بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
201

واضحة نعم قد يتأمّل بمساعدة ظاهر كلمات القوم أن معناه المصدري ليس مغايرا للقول المخصوص لأنّ القول أيضا معنى حدثي مصدري فهو بهذه الحيثية معدود من معاني الأمر لا بملاحظة نفسه و كونه اسم جامد و يؤيده تعريف بعض للقول المخصوص من يطلب العالي بالقول لكن الإنصاف أنّ ما ذكرنا من إطلاقه تارة على المصدر و أخرى على نفس القول أمر غير خفي و يدلّ عليه مؤاخذة الكلّ أو الجلّ على التّعريف المذكورة بأن الأمر اسم للقول و تفسيره بالطّلب غير صحيح و ممّا يؤيّد كون القول معنى عرفيا للأمر لا معنى اصطلاحيّا أنّ الدّاعي إلى البحث في مادّة الأمر كما صرّح به بعض اشتمال الكتاب و السّنة على هذا اللّفظ و واضح أنّ هذا الداعي لا مساس له ببيان معناه الاصطلاحي مع أنّ البحث في المادة و الهيئة على نسق واحد و ستعرف أنّ الكلام في الهيئة إنّما هو في المعنى العرفي كلّ ذلك مضافا إلى ما في احتجاجاتهم على الدّعاوي الآتية من التعلّق بالأمارات العرفية (و كيف كان) فإن بنينا على ما قلنا فالأمر كما ذكرنا من اشتراك الأمر بين القول المخصوص و المعنى المصدري أعني التلفّظ بذلك القول حتى أنّه إذا قيل أمر يأمر آمر حمل على أنّه تكلّم بالقول الدّال على الطّلب و أمّا نفس الطّلب فالظّاهر أنّ الاستعمال فيه بناء على ذلك منسبك من القول فيكون مجازا لأولويّة المجاز من الاشتراك إلاّ أن يقال إن أحد الاشتراكين لازم إمّا الاشتراك بين القول و المصدر أو بين القول و الطّلب لأنّ القياس لا يقتضي الاشتقاق من نفس القول كما عرفت فلا بدّ من الالتزام بالاشتراك أو القول بأن مشتقات الأمر مأخوذة من الأمر بمعنى الطّلب مجازا و هو بديهي البطلان لأنّ الاشتقاق و التصريف من المبدإ المجازي مع عدم معهوديّته في العرف و اللّغة و ذهاب غير واحد إلى عدم جوازه حتى جعلوه من علائم الحقيقة كما مرّ غير مستقيم هنا لأن كلّ أحد يعلم بأن تصاريف الأمر ليس كذلك و إن بنينا على أنّ القول حقيقة له اصطلاحية كاللّفظ و التثنية و الجمع و العام و الخاص و الجملة و أضرابها تعيّن أن يكون معناه العرفي هو الطّلب خاصّة إذ ليس له حقيقة أخرى صالحة لانسباك الأمر في الطّلب و الإرادة الحتمية منه مجازا و اللَّه الهادي‏

بديعة اختلفوا بعد الاتفاق على كون الأمر حقيقة في القول المخصوص في جهات‏

الأولى في حدّه‏

و قد اختلفوا فيه على أقوال ستّة أو أزيد و منشأ الاختلاف كلاّ أو جلاّ اختلاف آرائهم في حقيقة المحدود فليس الاختلاف هنا على حدّ الاختلاف في سائر الحدود و حيث إنّ النّزاع في غير المقام يرجع إلى المؤاخذة في طرد الحدّ و عكسه بعد الاتفاق على حقيقة المحدود و في المقام يرجع إلى الاختلاف في حقيقة المحدود من حيث مراعاة بعض الأشياء فيه شطرا أو شرطا فالأولى الاقتناع بذكر مواضع الخلاف عن التحديد لأنّه يتفرّع على معرفة ما هو داخل تحت المسمّى أو خارج (فنقول) مفصّلا للمقال إنّ الأمر عبارة عن القول الدّال على الطّلب و هذا القدر ممّا اتفق عليه الكلّ حتى الأشعري لأنّ القول بالكلام النفسي ليس إنكارا للكلام اللّفظي بل ادّعاء لكلام آخر خارج عن اللّفظ فكلّ من الطلب و القول معتبر في مفهومه عرفا بشهادة جلّ الأمارات أو كلّها بعد الاتفاق المحقق سواء كان ذلك القول صيغة افعل أو غيره فتفسير المعتزلة له بقول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه فاسد أو منزل على المثال الكلّ كاشف قولي عن الطّلب و يندفع بذلك جلّ ما أورده عليه العلاّمة (رحمه الله) في النهاية أو كلّها لابتنائها على عدم مراعاة الطّلب رأسا و أمّا الكاشف الفعلي كالإشارة و الكتابة فليس بأمر قطعا نعم ربما يطلق على الطّلب المنكشف منها الأمر أيضا كما يقال أمر الأمير بكذا إذا وقع إلى رعيّته لكنه بضرب من التوسّع و المجاز لأنّ الأمر قسم من أقسام الكلام و الكتابة ليست من الكلام و إنّما الإشكال و الخلاف في أمور (الأوّل) أنّه هل يعتبر في مفهوم الأمر زيادة على الأمرين أن يكون الطّالب عاليا أو مستعليا أو لا يعتبر شي‏ء منهما أو يعتبران معا أو يعتبر أحدهما أقوال و الأظهر عندي هو الأوّل وفاقا للمحكي عن السيّد و الشّهيد و جماعة من الأصوليّين و جمهور المعتزلة فهاهنا مقامان (أحدهما) اعتبار العلوّ و عدم كفاية الاستعلاء و هو قضية مقالة من اعتبر الأمرين (و الثاني) عدم اعتبار الاستعلاء إذا كان الأمر عاليا بالنّسبة إلى المأمور (و اعلم) أن المراد بالاستعلاء هنا غير الوجوب المتنازع في اعتباره في مفهوم الأمر كما يأتي و فسّروه بالتغليظ في القول و الأولى إحالته إلى الوجدان دون البيان لأنّ الاستعلاء في مقام الطلب أمر يعرفه كلّ أحد إذ العلوّ شي‏ء و إظهاره شي‏ء آخر و لعلّ التغليظ في القول من جملة ما يكشف عن ذلك خلافا لما يظهر من المحقق القمّي (رحمه الله) حيث إن الاستعلاء عنده هو الإيجاب و لو صحّ ما ذكره لكان موافقا لنا في عدم اعتبار الاستعلاء لأن اعتبار الإيجاب في مدلول الأمر صحيح لا ننكره أيضا كما يأتي الكلام فيه (لنا على الأوّل) التبادر و صحّة السّلب عن طلب الذاتي و لو كان مستعليا و استوضح الحال بملاحظة ما لو أريد الإخبار عن الطّلب الصّادر من الداني مع كون الغرض صرف الإخبار من دون ضمّ غرض آخر فلا يقال أمر العالي بل تأمر أو استعلى في سؤاله و هو دليل على اعتبار العلوّ في مفهوم الأمر و أيضا على القول بكفاية أحد الأمرين لزم القول باشتراك الأمر بينهما لفظا لعدم الجامع بين العلوّ و الاستعلاء كما لا يخفى و هو بديهي الفساد و لذا لا يتردّد الذهن بينهما عند الجهل بحال الأمر و الشكّ في أنّه عال أو

202

مستعل بل ينصرف إلى كونه عاليا و يبنى عليه و احتجّ في المختصر و شرحه على كفاية الاستعلاء و عليه الأكثر كما قيل بأن العقلاء يذمّون الأدنى بسبب أنّه أمر المولى فلو اشترط العلوّ لما كان أمرا و تبعهم على هذا الاستدلال غير واحد من أصحابنا المتأخّرين و منهم بعض المحقّقين و هو عندي غير صحيح (أمّا أوّلا) فلأنّ المستعلي يجعل نفسه عاليا و ينزلها منزلته فيستعلي فالعلوّ المعتبر في مفهوم الأمر موجود في الداني المستعلي و لو على سبيل الادّعاء نظير إطلاق العالم على الجاهل الّذي يدّعي المتكلّم علمه فإنّه لا شبهة في أنّ إطلاق العالم عليه حقيقة لغويّة و لو ادّعاء مع أن المعتبر في مفهوم العالم صفة واقعية يضاد الجهل الواقعي بالضّرورة (فإن قلت) هذا اعتراف بمقالة من يكتفي بالاستعلاء لأنّهم يقولون إن العلوّ المعتبر أعمّ من أن يكون حقيقة أو ادّعاء و تكبرا (قلت) من يعترف بما ذكرناه فلا بد أن يلتزم بأن استعمال لفظ الأمر في طلب المستعلي حقيقة ادّعائية لا واقعية و هم لا يقولون بذلك بل يزعمون أنّ صدق الأمر في صورة الاستعلاء غير مبني على شي‏ء من التنزيل و الادّعاء بل هو مثل الصّدق في صورة صدوره من العالي و مرجع كلامنا إلى أنا لا ننكر صدق الأمر في صورة الاستعلاء لكنا ندعي ابتناءه على نحو من التنزيل و الادعاء فيكون حقيقة ادّعائية فافهم فإنّ هذا النّحو من الصّدق لا ينافي ما ادّعينا من صحّة السّلب بخلاف ما يقولونه فإنّ صحّة السّلب لا تجامعه كما لا يخفى (و أمّا ثانيا) فلأنّه إن أريد باستقباح العقلاء استقباحهم القول الصّادر من الداني على سبيل الاستعلاء كصيغة افعل فهو مسلّم بل هو من الاستكبار المذموم في القرآن على إبليس لعنه اللَّه تعالى و لكنّه لا يجدي إذ لا مساس له بالمدّعى و هو صدق مادّة الأمر بمجرّد الاستعلاء و كذا لو أريد استقباحهم قول الدّاني للعالي أنت مأمور بكذا لأنّ قبح ذلك أيضا باعتبار دلالته على عدّ الدّاني نفسه عاليا بحكم دلالة لفظ الأمر على ذلك و هو عين الاستعلاء و الاستكبار القبيحين و إن أريد أنّ أهل اللّسان يعبّرون عن طلبه الصّادر استعلاء بلفظ الأمر فمع استدراك مقدّمة الذمّ و الاستقباح كما لا يخفى على المتدرّب يرد عليه أنّ غاية ما يلزم من ذلك ثبوت الاستعمال و هو أعمّ من الحقيقة و لو بني على طريقة السيّد من كون الأصل في الاستعمال الحقيقة مطلقا أو مع شيوعه و استمراره لم يفد في المقام أيضا لأنّ التعويل على ظاهر الاستعمال إنّما يصحّ إذا لم يعارضه أقوى منه من العلائم و قد عرفت أنّه يصحّ سلب الأمر عن القول الصّادر من الدّاني على سبيل الإيجاب مستعليا و هذا أصل نافع يجب إمساكه و إعماله في كلّ ما يرد في الاستعمالات الدّائرة من تعارض النفي و الإثبات كما إذا قيل للبليد إنّه إنسان و أخرى إنّه ليس بإنسان فإنّه لا بدّ حينئذ من تقديم جانب النفي حيث إنّ الإثبات يجري فيه ما لا يجري في النفي من الاحتمالات المبنية على ضروب المجاز كالمسامحة و التنزيل و الادّعاء و التشبيه و غير ذلك ممّا يبعد أو يمتنع وجوده في النفي فتأمل و ربما استدلّ بهذا الدّليل كما عن المعتزلة على اعتبار العلو في مفهوم الأمر فهو ممّا استدلّ به على طرفي النقيض و لعلّ نظرهم إلى أنّ الذّم و الاستقباح إنّما هو على شي‏ء يرجع إلى اللّغة (و حاصله) تغليط أهل العرف قول الدّاني للعالي افعل على سبيل الاستعلاء و التغليط لا يكون إلاّ باعتبار انتفاء الوضع و عدم العلاقة و فيه أنّ الاستعمال الغلط لا يصلح للذمّ و تقبيح العقلاء مضافا إلى إمكان إبداء علاقة التضاد هنا و قد يستدلّ على عدم اعتبار العلوّ و كفاية الاستعلاء بما ذكره العلاّمة (قدّس سرّه) في النّهاية من إطلاق الأمر على طلب الداني في قوله تعالى حكاية عن فرعون أنّه قال لقومه‏ فَما ذا تَأْمُرُونَ* و في قول عمرو بن العاص لمعاوية

أمرتك أمرا جازما فعصيتني‏* * * و كان من التوفيق قتل بن هاشم‏

و في قول دريد بن صحت لنظرائه و لمن هو فوقه‏

أمرتكموا أمري بمنفرج اللّوى‏* * * و هل يستبان الرّشد إلاّ ضحى الغد

و في قول ابن المنذر لبريد ابن المهلب أمير خراسان و العراق‏

أمرتك أمرا جازما فعصيتني‏* * * فأصبحت مسلوب الإمارة نادما

و فيه بعد الغضّ عن عدم نهوض الاستعمال بإثبات الوضع ما ذكره السّيد في المحصول من أنّ قول فرعون كان لاستمالة قلوب القوم حين ضاق به الخناق ليمحّضوه النصح في مثار الفتنة و قول ابن العاص كان في مقام المكاشرة و المضاحكة و كم له من مثلها (و إن شئت) فانظر إلى قصيدته الّتي يقول فيها نسيت مجاورة الأشعري و نحن على دومة الجندل‏

و رقّيتك المنبر المشمخر* * * بلا حدّ سيف و لا منصل‏

إلى أن قال لعنه اللَّه‏

و أين الثّريّا و أين الثّرى‏* * * و أين معاوية من علي (عليه السلام)

و هكذا جميع ما ورد من تلك الاستعمالات فهي محمولة على الأغراض الزائدة عن غرض التفهيم الّتي يتوقّف على وضع لفظ في غير موضعه الّذي عيّنه الواضع هذا مضافا إلى أنّ الأخذ بظاهر الاستعمالات هنا مناف لمقالة المستدلّ من اعتبار الاستعلاء إذ لم يعلم استعلاء الأمر في تلك المواضع و لذا استدلّ بها من ذهب إلى عدم اعتبار شي‏ء من الأمرين كالعضدي حيث وجد الإطلاقات مجرّدة عن العلوّ و الاستعلاء و دعوى ثبوت الاستعلاء بقرينة لفظ الأمر استدلال دوريّ كما لا يخفى و لك أن تستدلّ بهذه الاستعمالات على خلاف مقصود المستدلّ (فتقول) إنّه لا ريب في أنّ مساق الآية صريح في أن قول فرعون ما ذا تأمرون كان لأجل الاستمالة كما ذكره السّيد فلو كان الأمر غير موضوع‏

203

لطلب العالي فقط لم يحصل المقصود لأنّه يجري حينئذ مجرى قوله ما ذا تطلبون أو تقولون أو نحو ذلك أو تريدون ممّا لا يترتب عليه غرض الاستمالة و هكذا تقول في قول عمرو بن العاص لعنه الله فإنّه كان مبنيا على المضاحكة فلو كان الأمر حقيقة في طلب غير العالي أيضا لم يترتب ذلك على قوله أمرتك لأنّه يكون بمنزلة طلبت منك أو قلت لك و هكذا إلى سائر المقامات فافهم (و لنا على الثاني) أعني عدم اعتبار الاستعلاء و كفاية العلوّ صدق الأمر على طلب العالي بالقول و لو لم يكن مستعليا نعم يجب في صدقه محافظة سائر ما يعتبر في مفهومه من الوجوب و غيره فلو كان الطّلب المذكور على وجه النّدب لم يكن ذلك أمرا و من ذلك يظهر فساد ما بنى عليه الأكثر من عدم كفاية العلوّ و اشتراط الاستعلاء استدلالا بعدم صدق الأمر على طلب العالي إذا كان على وجه الدعاء بجعل نفسه أدنى من المأمور استخفافا أو على وجه الالتماس بادّعاء المساوات فإن خروجهما عن الأمر من جهة انتفاء الوجوب و هي الإرادة الحتمية مع عدم الرّضى بالتّرك لا من جهة انتفاء الاستعلاء اللّهمّ إلاّ أن يكون المراد بالاستعلاء الإيجاب كما استظهره المحقق القمّي (رحمه الله) و يؤيّده اقتصار غير واحد في مدلول الأمر على الاستعلاء و عدم التعرّض لاعتبار الوجوب أصلا لكن يرد عليهم حينئذ أنّ الاكتفاء بالاستعلاء على هذا المعنى يستلزم القول بصدق الأمر على طلب الدّاني بالقول إذا لم يكن راضيا بالترك و هو واضح الفساد و ظاهر مقالتهم آبية أيضا عن ذلك (و الحاصل) أنّ القول بعدم كفاية العلو و أنّه لا بدّ من الاستعلاء كما هو صريح العلاّمة (قدّس سرّه) في النهاية و غيره إن رجع إلى اعتبار الإيجاب أعني الطّلب المقرون بعدم الرضى بالترك صحّ استدلالهم على ذلك بما عرفت من عدم صدق الأمر على طلب العالي على وجه الدّعاء و الالتماس لأنّه على الوجهين غير مقرون بعدم الرّضى بالترك لكنه يستلزم القول بصدق الأمر على طلب الدّاني مع عدم الرضى بالتّرك و هو ممّا يقضي البداهة بفساده و إن رجع إلى اعتبار أمر زائد على الإيجاب بطل الاستدلال المذكور لأنّ خروج الدّعاء و الالتماس ليس لأجل عدم كون العالي فيهما مستعليا بل لأجل عدم كونه موجبا (فإن قلت) قولك هذا باطل لأنّ الالتماس و الدعاء لا ينافيان عدم الرّضى بالترك فلا ينافيان الإيجاب بالمعنى المذكور أعني الطّلب المقرون بعدم الرّضى بالترك لأنّ كلّ طالب لا يرضى بترك مطلوبه سواء كان داعيا أو ملتمسا إلا إذا كان طلبه على وجه النّدب فالمنافي لعدم الرّضى بالترك هو كونه على وجه النّدب لا على وجه الالتماس أو الدّعاء و بالجملة الالتماس و الدّعاء و الأمر من أقسام الطّلب المقرون بعدم الرّضى بالترك فصحّ الاستدلال المذكور إذ لو اكتفي في صدق الأمر بمجرّد كونه عاليا و لم يلاحظ فيه الاستعلاء انتقض ذلك بالدّعاء و الالتماس الصّادرين من العالي قولك لا ينتقض لانتفاء شرط الوجوب و هو عدم الرّضى بالترك مدفوع بأن الضّرورة قاضية بوجود هذا الشرط في جميع أقسام الطّلب غير الندب سواء كان التماسا أو دعاء لأنّ الالتماس و الدّعاء عنوانان يعرضان للطّلب بملاحظة مقام صدوره لا بملاحظة مراتبه المختلفة من حيث الشدّة و الضّعف بخلاف الوجوب و النّدب فإنّهما صفتان للطّلب بملاحظة القوة و الضّعف و لذا يدلّ عليهما القول الصّادر من العالي وجوبا أو ندبا بخلاف الاستعلاء و الالتماس و الدّعاء فإن نفس الصّيغة الصّادرة من العالي غير دالّة على شي‏ء منهما كما ستعرف إن شاء الله تعالى فظهر أنّه لا بدّ في صدق الأمر زيادة على كون الطّالب عاليا من أن يكون مستعليا (قلت) لو صحّ ما ذكرت من اشتمال الطلب الصّادر على وجه الالتماس أو الدّعاء على عدم الرّضى بالترك كانا من أقسام الأمر أيضا إذا كان الطّالب عاليا يجب بحكم العقل أو العرف إطاعته لأن عدم رضى العالي بترك مطلوبه سبب لإلزامه على المطلوب منه و هذا يكفى في صدق الأمر على الصّيغة الدالّة على ذلك الطّلب إذ لا يعتبر في الأمر سوى كون الطّلب بحيث يجب عقلا أو عرفا إطاعته سواء كان الطّالب جاعلا لنفسه مساويا للأدنى أو نازلا لمرتبته عن مرتبة الأدنى و لذا لا يتأمّل أهل العرف في إطلاق الأمر على طلب العالي بطريق الالتزام حتى يستبين لهم كونه على وجه الاستعلاء بل يطلقون على الأحكام اللاّزمة الصّادرة من الموالي إلى العبيد اسم الأمر من غير التفات إلى أحد الوجوه المزبورة فضلا عن إحراز كونه على وجه الاستعلاء و ممّا ذكرنا ظهر أن ما ذهب إليه بعض أهل التحقيق من عدم صدق‏

الأمر على طلب العالي في صورة التذلّل و الاستخفاض مع المساعدة على عدم اعتبار الاستعلاء في مفهومه ليس على ما ينبغي لأنّ الطّلب المستتبع لوجوب الإطاعة بالقول أمر عرفا مطلقا غاية الأمر أنّه يصدق عليه الدّعاء أيضا ادّعاء إذا كان في طلبه خافضا للجناح مستحيلا لقلب المأمور و لا منافاة بين اجتماع الأمر و الالتماس في طلب أحدهما على وجه الادّعاء و التنزيل و الآخر على سبيل التحقيق فظهر أن تقسيم الطّلب بالقول إلى الأمر و الدّعاء و الالتماس تقسيم من جهة الرتبة و مبني على ملاحظة أنحاء الطّالبين لا أنحاء الطّلب حتى يتأتّى في كلّ واحد من طلب العالي و الدّاني و المساوي كما يوهمه أو يصرح به كلام بعض إذ من الواضح عدم مساعدة أهل اللّسان على صدق الأمر حقيقة على طلب الداني و لو كان مستعليا

204

كما مرّ الطّلب المقرون بعدم الرّضى إن صدر من العالي سمّي أمرا و إن صدر من الدّاني سمّي التماسا و سئولا و إن صدر من المساوي سمي دعاء فالأقسام المزبورة أقسام الطّلب بملاحظة أحوال الطّالبين لا بملاحظة حال الطّلب أو بملاحظة مقام صدوره هذا و لكن ظاهر جملة من العبارات يقتضي الفرق بينهما على الوجه الأوّل أعني من حيث اشتمال الأمر على الإلزام دون الالتماس و الدّعاء و ليس بشي‏ء و المعتمد هو الأول (و حاصله) أن الفرق بين الأمر و الالتماس إنّما هو بملاحظة حال الأمر لا حال الطّلب فإن كان الطّالب الغير الرّاضي بالترك عاليا كان الطّلب حينئذ أمرا و إن كان دانيا كان دعاء و أمّا الشفاعة فجعلها بعض أهل النظر قسما ثالثا و عندي أن الفرق بينها إذا صدرت من العالي لا مطلقا و بين السّؤال عكس الفرق بين العالي و المستعلي بمعنى أن السّؤال أن يكون الطّالب دانيا في الواقع و الشفاعة هي أن يكون دانيا جعليّا فالعالي إذا خضع و نزّل نفسه منزلة الأدنى عدّ شفيعا و سيأتي فرق آخر بين الشفاعة و غيره فتلّخص ممّا ذكرنا أنّ كلّ طلب يستقبح مخالفته شرعا أو عقلا أو عرفا فهو أمر و حيث إنّ الاستقباح موجود في طلب العالي مطلقا مع عدم الرضى بالتّرك سقط اعتبار الاستعلاء و كلّ طلب لا يستقبح مخالفته فهو ليس بأمر و حيث إن الاستقباح منحصر في طلب العالي سقط الاكتفاء بالاستعلاء و ممّا ذكرنا ظهر حجج الأقوال الباقية و أجوبتها

بقي شي‏ء

و هو أن العلاّمة (رحمه الله) في النهاية بعد الفراغ عن البحث في مادّة الأمر بحث عن الصّيغة و جعل من جملة ما بحث فيها مسألة اعتبار الرتبة في القائل و هذا ربّما يوهم أو يدلّ على أنّ الرتبة على القول بها معتبرة في مدلول الصّيغة الّتي هي مصداق للمادّة و صرّح بعض المحققين بخلافه حيث قال إنّ العلو أو الاستعلاء إنما يعتبران في مفهوم الأمر لا في مصداقه أراد أن الصّيغة لا دلالة لها على شي‏ء من الأمرين و إنّما يدل عليهما لفظ الأمر بمفهومه و لعلّ هذا هو الأقرب فلا بدّ من حمل كلام العلاّمة على ذلك و هذا نظير لفظ الصّدق و الكذب فإنه يعتبر في مفهومهما مطابقة الواقع أو عدمها و لا يعتبر في مصداقهما شي‏ء من الأمرين فلا الكلام الصّادق يدلّ على المطابقة و لا الكاذب يدلّ على المخالفة و ما قيل إن الصّدق هو مدلول الكلام و إنّما المخالفة للواقع احتمال يبديه العقل كلام ظاهريّ ساقط في النظر الصحيح لا يقال مخالفة المفهوم للمصداق أمر غير معقول فكيف يعتبر في مفهوم اللّفظ شي‏ء و لا يعتبر ذلك في مصاديق ذلك المفهوم لأنّا نقول تسمية نفس القول مصداقا للأمر مسامحة و المراد كون القول المخصوص مصداقا له محال كونه صادرا من العالي أو المستعلي على أن يكون التقييد داخلا و القيد خارجا و هكذا الكلام في الصّدق و الكذب فإنّهما موضوعان للخبر من حيث مطابقة أو مخالفة للواقع فنفس الخبر مع قطع النظر عن الحيثية المزبورة ليس مصداقا للصدق أو الكذب و اللّه الهادي‏

الأمر الثّاني [الكلام في أن مادة (الأمر) دالة على الوجوب أم لا]

من الأمور المختلف فيها الوجوب فذهب جماعة من الأعلام إلى أنّه لا بدّ في صدق الأمر زيادة على كون الطّالب عاليا أو مستعليا أن يكون الطّلب الصّادر منه على وجه الإلزام و الحتم بل في شرح الزّبدة أن عليه الجمهور و أكثر الأصوليين من أصحابنا و يشهد له ما تيسّر لي من التتبّع فإنّي لم أجد من الأصحاب من صرّح بأنّ الأمر موضوع لمطلق الطّلب الصّادر من العالي أو المستعلي بالقول نعم ظاهر تعاريفهم للأمر بمعنى القول بالطّلب يقضي بذلك و لعلّه الوجه في نسبة صاحب المحصول إلى أكثر الأصوليين القول بعدم دلالة الأمر على الوجوب و يحتمل أن يكون مراده بالأصوليين غير أصحابنا فيرتفع التنافي بين ما في المحصول و ما في شرح الزّبدة إذ لا منافات بين ذهاب أكثر أصحابنا إلى الأوّل و ذهاب أكثر الأصوليين مطلقا إلى الثاني و يؤيّده أن القول الثاني هو مذهب الحاجبي و العضدي حيث صرحا بأن المندوب مأمور به بل نسبه العضدي إلى أكثر المحققين و كيف كان فالأظهر عندي هو القول الأول وفاقا لجملة من أعاظم المتأخرين (لنا على ذلك) بعد التبادر و صحّة السّلب عن المندوب بغير صيغة افعل تتبع موارد هذه الكلمة في الاستعمالات الدائرة كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) لو لا أن أشق على أمّتي لأمرتهم بالسّواك و قول بريرة حين شفع في مراجعته من كانت تحته بعد عتقها أ تأمرني يا رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) إنما أنا شافع و قول الصّحابة حين أمروا يوم غدير خمّ أن يسلّموا على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين أمر من اللَّه و رسوله و قول الصّادق (عليه السلام) لهشام حين استخبره عمّا صنع بعمرو بن عبيد فاعتذر بأن أجلّك و أستحييك و لا يعمل لساني بين يديك و نعم ما اعتذر (رضوان اللَّه عليه) إذا أمرتكم بشي‏ء فافعلوا حيث عبّر عن إرادته الحتمية بلفظ الأمر و لو بمساعدة ظهور صيغة فافعلوا في الإيجاب و أدلّ من ذلك كلّه تعليق التهديد و المذمّة على مخالفة مطلق الأمر في قوله تعالى‏ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ و قوله تعالى‏ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ‏ و قوله‏ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ (و من هنا) ذكر بعض أن لفظ الأمر لو لم يكن أدلّ على الإيجاب من الصّيغة فليس بأقلّ و استعماله في المندوب ليس أكثر من استعمال الصّيغة فيه و لذا أورد بعض أهل النظر في إبطال الاستدلال بها على كون الصّيغة للوجوب بأن فيه دورا لتوقف الاستدلال بها على صدق الأمر على الصّيغة المطلقة المجرّدة و هو يتوقف على إثبات كون الصّيغة للوجوب فجعل اعتبار الوجوب في مدلول‏

205

الأمر من مقدّمات المسألة لا يقال غاية ما هو المعلوم في تلك الموارد استعمال الأمر في الإيجاب و هو غير نافع إلاّ على طريقة السّيد لأنّا نقول ليس الاعتماد فيها على صرف الاستعمال بل مع ملاحظة كون الإطلاق مجرّدا عن القرينة بشهادة مساق الكلام و الاستعمال المجرّد عن القرينة ليس في دلالته على الحقيقة خلاف و كيف ينعقد الخلاف فيما يقتضي به البداهة بعد ملاحظة كون الإفادة و الاستفادة منحصرتين في الوضع أو القرينة فإذا انتفي الثّاني تعيّن الأوّل لا يقال ما زعمت من تجرد هذه الاستعمالات عن قرينة الوجوب فاسد أمّا في حديث الأمر بالسّواك فلوجهين (أحدهما) قوله (صلى اللَّه عليه و آله) و لو لا أشق على أمّتي إذ لا مشقّة في الأمر النّدبي فيتعين أن يكون هو الأمر الإلزامي (و الثّاني) أمره (صلى اللَّه عليه و آله) بالسّواك ندبا و أمّا في حديث بريرة فلأنّ قولها أ تأمرني بعد معلوميّة جنس الطّلب لا محمل له سوى إرادة الخصوصيّة و هو الإلزام و أمّا في حديث هشام فلأنّ قوله (عليه السلام) فافعل قرينة لإرادة الطّلب الإلزامي بناء على ما هو مبنى الاستدلال من دلالة الصّيغة على الوجوب إذ لا معنى لإيجابه المستحبّ لأنا نقول إنّ قوله لو لا أشق غير صالح لما ذكر لأنّ الرّبط الحاصل بين الشرط و الجزاء يتوقف على معلوميّتهما للمخاطب قبل علمه بالارتباط لتأخر الرّبط عن المرتبطين بحسب الرّتبة فلا يجوز أن يقول المتكلّم في علم المخاطب بطرفي الرّبط على ألفاظ تقصر عن إفادة ذلك إلا بعد الرّبط و هذا أصل مطّرد و هو أنّ الموضوع الواقعي في القضية لا بدّ أن يكون معلوما للمخاطب مع قطع النظر عن ثبوت الحكم له و إلاّ لزم الدّور لأنّ الحكم يتوقف على موضوع معلوم للمخاطب فلو توقف العلم بالموضوع على مجي‏ء الحكم لزم الدّور فافهم هذا فيما يقتضيه قاعدة التحاور لو خليت و نفسها و إلا فقد يخرج المتكلّم كلامه عن حدّ المتعارف فيتكلّم بقضيّة صوريّة يعني يريد من الموضوع معنى خفيا على المخاطب بلا نصب قرينة عليه فيتلفّظ به صورة اعتمادا على انتقاله إلى الموضوع الواقعي بعد إلقاء الحكم كقوله أسد في الحمّام عند فقد جميع القرائن فإن لفظ أسد في هذا الكلام موضوع صوريّ لأن المستفاد منه ليس سوى الحيوان المفترس و المفروض عدم تعلّق الحكم بالكون في الحمّام عليه فيكون موضوعا صوريّا ذريعة إلى انتقال المخاطب إلى الموضوع الواقعي بعد مجي‏ء الحكم هذا و لقائل أن يقول هذا النّحو من الكلام ليس خارجا عن المتعارف لأنّ جميع المجازات كذلك و هي أبلغ في تأدية المرادات من الحقائق فكيف يكون خارجا عن المتعارف و الأولى أن يجاب بأن قوله لو لا أشق لا منافرة بينه و بين الجزاء أعني لأمرت و لو كان قرينة على المجاز لتنافر أو كان الكلام مثل ما لو بدّل أمرت بأردت مع أن المجاز هنا يرجع إلى استعمال الكلّي في الفرد و قد تقدّم في غير موضع من تحقيقاتنا عدم وجوده في شي‏ء من كلمات العرب و أيضا مقتضى المجاز في مقام تشريع الأحكام غير موجود فليس استعمال الأمر في الإلزام هنا إلا لكونه موضوعا له و أمّا الأمر النّدبي بالسّواك فهو أيضا غير صالح لعدم العلم بسبق صدوره عن صدور هذا الكلام و بما ذكرنا يظهر الجواب عمّا ذكر في حديث هشام لأن استفادة الوجوب من قوله فافعلوا يستلزم محذور الدّور كما يظهر بالتدبّر و أمّا ما ذكره في حديث بريرة فهو أوضح فسادا لأنّ الاستدلال بفهم الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) من الأمر معنى الإيجاب و من البيّن أن سبق الطّلب لا يكون قرينة على ما فهم على تقدير وضع الأمر لجنس الطّلب لأنّ السّؤال بالتّأكيد أشبه من كونه استفهاما عن الخصوصيّة و على تقدير حمله على الاستفهام بناء على رجحان التأسيس على التأكيد يبقى فهم خصوصية الإيجاب دون الندب بلا قرينة إلا أن يقال بانصراف لفظ الأمر إلى الإيجاب و ستعرف ما فيه إن شاء الله تعالى كلّ ذلك مضافا إلى أنّ التعبير عن الخصوصية بلفظ موضوع للقدر المشترك له مقامات معلومة معهودة ليس هذه الموارد منها كما لا يخفى على أهل الدّريّة بالمحاورات و مع ذلك كلّه (فالعجب) أن بعض المحققين تأمّل في المقام بل ذهب إلى القول الثاني وفاقا للمحكي عن الشهيد الثاني و البهائي و الموجود في الزّبدة القول بعدم كون المندوب مأمورا به و زعم أن مفاد الأمر لا يزيد على مفاد لفظ الطّلب في كونه هو القدر المشترك بين الندب و الوجوب و انتهض في ذلك بعد منع تبادر الوجوب و ادّعاء تبادر القدر المشترك بأمرين (الأوّل) ظاهر كلمات العامة

و الخاصّة في الحدّ حيث إنّهم لم يعتبروا فيه ما يفيد الإلزام بل إنما أخذوا فيه الطّلب أو ما يجري مجراه كالاقتضاء و الاستدعاء و نحوهما ممّا لا يدلّ على الوجوب (و الثاني) تعميم الالتماس و الدّعاء لما كانت الطّلب الصّادر من المساوي أو الدّاني على سبيل الحتم أو غيره كما هو الظاهر من ملاحظة العرف أيضا فيكون الأمر الّذي هو قسيم لهما أيضا كذلك إذ الظّاهر عدم الفرق بين الأقسام الثلاثة إلاّ من حيث الرتبة قال و تبادر الوجوب من لفظ الأمر عند الإطلاق ليس لأنّه موضوع له بل هو من باب انصراف المطلق إلى أكمل الأفراد نظير ظهور لفظ الطّلب في الطّلب الحتمي في قولك أطلب منك الفعل و أريده منك مع أنّه حقيقة في القدر المشترك اتفاقا و يشير إليه أن المتبادر من الإطلاق هو الوجوب العيني النّفسي مع أن ظاهر الجمهور عدم وضع الأمر له بخصوصه فيهون الأمر في دعوى كونه إطلاقيا بالنّسبة إلى الوجوب أيضا ثمّ فرع على هذا التحقيق الجواب عن الآيات و الرّوايات (قلت) يرد (على الأوّل) أن الظّاهر من لفظ الطّلب و لو من جهة الانصراف‏

206

إلى الفرد الكامل كما اعترف به هو الوجوب و هو يكفي في دعوى ظهور التعاريف في اعتبار الإلزام إذ من الواضح أن ظواهر الألفاظ معتبرة و لو من جهة الانصراف الناشئ عن أحد أسبابه فما حقّق به المقام لعلّه على خلاف مطلوبه أدلّ كما لا يخفى على المتأمّل إلاّ أن يفرق بين التّحديد و غيره بناء على ما هو المعروف من ابتناء الحدود على الدّلالة الصّريحة فتأمّل (و يرد على الثّاني) بعد المساعدة على دعوى التعميم مع أنّ للمنع فيه مجال واسع لظهور أن ما في نفس الملتمس و الدّاعي من الطلب مقرون بعدم الرّضى بالترك و هو المراد بالإيجاب في المقام أنّ اللّغة لا تثبت بالقياس (و يرد على الثّالث) أنّ أسباب الانصراف المستقر منحصرة في الشّهرة و غلبة الاستعمال أو تأكّد العلاقة و المناسبة كما بيّناه في المبادي عند البحث عن أسباب ترجيح المجازات بعضها على بعض و ليس شي‏ء من الأمور المذكورة موجودا في المقام و أمّا الكمال فالانصراف الناشئ منه لو سلّم فظهور بدوي ينعدم في ثاني النّظر و من البيّن أنّ ظهور لفظ الأمر في الطّلب الحتمي ليس على هذا الوجه مع أنّ كون التأكّد من باب الكمال الموجب للانصراف محلّ نظر و لذا لا يتبادر منه المرتبة القصوى من الوجوب و قياس أصل الوجوب بالوجوب العيني النفسي قياس مع الفارق لأنّ النفسيّة و كذا التعيّن من مقتضيات إطلاق اللّفظ و تجرّده عمّا يدلّ على التقييد فإنّ في كلّ من الطّلب الغيري و التخييري تقييدا و تعليقا فالطّلب الغيري طلب على بعض التقادير أعني تقدير وجود الطّلب النفسي و الطّلب التخييري معلّق على عدم وجود قيام البدل مقام المطلوب و أمّا الحتم فهو تقييد لجنس الطّلب لعدم الرضى بالترك لكونه بمنزلة الفصل المقسّم له إلى الوجوب و الاستحباب فلو لم يكن الإطلاق قاضيا بعدم الوجوب لم يكن قاضيا بالوجوب بالضّرورة و ما أبعد بينه و بين الوجوب مع أنّ الجمع بين قياس أصل الوجوب بالوجوب العيني و بين استناد تبادره إلى كونه أكمل الأفراد تهافتا واضحا لأنّ الظّهور الناشئ من الإطلاق على ما حقّقوه في محلّه ليس ظهورا لفظيّا انصرافيّا و إن كان يجري فيه ما يجري في الظّهور اللّفظي عند المقابلة بشي‏ء من الأصول بل هو ظهور مستند إلى قاعدة الحكمة بعد إعمال أصالة عدم المقيد و التبادر الموجود في مواضع الانصراف يفيد فائدة الوضع و أين هو من الإطلاق المبني على قاعدة الحكمة و لعمري إنّ الخلط و الاشتباه بين المقامين لم يكن متوقعا من مثله لأنّه بمكان من متانة النظر و إنّما لا يميز بين الإطلاق و الانصراف من لا يضب له من التحقيق (و يرد على الرّابع) و هو الجواب عن الآيات و الرّواية أن مبنى الاستدلال بها على استعمال الأمر في الطّلب الحتمي مجرّدا عن القرينة و ما حقّق به المقام من استناد الظّهور إلى الانصراف أو الإطلاق لا يصلح جوابا عن ذلك كما لا يخفى و هذا أيضا من الزلاّت النّاشئة عن طغيان القلم و اللّه الهادي الأمر

الثالث [الكلام في أن الطلب هل هو عين الإرادة أو غيرها]

هو أنّ الطّلب المأخوذ في مفهوم لفظ الأمر هل يستلزم الإرادة أم لا و هذا النزاع محرّر على وجهين (أحدهما) أنّ الطّلب هل هو عين الإرادة أو غيرها (و الثّاني) أنّ الطلب هل يستلزم الإرادة أم لا و لعلّ النزاع الثّاني متفرع على القول بمغايرة الطّلب للإرادة فلنتكلّم أولا في ذلك و في بيان محلّ النّزاع (فنقول) إنّ هذه المسألة من جزئيات البحث في الكلام النّفسي (و توضيح القول) فيه هو أنّ الأشاعرة زعموا أنّ الكلام مشترك بين الألفاظ الخبرية و الإنشائية و بين ما يدلّ عليها تلك الألفاظ فقالوا إنّ الكلام لفظي و نفسيّ و اللّفظي هي الألفاظ الصّادرة من المتكلّم في مقام الإخبار عن شي‏ء أو إنشاء شي‏ء و النفسي هي النّسب الخبريّة أو الإنشائية القائمة بالنفس الّتي يكشف عنها الألفاظ بحسب الأوضاع اللّغويّة و فسّروا تلك النّسبة في الخبر بأمر وراء علم المتكلّم بمضمون القضية اللّفظية و هو على ما نقل عن العضدي إمّا في الموافق أو في شرح المختصر و لعلّ الظّاهر هو الأوّل عبارة عن النّسبة الموجودة بين المفردين و في الإنشاء بأمر وراء الإرادة و سمّوه بالطّلب و اقتضاء الفعل فالطلب عندهم مغاير للإرادة المدلول عليها بلفظ الأمر أو بصيغته و المعتزلة قد أنكروا ما زعموه في المقامين فقالوا إنّه ليس الكلام إلاّ الألفاظ الصّادرة من المتكلّم و ليس ما وراء ذلك شي‏ء سواء علم المتكلّم بمضمون القضية في الإخبار و إرادته للفعل في الإنشاء و شي‏ء من هذين الأمرين أعني العلم و الإرادة ليس من الكلام في شي‏ء بالاتفاق فالكلام منحصر في اللّفظي فالأمر عند المعتزلة عبارة عن الإرادة المقرونة بالكاشف القولي و عند الأشاعرة عبارة عن إنشاء الاقتضاء المقرون بذلك القول و هو غير الإرادة عندهم و يسمّونه بالطّلب و من ذلك يظهر أنّ المعتزلة لا بد لهم من تفسير الأمر بغير الطّلب كما صرّح به الحاجبي و العضدي لأن الطلب ليس كلاما لفظيا بالضّرورة و الأمر قسم من أقسام الكلام فلو فسّر الأمر بالطّلب المقرون بالقول فإن أريد به معنى مغايرا للإرادة كان منطبقا على مذهب الأشاعرة و إن أريد به الإرادة كما في التهذيب انطبق على مذهب المعتزلة و ممّا ذكرنا ظهر أنّ ما أورده السيّد (قدّس سرّه) في المحصول على العضدي و الحاجبي من أنّ إنكار المعتزلة للكلام النفسي لا يقتضي عدم جواز تعريفهم للأمر بالطّلب غير وارد و كيف و الطّلب إذا جعل قسيما للإرادة كما في المختصر و شرحه ليس إلاّ الكلام النّفسي فكيف يسوغ لمنكر رأسا تعريف الأمر الّذي هو من أقسام الكلام به فظهر أنّ النزاع بين الأشاعرة و منكري الكلام النفسي و هم المعتزلة و العدلية إنّما هو في تعقّل شي‏ء زائد على الإرادة في مفهوم الأمر أو مصداقه و هذا يظهر بأدنى مراجعة إلى الكتب الكلامية و إلى‏

207

كلماتهم في المقام فراجع التهذيب كيف جعل النزاع في أنّ وراء الإرادة و اللّفظ هل يتعقل شي‏ء يسمّى بالطلب أو أنّ الطّلب المدلول عليه بالأمر هو عين الإرادة و أدلّ من الجميع ما استدلّ به على الاتحاد في التهذيب و محكي النهاية من أنا لا نتعقل سوى الإرادة شيئا آخر حتى نتكلّم في اعتباره في الأمر و عدمه (و العجب) مع ذلك كلّه من بعض المحققين حيث حرّر النّزاع في المقام بوجه آخر و جعله ممّا يقتضيه التحقيق و محصّل ما قال أنّ إرادة صدور الفعل من الغير بحسب الواقع مغايرة لاقتضائه و طلبه بحسب الخارج بالبداهة و لا نزاع في ذلك و لا في أنّ الثّاني غير مستلزم للأوّل و إنّما النزاع في أنّ للإرادة مدخليّة في مدلول الأمر بأن يكون الأمر موضوعا لنفس الإرادة أو الطّلب المقيّد بها أو أنّه موضوع لنفس الطّلب و يدور مداره في الصّدق الخارجي سواء اجتمع مع الإرادة أم لا و الأول مذهب الأصحاب و المعتزلة و الثاني مذهب الأشاعرة و استند في ذلك إلى وجوه غير ناهضة بالمدّعى يأتي الإشارة إليها إذا عرفت ذلك فالأقوى في النظر ما ذهب إليه أصحابنا و جمهور المعتزلة (لنا على ذلك) ما مرّ من أنا لا نتعقل بعد اللّفظ سوى الحبّ و البغض أو الإرادة الّتي هي عبارة عن العلم بالأصلح فالأمر موضوع لغة بإزاء ذلك و أمّا صيغة الأمر هي موضوعة لإظهار تلك الإرادة لا لنفسها فهي آلة للإظهار كما أنّ اسم الإشارة آلة للإشارة و لذا صارت للإنشاء و افترقت عن المادّة لأنّ الإرادة نفسها من مقولة الكيف كالحبّ و البغض فالكاشف عنها ليس إنشاء شي‏ء بخلاف الإظهار [فإنه من مقولة الفعل و الكاشف عن الإنشاء لأنّ كلّ فعل إنشاء بخلاف الإظهار] هذا إذا فسّرنا الإرادة بالعلم وفاقا للمتكلّمين و إن جعلناها من أفعال النفس نظير ما نقل عن العلاّمة و غيره من تفسيره النّية بأنّها فعل يفعل بالقلب كما هو الظّاهر من كلام بعض الأجلّة أيضا حيث جعل الإلزام الّذي هو حمل المكلّف على شي‏ء كان الفرق بين المادة و الصّيغة هو الفرق بين اسم الإشارة و لفظ الإشارة فالمادّة موضوعة لمفهوم الإرادة و الصّيغة موضوعة لمصداقها و هذا القدر يكفي في صيرورة الصّيغة كلاما إنشائيا يصحّ السّكوت عليه دون المادّة و ما يجري مجراها في الدّلالة على الإرادة لكن التحقيق يقتضي توسيط مقدّمة الإظهار أيضا بجعل مدلول الصّيغة هو إظهار الإرادة لا نفسها فرارا عن التزام التجوز في الأوامر الامتحانية كما سننبّه عليه هذا ثمّ لو ساعدنا الأشاعرة على تعقل أمر زائد من اللّفظ و الإرادة و الإظهار فلا نساعدهم في اعتباره في مدلول مادّة الأمر أو صيغته لما ذكره العلاّمة من أنّ هذا الأمر الّذي يدعونه بمكان من الخفاء و لا يجوز وضع اللّفظ الشّائع الدّائر في ألسنة العوام و الخواصّ بإزاء المعنى المضمر الخفي الّذي لا يعرفه إلاّ الأوحدي من العلماء بعد إمعان النظر و إشباع التأمّل في معناه و الكثرة و شيوعه دليل إنّيّ على كون مدلوله في غاية الوضوح و الجلاء لأنّ استعمال اللّفظ مع عدم إدراك معناه المقصود بعيد عن طريقة العقلاء (فإن قلت) كثيرا ما يكون اللّفظ دالا على المعنى من غير أن يكون ذلك المعنى ملتفتا إليه عند الوضع أو الاستعمال مثل دلالة الصّيغة على المنع عن الترك على القول به فإنّ التّرك ممّا لا يلتفت إليه عند الأمر فضلا عن المنع عنه و كذا الحال في كثير من المداليل التضمّنية فإنّها داخلة في الموضوع له مع عدم تفطّن تعقل الواضع بها بل مع قطعه ببساطة المعنى لأن ذلك غير قادح في كون الشّي‏ء مدلولا تضمّنيا إذا كان جزءا للموضوع له في نفس الأمر (قلت) نعم لكن ذلك إنّما هو في المداليل الالتزاميّة و التضمّنيّة و أمّا المعنى المطابقي فالغفلة عنه عند الوضع أو الاستعمال غير معقولة و ما نحن فيه من هذا الباب لأنّ من يعتقد مغايرة الطّلب و الإرادة فالمدلول المطابقي للأمر بزعمه هو الطّلب فنفس الموضوع له على مذهبه أمر في غاية الخفاء مع كون الموضوع و هي الصّيغة في غاية الظّهور و الجلاء (حجّة القول الآخر) و عليه كلّ الأشاعرة و بعض المتأخّرين من أصحابنا منهم السّيد في المحصول و شيخ المحقّقين في هداية المسترشدين أمور (منها) ما ذكره المحقّق المذكور في كلام طويل و ملخّصه أنّ الإرادة أمر قلبيّ نفساني و ليس معنى إنشائيا حاصلا بالصّيغة حتى يندرج من جهة الأمر في الإنشاء و ذلك ممّا يقبل الصّدق و الكذب فلو كان معنى الأمر نفس الإرادة القلبيّة بطل الفرق بين إظهار تلك الإرادة بصيغة الإنشاء أو بصيغة الإخبار كأن يقول‏

أريد منك كذا و أنا طالب منك ذلك و أنّ المستفاد من صيغة الأمر هو اقتضاء الفعل من المأمور من دون اعتبار كونه مطابقا للإرادة القلبيّة و إن كان الظّاهر من الاقتضاء ذلك إذا لم يقم قرينة على عدمه لكنه ليس بحيث إذا خالف تلك الإرادة كان معنى مجازيا للصّيغة كما في الأوامر الامتحانية و يشهد له التأمّل و التتبع في سائر الإنشاءات كالتمني و الترجّي و الاستفهام و المدح و الذّمّ فإنّها أسامي لخصوص الإيقاعات الحاصلة بواسطة الألفاظ الدّالة عليها المستعملة لإفادتها سواء وافقت ما هو المراد للمتكلّم أم لا و كذا الحال في العقود و الإنشاءات المتعارفة بين النّاس كالبيع و نحوه فإنّها أيضا كذلك ألا ترى أنّهم حكموا بصدق العقد على عقد المكره و حكموا بصحّته إذا تعقّبه الإجازة مع أنّ القبول القلبي فيها غير حاصل مع الإكراه قطعا و ليس ذلك إلاّ لكون القبول المأخوذ في قبلت هو إنشاء القبول في الظّاهر و إن لم يكن هناك قبول نفساني و كذا حكموا بفساد العقد مع عدم الإجازة

208

مع اعتبار الإيجاب و القبول في العقد الفاسد أيضا (أقول) في جميع ما ذكره نظر أما في قوله إنّ الإرادة ممّا يقبل الصّدق و الكذب فلا يصلح مدلولا للأمر الّذي هو من قبيل الإنشاء الغير المتّصف بها ففيه أنّه إن أراد أنّ الإرادة بنفسها قابلة للصّدق و الكذب فهو ممّا لا معنى له و إن أراد أن الإخبار بها قابل لهما فهو مسلّم لكن الصّيغة غير موضوعة لإخبارها بل لإظهارها و قد عرفت أنّ الإظهار إنشاء لا يتطرق إليه الصّدق و الكذب في نفسه و إن تطرق إليه باعتبار ما يلزمها من الإخبار لأنّ كلّ إنشاء يتضمّن إخبارا حتى إنّ بعض الأساطين قال بجريان حكم الكذب من الإثم و العقاب فيها أيضا و ممّا ذكر ظهر الجواب عن قوله لبطل الفرق وجه الظّهور أنّ إظهار الإرادة بصيغة الإنشاء غير إظهارها بصيغة الإخبار و إن اشتركا في صفة الإظهار و الكشف عمّا في الضّمير لأنّ مدلول الكلام على التقدير الأوّل هو نفس الإظهار و يستفاد منه الإخبار تبعا كما أومأنا إليه و في الثّاني هو الإخبار مطابقة و إن استلزم الإظهار تبعا فقوله أريد منك كذا جملة خبرية تدل على ثبوت الإرادة في ضمير المتكلّم بخلاف قوله افعل كذا فإنّه جملة إنشائية وضعت للدّلالة على إظهار الإرادة لا على ثبوت الإرادة نعم ظاهر الإظهار مطابقة لما تعلّق به و بهذا الاعتبار قالوا إن كلّ إنشاء فيه إخبار تبعا يعني بالنظر إلى ظاهر الحال و هو مطابقة الإظهار للمظهر و لعمري إن هذا البيان لا غبار عليه بعد النّظر إليه بعين الإنصاف (و أقول) موضحا لذلك إنّ الصّيغة جعل آلة لإظهار الإرادة فهي تدل بالوضع على صفة الإظهار على حدّ دلالة الباء على الاستعانة في قول القائل بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد و إن كان بينهما بعض الفرق كما لا يخفى و من البيّن أنّ الاستعانة المستفادة من الباء في القول المذكور غير قابلة للصّدق و الكذب مع أنّه لو أخبر بها في ضمن قضية خبرية فقال استعانتي باللَّه كان محتملا لاحتمال الصّدق و الكذب فكذا الصّيغة وضعت لإظهار الإرادة النفسانية الّتي هي الملزوم المستتبع للثواب و العقاب سواء كان في الواقع إرادة أم لا و ليس فيها إخبار عن تلك الإرادة حتى ينقلب الإنشاء خبرا نعم الأصل في الإظهار مطابقتها للواقع لكنه ليس إذا خالف الواقع كالتدليس كان معنى مجازيا للصّيغة و بهذا البيان يعرف أنّ الأوامر الامتحانية و ما أشبهها من الإنشاءات الغير المطابقة لما يقتضيه الأصل و الظّاهر كلّها حقائق لغويّة و إنّ احتاجت إلى القرينة من غير حاجة إلى التزام مغايرة الطّلب للإرادة في قبال العدلية فهو و إن أصاب في عدّها حقائق لكنّه أخطأ في الطّريق و لم يجد في التحقيق و ممّا ذكرنا يظهر للمتدرّب حال سائر الإنشاءات فإنّ الألفاظ الدّالّة عليها موضوعة بإزاء إظهار ما في نفس المنشي من التمني أو الترجّي أو الاستفهام أو غير ذلك سواء طابقت الواقع أم خالفت و ليست موضوعة بإزائها نفسها و هكذا الكلام في العقود و الإيقاعات فهي موضوعة لإظهار التراضي و نحوه هذا كلّه على تقدير كون الإرادة من الكيفيّات النّفسانية نظير الحبّ و البغض كما هو مبنى كلامه (قدّس سرّه) و أمّا على تقدير كونها من أفعال النّفس فما حققه (قدّس سرّه) في المقام أوضح سقوطا كما لا يخفى (و منها) أنّ اللّه تعالى أمر الكافر بالطّاعة و لم يردها منه فثبت تخلّف الأمر عن الإرادة أمّا أنّه تعالى أمر الكافر بالطّاعة فبالضّرورة و الإجماع و أمّا أنّه لم يردها منه لكونها ممتنعة و الممتنع لا يكون مراد اللّه بالاتفاق و أمّا وجه الامتناع فهو أنّه تعالى قد علم منهم الكفر و العصيان و كلّما جرى في علمه سبحانه تعالى امتنع خلافه لاستحالة انقلاب علمه جهلا هكذا نقل العلاّمة ره وجه الامتناع و هنا وجهان آخران (أحدهما) ما هو مبني على أصل الأشعري من أنّ الفعل قبل وجوده غير مقدور و إرادة الغير المقدور ممتنعة فيجب أن لا يكون الطّاعة مأمورا بها لأنّها لم توجد من الكافر حتى تكون مقدورة (و ثانيهما) أنّ أفعال العباد إمّا أفعال اللّه تعالى كما عليه الأشعري أو مستندة إلى فعله و لو بعيدا لاستحالة التّسلسل و على التقديرين يمتنع تعلّق إرادة اللّه تعالى بالطّاعة لأنّه تعالى أراد منهم الكفر لأنّ إرادة السّبب إرادة للمسبّب قطعا و مع إرادة الكفر يمتنع إرادة الطّاعة لاستحالة الجمع بين إرادة الضّدّين و أورد على الأوّل بوجوه (الأوّل) المنع من امتناع تعلّق الإرادة بالممتنع على أصول الأشاعرة فإنّهم يجوّزون التكليف بالمحال و فيه نظر لأنّ التكليف غير الإرادة إذ يكفي في الأوّل مجرد

الأمر و الطّلب من دون أن يكون معه إرادة للفعل فلا منافاة بين جواز التكليف بالمحال و امتناع إرادته مع أنّ الحاجبي و العضدي قد أنكرا قول الأشعري بجواز تعلّق التكليف بالممتنع و قال الثاني أنّ المحققين على عدم جوازه و أنّ قول الأشعري بأنّ أفعال العبد مخلوقة للَّه تعالى و قوله بأنّ الفعل قبل وجوده غير مقدور و صارا سببين لنسبة القول المذكور إليه (و الثّاني) ما ذكره العلاّمة (رحمه الله) في التهذيب من منع عدم إرادة الطاعة من الكافر و العلم لا يؤثر في المعلوم و زاد في محكي النهاية و قال إنّ الاستحالة نشأت من فرض العلم كما ينشأ من فرض النقيض إذ لا فرق بين العلم و المعلوم أراد أن الاستحالة الفرضية لا ينافي الإمكان لأن كلّ شي‏ء مستحيل على بعض الفروض كفرض وجود نقيضه و أورد عليه بعض المحققين بأنّ تأثير العلم في المعلوم ليس من مقدّمات الاستدلال على امتناع الطاعة إذ يكفي في إثبات ذلك استحالة انقلاب علمه تعالى جهلا لأنّ هذه الاستحالة قاضية بعلمنا بوجوب الكفر من الكفّار و لو لم يكن منشأ لوجوب تعلّق‏

209

العلم به و أمّا القول بأنّ الاستحالة الفرضية غير مجدية ففيه أنّ الفرض الّذي علّق عليه المحال موجود محقق في المقام و هو علمه تعالى بالكفر و ليس من الفروض الغير المتحققة لأنّ المستدل يدعي استحالة الطّاعة على فرض تعلّق العلم بعدمها و هذا الفرض محقّق فلا يأتي فيه ما ذكره (قلت) الظّاهر أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) غير وارد لأنّ امتناع الطّاعة بعد منع تأثير العلم فيها يبقى بلا دليل ضرورة أنّ معلوم الواجب واجب حسبما تعلّق العلم به من حيث الإمكان أو الامتناع و المجيب له أن يدّعي تعلّق العلم بالكفر مع إمكان الطّاعة و حينئذ أمكن قلب الاستدلال بأن يقال إنّ الطّاعة ممكنة للكفار لعلمه تعالى بإمكانها لأنّ هذا العلم لا ينافي علمه تعالى بعدم وقوعها و الإمكان أعمّ من الوقوع و اللاّ وقوع فلا بدّ للمستدلّ بهذا الدّليل دعوى تأثير العلم و معها ينطبق الجواب كما لا يخفى و لهذا اتفق الكلّ على هذا الردّ حيث تعلّقوا بعدم تأثير العلم في المعلوم نعم ظاهر عبارة العضدي الاعتراف بتأثير العلم حيث أجاب عن هذا الدّليل في مسألة التكليف بالمحال بأنّ الامتناع الناشئ من العلم امتناع غرض خارج عن محلّ الكلام (و توضيح المقام) أنّه لا إشكال في أنّ علم الواجب واجب يستحيل دائما خلافه لكونه عين الذّات فإذا تعلّق بشي‏ء فإن كان مؤثرا فيه دلّ ذلك على وجوب ذلك الشّي‏ء المعلوم فيستدلّ من وجوب العلم ذاتا على وجوب المعلوم و استحالة خلافه و لو بالعرض و أمّا إذا لم يكن مؤثّرا بل كان تابعا له و متعلّقا به على وجهه من الإمكان و الوجوب فغاية ما يلزم من استحالة انقلاب علمه جهلا القطع بعدم تخلّفه عن المعلوم فيقطع مثلا فيما نحن فيه بعدم صدور الإيمان من الكافر و من الواضح أن القطع بالشي‏ء وجودا و عدما لا ينافي إمكانه فالقول بأن تجويز خلاف المعلوم تجويز لانقلاب العلم جهلا مغالطة و سفسطة لأنّه إن أريد بتجويز خلاف المعلوم احتمال تحققه و وجوده فهو غير لازم من القول بالإمكان لأنّ الجزم بعدم شي‏ء لا ينافي إمكان وجوده و إن أريد به مجرّد الإمكان العقلي الّذي يجامع القطع بوجود المعلوم فالتجويز بهذا المعنى ليس ملزوما لمحال إذ لا يتفرّع عليه انقلاب علم اللّه تعالى جهلا و لا إمكان الانقلاب و إنّما يلزم ذلك على تقدير كون المعلوم معلولا للعلم فيستدلّ من حال المعلول على حال العلّة خلافاً و ليس كذلك فما ذكره العلاّمة (رحمه الله) و غيره من الإمامية في الجواب من نفي تأثير العلم في المعلوم ينهض جوابا عن الدّليل كما قرّرنا و أمّا حديث وقوع الفرض المعلّق عليه فلعلّه أيضا ساقط لأنّ المراد أن الإيمان و الطّاعة إنّما يستحيلان في حقه بشرط العلم بالكفر لا حين العلم به و كلّ شي‏ء يستحيل بشرط وجود نقيضه و العلم بالنقيض حكمه حكم النقيض فليس المراد استحالة الإيمان على تقدير وجود الكفر أو العلم به مطلقا بل المراد الفرق في المقام بين المشروطة و ما دام فافهم (و الثالث) ما ذكره المحقق المذكور بعد كلامه المزبور بقوله فالأولى في الجواب عنه منع المقدّمة الثانية و هي استحالة تعلّق الإرادة بالمحال على سبيل الكلّية إذ لا مانع من تعلّق الإرادة التكليفية بالمستحيل بالاختيار لا ينافي كونه اختياريّا ثم أخذ في المناقشة فيه بأنّ المانع من تعلّق الإرادة هو عدم إمكان وقوعه و لو بتوسّط الأسباب الباعثة عليه و ذلك لا يفرق فيه بين كونه مستحيلا بالاختيار أو الاضطرار ثمّ قال و فيه تأمّل قلت و لعلّ وجه التأمّل أنّ إرادة الفعل قد تكون لأجل تحصيل الفعل الّذي تعلّقت به الإرادة و قد تكون لأغراض أخر كالامتحان و تسجيل العصيان و إتمام الحجّة و البرهان و الّذي لا يفرق فيه بين كون الفعل المراد مستحيلا بالاختيار أو بالاضطرار إنّما هو الأول دون الثاني و التكاليف المتعلّقة على الكفار من قبيل الثاني دون الأول و يمكن الجواب من ذلك بأن تكاليف العباد كلّهم على نسق واحد فليس الغرض من التكليف على المسلم غير الغرض الباعث على تكليف الكفار فكلّ ما هو مقصود من تكليف المؤمن فهو مقصود من تكليف الكافر أيضا (و من الواضح) أن الغرض من تكليف المؤمن هي الطّاعة دون التسجيل و تمهيد العذر ثمّ إنّ الفرق بين ما ذكره هذا المحقق و بين جواب العلاّمة (رحمه الله) الّذي تلقاه من أفضل المحققين نصير الدّين الطّوسي (رحمه الله) و تلقاه بالقبول غيره من المحققين غير ظاهر و لك أن تجيب بأن الإرادة إن فسّرت بمقولة الكيف و هو العلم بالمصلحة فلا مانع من تعلّقها بالمستحيل بغير الاختيار أيضا فضلا عن المستحيل بالاختيار

و إن فسّرت بغيرها فالدّليل ينقلب على الأشعري لأن الإرادة و الاقتضاء و الطّلب كلّها بمثابة واحدة لا نتعقّل الفرق بينها في جواز التعلّق بالممتنع و استحالته (و أجيب) عن الثاني بأنّ الفعل بعد وجوده غير مقدور بالضّرورة لكونه ضروريّا فيخرج عن كونه اختياريا فلو لم يكن قبل وجوده مقدورا اختياريّا انسدّ باب التكاليف و هو باطل بالإجماع و هذا هو محصّل كلام العضدي و الأولى إحالة الجواب فيه على الوجدان دون البرهان و عن الثالث بأن الفعل مستند إلى الدّاعي و الداعي غير مخلوق له تعالى حتى يستلزم الإرادة خلقه إرادة لازمة أعني الكفر كذا قال في النهاية و أورد عليه بأن نفس العبد أيضا مخلوق له تعالى و هو يكفي في المقصود لعدم الفرق بين السّبب البعيد و القريب في المقام فالكفر مراد له تعالى بإرادة تبعية متعلّقه بسببه القريب أو البعيد و هو لا يجامع إرادة الطّاعة لأنّ إرادة الضّدين مستحيلة أو قبيحة بالضّرورة (ثمّ أجاب) المورد بما حاصله أن الإرادة المتعلّقة بالكفر إرادة تكوينية لكونها من توابع إرادة تكوين نفس الكافر و خلقه و إرادة الطاعة منه إرادة تكليفية و لا مضادّة بينهما ثمّ أمر بالتّأمل و لو لا أمره بالتأمّل لأوردنا عليه بعض ما لا يخفى من أنّ الإرادتين من سنخ واحد و لا مغايرة

210

بينهما إلا من حيث المتعلّق فإرادة التكوين ما كان متعلّقا بفعل النفس و إرادة التكليف ما كان متعلّقا بفعل الغير سواء فسّرنا الإرادة بالعلم أو بغيره و لعلّ ما ذكره (رحمه الله) مبني على أن إرادة التكوين عبارة عن الغرم و إرادة التكليف عن العلم فاختلفا سنخا و فيه أنّ العزم هي إرادة فعل النفس فالإرادة و العزم بمعنى و إلا لكان الإرادة مشتركا لفظيا بينه و بين إرادة التّكليف (و التحقيق في الجواب) بعد النّقض على الأشعري لأنّ إرادة أحد الضدّين و طلب الآخر و اقتضائه أيضا مستحيل أو قبيح عن العاقل فضلا عن الحكيم أنّ سببية وجود الكافر للكفر في حيّز المنع بل السّبب إنّما هو الدّاعي و وجود الفاعل يعدّ من الشّرائط للأفعال الاختيارية عرفا و عقلا و شرعا و من البيّن أنّ إرادة الشرط ليست إرادة للمشروط و لو تبعا (فإن قلت) وجود الفاعل هو السّبب للمسبّب أي الداعي فيعود المحذور (قلنا) هذا ممنوع (و توضيح الجواب) أنّ إرادة وجود الفاعل يجامع كراهة وجود الفعل إذا لم يكن نفس وجود الفاعل علّة تامة لصدور ذلك الفعل المكروه بأن كان اقتضاء الفعل موقوفا على مقدّمة الاختيار و الإرادة فإن خلق الفاعل حينئذ لا يستلزم تعلّق إرادة الخالق بالفعل و لو تبعا إذ ليس الذّات حينئذ سببا للفعل بل شرطا و إنّما يكون كذلك لو كان الفعل من مقتضيات ذات الفاعل بلا توسيط مقدمة الاختيار كالإحراق بالنّسبة إلى النار فإن خلق مثل هذا الفاعل يستلزم تعلّق الإرادة و لو تبعا بالفعل مع العلم بالسّببيّة (فإن قلت) هذا الّذي جعلته فارقا بين الفاعلين فرق صوريّ و لا يجدي يكاد في المقام لأنّا ننقل الكلام إلى صفة الاختيار و تقول إنّ اختيار الفعل أيضا من مقتضيات الذّات و لو بملاحظة الدّواعي الّتي خلقها اللَّه تعالى فينتهي مجموع مقدّمات الفعل و هو السّبب إلى الواجب و إن كان الانتهاء في بعض كالاختيار بواسطة سببه الّذي هو الذات و منع استناد الاختيار إلى الذات يستلزم القول بجواز تحقق الممكن بلا مؤثر و هو ممّا يتناكر عليه جميع فرق الإسلام (قلت) ما ذكرنا هو محصّل ما استقرّ عليه رأي المحققين من الإماميّة في حلّ شبهة الجبر كأفضل المحققين الخواجة نصير الدّين و باقر العلوم الرسميّة المير الدّاماد و غيرهم من حكماء الإمامية كالفاضل القزويني و صدر المحققين الشيرازي و يساعده العقل و الاعتبار و طريقة العقلاء و ناهيك عن هذا تقبيحهم مؤاخذة النّار في إحراقه و عدم تقبيحهم عقاب الكفار و العصاة و عليه تم المدّعى لأنّ الاختيار و إن كان من مقتضيات الذات أيضا إلاّ أن اقتضاء الذّات له ليس على حدّ اقتضائه نفس الفعل فإن الفعل الصّادر عن اختيار الذات مسلوب الانتساب إلى خالق الذّات مطلقا فيصحّ سلب تعلّق إرادة الخالق بنفس الفعل بجميع أنحاء التعلّق بخلاف الفعل الصّادر عن الذّات بلا توسيط مقدّمة الاختيار فإنّه منسوب إلى خالق الذّات ببعض أنحاء الانتساب فتأمل جيّدا و بقية الكلام تطلب من غير المقام (و منها) أنّه يصحّ قول القائل لغيره أريد منك الفعل و لا آمرك به من دون تناقض بيّن و أجاب عنه العلاّمة (رحمه الله) في محكي نهاية بأنّ الإرادة المثبتة ليست إرادة خالصة بل هي إرادة مشوبة بعوارض كما قد تحصل في الإنسان فلا تكفي في حمل المكلّف على الفعل و في التهذيب بأن المراد بالأمر المنفي هو الإلزام فلا تناقض و أورد بعض المحققين على الأوّل بأنّا نرى صحّة القول المزبور مع كون الإرادة في كمال الخلوص و عدم الشوب و على الثاني بأن ذلك غير مجد لأن الإلزام فعل من أفعال النّفس مغاير للإرادة و إن كانت مجامعة إياها أحيانا و قد اعترف بأنّه معتبر في معنى الأمر فثبت أن معنى الأمر غير الإرادة و هو الإلزام فلا جدوى في الجواب المذكور (قلت) يرد عليه (أوّلا) أنّ في تفسير الإلزام بأنّه فعل من أفعال النفس نوع مصادرة لأنّ الإلزام عين الطّلب الحتمي و هو عين الإرادة الأكيدة الحتمية عند القوم مع أن تسمية ما في النفس فعلا لا يخلو عن خفاء (و ثانيا) أنّ الإرادة كالطّلب قد تكون ملزمة و هي الإرادة الحتمية و قد لا تكون كذلك فيكون أثرها رجحان المراد مع عدم المنع من النقيض فالمراد أن المثبت هو جنس الإرادة و المنفي هو تاكّدها و بلوغها حدّ المنع و هذا ليس اعترافا بمغايرة مفاد الأمر للإرادة نعم فيه اعتراف بأن مدلول الأمر يشتمل على الإرادة مع المنع عن النقيض بناء على ما اتفق عليه الكلّ أو الجلّ من دلالة الأمر على الوجوب فكيف لا يكون الجواب مفيدا في المقام و لعلّه (رحمه الله) لم‏

يعثر بما ذكره العميدي في شرح العبارة حيث ذكر أن حقيقة الأمر لا ينحصر في الإرادة أو الطّلب المطلقين بل لا بدّ فيه من أمور (منها) الإرادة أو الطّلب (و منها) أنّه يصحّ صدور الأوامر الامتحانية من السّلطان بالنّسبة إلى رعيّته و من السّيّد إلى عبده و ليس هناك إرادة للفعل لأنّ العاقل لا يريد هلاك نفسه مثلا (و أجابوا عنه) بأن الأوامر الامتحانية ليست أوامر حقيقيّة بل هي أوامر صورية عارية عن الإرادة و هذا جيّد و ليس قولا بالتجوّز على ما عرفت تحقيقه نعم لو قيل بأن الأمر وضع لنفس الإرادة لا لإظهارها كانت الأوامر الامتحانية الصّورية كلّها مجازات و لعلّ الخصم يتقوى حينئذ بدعوى فساد ذلك بالضرورة لأن صدق الأمر هيئة و مادّة على الأمر الامتحاني في العرف و العادة لا ينبغي إنكاره فالأولى في الجواب ما قلنا من أن الهيئة موضوعة لإظهار الإرادة لا لنفسه و نمنع صدق المادّة عليه عرفا كما لا يخفى (و اعلم) أن الحاجبي و تبعه العضدي لما نظر إلى ضعف هذا الدّليل لجريانه في الطّلب أيضا إذ العاقل لا يطلب هلاك نفسه قال الأولى الاستدلال على مغايرة الإرادة للطّلب بأنه لو كان عين الإرادة لوجبت المأمورات كلّها لأن الإرادة تخصيص للفعل بحال حدوثه و الظّاهر أن مراده بالمأمورات مأمورات الشارع كما

211

فهّمه التفتازاني و لو كان المراد مطلق المأمورات كما يقتضيه سياق الكلام إذ البحث في مدلول الأمر كما في أوامر الشارع كان الاستدلال بظاهره بمكان عن السّقوط لأن تخصيص السّيد فعل العبد بحال حدوثه لا يقضي بوجوب ذلك الفعل و إنما يكون كذلك على زعم الأشعري لو كانت الإرادة إرادة الشّارع لفعل العبد بناء على استحالة تخلف جميع أنحاء إرادة الشارع عن المراد (و العجب) أن الفاضل الباغنوي مع تفسيره له أوّلا بمرادات الشّارع ذكر في الحاشية ما حاصله أنّه غير لازم بل لو كان المراد مطلق المأمورات كما يقتضيه مساق الكلام لتم الاستدلال أيضا و قال في توجيهه ما حاصله أنّ الإرادة مطلقا لا تنفكّ عن المراد بل تليه في الخارج نظرا إلى ما يقتضيه مفهوم الإرادة أعني تخصيص الفعل بحال حدوثه من غير فرق بين إرادة الشّارع و غيره و غاية الأمر أن إرادة الشارع توجب الفعل و إرادة غيره لا توجبه بل تليه في الخارج (قلت) و أنت خبير بأن هذا الكلام بظاهره لا يليق بالذّكر فضلا عن التدوين لكونه مبنيا على الخلط بين إرادة فعل النّفس و إرادة فعل الغير لوضوح عدم صحّة ما ذكره إلاّ في الأول مع أنّ الكلام في الثاني لأنّ الإرادة المعتبرة في مدلول الأمر إنّما تتعلّق بفعل غير الآمر كما لا يخفى و كيف كان فقد أورد عليه التفتازاني بأنّه لا يتم على أصل المعتزلة من عدم إيجاب إرادة اللّه تعالى لما تتعلّق به من أفعال العباد و هذا الإيراد في غاية الوضوح على الاستدلال المذكور و ربّما يدلّ عليه جملة من أخبارنا أيضا حيث دلّت على أنّ للّه تعالى إرادتين إرادة حتم و هي التي تتعلّق بالتكوين و إرادة عزم و هي الّتي تتعلّق بأفعال العباد (و الحاصل) أن إيجاب إرادة اللّه لما تتعلّق به من أفعال العباد و صيرورته بسببها خارجا عن الاختيار و مقدّمة غير مسلمة للمعتزلة و الإمامية و الاستدلال لا يتمّ إلاّ بها و لكن الفاضل المحشي زعم أن هذه المقدّمة أيضا مستدركة ردّا على التفتازاني و لم يتعلّق في ذلك إلا بما نقلنا عنه في الحاشية و من البيّن أنّه لا مساس له بالمقام لأنّ تفسير مفهوم الإرادة بما ذكر أيّ ربط له بردّ التفتازاني و اللّه هو الموفّق للصّواب‏

بديعة [الكلام في صيغة الأمر]

[الكلام في أنه هل للأمر صيغة تخصه أو لا]

اختلفوا بعد ما فرغوا من بيان مدلول مادّة الأمر في أنّ له صيغة تخصّه أم لا و ظاهر الحاجبي و العضدي اختصاص هذا النزاع بالقائلين بالكلام النفسي و كلّما تأمّلت في ما زعماه فلم يظهر له وجه صحيح يستند إليه لأنّ المنكرين للكلام النفسي و هم المعتزلة و الإمامية أيضا مختلفون في هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى الإثبات و منهم من ذهب إلى النفي و لعلّ وجه التخصيص نشر البحث في ذلك عن الأشاعرة و إن تبعهم غيرهم في ذلك و كم من مسألة كذلك في مسائل الأصول كما لا يخفى على الخبير بتفاصيلها أو يقال إن الأشاعرة زعموا أنّ مدلول الأمر عند المعتزلة المنكرين للكلام النفسي القائلين بانحصار مدلوله في الإرادة ليس من سنخ الإنشاء و المختلفون في مدلول الصّيغة كلّهم قائلون بأن مدلولها من سنخ الإنشاء فلا بدّ أن يكون المتنازعون هم الأشاعرة القائلون بالكلام النّفسي و أنّ مدلول الصّيغة غير الإرادة الّتي ليست هي من الإنشاء فتدبّر و أظرف شي‏ء أنّهما بعد ما خصّا النزاع بالقائلين بالكلام النّفسي أخذا في الافتراء على الشّيعة فنسبا إليهم اشتراك الأمر بين الوجوب و الندب و الإذن مع أنّهم منكرون للكلام النفسي و كأن إنكار الشّيعة للكلام النّفسي لم يكن في زمانهما قد بلغ في الاشتهار إلى أن قرع سمعها (ثمّ) إن العضدي نسب إلى إمام الحرمين و غيره من المحققين تخطئة هذه الترجمة قائلين بأنّه لا خلاف في أنّ التعبير عنه ممكن بمثل أوجبت أو حتمت أو ندبت أو سننت بل في صيغة افعل و ما بمعناه و بما ذكرنا ظهر أن الصّواب ترك التخطئة لأنّ هذه الألفاظ إنما تدلّ عليه بمادّتها لا بصيغتها فالنزاع في مدلول صيغة افعل عين النزاع في أنّ مدلول الأمر هل وضع له لفظ يدلّ عليه بهيئة أم لا و مع الغضّ عن ذلك و تسليم أن المراد بالصّيغة هو اللّفظ مطلقا (نقول) إنّ ما ذكروه إنّما يتجه إذا كان ضمير له راجعا إلى مفهوم معنى الأمر حتى يكون المراد بهذا التعبير السّؤال عن وجود لفظ آخر مرادف للفظ الأمر في الدّلالة على ذلك المفهوم فلو أريد المصداق أعني الطّلب الخارجي كما هو الظّاهر بل المعلوم لعدم فائدة في النزاع على الوجه المذكور و بعده عن طريقتهم في الأصول لعدم وجود نظير له في جميع المسائل الأصولية فالألفاظ المشار إليها غير دالّة عليه كما لا يخفى هذا كلّه لو كان الفرض من تلك العبارة استكشاف تمام مدلول الصّيغة فلو كان المقصود منها الاستكشاف على بعض الوجوه سقط البحث كلّية و لعلّ الظّاهر هو الأخير كما يظهر من ملاحظة النهاية حيث إنّه (قدّس سرّه) بعد ما فرغ من بيان معنى لفظ الأمر بحث بحثين آخرين (أحدهما) أن لفظ الأمر هل له صيغة مختصّة أم لا و اختار فيه الاختصاص و استدلّ عليه بأنّ المتبادر من الصّيغة ليس هو الحظر أو الإباحة و اقتصر عليه و لم يتعرّض لبيان تمام مدلولها و أنّه الوجوب أو النّدب أو الأعم‏

[الكلام في دلالة صيغة افعل على الوجوب‏]

(و ثانيهما) أنّ صيغة افعل هل تدلّ على الوجوب أو النّدب أو الأعمّ و حينئذ فالقول بأنّ التّرجمة المذكورة خطاء و أنّ الصّواب نقل الكلام في مدلول صيغة افعل جدير بالإعراض عنه لأنّ الغرض من تلك الترجمة إذا لم يكن هو السّؤال عن معنى الصّيغة بل عن مساوقتها للفظ الأمر في الدّلالة على الرّجحان إمّا مع المنع من النقيض أو بدونه على اختلاف القولين كان العدول عنها إلى أنّ صيغة افعل هل تدلّ على الوجوب أم لا خطأ و إن كان المقصود أيضا حاصلا في ضمنه لأنّ الأصل في الكلام أن يكون قالبا لعين المقصود و لا يكفي مجرّد كونه وافيا به و الحاصل أنّ في مدلول الصّيغة نزاعين (أحدهما) أنّها تدلّ على رجحان الفعل أم لا و لازمه أنّ الصّيغة حينئذ تكون‏

212

مختصّة بالأمر (و ثانيهما) أنّها على تقدير دلالتها على الرّجحان فهل هي موضوعة للوجوب أم لا و المقصود من العبارة المذكورة هو النزاع الأوّل و من التكلّم في صيغة افعل هو النزاع الثاني و إن كان النزاع هذا مغنيا عن الأوّل كما لا يخفى و كيف كان ففي المسألة أقوال متكثرة استقصاها بعض أهل التتبع إلى ثمانية و عشرين و لا طائل في إطالة الكلام بذكرها لأنّ جملة منها واهية شاذة غير واضحة المستند و نحن نقتصر على ما هو المشهور من تلك الأقوال الّتي علمنا بمداركها

و نذكر قبل الخوض في المرام أمورا

لتوضيح المقام اقتضاء في جملة منها لأثر الأعلام‏

الأوّل [الكلام في ذكر المعاني المستعملة فيها صيغة افعل‏]

أن صيغة افعل قد جاءت مستعملة في معان عديدة

منها الوجوب‏

و منها النّدب‏

و موارد الاستعمال فيهما أكثر من أن تحصى لغة و عرفا و شرعا

و منها الإرشاد

و هذا الاستعمال أيضا كثير في الكتاب و السّنة و منه الأوامر الواردة في الإطاعة كأطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول و ليحذر الّذين يخالفون عن أمره بناء على كون مادة الأمر موضوعة لخصوص الوجوب فافهم و جعلوا من أمثلته قوله تعالى‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ و أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ‏ و منه أيضا جميع ما تعلّق بأجزاء غير الواجبات و المستحبات أو شرائطها من المعاملات بالمعنى الأعمّ و أكثر ما ورد في المواعظ من الأوامر خصوصا ما تعقب منها بذكر مخازي الآخرة و عقوباتها لخصوص بعض المعاصي أو عمومها و جميع ما يجري في لسان الوعّاظ على المنابر من التّرغيب و التحريص إلى مرضاة اللّه كقولهم أيّها النّاس أقيموا الصّلاة و آتوا الزكاة و واظبوا على الطّاعات و اجتنبوا عن المعاصي و أمّا ما يجري في لسان المفتي فالحال فيه كالحال في الأوامر الواردة من الشّرع في بيان الأحكام و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكر في المقام من الفرق بين الأمر الإرشادي و النّدبي بأنّ الإرشادي ما كان المصلحة فيه دنيويّة كما في الأمر بالإشهاد في الآيتين و الندبي ما كان المرجّحات فيه لأجل مصلحة أخروية (أمّا أوّلا) فلأنّ ظاهر هذا الكلام خصوصا مع ملاحظة وقوعه بعد ذكر المعاني الثلاثة عدم اشتمال الأمر الإرشادي على الإلزام و التحتيم رأسا فيتفارقان فيما يفترق به الوجوب عن الندب و فساده واضح لأنّ الأمر الإرشادي أيضا ينقسم بملاحظة المصلحة الدّاعية إلى الإرشاد إلى الإلزام أو الندب بل الظّاهر أنّ مغايرة الأمر الإرشادي لغيره إنّما هي باعتبار المصلحة الدّاعية إليه لا في أصل المستعمل فيه بأن يكون المستعمل فيه في الأمر الإرشادي مغايرا لما استعمل فيه الأمر الوجوبي أو النّدبي حتى يلزم المجاز أو الاشتراك على تقدير كونه حقيقة في الوجوب و النّدب كما نوضحه إن شاء الله تعالى فاللاّزم حينئذ إبداء الفرق بين الإرشاد و غيره لا بينه و بين خصوص النّدب (و أمّا ثانيا) فلأن ما ذكر من الفرق بينهما غير منعكس لأنّ ما أشرنا إليه من الأمثلة كلّها متعلّقة بالمصالح الأخرويّة مع أنّها أوامر إرشاديّة و لا مطّرد لأن ما يصدر من الموالي إلى العبيد كلاّ أو جلاّ ناشئة من الأغراض الدنيويّة الراجعة إليهم مع أنّها أوامر مولوية و ليس فيها إرشاد للعبد إلى ما يتعلّق به من النفع أو الضّرر و لو خصّ الفرق المزبور بالأوامر الشرعية كان النقض أيضا بحاله لأنّ كثيرا من التكاليف الشرعيّة مصالحها عائدة إلى المكلّفين في الدنيا خصوصا المستحبات و الآداب منها تحريم تعريض النفس للمهالك و المضار إذ الظّاهر أنّ حرمة تناول المضرّ مصلحتها السّلامة و النجاة الدّنيويان و إن ترتب بعد تعلّق النّهي على مخالفة الهلاك الأخروي أيضا

[الكلام في الفرق بين الأمر الإرشادي و المولوي‏]

(فالتّحقيق) في الفرق بين الأمر الإرشادي و غيره وفاقا لبعض أهل النّظر في وجه أن يقال إن الأمر الإرشادي ما كان المصلحة الدّاعية إليه موجودة في نفس المأمور به مع قطع النظر عن الأمر و لا يترتب على مخالفته و موافقته شي‏ء أزيد ممّا كان يترتب عليه قبل الأمر نظير أوامر الطّبيب للمرضى بتناول ما فيه إصلاح لمزاج المريض و هذا قد يكون جاريا مجرى التّأكيد كما إذا تعلّق بما يعلم المخاطب المصلحة الموجودة فيه مثل ما إذا قلت لمن يمتنع عن شرب الدّواء مع علمه بالمصلحة الملزمة اشرب ذلك و لا تعرض نفسك للهلاك و من هذا الباب أوامر الوعّاظ فإنّ وظيفتهم تخويف العباد عمّا عهدوه من المفاسد الأخروية أو تحريصهم على ما علموه من المصالح الشرعيّة و قوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ* فإنّ مصلحة الإطاعة معلومة للعباد قبل تعلّق الأمر بها و لو على مذهب الأشعري من انحصار الحسن و القبح في الجعل الشّرعي فيكون الأمر بها للإرشاد و النصح المحض كما في المثال المفروض و إن كان بينهما فرق و هو أن الأمر في المثال إذا صدر من العالي أمكن أن يكون مولويّا منشأ لاستحقاق الثواب و العقاب زيادة على المفسدة المترتبة على ترك الفعل كما في أمر الشارع بالاجتناب عن تناول المضرّ بخلاف أوامر الإطاعة فإن كونه شرعيّا تكليفيّا منشأ لترتّب الثواب و العقاب مستحيل عقلا لأنّ الثواب و العقاب إنّما يترتبان على نفس الإطاعة في التكاليف و أمّا إطاعة الأمر بالإطاعة في الكتاب العزيز فليس ممّا يترتب على موافقته أو مخالفته ثواب أو عقاب و إلاّ لزم أن يكون الممتثل لبعض التكاليف كالصّلاة مثلا ممتثلا لأوامر غير متناهية مترتبة لأنّ الأمر المتعلّق بامتثال الأمر بالإطاعة أيضا يستدعي إطاعة أخرى و امتثالا آخر فيتسلسل و دعوى أنّ الأمر بالإطاعة لا يشمل نفسه فليس وراء الأمر بالإطاعة أمر آخر متعلّق بإطاعة ذلك الأمر مدفوعة بأن الأمر بالطّاعة و إن كان قاصرا عن شمول نفسه لفظا لكنه غير قاصر عن ذلك لبّا بملاحظة المناط و الإرشاد على هذا الوجه ليس واجبا في نفسه إلا بعد اندراجه تحت شي‏ء آخر كالأمر بالمعروف و نحوه و قد تكون المصلحة الدّاعية إليه شيئا مخفيّا على المخاطب كأوامر الطّبيب و حينئذ فيصير واجبا في نفسه لأنّ وجوب إرشاد الجاهل مضافا إلى وجوبه المقدّمي يمكن دعوى‏

213

استقلال العقل بوجوبه و يرجع إلى هذا النّحو من الإرشاد جميع التكاليف الشرعية عند العدلية حتى إنّه يظهر من السّلطان (قدّس سرّه) أنّ مفادها ليس سوى الكشف عن تلك المصالح فيمكن الالتزام بثبوتها في بعض أحوال العجز أيضا كحال تعذّر المقدّمة و هذا بظاهره مرغوب عنه و سنشير إلى ما فيه في مقدّمة الواجب إن شاء الله تعالى (بل التّحقيق) أنّ الأوامر الشرعيّة جامعة بين الجهتين فمن حيث الكشف عن المصالح و المفاسد المترتبة على نفس الأفعال مع قطع النظر عن العلم و الجهل تكون إرشادا للعباد من الحكيم و من حيث استتباعها الثّواب و العقاب المترتبين على موافقتها أو مخالفتها بعد العلم بها أوامر مولويّة مطلوب فيها الإطاعة و هذا نظير ما لو أمر المولى عبده بشي‏ء فيه إصلاح مزاج العبد فإنّه ليس تكليفا محضا أو إرشادا كذلك بل جامع بينهما و من ذلك يظهر أن جعل الجماعة الأمر الإرشادي مقابلا للوجوب و النّدب غير سديد كما أن الفرق بينه و بين النّدب بما ذكر غير مفيد كيف و على ما ذكروه يلزم أن يكون الأوامر الشرعية مستعملة في المعنيين قضاء لحق المغايرة فالّذي يقتضيه التحقيق هو أنّ الإرشاد و غير الإرشاد جهتان عارضتان للأمر المستعمل في الطّلب بملاحظة الدّواعي و الجهات الباعثة فإن كان الدّاعي إليه هي الإطاعة بالمعنى الأعم الموجود في التوصّليات كان أمرا تكليفيا وجوبيا أو ندبيّا و إن كان الداعي إليه صرف النصح و الدّلالة على الخير كان إرشاديّا فإذا اجتمع الحيثيّات لإمكان ذلك كما لا يخفى كان الأمر بالفعل حينئذ تكليفا و إرشادا من جهتين و لا فرق في ذلك بين القسم الأول من الإرشاد أعني ما كان المصلحة فيه معلومة للمخاطب و القسم الثاني فيتصوّر في كلّ منهما أن يكون الغرض الدّاعي أحد الأمرين أو كليهما و تشخيص ذلك موكول إلى ملاحظة صلاحية المأمور به فقد لا يكون صالحا إلاّ للأمر الإرشادي كالأمر بالإطاعة لما عرفت و قد ينعكس الأمر فلا يحتمل إلا صرف التكليف كما لو أمر المولى عبده بشي‏ء يكون مصلحة للمولى و مفسدة على العبد و يجري هذا المجرى التكاليف الشّرعية على مذهب الأشعري فإنّ التكليف الشرعي بناء على أصلهم و إن لم يكن لمصلحة تعود إلى الشارع إلاّ أنّه ليس لمصلحة تعود إلى العباد أيضا موجودة في نفس الفعل المأمور به بل لمصلحة تحدث فيه بعد صدور الأمر قضاء لحق كون الحسن و القبح شرعيّين و المدار في كون الأمر إرشاديا أن يكون المصلحة الدّاعية إليه موجودة في الفعل مع قطع النظر عن الأمر و أمّا على مذهب العدليّة ففيه جمع بين الجهتين سواء تعلّق التكليف بالمستقلاّت العقليّة كقبح الظّلم و حسن الإحسان أو بغيرها من الأمور التوقيفية لأنّ كون المأمور به مصلحة عند العقل لا يمنع عن اقتضاء التكليف به ترتب الثواب و العقاب عليه (و من هنا يظهر) أن جعل ما ورد في المستقلاّت من الخطابات السّمعيّة أوامر إرشادية دون ما تعلّق بغيرها من التكاليف ليس على ما ينبغي لاشتمال كلّ منهما على الجهتين فتسمية أحدهما بالإرشاد دون الآخر تخصيص من دون مخصّص إلا أن يوجّه ذلك بأن المصلحة في غير المستقلات لما كانت مخفيّة جرى مجرى صرف التكليف فقد ظهر ممّا ذكرنا أن الأمر الإرشادي قسم من أقسام الأمر الوجوبي أو النّدبي بحسب اختلاف المقامات و حسبان أنّه حقيقة ثالثة من سنخ الإنشاء كما هو صريح جماعة و ظاهر آخرين ليس على ما ينبغي كيف و الإرشاد كما يحصل بالطّلب كذلك يحصل بالإخبار فإن زعموا أن الصّيغة في مقام الإرشاد مستعملة في الإخبار و محض الكشف عن الواقع كما يظهر من بعض فالحوالة فيه على الوجدان و إن زعموا أنّ الإنشاء الإرشادي ليس من سنخ إنشاء الطّلب بل هو إنشاء آخر مغاير له في الحقيقة فهذا لا نتعقله إلاّ أن يقال إنّ الصّيغة في مقام الإرشاد مستعملة في إظهار المصلحة كما أنّها في مقام الإيجاب مستعملة في إظهار الإرادة لكنّه مع ابتنائه على أصلنا من وضع الصّيغة لإظهار الإرادة لا لنفسها كما هو ظاهر القوم و لا لاقتضاء الفعل كما هو مذهب الأشعري و بعض المتأخرين ليس بأولى من القول باستعمالها في إظهار الإرادة في الموضعين مع ما في الأوّل من ارتكاب التجوّز أو تعدد الموضع كما لا يخفى ثم أن الإرادة على فرض كونها عبارة عن العلم بالمصلحة و اعتقاد النفع كان إظهار المصلحة و إظهار الإرادة بمعنى فتبطل المغايرة المتوهّمة أيضا كما هو واضح و لعلّ منشأ زعم المغايرة ما فرضه بعض المحققين من اجتماع الأمر الإرشادي مع بغض المرشد للفعل المأمور به مع أنّ العاقل لا يكون طالبا لما هو مبغوض له واقعا

و فيه أنّ طلب الفعل إنّما ينافي بغض المطلوب إذا كان الطّلب منشؤه تحصيل المطلوب كما هو الغالب فلو كان مسبّبا عن أغراض أخر كالابتلاء و التقية في وجه و النّصح و غير ذلك ممّا نتكلّم فيه فلا منافات بينهما مع أنّ من البيّن أنّ الأمر الإرشادي مع كون الفعل مبغوضا للأمر لا يتصوّر إلا إذا زاحم جهة بغضه مصلحة النصح و الإرشاد و إلا فالعاقل لا يرشد إلى مبغوضه أيضا فلا بدّ أن يكون المرشد النّاصح طالبا للفعل المأمور به و لو كان بالعرض و من جهة إدراك مصلحة النصح و الإرشاد الّتي هي محبوبة له ذاتا أو بملاحظة رجحانه الشرعي فإذا حصل الرّجحان و الحبّ العرضيّين ارتفع الإشكال المتوهّم أعني امتناع تعلّق الطّلب بالفعل المبغوض إرشادا و بذلك يستغني عن جعله من باب الأمر الامتحاني فيكون وجها ثانيا لرفع التوهّم المزبور (و الحاصل) أنا لا نتعقل من الصّيغة في مقام الإرشاد معنى مغايرا لما نتعقل منها في مقام الإيجاب و إنّما نتعقّل المغايرة بين الدّاعي في المقامين بل الظّاهر أن الأمر كذلك في جميع المعاني الآتية كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى و ربما يعرف الأمر الإرشادي بما كان المصلحة فيه عائدة إلى المخاطب دون الأمر كما في‏

214

الأمر الوجوبي مع مشاركتهما في المصلحة الملزمة و أنت خبير بعد الإحاطة بما تلونا خبرا تعرف أنّ هذا أيضا غير مطّرد و لا منعكس‏

فائدة إذا شككنا في موضع أن الأمر فيه هل هو للإرشاد أو للتكليف‏

و ذلك كما لو تردّد الفعل المأمور به بين ما لا يصلح أن يتعلّق به الأمر المطلوب فيه الإطاعة و بين ما هو صالح لذلك أو كان المقام صالحا للإرشاد المحض و للتكليف أيضا فهل الأصل قاض بالأوّل مطلقا أو بالثاني كذلك أو التفصيل بين الصّورتين باختيار الأوّل في الأولى و الثّاني في الثانية وجوه وجه الأوّل أصالة البراءة و وجه الثّاني ظهور الأمر في وجوب الإطاعة إلا إذا ثبت عدم قابلية المحلّ و وجه التفصيل أنّ الشكّ في قابلية المأمور به لتعلّق التكليف يوجب إجمال اللّفظ و سقوطه عن الاعتبار لأن ظواهر الألفاظ إنّما يسلم ظهورها أو اعتبارها مع عدم احتفافها بما يوجب إجمالها من الألفاظ الموجودة في الكلام خصوصا ما كان من قبيل ما نحن فيه فلا مجال للتعلّق بظهور الأمر فيما يترتب عليه وجوب الإطاعة مع الشكّ في قابلية المأمور به بخلاف ما إذا أحرزنا قابليته لذلك و كان الشكّ في استعماله في صرف الإرشاد فإنّ ظهوره حينئذ حجّة حاكمة على أصالة البراءة و أنت إذا عرفت ما قلنا في معنى الإرشاد عرفت أنّ الوجه الأوّل أوجه لأنّ اقتضاء الأمر لوجوب الإطاعة ليس مستندا إلى ظهوره الوضعي لعدم منافات كونه للإرشاد لما يقتضيه الوضع اللّغوي فهو ساكت عن تعيين الدّاعي و الجهة فيلزم البناء على الإجمال و الرّجوع إلى البراءة للشّكّ في التكليف خصوصا في الصّورة الأولى للشكّ في قابلية المحلّ أيضا و ما ذكر في التفصيل إنّما يتجه إذا قلنا بأنّ الأمر الإرشادي مستعمل في غير الوجوب و قد عرفت ضعفه نعم لو كان الإرشاد المحتمل إرشادا ندبيّا تعين الحمل على التكليف الوجوبي على القول بكون الأمر حقيقة في الوجوب (و من فروع ذلك) ما ورد في الشرع من الأمر بالاحتياط لأنّ المراد بالاحتياط المأمور به إن كان هو الاحتياط في مواضع وجوب الإطاعة عقلا كالشّبهة المحصورة و نظائرها تعين كون الأمر للإرشاد المحض لأنّ الاحتياط في موارد وجوبه داخل تحت الإطاعة الواجبة و إن كان المراد به الاحتياط في موارد عدم وجوبه عقلا تعيّن أن يكون تكليفا مطلوبا فيه الإطاعة و إن كان المراد الأعم كان الأمر أيضا للأعم ثم لو فرضنا إحراز القابلية بأن حملناه على الاحتياط الغير الواجب عقلا جمعا بينها و بين الأدلّة النّافية للاحتياط مطلقا دخل تحت الصّورة الثانية لأنّ الاحتياط فيما لا يجب فيه الإطاعة مستحبّ عقلي فيحتمل أن يكون مصبّ تلك الأوامر مصبّ الحكم العقلي فتكون إرشادية على وجه النّدب و يحتمل أن يكون المقصود به إيجاب الاحتياط كما يقوله الأخباريّون فلا بدّ من التأمل في أنّ الأصل في الأمر ما ذا و منه ما ورد في أدلّة السّنن من حديث من بلغه لدورانه بين كونه مشرعا أو محمولا على الإرشاد كما تقرّر في محلّه و ربما يقال إنّ ظاهر الطّلب اقتضاء المطلوب من المطلوب منه فيترتب على مخالفته المعصية إلا إذا علم من الخارج أنّ المقصود غيره كالابتلاء و الامتحان و لذا لا يحسن من العبد التّأمّل و التوقف في الامتثال باحتمال كون الدّاعي إليه شيئا آخر غير الفعل و يدفعه أن الأمر كذلك في غير ما إذا احتمل كون الدّاعي الإرشاد و أمّا عند احتماله فلا لأنّ المقصود من الأمر الإرشادي أيضا حصول المأمور به و إنّما الاختلاف في الأغراض المتعلّقة بالفعل فإنّه قد يكون راجعا إلى الأمر و قد يكون راجعا إلى المأمور فتأمل و فرق بين الشكّ في دواعي الطّلب و دواعي المطلوب فإنّ الأصل في الأوّل البناء على كون الدّاعي حصول المطلوب بخلاف الثاني فإنّه لا أصل هناك كما يظهر بالتأمّل و لعلّ بعض الكلام في هذا المقام يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى و ممّا ذكرنا ظهر أنّ جعل الاحتياط و قاعدة الاشتغال عن الأصول الشّرعيّة نظير البراءة و الاستصحاب و نظائرها كما في كلام غير واحد مبني على عدم تنقيح معنى الإرشاد و عدم تمييز مواردها في الاستعمالات‏

و منها الطّلب المطلق‏

أعني القدر المشترك بين الوجوب و الندب و ربما يمثل له بمثل قوله اغتسل للجنابة و للجمعة مع الدّلالة على وجوب الأوّل و ندب الثاني بالخارج و قلّ من تعرّض هنا لهذا الاستعمال و لعلّ السّر فيه أنّ مدلول الصّيغة معنى نسبيّ حرفي كمدلول غيره من الصّيغ و مثل ذلك لا يستعمل إلاّ في خصوصيات المعنى الكلّي الملحوظ في حال الوضع مع أنّ القدر المشترك بين الفردين لا وجود له في الخارج و الطّلب الّذي يدلّ عليه الصّيغة إنّما هو مصداق الطّلب لا مفهومه فلا بدّ أن يتعقّل كلّيا في حال وجوده و هو مستحيل سواء كان المتكلّم الطالب ملتفتا إلى ذلك أم غافلا فما في حواشي المعالم من تصوير الاستعمال في القدر المشترك في حال الغفلة ستعرف ما فيه إن شاء الله تعالى في أدلّة القول بوضعه للقدر المشترك ثم إنّ ظاهرهم في غير المقام في الأصول و الفروع جعل القدر المشترك سنخا ثالثا من استعمالات الأمر و ربما يجعلون من هذا الباب كلّ ما يتعلّق بالعناوين الكلّية المتناولة للواجب و المستحبّ فيكون من هذا قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* بناء على إرادة ما يعمّ الواجب و المستحبّ من لفظي الصّلاة و الزكاة و كيف ذلك مع ما عرفت من الإشكال و لعلّنا نتكلّم بعض الكلام في تحقيق المقام فيما يأتي إن شاء الله تعالى حيث نبحث في أدلّة الأقوال‏

و منها التّهديد

نحو اعملوا ما شئتم‏

و منها الإنذار

نحو قل تمتع بكفرك قليلا و تمتّعوا ثلاثة أيام و في كون هذين الاستعمالين متغايرين نظر كما في أنّ كون الآيتين من أمثلة الإنذار أيضا تأمّل و الأولى جعل الأمر فيهما للإمهال‏

و منها الإهانة

نحو اخسئوا فيها و لا تكلّمون و قولهم‏

أقع كما أقعى أبوك‏* * * فغضّ الطرف إنّك من نمير

215

فلا كعبا بلغت و لا كلابا و جعل في المنية من أمثلة ذلك ذق إنّك أنت العزيز الكريم و أورد عليه بأن الظّاهر كونها للتشنيع كقول المتشمّت لمن يعذّب ذق حرّ النّار أو لبيان الاستحقاق و هذا أشبه‏

و منها الامتنان‏

نحو كلوا من ثمره إذا أثمر و فيه نظر لأنّه بالرّخصة أشبه و في المنية تمثيله بقوله تعالى كلوا ممّا رزقكم اللّه و هو حسن‏

و منها الإكرام‏

نحو ادخلوها بسلام آمنين و يمكن أن يجعل من الوفاء بالعهد فيكون أيضا من الرخصة

و منها التّسخير

مثاله قوله تعالى كونوا قردة خاسئين قيل و حقيقته وقوع الانفعال بالقول و إلا حسن تبديل الوقوع بالتّحقيق و ربّما خصّ هذا باسم الإنقام أي تذكر النقمة بقوله كونوا

و منها التكوين‏

أي تحقق الوجود بالقول نحو قوله تعالى‏ كُنْ فَيَكُونُ* و فيه نظر لأنّه حكاية عن كيفية التكوين و ليس المقصود به تحقيق الكون و إنّما هو كذلك فيما ورد عينان قال اللّه تعالى كونا فكانتا و ذكر بعض الأعاظم أنّ الفرق بين هذا و سابقه أن ما وقع بالأمر إن كان هو التغيير فهو التّسخير و إن كان هو الإيجاد فهو التكوين قال و قريب من هذا قول من رأي عن بعيد مقبلا لا يقطع به كن فلانا كأنه يدعي أنّه كوّنه أي جعله فلانا لإصابة حدسه على شدّة البعد (قلت) و هذا الاستعمال غير معهود في العرف لكنّه (قدّس سرّه) أعرف منا باللّسان‏

و منها الاحتقار

و عدم المبالات نحو أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ* و فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ‏

و منها التّمني‏

ألا يا أيها اللّيل الطّويل ألا انجلي‏* * * بصبح و ما الإصباح منك بأمثل‏

و في كون التمنّي هنا مستفادا من الصّيغة نظر

و منها الخطر

كما تقول لمن تلاحظه بعين السّياسة صرّم أوقاتك في المناكحات ذكره بعض المهرة ثم قال و قد يعبّر عن هذا بالتنزيه أي تنزه عن ذلك و هو بالحظر أشبه ثم قال و الفرق بينه و بين التهديد أن التهديد حيث يكون مواقعا للفعل و الحظر قبل المواقعة كما ترى و لذا يرمق أهل اللّهو فتقول اجلس معهم‏

و منها الاستغاثة

و انقطاع الحيلة كما يقول الغريق و المتردي أنقذوني أدركوني ارحموني‏

و منها العجب‏

انظر كيف ضربوا لك الأمثال‏

و منها التكذيب‏

قل فأتوا بالتورية قاتلوها قل هلم شهداءكم الّذين يشهدون أنّ اللّه حرّم هذا

و منها المشورة

فانظر ما ذا ترى‏

و منها التعجب‏

كأفعل به في مقام التعجّب نحو أسمع بهم و أبصر

و منها البشارة

انتظروا ثلاثة أيّام يأتيكم الفرج‏

و منها التصويب‏

كما يقول لك صاحبك وجدت فلانا يشتم أمّه و يضرب أباه فلطمته و أوجعته ضربا فتقول اضربه‏

و منها التسوية

فاصبروا أو لا تصبروا ذكره العميدي و فيه نظر

و منها الإخبار

نحو إذا لم تستحي فاصنع ما شئت إذ المراد صنعت و ذلك أنّ الشّرط هنا للتّسبيب و الغرض بيان أنّ قلّة الحياء سبب لعدم المبالات و ارتكاب المنكرات و هذا الاستعمال عندي غير ثابت و لا صحيح و إن ذكره العلاّمة (رحمه الله) في كتابيه و تبعه غير واحد من الأفاضل لعدم مساعدة الاستعمالات العرفية عليه و إن ساعد على استعمال الإخبار في الإنشاء على تأمّل أو منع في ذلك أيضا إلاّ ما كان من قبيل المشترك بين الإخبار و الإنشاء لغة أو عرفا مثل صيغة بعت و اشتريت و استفادة المعاني الإنشائية من الجمل الخبريّة أحيانا لا ينافي ما ذكرنا لأنّ الاستفادة أعمّ من أن يكون على وجه الاستعمال و لعلّ المراد باستعمال الأمر في الإخبار أيضا مجرّد الاستفادة بل الأمر كذلك في جميع المعاني المذكورة لأنّ الإنذار و التهديد و الامتنان و الإكرام و التسخير و التكوين و التعجب و التمني و الاحتقار و الإهانة و التصويب و ما أشبهها هي الأغراض الباعثة على الأمر و ليس الأمر مستعملا فيها و إنما يستفاد بحسب مقامات الكلام و بملاحظة مساقة فالمستعمل فيه في الكلّ أحد أمرين إمّا الإرادة أو إظهارها أو الاقتضاء على اختلاف سبق أو الإباحة و الرّخصة و إنّما الاختلاف في الغرض الدّاعي الباعث على تلك الإرادة أو إظهارها فقد يكون الغرض حصول المراد في الخارج و قد يكون الغرض انتقال المخاطب المأمور إلى بعض لوازمها كالرّضاء و الإذن القلبيين فيكون إباحة أو استخبار حاله في الإطاعة و المعصية فيكون امتحانا أو غير ذلك ممّا لا يخفى على العارف بمقامات الكلام فليس الاختلاف الموجود في استعمالات الأمر على كثرتها اختلافا راجعا إلى المعنى حتى يكون بعضها حقيقة و بعضها مجازا في الكلمة بل إلى فوائد الأمر و الأغراض الباعثة على الكلام فيكون حقيقة في الجميع و إن كان ما عدا الطّلب على وجه اللّزوم أو النّدب أو مطلقا محتاجا إلى القرينة نظير ما حققنا في الكناية بناء على كون الأصل في الكلام تعلّق الغرض بمدلوله فيكون الأصل في الطّلب تعلّق الغرض الداعي بالمطلوب حتى يساعد على خلافه مقام الكلام أو شي‏ء من قرائن الحال أو المقال و بذلك يستراح عمّا صدّع به بعض الأعاظم حيث أخذ بعد ذكر المعاني المشار إليها في بيان العلاقة المصححة للاستعمال فيما عدا الوجوب الّذي هو الأصل زعما منه أن صيغة افعل جاءت مستعملة في نفس الأشياء المفصّلة مع أنّ منها ما لا يتعقّل أن يكون مستعملا فيه فإن استعمال الأمر في التسخير كيف يتصوّر أن يكون على حدّ استعمالها في الطّلب فقال و ليس التعداد أي تعداد استعمالات الأمر بمهمّ و إن عزّ على الطلبة و إنما يدقّ النظر في الفرق بين تلك الاعتبارات بملاحظة مقامات الأحوال و في تعرف الوجه المحسن لاستعمال الصّيغة في تلك المعاني كما ترى في النّدب من مشاركة المندوب للواجب في المصلحة في الجملة و في الإرشاد من مشاركة الواجب في اللّزوم بحسب الحكمة و إن عادت المصلحة فيه على المخاطب و في الدّعاء من المشاركة فيه بادّعاء أنّه لا بدّ منه لمكان الحاجة و كذا الاستعانة و السّؤال و الالتماس و الشّفاعة كما تقول في التهديد إنّه أخرج الفعل المهدّد مخرج المطلوب‏

216

مع كراهته له و قدرته على الانتقام عنه ليعلم أنّه قد أسقطه من عين رعايته حتى صار يطلب له ما يورده موارد الهلكة طلب العدوّ لعدوّه و أنّه لا يفوته قال و الفرق بينه و بين الإنذار أن التهديد يكون بإخراج المكروه مخرج المطلوب لما مرّ بخلاف الإنذار فإنّه بما بعد الأمر كما تقول انتظر ثلاثة أيام و آتيك بمن يأخذك [مصغّرا] مصعّدا و انتظروا ثلاثة و أدهمكم بجيش يقصر له الفضاء و ليس الغرض من الأمر الطّلب بل حصر مدّة الانتظار فكأنّه قيل اقتصروا في ذلك على هذا العدد أي إنكم لا تمهلون أكثر من ذلك و على هذا النمط القول في البشارة لإظهار عدم المبالاة و في التّمني كما يقال في السّؤال إذ لا فرق إلاّ أنّ ذلك سائغ و هذا محال و لا يضرّ فيه كون المسئول من غير ذوي العقول كقوله‏

ألا يا صبا نجد تحمل إلى الخيام سلامي‏* * * أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا

يا أرض سيحي و يا جبال تدكدكي

و تنزيل هذه الأشياء منزلة العقلاء و هكذا و أمّا التّسوية فالدّال عليها مجموع الأمر و النهي انتهى كلامه زيد إكرامه و لقد أفاد فيما أجادوا جاد فيما أفاد حيث أحاط بأطوار الكلام و أنحاء المراد بما لا يطمع في إدراك فوقه حاضر و لا باد إلا أن اللاّزم عليه (قدّس سرّه) إرجاع تلك الوجوه المحسنة إلى الأغراض الباعثة على الطّلب محافظة للصّيغة عن التجوّز في الكلمة كما حققناه و لعلّه المراد و إن كان في قوله و ليس الغرض هو الطّلب بعض المنافاة لذلك إذ الأولى أن يقول و ليس الغرض هو الفعل المطلوب و من جميع ما ذكرنا يظهر ما في كلام بعض المحققين حيث ذهب إلى أنّ المجاز في التهديد و الإنذار و التهكم و نظائرها مجاز في المركّب و في الإباحة و الإذن و التّمني مجاز في الكلمة يعني بها الصّيغة لأنّك عرفت أنّه ليس في شي‏ء من تلك الاستعمالات مجاز في الكلمة و أن مجازيتها نظير مجازية الكناية على ما هو الحق فيها من كونها استعمالا للفظ في الموضوع له و أمّا كون التهديد و نظائره مجازا في المركّب فلم نتحقق معناه و إن التزمنا به في بعض أقسام الكنايات لأنّ إسناد الطّلب إلى المبغوض ليس على حد إسناد الشّي‏ء إلى غير من هو له ليكون مجازا في التركيب و إن أريد به التّنظير و التشبيه لتفهيم المقصود فلا غائلة فيه و اللّه الهادي‏

الثّاني [الكلام في أن النزاع في صيغة افعل خاصة أو في الصيغة و ما بمعناها]

من تلك الأمور أنّ صاحب المعالم تبعا للمحكي في شرح المختصر عن المحققين جعل عنوان البحث في صيغة افعل و ما بمعناها و اعترض عليه بعض من يبادر إلى الاعتراض من المحصّلين بأن قوله و ما بمعناها يتناول بظاهره كلّ ما دلّ على معنى افعل و لو مجازا مع أنّه خارج عن البحث إلاّ أن يراد بما في معناها وضعا و أيضا يتناول ما كان بمعنى الأمر من أسماء الأفعال مع أنّ الظّاهر خروجها عن النّزاع لفظا و إن دخلت فيه معنى فالتعبير بما ذكرنا أسدّ و أولى و أراد بما ذكره ما جعله عنوانا للمسألة حيث قال اختلفوا في أن صيغة الأمر هل يقتضي الإيجاب أو لا إلى مذاهب (قلت) الظّاهر أنّ ما اعترض به على صاحب المعالم غير سديد و ما جعله سديدا غير مفيد (أمّا الأوّل) فلأن شموله لما دلّ على معنى افعل مجازا غير ضائر و دعوى القطع بخروجه واضحة المنع إذ لا معنى للفرق في جريان النزاع بين كون اللّفظ القائم مقام صيغة افعل في الاستعمالات الدّائرة دالا على معناها الثابت لها بالوضع أو بالقرينة فلو فرضنا قيام القرينة على أنّ المتكلّم أراد بما جرى في لسانه من اللّفظ معنى صيغة افعل وضعا كان دلالة ذلك اللّفظ المقرونة بالقرينة الإجمالية على الوجوب أو النّدب أو غير ذلك مختلفا فيها مثل دلالة نفس الصّيغة عليها و إن أراد أن ما يدلّ على الوجوب مثلا بمساعدة القرينة أو النّدب كذلك يدخل تحت العنوان فيختلّ طردا فهو أوضح فسادا كما لا يخفى هذا إذا جعل عنوان البحث دلالة الصّيغة على الوجوب و أمّا لو جعل العنوان كون الصّيغة حقيقة في الوجوب فاللّفظ المستعمل في مدلول الصّيغة مجازا خارج عمّا في معناه بقرينة العنوان و كونه في تشخيص الحقيقة فلا حاجة إلى التصريح بقوله وضعا بعد قوله و ما في معناها لإخراج المجاز بل هو خارج بقرينة كون البحث في أن الصّيغة و ما في معناها حقيقة في أيّ شي‏ء فافهم و أمّا ما زعمه من خروج أسماء الأفعال لفظا فلم يظهر له وجه بعد ملاحظة كون العنوان المذكور من العضدي ناسبا له إلى المحقّقين مضافا إلى تصريح المدقق الشيرواني بجريان النزاع في أسماء الأفعال مع أن المؤاخذة في مثله مع الاعتراف بدخولها معنى لا يرجع إلى محصّل لأنّ دأب المحصّل الإحاطة بجميع مجاري النزاع و عنوان المسألة بما ينطبق على الكلّ إذ العنوان يجري مجرى الحدّ فيجب صونه طردا و عكسا (و أمّا الثّاني) فلأنّه إن أريد بصيغة الأمر كلّ لفظ دال بالوضع على ما يدلّ عليه لفظ الأمر فعدم مجي‏ء الأقوال الآتية فيه واضح إذ من جملتها القول بأنّها موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب و النّدب و الإباحة أو بينها و بين التهديد و عدم وضع الأمر لذلك مع بداهته اتفاقي سواء قلنا بوضعه للوجوب كما هو الأظهر الأشهر و عليه المعترض أو قلنا بوضعه للقدر المشترك بينه و بين النّدب فكيف يجري هذا النزاع في لفظ الأمر و إن أريد بها صيغة افعل خاصة خرج عن البحث الأمر الغائب و الحاضر المزيد و إن أريد به مطلق الأوامر مزيدا كان أو مجرّدا بناء على كون الإضافة بيانية و كون المضاف إليه حقيقة اصطلاحية في الصّيغ المعهودة المعدودة من الأفعال أو على كون هذا التركيب الإضافي حقيقة فيها اصطلاحا ففيه بعد المساعدة على ثبوت الاصطلاح اختصاص ذلك بعرف النحاة فكان عليه نصب القرينة لأنّ محاورات كلّ عرف محمولة على مصطلحهم أو العرف العام و من هنا

217

يظهر وهن ما أورده المدقّق الشّيرواني في المقام حيث اعترض على من جعل قوله و ما في معناها إشارة إلى الأمر باللاّم و الأمر المزيد و أسماء الأفعال بأنّ الأولين داخلان في صيغة افعل لأنّها في مصطلح النحاة علم جنسيّ لكلّ صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل كما أنّ صيغة فعل يفعل علمان لكلّ ماض و مضارع مبنيّين للمفعول إذ يرد عليه (أوّلا) ما ذكره بعض الناظرين في هذا الكلام من عدم ثبوت هذا الاصطلاح نعم الظّاهر أنّ لفظ الأمر و الماضي و المضارع أعلام للصّيغ المعهودة من كلّ باب في مصطلح النّحاة و لعلّ الخلط في المقام حصل بين المادة و هو الأمر و الصّيغة (و ثانيا) أن حمل كلام الأصولي على مصطلح النّحوي بلا نصب قرينة عليه هدم لما تقرّر عندهم من وجوب حمل الكلام على مصطلح المتكلّم أو العرف العام كما سبق ثم إنّ لي في جريان النزاع في أسماء الأفعال نظرا و إشكالا و إن اشتهر بينهم في المقام إذ الظّاهر عدم مسرح للإشكال في دلالة مثل تعال على إيجاب الإتيان إلى المتكلّم و كأن الّذي أوقعهم في ذلك ما وجدوه من تفسير أهل اللّغة تعال مثلا بجئني و تفسير رويد بأمهل فيتحدان في المعنى و أنت خبير بأنّ هذا التفسير مبني على ما هو المشهور من كون الصّيغة حقيقة في الوجوب و ليس المراد به كون الحال فيهما على نهج واحد حتى إنّه لو قيل بأنّها حقيقة في النّدب أو الإباحة قيل به في تلك الأسماء أيضا لأنّ القول به من الهذيان في الكلام إذ الصّيغة إنما تفيد معان مختلفة بحسب ما تعرضه الهيئة من الموارد بملاحظة مقامات الكلام و ليس في الأسماء الّتي تفيد معنى الأمر ما يكون كذلك و ممّا ذكرنا تعرف أنّ القول بدخول أسماء الأفعال في النزاع لفظا أولى من القول بدخوله معنى فما ذكره المعترض من استظهار خروجه لفظا لا معنى اشتباه في اشتباه‏

الثالث [الكلام في أن النزاع هل هو في الصيغة الصادرة من العالي أو مطلقا]

في أن النزاع هل هو في مدلول الصّيغة الصّادرة من المعالي أو في مدلولها مطلقا و على الثاني فهل هو في دلالتها على مجرّد الإلزام و عدم الرّضاء بالترك أو في دلالتها على استحقاق التارك الذّم و الوجوب الاصطلاحي أيضا و الّذي يظهر من إطلاق العناوين و صريح بعض الأدلة أن النزاع إنّما هو في نفس الصّيغة وفاقا للمحقّق القمي (رحمه الله) بل لا يبعد دعوى استظهاره من الكلّ أو الجلّ و ليس صدورها من العالي قيدا لمحلّ النزاع و إن كان ظاهر بعض الأدلّة موهما لذلك لكنه ليس في محلّه لأنّ استدلال القائلين بالوجوب بذمّ العقلاء لا يقتضي اختصاص المتنازع فيه بالصّيغة الصّادرة من العالي و أما كون النزاع في الوجوب الاصطلاحي حتى يترتب على القول بدلالتها على الوجوب دلالتها على كون الأمر عاليا يستحق مخالف أمره الذّم فليس بذلك البعيد بل لو بيّنا على أن عنوان المسألة هو الّذي حكيناه عن المختصر و شرحه في صدر المسألة أعني الاختلاف في وجود صيغة تخصّ الأمر و عدمه فلا محيص عن ذلك لأن قضيّة ذلك العنوان أن يكون النزاع في دلالة صيغة افعل على الوجوب الاصطلاحي الّذي من لوازمه كون الأمر عاليا نعم قضية ما نسبه العضدي إلى المحققين من العنوان و هو عنوان صاحب المعالم (رحمه الله) كون المتنازع فيه دلالة الصّيغة على الإلزام و عدم الرضاء بالترك مع قطع النظر عن حال الأمر و ممّا ذكرنا يظهر أن ما صدر عن بعض أهل التّحصيل من تشديد الإنكار على المحقق القمّي (رحمه الله) في استظهاره النزاع على هذا الوجه من كلمات القوم مع الاعتراف بتشويشها و اضطرابها حتى قال إن دعوى دلالة الصّيغة على كون المتلفّظ بها عاليا مما لا يكاد يلتزم به من له أدنى دريّة بالمحاورات من المنكرات الّتي نشأت من عدم الدّراية بمقالة الأصحاب و اللّه الهادي إلى الصّواب نعم صرّح غير واحد بأن المتنازع فيه دلالة الصّيغة على عدم الرضاء بالترك و هو أقرب إلى الصّواب و قد ذكرنا في البحث عن مادة الأمران اعتبار العلوّ أو الاستعلاء على القول به إنّما هو من خصائص المادّة و أمّا الصّيغة فليس لها دلالة على شي‏ء من الأمرين و لكنّه كلام مبني على التحقيق و هو لا ينافي كون النزاع على الوجه المذكور

الرابع [الكلام في الفرق بين الأمر و الالتماس و الدعاء]

في الفرق بين الأمر و قسيميه أعني الالتماس و الدّعاء و قد سبق بعض الكلام في ذلك و جملة القول فيه أن وجوه الفرق بينهما ثلاثة (أحدها) ما يرجع إلى قيود ما هو القدر الجامع بين الكلّ أعني الطّلب بدعوى أن الالتماس و الدّعاء قسمان من أقسام النّدب فيفارقان الوجوب في فصل الإلزام و هذا مما يقتضيه بعض ما يأتي من أدلة القول بأنّها حقيقة في الندب (و الثاني) ما يرجع إلى نحو الطّلب و كيفيته فيقال إن الأمر هو الطّلب على نحو الاستعلاء و الدّعاء هو الطّلب على وجه الانخفاض و الالتماس هو الطّلب على وجه التساوي و هذا ممّا صرّح به غير واحد في تعريف الأمر حيث صرّحوا بأن فائدة أخذ الاستعلاء في الحدّ إخراج الأمرين (و الثالث) ما يرجع إلى الطّالب فإن كان أعلى فهو الأمر و إن كان أدنى فهو الدّعاء و إن كان مساويا فهو الالتماس و هذا أيضا ممّا يقتضيه استدلال القائل بالنّدب بأنّه لا فرق بين الأمر و السّؤال إلا في الرتبة بناء على عدم الفرق بين السّؤال و الدّعاء أيضا من هذه الجهة و يظهر من المحقق القمي اعتبار الاستعلاء و الرتبة في الأمر دون غيره فجمع بين الوجه الثالث و الأوّل و هو خيرة كلّ من اعتبر في الأمر العلو و الاستعلاء و الأظهر في النظر هو الوجه الثالث من عدم الفرق بينهما إلا بحسب الرتبة و الدّليل على ذلك ما سبق في بحث المادة حيث اخترنا فيه اشتراط العلوّ خاصّة فارجع إلى ما حققناه سابقا إن كنت للبصيرة طالبا و أمّا السّؤال فيظهر من بعض أنّه أعمّ من الدّعاء و لعلّ نظره إلى اختصاص إطلاقات الدّعاء بالسّؤال من اللّه تعالى و هو غير بعيد عرفا هذا ما يقتضيه النظر في كلمات أهل العلم و أمّا أهل العرف فالالتماس عندهم‏

218

أخفض جناحا من الجميع و ربما يؤيّده ما في بعض الأدعية المأثورة من الاشتمال على لفظ الالتماس في مقام الإصرار على الدّعاء و لعلّ نظر القوم إلى ما يقتضيه الأوضاع اللّغوية لكنه منتقض بما ذكروه في لفظ الدّعاء لأنّ معناه اللّغوي غير مساعد لما ذكروه في تفسيره ثم إنّ بعض العارفين بالمحاورات جعل الشفاعة قسما رابعا نظرا إلى عدم انحصارها في الطّلب من الأعلى بل قد تكون من المساوي و قد تكون من الأدنى كما شفع النبي (صلى اللَّه عليه و آله) إلى بريرة في زوجها فقال راجعيه فقالت أ تأمرني يا رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) فقال إنما أنا شافع (قلت) و هذا جيّد لكنّك خبير بأن كون الشفاعة أعمّ من الثّلاثة لا يقتضي كونها أعمّ من الطّلب و إنّما يكون كذلك لو كان الطّلب مختصّا بأحدهما كالطّلب من الأدنى و ليس الأمر كذلك فلا تكون قسما رابعا و إلاّ لزم تسديس الأقسام بملاحظة الوجوب و الندب لأنّهما أيضا لا ينحصران في طلب الأعلى أو الأدنى أو المساوي و الأولى أن يقال إن الشفاعة عبارة عن كلّ طلب يرجع فائدته المقصودة إلى ثالث‏

بقي شي‏ء

و هو أن ظاهر قوله (صلى اللَّه عليه و آله) و إنّما أنا شافع كون الشفاعة قسما من النّدب الغير المشتمل على عدم المنع من الترك مع أنّ الظّاهر من إطلاقات الشافع و الشفيع و الشفاعة اشتمال طلب الطّالب على عدم الرّضاء بالترك و لذا يعبّر عن مسألته (صلى اللَّه عليه و آله) غفران ذنوب الأمّة بالشفاعة مع وضوح عدم رضائه (صلى اللَّه عليه و آله) بالعدم اللّهمّ إلاّ أن يحمل الشفاعة بقرينة المقابلة على الشفاعة المندوبة و يحتمل بعيدا أن يكون المراد بالأمر المسئول عنه أمر النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من قبل اللّه تعالى بناء على كون السّؤال مبنيّا على توهّم بريرة صدور الأمر بعنوان الرّسالة و أنّه من الأحكام المأمور بتبليغها إلى العباد فيرتفع الإشكال فتأمل‏

إذا تقرّر هذا فالحق عندي أن الصيغة حقيقة في الوجوب وفاقا لأكثر المحققين و ذهب جماعة من الأعلام إلى أنّها حقيقة لغة في القدر الجامع بينه و بين الندب و هو الطّلب المطلق لكنها إذا وجدت بلا قرينة حملت على الإلزام و عدم الرّضاء بالترك إمّا مطلقا كما هو رأي غير واحد من أفاضل متأخّري المتأخّرين أو في خصوص الكتاب و السّنة كما عليه العلاّمة (رحمه الله) في النهاية و صاحب الوافية و شارحها و حكي عن علم الهدى أنها مشتركة بينهما لفظا بحسب اللّغة و أمّا بحسب الشرع فهي حقيقة في الوجوب فقط و قال جماعة من العامة و الفقهاء و المتكلّمين على ما نقل عنهم أنّها حقيقة في الندب خاصة هذه ما ينبغي التعرض لها من الأقوال و أمّا ما عداها فهي آراء معجورة لا ينبغي الالتفات إليها مع عدم اتضاح مداركها (و اعلم) أنّ مرادنا بالوجوب هنا الإيجاب و نعني به الطّلب المتأكّد الكاشف عن عدم الرّضاء بالترك و قد يطلق الوجوب و يراد به صفة الفعل من المصلحة الباعثة على الإيجاب أو كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح و الثواب و تاركه اللّوم و العقاب و عليه اصطلاح القوم في الأصول و الفروع و هذه الإطلاقات كلّها خارجة عن حاق المعنى اللّغوي مبنية على بعض التقريبات الواضحة للمتأمل بالقياس إلى اللّزوم الّذي هو بعض معانيه لغة و دلالة الصّيغة على الأخيرين تتوقف على مقدّمات أخرى خارجة عن حاق المدلول مثل كون الطّالب حكيما مطاعا يجب صدور أوامره عن المصلحة عقلا و شرعا فمع انتفاء المقدّمات يكون المدلول هو صرف الطّلب الأكيد فلا يدلّ عليه بأحد المعنيين كما أنّه لا يدلّ على الأوّل بانتفاء المقدّمة الأخيرة و لذا فصّل جماعة بين الإيجاب و الوجوب فأثبتوا الدّلالة في الأوّل دون الثاني و كأنهم أرادوا ما ذكرنا و أمّا ما في المنية من ابتنائه على أصل المعتزلة فلم يظهر له وجه لأنّ النزاع إن كان في خصوص أوامر الشارع فالتفكيك بين الإيجاب و الوجوب بمعنى المصلحة بناء على أصلهم غير معقول و إنما يتعقل على مذهب النافين لإناطة الأحكام الشرعية بالمصالح و هم الأشاعرة و إن كان في مدلول نفس الصّيغة مع قطع النظر عن المتكلّم كما استظهرناه فالتفصيل متّجه على جميع الأصول و المذاهب هذا و ربما يفسر الإيجاب بالإلزام و هو أيضا غير سديد لتوقف دلالتها عليه أيضا على مقدّمة خارجة و هي كون المتكلّم جديرا بإلزام المأمور على الفعل المأمور به‏

[الكلام في بيان الأدلة على المذهب المختار]

لنا على ما اخترناه ضروب من الأدلّة

أحدها [1- التبادر]

و هو العمدة التبادر لأنا لو جرّدنا النّظر عن جميع قرائن الحال و المقال كما إذا سمعنا صيغة افعل من وراء الجدار سبق أذهاننا إلى أنّ اللاّفظ يريد ذلك الفعل و لا يرضى بتركه و هكذا لو وجدنا توقيعا يأمر فيه إنسان إنسانا و نحن لا ندري ما بينهما لم نعقل منه إلا أنّه غير راض بترك المأمور به و أن نفسه لا تطيب إلاّ به كما نعقل أنّه طالب لا مبيح و لا حاضر و لا مهدّد و لا غير ذلك ممّا كثر أو قلّ استعمال الصّيغة فيه من المعاني المشار إليها و ربما يقرر التبادر بأنّ السيّد إذا قال لعبده افعل مجرّدا عن القرينة فخالفه عدّ عاصيا و ذمّه العقلاء و ذلك آية الوجوب و ليس بجيّد لأنّ الكلام ليس في أوامر الموالي إلى العبيد بل في نفس الصّيغة مع قطع النظر عن الآمر مع أنّ أوامر الموالي العرفية إلى العبيد كلاّ أو جلاّ صادرة عن أغراض لازمة و ليس فيها ما يكون لمجرّد النّدب و التنزيه كما في الأوامر الشرعية فالأولى تقرير التبادر فيما إذا جهل حال اللاّفظ بل لو مثل بأنّ الأدنى أو المساوي إذا قال لغيره افعل فهم منه الإرادة التامّة مع عدم الرّضاء بالترك لكان أمثل هذا و قد أورد في المقام على ما ادّعينا من التبادر بوجوه (أحدها) أنّه لو تبادر منه الوجوب لزم انتقال الذهن من الصّيغة إلى المنع من الترك و ليس كذلك إذ قد لا يخطر بالبال الترك فضلا عن المنع عنه و فيه بعد النقض بلفظ الوجوب لأنا نجد من أذهاننا كثيرا عدم الالتفات إلى المنع‏

219

عن الترك عند سماع قول السّيد لعبده أوجبت عليك كذا أن الالتفات إليه بعد النّظر و التّأمّل يكفي في إثبات الدّلالة الالتزامية لأنّ قصوى ما يترتب على عدم مسارعة الذّهن إلى المنع عن الترك كون الالتزام الحاصل في المقام غير بيّن و هو غير ضائر و ربما أجيب عن ذلك بأن الوجوب معنى بسيط ينحل إلى الطّلب و المنع عن الترك في التحليل العقلي فلا يلزم حينئذ تصوّر المنع عن الترك عند تصوّر الوجوب و فيه بعد الغضّ عمّا يقتضيه ظاهره من كون المنع عن الترك جزءا عقليّا لمدلول صيغة افعل مع أنّ الظّاهر خروجه عن المدلول و إن كان لازما له أنّ مبنى الإيراد ليس على تركيب معنى الوجوب أو بساطته فتوسيط مقدّمة البساطة في المقام يبقى مستدركا (و منها) النقض بأنّ التّبادر المذكور موجود في لفظ الطّلب و ما بمعناه أيضا لأنّه إذا قال المولى لعبده أطلب منك شراء اللّحم أو أريد ذلك منك فتقاعد من الشّراء عدّ عاصيا و ذمه العقلاء مع أنّه لا كلام في كون الطّلب أعمّ من الوجوب (و منها) أن التبادر إنما يكون دليلا على الوضع إذا كان مستندا إلى حاق اللّفظ المجرّد عن القرينة مع قطع النظر عن كلّ شي‏ء حتّى التجرّد عن القرينة فلو كان مستندا إلى إطلاق اللّفظ و تجرّده عن القرينة لم ينهض بإثبات الوضع لأنّ انصراف المطلق إلى الفرد الكامل أو الشّائع أمر شائع مع بقاء اللّفظ على حقيقته في الماهيّة المطلقة و تبادر الوجوب من الصّيغة انصراف ناش من إطلاق الصّيغة لكونه أكمل فردي الطلب كانصراف لفظ الطّلب إليه عند الإطلاق (قلت) و هذان الإيرادان من سوانح بعض المحقّقين و تابعيه و قد سبق منا ما يفصح عن سقوطهما في مادّة الأمر بما لا مزيد عليه و نقول أيضا إن انصراف اللّفظ الموضوع للماهيّة المطلقة إلى مرتبة معينة منها يتسبّب بأسباب منها مؤانسة الذهن به باعتبار كثرة الوجود و كثرة الابتلاء و منها غلبة الاستعمال البالغة حدّ النّقل أحيانا و منها بعض القرائن العامة الموجودة في العرف العام أو الخاصّ و أمّا مجرّد الكمال أو الأكمليّة فقد حقّقنا في مبحث الأوضاع عدم صلاحيته لصرف اللّفظ خلافا لبعض من أشرنا إليه هنالك و لو سلّم فليس مطلق الأكمليّة في مطلق الألفاظ كذلك و لو سلّم فهو إنّما يتمّ إذا لم يكن بين الإفراد ترتب بحسب المفهوم نظير أفراد الماء إذا فرض انصراف لفظه إلى بعضها مطلقا أو في بلد مخصوص و أمّا إذا كانت الأفراد مترتبة و مختلفة من حيث الشدّة و الضّعف فالظّاهر أنّ دعوى الانصراف إلى الفرد الأوّل الّذي يحصل في ضمنه القدر المشترك أولى من دعوى الانصراف إلى الفرد الثاني الّذي فوقه و لذا لم يقل أحد بانصراف لفظ الوجود عند الإطلاق إلى وجود الواجب أو انصراف لفظ السّواد إلى السّواد الشّديد أو انصراف لفظ الحركة إلى الحركة الشّديدة و على تقدير التّسليم فهذا الانصراف غير صالح لبناء الأحكام الشرعية عليه لأنّه من التبادر البدوي الزّائل في ثاني النظر كالتّبادر الناشئ من مؤانسة الذهن نظير تبادر الإنسان إلى ذي رأس واحد ثم إنّ بعض خصوصيّات الماهية قد يستفاد من إطلاق اللفظ لا لأجل الانصراف بل لأجل كون سائر الخصوصيّات قيودا زائدة للماهية محتاجة إلى البيان دون تلك الخصوصيّة نظير استفادة الملك المطلق الخالص عن وجوه الإشاعة من لفظ الملك أو ما يفيد مفاده فإن الملك الخالص و إن كان قسما خاصا من الملكية المطلقة الصّادقة عليه و على الملك المشاع أو الوقف أو نحو ذلك إلا أن دلالة اللّفظ عليه إنّما هي من جهة تجرّد اللّفظ عن التقييد لا من نفس اللّفظ إذ الملك أعني الاختصاص إذا لم يقيد بوجه دون وجه يصير ملكا خالصا لأن خلوص الملك عبارة عن الاختصاص المطلق فالّذي يستفاد منه الملكية المطلقة التامة إنما هو تجرّد اللّفظ الدّال على مطلق الملكية و من هذا الباب انصراف لفظ الوجوب و ما يجري مجراه إلى الوجوب النفسي العيني التّعييني باعتراف المورد في موضع آخر لأنّ عينية الوجوب أيضا مستفادة من عدم تقييد الطلب الحتمي بحال عدم قيام الآخر بالمطلوب و هكذا كونه نفسيّا تعيينيّا فإن زعم (قدّس سرّه) أن استفادة الوجوب أعني الحتم و عدم الرضاء بالترك يستفاد من إطلاق اللّفظ الموضوع بإزاء الطّلب كما يقتضيه ما ذكره في مادة الأمر من التنظير بالوجوب النفسي التعييني و قد سبق في مبحث المادّة فجدير بالإعراض عنه لأنّ إطلاق الطّلب لو لم يقض بالنّدب فكيف يقضي بالوجوب و بالجملة إنّي كلّما تأمّلت و سرحت لحظي في زوايا التحقيق فلم أعثر بمكان لما ذكره المحقق (قدّس سرّه) (فإن قلت) فانصراف لفظ الطّلب إلى الوجوب إلى‏

أيّ شي‏ء يستند (قلت) بعد المساعدة على ذلك لعلّه ينشأ من القرينة العامة الّتي أبديناها أعني صدور أوامر السّادات إلى العبيد دائما أو غالبا من الأغراض اللاّزمة و لذا لو وجدنا في الكتاب و السّنة ترغيبا إلى الفعل بمادة الطلب لم يتبادر منه الوجوب و هكذا لفظ الإرادة فالمستفاد من قوله تعالى‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ليس على خلاف المنصرف عنه عند الإطلاق مع أن الإرادة هنا مستعملة في القدر المشترك بين الإرادة الحتميّة و غيرها بناء على كون الآية الشريفة ناظرة إلى جميع الأحكام الشرعية المشتملة على الواجب و المندوب و حاكمة عليها و لا ينافيه كون المراد بها في قوله تعالى‏ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ خصوص الإرادة الحتميّة بناء على اختصاصه بالواجبات لأنّ استفادة ذلك إنما هو بمساعدة قرينة العسر فتدبّر و ربما أورد على التبادر بوجوه أخر لكنها مع ابتنائها على تقرير التبادر في خصوص أوامر السّادات إلى العبيد كما فعله صاحب المعالم (رحمه الله) لا ينبغي أن يلتفت إليها لاتضاح سقوطها

220

بأدنى تأمّل (و اعلم) أنّه سنح لبعض المحققين إشكالات في كون الصّيغة حقيقة في الوجوب فصدع بدفعها و أنت إذا استحضرت ما أسبقنا في مبحث التبادر و حفظت ما فسّرنا به هنا معنى الوجوب الّذي قلنا بدخوله في الموضوع له علمت أنّه لا مجال لشي‏ء من الإشكالات فإنا قلنا إنّ المراد بكون الأمر حقيقة في الوجوب استناد استفادته منه إلى الوضع دون القرينة فليس المراد بالحقيقة في المقام الكلمة المستعملة في معناه الموضوع له بل المراد كون الكلمة بحيث لا تحتاج في إفادة المعنى إلى القرينة و كذا قلنا إنّ الوجوب هنا بمعنى الإيجاب و المراد به طلب الفعل مع عدم الرضاء بالترك دون الوجوب الاصطلاحي و إن كان ذلك أيضا مدلولا عليه في أوامر الشّارع بالالتزام‏

[2- الإجماع العملي‏]

(و ثانيها) ما تعلّق به علم الهدى في إثبات الوضع للوجوب شرعا و اعترف به غير واحد من العامة كالعضدي و الحاجبي من حمل الصّحابة و التابعين و تابعيهم كلّ ما ورد في الكتاب و السّنة من الأوامر المجرّدة عن القرينة على الوجوب فإن قضية ذلك ظهور الصّيغة بحيالها في الوجوب و هو آية الوضع في ذلك الزمان و بضميمة عدم النقل يتم المقصود و أورد عليه تارة بما مرّ في دعوى التبادر من أن مطلق الظهور عند عدم القرينة لا يقضي بالوضع لأنّه قد يكون من باب الانصراف الناشئ من كمال الفرد الظّاهر أو من شي‏ء آخر و هذا قد اتضح فساده بما لا مزيد عليه و أخرى بما استدلّ به القائل بوجوب الحمل على الوجوب شرعا مع كونه حقيقة في القدر المشترك مطلقا من أن فهم الصّحابة و التابعين إنّما هو بمساعدة ما ورد في الشرع من القرائن العامة لا من حاق الصّيغة و سيأتي جوابها و على ما ذكرنا في تقرير الدّليل لا يرد أن مرجع الدّليل إلى التمسّك بإجماع السّلف و هو غير مفيد إمّا لأنّ المسألة علميّة أو لأنّ النافع عنه غير محقّق و المحقق منه غير نافع لكونه إجماعا عمليّا سكوتيا منقولا لأنّ التعويل في المقام إنما هو على صرف فهم الصّحابة لكونهم من أهل اللّسان فمرجع ذلك أيضا إلى التبادر إلاّ أنّ الفرق بينه و بين الأوّل من وجهين (أحدهما) أنّ مقتضى التبادر على الوجه الأوّل ثبوت الوضع في زماننا هذا فلربّما ينفع في الأوقاف و الأقارير و الوصايا من دون الاستعانة بأصالة عدم النقل و مقتضى التّبادر على هذا الوجه ثبوت الوضع في زمان الصّحابة فقط فيحتاج في إثباته لغة و عرفا إلى الأصل المذكور كما لا يخفى (و الثّاني) أن ثبوت الوضع على الوجه الأوّل يثبت بالعلاقة فلا يعارضه شي‏ء من الأمارات الظنيّة و على هذا الوجه يثبت بالأصل المذكور نعم يتجه ذلك على ظاهر ما نقله في المعالم عن السّيد من التمسّك بإجماع الأصحاب بعد فهم الصّحابة و التابعين حيث قال و أمّا أصحابنا فلا يختلفون في هذا الحكم الّذي ذكرنا و إن اختلفوا في أحكام هذه الألفاظ في موضوع اللّغة إلى أن قال و قد بيّنا في مواضع من كتبنا أن إجماع أصحابنا حجّة لكن يمكن أن يوجّه بأن متعلّق دعواه هو الوضع الشرعي و ثبوت الحقيقة الشّرعية و يتجه الانتهاض في مثله بالإجماع إذ الأمور الموظّفة من الشّارع ينفع فيها دعوى الإجماع المصطلح سواء كانت ممّا يتعلّق بالأحكام أو مما يتوقف عليه فهم الأحكام‏

[3- الاستعمال في الوجوب في قوله تعالى ويل للمكذبين‏]

(و ثالثها) الاستعمال في الوجوب من دون التعويل على القرينة في قوله عزّ من قائل‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* و إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ‏ و تقريب الاستدلال على ما ذكروه هو أنّ اللّه تعالى رتّب الذّم على مخالفة الأمر بالركوع و هو لا يكون إلا على تقدير كونه للوجوب و يرد عليه أن ترتب الذّم إنما يدلّ على كون الأمر بالركوع مطلقا أو خصوص هذا الأمر ممّا لا يجوز مخالفته فيكون المقصود به الوجوب و هو غير مفيد كما لا يخفى إذ الاستعمال أعمّ حتى لو ساعدنا الخصم على أنّ الذّمّ المستفاد من التوعيد بالويل و السّياق مترتب على كلّ واحد من التكذيب و مخالفة الأمر بالرّكوع فما صدع به في المعالم من إثبات كون المذمّة على ترك الركوع أيضا لا على مجرّد التكذيب فهو نفخة بلا ضرام إذ لا يترتب عليه المقصود إلا بعد إثبات أن الحيثيّة الملحوظة في الذّمّ هي مخالفة جنس الصّيغة دون النوع و الفرد بأن يكون سبب الذّمّ مخالفة خصوص خطاب اركعوا و أنت خبير بأن حديث ترتب الذّمّ غير ناهض بذلك لعدم دلالته على تعيين إحدى الحيثيّتين بل قصوى ما يتفرع عليه كون الأمر بالركوع سببا لاستحقاق التارك الذّم و العقاب أمّا أنّه لما ذا فهل هو لأجل مخالفة جنس الأمر حتى يثبت المدّعى و هو الدّلالة على الوجوب أو لأجل مخالفة شخصه فلا بدّ فيه من التماس دليل آخر و بعد قيام ذلك الدّليل يندرج المقام في الاستعمالات المحفوفة بالقرينة و يبقى توسيط مقدّمة ترتب الذّمّ مستدركة و أمّا ما ذكره في المعالم وفاقا لغيره من أنّ اللّه تعالى رتب الذّمّ على مجرّد مخالفة الأمر فدلّ على أنّ الاعتبار به لا بالقرينة فإن أراد بالأمر ذلك الأمر المخصوص كما ذكره في المنية فغير مجد لما عرفت من أنّ غاية ما يترتب عليه نفي الاعتبار بغير هذه الصّيغة و أمّا أن الاعتبار بجنسها أو شخصها فغير مستفاد منه و إن أراد به مطلق الأمر فيدل على عدم الاعتبار بغير الهيئة مطلقا حتى المادة فمصادرة واضحة لأنه عين الدّعوى هذا و الصّواب عندي تقريب الاستدلال بوجه آخر تقدّم إليه الإشارة في البحث عن المادة و توضيحه هو أن الذمّ و العذاب يدلاّن على كون الأمر بالركوع هنا للوجوب قطعا ثم إن كان التعويل في تفهيمه على نفس الهيئة ثبت المطلوب لأنّ التعويل في إفادة المعنى إذا كان على حاق اللّفظ دلّ على وضع ذلك اللّفظ بإزاء المعنى و إلاّ كان في غير محلّه و إن كان الاعتماد فيه على شي‏ء آخر في الكلام فهو إمّا قرينة الذّم أو خصوص المادّة إذ ليس‏

221

وراءهما شي‏ء يستند إليه إفهام الوجوب و لو بحكم الأصل و لكن شي‏ء منهما لا يصلح لذلك أمّا المادّة فلوضوح أنّ الركوع سواء أريد به مطلق الانحناء أو الانحناء المخصوص المعهود في الصّلاة كما ورد في تفسير الآية صالح لكلّ من الإيجاب و النّدب كما أنّه صالح للقدر المشترك أيضا فليس الأمر بالركوع نظير الأمر بالإيمان و الإطاعة في كون المادّة قرينة معينة للحمل على الوجوب و أمّا الذّم فلأنّه يتفرع على مخالفة الأمر و لا معنى لمدخليّة التفريع في تفهيم المعنى المراد من المفرع عليه إلاّ إذا كان التفريع الموجود في الكلام صوريّا مقصودا به التوسّل إلى أمر زائد على غرض الإفادة فهو من قبيل الاعتماد في إفادة المراد بالموضوع على مجي‏ء المحمول كقول القائل الأسد رام و هو بمعزل عن طرائق المحاورات و ليس هو نظير الاعتماد في بيان المراد من المقيّد على مجي‏ء القيد أو من الموصوف على مجي‏ء الصّفة كما في قوله رأيت أسدا راميا لأنّ الصّفة و الموصوف بمنزلة كلمة واحدة بخلاف الموضوع و المحمول فافهم و لعلّ ما ذكرنا هو السرّ في عدم التفات أهالي التحقيق و التدقيق إلى هذا الاحتمال إذ لم نجد أحدا ناقش في الاستدلال بأنّ الذمّ و العقاب قرينتان على إرادة الوجوب هنا من الصّيغة مع أنّهم لا يزالون يناقشون كذلك في الاستعمالات الواصلة المستدلّ بها على الأوضاع و فيه شهادة واضحة على سلامة ما سلكناه في مبحث المادّة من المسلك حيث استدللنا في دلالتها على الوجوب باستعمالات الفصحاء بطريق بديع و الحمد للّه ربّ العالمين ثمّ إن من دقائق الأوهام في المقام ما سنح للسّيد في المنية حيث قاده و في دلالة الآية نظر لاحتمال ذمّهم على تركهم الركوع لأجل أمره إياهم تحقيقا لمخالفته و ممانعته أراد أن سبب الذّم يحتمل أن يكون تركهم الركوع رغما و عنادا حيث فهموا من الأمر كون الركوع محبوبا للشّارع فلا دلالة في الذّم المذكور على كونهم تاركين للواجب حتى يثبت دلالة الأمر على الوجوب ثبوتا إنيّا (قلت) و أنت خبير بكمال بعده عن مساق الآية فليس هذا الاحتمال ممّا يوجب وهنا في ظهورها و لعلّ الظّهور هنا يكفي لكونه ظهورا لفظيّا معتبرا كما حقّقناه سابقا مع أن الذّم في الآية ليس مرتبا على مخالفة المكذّبين للخطاب سابقا حتى يتطرق فيه ذلك الاحتمال بل هو مترتب على المخالفة للخطاب في المستقبل و أين هذا من الاحتمال المذكور فتدبّر نعم يمكن المناقشة بناء على ما ذكره بعض المفسّرين من أنّ مورد هذا الخطاب هو دار الآخرة يعني أن المكذّبين يكلّفون فيها بالركوع و لا يستطيعون فإن الأمر حينئذ يكون للتعجيز فيكون أجنبيّا عن المقام هذه أوجه ما استدلّ به على هذا القول من الوجوه و قد ذكروا وجوها آخر مدخولة لا بأس بالإشارة إليها تبعا للأئمة

[4- آية التحذير]

(منها) آية التحذير و هي قوله عزّ من قائل فليحذر الّذين يخالفون عن أمره إلخ وجه الاستدلال على ما في المعالم تبعا لشارح المختصر أنّه تعالى عدد مخالف الأمر و التهديد دليل الوجوب و أورد عليه بوجوه تبلغ عشرين و نيّفا و ذلك لتوقف الاستدلال بها على مقدّمات نظريّة قابلة للمناقشة الأولى أن يكون الأمر هنا للوجوب و هو ممنوع و الاستدلال عليه بظاهر الأمر دوريّ كما لا يخفى و أجيب عنه بوجوه (أحدها) ما ذكره صاحب المعالم و الفاضل الشّيرازي في حاشيته على شرح المختصر من عدم توقف الاستدلال على ذلك بناء على أنّ حسن الحذر و ندبه أيضا يكفي في المقام لأنّه إنما يحسن عند قيام المقتضي و إلاّ لكان سفها قال في الحاشية و لهذا لا يلائم من يحذر سقوط الجدار المحكم الغير المائل (قلت) و أنت خبير بما في ظاهر هذا الكلام لأنّه لو تمّ لكان دليلا على أنّ الأمر هنا للوجوب قطعا و أين هذا عن صحّة الاستدلال على تقدير كون الأمر هنا للنّدب أو الإباحة و كأنّهما أرادا أنّ الآية ناطقة بحذر العقلاء في مخالفة الأمر أحد الأمرين فلو لا أنّ الأمر للوجوب لم يكن وجه لحذر العقلاء كما لا وجه لحذرهم سقوط الجدار الغير المائل و يرد عليه أن الآية ليست حاكية عن أحوال المخالفين للأمر في الماضي أو المستقبل بل هي إنشاء وعيد عليهم في المخالفة كما لا يخفى مع أنّ حذر العذاب في مخالفة الأمر الندبي لو سلّم كونه من قبيل حذر سقوط الجدار الغير المائل فلا يسلم كون حذر الفتنة كذلك لأنّ الفتنة الدّنيويّة غير مأمونة في مخالفة الأوامر الندبية خصوصا على تقدير كون السّبب مخالفة مجموع الأوامر لا كلّ واحد كما قيل سلّمنا لكن قبح الحذر في مخالفة الأوامر المستعملة في القدر المشترك ممنوع فغاية ما ثبت حينئذ بطلان القول بالنّدب لا صحّة القول بالوجوب (و ثانيها) ما ذكره السّلطان (قدّس سرّه) وفاقا للمحقّق أيضا من أنّ الآية واردة في معرض التوعيد فتدلّ بمساقها على التهديد من غير حاجة إلى المتعلّق بظاهر الأمر هذا و ليس مرادهما أنّ الأمر هنا للتهديد كما توهّم و يرد عليه أنّ التوعيد و التهديد يتوقفان على قبح التحذير و الحذر ندبا في مخالفة الأمر الندبي إذ لو كان الحذر في مخالفة الأمر النّدبي حسنا كان التحذير الندبي مع عدم المقتضي أيضا حسنا و مع جوازه أو حسنه لا يتحقّق التهديد كما لا يخفى فالتهديد موقوف على قبح التحذير مع عدم المقتضي و معه يتعيّن كون الأمر هنا للوجوب كما يأتي فإنكار المجيب كون هذا الأمر للوجوب في قوة إنكاره للتهديد لما بينهما من الملازمة و اشتراكهما في المقدمة فالتفكيك بينهما في كلام المورد لا وجه له بل اللاّزم عليه الاقتصار على إثبات كون الأمر هنا للوجوب قطعا و هو ثالث الأجوبة و أول ما أجاب به في المعالم و الحاشية حيث قال إن هذا الأمر للإيجاب و الإلزام قطعا إذ لا معنى لندب الحذر عن العذاب و

222

ظاهره كما صرّح به بعض المحققين أنّ مادة الحذر قرينة على كون المراد بالهيئة في المقام الوجوب يعني أنّ الأمر بالحذر حيثما كان لا يتعقل إلاّ أن يكون للوجوب و أنت خبير بفساد دعوى الكلّية لأنّ الحذر عن غير العذاب الأخروي من المضار كثيرا ما يكون مندوبا لقضاء البداهة بأنّ الحذر حسن يختلف بحسب اختلاف الموارد من حيث نفس المحذور و من حيث العلم به و الشك و الظّن و الوهم في ترتبه و عدمه فقد لا يجب الحذر في الضّرر المحقّق أيضا إذا كان يسيرا غير ملتفت إليه عند العقلاء فضلا عن المحتمل بل ربما يستحسن الأمر بالحذر في ما لا يترتب عليه سوى فوت بعض المصالح و دعوى أن المفسدة إن كانت خالصة فدفعها واجب و إن كانت مشوبة بمصلحة قاهرة أو مثلها فلا يحسن الحذر حينئذ لعدم كونها مفسدة مدفوعة بملاحظة حال العقلاء في عدم كمال المحافظة على القرار عن بعض المكاره و الحزازات فتأمل و ممّا يرشد إلى ما ذكرنا مع وضوحه تطابق العقول على حسن الاحتياط و عدم وجوبه في الجملة عند الأمن من العذاب فلو كان الحذر عن المفسدة مطلقا لا يتصف إلا بالوجوب فأين مورد هذا الاتفاق إلاّ أن يقال إن مورد الاتفاق ما إذا كانت المفسدة محتملة لا محققة و فيه بعد المساعدة عليه أنّه يكفي في تعقل الندب بالحذر أو يقال إنّ حسن الاحتياط غير حسن الحذر و الكلام إنّما هو في الثاني دون الأوّل فتدبّر جيّدا و كأنّ إلى ما ذكرنا يشير كلام السّلطان (قدّس سرّه) حيث أورده على قوله إذ لا معنى لندب الحذر من العذاب بأنّ هذا مسلّم في العذاب المحقّق على تقدير عدم الحذر و أمّا في العذاب المحتمل على تقدير عدمه فغير مسلّم بل مثل ذلك كثير الوقوع في الشرع مثل ندب ترك الطّهارة بالماء المشمس للحذر عن البرص و ندب فرق الشّعر للحذر عن الفرق بمنشار من النّار لا إلى ما فهمه بعض المحققين من الفرق بين احتمال مقتضى العذاب و بين العلم به حتى يرد عليه أنّ العذاب مأمون في الصورة الأولى لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان فلا معنى للحذر حينئذ لأنّ ذلك مع بعده عن ظاهر مقالة السّلطان (قدّس سرّه) لعدم اشتماله على لفظ المقتضي ساقط في نظر المحققين فكيف عن نظر سلطانهم لوضوح أن مقتضى العذاب لا يتعقل أن يكون محتملا إلاّ في موارد العلم بالتكليف إجمالا و دوران المكلّف به بين المحتملات و الحذر في كلّ واحد من تلك المحتملات واجب عقلا بل شرعا على التحقيق عند الأكثر فكيف يقول بعدم معنى للحذر فيه و في غير هذا المورد إمّا أن يعلم بوجود المقتضي للعقاب كما في صورة العلم التفصيلي بالتكليف أو يعلم بعدمه كذلك كما في صورة الشك فيه رأسا فلا مورد يحتمل فيه مقتضي العذاب و لا يحسن الحذر فيه وجوبا و لعلّه (رحمه الله) جعل التكليف الشرعي الواقعي مقتضيا و بنى على أنّ احتمال وجوده احتمال لمقتضي العذاب و هو كما ترى كلام ظاهريّ جدير بالإعراض عنه لأنّ نفس التكليف ليس مقتضيا للعذاب جدّا بل لا بدّ في اقتضائه من العلم الإجمالي أو التفصيلي فالأليق بحاله (قدّس سرّه) تنزيل مقالته على ما حققنا و إن كان في ظاهر لفظ العذاب بعض المنافاة لذلك إلاّ أن الإنصاف بعد الخبرة بمتانة رأيه في سائر المقامات و عامّتها خصوصا في مثل المقام الراجح إلى التّحسين و التقبيح العقليين و سيّما بعد ملاحظة تصريحه بقبح العقاب عند الجهل بالمقتضي فيما يأتي أن حمل كلامه على ما ذكرنا ليس فيه كل البعد و يؤيّده أو يدلّ عليه تمثيله للعذاب بالبرص مع وضوح عدم كونه عذابا فالتحقيق أنّه أراد بالعذاب المضرّة و المفسدة فيرجع محصّل الإيراد إلى أنّ احتمال الضّرر يمكن أن يكون منشأ لندب الحذر احتمالا و محتملا كما اتضح ممّا قرّرنا (المقدّمة الثّانية) أن يكون فاعل فليحذر الّذين إذ لو كان الفاعل مستترا راجعا إلى ما سبق و كان الّذين مفعولا له أفاد وجوب الحذر عن الّذين يخالفون أمر اللّه و هو لا يقضي بوجوب الحذر عن مخالفة الأمر ليتفرّع عليه دلالة الأمر على الوجوب و هي في معرض المنع لأنّ احتمال كونه مفعولا قائم و لا دافع له لفظا أو معنى و أجيب عنه بأنّ هذا أيضا يكفي في إثبات المدعى لأنّ الحذر عن المخالفين للأمر ليس إلاّ من جهة كونهم مخالفين فحيثية المخالفة دليل على أنّ الأمر يدلّ على الوجوب (قلت) و أنت خبير بفساده لأنّ مخالفة الأمر غير صالحة لإيجاب الحذر عن المخالفين و إلاّ لكان الحذر عن الكفار أولى بالإيجاب مع أن الآيات الواردة في ذم الكفار

لا إشعار فيها بذلك إلاّ أن يقال إنّ المراد بالحذر ترك الموادة و الموالاة و هو تعسّف ركيك كما لا يخفى أو يقال إنّ مدلول الآية إذا كان هو الحذر عن مخالفي الأمر فلا جرم تدلّ على عليه وصف المخالفة و ليس المراد أنّ مخالفة الأمر الوجوبي ممّا يقتضي الحذر عن المخالف حتّى يتوجّه المنع أو النّقض بالكفار بل المراد أنّه إذا كان مدلول الآية ذلك فلا جرم تدلّ على عليه وصف الحيثية مع أنّ الظاهر عدم كونه مفيدا أيضا لأنّ مخالفة الأمر الوجوبي إذا جاز أن تكون علّة لوجوب الحذر عن المخالف فلم لا يجوز أن يكون مخالفة الأمر النّدبي أيضا كذلك فتدبّر فالصّواب في إبطال هذا الاحتمال مضافا إلى ما ذكره المحشي الشيرازي من عدم سبق شي‏ء قابل لإرجاع الضّمير إليه أنّ الإجماع قائم على عدم وجوب الحذر بمعناه الحقيقي عن العصاة و الكفار و لو حمل على ترك الموادة فهذا مجاز يدفع بالأصل (و الثّالثة) أن يكون المراد بمخالفة الأمر ترك المأمور به فلو كان المراد بها حمل الأمر على غير وجهه من الوجوب أو الاستحباب أو كان المراد به الحكم بخلاف ما أمر اللّه به سقط الاستدلال (أقول) لا يخفى ما فيهما من البعد عن صريح الآية فضلا عن ظاهرها خصوصا الأخير إذ لم نجد عليه شاهدا في المحاورات و الاستعمالات و العجب‏

223

أنّ ذاكر هذا الاحتمال قال إنّ إطلاق المخالفة على هذا الوجه معروف في مخالفة بعض لبعض و فيه بعد المساعدة على ثبوته في الاستعمالات أنّ ذلك إنّما هو فيما لو أضيف المخالفة إلى الآمر دون الأمر كما في قولك خالفت زيدا فإنّ بعض موارده لا يبعد أن يكون راجعا إلى ما ذكره و أمّا في قولك خالفت أمره فمفهومه العرفي منحصرة في إرادة ترك المأمور به و ممّا ذكرنا يظهر ما في الاحتمال الأول أيضا من البشاعة لأنّ حمل الأمر على غير وجهه إن كان مدلولا لمخالفة الأمر فهو مدلول على سبيل الكناية و إلا فالمخالفة حقيقة هي الترك و ليس في حمل اللّفظ المقصود به الوجوب على الندب تركا للوجوب لأنّ الوجوب لا معنى لتركه سوى ترك الواجب و النّسبة بين ترك الواجب و بين الحمل على الاستحباب عموم من وجه كما لا يخفى فهذا الاحتمال على تقدير صحّته مدفوع بأصالة الحقيقة نعم حمل اللّفظ على خلاف مدلوله مخالف لقواعد اللّفظ و اللّغة لكن المراد بالأمر المحذر عن مخالفته ليس هو اللّفظ من حيث أنّه لفظ مع أنّ الحذر عن ذلك ليس من شأن الشارع كما لا يخفى فالإنصاف أنّ هذه المقدّمة واضحة الثبوت و المناقشة فيها جدير بالإعراض عنها و تخيل بعض المحققين تبعا للعميدي أنّ المخالفة في الآية على تقدير كون الحمل و الحكم المذكورين قسمين من أقسام المخالفة مطلقة فيستدل بإطلاقها على حرمة المخالفة بمعنى الترك فيتم المدّعى أيضا و بما ذكرنا تعرف أنّه كلام ظاهريّ لا وقع له عند إمعان النّظر لأنّ إطلاق المخالفة على الأقسام الثلاثة ليس على وتيرة واحدة بل يرجع في الحمل إلى الكناية و في الحكم إلى التجوّز في الإسناد حيث أضيف المخالفة المنسوبة إلى الآمر حقيقة إلى الأمر من باب إسناد الشي‏ء إلى الآلة و في الترك إلى الحقيقة فكيف يمكن حملها على القدر المشترك بين الثلاثة فتدبّر جيّدا (و الرابعة) أن يكون سبب الحذر مخالفة الأمر من حيث أنّها مخالفة من دون اعتبار كونها على وجه الإعراض و إلا فمقتضى توجّه الحكم المشتمل عليه الكلام إلى ما فيه من القيود كون السّبب هو الإعراض و هو ممّا يستتبع الذّم و العقاب مطلقا حتّى في الأمر النّدبي لأنّ الإعراض عن المندوب إعراض عن فعل النادب و هو قبيح إذا كان الفاعل هو الشّارع و هذه ممنوعة بشهادة كلمة عن لكون المخالفة متعدّية بنفسها و المضايقة من تضمين خصوص الإعراض بناء على احتمال كون المتضمّن شيئا آخر لعدم دلالة عن إلاّ على وجوب التّضمين في الجملة و هو أعمّ من أن يكون المضمن معنى الإعراض أو غيره غير مجدية لأنّ الالتزام بالتّضمين و لو في الجملة اعتراف بأن الذم و التهديد غير مترتبين على خصوص المخالفة بل على مجموع الأمرين من المخالفة و غيرها و الاستدلال بها لا يستتمّ إلا على تقدير كون المخالفة بنفسها سببا لهما و أجاب المدقق الشيرواني عن ذلك ناقلا عن الفضلاء الأدباء بأن كلمة عن متعلّقة بالمخالفة باعتبار كونها شبيهة بالتجاوز فلا حاجة إلى تضمين معنى الإعراض (قلت) لو كان تصحيح الكلام مبينا على ملاحظة المشابهة سقط الاستدلال أيضا لأنّ الالتزام بهذا المجاز ليس بأولى من اعتبار التضمين مع شيوعه و فصاحته و تصريح بعض فحول الأئمة بأن الآية الشريفة من موارده فيدور الأمر بينهما من غير مرجح فيسقط الاستدلال فالصّواب أن يقال إنّ المخالفة من الأمور الّتي تتعدى و لا تتعدّى مع اتحاد المعنى إلا من حيث اللّزوم و التعدّي فيتعلّق بأصالة الحقيقة في رفع احتمال التضمين إلاّ أن يقال بلزوم التضمين في كلّ ما هو من هذا القبيل و لذا قال بعض بتضمين معنى الإشعار في قولهم علمت به لكن يدفعه ما نقل عن التفتازاني من أنّ كلّ فعل يتعدّى و لا يتعدى فالأصل فيه عدم التعدّي و أنّ التعدي مبني على خروجه عن معناه الأصلي (و يمكن أن يجاب) أيضا بأن تضمين معنى الإعراض هنا غير جائز إذ الظّاهر و لو بمعاونة وجوب رجوع الحكم إلى القيد الأخير أن للأمر مدخلية في ترتب الذم و التهديد و هو لا يجامع تضمين معنى الإعراض سواء كان الأمر في الواقع للوجوب أو للندب أمّا على الأوّل فلأنّ مخالفة الأمر الوجوبي بنفسها مقتضية للذّم فتضمين معنى الإعراض لا يرجع إلى طائل و أمّا على الثاني فلأنّ مخالفة الأمر النّدبي على وجه الإعراض و إن كان سببا للاستحقاق إلا أنّ السّبب حقيقة هو الإعراض عن فعل الحكيم من دون مدخلية للمخالفة و إلاّ كان سببيّة المخالفة على وجه الإعراض للاستحقاق أيضا في معرض المنع مع أنّ ظاهر الآية بل صريحها أن مقتضى الذّمّ هي مخالفة الأمر من‏

حيث أنه أمر و منه يظهر سقوط ما ذكره في المعالم من تضمين المخالفة معنى الإعراض فإن كان و لا بدّ من التضمين مراعاة لكلمة المجاوزة فالمتعيّن تضمين معنى التجاوز لو لم نقل بأن حقيقة المخالفة هو التجاوز بناء على ما أبدينا في استعمالاتها من التعدي بنفسها من غير تضمين (و الخامسة) أن يكون سبب الحذر مخالفة كلّ فرد من أفراد الأمر فلو كان السّبب مخالفة مجموع الأوامر سقط الاستدلال أيضا لأنّ مخالفة جميع الأوامر الشرعية سبب لاستحقاق الذم و العقاب على جميع الأقوال في الأمر فلا بدّ من إثبات العموم و هو ممنوع من وجهين (أحدهما) ما قيل من أن أمره مطلق و ليس بعام و أجاب عنه صاحب المعالم تارة بأنّ المصدر المضاف عند عدم العهد يدلّ على العموم بدليل صحّة الاستثناء كأن يقال في الآية إلاّ الأمر الفلاني و أخرى بأن الإطلاق كاف في المقام إذ لو كان الأمر لغير الوجوب لم يحسن الذّمّ و الوعيد على مخالفة مطلق الأمر و قد أورد على الوجهين سلطان المحققين‏

224

بما فيه إفادات باكرة و تحقيقات فاخرة أحببنا التعرّض لها و الإشارة إلى ما في بعضها قال في الأوّل ما حاصله وجوه ثلاثة (الأوّل) أنّ صحّة الاستثناء إنّما يدلّ على عموم ما في المستثنى منه سواء كان بدليّا أو استغراقيا بدليل صحّة قولنا أكرم عالما إلاّ زيدا و المقصود هو الثاني بقرينة مقابلة الجواب الأوّل للجواب الثاني (و الثّاني) أن الدّال على العموم إنما هو تحقق الاستثناء و وجوده في الكلام لا صحّته و جوازه لأنّ الجواز في نظرنا إنما يقتضي حكمنا بإمكان إرادة المتكلّم للعموم لا بفعليته و هذا مثل جواز توصيف المشترك بصفات معنى معيّن من المعنيين مع جواز الحكم به في إرادة المتكلّم (و الثالث) أنّ صحّة الاستثناء إنّما تدلّ على أنّ العموم مراد من الإضافة لا أنّها موضوعة للعموم (أقول) أمّا ما ذكره في الإيراد الأوّل من كفاية العموم البدلي في الاستثناء فهو مسلم إذا كان العموم البدلي مستفادا من لفظ المستثنى منه كما في قولنا أكرم رجلا أيّا ما كان إلاّ زيدا فلو كان مستفادا من مقام الإطلاق الذي ليس دلالته على العموم لفظية باعترافه (قدّس سرّه) أمكن منع كفايته في وضع الاستثناء و ما ذكره من المثال و إن صرّح به بعض أئمة النحو كسيبويه لكنه غير مجد لأنّ مجرّد الصّحة و لو مجازا لا يجدي و إثبات كونه حقيقة دونه خرط القتاد لأنّ المتبادر من الاستثناء دخول المستثنى تحت مدلول المستثنى منه و لذا صرّحوا بأنّ الأصل في الاستثناء الاتصال مع صحّة الاستثناء المنقطع أيضا (و الحاصل) أنّ مجرّد الصّحة أعمّ من الحقيقة و المجاز و مراد صاحب المعالم هي الصّحة الوضعيّة و هو لا يكون إلا على تقدير دلالة الإضافة على العموم الاستغراقي دون البدلي الخارج عن مدلول لفظ المطلق و أمّا ما ذكره ثانيا فيتوجه عليه أنّ هذا الإيراد أيضا يتوقف على صحّة ما ذكره في الإيراد الأوّل من عدم دلالة الاستثناء على العموم الاستغراقي إذ لو ساعده على ذلك لكان الدّال على العموم هي صحّة الاستثناء لا تحققه لأنّ صحّة الاستثناء حينئذ يدلّ على كون المستثنى منه عاما أصوليّا بالوضع فيثبت المدّعى و لا حاجة إلى فعليته الاستثناء و هذا مثل صحّة التقسيم الّتي يتمسّك بها لإثبات الوضع من غير توقف في مورد الاستعمال على تقسيم و تقييد رأسا (و الحاصل) أنا لو جوّزنا الاستثناء حقيقة مع العموم البدلي اتجه ما ذكره من أن مجرّد الجواز لا يقضي بعموم المستثنى منه الاستغراقي إذا لم يكن حمله على عدم العموم ارتكابا للتجوّز و أمّا لو لم نجوّز ذلك بطريق الحقيقة و قلنا إنّ وضع الاستثناء على أن يكون المستثنى منه عاما أصوليا كان ما ذكره ساقطا لأنّ صحّة الاستثناء حينئذ دليل على أن المستثنى منه من ألفاظ العموم فيحمل عليه و إن لم يكن هنا استثناء أيضا نعم يتم الإيراد لو احتمل كون المستثنى منه من الألفاظ المشتركة بين العام و الخاصّ و هذا الاحتمال لا سبيل إليه في المصدر المضاف عند التحقيق نظير الجمع المعرف و أمّا ما ذكره ثالثا فلعلّه أيضا غير وارد للفرق بين إثبات العموم بإمكان الاستثناء و بين إثباته بوقوعه و الإيراد المذكور إنما يرد على الثّاني دون الأوّل لأنّه في قوة دعوى انسباق العموم إلى الذّهن بدليل جواز الاستثناء فكيف يتوجّه عليه أنّ الاستثناء إنّما يدلّ على أنّ المراد هو العموم لا أنّ اللّفظ موضوع للعموم و قال في ردّ الثاني ما حاصله أنّ الإطلاق إنّما يكفي إذا كان المراد بالمطلق الماهية المتحققة في ضمن أي فرد كان و أمّا إذا كان المراد به الماهية الموجودة في ضمن فرد معيّن كما في جاء رجل من أقصى المدينة فلا شكّ أنّه غير كاف في دلالة الآية على المدّعى و للمعترض أن يقول لعلّ المراد هو الأخير و ليس هو مجازا كما صرّح به أئمة العربية حتى يدفع بالأصل (قلت) و لقد أفاد فيما أجاد و أجاد فيما أفاد إذ التحقيق الّذي عليه أهله في باب المطلق أنّ دلالة المطلقات على صفة الإطلاق و العموم ليست مستفادة من دلالة اللّفظ عليه وضعا بل من مقدّمات أخرى يسمّى العموم الحاصل منها بالعموم الحكمي لكن الظّاهر أنّ هذا التحقيق غير نافع في المقام لجريان جميع تلك المقدّمات هنا كما لا يخفى على أهل الدّرية بمقامات الكلام و السّر في ذلك أنّ المطلقات الواقعة في سياق النواهي أو ما يجري مجراها من الأحكام الوضعية و نحوها تحمل بعد إحراز كون الكلام في مقام البيان على العموم الاستغراقي أو البدلي بحسب اختلاف المقامات و لعلّ المقام من قبيل الأول فلا مناص عن حمله على العموم الاستغراقي و كأنّه تفطّن بذلك فقال‏

لكن الإنصاف ظهور اللّفظ هنا في العموم (و الوجه الثّاني) من وجهي منع دلالة الآية على العموم ما أفاده أيضا سلطان العلماء من أنّه على تقدير العموم لم يفد أيضا سوى كون مخالفة جميع الأوامر بالكلّية موجبة للعقاب و هو لا يستلزم إلا كون بعض أوامره للوجوب و المدّعى هو العموم (قلت) فيما ذكره (قدّس سرّه) نظر من وجوه (أمّا أوّلا) فلأنّه على تقدير العموم لا داعي إلى اعتبار مخالفة جميع الأوامر كلّية حتى يكون في قوة السّلب الكلّي و غاية ما يوجه به ذلك أنّ قوله عن أمره وقع في حيّز النفي و هي المخالفة فعلى تقدير كونه مفيدا للعموم في نفسه أفاد وجوب الحذر عن مخالفة العموم و يرد عليه بعد النقض بما يتفاهم عرفا من نحو لا تكرم العلماء عن عموم السّلب لا سلب العموم أنّ ألفاظ العموم موضوعة لإسراء الحكم إلى الأفراد سواء كان نفيا أو إثباتا فهي آلة لملاحظة المخاطب استيعاب الحكم المذكور في الكلام لجميع الأفراد و هذا هو الاستغراق الأصولي و أمّا دلالة مثل قولنا لا تعط زيدا كلّ العشرة على سلب العموم فإنّما هو لأجل وقوع مدلول لفظ الكلّ أعني صفة العموم‏

225

طرفا للنّسبة و موضوعا للحكم و هذا يتوقف على مساعدة القرينة عن سياق و نحوه و إلا فالأصل في العموم أن يكون آلة لملاحظة المنتسبين كما حققناه في غير المقام و ملخّصه أن العموم المستفاد من ألفاظه سوى لفظ الكلّ و ما يرادفه معنى حرفي آلي يراد به معرفة حال ما يتعلّق به الحكم المشتمل عليه الكلام من الاستيعاب و قضية ذلك عموم الحكم لجميع أفراد المتعلّق بالعموم الأصولي سواء كان إيجابا أو سلبا فيفيد عموم السّلب إذا كان الحكم نفيا إذ لو أريد به سلب العموم فلا بدّ فيه من ملاحظة نفس العموم طرفا للنّسبة و متعلّقا للحكم حتّى يتوجّه النّفي إلى صفة العموم و المفروض أنّ الألفاظ الدّالّة على العموم ما عدا الكلّ لا تدلّ عليه كذلك بل على النّحو المقرر الغير القابل للحكم عليه بشي‏ء و أمّا لفظ الكلّ فهو و إن كان موضوعا للدّلالة على العموم على نحو دلالة الأسماء على تمام معانيها إلا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في الدّلالة على السّلب الجزئي لأنّ غاية ما يتفرع على كونه اسما كون مدلوله و هو العموم معنى اسميّا ملحوظا بالاستقلال و هذا لا ينافي أن يكون الغرض منه معرفة حال الأفراد و لأن يكون طريقا إلى معرفة متعلّق الحكم من الأفراد لا موضوعا و على تقدير التسليم فغاية ما يتفرّع على كونه موضوعا للحكم أن يتوجّه النّهي إلى العموم و يصير مدلول قولنا لا تضرب كلّ القوم مثلا ثبوت الحرمة لضرب المجموع من حيث المجموع و هذا ليس ملزوما للسّلب الجزئي المقرون بالإيجاب الجزئي أعني جواز ضرب بعض القوم حتّى يجري القول المذكور مجرى القضيّتين الجزئيتين لوضوح أن حرمة ضرب المجموع من حيث المجموع أعمّ من حرمة ضرب كلّ أحد و من حرمة ضرب البعض و لا دلالة للعام على الخاصّ إلا بعد ملاحظة مقدّمات أخرى خارجة عن وقوع العام في حيّز النفي فدلالته على السّلب الجزئي بالمعنى المذكور و على السّلب الكلّي سيّان في الافتقار إلى قرينة خارجة إذا تقرر ذلك (فنقول) قوله (رحمه الله) إنّ مخالفة مجموع الأوامر يستلزم كون بعض أوامره للوجوب دون الكلّ ليس على ما ينبغي (أمّا أوّلا) فلأنّ العموم الملحوظ في الإضافة ليس على حدّ العموم المستفاد من لفظ الكلّ إذ الأوّل متمحّض في إفادة عموم السّلب و لا يحتمل سلب العموم إلا مع قيام القرينة و إنما يحتمل ذلك احتمالا مساويا لنقيضه في العموم المدلول عليه بمثل لفظ الكلّ و الجمع (و أمّا ثانيا) فعلى تقدير المساعدة على عدم الفرق بين الكلّ و غيره من ألفاظ العموم في هذا المقام يتجه المنع أيضا لما عرفت من عدم دلالة وقوع العام في حيّز النفي على السّلب الجزئي و لا على السّلب الكلّي و لا على الإيجاب الجزئي بل إنّما تدلّ على مفهوم قابل للكلّ فيحتاج التعيين إلى مقدمة خارجية و لو أصالة الإطلاق مع وجود شرائطه نعم السّلب الجزئي هو القدر المتيقن من سلب العموم و أين ذلك من دلالة اللّفظ عليه و يحتمل غير بعيد أن يكون هذا مراده بالاستلزام دون الدّلالة لأنّه بمكان من متانة النظر و استقامة السّليقة فكيف يظنّ به ما يبادر إلى ردّه ذهن القاصر و لذا عدل عن المناقشة بعد ما ذكرها إلى قوله و لا يبعد أن يقال إنّ المتبادر من الآية الشريفة على تقدير عموم لفظ أمره كون الحكم على كلّ فرد فرد فهو السّلطان العادل اعتدل فيما عدل مشيرا به إلى التحقيق الّذي اهتدينا إليه من بركات الممارسة في إفاداته من أنّ وظيفة الألفاظ الدّالّة على العموم إسراء الحكم إلى جميع الأفراد نفيا كان أو إثباتا فهو الوارد على الحكم لا أنّ الحكم وارد عليه كما يقتضيه ظاهر وقوعه في حيّز النفي أو الإثبات و حيث خفي هذا التّحقيق على بعض أهل التدقيق أورد عليه في دعوى تبادره العموم بأنّه تحكم بحت ثم نقول أيضا (و أمّا ثالثا) فلأن حرمة مخالفة جميع الأوامر لعلّها لا تستلزم كون بعضها للوجوب أيضا ضرورة أنّ مخالفة جميع أوامر المولى قبيحة يجب الحذر عنها مطلقا سواء كان كلّها للوجوب أو للندب أو للقدر المشترك لدلالتها على نفرته عن مرضاة المولى و عدم الاعتناء بكلامه و سوء سريرته خصوصا في أوامر الشّارع لبعد استناد الترك في الكلّ إلى عدم الدّاعي فيكشف إصراره عليه عن كون الداعي هي حيثية المخالفة فتدبّر و تأمّل (و أمّا رابعا) فلأنّ المدّعى ليس هو العموم كما ذكره (قدّس سرّه) إذ المقصود إثبات وضع الأمر للوجوب سواء كان جميع أوامره تعالى للوجوب أو لم يكن شي‏ء منها فضلا عن أن يكون بعضها للوجوب و بعضها للندب كيف و دعوى العموم ممّا لا

وجه لها في المقام و لا سبيل إليها أيضا مع ما هو المعلوم في أوامر الشارع من المستحبّات و لا يترتب عليه غرض إذ المقصود من إثبات الكلّية إن كان هو دلالة الأمر على الوجوب فهذا يحصل من ملاحظة تعليق الوعيد و التهديد على مخالفة الأمر من حيث كونه أمرا من غير أن يكون أوامره كلاّ أو بعضا للوجوب و دعوى أنّ تهديد الشّارع على مخالفة جنس الأمر يكون لغوا إذا لم يكن جميع أوامره للوجوب فالدّلالة على الوجوب موقوفة على ثبوت التهديد و هو موقوف على كون جميع أوامره للوجوب فصحّ القول بأن المدّعى هو العموم نظرا إلى توقف المدّعى عليه مدفوعة بمنع توقف التهديد على كون جميع أوامره للوجوب إذ لو كان بعض أوامره للوجوب صحّ أيضا التهديد على مخالفة الأمر من حيث إنه أمر إذا كان الوجوب من مقتضيات نفس الأمر دون القرينة بل الظّاهر صحّة التهديد مع كون جميع أوامره للنّدب فضلا عن القدر المشترك إذ لا قبح في قول السّيد لعبده إن مخالفة أمري مع قطع النظر عن أمور خارجية سبب لاستحقاق العقاب مع كون ما صدر عنه أو يصدر من الأوامر لغير الوجوب بقرينة خارجة لأنّ قبح هذا الخطاب إن كان لأجل كونه كذبا مخالفا

226

للواقع فهو كذب مخالف للواقع كما لا يخفى و إن كان لأجل عرائه عن الفائدة ففوائد الكلام غير مضبوطة لا سبيل لنا إلى نفيه خصوصا في الخطابات الشرعية سلّمنا ذلك و أن التهديد على مخالفة الأمر لا يحسن إلا على تقدير كون جميع أوامره للوجوب بناء على أنّ سبب الحذر لو كان هي مخالفة بعض الأوامر كان اللاّزم حينئذ نصب القرينة عليه و حيث لا قرينة و المقام مقام البيان كان ذلك دليلا على اطّراد حيثيّة المخالفة و عدم اختصاصها بمورد دون مورد فيستفاد عنه دلالة الأمر من حيث هو على الوجوب مع قطع النظر عن قيام ما يدلّ على النّدب و أنّ مخالفة ما يدلّ على النّدب ليست مخالفة للأمر بل للقرينة لكن اللاّزم حينئذ أن يقال إنّ الاستدلال يتوقف على العموم لا أنّ المدّعى هو العموم و توجيه ذلك بما أشرنا إليه تعسّف ركيك كما لا يخفى فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا محيص عن القول بدلالة الآية على عدم مخالفة شي‏ء من الأوامر سواء كان العموم هنا وضعيّا مستفادا من وضع الإضافة للاستغراق أو مستفادا من مقام الإطلاق كما قرّرنا و كيف كان فالمناقشة فيها من هذه الحيثية ساقطة و هاهنا وجهان آخران لإثبات العموم (أحدهما) ما أشار إليه السّلطان أيضا من أن تعليق الحكم بمخالفة أمره من حيث هو يشعر بالعلّية (قلت) و أنت خبير بأن استنباط الحيثية أيضا يتوقف على جريان المقدّمات المتوقف عليها العموم الحكمي إذ لولاها فمن أين يعلم أنّ الحيثية الملحوظة في التهديد هي حيثيّة مخالفة الأمر و لم لا يجوز أن يكون المناط في التهديد شيئا آخر زائدا على الأمر و هي الخصوصيّة الموجودة في بعض الأفراد فيرجع استكشاف العموم بهذا الوجه إلى ما ذكره صاحب المعالم أخيرا من أنّ الإطلاق كاف في المقام فليس هذا الاستنباط طريقا ثالثا إلى إثبات العموم كما أنّه ليس براجع إلى الطّريق الأوّل فما ذكره (قدّس سرّه) أخيرا من أن استنباط العموم بملاحظة الحيثية كأنّه مراد من استفاد العموم من إضافة المصدر فيه ما لا يخفى لأن المتعلّق في إثبات العموم بذيل الإضافة يريد أنّه من العمومات المصطلحة كالجمع المحلّى باللاّم باعترافه (قدّس سرّه) لا أنّه ممّا يستفاد بملاحظة المقام و السّياق و الإشعار إذ لا مدخليّة في العموم المستنبط من هذه الوجوه للفظ المصدر و لا لإضافته كما لا يخفى (و ثانيهما) ما ذكره المدقق الشيرواني من أنّ عموم الموصول هنا يكفي في إثبات العموم و لا يضرّ إطلاق الأمر فإنّ الموصول يستغرق جميع من اتّصف بما هو مضمون الصّلة فالأمر لو كان مطلقا لكان صالحا لأن يتصف به كلّ من يخالف أمرا من الأوامر بمخالفته و يصدق عليه مخالف الأمر و الموصول يتناول ذلك المخالف إلى أن قال و أنت تعلم أنّه لو لا ذلك لما عمّ شي‏ء من الموصولات إذ صلته جملة و الجملة في قوة النكرة فعليّة كانت أو اسميّة كما هو المشهور فيحتمل التخصيص و لا يعمّ و أوضح من ذلك لزوم عدم عموم مثل قوله تعالى‏ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً إلى آخره ما قال (أقول) إنّه إن أراد بهذا التدقيق تصحيح ما ذكره صاحب المعالم من أن الإطلاق كاف في المقام فنعم الكلام لكنّه مدّع بلا معارض لاعتراف كلّ من السّلطان و صاحب المعالم بذلك و قد مرّ و إن أراد أنّ عموم الموصول يكفي و لو مع الغضّ عن إطلاق الأمر و البناء على إهماله فهذا جدير بأن لا يلتفت إليه و أنت إذا تأمّلت حقّ التأمّل عرفت وجهه هذا ما اقتضاه التأمّل في مقدّمات دلالة الآية على كون الأمر للوجوب لكن في اقتضاء ذلك للمدّعى و هو وضع الصّيغة للوجوب لغة بعد نظر من وجوه (أحدها) أنّ التهديد قد وقع بالعذاب على سبيل الترديد دون التعيين لدوران المهدد به بين الفتنة و العذاب و لا مانع من ترتب الفتنة على ترك بعض المندوبات فغاية ما يفيده التهديد المذكور كون الصّيغة مشتركة بين الوجوب و الندب لفظا أو معنى قضاء لحق الاحتمالين فلا دلالة في الآية على انحصار مدلوله على الوجوب و هذا الإيراد على التّقرير المذكور غير وارد لأنّ ترتب المفسدة على بعض المندوبات لا يصلح وجها للتوعيد بالعذاب أو الفتنة في مخالفة جنس الأمر المستلزم للتوعيد في كلّ فرد على تقدير كونه مشتركا بين الوجوب و الندب فضلا عن تقدير كونها للنّدب خاصّة لجواز عدم ترتب شي‏ء منهما في مخالفة بعض الأوامر النّدبية فالصّواب تقرير المناقشة بوجه آخر و هو أن يدّعى عدم المانع من ترتب الفتنة على ترك المندوب مطلقا و حينئذ يتوجّه المنع كما لا يخفى ضرورة عدم الملازمة بين الفتنة و

بين مخالفة الأمر الندبي (و الحاصل) أن ظاهر الآية ترتب أحد الأمرين على مخالفة الأمر و هو لا يتصور إلاّ على تقدير كون الأمر للوجوب لأنّه الّذي يترتب على مخالفته المفسدة من العذاب أو الفتنة إذ لو كان للنّدب لم يترتب عليه شي‏ء من الأمرين و إن ترتب على بعض أفراده خصوص الأخير و كذا لو كان مشتركا بينه و بين الوجوب فإن ترتبها أيضا غير لازم في مخالفته و ترتبهما أحيانا غير كاف في تعليقهما على جنس المخالفة و دعوى ترتب المفسدة على مخالفة كلّ أمر ندبي نحو ترتب العذاب على مخالفة كلّ أمر وجوبي في معرض المنع (فإن قلت) المراد بالعذاب و الفتنة احتمالهما لا فعليتهما لأن احتمال التكفير أو التدارك أو العفو قائم في كلّ ما يقتضي العذاب أو الفتنة من الأوامر و لا مانع من تطرق احتمال الفتنة في كلّ أمر ندبي فدعوى الكلّية لا وجه لمنعها (قلت) المراد بالعذاب و الفتنة استحقاقهما لاحتمالهما و دعوى عموم استحقاق ترتب الفتنة على مخالفة كلّ أمر ندبي واضحة الفساد أيضا فظهر أنّه لا محيص عن الالتزام بكون الأمر للوجوب و لا ينافيه الترديد بين العذاب و الفتنة لأنّ مخالفة

227

بعض الواجبات كتناول بعض المعاصي ممّا يتدارك مفاسدها بالفتن الدنيوية و يدفعه أن تدارك المفسدة في دار الدّنيا بالفتن لا ينافي ثبوت استحقاق العقاب لأنّه حكم عقلي ثابت في ترك الواجب و لا يعقل التخصيص إلاّ أن يقال إن ما يستقلّ به العقل هو استحقاق المكافات و أمّا كونه خصوص العذاب فلا دليل عليه من عقل أو نقل (و الحاصل) أن ظاهر كلمة أو في الآية هو التقسيم دون الترديد فالمعنى أن مخالفة كلّ فرد من أفراد المخالفة يترتب عليها أحد الأمرين على سبيل منع الخلوّ و حينئذ فإن كان المراد بالعذاب و الفتنة بعد القطع بأن فعليتهما غير مرادة في المقام كما بيّنا احتمالهما بطل الاستدلال بها على كون الأمر للوجوب لقيام احتمال إصابة الفتنة في مخالفة كلّ أمر ندبي بل الظاهر حينئذ دلالة الآية على كون الأمر مشتركا بين الوجوب و النّدب و إن كان المراد بهما استحقاقهما تم الاستدلال لأنّ تعليق استحقاق الأمرين على مخالفة جنس الأمر القاضي بالعموم كما مرّ لا يستقيم إلاّ على تقدير كونه للوجوب هذا و من المحققين من أجاب عن الآية بأن حمل الآية على التقسيم خلاف الظّاهر المتبادر منها إذ الظّاهر منها دوران الأمر فيما يصيبهم بين الأمرين و هو لا يتم إلا في ترك الواجب لعدم قيام احتمال العذاب في ترك المندوب (قلت) و ظاهر هذا الكلام أو صريحه حمل كلمة أو على الترديد و أنت خبير بفساده (أمّا أوّلا) فلأنّ الترديد المستفاد من أدواته الموجودة في الكلام يرجع إلى التّرديد و الدّوران في نظر المتكلّم و محصّله كون المتكلّم مردّدا شاكّا في أنّ الّذي يصيب مخالف الأمر الوجوبي هل هو العذاب أو الفتنة و هذا القول مستحيل في الآية (و أمّا ثانيا) فلأنّ تصحيح هذا الكلام على وجه أمكن نسبته القول به إليه يتوقف على أن يكون المراد بالعذاب و الفتنة احتمالهما فيخرج بذلك عن ترديد المتكلّم و يصير المعنى أن من يخالف الأمر فليحذر في مخالفة كلّ فرد من أفراده عن أحد الأمرين أي عن احتمال ترتب أحدهما و لو كان الحذر عن الاحتمال لا معنى له سوى الحذر عن المحتمل و هذا إنّما يتجه إذا كان الترديد و الدّوران بينهما ملحوظا بالقياس إلى قوله فليحذر حتى يفيد وجوب الحذر عن احتمال إصابة أحدهما كما يقال يجب الحذر عن القطع بالهلاك أي عن الهلاك المقطوع و ليس الحال كذلك لأنّ العذاب و الفتنة فاعلان ليصيبهم فالمعنى أن ما يصيبهم دائر بين الأمرين و لا معنى لدورانه بينهما إلاّ بحسب الذهن و إلاّ فما يترتب على مخالفة الأمر الجزئي ليس إلاّ خصوص العذاب أو الفتنة أو هما معا و الترديد و الدّوران فيه غير معقول فيصير المعنى حينئذ أنّه يجب الحذر عن إصابة الأمر المردّد في الذّهن و المفهوم المحصّل منه وجوب الحذر عن إصابة احتمال أحد الأمرين لا احتمال إصابة أحدهما و هذا المعنى في غاية البعد و الفساد في كلام البشر فضلا عن كلام خالقهم و ربما أجيب أيضا عن الإيراد المذكور بأن حمل كلمة أو في الآية على التقسيم يستلزم استعمال لفظ الأمر في المعنيين أعني الوجوب و الندب و هو غير جائز و هذا الكلام يجب الإعراض عن ذكر مفاسده تستيرا على قائله (و ثانيها) ما أشار إليه في القوانين أن غاية ما يستفاد من الآية كون مادّة الأمر للوجوب و هذا لا يدلّ على أن الصّيغة أيضا كذلك و أجيب عنه بصدق الأمر عرفا على الصّيغة المجرّدة فتكون مفيدة للوجوب (قلت) و يرد على المجيب أن مذهبه في مدلول لفظ الأمر اعتبار العلوّ أو الاستعلاء و في محلّ النزاع كون المتنازع فيه مدلول نفس الصّيغة مع قطع النظر عن قائلها فكيف يتيسّر له دعوى صدق الأمر حقيقة على الصّيغة المجرّدة و لعلّه أراد بالصّيغة المجرّدة ما كانت كذلك عند صدورها من العالي غفلة عن أن اعتبار الصّدور من العالي ينافي اعتبار التجرّد و خروج عن محلّ النزاع أيضا مع أنّ هذه الدّعوى في مقابل من يفصل بين المادّة و الهيئة يشبه المصادرة و لعلّ المعترض ممن يعترف بدلالة المادة دون الهيئة و يقول إنّ الهيئة بنفسها مع قطع النظر عن اعتبارات زائدة ليست مصداقا للأمر فالصّواب أن يجاب بأن الصّيغة الصّادرة من العالي عند التّجرّد عن قرائن النّدب و غيره مصداق للأمر عرفا و هذا يكفي في دلالته على الوجوب وضعا لأنّها لو لم يكن مفيدة للوجوب عند الإطلاق لم يكن مصداقا للأمر الّذي يفيد الوجوب بحكم الآية فالاستدلال بالآية لإثبات الكبرى و دعوى الصّدق العرفي لإثبات الصّغرى و حينئذ فلا يتوجّه ما اعترض به في القوانين من أنّ الصّيغة إنّما يسلم صدق الأمر

عليها لو كانت مستعملة في الطّلب على نحو الاستعلاء المستلزم للوجوب و أمّا إذا أريد بها مجرّد النّدب أو الإرشاد فصدق الأمر عليه غير مسلم قال و أيضا فعلى هذا فلا معنى للنزاع في دلالة صيغة افعل على الوجوب و يكفي في ثبوت ذلك إثبات دلالة لفظ الأمر عليه و هو كما ترى خلاف ما اتفقت عليه كلمة الأصوليين (قلت) أمّا ما ذكره أولا فلا وقع له لأنّ صدق الأمر على الصّيغة الصادرة من العالي لا يتوقف على إحراز كونها للوجوب و إن كان ملازما إيّاه بل يتوقف على عدم قيام القرينة على الندب و لعلّه (قدّس سرّه) خلط بين التوقف و الاستلزام و بينهما بون بعيد و نظر المستدلّ إلى أنا نجد أهل العرف يطلقون الأمر على الصّيغة باعتبار معناها المنساق منها عرفا عند الإطلاق فإذا ثبت بالآية دلالة الأمر على الوجوب ثبت دلالة الصّيغة المجرّدة لكونها من مصاديقها و أمّا قوله أخيرا و أيضا فهو أوضح سقوطا لأنّ إنكاره دلالة الصّيغة على الوجوب قد يستند إلى عدم دلالة المادّة مع الاعتراف بالصّدق‏

228

العرفي و قد عرفت فيما مضى أنّ الأكثر على كون مادة الأمر القدر المشترك فقوله إنّ البحث في المادّة مغن عن البحث في الهيئة لا وجه له مع أنّك عرفت أن الكلّ أو الجلّ لم يبحثوا في المادة من حيث دلالتها على الوجوب أو النّدب و إنّما تعرضه بعض الأصحاب فالاستدلال بالآية على المدّعى لا غبار عليه من هذه الجهة (و ثالثها) ما يرجع إلى مقالة السيّد و العلاّمة (رحمه الله) في النهاية من دلالتها على كون الأمر للوجوب شرعا لا لغة و أجيب عنه بأن تعليق التهديد على مجرّد مخالفة الأمر قاض بعدم استناد فهم الوجوب إلى شي‏ء آخر عدا الصّيغة و هذا الجواب ذكره بعض المحققين و الظّاهر أنّه سهو صدر عن القلم إذ لا فرق بين الوضع الشرعي و اللّغوي في استناد فهم الوجوب إلى حاق الصّيغة فالأولى أن يجاب بأنّه إن أريد دلالة الآية على أن الصيغة منقولة شرعا من الطلب المطلق إلى الوجوب فهو واضح الفساد و إن أريد أنّ غاية ما يستفاد منها كون الأوامر الشرعية مفيدة للوجوب و هو أعمّ من كونها كذلك لغة فهو مسلّم لكن المدعى حينئذ يتم بأصالة عدم النقل (و رابعها) ما يرجع إلى ما ذكره صاحب الوافية من عدم دلالتها إلا على كون المراد بالأوامر الشرعية هو الوجوب و المدعى كون الأمر مفيدا له بحسب الوضع اللّغوي و محصّل ذلك كون الآية و أمثالها قرينة عامة على إرادة الوجوب فلا ينافي كون الأمر موضوعا للقدر المشترك و الجواب أن تعليق التهديد على مجرّد مخالفة الأمر دليل على عدم استناد فهم الوجوب إلى شي‏ء آخر غير الصّيغة و القول بأن نفس التهديد قرينة عامة على إرادة الوجوب إنّما يمكن بالقياس إلى الأوامر الّتي صدرت بعد نزول الآية دون الأوامر الّتي صدرت قبلها للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة لبعد صدورها قبل زمان الحاجة في الجميع (و خامسها) و هو المرضي عندي أن الاستدلال بها يتوقف على أن يكون التهديد معلّقا على مخالفة جنس الأمر من غير اعتبار خصوصية زائدة و للمعترض أن يمنعه و يقول لم لا يجوز أن يكون المراد بالأمر هنا خصوص فرد منه أعني الأمر الوجوبي بقرينة نفس التهديد (و توضيح ذلك) أن غاية ما يستفاد من ملاحظة التهديد كون المهدّد عليه دالا على الوجوب و أمّا أنّه جنس الأمر حتى يكون دليلا إنّيا على كونه موضوعا للوجوب أو خصوص فرد منه حتى يتفرع عليه كونه موضوعا للقدر المشترك فلا بدّ فيه من التماس دليل آخر قولك إنّه لو كان خصوص بعض الأفراد يوجب نصب القرينة عليه و المفروض عدمها و لو بحكم الأصل قلنا نفس التهديد يصلح قرينة على ذلك لو كان الأمر في نفس الأمر موضوعا للقدر المشترك و لذا لو بدلنا قوله عن أمره بقولنا عن طلبه و إرادته كان الكلام أيضا صحيحا مع أن الطّلب و الإرادة موضوعان للقدر المشترك جدّا (و الحاصل) أن المستدلّ يحتاج في تقريب الاستدلال إلى إثبات كون المعلّق عليه التهديد جنس الأمر و إثبات ذلك يتوقف على أن لا يكون في الكلام ما يصلح قرينة على الفرد على تقدير كونه موضوعا للقدر المشترك و للمعترض منع المقدمة الأخيرة و الّذي يفصح عن ذلك أنّه لو كان للمعترض دليل على كونه موضوعا للقدر المشترك لم يجز للمستدلّ معارضة بالآية إذ لا منافاة بين ذلك الدّليل و بين الآية كما أنه لا معارضة بينها و بين ما دلّ على أنّ الإرادة و الطّلب موضوعان للقدر المشترك لو بدلنا لفظ الأمر بلفظ الطّلب أو الإرادة هذا و يمكن الذبّ عن هذا الإيراد بما نبّهنا عليه في غير موضع من أنّ الأصل في الكلام أن يكون كلّ واحد من طرفيه غنيّا في إفادة المقصود الواقعي عن الآخر كما سبق بعض التوضيح لذلك في الآية السّابقة فلا يجوز جعل ما هو في مرتبة الجزء قرينة على المراد ممّا هو في مرتبة الشرط فإن تم هذا و إلاّ فلا أجد لهذا الإيراد ذابّا و اللّه الهادي‏

[5- قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك)]

(و منها) قوله عزّ من قائل مخاطبا لإبليس‏ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ و تقريب الاستدلال أنّ هذا الاستفهام هنا للإنكار و الاعتراض على إبليس في مخالفة الأمر و لو لا أنّه للوجوب لما كان الاعتراض متوجّها و كان له الاعتذار بأن الأمر ليس للوجوب فما صدر منّي معصية حتّى استحق بها اللّوم و الإنكار و أورد عليه في المنية و غيره بما أشرنا إليه في الآية السّابقة من أنّها لا تدلّ على أنّ الصّيغة للوجوب بل على أنّ الأمر يدلّ عليه و أجاب عنه في المعالم تبعا للعضدي و الفاضل المحشي أن المراد بالأمر اسجدوا في قوله تعالى‏ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ* و حاول المدقّق الشيرواني إتمام الاستدلال على تقدير الإغماض عن ذلك و حاصل ما قال أنّ الأمر حقيقة في نفس الصّيغة على ما هو المشهور فلو كان مشتركا بين الوجوب و الندب لم يحسن ترتب الذم على مخالفة مجرّد الأمر بل كان الواجب أن يذكر ما هو مناط الذم ألا ترى أنّ من عاتب غلامه الّذي أخذ شيئا من داره على المدخول في داره و قد نهاه عن الأخذ دون الدخول أو على دخول الغلام عليه و قد نهاه عن الدّخول عليه بمحضر جماعة إذا دخل عليه عند حضور الجماعة عدّ كلامه هذا سخيفا قلت لا نجد سخافة في تعليق الحكم على الجنس مع مدخليّة بعض الخصوصيّات إذا لم يترتب على ذكر الخصوصيّة فائدة كيف و جميع الخطابات المهملة الواردة في مقام بيان حكم آخر من هذا القبيل نظير قول الطّبيب للمريض لا بدّ لك من شرب الدّواء مع عدم بيان الخصوصيّة إذا لم يكن المقام مقتضيا للبيان و على هذا فلا وجه لما ادّعاه من السّخافة في المثال الأخير إذ لا يترتب على ذكر خصوصيّة حضور الجماعة عند المعاتبة فائدة يجب مراعاتها على المتكلّم بل ربما يساعد بعض الوجوه المحسّنة على الاقتصار

229

على جنس الدّخول و أمّا المثال الأوّل فلعلّه أجنبيّ عمّا نحن فيه لأنّ المعاتب عليه و هو الدّخول ليس من جنس النهي عنه و هو الأخذ فظهر أنّ تقريب الاستدلال يتوقف على ما رآه المحقّقون من كون المراد بالأمر اسجدوا و لكن فيه مع ذلك نظر لأنّ العتاب على مخالفة اسجدوا المحفوف بالقرينة أيضا عتاب على مخالفة الأمر لما أشرنا إليه من أنّ الحكم الثّابت للفرد يصحّ إثباته للجنس في بعض المقامات الّتي من جملتها الاعتراض على أمر واقع فمن المحتمل أن اسجدوا كان مقرونا بقرينة الوجوب و التعلّق في دفعه بالأصل مع خروجه عن الاستدلال بالآية ساقط لمعارضته بأصالة عدم الوضع للوجوب إلا أن يدفع بمعارضته بأصالة عدم الوضع للقدر المشترك فيبقى أصالة عدم القرينة سالمة و يتفرع عليه كون الصّيغة موضوعة للوجوب لما نبّهنا عليه سابقا في غير موضع من أنّ الاستعمال الصّحيح إذا لم يكن بالقرينة فلا بدّ أن يكون بالوضع هذا و لقائل أن يقول إنّ مخاطبة اللّه تعالى للملائكة بلفظ اسجدوا غير معلوم لأنّه وقع في الآية حكاية عن الخطاب الواقع و مطابقته بنفسه لتمام المحكي غير لازم فلم لا يجوز أن يكون التعويل في الحكاية على مجموع قوله اسجدوا و قرينة الإنكار و الاعتراض (و الحاصل) أنّ الإنكار المذكور في الآية قرينة واضحة على أنّ المراد بالخطاب الموجّه إلى الملائكة كان للوجوب و التعبير عن هذا الخطاب بقوله اسجدوا و إن كان دليلا على أنّ هذه الصّيغة للوجوب لكنه إنما يتمّ إذا لم تكن تلك الصّيغة مقرونة بقرينة الوجوب و هو ممنوع لأنّ الإنكار و الاعتراض قرينة على أنّ المراد بها هو الوجوب و إن كانت مشتركة بينه و بين الندب فيحصل من مجموع الصّيغة و الإنكار المذكور بيان المراد بالمحكي أي الخطاب الواقع بين اللّه و بين الملائكة فافهم فإنّ فيه بعض الدّقة (و منها) أن تارك المأمور به عاص و كلّ عاص موعد عليه بالعذاب فينتج أن تارك المأمور به متوعّد عليه بالعذاب و هذا الاستدلال إنّما ينفع على تقدير كون الصّغرى موجبة كلّية فتكون النتيجة أيضا كذلك و إلا فالنتيجة موجبة جزئية و هي غير نافعة (و منها) أن إتيان ما أمر اللّه به إطاعة و كلّ إطاعة واجبة فإتيان المأمور به واجب (و منها) الأخبار الظّاهرة في كون الأمر للوجوب مثل خبر بريرة الّتي كانت لعائشة و قد سبق ذكرها في بحث المادّة و هذه الوجوه الثلاثة مع ما بها من المناقشات صغرى و كبرى إنّما تدلّ على وضع المادة دون الهيئة فيحتاج في إتمام الاستدلال إلى ضمّ دعوى صدق الأمر على الصّيغة المجرّدة عرفا و قد ذكرنا في هذه الدّعوى آنفا ما بدا لنا في صحّتها و فسادها و قد جعل العلاّمة في النهاية هذه الوجوه و وجوه أخر غيرها دليلا على الوضع للوجوب شرعا و ذكرها في المقام كما صدر عن بعض إنّما هو بمساعدة أصالة عدم النقل و أنت خبير بأنّ الأول عدم درجها في الوجوه القاضية بالوضع اللّغوي و أمّا العلاّمة فعذره واضح لأنّه ذكرها بعد ما أثبت كونه موضوعا للقدر المشترك لغة

حجة القول بأنّه موضوع لمطلق الطّلب بحسب اللّغة وجوه‏

ذكرها في النهاية

الأوّل‏

أنّ الطلب ممّا يشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه فوجب أن يوضع له لفظ يدلّ عليه و هو لفظة افعل إذ لا لفظ له سواها و الظّاهر أنّ المراد بالطّلب هنا حقيقته و مصداقه لا مفهومه و ماهيّته لوضوح فساد الحصر المدّعى نظرا إلى أنّ لفظ الطّلب يدلّ عليه قطعا و الجواب أن الحاجة إلى التعبير عن جنس الطّلب المشترك بين النوعين ممنوعة فضلا عن اشتدادها كيف و ستعرف أنّ إرادة الطّلب القدر المشترك ممّا أحالها غير واحد

و الثّاني‏

أنّ الطّلب من حيث هو جنس للمانع من النقيض و عدمه و اللّفظ الدّال عليه مع أحد الفصلين هو افعل و كذا مع اقترانه بالفصل الأخير من غير أولوية لأحدهما في إطلاقه عليه فوجب أن يكون حقيقة فيه (قلت) و محصّل هذا الدّليل على ما ساعده نظري هو أنّ خصوصية الوجوب و النّدب إنّما يستفادان من غير الصّيغة و أن جنس الطلب يستفاد في الموضعين من نفس الصّيغة و مرجع ذلك إلى دعوى تبادر القدر المشترك و لو في حال الاستعمال في الوجوب و الندب مع زيادة و هي عدم ارتكاب المجاز عند الاستعمال في الخصوصيتين بالتزام تعدّد الدّال و المدلول و الجواب عنه حينئذ ما مرّ في الاستدلال على القول المشهور بالتبادر

و الثالث‏

أنّ أهل اللّغة صرّحوا بعدم الفرق بين الأمر و السّؤال إلا من حيث الرتبة فكما أنّ السؤال لا يدلّ على الإيجاب بل على مطلق الطّلب فكذلك الأمر (قلت) المقدّمة الثانية غير مسلّمة لما عرفت في مقدّمات المسألة من اشتمال السؤال على الوجوب بالمعنى المتنازع فيه أعني الطّلب المقرون بعدم الرّضاء بالترك فإن أراد بالوجوب المعنى المصطلح عند العلماء أعني ما يوجب استحقاق التارك الذّمّ و العقاب فعدم دلالة السّؤال عليه واضح لكنّه غير قادح في المقام‏

و الرابع‏

القاعدة المعروفة المشهورة عند الأكثر من أولوية الاشتراك المعنوي عن الاشتراك اللّفظي و الحقيقة و المجاز و إليها يرجع أيضا ما استدل به صاحب الوافية على كونه موضوعا للقدر المشترك (أقول) قد أسبقنا في غير موضع ما هو الحال في تلك القاعدة و محصّل ما حققنا سابقا أنّ القدر المسلم من هذه القاعدة ما لو كان استعمال اللّفظ في القدر المشترك محرزا معلوما مع الاستعمال في كلّ واحد من الخصوصيّتين لو كان اعتبار الخصوصيّة على تقدير الحقيقة و المجاز مبنيّا على ملاحظة أمر زائد على القدر المشترك بأن علم ملاحظة القدر المشترك في حال الوضع تفصيلا و شكّ في ملاحظة الخصوصيّة مع ذلك كما في لفظ الخمر إذا شكّ في اعتبار الاتخاذ من العنب في الموضوعة له‏

230

ضرورة علمنا بملاحظة صفة التخيير في وضعه البتّة و إنّما الشكّ في اعتبار خصوص الاتخاذ من العنب فالاشتراك المعنوي في هاتين الصّورتين أولى من غيره للأصل و ندرة عموم المجاز فلا بدّ من النظر في أنّ المقام هل هو مندرج تحت إحدى الصّورتين أم لا (فنقول) لا إشكال في أنّه ليس من الصّورة الثانية و أمّا الصّورة الأولى فظاهر الأكثر أنّ المسألة قسم من أقسامها لتطابق كلماتهم ظاهرا على استعمال الصّيغة في القدر المشترك شرعا و عرفا كثيرا و من أمثلته خطاب أقيموا الصّلاة و آتوا الزكاة بناء على عموم الصّلاة و الزكاة المندوبة و هكذا كلّ خطاب شرعي ينقسم إلى واجب و مستحبّ فإنّ ظاهر القوم حمل الطّلب فيها على القدر المشترك و من أمثلته أيضا اغسل للجمعة و للجنابة بناء على عدم كونه من باب أنت بما عندك و نحن بما عندنا راض لكن ظاهر صاحب المعالم الإشكال فيه و نقل عنه في وجه الإشكال أنّ الطّالب إذا لم يكن غافلا عن تركه فإمّا أن لا يريد المنع منه أو يريده و الأوّل هو الندب و الثّاني الوجوب و إنّما يتصور إرادة الطّلب المجرّد عند الغفلة من الترك و حيث إنّ العمدة في مباحث الأمر على أوامر الشارع ففرض الاستعمال في القدر المشترك غير معقول ثم بعد ذلك أمر بالتأمّل و لعلّه إشارة إلى أنّ النّافع في المقام هو استعمال أهل اللّسان مطلقا لا خصوص الشارع فإنّه إذا ثبت الاستعمال العرفي في الجملة اندرج المقام تحت الصّورة المشار إليها هذا بالنّسبة إلى المقام الّذي نحن فيه و أمّا المقام الّذي ذكره فيه و هو لزوم مجازين على تقدير كون الموضوع له هو الوجوب فكفاية ذلك فيه أوضح و قال المدقق الشيرواني بعد نقل الكلام المذكور و لعلّ وجه التأمّل أنّه فرق بين إرادة المنع و عدمه في الضمير و بين إرادة إفادته من اللّفظ و اللازم لغير الغافل هو الأول و ملزوم الاستعمال هو الثّاني و الاشتباه إنّما نشأ من الخلط بين الإرادتين فتأمل (قلت) مراده أنّ استعمال الصّيغة في القدر المشترك لا يتوقف على غفلة المستعمل عمّا في ضميره بل يتصوّر مع الالتفات إليه أيضا بأن استعمل الصّيغة في القدر المشترك و قصد إفادة الوجوب من القرينة و الّذي يتوقف على الغفلة انقداح القدر المشترك في الضّمير فإنّه الّذي لا يتعقل تجرّده عن أحد الفصلين و بهذا البيان لا يرد عليه ما زعمه بعض المحققين في هداية المسترشدين لكن يرد عليه أن الاستعمال في القدر المشترك في ضمن إرادة الوجوب أو الندب خارج عن المتنازع فيه إذ البحث في إمكان إرادته على وجه خال عن الفصلين على حدّ استعمال الكلّيات في الماهيّات المطلقة و هذا لا يتفاوت فيه بين الوجود اللّفظي و القلبي و أمّا الاستعمال فيه في ضمن أحدهما فالكلام في إمكانه و عدمه عديم على الجدوى إذ لا يمكن العلم به في الاستعمالات الدائرة لأنّ فهم الوجوب في موارد استعمالات الصّيغة فيه لا بدّ أن يستند إلى القرينة على القول بالوضع للقدر المشترك و هذا المقدار من الاستفادة مشترك الورود بين استعمال الصّيغة في القدر المشترك أو التعويل في إفادة الوجوب على القرينة و بين استعمالها في نفس الوجوب و جعل القرينة كاشفة كما في أسد يرمي فلا بدّ من قيام قرينة أخرى قاضية بكون القرينة المفهمة للوجوب كاشفة لا مفهمة و أنت خبير بكمال بعد الاستعمالات الجارية عن هذا النحو من القرينة و من أين يمكن إثبات الاستعمال في القدر المشترك على هذا الوجه (و الحاصل) أن هنا استعمالات ثلاثة الاستعمال في الوجوب و الاستعمال في النّدب و الاستعمال في القدر المشترك من غير الاقتران بأحد الفصلين و المقصود في المقام ثبوت الاستعمال الأخير و أمّا إرجاع الاستعمال في الوجوب أو النّدب إلى تعدّد الدالّ فليس هذا موضع إنكار صاحب المعالم و لا أحد غيره و لا جدوى في ادّعائه و لا سبيل أيضا إلى إثباته لأنّ استعمال الكلّي في الفرد على الوجهين محض تصوّر عقلي و ليس لهما واقعية في الاستعمالات الدائرة بأن يكون بعضها من باب تعدّد الدّال و المدلول و يكون الآخر قسما من المجاز بعلاقة الإطلاق و التقييد و السّر فيه ما ذكرنا غير مرّة من أنّ التمييز بين القسمين إنما هو في ضمير المتكلّم فلا يعلم به إلا من علاّم الغيوب أو بتصريح المتكلّم و مع تصريحه يخرج الكلام عن حدّ المجازات المتعارفة لأنّ قرائن المجاز قرائن على المراد و ليست بقرائن على نفس التجوّز هذا مضافا إلى أنّ الصّيغة وضعها وضع المبهمات في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و استعمال اللّفظ في القدر المشترك مع تفهيم الخصوصية

بالقرينة إنّما هو من خصائص الكلّيات و أسماء الأجناس و كيف كان فالمهم في المقام إثبات الاستعمال في القدر المشترك على الوجه الّذي ذكرنا بأن يكون مراد المتكلّم في استعمالها إفادة القدر المشترك فقط مجردا عن فصلي الوجوب و الاستحباب و الإنصاف أن إثبات الاستعمال على هذا الوجه متعسّر أو متعذّر نعم الألفاظ الموضوعة لمفهوم الطّلب كلفظ الطلب يتصوّر فيه ذلك و أمّا المصداق الخارجي الموجود في الخارج الّذي هو الملحوظ في معنى الصّيغة فلا يتعقل فيه و أمّا ما استدلّ به صاحب الوافية لإثبات ذلك من كثرة ورود الأمر في الأحاديث متعلّقا بأشياء بعضها واجب و بعضها مندوب من دون نصب قرينة ففيه أنّ الاستعمال في القدر المشترك بعد استحالته عقلا لا يصار إليه في تلك الخطابات بل يجب التصرف فيها بحسب ما يساعده المقام من التخصيص أو التقييد بعد الحمل على الوجوب أو الاستحباب أو غير ذلك ممّا يختلف باختلاف الموارد و ممّا ذكرنا يتضح فساد ما أتعب به نفسه في هداية

231

المسترشدين من توجيه الاستعمال في القدر المشترك بما نزلنا عليه مقالة المدقق الشيرواني و كذا فساده ما ذكره بعض الأفاضل من أنّ استعمال الصّيغة في القدر المشترك ثابت و في خصوص الوجوب أو النّدب غير ثابت فيكون من قبيل متحد المعنى الّذي يكون الاستعمال فيه دليلا على الحقيقة (ثمّ) إنّ العلاّمة (قدّس سرّه) بعد ما استدلّ بهذه الوجوه على كونه للقدر المشترك لغة استدلّ على كونه موضوعا للوجوب شرعا بما سبق من الوجوه الّتي استدلّ بها القائلون بوضعه للوجوب لغة و زاد إلى أن ذكر ستة عشر دليلا و أطال الكلام في كلّ واحد منها نقضا و إبراما بما يقصر عن الإحاطة بحقائقه نطاق الهمم معتذرا عن ذلك بأنّ المسألة من مهمّات الأصول و قد طوينا الكلام عن ذكرها كشحا لأنّها لا تدلّ على المقصود أعني ثبوت النقل الشرعي إلا بعد تمامية الوجوه الّتي استدلّ بها على أنّه للقدر المشترك لغة و بعد ما تبيّن عدم نهوضها بإثبات المدّعى يظهر أن تلك الأدلّة على تقدير صحّتها تكون على المختار أدلّ و استدلّ صاحب الوافية على وجوب حمل الأوامر الشرعية على الوجوب بعد ما اعترف بأن الأمر موضوع في اللّغة للقدر المشترك بوجوه (منها) أنّ امتثال الأمر طاعة و ترك الطّاعة عصيان فترك المأمور به عصيان و هو حرام لقوله تعالى‏ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ‏ أما الصّغرى فلقضاء البداهة بها لأنّ الطّاعة على ما صرّح به أئمة اللّغة هو الانقياد و حصوله بامتثال الأمر بديهي و أمّا الكبرى فلتصريح أهل اللّغة بأنّ العصيان خلاف الطّاعة و الجواب عنه (أوّلا) بالنقص بالمندوب فإنّه طاعة فيكون تركه عصيانا حراما لعين ما ذكر (و ثانيا) بالحلّ و هو أن كلّ عصيان خلاف الطّاعة بمقتضى ما ذكره أهل اللّغة و ليس كلّ خلاف الطّاعة عصيانا إلا إذا كانت الطّاعة واجبة و هذان الجوابان ذكرهما شارح الوافية و أجاب قبلهما بأن نقول مثل ذلك بحسب اللّغة لأنّ امتثال الأمر مطلقا سواء كان الآمر هو الشارع طاعة و انقياد و ترك الطّاعة عصيان فيكون العبد التارك لأمر مولاه عاصيا و ليس الواجب إلاّ ما يعدّ تاركه عاصيا فيكون الأمر حقيقة في الوجوب بحسب اللّغة و الذمّ من لوازم العصيان فما هو جوابك فهو جوابنا (أقول) و لصاحب الوافية أن يرده بعد المساعدة على ما فيه من المقدّمات أن ترتب الذّم و العقاب على العصيان إنّما ثبت بالشرع و من البيّن أنّ ما ورد في تحريم العصيان مختصّ بأوامر الشارع فالتّسوية بين الأمر الصّادر من الشارع و غيره واضحة السّقوط فالصّواب أن يجاب بعد منع كلّية الكبرى كما عرفت في الجواب الحلّي أنّ حرمة العصيان حكم عقلي و ليس لحكم الشارع مدخليّة فيه رأسا إلا من حيث كونه إمضاء للحكم العقلي فلو لا الخطابات الواردة في تحريم العصيان كان حكم العقل به كافيا في المقام أيضا و هو دليل على كون الأمر للوجوب مع قطع النظر عن الخطاب الشرعي مع أنّ الجمع بين جميع مقالته يقضي بترتب الذّم و العقاب على مخالفة جنس الطلب الصّادر من الشارع و فساده غني عن البيان إلاّ أن يجعل الآيات و الأدلّة الشرعيّة قرائن كاشفة عن مرادات الشارع و أنت خبير بكمال بعده عن الصّواب لأنّ دعوى صدور الأدلّة قبل زمان الحاجة إلى العمل بالأوامر الشرعيّة رجم بالغيب و اقتحام في العيب و فسادها أوضح من كلّ شي‏ء فلا بدّ حينئذ من الالتزام بالنسخ (و الحاصل) أنّ من يقول بوضع الأمر للقدر المشترك و يبني على وجوب امتثال الأوامر الشرعيّة بمقتضى الوجوه المذكورة إمّا أن يجعلها قرائن عامة على المراد الواقعي و هو الالتزام بالنّسخ للقطع بعدم مقارنة صدور الأدلّة المزبورة مع أزمنة الحاجة إلى العمل بالأوامر المجرّدة إلا أن يجعلها قرينة لخصوص الأوامر الآتية دون الماضية و إمّا أن يدعى أنّ وجوب الامتثال حكم آخر طرأ على الأوامر المستعملة في القدر المشترك و محصّله إيجاب الامتثال بما لم يكن واجبا واقعا فهو أيضا يرجع إلى النّسخ لعدم معقولية إيجاب الامتثال بالطّلب الغير البالغ حدّ المنع من الترك فتدبّر جيّدا (و منها) قوله عزّ من قائل‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ و غيره من الآيات الدالّة على ذم ترك الطّاعة قلت الكلام فيه يظهر ممّا ذكرنا في الاستدلال الأول فإنّا لا نعرف فرقا بينهما و كان نظره إلى أنّ الاستدلال الأوّل موقوف على إثبات أن ترك الطّاعة عصيان بخلاف هذا فإنّه يدلّ على حرمة مخالفة الإطاعة و إن لم يصدق عليها العصيان لغة و عرفا (و منها) قوله عزّ من قائل‏ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ و كان‏

شارح الوافية اعترف بدلالتها على المدّعى مع الغضّ عن كلمة المجاوزة حيث تعلّق في ردّه بأنّ مدلول الآية ليس إلاّ الّذم على التولي و هو ترك الطّاعة إعراضا و قد عرفت تحقيق الحال في المقال بما لا مزيد عليه و كيف كان فالتعويل على مثل هذه الوجوه في حمل الأوامر الشرعية المجرّدة عن القرينة على الوجوب أوهن شي‏ء في المقام نعم لو انتهض في ذلك بقوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم بناء على كون المراد بالاستطاعة القدرة دون المشيّة كان أولى من الجميع لأنّ فيه دلالة على مراد الشارع بأوامره المجرّدة كما لا يخفى فيكون قرينة عامّة على الوجوب لكنّك تعرف ما في دلالة الحديث على الوجوب أو النّدب مع كونه من الأخبار الآحاد و إن كان من المقبولات‏

حجة القول بالنّدب أمران‏

أحدهما

ما مرّ من أنّه لا فرق بين الأمر و السّؤال إلا من حيث المرتبة فكما لا يدلّ السّؤال على الإلزام فكذا الأمر و جوابه قد مرّ

و ثانيهما

الحديث المذكور إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و الاستدلال به مبني على كون المراد بالاستطاعة المشيّة حتى يكون مفاد الحديث إيكال امتثال الأوامر

232

الشّرعية إلى مشيّة المكلّف و إرادته و من هنا أوردوا عليه بأنّ المراد بالاستطاعة القدرة دون المشيّة فيكون على خلاف المدّعى و هو الوجوب أدلّ و لذا جعله العلاّمة (رحمه الله) في النهاية من أدلّة القول بالوجوب شرعا و اعترض عليه بعض الفضلاء بأنّ الاستدلال به على الوجوب دوريّ لتوقفه على كون صيغة فأتوا للوجوب و يمكن الذّب عن ذلك بأنّ قرينة الوجوب هنا قائمة لأنّ الإتيان على وجه الاستحباب لا يناسبه الرّد إلى الاستطاعة و القدرة و لذا قلّ العمل به في المستحبات فتأمل مع أنّ الأمر بإتيان المأمور به لا معنى له إذا كان على وجه الاستحباب سواء كان الأمر الأوّل للوجوب أو النّدب أمّا على الأوّل فظاهر و أمّا على الثاني فللزوم التأكيد مع أن مساق الحديث و تطابق أفهام الأصحاب شاهدان على كون المراد به تأسيس حكم جديد (و من ذلك) ظهر فساد الاستدلال به على القول بالندب أيضا لما فيه من حمل الحديث على إيضاح الواضحات لأن الأمر إذا كان مدلوله العرفي و الشرعي هو النّدب كما يدعيه المستدل كان معنى الحديث بعد تفسير الاستطاعة بالمشية على ما هو مبنى الاستدلال أنّ امتثال الأوامر النّدبية غير واجب نعم لو ادّعى أن هذا الحديث قرينة عامة على أنّ المراد بأوامر الشارع المجرّدة هو الاستحباب بعد الاعتراف بأن الأمر بحسب وضعه العرفي يقتضي الوجوب كان وجها لكن القول به غير معروف إذ المنسوب إلى بعض المتكلّمين و الفقهاء القول بدلالته وضعا لا بحسب القرينة (و التّحقيق) أنّ الحديث المذكور بمراحل عن هذه المزخرفات و معناه الصّحيح ما عليه الأصحاب من كونه مسوقا لبيان حكم جديد و تأسيس قانون سديد زيادة عمّا يستفاد من الأوامر الشّرعية من الوجوب أو الاستحباب و هو مفاد قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور و اللّه الهادي في كلّ جهالة و غرور

تنبيهات فيها تحقيقات‏

الأوّل أن أثر البحث في المسألة

يظهر فيما ورد في الكتاب و السّنة من الأوامر المجرّدة عن القرائن فعلى المذهب المشهور وجب حملها على الوجوب و هذا هو الّذي تقتضيه قاعدة الأوضاع في المحاورات العرفية لكن قال صاحب المعالم إنّه يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المرويّة عن الأئمة (عليهم السلام) أن استعمال صيغة الأمر في النّدب كان شائعا في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللّفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي فيشكل المتعلّق في إثبات وجوب الشي‏ء بمجرّد ورود الأمر به منهم (عليهم السلام) و نقل عن غير واحد من الأجلاّء متابعة في هذه الدّعوى كصاحب المدارك و الذّخيرة و المشارق و اعترض عليه سلطان المحققين بأن شيوع الاستعمال في الندب مع القرينة لا يستلزم تساوي الاحتمالين في المجرّد عن القرينة قال نعم لو ثبت شيوع الاستعمال بدون القرينة المقارنة بأن يكون استعمالهم فيه مطلقا و يعلم بدليل منفصل أنّ مرادهم الندب فلا يبعد ما ذكره و كان هذا مراده لكن إثبات مثل هذا الشيوع لا يخلو عن إشكال فتدبّر انتهى (و أجاب عنه) بعض المحقّقين بأنّ شيوع الاستعمال بنفسه قاض بظهور المعنى المجازي سواء كان على الوجه الأول أو الثاني أو الملفق منهما و استشهد في ذلك بأن المتكلّم إذا استعمل لفظا في محلّ خاصّ مرّات كثيرة متعاقبة في معنى مجازي مخصوص مع نصب قرينة على إرادة ذلك المعنى المجازي فإذا استعمله مرّة أخرى كان تقدم تلك الاستعمالات باعثا على التوقف في الحمل على المعنى الحقيقي و كلما قويت الشهرة و الغلبة ازداد القرب فأيّ مانع من البلوغ إلى حدّ الرجحان إلى أن قال موردا على صاحب المعالم لكن هذه الدّعوى لا بينة و لا مبينة و مجرّد حصول الغلبة في الجملة على فرض تحققها لا يقضي بذلك و قال في توضيحه ما حاصله أن الغلبة إن ثبت كونها في أعصار الأئمة بين عامة الناس كانت قاضية بالإجمال أو ظهور الصّيغة في الندب و كذا لو ثبتت في لسان كلّ واحد من الأئمة و أمّا لو ثبتت في لسان بعض الأئمة خاصة فلا أثر لها بالقياس إلى ما صدر عن الإمام (عليه السلام) السّابق أو اللاّحق من الأوامر (قلت) و عندي أن ما اعترض به السّلطان ثابت و ما زعمه المحقق ذابّا عنه ساقط لأنّ اللّفظ المحفوف بالقرينة الصّارفة لا سنخيّة بينه و بين الفاقد لها حتى يقاس أحدهما بالآخر و غاية ما يترتب على غلبة الاستعمال إلحاق المشكوك بالغالب مع اجتماع جميع ما يحتمل مدخليّته في الحكم في المشكوك لا مطلقا فإذا كانت الاستعمالات المجازية كلّها محفوفة بالقرينة المقارنة فأيّ شي‏ء يوجب الظنّ بأنّ الاستعمال الفاقد للقرينة من جملتها (فالتّحقيق) على ما أوضحناه في البحث عن المجاز المشهور أن شرط النقل و المجاز المشهور خصوصا فيما إذا لم يكن المعنى المجازي فردا من الحقيقي خلوص اللّفظ في الاستعمالات السّائرة عن القرائن المتّصلة حتى يكون باعثا على الظنّ إلحاقا للمشكوك بالأعم الأغلب و هذا شرط إثباته في الأوامر الندبية الواردة في الكتاب و السّنة دونه خرط القتاد حتى أن صاحب المعالم أيضا ممّن يظهر منه استصحاب ذلك حيث أجاب عن استدلال مثبتي الحقيقة الشرعيّة بأنّ الاستعمال في المعاني الجديدة معلوم و أمّا استناده إلى القرينة أو الوضع فغير معلوم فكما يسوغ له إبداء احتمال القرينة في الاستعمالات المعلومة المراد هناك كذلك يجوز لنا إبداء ذلك هنا إذ لا نجد فرقا بين المقامين من هذه الجهة إلا أن ينتصر له بأنّ الشكّ في مسألة الحقيقة الشرعية إنّما هو في أصل القرينة و أصالة عدمها معارضة بأصالة عدم الوضع فتأمل بخلاف الشكّ فيما نحن فيه فإن قضية أصالة التأخر هنا تجرد الاستعمال من حينه عن القرينة لأنّ غاية

233

ما هو المعلوم من قبح الخطاب بما له ظاهر واردة خلافه وجودها في الجملة و أمّا كونها مقرونة بصدور الخطاب فلا إلاّ إذا ثبت اتّحاد زمان الحاجة و زمان الصّدور فلا بدّ لمن يعول على ما يقتضيه وضع الأمر من إثبات ذلك و هو مشكل خصوصا إذا كان الاتحاد حقيقيا كما هو النافع في المقام إذ العبرة في صيرورة اللّفظ مجملا كالمجاز المشهور بتأخير البيان في الجملة فإنّه يصير بذلك من المجملات هذا و لكن التعويل على هذا الأصل أوهن شي‏ء في المقام إذ لا يترتب عليه ثمرة إلاّ الحكم بإجمال ما يرد من ذلك اللّفظ عاريا عن القرينة و مثل ذلك خارج عن مقاصد العرف في تعويلهم على الأصول و مع ذلك فهو لا يصادم ظهور اللّفظ في المعنى الحقيقي تعبدا بأصالة عدم الصّارف إذ لو قلنا بسقوط هذا الأصل في بعض المقامات فإنّما هو إذا كان اللّفظ من المجملات العرفية و من الواضح أنّ أصالة التأخّر ليس ممّا يترتب عليه الإجمال العرفي (فالتحقيق) أنّ ما ذكره صاحب المعالم (رحمه الله) مؤاخذ عليه بما ذكره السّلطان (قدّس سرّه) و أما ما أورده المجيب من منع الغلبة على وجه يترتب عليه الإجمال فلعلّه مكابرة واضحة لأنّا لو أحصينا موارد استعمال الأمر شرعا في النّدب بدون القرينة الظّاهرة و علمنا تجرّدها عن القرينة واقعا فلا يبقى لنا وثوق بدلالته على الوجوب خصوصا على طريقة من يقول بإناطة حجّية الظّواهر بالظّن الفعلي و السّر فيه أنّ حصول الوهن في الحقيقة لا يتوقف على مزيد استعمال في المجاز بدون القرينة بل ربما يتحقق بالاستعمال مرّة أو مرّتين على النحو المشار إليه فلا جدوى حينئذ فيما صدر منهم في المقام من منع حصول الغلبة فيما ورد من آحاد الأئمة (عليهم السلام) و دعوى كونها من مجموعهم مع أنّ هذه الدّعوى ممّا لا ينبغي أن يلتفت إليها إذ ما من لفظ إلا و يمكن فيه تحصيل مثل هذه الغلبة بأن يلاحظ جمع من المتكلّمين و يضمّ ما في كلام أحدهم من المجاز بما في كلام الآخر و تسليم الكثرة على هذا الوجه لعلّه من قبيل إيضاح الواضحات و ربّما يتوهم اشتهار الأمر في النّدب من سنخ اشتهار التخصيص في العمومات فكما لا يقدح هذا في العمل بالعام مع فقدان المخصّص فكذا لا يقدح ذلك في حمل الأمر على الوجوب عند عدم القرينة على الندب و فساده واضح (أمّا أوّلا) فلأنّ حمل العام على العموم يتوقف على الفحص عن المخصّص بخلاف حمل الأمر على الوجوب فإنّ الظّاهر أنّه لا يجب فيه الفحص عن قرينة الندب كسائر المجازات الّتي لا يتوقف دفعها بالأصل على الفحص و لعلّ المعهود من طريقة السّلف و الخلف أيضا هو عدم الفرق بين هذا المجاز و سائر المجازات و لا يذهب عليك أن الفحص عن المعارض لا مساس له بالمقام (و أمّا ثانيا) فلأنّ غلبة التخصيص إنّما ثبت في نوع العام لا في شخصه و مثل هذا لا يعقل أن يبلغ درجة النقل أو المجاز المشهور أو الإجمال و إنّما أثرها إيراث الوهن الموجب لسقوط اعتبار كلّ فرد منه قبل الفحص نعم لو كثر التخصيص في شخص العام أمكن القول بإجماله و سقوطه عن الاعتبار مطلقا بعد كونه مقطوع السّند و إلاّ سرى الوهن إلى السّند فيسقط عن درجة الاعتبار من هذه الجهة لا من جهة ضعف في أصالة العموم‏

الثّاني [الكلام في أن الجملة الخبرية المستعملة في مقابل الإنشاء الأصل فيها الحمل على الوجوب أو الندب أو الأعم‏]

أنّه قد تستعمل الجملة الخبريّة في مقام الإنشاء و طلب تحقق الفعل في الخارج خصوصا في الأدلّة الشرعية كتابا و سنة و من الأوّل قوله تعالى‏ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏ و من الثاني قولهم (عليهم السلام) يتوضأ و يغتسل و يعيد و يقضي في مقام الأمر بالأفعال المذكورة و اختلفوا في أنّ الأصل فيها بعد تعذر الحمل على الإخبار هو الحمل على الوجوب أو الندب أو الأعم فمن جماعة أنه للقدر المشترك اقتصارا فيما خالف الوضع الأصلي بالقرينة القطعية على القدر المتيقن منها و هو الطّلب دون الوجوب أو الندب فيرجع في كلّ مقام خال عن قرينة التعيين إلى ما يقتضيه الأصول من البراءة أو الاحتياط و عن آخرين أنّها ظاهرة في الوجوب إمّا لانصراف جنس الطّلب إلى الوجوب حسبما مرّ الإشارة إليه في كلام بعض المحققين أو لأنّ الوجوب أقرب بالمعنى الحقيقي أعني الثبوت كما تقتضيه مقالة علماء البيان حيث ذكروا أن البلغاء يقيمون الخبر مقام الإنشاء حملا للمخاطب على أداء مطلوبهم بآكد وجه و فيه تصريح بأن دلالة الجملة الخبرية على الطلب أقوى من دلالة الصّيغة و أنّ الطّلب المستفاد منها آكد من الطّلب المستفاد من الصّيغة و لا معنى للوجوب إلا تأكّد الطّلب و ربما يعضده ملاحظة فهم الأصحاب منها الوجوب في موارد شتى (قلت) و في الجميع نظر لأنّ القرب المدّعى على تقدير المساعدة عليه غير مجد و قول علماء البيان لا مساس له بالمقام لأنّا نقول أيضا إنّ الوجوب المستفاد من الجمل الخبرية لا يبعد أن يكون آكد من مدلول الصّيغة و كذا التحريم المستفاد منها إلاّ أنّ المقصود في المقام إثبات كون مدلول الجملة هو الوجوب دون الاستحباب و ليس في كلام علماء البيان تصريحا بذلك إلا من كان من أصحاب هذا الرّأي فغاية ما يتفرع على قولهم أنّ الندب أو الوجوب المعبّرين بالجملة آكد من النّدب و الوجوب المعبّرين بالصّيغة و هو غير مرتبط بالمقام فتدبّر و فهم الأصحاب منها الوجوب في موارد شتى إنّما يدلّ على ظهور الجملة في الوجوب في خصوص تلك الموارد و مثل هذا غير مجد و لو بلغ من الكثرة إلى ما لا تحصى إذ المجدي إثبات ظهور الجملة مع قطع النظر عن خصوص الموارد و إثبات ذلك دونه خرط القتاد لأنّ الظّهور بعد عدم استناده إلى الوضع و القرائن الخاصّة الموجودة في الكلام لا بدّ أن يستند إلى القرائن العامة كالتّعقّب بالحظر و نحوه و ليس من القرائن العامة ما يقضي بتعيين الوجوب كما لا يخفى سوى ما يدعى من غلبة استعمال الجملة الخبرية بعد انسلاخها عن الإخبار في الوجوب فيما هو بأيدينا من الكلمات الدائرة

234

الشرعيّة لكنها بعد المساعدة عليها مع أنّ للمنع فيها مجالا خصوصا بعد ملاحظة ما ورد في الآداب و السّنن من التعبير بالإخبار في مقام التنديب كقوله (عليه السلام) لا ينام المسلم و هو جنب إلا على طهور غير مفيدة لما عرفت من أنّ الغلبة إذا كانت ثابتة في نوع الكلام أو الكلمة كالعام لم تصلح لجعله منقولا أو مجازا راجحا إلا إذا كان بين أفراد ذلك النوع جهة جامعة لها مدخلية في الاستعمالات الغالبة بحيث يصلح أن يرجع الظّهور الناشئ من الغلبة إليه كما في لاء النّافية للجنس على القول بظهورها في نفي الصّحة أو الكمال عند تعذر الحمل على الحقيقة فإنّ الظّهور هنا راجع إلى كلمة لاء الّتي هو قدر جامع بين التراكيب المستعملة في نفي الصّحة و ليس بين الأخبار المستعملة في الإنشاء ما يصلح جامعا بينها كذلك سوى جنس الهيئة الخبريّة و هي مع كونها على أطوار مختلفة غير قابلة لاستناد الظهور إليها للقطع بأنّ المستعمل في الإنشاء ليس هو نفس الهيئة و إن كان له مدخلية أيضا في تفهيم المعنى الإنشاء أعني الطّلب فليس في المقام لفظ يتمسّك بظهوره نوعا عند الشك في خصوصيّاته بل لا بدّ من المراجعة إلى ما في خصوصيّات التراكيب من قرائن الحال أو المقال هذا مع أنّ الاستعمال في الوجوب في الاستعمالات الواصلة كلّها أو جلّها محفوفة بالقرينة و قد بيّنا أن الاستعمال المقرون بالقرينة لا يوجب ظهور اللّفظ في المعنى المستعمل فيه و لو بلغ ما بلغ (فالتحقيق) بعد عدم مساعدة مساق الكلام و لا غيره من القرائن على الوجوب وفاقا لجمع من الأعلام كالأردبيلي و صاحب المدارك و الذخيرة و المجلسي و العلاّمة و المحقّق الثّاني على ما نقله بعض من وافقهم هو الاقتصار على القدر المشترك إذا كان عليه دليل أيضا و إلا فقد يكون للجملة الخبرية محامل أخرى خارجة عن الطّلب أيضا كما لا يخفى على أهل الدّرية بالمحاورات ثم إنّ ظاهر الفريقين التسالم على استعمال الجملة في نفس الإنشاء و لعلّ هذا أيضا غير مطّرد فإن استفادة الحبّ و البغض من الجملة الخبرية بعد تعذّر حملها على الإخبار كثيرا ما لا يتوقف على الالتزام بالتجوّز في الكلام كما يظهر بالتأمّل في الاستعمالات الدائرة و يمكن أن يجعل من هذا الباب قول القائل لمن يظلم أو يبخل مثلك لا يظلم أو لا يبخل إذا أراد حمله على العدل و الإحسان‏

الثالث [الكلام في أن الأصل في الخطاب أن يكون للوجوب النفسي العيني التعييني‏]

أنّه قد أومأنا في غير موضع أن الأصل في الخطاب أن يكون للوجوب النّفسي العيني التعييني عن غير الاشتراط بشي‏ء و نعني بهذا الأصل أصالة الإطلاق لأن فيما عدا الواجب المذكور شائبة التقييد أمّا الوجوب الغيري فلأنّ وجوبه معلّل بوجوب غيره فيجري التعليل مجرى التقييد لأنّ متعلّقات الفعل جميعا راجعة إلى تقييد النّسبة و ربما يعول في ذلك على ظاهر الخطاب مضافا إلى إطلاقه و وجهه غير ظاهر إلاّ أن يدّعى أنّ الغالب في الأوامر أن يكون وجوبها لنفسها لا لغيرها و هي على فرض تسليمها في الخطابات الشرعية يشكل التعويل عليها في الأحكام الشرعية و ربما استظهر من الشهيدين و المحقق و جماعة من المتأخرين الإشكال في هذا الأصل نظرا إلى كثرة استعمال الأمر في الوجوب الغيري بحيث يكافئ ذلك الظّهور الناشئ من الإطلاق و يجعله نظير المشكّك البالغ حدّ الإجمال و هذا في طرف النقيض لما ادّعي من ظهور الخطاب في النّفسي من غير جهة الإطلاق هذا إذا لم يقم دليل من الخارج على وجوب شي‏ء لغيره و إلا فقد جنح بعض المحققين إلى كونه شاهدا على تقييد إطلاق الأمر المتعلّق به كما لو ورد إذا أحدثت فتوضّأ و ورد أيضا إذا أحدثت فتوضّأ للصّلاة فإنّ المفهوم من الخطاب الأخير كون المقصود من الخطاب الأول أيضا هو الوجوب الغيري (قلت) و الظّاهر أنّ مفروض الكلام ما إذا لم يحرز شرائط التقييد الّتي منها اتحاد التكليف و إلا فلا مجال لإطلاق الخطاب الأوّل بعد ورود التقييد في خطاب آخر ثم إنّ توضيح الحال هنا يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى فإنّه من باب ما لو تعدّد الخطاب و اتّحد المأمور به نوعا إذ لا فرق في هذه المسألة بين كون الخطابين من سنخ واحد بأن يكونا نفسيّين أو غيريين أو مختلفين فلو بنينا على أن تعدّد الخطاب يوجب تعدّد التكليف حتى لو قال المولى أكرم رجلا أكرم رجلا أفاد وجوب إكرام رجلين كان اللاّزم في المقام الأخذ بمقتضى الخطابين البناء في المثال على كون الوضوء واجبا لنفسه و لغيره و دعوى قضاء العرف في مثل ذلك باتحاد مفاد الخطابين و هو الوجوب الغيري خاصّة غير واضحة و كيف كان فقد ظهر أن الخطاب المجرّد عن جميع القرائن محمول على الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني و لو قام هناك قرينة مانعة عن مراعاة مجموع هذه القيود و دار الأمر بين أمرين من الوجوه المخالفة للظاهر وجب حينئذ إعمال ما تقرّر سابقا في تعارض الأحوال و هي كثيرة نذكر جملة منها تبعا لبعض الأعلام منها ما لو دار الأمر بين الندب المطلق و الوجوب المشروط و مقتضى القاعدة فيه حمل الخطاب على الثاني ترجيحا للتقييد على المجاز و ليس هنا من المرجحات الخارجية ما يقضي بالأوّل سوى غلبة الاستعمال في النّدب و في كونها باعثة على رجحان المجاز هنا على التقييد نوع تأمّل أو منع خصوصا مع إمكان منع الغلبة نظرا إلى أنّ كل خطاب مشروط لا محالة و لو بشروط التكليف إلاّ أن يقال إنّ التقييد بها عقلي و التقييد العقلي ليس من التقييد الراجح على سائر الأحوال لكونه أمرا مفروغ الوجود في جميع الخطابات و التقييد الشّرعي الثابت بالأدلّة الشرعية اللفظية في الخطابات ليس ممّا يكافئ رجحان الندب فلو قيل بالوقف هنا لم يكن فيه‏

235

كلّ البعد و حينئذ يجب الأخذ بمقتضى الأصل و هو قاض بالنّدب عند القدرة على الشرط المشكوك فيه و في كونه استحبابا ظاهريّا أو واقعيا وجهان مبنيان على كون أصل البراءة من الأصول الشّرعية أو من الأمارات الظنيّة فإن قلنا بالأوّل كما هو المشهور المعتمد كان الندب بعد البناء على الوقف ظاهريّا لثبوت فصله بالأصل نظير الإباحة في محتمل الوجوب خاصّة و هذان الوجهان جاريان في العمل بأصالة عدم الوجوب هنا و القول بمعارضة أصالة عدم النّدب له مدفوع بأن فصل النّدب أمر عدمي مطابق للأصل فتأمل هذا عند وجود الشرط المشكوك فيه و أمّا عند عدمه فمقتضى أصالة العدم الحكم بعدم الاستحباب و لا يعارضه أصالة عدم الوجوب على تقدير وجود الشرط مع العلم الإجمالي بثبوت أحد الحكمين لأنّ العمل بها لا يلزم منه مخالفة عملية فيتعيّن و لأنّ الأصل الثاني مع عدم الابتلاء بمجراه فعلا غير جار و لو طرأ العجز عن الشرط بعد المقدرة عليه فالظّاهر ثبوت الاستحباب الظّاهري أيضا بناء على جريان الاستصحاب عند إجمال المستصحب كلّ ذلك بناء على المشهور المنصور من دلالة الأمر على الوجوب وضعا و أمّا على القول باستناد فهم الوجوب إلى إطلاقه فقد ذكر قائله أنّ الأظهر حمل الخطاب على الوجوب المشروط أيضا لأن دلالة إطلاق الطّلب على الوجوب أظهر من دلالته على الوجوب المطلق و استشهد في ذلك بفهم العرف و قضائه بذلك (قلت) و لعلّ السّر فيه أنّ المسألة حينئذ ليس من باب الدّوران بين الأمرين المخالفين للظّاهر كما هو مفروض الكلام لأنّ الإطلاق الثاني أعني الوجوب المطلق متفرع على الإطلاق الأول و ليس في عرضه حتى يتردد بينهما بعد وجود القرينة الصّالحة للصّرف عن أحد الظّاهرين بل أقصى ما يقضي به القرينة امتناع حمل الخطاب على الإطلاق الثاني و أمّا الإطلاق الأوّل فلا مانع من الأخذ به و استوضح الحال فيما لو قلنا بأنّ المنساق من إطلاق لفظ الماء هو الماء الصّافي و من إطلاق الصّافي و لو في ضمن هذا الإطلاق هو الفرات فقام قرينة مانعة عن الجمع بين الإطلاقين فإن المتعين حينئذ الحمل على الماء الصّافي إلا أنّ غلبة الندب في الأوامر توجب وهن ظهورها في الوجوب و إن لم تكن موهنة لها في غير صورة الدّوران فافهم (و منها) الدّوران بين الندب النّفسي و الوجوب الغيري كما لو ورد الأمر بالوضوء عقيب الضّحك و شكّ في كونه غيريا للصّلاة أو نفسيّا و الحال يعرف فيه بالمقايسة إلى السّابق فإنّه أيضا من الدّوران بين المجاز و التقييد على الأقوى و يمكن القول هنا بالوقف و لو على القول برجحان الحمل على الإطلاق في الصّورة السّابقة نظرا إلى كثرة الأوامر الغيريّة حتى قيل إنّه الأصل و المعوّل عند الإطلاق و عدم القرينة كما عن الشهيد (رحمه الله) فإذا كان راجحا على الوجوب النفسي كان راجحا على النّدب بطريق أولى و مع التنزّل عن الرّجحان فلا أقلّ من التوقف فيرجع حينئذ إلى مقتضى الأصول و هو نفي الوجوب و الاستحباب معا لعدم لزوم المخالفة القطعية العملية لا يقال الرجحان في الجملة أمر ثابت و بعد نفي الوجوب يثبت الاستحباب كما في الصّورة السّابقة على بعض الفروض لأنا نقول المعلوم إنّما هو الأمر المردّد بين الرّجحان الغيري و النّفسي و هو لا يكفي في ثبوت الاستحباب ظاهرا بعد نفي الوجوب كما لا يخفى كلّ ذلك إذا لم يكن في خطاب ذلك الغير إطلاق يصحّ التعويل عليه و إلاّ فقد يقال بأن إطلاقه يصلح قرينة لحمل الأمر على الاستحباب معاملة مع أصالة الإطلاق معاملة الظّهور اللّفظي الصّالح لرفع الإجمال عن المجمل ثم إنّ ما ذكرنا مبني على كون النفسيّة من مقتضيات إطلاق الأمر فعلى القول بكون النفسيّة في الطّلب من مقتضيات وضع الأمر لا من إطلاقه يكون المقام من الدّوران بين المجازين و قد تخيل بعض المحققين أنّ في حمل الخطاب على الوجوب الغيري تقييدا زائدا على كونه مجازا و لم أجد وجها لهذا الحسبان مع وضوح فساده لأنّ القول باستناد النفسيّة إلى الوضع يوجب كون استعماله في الغيري مجازا محضا ضرورة ثبوت المضادة بين الغيريّة و النفسيّة فكيف يتعقل كون الأوّل راجعا إلى تقييد الثاني نعم بناء على كون التقييد مجازا يكون الوجوب الغيري تقييدا مجازا إلا أنّ القول بمجازيّة الأمر في الغيري مبني على غير هذا القول فيكون مجازا محضا مع أنّ التقييد على القول المذكور ليس مخالفا آخر للأصل حتى يكون حمل الخطاب على الغيري مستلزما لارتكاب خلاف أصلين بل هنا خلاف أصل واحد و هو المجاز سمّيته بالتقييد أم لا فتدبّر جيّدا (و منها) الدّوران بين النّدب العيني و الوجوب الكفائي و هذا إنّما يكون إذا

كان الخطاب بصيغة الجمع إذ المفرد غير صالح لإفادة الوجوب الكفائي المتعلّق بجميع المكلّفين و الحكم فيه مثل ما مرّ في نظائره من دوران الأمر بين التقييد و المجاز بناء على المختار في وضع الأوامر أو بين التقييدين بناء على المذهب الآخر فعلى الأوّل لا يبعد القول بالتوقف لأنّ هذا المجاز أعني النّدب إن لم يكن راجحا على هذا التقييد أعني الحمل على الوجوب الكفائي فلا أقلّ من عدم كونه مرجوحا أيضا خلافا لبعض و مقتضاه التوقف و الرّجوع إلى مقتضى الأصل و هو البناء على الاستحباب لما تقدّم في الصّورة الأولى و يؤيّده أصالة عدم سقوط الطّلب المعلوم على التقديرين بفعل البعض على القول باعتبار الأصول المثبتة بل مطلقا على وجه و على الثاني فالظّاهر حينئذ ترجيح الاستحباب و إن كان الحمل على الكفائي أيضا تقييدا للخطاب كالنّدب لكثرته و قلّة الوجوب الكفائي و من العجيب ما سنح لصاحب هذا القول من ترجيح الوجوب الكفائي لكون الأمر في الوجوب و لو كفائيا أظهر منه‏

236

في الندب و هو تحكم بارد و دعوى شهادة العرف بذلك غير بيّنة و لا مبيّنة فالصّواب بعد المساعدة على عدم رجحان النّدب بناء على هذا القول التوقف (و منها) الدّوران بين النّدب التعييني و الوجوب التخييري و يظهر الحال فيه بالمقايسة إلى الصّور السّابقة و توهّم بعض المحققين بأنّ أصالة عدم مشروعيّة الفعل الآخر المشكوك ثبوت التخيير بينهما يقضي برجحان الاستحباب ندفعه بأنّ هذا الأصل لا يقاوم ظهور الأمر في الوجوب التخييري عند دوران الأمر بينه و بين النّدب و فيه أنّ هذا الأصل في نفسه ساقط لعدم نهوضه بإثبات وجوب المأمور به إلاّ على القول بالأصل المثبت الّذي لا يقول به المتوهّم ظاهرا فضلا عن إثبات الاستحباب فلا اعتداد به و لو قلنا بتكافؤ الاحتمالين و بإجمال الخطاب كما هو المحتمل خصوصا على مذاقه من كون النّدب و التخيير مخالفين لإطلاق الأمر لا لوضعه ثم إنّ أصالة عدم مشروعية الفعل الآخر غير جارية في بعض فروض المسألة كما إذا علم مشروعيّة أحد الفعلين و وجوبه و شكّ في فعل آخر تعلّق به الأمر المردّد بين كونه للاستحباب أو الوجوب التخييري هذا هو الحال فيما إذا كان أحد طرفي المردّد فيهما النّدب و لو كان الدّوران بين قسمي الوجوب فالبناء على رجحان أحدهما مطلقا غير واضح بل الظّاهر حينئذ الأخذ بمقتضى الأصول و يختلف ذلك باختلاف الصّور كما هو واضح على الخبير المتدرّب مثلا إذا دار الأمر بين كون الشي‏ء واجبا كفائيّا أو تخييريّا وجب الإتيان به قبل قيام الغير به عملا بالاحتياط و أمّا بعد القيام به فقد ذكر بعض المحققين أن مقتضى الاحتياط الواجب وجوب الإتيان به أو ببدله ليحصل الامتثال على جميع التقادير و أنّ الأظهر وجوب الإتيان به معيّنا إذا لم تكن مشروعيّة البدل ثابتة و قد يشكل فيما ذكر بأن مقتضى الأصل نفي الوجوب العيني و التخييري كليهما إذ لا يلزم من العمل بهما مخالفة عملية نعم لو عوّلنا على الاستصحاب في مثل المقام بناء على صحّة استصحاب القدر المشترك أمكن إثبات بقاء جنس الوجوب بالاستصحاب ثم إثبات وجوب الإتيان بمتعلّق الأمر أو ببدله لحصول القطع بالبراءة على التقديرين و كيف كان فبالتأمّل فيما ذكرنا يعرف الحال فيما تركناه من صور الدّوران بين الوجوه المخالفة للظّاهر و أمّا الدّوران بينها و بين ما يوافق ظاهر وضع الأمر أو إطلاقه بعد تعذّر الأخذ بالظّاهر فهي أيضا وجوه (منها) الدّوران بين المطلق و المشروط و الأصل فيه هو الثاني إلا إذا تحقق الشرط و لم يأت بالمشروط حتى انتفي الشرط فإن مقتضى الاستصحاب حينئذ الإتيان به فيكون الأصل الإطلاق (و منها) الدّوران بين التعييني و التخييري و مقتضى الأصل اللّفظي فيه التعيين و مقتضى الأصل العملي إمّا التخيير لأصالة البراءة أو التعيين لقاعدة الاحتياط على اختلاف الوجهين أو القولين المذكورين في محلّه و من الأفاضل من صرّح هنا بأنّه لا يقتضي الأصل شيئا منهما فإن أراد بالأصل الاستصحاب فلا وجه له في التخيير الشرعي و إنما هو في التخيير العقلي لكن التعبير عن الاستصحاب بالأصل من غير نصب قرينة عليه و لا مساعدة المقام فيه بعض المؤاخذة و إن أراد به مطلق الأصل حتى البراءة و الاحتياط فهو فاسد بالاتفاق لما عرفت و كذا لو أراد الأصل اللّفظي إذ لا مانع من أصالة عدم الزيادة و المشتمل عليها الخطاب في التخيير الشرعيّة (و منها) الدّوران بين العيني و الكفائي و الأصل فيه هو الأوّل لأصالة عدم سقوط التكليف بفعل البعض و يحتمل القول بالثاني بناء على قضاء البراءة بالتوسعة للشكّ في استحقاق العقاب مع قيام البعض و هذا حاكم على ما ذكر من أصالة عدم السّقوط كما يظهر بالتأمل هذا ما يساعده النظر الصحيح و ذكر الفاضل المتقدم أنّه لو قلنا بأنّ الوجوب الكفائي يتعلّق بواحد كما هو الحق فهو مطابق للأصل و إن قلنا بتعلّقه بالجميع فلا أصل أيضا يقتضي أحدهما و يظهر ضعفه ممّا ذكرنا (و منها) الدّوران بين الغيري و النفسيّ قال الفاصل إنّ الغيري هو المطابق للأصل لأصالة عدم وجوبه حال عدم وجوب الغير ثم قال فإن قلت الأصل عدم ملاحظة مصلحة الغير قلنا يعارضه أصالة عدم ملاحظة مصلحة نفسه أيضا فإن قلت ملاحظة مصلحة الغير تحتاج إلى ملاحظة الغير و الأصل عدمها قلنا كذا ملاحظة مصلحة النفس مع أنّ غايته أكثرية مخالفة الأكثر في أحد الطرفين و هي عندنا غير مفيدة (أقول) التحقيق عندي أنّ الوجوب الغيري بملاحظة نفسه ليس مجرى شي‏ء من الأصول لأنّه من لوازم وجوب الغير المقيّد به و الأصل في اللوازم مع جريانه في الملزومات لا وقع لها في النظر الصّحيح لكن الأصل في وجوب ذلك الغير

هنا لما كان معارضا بالمثل أعني أصالة عدم وجوب فرده الآخر الفاقد لذلك المشكوك فيه لزم إجراء الأصل في الوجوب الغيري نفسه و حينئذ يقع التعارض بينه و بين أصالة عدم الوجوب النّفسي حال عدم وجوب الغير فيتساقطان فالقول بأنّ مقتضى الأصل هو الوجوب الغيري غير صحيح و دعوى أنّ أصالة عدم وجوب الغسل مثلا نفسا معارض بأصالة عدم وجوب الصّلاة الواجدة له فأصالة عدم الوجوب النفسي ساقطة لابتلائها بمعارض آخر غير أصالة عدم وجوب الغسل للغير مدفوعة بأنّ أصالة عدم وجوب الصّلاة الواجدة للغسل ساقطة لما عرفت من المعارضة بأصالة عدم وجوب الصّلاة الفاقدة له فليس لأصالة عدم وجوب الصّلاة الواجدة قابلية المعارضة لأصالة عدم وجوبه النفسي و ليس هذا من باب الاعتضاد بالأصل بأن يقال إن أصالة عدم وجوب الصّلاة الواجدة له معارضة لأصلين أحدهما أصالة عدم وجوب الفاقدة له و ثانيهما أصالة عدم وجوب‏

237

الغسل نفسا و لا وجه لجعل أحدهما خاصّة طرفا للمعارضة و ذلك لأنّ وجوب الغسل نفسا ليس من محتملات الخطاب المتعلّق بالصّلاة حتى يكون الأصول الثلاثة أعني أصالة عدم وجوب الصّلاة الواجدة له و أصالة عدم وجوب الصّلاة الفاقدة له و أصالة عدم وجوب الغسل نفسا في مرتبة واحدة ساقطة لأجل المعارضة بسبب علم إجمالي واحد بل العلم الإجمالي الحاصل من الخطاب المتعلق بالصّلاة دائر بين احتمالين أعني احتمال وجوب الصّلاة الواجدة للغسل و احتمال وجوب الصّلاة الفاقدة و أمّا احتمال وجوب الغسل نفسا فهو من محتملات معلوم آخر بالإجمال و هو مفاد الخطاب المتعلّق بالغسل المردّد بين كونه نفسيّا أو غيريّا للصّلاة هذا كلّه مع ما يقتضيه الجري على مقتضى أصالة العدم الغير النافعة عندنا و أمّا أصالة البراءة فلا أثر لها في المقام إلا بالنّسبة إلى نفي الوجوب النفسي حال عدم وجوب الغير فإذا دخل وقت وجوبه فالمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال فيجب الإتيان به حذرا عن المخالفة القطعية العملية و اللّه الهادي‏

الرّابع [الكلام في أن الأصل في الواجب التوصلي دون التعبدي‏]

أنّه اشتهر أنّ الأصل في الواجب عدم توقف سقوط الأمر به على نية القربة و يسمّى ذلك بالواجب التوصّلي يراد به أنّ الغرض من الأمر المتعلّق به هو التوصّل إلى إيجاد المأمور به دون التعبّد به المتوقف على قصد الامتثال و قد يطلق التوصّلي على الوجوب الغيري ففيه تعسّف ناش من عدم الإصابة بما هو المراد من هذا التعبير و ربما يدعى استقرار عمل الفقهاء قديما و حديثا على ما اشتهر حيث لا يقولون باشتراط قصد القربة إلاّ في موارد خاصة ثابتة بالأدلة المخصوصة و قد يدعى مساعدة بناء العرف على ذلك أيضا لأنّهم لا يرتابون في سقوط أمر المولى بمجرّد إيجاد العبد المأمور به سواء كانوا عالمين بقصده و نيته حين العمل أو جاعلين فلا بدّ من الإشارة إلى مدرك هذا الأصل النّافع (فنقول) يمكن أن يراد به الأصل اللّفظي و تقريره على ما صرّح به غير واحد منهم بعض المحققين أنّ الحكم باشتراط قصد القربة تقييد لإطلاق المأمور به فقضيّة الإطلاق الاكتفاء في مقام سقوط التكليف بحصول نفس المأمور به و لو لغير داعي الأمر و إن توقف حصول الثواب و صدق الإطاعة على إتيانه متقرّبا إلى الأمر و أن يراد به الأصل العملي و هي أصالة البراءة بناء على جريانها عند الشكّ في الشروط و الأجزاء (قلت) و في الاثنين نظر (أمّا الأوّل) فلأنّ قصد القربة عنوان منتزع بعد الأمر بالشّي‏ء فلا يعقل أن يجعل من قيود المأمور به و أحواله حتى يدفع بالإطلاق (و أمّا الثّاني) فلأن الشكّ في سقوط التكليف بدون القربة شكّ في حصول البراءة بعد العلم بالاشتغال إجمالا إذ لا شكّ في أنّ تمام المأمور به هو ذات الفعل من دون مدخلية نية القرينة لما عرفت من أنّ قصد القربة عنوان منتزع من الأمر فلا يعقل أن يعتبر قيدا للمأمور به بأن يجعل من شروطه و يمكن دفعه بأنّ استحالة هذا التقييد إنّما تقتضي بامتناع تقييد المأمور به بالقربة في الأمر اللّفظي و أمّا الأمر اللّبي الثابت بإجماع و نحوه فلا مانع من تقييد متعلّقه بذلك فالشّكّ في اعتبار القربة شكّ في الاشتراط على نحو الشكّ في سائر الشروط كالطّهارة و القربة فيجري فيه أصالة البراءة بناء على القول المذكور نعم لو علم التقييد بالقربة في الجملة و شكّ في كيفيّته من حيث دورانه بين القصد الإجمالي أو التفصيلي كأن يشكّ في أن القربة المعتبرة هل تحصل من دون تميز المأمور به تفصيلا مطلقا أو مع العجز عن التّميز التفصيلي أو يتوقف على تمييز العبادة بشخصها و جميع خصوصيّاتها حتّى خصوصيّة الوجه المبحوث عنه في العبادات أمكن القول بخروج المقام حينئذ عن مجرى البراءة نظرا إلى كون الشّك حينئذ في حصول الفرض الداعي إلى الأمر بعد معلوميّة المأمور به من حيث الأجزاء و الشّرائط فلا بدّ حينئذ من الاحتياط بناء على ما تقرّر في محلّه من وجوب الاحتياط بعد العلم بالاشتغال بأمر معلوم مبيّن من حيث الأجزاء و الشرائط إذا شكّ في حصوله أو حصول الغرض الدّاعي إلى الأمر به هذا هو الكلام على حسب ما يقتضيه القاعدة الأوّلية و أمّا القاعدة الثانوية المستفادة من الأدلّة الواصلة فقد يظنّ أنّها على خلاف القاعدة الأولية بمعنى وجوب البناء على كون المأمور به تعبّديّا إذا دار الأمر بينه و بين كونه توصليّا بالمعنى المشار إليه و يستند في تأسيسها إلى أمور (الأوّل) قوله تعالى حكاية عن بعض الأمم السّابقة و ما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين دلّ على وجوب الإخلاص و تخليص النيّة في المأمورات كلّها بدليل الاستثناء في الشّريعة السّابقة فيلحق بها هذه الشّريعة للاستصحاب أو لقوله و ذلك دين القيّمة بناء على ما في مشارق المحقّق الخونساري عن تفسيرها بالثابتة الّتي لا تنسخ و يرد عليه (أوّلا) أنّ الاستدلال يتوقف على كون اللاّم في قوله تعالى ليعبدوا اللّه للغاية و هو في حيّز المنع لأنّ اللاّم هنا مثله في قوله تعالى‏ وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ‏ و هو للتقوية دخل على المفعول به فمفاد الآية أنّهم إنّما أمروا بعبادة اللّه على وجه الإخلاص يعني به التوحيد كما في قوله تعالى‏ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ‏ و من الأفاضل من اعتمد خلاف ما بيّناه فزعم وفاقا للمحقّق الخونساري في شرح الدّروس أنّ الاستدلال مبني على كون اللاّم للغاية حتى تصير العبادة على وجه الإخلاص غاية للمأمورات لا مأمورا بها فأجاب بأن كونه غاية أعمّ من حصوله بنفس المأمور به كما في الأمر بالصّلاة أو بواسطة كما في الأمر بمقدّماتها للفرق بين قولنا ما أمروا إلاّ بالعبادة و بين ما أمروا إلاّ للعبادة فإنّ الأوّل يقتضي حصر المأمور به‏

في العبادة دون الثاني فلا يكون لها دلالة على وجوب قصد القربة في كلّ ما أمر به إلاّ على تقدير العلم بأن لا مدخل لمجرّد

238

وقوعه في عبادة و لو مدخليّة خفية و هذا على تقدير حصوله نادر جدّا (أقول) و أنت بعد الخبرة بما ذكرنا في معنى الآية تعلم بأنّ هذا الكلام خال عن التحميل ثمّ إنّه إن أراد بالمدخلية الخفية ما هو المأمور به في مقدّمات العبادة فدعوى عدم حصولها أو حصولها نادرا واضحة الفساد لأنّ الواجبات النفسيّة التوصليّة الّتي ليست شرطا لصحّة عبادة أضعاف من الواجبات التعبّدية فكيف يدّعى ندرته في شرعنا أو في شرعهم و إن أراد بها ما لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى و لو لم يكن من سنخ المدخلية الموجودة في مقدّمات العبادات فدعوى ندرته لا يليق إلاّ بالمعصوم (عليه السلام) إذ فيه ترجم على الغيب و اقتحام في العيب (و ثانيا) أنّ اللاّم على تقدير كونها للغاية فإنّه يفيد كون الإخلاص غاية للأمر بالواجبات لا شرطا في المأمور به و هو لا يقضي بتوقّف سقوط التكليف عليه لوضوح أنّ الغرض الملحوظ في أوامر الشارع أمر يرجع أثره إلى العباد فيجوز أن يكون ذلك الأثر حصول الثواب خاصة لا سقوط العقاب أيضا فأقصى ما يتفرّع على كونه غرضا توقف حصول الثواب عليه و أمّا الخلوص عن تبعية الذّم أو العقاب فلا (فإن قلت) قد تحقّق أنّ غاية الواجب إذا كان فعلا من أفعال المكلّف كان واجبا لأنّ غاية الشي‏ء تتصف بصفة من الحسن و القبح و لذا استدلّوا على وجوب الحذر بكونه غاية للإنذار الواجب في آية النفر (قلت) نعم لكنّه فيما إذا كان الفعل غاية للواجب كالإنذار دون الوجوب كما في المقام (لا يقال) يجب مراعاة غرض الأمر إذا توقف حصوله على أمر زائد على المأمور به كما اعترفت به آنفا فيدور سقوط التكليف مدار حصول الغرض (لأنّا نقول) إنّ دعوى التوقف فيما يرجع الغرض فيه إلى المولى كما في أوامر الموالي إلى العبيد مسلّمة و أمّا فيما يرجع إلى المأمور نفسه فلمنعها مجال إذ يمكن القول بعدم توقف سقوط التكليف على مراعاة مثل هذا الغرض نظرا إلى صدق الإطاعة بالمعنى الأعمّ مع عدم المراعاة أيضا و المفروض عدم كونه داخلا في المأمور به شطرا أو شرطا نعم لو كان الغرض من جملة الأفعال و علمنا بأنّه العنوان للمأمور به حقيقة و إن كان ظاهر الأمر متوجّها إلى شي‏ء آخر محصّل له كما لو أمر المولى بالأكل و علمنا أنّ الغرض منه التقوية و أنّها المأمور به حقيقة دون ما هو متعلّق للأمر في ظاهر الخطاب توقف سقوط التكليف حينئذ على مراعاة ذلك لأنّ المأمور به حينئذ هو عنوان ذلك الغرض فلا يصدق الإطاعة مع عدم مراعاته و أمّا إذا لم يكن كذلك بأن كان الغرض الباعث على الأمر غير داخل في المأمور به و لا عنوانا واقعيّا للأمر كالتّعبد فيما نحن فيه إذ ليس هو شطرا أو قيدا في المأمور به بل هو صرف الدّاعي فدعوى توقف سقوط التكليف في مثله على مراعاته غير واضحة نعم لو كان الغرض ممّا يرجع فائدته إلى الأمر استقلّ العقل حينئذ بتوقف سقوط التكليف عليه لصدق العصيان بدونه (و توضيح المقام) على وجه يرتفع منه غواشي الأوهام أنّ في مخالفة الأوامر الشرعيّة قبح من جهتين على مذهب العدلية إحداهما أنّها إقدام على فوت المصلحة اللاّزمة المراعاة عند العقل على تقدير انكشافها له و الأخرى أنّها مخالفة لأمر المولى و معصية له إذ لو قيل بخلوّ الواجبات الشرعية عن الجهة الأولى كما على مذهب الأشاعرة استقلّ العقل بقبح المخالفة أيضا ففي كلّ أمر من الأوامر الشرعية جهة إرشاد و جهة تكليف و الّذي يلزم من كون الإخلاص غرضا باعثا على الأوامر الشرعيّة فوت مصلحة الإرشاد على تقدير عدم الإخلاص و أمّا عدم سقوط التكليف أيضا فلا لأنّ سقوطه لازم عقلي لإتيان المكلّف به بجميع أجزائه و شرائطه و المفروض حصوله على الوجه المذكور (و ثالثا) أنّ مفاد الآية الشريفة بعد المساعدة على دلالتها على المدّعى اعتبار قصد القربة فيما كان في الأمّة السّابقة من الواجبات و ثبوت هذا الحكم في واجباتنا موقوف على كونها هي الّتي كانت واجبة في تلك الأمة و هذا غير ثابت نعم لو كان مفادها اعتبار الإخلاص في كلّ ما يجب عليهم حتى تكون بمنزلة الأصل و القاعدة فمقتضى الاستصحاب أو مقتضى قوله و ذلك دين القيمة ثبوت هذا الحكم في شرعنا أيضا و إن كانت واجبات هذا الشرع مغايرة لواجبات تلك الشّرعية لكن الآية غير دالة على ذلك كما لا يخفى ثم إن جميع ما ذكرنا مبني على تسليم دلالة الآية على كون الإخلاص غاية لا فائدة و إلاّ فمن المحتمل كون الإخلاص من فوائد الأمر بالواجبات و معه تسقط عن الاستدلال كما لا يخفى و هاهنا

أجوبة أخرى موهونة و الصّواب ما ذكرناه (الوجه الثّاني) ما ورد في إناطة الأعمال بالنّية مثل قوله (عليه السلام) لكلّ امرئ ما نوى و إنّما الأعمال بالنّيات و قوله (عليه السلام) لا عمل إلاّ بنيّة و أجيب عنها بعد تضعيف السّند و عدم الجابر إلا في خصوص العبادات بأنّ ظاهرها نفي حقيقة العمل إلا مع نيّة العمل لا نيّة القربة فلا مساس لها بالمدّعى بل يكون الغرض منها إخراج عمل الغافل و السّاهي كالبيع و الصّلح من الأعمال و هذا الجواب و إن كان مجديا في تزييف الاستدلال لكنّه في نفسه فاسد لأنّ عمل الغافل أيضا عمل و إن لم يكن صحيحا و الصّواب أن يقال إنّ ظاهر الرّوايات عدم استتمام حقيقة العمل إلا بالقصد و النّية و هذا على عمومه مخالف للواقع فلا بدّ فيه إمّا من التزام التخصيص أو التزام الإضمار بتقدير الكمال أو الصّحة أو حمله على الأعمال المشتركة الّتي لا يتميّز في الخارج بعضها عن بعض إلاّ بالقصد كالتأديب و الظّلم الحاصلين في الخارج بفعل واحد و الظّهر و العصر المشتركين من جميع الوجوه إلا في النّية و من الواضح أن الأولى هو الأخير مطلقا أو في خصوص‏

239

المقام هذا مع أنّ العاملين بالرّوايات بين من التزم فيها الإضمار بتقدير الكمال و بين من جعل موردها خصوص العبادات و على التقديرين فهي غير صالحة لتأسيس الأصل بها كما لا يخفى (الوجه الثّالث) ما ورد كتابا و سنة من الأمر بالإطاعة كقوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ* و ما أشبهه من الأوامر الدّالّة على مطلوبية الإطاعة الّتي لا يتيسّر إلا بقصد القربة في جميع الواجبات بدليل حذف المتعلّق و دليل الحكمة مضافا إلى استقلال العقل بحسن الإطاعة مطلقا من دون اختصاصها بمحلّ دون محلّ و قرينة العقل و أجيب عن ذلك بوجوه (منها) ما ذكره بعض من قاربنا عصره من الأجلّة من أنّ الأمر بالإطاعة مطلق و ليس بعام فلا يتناول محلّ النزاع (أقول) و أنت خبير بأنّ هذا الكلام في غاية الضّعف و السّقوط لما عرفت من قضاء الوجوه الثّلاثة بالعموم و لا ينبغي أن يخفى ذلك على مثله و لعلّه نشأ من طغيان القلم (و منها) أنّها على تقدير دلالتها على وجوب الإطاعة لا يقيد بها إطلاق الأوامر المجرّدة عن قرينة التقييد فأقصى ما يدلّ عليه وجوب الإطاعة نفسا لا شرطا و سقوط التكليف بالواجبات الشّرعيّة (قلت) و هذا الجواب أيضا لا كرامة فيه و إن كان الحكم بالتقييد يتوقف على العلم باتحاد التكليف كما تحقق في محلّه إذ من الواضح المعلوم أن المطلوب من أوامر الإطاعة امتثال الأوامر الشرعيّة على وجه مخصوص فكيف لا يستفاد منه التقييد (و منها) و هو الصّحيح عندي أن الإطاعة و إن كانت حقيقة متوقفة على إيجاد المأمور به قاصدا لموافقته إلاّ أنّ المراد بها في أغلب موارد استعمالاتها العرفية و الشرعية ما يقابل العصيان و المخالفة فالمراد بها الإتيان بالواجبات و عدم المخالفة بتركها و يدلّ عليه مضافا إلى ما عرفت من الانسباق الناشئ من ملاحظة الاستعمالات المبنيّة جلاّ بل كلاّ على إرادة المعنى المذكور ورود الأمر بها في إطاعة العبد للسيّد و الولد للوالد و الزوجة للزوج و كذا عمومها للواجبات و المحرّمات مع معلوميّة عدم توقف سقوط التكليف بالحرام على نية القربة مضافا إلى ما في بعض موارد استعمالاتها في الكتاب من تعقيب الأمر بقوله عزّ من قائل و من يعص اللّه فإن فيه كمال الشّهادة بأن الغرض من الإطاعة المأمور بها الخروج من تبعة العصيان ثم إنّ ما ذكرنا في الواجب من أصالة التوسلية يتناول المندوب أيضا فلا فرق بينهما من حيث توقف اعتبار قصد القربة على دليل خارجي فالأصل المتقرر كما يقضي بحصول الواجب بمجرّد الإتيان بالمأمور به كذلك يقضي بحصول المستحبّ بمجرّد الإتيان به و كما أنّ المدح و الثواب في فعل الواجب يتوقف على قصد القربة فكذلك في فعل المستحب و لعلّ هذا هو ظاهر الكلّ أو الجلّ لكن لبعض أعيان المتأخرين تفصيلا في المقام أحببنا ذكره و ذكر ما فيه من وجوه الزلل قال ما حاصله إنّ الواجب قد يكون فعله مستتبعا للثواب بدون القربة أيضا كالإيمان و النية و أمّا المستحب فإن علم من دليله أنّه كذلك أو علم أنّ في تركه منقصة توجب كراهته شرعا فالإتيان به لا يتوقف على قصد القربة و إلا فيتوقف و بذلك يفترق عن الواجب حيث إن الواجب مطلقا لا يتوقف حصوله على الإخلاص إلاّ مع دلالة خارجية بخلاف المستحبّ فإنّه قد يكون وجوده موقوفا على ذلك و لم يتمسّك له بمثال و لعلّه تركه لوضوحه في زعمه مع كمال خفائه في زعمنا (أقول) يرد عليه (أوّلا) أنّ الإيمان و النية إن تعقلنا انفكاك وجودهما عن قصد القربة منعنا ترتب المدح و الثواب عليهما أيضا و إلاّ فترتب الثّواب عليهما لا ينهض بإثبات ما زعمه من ترتب الثواب على الواجب أحيانا بدون القربة (و ثانيا) أنّ ترك المستحب لا يتصف بالكراهة المصطلحة كما أنّ ترك الحرام لا يتصف بالواجب المصطلح مع أن ترك المستحب من حيث إنّه مستحبّ لا يعقل اشتماله على منقصة موجبة للكراهة فلا بدّ من اعتبار شي‏ء زائد عن مفهوم الترك و حينئذ لا يحكم على الفعل بأنّه مستحبّ لأنّ ترك المكروه و هو الفعل هنا ليس من المستحبّ الشرعي في شي‏ء فافهم (و أمّا ثالثا) فلأنا لا نجد فرقا بين الواجب التوصّلي و المستحبّ التوصّلي في عدم توقف وجودهما في الخارج على قصد القربة و لعلّه زعم أن ما لا يترتب عليه الثواب لا يتصف بالاستحباب و هو خطأ بيّن و إلا فعدم اتّصافه بالوجوب أولى فيلزمه التزام هذا التفصيل في الواجب أيضا و هو عدول عمّا ذهب إليه أولا من أن الأصل في الواجبات كونها توصّلية و اللّه الهادي‏

الخامس [الكلام في أن الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر في الإباحة المطلقة]

أن الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر في الإباحة المطلقة المساوية لرفع الحرج في الفعل و مجمل بالقياس إلى الأنواع الأربعة المندرجة تحت تلك الإباحة المطلقة و مرجعه إلى القول بالتوقف في تمام المراد و لعلّ هذا أيضا هو مراد الأكثر إذ الظّاهر كما صرّح به غير واحد أن قولهم بإفادته للإباحة لا يراد به إفادتها الإباحة الخاصّة و منه يظهر أن من جعل القول بالتوقف مقابلا للقول بالإباحة مفسّرا لها بالرّخصة المحضة و هو جملة من الأعلام ليس على ما ينبغي اللّهمّ إلاّ أن يوجّه ذلك بأنّ مراد الشارع ظهور الصّيغة في ذلك القدر المشترك العام بين الأحكام الأربعة نظير لفظ الإذن و الرّخصة فلا إجمال في مدلول اللّفظ أصلا و إنّما الإجمال في المراد كما قد يقال بمثل ذلك في المطلق مع العلم بالتقييد في الجملة و مراد القائلين بالتّوقف عدم ظهوره في شي‏ء حتى الرّخصة المطلقة و دورانه بين الأنواع الأربعة و بين تلك الرخصة فالعلم بالرّخصة على هذا القول غير حاصل من نفس اللّفظ بل من العلم الإجمالي بدوران المدلول بين ما هو مندرج تحته بخلافه على قول المشهور فإنه مستفاد من نفس اللّفظ و ظهوره العرفي فافهم و ذهب العلاّمة (رحمه الله) في التهذيب إلى دلالتها على الوجوب و ربّما قيل بأنّها

240

تفيد النّدب و مال العضدي إلى تفصيل و هو ظهورها في الحكم السّابق على النّهي إذا علّق الأمر بعلّة زوال النّهي و قد يتخيّل أنّ في المسألة قولا بظهورها في الحكم السّابق مطلقا و الظّاهر أنّه اشتباه من صاحب الوافية أو مسامحة منه في نقل تمام تفصيل العضدي و ذهب بعض المتأخرين إلى تفصيل آخر و هو الظّهور في الحكم السّابق إذا كان وجوبا أو ندبا و هذا نظير التفاصيل الموجودة في وضع المشتق في كونه ناشئا عن ملاحظة بعض الأمثلة ثم الظّاهر أنّه لا نزاع في وضع الصّيغة (و كيف كان) فالأقوى في المسألة هو القول المشهور لقضاء العرف بذلك عند التجرّد عن جميع قرائن المقام و ليعلم أنّ الموضوع في هذه المسألة غير الموضوع في البحث عن مدلول الأمر مطلقا لأنّه يعمّ صيغة افعل و ما في معناها كما مرّ و الظّاهر اختصاص موضوع هذه المسألة بخصوص الصّيغة فلا يجري في أسماء الأفعال قطعا و لو قلنا بدخولها تحت ذلك النزاع و أمّا الأمر الغائب فإطلاق العناوين يشمله لكن يمكن القول بخروجه أيضا لأن استعماله في الإباحة بعد الحظر ليس على حدّ استعمال الصّيغة فيها و كذا الظّهور الّذي ادّعاه القائلون بالإباحة لعلّه ليس على وتيرة واحدة في الموضعين و يؤيّده أيضا ظاهر عنوان العضدي حيث جعله في خصوص صيغة افعل بعد الحظر و دعوى أنّ صيغة افعل اصطلاح لمطلق الأمر و لو كان باللاّم غير ثابتة كما مرّ الكلام فيه في المسألة السّابقة إلاّ أنّ الأظهر مع ذلك دخوله في محل النزاع و المراد بالوقوع بعد الحظر صدوره لفظا بعد الحظر الواقع فمثل صلاة الحائض و النفساء بعد الحيض و النّفاس خارجة عن محلّ الكلام لأن وجوبها عليهما ليس بأمر حادث بعد انقضاء زمان الحيض و النفاس بل بنفس الأمر الأوّل الّذي اقتضى وجوبها عليهما في جميع الأزمان و خروج بعض الأزمنة عن تحت العام الأزماني لا يقدح في تناوله للأزمنة المتأخرة و لا فرق في الحظر بين كونه محققا أو متوهّما و لا بين كونه شرعيّا أو عقليّا خلافا لظاهر الكلّ أو الجلّ حيث استدلّ للقول بالوجوب بمقايسة الأمر الواقع بعد الحظر الشّرعي اللّفظي للأمر الواقع بعد الحظر العقلي (أجيب عنه) بإبداء الفارق فظاهر الاستدلال و الجواب التّسالم على خروج الحظر العقلي و الّذي يقتضيها التأمّل أنّه لا فرق بينهما إذا كان مصبّ الأمر و متعلّقه نفس عنوان المحظور العقلي فعلى المختار لا يدلّ إلا على الرّخصة المطلقة و أمّا إفادة الأمر بالعبادة الوجوب مع ورودها في مقام الحظر العقلي نظرا إلى حرمتها من دون الأمر بها كأنّما هي لعدم تعلّق الأمر بنفس المحظور العقلي لأنّ متعلّق الأمر إنّما هي الصّلاة مع قطع النّظر عمّا سواها و هي بهذا الاعتبار ليس موردا للحظر العقلي بل باعتبار كونها تشريعا محرما فاختلف جهتا الأمر و النّهي و من البيّن أنّه إذا اختلف جهتاهما كان حال الأمر الواقع بعد الحظر نظير الأمر الابتدائي في دلالته على الوجوب و السّر فيه أنّ وقوع الأمر بعد الحظر إنّما يكون سببا للوهن في ظهوره في الحتم و الإلزام بملاحظة كون الأمر من الطّرق المتعارفة في إنشاء الرخصة بعد النّهي فيظن من ذلك سوق الأمر لأجل إنشائها خاصة من غير تعلّق الغرض بإفادة كونها في ضمن الوجوب أو في غيره و من البيّن أنّ اختلاف مورد النّهي عن مورد الأمر يمنع عن هذا الاستظهار النوعي و لا فرق في الاختلاف القادح بين كونه على وجه التباين أو العموم و الخصوص المطلقين فلو كان المأمور به أخصّ من النّهي عنه لم يفد أيضا الوجوب لأنّ المأمور به إذا كان مشتملا على خصوصية زائدة على المنهيّ عنه كانت تلك الخصوصيّة كالموضوع الابتدائي من حيث اقتضاء الأمر بها الوجوب بمقتضى الوضع الأصلي إذ المفروض عدم اشتمال متعلّق النّهي السّابق لهذه الزّيادة و من هنا يظهر أن جعل مثال اخرج من المحبس إلى المكتب نقصا على منكري دلالته على الوجوب أجنبيّ عن المرام كما صرّح به المحقّق القمّي (رحمه الله) فما ذكره بعض المحققين في تزييف ما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) من كون الخروج إلى المكتب فردا من أفراد الخروج المطلق المنهي عنه و بذلك يندرج المثال تحت المسألة نظرا إلى اتحاد متعلّق الأمر و النّهي مصداقا و إن اختلفا مفهوما غير سديد ثم الظّاهر أنّ النزاع في الدّلالة إلا في الوضع إذ لا وجه للقول بمغايرة وضع الصّيغة هنا لوضعه في الأوامر الابتدائية و لعلّه ممّا لم يدعه أحد فما يتراءى من بعض عناوين المسألة في كلام المتأخّرين من الاختلاف في الوضع أو المجاز مبني على المسامحة في العبارة إذا تقرر ذلك فقد استدلّ في‏

التهذيب على القول بالوجوب بأنّ المقتضي و هو الوضع موجود و المانع مفقود قيل إذ ليس هو إلا كون الوجوب ضدّا للحرمة السّابقة و هو غير صالح للمنع لأنّ الانتقال عن أحد الضدّين إلى الآخر أمر جائز و لو كان أمرا غير جائز بطل القول بالإباحة أيضا و هذا الاستدلال متين جدّا إذا فرضنا الشكّ في كون الورود عقيب الحظر قرينة صارفة لكنا ندعي أنّه قرينة صارفة نظير الشهرة في المجاز المشهور من غير فرق (ثمّ) إن بنينا على المختار فهو قرينة صارفة و معيّنة للمجاز و هي الرخصة و إن بنينا على التوقف فهي صارفة خاصّة فيكون الفرق بين ما نحن فيه و بين المجاز المشهور على القول بالتوقف هو أنّ الشهرة قرينة معيّنة هناك و الوقوع عقيب الحظر قرينة صارفة محضة فلا بدّ في تعيين أحد الأحكام الثلاثة من التماس قرينة أخرى و لا يبعد كون تعليق الأمر بزوال علّة النهي من جملة قرائن عود الحكم السّابق كما مال إليه العضدي ناقلا عن بعض و من جملة القرائن أيضا اشتمال الأمر على نحو من التأكيد بشي‏ء من أدواته فإن ذلك ربما يعدّ قرينة على إرادة الوجوب إذ الإذن الموجود في الاستحباب و الإباحة لا يناسبه التأكيد ثمّ على‏

241

تقدير التنزل و المماشاة و تسليم عدم كون الورود عقيب الحظر قرينة صارفة نقول يثبت المدّعى و هو الرّخصة المطلقة بوجه آخر و هو منع اقتضاء الوضع لظهور الوجوب هنا لأنّه إنّما يكون مقتضيا لظهور الموضوع له عند عدم مصادمة ظهوره النوعي شيئا آخر له ظهور عرفا في إرادة خلاف الموضوع له و أمّا مع ذلك فغاية الأمر الإجمال و دوران المراد بين الأحكام الأربعة فمرجعه إلى التوقف و هذا أصل مطّرد قد سبق تحقيقه في المجاز المشهور حيث (قلنا) إنّ شرط التمسّك بأصالة الحقيقة عدم احتفاف اللفظ بحال أو مقال صالح لتعويل المتكلّم عليه في إفادة المعنى المجازي و قد ذكرنا له أمثلة مثل المعرّف بلام الجنس إذا صدر بعد معهودية بعض الأفراد و غير ذلك ممّا لا يخفى على الخبير العارف بالمحاورات و قد استدلّ أيضا بأنّ الحائض و النفساء مأمورات بالعبادة مع ورود الأمر بها بعد الحظر و بالتبادر في قولهم اخرج من المحبس إلى المكتب و بأنّ الحظر الشرعي كالحظر العقلي فكما أنّ الوارد عقيب الحظر العقلي يدل على الوجوب كذلك الواقع بعد الحظر الشرعي و أجوبة هذه كلّها قد ظهرت ممّا ذكرنا في تحرير محلّ النّزاع (بقي شي‏ء) و هو أنّ النهي الوارد عقيب الأمر هل هو أيضا لا يفيد سوى الإذن في الترك أو أنه يفيد التحريم و لو قلنا بعدم إفادة الأمر الواقع بعد الحظر الوجوب و ربما يقال إن حال النهي و الأمر على حدّ سواء و الظّاهر أنّه ليس كذلك خلافا لبعض الأعلام بل النهي يفيد التحريم مطلقا على القول به إذ لا معنى لحمله على الإباحة و لا على الاستحباب و لا على الكراهة في خصوص المقام كما لا يخفى و إنّما صار المتوقف إلى الرّخصة في الأمر الواقع بعد الحظر باعتبار قيام احتمال كون المراد بالصّيغة الإباحة الخاصّة لكثرة ورودها مستعملة على هذا الوجه مطلقا و في خصوص موارد وقوعها بعد الحظر بالاعتبار ظهورها في الرّخصة المطلقة المجرّدة عن بعض الخصوصيّات بأن يكون المستعمل فيه هذا المفهوم العام بين الأحكام الأربعة و من الواضح أنّ احتمال استعمال النهي في الإباحة الخاصّة ممّا لا مسرح له في الاستعمالات الواصلة لا في خصوص الواقع منه بعد الأمر و لا في غيره هذا على القول بالتوقف و أمّا على ما اخترنا من ظهور صيغة الأمر في نفس هذا المفهوم العام أعني الرخصة فلا يرد مثل ذلك في طرف النهي أيضا إذ استعمال صيغة لا تفعل في الإباحة المطلقة أيضا كما ترى بعيد عن مجاري استعمالاتها في المحاورات نعم احتمال الكراهة قائم هنا لكنه ممّا لا سبيل إلى دعوى ظهورها فيها بقرينة تعقيبها للأمر إذ لا شهادة له على الكراهة بوجه كما لا يخفى و لذا لم يلتفت إلى احتمال الاستحباب في الأمر الوارد عقيب الحظر من يلتفت إلى مقالته لا يقال النواهي الواردة في مقام الوجوب كثيرا ما يحمله الأصحاب على مجرد نفي الوجوب و من ذلك ما ورد في المرأة الّتي حاضت بعد أن كانت جنبا من النهي عن غسل الجنابة معلّلا بأنّه قد جاء ما يفسد الصّلاة فحملوه على نفي الوجوب دون التحريم و من ذلك قوله (عليه السلام) إذا استيقنت أنّك توضأت فإيّاك أن تحدث وضوءا حتّى تستيقن أنّك أحدثت ضرورة عدم حرمة الوضوء للشّاك في الحدث مطلقا فلا وجه لما ذكر من الفرق بين الأمر و النّهي في هذا المقام و لعلّه إذا ذهب بعض الأعلام إلى أنّ النّهي المتعقب بالأمر لا يفيد أيضا سوى الرّخصة في الترك على ما نقل عنه (لأنّا نقول) الكلام في النواهي الشرعية دون الإرشادية و النواهي المتعلّقة بالعبادات خصوصا الطّهارات كلها إرشادية فيخرج عن المتنازع فيه النّهي في الحديث الأوّل فإنّ النّهي عن الاغتسال فيه إرشاد إلى فساده و عدم ترتب الفائدة عليه و مثله خارج عن هذه المسألة و أمّا النّهي في الحديث الثاني فهو و إن لم يكن للإرشاد نظرا إلى صحّة الوضوء و ترتب الثواب عليه عند الشكّ في الحدث لكن لا بدّ من حمله على التشريع بأن يأتي بالوضوء قاصدا للوجوب و يؤيّده التعبير بلفظ إياك دون النّهي إذ قد عرفت أن ظاهر العناوين و الأدلّة في هذه المسألة لا تنطبق على أسماء الأفعال و اللّه العالم بحقائق الأحوال‏

السّادس‏

أنّك قد عرفت أنّ الوجوب النفسي العيني التعييني المطلق يستفاد من إطلاق الصّيغة و تجرّدها عن التقييدات الموجودة في أضداد هذا الوجوب أعني الغيري و الكفائي و التخييري و المشروط و هذا إنما يناسب الألفاظ الموضوعة بإزاء الماهيّات المطلقة الكلّية القابلة للإطلاق و التقييد لا فيما هو من قبيل الحروف في عموم الوضع و خصوصيّة الموضوع له كالصّيغة الّتي هي من الأفعال الموضوعة كذلك بإزاء النّسب الجزئية القائمة بأطراف خاصّة في ضمن التراكيب الجزئية فإنّ مورد استعمال هذه الطائفة لا بدّ أن يكون جزئيا حقيقيا من جميع الجهات على ما سبق تحقيقه في مبحث الأوضاع و حسم هذا الإشكال بأحد وجوه (أحدها) أن يقال إنّ المستعمل فيه لهذه الألفاظ لا يلزم أن يكون جزئيا حقيقيا بل يجوز أن يكون إضافيّا كما ذهب إليه جملة من الأعلام منهم شيخ المحققين في هداية المسترشدين (و ثانيها) أن يقال إن استعمالها في الخصوصيّات لا يراد به استعمالها في نفس الخصوصية بل إنما يراد به أن يكون مورد الاستعمال خاصّا و جزئيّا حقيقيا سواء كانت الخصوصيّة مرادة من نفس اللّفظ أو من الخارج بأن يرجع الاستعمال في الخصوصية إلى نحو إطلاق الكلّي على الفرد كما سبق أنّ هذا هو المختار للشيخ المذكور في بيان استعمال الصّيغة في القدر المشترك (و الثالث) أن يلاحظ الإطلاق و التقييد بالقياس إلى المأمور به دون الأمر و هذا في غير الوجوب المطلق و المشروط لا إشكال فيه و أمّا فيهما فبأن يقال إنّ إطلاق الأمر بالحجّ مثلا عبارة عن مطلوبيّة الحج المطلق و تقييده بالاستطاعة مرجعه إلى طلب الحج المقيد بكونه بعد حصول الاستطاعة فالإطلاق و التقييد يلاحظان في المأمور به و إلاّ فنفس مدلول الأمر طلب جزئي حقيقي و ليس طبيعة كلّية مطلقة حتّى يتمسك بإطلاقها بل هو نظير ما لو علمنا بطرو التقييد على قولنا أعتق رقبة و لم ندر ما المقيد أ هي المؤمنة أو الكافرة فكما لا إطلاق هنا كذلك لا إطلاق فيما نحن فيه و هذا أوجه مما في الأولين من المناقشات الّتي أسلفناها سابقا مضافا إلى ما في الأوّل من عدم ارتفاع الإشكال بمجرّد كون المستعمل فيه الصّيغة جزئيا إضافيّا لأنّ ذلك إنّما هو بالقياس إلى متعلق النّسبة و كون المتعلّق جزئيا إضافيا لا يجدي في المقام شيئا إذ المجدي أن يكون المعنى المستعمل فيه من حيث كونه طلبا كلّيا قابلا للإطلاق و التقييد لا أن يكون كلّيته باعتبار تعلّقه بأمر كلّي كالضرب مثلا إذ لا منافاة بين الكلّية بهذا الاعتبار و بين كونه جزئيا حقيقيّا من حيث كونه مطلقا أو مشروطا نفسيّا أو غيريّا و هكذا هذا و التّحقيق في رفع الإشكال أن يقال إنّ المراد بإطلاق الطّلب تجرد اللّفظ الدال عليه عن قرينة التّقييد و هو يكفي في نفي احتمال الاشتراط أو شي‏ء من التقييدات و لا يتوقف هذا النّفي على إحراز قابلية استعمال الصّيغة في الطّلب المطلق الجامع بين الواجب المشروط و المنجّز بل لو علمنا بانحصار المستعمل فيه في أحد الفردين مثلا صحّ لنا الاحتجاج على التنجيز بتجرّد اللّفظ عن قرينة الاشتراط و إن كان التّنجيز في معنى القيد لجنس الطّلب الصّادق على المشروط و المنجّز قد تمّ الجزء الثّاني و يتلوه الجزء الثالث إن شاء الله بيد أقلّ الطّلبة أبو القاسم في الرّابع و العشرين من محرّم الحرام‏

242

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ (المقصد الأوّل) من المقاصد الخمسة فيما يتعلّق بأحوال مشتركات الكتاب كالأمر و النّهي و المفهوم و المنطوق و المطلق و المقيّد و العام و الخاصّ و المجمل و المبيّن ففيه مطالب (المطلب الأوّل) في الأوامر و النواهي و قبل الشّروع في المقصود ينبغي التّنبيه على مقدمة و هي أنّ جمع الأمر على الأوامر ليس جريا على القياس إذ القياس المطّرد في جمع الفعل هو الفعول فيقتضي أن يجمع الأمر على الأمور كما نصّ عليه في القاموس و النهاية و غيرهما فلا بدّ إمّا من حمله على السّماع أو من ذكر توجيه يجريه مجرى القياس و قد تصدى بعض المحققين لتوجيه ذلك على الوجه الّذي ينطبق على القياس بما حاصله أنّ الأوامر جمع آمرة بتقدير كلمة آمرة و كذلك النّهي و ذلك من قبيل استناد الشي‏ء إلى الآلة توسّعا في الإسناد الّذي هو شائع متعارف في محاورات العرف و اللّغة كقولهم أنبت الرّبيع البقل و جرى الميزاب و نحوهما فيجري ذلك مجرى القياس و يكون الجمع إذا على القاعدة و فيه (أوّلا) أنّ المجاز على ما اتفق عليه أهل اللّغة لا يجمع أبدا و لم أجد منهم من فرق بين المجاز في الكلمة و المجاز في الإسناد بل عبائرهم في ذلك مطلقة فإطلاق كلامهم و عدم تعرضهم لبيان الفارق يقتضي عدم مجي‏ء الجمع من المجاز مطلقا و لعلّه من هنا ذهب جماعة إلى أنّ الجمع من علائم الحقيقة و إن كنا أبطلناه سابقا عند ذكر علائم الحقيقة في مباحث الحقيقة و المجاز وفاقا لكثير إلاّ أنّ الابتناء في مثل ذلك على المسألة الخلافية ممّا لا وجه له إذ الوجه إنّما هو بصدد تصحيح استعمالات الفقهاء و الأصوليّين فلا يتمشى التوجيه المذكور في تلك الاستعمالات على كثرتها (و ثانيا) أنّ ارتكاب التجوّز له مقامات يطلب منهما البلاغة و ليس المقام منها فلا وجه للعدول من الحقيقة الّتي هي الأصل في الإفادة إلى المجاز المحتاج إلى سبب طار فالتوجيه المذكور ليس في محلّه و أردّ منه ما هو المحكي عن الآمدي في الأحكام من جعل الأوامر جمعا للأمور فيكون جمع الجمع لما فيه من التعسّفات و التكلّفات ما لا يخفى (أحدها) أنّ جمع الجمع ليس بقياس مطّرد كما قاله الرّضي و حكاه عن سيبويه و غيره بل يقال فيما قالوا بمعنى أنّه يقتصر على المسموع و ما سمع جمع الأمور على الأوامر (و ثانيها) أنّه غير منطبق على المقام إذ ينبغي أن يكون المراد بالأوامر حينئذ غير القول المخصوص بل العقل و الشّأن و الصّفة و نحوها و ليس كذلك (و ثالثها) أنّ الأوامر إن كان جمعا للأمور فيقتضي أن لا يصدق على أقلّ من تسعة و هو كما ترى لأنّ الجمع ما يدلّ على آحاد في جنسه (و رابعها) بأنّ كون الأوامر جمعا للأمور يستلزم نقل كلّ من الواو و الميم إلى مكان الآخر و هذا نحو آخر من التعسّف و قد يتوهّم أنّ الأوامر و كذلك النواهي جمع للآمرة و الناهية لأنّهما أحد مصادر أمر و نهي على ما نصّ عليه بعض أهل اللّغة فيكون قياسيّا من دون حاجة إلى ارتكاب تجوّز و فيه أنّ المصدر كاسم الجنس لا يثنى و لا يجمع كما صرّح به في الصّحاح و الرّضي و السيد المرتضى فيقتصر في جمع المصدر على المسموع كما في الجمع و لم يسمع الأوامر جمعا للآمرة مع أنّ جمع المصدر إنّما هو بلحاظ حال الفاعل و كذلك التثنية و ليس الملحوظ في إطلاقات الأوامر و استعمالاتهم لها حال الآمرين كما لا يخفى فالمتعيّن حينئذ حمل الأوامر بالمعنى المقابل للنّهي و كذلك النّواهي من النّهي على السّماع و دعوى أنّه من الأغلاط المشهورة غلط صرف لبعد ذلك عن حاجة جلالتهم لا سيّما عن مثل صاحب المعالم الّذي يعد من أئمة اللّغة و كذلك المحقق القمّي (رحمه الله) و خصوصا مع وروده في الخطب و الأدعيّة المأثورة من أهل بيت العصمة يشهد عليه أيضا ما في الصّحاح الأمر واحد الأمور يقال أمر فلان مستقيم و أموره مستقيمة (ثمّ) قال و أمرته بكذا أمرا و الجمع الأوامر فجمع الأمر على الأوامر لا إشكال فيه من هذه الجهة نعم قد يورد على صاحب المعالم و المحقق القمّي (رحمه الله) و من تبعهما في التعبير عن عنوان البحث بالأوامر بأنّ العدول من المفرد إلى الجمع لا ينبغي إلا إذا كان الآحاد مختلفة في الأحكام الّتي تعلّق الغرض ببيانها و ليس الأفراد و الأنواع المندرجة تحت مادة الأمر كذلك‏

243

فلا وجه للتعبير عن موضوع الباب بالأوامر بل الصّواب ما في التهذيب عن التعبير بالأمر و النّهي مفردين ثم إنّ المسائل المتعلّقة بالباب هل هي من المسائل لهذا الفنّ أو من المبادي منه وجهان مبنيّان على موضوع علم الأصول فإن كان هو ألفاظ الكتاب و السّنة فالأوّل و إن كان المعاني فالثّاني و على كلّ تقدير لا فرق بين مبحث المشتق و غيره من المبادي اللّغوية و بين مسائل هذا الباب و باب النواهي بل باب العام و الخاصّ و المطلق و المقيّد و سائر ما جعلوه من مقاصد الأصول من مباحث الألفاظ (و توجيه) بعض بأنّها بشدّة الاحتياج إليها كأنّها صارت من المسائل كما ترى و أيضا يشكل عليهم بأنّ مسائل العلم ما يبحث فيها عن العوارض لموضوعه لذاته أو لجزئه الأخصّ أو لأمر مساو و أبحاث الأمر و النّهي عارضة لألفاظ الكتاب و السّنة باعتبار جزئه الأعمّ أعني جنس الأمر و النّهي و لتحقيق ذلك و تمام الكلام فيه محلّ آخر و من أراد الاطّلاع على بعض ما في المقام فعليه الرجوع إلى ما أسلفناه في مقدّمة الأولى من الكتاب و لقد أجاد صاحب المعالم حيث ذكر مسائل الأصول و مبادي الفقه المذكورة في الأصول كلّها مقدّمة للفقه و إذا عرفت هذا فلنشرع في المقصود و الكلام هنا في مطالب بعضها متعلّق بلفظ الأمر و بعضها متعلّق بمعناه و بعضها متعلّق بكلتا الجهتين و تفصيل ذلك كلّه يذكر في طيّ بدائع إن شاء الله تعالى‏

بديعة [الكلام في ذكر معاني لفظ الأمر]

لفظ الأمر أي أ م ر جاء في العرف و اللّغة على معان عديدة (منها) القول المخصوص و هذا متّفق عليه (و منها) الطلب ذكره صاحب الفصول و السّيد المحقق الكاظمي (و منها) الشأن و من ذلك قوله تعالى‏ وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (و منها) الفعل و الصّنع نحو قوله تعالى أ تعجبين من أمر اللّه (و منها) الصّفة حكي عن المحقق في المعارج (و منها) الحادثة نصّ به في القاموس (و منها) الغرض كقولك جئتك اليوم لأمر (و منها) الشي‏ء كقولك شغلني أمر (و منها) القدرة و قيل إنّه مثل قوله تعالى‏ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ* (و منها) الفعل النحوي الخاصّ في مقابل الماضي و المضارع و لا يعتبر في هذه الاستعمالات دلالته على الطّلب و هذا هو الفارق بينها و بين المعنى الأوّل و هو القول المخصوص و كلّ هذه يمكن درجها تحت جامع واحد سوى الأوّل كما يتضح لك أيضا و يقع الكلام تارة في بيان معنى الحقيقي المقصود بالبحث هنا و أخرى في أنّ الأمر هل هي مشترك لفظا بينه و بين المعاني المذكورة على كثرتها أو مشترك معنى أو حقيقة في البعض و مجاز في الباقي أمّا الكلام في الجهة الأولى فاختلفوا بعد اتفاقهم على أن الأمر المقصود للأصوليين المقابل للنّهي بل لا يخلو من أحد المعنيين الأوّلين فمنهم من جعله حقيقة في مطلق الطّلب سواء كان مستكشفا من القول أو الإشارة أو الكتابة و مجازا في القول كما في الفصول و منهم من جعله حقيقة في كلّ من القول و الطّلب كالسّيّد المحقق الكاظمي و منهم من جعله حقيقة في القول ساكتا عن الطّلب و هو المصرح به في كلمات الكلّ بل ادعى جماعة من المحقّقين عليه الإجماع و منهم من جعله حقيقة في القول الدّال على الطّلب لا القول المجرّد صرّح به في التهذيب و وافقه المحقق القمّي (رحمه الله) و الّذي يقتضيه التحقيق بعد إمعان النظر في كلماتهم أن كلاّ من القول و الطّلب مأخوذ في معنى الأمر فيكون كلّ واحد جزءا للموضوع له و تمامه هو القول الدّالّ على الطّلب أو الطّلب الحاصل بالقول لا القول المجرّد بمعنى نفس الصّيغة و لا الطّلب المجرّد أمّا اعتبار القول في معناه فلأن الأمر عرفا و لغة من سنخ الكلام كالكذب و الصّدق و لو كان حقيقة في الطلب المطلق و لم يكن القول معتبرا في حقيقته لزم خروجه عن سنخ الكلام و هو واضح مع أنّه يلزم أن يكون مجازا في القول المخصوص و هو خلاف صريح إجماعاتهم على أنّه حقيقة فيه فإن جماعة من المحققين ادعوا الإجماع على ذلك و تخطئتهم بأجمعهم بعيد عن الصّواب حيث إنّهم كانوا عالمين بموارد الاستعمالات و هم من أهل العرف و اللّغة كيف يخفى عليهم الأمر في ذلك و أمّا اعتبار الطّلب فيه فلأنّ الأمر الّذي تعلّق به غرض الأصولي البحث عنه هو ما يصحّ منه التصريف و الاشتقاق كأمر و يأمر و آمر و مأمور به و ذلك لا يستقيم إلا باتّخاذ الطّلب في مدلوله شرطا أو شطرا فإن القول المجرّد بمعنى الصيغة و إن شاع في اصطلاح النحويّين إلاّ أنّه معنى جامد غير قابل للتصريف و الاشتقاق و ذلك لا يتم إلا بإشراب معنى حدثي فيه بأن يراد منه الطّلب بالقول و إليه يرجع المعنى العرفي المدّعى عليه الإجماع من أنّه القول المخصوص يعني الكاشف عن الطلب كما يظهر من مطوى كلماتهم و صرّح به بعض و من ذلك ظهر أن صاحب الفصول من جعله الأمر حقيقة في مطلق الطلب الشامل للطلب بالإشارة و مجازا في القول و إن كان دالاّ على الطّلب قد أخطأ في كلّ من طرفي الإثبات و النفي من جهة و أصاب من جهة فمن جهة إخراجه القول المجرّد عن حقيقة الأمر أصاب و كذا في منعه خروج مطلق الطّلب الشامل للطّلب بالقول عن حقيقة الأمر أيضا و من جهة جعله الأمر حقيقة للطّلب الشامل بغير القول أخطأ و كذا في منعه كونه حقيقة في القول المخصوص و إن دلّ على الطّلب لما عرفت من أنّ الطلب الغير الحاصل بالقول خارج عن مدلول الأمر و عن حقيقته عرفا و لغة و أنّه في القول الدّال على الطّلب حقيقة عرفا و لغة بل إجماعا (و الحاصل) أنّ مطلق القول المخصوص من غير تقييده بكونه دالا على الطّلب أجنبيّ لا ربط له بحقيقة الأمر عرفا و لغة كما أنّ إخراج مطلق الطّلب الشّامل للطلب بالقول عن حقيقة الأمر ممّا لا وجه له فالقول بكونه حقيقة في الطّلب القولي أو القول الدّال على الطلب جمع بين مقالة المشهور المدّعى عليه الإجماع و مقالة صاحب‏

الفصول فإن ما لم يذكروه المشهور هو الطلب‏

244

الصّرف و هو الحاصل بغير القول و ما منعه في الفصول هو القول الصّرف فيبقى القول الدّالّ على الطلب الّذي عبّروه بالقول المخصوص مشمولا للكلامين و بهذا يحصل المحاكمة بين صاحب الفصول و بين المشهور فما صنعه المحقّق القمّي (رحمه الله) من تفسير الأمر بالطّلب القولي اعتبارية محضة و مجمع للمقالتين كما أنّ ما صنعه السّيد المحقق الكاظمي بعيد عن الصّواب هذا ما يتعلّق بالجهة الأولى و أمّا الجهة الثانية و هو أنّ الأمر هل هو مشترك بين المعاني المذكورة لفظا أو معنى أو حقيقة و مجاز فاختلفوا فيها على أقوال (أحدها) أنه حقيقة في القول المخصوص و فيما عداه مجاز عزي إلى الشيخ و العلاّمة و العميدي و الشهيد الثاني و غاية المبادي و البيضاوي و العبري و الأصفهاني و الحاجبي و العضدي و نسبه الفخر إلى الجمهور و في المنية و بعض شروح الزبدة إلى المحقّقين و العضدي إلى الأكثر (و ثانيها) أنّه مشترك بين القول و الفعل نسبه إلى علم الهدى و جماعة من الفقهاء و قيل إنّه لكافة العلماء (و ثالثها) أنه مشترك بين القول و الشّأن و الشّي‏ء و الصّفة و الطّريق حكي عن المحقق في المعارج (و رابعها) كذلك بتبديل الأخيرين بالفعل عن البصري (و خامسها) أنّه حقيقة في القدر المشترك بين القول و الفعل منقول من الآمدي (و سادسها) أنّه مشترك بين القول المخصوص و الأدلّة العقلية على وجوب الأفعال عزي إلى البغدادي (و سابعها) أنّه مشترك بين الطّلب و الشّأن صرّح به في الفصول (و ثامنها) أنّه مشترك بين المعنى المصدري و الاسمي و عني بالأوّل التكلّم بالقول المخصوص و الثاني القول و الفعل على سبيل الاشتراك لفظا أو معنى ذهب إليه الفاضل النراقي (و تاسعها) أنّه مشترك لفظا بين القول المخصوص و القدر الجامع بين سائر المعاني المذكورة و هو مختار بعض المحققين من متأخري المتأخرين و هو المختار و قبل الشروع في حقيقة الحال لا بأس إلى مقدّمة ينبغي الالتفات إليه على سبيل الإجمال تسهيلا للمقال (و هي) أنّ القاعدة في معرفة أوضاع الألفاظ فيما إذا وجد لفظ مستعمل في معان عديدة لا يمتاز الحقيقة منها عن المجاز و لا المجاز عن الحقيقة هي الرّجوع إلى الطّرق العلميّة المقررة لأوضاع الألفاظ و هي علائم الحقيقة كالتّبادر و الاطّراد و عدم صحّة السّلب فإن لم تكن فالمرجع هي الطّرق الظنّية و هي الاستعمال و قول العدل و مطلق الظّن إن قيل باعتباره في بيان الأوضاع حال الانسداد كما عليه المشهور و في اعتبار التعدّد في قول العدل و عدمه وجهان مبنيان على أنّ اعتباره هل هو من باب التعبّد أو الظّن فإن لم تكن فالمرجع هو الأصل و إن كان اعتباره من باب الظّن ففي ترتبه على الظنّ إشكال و ذلك لعدم ترجيح أحد الظنّين على الآخر و تحقيق ذلك موكول إلى محلّ و مقام آخر و إذا عرفت ذلك (فاعلم) أنّه قد يقال إنّ الاشتراك المعنوي أولى من المجاز و الاشتراك لاستلزامهما من المخالفة للأصل أكثر ممّا يستلزمه الاشتراك المعنوي بيان ذلك أنّه متى دار الأمر بين شيئين أو أشياء الاشتراك اللّفظي و الاشتراك المعنوي و الحقيقة و المجاز ينظر فكلّما يكون الحوادث اللاّزمة لتحقق ماهيّة أكثر كان الأولويّة في الجانب الآخر إذ عروض هذه الحوادث و حدوثها في المستعمل فيه منفي مخالف للأصل و بذلك يثبت رجحان الطّرف الآخر الغير المستلزم لها كلاّ أو بعضا و لما كان المجاز لا بدّ فيه من ملاحظة المعنى المستعمل فيه و العلاقة المصحّحة للتجوّز و القرينة الكاشفة عن كون المستعمل فيه مجازا و ملاحظة الوضع و لا يستلزمها الاشتراك المعنوي و لو بعضا ثبت أولويته من المجاز و أمّا من الاشتراك اللّفظي فهو واضح لمكان احتياجه إلى تعدّد الوضع المنفي بالأصل و لذا كان المجاز أولى منه أيضا و فيه أن الأولوية المذكورة بالوجه المذكور ممنوع (أمّا أوّلا) فلعدم تسليم اختصاص الحوادث المذكورة بالمجاز بل ندعي أن الاشتراك المعنوي أيضا مستلزم لها أمّا ملاحظة المعنى المستعمل فيه فواضح إذ لا يعقل أن يستعمل متكلّم لفظا في معنى من غير أن يلتفت إلى ذلك المعنى و لا فرق في هذا بين الحقيقة و المجاز كما لا يخفى و أمّا العلاقة المصحّحة للاستعمال فلأن قاطبة الاستعمالات في المحاورات لا بدّ و أن تكون مستندة إلى شي‏ء من الوضع أو العلاقة فإن كان المستعمل فيه ممّا وضع له اللّفظ بخصوصه فمصحّح الاستعمال هو نفس الوضع من غير حاجة فيه إلى ملاحظة شي‏ء و إن كان غير ما وضع له بخصوصه فلا بدّ من ملاحظة النّسبة بينه و بين المعنى الموضوع فإن كان أمرا متباينا للموضوع‏

له فلا بدّ أن يكون مناسبا له فبدون ملاحظة المناسبة المصحّحة للتجوّز لا يجوز الاستعمالات لأنّ الاستعمالات مبنيّة على الأوضاع و المناسبات لا الاقتراح و المجازفات و إن كان من قبيل استعمال الكلّي في الفرد فلا بدّ من ملاحظة النّسبة فلو كان الاستعمال على سبيل تعدّد الدّالّ و المدلول أيضا إذ لا بدّ فيه من انطباق المستعمل فيه للموضوع له و هو الكلّي من دون ملاحظة الكلّي و نسبة الفرد إليه حتّى لا يكاد ينطبق المستعمل فيه للموضوع و إن كان اللّفظ حقيقة فيه بهذا الاعتبار و أمّا القرينة فللاحتياج إليها دفعا للالتباس فإن قيل إنّ المجاز يحتاج إلى قرينتين الصّارفة و المعيّنة و لا كذلك الاشتراك المعنوي فلا حاجة فيه إلا إلى القرينة المعينة خاصة (قلت) لا حاجة بعد قيام القرينة المعينة إلى قرينة أخرى صارفة إذ بها ينصرف عن معناه الحقيقي أيضا و يحصل منها جهتي التعيين و الانصراف معا و لا ينفكّ أيضا تعدّد الجهة هنا و وحدة الجهة هناك إذ العبرة في الانتقال بالأصل بنفس الحادثة لا بالآثار

245

المترتبة عليها فالقرينتان في تلك سيّان و أمّا ملاحظة الوضع فلأنّه لو لم يلاحظ وضع اللّفظ في المفهوم الكلي كيف يصحّ استعماله في فرده و كيف يعلم أنّه استعمال حقيقي فإنّ استعمال الكلّي في الفرد لا بدّ من استناده إلى الوضع في نفس الكلّي و العلاقة الموجودة بينه و بين الفرد المستعمل حتّى ينطبق المستعمل فيه للكلّي الموضوع له (و أمّا ثانيا) بمنع حجّية أصل العدم و اعتباره في المقام و إن قلنا باعتباره في سائر الموارد بل و في بيان الأوضاع أيضا إذ هو هنا من الأصول الفرضية ضرورة إذ بناء المستعملين في موارد استعمالاتهم الشخصيّة في المحاورات ليس على ملاحظة هذه الحوادث و ما قلنا من استلزامهما لها و عروضهما عليها إنّما هو مختص بحال الالتفات فاحتمال عروض هذه الحوادث في المستعمل فيه إنّما هو على فرض الالتفات فرضي فالأصل المتعلّق به يكون أيضا فرضيّا و لا اعتبار بالأصول الفرضية و اختصاص ما دلّ على اعتبارها من بناء العقلاء و الإجماع بغير صورة الفرض و بالجملة فالأولوية المذكورة على الوجه المزبور ممنوعة صغرى و كبرى و قد يتشبّث في إثبات الأولويّة بغلبة الاشتراك المعنوي من المجاز بدعوى أن أكثر المكالمات في المحاورات من قبيل استعمال الكلّي في الفرد كما يشهد به التتبّع في موارد الاستعمالات و أنت خبير بأنّه على فرض تسليم الغلبة فهي غير معلوم الحجّية إذ هي إمّا أن يكون مدركها الإجماع و بناء العقلاء أو الظنّ و الأوّل ممنوع و الثاني على فرض اعتباره يخرجها عن كونها قاعدة كلّية جارية في جميع المقامات و يكون اعتبارها من باب الظنّ المطلق (ثمّ) إنّ هنا شيئا ينبغي التّنبيه عليه و هو أنّ الرّجوع إلى الأصل أو القاعدة في تشخيص الأوضاع إنّما هو في حال الشّك و في الألفاظ المأنوسة المتداولة لا مجال لاحتمال تحقق الشكّ فيها إذ لو سمع المخاطب لفظا مأنوسا في محاورات عرفه متداولا في استعمالات أهل لسانه لا يكاد يعقل أن لا يتحقق شي‏ء من علائم الحقيقة أو المجاز بل لا يخلو هناك عن شي‏ء منها فلا مجالة أمّا أن يكون هناك علامة من علائم الحقيقة من التبادر و عدم صحّة السّلب و الاطّراد و نحوها أو من علائم المجاز كتبادر الغير و صحّة السّلب نعم قد يتفق خلو اللّفظ عن تلك العلائم المذكورة و ذلك فيما إذا كان للّفظ معان عديدة فيتردد الذهن بين تلك المعاني و لا يكون هناك تبادر و لا تبادر الغير و لا صحّة السّلب و لا عدمها و الاطّراد و عدمه بل يتردّد الذّهن بين معان عديدة و لكن قد عرفت أن ترديد الذهن علامة الحقيقة لأنّه علامة الاشتراك و على هذا فيختصّ مجرى الأصول و القواعد المذكورة في الباب بألفاظ الغير المأنوسة للمخاطب كالألفاظ المتعارفة في محاورات قطر غير قطر السّامع مع عدم إمكان وصوله إلى المعارف بذلك الاصطلاح أو عصر غير عصره فيحتاج في فهمها من الرّجوع إلى النقلة و يتعارض النقلان كبعض الألفاظ الواردة في الكتاب و السّنة الغير المتداولة في عرفنا ممّا اختلف فيها نقلة الآثار أمّا الألفاظ المأنوسة المتداولة بيننا كالأمر و النّهي و صيغتهما و نحوها ممّا هو الشّائع في عرفنا فالرّجوع فيها إلى الأصول في غير محلّه و يفتتح ممّا ذكرنا أبواب الاعتراضات على جماعة من العلماء لا يخفى على العارف بكلماتهم و ظهر من ذلك كلّه فساد استنادهم لأولوية الاشتراك المعنوي عن المجاز على الأصل و الغلبة مضافا إلى ما عرفت من المنع صغرى و كبرى هذا مع أنا ندعي بطلان الاشتراك المعنوي هنا رأسا و عدم إمكان حمل اللّفظ عليه ضرورة إذ الاشتراك المعنوي يعتبر فيه وجود قدر جامع قريب بين الأفراد أعني مفهوما كلّيا قابلا لاندراج الأفراد فيه صالحا لوضع اللّفظ بإزائه مستعملا فيه اللّفظ و لو أحيانا و هو غير حاصل إذ الجامع المتوهّم إمّا أن يكون مفهوم أحدها أو الشّي‏ء و كلاهما ليسا بشي‏ء أمّا الأوّل فلضرورة أن استعمال لفظ الأمر في أحدهما لم يوجد قط و حينئذ فيكون استعمال لفظ الأمر في المعاني المذكورة على وجه الخصوصيّة مجازا بلا حقيقة (فإن قلت) إنّ استعمال الأمر في مفهوم أحدها و إن كان غير حاصل على وجه الاستقلال إلاّ أنّ استعماله فيه في ضمن المعاني المذكورة ثابت لأنّ الفرد متضمّن للقدر الجامع المشترك (قلت أوّلا) إنّ الاستعمال الضّمني لا يكفي في دفع المحذور إذ لا يعد ذلك من استعمال اللّفظ في القدر المشترك الجامع بين الأفراد فيكون من المجاز بلا حقيقة أيضا و استعمال اللّفظ في المعنى الموضوع له على هذا الوجه لم يقع في العرف و اللّغة بحيث لا يستعمل فيه أبدا إلاّ بهذا النّحو فالالتزام‏

بهذا لو لم يكن أشنع و أقبح من المجاز بلا حقيقة فهو بمثابة من الشباعة و الشناعة فإن أحدهما ليس سوى الأمر الانتزاعي المنتزع من الأفراد و ليس له ما به الإزاء في الخارج حتّى يوضع اللّفظ بإزائه فتدبّر (و ثانيا) إنّا نمنع أن يستفاد من استعمال الأمر في شي‏ء من المعاني المذكورة أن المستعمل فيه من مصاديق أحدها بل و لا يلتفت إليه المستعمل أصلا و لو كان عند العقل ينتزع منه ذلك أيضا و هو أمر ذهني خارج عن مدلول اللّفظي و سياق وضع الاستعمال و أمّا الثاني فهو و إن كان مستعملا فيه اللّفظ كثيرا مستقلا و لا مناقشة فيه من هذه الجهة إلاّ أنّه يرد عليه من وجوه أخر (أحدها) أنّ الأمر بمعناه الحدثي و هو الّذي يحصل فيه التصرّف و الاشتقاق لا يكاد يندرج تحت الشي‏ء إذ هو معنى جامد لا يصلح للاشتقاق منه فيلزم أن يكون الاشتقاقات كلّها باعتبار معناه المجازي و استقراء موارد الاشتقاقات يفيد القطع بأن الاشتقاق من خواص الحقيقة

246

و لذا عدّ من علائم الحقيقة (و ثانيها) أن مقتضى ذلك أن تكون القول المخصوص الّذي ينسبك منه معناه الحدثي و هو التكلم بالقول المخصوص مجازا و قد عرفت اتفاق الكلّ على أنه حقيقة (و ثالثها) أنّ اختلاف الجمع يكشف عن عدم اندراج القول تحت الشي‏ء فإن الأمر بمعنى القول المخصوص يجمع على الأوامر و بمعنى الشي‏ء يجمع على الأمور و لا يجمع أحدهما على ما يجمع عليه الآخر و توهم أن اختلاف الجمع إنّما هو باعتبار تعدد المصداق فاسد ضرورة إذ القول المخصوص مع إلقاء قيد الخصوصيّة لا يزيد مفاده عن نفس مفهوم الشي‏ء و الأمر بهذا المعنى يجمع على الأمور و مع ملاحظة الخصوصية فهو مجاز و المجاز لا يجمع إلا على ما يجمع عليه حقيقته و ذلك لأن المجاز بوضعه النوعي على نسق واحد و إنّما يختلف بالنّسبة إلى الموارد الشخصيّة و هي غير مضبوطة كما لا يخفى مع أنّ تغيير المعنى و تبديله بسبب مناسبة عارضة لا يوجب تغيير أوضاع الألفاظ المبنية كلّها على القياس و السّماع فالأسد المستعمل في الرّجل الشجاع لا يجمع إلا على ما يجمع عليه الأسد المستعمل في الحيوان المفترس و هو الأسد و الأسود و كذلك الأمر لو جعلناه حقيقة في مفهوم الشي‏ء و استعملناه في القول المخصوص مجازا منه يجمع على جمع حقيقته و هو الأمور (و الحاصل) أنّه لما كان جعل الأمر بمعنى الشي‏ء لا يلائم لجمعه على الأوامر في القول المخصوص سواء استعمل فيه على وجه الخصوصية أو لا لتعين القول بأن القول المخصوص خارج عن مفهوم الشّي‏ء غير مندرج تحته فيبطل من ذلك جعل الشي‏ء قدرا مشتركا جامعا بين القول المخصوص و غيره فتحصّل ممّا ذكرنا أنّه لو تغايرا جمعان يكشف منه أن مفردهما معنيان مستقلاّن بالاستعمال بل بالوضع أيضا كشفا قطعيّا فتغاير الجمع دليل الاشتراك اللّفظي و هذا حجّة على القائلين بأنّ الأمر حقيقة في القول المخصوص و مجاز في الباقي أيضا فإنّه لو كان الأمر بمعنى الشي‏ء مجازا من الأمر بمعنى القول المخصوص لكان الواجب أن يجمع على ما يجمع عليه حقيقته و هو الأوامر دون الأمور فتعدّد الجمع فيهما يكشف عن اشتراك لفظ الأمر بين ما يجمع على الأمور و ما يجمع على الأوامر و ربما ينضم إلى ذلك أن كثيرا ما ترى استعمال لفظ الأمر في المعاني المذكورة استعمالا شائعا سالما عن المنافرة الحاصلة في المجاز خاليا عن الحوادث اللاّزمة له من ملاحظة القرينة و العلاقة و نحوهما و ذلك من آثار كونه حقيقة فيهما على وجه الاشتراك اللّفظي هذا مع أن القول بكونه حقيقة في القول و مجازا فيما عداه لا يخلو إمّا أن يؤدّي إلى كونه مجازا بلا حقيقة أو يندرج تحت حكم متحد المعنى الّذي ذهب فيه الأصحاب إلى تبعية السّيد المرتضى (قدّس سرّه) في أنّ الاستعمال دليل على الحقيقة بل و لا خلاف معتدّ به في ذلك بينهم بيان ذلك أنّ القائل بكون الأمر حقيقة في القول المخصوص و مجازا في ما عداه حذرا من وقوعه في محذور المجاز بلا حقيقة لا بدّ أن يقول بأنّه مجاز من القول أو من حقيقة أخرى غيره و أنت خبير بأنه على الأوّل لا علاقة بينهما ظاهرة مصحّحة للتجوّز عرفا و على الثاني فأقصى ما لعلّه يتصوّر حقيقة مهجورة مجهولة و حيث كان المهجور كالمعدوم لا سيّما بعد الجهل به فيكون حينئذ في حكم متّحد المعنى و يجري فيه الأصل المذكور و هو أنّ الاستعمال دليل على الحقيقة و إنما ذكرنا مماشاة للخصم و إلاّ فإنا نقطع بعدم حقيقة أخرى لمادة الأمر و ممّا أعجبني ذكره في المقام ما حكي عن بعض الأعلام من دعواه تحقق العلاقة بين القول المخصوص و بين ما عداه و أنّها مشابهة صدورهما عن الفاعل و اندراجهما في الدلالة على تسديد أغراض الإنسان و هي كما ترى لا يسمن و لا يغني إذ المشابهة المعتبرة المصحّحة للتجوّز إنّما هي المشابهة الظّاهرة أعني المشابهة الحاصلة بينهما في أظهر الأوصاف و أشهرها ليكون قريبا إلى الانفهام بحيث يخطر ببال كل أحد بمحض ما سمع اللّفظ لا المشابهة الّتي لا يكاد يلتفت إليه أحد الأوحدين بعد الالتفات و إطلاقه و حينئذ فالقول بالحقيقة و المجاز هنا في غاية الضّعف كما أنّ توهّم ثبوت الاشتراك للتبادر و الاطّراد أيضا كذلك و ذلك لمنع جريانهما في المقام أمّا التبادر فلاختصاص حصوله بمتّحد المعنى فإنّ المراد منه إنّما هو سبق المعنى المقصود للمتكلّم من اللّفظ عند العالم بالوضع و حضوره إلى ذهنه و يكون ذلك دليلا إنيّا للجاهل بالوضع على الحقيقة و كاشفا قطعيّا له عن الوضع إذ لو جعلناه دليلا للعلم به‏

فمع أنّه لا يحتاج إلى إعمال هذه العلاقة يستلزم الدّور و لا تخلص لنا منه (و كيف كان) فالتبادر بهذا المعنى لا يكاد يتحقق في متعدّد المعنى ضرورة إذ المخاطب العالم بالوضع إذا سمع من المتكلّم لفظا له معان عديدة خاليا عن القرينة الدّالّة على إرادة أحدها فلا ينسبق إلى ذهنه شيئا منها بل و يتردّد في المراد من اللّفظ الّذي خوطب به بينهما بناء على عدم جواز استعمال اللّفظ في المعنيين لعدم دلالته حينئذ على أزيد من معنى واحد و إذا فتعدد الموضوع له في المشترك و استواؤها في نظر المخاطب العالم بالوضع مانع من انسباق أحدهما بخصوصه كما لا يخفى بل يتردّد بينهما و من هنا ظهر الوجه في عدم اعتبار المتبادر في المشترك بل و يظهر منه أنّ ترديد الذّهن من علائم الاشتراك كما سنشير إليه عن قريب إن شاء الله و إذا عرفت ذلك كلّه (فاعلم) أن من يتمسّك بالتبادر لإثبات الاشتراك هنا لا يخلو إمّا أن يدعى تبادر أحد المعنيين أو كليهما فعلى الأوّل إن أريد منه تبادر مفهوم أحدهما فمع فساده رأسا لا يثبت إلا الاشتراك المعنوي كما لا يخفى و هو خلاف‏

247

المقصود المستدلّ و إن أريد منه مصداق أحدهما فهو ليس بتبادر بل هو ترديد الذهن فتسمية ذلك بالتبادر ليس جريا على مصطلح القوم و لعلّه من الخلط بين الأمرين و عدم امتياز أحدهما عن الآخر و على الثاني فلا يتمّ إلاّ على جواز استعمال اللّفظ الواحد في المعنيين و القول بظهور المشترك في جميع معانيه عند عدم ظهور القرينة المعينة و دونها خرط القتاد مع عدم التزام المستدلّ بهما أيضا و أمّا الاطّراد فلاختصاصه بالمبهمات و الهيئات و أشباهها ممّا كان الوضع فيه عاما و الموضوع له خاصا فإذا وجد أن هيئة فاعل كلّما يستعمل على المتلبّس بالمبدإ في ضمن أي مادّة كانت علم من ذلك أنّها موضوعة لذلك فلولاه لكان اللاّزم اختلاف الاستعمالات بحسب اختلاف الموارد و لا يجري ذلك في أسماء الأجناس و أسماء الأعلام و المجازات أمّا الأولان فالوجه في عدم جريانه فيهما واضح لا خفاء فيه و أمّا الأخير فلأن المجازات تختلف باختلاف العلاقة المصححة للتجوّز فإنّها غير مضبوطة إذ ربما يكون بعض العلاقة في بعض الموارد مصحّحا دون بعض الموارد الآخر و يكون بعض أنحاء المشابهة علاقة مصحّحة دون البعض الآخر و هكذا و لذا لا يتصوّر في المجاز الاطّراد أصلا لأنّه مبني على خصوصيّات الموارد و المقامات و بالجملة فالتمسّك بالتبادر و الاطّراد لإثبات الاشتراك في المقام ليس في محلّه فالوجه في إثباته هو ما ذكرناه و مقتضاه الاشتراك بين ما يجمع على الأوامر و ما يجمع على الأمور على الوجه الّذي عرفت مفصّلا (ثمّ) إن ما يجمع على الأوامر منحصر بالقول المخصوص و ما عداه يجمع على الأمور و حينئذ فيجوز البحث و الكلام في أنّ الأمر حقيقة في الجميع على سبيل الاشتراك و حقيقة في القدر الجامع بين الجميع أو مجاز في البعض أوجه بل أقوال أوسطها الأوسط لأولوية الاشتراك المعنوي عن الاشتراك اللّفظي و الحقيقة و المجاز أما أولويته عن الأول فواضح و أمّا عن الثاني فلوجهين أحدهما أنّ المجاز مخالف للأصل لا لما مر من أصالة العدم و الغلبة بل لأنّه يحتاج ثبوته إلى ترخيص من الواضع في كلّ لفظ بالخصوص و مجرّد تحقق العلاقة المأنوسة المتعارفة غير مسوغة للمجاز بل يحتاج مع ذلك إلى ترخيص الواضع لأنّ المجاز توقيفي لا بدّ فيه من السّماع و يكفي في ذلك مجيئه في استعمالات أهل اللّسان إذ هو كاشف عن ترخيص الواضع فكلّ لفظ لم ينفتح فيه باب المجاز في استعمالات أهل اللّسان لا يجوز التجوّز فيه و يؤيّده عدم تجويزهم إطلاق لفظي الجلالة و الرحمن في غير الباري تعالى جلّ شأنه مجازا و لو بمناسبة تامة و علاقة مأنوسة و دعوى أنّ ذلك للمنع الشرعي لا لعدم ترخيص الواضع موهونة لأنّ المنع الشرعي بمعنى حرمة إطلاقهما في غيره تعالى مجازا في حيز المنع و ليس هنا محل تحقيقه و قد مضى تفصيل الكلام فيه فيما سبق بما لا مزيد عليه (و الحاصل) أنّه بعد ما سلم توقيفية المجازات و احتياجها إلى بلوغ الرخصة من الواضع و قلنا بجواز منعه التجوز في اللّفظ أيضا كما هو واقع و ثابت في بعض الألفاظ فلو وجد لفظ ما بلغ رخصة التجوز فيه بالخصوص من الواضع و لم نعثر على نصّ من الواضع فيه و لا وجد إطلاقه في غير معناه الحقيقي مجازا في استعمالات أهل اصطلاحه أيضا يحتمل أن يكون ممّا منع فيه التجوّز و أن يكون مما رخص فيه ذلك فإلحاقه حينئذ بما رخص فيه ليس بأولى من إلحاقه بما منع منه بل مقتضى التوقف الوقوف و عدم التعدي عن وضع اللّفظ حتى يأتي من ذلك بشي‏ء بيّن (فإن قلت) إنّ ذلك عدول عمّا عليه الجمهور من كفاية العلاقة المأنوسة المصحّحة للتجوّز إلى اعتبار نقل الآحاد الّذي يشهد بفساده قضاء الضّرورة و اطّراد العادة و صريح الإجماعات (قلت) القدر المتيقّن ممّا اتفقوا على خلافه اشتراط نقل الآحاد في أشخاص المجازات بمعنى الاقتصار في المجازات على شخص المجاز الثابت من أهل العرف و اللّغة بحيث نلتزم بأن استعمال اللّفظ في كلّ معنى من المعاني المجازية مبني على ثبوت الرخصة فيه شخصا و هذا ليس يشترط فيها جزما بل يكتفي في ذلك بالرّخصة النوعية الثابتة من الواضع في كلّ لفظ بمعنى انفتاح باب المجاز فيه و حينئذ فيجوز استعماله في كلّ معنى مناسب للمعنى الموضوع له مناسبة يعول عليها في مقام الاستعمال و أمّا نقل الآحاد بالمعنى الّذي ذكرنا و هو توقف المجاز على ثبوت الرخصة في التجوز و انفتاح باب المجاز في اللّفظ فليس مخالفا للإجماع و لا نتحاشى من الالتزام به إذ لا دليل على بطلانه بل قد عرفت أن مقتضى قاعدة التوقيفية

هو ذلك و ممّا ذكرنا ظهر المحاكمة بين من اشترط نقل الآحاد في المجازات و بين من ادّعى الإجماع على خلافه فإن مراده من نقل الآحاد إن كان ما ذكرنا فالحق مع المثبتين و إن كان المعنى الأوّل فالحق مع المانعين فافهم و ثانيهما ترديد ذهن السّامع بين المعاني العديدة عند سماع اللّفظ الّذي له معان عديدة مجرّدا عن القرينة فإنه آية كون اللّفظ حقيقة في الجميع أو في القدر الجامع بينهما ينبغي فعند ذلك ينتفي احتمال كونه حقيقة في البعض و مجازا في البعض الآخر و يبقى الأمر مردّدا بين الاشتراك اللّفظي و الاشتراك المعنوي و حيث إن الاشتراك المعنوي أولى من الاشتراك اللّفظي فتعين الاشتراك المعنوي أمّا نفي احتمال الحقيقة و المجاز فبترديد الذهن الّذي علامة للاشتراك إمّا لفظا أو معنى و نفي احتمال الاشتراك اللّفظي فلأنّ الاشتراك المعنى أولى منه و من المعلوم أن لفظ الأمر من هذا القبيل لوضوح أن له معان عديدة فإذا فرض علم السّامع في مورد من موارد استعمالاته أنّ المراد أحدها بخصوصه مع عدم علمه بتعيينه فلا إشكال في أنّه يتردّد

248

ذهنه بين تلك المعاني و هذا آية كونه مشتركا بينهما لبداهة عدم إمكان التردّد فيما إذا كان حقيقة في أحدها و مجازا في الباقي و حيث عرفت بطلان الاشتراك اللّفظي لو دار الأمر بينه و بين الاشتراك المعنوي فتعين الاشتراك المعنوي و ربّما يظهر من بعض من اختار أنّ الأمر مجاز في الفعل الاستدلال عليه بصحة التصرّفات و الاشتقاقات من لفظ الفعل دون الأمر بهذا المعنى و لو كان الأمر حقيقة في الفعل يصير مرادفا له و لازمه صحّة جميع التصرّفات و الاشتقاقات الجائزة من لفظ الفعل فعدم صحّتها منه بهذا المعنى كاشف عن كونه مجازا فيه و فيه أنّ لفظ الفعل و كذا جميع المصادر من الضرب و القتل و نحوهما يلاحظ تارة من حيث إنّه أمر صادر عن الفاعل و يطلق عليه الحدث و يشتق منه بهذه الملاحظة و قد يلاحظ من حيث كونه موجودا من الموجودات و شي‏ء في مقابل ما عداه من الموجودات و هو بهذا اللّحاظ يصير مفعولا مطلقا لا يجوز الاشتقاق منه لأنّه بهذا الاعتبار من الجوامد الغير القابلة للاشتقاق كالشّي‏ء و الأمر بمعنى الفعل إنّما هو بالمعنى الثاني هذا ما يتعلّق بالأمر بالمعنى الّذي يجمع على الأمور و أمّا بالمعنى الّذي يجمع على الأوامر و هو ما يقابل النّهي فقد اختلفوا في تحديده فعرّف بتعاريف عديدة و حيث إن اختلافهم في التحديد نشأ من الاختلاف بينهم في حقيقة المحدود و ليس مجرّد الاختلاف في مقام التعبير و المؤاخذة في الطّرد و العكس فلا يهمنا التعرض المحدود الّذي ذكروه بل المهمّ به هو بيان حقيقة الأمر و ما يعتبر فيه من القيود بحسب العرف و اللّغة و ذلك يستدعي‏

بيان أمور

أحدها [الكلام في أن الأمر عرفا و لغة حقيقة في القول الدال على الطلب‏]

أنّ الأمر عرفا و لغة حقيقة في القول الدّال على الطّلب لا القول المجرّد و لا الطّلب الصّرف لا عن قول حسب ما مرّ سابقا فكلّ من القول و الطّلب معتبر في حقيقة الأمر أمّا اعتبار الطّلب فلأن القول المجرّد و هو الصّيغة و إن يطلق عليه الأمر في مصطلح النحاة إلا أنّ المقصود هنا بيان معناه العرفي المقابل للنّهي الّذي يأتي منه التصريف و الاشتقاقات مثل أمر و يأمر و آمر و مأمور و من الواضح أنّ الأمر بمعنى الصّيغة اسم لفظ كالماضي و المضارع و المستقبل لا يقبل التصريف و الاشتقاق إلا بإشراب المعنى الحدثي فيه و هو باتخاذ الطلّب قيدا له (فإن قلت) إنا نشاهدهم يجمعون الأمر بمعنى الصّيغة على الأوامر كما يكشف من ذلك مما عنونوا به البحث فإن مرادهم من لفظ الأوامر المصدّر به البحث صيغ الأوامر قلت إنّهم يرادون بها الصّيغ الدّالّة على الطّلب لا الصّيغ المجرّدة كما لا يخفى و أمّا اعتبار القول فمضافا إلى الإجماعات المحكية السّابقة فلأنّ الأمر باتفاق الكل من سنخ الكلام و من مقولة الأقوال فلو جعل للطّلب المطلق لزم خروجه عن سنخ الكلام مع أنّ صحّة سلب الأمر عن الطّلب الحاصل بالإشارة و الكتابة في العرف و اللّغة كصحّة سلب الصّدق و الكذب عنه مقتضاه اعتبار القول في حقيقته نعم لا بأس بإلحاق الإشارة و الكتابة باعتبار كونهما كاشفين و حاكمين عن الطّلب القولي و بهذا الاعتبار ربما يتصفان بالصدق و الكذب و سائر صفات الألفاظ و من غرائب ما في المقام ما صدر عن بعض الأعلام حيث تمسّك لإثبات مرامه و هو أنّ الأمر حقيقة في الطّلب المطلق بقوله تعالى‏ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ لإطلاق الأمر في هذه الآية على الطلب الّذي توجه على الخليل (عليه السلام) في ذبح إسماعيل (عليه السلام) مع أنّه بالإلهام أو المنام الخارجين عن سنخ الكلام و فيه (أوّلا) أنّ الجاهل بكيفية الإلهام و الوحي و منامات الأنبياء كيف يدعى أنّه خارج عن مقولة الكلام و القول (و ثانيا) سلّمنا ذلك إلا أن ما ذكره مبني على أن يكون قوله تعالى ما تؤمر مستعملا في الماضي و استعمال المضارع في الماضي و إن كان جائزا بل واقعا إلا أنّه قليل مع أنه لا وجه لحمله عليه مع إمكان إبقائه على حقيقته بأن يكون غرضه (عليه السلام) أنك لما تصير مأمورا بما رأيته في المنام بنزول الوحي و الإلهام فافعل ما تؤمر به و عليه فأطلق الأمر على ما سينزل به الوحي من الخطاب القولي لا على ما لهم به سابقا (و ثالثا) لو سلّمنا أن الأمر هنا أطلق على الطّلب الحاصل بالمنام لا يقتضي إطلاقه الطّلب الحاصل بغير القول لجواز استعمال الأمر على القول الدّال على الطّلب و لو سمع المخاطب ذلك الخطاب القولي بالمنام أيضا فإنّه أيضا قول دالّ على الطّلب و (رابعا) أنّ استعمال الأمر على مطلق الطّلب لا يقتضي كونه حقيقة فيه لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز و منه يظهر أنّه لا وجه لما استدلّ به على أنّ الأمر حقيقة في مطلق الطّلب فتحصل ممّا ذكرنا أن كلاّ من القول و الطّلب مأخوذ في حقيقة الأمر عرفا و لغة فيكون كلّ منهما جزء الموضوع له و تمام الموضوع له هو القول الدّال على الطّلب أو الطّلب الحاصل بالقول كما صرّح به في التهذيب و القوانين فتدبّر

و ثانيها [الكلام في أنه هل يعتبر في حقيقة الأمر العلو أو الاستعلاء أو هما أو أحدهما أو لا يعتبر شي‏ء منهما]

أن المعتبر في حقيقة الأمر هل هو الاستعلاء أو العلوّ أو هما معا أو أحدهما من غير تعيين أو لا يعتبر شي‏ء منهما أوجه و أقوال (الأوّل) خيرة الأكثر بل ظاهر بعضهم دعوى الإجماع عليه (و الثّاني) معزى إلى جمهور المعتزلة و بعض الشافعية و غير واحد من الإمامية (و الثّالث) مال إليه في القوانين و حكاه عن جماعة من الأصوليين (و الرّابع) اختاره بعض المحققين من متأخري المتأخرين (و الخامس) محكي عن الأشاعرة و يعزى إلى ظاهر العضدي و البيضاوي و الأصفهاني و الأقوى عندي اعتبار العلوّ خاصّة و عدم كفاية الاستعلاء (لنا على الأوّل) أن المتبادر من قولك أمر فلان فلانا كون الأمر عاليا بالنّسبة إلى المأمور من غير انتقال إلى الاستعلاء و إظهار العلوّ من الآمر و لعدم صحّة سلب الأمر عن الطّلب الصّادر من العالي‏

249

مع خلوّه عن إظهار العلو (و على الثّاني) صحّة سلب الأمر عمّا يصدر من السّافل نحو العالي و لو على سبيل الاستعلاء و إظهار العلوّ هذا (و احتج) القائلون باعتبار الاستعلاء أنّا نقطع بأن العبد إذا قال لسيّده على وجه الاستعلاء أنت مأمور بكذا أو أمرتك بكذا ذمّه العقلاء و يستقبحونه و لو لا صدق الأمر على ما صدر منه لما توجّه عليه الذّم و اللّوم (قلت) إن أرادوا إثبات كون الأمر حقيقة في طلب المستعلي السّافل بذم العقلاء على أن يكون ذمّهم هو الدّليل على المدّعى كما هو ظاهر كلام الحاجبي ففيه منع الدّلالة فإنه على فرض كونه حقيقة في طلب العالي و مجازا في المستعلي الدّاني يتوجه عليه الذم و اللّوم أيضا إذ هو بقوله لسيّده أمرتك بكذا استعلى و استكبر على المولى و نزل نفسه منزلته و جعله بمنزلة نفسه و نفس ذلك أمر شنيع يستحق لأجله الذّم و اللّوم و العقاب و إن لم يصدق عليه الأمر حقيقة عرفا فالدّليل حينئذ أعمّ من المدّعى و إن أرادوا من ذلك بيان ظهور صدق الأمر في الاستعلاء على أن يكون الدليل على المدّعى هو الظّهور العرفي المذكور و يكون توسيط مقدّمة و ذم العقلاء لئلا ينكر عليهم الخصم ذلك الظّهور ففيه مع أنّه بعيد عن ظاهر كلامهم أنّ التبادر و الظّهور العرفي إنّما هو حجة إذا كان مستندا إلى حاق اللّفظ بلا مئونة قرينة و أمّا إذا كان هناك قرينة صالحة لاستناد ذلك الظّهور إليها فلا و دنو العبد هنا قرينة حالية على إظهار العلو في أمره على المولى و بعبارة أخرى إنّه كما يحتمل أن يكون الظّهور المذكور مستندا إلى حاق اللّفظ بواسطة الوضع كذا يحتمل أن يكون مستندا إلى القرينة المذكورة الصّالحة لذلك فاختيار استناده إلى الوضع ليس بأولى من اختيار استناده إلى القرينة فتوهّم استناد الظّهور إليه مع وجود القرينة غلط صرف (فإن قلت) إن دنو العبد إنّما هو قرينة صارفة عن معناه الحقيقي و هو طلب العالي و أمّا على تعيين خصوص الاستعلاء فيحتاج إلى قرينة أخرى معينة لجواز استعماله الأمر في الدّعاء مجازا في الكلمة لا في الإسناد حتى يكون مبنيّا على الاستعلاء فلا منشأ لظهوره سوى الوضع ضرورة توقفه على أحد أمرين إمّا الوضع أو القرينة فحيث انتفي الثاني تعين الأوّل أعني استناد الظهور إلى الوضع و انفهامه منه خاصة (قلت أوّلا) إنّ الكلام هنا مع المستدلين الّذين كان مفروض كلامهم في صورة تحقق الاستعلاء سواء كان إحرازهم إيّاه عن ظاهر اللّفظ أو عن أمر خارج منه و عليه فلا حاجة إلى قرينة أخرى معينة (و ثانيا) لو سلّمنا ذلك فإنّما هو يتم لو كان المجاز في الكلمة هنا صحيحا و فيه إشكال بل منع لعدم العلاقة المأنوسة المصحّحة بين طلب العالي و الالتماس و الدّعاء سوى علاقة التضاد و هو كما ترى ضرورة عدم اطّراد علائق المجاز الّتي ذكروها كما لا يخفى على الخبير العارف سلّمنا جواز ذلك لكنّه أبعد من التجوز في الإسناد فإنّه أقرب إلى المعنى الحقيقي عرفا و اعتبارا بل قد يقال إنّه حقيقة و ليس بمجاز كما عليه أهل المعاني و البيان و قد تقرر أنّ اللّفظ ظاهر في أقرب المجازات إذا تعذّر الحقيقة فمنشأ الظهور كون الاستعلاء أقرب المجازين دون الوضع حتّى يثبت المدّعى (و ثالثا) إن تنزلنا و أغمضنا عن ذلك كلّه (فنقول) قصوى الأمر كون المقام ممّا اشتبه فيه الأمر في مستند التبادر هل هو الوضع أو القرينة و المرجع في مثل المقام إلى العلائم الأخر و قد عرفت صحّة سلب الأمر عن طلب المستعلي السّافل فهي دليل على مجازيته في المقام فهو المتبع فافهم و اغتنم و ممّا حققناه ظهر فساد القول باعتبار خصوص الاستعلاء و كذلك القول بكفاية أحد الأمرين منهما مع ما يزيد من الإيراد على الأخير منهما باستلزامه الاشتراك الباطل هنا بالبداهة ضرورة أن أحد الأمرين من العلوّ و الاستعلاء لو كان كافيا في تحقق الأمر لكان اللاّزم أن يكون الأمر حقيقة في كلّ من طلبي العالي و المستعلي و ذلك إن كان على وجه الاشتراك اللّفظي فمع أنّه لا يلتزم به القائل ظاهرا مخالف لما اتفقت عليه آراؤهم كما لا يخفى على العارف بمطاوي كلماتهم و إن كان على سبيل الاشتراك المعنوي فيئول إلى القول بعدم اعتبار شي‏ء منهما و ذلك لأن الاشتراك المعنوي يعتبر فيه وجود جامع قريب أعني به مفهوما كلّيا قابلا لاندراج مجموع الأفراد فيه صالحا لوضع اللّفظ بإزائه مستعملا فيه اللّفظ و لو أحيانا و هو غير حاصل هنا إذ الجامع المتوهّم هنا هو مفهوم الطّلب و لو التزم بوضع الأمر بإزائه و استعماله فيه‏

من دون اتخاذ قيد خصوصية أحد الفردين فيه لزم القول بعدم اعتبار شي‏ء منهما كما لا يخفى و هو خلاف مقصوده و مدّعاه مع أنّه فاسد من رأسه و صحة سلب الأمر عمّا يصدر من المسائل الغير المستعلي و تبادر غيره حجّة عليه و ليس ما وراه قدر جامع بينهما صالح لأنّ يكون هو الموضوع له و ما قد يتوهم أنه العالي سواء كان واقعيّا أو ادّعائيا فشطط من الأوهام و غلط من الكلام لأنّ العالي الادّعائي ليس بعال فالقدر المشترك بينه و بين العالي يرجع إلى القدر المشترك بين الوجود و العدم و هو كما ترى (و احتجّ) من اعتبر فيه الأمران بأنا نرى عدم صدق الأمر عرفا على طلب العالي المستسفل فلو كان حقيقة في طلب العالي مطلقا لصدق عليه الأمر فيعتبر منه الاستعلاء أيضا (و أجيب عنه) بأن عدم صدق الأمر على الطّلب المذكور ليس لعدم الاستعلاء بل لوجود التسفل و الانخفاض فإن الاستعلاء و إن لم يكن معتبرا لكن التسفل مانع هذا (أقول) و الّذي يقتضيه النظر أنّ الفرق بين الأمر و الدّعاء و الالتماس إن كان باختلاف مراتب الطّالبين كما عليه كافة المحققين‏

250

بل و قال بعضهم إنّ ذلك من المسلمات عندهم و يظهر من بعض كلام المجيب أيضا و طلب العالي أمر حقيقي مطلقا و التّسفل لا يصلح للمانعية كما أن الاستعلاء لا مدخلية له في صدق الأمر غاية الأمر أنّه اجتمع الدّعاء الادعائي في صورة الاستخفاض مع الأمر الحقيقي و لا ضير فيه و يأتي في ذلك زيادة توضيح و تشريح فانتظر لتمام الكلام هنا و على هذا فلا يبقى الوجه لكلّ من الاستدلال المذكور و الجواب عنه هذا و إن كان بأنحاء الطّلب لا درجات الطالب (فنقول) إنّ حال المجيب حينئذ لا يخلو من أحد الأمرين فإمّا أن يقول بأن الاستعلاء أمر عدمي كما يظهر من العضدي في شرح كلام الحاجبي حيث قال و خرج بقيد الاستعلاء الدّعاء و الالتماس إذ لو كان ذلك أمرا وجوديا للزمه إخراج شي‏ء آخر به أيضا و هو عدم الاستعلاء فمن اقتصاره في الإخراج عليهما خاصة يظهر عدم شق رابع هنا أو يقول بأنّه أمر وجوديّ و هو التغليط بالصّوت كما صرّح به غير واحد منهم فعلى الأوّل يرجع كلام المستدلّ في أخذه الاستعلاء مع العلوّ إلى مقالة المجيب فلا كلام له عليه و على الثاني فإنّما هو يتمّ على أن يكون الطّلب غير الإرادة و أمّا على ما هو الصّواب من أنّه عينها كما هو مذهب العدلية فلا لأنّ الإرادة الباطنية لا تنقسم إلى الأمر و الدّعاء و الالتماس بداهة فلو لم يكن وراءها شي‏ء آخر في النفس يكون الطّلب فكيف تنقسم إلى الأمور المذكورة و سيجي‏ء توضيح المقام و تحقيق الكلام بما لا مزيد عليه إن شاء الله (و احتجّ) القائلون بعدم اعتبار شي‏ء منهما بعد مقايسة الأمر بالخبر في عدم اعتبار شي‏ء في مفهومه بقوله تعالى حكاية عن فرعون لملئه‏ فَما ذا تَأْمُرُونَ* (و الجواب عن الأوّل) بأنه ليس من مذهبنا القياس لا سيّما في إثبات اللّغة (و عن الثّاني أوّلا) بأنّه مجرّد استعمال و ليس دليلا على الحقيقة (و ثانيا) ما عرفت من أنّه بعد قيام الدّليل على اعتبار العلوّ يتعيّن حمل الإطلاق المذكور على التجوّز أو الادّعاء و الحاصل أن طلب العالي عن السّافل على نحو الإطلاق من دون تنزيل و ادّعاء أمر و طلب السّافل كذلك دعاء و طلب المساوي على الوجه المذكور التماس و حينئذ فإذا استعلى السّافل و طلب من العالي فقد ادّعى علو الرّتبة فهو على حسب ادّعائه بمنزلة العالي فالطّلب الصّادر منه بهذا الاعتبار يندرج تحت الأمر ادّعاء و يكون إطلاقه عليه حقيقة ادعائية و كذلك الحال إذا استسفل العالي فإنّه بسبب ادّعائه تسفل الرّتبة يكون بمنزلة السّافل و الطّلب الصّادر منه بذلك الاعتبار يندرج تحت الدّعاء ادّعاء و إطلاقه عليه حقيقة ادّعائية و قد ينزل العالي مخاطبة السّافل بمنزلة العالي و يطلق الأمر على ما عنده من الطّلب فيرجع إلى الحقيقة الادعائية و كذا المساوي إذا استسفل أو أسفل فيكون طلبه أمرا أو دعاء فالإطلاق في جميع تلك الصّور مبني على التنزيل و ادّعاء و حينئذ فيجتمع في كلّ مورد من تلك الموارد أمران من الأمور الثلاثة (أحدهما) على وجه الحقيقة (و الثّاني) باعتبار التنزيل و الادّعاء فيكون طلب العالي المستسفل أمرا حقيقيا و دعاء ادّعائيا و لو انعكس ينعكس الأمر فيكون دعاء حقيقة و أمرا ادّعاء و على هذا القياس حكم المساوي فيجتمع الالتماس مع الأمر و الدّعاء كذلك فما ترى من الإطلاقات الواردة على غير وجهها و حقيقتها فإنّما هي محمولة على التنزيل و الادّعاء حسبما قرّرنا و من ذلك حكاية فرعون فإن إسناده الأمر إلى من هو دونه من الملإ حوله مبني إمّا على مجرّد تنزيل نفسه منزلة الدّاني أو تنزيله منزلة العالي ففي قوله تعالى‏ فَما ذا تَأْمُرُونَ* وجهان و قيل وجه ثالث و هو ملاحظة حال الجنود فيما يصدر من الوزراء فإنّه أمر حقيقي بالقياس إليهم فظهر ممّا حققنا وجه اختلافهم في المقام و أنّه الخلط بين المجاز في الإسناد و المجاز في الكلمة حسب ما مرّت إليه الإشارة ثم الاشتباه بين الظّهور الناشئ من الادّعاء بالظّهور الناشئ من الوضع فمن اعتبر الاستعلاء فقط فقد لاحظ إطلاق الأمر عرفا على طلب المستعلي السّافل و زعم عدم صدقه على طلب العالي المستسفل و خفي عليه ما ذكرنا و اشتبه عليه الإطلاق الناشئ من التنزيل و الادّعاء بالإطلاق المستند إلى الوضع فزعم أنّ العبرة بالاستعلاء و تدور الحقيقة مداره وجودا و عدما و أمّا من اعتبر معه العلوّ أيضا فقد لاحظ إطلاق الدّعاء عرفا على طلب العالي المستسفل و غفل عمّا ذكرنا من أنّه إنما هو على التنزيل و الادّعاء فزعم أن العبرة بهما معا و من التأمّل فيما ذكرنا

يظهر فساد ما عدا المختار من سائر الأقوال فافهم و تدبّر فإن المطلب دقيق جدّا

و ينبغي التنبيه على أمرين‏

الأوّل‏

أنّه هل يعتبر العلو في مصداق الأمر و هو اللّفظ الدّال على الطّلب كما يعتبر في مفهومه أم لا قولان أقواهما الأخير لأنّ نفس الصّيغة لم يلاحظ في وضعها صدور ما يستفاد منها عن العالي و لذا لا تدلّ عليها فلا يتوقف صدق الأمر عليها على الملاحظة المذكورة في وضعها و نظيره الصّدق فإنّه حقيقة في طائفة من الأخبار المطابقة للواقع و اعتبر فيه المطابقة المذكورة و يدل بلفظه على اعتبار ذلك الملاحظة في مصداقه أي الكلام المطابق و أمّا مصداقه و هو زيد قائم مثلا لم يعتبر في وضعها تلك المطابقة فلا يدل إلاّ على انتساب المحمول إلى الموضوع و لا يدلّ على المطابقة و عدمها و لا يتوقف كونه مصداقا للصّدق دلالته على مطابقته للواقع نعم يعتبر في إدراجه تحت مفهوم الصّدق كونه مطابقا و أين هذا من دلالته عليها و اعتباره فيه من حيث هو فافهم‏

الثّاني‏

أنّه صرّح الشّهيد في تمهيد القواعد بأنّه يعتبر في مصداق مادة الأمر أن يكون إنشاء فلو قال أطلب منك كذا و نحوه من الإخبار عن الطّلب‏