاكم قد يجعل الشي‏ء سببا لآخر فيكون حاكما بسببيته و قد يجعله مانعا فيكون حاكما بمانعيّة و قد يجعله شرطا فيكون حاكما بشرطيّته و قد يجعله دليلا فيكون حاكما بدلالته و ذلك كما إذا جعل الزنا و السّرقة سببين موجبين للحدّ بقوله عزّ و جلّ‏ الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ و السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ثمّ ساق الكلام إلى أن ذكر لكلّ من هذه الأمور المذكورة مثالا (قلت) إن أراد بجعل الشي‏ء سببا لشي‏ء الحكم و الإذعان بسببيّته له فقد عرفت أن الجعل بهذا المعنى ليس حكما شرعيّا بالمعنى المتنازع فيه و إنّما هو حكم بالمعنى المصدري الخارج عن محلّ النزاع كما اعترف به (قدّس سرّه) في كلامه المتقدّم و إن أراد بالجعل معنى آخر قابلا لأن يكون من سنخ الأحكام فنحن لا نتعقّله فعليه البيان حتّى نتكلّم فيه نعم يحتمل أن يكون مراده ما سنبيّنه في تحقيقنا الآتي فلا كلام ثم إن ما ذكره من المثال غير منطبق على مدّعاه لأنّ قوله تعالى الزانية و الزاني إلى آخره ليس فيه جعل سببيّة بل المجعول هو التكليف بالجلد عند الزّنا نعم ينتزع من هذا المجعول مفهوم السّببية للزّنا كما ينتزع منه مفهوم الطّالبية للَّه تعالى و مفهوم المطلوبيّة للجلد و لو سمّي المفاهيم الانتزاعيّة أحكاما مجعولة فهذا ممّا لا ينبغي أن يتنازع فيه لكنّه يوجب القول بتحقق أحكام كثيرة بل غير متناهية في كلّ خطاب تكليفي متعلّق بفعل المكلّف في زمان أو مكان أو حال أو غير ذلك من الخصوصيّات و يبطل أيضا الحصر المصرح به في كلام جلّ القائلين بالأحكام الوضعية و كذا يبطل الفرق بين الأمور المذكورة و بين سائر الإضافات كالطالبية القائمة بالحاكم و الصّحة و الفساد القائمين بالفعل بحكم العقل و لو فرض التزام بعض بذلك كما صرّح به في كتابه حيث جعل حدود الموضوعات المستنبطة الشرعية من الفقه معللاّ بعدم انحصار الحكم الوضعي في شي‏ء فجلّ القائلين بالحكم الوضعي لا يرون ذلك قال (قدّس سرّه) في شرحه للوافية تعريضا [على‏] للسّيّد الصّدر و أمّا من زعم أن الحكم الوضعي عين الحكم التكليفي على ما هو ظاهر قولهم إن كون الشي‏ء سببا لواجب هو الحكم بوجوب الواجب عند حصول ذلك فبطلانه غنيّ عن البيان إذ الفرق بين الوضع و التكليف ممّا لا يخفى على من له أدنى مسكة و التكاليف المبنية على الوضع غير الوضع و الكلام إنما هو في نفس الوضع و الجعل و التقرير و بالجملة فقول الشارع دلوك الشمس سبب لوجوب الصّلاة و الحيض مانع منها خطاب وضعي و إن استتبع تكليفا و هو إيجاب الصّلاة عند الزوال و تحريمها عند الحيض كما أن قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ و دعي الصّلاة أيّام أقرائك خطاب تكليفي و إن استتبع وضعا و هو كون الدّلوك و الأقراء سببا و مانعا (و الحاصل‏

) أنّ هناك أمرين متباينين كلّ منهما فرد للحكم فلا يغني استتباع أحدهما للآخر عن مراعاته و احتسابه في عداد الأحكام انتهى كلامه رفع مقامه (و أجاب) الأستاذ دام ظلّه عن هذا الكلام بعد نقله بما هذا لفظه (أقول) لو فرض نفسه حاكما بحكم تكليفي و وضعي بالنّسبة إلى عبده لوجد من نفسه صدق ما ذكرنا فإنّه إذا قال لعبده أكرم زيدا إن جاءك فهل يجد المولى من نفسه أنّه إنشاء إنشائين و جعل أمرين أحدهما وجوب إكرام زيد عند مجيئه و الآخر كون مجيئه سببا لوجوب إكرامه و أنّ الثاني مفهوم منتزع من الأوّل لا يحتاج إلى جعل مغاير لجعله و لا إلى بيان مخالف لبيانه و لهذا اشتهر في ألسنة الفقهاء سببيّة الدّلوك و مانعية الحيض و لم يرد من الشارع إلا إنشاء طلب الصّلاة عند الأول و طلب تركها عند الثاني فإن أراد تباينهما مفهوما فهو أظهر من أن يخفى كيف و هما محمولان مختلفا الموضوع و إن أراد كونهما مجعولين بجعلين فالحوالة على الوجدان لا البرهان و كذا لو أراد كونهما مجعولين بجعل واحد فإنّ الوجدان شاهد على أن السّببية و المانعية في المثالين اعتباران منتزعان كالمسببيّة و المشروطية و الممنوعية مع أنّ قول الشّارع دلوك الشمس سبب لوجوب الصّلاة ليس جعلا للإيجاب استتباعا كما ذكره‏

197

بل هو إخبار عن تحقق الوجوب عند الدّلوك (قلت) الظّاهر أنّ السّؤال و الجواب ليس بينهما مطابقة واضحة لأنّ المفهوم المحصّل من كلام المستدلّ أنّ الخطاب المشتمل على الوضع مغاير للخطاب الوارد في التكليف و أنّ القول بأن الحكم الوضعي عين الحكم التكليفي باطل بالبداهة و أنّ كلاّ من الوضع و التكليف منتزع من خطاب آخر و هذه المطالب الثلاثة ليس شي‏ء منها قابلا للمناقشة و ليس في كلامه تصريح أو تلويح على أنّ الحكم الوضعي و التكليفي مجعولان بجعل واحد أو بجعلين متغايرين في ضمن خطاب واحد كما أنّه لا دلالة في كلامه على أنّ قول الشارع الدلوك سبب لوجوب الصّلاة جعل للإيجاب استتباعا بل على أنّ قوله هذا مستتبع للتكليف و منشأ لانتزاعه لأنّ ظهور الاستتباع في الانتزاع أكثر من ظهوره في استتباع الجعل و بينهما فرق واضح فالمراد أن خطاب الوضع ينتزع منه التكليف لا أنّه يستتبع بجعل التكليف فالأولى في ردّه ما قلنا من أنّ شيئا من هذه المطالب الثلاثة ليس بمردود عند النفاة كما أنّها ليست بمرادة للمثبتين (ثمّ قال) الأستاذ دام ظلّه هذا كلّه مضافا إلى أنه لا معنى لكون السّببية مجعولة فيما نحن فيه حتى يتكلّم أنّه بجعل مستقلّ أو لا فإنا لا نتعقّل من جعل الدّلوك سببا لوجوب الصّلاة خصوصا عند من لا يرى كالأشاعرة الأحكام منوطة بالمصالح و المفاسد الموجودة في الأفعال إلاّ إنشاء الوجوب عند الدّلوك و إلاّ فالسّببيّة القائمة بالدّلوك ليست من لوازم ذاته بأن يكون فيه معنى يقتضي إيجاب الشارع فعلا عند حصوله و لو كانت لم تكن مجعولة من الشارع و لا نتعقّلها أيضا صفة أوجدها الشارع فيه باعتبار الفصول المنوعة و لا الخصوصيات المصنّفة أو المشخّصة انتهى كلامه مدّ ظلاله (أقول) قد أوضحنا ما هو المراد من هذا الكلام المنيف و التحقيق اللّطيف حيث ذكرنا غير مرّة أنّ الجعل اللاّئق بالأحكام لا بدّ أن يرجع إلى نحو من الإنشاء القائم بالحاكم و نحن لا نتعقّل في الخطابات الّتي يستفاد منها الوضع كقوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ من الإنشاء و الجعل الحكمي سوى جعل الوجوب للصّلاة عند الدلوك فكان ما قدّمناه بالقياس إلى هذه العبارة يجري مجرى الشرح قبل المتن هذا و لقائل أن يقول إن الخطابات المشتملة على الوضع في العرفيات أيضا مغاير لإنشاء الطّلب أو الإذن و أنفع شي‏ء في تقريب المقام هي ملاحظة التقريرات الجعلية العرفية الّتي منها جعل الألفاظ علامة للمعاني فإنّ قول القائل وضعت هذا اللّفظ لهذا المعنى على القول بعدم المناسبة إنشاء لعلاقة جعليّة بين اللّفظ و المعنى ضرورة أنّ صيغة الماضي هنا غير مستعملة في الإخبار عن الماضي أو المستقبل بل مستعملة في إنشاء الوضع الجعلي و إحداث العلاقة فالوضع كالتكليف إنشاء قائم بالحاكم مستتبع لأثر قائم بغيره و هي السّببية و الشرطية مثلا نظير استتباع الإيجاب القائم بالموجب صفة تعرض للفعل الواجب و تقوم به فكلّ من الوضع و التكليف حكم بمعنى الإنشاء قائم بالحاكم مستتبع لأثر قائم بغيره فقوله دام ظلّه إنّه لا معنى لكون السّببية فيما نحن فيه مجعولة إلى قوله و لا نتعقّلها صفة فيه بعض المؤاخذة نعم لا معنى لكون السّببيّة مجعولة في قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ لأنّ المجعول بهذا الخطاب ليس سوى وجوب الصّلاة و أمّا السّببيّة المستفادة منه فهي أمر منتزع منه نحو انتزاع الطالبيّة و كون المأمور مطلوبا و من البيّن أنّه لا معنى لعد المفاهيم المنتزعة من جعل الحكم مجعولة حتى يتكلّم في استقلال جعلها و عدمه و لعلّه المراد بقوله فيما نحن فيه و أمّا نحو قوله الدّلوك سبب لوجوب الصّلاة فظاهر هذا الخطاب أيضا لا يقتضي جعل شي‏ء تكليفي أو وضعي لأنّ ظاهره الإخبار عن السّببية يعني اقتضاء الدّلوك وجوب الفعل مع استجماع شرائط التكليف فلا جعل فيه أيضا و الخطابات الشرعية المستفادة منها الأحكام الوضعية لا تتجاوز عن القسمين فإمّا أن يكون من قبيل أقم الصّلاة لدلوك الشمس أو من باب الدلوك سبب لوجوب الصّلاة و لا معنى لجعل السّببية في شي‏ء منهما كما عرفت نعم لو بني على مذهب الأشعري من عدم إناطة الأحكام للمصالح الواقعية وجب حمل نحو قول الشّارع الدّلوك سبب لوجوب الصّلاة على الإنشاء فيجري مجرى قوله جعلت الدلوك سببا أو قول العدل دليلا لأنّ الحمل على الإخبار من الواقع كذب لا واقعية له بناء على ذلك المذهب و أمّا بناء على مذهب العدلية من دوران الأحكام وضعا و تكليفا للصّفات الواقعية فلا ضرورة إلى صرف القضية عن ظاهرها إلى الإنشاء لأنّ وجوب الصّلاة عند الدلوك لا بدّ أن يستند على هذا المذهب إلى صفة مائزة له عن سائر الأزمان قائمة

بالدّلوك مقتضية لحسن الفعل الملزم يكون بها الدلوك سببا فيثبت له صفة السّببية فيها (و الحاصل) أنا لو بنينا على مذهب الأشعري كانت مضامين الخطابات الشرعية الواصلة إلينا الخبرية و ما يجري مجراها مثل الطّهارة شرط للصّلاة لا الخطابات المتضمنة للتكاليف في وقت كذا أو حال كذا أحكاما وضعية منتزعة من الإنشاءات الوضعيّة المغايرة لإنشاءات التكاليف قائمة بالحاكم و أمّا على مذهبنا من صدور الأحكام وضعا و تكليفا عن الصّفات الكامنة انحصر الحكم الشرعي في التكليفي و يكون الخطاب الوضعي إخبارا عن الصّفات الواقعية أو عن الأمور الانتزاعية من التكاليف و لا يذهب عليك أن قوله دام ظلّه خصوصا عند من لا يرى إناطة الأحكام إلخ غير مناف لهذا التفصيل لأن الخصوصية الملحوظة في هذه العبارة ناظرة إلى إنكار كون السببيّة مثلا صفة مخلوقة للَّه تعالى في السّبب في أحد القسمين المذكورين من الخطابات‏

198

الوضعية و هو ما كان من قبيل‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ في الاشتمال على التكليف عند وقت أو حال و الخصوصية في مثله واضحة إذ على القول بإناطة الأحكام أمكن دعوى صفة في الدّلوك مقتضية للطّلب و لا وجه لهذه الدّعوى على القول بعدم الإناطة فإنكار جعل السّببيّة في مثل هذا الخطاب أوفق على مذهب الأشعري من مذهب العدلية و أمّا ما ذكرناه فإنّما هو في القسم الآخر أعني ما كان من قبيل الدّلوك سبب في الاشتمال على الإخبار فإن الأمر فيه بالعكس لأنّ إنكار استفادة جعل السّببية منه أوفق بمذهب الإمامية من مذهب الأشعري كما عرفت وجهه (ثمّ) إنّ بعض الأكابر استدلّ على بطلان انحصار الأحكام في التكليف بما لا مساس له بمحلّ النزاع فقال و كان حاصل ما قال أنّ الحكم الوضعي و التكليف مختلفان من حيث المفهوم و من حيث الدّليل و من حيث الشّروط و من حيث المحلّ فلا وجه لإرجاع الوضع إلى التكليف و إلاّ لزم انحصار الأحكام في الثلاثة لرجوع الحرمة و الوجوب إلى حكم واحد كالنّدب و الكراهة (قلت) قد عرفت أنّ مدّعي الانحصار لا يدعي اتحاد مفهوم الوجوب و مفهوم السّببية نعم ربّما يوهم بعض العبائر كعبارة المنية أنّ من الناس من ذهب إلى رجوع الوضع إلى التكليف و هذا غير صريح في الاتحاد المفهومي و لا ظاهر خصوصا إذا كان المراد بالوضع و التكليف خطابهما لأنفسهما لأنّ القول بالرّجوع حينئذ ليس بذلك البعيد إذ لا معنى لرجوع خطاب إلى خطاب إلاّ من حيث ملاحظة الغرض المقصود و من الواضح أن الغرض من قول الشارع الدلوك سبب لوجوب الصّلاة و قوله أقم الصّلاة للدلوك واحد و أمّا ما ذكره من اختلاف الوضع و التكليف شرطا فهو أيضا غير واضح لأنّ الوضع أيضا تابع لشرائط التكليف و لذا لا يتصوّر الخطاب الوضعي الشرعي في حق المعدوم و البهائم و دعوى عدم التبعية في مثل حق الصّبيّ و المجنون مدفوعة بوجوب مراعاة حال البلوغ و الإفاقة أو حال الولي فلو أنّ المجنون ممّن لا يرجى إفاقته و لم يفرض له ولي قابل للتكليف لم يتعلّق عليه خطاب الوضع أيضا و من جميع ما ذكرنا يعرف النظر في سائر ما ذكره و اللَّه الهادي‏

بقي شي‏ء

و هو أن بعض المعاصرين نقل عنه بيان بعض الثمرات في المسألة مثل جريان الاستصحاب على القول بجعل الأحكام الوضعية و عدم الجريان على القول بعدم الجعل عند من يرى اختصاص الاستصحاب بالأحكام الشرعية و هو فاسد لأنّ الاستصحاب على هذا القول يلاحظ بالقياس إلى التكليف الملازم للوضع غاية الأمر أن ذلك التكليف يكون تعليقيّا و الاستصحاب كما يجري في التكليف التنجيزي كذلك يجري في التعليقي على ما هو التحقيق في محلّه مضافا إلى أنّ المراد بالحكم الشرعي في مسألة الاستصحاب مطلق ما من شأنه الأخذ من الشارع سواء كان حكما أو صفة أو شيئا آخر قابلا للبقاء مؤثرا في فعل المكلّف اللّهمّ إلاّ أن يقال لا نتعقل لتعليقية الحكم التكليفي معنى إلا الملازمة الجعلية الموقوف وجودها على القول بمجعولية الأحكام الوضعية فهي عين السّببيّة فليس وراءها حكم موجود في الذّهن السابق حتّى يستصحب فافهم و اللَّه الهادي‏

المقصد الأوّل من المقاصد الخمسة فيما يتعلّق بأحوال مشتركات الكتاب و السّنة كالأمر و النّهي‏

و المفهوم و المنطوق و العموم و الخصوص و المجمل و المبيّن و المطلق و المقيد ففيه مطالب‏

المطلب الأوّل في الأوامر [و النواهي‏]

و هي جمع الأمر بمعنى القول لا الفعل لأنّ البحث عن الأمر بمعنى الفعل ليس من مقاصد القوم في هذا المقام و إن جرى ذكره في لسانهم تبعا و لذا اقتصر غير واحد على البحث في الصّيغة و قد تبعنا صاحب المعالم في هذا الجمع و الأولى تركه لعدم تعلّق غرض الأصولي ببيان أقسام الأمر مع ما فيه من المؤاخذة المنقولة عن ابن الأثير و الفيروزآبادي من أنّ فعل يجمع على فعول كالوقف على الوقوف و لا يجمع على وزن فواعل و إنّما يجمع بذلك فاعلة و توجيه بعض المحققين له بتأويل مفرده إلى وزان فاعلة كآمرة و ناهية على سبيل المجاز من باب إسناد الشي‏ء إلى الآلة مبني على جواز بناء الجمع من المجازات و قد سبق في علائم الوضع إنكار جماعة لذلك حتى جعلوه علامة للحقيقة و إن كان على خلاف التحقيق نعم لو جعل ذلك من الاستعارة المكنية سلم عن هذه المناقشة لعدم كونها مجازا على التحقيق المتقدّم في بابه إلاّ أن يقال لا فرق بين الاستعارة و المجاز المرسل أو العقلي في بناء الجمع منه جوازا أو منعا و في هذا المطلب أبحاث في ضمن بدائع‏

بديعة [القول في مادة الأمر]

مادة الأمر جاءت في الاستعمالات لمعاني‏

فمست الحاجة إلى تمييز حقيقتها عن مجازها حتى ينفع فيما اشتمل على تلك المادة مجرّدا عن القرينة من الخطابات الشرعية كتابا و سنة و إن كان البحث عن المواد لا يتعلّق به كثير عرض للأصولي (منها) القول المخصوص المعدود من الكلام الّذي اختلف في تفسيره إلى أقوال آتية و هذا الإطلاق كثير شائع و منها طلب الفعل على وجه الاستعلاء سواء كان بالقول أم لا و هذا الإطلاق على شيوعه أيضا لم أعثر على من تعرّض له سوى بعض من يعول على مقالته في نحو المقام و منها الفعل و الصّنع نحو أ تعجبين من أمر اللَّه أي من فعله و صنعه و تمثيله بقوله تعالى‏ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ* و تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ‏ كما صدر عن بعض ليس في محلّه (و منها) الفعل العجيب نحو قوله تعالى‏ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا* كذا ذكره بعض المحققين و فيه نظر (و منها) الشّأن نحو و ما أمر فرعون برشيد و يمكن أن يجعل من ذلك قوله تعالى‏ أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏ أيضا (و منها)

199

الحال يقال أمر فلان مستقيم أي حاله منتظم ذكرهما بعض و الأولى الاقتصار على أحدهما (و منها) الحادثة كما عن القاموس (و منها) الغرض تقول جئتك لأمر (و منها) الشي‏ء كما يقال شغلني أمر و جرى علي اليوم أمر و يمكن إرجاع سابقه إليه (و منها) القدرة نحو مسخّرات بأمره و يمكن إرجاعه إلى القول كما ذكره في غاية المرام بدليل قوله تعالى‏ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (و منها) الصّفة (و منها) [هكذا وجدناها في النسخ الموجودة عنده‏] (و منها) الفعل النحوي الخاص سواء استعمل في الطّلب أم لا (و منها) المصدر و هو التكلّم بالقول المخصوص و هذه الأربعة ذكرها بعض مقتصرا عليها بعد القول المخصوص و ربما يظهر للمتتبع استعمالات أخر مغايرة للأربعة عشر لكن الظّاهر أنّ الاستعمالات المتمايزة المتباينة منها لا تزيد على أربعة (أحدها) المعنى المصدري الّذي يقتضيه القياس (و الثّاني) المعنى الاسمي الذي هو القول المخصوص (و الثالث) الطّلب الصّادر من المعالي مطلقا (و الرّابع) القدر المشترك بين الباقي و لا يمكن القول باندراج تلك الأربعة أيضا تحت ذلك الجامع لأنّه ليس مطلق الفعل أو مطلق الشي‏ء و إلاّ لزم القول بعدم كونه موضوعا لخصوص المعنى المصدري بل للقدر المشترك بينه و بين الكلّ و هو باطل بالبداهة و لأنّ ذلك الجامع معنى جامد لا يصلح للاشتقاق منه فيلزم القول بأن لفظ الأمر لا يتصرّف باعتبار معناه الحقيقي بل باعتبار معناه المجازي و أيضا يلزم أن يكون استعماله في المعنى المصدري مجازا و ضعفهما واضح و منه يتضح سقوط ما عن الآمدي و جماعة من اشتراكه معنى بين القول المخصوص و الفعل لما فيه أيضا من المحذورين أعني الالتزام بمجازيته في خصوص القول و بعدم جواز الاشتقاق بالنظر إلى المعنى الموضوع له مضافا إلى عدم صلاحية ما جعلوه جامعا لذلك إذ الجامع المتوهم في المقام أمور ثلاثة أو أربعة الشّأن و الصّفة و الموجود و مفهوم أحدها و الكلّ باطل لأنّ الالتزام بهذا التكلف إن كان لأجل الاستراحة عن محذور الاشتراك و التجوّز فهي غير حاصلة لأنّ استعمال الأمر في الشي‏ء أيضا أمر ثابت فإمّا أن يقال باشتراكه بينه و بين ذلك الجامع و هو كرّ على ما مرّ أو يلتزم بكونه مجازا و لا يمكن القول بالاشتراك المعنوي لأنّ مفهوم الشّي‏ء أعمّ من المفاهيم المزبورة فلا يمكن جعله من مصاديقها و إرجاع الشي‏ء إلى الشّأن في موارد استعماله مع أنّه قد لا يمكن ليس بأولى من العكس و إن كان لزعم قيام الدّليل فهو أوضح فسادا كما لا يخفى نعم لو جعل الجامع هو الشي‏ء أمكن و كان أوجه لأنّ خواص الحقيقة فيه أظهر منها في المفاهيم المذكورة و لذا ذهب أبو الحسين في محكي النّهاية إلى اشتراكه لفظا بين القول و الشّأن و الصّفة فجعل القول و الشّأن كلاّ منهما في عرض الآخر و لم يجعل الشّأن قدرا مشتركا بين القول و غيره لكن فيه أيضا ما قدمناه من عدم مساعدة الوجدان على جعل استعمال الأمر في القول منسبكا من الأمر بمعنى الشي‏ء من باب استعمال الكلّ في الفرد و أيضا قد سبق في طرائق الوضع أنّ اختلاف الجمع باختلاف المعنيين دليل علمي بحسب الآثار و الاعتبار على عدم اندراجهما تحت الجامع و عدم اتحاد ملاك الاستعمال فيهما و إن لم يدلّ على اشتراك اللّفظ بينهما لفظا كما ذهب إليه غير واحد حيث جعلوه دليلا على الاشتراك كلّ ذلك مع الإغماض عمّا في المقام من دعوى كثير من الأئمة الاتفاق على كونه حقيقة في القول بخصوصه فبطل القول بعدم وضع الأمر لخصوص القول و أنّه موضوع لمفهوم مشترك بينه و بين ما عداه و في المسألة قولان آخران أحدهما الاشتراك لفظا و عزي ذلك إلى السّيد و جمع من الفقهاء و الثاني أنّه حقيقة في القول خاصّة و مجاز في ما عداه و هو المشهور و عليه الأكثر و نسبه في المنية إلى أكثر المحقّقين و الأظهر عندي هو الاشتراك بين القول و القدر الجامع بين سائر الاستعمالات وفاقا لبعض المحققين (لنا) على ذلك شيوع الاستعمال المستمر في الفعل و الشّأن و الحال و ما أشبهها على حدّ استعمال اللّفظ في الحقيقة من السّلامة عن المنافرة و الخلوص عن اللّطائف و النكات الموجودة في المجازات مع عدم ظهور علاقة ظاهرة بينها و بين القول مصحّحة للاستعمال فيندرج المسألة في حكم متّحد المعنى الّذي لا خلاف معتدّا به في كون الاستعمال فيه دليلا على الحقيقة كما أسلفنا تحقيقه في محلّه لأنّ الالتزام بمجازيته يؤدّي إلى القول بكونه مجازا بلا حقيقة للقطع بعدم حقيقة أخرى لمادة الأمر حتى يلاحظ

العلاقة المعتبرة في المجاز بالقياس إليها (و أعجب شي‏ء في المقام ما نقل عن بعض الأعلام) من أنّ العلاقة هي المشابهة في الصّدور عن الفاعل لأنّ هذه العلاقة موجودة في أسماء الأفعال كلّها فلا بدّ من الالتزام بصحّة إطلاق بعضها على بعض كإطلاق الضّرب على الأكل مثلا بملاحظة تلك العلاقة مضافا إلى عدم اختصاص القول المخصوص بدليل لا يجري في الفعل و الشّأن مثلا و دعوى انسباقه إلى الذّهن عند التجرّد عن القرينة كما في قول القائل زيد يحسن أمره ممنوعة بل الظّاهر تردد الذهن بينهما ابتداء أو بعد التأمل في موارد الاستعمالات و هو علامة الاشتراك و بهذا يخرج عن حكم أصالة عدم الوضع مضافا إلى معارضته بأصالة عدم الوضع لمعنى آخر فيتساقطان فيبقى أصالة عدم ملاحظة العلاقة سليمة عن المعارض هذا هو الاستدلال الصّحيح عندنا و ردّه بعضهم بمنع استعمال الأمر في الفعل بإرجاع موارد استعماله فيه كقوله تعالى‏ وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ إلى القول بنحو من التكلّف كالاستدلال‏

200

بقوله تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون و هو نفخة بلا ضرام لأنّ الاستعمال فيما عدا القول غير منحصر في الفعل و لا في الآية المذكورة و إنكاره رأسا مصادمة للبديهي و هو كاف في المدّعى إذ المقصود في المقام إثبات الاشتراك في الجملة و تزييف كون الأمر متواطيا بين القول و غيره أو حقيقة و مجازا و أمّا تعيين المعنى المقابل للقول فيأتي الكلام فيه و ممّا ذكرنا ظهر أنّ المقام ليس ممّا يرجح فيه المجاز على الاشتراك لاختصاصه بما لا يستلزم ترجيح المجاز فيه المجاز بلا حقيقة أو الحقيقة المجهولة هذا و ربّما استدلّ على الاشتراك باختلاف الجمع و قد عرفت ضعفه لأنّ غاية ما يدلّ عليه الاختلاف بطلان الاشتراك المعنوي و أمّا ثبوت الوضع للمعنيين فلا بدّ فيه من التماس دليل آخر من أصل أو أمارة (حجّة القول) المشهور تبادر القول عند الإطلاق و قد عرفت ضعفه و صحّة السّلب عن الفعل يقال ما أمر زيد بل فعل و فيه أنّ التصريف و الاشتقاق إنّما يلحقان لفظ الأمر بالقياس إلى معناه القولي أو الطّلب بناء على كونه حقيقة في الآخر أيضا عرفا و أمّا الأمر بمعنى الفعل فهو اسم جامد لا يلحقه التصريف و السّر في ذلك مع أنّ لفظ الفعل ممّا يتصرّف هو أنّ لفظ الأمر موضوع للحدث بملاحظة نفسه و تقريره و لفظ الفعل موضوع له من حيث صدوره عن الفاعل و من الواضح أنّ الحدث إذا لوحظ باللّحاظ الأوّل يكون كالجامد في عدم التصرّف و إنّما يتصرّف ملحوظا باللّحاظ الثاني فحيث ما يعرضه بعض الهيئات يكون المراد به غير القول الفعل و يصحّ سلبه عن الفعل و لذا لا يجوز سلبه مجرّدا عن الهيئة فلا يقال للفعل إنه ليس بأمر بل لأنّه فعل من باب نفي أحد المترادفين و إثبات الآخر و استدلّ بعض الفحول من السّادة على التجوز بما لا يجري إلاّ في الفعل و حاصل ما ذكره بعد ادّعاء تبادر القول عند الإطلاق و صحّة السّلب عن الفعل كما يقال ما أمر بل فعل أنّه لو كان حقيقة في الفعل لصحّ إطلاقه على كلّ فعل مثل الأكل و الشّرب و يصحّ الاشتقاق منه كما يصحّ الاشتقاق من لفظ الفعل كما أنّه بمعنى القول كذلك يقال أمر يأمر مأمور كما يقال قال يقول قائل و مقول (أقول) و ممّا ذكرنا في الجواب عن صحّة السّلب يظهر ما فيه من الاشتباه و الفساد لأنّ مراد من قال بأنّه حقيقة في الفعل أنه حقيقة في المعنى الاسمي أعني نفس الفعل من حيث ملاحظة ذاته و هو حاصل الفعل المصدري لأن الفعل كالسّيل و الحيض و كذلك لفظ الأمر له إطلاقان يراد به في أحدهما المعنى المصدري و في الثاني ما تحصل من المصدر و من البيّن أنّ الاستدلال إنّما يناسبه أو يلازمه بالمعنى الأوّل دون الثاني فما اختلط عليه الأمر ثم إن التصريف إنّما يلحق لفظ الأمر بمعنى الطّلب أو بمعنى الحدثي المصدري لا بملاحظة القول المخصوص أعني الصّيغة لأنّه غير صالح للاشتقاق كما تقدّم و لم يقل أحد بأن الأمر حقيقة في مدلول ق و ل على أن يكون معنى أمر يأمر آمر معنى قال يقول قائل ففي هذا الكلام خبط بيّن ثم إنّ القائلين بالاشتراك اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنّ المعنى الآخر المقابل للقول هو الفعل و قيل إنّه مشترك بين القول و بين الشّأن و الغرض و إدراج الفعل في الشأن و هو منقول عن أبي الحسين البصري و نقل عنه في المنية الاشتراك بين القول و بين الشي‏ء و الصّفة و الشّأن و الطريق و قيل هو خيرة المعارج أيضا و الأظهر ما ذكرنا من كونه حقيقة في القول المخصوص و ما يعمّ المعاني المذكورة لأنّ منها ما يمكن إرجاع الباقي إليه و لعلّه الشّي‏ء و قد تقدّم أن الاشتراك المعنوي فيما لو تعدّد المستعمل فيه و كان أحدها جامعا بين الباقي أولى من الاشتراك اللّفظي و الحقيقة و المجاز و إنّما أخرجنا الثلاثة الأوّل عن ذلك الجامع لقيام الدّليل عليه لأنّ استعمال الأمر في المعنى المصدري ليس باعتبار كونه من مصاديق الشي‏ء و إلاّ لم يلحقه التصريف و لعلّ هذا معلوم لا شبهة فيه و كذا الحال في القول المخصوص و الطّلب ثمّ الظّاهر أنّ كلاّ من الحدث و القول معنى حقيقي للأمر و إن كان إطلاقه على القول الكاشف عن الطّلب مبنيا على ضرب من التجوز في ابتداء الأمر إلاّ أنّه في العرف صار حقيقة في ذلك القول فلفظ الأمر من الألفاظ المشتركة بين المعنى الوصفي و هو المعنى المصدري و الاسمي و هو

القول المخصوص نظير اشتراك لفظ السّيل و الحيض بين المصدر و بين الماء و الدّم المعهودين و يدفعه التبادر مضافا إلى أصالة عدم الاشتراك بل الظّاهر أنّ معنى الأمر عرفا هو المعنى المصدري خاصّة أعني الطّلب القولي و إطلاقه على نفس القول بملاحظة نفسه لا بملاحظة صدوره من الأمر ليس إلاّ كإطلاق سائر المصادر فإنّ المصدر يستعمل في المعنى الّذي يعبّر عنه بالمفعول المطلق مطّردا يقال ضرب ضربا و هكذا و هذا ليس مبنيا على اشتراكه لفظا كما يظهر بالتّأمّل و أمّا الفعل المعهود بين النّحويين فعدّه من إطلاقاته العرفية كما فعله بعض الأفاضل في غير محلّه إذ الظّاهر أنّه من مصطلحات النّحويّين و ربما يظهر من المحقّق القمّي (رحمه الله) أنّ الأمر بمعنى القول أيضا من اصطلاح العلماء و ليس من معانيه العرفية و اللّغويّة و فيه منع واضح إذ الظّاهر أنّ الأمر في العرف قسم من أقسام الكلام كالصّدق و الكذب و مثل لفظ الكلام فإنّه حقيقة عرفا فيما يتكلّم به كما أنّه حقيقة أيضا في المعنى المصدري فالأمر و النّهي و الصّدق و الكذب حقائق عرفية في معنيين أحدهما الحدث و هو المعنى المصدري و الثاني الأقوال المخصوصة من الخبر و الإنشاء كلفظ الخبر و الإنشاء فإنّهما أيضا كذلك فدعوى انحصار المعنى العرفي للفظ الأمر في خصوص المصدري كما يظهر من المحقق القمّي (رحمه الله) بجعل القول المخصوص من مصطلحات العلماء غير