بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
251

فليس هذا أمرا و لعلّه يشير إلى هذا الخلاف من أنه هل للأمر حقيقة تخصّه أو لا فإن قيل بالأول صحّ ما ذكره و إن قيل بالثاني فلا و لعلّنا نتكلّم فيه بعض الكلام حيثما يقتضيه شرح المقام و اللّه العالم‏

و ثالثها [الكلام في أن الأمر هل هو في حقيقة الطلب الحتمي أو لمطلق الطلب‏]

أنّ الأمر هل هو حقيقة في الطّلب الحتمي أو لمطلق الطّلب فيعمّ النّدب قولان جمهور المعتزلة و أكثر أصحابنا على ما في شرح الزّبدة على الأوّل و خيرة جماعة من متأخّري المتأخرين هو الأخير و نسبه السّيد المقدّس الكاظمي في المحصول إلى الأكثر و التوفيق بين الدّعويين أنّ من نسب الطّلب إلى المشهور فقد لاحظ اقتصار الأصحاب في تعريف الأمر على الطلب لأن ظاهره عدم اعتبار شي‏ء من الخصوصية في مفهومه لا الوجوب و لا الاستحباب و أمّا من نسب الوجوب إليهم فلعلّه وجد ذلك في مطاوي كلماتهم و عثر على تنصيصاتهم بذلك إذ لا وجه له سواه فالاعتماد حينئذ على ما نقله الفاضل الجواد أوفق للسّداد و ذلك لأنّه متى تعارض الأخبار و احتمل استناد أحد المتعارضين إلى أصل أو ظاهر غير معتمد و لم يجر ذلك في الآخر وجب الأخذ به ترجيحا أو جمعا كما تقرر في محلّه و منه تقديم المثبت على النّافي و الجارح على المعدل و الإجماع المنقول على خلاف القاعدة على المنقول المطابق لها و غير ذلك ممّا لا يقتضي المقام بسطه و كيف كان فالمختار هو القول الأوّل (لنا) بعد مساعدة التبادر و صحّة سلب الأمر عن الطّلب النّدبي الاستعمالات الكثيرة المستمرّة الواصلة إلينا من فصحاء أهل اللسان مجرّدة عن القرينة لأنّ استعمال أهل اللّسان المجرّدة عن القرينة دليل قطعي إنّي على الحقيقة بل بمنزلة التنصيص من الواضع كما لا يخفى (و منها) ما في حديث بريرة لما أعتقت و ملكت نفسها قال لها رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) ارجعي إلى زوجك قالت أ تأمرني يا رسول اللّه قال لا بل إنّما أنا شافع و محلّ الاستشهاد بالحديث الشريف مواضع ثلاثة (الأوّل) استعمال بريرة لفظ الأمر في الطلب الحتمي مجرّدا عن القرينة فإن الاستعمال بلا قرينة دليل على الحقيقة كالتنصيص حسبما أشرنا إليه و هذا موجود في جميع موارد التبادر و لم يتعرضوا له ثقة لوضوح الحال مع عدم الاحتياج بعد التبادر و دعوى وجود القرينة في المقام نظرا إلى أن أصل الطّلب كان معلوما لبريرة بقوله (صلى اللَّه عليه و آله) لها ارجعي إلى زوجك فسؤالها ثانيا قرينة واضحة على استفهام خصوص الإلزام و الوجوب مدفوعة بأنّ السّؤال قد يحسن لاستيضاح الحال و استكثار الفهم و استظهار ما دلّ عليه اللّفظ بظاهره تأكيدا أو مبالغة في إصابة المراد لدفع بعض ما يخطر بالبال من الاحتمال و الإشكال كاحتمال الرّخصة خصوصا مع توهّم الحظر أو احتمال سائر ما يستعمل فيه صيغة افعل غير الطلب و إن كان ظاهرا فيه فإن ظهور اللّفظ في معنى ليس مفيدا للعلم و إن كان يصحّ السّكوت عليها فلا مانع من الاستفهام ثانيا من باب التقرير على ما فهم و لذا ردّ على من استدلّ على الاشتراك بحسن الاستفهام بأنّه لا ينافي الموضع للقدر المشترك العام كما لا يخفى على الخبير بكلماتهم (و الحاصل) أن مجرّد قوله ارجعي بناء على ظهوره في الطّلب لا يمنع عن استفهام الطّلب ثانيا طلبا للاطمئنان و سكوت النّفس في إصابة المراد فلو كان الأمر معناه العرفي مطلق الطّلب لم يكن لإرادة المتكلّم فيه الوجوب بلا قرينة أخرى صارفة و لا لفهم المخاطب منه ذلك كذلك وجه هذا لو قلنا بأنّ صيغة افعل ظاهرة في الطلب مطلقا أو في خصوص المقام بقرينة موجودة هناك فإن قلنا بأنّها ظاهرة في الوجوب كما هو الحق فقد يقال إن قرينة الوجوب حينئذ واضحة لو كان معناه عرفا هو الطّلب فلا يكون استعمال الأمر في الوجوب حينئذ استعمالا بلا قرينة حتى يتم الاستدلال و يدفعه أنّه على الوضع للوجوب حينئذ أدلّ لأن سؤال بريرة عمّا استفادت من الصّيغة بلفظ الأمر ثانيا دليل على ترادفهما و كونهما بمعنى واحد (فإن قلت) لم لا يجوز أن يكون هذا التعبير فيها تعبيرا مجازيا كما لو قال المولى لعبده ائتني برجل شجاع و قال العبد في مقام الاستفهام التوضيحي أ تأمرني بأسد يرمي فإنّه صحيح جدّا (قلت) لا يمنع عن جواز مثل ذلك إذا كان المقام قابلا للتعبير المجازي لبعض الأغراض المجازية لكن الحديث المذكور آب عن ذلك و في غاية البعد عن مظان تطرق مسوغات للمجاز كما لا يخفى على من له ذوق سليم فليتدبّر حتى لا يخفى حقيقة المرام و يدلّ على صحّة ما ذكرنا من حسن الاستفهام التأكيدي التوضيحي أنّ الصّيغة موضوعة للوجوب و عليه القائلون بأن الأمر موضوع للطّلب كلاّ أو جلاّ فسؤال بريرة بعد سماع قوله (صلى اللَّه عليه و آله) ارجعي عن الوجوب ثانيا لا يتمّ إلاّ على ما حققنا به المقام فتبصر و لا تغفل (فإن قلت) إنّ الظاهر من الاستفهام أن‏

يكون للتأسيس لا للتأكيد (قلت) منشأ الظّهور المذكور إن كان هو وضع حرف الاستفهام لذلك فهو ممنوع و إن كان هي الغلبة الخارجية لا اعتداد بها حتى يعتمد عليها المتكلّم في إرادة المجاز (الموضع الثّاني) هو انسباق الحتم و الإلزام إلى ذهن المخاطب و هو رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) من لفظ الأمر مجرّدا عن القرينة كما عرفت فإنه دليل إلزامي على الخصم و برهان قطعي لإثبات المدّعى و هذا غير ما يتمسّك من التبادرات في المحاورات فإن ذلك إقناعي لا ينهض حجّة على من يزعم عدم التبادر أو تبادر الخلاف و هذا أصل مطّرد و قاعدة كلّية و محصّلها أنّه متى ثبت و تحقق تبادر ذهن المخاطب على المعنى بلا قرينة في شي‏ء من الآثار المنقولة و القضايا المحكية من أهل اللّسان كان هو قاطعا للعذر و دافعا للتشاجر في معنى ذلك اللّفظ بخلاف ما لو تنازع الاثنان فقال أحدهما إنّ المتبادر هذا

252

و أنكر الآخر أو قال إن المتبادر غيره (الموضع الثّالث) قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لا بل إنما أنا شافع فإن مرجعه إلى صحّة السّلب المتمسّك بها في الأوضاع كما لا يخفى و ممّا استعمل فيه لفظ الأمر أيضا في الوجوب بلا قرينة قوله (صلى اللَّه عليه و آله) و لو لا أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك (و منها) غير ذلك ممّا اشتمل عليها الكتب المبسوطة المعمولة في المسألة و عليك بالتأمّل فيها و التدبّر في دفع ما يتوهّم من المناقشات و إن قيل إن الحديث الشريف المذكور غير صالح للاعتماد عليه في المقام لأنّه خبر واحد في مسألة أصولية و المعروف أنّها لا تثبت بالظّنّ مطلقا و لو كان ظنّا خاصّا و على فرض حجّيته في الأوضاع و إثبات اللّغات يعتبر فيه شرائط حجية خبر الواحد في الأحكام من اتفاق السّند و غيره ممّا اعتبروه في أخبار الآحاد كلّ على مذهبه هذا إذا كان الاستدلال به من حيث إنّه ورد من المعصوم و إن كان من حيث إنّه ورد من أهل اللّسان فيعتبر فيه أيضا عدالة الرّاوي سواء قلنا باعتبارها في حجية الخبر الواحد في الأحكام أم لا نعم لا يعتبر فيه التعدّد و إن كان متعلّقة بالموضوع لأنّ الموضوع الّذي يتفرع عليه استنباط حكم شرعي معرفته يكفي فيه الواحد و لا يعتبر فيه التعدّد و من ذلك اكتفاؤهم في تعديل رجال السّند بالعدل الواحد و كذا في نقل الفتوى و لا كذلك سائر الموضوعات كالقبلة و الوقت و نحوهما ممّا لا يترتب عليه معرفة الحكم الشرعي إذ يعتبر فيه التعدّد فالمقام من جهة اختصاصه باعتبار عدالة المخبر دون شي‏ء آخر يمتاز عن الأحكام و من الاكتفاء بالعدل الواحد يمتاز عن سائر الموضوعات و كيف كان فعلى المستدل إثبات اعتبار الحديث و تحقق شرائط الحجّية فيه و لا أقلّ من إثبات عدالة الرّاوي أو إثبات إفادة الظنّ و اعتباره هنا أيضا (قلنا) إنا لا نستدل بالحديث الشّريف من حيث صدوره من رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) و لا من بريرة أيضا و إنما نستدل به من حيث إنّه استعمال صدر من أهل اللّسان فلا يضرّنا كذب الراوي إذ على فرض كونه مجعولا فالجاعل من أهل اللّسان و استعمال أهل اللّسان المجرّد عن القرينة دليل على الحقيقة حسبما عرفت فليس علينا مئونة إثبات شي‏ء ممّا ذكر هذا (ثمّ) إنا لو أغمضنا عما ذكرنا كلّه و سلّمنا وجود القرينة مماشاة للخصم فنمنع أيضا كونه مجازا في الوجوب و ذلك كما ستعرف إن شاء الله في المبحث الآتي أنّ استعمال الكلّي في الفرد مع إرادة قيد الخصوصيّة من اللّفظ مجازا غير صحيح و كذا استعمال لفظ المشترك في أحد معنييه بواسطة العلاقة الموجودة فيما بينه و بين المعنى الآخر خلافا للمشهور في موضعين حيث صرّحوا بأن استعمال الكلّي في الفرد مع قيد الخصوصية مجازا صحيح و كذا استعمال المشترك في أحد معنييه بملاحظة العلاقة الموجودة بينه و بين الآخر فحيث ما تحقق استعمال اللّفظ في خصوص الفرد كان هذا دليلا على أنّه الموضوع له بالعنوان الخاصّ و توضيح المقام يأتي في البحث عن الصيغة إن شاء الله تعالى (احتجّ) القائلون بأنّه مجاز بعد منع التبادر بوجوه خمسة أو ستة و العمدة منها اثنان (الأوّل) أنّ المستفاد من ظاهر تعاريفهم للأمر و حدودهم له اتفاقهم على أنّه حقيقة في الطّلب حيث إنّهم لم يعتبروا في مفهوم الأمر سوى الطّلب أو ما يفيد مفاده و اقتصارهم في التعريف على ذلك ظاهر في عدم اعتبار خصوصيّة من الوجوب أو الاستحباب في مفهومه و اتفاقهم حجة قطعية في مثل المقام (الثّاني) أن الدّعاء و الالتماس كما يعمّان الوجوب و الندب فكذلك الأمر أيضا و هذا الدّليل بظاهره يرجع إلى إثبات اللّغة بالقياس و هو كما ترى و يمكن أن يوجّه بأنه مبني على أن يكون الفرق بين أقسام الطّلب باختلاف مراتب الطّالبين حسبما مرّ كما هو التّحقيق عندنا فكما أنّ الطّلب الوجوبي ينقسم إلى الأقسام المذكورة بالاعتبار المزبور فكذلك النّدبي فينبغي أن ينقسم الندبي أيضا إلى الأمر و الدّعاء و الالتماس بمعنى أنّه لو صدر من العالي كان أمرا أو من الدّاني كان دعاء و إلاّ لزم أن لا يكفي في الفرق و التميز بينهما مجرّد الرتبة و هو خلاف الفرض فالطّلب النّدبي الصّادر من العالي أمر كما أنّ الندبي الصّادر من الدّاني أو المساوي دعاء و التماس هذا (و الجواب) أمّا عن دعوى كون التبادر إطلاقيا فسيجي‏ء إن شاء الله تعالى في باب الصّيغة و محصّله أنّ سبب التبادر أمران إمّا الوضع أو غيره من الأمور العامة الّتي نفصلها إن شاء الله‏

و شي‏ء منها غير موجود في المقامين أعني مادّة الأمر و صيغته فتعين الأوّل و تحقيق الحال و تفصيل هذا الإجمال يطلب من البحث الآتي (و أمّا عن الدّليل الأوّل) فهو أنّه مناف لما ادّعاه من انصراف الطّلب حال الإطلاق إلى الوجوب إذ مقتضاه حمل الطلب المقتصر عليه في التعاريف على الوجوب لا على ما يعمّه و النّدب كما لا يخفى و توهم اختصاص ذلك الانصراف بمقام التكليف أو سائر الأحكام فلا يأتي في غيرها فاسد ضرورة عدم الفرق بعد تحقق سبب الانصراف في لفظ بين المقامات و إن سلّمنا فإنّما هو إذا كان سبب الانصراف قاعدة الحكمة كما في بعض الألفاظ المشكّكة المفتاق إرادة فرد ناقصة منها إلى البيان دون الكامل فيستدلّ حينئذ بعدم بيان الفرد الناقص على كون المراد هو الكامل مثل لفظ الملك إذا ورد مطلقا فإنه ينصرف إلى ملك الخاص لاقتصار إرادة الملك المشاع المشترك إلى بيانه فعدم بيانه دليل بقاعدة الحكمة على بيان كمال الملك و تماميّته و أمّا إذا كان الوجه بعض القرائن العامة كالشهرة و الكمال و نحوهما فلا لأنّها تجري مجرى الموضع فيعم المقامات من غير فرق لكونها مركوزا في أذهان أهل العرف فيكون كالقرينة المحصّلة الّتي حكمها حكم الوضع (فإن قلت) فعلى ما ندعي من بطلان الانصراف المذكور لزم القول بأنه للطّلب و لا يكاد يوافق‏

253

القول بالوجوب لما أطبقوا عليه في التعاريف من الاقتصار على الطّلب الظّاهر في اتفاقهم على عدم اعتبار شي‏ء آخر في مفهومه (قلت) لا نضايق من مخالفة ظاهر تعاريفهم للصّواب إمّا في المحدود أو في الحدّ بعد ما عرفت من مساعدة الدليل مع أنّه يمكن تنزيل كلامهم على ما لا يخالف القول بالوجوب بحمل الحدّ على الحدّ الناقص فيكون مسوغا للتميز في الجملة و يؤيّده بل يدلّ عليه أنّهم تعرضوا القيود المعتبرة فيه المختلفة فيها بعد الحدّ المذكور فافهم (و أمّا عن الدّليل الثّاني) فهو أن الوجوب معتبر في حقيقة الدّعاء و الالتماس أيضا إذ لا نريد به سوى عدم الرّضاء بالترك و من البين أن دعاء الدّاني و تضرعه لا ينفك عن عدم الرّضاء بالترك و كذا التماس المساوي كما لا يخفى على من راجع إلى حاله إذا كان داعيا أو ملتمسا فأين الحكم في المقيس عليه حتى يتم القياس مع أنّ إثبات اللّغة بالقياس كما ترى بل الظاهر أن الطّلب أيضا كذلك فعدم الرّضاء بالتّرك مأخوذ في حقيقته أيضا لأنّه إذا كان راضيا به و لم يكن مقيدا و مشتاقا إلى وجود المطلوب لم يكن طالبا بل مستحبّا للفعل مع عدم فوت غرضه بتركه نعم لو فسّرنا الوجوب بغير الإرادة المقرونة بعدم الرّضاء بالترك أمكن الفرق بين الأمر و الدّعاء و الالتماس بإثباته في الأوّل دون الأخيرين لبطلان القياس لكنّه مبني على أصل الأشاعرة من مغايرة الطّلب للإرادة فلا ينطبق على أصولنا و سيجي‏ء زيادة توضيح للمقام و تضاعيف الأبحاث الآتية إن شاء الله تعالى‏

رابعها الكلام في أن الطلب هل هو عين الإرادة أو غيرها

في بيان المراد من الطلب المدلول للأمر هل هو عين الإرادة كما ذهب إليه جمهور المعتزلة و أكثر الإمامية أو غيرها كما عليه الأشاعرة و بعض الإمامية قولان و تحقيق الكلام و توضيح الحال في المقام يقتضي تمهيد مقدمات (الأولى) لا يخفى أنّ الخلاف في المقام مبني على الخلاف المعروف في الكلام النفسي و ذلك شعبة من شعبه بمعنى أن كلّ من قال بثبوت الكلام النّفسي قال إن الطّلب غير الإرادة و كلّ من أنكره يلزمه القول بأنّه عين الإرادة و لا يخفى ذلك على من له خبرة و بصيرة في كلماتهم بل المتتبع في عبائرهم يجد ذلك من كلماتهم تصريحا و تلويحا و من المصرّحين بذلك شارح التجريد حيث قال في جملة بياناته لكلام الأشاعرة إن المعنى النّفسي الّذي هو الأمر غير الإرادة لأنه قد يأمر الرّجل بما لا يريده كالمختبر لعبده و كالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه و حكي عن شارح المواقف و غيره ما يقرب من هذا المضمون و أصرح من ذلك اعتراض المعتزلة على الأشاعرة في ذلك بأن الموجود في هاتين الصّورتين صيغة الأمر لا حقيقته إذ لا طلب فيهما أصلا كما لا إرادة قط و كذلك يصرّحون في النهي على هذا المنوال و صرّح بالابتناء المذكور المحقق المدقق السّبزواري و إذا ابتنى الخلاف في مسألتنا هذه على الخلاف في الكلام النفسي حسبما عرفت و يظهر لك أيضا كمال الظهور بالرجوع إلى كلماتهم و التفحّص عن موارد تصريحاتهم و تلويحاتهم (فاعلم) أن كلّ من قال بأن الطّلب غير الإرادة هنا التزم بالكلام النفسي في خصوص الإنشاء دون الإخبار من حيث لا يشعر و كان القائلين به من أصحابنا المحققين مفصّلون في الكلام النّفسي بهذا التفصيل الّذي هو مختار الباغنوي ظاهرا و غيره حيث يستشكل في ثبوته في الإخبار و يلتزم به في الإنشاء أو لأنّهم غفلوا عن ذلك أو تغافلوا محافظة المقالة الإمامية و لو في الظّاهر دون الباطن و دعوى أن الكلام النفسي مختص بالإخبار أو أنّه في الإنشاء أمر ورى الإرادة و هو الطّلب ممّا لا يلتفت إليه كما لا يخفى إلى من راجع إلى كلماتهم (ثمّ) اعلم أنّ ما هو المعروف المتداول بين النحويين من اشتمال الكلام على النّسبة الحكمية و هي نسبة المحمول إلى الموضوع ثبوتا أو سلبا فمبني أيضا على القول بالكلام النفسي و النّسبة المذكورة هي عين الكلام النفسي المتصوّر في الخبر عند القائلين به قال العضدي الكلام النفسي هو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلّم و قال شارح التجريد في بيان ما يعنون به الأشاعرة من الكلام النفسي المتصوّر في الخبر إن الكلام النفسي هو نسبة أحد طرفي الخبر إلى الآخر و هو مغاير للعلم معلّلا بأنّه قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه (و الحاصل) أنّه على القول بعدم الكلام النفسي لا معنى للنّسبة الحكمية الّتي يقولون و لا واقعية لها أبدا لا في ذهن المتكلّم المخبر و لا في ذهن غيره من العالم بمضمون القضية لأنّ حقيقة العلم هي انكشاف المعلوم عند العالم و حضوره لديه و ليس هناك تصوّر موضوع و لا تصوّر محمول و لا تصوّر نسبة و لا تصديق و إذعان لأنّهما من صفات النّفس و حركة من حركات الذهن و حقيقة انكشاف الأشياء و حضورها لدى العقول آبية عن جميع هذه التصوّرات و الحركات الذّهنية كما لا يخفى على من راجع إلى الوجدان السّليم و الفهم المستقيم نعم لا بدّ في تصوّر علم العالم من التصوّرات المذكورة مجرّدة عن الإذعان و كذا في ترتب مقدّمات نظرية لتحصيل مجهول خبري فإن من أراد تحصيل ذلك فلا بدّ له أولا من الالتفات إلى المطلوب و ينحل ذلك إلى تلك التصوّرات أعني تصور الموضوع و تصوّر المحمول و تصوّر النّسبة مجرّدة عن الإذعان (ثمّ) لا بدّ من ترتب المقدمات المناسبة لذلك المطلوب ثم الإذعان فحقيقة النظر مركبة من حركات ثلاث بعد الالتفات إلى ذلك المجهول الخبري حركة من المطلوب إلى المبادي و حركة في تحصيل المقدّمات و تناسبها تحصيلا لأحد الإشكالات المتجه و سمّي بالحركة العرضية و حركة صعوديّة من المقدمات المرتبة إلى الإذعان بالمطلوب ثبوتا أو سلبا إلا أنّ‏

254

في شي‏ء من المقامين ليس من النّسبة الحكمية الّتي يقولون عين و لا أثر فإنها بيان لمداليل الكلام لا لحالات الإنسان في تحصيل المراد فافهم و اغتنم و اجعله من هدايانا (المقدّمة الثّانية) في بيان المراد من قولنا إن الطّلب عين الإرادة فاعلم أن الآمر إذا أمر فهاهنا شيئان (أحدهما) إرادة حصول الفعل من الغير (و الثّاني) العبارة الصّادرة منه و هي كاشفة عنها لأن نفس الإرادة الباطنيّة النفسيّة لا يجدي في حصول ما تعلّق به إرادته بل لا بدّ من إظهارها حتى ينبعث منه المأمور لإتيان مراده فاللّفظ كاشف عن الإرادة باعث على إقدام المأمور على تحصيل مراد الآمر و باعتبار كشفه عنها دليل إنّي عليها كسائر الألفاظ بالنّسبة إلى مداليلها و ورى الأمرين أعني الكاشف و المنكشف ليس شي‏ء آخر لا في نفس المتكلّم الآمر و لا في الخارج نعم بعد إيجاد الكاشف القولي يصدق عليه عنوان الإلزام و التكليف و البعث و كذا عنوان الطّلب فالطّلب و الإلزام و الإيجاب و نحوها إنّما هي عناوين ثانويّة يتحقق بتحقق اللّفظ الكاشف عن الإرادة فالكاشف محقق لتلك العناوين و موجد لها فهو بهذا الاعتبار يكون مصداقا لتلك العناوين و لك أن تقول إن نفس الإرادة المقرونة بالكاشف يصير مصداقا لتلك العناوين لكنّه لا يخلو عن تعسف إذ الظّاهر كون مصداق هذه العناوين نفس الكاشف دون المنكشف المقرون بالكاشف و كيف كان فهو بمراحل عن مقالة القائلين بأن الطّلب غير الإرادة فإنهم يريدون إثبات واسطة بين الإرادة و اللّفظ و يدعون أن مدلول اللّفظ هي تلك الواسطة و يعبّرون عنها تارة بالطّلب و تارة بالإنشاء و أخرى بالإلزام و أمثاله فالطّلب عندهم من العناوين الأولية كالإرادة على قولنا بخلافه عندنا فإنّه من العناوين الثانوية العارضة للكاشف أو المنكشف على الوجهين فهو على قولنا نظير الضّرب و التأديب المتصادقين في الخارج على الفعل الخارجي الصّادر من المؤدّب في حالة التأديب فكما أنّ الضّرب مصداق للتأديب فكذلك الصّيغة مصداق للإلزام و الطّلب و من هنا اشتبه الأمر على الأفاضل الكرام من أصحابنا المحققين القائلين بالمغايرة حيث وجدوا عدم تحقق الإلزام و الطّلب بمجرد الإرادة النفسانيّة ما لم يظهره بقوله افعل و ما يجري مجراه فزعموا أنّ مدلول الأمر هو نفس الإلزام و الطّلب و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعرف أنّه متّضح الفساد لأنّ عدم صدق الطّلب عند الإرادة المحضة لا يستلزم مدّعاهم و هو كون الإلزام و الطّلب مدلول للأمر لأنا ندعي كون الطّلب من العناوين الثانويّة العارضة للكاشف عن الإرادة و أن مدلوله منحصر في الإرادة فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا محيص من مغايرة الطّلب و الإرادة و مراد أصحابنا من كون الطّلب عين الإرادة هو أنّه ليس في نفس المتكلّم الآمر ورى الإرادة شي‏ء و هذا لا ينافي الاعتراف بالمغايرة بالمعنى المذكور كما لا يخفى بأدنى تأمّل و إنصاف و بذلك اتّضح الفرق بين مقالتنا و مقالتهم فإنّ اللّفظ على مذهبنا دليل إنّي على الإرادة و لمّي على الطّلب و أشباهه و على مذهبهم فهو كاشف عن الطّلب كشفا إنيّا محضا فتدبّر جيّدا (المقدّمة الثّالثة) أطبقوا الحكماء و المتكلّمون على أنّ الإرادة هي الكيفيّة الحاصلة في النّفس القائمة بالذّات كالحبّ و البغض و الفرح و الهمّ و الشّوق و العزم و نحوها بل الأكثرون على أنّها العلم و هو اعتقاد النّفع و به صرّح الفاضل الفياض و نسبه المحقق الخوانساري إلى الأكثر و على هذا فكلّ من فسّر الإرادة بما تفعل بالقلب كما في الشرائع أو بما يوجدها الآمر و يوقعها كما في الفصول و محكي الرازي في المحصول فقد التزم بمقالة الأشعري من حيث لا يشعر لأنّ قصوى آمالهم أن يبنوا في الآمر فعلا إنشائيّا قائما بالنّفس غير الحالات و الكيفيّات النّفسانية القائمة بها فإذا اعترف الخصم بذلك فقد اعترف بمقالتهم و عاد النّزاع لفظيّا حيث إنّهم يسمّونه بالطّلب و المعتزلة يسمّونه بالإرادة و هذا بعيد عن ساحة هذه المعركة العظمى بين أعاظم العلماء و دعوى أنّ النّزاع في أمر ثالث غير هذا الفعل القائم بالنّفس الّذي اسمه الإرادة و غير الحالات و الصّفات القائمة بها كالعلم و الشوق و الميل و ما يجري مجراها في كونها أوصافا لا أفعالا إنشائيا قائما بالقلب ممّا لا يلتفت إليه الراجع إلى كلماتهم في المقام و أدلّتهم على المرام و يمكن توجيه ما في الشرائع بتنزيله على القول بأن النيّة هي الإخطار إذ لا شبهة في أنّ إحضار صورة العمل في الذهن عند الاشتغال به عمل قلبيّ يفعل بالقلب لكن التعبير عن ذلك بالإرادة لا يلائمه إذ الإخطار غير إرادة الفعل و العزم على إتيانه كما هو واضح (المقدّمة الرابعة) تحرير

محلّ النزاع يتصوّر على وجوه أربعة (أحدها) أن يكون النزاع بين الفريقين في أنّ مدلول الأمر و صيغ الإنشائية و هو الطّلب هل هو عين الإرادة أو غيرها (ثانيها) أن يكون النزاع في أن الطّلب هل يعتبر في كونه مدلولا للأمر أن يكون مقرونا بالإرادة أم لا (ثالثها) أن يكون النزاع في أن مدلول الأمر هل هو الطّلب أو الإرادة بعد الفراغ عن مغايرتهما (رابعها) في أن الطّلب هل هو مستلزم للإرادة أم لا و الثلاثة الأخيرة إنما هي على فرض التنزّل عن دعوى العينية و تسليم المغايرة و إرجاع النزاع إلى غير الأوّل مخالف لتصريحاتهم و كلماتهم صريحة في الأول و آبية عن ذلك مع أن الثالث ممّا لم يحتمله من الأصحاب أحد نعم احتمل بعض المحققين الثّاني بناء منه على وضوح مغايرة الطّلب للإرادة على وجه يبعد ذهاب ذو مسكة إليه فضلا عن الجمهور المعتزلة و فضلا عن الإمامية فلا بدّ من تنزيل ما ظاهره الأوّل من العناوين‏

255

و الأدلّة إلى ما يرجع إلى الثّاني و إن كان بتكلّف محافظة لرأيهم الشّريف إلى القول بذلك الاحتمال السّخيف و أنت خبير بأنّه اجتهاد في مقابل النصّ و هل تجد أقبح من ذلك و هل هو أولى بالقباحة أو النزاع على الوجه الأوّل و إنكار غير الإرادة في نفس الآمر رأسا و اللّه الهادي‏

و إذا تمهّد لك هذه فلنشرّع في المقصود (فنقول)

استدلّ القائلون بأنّ الطّلب عين الإرادة بأمور

الأوّل‏

أنا لا نجد في أنفسنا شيئا يصلح لأن يكون مدلولا للأمر ورى الإرادة بل و من البداهة عدم تعقل شي‏ء آخر قائم بنفس الآمر سابق عن اللّفظ الصّادر منه حتى يكون كاشفا عنه دالاّ عليه و يكون ذلك مدلولا له دون الإرادة فالمتأمّل المنصف الغير المتعسّف إذا رجع وجدانه عند حصول الأمر و خلي نفسه عن الشكوك و الشبهات المذكورة في المقام لا يجد في نفسه شيئا آخر يصلح لأن يكون مدلول الصّيغة و ما ذهب إليه الأشاعرة من أنّ مدلول صيغة الأمر شي‏ء آخر ورى الإرادة فهو مبني على مقالتهم الفاسدة من ثبوت الكلام النّفسي الباطل بالبداهة

الثّاني‏

أنّه لا يسوغ أن يكون مدلول الصّيغة الشّائعة الدائرة الوافرة في المحاورات معنى خفيّا لا يجده العقلاء في أنفسهم و لا يميزونه بأقوالهم و أفكارهم بل طال في إدراكها التشاجر العظيم و المعركة العظمى بين أعاظم العلماء من الأصوليين و الحكماء و الفصحاء و البلغاء و أهل الحلّ و العقد و مع ذلك لم يأت واحد منهم بشي‏ء بين يدركه العقول القوية فكيف يكون هذا اللّفظ المتداول في العرف العام بين الخواصّ و العوام من البلهاء و الجهّال و النّسوان و ذوي العقول القاصرة موضوعا لشي‏ء لا يعرفه على فرض وجوده إلاّ الأوحدي و لعمري إن اضطرابهم في التعبير عنه و اغتشاش عبائرهم في بيان المراد منه أقوى كاشف عن عدم وجوده و لا أقلّ من خفائه غاية الخفاء و كيف كان فما وراء الإرادة إمّا غير موجود في النّفس من رأسه أو بشدّة خفائه لا يصلح لوضع اللّفظ الشّائع بإزائه‏

الثّالث‏

ما قيل من أنّه ربما يحتجّ عليه بأن المتبادر من الأمر هو إرادة الفعل من المأمور فيكون حقيقة فيها هذا

و استدلّ المدّعون لتغاير مدلول الأمر مع الإرادة

بالوجدان أيضا

بما قالوا بأنّا نجد بالحسّ و العيان أنّ للآمر إذا أمر حالة أخرى غيرها حال الأمر مقارن لصدور اللّفظ حاصلة بحصوله الّتي ينبعث منها المأمور للإتيان بمراد الآمر و هي اقتضاء حصول فعل المأمور به من المأمور المعبّر عنه في الفارسية بخواهش كردن و هذه غير الإرادة الحاصلة في النّفس قبل صدور اللّفظ المعبّر عنها في الفارسيّة بخواهش داشتن و ليس هذا أمرا خفيّا لا يدركه الأفهام و العقول بل هو معنى إنشائي واضح عند الخواص و العوام و فيه أنّك قد عرفت فيما مرّ أن الطّلب و الإلزام و الإيجاب و البعث و التكليف كلّها عناوين ثانوية طارئة على الصّيغ الكاشفة عن الإرادة و حاصلة بحصول اللّفظ و معلولة له و عرفت أيضا أنّ هذه العناوين مغايرة للإرادة مفهوما و مصداقا لأنّ مصاديقها هي الكاشف عن الإرادة كما أنّ مصداق الإطاعة الخارجية العمليّة هي نفس الصّلاة و إن شئت تحقيق حقيقة الحال و توضيح الكلام في المقال و تفصيل ما يرد عليه من المناقشة و الإشكال (فنقول) إن أرادوا أنّها ثابتة في النّفس سابقة عن اللّفظ و أنّه دليل عليها على حدّ دلالة سائر الألفاظ على معانيها فهو ممنوع و ما تعلّقوا به من الوجدان لا ينهض دليلا عليه لأنّه إنّما يكون دليلا لو ساعدناهم في دعواه على الوجه المذكور بأن يكون الوجدان قاضيا بكون ذلك الأمر الوجداني المغاير للإرادة راسخا في القلب بحيث يكون اللفظ كاشفا عنه كشفا إنيّا و لا نساعدهم على ذلك بل نقول إنّها معاني حادثة بحدوث اللّفظ صادقة عليه كصدق التأديب على نفس الضّرب الخارجي و صدق الإطاعة على الصّلاة الخارجيّة (و الحاصل) أنّ الوجدان المذكور أعمّ من المدّعى و لا دلالة للعامّ على الخاص فلا ينافي دعوانا الوجدان على خلافه و أنّه ليس في النّفس غير الإرادة فليس مدلول الأمر سواها و إن أرادوا أنّها حاصلة بحصول اللّفظ كما جرى في لسان بعض المنكرين لما قلناه باللّسان من حيث لا يشعر و قلبه مطمئن بالإيمان كالمحقق الخوانساري حيث قال بعد كلام طويل ما لفظه فهي إنما تحصل من الألفاظ فللصّيغ الإنشائية دخل في حدوث الطّلب فدلالتها عليه من قبيل دلالة العلّة على المعلول انتهى و كبعض المحققين حيث قال بعد جملة من الكلام ما لفظه و هو أمر إنشائي حاصل بتوسط الصّيغة و قال بعض تلامذته ما يقرب من هذا المضمون ففيه أنه محض الصّواب و الصّواب المحض و عين المدّعى لكنه بمعزل عما يقولون و بمراحل مما يدعون من وضع الأمر بإزائه و أنّه معناه و مفهومه العرفي على حدّ معاني سائر الألفاظ الكاشفة عنها بقانون الوضع و من العجب صدور ذلك من مثل هؤلاء المحققين الماهرين في الفنّ و عدم التفاتهم إلى منافاته لما يقولون (و الحاصل) أنّهم إن أرادوا من تلك العبائر المضطربة المتناقضة أن الطّلب الّذي جعلوه مغايرا للإرادة مدلول للأمر و معناه اللّغوي على أن يكون موضوعا بإزائه و كاشفا عنه على حدّ كشف سائر الألفاظ عن معانيها فهو مصادم للبداهة و الوجدان حسب ما ادّعاه العدلية و جمهور المعتزلة و دعوى الوجدان على ذلك قول زور و إن أرادوا أنّه حادث بحدوث اللّفظ و عنوان من عناوينه بعد كشفه عن الإرادة و قد التزموا بما حقّقناه من حيث لا يعلمون فإنّا لا نريد من اتحاد الطّلب مع الإرادة سوى حصر المعاني القابلة لأن تكون موضوعا لها في الإرادة و أصحابنا أيضا لا يقصدون من الاتحاد إلاّ ذلك و

256

أمّا صدق الطّلب و الاقتضاء و التكليف و الإلزام و نحوها على الأمر الكاشف عن الإرادة فهو أمر بديهي لا يقبل الإنكار و لا يترتب عليه غرض و لا ثمرة فإنّ المسائل المتفرعة على هذا الخلاف كلّها مبنية على الاتحاد و المغايرة بالمعنى المذكور لا بهذا المعنى الخارج من نظائرهم (و أعجب) من ذلك ما صدر عن بعض المحققين من احتمال كون هذا التّشاجر العظيم و النزاع الممتدّ القديم لفظيّا هذا و ممّا حققنا ظهر حقيقة الحال في المقال بحيث لا يبقى لما يدعونه مجال بل و لا حاجة في فساد مقالتهم إلى إبطال ماهيّتهم الّتي أقاموها إذ على فرض العجز عن جوابها فهي شبهة في مقابل البديهة و لا ينبغي الالتفات إليها و لكنا نتعرض لها مفصّلا تنبيها على ما فيها من وجوه الفساد إتقانا لهذا الأصل القويم و البيان القديم و خير ما يفتتح به الكلام ما صدر عن بعض الأعلام و هو المحقّق الخوانساري حيث استدلّ في الرّسالة المعمولة في مقدّمة الواجب على مغايرة الطّلب للإرادة ردّا على المحقق السّبزواري بقوله إذا كان الطّلب هو الإرادة و كان المطلوب من الصّيغة الموضوعة للطّلب إعلام المخاطب بحصول الإرادة في النّفس فيلزم أن يكون وضع الجمل الطّلبية لغوا غير محتاج إليه و يكون مفهوماتها ممّا لا يتعلّق بتصوّرها غرض أصلا و هو باطل بيان الملازمة أنّ النّسب الإنشائية و الصّيغ الموضوعة لها ليست عين الإرادة و هو ظاهر و لا دخل لها أيضا في حصول الإرادة و لا في حصول الإعلام عنها و على التقدير المذكور ليس معنى آخر حتّى يتصوّر مدخليتها فيه أمّا أنّه لا مدخل لها في حصول الإرادة فظاهر لأن الإرادة معنى قائم بالنفس و إنما يتوقف حصولها على تصوّر المراد و المكلّف فقط و لا توقف لها على تصوّر النّسبة التامة الإنشائية و لا على صيغها و هو ظاهر سواء قلنا إنّها عين المدّعى أو غيرها و أمّا الإعلام فلأنّ حاصله أن يعلم الآمر المخاطب أنّ الإرادة موجودة في نفسه و لا شكّ في أنّ هذا المعنى معنى خبري و اللّفظ الدال عليه جملة خبرية و لا توقف له على النّسبة الإنشائية و صيغها و أمّا أنّه ليس على هذا التقدير معنى خبريّ يتصوّر مدخليّتها فيه فظاهر فثبت لغوية هذه المفهومات و صيغها بل و كان يجب أن لا يدخل في الوجود كما لا يخفى على المنصف و أمّا بطلان التالي فبالضّرورة و الوجدان انتهى و فيه نظر (أمّا أوّلا) فإنّه إن أراد من الطّلب معنى نفسيا سابقا عن الصّيغة على أن يكون كاشفة عنه كما هو ظاهر دعواه فما ذكره مردود عليه حرفا بحرف كما لا يخفى و إن أراد منه معنى مقارنا للّفظ حادثا بحدوثه كما سيصرّح به تفصّيا عن ذلك بعد ما استشعر به حيث جعل الطّلب تارة عين النّسب الإنشائية و أخرى أمرا آخر مقارنا معها في الوجود متوقفا عليها حادثا بحدوث اللّفظ حدوث المعلول عن العلّة فهو راجع إلى ما اخترناه من كونه عنوانا ثانويا عارضا للفظ الكاشف حال وجوده فلا يصلح لأن يكون مدلولا للأمر على حدّ سائر مداليل الألفاظ بقانون الوضع حسبنا بيّناه مفصلا (و أما ثانيا) أنّ ما ذكره مبني على أن يكون النّسبة الإنشائية مسلّمة بين الفريقين كما توهّمه و قد عرفت ابتناءها على الكلام النفسي الفاسد بالبداهة و أن من لا يقول به لا يقول بها و إن لم يصرّحوا به ثقة لوضوح الحال كيف و هم ينادون بأعلى أصواتهم أنا لا نجد وراء الإرادة في النفس شيئا و ما ترى من امتلاء الطّوامير بالنّسبة الحكمية في الإخبار و الإنشاء فهو ناش من الممارسة لكتب الأشاعرة المعمولة في مقدّمات العلوم الأدبيّة من الصّرف و النحو و المنطق و ركون ذلك في الأذهان مع عدم وجدان من ينبّه على فساده و أنت إذا تيقّظت و انتبهت من نومة الغافلين و راجعت متأمّلا إلى كلمات محققي الحكماء و المتكلّمين من أصحابنا و المعتزلة وجدت صدق ما ادّعيناه و أنّه كالشمس في وسط السّماء فافهم و اغتنم و اجعله من هدايانا و كن من الشاكرين و اللّه الهادي‏

الثّاني‏

ممّا استدلّ للقول بالمغايرة أنّه لو كان الطّلب عين الإرادة لزم أن يكون هيئة افعل الموضوعة بإزاء الطّلب الّذي هو عين الإرادة مرادفا للفظة الإرادة و هو باطل بالضّرورة و الوجدان و اتفاق الأعيان هذا و قد يجاب عنه بمنع الملازمة المذكور بتقريب أنّ مدلول الإرادة معنى اسمي مستقلّ بالملاحظة و مدلول الهيئة معنى حرفي غير مستقلّ آلة لملاحظة حال المادة كما صرّح به صاحب الفصول فرقا بينهما و فيه أن هذا الفرق و إن كان تفصّيا عن محذور الترادف لكن للمستدلّ أن يقول بأن مفاد الصّيغة كلام تام يصحّ السّكوت عليه و معنى لفظ الإرادة ليس كذلك و هذا يكشف عن كون مدلول الصّيغة شي‏ء آخر غير الإرادة به تصير كلاما و هذا هو الطّلب الّذي يدعونه فلا يجدي ما ذكره و أضعف منه ما قد يقال إن لفظة الإرادة موضوعة بإزاء مفهوم الإرادة و الهيئة موضوعة بإزاء مصداقها فإن مجرّد ذلك أيضا غير مجد في الفرق ألا ترى أن هذا الفرق بعينه موجود بين لفظ الإشارة و اسمها مع اشتراكهما في عدم صحّة السّكوت فلو كان الفرق بين لفظ الإرادة و الصّيغة مجرّد ذلك كان مفاد الصّيغة كمفاد المادة في عدم كونه كلاما تامّا اللّهمّ إلاّ أن يقال إن دلالة الإرادة على الكيفية المذكورة دلالة تصوّرية و دلالة هيئة افعل تصديقية فتغاير المدلولان من دون أن نلتزم بشي‏ء آخر في مدلول الصّيغة غير الإرادة و هو حسن إلا أنّه يشكل من جهة أخرى و هو أنّه يوجب انقلاب الإنشاء إخبارا و هو مخالف للإجماع ضرورة أنّهم أطبقوا على انقسام الكلام إلى الإخبار و الإنشاء و لعلّنا

257

نتكلّم في رفع هذا الإشكال ثمّ إن الإشكال المذكور وارد على الخصم أيضا حرفا بحرف فإنّه لو كان هيئة افعل موضوعة للطّلب لزم اتحاد مدلول لفظ الطّلب مع هيئة افعل فيكونان مترادفين و التالي باطل بالضّرورة و اتفاق كافّة أهل العلم بمغايرتهما و عدم ترادفهما فما هو التفصّي على القول بالمغايرة فهو التفصّي على القول بالاتحاد (و الحاصل) أنّ اتحاد مدلول الهيئة مع مدلول المادّة و لزوم ترادفهما وارد على كلّ حال سواء قلنا بأنّه عين للإرادة أو غيرها فالإشكال المذكور مشترك و الجواب عنه أيضا كذلك‏

الثّالث‏

أنّه لو كان مدلول الأمر عين الإرادة لزم أن تكون الأوامر الامتحانية الشّائعة الوافرة في المحاورات مجازات أو مهملات و التالي باطل بقسميه فالمقدّم مثله أمّا بطلان كونها مهملات فبالضّرورة و أمّا بطلان كونها مجازات فلعدم وجود ما يصلح لأنّ يستعمل اللّفظ فيه مجازا هذا و مثل الأوامر الامتحانية الأخبار الكاذبة فإنّه لا اعتقاد للمتكلّم هناك فيلزم أن يكون الخبر الكاذب إمّا مهملا أو مجازا في معنى غير معقول و الّذي ذكروه في الجواب من كون الأمر الامتحاني أمرا صوريا أو أمرا مجازيا كلام صوري لا تحصيل فيه فإنّ الأمر الصّوري مرجعه إلى كونه مهملا لم يقصد به شيئا و قد عرفت أنّ الضرورة قاضية بفساده و كونه مجازيا مبني على تعقل معنى آخر يكون مستعملا فيه و دعوى أنّه مجاز في المادة بإرادة المقدّمات كما في القوانين و غيره واهية لا يلتفت إليها (و الجواب) أنّ الملازمة المذكورة ممنوعة لأنا ندعي أن الأوامر الامتحانية كلّها حقائق كالأوامر الحقيقية و ذلك لأنّ عدم وجود المعنى في الخارج و عدم إرادته المتكلّم أيضا غير مخلّ باستعمال اللّفظ إذ لا يشترط في الاستعمال وجود المستعمل فيه و تحقيق الكلام و توضيح المقصود و المرام يقتضي بيان معنى الاستعمال و حقيقته (فاعلم) أن الاستعمال هو عبارة عن ذكر اللّفظ لإرادة تفهيم المعنى و بعبارة أخرى إجراء حروف المرتبة في مقطع الفهم لإفهام المخاطب لما دلّت عليه تلك الحروف المرتبة سواء وجد مدلولاتها في الخارج أم لا و لا نتعقل من استعمال اللّفظ في المعنى شيئا آخر فذكر اللّفظ لفرض إفهام مدلوله هو عين استعمال اللّفظ فيه و ليس هو شي‏ء و غرض الإفهام شي‏ء آخر فإذا قال زيد قائم و قصد به تفهيم المخاطب و إلقاءه في فؤاده ثبوت القيام في الخارج لزيد فقد استعمل هذه الألفاظ الّتي وضعت له في معناها سواء طابقت الواقع أم خالفت فليس وجود المعنى المستعمل فيه محقّقا لموضوع استعمال اللّفظ و على هذا فالخبر الصّادق و الكاذب كلاهما مستعملان في معناه سواء التزمنا بكلام نفسيّ في الإخبار غير علم المتكلّم أو لا غاية الأمر أنّه في صورة الكذب ليس المعنى المقصود بالإفادة و هو المستعمل فيه موجودا واقعا في الخارج و هكذا في الكلام في الإنشاء فإنّ مدلول الصّيغة عندنا هو الإرادة و استعمالها فيها عبارة عن ذكرها لغرض تفهيمها أي اعتقاد المخاطب بوجودها في نفس المتكلّم و هذا الغرض كما هو موجود في الأمر الحقيقي كذلك موجود في الأمر الامتحاني نعم المعنى المقصود بالإفادة موجود في الأمر الحقيقي و غير موجود في الأمر الامتحاني و هذا لا مساس له بحقيقيّة الاستعمال نعم ظاهر حال الأمر وجود تلك الإرادة في نفسه (و الحاصل) أنّ الأصل في الطّلب كونه لبعث المخاطب على الإتيان بالمأمور به فلو سيق لغير ذلك من تقية أو امتحان أو تسجيل كما لو علم عدم حصوله أو غير ذلك كان محتاجا إلى القرينة و الأصل المذكور من الأصول الجهتيّة المسلّمة عند الفريقين بل و استقرت به العادة في جميع الاستعمالات من الإخباريّات و الإنشائيات فهو أصل مطّرد في قاطبة الإطلاقات في أبواب المحاورات فالأصل في الكلام الخبري أن يكون مسوغا لغرض تفهيم أصل المدلول فلو سيق لغير ذلك لتفهيم لازم الخبر أو تفهيم لازم المخبر به من بخل أو جود أو شجاعة أو جبن أو غير ذلك كان أيضا محتاجا إلى القرينة إلا أنّ اللّفظ في جميع المواضع إنشاء كان أو إخبارا مستعمل فيما وضع له فهو حقيقة لغوية أي كلمة مستعملة فيما وضع له كما هو مذهب جماعة في الكناية و مجاز أصولي أي محتاج إلى القرينة لأن كلّما يحتاج إلى القرينة فهو مجاز أصولي و الحقيقة الأصولية عبارة عمّا لا يحتاج إلى القرينة و بهذا البيان يتم الجواب الّذي أجابوه في الأمر الامتحاني من حمله على الأمر الصّوري تارة و المجاز من أخرى و سيأتي زيادة توضيح لذلك في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى خصوصا في مدلول الصّيغة المستعملة في معان كثيرة فإنّها كلاّ أو جلاّ حقائق لغوية و اختلافها إنما هو باختلاف الغرض الباعث على الأمر فتدبر

الرّابع‏

أنّه لو كان الطّلب عين الإرادة لزم أن يكون الكفار مأمورين بالإيمان و التالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة أنّ صيغة الأمر عندكم إنّما هي الإرادة و هي غير موجودة في أوامر الكفار و العصاة أمّا المقدّمة الأولى فواضحة و أمّا الثانية فلوجوه أربعة (أحدها) أنّه تعالى علم منهم المخالفة و العصيان فلو جاز منهم الإطاعة لزم انقلاب علمه تعالى جهلا و هو محال و إرادة المحال محال (الثّاني) أنه لو أراد منهم الفعل لامتنع الترك إذ لا يتخلّف المراد عن الإرادة بالنّسبة إلى الباري تعالى فترك إطاعتهم كاشف إنّي قطعا عن عدم إرادته تعالى (الثّالث) أنّ الإطاعة لم توجد منهم و الشي‏ء ما لم يوجد لم يكن مقدورا فيكون الإطاعة منهم غير مقدورة فإرادته تعالى منهم ذلك مستحيل و هذا مبني على ما ذهب إليه الأشاعرة من أن الفعل قبل وجوده غير مقدور

258

(الرّابع) أنّه تعالى أراد منهم الكفر لأنّه أراد خلقهم و إرادة السّبب إرادة للمسبّب فيمتنع مع ذلك إرادة الإيمان منهم لاستحالة إرادة الضدّين و أمّا بطلان التالي فبالضّرورة و الإجماع هذا و أنت بعد ما هديناك إلى الصّراط المستقيم و بينا لك البيان القويم الّذي يتحير لديه الذّهن السّليم و الفهم المستقيم استرحت عن مئونة الدّفع لهذا الإشكال الجسيم و فرغت عن الدّخول إلى ذلك التشاجر العظيم و إن شئت إعادة الكلام لتوضيح المقصود و تنقيح المرام (فنقول) إنّ غاية آمالهم إثبات عدم إرادته تعالى منهم الإطاعة و نحن إن سلّمنا منهم ذلك و أغمضنا عمّا فيه من وجوه الضّعف و الفساد ببطلان تلك الوجوه المستدلّ عليها و تنزلنا عن ذلك كلّه مماشاة لهم فنمنع الملازمة المذكورة على التقدير المذكور أيضا و ذلك لما عرفت من أن استعمال الصّيغة بإزاء الإرادة لا يعتبر فيه وجودها في الخارج أبدا بل و تستعمل فيها على التقديرين و لا يلزم ارتكاب مجاز نعم في صورة عدم تحققها لا بدّ من كونه لغرض سوى بعث المأمور إلى الإتيان بالمأمور به و ذلك الغرض يختلف باختلاف الموارد فقد يكون للامتحان و قد يكون للتسجيل و أمر الكافر من قبيل الأخير فالصّيغة هنا أيضا مستعملة فيما وضعت له لغرض التّسجيل و ذلك ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيا من حيّ عن بيّنة (و إن قلت) إن مجرّد التسجيل من دون تعلّق إرادته تعالى كيف يصحّ العقاب و الحال أنّهم معاقبون على ترك الإطاعة اتفاقا (قلت أوّلا) إنّ الكلام في المقام متعلّق بحقيقة الأمر و مجازه و أنّه موضوع لما ذا هل هو الإرادة أو شي‏ء آخر يسمّى بالطّلب و تعيين مصحّح العقاب خارج عمّا نحن فيه (و ثانيا) إن الّذي يقتضيه التحقيق أن العقاب إنّما هو مترتب على المخالفة و العصيان و استحقاق العقاب يدور مدار المخالفة و هي إنّما تحصل بمخالفة الأمر الكاشف عن الإرادة الآمر سواء كانت موجودة في الواقع أم لا لأنّ المأمور لا يدري بحقيقة الحال و يجب عليه البناء على وجودها و الأخذ بظاهر الأمر الكاشف عنها بمقتضى الوضع فإذا علم بذلك فلا عذر له في المخالفة و العصيان إذ التكليف و الطّلب و الإلزام و غيرها من العناوين المقتضية لوجوب الامتثال كلّها تحصل بذلك و إن كانت من العناوين الثانوية كيف و لو لا ذلك لم ينفع القول بمغايرة الطّلب للإرادة أيضا لأنّ الطلب المجرّد عن الإرادة كيف يصحّح العقاب على زعم السّائل و لو قال إنّه يكفي فقد اعترف بعدم ورود السّؤال لأنا نقول إن توجيه الأمر الكاشف عن الإرادة كاف في تحقق الطلب و التكليف على مذهبنا أيضا و لا يحتاج إلى إثبات مدلول إنشائي نفساني في نفس الأمر بل هو على مذهبنا أولى بالكفاية لجواز تخلّف الأمر عن الطّلب الّذي يجعلونه مدلولا للأمر على مذهبهم و عدم إمكان التخلّف على مذهبنا لأنّه من العناوين الثانوية الّتي لا يتخلف عن الأمر الكاشف عن الطّلب سواء كان هو عين الإرادة أو غيرها (و الحاصل) أنّ السّائل يقول إن الطلب هو الّذي يترتب عليه الذمّ و العقاب و نحن أيضا نقول بذلك و إنّما الفرق بيننا أنّه يدعي أن الطّلب مدلول لصيغة الأمر و نحن نقول إنّه عنوان ثانوي يحدث بحدوث الأمر الكاشف عن الإرادة و لو لم يكن في الواقع إرادة فإنّه أمر يدور مدار مقتضياتها في الواقع و أمّا عنوان التكليف و الطّلب فلا يتخلف عن الأمر الكاشف عنها بمقتضى الوضع (و ثالثا) أنّ عدم إرادته تعالى منهم الإيمان مسبّب عن علمه بعصيانهم و يأسه عن صدور الإيمان منهم و هما معلولان لاختيارهم الترك فهو في الحقيقة مستند إلى سوء اختيارهم و خبث سريرتهم لا لأنّ الفعل خال عن المصلحة النفس الأمرية في نفسه فالفعل من حيث هو محبوب عنده ذا مصلحة و لكنّه ما أراده منهم لعلمه بعدم إقدامهم الإتيان به فعدم إرادته الناشئ عن عصيانهم و مخالفتهم لا ينافي لاستحقاقهم العقاب و بهذا يحصل الفرق بين الأوامر التسجيلية و الأوامر الامتحانية ضرورة أن عدم إرادة الأمر في الأمر الامتحاني إنّما هو لعدم محبوبيّة نفس الفعل المأمور به في نفسه و خلوّه عن المصلحة من حيث هو و من ذلك يمكن القول بعدم العقاب على ترك المأمور به في الأمر الامتحاني فقال هذا كلّه بعد المساعدة على عدم تعلّق إرادته تعالى بإيمان الكافر و طاعته و أصحابنا لا يرضون بذلك بل أطبقوا على وجود الإرادة و أن علمه تعالى بعصيانهم و كفرهم لا ينافي إرادة الإيمان منهم في حال القدرة و الاختيار و الأدلّة المستدلّ بها كلّها مزيفة مجزفة لوجوه وافية كافية شافية مذكورة في الكتب‏

الكلاميّة و ليس المقام مناسبا للتعرّض لها فإنّ التعرّض في ذلك ينجر إلى البحث في مسألة الجبر و التفويض و له مقام آخر (و الحاصل) أن المقدّمة المذكورة من عدم إرادة اللّه تعالى منهم الإطاعة مقدّمة غير مسلّمة و الأدلّة المذكورة عليه كلّها باطلة و إن سلّمنا أيضا لم يترتب عليها النّتيجة و هي مغايرة الطّلب للإرادة حسب ما أوضحناه و شرحناه فافهم و لا تغفل‏

الخامس‏

أنّه لو كان الطّلب عين الإرادة و لم يكن وراءها شي‏ء آخر لزم بطلان عقد المكره و إن تعقّبه الرّضاء و التالي باطل فكذا المقدّم أمّا الملازمة فلأن الإنشاءات كلّها على نسق واحد من حيث عدم دلالتها على أمر قائم بالنّفس غير الإرادة و ما يجري مجراها من الكيفيّات النفسانية الّتي منها الرّضاء و طيب النفس بمبادلة أو طلاق مثلا بناء على الاتحاد و من الواضح أن المكره غير راض بمضمون العقد أو الإيقاع فليس هو قاصدا للمعنى الّذي تزعمون أنّه معنى إنشاء

259

البيع و ليس وراءه شي‏ء آخر يكون مقصودا حتى يصير به قاصدا للمعنى و قد أجمعوا على اعتبار قصد المعنى في العقود و من هنا أورد شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) على صاحب المسالك المصرّح بعدم قصد المكره المعنى بأن مقتضاه بطلان عقد المكره و عدم فائدة الرّضاء الّذي يتحقّق بعده و الحاصل أنّ المكره غير قاصد للبيع إذا لم يكن المبيع معنى سوى الرّضاء بالمبادلة فيلزم أن يكون باطلا و لو مع الإجازة هذا (قلت) و جوابه أيضا يظهر ممّا ذكرناه في الأوامر الامتحانية و الأوامر التسجيلية و توضيحه هنا أن صدق البيع على عقد المكره إنّما هو لأجل استعمال الصّيغة الصّادرة منه على وجه الإكراه في معناها الحقيقي إذ حقيقة الاستعمال هو ذكر اللّفظ لتفهيم المعنى و هو حاصل هنا و إن كان المعنى و هو طيب النّفس غير متحقق في الخارج إذ قد عرفت أنّه لا يعتبر في استعمال اللّفظ فيما وضع له وجود مفاد اللّفظ و معناه الحقيقي حال الاستعمال فصدق البيع على عقد المكره لا يتوقف على الالتزام بأمر أخروي و الكيفية النفسانية الّتي هي الرّضاء بالمبادلة كما لا يتوقف قصد المعنى أيضا على شي‏ء آخر فمتى ذكر اللّفظ في مقام تفهيم مدلوله فهو قاصد للمعنى و منه يظهر أن ما ذكره شيخنا (قدّس سرّه) من أن المكره قاصد لإنشاء البيع و إن لم يكن راضيا به فإنّ إنشاء البيع شي‏ء و الرّضاء به شي‏ء آخر في مقام تصحيح عقد المكره بعد الإيراد على صاحب المسالك ليس على ما ينبغي بل هو مبني على مختار من عرفت من القائلين بالمغايرة (و الحاصل) أن عقد المكره عقد مقصود به المعنى مقرونا باستعمال الصّيغة في معناها الحقيقي من غير أن نلتزم بالمغايرة فلا كراهة في شي‏ء من الكلامين لا في كلام المورد و لا في كلام المورد نعم لو سلّمنا عدم قصد المعنى كما قال صاحب المسالك نجيب عن دعوى الإجماع على اعتبار قصد المعنى بأن القدر المتيقن من إجماعهم هو بطلان عقد من لم يلتفت إلى اللّفظ و لا يقصد منه إظهار معناه كالهاذل و النائم و الساهي و الغالط و أشباههم ممن لم يقصد اللّفظ أو لم يقصد التفهيم و أمّا الملتفت المريد لإظهار المعنى باللّفظ لغرض صحيح فلا نسلّم تحقّق الإجماع على بطلان عقده لأنّ دليل اعتبار القصد إنّما هو الإجماع و المسلّم منه بعد ذهاب الكلّ أو الجلّ على صحّة عقد المكره هو ما عداه هذا مع أنّ إثبات أمر عقلي بالإجماع المتحقق في المسألة الشرعية من أقبح الأشياء كما لا يخفى على من له بهرة من العلم ثمّ إنّه يندفع بما ذكرناه من وجود قصد المعنى في عقد المكره ما استشكله المحقق الكركي في جامع المقاصد في ذيل مسألة بيع المكره بقوله و اعلم أن هذه المسألة إن كانت إجماعية فلا بحث و إلا فللنظر فيه مجال لانتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرضاء و لا يتحقق العقد المشروط بالقصد إذا لم يتحقق الرضاء لأنّ الظّاهر من كون العقود بالمقصود باعتبار القصد المقارن لها دون المتأخر انتهى و توضيح وجه الاندفاع أن قصد المعنى حاصل بذكر اللّفظ لإظهار مفاده إذ لو لم يلتفت إلى المعنى كيف يقصد إظهاره باللّفظ فالمكره إذا أراد إظهار المعنى باللّفظ فهو قاصد للمعنى و بالجملة فلا نعني بقصد المعنى سوى إلقاء الكلام لأجل التفهيم و لو كرها و إلجاء و هذا هو عين قصد المعنى لأنّا لا نتعقل من قصد المعنى سوى ذلك و هذا هو بعينه موجود في عقد المكره كعقد المختار من غير فرق حسبهما عرفت مفصّلا في الأمر الامتحاني فلا تغفل و أمّا اعتبار اقتران العقد بالرّضاء أو لحوقه إيّاه بالإجماع أو دليل معتبر شرعي آخر فلا ربط له بالمقام و الحاصل أنّ قصد المعنى الّذي يعتبر تحقيقه حال العقد بمقارنته إياه حاصل بذكر اللّفظ و إرادة تفهيم المعنى و أمّا الرّضاء المعتبر لحوقه بالدّليل فهو أمر آخر ورى قصد المعنى كما لا يخفى فتأمل جيّدا فإنّ المطلب دقيق غير محرّر في كتب الأصحاب‏

السّادس‏

أنّه لو كان الطّلب عين الإرادة لارتفع الفرق بين الأمر و الترجّي و التمني و هو باطل بالضّرورة فكذا المقدم بيان الملازمة أن معنى الأمر ليس سوى إرادة الفعل من المخاطب و هذا بعينه موجود في التمني و الترجي فلو لم يكن إنشاء نفساني يمتاز الإنشاءات بعضها عن بعض لارتفع الفرق الّتي بينها رأسا و انحصر في اللّفظ خاصّة كما يوهمه بعض عبائر الفصول و الجواب أن الفرق بينهما أنّ دلالة الأمر على الإرادة دلالة صريحة و دلالة سائر الإنشاءات عليها إنما هي بالالتزام توضيحه أن الإرادة عبارة عن العلم بالمصلحة و اعتقاد النفع و إذا حصل هذا الاعتقاد للإنسان حصل منهما في النفس كيفيات نفسانية مثل الميل و الشوق و الحب و البغض و نحوها فإذا أراد إعلام المخاطب بذلك عبّر عنها تارة بالصّراحة فيقول له افعل و ما يجري مجراه في الكشف عن الإرادة و أخرى بالملازمة عمّا في نفسه من بعض الكيفيات الحاصل من العلم بالمصلحة من الشوق و الميل و نحوهما من الحالات النفسانية و ألفاظ التمني و الترجي إنّما تدلّ على بعض تلك الحالات فينتقل المخاطب إلى ملزومه و سببه أعني الإرادة فالفرق بينهما نظير الفرق بين الكناية و التصريح فإن مفاد قول القائل زيد جواد و قوله جبان الكلب في المعنى واحد و هو الإخبار من صفة الجود لكن الأوّل إخبار عنه بالمطابقة و الثاني بالالتزام و نظيره الفرق بين البيع و الصّلح المعاوضي الذي استشكل فيه و لا يخلو من غموض و ذلك لأنّ دلالة البيع على المبادلة و النقل و الانتقال دلالة صريحة و دلالة الصّلح عليها دلالة التزامية لأن الصّلح عبارة عن التسالم و رفع اليد عن الشي‏ء و السّفح عنه و هذا ليس عين المبادلة مفهوما لكنه لازم له لأنّ كلّ من يبادل ماله فقد قطع النظر عنه ببدله و دلالة الصّلح على المبادلة من باب دلالة اللاّزم‏

260

على الملزوم مثل الكناية كما أن دلالة البيع عليها بالمطابقة فالمبادلة لازم مدلول الصّلح و عين مدلول البيع عليها بالمطابقة فالمبادلة لازم مدلول الصّلح و عين مدلول البيع‏

السّابع‏

أنّه إذا كان مدلول الأمر نفس الإرادة و كان المطلوب عن الصّيغة إعلام المخاطب بحصول الإرادة في النفس لزم ارتفاع الفرق بين الصّيغة و الجملة الإخبارية الدالّة على الإرادة فيكون قوله أريد منك الفعل و قوله افعل بمثابة واحدة من جهة الكشف عن ثبوت الإرادة إذ من المعلوم أن هذا المعنى معنى خبري فدلالة الجمل الخبرية عليه أقوى و أظهر و به يبطل الفرق بين الإخبار و الإنشاء مطلقا و التالي باطل بالضّرورة و الوجدان و اتفاق الأعيان فكذا المقدّم و الجواب (أوّلا) بالتفصّي عن الإشكال و هو من وجوه (أحدها) أن دلالة الجملة الخبرية إنّما هو دلالة تصديقية قائمة و دلالة الإنشاء دلالة تصوّرية و توضيحه أنّ قوله أريد منك فعل الضرب مثلا كاشف عن ثبوت إرادة المتكلّم للضّرب من المخاطب و أمّا قوله اضرب فالمستفاد منه و إن كان أيضا هو وجود تلك الإرادة في ضمير المتكلّم لكن مدلول نفس الصّيغة هو الإرادة المضافة إلى الضرب من المخاطب مجرّدا عن الإخبار بوجودها و ظهورها في وجوده و تحققها في ضميره إنّما نشأ عن شي‏ء آخر كما اعترفوا به بناء على المغايرة و لعلّه ظهور حال المتكلّم و الحاصل أن دلالة الصّيغة على وجود الإرادة و تحققها غير مستند إلى وضع الصّيغة و نحن نقول أيضا إلزاما لهم على معتقدهم بمثل ذلك حرفا بحرف و ندعي أن مدلول أصل الهيئة لا يزيد عن مدلول المركب الإضافي الغير التام كقوله إرادتي منك الضّرب و لا يدلّ على تحقق الإرادة في النفس و إنّما تدلّ عليها دلالة تصوّرية على حدّ دلالة المركب الإضافي و دلالة سائر المفردات أو المركبات الغير التامة على معانيها لكن ظاهر حال الآمر هو وجود تلك الإرادة و من المقرر أن المداليل أي المعاني التي يستفاد من اللّفظ بقرينة المقام كظهور حال المتكلّم و الشّهرة و نحوها محسوب عند العقلاء و العلماء و كافة أهل اللّسان من المداليل اللفظية بحيث ينتقل إليها الذهن و لو لم يكن المخاطب ملتفتا إلى تلك القرينة و لذا قالوا إن ظهور المجاز المشهور في معنى المجازي على القول به و ظهور المطلقات المنصرفة إلى الأفراد الشائعة لا يحتاج إلى الالتفات إلى الشهرة و غلبة الاستعمال و إن كان ملاحظة العدم مؤثرة في الظّهور بل ينصرف إليها نظرا إلى وجودها حال الخطاب و اختفائها و رسوخها في طبائع أهل التخاطب و التحاور فيجري مجرى المستفاد من الوضع لكن المنشأ في الحقيقة غيره و بذلك يتضح الفرق بين مدلول نفس الصّيغة و مدلول قوله أريد منك الضّرب فإن هذا بصريح لفظه دال على وجود الإرادة بخلاف الصّيغة فإنّها لا تدل إلا على إرادة مع النّسب الثلاثة المذكورة أعني نسبتها إلى المتكلّم و المخاطب و الضرب و أمّا وجودها في نفس المتكلّم فإنّما يستفاد منها بملاحظة ظهور حال المتكلّم باتفاق الفريقين و لهذا صار اضرب إنشاء و قوله أريد منك الضّرب إخبارا فلأن الإنشاء عبارة عن كلّ كلام لا يكون حاكيا عن أمر خارجيّ من الثبوت و اللاّ ثبوت و الإخبار عبارة عن كلّ كلام يكون لمدلوله خارج يطابقه أو لا يطابقه و هذا الفرق بعينه موجود بين اللّفظين (فإن قلت) إنّ الإنشاء عبارة عن نسبة ذهنية إنشائية ليس لها خارج و ليس معناه مجرّد عدم دلالته على الثبوت و اللاّ ثبوت و لذا لا يصدق الإنشاء على المفردات مع أنّ المعنى الّذي فسّرت به الإنشاء موجود فيها أيضا لأنّها تدلّ على معاني تصوّرية من غير الدّلالة على وجودها و عدم وجودها (قلت) هذا أوّل الدّعوى فإنّ المسلم إنما هو انقسام الكلام إلى القسمين الّذين ذكرناهما أعني ما كان مدلوله ثبوت شي‏ء لشي‏ء أو عدم ثبوت له و ما لم يكن كذلك و هذا ينطبق على الفرق الّذي أبديناه و أمّا انقسامه إلى نسبة خبرية و نسبة إنشائية فغير مسلم بل هو عين النزاع و قد عرفت في المقدّمات أن تقسيم النّسب إلى النّسبة الخبريّة و الإنشائية مبني على أصل الأشعري و من قال به من المعتزلة و الإمامية فقد جهل أو تجاهل و الحاصل أنّ بهذا البيان لم يبق للإشكال المذكور عين و لا أثر نعم قد يناقش فيه بعدم مساعدة الوجدان عليه فإنا نرى أن نفس الصّيغة تدلّ على ثبوت الإرادة فلو كان معناها هي الإرادة لا غير لارتفع الفرق بينهما فليتأمّل في المقام فإنّه من مزال الأقدام (و ثانيها) ما سنح لنا سابقا و ذكرناه في كتاب البدائع مشيرا عليه ببيانات وافية حاوية المزايا كافية من أنّ الأمر موضوع لإظهار الإرادة و الخبر موضوع للإخبار عنها و فرق بين الإخبار عن الشي‏ء و بين إظهاره و محصّله يرجع إلى الفرق بين‏

مداليل الكلام و بين مداليل النّصب و الأعلام كقول المؤذن في مقام الإعلام عن دخول الوقت بقوله اللّه أكبر و كقول المخبر به إن الوقت قد دخل فإن الأوّل إنشاء و الثاني إخبار مع اتحادهما بالمآل و هو الكشف عن دخول الوقت و هذا الفرق جيّد و إن لم يساعده وجدان من يجادل في الكلام و يقول إن المستفاد من كليهما شي‏ء واحد و هو الإخبار عن دخول الوقت فيتحدان إخبارا أو إنشاء فليتأمّل جيّدا (و ثالثها) أنّ الجملة كاشفة عن وجود الإرادة و هو الملحوظ في وضعها حسب و أما الصّيغة فلوحظ فيها أيضا مضافا إلى ذلك سببيتها البعث المخاطب على الفعل و هذا البعث من العناوين الثانوية و قد أشرنا إليه سابقا و هو و إن كان حاصلا و صادقا على كلّ ما كان كاشفا عن وجود الإرادة الّتي هي الباعثة على إقدام‏

261

المأمور على العمل إلاّ أن ذلك لم يلحظ في وضع الجمل بل الملحوظ فيها هو مجرّد الإخبار عن وجود المخبر به فالصّيغة يزيد مدلولها عن مدلول الجمل بهذه المزية الّتي صار بسببها إنشاء (و الحاصل) أنّك عرفت سابقا أنا لا ننكر مغايرة الطّلب للإرادة النفسانية مفهوما و مصداقا و لكن ندعي كونه من العناوين الثانوية و أنّه ليس كسائر المعاني من العناوين الأولية و هذا الّذي نقول به و بمغايرته للإرادة إنشاء و ليس بإخبار فنقول الطّلب بالمعنى المذكور شرط للموضوع له بأن يكون موضوعا للإرادة حيث أراد المتكلّم بعث المأمور على العمل و تحميله عليه فالطّلب و التحميل و البعث غرض وضع الآمر للإرادة فهاهنا شيئان معنى موضوع له و غرض الوضع فالموضوع له هو الإرادة و الغرض هو البعث فيدل بمقتضى مراعاة الغرض على وجود الإرادة لأنّ الانبعاث و الإقدام هنا يتفرعان على الإرادة دون اللّفظ و بهذا يفترق عن الجملة لأنّ هذا الغرض غير ملحوظ في وضعه و إن كان هو أيضا داخلا في هذا العنوان الثانوي ضرورة صدق البعث و الاقتضاء و الطلب على كلّ كاشف عن الإرادة الملزمة فتأمل و قيل في بيان الفرق بينهما بأن مدلول الجملة معنى اسميّ مستقلّ بالملاحظة و مدلول الصّيغة معنى حرفي غير مستقلّ آلة لملاحظة حال المادة كما يظهر من الفصول و فيه أنّ هذا الفرق و إن كان حسنا إلاّ أنّه بمجرّد ذلك لا يصير الجملة إخبارا و الصّيغة إنشاء ألا ترى أنّ هذا الفرق بعينه موجود بين لفظ الابتداء و كلمة من في قول القائل ابتداء سيري البصرة و قوله سرت من البصرة مع اشتراكهما في كونهما إخبارا و أضعف منه ما قد يقال إن الفرق بينهما أن الجملة إنّما تكشف عن الإرادة المطلقة و الصّيغة كاشفة عن الإرادة الحتمية و هي الإرادة المقرونة بعدم طيب لنفس المتكلّم الآمر ترك ما تعلّقت به الإرادة فإن مجرّد ذلك أيضا غير مجد في المقام كما لا يخفى (و ثانيا) لو أغمضنا عن ذلك كلّه و سلّمنا مقالة الخصم مماشاة له من أن مدلول الصّيغة لو كان نفس الإرادة لزم ارتفاع الفرق بين الجملة و الصّيغة فلا يثبت به أيضا مدّعيه و هو لزوم الالتزام بأمر نفساني ورى الإرادة من النسبة الإنشائية أو أمر آخر غيرها من الحالات النفسانية كما قال به القائلون بالمغايرة إذ لنا حينئذ أن نجعل مدلول الأمر ما يحدث به و يحصل بسببه من العنوان الثانوي الخارج عن النفس الصادق على الصّيغة الكاشف عن الإرادة و هو الإلزام و البعث الحاصلين بصدور اللّفظ (و إن قلت) كيف يمكن أن يكون العنوان الثانوي الحاصل من اللّفظ و معلوله معا موضوعا فإن الموضوع له ما يكون اللفظ كاشفا عنه كشفا إنّيا لا كشفا لميّا كما عرفت فيما سبق في غير موضع (قلت أوّلا) القائلون بأن الطّلب غير الإرادة قد صرّح بعضهم بأن الطّلب الّذي هو عبارة عن النّسبة الإنشائية غير الإرادة مدلول للّفظ و يحدث بحدوثه و عليه يعود السّؤال أيضا كما لا يخفى و كلّما هو الجواب على القول بالمغايرة و التفصّي عنه على مقالتهم فهو الجواب على مقالتنا أيضا (و ثانيا) إن الوضع عبارة عن تخصيص شي‏ء بمعنى و هذا المعنى لا يجوز أن يحقق في العنوان الثانوي الّذي من اللّفظ بأن يقول الواضع إنّ كلّ من أراد تحميل عبده على شي‏ء و بعثه إليه و تكليفه به فليقل هذا اللّفظ فإن البعث و التحميل حينئذ يصير موضوعا له و إن كان حاصلا من اللّفظ (و إن قلت) إن ذلك مستلزم للدّور فإنّ استعمال اللّفظ في معناه يتوقف على تحقق ذلك المعنى في الخارج و يتوقف تحقق ذلك على استعمال اللّفظ فيه و هذا دور (قلت أوّلا) إن هذا مشترك الورود إذ لا فرق في هذا المحذور بين أن يكون المعنى الحادث باللّفظ أمرا نفسيّا أو عنوانا من عناوينه حاصلا بحصوله (و ثانيا) إنّ التوقف من الجانبين ممنوع لأن المعلول يتوقف على العلّة و لكن العلّة ليس بمتوقف على المعلول بل مستلزم له فتأمل (و ثالثا) إنّ المحذور المذكور لازم للقول بالمغايرة أيضا فهو مشترك الورود على الفريقين و عليهما التّصدي لبيان الفرق و لا اختصاص له بالقائلين بالاتحاد لأنّ قوله أطلب منك الفعل و قوله افعل كلاهما كاشفان عن الطّلب النّفسي الّذي هو غير الإرادة على القول به فعلى الأشعري أيضا رفع الإشكال كالمعتزلة من غير فرق (و الحاصل) أنّ هذه المسألة غامضة علميّة لا بدّ من حلّها أو كشف الغناع عنها سواء قلنا باتحاد الطّلب للإرادة أو بالمغايرة و دعوى أنّ مدلول الأوّل ليس هو ثبوت المعنى النّفساني الّذي يسمّونه بالطّلب لكونه موجودا بوجود

الأمر فإذا لم يكن أمر لم يكن وجود في نفس المتكلّم فلو قال أطلب منك كذا كان المراد به ما يقارنه أو يلازمه من الإرادة و نحوها من الكيفيات النّفسانية واضحة الفساد و إن كاد أن يكون صريح كلام المحقق الخوانساري و بعض آخر ضرورة أن الطّلب لا بدّ أن يكون معنى قائما بنفس المتكلّم و يكون اللّفظ عليه دليلا و من الواضح أن صيغة الأمر لا يحدث بها معنى في النّفس بأن يكون علّة لوجوده و إلاّ لزم الدّور فتأمل فلا بدّ أن يكون كاشفا عنه و يكون شيئا راجعا إلى اختيار المتكلّم و مشيّته و يكون الكاشف عنه تارة مادّة الطّلب و أخرى صيغة فالإشكال وارد عليهم نقضا من غير فرق و لو سلّم استناد وجوده إلى اللّفظ لم ينفع أيضا لأنّ لنا أن نقول إن الموضوع له هو العنوان الّذي يحدث بحدوثه حسبما مر و به نتفصّى عن الإشكال و نبيّن الفرق بين الإخبار و الإنشاء من غير حاجة إلى الالتزام بأمر نفساني غير معقول (و الحاصل) أن مدلول الأمر عند القائلين بالمغايرة إن كان أمرا نفسيّا سابقا على اللّفظ بحيث‏

262

يكون عليه دليلا كما هو صريح الأشعري فالنقض بحاله كما لا يخفى بعد التأمل و إن كان أمرا حادثا بحدوث اللّفظ حدوث المعلول عن العلّة فهذا و إن كان ممّا يندفع به النقض المذكور حسبما بيّناه لكن لنا أن نقول بمثل ذلك من غير أن نلتزم إلى الإنشاء النّفسي بأن نجعل مدلول الأمر ما يحدث به و يتحقق بسببه من العنوان الثانوي على الوجه الّذي فصّلنا الكلام فيه آنفا فليتدبّر

و ينبغي التّنبيه على أمور هي ثمرات المسألة

الأوّل‏

أنّه يظهر من التأمّل فيما مرّ حال تعريف البيع و سائر العقود الّذي اختلف فيه اختلافا شديدا إلى أقوال متكثرة فقيل إنّه عبارة عن الإيجاب و القبول و قيل إنّه نقل المال بعوض و قيل إنّه المبادلة و قيل إنّه التمليك و قيل إنّه الانتقال كما لا يخفى على من راجع ذلك الباب و ذلك لأنّ الإنشاءات كلّها على نسق واحد فإنّا إذا أبطلنا النّسبة الإنشائية في الأمر و قلنا إنّها ممّا لا يعقل تصوّرها فيه فلا فرق بين الأمر و سائر الإنشاءات في ذلك بل و يتأتّى هنا جميع ما ذكرناه هناك حرفا بحرف فإن قلنا إنّ مدلول صيغة الأمر ليس إلا الإرادة و إنّ الطلب و الإلزام و التكليف كلّها عناوين ثانوية طارئة على اللّفظ الكاشف عن الإرادة (فنقول) في البيع أيضا إن الصّيغة دالة على الرضاء و طيب النفس بالمبادلة و إن النقل و التمليك و نحوهما إنما هي عناوين ثانوية طارئة على الصّيغة الدالّة على الرّضاء و إن قلنا إن صيغة الأمر حقيقة لذلك العناوين بأنفسها فنقول هنا أيضا إن صيغة البيع حقيقة في نفس التمليك أو النقل و كذلك القائلون بالنّسبة الإنشائية في الأمر لهم تعريف البيع بإنشاء النقل النفساني و بعد ما عرفت بطلان القول بالكلام النّفسي تعرف فساد تعريف البيع بأنّه نقل مال بعوض و مبادلة مال بمال أو نحو ذلك إلاّ أن يريد به ذلك العنوان الثانوي الّذي أبديناه دون إنشائه في الضّمير و إعلامه بالصّيغة كما هو ظاهر عبائرهم في التعاريف كما تعرف صحّة تعريفه بالإيجاب و القبول الدّالين كما في الشرائع و غيره نظير تعريف الأمر بالقول الدّال على الطّلب‏

و الثّاني‏

اتفق الأصحاب على جواز الكذب حال الاضطرار ثم اختلفوا في وجوب التورية لو تمكن منه فالمشهور بينهم الوجوب فرارا عن الكذب معلّلا بأن الكذب لا يسوغ إلا في مقام الضّرورة لأنّ الضّرورات تبيح المحظورات و مع المتمكن من التورية لم يضطر إلى الكذب فالاضطرار بالكذب لا بتحقق إلا مع عدم تمكنه من التورية و ذلك لبنائهم على أن التورية صدق هذا مبني على القول بالكلام النّفسي و على أن يكون الاستعمال هو ذكر اللّفظ و إرادة المعنى فإنه حينئذ يكون معنى الخبري للتورية هو النّسبة الحكمية الصّادقة القائمة بذات المتكلّم الّتي أرادها في نفسه و عليه فيكون التّورية صدقا لأنّ ذلك المعنى موافق للواقع و المخالف له هو الّذي استفاده المخاطب من اللّفظ و ليس هو مرادا من اللّفظ حتى يكون هو مسائل الصّدق و الكذب في المطابقة و عدمها هذا و أنت بعد ما عرفت من بطلان القول بالكلام النفسي و أن الاستعمال هو ذكر اللّفظ لتفهيم المعنى تعرف فساد مقالتهم و ذلك لأن التورية على ما صرّحوا به هو ذكر اللّفظ و إرادة خلاف ظاهره بلا نصب قرينة و بعد انحصار الكلام في اللّفظي يكون المقسم إلى الكذب و الصّدق هو اللّفظ بملاحظة ما يستفاد من ظاهره لأنّه المعنى المستعمل فيه المقصود بالإفادة و الذي أراده في نفسه حين إلقاء اللّفظ فهو أجنبيّ عن اللّفظ خارج عن سنخ الكلام فلا يتصف بصدق و لا كذب و لا يتصف بهما اللّفظ أيضا بملاحظته و على هذا فالتورية كذب كما هو ظاهر المحقق القمي (رحمه الله) و الشيخ الفقيه في الجواهر و السيّد المعتمد في الدلائل و حكي عن غير واحد من الأجلاّء و منهم العلاّمة النراقي و حينئذ فلا وجه لما ذكروه من وجوب التورية حيث ما اضطر إلى الكذب لأن وجوبه إنما هو للفرار عن الكذب و لو كان هو نفس الكذب فلا فائدة في وجوبه و لو لم يخرج به الكلام عن الكذب فينتفي وجوبه عن الفائدة و احتمال وجوبها في نفسها تعبدا لا لأجل الفرار عن الكذب كما يظهر من بعض الأصحاب لا يلتفت إليه (أمّا أوّلا) فلأن كلماتهم آبية عن ذلك كما لا يخفى على المتتبع في عبائرهم لأنّهم يعلّلونه بالفرار عن الكذب و أين هذا من كونه واجبا تعبّديا (و ثانيا) أنّ وجوبه التعبدي هنا معناه أن يأتي بلفظ له ظاهر و يلتفت إلى قضية صادقة خفية حين التلفّظ بلا نصب قرينة و حاصله يرجع إلى وجوب قصدها تعبّدا من دون أن يكون لها مدخلية في صدق الكلام و كذبه و مثل هذا يحتاج إلى دليل قوي و هو مفقود هنا كما لا يخفى هذا على فرض انحصار الكلام في اللّفظي كما هو الحق و الصّواب و إن أغمضنا عنه بأن سلّمنا النّسبة الخبرية التامة و قلنا بالكلام النّفسي قلنا إبطال مقالة الخصم بوجه آخر و ذلك بأن نقول إنّ الصّدق و الكذب من صفات اللّفظ كالتثنية و الجمع و الإعراب و البناء و نحوها فصدق الكلام و كذبه باعتبار مطابقة ظاهر ما يستفاد من اللّفظ للواقع و عدمه و هو القضيّة الملفوظة لا من صفات المعنى حتى يكون المدار في الصّدق و الكذب على مطابقة القضية المعقولة و هي النّسبة الخبرية و عدمها كما يزعمون و الحاصل أن المتكلّم إذا تلفظ بكلام فهاهنا قضيّتان إحداهما قضية معقولة و هي الّتي أرادها في نفسه و الثانية قضية ملفوظة و الموصوف بأحد الأمرين من الصّدق و الكذب هو القضية الملفوظة و مدار الصّدق و الكذب هو مطابقتهما و عدمها و يساعده العرف و اللّغة و يشهد على ما ذكرنا أن الإشارة لا تتصف بالصّدق و لا بالكذب عرفا و لغة و من ذلك يسقط احتمال أن المدار في الكذب على مخالفة

263

القضيّة المعقولة خاصّة أو مخالفة أحد القضيتين على البدل أو كلاهما معا أو غيرها من الاحتمالات المقصورة في المقام و ممّا ذكرنا ظهر أنّ التورية لا يخرج الكلام عن الكذب مطلقا سواء قلنا بالكلام النفسي أو لا (و العجب) ممن قال بذلك و أن مناط الصّدق و الكذب هو المعنى فإنّه لم يقل بالكلام النّفسي بل يعترف بانحصار الكلام في اللّفظي كما تقول فكيف يكون إرادة المعنى النفسي سببا لصدق الكلام مع مخالفة ظاهره للواقع و إن قال به فله وجه إلا أن التحقيق خلافه فإن الصّدق و الكذب من صفات اللّفظ دون المعنى كالتثنية و الجمع لا يقال الكلام النّفسي عبارة عمّا يوافق ظاهر الكلام من المعاني المعقولة لا كلّما يخطر بالبال عند الكلام فالتورية لا يتوقف على الكلام النفسي الباطل لأنا نقول سلّمنا ذلك مع وضوح فساده ضرورة اقتضائه الالتزام بثبوت قضيّتين معقولتين في ضمير المتكلّم عند التورية إحداهما الكلام النفسي على القول به و الأخرى التورية التي هي معقولة أخرى غيره لكنه غير مجد لمن أوجب مراعاتها فرارا عن الكذب إذ من الواضح البديهي كون الصّدق و الكذب من صفات الكلام إمّا اللّفظي كما هو الحق و إمّا النفسي كما يزعمه المجادل و أمّا الّذي هو خارج عن حقيقة الكلام و لا دخل له في كلامية الكلام فوجوده مستدرك لا يجدي في تحقق عنوان الصّدق و الكذب رأسا فلا وجه لوجوب مراعاتها عند الضّرورة نعم لا بأس بوجوبها تعبّدا شرعيّا لكنّه حسبما قلنا يحتاج إلى دليل و لا يساعده حديث تقدر الضّرورات بقدرها كما زعم (و الحاصل) أن وجوب التورية يحتاج إلى دليل صريح و لا يقتضيه ما قالوا عن أن الكذب حرام لا يصار إليه إلاّ عند الضّرورة و لا ضرورة إليه إلا مع عدم إمكان التورية لكونها صدقا هذا كلّه على ما يقتضيه القواعد العقليّة و أمّا الأدلّة النقلية فقد استدلّ شيخنا العلاّمة بطائفة من الأخبار على صدق التورية بقوله و مما يدلّ على سلب الكذب من التورية ما روي في الاحتجاج أنه سئل الصّادق (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جل في قضية إبراهيم (عليه السلام) بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ قال (عليه السلام) ما فعل كبيرهم و ما كذب إبراهيم (عليه السلام) قيل و كيف ذلك فقال إنما قال إبراهيم إن كانوا ينطقون أي إن نطقوا فكبيرهم فعل و إن لم ينطقوا فلم يفعل شيئا فما نطقوا و ما كذب إبراهيم و سئل عن قوله تعالى‏ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏ قال إنّهم سرقوا يوسف من أبيه و سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ حكاية عن إبراهيم‏ إِنِّي سَقِيمٌ‏ قال ما كان إبراهيم سقيما و ما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتابا و في مستطرفات السّرائر من كتاب ابن بكير قال قلت لأبي عبد اللّه الرجل يستأذن عليه يقول للجارية قولي ليس هو هاهنا فقال لا بأس ليس بكذب فإن سلب الكذب مبني على أن يكون المشار إليه بقوله هاهنا موضع خال من الدّار إذ لا وجه له سوى ذلك و روي في الحيل من كتاب الطلاق للمبسوط أنّ واحدا من الصّحابة صحب واحدا آخر فاعترضها في باب الطّريق أعداء المصحوب فأنكر الصّاحب أنّه هو فأحلفوه فحلف لهم أنّه أخوه فلمّا أتى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) قال له صدقت المسلم أخ المسلم إلى غير ذلك ممّا يظهر منه ذلك انتهى و ممّا يظهر منه ذلك ما عن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد قال سمعت أبي عبد اللّه (عليه السلام) يقول أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إن الكلمة تتصرّف على وجوه فلو شاء إنسان تصرّف كلامه كيف شاء و لا يكذب (قلت) الظّاهر المتراءى منها في بادي النظر و إن كان ما هو ذكره إلاّ أنّه عند دقيق النّظر لا يصلح شي‏ء منها للاستناد به في المقام بل كلّها قاصرة عن إفادة ذلك دلالة و حجية أمّا الفقرة الأولى ممّا في الاحتجاج و هي قوله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى بل فعله كبيرهم (فنقول) إن الإمام (عليه السلام) أراد أن يبيّن أن في قوله تعالى نوع ارتكاب لخلاف الظاهر حيث إنّ حاصل كلامه يرجع إلى أن قوله تعالى إن كانوا ينطقون شرط لقوله بل فعله كبيرهم لا لقوله فاسألوهم كما يقتضيه الظّاهر فالآية على تفسير الإمام (عليه السلام) تكون هكذا بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم فالرّواية مسوقة لبيان تخلّل جملة معترضة في البين في كلام اللّه تعالى الحاكي عن كلام إبراهيم و مثله في القرآن أكثر كثير و أين هذا من التورية و أمّا الفقرة الثانية و الثالثة فظاهرهما

و إن كان هو التورية أيضا إلاّ أنّه لا مانع من حملهما على تفسير البطون فيحتمل أن يكون تفسير الإمام (عليه السلام) للآيتين مبنيّا على مراعاة البطون الّتي لا تنافي للظاهر فيكون معنى ما ذكره الإمام (عليه السلام) لتفسير الآيتين بالباطن مع بقائهما على ظاهرهما و لا ضير فيه سوى لزوم الكذب في كلام الخليل و الصديق على نبيّنا (عليه السلام) و هو بعد ما روي في بعض الأخبار من أنّ الكذب في بعض المقامات أحلى من العسل غير منافي و أمّا رواية ابن بكير فدلالتها على سلب الحكم أظهر من دلالتها على سلب الموضوع فهو نظير قوله لا غيبة للفاسق ضرورة أنّ سلب الموضوع هنا مبني على الإضمار و التقدير المخالف للأصل بأن يحمل قوله ليس هاهنا على مكان خاصّ و هو مخالف للأصل بل مقتضى الأخذ بظاهره حمله على الكذب السّائغ دون الحمل على موضع خاصّ حتى تكون تورية فلم لا يبقى على ظاهره و يحمل على الكذب السّائغ و أمّا قوله (عليه السلام) صدقت المسلم أخ المسلم فإنما هو توجيه من رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) في كلامه لا أنّه أراده و هو عين الحلف فقال له رسول اللّه صدقت و ذلك نظير قول القائل في جواب الأمير حين قال عتابا عليه لأحملنّك على الأدهم و الأشهب مثل الأمير يحملني على الأدهم‏

264

و الأشهب و أمّا الرّواية الأخيرة فهي مسوقة لبيان أنّهم قد أجابوا عن بعض السّائلين عنهم (عليهم السلام) بما لا يطّلع على كنهه إلاّ الفقيه العارف بمزايا كلماتهم و لا مساس له بالتورية أبدا مع احتمال كون المراد بصرف الإنسان كلامه كيف شاء التلطّف و الطفرة في الكلام عن القضية المبتلى بها إلى قضية أخرى و الحاصل أن أمثال هذه الأخبار ليست صريحة في التورية بل و لا ظاهرة حسب ما عرفت ثم بعد تسليم الظّهور أو الصّراحة فنفخة بلا هزام لأنّ المسألة علميّة و المسائل العلمية خصوصا العقليات منها لا تثبت بأخبار الآحاد ضرورة أن محصّل مضامينها إمّا إثبات لكلام نفسي أو إثبات لتحقق موضوع الصّدق و كلاهما خارج عن الحكم الشرعي فلا يثبتان بأخبار الآحاد نعم لا مضايقة في ثبوت حكم الصّدق و عدم الحرمة عند الضّرورة و هو مما لا خلاف فيه و لا نزاع‏

بديعة اختلفوا في مدلول صيغة افعل‏

و ما يجري مجراها على أقوال متشتتة

و تحقيق الكلام فيه يستدعي تقديم مقدّمات‏

المقدّمة الأولى‏

استعمل الصّيغة في العرف و اللّغة في معان عديدة (منها) الوجوب و هذا الاستعمال في غاية الكثرة في الكتاب و السّنة و أوامر الموالي بالنّسبة إلى العبيد أكثره على هذا المنوال إلا أنّه يشكل من جهة أن المقام مسوق لبيان ما استعمل فيه الصّيغة عرفا و لغة و الوجوب معناه اللّغوي و هو الثبوت و لا ريب في عدم استعمالها فيه أبدا و إن أريد به المعنى المصطلح في لسان الأصوليين الذي يستفاد من تعريفهم للواجب يكون الفعل ممّا يستحق فاعله المدح و الثواب و تاركه الذم و العقاب فكذلك أيضا لأن الصّيغة لم تستعمل في صفة الفعل أبدا و قد يذب عنه بأن المراد بالوجوب هنا هو الإيجاب و إنما عبّروا عنه بالوجوب لاتحادهما و عدم تغايرهما إلا بالاعتبار فإن الأمر الحاصل في الخارج ليس إلاّ طلب الفعل و هذا إذا نسب إلى الآمر باعتبار صدوره منه يسمّى إيجابا و إذا نسب إلى الفعل باعتبار القيام به يكون وجوبا فهو في نفسه أمر واحد بسيط و بهذا الاعتبار عبّروا عن الإيجاب بالوجوب و فيه أن الإيجاب كالإلزام و التكليف حسبما عرفت من العناوين الثانوية الطّارية على الاستعمال فكيف يكون ممّا استعمل فيه الصّيغة و ما ذكرناه سابقا من أنّه الموضوع له و المستعمل فيه فإنّما كان إلزاما على الخصم ثم إنّ الفرق بينهما بمجرّد الاعتبار أيضا ليس بشي‏ء لأن الإيجاب من مقولة الفعل و الوجوب من مقولة الانفعال و تغايرهما أمر واقعي و ليس بمجرّد الاعتبار كما لا يخفى و التحقيق أن يقال إن المراد بالوجوب الّذي استعملت فيه الصّيغة هو الطّلب المؤكد البالغ حدّ المنع من الترك ضد الغير البالغ منه الحدّ المذكور فإن الطّلب و إن كان أمرا وجدانيا بسيطا إلا أنّه بحسب الشدّة و الضّعف له مراتب مختلفة متشتتة فأوّل مرتبة الطّلب و هو الغير البالغ حدّ الحتم ندب و هو أيضا باعتبار الشدّة و الضّعف له مراتب مختلفة و من هنا اختلف مراتب المستحبات بالتأكيد و عدمه إلى أن بلغ من التأكيد مرتبة لا يرضى معه الطّالب بتركه فيكون وجوبا حينئذ و له أيضا مراتب مختلفة بعضها فوق بعض و لذلك يحصل الاختلاف في مراتب الواجبات و يكون بعضها أهم من الآخر (و الحاصل) أن مفاد الصّيغة حال استعمالها في الوجوب هو الإرادة الحتمية المتأكدة المقرونة بعدم الرّضاء بالترك و هذا ممّا لا إشكال فيه و إنما الإشكال في أن دلالتها على المنع من الترك بالمطابقة أو الالتزام أو التضمّن ظاهر الأكثر هو الثّالث و صريح القوانين و الفصول هو الثّاني و قويا الأوّل و مبنى الوجوه هو أن مدلول الصيغة هل هو الطلب المقيد بالحتم و المنع عن الترك أو الطّلب مع الحتم و المنع أو نفس التحتم فعلى الأوّل تدلّ عليه بالالتزام و على الثاني بالتضمّن و على الثالث بالمطابقة و الأوّل أظهر و عليه يرد سؤال و هو أن التمسّك بالتبادر في المداليل التزامية غير معتبر و لذا لم يستدلّ القائل بوجوب المقدمة أو حرمة الضدّ أو الإجزاء أو فساد المنهي عنه بالتبادر و تصريح أهل اللّسان فهذا يكشف عن الثالث و هو كون الصّيغة موضوعة لصفة التحتم و المنع من الترك دون الطلب المقيد بهما و يدفعه أن الخلاف في المداليل الالتزامية إن رجع إلى الخلاف في الملازمة بعد الاتفاق على المعنى الموضوع له فهذا هو الّذي لا مسرح فيه للتبادر أو سائر طرق الوضع و الأوضاع و المسائل المشار إليها كلّها من هذا القبيل لأن الخلاف فيها إنّما نشأ من الخلاف في الملازمة فمن يقول بوجوب المقدّمة فهو يرى التلازم بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و من لا يقول به فهو ينفى الملازمة فالخلاف في مقدّمة الواجب و أمثالها إنّما هو في ثبوت المدلول الالتزامي بعد الفراغ عن المدلول المطابقي و أمّا في المقام فمنشأ الخلاف فيه هو الخلاف في المدلول المطابقي فإن القائل بأنها للنّدب يدعي كونها موضوعة للطّلب الغير البالغ حدّ التحتم و المنع من الترك و القائل بأنّها للوجوب يدعي أنها موضوعة له لا لغير البالغ خاصة و لا للقدر المشترك بينه و بين البالغ و هذا مثل الخلاف في المفاهيم فإنّها أيضا مداليل التزامية إلا أنّ النزاع فيها إنما نشأ في مطابقية التعلّق بالشرط أو الصّفة فمن يقول بالمفهوم فهو يدعي أنّه موضوع للتعليق على العلّة التامة و من لا يقول بذلك يقول إنه لا يدل على الأزيد من السّببية المطلقة الموجودة في العلّة و أحد الأسباب و هذا أصل مطّرد في المداليل الالتزامية فإن رجع البحث فيها إلى البحث في المطابقة

265

جاز التمسّك فيه بالتبادر و غيره من طرق الأوضاع و إن رجع إلى البحث عن الملازمة بعد الاتفاق على المطابقة كان المرجع فيه هو الوجدان أو البرهان دون التبادر و نصّ أهل اللّسان فافهم (و منها) الإرشاد و هو أيضا في غاية الكثرة في الكتاب و السّنة أو العرف و اللّغة و منه قوله تعالى‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ و قوله‏ وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ‏ و جميع ما تعلّق بأبواب المعاملات من أجزائها و شرائطها و جميع أوامر النصّاح و الوعّاظ و الأطبّاء إلى غير ذلك ثم إن كون الإرشاد إنشاء مغاير للطّلب على حدّ سائر الإنشاءات المغايرة له كالتّمني و الترجي و نحوهما فيكون قسيما للطّلب أو قسما منه قسيما للوجوب و الندب أو إخبارا محضا عن المصلحة فيكون الأمر مستعملا في الخبر كما أن الخبر قد تستعمل في الإنشاء كصيغ العقود و نحوها وجوه و أقوال و الّذي لعلّه يظهر من بعض المحققين في بعض كلامه هو الأوّل حيث قال إن العاقل لا يكون طالبا لما هو مبغوض له واقعا مع أن الأمر الإرشادي قد يتعلّق بما هو مبغوض للآمر و هو ظاهر كلامهم في تعداد معاني الأمر لأن قضية المقابلة أن يكون الأمر الإرشادي مباينا لها و نقل من بعض أنّه قسم من الطلب الغير الإلزامي لكنه مغاير للأمر الندبي بأن مصلحة النّدب مما يرجع إلى الآخرة بخلاف مصلحة الأمر الإرشادي فإنها راجعة إلى الدنيا و صريح بعض و ظاهر غير واحد أنه محض الإخبار عن المصلحة الداعية إلى الأمر فيكون الفرق بينه و بين الوجوب و سائر الإنشاءات فرق الإخبار عن الإنشاء (أقول) أمّا القول الأوّل فلا يساعده برهان و لا وجدان أمّا الوجدان فواضح إذ الوجدان قاض بأنّه قسم من الطّلب و أمّا البرهان المذكور ففيه (أوّلا) أنه معارض بمثله إذ كما أن العاقل لا يطلب مبغوضه فكذا لا يرشد إلى مبغوضه (و ثانيا) أن مصلحة النصح و الإرشاد أيضا ممّا تصلح أن تكون داعيا إلى الأمر و لو بالعرض فيكون المرجوح بالذات راجحا بالعرض فلا مانع من تعلّق الطّلب بالمبغوض تعويلا إلى محض الإرشاد (و ثالثا) أنّ ذلك مبني على القول بالكلام النفسي فإنّه على القول به أمكن أن يقال إن الإرشاد إنشاء مستقلّ كسائر الإنشاءات و أمّا على المختار من أنّه ليس في نفس الأمر شي‏ء ورى الإرادة و أنّ المقصود من ذكر الصّيغة ليس إلاّ إظهارها و الإعلام عنها لأيّ غرض كان سواء كان ذلك لنفس محبوبية الفعل أو محبوبية إتيان المأمور أو لجهة خارجية من ثقة و نحوها فلا كما لا يخفى و أمّا القول الثاني و هو الفرق بملاحظة مصلحة المأمور به من حيث كونها دنيوية و أخروية ففيه (أوّلا) أنه يلزم منه خروج أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول و نحوهما من أوامر الإطاعة عن كونها إرشاديّا و دخولها في الأوامر الشرعيّة لأنّ المصلحة الباعثة إليها كلّها راجعة إلى الآخرة مع أن كونها أوامر إرشادية ممّا لا سترة عليه و لا ينبغي الإشكال فيه و يلزم أن يكون ما تعلّق من التكاليف بالمآكل و المشارب الضارة أو الأفعال الموجبة لبعض المفاسد الدّنيوية من نحو البرص و الجذام و الفقر و الهلاك و ما ضاهاها من المضار الدنيوية كلّها أوامر إرشادية مع أنّها جلاّ بل كلاّ أمور تعبّدية محضة و إن كانت مصالحها راجعة إلى الدّنيا و ليست من الإرشادية الّتي جعلوها قسيما للوجوب و الندب قطعا فتعريف الإرشادي بما كان المصلحة الدّاعية مصلحة دنيوية فاسد طردا و عكسا (و ثانيا) أنّه لا يتم في الأوامر العرفية ضرورة أنّه يلزم على ذلك أن يكون الأوامر العرفية كلّها إرشادية و هو باطل بالضّرورة لأنّ أوامر الموالي كلّها أوامر مولوية مقصود بها الإطاعة و ليست كأوامر الأطبّاء مثلا مسوقة لمحض الإرشاد إلى خير المأمور فهذا التعريف لو صحّ فإنّما يصحّ في خصوص الأوامر الشرعية دون غيرها و لعلّه لأجل التعميم فسّره بعض بما كان مصلحة الأمر راجعا إلى المولى دون المأمور فإن هذا التعريف يصلح ميزانا للفرق بين الإرشادي و غيره في خصوص الأوامر العرفية لكنّه لا يصلح ميزانا للفرق في الأوامر الشرعيّة فالفرقان فاسدان بوجهين متعاكسين هذا و يمكن الذّب عن الأوّل بأن دعوى بطلان اللاّزم مصادرة إذ لا مانع من جعل أوامر الإطاعة أوامر شرعية و تسميتها أوامر إرشادية ممّا لا يساعده اصطلاح و لا اعتبار و هل هو إلاّ تخرج بلا مدرك (و الحاصل) أنّه يمكن جعل الفرق بين الأمر الشرعي و الأمر الإرشادي بما ذكر و حاصله أن كلّ أمر من أوامر الشارع سبق لأجل التبليغ إلى مصالح الآخرة فهو أمر شرعي تعبّدي وضع الشرع لأجله سواء كان‏

بلا واسطة أو بواسطة المفاسد الدنيوية فإنّها كلاّ أو جلاّ قنطرة إلى المفاسد الأخروية و إذا كان المفسدة ممّا لا تعود إلى الآخرة أصلا كبعض المفاسد الدّنيويّة الّتي ليست مستحبة و لا مكروهة في الشّرع لكنّها متعلّقة للأمر لا الكتاب أو السّنة مثلا مثل قوله تعالى‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ و نحوه مما لا يترتب على مخالفته و موافقته سوى فوت الغرض الدّنيوي فهذا أمر إرشادي أي ليس الغرض منه سوى الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية الّتي هي خارجة من مقاصد الشارع الباعثة على وضع الشرع و لو كان مما تعود إليها فهي أوامر شرعية سواء تعلّقت بالمفاسد الدّنيوية أم لا فالمراد من المصلحة الدّنيوية ما كانت خالصة للدنيا غير عائدة إلى الآخرة أبدا و الظاهر أن اصطلاح العلماء (رحمه الله) بهذا أوفق من كلّ ما قيل أو يقال في تعريف الإرشادي لأن كون أطيعوا اللّه أمرا إرشاديا ممّا لا يقول به أحد و إنّما هو مبني على أن يكون الفرق بين الإرشادي و غيره شيئا راجعا إلى صفة الوجوب و الندب من ترتب الثواب و العقاب‏

266

و عدمه كما ستعرف و هو من سوانح شيخنا العلاّمة رفع اللّه مقامه و لا مشاحة فيه و لا ضير غير أنّه اصطلاح جديد ظاهر فإنّ القوم كلّهم أو جلّهم جعلوا الإرشادي قسيما للوجوب و النّدب لا قسما منهما و لا يشكّ أحد منهم في كون أطيعوا اللّه أمرا شرعيّا و كذا سائر الأوامر الشرعية الملحوظة فيه فوائد الآخرة بلا واسطة أو معها فالفرق المذكور بهذا البيان لا غبار عليه في خصوص الأوامر الشرعية دون غيرها كما أن الفرق بملاحظة عود المصلحة إلى المأمور أو الآمر لا يتم إلا في الأوامر العرفية و حينئذ فلو جعل مناط الفرق بين الإرشادي و غيره بالأول في الأوامر الشرعيّة و بالثاني في الأوامر العرفية كان حسنا سليما عن جميع المناقشات فافهم و أمّا الفرق الثالث فهو أيضا بعيد عن ظاهرهم فإن الأمر الإرشادي عندهم قسم من الإنشاءات و قياسه باستعمال الإخبار في الإنشاء كالدّعاء باطل إذ المدار في أمثال المقام مساعدة أهل اللّسان و جريان الاستعمال و لم يثبت صحّة استعمال الأمر في صرف الإخبار على ما هو الصّحيح عندهم و إن صرّح به في تفسير الجلالين في بعض الآيات القرآنية لكنه اجتهاد مردود عليه و على من حذر حذره فإنّه بالخطإ و الغلط أولى من التصحيح و التّصديق مضافا إلى أن هذا الفرق أن يكون قوله تعالى لا يمسّه إلاّ المطهّرون و أمثالها من الجمل الخبرية الّتي سيقت لبيان الحكم الشرعي إرشاديا و دعوى أنها مستعملة في الإنشاء فاسدة لا تليق إلا بالقاصر لأن دلالتها على الحكم الشرعي مع بقائها على إخبارها أبلغ و أتم من أن يلتزم فيها بالتجوز الغير الثابت و يمكن توجيه هذا الفرق بما يرجع إلى الفرق السّابق لكنه لا يخلو عن تكلّف و اجتهاد في مقابل نصّ القائل به هذا كلّه على تقدير أن يكون الإرشاد مباينا للوجوب و الندب و قسيما لهما و أمّا على تقدير كونه قسما منهما بأن ينقسم كلّ من الأمر الإلزامي و الغير الإلزامي إلى الإرشادي و غيره كما عليه شيخنا العلاّمة فهو خارج عن موضوع البحث إذ المقام مسوق لبيان مستعملات الأمر و الإرشاد بالمعنى المذكور ليس معنى مغايرا للوجوب و النّدب حتى يعد من مستعملاته بل هو قسم من أقسامهما إلاّ أنه لا بأس بالإشارة إليه لما يترتب عليه من بعض الفوائد المهمّة (فنقول) ذكر للفرق بين الإرشادي بهذا المعنى و غيره أو يذكر وجوه (أحدها) أن الإرشادي ما لا يترتب على موافقته أو مخالفته شي‏ء من الثواب و العقاب و غير الإرشادي ما يترتب عليه ذلك (الثّاني) أن الإرشادي ما يكون المصلحة الداعية للأمر حاصلة في نفس الفعل ذاتا موجودة قبل الأمر بمعنى أن الآتي بذلك الفعل يدرك تلك المصلحة و إن لم يأمره به آمر أو لم يأته بداعي الأمر و الشرعي ما كان المصلحة فيه موقوفا على الآمر (الثّالث) أن الإرشادي ما يكون المصلحة الباعثة للأمر فيه معلومة للمأمور قبل الأمر و الشرعي ما لا يكون كذلك و في الكلّ نظر (أمّا الأوّل) فلأنّه و إن صحّ إلاّ أنّه تعريف له بالرّسم لا بالحدّ و به لا يمتاز حقيقة كلّ منهما عن الآخر (و أمّا الثّاني) فلأنه يلزم منه أن يكون الأوامر التوصلية كلّها إرشادية لأن المصلحة فيها قائمة بنفس الفعل و تحصل للآتي به بنفس الإتيان و لو لم يكن الداعي الأمر بل و لو لم يكن مأمورا به و دعوى أنّ قصد التقرب موقوف على الأمر فلا يمكن التعبّد به بدون الأمر فلا يتحد مصلحة الفعل في الحالتين أعني قبل الأمر و بعده مدفوعة بأن مصلحة التعبّد ليس مصلحة للفعل المأمور به الدّاعية إلى الأمر به و إلاّ لم يكن توصليا إذ التوصّلي ما لا يكون متوقفا على قصد القربة فلا يكون موقوفا على الأمر أيضا و ذلك كأوامر الدّين فإن مصلحة الأمر به خروج العهدة عن حق الغير و فراغ الذّمة عنه يحصل بالأداء و إن فرض فقدان الأمر به أيضا و ذلك لا يساعده اتفاقهم على كون التوصليات واجبات شرعية كما لا يخفى (و أمّا الثّالث) فيلزم منه خروج أكثر الأوامر الإرشادية كأغلب أوامر الأطبّاء عن كونها إرشادية و صيرورته الواجبات الشرعية المطابقة لحكم العقل كوجوب ردّ الوديعة و أمثالها أو أقل إرشادية و اصطلاحهم لا يساعده عليه أيضا و إن كان قد يطلق عليه في لسان من لا مهارة له في الفنّ بل عن بعض تفسير الأمر الإرشادي بخصوص الأوامر الواردة في المستقلاّت العقلية و أن ما عداها من الأوامر كلّها غير الإرشادي فهو كلام خال عن التحصيل حسبما عرفت و كيف كان فالوجهان الأخيران فاسدان أحدهما عكسا و الآخر طردا و

عكسا و الّذي يصلح أن يكون ميزانا للفرق بحيث يكون جامعا لجميع الإرشاديات كلّها علم المصلحة فيها قبل الأمر أو لم يعلم على ما يقتضيه النظر في المقام و يساعده العرف الخاصّ و العام هو أن الإرشادي ما سيق للنصح بمعنى أن الغرض من الأمر فيه هو خصوص النصح كسائر الأوامر المسوقة لأغراض أخر مثل الامتحان و التسجيل و التهديد و نحوها فإن سيق الأمر للنصح فهو إرشادي سواء كان الفعل المأمور به محبوبا للآمر في نفسه أيضا أو مبغوضا له إذ قد يقتضي مصلحة الإرشاد إلى الفعل المبغوض للآمر كما أشرنا إليه سواء بلغ النصح مرتبة لا يرضى بتركه الآمر الناصح كأوامر الإطاعة أو لم تبلغ تلك المرتبة فهو أيضا كغيره ينقسم إلى الوجوبي و الندبي و قد يجتمع جهتا الشرعية و الإرشاد في أمر واحد و يساق الأمر لهما كما إذا كان الفعل محبوبا للآمر أيضا فإنّه باعتبار ما فيه من النصح و الإرشاد و ملاحظته إيّاه إرشادي و باعتبار محبوبية الفعل عنده و ملاحظته إياها حين الأمر غير إرشادي فيكون داعي‏

267

الأمر حينئذ أمران الإرشاد و محبوبيّة الفعل للآمر و إليه ينظر ما حكي عن السّلطان (قدّس سرّه) أن الأوامر الشرعية كلّها إرشادية فإنه ما من أمر منها إلاّ و فيه مصلحة تعود إلى المكلّفين فأمر المولى إنّما هو لتبليغهم بإتيانها إلى المقامات العالية و الدّرجات الرّفيعة فهي من هذه الجهة يكون إرشادية و من جهة محبوبية نفس الفعل له تعالى يكون شرعية و بهذا الاعتبار يترتب عليها الثواب و العقاب أيضا فتعريف الإرشادي لا ينافي تعريفه بما لا يترتب عليها الثواب بل و ممّا ذكرنا ظهر الوجه في تعريفه بما تعود المصلحة إلى المأمور فتأمل جيدا ثم إن النّسبة بين الإرشادي و غيره عموم من وجه فإن أقسام الأوامر ثلاثة (قسم منها) ما علم فيه عدم محبوبية الفعل للآمر و هذا ليس فيه إلاّ جهة النّصح و الإرشاد و منه أوامر الطبيب و قوله تعالى‏ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ و أوامر الإطاعة إذ ليس للإطاعة المأمور بها محبوبية و مطلوبية للشارع غير محبوبية الواجبات الشرعية و إلا لتسلسل و لذا لا يثاب و لا يعاقب زائدا عما يترتب على العناوين الأولية كالصّلاة و نحوها فلو كان الإطاعة أيضا محبوبة بمحبوبية مغايرة لزم ترتب المدح و الثواب و الذم و العقاب عليها مضافا إلى ما في العناوين الأولية و هو واضح (و قسم منها) ما علم أنّه ليس للنصح و الإرشاد بل لمحبوبية الفعل للأمر كأوامر الموالي إلى العبيد بما يتعلّق به أغراضهم و يمكن أن يجعل منه الأوامر الشرعية كلّها على مذهب الأشعري القائل بعدم إناطتها بالمفاسد و المصالح النفس الأمرية (و قسم منها) ما اجتمع فيه الأمران و سيق لهما معا و ذلك كالأوامر الشرعية على طريقة العدلية كما عرفت ثمّ إذا شككنا في موضع أن الأمر فيه هل هو للإرشاد أو التكليف فهل الأصل يقتضي أن يكون إرشاديّا أو تكليفيّا صرفا و يظهر الثمرة في أوامر الاحتياط و أمثالها ممّا كان مصبّه و محلّه نصحا و صلاحا للمأمور به فإنّ هذه الأوامر يمكن أن يكون للإرشاد المحض حيث لم يكن محبوبا للآمر رأسا فلا ثواب في فعله و لا ذمّ في تركه و يمكن أن يكون للتشريع المحض و التكليف الصّرف وجوبا أو ندبا فيثاب و يمدح بفعله و يذم بتركه و كذا لو كان للتشريع و النصح معا حيث عرفت جوازه و إمكانه (قلت) مقتضى الأصل الأولي العملي أن يكون إرشاديّا فإن المرجع فيما إذا شكّ في شي‏ء من الأحكام الشرعية من التكليف أو الوضعية هو أصالة العدم و لا يعارضه الأصل في جانب الإرشاد إذ لا يترتب عليه أثر و لا فائدة فالأصل في الطرف الآخر سليم عن المعارض و هذا أصل مطّرد و قاعدة كلّية في إجراء الأصل و هو أن كلّما لا يترتب عليه عمل من المشكوك لا يجري فيه الأصل لعدم إفادته لا علما و لا عملا (و التحقيق) في المقام هو أنا إن قلنا بأن الأمر الإرشادي إنشاء مغاير للطّلب أو إخبار محض عن المصلحة فمقتضى أصالة الحقيقة أن يكون غير إرشاديّ وجوبا كان أو ندبا فإن الإرشادي بالمعنيين خارج عن حقيقة الأمر حسبما يأتي الكلام فيه حيثما يقتضيه المقام و أمّا على تقدير كونه قسما من الطّلب إلزاميّا كان كأوامر الإطاعة أو غير إلزامي كقوله تعالى‏ فَاسْتَشْهِدُوا فقد يتراءى في بادي النظر أن يكون للتعبّد أيضا بناء على أن الإرشاد كالامتحان و التّسجيل و التهديد و نحوها من الأغراض و الدّواعي الخارجية فيرجع الشكّ حينئذ إلى الشكّ في أن الغرض من الأمر هل هو حصول الفعل المأمور به أو غيره من الأغراض الخارجية المخالفة للظاهر المحتاجة إلى القرينة و مقتضى الأصل بمعنى الظاهر أن يكون الأمر مسوقا لحصول الفعل المأمور به لا لأغراض أخر كما في الامتحان و التهديد و نحوهما فإنها و إن كانت حقائق لغوية إلاّ أنّها مجازات أصولية تحتاج إلى القرينة حسبما مرّت إليه الإشارة غير مرّة و يدفعه أن الإرشاد بالمعنى المذكور ليس كالامتحان و نحوه مما يكون الغرض فيه شي‏ء آخر ورى حصول الفعل المأمور به فإن مصلحة النصح أيضا يقتضي ذلك و إنّما الشكّ في محبوبية الفعل المأمور به و عدمه للآمر مضافا إلى ذلك و هذا مما لا ربط له بأصالة الحقيقة و لا بسائر الأصول اللّفظية فيرجع إلى الأصل المذكور المطابق للإرشاد و هو الأصل الأول حسبما عرفت آنفا و دعوى أن ظهور حال الآمر محبوبيّة الفعل المأمور به ممنوع جدّا إذ لا مدرك له و كذا دعوى الغلبة فإنّها بمجرّدها مما لا عبرة بها في مباحث الألفاظ من غير إحراز بناء العقلاء و العلماء (فإن قلت) العقلاء يذمون العبد عند عدم امتثال‏

أمر المولى احتمالا لكون الغرض منه صرف الإرشاد الغير المستتبع لوجوب الإطاعة و الذّم آية كونه دالاّ بالوضع أو بالقرينة العامة على محبوبية الفعل المأمور به للآمر و استحقاقه المدح و الثواب إذا أتى به إطاعة للمولى (قلت) ذم العقلاء على فرض استواء احتمال الإرشاد و التكليف غير معلوم بل معلوم العدم سيّما بعد منع ظهور حال الآمر محبوبية الفعل المأمور به و عدم جريان أصالة الحقيقة كما لا يخفى فتدبّر (و منها) الطّلب المطلق الشامل للوجوب و الندب و جعلوا من أمثلته قوله اغسل للجمعة و الجنابة و الأوامر المتعلّقة بالعناوين العامة الشاملة للواجبات و المستحبات و هذا الاستعمال ممّا لا بدّ للقائلين بكون الصّيغة حقيقة فيه دون الوجوب و النّدب من إثباته إذ لو لا ذلك لزم المجاز بلا حقيقة و هو واضح و يشكل ذلك بأن وضع الصّيغة كسائر الهيئات و المركبات وضع الحروف و المبهمات فيكون الوضع فيها عامّا و الموضوع له خاصّا و من شرط هذا الوضع أن لا يوجد اللّفظ مستعملا في القدر

268

المشترك الجامع الّذي هو آلة لملاحظة المصاديق المندرجة و إلا لكان اسم جنس و كان وضعه عامّا و الموضوع له أيضا عامّا و توضيح المقام أنّهم لما وجدوا في لغة العرب طائفة من الألفاظ دائمة الاستعمال في الجزئيات و المصاديق الخارجية بحيث لا يمكن الالتزام في كلّ فرد منها موضوع مستقلّ حتى يكون مشتركا لفظيّا بينهما و لا الالتزام بالحقيقة و المجاز بجعل الموضوع له بعضها خاصة لعدم الترجيح به التجئوا إلى إبداء قسم خاص في الأوضاع و هو كون الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا فمن شرطه دوام الاستعمال في الجزئيات و عدم الاستعمال في القدر المشترك و حينئذ أشكل ثبوت هذا الاستعمال للصّيغة فكيف يسوغ لعارف أن يطلب بها مسلك مادة الطّلب أو مادة الأمر في الوضع للقدر المشترك مع كون وضعها وضع المبهمات و أيضا مصاديق الطّلب لا ينفك عن قيدي الوجوب و الندب فكيف يتصور استعمالها في القدر المشترك و قد يذب عن هذا بإمكان الاستعمال في حال غفلة الأمر عن خصوصيّة الوجوب و النّدب فيأمر بالشي‏ء و يريد به الطّلب من غير ملاحظة وجوب أو ندب و فيه مع عدم إمكان حصولها في أوامر الشارع أنّه إنّما يتم على القول بكون الطّلب غير الإرادة إذ يمكن حينئذ عدم التفات الآمر إلى الرضاء بالترك و عدمه ضرورة كون الطّلب الّذي ينشئه بالأمر معنى نفسانيا خارجا عن مقولة الإرادة و سائر الكيفيات النفسانية المتعلّقة بالفعل المأمور به من المحبوبية و المبغوضية و نحوها فلا مانع من غفلته حين الأمر عن ترك المأمور به فضلا عن الرضاء به و عدم الرضاء و أمّا على القول بأنّه عين الإرادة المتعلّقة به فيكون الوجوب و الندب عبارتين عن شدّته و ضعفه حسبما مرّ في بعض التحقيقات الماضية فلا يتصوّر حينئذ الغفلة عن تركه و عن الرضاء به كما لا يخفى و يمكن حسم مادة الإشكالين بإرجاع الاستعمال في الوجوب تارة و في الندب أخرى في الاستعمالات الخارجية إلى تعدّد الدال و المدلول بأن تستعمل الصّيغة في جزء الوجوب و هو الحصّة المشخّصة بالوجوب عن الطلب من غير أن يكون التقييد و التشخّص بالوجوب و النّدب داخلا في المستعمل فيه فإن هذا النحو من الاستعمال كاف في الوضع للقدر المشترك أي جعله آلة لملاحظة الجزئيات و إلاّ لم يصحّ الوضع للوجوب و الندب أيضا لعدم استعمال الصّيغة في مفهوم النّدب (و الحاصل) أن المستعمل فيه إن كان هو الطلب الموجود الخارجي في ضمن الوجوب أو النّدب من غير اعتبار الصّفتين و لا سائر المشخّصات اللاّزمة له في الاستعمالات من الإضافة إلى الطّالب و المطلوب منه في نفس المستعمل فيه أمكن المصير إلى الوضع للقدر المشترك مع مساعدة الدليل و لا ينافي ذلك كون وضعها عاما و الموضوع له خاصّا نظير القول بالوجوب حرفا بحرف و لا عدم إمكان وجود القدر المشترك في ضمير المتكلّم لكونه من الوجدانيات و لا يحتاج إلى ذلك بل لو تم كان الموجود الخارجي خصوص الأفراد من الوجوب أو النّدب إلا أنّ لنا كلاما آخر معهم في المقام يأتي إن شاء الله تعالى في الأدلّة فافهم و لا تغفل و اللّه الهادي‏

المقدّمة الثّالثة في تحرير محلّ النزاع‏

و هو على وجوه أشار إليها المحقق القمّي (أحدها) أن الصّيغة الصّادرة من العالي هل هي حقيقة في الوجوب أم لا (ثانيها) أنّ الصّيغة مع قطع النظر عن صدورها من قائل هل هي حقيقة في الوجوب أم لا (ثالثها) أنّ الصّيغة كذلك هل يفهم منها كون الأمر عاليا أم لا فيكون المستفاد منها أمران الوجوب و علو مرتبة الآمر (أقول) أمّا النزاع على الوجه الأوّل ممكن عند القائلين بأنّ مطلق الصّيغة حقيقة في الندب أو مطلق الطلب بأن يكون لعلوّ رتبة الآمر مدخلية في استفادة الوجوب منها حقيقة أو مجازا نظير الأمر الواقع عقيب الحظر و لا كذلك على تقدير كونه للوجوب فإنّه لو كان مطلق الصّيغة للوجوب فالصّادرة من العالي بطريق أولى هذا بالنّسبة إلى إمكانه و أما وقوعه فلا شاهد له من كلمات الأصحاب و إن كان قد يوهمه استدلالهم للوجوب بذم العقلاء إذا قال السّيد لعبده افعل و لم يفعل إلا أنّ الظّاهر كونهم في استدلالهم بذلك قاصدين لإثبات الوجوب لمطلق الصّيغة باعتبار كونه فردا من أفراده مطلق الصّيغة لا أنّ صدوره من العالي ملحوظ في نظرهم كما لا يخفى و أمّا على الوجه الثالث فواضح أيضا و يشهد عليه أمور (أحدها) ما سمعت سابقا من كلام العلاّمة في النهاية حيث اعتبر العلوّ في مصداق الأمر كما اعتبره في المادة (و ثانيها) قولهم هل للأمر صيغة تخصّه أم لا فإن الظّاهر من تخصّه أن تكون الصيغة مساوقة للمادة و مرادفة لها جنسا و فصلا و بحسب سائر الخصوصيات و لازم ذلك اعتبار العلوّ فيها مضافا إلى الطّلب على حدّ اعتباره في المادة (و ثالثها) ما ذكره من أن الصّيغة هل تدلّ على الوجوب الاصطلاحي أم لا فإن الوجوب الاصطلاحي أي كون الفعل بحيث يستحق تاركه الذّم لازم لصدور الأمر من العالي و إلا لم يكن كذلك فيدلّ على صدوره من العالي و أمّا على الوجه الثاني فممّا لا إشكال في وقوعه كما لا يخفى فالنزاع الواقع بينهم هنا في الموضعين (أحدها) دلالتها على الوجوب (و ثانيها) على مرتبة الأمر و علوّه أمّا دلالتها على علوّ الآمر فقد عرفت في البحث عن مادة الأمر عند نقل كلام العلاّمة أن الحق عدم اعتبار العلوّ في مصداقه و هي الصّيغة فلا نطيل بالإعادة و من أراد تفصيل الكلام فليرجع إلى ما حققنا هناك و أمّا دلالتها على الوجوب فاختلفوا فيه إلى أقوال لا جدوى في التعرض لها و من أرادها فعليه بالمراجعة إلى الكتب المبسوطة المعمولة

269

في المسألة و من جملتها على ما نقله السّيد عميد الدّين عن بعض من أنّ الصّيغة حقيقة في الإيجاب دون الوجوب و ذلك مبني على مغايرة الإيجاب للوجوب إذ لو اتحد في الواقع و كان المغايرة بينهما بصرف الاعتبار فلا معنى للتفصيل فينبغي صرف الكلام إلى بيان أن المغايرة بينهما هل هي بمجرّد الاعتبار أم مغايرة واقعية و نقل سلطان العلماء (قدّس سرّه) عن ولد صاحب المعالم أن وجه النظر الّذي أورده على كلام من قال بأنّ الأمر في مقام السّؤال يدلّ على الإيجاب دون الوجوب هو أن المغايرة بينهما اعتبارية فلا وجه لإثبات أحدهما و نفي الآخر و ظاهره ارتضاؤه به قال الفاضل المدقق الشيرواني ردّا عليهم إنّ دعوى الاتحاد غلط بيّن من خرافات الأشاعرة و مبني على أصلهم الفاسد من عدم إناطة الأحكام بالمصالح و المفاسد النفس الأمرية و إنكارهم الصّفة في نفس الفعل من حيث هو و يظهر ذلك من السّيد عميد الدّين أيضا حيث قال بعد نقله القول المذكور و ذلك مبني على أصل المعتزلة و كيف كان فالحق ما أفاده المدقق فإن الإيجاب حسبما عرفت في صدر المبحث من مقولة الفعل و الوجوب من مقولة الانفعال و مغايرتهما أمر واقعي لا بمجرّد الاعتبار (و توضيحه) هنا أن الوجوب تارة يفسّر بصفة الفعل المقتضية للإيجاب كما عن المعتزلة و قد يفسّر بكونه ممّا يستحق تاركه الذّم كما عليه اصطلاح القوم و قد يفسّر بالمطلوبيّة و المحبوبيّة و نحوهما ممّا ينتزع من الطّلب و الإيجاب و الإلزام و بأي معنى فسّر فهو مغاير للإيجاب الّذي هو صفة للفاعل و أمّا كون الاتحاد من خرائف الأشاعرة كما ذكره الشيرواني فوجهه أنّهم بعد إنكار الصّفة في الفعل الّتي زعمها المعتزلة و فسّروا الوجوب بها لم يجدوا سوى الطّلب الصّادر من الآمر فسمّوه باعتبار صدوره إيجابا و باعتبار تعلّقه بالفعل وجوبا و هذه مغايرة اعتبارية محضة فمدّعي الاتحاد لا بد له إنكار الصّفة و إرجاع الفرق إلى الاعتبار المحض بخلاف المعتزلة المثبتين للصّفة فإنّها مغايرة للإيجاب قطعا مغايرة واقعيّة لأن الصفة عندهم مقتضية للأمر فيكون مقدّمة عليه لا منتزعة منه بصرف الاعتبار و لذا قال السّيد عميد الدّين إن التفصيل بين الإيجاب و الوجوب مبني على أصل المعتزلة المفسّرين للوجوب بصفة الفعل المقتضية للإيجاب و كيف كان فالمختار وفاقا لأكثر المحققين كما نقله غير واحد منهم الشهيد في التمهيد أنّها حقيقة في الوجوب بالمعنى الّذي ذكرنا و هو الطلب المؤكد البالغ حدّ المنع من الترك أعني الإرادة الحتمية دون الفعل البالغ منه الحدّ المذكور و دون الأوصاف الّتي فسّر بها بالوجوب و أمّا القول بأنّها حقيقة في الطّلب المطلق أو الغير البالغ منه حدّ المنع من الترك فسيظهر إن شاء الله تعالى ضعفه و أمّا دلالتها على المنع من الترك هل هي على سبيل المطابقة أو التضمّن أو الالتزام فقد عرفت تفصيل الكلام فيه في المادة فلا نطيل بالإعادة

و لنا على المختار أقسام و ضروب من الأدلة و العمدة منها اثنان‏

الأوّل التبادر

فإن المتبادر من قول افعل من حيث هو مع قطع النظر عن القرائن و الخصوصيات إنما هو الطّلب المؤكد الّذي لا يرضى بتركه الآمر فلو سمع سامع قول افعل من قائل ورى الجدار مجرّدا عن القرينة ينسبق إلى ذهنه عدم رضاء الآمر بترك الفعل المأمور به و هذا أقوى دليل على الوضع و أجيب عنه بوجوه الأوّل أن كثيرا ما لا يخطر ببال السّامع نفس الترك فضلا عن المنع عنه فكيف يتبادر إلى ذهنه المنع من الترك و فيه أن المتبادر هو المرتبة الخاصة من الطلب الّتي يلزمها عدم الرضاء بالترك فهو مدلول التزامي للصّيغة لا مدلول مطابقي حتى يقلعه عدم التفات السّامع إليه فيكفي انسباقه إلى ذهنه لو التفت إلى الترك كما هو حال سائر المداليل الالتزامية الّتي يستدلّ عليها بالتبادر كالمفاهيم و أمثالها فإن مرجع ذلك إلى أن المتبادر معنى يلزمه ذلك هذا إذا كان محلّ الخلاف المطابقة بأن يدعي أحد الوضع لمعنى ليس له ذلك اللاّزم و الآخر يدعي الوضع للمعنى الّذي يلزمه كالجملة الشرطية فإن القائل بالمفهوم يدعي أنّها موضوعة للسّببية التامة الّتي يلزمها المفهوم و المنكر يدعي أنّها موضوعة لمطلق السّببية فالتبادر يحتج عليه و كذا الحال في المقام فإن غرضنا أن المتبادر من الصّيغة هو الطّلب المؤكد بحيث يلزمه عدم الرّضاء بالترك و لو بعد الالتفات و أمّا لو كان محلّ الخلاف الملازمة بعد الفراغ عن المطابقة كلزوم وجوب المقدّمة لوجوب ذيها فليس هنا للاستدلال بالتّبادر مسرح كما لا يخفى على البصير (الثّاني) أنّ التبادر المذكور منقوض بالتبادر الموجود في الطّلب و نحوه فإن المتبادر من الطلب و الإرادة عند قول القائل أطلب و أريد منك كذا مجرّدا عن القرينة هو الطّلب الحتمي أيضا مع أنّه لا كلام في أنّه حقيقة في الأعم منه و من غير الحتمي فلو كان التبادر مطلقا علامة للحقيقة للزم أن يكون لفظ الطّلب حقيقة في الوجوب و المعلوم خلافه هذا و فيه (أوّلا) أنّا لا نسلّم كون الطّلب لفظه حقيقة في الأعمّ و ليس بذلك المعلوم بل ندعي كونه حقيقة في الوجوب أيضا فتأمل (و ثانيا) لو سلّمنا ذلك منعنا خلوّه عن القرينة في استعمالاته العرفية بل ندعي استناد المذكور إلى القرينة و أمّا في استعمالاته الشرعية فنفس الانصراف ممنوع و الحاصل أنّ غالب استعمالات الطّلب في لسان أهل العرف محفوفة بالقرائن الدّالة على إرادة الوجوب من الحال أو المقال أو يقتضيه خصوصيّة المقام فليس انصرافه إلى‏

270

الوجوب من حاق اللّفظ حتى يتم النقض المذكور و أمّا في لسان أهل الشرع فالانصراف إلى الوجوب غير معلوم بل ممنوع رأسا (الثّالث) أن التبادر المذكور تبادر إطلاقي و المعتبر من التبادر في إثبات الوضع هو التبادر الوضعي المستند إلى حاقّ اللّفظ المعرّى عن جميع القيود حتى التجريد لا التبادر المستند إلى اللّفظ باعتبار إطلاقه و تجريده عن القيود و الخصوصيات و انصراف الصيغة إلى الوجوب إنما هو من تجريدها و تعريتها عن القيد فسبب الانصراف إطلاق اللّفظ و تجريده توضيح الكلام أنّ التبادر كما يكون مسبّبا من الوضع كذلك قد يكون مسبّبا من الإطلاق فالأوّل هو التبادر الوضعي و هو الّذي من علائم الحقيقة و الثّاني هو التبادر الإطلاقي فإنّ إطلاق اللّفظ و تجريده قد يكون سببا لانسباق الذهن من اللّفظ إلى المعنى و ذلك فيما إذا كان للمطلق فردان كان أحدهما مقيدا بقيد وجوديّ و كان الآخر مقيدا بعدم ذلك القيد الوجودي بأن يكون عدمه فصلا للفرد الآخر فإذا أطلق ذلك اللّفظ و لم يذكر معه شي‏ء آخر استفيد من تجريده عنه كون المراد هو الفرد الخالي عن القيد و أمثلته كثيرة (منها) لفظ الملك فإن المتبادر منه عند الإطلاق هو الملك الطلق التام المختصّ و ما عداه من الوقف أو الناقص أو المشاع المشترك يحتاج إلى ازدياد قيد فيه ليمتاز به عما عداه فلأجل خلوّه عن ذلك القيود ينصرف إلى الطلق التام المختص (و منها) التعييني و التخييري فإنّ الوجوب التخييري يحتاج إلى ذكر البدل فإذا لم يذكر معه البدل علم كونه واجبا تعيينيّا فالتعيينية مستفادة من إطلاق اللّفظ و تجريده من ذكر البدل و هذا واضح لدى التأمّل (و منها) المقام فإن صيغة افعل و إن كانت عند الإطلاق منصرفة إلى الوجوب إلاّ أن منشأ انصرافها إليه هو تجريدها و تعريتها عن تصريح الرضاء بالترك الّذي عدمه فصل الوجوب هذا و يمكن أيضا أن يكون سبب التبادر هنا هو غلبة استعمالها في الوجوب أو كمال الوجوب فإن التبادر حينئذ غير مستند إلى الوضع أيضا و قد يطلق عليه التبادر الإطلاقي نظرا إلى كون اللّفظ مجرّدا عن القيد و الخصوصيّة اللاّزمة على الرّضاء و لكنّه إطلاق نادر بل غير صحيح ضرورة أن التبادر غير مستند إلى الإطلاق بل مسبّب من الغلبة و إن كان اللّفظ مجرّدا إذ صرف مجرّد اللّفظ لا يوجب كون التبادر إطلاقيّا (و كيف كان) فغلبة الاستعمال من أسباب الانصراف إلى الأفراد الغالبة بلا إشكال هذا إذا كان المعنى الّذي غلب فيه الاستعمال من أفراد المعنى الموضوع له فلو كان مباينا له خارجا عنه فيسمّونه بالمجاز المشهور و المعروف فيه هو الإجمال و عدم الاعتداد بالانصراف الناشئ من الشهرة و غلبة الاستعمال و السّر في ذلك أنّ غلبة الاستعمال في المعنى المباين معارض بأصالة الحقيقة و إذا تعارضا تساقطا فيحكم بالإجمال و هذا إنّما يتمّ لو كان اعتبار أصالة الحقيقة و ما شابهها من باب السّببية المقيدة بوصف الظن و أمّا لو كان من باب السّببيّة المطلقة فلا وجه للحكم بالإجمال فإنّ غلبة الاستعمال حينئذ لا تصلح للمعارضة بشي‏ء من الأصول اللّفظية فمن ذهاب الأكثر إلى التعارض و الحكم بالإجمال في المجاز المشهور يمكن الاستنصار للقول بالسّببيّة المقيّد في الأصول اللفظية و هذا بخلاف انصراف المطلق إلى الأفراد الغالبة فإنه ناش من الغلبة الغير المعارضة بأصالة الحقيقة بناء على ما هو المختار من وضع الألفاظ للماهيات المهملة دون المطلقة فيجتمع بين مدلول اللّفظ و هي الطّبيعة و مفاد الغلبة و هي إرادة الغالب فظهر أنّ غلبة الاستعمال في المعنى المباين ليس لها إلا حالة واحدة و هي البالغة حدّ التعارض مع الوضع و الإجمال فإذا تعدى منها حصل النقل و هجر المعنى الأول و في بعض أفراد المطلق يزيد عليها مرتبة الانصراف (و الحاصل) أنّ غلبة استعمال الكلّي في الفرد قد تكون سببا للإجمال فيقتصر على الفرد الغالب من باب القدر المتيقن فإذا تجاوز عنها صارت سببا للانصراف فالفرق بين المرتبتين إنّما هو في كون الأخذ بالغالب في الأولى من باب الأخذ بالقدر المتيقن و في الثانية من باب الظّهور الناشئ من الانصراف و بهذا يفترق من المجاز المشهور إذ ليس له إلاّ حالتان حالة الإجمال و حالة النقل و أمّا الانصراف إلى المشهور بحيث يعد من الظواهر فلا عند الأكثر خلافا لبعض فيحمل على المعنى المجازي كالمطلق على الغالب و بالجملة فغلبة الاستعمال سبب للانصراف في أفراد الموضوع له بلا إشكال و عليه فانصراف الصّيغة إلى الوجوب إنّما هو لغلبة استعمالها فيه و الغلبة هنا سبب للانصراف لأن الوجوب من أفراد كلّي الطّلب الّذي هو الموضوع له للصّيغة و يمكن أن يكون سبب‏

انصرافها إليه أكمليّة الوجوب عن النّدب هذا غاية ما يمكن أن يقال في ردّ التبادر و في الكلّ نظر أمّا كون الكمال سببا للانصراف فلمنع السّببية فيه رأسا و إلاّ لزم انصراف الإنسان إلى أكمل أفراده و أشرفهم و هو خاتم النّبيّين (صلى اللَّه عليه و آله) و هكذا كلّ طبيعة إلى الفرد الكامل منها و هو واضح الفساد و بديهي البطلان اللّهمّ إلاّ أن يراد منه الكمال في الاستعمال فيرجع إلى غلبة الاستعمال و هي و إن كانت سببا للانصراف إلا أن الصّغرى هنا ممنوعة فإنّ غلبة استعمال الصّيغة في الوجوب غير معلوم بل معلوم العدم و أمّا ما ذكر من أنّه مستند إلى الإطلاق ففيه من وجوه الضّعف و الفساد ما لا يخفى بعد الالتفات إلى مقدّمة و هي أن الانصراف الناشئ من إطلاق اللّفظ لا يكون إلاّ في الأمثلة المذكورة سابقا

271

و ما شابهها من الألفاظ و إلاّ فليس المستفاد من إطلاق أسماء الأجناس مثل رقبة و رجل إلاّ هو العموم المنافي لإرادة الأفراد فليس الإطلاق سببا لانصراف اللّفظ إلى بعض أفراد الموضوع له دائما بل قد يكون الإطلاق مسببا لإرادة العموم كما في أعتق رقبة و قد يكون سببا لإرادة الخصوص أي بعض أفراد القدر المشترك الّذي هو الموضوع له كلفظ الوجوب المحمول عند الإطلاق على خصوص الوجوب التعييني و لفظ الملك و ما أشبههما فلا بدّ من ذكر ضابط في الباب و بيان ما يمتاز أحد المقامين عن الآخر فنقول إن انصراف المطلق إلى أحد الفردين أو النوعين من القدر المشترك مشروط بأمرين (أحدهما) أن يكون قيد أحدهما نقيض قيد الآخر لا ضدّه كما في رقبة فإن خصوصية المؤمنة و خصوصية الكافرية متضادان فالتميز بينهما إنما هو بأمرين وجوديّين بين الإيمان و الكفر بخلاف الوجوب التعييني و التخييري فإن فصل الوجوب التعييني هو عدم فصل الوجوب التخييري الّذي هو ذكر البدل و هكذا الملك التام الخالص و الملك المشاع الناقص فإن غيرهما إنما هو بالإيجاب و السّلب دون التضاد ضرورة كون قصد الملك التام الخالص هو عدم شوبه بشريك (و ثانيهما) أن لا يكون القدر الجامع بينهما قابلا لأن يكون مراد المتكلّم كما في الوجوب التعييني و التخييري فإنّه إذا قال يجب عليك كذا و لم يذكر شيئا آخر بل أطلق لم يجز حمل الخطاب على القدر المشترك بين التعييني و التخييري مثلا أو التخيير بينهما فلا بدّ حينئذ من حمله على التعييني أو التخيير بينه و بين شي‏ء آخر و حيث كان الشي‏ء الآخر محتاجا إلى البيان و لم يبيّن وجب حمل الخطاب على التعييني و هكذا الملك الخالص و المشاع فإنه إذا قال هذا لك أو ملكك فلا بدّ أن يكون مراد المتكلّم أحد القسمين إمّا الملك الخاص أو المشاع و لا يجوز أن يكون أعمّ منهما إذ لا معنى لإرادة الملك سواء كان مشاعا أو خالصا بل لا بدّ من إرادة أحد القسمين و حيث كان المشاع محتاجا إلى مزيد بيان و لم يبن وجب حمله على الخالص و هكذا إلى سائر المقامات الّتي ينصرف فيها المطلق إلى بعض أفراد القدر المشترك بمجرّد الإطلاق و هذان الشّرطان غير موجودين في المتنازع فيه أعني الوجوب و النّدب نعم الشرط الثاني موجود هنا إذ لا معنى لأن يكون مراد المتكلم من قوله اغتسل للجمعة و الجنابة الاستحباب و الوجوب و إن جاز استعمال الصّيغة في الطّلب لكنه غير إرادته في الواقع و نفس الأمر بل لا بد من إرادة أحد القسمين في الواقع و إن جاز إرادة القدر المشترك من الصّيغة و أمّا الشرط الأوّل فليس بموجود لأن تقابل الوجوب و النّدب تقابل التضاد لا تقابل التناقض و دعوى أن فصل الندب هو الرضاء بالترك و فصل الوجوب عدمه فيندرج تحت الضّابط المذكور ليس بأولى من أن يقول إن الوجوب هو الطلب المقرون بالمنع من الترك و النّدب هو الغير المقرون بذلك فيكون فصل الندب حينئذ أمرا عدميّا و فصل الوجوب وجوديّا عكس ما رآه المورد و مقتضاه تبادر الندب من الصّيغة إن كان التبادر إطلاقيا فانسباق الوجوب إلى الذهن دليل على كونه مسببا من الوضع هذا مع أن الوجوب أمر بسيط وحداني و كذلك النّدب حسبما عرفت سابقا من أن الوجوب هو الطلب المتحتم و النّدب هو الطلب الغير المتحتّم و عرفت أن المنع من الترك و عدمه و الرضاء بالترك و عدمه من لوازم المرتبتين المذكورتين و أنهما بسيطان لا مركّبان و أن فعل الوجوب ليس أمرا خارجا عن مفهومه و كذلك النّدب بل امتياز كلّ منهما عن الآخر بأنفسهما دون أمر ثالث عنهما فكيف يمكن درجها تحت الضّابط المذكور نعم لو قيل بتركهما بأن المنع من الترك و الرضاء به جزءين لماهية الوجوب و الندب بأن يكون دلالة الصّيغة على الرضاء بالتّرك و عدمه بالتضمّن أمكن القول بإدخالها تحت الميزان ببعض الدّعاوي الممنوعة كما مرّ إلاّ أنّ المورد غير ملتزم به بل قائل ببساطتهما (و الحاصل) أن تبادر الوجوب من الصّيغة ليس لغلبة استعمالها فيه لعدم تحققها و لا لكمال الوجوب لمنع السّببيّة فيه و لا إلى الإطلاق لفقد شرطه هنا فإن ذلك كما عرفت مبني على أن يكون كلا من الوجوب و الندب مركبان من أمرين و كانت الضّميمتان شيئين متناقضين بالإثبات و النفي و تكون ضميمة الوجوب عدميا و النّدب وجوديّا و ليس المقام كذلك حسبما عرفت تفصيل الكلام فيه مستوفي فانحصر استناده إلى الوضع ثم و من الغريب مما يستفاد من بعض عبارات صاحب الحاشية و نقل عن أخيه صريحا من أن‏

تبادر الوجوب من الصّيغة إنّما هو لانصراف حقيقة الطلب و لبه إليه لا لانصراف الصّيغة إليه حتى يرد أنّه لا سبب لانصرافها إليه بعد كونها موضوعة للمقدر المشترك بينه و بين الندب مستشهدا على ذلك بأنّ هذا التّبادر موجود في غير الكواشف اللّفظية أيضا مثل الكتابة و الإشارة إذ لا شكّ في أنّهما ينصرفان إلى الوجوب مع عدم كونهما من الألفاظ (أقول) و لعمري إنّه من غرائب الكلام صدر عن هؤلاء الأجلاّء العظام في المقام لأنّا لا نعقل الانصراف في المعنى اللبيّ العقلائي اللّهمّ إلاّ أن يراد منه الملازمة بين المعنيين أعني السلب و الوجوب و هي كما ترى إذ من البداهة عدم الملازمة بينهما و تبادر الوجوب من الكتابة فهو أيضا من الشواهد على كون الصّيغة موضوعة للوجوب لأنها علامة و اسم‏

272

للصيغة فينتقل منها إلى صيغة الأمر المتبادر منها الوجوب فالتبادر إنّما هو من الصّيغة المنتقل إليها بالكتابة لا من نفس الكتابة و أمّا الإشارة فنمنع تبادر الوجوب فيها مطلقا بل هو تابع للمقامات و قرائن الأحوال و إلاّ فانصرافها في نفسها إلى الوجوب ممنوع و على فرض تسليمه فالتبادر مستند إلى الكاشف فتبادر المنكشف ممّا لا يرجع إلى محصّل معقول‏

تذنيبان‏

الأوّل قد ذكر بين التبادر الوضعي و التبادر الإطلاقي ثمرات‏

(منها) أنّ التبادر الوضعي يتأتى في النفي و الإثبات في أسماء الأجناس و لا كذا التبادر الإطلاقي فإنّه مختص بحال الإثبات خاصّة ففي قول القائل لا تسقني ماء مثلا إذا كان انصراف الماء إلى ماء الفرات مسبّبا من الوضع يرد السّلب على خصوص ماء الفرات و إن كان من الإطلاق يرد السّلب على الجميع كذا قيل و فيه أنّه لا فرق في ذلك بين الوضع و الإطلاق إذ يجري الإطلاق مجرى الوضع و يرد السّلب على مفاد اللّفظ مطلقا سواء كان ذلك من الوضع أو الإطلاق (و منها) أنّهم اختلفوا في أن التركة لو تعلّق بها الدّين أو الوصيّة هل تملكها الورثة أو لا و منشأ الخلاف هو أنّه قد ورد في مقابل أدلّة الإرث من الكتاب و السنّة ما يخصّها أو يقيدها بما إذا لم يكن وصية أو دين على الميّت فالقدماء أخذوا بظاهرها فحكموا بعدم انتقال التركة إلى الورثة مع الوصيّة و الدّين و المتأخرون حملوها على سلب الملكية التامة المستقرة دون سلب الملكية المطلقة فقيل إنّ المسألة مبنية على كون الملكية التامة المستقرة هل هي مستفادة من وضع الألفاظ الدالّة على كون التركة ملكا للوارث أو يستفاد من إطلاقها و عدم تقييدها بشي‏ء فإن كان الأوّل كان الحقّ مع القدماء لأنّ ما دلّ على أنه ليس للورثة شي‏ء من الدّين أو الوصيّة مفهوما كالآيات المقيّدة بها بما بعد الوصيّة أو الدّين أو منطوقا كما في الإخبار أنّه ليس للورثة شي‏ء إذا كان على الميت دين حينئذ ينفي تمام مدلول الألفاظ الدالّة على الملكية سواء كانت تامة أو ناقصة فلا يبقى مع وجودها دليل على ثبوت أصل الملكية للورثة بخلاف ما إذا قلنا إن لفظ الملك و لفظ اللاّم في قوله تعالى‏ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ* و نحوهما من ألفاظ الظاهرة في الملكية التّامة المستقرة إنّما يفيد الملكية في الجملة أعمّ من المستقر و المتزلزل و أمّا الاستقلال و الاستقرار فإنّما استفيد من الإطلاق و عدم القيد فإنّ اللاّزم حينئذ إرجاع مفاد الأدلّة المقيدة بالنفي إلى ما استفيد من إطلاقها لا إلى ما استفيد من وضعها فإذا رجع إلى المدلول المستفاد من الإطلاق فيبقى ما دلّ عليه لفظ الملك من الملكية في الجملة بحاله و لازمه انتقال التركة إلى الورثة على التزلزل الزائل بامتناع الورثة عن الأداء كذا قيل و فيه أيضا ما مر من المنع لأنّ الأدلّة المقيدة تنفي مدلول الخطاب المثبت للملكية التامة لأنّها لنفي بعض مدلول دون بعض كما هو واضح لذي فهم مستقيم و تمام الكلام موكول إلى مقامات أخر (و منها) أن تبادر الصّيغة إلى الوجوب إن كان من الإطلاق لا يعارض ما لو ورد في قباله بلفظ ينبغي إذ ظهوره من الإطلاق لا يقاوم ظهور الوضع و لا كذا إذا كان من الوضع فيتعارضان و هو جيد فافهم‏

الثّاني [الكلام في بيان حكم الشك في أن التبادر هل حصل من الوضع أو الإطلاق‏]

إذا شككنا في موضع أن التبادر الحاصل فيه هل هو مسبّب من الوضع أو مسبّب من أمر غيره من نحو القرينة أو الإطلاق فهاهنا صورتان (الأوّل) ما إذا شكّ في كونه من الوضع أو القرية فيمكن أن يقال إن الأصل فيها يقتضي كونه مسبّبا من الوضع لأنّ احتمال وجود القرينة مدفوع بالأصل فيثبت كونه من الوضع لا يقال إن أصالة عدم القرينة من الأصول المرادية و اعتبارها إنما هو مختص في تعيين المراد فلا يثبت بها الوضع لأنّا نقول إن أصالة عدم القرينة و إن كانت من الأصول المرادية إلا أنّها قد تفيد فائدة الأصول اللّفظية كأصالة عدم النقل و الاشتراك و نحوهما و ذلك فيما إذا كان المراد معلوما كما في المقام و لكنّه يشكل ذلك بأنّ اعتبار أصالة عدم القرينة في تعيين المراد إنّما هو لاستقراء بناء العقلاء و إجماع العلماء و سيرتهم و لم يثبت شي‏ء منهما في نحو المقام المترتب عليه تعيين الموضوع له إذ ليس احتياجهم و ابتلاؤهم بها بمثابة يعلم منه اعتبارها عندهم في تعيين الوضع أيضا بل الظّاهر العدم سيّما على القول بعدم الاعتداد بمطلق الظن في الأوضاع إلا بعد انسداد باب العلم اللّهمّ إلاّ أن يندرج الأصل المذكور تحت أصالة عدم المانع فإنا قد أثبتنا اعتبارها ببناء العقلاء و إجماع العلماء مطلقا سواء في ذلك الأحكام و الموضوعات أو غيرها من الأوضاع و نحوها و لكن في دخوله تحتها نحو من الخفاء فليتدبّر فإن قيل إن أصالة عدم القرينة معارضة بأصالة عدم الوضع للمعنى الّذي استفيد من اللّفظ قلنا إن أصالة عدم الوضع له معارض بأصالة عدم الوضع لغيره فيتساقطان و يبقى أصالة عدم القرينة سليمة عن المعارض (فإن قلت) إن الأصول الثلاثة أعني أصالة عدم القرينة و أصالة عدم الوضع له و أصالة عدم الوضع لغيره كلّها في عرض واحد و ليس بينهما اختلاف في الرتبة حتى يكون أحدها مرجعا و الباقي متعارضا فيتساقطن جميعا فكما لا اعتبار بأصالة عدم الوضع له بسبب المعارض فكذا لا اعتبار بأصالة عدم القرينة أيضا (قلنا) إن أصالة عدم القرينة تتعاضد بأصالة عدم الوضع لغير المعنى الّذي استفيد من اللّفظ فيترجحان على أصالة عدم الوضع له إذ ليست الأصول اللّفظية كالأصول العملية الّتي لا تعتضد بعضها ببعض و تعارض أصل واحد منها

273

أصولا عديدة بل باب الاعتضاد مفتوح هنا لأن الأصول اللّفظية من الأدلّة و الأمارات الظنيّة و اعتضاد بعضها بالبعض معتبر كما حقق في محلّه (الصّورة الثّانية) ما إذا شكّ في كونه من الوضع أو من الإطلاق قد يقال إنّ الأصل في المقام أن يكون إطلاقيا إذ الإطلاق كما سمعت عبارة عن التجرّد عن القيود فهو بهذا الاعتبار ليس أمرا وجوديّا حادثا حتى يجري فيه الأصل و لا كذلك الوضع فإنه أمر وجودي حادث يجري فيه الأصل فينتفي به (و الحاصل) أن أصالة عدم الوضع سليمة عن المعارض إذ لا يجري الأصل في أطراف الإطلاق هذا و لكن التحقيق خلوّ المقام عن الأصل المتبع لأنّ مقتضى كون التّبادر إطلاقيّا كون الموضوع له هو الطّبيعة الكلّية الصّادقة على على ذلك الفرد المتبادر و غيره فيكون الأمر دائرا بين كون الموضوع له هو الكلّي أو الفرد فأصالة عدم الوضع للفرد معارض بأصالة عدم الوضع للكلّ كما ذكرنا سابقا فلا أصل بينهما يترجح به أحدهما على الآخر

الدّليل الثّاني للمختار اتفاق الصّحابة و التابعين على حمل الأوامر الشرعية الواردة في الكتاب و السنة على الوجوب‏

بل شاع ذلك بينهم و اشتهر و تقريب الاستدلال به بوجهين (الأوّل) الاستناد بفهمهم منها الوجوب لأنّهم من أهل اللّسان و قد حققنا أنّ فهم أهل اللّسان مجرّدا عن القرينة من علائم الحقيقة بل هو كالتنصيص (و الثّاني) الاستدلال باتفاقهم و إجماعهم عليه عملا من حيث كونه إجماعا و أورد على الأوّل بأنّ فهمهم منها الوجوب لعلّه كان من جهة القرائن المقاليّة أو الحالية الموجودة في زمن الخطاب فلم يعلم كونه مجرّدا عن القرينة حتى يعتمد عليه و فيه أنّ المراجع في أحوالات الصّحابة و المتتبع في احتجاجاتهم في المسائل الخلافية يجد أن تبادر الوجوب عندهم لم يكن لأجل القرينة إذ لو كان كذلك لاستندوا إلى القرينة و لم يستندوا إلى مجرّد الأمر فاحتمال قيامها هناك و اختفائها علينا لا يلتفت إليه و كذا احتمال كونه مسبّبا من بعض القرائن العامة مثل قوله تعالى‏ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ إلخ و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و أمثال ذلك ممّا زعموه قرينة عامّة على إرادة الوجوب من الأمر على تقدير كونه للندب أو للقدر المشترك فإنّ ذلك أيضا محض احتمال لا واقعية له بل يشهد العيان على خلافه و لو سلّمنا الشكّ في ذلك فقد عرفت أن الأصل ينفيه و أن مقتضاه كون التبادر وضعيّا فتأمل و أورد على الثّاني بأن الإجماع المحقق المعتبر في المسائل العلمية باعتبار إفادته للعلم عادة فغير محقق هنا قطعا و المنقول منه لا ينهض حجّة في غير المسائل الفرعية و كذا سائر الأمارات الظنية أيضا و فيه أن المسألة من موضوعات الأحكام و يكتفي فيها بمطلق الظّن و لا ريب في حصول الظنّ القوي من إجماع الصّحابة و التابعين و لا أقلّ من أن يكون كالظّنون الضعيفة الحاصلة من أقوال اللّغة فكما يجوز التعويل عليها في إثبات الوضع اللّغوي فكذلك يجوز التعويل على أقوال الصّحابة في الوضع الشرعي نعم يرد هنا أنه خروج بذلك عن محلّ النزاع إذ الكلام في المقام معدّ لإثبات المعنى اللّغوي دون الوضع الشرعي و إن كان نافعا لنا بالنسبة إلى الأوامر الشرعية الواردة في الكتاب و السّنة (ثمّ) إنّ هذا الدّليل على تقريبه الأوّل يفترق عن الدليل السّابق بأن هذا إنّما يتوقف على انضمام استصحاب تبادر ذلك الزّمان إلى زماننا هذا و في الأول بعكس ذلك و هو المعبّر عنه باستصحاب القهقرى فيحتاج تمامية الدّليل إلى استصحاب التبادر من زماننا إلى زمن الشّارع و إلاّ لا يفيد تبادر الآن للتمسّك بأن أوامر الشارع للوجوب و كلا الأمران المتعاكسان يحصلان بضميمة أصالة عدم النقل أمّا في الثاني فواضح و أما في الأوّل فلأنه لو كان الموضوع له في السّابق غير ما هو المتبادر في اللاّحق لاحتاج إلى النقل و أصالة عدم النّقل قاضية بعدم وضع سابق عن الوضع المستكشف من المتبادر و اللّه العالم‏

و استدلّ على المختار بوجوه أخر

لا حاجة إليها بعد إقامة الدليل القطعي على المدّعى و لا فائدة مهمة مع ذلك في ذكرها بل و لا في إبطال سائر الأقوال أيضا إذ ذلك يحصل بإقامة الدّليل على القول بالوجوب فإن إثبات أحد ضدّ يستلزم انتفاء سائر الأضداد

[الكلام في مدرك القاعدة المعروفة و هي: أولوية الاشتراك المعنوي من الحقيقة و المجاز]

و لكن القول بالطّلب لما كان مبنيّا في كلام جماعة من متأخّري المتأخّرين على أولوية الاشتراك المعنوي من الحقيقة و المجاز لا بأس بالتعرّض لذلك القاعدة المعروفة و صرف الكلام إليها بيان و مدركها و مجريها ليعلم أنّ المقام هل هو ممّا يجري فيه الأولوية المذكورة أم لا (فنقول) قد حققنا سابقا في البحث من المادة أن أولوية الاشتراك المعنوي من المجاز باعتبار الأصل و الغلبة ممنوعة صغرى و كبرى و نذكر هنا زيادة على ما ذكرناه هناك أن الحقيقة و المجاز لو احتاج إلى ثبوت ملاحظة زائدة في الوضع عمّا يحتاجه الاشتراك المعنوي صحّ الأولوية المذكورة و كذا لو أوجب عموم المجاز في استعمال اللّفظ في القدر الجامع و أمّا فيما عدا الموضعين فلا وجه لأولوية أحدهما من الآخر (توضيح) ذلك أن الأولوية الّتي ذكروها منحصرة في موضعين أحدهما ما لو علم أنّه لو كان موضوعا للقدر المشترك كان ملحوظ الواضع حين الوضع تعيينا أو تعيّنا هو الجنس خاصة و إن كان موضوعا للفرد كان الملحوظ في الوضع أمران الجنس و الخصوصية المشخّصة لذلك الفرد فلو علم أن لفظ الخمر مثلا لوحظ فيه ستر العقل و شكّ في أنّه هل هو لوحظ فيه جنس السّتر خاصة

274

أو لوحظ فيه زائدا على ملاحظة الجنس خصوصيّة كونه من ماء العنب أيضا فملاحظة الجنس هنا متيقّنة و الخصوصيّة الزائدة مشكوك فيها فتنتفي بالأصل (ثانيهما) أن يكون هناك معنيان متباينان و كان بينهما قدر جامع و استعمل اللّفظ في كلّ منهما على سبيل الاستقلال فالاشتراك المعنوي في مثل ذلك أولى من المجاز إذ لو كان حقيقة في أحد المعنيين و مجازا في الآخر يستلزم من استعمال اللّفظ في القدر المشترك عموم المجاز لأنّه حينئذ استعمل في القدر الجامع بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي و هو في غاية النّدرة و الشذوذ في الاستعمالات و من المعلوم أولويّة المجاز الشائع الراجح من المجاز الشاذ النادر و بناء على ذلك حين دوران الأمر بينهما و حينئذ فجريان الأولوية المذكورة في المقام مبني إمّا على ثبوت ملاحظة جنس الطلب في وضع الصيغة و شكّ في لحوظ خصوصيّة الوجوب و إمّا على ثبوت استعمال الصّيغة في الطّلب المطلق و هو الجامع بين الوجوب و النّدب و أنت خبير بأن المقام ممّا لا يكاد يتحقق فيه شي‏ء منهما (أمّا الأوّل) فلأنّا نعلم بداهة أن الواضع إنّ وضع الصّيغة للوجوب لم يلاحظ حين الوضع تفصيل جنس الطّلب بملاحظة واحدة و خصوصية الوجوب و هو تأكّد الطّلب بملاحظة أخرى مستقلاّ حتى يجري فيه الأصل المذكور سيّما بعد ما سمعت من أنّ الوجوب و هو الطّلب المتحتّم أمر وحداني بسيط لا يقبل التجزئة (و أمّا الثّاني) فلاستحالة استعمالها في القدر المشترك لمنافاته لكون وضع الصّيغة وضع المبهمات إذ من شرط هذا الوضع أن يكون دائم الاستعمال في الجزئيات الحقيقية و لا يوجد مستقلاّ في القدر المشترك أبدا و إلاّ لكان كأسماء الأجناس وضعها عامّا و الموضوع له أيضا عامّا لا خاصّا و تخلص من ذلك بعض أرباب هذا القول بأن استعمال الصّيغة في القدر المشترك ليس على وجه الاستقلال حتّى ينافي ذلك لوضعها بل على نحو تعدّد الدّال و المدلول بأن تستعمل الصّيغة في جزء الوجوب و الندب في الاستعمالات الخارجية و هو حصّة الطّلب معراة عن اعتبار خصوصيّة الوجوب أو الندب على النّهج الّذي استقصينا الكلام فيه في طي المقدّمة الأولى و فيه (أوّلا) عدم كناية الاستعمال في القدر المشترك هكذا بل يعتبر في الأولوية المذكورة ثبوت الاستعمال في القدر المشترك على سبيل الاستقلال كما في أسماء الأجناس إذ ندرة عموم المجاز الموجب لترجيح الاشتراك المعنوي من المجاز إنّما هو مسلم إذا استعمل اللّفظ في القدر المشترك بين المعنى الحقيقي و المجازي استقلالا و أمّا على الوجه المذكور فلا فتأمل (و ثانيا) أنّ هذا النحو من الاستعمال غير ثابت في الخارج إذ لا شاهد على أنّ استعمالات الصّيغة في الوجوب أو النّدب من قبيل تعدّد الدّال و المدلول بأن استعملت الصّيغة في حصول الطّلب و خصوصية الوجوب و النّدب استفيدت من الخارج كما في أعتق رقبة مؤمنة لو أريد من الرقبة الجنس و من مؤمنة خصوصية الفرد أو أنّها استعملت في نفس الخصوصية كما لو استعملت الرقبة في خصوص المؤمنة و أوتي بلفظ المؤمنة لتكون كاشفة عن إرادة الخصوصية من لفظ الرّقبة و بالجملة فثبوت استعمال الصّيغة في القدر المشترك بين الوجوب و النّدب يحتاج إلى شي‏ء يدلّ عليه و هو مفقود هنا و مجرّد إمكان استعمالها على هذا الوجه غير كاف في الأولوية كما لا يخفى و دعوى أنّ مقتضى أصالة الحقيقة أن يكون استعمال الصّيغة في الوجوب و النّدب في الاستعمالات الخارجية على سبيل تعدّد الدّال و المدلول لا على وجه الاستقلال مندفعة بأن المستدلّ إنّما هو بصدد إثبات الاستعمال في القدر المشترك لإثبات الوضع فلو ابتناه بأصالة الحقيقة لكان دورا مصرّحا ظاهرا كما لا يخفى هذا إذا رجع استعمال الصّيغة في الوجوب و الندب إلى تعدّد الدال و المدلول بأن يكون الصّيغة مستعملا في نفس الطّلب و أريد خصوصيّة الوجوب أو النّدب من الخارج كما صرّح به السّلطان (قدّس سرّه) موردا على صاحب المعالم (رحمه الله) و أمّا استعمالها فيهما مع إرادة قيد الخصوصية فيحتاج فهم ذلك إلى بيان المتكلّم لأن القرينة المفهمة للخصوصيّة لا تدلّ على أنّها أريدت من حاق الصّيغة و من هنا يعلم ما في كلام صاحب المعالم حيث أورد على القائلين بالاشتراك المعنوي لأجل الفرار عن المجاز بأن هذا كرّ على ما فرّ إذ يلزم منه أن يكون الصّيغة في كلّ من الوجوب و النّدب مجازا إذ مثل هذا المجاز لا مسرح به في المحاورات فضلا عن مقالات الفصحاء و هذا نظير ما قالوا في باب المشترك حيث قالوا إن استعمال اللّفظ المشترك في أحد المعنيين بملاحظة العلاقة الموجودة بينه و بين المعنى الآخر مجاز صحيح ضرورة أن الأصل في‏

الإفادة هو الوضع و لا يصار إلى المجاز إلاّ لأجل نكتة من بلاغة و نحوها و لا تدرك تلك النكتة إلاّ بعد العلم بالتجوز في الاستعمال و حينئذ فإن علم من القرينة المفهمة للمعنى المقصود أنّه معنى مجازي كما في رأيت أسدا يرمي فهو مجاز صحيح يحصل به الغرض المسوغ للمجاز و إن لم يعلم من القرينة المفهمة أصل التجوز و احتياج العلم به إلى تنصيص المستعمل خرج ذلك عن قانون المجازات و دخل في المضحكات و المستهجنات فلفظ المشترك بين المعنيين لو استعمل في أحد معنييه بملاحظة القرينة الموجودة بينه و بين المعنى الآخر كان ذلك لغوا محضا و عبثا صرفا إذ لا يفهم من القرينة المفهمة و هي القرينة المعينة إلا أنّ المستعمل فيه هو المعنى الفلاني و أمّا كونه باعتبار الوضع أو بملاحظة العلاقة المذكورة

275

فلا يعلم إلاّ ببيان المتكلّم ذلك و هو كما ترى بمثابة من الاستهجان فافهم و تدبّر فإنّه دقيق جدّا

تنبيهات فيها تحقيقات‏

الأوّل

استشكل صاحب المعالم على القول بالوجوب بعد ما اختاره و أقام الدليل عليه بما حاصله أنّ فائدة ثبوت وضع الصيغة للوجوب هو حمل الأوامر الشرعية المجرّدة عن القرينة الكاشفة عن المراد على الوجوب و بعد ما شاع استعمال الصّيغة في عرفهم في الندب بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة لا تبقى للقول بالوجوب فائدة إذ لا يحكم مع ذلك بوجوب الشي‏ء بمجرّد الأمر به في أحاديثنا المروية عن الأئمة (عليهم السلام) و أورد عليه سلطان العلماء بأن شيوع استعمال اللّفظ في المجاز إن كان مع القرينة المتصلة فذلك لا يبلغ درجة المجاز المشهور الّذي يساوي فيه الاحتمالين عند عدم القرينة إذ لا سنخية بينه و بين غيرها و إن كان مع عدم القرينة أمكن القول بذلك لكن إثبات شيوع الاستعمال كذلك مشكل جدا و رده بعض المحققين بأن أكثر الاستعمال في المجاز توجب بنفسها الأنس به و قربه إلى الأذهان و كلّما ازدادت ازداد القرب إلى أن ينتهي إلى حدّ استوائه مع الحقيقة و لا مدخلية لاتّصال القرينة و انفصالها أبدا إذ لا مانع من البلوغ إلى الحدّ المذكور بسبب كثرة الاستعمال مع القرينة المتصلة أيضا و ربما يؤيد ذلك بأن كثرة التخصيص في العمومات مطلقا متصلا كان المخصّص أو منفصلا توجب الوهن و لذا لا يعمل بها قبل الفحص عن المخصّص من غير ملاحظة جهة اتصال المخصّص و انفصاله (قلت) و في كلّ من الرّد و التأييد نظر يعلم بإعمال الفكر و إمعان النظر فليتدبّر ثم إنّه بعد ذلك أجاب عن صاحب المعالم بأن الغلبة القاضية بمساواة المجاز مع الحقيقة غير متحققة في الأوامر كما يشهد بذلك ملاحظة إجماع الصّحابة و التابعين على حمل الأوامر الشرعيّة على الوجوب إذ لو شاع استعماله في النّدب في عرفهم لما فعلوا ذلك مع أنّه إن أراد من الأحاديث هي الأحاديث المرويّة عن الأئمة (عليهم السلام) كما هو ظاهر كلامه فلا يؤثر ذلك في نفس الأوامر الشرعيّة إذ ذلك إنما ينفع لما بعد تحقق الغلبة لا بالنّسبة إلى ما تحقق به الغلبة و إن أراد منها الأحاديث المروية عن بعضهم فلا يؤثر فيما ورد عما عداه لا سيّما عمّن تقدّم عنه و إن أراد بلوغ استعمال الأمر في الندب إلى حدّ المجاز المشهور في كلّ من الأحاديث المرويّة من كلّ منهم بأن ادّعي شيوع استعماله في النّدب في عرف كلّ واحد منهم (عليهم السلام) فهو بديهي الفساد كما لا يخفى هذا و الّذي يقتضيه التحقيق و النظر الدّقيق في المقام هو أنّ غلبة استعمال لفظ في معناه المجازي و إن أوجبت إجماله أو هجر معناه الحقيقي على اختلاف مراتب الغلبة إمّا مطلقا كما رأيته عن بعض المحققين أو مع انفصال القرينة كما عليه السّلطان و جلّ المحققين و لكنه مختصّ بغير الهيئات و الكلّيات إذ لا ينتهي الاستعمالات المتكثرة فيها إلى جامع لفظي صالح لعروض الإجمال أو النقل عليه و هذا هو الوجه في عدم إجمال العمومات مع غلبة التخصيص و شيوعه حتى قيل فيه ما من عام إلا و قد خصّ و إن توقف العمل بها على الفحص عن المخصّص في الجملة إلا أنّه غير الإجمال الّذي لا ينفعه الفحص لأنّ ألفاظ العموم مختلفة متشتتة ليس بين موادها جامع لفظي و عنوان العام عنوان انتزاعي غير قابل لانتساب الإجمال و النقل و الظهور و غيرها ممّا هو من صفات الألفاظ إليه نعم لو كثر التخصيص في عام عرضه الإجمال لكنه لا يوجب القدح في ظهور عام آخر في دلالته على العموم و أمّا عدم اعتبارها عندهم قبل الفحص فإنّما هو من جهة احتمال المعارض و هي جهة أخرى غير جهة ظهورها في إفادة معناها الحقيقي فالمستشكل إن أراد من شيوع استعمال الأمر في الندب في عرف الأئمة غلبة استعمال صيغ الأمر في الندب مطلقا غائبا كان أو حاضرا مجرّدا كان أو مزيدا فيه فهي كما في العمومات لا يكاد ينتهي استعمالاتها إلى جامع لفظي إذ ليست بينها مع كثرة الاختلاف فيها هيئة و مادّة خاصة صالحة لعروض الإجمال عليها و كونها دالة على الطّلب عنوان انتزاعي خارج عن مقولة الألفاظ و غير صالح لقبول صفات الألفاظ من الحقيقة و المجاز و الإجمال و النقل و نحوها و إن أراد منه خصوص الأوامر المجرّدة من الأمر الحاضر فكذلك أيضا إذ لا جامع بين صيغ أمر الحاضر من مفتوح العين و مضموم العين و مكسور العين و إن أراد منه خصوص ما هو على زنة افعل خاصة دون غيرها فمع أنّه كسابقه خلاف ظاهر كلامه مندفع بأنّ الهيئة الكلية ليست من الألفاظ و لا من عوارضها حتى يعرض غلبة الإجمال أو

يصحّ انتساب النقل إليه و هذا مبني على كون الوضع عاما و الموضوع له خاصّا كما هو مختار بعض المحققين خلافا لصاحب المعالم و لنا فيما سبق في باب الأوضاع حيث قلنا هناك بأن الموضوع هي الهيئة الكلية دون خصوصيات الصّيغ فهيئة افعل مثلا أو فاعل أو مفعول آلة لملاحظة جزئيات خارجية مندرجة تحتها و الموضوع له هي أشخاص الصّيغ العارضة للموارد المخصوصة من القيام أو القعود و الضّرب و الأكل و الشرب و نحوها من المصادر و مواد الأفعال و حينئذ فصيغ الأمر في الحقيقة ألفاظ مترادفة كالإنسان و البشر فلا يقاس أحدهما بالآخر و لا يوجب غلبة استعمال أحدهما في شي‏ء ظهور الآخر في ذلك الشي‏ء كما لا يوجب غلبة التجوز في لفظ الإنسان إجمال لفظ البشر (و الحاصل) أن الضّابط في المقام هو أن ينتهي الاستعمالات المتكثرة في المعنى المجازي إلى جامع‏

276

لفظي شخصيّ كما في أسماء الأعلام و الأجناس فغلبة الاستعمال فيه قاضية بالإجمال و أمّا ما لا ينتهي إلى ذلك فلا معنى لجريان حكم المجاز المشهور فيه نعم لو بنينا على كون الموضوع هو كلّيا بأن يكون الملحوظ في نظر الواضع هي كلّي هيئة افعل أو فاعل أو فعل مثلا كما اخترناه سابقا وفاقا لصاحب المعالم كان للإشكال في ظهور الأمر في الوجوب مع غلبة الاستعمال في الندب وجه فتأمل و لكنّه خلاف الإنصاف و التّحقيق ضرورة معلوميّة عدم نصّ الواضع على ذلك و عدم دليل عليه أيضا سوى الاستقراء القاضي به و هو أعمّ من ذلك و لقد أجاد المحقق القمّي (رحمه الله) في المقام في الجملة حيث ذكر الاحتمالين و لم يرجح فإن إقامة الدّليل على عروض الوضع للكلّي القدر المشترك إثباته دونه خرط القتاد و لا كذا الالتزام بوضع خصوص الجزئيات هذا و ممّا يؤيد ما ذكرناه بل يدلّ عليه أنّه لم يثبت في الهيئات و الكلّيات نقل و لا حقيقة شرعية فقط فافهم و اغتنم‏

التنبيه الثاني [الكلام في أن الجمل الخبرية التي يراد منها إنشاء الطلب هل هي ظاهرة في الوجوب أم لا؟]

اختلف الأصوليّون في أنّ الجمل الخبرية المعلوم منها إرادة إنشاء الطّلب هل هي ظاهرة في الوجوب أم لا أشهرهما الأوّل و أقواهما الأخير احتج المثبتون بوجوه (الأوّل) أنّ المتبادر من الجمل الخبرية بعد ما علم استعمالها في الطّلب و قامت القرينة على ذلك هو الوجوب لأنّ الطّلب عند الإطلاق منصرف إليه حسبما عرفت سابقا (الثّاني) قد تقرر أنّه متى تعذرت الحقيقة قدر أقرب المجازات و الوجوب لما كان أقرب إلى الثبوت و الوقوع الّذي هو مدلول الأخبار لتعين حملها عليه و يؤيّده ما قيل من أن دلالة الجمل الخبرية على الاهتمام بالمطلوب آكد من دلالة الأمر عليه (الثّالث) أنّ المتتبع في الآثار و الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار يجد استعمال الجمل الخبرية في الطّلب الحتمي مجرّدا عن القرينة كثيرا شائعا فمن إقامتهم لها مقام صيغة الأمر و اكتفائهم بها في بيان الوجوب من دون نصب قرينة يكشف عن ظهورها في عرفهم في الوجوب بحيث لا حاجة لها في إفادة الوجوب إلى ضم قرينة من المتكلّم إليها و هو المطلوب (و الجواب) أمّا عن الأول (فأوّلا) بأنّ ذلك مبني على ثبوت استعمال الجمل الخبرية في الطّلب المطلق و هو على سبيل الاستقلال مستحيل و على نحو تعدّد الدّال و المدلول غير مفيد لأنّ انصراف الطّلب إلى الوجوب إن قلنا به مع ما عرفت ما فيه من المنع إنما هو إذا انفرد عن الخصوصيّة و أمّا الطّلب في ضمن الفرد فلا معنى لانصرافه إلى شي‏ء بل لا بدّ من النظر إلى الخصوصيّة وجوبا أو ندبا و إلاّ فيحكم بإجماله من هذه الجهة (و ثانيا) أن تبادر الوجوب من الطلب المدلول عليه تبادر معنوي و قد عرفت ما فيه من وجوه الضّعف و الفساد مستوفي و (عن الثّاني) بأن الأقربية المذكورة أقربية اعتبارية و لا اعتبار بها في مثل المقام فإن المدار في تقديم بعض المجازات على الآخر إنما هو على الأقربية العرفية الحاصلة من ظهور اللّفظ بعد قيام القرينة الصّارفة عن معناه الحقيقي و قد سبق تحقيق ذلك في مبحث الحقيقة و المجاز خلافا لجملة من الأعلام فلا عليك لو اطّلعت عليه و ما ذكره البيانيون من آكدية دلالة الجمل الخبرية على الطّلب عن الصّيغة لا ربط له بالمقام لأنهم يذكرون ذلك في إبداء النكت البيانية للآيات القرآنية يقولون إنّ الكراهة المستفادة من قوله تعالى‏ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏ آكد من الكراهة المستفاد من قوله لا تمسّوه إلاّ مع الطّهارة و كذا المحبوبية المستفادة من قوله (عليه السلام) لا ينام المسلم و هو جنب إلاّ عن وضوء مثلا آكد من المحبوبيّة المستفادة من الأمر بوضوء الجنب عند النوم و أين هذا من دلالة الأوّل على الحرمة و الثاني على الوجوب فافهم (و عن الثّالث) بمنع أغلبيّة استعمالها في الوجوب عن الندب كما لا يخفى على الخبير بالواجبات و المستحبات بل لو ادعي العكس لم يكن بعيدا لأن المستحبات أكثر من الواجبات و أكثرهما مستفادة من الجمل الخبرية فالمسلم إنما هو الشيوع و غلبة بيان الأحكام بالجمل الخبرية لا أغلبية استعمالها في الوجوب عن الندب و بينهما فرق واضح لا يخفى مع أنا لو سلّمنا أغلبية استعمالها في الوجوب لا نسلّم خلوّها عن القرينة المقامية و أمّا معها فلا تجدي أيضا في الاستعمال المجرّد عنها حسبما حققناه آنفا فالأقوى حينئذ وفاقا لكثير من المحققين منهم المحقق الثاني و المولى المقدّس الأردبيلي و الفاضل النراقي خلافا للمشهور منع الظهور هنا مطلقا و القول بالتوقف و مقتضاه بعد ضمّ أصالة البراءة هو النّدب كما لا يخفى و اعلم أنّ الجمل الخبرية المقصود منها الإنشاء ليست مستعملة في نفس الإنشاء حتى يكون مجازا لفظيّا بل هي باقية على مقتضاها و هو المعنى الخبري و أمّا استفادة الطلب فيعلم من ملاحظة المقام المعدّ لبيان الأحكام فهي نظير الكناية دالة على المدّعى من غير استعمال فيه فالبحث في أنّه هل هو مجاز في الكلمة أو في الكلام أي المركب كما صدر عن بعض ليس في محلّه كما لا يخفى على المتدرب الناقد

التنبيه الثالث [الكلام في أن المتبادر من إطلاق الأمر هو الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني‏]

لا إشكال في أن المتبادر من إطلاق الأمر هو الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني إذ قد حققنا سابقا أن المطلق إذا كان له فردان و كان فصل أحدهما نقيض فصل الآخر و لا يكون القدر الجامع بينهما قابلا لإرادة المتكلم إياه استفيد من إطلاقه كون المراد هو الفرد الخالي عن القيد فإن القدر المشترك لو كان غير قابل لأن يكون مراد المتكلّم و كان إرادة أحد الفردين يحتاج إلى بيان القيد و لم يبين يتعيّن حمله على الفرد الآخر الخالي عن القيد توضيح ذلك في المقام أن الواجب المشروط لما احتيج إرادته من الخطاب إلى بيان‏

277

الشرط و كذلك التخيير إلى ذكر البدل و الكفائي إلى بيان حصول الامتثال بفعل الغير و الغيري إلى وجوب الغير و كان القدر الجامع بينها و هو مطلق الطّلب غير قابل لأن يكون مراد الآمر إذ لا يتحقق إلاّ بأحد تلك الوجوه حسبما عرفت سابقا فلا جرم لو ورد خطاب مجرّد عن تلك القيود يحمل على الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني ضرورة افتقار أضدادها إلى البيان المفقود هنا بحكم الفرض فإذا قامت قرينة على عدم إرادة ما يوافق ظاهر الخطاب من جميع الوجوه المذكورة و التجأنا إلى ارتكاب التقييد و مخالفة ظاهر الإطلاق من وجه و دار الأمر بين الاثنين أو أكثر من تلك الوجوه فإن حصل الترجيح لأحد الجانبين فهو و إلاّ فالمرجع هي الأصول العملية و الدّوران قد يكون ثنائيا و قد يكون ثلاثيا أو أزيد و نحن نبيّن حكم الثنائي و نقيس حال الباقي عليه (فمنها) ما إذا دار الأمر بين النّدب المطلق و الوجوب المشروط فعلى المختار من كون الأمر حقيقة في الوجوب يكون من الدّوران بين المجاز و التقييد و المعروف عندهم في باب تعارض الأحوال ترجيح جانب التقييد و أولوية من المجاز نظرا إلى شيوعه إلاّ أنّه قد يعارضه شيوع المجاز كاستعمال الأمر في النّدب و لما كان غلبة المجاز هنا غلبة صنفية و غلبة التقييد غلبة نوعية و غلبة الصنفية أقوى من من الغلبة النّوعية كان الرّاجح هنا جانب النّدب و لا أقلّ من التكافؤ بينهما و مقتضاه التوقف و ما سمعت هنا في جواب صاحب المعالم من ضدّ باب النقل و الإجمال في الهيئات و الكليّات بالغلبة لا ينافي الملك فإن المقام إنّما هو مقام التعاضد و التّراجيح و هو غير مقام النقل و الإجمال و لا يقاس أحدهما بالآخر و السّر فيه أنّ أصالة الحقيقة حجّة معتبرة و لا يصار عنها إلاّ بدليل و لا دليل على حجّية غلبة الأمر في المجاز في مقابلتها و لا يصير سبب إجماله أيضا عمّا عرفت بخلاف المقام فإن أصالة الحقيقة هنا بسبب العلم الإجمالي بخلاف أحد الظّاهرين أعني ظهوره في الوجوب و ظهوره في الإطلاق سقطت عن الاعتبار حتى لو لم يكن لأحدهما رجحان وجب التوقف فليس في مقابل الاشتهار في المندوب أصل معتبر و بعد البناء على لزوم مراعاة الترجيح في باب تعارض الأحوال فلا غرو في رجحانه على الإطلاق الماضي بعدم الاشتراط إلاّ أن يقال إنّ الغالب في الواجبات خصوصا الشرعية الاشتراك فتعاضد حينئذ غلبة التقييد في المطلقات مع غلبة خصوص هذا التقييد فيترجّح على غلبة استعمال الأمر في الندب إلاّ أنّ المناط في الباب على الأظهريّة و الترجيح و لو حصل من شي‏ء واحد فلا مانع من دعوى رجحان الندب و البناء عليه في المقام مراعاة الاشتهار الأوامر في المندوبات و إن تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من التوقف فتأمل فإنّ المقام يحتاج إلى التأمّل و أمّا على القول بكونه حقيقة في الطّلب و استفادة الوجوب من إطلاق الطلب فالمسألة نظير تعارض الظّهورين فلاحظ جانب الأقوى و قد يقال هنا إنّ الوجوب أقوى ظهورا في العرف فيترجّح الوجوب المقيد على الندب المطلق و هو غير بعيد ثم إنّه على القول بالتوقف لا بدّ من الرجوع إلى الأصول العمليّة و حينئذ فلا يخلو إمّا أن يكون الدّوران المذكور حين تحقق الشرط أو حين فقدانه أو حال فقده بعد تحققه فعلى الأوّل يكون الأمر دائرا بين الوجوب و النّدب الفعليين و المتيقن منهما حينئذ هو الرّجحان المطلق و بضميمة أصل البراءة ثبت الندب و هذا هو النّدب الفقاهتي لثبوت نقله بالأصل دون الدّليل نعم بناء على كون أصل البراءة من الأدلة الظنية كان اجتهاديّا و على الثاني فالوجوب الفعلي متيقّن العدم فيبقى احتمال النّدب و الأصل عدمه (فإن قلت) إن أصالة العدم في الندب معارض بأصالة عدم الوجوب المحتمل واقعا فيتساقطان (قلت) لا مانع من العمل بكليهما إذ المانع هو لزوم المخالفة القطعية العملية و هو غير لازم هذا كما لا يخفى و على الثالث فهو مبني على جريان الاستصحاب في الشك في المقتضي بعد تبدل الموضوع كلّ على مذهبه (و منها) ما لو دار الأمر بين الندب النفسي و الوجوب الغيري و الحال فيه يعرف بالمقايسة إلى سابقه فإنه أيضا من الدوران بين التقييد و المجاز و الأظهر هنا ترجيح جانب التقييد نظرا إلى شيوع الندب النفسي و الوجوب الغيري و الحال فيه يعرف بالمقايسة إلى سابقه فإنه أيضا من الدّوران بين التقييد المتعاضد بأغلبية استعمال الأمر في الوجوب الغيري بل بلغ شيوع استعماله فيه حتّى ذهب المحقق و الشهيدان إلى ترجيح جانب الغيري إذا دار الأمر بينه و بين الوجوب النفسي‏

و ذلك مثل صلاة الطّواف فإن الأمر فيها دائر بين كونها شرطا لصحّة الطّواف أو كونها واجبا نفسيّا و لا ضير فيه فإنّك قد عرفت سابقا أنّ غلبة الاستعمال في بعض أفراد الموضوع له قد يكون سببا للانصراف فيؤخذ بالفرد الغالب لأجل ظهوره الناشئ من الانصراف (و كيف كان) فلا إشكال في أغلبية استعمال الأمر في الوجوب الغيري إذ ما من واجب في الشريعة إلاّ و له أجزاء و شرائط عديدة اهتدينا بها بأوامر مستقلّة فتلك الغلبة تعاضد بغلبة التقييد فيترجّح على غلبة استعمال الأمر في النّدب و كذلك على القول بكونه مجازا في الوجوب الغيري أيضا و قد يشكل بأنّ الوجوب الغيري مجاز و تقييد و النّدب مجاز فقط فحمل الخطاب على الوجوب الغيري حينئذ يوجب ارتكاب خلاف الظاهر من جهتين و لا كذلك على النّدب و يندفع بأن التقييد إن كان مجازا كما رأيته عن بعض صحّ ذلك إلاّ أنّه لمكان عروض التقييد بالمجاز يرتفع الاثنينيّة و يكون من الدّوران بين مجازين أحدهما تقييدي و الآخر غير تقييدي و إن كان خصوص الوجوب الغيري مجازا دون التقييد كما هو التحقيق بأن كان النّفسية ملحوظ الواضع في وضع الأمر للوجوب فالوجوب الغيري هنا مجاز صرف لا تقييد فيه فالإشكال المذكور في‏

278

غير محلّه و أمّا على القول بكونه حقيقة في الطّلب فترجيح جانب الوجوب أولى نظرا إلى أغلبية استعمال الأمر في الوجوب الغيري مضافا إلى ما مرّ من قوة ظهور الوجوب عرفا هذا إذا لم يكن لخطاب الغيري إطلاق و إلا فمقتضاه نفي الوجوب الغيري بل قد يقال إن مقتضاه البناء على النّدب الاجتهادي لا الفقاهتي و ضعفه ظاهر و كيف كان فالبناء عليه من باب التسامح العقلي لا مضايقة فيه (فإن قلت) لم لم تقل بثبوت النّدب الفقاهتي كما في المشتق الأوّل من الدّوران السّابق (قلت) رجحان المطلق هنا غير ثابت حتى تؤخذ به و ينفي الزائد عنه بأصالة البراءة ضرورة أنّ الوجوب الغيري لا رجحان فيه أصلا كما لا يخفى (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب الكفائي و النّدب العيني و الكلام فيه باعتبار الأصل اللّفظي هو عين ما مرّ في دوران الأمر بين الوجوب المشروط و النّدب المطلق و أمّا مقتضى الأصول العملية فالنّدب بالفقاهتي لأن الرجحان المطلق ثابت هنا و بضميمة أصالة البراءة حسبما عرفت يثبت المطلوب (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب التخييري و الندب التعييني و الكلام فيه في الأصل اللّفظي و العملي مثل ما مرّ آنفا إلا أن لبعض المحققين هنا كلاما قال و يشكل الحال فيما إذا لم يكن الفعل الآخر الّذي فرض التخيير بينهما ممّا ثبت شرعيته بدليل آخر لمعارضة الوجوب المذكور بأصالة عدم شرعيته و رجحانه و دفعه بأن الأصل لا يقاوم الظاهر فبعد ثبوت الوجوب بمقتضى الظاهر يتعين البناء عليه و هو كاف في شرعيته و رجحانه (قلت) دوران الأمر بين النّدب و الوجوب التخييري بوجوه (أحدها) أن يرد أمران و شكّ في كونهما مستحبين أو واجبين تخييريين (و ثانيها) أن يتعلّق خطاب بشي‏ء معيّن علم كونه للوجوب و ورد خطاب آخر بفعل يشكّ في كونه مستحبّا أو واجبا تخييريا بدلا عن ذلك الواجب كصلاة الجمعة في حال الغيبة فإنّها دائرة بين كونها مستحبّة أو بدلا عن الظّهر (و ثالثها) أن يرد خطاب بشي‏ء مردّد بين الاستحباب و الوجوب التخييري بينه و بين شي‏ء آخر لا نعلمه و أنت خبير بأن أصالة عدم مشروعية الفعل الآخر لا مسرح له في الصورتين الأوليين خصوصا في الثانية الّتي هي مورد الدّوران المذكور ليس إلاّ و أمّا الصورة الثالثة فأصالة عدم مشروعية ذلك الفعل المجهول و إن كان في بداءة النظر جاريا إلا أنه خارج عن المقاصد و لا يترتب عليه فائدة لأن وجوب شي‏ء غير معيّن تخييرا ليس قابلا للامتثال ثم إنّ أصالة عدم المشروعية مضافا إلى كونه أصلا مثبتا أريد بها ثبوت الندب المردد فيه معارض بأصالة عدم الندب أيضا (فإن قلت) إنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب التخييري فيبقى أصالة عدم المشروعيّة سليمة عن المعارض (قلت) نعم لكنه لا يجدي إذ غاية ما في الباب أنّ أصالة عدم الوجوب التخييري و أصالة عدم مشروعية ذلك الفعل المجهول يعارضان أصالة عدم الندب فيتساقطن جميعا كما هو الشأن في الأصول المتعارضة الّتي ليس بينهما اختلاف في الرتبة فالتعارض يوجب سقوط الأصول سواء كان أحد الجانبين واحدا أو أزيد و تمام الكلام في محلّه و في المقام كما لا يوجب إجراء الأصول الثلاثة المخالفة القطعية العملية حسبما عرفت لا مانع من العمل بها أجمع فتدرّب (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب الكفائي و التخييري و يعرف الحال فيه ممّا تقدّم فعلى المختار فهو من دوران الأمر بين التقييدين و أمّا على القول بالتجوز فيهما فمن دوران الأمر بين المجازين و كيف كان فليس في المقام أصل لفظي يكون هو المرجع و لا شي‏ء يرجح به أحدهما عن الآخر و لا بدّ من الرجوع إلى الأصول العملية فإمّا أن لا يقوم به الغير أو يقوم و على التقديرين فالشّق الآخر إمّا متعذّر أو ممكن فهاهنا صور أربع (أحدها) ما إذا لم يأت بالفعل المردد فيه غيره من المكلفين و تعذّر هو عن إتيان البدل إمّا بأن لا يعلم له بدل أو يعلم و لا يتمكن من إتيانه به (و ثانيها) ما إذا لم يأت به غيره و لكن تمكن من أداء البدل (و ثالثها) ما لو أتى به غيره و لا يتمكن من أداء بدله (و رابعها) ما لو أتى به الغير و تمكن هو عن إتيان البدل أمّا الصّورة (الأولى) فيتعيّن فيها الأداء لأنّه إن كان كفائيا فعند عدم إتيان الغير كان عليه الإتيان به و إن كان تخييريّا فعند تعذّر البدل يتعيّن عليه و لا خفاء فيه و أمّا الصّورة (الثانية) فمقتضى الأصل فيها نفي التكليف رأسا تعيينيّا و تخييريّا إذ لا مانع هنا من العمل بكلا

الأصلين حيث لا يلزم منه مخالفة عملية بسبب إتيان البدل كما لا يخفى و أمّا الصّورة (الثّالثة) ففيها الاحتياط فإن قبل إتيان الغير كان عليه الإتيان به بمقتضى العلم الإجمالي بثبوت التكليف به على أحد الوجهين و قد حقق في محلّه أنّ ذهاب أحد طرفي العلم الإجمالي المعلوم بالإجمال بعد تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي لا يوجب ارتفاع أثره كما لو اشتبه ميت المسلم بميّت الكافر ثم فقد أحدهما فإنّه يجب الصّلاة على الباقي و لم تسقط بفقدان الآخر و أمّا الصّورة (الرّابعة) فقد يتراءى في بادي النظر وجوب الإتيان به أيضا من باب الاحتياط للعلم الإجمالي بوجوبه إمّا كفائيا أو تخييريا فيجب تحصيلا للبراءة بعد القطع بالتكليف مضافا إلى الاستصحاب و أصالة عدم سقوطه عنه بأداء الغير و لكنّه لا يخلو عن نظر فإنّ الكلّي هنا من حيث هو ممّا لا يترتب عليه أثر شرعيّ بل و لا عقلي إذ لا أثر للقدر الجامع بين الوجوب الكفائي‏

279

و الوجوب التخييري حتّى يستصحب ذلك الكلّ لأجل ترتب ذلك الأثر فلا فائدة في استصحابه و قد حقّق في محلّه أن المعتبر من استصحاب الكلّي عند معتبريه هو ما إذا كان للكلّي أثر مع قطع النظر عن خصوصيّة الأفراد حتى يكون استصحابه لترتب ذلك الأثر و حيث لا أثر للقدر الجامع بينهما لا يجري فيه الاستصحاب و لا وجه للاحتياط أيضا فإنّه إن كان كفائيا سقط عنه بفعل الغير و إن كان تخييريّا فيكفي فيه إتيان البدل مع أنّه مجرّد احتمال ينفي بالأصل فتدرّب و ممّا ذكرنا يكشف حال سائر الدّورانات المتوافقة من الثنائية و الثلاثية بقي الكلام في الدّورانات المتخالفة بأن دار الأمر بين شي‏ء من الأربعة الموافقة للظّاهر و بين ضدّه من الأربعة المخالفة له (فمنها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب المطلق و الوجوب المشروط و الأصل فيه عند عدم الشي‏ء المشكوك اشتراطه هو الاشتراط على خلاف مقتضى الأصل اللّفظي لرجوع الشكّ حينئذ إلى الشكّ في وجوبه فعلا و الأصل فيه هو البراءة باتفاق العلماء حتّى الأخباريين لكون الشّبهة وجوبية و أمّا بعد وجوده فمع بقائه لا حاجة إلى إعمال شي‏ء من الأصول لانتفاء الثمرة العملية ضرورة تنجّز الوجوب على التقديرين و أمّا مع عدمه ثانيا فمع القطع بعدم كون العلّة المحدثة علّة مبقية فحالها حال الصّورة السّابقة و أمّا مع الشك في كونها علّة مبقية فوجهان مبنيّان على صحة الاستصحاب في الشك في المقتضي و عدمه فمن بنى على عدم الجريان نظرا إلى تغير الموضوع كان مقتضى الأصل عنده هو الاشتراط أخذا بأصالة البراءة لرجوعه إلى الشك في التكليف كالصّورة الأولى و من بنى على جريانه فيه نظرا إلى أن أمره في وحدة القضيّة موكول إلى العرف و يكفي في وحدة الموضوع اتحاده العرفي كما هو مذاق الأكثرين كان المورد حينئذ من موارد جريان الاستصحاب و مقتضاه الإتيان بالواجب فيكون الأصل مطابقا للأصل اللفظي (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب التعييني و التخييري فعن الفاضل النراقي أنه لا أصل في البين يقتضي شيئا من الأمرين و فيه أنه إن أراد نفي مطلق الأصل حتى البراءة و الاحتياط كما هو ظاهر العبارة ففساده واضح فإنّ جريان أحد الأصلين على اختلاف القولين بل الأقوال كما يأتي إليها الإشارة ممّا لا يسع لأحد إنكاره و إن أراد خصوص الاستصحاب فمع الغضّ عن المؤاخذة في التعبير بأنه تعبير لم يف بما في الضمير مع عدم نصب القرينة له في الكلام و لا مساعدة المقام فساده ظاهر لأنّ أصالة عدم تعلّق الوجوب بالفرد المشكوك فيه و أصالة عدم بدلية الفرد المخبر عن الفرد المعلوم لا مانع من إجرائها نعم في التخيير العقلي لا يجري أصالة العدم لأنّ أصالة عدم وجوب الفرد معارض بأصالة عدم وجوب الكلّي و كذا في نفس الخطاب المجمل فإن كونه تعيينيّا أو تخييريّا لا يتشخّص بالأصل كما لا يخفى و أمّا التخيير الشرعي فالأصلان المذكوران جاريان فيه و إن لم يكونا مجديين كما ستعرف و كيف كان فهل الأصل فيه الأوّل مطلقا أو الثاني كذلك أو التفصيل بين ما لو كان التخيير تخييرا عقليا فالأوّل و بين ما لو كان تخييرا شرعيّا فالثاني وجوه بل أقوال ناشئة من اختلاف أنظارهم و تفاوت مشاربهم في كون المقام موردا لأصل البراءة مطلقا كما هو خيرة جماعة من المحققين أو مجرى أصل الاشتغال كذلك كما هو صريح آخرين منهم الوحيد البهبهاني و السيّد السّند صاحب الرّياض و صاحب الحاشية أو التفصيل فالأول في التخيير العقلي و الثّاني في التخيير الشرعي كما يظهر من مطاوي كلمات شيخنا العلاّمة في أصل البراءة و لكلّ وجه و حيث إنّ المسألة الشريفة في الغاية يتفرع عليها كثير من الفروع لسراية الكلام إلى الشكّ في أجزاء العبارات و شرائطها كان الحري ذكر وجوه الأقوال على نهج الإجمال (فنقول) وجه (الأوّل) هو جريان أدلّة البراءة فيه لدلالتها على التوسعة و نفي الكلفة الزائدة و من البين أنّ الالتزام بخصوص الفرد كلمة زائدة و ضيق في التكليف فينفيان بحكم الناس في سعة ما لا يعلمون و ما حجب اللّه علمه و نحوهما و وجه (الثّاني) هو حصول العلم الإجمالي باشتغال الذمة بأحد الفردين من المعيّن و المخير فيه و لا بدّ حينئذ من اليقين بالفراغ عن الاشتغال و القطع بحصول الامتثال و من الواضح عدم إمكان حصول القطع بالامتثال و اليقين بالفراغ إلا بعد إتيان الفرد المعين فيجب ذلك تحصيلا ليقين البراءة (و وجه التّفصيل) هو المنع عن وجوب تحصيل القطع بالامتثال بمجرّد العلم الإجمالي بالاشتغال لعدم نهوض حجة عليه من النقل أو العقل إذ قصوى ما يحكم به العقل هو فك الرّقبة عن العقاب‏

المعلوم فيحكم بالاجتناب عما يحصل معه القطع باستحقاقه له لاستقلاله في حكم دفع الضّرر باتفاق من الإماميّة و العدلية قبالا للأشاعرة المنكرين لذلك لإنكارهم وجوب شكر المنعم بعد التنزل عن مذهبهم الفضيح من إنكار التحسين و التقبيح و لا حكم له بجلب المنفعة و الثواب باتفاق من الفريقين و حينئذ فالامتثال إن استلزم التخلّص عن المهلكة يحكم العقل بوجوب تحصيله تخليصا للرقبة عن تلك المهلكة و إلا فمن الجائز منع وجوبه إلاّ إذا قلنا بوجوب جلب المنافع الّذي ليس لأجل دعواه بعد ما عرفت من الاتفاق على عدم حكم العقل بوجوبه دليل و توضيح المقام على وجه يرتفع به غواشي الأوهام أنّ المناط و المدار في حكم العقل بتفريغ الذّمة و وجوب الامتثال بعد العلم بالاشتغال إنّما هو على التحفظ في الوقوع فيما يوجب‏

280

الذمّ و العقاب دون ما يوجب المدح و الثواب فإذا علم إجماله بالتكليف فإن انحل إلى معلوم و مشكوك فلا عليه إلاّ الاقتصار على القدر المعلوم و الرجوع في المشكوك إلى البراءة العقلية و إن لم يحصل به العلم بالامتثال في الجملة خلافا لمن قال بوجوب الاحتياط عند الشكّ في الشرائط و الأجزاء أو التخيير و التعيين فزعموا أنّ الواجب في الحكم العقلي بعد القطع بالتكليف المجمل هو الانحلال إلى شي‏ء يحصل به الامتثال في الجملة و شي‏ء مشكوك التكليف كما في غير الارتباطي مثل أداء الدّين فإنه إذا تردّد بين الأقلّ و الأكثر فلا مانع من الاقتصار على الأقلّ لحصول الامتثال به في الجملة و أمّا الارتباطي أو التعيين و التخيير فمقتضى استدعاء الامتثال اليقيني القطع بالبراءة هو الاحتياط بإتيان الأكثر إذ مع الاقتصار على الأقلّ لم يحصل العلم بالامتثال مطلقا و لو بالنّسبة إلى معلوم التكليف (و الجواب) أنّ وجوب تحصيل البراءة إنما هو بالنّسبة إلى ما علم تعلّق التكليف به دون ما شكّ فيه و القدر المعلوم في الارتباطي مثلا إنما هو الأقلّ لأنّه الّذي علم بأنّ تركه سبب للعقاب و أمّا الجزء المشكوك كالسّورة مثلا فلم يعلم التكليف به من أول الأمر حتى يجب الإتيان به فهي باقية تحت البراءة الأصلية فلو قيل مع الاقتصار بالأقلّ لا يقطع بالامتثال و لو في الجملة فكيف يقتصر عليه بعد العلم بالتكليف المجمل و انحلاله إلى معلوم و مشكوك لا ينفع إذا لم يكن في المعلوم علم بالامتثال و إنّما ينفع إذا حصل به الامتثال بقدره لأنّه ينحل حينئذ إلى الشكّ في التكليف بالنّسبة إلى الزائد لكونه بمنزلة الأوامر المتعدّدة و لو كان الخطاب واحدا كأدّ الدّين أو اقض ما فات مثلا قلنا وجوب القطع بالامتثال و تفريغ الذّمة بعد العلم بالتكليف إنّما هو لأجل الفرار عن الوقوع في الذّم و العقاب دون المدح و الثواب فالواجب بحكم العقل بعد القطع بالتكليف هو الفرار عن الضرر المعلوم دون الامتثال و تحصيل مطلوب المولى و هو حاصل مع الاقتصار على الأقلّ و تحقيق ذلك أن في امتثال أمر المولى جهتان (أحدهما) أنّه دفع للضّرر حيث إنّ مخالفة المولى سبب لاستحقاق العقاب (و ثانيهما) أنه جلب المنفعة لكون امتثال المولى حسنا عند العقلاء و سببا للمدح و الثواب و الواجب عند العقل إنما هو الأوّل دون الثاني فامتثال أمر المولى واجب عند العقل من حيث كونه دفعا للضّرر لا من حيث كونه مرضيّا للمولى أو مطلوبا له نعم لو قلنا إن امتثال المولى من حيث ذاته أيضا من الواجبات العقلية كردّ الوديعة اتّجه الاحتياط في المسألتين و لم يكن بدّ للعقل عن الإتيان بالأكثر و الفرد المعيّن ضرورة عدم العلم بالامتثال بالمعنى المذكور و لو في الجملة بالنّسبة إلى القدر المعلوم هناك لا يقال إن في ترك الجزء المشكوك احتمال للضّرر أيضا لاحتمال كونه جزءا للمأمور به الّذي تركه سببا للعقاب (لأنّا نقول) إن قاعدة قبح العقاب بلا بيان و توقف المؤاخذة على العلم حاكم على قاعدة نفي الضّرر و إلاّ اتجه مقالة الأخباري بأصالة الاحتياط في الشبهات و لو كانت بدوية و تمام الكلام فيه موكول إلى محلّه و الغرض هنا تلخيص ما إليه نظر الفريقين و في هذا القدر من البيان شفاء لما في عيون أولي الأبصار من الغي و الغبار فافهم و اغتنم و إذ قد عرفت ذلك فمن البيّن أن العلم الإجمالي على قسمين (قسم) ينحلّ إلى ما علم تعلّق التكليف به علما تفصيليا بحيث يحصل القطع باستحقاق العقاب على تركه و إلى ما كان مشكوكا (و قسم) لا ينحلّ إلى ذلك بل يكون نسبة الشكّ إلى كلّ من الطرفين على نحو يستحق العقاب بتركه و القدر المسلم من حكم العقل بوجوب الامتثال إنّما هو في القسم الثاني ضرورة عدم حصول القطع بعدم استحقاق العقاب إلاّ بإتيان الفردين و أمّا القسم الأول فلا حكم إلا بعدم ترك معلوم التكليف لحصول القطع بالوقوع في تبعة العقاب و لا نستوحش من عدم حصول الجزم بالامتثال بعد ما عرفت من عدم وجوبه لعدم برهان قطعي و لا دليل نقلي عليه و بعبارة أخرى القسم الأوّل من القسمين مجرى أصالة البراءة لغرض انحلال العلم فيه إلى علم تفصيلي بوجوب الأقلّ و شكّ بدوي في وجوب الزائد عليه فيحكم بعدم وجوب ذلك الزائد قضاء لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و القسم الثاني مجرى أصالة الاحتياط لفرض عدم الانحلال الّذي يكون الشكّ معه شكّا في المكلّف به بعد العلم بأصل التّكليف و بالجملة ملاك النزاع بيننا و بين صاحب الحاشية هو أنّه جعل المناط في وجوب الامتثال إذا حصل العلم الإجمالي بالاشتغال‏

هو عدم انحلاله إلى معلوم الامتثال و مشكوكه حيث وافق في جريان أصل البراءة في الزائد في صورة انحلاله إلى معلوم الامتثال كما في الأقلّ و الأكثر الغير الارتباطي فهو أدق نظر ممّن أوجب الاحتياط في ذلك أيضا كما عزي إلى السيّد السّند صاحب الرياض و أمّا نحن فلا نلتزم بذلك المناط بل المناط عندنا في وجوب الامتثال هو عدم انحلال العلم إلى معلوم بالتكليف بحيث نعلم بالعقاب على تركه و ما لم يكن كذلك فلا لما ذكرنا من عدم سراية الحكم إلاّ في هذه الصّورة و حينئذ فالتخيير العقلي إنما هو من القسم الأوّل فإنّ الحصّة الموجودة في الفرد من الماهية قد تعلّق التكليف به قطعا و يحصل بتركه العقاب جزما فيحكم العقل حينئذ حكما بينا بعدم جواز تركها و لا يلتفت إلى حصول الامتثال أيضا بإتيانها و عدمه و بالجملة لما كان في هذا القسم من التخيير قدر جامع انحل العلم الإجمالي فيه إلى علم تفصيلي بالنّسبة إلى ذلك الجامع فيجب‏

281

إتيانه و شكّ بدوي بالنّسبة إلى ذلك الزائد فينفي اعتباره بأدلّة البراءة عقلا و نقلا و أمّا التخيير الشرعي فلما لم يكن قدر جامع بين الفردين كان حكمه حكم المتباينين لعدم انحلال الّذي يدور مداره أجزاء البراءة في الزائد و دعوى إمكان انتزاع أمر كلّي من الفردين و هو مفهوم أحدهما فيشارك التخيير العقلي من تلك الجهة بينة الفساد كما لا يخفى لأنّه لم يكن متعلّقا للخطاب و إنّما هو مفهوم انتزاعي بعد ملاحظة دوران الأمر بينهما هذا وجه التفصيلي و في كلا شقيه إشكال أمّا في الشق الأوّل فلإمكان أن يقال انتصار للقائلين بالاحتياط بأن امتثال المولى في نفسه واجب عقلا بدعوى قضاء الوجدان بذلك كما قد يقال ذلك في مورد العفو الحتمي مثل الظّهار و نحوه ممّا قام الدّليل فيه على الحرمة مع عدم المؤاخذة فإن التكليف مع عدم المحرك إلى الامتثال لغو صرف فإذا فرض الأمن من عقاب المخالفة و لم يكن هنا باعث آخر للامتثال لم يعقل العفو الحتمي مع ثبوت التكليف فعلا أو تركا و كيف يأمر العاقل مع عدم الدّاعي للمأمور إلى الامتثال خصوصا مع علمه بالمخالفة إذا لم يكن الغرض من الأمر التسجيل و العقاب كما في تكليف الكفار و لهذا استحاله جمع من المتكلّمين و أجيب عنهم بأن وجوب امتثال أمر المولى في حد ذاته مع قطع النظر عن استحقاق تركه العقاب واجب عقلا و كفي به داعيا إلى الفعل أو رادعا و على هذا أمكن إثبات وجوب الاحتياط في المقامين ضرورة عدم تحقق شي‏ء من الامتثال حتى بالنّسبة إلى المعلوم فيهما و أمّا في الشق الثاني فلأنّه و إن لم يكن هناك قدر متيقن من الفردين إلا أنّ الفرد المعيّن معلوم التكليف على تقدير واحد لا مطلقا فلا مانع من التعويل على الأصل في غير ذلك التقدير فيقال إن القدر المعلوم هو وجوب الصّوم مثلا على تقدير عدم العتق المحتمل كونه بدلا عنه و أمّا على تقدير وجوده فوجوبه غير معلوم و استحقاق المؤاخذة على تركه حينئذ غير ثابت و حينئذ فيشارك التخيير العقلي في الحكم إذ لا فارق بينهما في الانحلال إلى معلوم التكليف و مشكوكه و إن وجها الانحلال في الموضعين هذا و يندفع الإشكال الأوّل بأن دعوى وجوب الامتثال في حدّ ذاته مع قطع النظر عن ترتب الضّرر على المخالفة لا بينة و لا مبينة و العفو الحتمي لا يتوقف على صحّة الدّعوى بل يكفي فيه استقلال العقل بقبح المخالفة و تعريض النفس على الذم و استحقاق العقاب و إن تجرد عن الفعلية و تمام الكلام في محلّه و أمّا الإشكال الثّاني فممّا لا مناص عنه و من ثمة حكمنا بالبراءة في كلا قسمي التخيير و لم نفرق بين شرعيته و عقليّته و توهّم جريان ما ذكرنا في التخيير العقلي في المتباينين أيضا فإن ترك الصّلاة الجمعة مثلا ليس معلوم الحرمة مطلقا بل على تقدير تركه و ترك الظهر فيجوز تركها عند الإتيان بالظهر تعويلا على البراءة حسبما ذكرت و هو مناف للاحتياط في المتباينين ناش من عدم التدبر فيما ذكرناه إذ من الوضوح بمكان أن عنوان صلاة الجمعة غير معلوم تعلّق الخطاب بها بخلاف عنوان الصّوم فمتعلّق التكليف هنا غير منحل إلى معلوم و مشكوك بخلافه هناك (توضيحه) و إن كنا غنيّة عنه هو أنّ في المتباينين ليس إلاّ خطاب واحد فمتعلّق الخطاب واقعا في المثال المذكور إمّا صلاة الجمعة أو الظهر فكيف يمكن التعويل بأنّ صلاة الجمعة على تقدير ترك الظّهر مبين التكليف مع احتمال أن يكون المكلف به في الواقع هو الظهر و هذا بخلاف الصّوم فإن وجوبه سواء كان في الواقع تعيينيّا أو تخييريا ممّا لا سترة فيه و لا شبهة تعتريه في كونه عينيا لا بدل له أو تخييريّا جائز الترك إلى بدله و إن شئت زيادة تحرير في المقام و تغيير أسلوب في الكلام على وجه يتضح به المرام (فنقول) إنّه بعد ما تحقق في محلّه من تحكيم حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان على أدلّة الاحتياط بما لا مزيد عليه وجب الأخذ بمقتضى أصالة البراءة مهما أمكن و لا يجوز العدول عنه إلا لمانع هناك يمنعنا عن الأخذ بمقتضاها و ليس المانع عن الأصل إلا معارضتها بمثلها فإن قضية التعارض تساقطهما فيكون المرجع حينئذ قاعدة الاحتياط و من هنا قلنا بوجوب الاحتياط في المتباينين فإن جريان أصل البراءة بالنّسبة إلى كلّ من الفردين من حيث هو غير منكر لكن لما كان معارضا بجريانه في الفرد الآخر حصل التّساقط و وجب الرجوع إلى قاعدة الاحتياط لسلامتها عن المعارض و يجب الأخذ به مع السّلامة عن المعارضة بالمثل و لا فرق في ذلك‏

بين أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به فلو فرض إمكان جريان أصل البراءة فيه و لو على بعض التقادير بحيث يسلم عن المعارض وجب العمل بمقتضاه و حينئذ فمن البين أن جريان الأصل في الصّوم على بعض التقادير سليم عن المعارض حسب ما بيناه و توهم أن الأصل عدم وجوب البدل على تقدير فعل الصّوم فيكون معارضا توهم بارد لانتفاء الشكّ ضرورة إتيانه بالصّوم الّذي هو واجب على أيّ حال فلا مجرى للأصل و هذا واضح لا غبار عليه كما لا غبار على عدم مثمرية هذا النحو في تقدير المتباينين لجريانه على هذا التقدير في كلا الطّرفين فإن عمل بهما فهو الاحتياط المقصود و إن عمل بأحدهما تعيينا دون الآخر لزم الترجيح بلا مرجح و إن عمل به تخييرا فلا دليل عليه لأن دليل الأصل يقتضي العمل به تعيينا لا تخييرا فافهم و بالجملة فالمناط في تشخيص مجرى الاحتياط ليس إلا امتناع جريان أصالة البراءة لمكان التعارض و حيث لا مانع من جريانها في التخيير الشرعي حكمنا

282

بالبراءة القاضية بالتخيير وفاقا لغير واحد من الأعاظم الأعلام فتدبّر و لا تغفل (و منها) ما لو دار الأمر بين الوجوب العيني و الكفائي قال بعض المحققين تبعا للأكثرين باقتضاء الأصل العينية قضاء لقاعدة الاشتغال و عن صريح آخرين خلاف ذلك عملا بأصالة البراءة و قد انقدح ممّا تقدّم في الدّوران المتقدّم مدرك القولين و جهة الوجهين و أن المختار هو الثاني لسراية تمام الكلام في المقام حرفا بحرف فلا نطيل بالإعادة نعم في المقامين سؤال بل إشكال و هو أن أقصى ما يستفاد من جميع ما سبق تحكّم أصل البراءة على الاحتياط و أنّ المورد مورد الأوّل دون الثاني و مجرّد ذلك لا يقضي الحكم بالتخيير به في المقام الأوّل و الكفائية في المقام الثاني كما ذكرت إذ في المقامين أصول محكمة تقتضي خلاف مقتضى البراءة و هي في المقام الأوّل أربعة أصالة عدم سقوط التكليف بالفرد المعين بسبب الإتيان بما هو مشكوك البدلية و أصالة عدم بدلية الشي‏ء المشكوك فيه و أصالة عدم تعلّق الوجوب به و استصحاب التكليف الثابت عند الشكّ في سقوطه بالمأتي و في المقام الثاني أصلان أصالة عدم سقوط التكليف بفعل البعض و استصحاب التكليف بعده و هذه الأصول محكمة على أصالة البراءة لكون الشكّ فيها مسبّبا عن الشكّ في البدلية و المسقطية و من المقرر في محلّه تقديم الأصل الجاري في السّبب على الأصل في المسبب فلا معنى لإجراء أصالة البراءة في المسألتين (و الجواب عنه) تارة بالنقض بأجزاء الواجبات المركبة و شرائطها فإن مقتضى استصحاب التكليف هو بقاؤه بعد الإتيان بالفاقد للجزء المشكوك في جزئيته كالسورة مثلا و كذلك الأصل عدم كون الناقص مسقطا للتكليف فما هو جوابهم هناك فهو جوابنا هنا حرفا بحرف و لا يذهب عليك أن هذا النقض إنما يتجه على من فرق بين المقامين فأجرى البراءة هناك و حكم بوجوب الاحتياط هنا اعتمادا على هذه الأصول و أخرى بالحلّ أمّا عن أصالة عدم سقوط التكليف في المقام الأوّل فبأنه لا مجرى لها بعد ما عرفت من جريان أصل البراءة لانحلال العلم الإجمالي فيه إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي لأنّ محصّل ذلك رجوع الشكّ إلى أصل التكليف بالزائد الّذي يقتضي نفيه بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ففي الحقيقة لا يكون تكليف بالمشكوك رأسا حتى يكون لجريان نحو هذه الأصول وقع و محلّ مضافا إلى أن العينية و التعينية ليستا لازمين شرعيين لعدم سقوط التكليف حتى يجدي استصحابه في إثباتهما فيكون تلك الأصول بالنّسبة إليها مثبتة الّتي قد اتفقت كلمة المحققين على عدم اعتبارها و أمّا عن استصحاب الوجوب فبعدم اعتباره عندنا بعد اختيارنا تبعا لأعاظم المحققين عدم اعتبار الاستصحاب بالنّسبة إلى الشكّ في المقتضي نعم الأمر على الأكثرين القائلين باعتباره مطلقا صعب (و منها) ما لو دار الأمر بين الوجوب النّفسي و الغيري ظاهر المحكي عن بعض الأفاضل بل صريحه هو أنّ الوجوب الغيري مطلقا مطابق للأصل لسلامة أصالة عدم وجوبه حال عدم وجوب الغير عن المعارض و دعوى معارضتها بأصالة عدم ملاحظة مصلحة الغير الّتي يقتضيها الوجوب الغيري مدفوعة بأنّها معارضة بأصالة عدم ملاحظة النّفس الّتي اقتضاها الوجوب النفسي و أوضح فسادا دعوى أن ملاحظة مصلحة الغير تحتاج إلى ملاحظة نفس الغير و الأصل عدمها فيقع التعارض بين هذين و بين ذينك الأصلين فلا أصل سليم في البين و ذلك لجريان مثله في الوجوب النّفسي فإنّ ملاحظة مصلحة النفس أيضا محتاجة إلى ملاحظة النفس و الأصل عدمها هذا مضافا إلى أن تعدّد مخالفة الأصول و أكثريتها لا يجدي شيئا في مقام التعارض كما هو قضية الأمارات فالأصل المذكور الّذي اقتضى الغيرية سليم على كلّ حال هذا غاية مرام الفاضل من محكي كلامه (و فيه) أنّه إن بنى على كون الاستصحاب أصلا تعبديا ثبت حجّيته بالأخبار فلا ينبغي الشكّ في عدم اعتبار نحو هذه الأصول رأسا لكونها أصولا مثبتة و الغيرية و النّفسية ليستا من آثارها الشرعية و أقصى ما يستفاد من الأخبار ترتيب تلك الآثار عليه و أمّا الآثار العقلية أو العادية فممّا لا يكون جعلها بيد الشارع فلا ينهض إخباره في نفيها و إثباتها على ما تحقق في محلّه بما لا مزيد عليه و إن بنى على اختياره من باب الظنّ كما يظهر عن بعض عبائر الأقدمين فهو و إن كان لهذه الأصول وقع و محلّ لعدم تفاوت الحال حينئذ بين الآثار الشرعية و غيرها إلا أنّه قول مهجور لا يشكّ في فساده بحيث يجلّ شأن الفاضل المذكور من أن يكون ذلك مراده بل في ذيل كلامه المحكي من أن أكثرية مخالفة الأصول في أحد الطّرفين غير مقيدة شهادة على موافقته للمشهور من كون حجية

الاستصحاب من باب التعبد لا من جهة الكشف عن الواقع و الطّريقية إليه كما هو لازم اعتباره من باب الظّن إذ لا ريب أن الأكثرية و التعدّد بناء على ذلك مفيدة غاية الفائدة لدخوله حينئذ في الأمارات الّتي يحصل التعاضد فيها بالتعدّد باتفاقهم و بالجملة لا وقع لإعمال شي‏ء من هذه الأصول العدمية في إثبات الأحكام و من ثمة لم يعهد ذلك من العلماء الأعلام نعم جرى ديدنهم بإعمالها في مباحث الألفاظ في مقام إثبات الوضع و قد أكثروا محاولتها في مقام تعارض الأحوال كما لا يخفى على من مارس كلماتهم و راجع و تتبع و لعلّ الّذي أوقعه فيما وقع غفلة توهم أن تشبثهم بها هناك لبنائهم على كفاية الظنّ في إثبات مداليل الألفاظ و إن كان ذلك عندنا محلّ نظر بل منع و الكلام فيه موكول إلى محلّه هذا كلّه بالنّسبة إلى الأصول‏

283

الّتي أوقع التعارض بينهما و أمّا نفس أصالة عدم الوجوب الّتي اعتمد عليها في إثبات ما رآه فلا بأس بها لاستقرار طريقتهم على التمسّك بأصالة العدم في نفي الأحكام الشرعية المشكوكة بل و نفي الأحكام الوضعية كما لا يخفى على من له أدنى تتبع و ممارسة (و من ثمة) بنينا على حجيتها بالخصوص من باب بناء العقلاء على نحو مقرر في محلّه و حينئذ فلو كان الأصل المذكور سليما عن المعارض كما زعمه كان الأمر كما ذكره إلا أن الوجوب الغيري أيضا حادث من الحوادث و الأصل عدمه فيقع التعارض بين هذين الأصلين و لا نعني بالمعارض أصالة عدم تنجز الوجوب الغيري حتى يصحّ أن يقال إنّه لا يكون معارضا للأصل المذكور لأنّه إنّما أجراه حال عدم وجوب الغير و لا معارض له في تلك الحال لفرض عدم وجوبه لو كان غيريا بل الوجوب الغيري حادث من الحوادث مجعول بجعل الأحكام و لو تبعا و لا فارق بينه و بين الوجوب النّفسي إلا أن مصلحة الغيري في الغير و مصلحة النفسي في النفس و حينئذ فلو شكّ في كون الحادث المعلوم إجمالا من قبيل الأوّل أو الثاني لم يصحّ إثبات أحد الطرفين بالأصل لجريانه بعينه في الطّرف الآخر و لا فرق في ذلك بين طرف الشكّ قبل وجوب الغير أو بعده (توضيحه) بزيادة تحقيق في المقام هو أنّ المقرر المتضح كون الوجوب الغيري وجوبا معلوليا لا إرشاديّا و لا غير ذلك مما يتراءى من ظاهر بعض العبائر و حينئذ فمن المبرهن في محلّه أن إجراء الأصول في اللّوازم فرع جريانها في الملزوم و لو بحصول التعارض بالمثل فمع إمكان جريان الأصل في الملزوم لا وقع لجريانه في اللاّزم إذ ليس اللازم مجعولا بجعل مستقل بل منجعل بجعل ملزومه و إلى ذلك ينظر كلام الشيخ الرئيس لبهمنيار و ما جعل اللّه المشمشة مشمشة بل خلقها و عليه ابتنى بناء تقديم الشكّ السّببي على الشكّ المسبّبي و إن كان لنا في إطلاق ذلك كلام ليس هنا محلّ ذكره (و الحاصل) أنّه لا وقع لجريان الأصول في اللّوازم ابتداء بلّ لا بدّ أوّلا من ملاحظة حال الملزوم لجريان الأصول في اللّوازم ابتداء بل لا بدّ أولا من ملاحظة حال الملزوم من حيث إجراء الأصول فإن امتنع ذلك منه لمكان المعارض صحّ إجراؤها في اللّوازم فما طفحت به عبائر القوم من الجمع بين الملزوم و اللاّزم في إجراء الأصل مثل استصحاب حياة زيد الغائب و استصحاب وجوب نفقة زوجته و غير ذلك ممّا هو من لوازم وجوده المشاركة معه خروج عن الطّريقة بل لا شي‏ء في الحقيقة و هذا هو السّر في تقديم المزيل أي الأصل الجاري في الملزوم على المزال أي الأصل الجاري في اللاّزم إذا كان اللاّزم غير منفكّ وجوده عن الملزوم أمّا إذا كان اللاّزم حادثا كما لو شكّ في وجوب الفطرة عند رؤية الهلال على من كان عبده غائبا إذ مع دخول الملزوم و هو حياة العبد تحت الأصل لا معنى لاستصحاب عدم وجوب فطرته فلا يلتفت إليه خلافا لغير واحد حيث يحكمون بالتعارض بين أصالة عدم الوجوب و بين استصحاب الحياة و إذ قد عرفت ذلك ظهر أن الوجوب الغيري بنفسه ليس مجرى شي‏ء من الأصول ما دام الأصل في ذلك الغير جاريا و أمّا إذا كان الأصل في ذلك الغير كالصّلاة الواجدة للغسل مثلا معارضا بالمثل أعني أصالة عدم وجوب كلي الصّلاة كان الأصل في لازمة الّذي هو الوجوب الغيري جاريا و حينئذ يقع التعارض بينه و بين أصالة عدم وجوبه النفسي حال عدم وجوب الغير فيتساقطان فانقدح وجه فساد القول باقتضائه الوجوب الغيري (فإن قلت) أصالة عدم وجوب الشي‏ء المشكوك نفسا معارض بأصالة عدم وجوب الغير الواجد له فيبقى أصالة عدم وجوبه الغيري بلا معارض لابتلاء ما فرضته معارضا لها بغيرها (قلت) أصالة عدم وجوب الفرد الواحد المشكوك مبتلى بمعارضة أصالة عدم الوجوب الكلّي كما عرفت فلا قابلية لها لمعارضة أصالة عدم الوجوب النفسي لسقوطها بتلك المعارض (فإن قلت) إن ابتلاء ذلك الأصل بمعارضة المثل غير قادح في معارضته لأصالة عدم الوجوب النفسي إذ أقصى ذلك اعتضاد أصل بأصل و هو غير مجد لأن باب الاعتضاد مسدود في الأصول و قد مرّ في كلام الفاضل المذكور الإشارة إلى ذلك حيث قال إن أكثرية مخالفة الأصول غير مفيدة شيئا في مقام التعارض فلا وجه لجعل أحدهما خاصة طرفا لمعارضة أصالة عدم وجوب المقيد و إبقاء الآخر سليما عن المعارض و وجه ذلك واضح لا يكاد يخفى بناء منه على اعتبارها من باب التعبّد و إذا تساقطت تلك الأصول لأجل المعارضة بقي أصالة عدم الوجوب الغيري سليما عن المعارض‏

فلم قلت إنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب النفسي (قلت) عدم إفادة تعدّد الأصول في أحد الطّرفين شي‏ء مسلم إلاّ أنّه غير مفيد في المقام لأنه إنما يجدي ذلك فيما لو كانت الأصول كلّها في مرتبة واحدة بحيث يكون كلّ منهما في عرض الآخر بأن تكون من محتملات الخطاب المعلوم بالإجمال و من الواضح أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل حيث لم يكن أصالة عدم وجوب الغسل نفسا في عرض ذينك الأصلين إذ ليست من محتملات الخطاب المتعلّق بالصّلاة فلا معنى لسقوطها لأجل المعارضة بسبب العلم الإجمالي الناشئ من ذلك الخطاب و بالجملة العلم الإجمالي الحاصل من الخطاب المتعلّق بالصّلاة دائر أمره بين احتمالين هما احتمال وجوب الصّلاة الواجدة للغسل و احتمال وجوبها مطلقا و ليس في مرتبتهما احتمال وجوب الغسل نفسا بديهة نعم علم إجمالي آخر حاصل من الخطاب المتعلّق بالغسل دائر بين وجوبه النفسي و بين وجوبه الغيري فيتساقطان بسبب ذلك العلم الإجمالي هذا تمام الكلام بالنّسبة إلى أصالة العدم و أمّا أصالة البراءة

284

عن الوجوب النفسي فقد يتوهم أنّه لا مجرى لها بزعم معارضتها بأصالة البراءة عن الصّلاة مع الغسل إلا أنّه توهم لا يلتفت إليه إذ بعد الغضّ عن كون الأصلين في مرتبة واحدة ليس حال أصالة البراءة حال أصل العدم فإنّ مؤدّاها إنما هو نفي التكليف و الحرج فلا يترتّب على وجوب الغسل قبل وجوب الغير المحتمل كونه واجبا لأجله سوى نفي الوجوب النفسي بمعنى عدم ترتيب آثاره أمّا إتيان الغيرية فلا نعم لا أثر لأصالة البراءة بعد دخول وقت الغير إذ هو واجب حينئذ قطعا إمّا لنفسه أو لغيره فيلزم الإتيان به لا محالة حذرا عن المخالفة القطعية العملية و هل يجب تقديمه على ذلك الغير أم لا بل يتخير بينه و بين تأخيره عنه وجهان مبنيان على ما هو المختار في الدّوران بين التخيير و التعيين من البراءة و الاحتياط لأن المسألة حينئذ من الدّوران المذكور حيث إنّه لو كان واجبا نفسيّا كان مخيّرا بين التقديم و التأخير هذا كلّه فيما لو كان الدّليل الدّال على وجوب الواجب المشكوك قطعيّا فلو كان وجوب الغير ثابتا بدليل لفظي وجب الأخذ بإطلاقه لما عرفت آنفا من أن إطلاق طلب الشي‏ء أي عدم تقييده بشي‏ء أو حال مؤذن بوجوبه على كلّ حال و لازم ذلك هو كون وجوب المشكوك غيريته نفسيّا لاقتضاء غيرية وجوبه تقييد ذلك الإطلاق الّذي قد عرفت أنّه خلاف الأصل الموصل هذا تمام الكلام فيما تعلّق بالمقام‏

التنبيه الرابع [الكلام في أن الأصل في الأوامر بعد دلالتها على الوجوب هل هو الوجوب التوصلي أو التعبدي‏]

قد اختلفوا في أن الأصل في الأوامر بعد دلالتها على الوجوب الّذي هو المعول عند فقد القرائن هل هو الوجوب التوصلي أو التعبدي على قولين و قد يعرّف الأوّل بما علم انحصار مصلحته في شي‏ء و الثّاني بما لا يعلم منه ذلك و ليس متجه لانتقاض الأوّل عكسا و الثاني طردا بكثير من التوصّليات كتوجيه الميت إلى القبلة حال الاحتضار و مواراته و نحو ذلك فالمتجه تعريف الأوّل بما لا يتوقف سقوطه على قصد القربة و بعبارة أخرى ما لا يكون الداعي في إيجابه التعبّد و الإطاعة بل يكون الغرض و الدّاعي منه حصوله مطلقا في الخارج بأي نحو اتفق و على أي وجه تحقق كما في أداء الدّين و تكفين الموتى و غير ذلك و الثاني بما يتوقف سقوطه على ذلك و بالجملة ما يشترط في تحقق الامتثال به نية القربة بأي معنى فسّرت من الإخطار بالبال أو الدّاعي و المحرّك إلى وقوع الفعل من المكلّف كما هو التحقيق أو غير ذلك كما في الصّلاة و الحجّ و غسل الموتى و نظائرها ضرورة أنّه ليس الغرض من هذه الأفعال وقوعها في الخارج كيف ما اتفق بل لا بدّ في الامتثال بها إتيانها بقصد الامتثال على وجه يكون داعيه أمر المولى بحيث لا يشوبه شي‏ء من الدّواعي الأخر و من هنا يأتي الإشكال في صحة غسل كثير من أموات هذا الزّمان بل و سائر الأزمان الّذي يباشره الغسّالون الّذين هم المعدّون أنفسهم لذلك جاعلين إياه صنعة لهم و مدارا لأمر معيشتهم كسائر الصّنائع تراهم يعاملون معه في الأجرة زيادة و نقيصة بحيث يقطع أنّ الداعي لهم إلى صدور الفعل منهم ليس إلا تحصيل تلك الأجرة حتى لو علموا انتفاءها امتنعوا عن المباشرة و أين هذا من العبادة الّتي اعتبر فيها أن لا يشوب الدّاعي فيها بشي‏ء من الدّواعي و كيف يكون مسقطا للتكليف و مبرئا للذمة و صنع بعض المتفطّنين للإشكال من جعل الأجرة على بعض المقدّمات أو غير ذلك من الحرف و الحيل بزعمهم حصول قصد القربة بمجرّد ذلك لا يوجب للخواطر سكون و للنفس كون كيف و لو نوقش عن داعيه يرى أن الّذي لم يك ناديه هو امتثال أمر المولى إذ ليست النّية تأديه باللّفظ بل هو أمره معنوي لا يحصله هذا العمل الصّوري الّذي ليس له في الحقيقة معنى (و الحاصل) أنّ التأمل الصّادق يشهد بأنّه لا محيص من كون الداعي لعمله ما هو أجنبيّ عن أمر المولى و إن وقع منه من الحرف ما وقع و اصطنع من الحيل ما صنع فقلما يتفق صدوره لصرف داعي الأمر كما يتفق ذلك بمباشرة أهليه و صواحبه و بنيه و مع ذلك فقد جرى ديدنهم و استقر عملهم خلفا عن سلف على الاكتفاء بذلك و الغضّ عمّا هنالك و قد استرح السيد المرتضى (رحمه الله) و من ارتضى مقالته من إنكار وجوب النية فيه بل هو عندهم كسائر الواجبات التوصلية معلّلين بأنّه ليس الغرض منه إلا تنظيف بدن الميّت لكن لا يبعد دعوى نهوض الإجماع المحقق حجة عليه فالأولى أن يقال في رفع الإشكال تصحيحا لما استمرّت عليه الأعمال بتوسعة الأمر في قصد التقرب بحيث يعمّ المباشر و السّبب فيكتفي هو قصد المباشر إن لم يكن خالصا بقصد المسبّب الّذي قلّ أن يكون ذلك منه لغير داعي الأمر و حينئذ فلا يقدح كون داعي خصوص المباشر أمر ورى الأمر و بالجملة الإشكال إنّما يتأتى بناء على اعتبار وقوع النية من خصوص المباشر و أمّا إذا قلنا بعدم وجوبه عليه مكتفيا بما يقع عن السّبب فلم يبق للإشكال أثر نظير أصل المباشرة في الواجبات الكفائية إذ الظّاهر وجوب إيجادها في الخارج مباشرة أو تسبيبا و دعوى اختصاص الوجوب بالمباشرة و كون السّبب مسقطا لا مصداقا لما هو الواجب على الناس كما قيل و يقتضيه الجمود على ظاهر الخطاب مدفوعة بعد تسليم ظهور الخطاب بأن الغرض من إيجابها لما كان هو تحققها في الخارج و لذا يسقط بفعل الغير إجزاء أو غيره لم يكن لاعتبار المباشرة فيها معنى بل يكون لغوا صرفا فيكون الواجب هو الإيجاد بأحد الوجهين لمساواتهما في حصول الغرض الباعث على التكليف و هذا نظير منصوص العلّة في المتعدّي عن مورد الخطاب إلى غيره للمناط المعلوم‏

285

المستنبط مع أنّ دليل وجوب الكفائي إنما هو الإجماع و الضرورة و دليل العقلي في بعضها و ليس في شي‏ء اختصاص بالمباشرة فكما أمكن التوسّع في أصل الإيجاد فلا غرو في التوسع في القربة المعتبرة فيه و الحاصل أن حال القربة كحال الوجوب في عموم التّسبيب و هذا متين جدّا ينبغي أن يتلقى بالقبول لو لم يكن الإجماع على خلافه في أمثال المقام ممّا لا يخاف كما لا يخفى على البصير المتدرّب و كيف كان فالمشهور المعروف بين المحققين أنّ الّذي يقتضيه الأصل هو الوجوب التوصلي و ذهب شرذمة إلى اقتضائه الوجوب التعبّدي و اختاره صاحب العناوين على ما حكي عنه و تحقيق الكلام يستدعي التكلّم في المقام تارة في الأصل اللّفظي و أخرى في الأصل العملي و ثالثة فيما يستفاد من عمومات الكتاب و السّنة

فهاهنا مقامات‏

الأوّل [الكلام في أن الأصل اللفظي هل يقتضي التعبدية أو التوصلية]

قد ادّعى بعض الأفاضل من أرباب القول الثاني مطابقة الأصل اللّفظي لمدّعاه و استدلّ على ذلك بوجهين (أحدهما) أنّ الأمر ظاهر في إتيان المأمور به بداعي الأمر كما قد يتضح حاله بالمقايسة على اعتبار أصل القصد فكما أنّ ظاهر الأمر تعلّق الطلب بالفعل الصّادر على وجه العمد و القصد بحيث لا يندرج فيه الفعل الواقع من غير قصد و شعور كما إذا وقع على وجه الغفلة أو حال النوم أو غير ذلك و إن قلنا في التوصّليّات بكونه مسقطا للواجب نظرا إلى حصول الفرض كذلك يكون ظاهره هو الفعل الصّادر بداعي الأمر و لا فارق بين المقامين من حيث ظهور اللّفظ في ذلك (و الثّاني) ذم العقلاء للعبد الآتي بالمأمور به لغير داعي أمر المولى من سائر الدّواعي النفسانية لو اطّلعوا على سريرته و ما في ضميره و في كلا الوجهين نظر (أمّا الأوّل) فلمنع ظهور الأمر في ذلك ضرورة انتفاء ما يوجبه فإنّ ادّعى استناده إلى الوضع بحيث يكون مجازا في الواجبات التوصلية بأسرها الّتي أكثر من أن تحصى ففساده أوضح من أن يبين بل الظّاهر عدم التزامه بذلك و إن أراد غير ذلك فلا نجد من أسباب الظهور شيئا فعليه البيان و أمّا قياسه باعتبار القصد ففي غير محلّه لوضوح الفارق من وجود القرينة العقلية هناك المنفية فيما نحن فيه لأنّ اعتبار القصد في الواجب ليس لظهور اللّفظ فيه بل لحكم العقل بامتناع تعلّق الطّلب بما ليس بمقدور و من الواضح أنّ ما ليس بمقصود ليس بمقدور لوضوح كون القصد من شرائط الاختيار و من البين انتفاء حكم العقل بما يقتضي اعتبار قصد الامتثال فمقايسة المقام بمقام ظهوره في القصد بشهادة القرينة الفاقدة هنا غلط من الكلام و شطط من الأوهام (و أمّا الثّاني) فإن كان المراد منه إثبات مدرك الظهور كما صنعه صاحب المعالم في مقام إثبات ظهور الأمر في الوجوب نظرا إلى أن الظهور أمر وجداني لا بدّ في إثباته من النظر في آثاره كما هو ديدن المحققين حيث يثبتون التبادر بتمسّك السّلف من العلماء و غير ذلك ففيه بعد المساعدة عليه إذا نمنع كون ذم العقلاء مسبّبا عن ظهور الأمر في وجوب التعبّد كيف و قد عرفت أن سببا من أسباب الظّهور غير موجود فكيف يذمون من غير سبب و إن أراد بيان وجه آخر في إثبات مدّعاه بعد التنزّل عن دعواه من ظهور اللّفظ كما هو ظاهر المقايسة فيكون حاصله أن الآتي بالفعل بغير داعي الأمر و إن كان ممتثلا لما اقتضاه حاق اللّفظ بحيث لا يكون عاصيا في الحقيقة إلا أنّ مذمة العقلاء قاض بكونه في حكم العاصي فيجب حينئذ على المكلّف إتيان كلّ فعل أمر به بقصد الامتثال إلاّ ما خرج تخليصا للنفس من العصيان الحكمي المنكشف بذم العقلاء ففيه (أوّلا) منع الصّغرى لعدم ثبوت ذمهم بعد الإتيان بالمأمور به و إن كان لغير داعي الأمر (و ثانيا) منع كون المذمة بعد تسليمها ملزمة بحيث توجب إلزام المكلّف بل أقصاها المذمة التنزيهية فتوجب استحباب إتيان المأمور به على وجه الامتثال و قد تحقق في محلّه أنّ الأحكام العقلية أيضا خمسة عند المحققين على طبق الأحكام الشرعية (و ثالثا) بعد التنزل و تسليم كونها تحريمية فغايتها الكشف عن ذم الفاعل لسوء سريرته دون الفعل و حاصله توجه الذمّ على العبد دون الفعل الصّادر منه نظير ما قالوه في ذم المتجري فلا يدلّ على وجوب إتيان الفعل بداعي الأمر كما لا يدلّ ذم العقلاء هناك على حرمة المتجري به (و رابعا) بعد الغضّ عن جميع ذلك و تسليم كون المذمة على الفعل دون الفاعل فغير منتج ما هو المقصود من إثبات الوجوب التعبدي إذ غايته وجوب تحصيل الامتثال و الانقياد على العبد مضافا على وجوب أصل الفعل و هو أمر آخر وراء اشتراط سقوط التكليف بقصد القربة و بعد تسليم عدم مساعدة اللّفظ عليه و هذا الجواب سار في جميع أدلّتهم من العقل و النقل و قد أخذه بعض المحققين في الهداية جوابا عن أدلّتهم السّمعية و سيأتي تمام الكلام فيه إن شاء الله تعالى فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّه لا محصّل لدعوى اقتضاء الأصل اللّفظي للوجوب التعبدي و في قبال تلك الدّعوى دعوى اقتضائه الوجوب التوصلي كما عن غير واحد تمسّكا بإطلاق الأمر زعما منهم أن الشكّ في اعتبار قصد القربة في الحقيقة شكّ في تقييد الأمر بها فقضية إطلاقه عدم اعتبارها و الاكتفاء بإتيان نفس المأمور به و لو لغير داعي الأمر و هي أيضا فاسدة بحيث يتناكر عنه من له أدنى حظ من هذا الفن بأدنى التفات لأن الاستناد إلى الإطلاق في رفع التقييد إنّما يصحّ بالنّسبة إلى القيود التي‏

يصحّ تقييد المأمور به كالطّهارة بالنّسبة إلى الصّلاة مثلا و أمّا القيود

286

الّتي لا يعقل كون المأمور به مقيدا بها و هي الّتي لا تحقق و تأصل لها في الخارج إلا بعد الأمر فلا يصحّ الاستناد إلى إطلاق الأمر في دفع ذلك لاستلزامه تقدّم الشي‏ء على نفسه إذ المفروض أن وجودها فرع وجود الأمر لكونها منتزعة منه فأخذها قيدا في المأمور به و جزءا للموضوع الّذي هو مقدّم رتبة و طبعا على الحكم مطلقا ذهنا و خارجا مستلزم لتقدّم الشي‏ء الّذي هو الحكم على نفسه و من البين أنّ ما نحن فيه من قبيل الثاني دون الأوّل ضرورة كون القربة من القيود الّتي لا تعتبر في المأمور به إلاّ بعد اتّصافه بالوجوب فالشي‏ء ما لم يكن واجبا لا معنى لحصول التقرب به و لا لاعتباره قيدا له لأنّ وجودها متفرع على تحقق الوجوب و متأخّر عنه رتبة و من الواضح تأخر الحكم عن الموضوع فلو جعلنا ذلك الموضوع مقيدا بحصول التقرب به لزم تقدّم الوجوب على نفسه و إن شئت قلت إن المتقابل بين الإطلاق و التقييد به فإذا استحال تقييد المأمور به بالقربة ضرورة تأخّرها عن الأمر امتنع دفعها بالإطلاق و بعبارة أخرى تقييد المأمور به بشي‏ء إنما يصحّ إذا كان المأمور به في الخارج صالحا لانقسامه إلى مقيد و غير مقيّد كما في قوله أكرم إنسانا و أعتق رقبة فإن كلا من الرقبة و الإنسان يصحّ انقسامه إلى المؤمنة و الكافرة و الأسود و الأبيض مثلا قبل تعلّق الأمر بالإكرام و العتق فإطلاق الأمر حينئذ ينهض دليلا على عدم تقييد شي‏ء منهما بشي‏ء منهما فظاهر أو القربة ليس ممّا يصحّ تقسيم المأمور به قبل اتصافه بالوجوب إلى متصف بها و ما لا يتّصف بها نعم الّذي يصحّ تقييده بها إنما هو الواجب بوصف الوجوب لصحّة انقسامه إلى واجب يتقرب به و واجب لا يحصل به التقرب و حينئذ فلا أثر للإطلاق في مقام دفعه كما لا أثر له في المثالين المذكورين بالنّسبة إلى الأوصاف الحادثة بعد الطّلب بالعتق و الكرم و نحوها ضرورة عدم تحققها في الخارج قبل الأمر و حاصل ما ذكرناه بعبائر مختلفة توضيحا للمرام و كشفا للمقام هو أنّه لا يعقل أخذ القيود المنتزعة من الأحكام في موضوعاتها كما لا معنى لأخذ القيام قيدا في الموضوع المحكوم عليه بأنه قائم لاستلزامه المحذور المذكور الّذي قد يعبّر بأنّه دوران لم يكن هو الدّور المصطلح عليه عند أرباب المعقول الّذي هو عبارة عن توقف أحد شيئين متغايرين مفهوما على ما يتوقف عليه الآخر كتوقف أ على ب و بالعكس إذ ليس في المقام سوى تقدم الحكم على نفسه و الأمر سهل بعد ثبوت ما هو المناط في استحالة الدّور الّذي ليس هو إلا تقدّم الشّي‏ء على نفسه هذا و العجب من خريت هذا الفنّ صاحب الهداية كيف حام حول الإطلاق في المقام و تشبث بذيله لإثبات ما رامه فتحصل ممّا طويناه و حققناه أنّه ليس في المقام أصل لفظي يمكن الاستناد إليه فاضبطه و اغتنم‏

المقام الثّاني [الكلام في أن الأصل العملي هل يقتضي التعبدية أو التوصلية]

في الأصل العملي و تحقيق ما هو قضية في المقام (فنقول) ربما يقال بل قيل إن حال الشكّ في اعتبار قصد التقرب كحال سائر الشرائط فيأتي فيه الخلاف المقرر هناك من حيث جريان أصلي البراءة و الاحتياط فلازم اختيار القول بالبراءة هنا اختيارها هنا و مقتضاه الوجوب التوصلي كما أن اختيار الاحتياط فيه قاض بالوجوب التعبّدي و فيه أن الخلاف المقرر هناك إنّما هو بالنّسبة إلى الشرائط الراجعة إلى نفس المأمور به و قد عرفت آنفا بما لا مزيد عليه عدم تعقّل أخذ قصد القربة شرطا في المأمور به فيفارق سائر الشّروط من هذه الجهة فلا معنى لجعله من جزئيات تلك المسألة و بعبارة أخرى قصد التقرب إنّما هو من القيود المعتبرة في الامتثال دون الممتثل به كما هو قضية الشرائط الّتي مضى شطر من الكلام فيها من حيث إجراء الأصل و عدمه ففي هذا القبيل من القيود الّتي لا يعقل أخذها في المأمور به لا شطرا و لا شرطا لا مسرح للتمسّك بالإطلاق فالمنع هو الأصل فهل المقام مقام البراءة أو الاحتياط وجهان بل قولان وجه (الأوّل) بناء على جريان البراءة في أجزاء المركبات واضح إذ لا فرق بين شرط القربة و غيرها فيأتي فيها ما هو الأصل في غيرها حرفا بحرف (و وجه الثّاني) هو أن متعلّق التكليف في المقام معلوم لما عرفت من عدم إمكان أخذ القربة قيدا في المأمور به فالشكّ في اعتبارها يرجع إلى الشكّ في حصول الامتثال بعد العلم بالاشتغال و إنّما يرجع إلى البراءة في سائر الشروط لدوران المكلّف به فيها بعد الانحلال بين الأقلّ و الأكثر أو المطلق و المقيد فيقتصر على الأقلّ أو المطلوب و يدفع الزائد بالأصل و أمّا هنا فليس في المكلّف به ترديد و شكّ فإنّ القربة غير معتبرة فيه قطعا حسبما عرفت و إنّما الشكّ في حصول البراءة و تحقق الامتثال بالّذي خلق الأمر به مفصلا بدونها و لا يقدح كون الشّبهة في المقام حكمية لأنّ قاعدة الاشتغال كما يجري في الشبهة الموضوعية مثل ما لو شكّ في الإتيان بصلاة الظّهور مثلا كذلك تجري في الشبهة الحكمية الّتي بيانها على الشّارع كالمردّد بين الظّهر و الجمعة فاندفع ما قد يتوهم من أنّ شرط القربة و إن لم يكن معتبرا في المأمور به إلاّ أنّ اعتبارها في تحقق الامتثال أيضا يحتاج إلى البيان من الشارع فإذا لم يكن دليل على اعتبارها فالمرجع هو البراءة العقلية كما لو شكّ في التكليف بدوا و وجه الاندفاع أنّ البيان قاطع للعذر الكافي في صحّة المؤاخذة على تقدير فوت المأمور به أعمّ من البيان العقلي و النقلي و لا يتوقف على خصوص الثاني و إلاّ لاتجه القول بعدم وجوب الاحتياط في المتباينين إذ المفروض عدم الوصول ببيان المأمور به و أنّه الظّهر مثلا أو الجمعة و بعد

287

الإتيان بأحد المحتملين يرتفع العلم بالتكليف و لا يبقى العلم به فكيف يمكن القول فيه بوجوب الاحتياط مع عدم وصول البيان من الشّارع و عدم العلم بالتكليف بعد إتيان أحدهما (فالحاصل) أنّه بعد العلم بالتكليف تفصيلا أو إجمالا يجب بحكم العقل تفريغ الذمّة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية إلا إذا انحل ذلك التكليف إلى الأقلّ و الأكثر أو المطلق و المقيد عملا بقاعدة الاشتغال و بعد ما عرفت أنّه لا تنحل مسألتنا إلى الأقلّ و الأكثر ضرورة القطع بعدم تقييد المأمور به بقيد القربة حسبما عرفت لا محيص إلا عن القطع بالبراءة و تحقق الامتثال و لو بمراعاة ما يحتمل اعتباره في صدقه عرفا أو شرعا و إن شئت استوضحت المقال و قلت بالمكلّف به إذا لم يتردد بين الأقلّ و الأكثر و لكن شكّ في تحقق الامتثال على بعض الوجوه دون بعض وجب فيه الاحتياط و إن كان الوجه المتوقف عليه العلم بالبراءة ممّا يحتاج إلى البيان لأن البيان إنّما يتوقف عليه التكليف إذا لم يجر قاعدة الاشتغال و أمّا إذا جرى فلا و المناط في جريانها عدم دوران المكلّف به بين الأقلّ و الأكثر و من هنا يعلم أن الحكم بالاحتياط هنا أولى من الحكم به في المتباينين لأن المكلّف به هناك معلوم إجمالا و فيما نحن فيه معلوم تفصيلا هذا و المقام بعد يحتاج إلى التأمّل و المسألة غير نقية من الإشكال لإمكان أن يقال إن التكليف الثابت قد حصل الامتثال به بحكم العرف و العقلاء و احتمال اعتبار القربة يرجع إلى الشكّ في التكليف لا في امتثال التكليف المعلوم حتّى يجري فيه قاعدة الاشتغال و الفرق بين المقام و بين دوران المكلّف به بين المتباينين واضح غير خفيّ على متدرب تدبّر

المقام الثالث [الكلام في أن ما يستفاد من (الكتاب) و السّنة التوصلية أو التعبدية]

فيما يستفاد من الكتاب و السّنة من التوصلية أو التعبدية و أنّه هل فيهما ما يمكن استفادة شي‏ء منهما منه أم لا (فنقول) ربما يدعى كما عن غير واحد من الأصحاب أنّه يستفاد من الكتاب و السّنة أن الأصل في الأوامر الشرعية هو التعبّدية و الّذي يمكن منهما استفادة ذلك منه أمور (الأوّل) قوله تعالى حكاية عن أهل الكتاب‏ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ بتقريب أنّ اللام في قوله ليعبدوا للغاية فدل على أنّهم ما أمروا بشي‏ء ممّا أمروا به إلاّ لغرض التعبّدية على وجه الإخلاص المتوقف على قصد القربة فيتم المدّعى لاقتضاء الحصر المستفاد منها أصالة التعبّديّة في الواجبات الإلهيّة و إذا ثبت ذلك في الشريعة السّابقة فيستصحب في هذه الشريعة أيضا إمّا لقضاء الاستصحاب بعد عدم العلم بنسخها فيها أو لقوله‏ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ بناء على تفسيرها بالثابتة الّتي لا تنسخ كما عن المحقق الخونساري في مشارقه و المناقشة في ذلك باحتمال كون المفعول به المقدّر بعض الأوامر فتكون الآية مجملة لا تنهض حجة للمدعى غير ملتفت إليها ضرورة أنّه لا مجال لإنكار عمومها إمّا لما طفحت به كلماتهم من أن حذف المتعلّق يفيد العموم أو لكون الآية واردة في مقام البيان ينافيه الإجمال فلا محيد عن تقدير المفعول عامّا قضاء للحكمة و أوهن منها دعوى أن المستفاد على التقدير المذكور كون جميع الأوامر تعبّديّة و هو خلاف الإجماع بل الضّرورة فإن أقصى ذلك ورود التخصيص عليه و هو غير ضائر و قد اشتهر أنّه ما من عام إلا و قد خص و قد يناقش في دلالة الآيات بوجوه (أحدها) أن دلالتها حسبما عرفت مبنيّة على كون اللام للغاية و هو في حيز المنع ضرورة كونها هنا لام الصلة و التقوية الداخلة على المفعول به على حدّ اللام في نظائر المقام صرّح به الرّضي و غيره (و المراد) بالعبادة هو التعبد و التذلّل و الانقياد على ما صرّح به غير واحد من اللّغويين و ينادي بذلك تتبع موارد الاستعمالات كقوله تعالى أ تعبدون ما تنحتون و قوله نعبد أصناما فنظلّ لها عاكفين و قوله و الّذين اجتنبوا الطّاغوت أن يعبدوها و غيرها من الاستعمالات كعبدة الأصنام و بالإخلاص في الدين التوحيد الخالص كما يشهد به تفسير أهل اللّغة ففي مجمع البحرين في تفسير قوله تعالى‏ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ‏ أي التوحيد الخالص و يشهد بذلك كثير من الآيات كقوله‏ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ‏ و قوله‏ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ‏ و قوله‏ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ‏ ضرورة أن توعيد المتخذين الأولياء من دون اللّه بعد الأمر بالعبادة على وجه الإخلاص في الدّين في الآية الأولى و تأخر الأمر بأوّلية الإسلام عن الأمر المتعلّق بالعبادة على وجه الإخلاص في الدّين في الثانية و مقابلة قوله فاعبدوا ما شئتم بقوله قل اللّه أعبد في الثالثة مما ينادي بإرادة التوحيد الخالص من الإخلاص في الدّين و حينئذ فمفاد الآية أنّهم ما أمروا إلاّ بالعبادة على وجه التوحيد فيكون حالها كحال نظائرها من الآيات الآمرة بالتوحيد الناهية عن الشرك باللّه و بذلك فسّرها محققو المفسّرين قال الطبرسي في مجمع البيان‏ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏ أي لم يأمرهم اللّه إلاّ لأن يعبدوا اللّه وحده لا يشركون بعبادته فهذا ممّا لا تخلف فيه ملّة و لا يقع فيه تبدل مخلصين له الدّين أي لا يخلطون بعبادته عبادة ما سواه و قال القاساني في الصّافي و ما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين لا يشركون به‏

288

و عن البيضاوي ما هو قريب من ذلك و ممّا يشهد بذلك مقابلتها بقوله حكاية عن المشركين‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ‏ و توهم أنّ الغاية هي الأصل في معاني اللام فمقتضى أصالة الحقيقة الحمل عليها دون التقوية الّتي هي من المعاني المجازية لا يعبأ به فإن أصالة الحقيقة إنما تفيد عند انتفاء القرينة و أمّا مع وجود القرينة بل القرائن فلا يؤخذ بمقتضاها و من البيّن احتفاف الآية بما يصرف عن إرادة الغاية و هو قوله‏ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ فإنهما معطوفان على قوله ليعبدوا و قضية العطف تكرار العامل كما يفصح عنه سقوط النون عنهما و من الواضح أنّهما ليسا غايتين لعبائر الأوامر بل هما مأمور بهما فلا جرم من حمل اللام فيهما على التقوية و الصّلة و حينئذ فقضيّة الشّركة في العطف حمل اللام في المعطوف عليه عليها أيضا حذرا من استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد الّذي إن بيننا على جوازه فهو في خصوص أسماء الأجناس و أمّا في الحروف و ما ضاهاها ممّا كان الوضع فيه عامّا و الموضوع له خاصّا فممنوع بل لم يقل به أحد على أنا لو فرضنا جوازه فيها أيضا فذلك غير مجد قطعا ضرورة توقفه على القرينة المنفية في المقام هذا مضافا إلى أنّه بهما يدعى أن وقوع اللام عقيب الأمر و الإرادة أقوى شاهد على كونها للتقوية نظرا إلى تفسيرها بها في مواضع من نظائرها من الآيات القرآنية كقوله تعالى‏ وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ و أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ‏ و أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ‏ و يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏ إلى غير ذلك بل على ذلك نصّ بعض اللّغويّين أيضا فيكفي ذلك في الخروج عن مقتضى ظهور الوضع فتلخّص من جملة ما فتحناه أنّه لا دلالة في الآية بل و لا إشعار على تعبدية الواجبات كيف و لو كان كذلك للزم تخصيص الأكثر لأكثرية الأوامر التوصلية بل التعبّدية في جنبها في غاية الندرة (ثانيها) ما ذكره المحقق الخونساري (قدّس سرّه) في شرح الدّروس فإنّه بعد أن سلك في الاستدلال بالآية مسلكا آخر وراء ما سلكناه و اعتمد على خلاف ما بيناه حيث جعل تمامية مبنية على كون اللام للتقوية زعما منه أن المراد من العبادة هو مصطلح الفقهاء الّتي لا تنفك عن اعتبار قصد القربة في الواجبات فإن مقتضى الآية بناء عليه حصر المأمور به في العبادة (أجاب عنه) بما ملخّصه أن اللام فيها للغاية و جعل الشي‏ء غاية الشي‏ء أعم من حصولها بنفس ذلك الشي‏ء أو بأمر آخر له نوع مدخلية فيه و إن كانت المدخلية خفية و بعبارة أخرى كون الشي‏ء غاية أعمّ من حصولها بما جعل غاية له من غير واسطة كما في الأمر بالصّلاة بالنّسبة إلى حصول التعبّد مثلا أو مع وساطة أمر آخر كما في الأمر بمقدّماتها فيصحّ جعل التعبّد غاية لتلك المقدّمات نظرا إلى حصولها بذيها الّتي هي الصّلاة و حينئذ فكون التعبّد في الآية غاية لما أمروا به لا يقتضي كونها واجبات تعبّدية لعدم منافاتها للوجوب التوصّلي إذ من المحتمل أن يكون للوقوع في العبادة مدخل لجميع الواجبات التوصلية و إن كانت مدخلية خفية لا يعلمها إلاّ اللّه و الراسخون في العلم و دعوى حصول القطع بعدم تلك المدخلية في بعضها فضلا عن كلّها مجازفة بيّنة فانقدح من ذلك أنّ الآية قاصرة الدّلالة على المدّعى من وجوب قصد القربة في كلّ ما أمر به انتهى ملخص كلامه زاد اللّه في علو مقامه و قد تلقاه بالقبول صاحب الفصول حيث قال (قدّس سرّه) إنّ كونه غاية أعمّ من حصوله بنفس المأمور به كما في الأمر بالصّلاة أو بواسطة كما في الأمر بمقدّماتها للفرق بين ما أمروا إلاّ بالعبادة و بين ما أمروا إلاّ للعبادة فإنّ الأوّل يقتضي حصر المأمور به في العبادة دون الثاني فلا يكون لها دلالة على وجوب قصد القربة في كلّ ما أمر به إلا على تقدير العلم بأن لا مدخل لمجرّد وقوعه في عبادة و لو مدخلية خفية و هذا على تقدير حصوله نادر جدّا و فيه (أوّلا) قد اعترف كما عرفت بدلالة الآية على المدعى بناء على جعل اللاّم فيها للتقوية و هو ممّا لا مناص عنه لما عرفت من قيام الشواهد عليها الّتي أعظمها عدم استقامة العطف بناء على جعل اللاّم بمعنى الغاية لاستلزام استعمال اللّفظ في أكثر من معنى (و ثانيا) أن ظاهر الكلام بناء على جعل اللام للغاية حصول التعبد المجعول غاية بنفس المأمور به الّذي جعل الغاية غاية له إذ لا مجال لإنكار ظهور قول القائل أقم الصّلاة لعبادتي في وجوب الصّلاة لحصول العبادة بنفسها لا لحصولها

بأمر آخر فمجرّد احتمال كون المراد من الغاية أعم غير مجد بعد ذلك الظّهور المسلم (فإن قلت) دعوى كون المنشأ ظهور الكلام في أن الغاية حاصلة بنفس المعنى من غير واسطة غير مسموعة ضرورة عدم تفاوت الحال في صدق الغاية بين حصولها بنفس المعنى أو بواسطة الغير و سبب الظّهور إمّا الوضع أو الغلبة و ليس شي‏ء منهما موجود في المقام كما لا يخفى (قلت) منشأ الظهور اقتضاء الحكمة فإن الآية بناء على ما ذكرناه مفيدة للحكم الشرعي و هو الوجوب التعبّدي المستلزم لاعتبار قصد القربة في الواجبات بخلاف ما لو عمّمنا الغاية لانتفاء تلك الفائدة كما هو واضح فلا بدّ من حملها على الأوّل حذرا من لغوية الكلام (فإن قلت) إن تعليل الحكم بما لا يفيد حكما شرعيّا يتعلّق به العمل لا يوجب اللّغوية و الخلو عن الفائدة و إلاّ لزم لغوية كثير من العلل الشرعيّة الّتي لا يدور الحكم مدارها وجودا و عدما الّتي يعبّر عنها بالحكم الشرعيّة كما في تعليل غسل الجمعة برفع أرياح الآباط و وجوب العدة حفظا من اختلاط المياه و القصر في السّفر تخفيفا عن المشقة و التعب و غير ذلك (قلت) نعم إلا أنّ النزاع في البين يئول إلى ما يقتضيه‏

289

الأصل في العلل الشّرعية فإن كان مقتضاه بيان الحكمة كان ذلك منه وجيها إلا أنّه ليس كذلك فالظّاهر منها العلّية و لما انجر الكلام إلى هنا فلا بأس بسرح عنان القلم إلى الفرق بين العلّة و الحكمة و بيان وجه ما استثناه من أصالة العلّية في العلل الشرعية على وجه يرتفع به الإجمال و يتضح به حقيقة الحال من غير بسط مورث للملال (فنقول) إن العلّة ما كان علّة للحكم المدلول عليه بالكلام بحيث يدور معه إثباتا و نفيا فتارة يقتضي تخصيص مورد الحكم إن كان اللفظ الدّال عليه عامّا بحسب الدّلالات اللّفظية كما في قول القائل لا تأكل الرّمان لأنّه حامض فإنّ مقتضى تعليل الأكل بالحموضة تخصيصه بالأفراد الحامضة من الرّمان و أخرى يقتضي تعميمه إن كان المورد خاصّا بحسب دلالة اللّفظ كما في قوله لا تشرب الدّواء الّتي تصفها لك النّساء لأنّك لا تأمن ضرورة فإن قضية التعليل المذكور المنع عن شرب دواء لم يؤمن من ضرره من أي واصف كان فيكون عدم التقييد في الأوّل و التخصيص في الثاني لنكتة كقلّة الحموضة في الرمان و غلبة الأمن من الضرر فيما تصفه الرّجال أو غير ذلك و الحكمة ما كانت علّة لتشريع الحكم دون نفس الحكم و كان المتكلّم بعد ما حكم بشي‏ء قال إنما شرعت هذا الحكم لحصول تلك العلّة و على هذا فنفس الحكم مطلق غير تابع لتلك العلّة و من ثمة لا يقتضي تعميما و لا تخصيصا أصلا (فإن قلت) لا نجد فرقا بين أن يكون العلّة علّة نفس الحكم أو لتشريعه فإنهما سببان في تخصيص الحكم و تعميمه لأنّ تشريع الحكم ليس شيئا وراء الحكم كما أن إيجاد الفعل ليس أمرا وراء نفس الفعل فإن اقتضت العلّة تخصيص الحكم تارة و تعميمه أخرى اقتضاهما في الصّورتين و ما هو المعروف من أن الحكم الشرعية غير مطّردة و لا منعكسة يرجع إلى منع الصّغرى أعني كون العلّة علّة و إلا فبعد الأخذ بظاهر العلّة لزم الجري على حسب ما يقتضيه (قلت) فرق بين كون حرمة الخمر مثلا معلّلا بالإسكار و بين كون تشريعها كذلك فإن مقتضى الأوّل دوران الحرمة مدار الإسكار لأنّ مفاد العلّية بالمآل تعلّق الحكم بعنوان نفس العلّة فيكون الحرام هو المسكر دون الخمر و مقتضى الثّاني اطّراد الحكم من غير ملاحظة عنوان العلّة و لا مانع من تشريع الحكم العام المطّرد لنكتة غير مطّردة إمّا لأجل حماية الحمى أو لكون علّة الحكم في الأفراد الفاقدة لتلك العلّة أمرا آخر لم ينبّه الشّارع أو غير ذلك فيكون العلّة علّة لعموم التشريع من حيث كونها جزء أخير العلّة (و الحاصل) أنّ الفرق بين العلّة و الحكمة هو أن الحكمة علّة لتشريع الحكم و نفس الحكم فيها مطلق و العلّة علّة لنفس الحكم المدلول عليه بالكلام و من ثمّ يتبعها بمعنى أنّه متى وجدت العلّة وجد المعلول و الحكم عنوان أولي مذكور في صريح الكلام و التشريع عنوان ثانوي مستفاد منه بمعونة المقام فمتى ورد خطاب معلّل و دار الأمر بين كون التعليل لنفس الحكم أو للتشريع و لم يكن هناك قرينة على تعيين أحد الأمرين وجب الحمل على كونه علّة للحكم ضرورة أن الظاهر من القيود المأخوذة في الكلام علّة كانت أو حالا أو تميزا أو مفعولا أيّا من المفاعيل أو غير ذلك من سائر القيود تقييد العنوان الأولي الّذي هو مركوز في الكلام و ليس هو إلا نفس الحكم فلو كان غرض المتكلّم تقييد العنوان الثانوي الّذي هو خارج من الكلام أعني التشريع وجب عليه نصب قرينة على ذلك و هذا هو منشأ الظّهور الّذي ادّعيناه إذ بناء على كون العلّة علّة للحكم لا يلزم تقدير في الكلام و لا ارتكاب حذف في المقام ضرورة كونها متعلّقة بنفس ذلك الفعل بخلاف ما لو جعلناها علّة للتّشريع إذ لا جرم من جعلها متعلّقة بشرعت و نحوه ممّا يستفاد من قرائن المقام فيكون تقدير قوله مثلا غسل الجمعة مستحبّ لكذا أن شرعيّته لذلك لا استحبابه و الأصل عدم التقدير فلا يصار إليه إلاّ عند قيام القرينة في الخارج من إجماع و نحوه على كون مدخول اللاّم علّة للتّشريع دون الحكم و حيث لم يكن هناك قرينة وجب جعلها متعلّقة بما هو مذكور في الكلام و من البين انتفاء القرينة في الآية على ذلك فوجب جعل التعبد علّة لنفس ما أمر به دون تشريعه كما رامه المحقّق المذكور (ثالثها) ما ذكره شيخنا العلاّمة طاب ثراه في رسالة الاستصحاب من أن الآية إنّما تدلّ على اعتبار الإخلاص لا على وجوب الإخلاص عليهم في كلّ واجب و فرق بين وجوب كلّ شي‏ء عليهم لغاية الإخلاص و بين وجوب‏

قصد الإخلاص عليهم في كلّ واجب و ظاهر الآية هو الأوّل و مقتضاه أن تشريع الواجبات لأجل تحقق العبادة على وجه الإخلاص و مرجع ذلك إلى كونها لفظا و لا ينافي ذلك كون بعضها بل كلّها توصليا لا يعتبر فيه قصد القربة و مقتضى الثاني كون الإخلاص واجبا شرطيا في كلّ واجب و هو المطلوب انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه و هذا الوجه و إن شارك الوجه المتقدم في ابتنائه على جعل اللاّم للغاية و كون التعبد هو المصطلح عليه عند الفقهاء الّذي عرفت فساد الأوّل و بعد الثاني إلا أنّ الفرق بين الوجهين واضح لا يكاد يخفى على ذو مسكة فإن الوجه المتقدم مبني حسبما عرفت على تعميم الغاية بحيث يشمل الغاية الحاصلة في ضمن أمر آخر غير المعنى المجرّد احتمال مدخليّة بين الأمرين و هو اعتراف بدلالتها على المدّعى لو لا التعميم المذكور و من الواضح أنّه ليس نظر شيخنا العلاّمة طاب ثراه فيما رامه إلى ذلك بل نظره إلى أن أقصى ما يستفاد من الآية أن وجوب كلّ شي‏ء عليهم لغاية التعبّد على وجه الإخلاص الّذي يرجع إلى كونه لطفا في واجباتي و من البين أنّ هذا أجنبيّ عمّا هو غرض المستدلّ من اعتبار قصد التقرب في سقوط الأمر الّذي هو عبارة عن وجوب الإخلاص في جميع واجباتهم (و كيف كان) فليس هذا الوجه بمتجه بناء على وجوب‏

290

ما هو غاية للواجب كما يظهر ذلك من محققي هذه الصّناعة حيث استدلّوا على وجوب قبول خبر الواحد بآية النفر مستندين في ذلك إلى كون الحذر في الآية غاية للإنذار الّذي هو واجب ضرورة ابتنائه على كون غاية الواجب واجبا دالا لما كان ذلك متجها منهم و ذلك لأنّه لا محيص عن القول بوجوب التقييد على وجه الإخلاص بعد الاعتراف بكونه غاية للواجبات إلاّ أنّ يقال إن غاية ما يلزم من تسليم دلالتها على وجوب التعبد لكونه غاية للواجبات إنما هو وجوبه نفسا و كونه تكليفا آخر في عرض سائر التكاليف و هذا غير مفيد للخصم فإن ما يفيده حسبما عرفت إنما هو وجوبه شرطا في سقوط التكاليف الشرعية لكن الإنصاف أنه لا مجال لإنكار استفادة الوجوب على وجه التقييد و الاشتراط بعد تسليم كون الغاية واجبة إذ يكون المأمور به في الحقيقة هو تلك الغاية بحيث يكون الأمر بالمعنى توطئة لحصولها فلا يحصل الامتثال بإتيان المأمور به من دون إحراز الغاية بل يدور حصوله مدار حصولها و حينئذ فكيف لا يستفاد منه التقييد و بالجملة فرق بين استفادة وجوب التعبّد من دليل مستقل و بين استفادة وجوبه من جعله غاية للأمر و غرضا منه فإن مقتضى الأوّل هو كون التعبد واجبا مستقلا نفسيّا يستحق بتركه العقاب و لا مساس له بالمدعى لعدم دلالته على التقييد و الاشتراط على إشكال فيما إذا كان الدليل الدال عليه نقليا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (و أمّا الثّاني) فهو غير منفك عن الوجوب الشرطي لاقتضائه وجوب تحصيل الغرض من الامتثال بالمأمور به فبعد البناء على دلالة الآية على وجوب التعبّد لكونه غاية لما أمروا به لا مدفع عن الاستدلال به نعم إنما يتم ما ذكره شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) لو منعنا عن وجوب غاية الواجب بل هو مبني عليه (و تحقيق القول) في ذلك أن فيه تفصيلا فإن غاية الواجب و ما هو الغرض من وجوبه لا يخلو إمّا أن يكون فعلا من الأفعال كالتبريد الّذي علم بكونه عرض الآمر بشرب دواء مركب من أجزاء و كالتقوية الّتي هي غرض السيّد الآمر عبده بالأكل و غير ذلك من الأفعال و إمّا أن يكون ذلك الغرض صفة راجعة إلى نفس الآمر كما لو أمر السّيد مولاه أن يضرب عدوّا له و علم منه أن غرضه منه ليس إلاّ حصول التشفي منه و كذا لو علم أن غرض الآمر السيّد ليس إلاّ امتثال العبد أوامره على وجه يحصل به توقيره و غير ذلك من الفوائد العامة الراجعة إلى الآمر و إمّا أن يكون صفة راجعة إلى نفس المأمور كما لو علم أن غرض الآمر بالحجامة ليس إلا تنقية مزاجه و تصفية دمه و إذا عرفت ذلك فلا إشكال و لا شبهة في وجوب تحصيل الغرض إذا كان من قبيل القسم الأول بحيث لو شكّ في توقف حصوله على ضميمة شي‏ء بالمأمور به وجب عليه تلك الضميمة تحصيلا لذلك الغرض إذ هو المأمور به في الحقيقة دون ما هو متعلّق الأمر في ظاهر الخطاب الّذي لم يتعلّق الأمر به إلا لكونه محصّلا لذلك العنوان فالشكّ في حصول حقيقته شكّ في الامتثال مع العلم بالمكلّف به ضرورة توقفه على مراعاة المشكوك حسبما فرضنا (و الحاصل) أن المأمور به في هذا القسم في الواقع و نفس الأمر هو عنوان ذلك الغرض و إن كان ظاهر الأمر متوجها إلى شي‏ء آخر محصّل له و حينئذ قصد الإطاعة متوقف على مراعاته البتة و الشكّ في حصوله الناشئ من الشكّ في مدخلية شي‏ء فيما تعلّق به الأمر شكّ في سقوط التكليف بعد إحرازه و من ثم قلنا في بحث الصّحيح و الأعمّ بلزوم الاحتياط في الشك في أجزاء الصّلاة و شرائطها على كون الغرض منها فعلا معلوم العنوان كما هو أحد محتملات القول الصّحيحي فتأمل و بالجملة لا شكّ و لا شبهة في تحصيل الغرض و الغاية إن كان من قبيل الأفعال كما لا إشكال ظاهرا في وجوب تحصيله أيضا إن كان من قبيل الثاني أي صفة راجعة إلى نفس الآمر لأن العقل مستقل بوجوب مراعاة ما يرجع إلى المولى سواء كان نفس المأمور به أو شيئا آخر حاصلا منه فحينئذ يتوقف سقوط التكليف على مراعاة المشكوك لعدم القطع بالامتثال بدونها فلو امتثل العبد أو أمر سيّده على وجه غير محصّل لما هو غرضه من التوقير الراجع إليه مثلا لم يمتثل حق الامتثال بل عدّ عاصيا و ذمه العقلاء (و أمّا الثّالث) أعني ما لو كان الغرض من الفوائد الراجعة إلى نفس المأمور دون الآمر فالظّاهر إمكان القول بعدم وجوب تحصيل مثل هذا الغرض بمعنى عدم توقف سقوط التكليف‏

على مراعاته نظرا إلى صدق الإطاعة مع عدم ذلك إذ المفروض عدم دخول هذا الشي‏ء في المأمور به لا شرطا و لا شطرا و لا غرضا و عدم رجوع فائدته إلى الآمر أيضا فيمكن منع استقلال العقل بوجوب تحصيل مثل هذا الغرض بخلاف سابقه فلو اقتصر في الامتثال على إتيان ما يقتضي ظاهرا لأمر من غير مراعاة حصول ذلك الغرض عدّ ممتثلا غير متوجّه عليه الذّم من العقلاء مطلقا حتى مع العلم بعدم حصول ذلك الغرض فضلا عمّا لو شكّ فيه و إذا اتضح لك ذلك فمن الواضح أن التعبد المجعول غاية و غرضا في الآية ليس من قبيل القسم الثّاني بأن يكون فائدة ذلك راجعة إلى اللّه جلّ شأنه لأن أغراضه تعالى من التكاليف الشرعية راجعة إلى العباد باتفاق المتكلّمين و حينئذ فالأمر دائر بين أن يكون التعبّد فعلا من الأفعال كالتبريد أو صفة راجعة إلى العبد كالزلفي و الفوز بالمراتب العليّة و السّعادات الأخروية فإن كان من قبيل الأوّل كما يقتضي تفسيره بإتيان المأمور به لداعي الأمر كان دلالة الآية على المدّعى بعد تسليم كونه غاية مسلّمة غير موجّه عليه ما ذكره شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) و إلاّ كان الأمر كما ذكره من عدم دلالتها على المدّعى فافهم و اغتنم (رابعها) أنّ مفاد

291

الآية بعد تسليم دلالتها على اعتبار قصد القربة إنّما هو اعتباره في أوامر أهل الكتاب و واجباتهم و ذلك غير مجد في إتيان ما رامه المستدلّ من تأسيس الأصل بالنّسبة إلى واجباتنا فالاستدلال بالآية بعد تسليم الغاية إنّما يتم بالنّسبة إلى تكاليفنا فيما لو كانت عين تكاليف أهل الكتاب الّتي ثبت اعتبار قصد القربة فيها بالآية و حيثما لم يكن الأمر كذلك فلا تدلّ الآية على اعتبار قصد القربة فيه إلاّ أن تقول بمقالة بعض الأفاضل من أنّ الآية بمنزلة الأصل و القاعدة فيكون مفادها اعتبار القربة في جميع واجباتهم و حينئذ فمقتضى الاستصحاب أو قوله‏ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ انسحاب هذا الحكم في هذه الشّريعة و لا يتفاوت فيها الحال بين أن يكون هذه الواجبات مغايرة لواجباتهم أم لا و هو كما ترى إذ الآية غير دالّة على ذلك بوجه من الوجوه كما لا يخفى على ذو مسكة و هنا أجوبة أخرى كلّها موهونة لا يوجب التعرّض لها بما فيها عدا الإطناب المخلّ و البسط الممل فهي بالإعراض عنها أجدر (الأمر الثّاني) قوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ فإن حقيقة الإطاعة متوقفة على إيجاد المأمور به على وجه التقرب و أجيب عنه بوجوه الأوّل ما ذكره في الفصول من أنّ الأمر بالإطاعة مطلق و ليس بعام فلا يتناول محلّ النزاع و هذا الكلام خال عن التحصيل بحيث يتناكره أقلّ أهل التّحصيل فضلا عن مثل هذا النّحرير الجليل و لعلّه نشأ من طغيان القلم و ذلك لقيام القرائن الثلاثة من حذف المتعلّق و قرينة الحكمة و دليل العقل على إفادتها للعموم (أمّا الأوّل) فواضح فإن متعلّق الإطاعة غير مذكور في الآية و قد تداول في كتب القوم أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم و كلماتهم بذلك مشحونة (و أمّا الثّاني) فأوضح إذ لا مجال لإنكار اقتضاء الحكمة في كثير من موارد العموم كما لا مجال لإنكار الحمل على العموم فيما اقتضته من الموارد و لا فرق في ذلك بين المثبت و المنفي و إن كان اقتضاؤها له في الثاني أكثر من اقتضائها له في الأول بكثير و ذلك لأنّ إرادة الفرد المعيّن في المنفي كقولك لا تكرم الرّجل مثلا و الحال أن القرينة على ذلك منتفية مستلزم لتأخير البيان المستلزم للإغراء بالجهل و إرادة طلب الماهيّة و لو في ضمن فرد مخير يوجب اللّغوية في الكلام و كون مفاده طلب الحاصل إذ من المحال عادة استيعاب المخاطب إكرام جميع الرّجال فعدم إكرام رجل ما لا على سبيل التعيين حاصل بدون الطّلب فلا يصحّ حمل المثال على الأوّل حذرا عن الإغراء بالجهل و لا على الثاني فرارا عن طلب ما هو حاصل الّذي يتجنب عنه الآمر الغافل فلا جرم من حمله على إرادة العموم و هذا بخلاف المثبت إذ لا محذور في إرادة طلب الطّبيعة الحاصلة بإيجادها و لو في ضمن فرد ما في قول القائل أعتق رقبة و أكرم رجلا و نحوهما و لكن لا كلّية في ذلك أيضا فإنه قد تقتضي الحكمة العموم في المثبت كما في أحلّ الله البيع و أنزلنا من السّماء ماء طهورا و نظائرهما و بالجملة يتبع الحكم بالعموم موارد وجود الحكمة سواء كان في النفي أو في الإثبات و من الموارد الّتي اقتضته في المثبت ما نحن فيه إذ يتمشى هنا جميع ما ذكرناه في المنفي حذوا بحذو ضرورة أن طلب إيجاد الإطاعة من ضمن أمر معيّن مستلزم للتأخير و إيجادها في ضمن فرد ما طلب للحاصل فإنّ إيجاد الإطاعة في ضمن أمر حاصل لكلّ عبد مؤمن من غير صدور أمر فلا محيص عن الحمل على العموم و هو المطلوب و ما ذكره (رحمه الله) من أن القطع بعدم إرادة إيجاد الإطاعة في ضمن أمر لا يقتضي القطع بإرادة إيجادها في ضمن كلّ أمر حتى في مورد النزاع غير مفهوم المراد إذ ظاهره بديهي الفساد لعدم الواسطة بين الموجبة الجزئية و الكلّية بعد القطع بعدم إرادة الإطاعة في الجملة يتعين الحمل على المبهم أو العموم و لا سبيل إلى الأوّل لافتقاره إلى القرينة المفقودة في المقام فتعيّن الثاني (و أمّا الثّالث) فلاستقلال العقل بحسن الإطاعة و لا يعقل إهمال و لا إجمال في مستقلاّت العقل و وجدانياته فلا معنى يتصوّر لاختصاصها بمحلّ دون محلّ كيف و حسن الإطاعة ذاتي لا يتبدل بالوجوه و الاعتبار هذا و الإنصاف أن القرينة الدّالّة على العموم ليست إلا قرينة الحكمة فإن حذف المتعلّق و إن كان ظاهر الأكثرين كونه دالاّ على العموم إلا أنّ التحقيق فيه أن منشأ دلالته على العموم في مواردها ليس إلا اقتضاء الحكمة و أمّا حكم العقل بحسن الإطاعة فلا

يستقيم جعله قرينة على عموم الحكم في الآية فإن قرينيته فرع كون ما أدركه العقل على طبق مدلول الآية و ليس الأمر كذلك لأنّ غرض المستدل هو إثبات وجوب التعبد في الواجبات و حسن الإطاعة ليس حسنا ملزما يقتضي الوجوب بل إنما هو الحسن بالمعنى الأعم المطابق للاستحباب كيف و لو كان العقل مدركا لحسن الإطاعة ملزما لكان هو أولى بالحجّية على أصالة التعبديّة بل كان هو الدّليل القاطع و البرهان السّاطع و حيث اختلف الحكمان فلا معنى لجعله قرينة بل و لا تأييدا (الثاني) ما ذكره بعض المحققين فإنّه بعد أن أجاب بما هو الصّواب في الجواب قال و مع الغضّ عن ذلك لو أخذ بظواهر الأوامر فلا يقتضي ذلك بتقييد المطلوب في سائر الأوامر إذ غاية ما يفيده هذه الأوامر وجوب تحصيل معنى الامتثال و الانقياد و هو أمر آخر وراء وجوب الإتيان بالمأمور به على وجه الامتثال فالآتي بالمأمور به لا على وجه الامتثال لا يكون آتيا بالمأمور به بهذه الأوامر و لا يستلزم ذلك عدم إتيانه بما أمر به في تلك انتهى و لا معنى محصّل له أيضا إذ الظّاهر استفادة التقييد في الأوامر من الآية بعد تسليم دلالتها على وجوب الإطاعة بالمعنى المذكور و ليس من الصّحيح قياسه‏

292

على ما ذكرنا من عدم الملازمة بين وجوبها و كونها شرطا في الواجبات في ردّ من تمسّك بمذمة العقلاء على من يأت المأمور به بالدّواعي النفسانية لا بقصد إطاعة المولى إذ فرق بين استفادته من قول الآمر بعد صدور الأوامر منه أطعني في أوامري إذ من المحتمل قويّا بل المتعيّن كون الوجوب المستفاد من مذمّة العقلاء نفسيّا لا شرطيّا بأن يكون الإطاعة واجبا آخر في عرض سائر الواجبات حسبما مرّ بيانه سابقا بعد تسليم حكم العقل و تسليم دلالته على الوجوب و ليس كذلك الوجوب المستفاد من أوامر الإطاعة إذ ليس الغرض منها إلا امتثال الأوامر على وجه مخصوص فكيف يمكن دعوى عدم استفادة التقييد و الاشتراط منها و بعبارة أخرى أوامر الإطاعة بقضاء الوجدان السّليم و الذّهن المستقيم ناظرة إلى تلك الأوامر حاكمة عليها من حيث دلالتها على اشتراط الإطاعة في سائر الأوامر و لا ينبغي الاستيحاش من استفادة الوجوب الشرطي من الأمر كيف و أكثر شرائط العبادات مستفادة عن الأوامر و إن كان لصاحب المدارك فيه كلام هذا كلّه مع أن الوجوب النّفسي في الإطاعة مما لم يحم حولها أحد بل عن بعض دعوى قيام الإجماع على عدم ذلك (الثّالث) ما هو الصّحيح عندنا من أنّ الاستدلال بالآية كما عرفت مبني على أن يكون المراد من الإطاعة ما يتوقف عليها حقيقتها من إيجاد المأمور به قاصدا لموافقة الأمر و هو في حيّز المنع بل المراد منها هنا مجرّد الإتيان بالمأمور به و عدم العصيان بالترك و هذا بعد تسليم كونه معنى مجازيّا لها يدل على الالتزام به هنا أمور (منها) غلبة استعمال الإطاعة في ذلك في الكتاب و السّنة و المحاورات كما في قوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ و قوله تعالى‏ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً و قوله تعالى‏ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ‏ فإنّ مقابلة الإطاعة فيها بالتولّي الّذي هو عبارة عن ترك الحق و الإعراض عنه بتصريح المفسّرين قرينة واضحة على إرادة عموم العصيان منها و في الأدعية من أطاعكم فقد أطاع اللّه و من عصاكم فقد عصى اللّه فإنّ المراد منها ليس إلاّ ذلك لمكان المقابلة بالعصيان و من ذلك وجوب إطاعة العبد سيده و إطاعة الوالدين و قولهم هذا عبد مطيع و زوجة مطيعة و أمثال ذلك ممّا لا يحصى عددا (و منها) قوله تعالى بعد الأمر بالإطاعة و من يعص اللّه و رسوله الآية فإن في تعقيب الأمر بالإطاعة بالتهديد على مجرّد المعصية الّتي هي عبارة عن ترك الواجب كمال للشّهادة على أن الغرض من الإطاعة المأمور بها الخروج عن تبعة العصيان (و منها) عطف و أطيعوا الرّسول ضرورة قيام الإجماع بل الضّرورة على عدم اشتراط قصد القربة في امتثال أوامر النّبي المختصّة به (و منها) أن الآية بعمومها شاملة للواجبات و المحرّمات و من الواضح المعلوم عدم توقف سقوط التكليف بالحرام على نية القربة (و منها) لزوم التخصيص بالأكثر بناء على تفسيره بما ذكره المستدلّ لخروج الواجبات التوصلية على كثرتها منها بخلاف ما ذكرنا لسرايته في جميع الواجبات توصّليها و تعبّديها (الأمر الثّالث) الأخبار الواردة في إناطة الأعمال بالنية كقوله لا عمل إلاّ بالنية و إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى و تقريب الاستدلال بها هو أن المراد من العمل مطلق الواجبات الشاملة للتوصليات و من النية قصد القربة فيكون مفاد قوله لا عمل إلاّ بالنّية بعد حمل النفي فيها على الصّحة لكونها أقرب المجازات إلى الحقيقة بعد تعذّر إرادتها للزوم الكذب أنّه لا شي‏ء من الواجبات يترتب عليها أثر من الآثار المقصودة منها من سقوط الأمر و استحقاق الثواب و غير ذلك إلا بقصد القربة و هو المطلوب و فيه (أوّلا) أنّ صرف النية عن ظاهرها الّذي هو مطلق القصد إلى خصوص قصد القربة تجوز يتوقف على نصب قرينة عليه المقطوع بانتفائها فلا ضرورة تقتضيه (و ثانيا) أن ظاهر هذه الأخبار توقف مطلق الأعمال على النية سواء كان من الأعمال الشرعية أو غيرها و سواء كان من الواجبات التوصّلية أو التعبدية و هو بديهي الفساد كيف و عمل السّاهي و الغافل و النائم بل المجنون عمل فكيف لا يكون العمل و لا يتحقق في الخارج إلا بالنية فلا بدّ من حملها إمّا على خصوص العبادات و الطاعات نظرا إلى استعماله فيها في الأخبار المرويّة و الأدعية المأثورة منهم (عليهم السلام) كثيرا ففي الحديث هلك العالمون إلاّ العادلون و في الدّعاء اللّهمّ لا عمل لي أستحق به الجنة و غير ذلك و عليه فتكون مسوقة لبيان‏

اعتبار النية بأيّ معنى فسّرت في العبادات خاصّة فلا مساس لها بالمدّعى و إمّا على خصوص الأعمال المشتركة الّتي لا يحصل التميز بين عناوينها المخصوصة في الخارج إلاّ بالنّية سواء كانت من العبادات كصلاتي الظّهر و العصر و الأداء و القضاء و فريضة الفجر و نافلته و نحوها من العبادات المشتركة في الخارج من جميع الوجوه إلاّ في النيّة أو كانت من غيرها كضرب اليتيم مثلا المشترك بين الظّلم و التأديب إذ لا تميز بينهما عدا القصد و النية و كالقيام المشترك بين ما يطرأ عليه من العناوين كالتواضع و الإهانة و الراحة و كالنيابة في الأعمال القابلة لها فإن صيرورتها لبعض دون بعض يحتاج إلى النية و القصد و على التقديرين يسقط عن الدلالة على المدعى كما لا يخفى لتوقفها على مقدّمتين (الأولى) أن يكون المراد بالأعمال خصوص الواجبات الشرعية (و الثّانية) أن يكون المراد بالنية قصد

293

القربة و هما في أقصى أودية المنع و الإنكار فالإنصاف أن الغرض من الرّوايات هو مفاد قوله (عليه السلام) لكلّ امرئ ما نوى من أن انتفاع الإنسان من عمله إنما هو انتفاع كلّ شخص من عمله هو بقدر نيّته و هذا مطّرد في التوصّليات‏

تذنيبان‏

الأوّل‏

هو أن الواجب على ما عرفه الفقهاء و المتكلّمون ما يستحق فاعله المدح و الثواب و الحرام ما يستحق فاعله الذّم و العقاب و ظاهرهم إرادة الاستحقاق العقلي دون الشرعي قبالا للأشاعرة المنكرين لذلك و عليه فيشكل فيما أخذوه في حدّ الواجب من الثواب إذ أقصى ما يحكم به العقل فيه إنما هو استحقاق المدح و أمّا استحقاق الثواب فلا مسرح للعقل فيه و إنّما يكون ذلك بحكم الشرع (و كيف كان) فحد الواجب غير مستقيم لانتقاضه طردا بالواجبات التوصّلية طرّا لعدم اعتبار قصد التقرب و إتيان الواجب لداعي الأمر به و بالجملة غسل الثّوب النّجس مثلا الصّادر من الفاعل لا لداعي الأمر به واجب بداهة مع أن فاعله غير مستحق بشي‏ء من المدح و الثواب قطعا و حينئذ فينحصر تعريفهم للواجب في خصوص الواجبات التعبّدية اللّهمّ إلاّ أن يكون مرادهم من الاستحقاق المأخوذ في تعريفه ثبوته و لو في الجملة بمعنى أنّه لو شاء استحقاق المدح و الثواب أمكن له ذلك بإتيان المأمور به لداعي الأمر و من المعلوم أن هذا النوع من الاستحقاق مطرد في التوصّليات بأسرها إلا أنّه نقض عن الإيراد ببيان المراد إذ الظّاهر من الاستحقاق هو الاستحقاق الفعلي على سبيل الإطلاق و إرادة الثّاني منه مجاز لا يصار إليه في الحدود سيّما مع انتفاء القرينة بل قيام القرينة على خلافه فإن قضية مقابلته بالاستحقاق المأخوذ في تعريف الحرام المحمول على ما هو الظّاهر منه إرادة الظّاهر منه أيضا و قد انقدح ممّا قدمناه أن استحقاق المدح و الثواب فرع إتيان المأمور به سواء كان توصّليا أم تعبديا لداعي الأمر ضرورة أنّه ليس لنا واجب يستحق فاعله الثواب و إن لم يقصد التقرب به و لم نجد مصرحا بخلافه عدا صاحب الفصول حيث صرّح في كلامه الآتي أن الواجب قد يكون فعله مستتبعا للثواب بدون القربة ممثلا له بالإيمان و النية و هو توهّم فاسد و خيال بارد فإن ترتب الثواب إنّما هو من آثار الامتثال و الانقياد الّذين لا ينفكان عن قصد القربة و إتيان المأمور به لداعي أمر المولى و أمّا الإيمان فالثواب المترتب عليه إنما هو ثابت شرعا من النقل نظير ترتب الثواب على نفس المهموم و غير ذلك من موارد الثواب التفضّلي دون الاستحقاقي الّتي لا تحصى عدد ذلك لأن الأمر بالإيمان لا يعقل كونه أمرا شرعيّا لاستلزامه الدّور المستحيل انفكاكه بل إنّما هو أمر إرشادي و الحكم بوجوبه هو العقل تفصيا عن الضرر المحتمل و مرجعه إلى وجوب النظر في المقدّمات نظير وجوب النظر في المعجزات الّذي لا يعقل أن يكون وجوبه شرعيّا أيضا فإن ثبوت الشرع متوقف على النظر فلو توقّف وجوبه على الشرع استلزم الدّور و مع ذلك فكيف يمكن أن يكون الثواب المترتب عليه ثواب امتثال الأمر الشرعي بقصد القربة و أمّا النية و إن امتنع اعتبار النية فيها و إلاّ لدار أو تسلسل إلاّ أن ترتب الثواب عليها في حيّز المنع و ليت شعري كيف ينبغي الثواب فعلها مع أن من البداهة بمكان عدم استحقاق الممتثل بالواجب الآتي به بقصد القربة لثوابين أحدهما على نفس الفعل و الآخر على النية

الثّاني‏

هو أنّ جميع ما ذكرنا في الواجب من انقسامه إلى تعبّدي يعتبر فيه قصد القربة و توصّلي لا يعتبر فيه ذلك و توقف حصول الثواب على قصد التقرب به بعينه جار في النّدب أيضا فينقسم باعتبار اعتبار القربة فيه و عدمه إلى توصلي و تعبّدي و يتوقف استتباعه للثواب على إثباته بداعي الأمر من غير فرق بين القسمين فيأتي فيه الخلاف المقرر في تأسيس الأصل و لازم كلّ ذي مذهب العمل بمذهبه و لعلّ ذلك هو ظاهر الجلّ بل الكلّ عدا صاحب الفصول حيث ذهب إلى تفصيل لم نعثر على موافق له في ذلك قال إن الأمر الندبي إن دلّ دليل على ترتب الثواب على مورده مطلقا كما دلّ عليه في بعض الواجبات كالإيمان و النية أو على كراهة تركه من حيث إيجابه لمنقصة دينية أو دنيوية موجبة لمنقصة دينية لم يلزم أن يعتبر في استحبابه وقوعه بنية القربة و إلاّ لزم فيه ذلك لانتفاء رجحانه على تقدير عدم القربة و الفرق بينه و بين الواجب أن الواجب يترتب على تركه استحقاق العقوبة الموجب لمرجوحية المستلزمة لرجحان الفعل قضاء لحق المقابلة بخلاف المندوب الذي لا ثواب في فعله بدون القربة أصلا فيتعين أن يكون استحبابه مقصودا على تقدير قصد القربة لرجحانه حينئذ باعتبار ترتب الثواب عليه انتهى كلامه بتغيير يسير و فيه (أوّلا) أنّه لم نعثر على مستحب يترتب على فعله الثواب و أن يأت به بقصد القربة كيف و ترتب الثواب من شأنه و قد عرفت منعه في الواجب فضلا عن المندوب (و ثانيا) أن ترك المستحب لا يتصف بالكراهة المصطلحة كما أن ترك الواجب لا يتصف بالحرام المصطلح (و ثالثا) أنّ من المعلوم أن ترك المستحب لا يورث منقصة دينية أو دنيوية موجبة لمنقصة دينية فإن المعتبر في المستحب إنما هو رجحان الفعل الغير المستلزم فوته للمنقصة و هذا هو الفارق بينه و بين الواجب إذ الواجب ما كان فعله راجحا و تركه منقصة (و رابعا) أنّه قد مرّ من المندوب ما هو توصلي لا يتوقف وجوده في الخارج على قصد التقرب و إن توقف عليه ترتب الثواب و ذلك‏

294

كقطع الظّفر و قصّ الشّارب و غيرهما و حينئذ فدعوية قصر استحباب المستحب متوقفا على القربة ليس بسديد كيف و لو كان إنصاف الشي‏ء بكونه مستحبّا متوقفا على القربة فتوقف الإنصاف بالوجوب كان أولى فيلزم التزام هذا التفصيل في الواجب أيضا

بديعة اختلفوا في الأمر الواقع عقيب الحظر على أقوال‏

(أحدها) أنه يفيد الإباحة و هو المحكي عن الشّافعي و نسب إلى الأكثر و قيل إنه المشهور و الظّاهر أنّه كذلك في الجملة إلاّ أنّهم بين من عقبها بالتفسير بالرخصة في الفعل و بين من أطلق و هم الأكثرون فيحتمل أن يكون مرادهم منها الإباحة الخاصة كما هو المنسوب إلى صريح بعض و أن يكون الإباحة بالمعنى الأعمّ و هو القدر الجامع بين الأحكام الثلاثة و الإباحة الخاصة كما هو صريح المحكي عن الوافية و به صرّح المحقق القمّي (رحمه الله) و هذا هو مراد من فسّرها برفع المنع كما عن الذّريعة و النّهاية (ثانيها) أنّه يفيد الوجوب على حدّ غيره من الأوامر الابتدائية كما صرّح به في محكي الذّريعة و العدّة و الغنية و التهذيب و المنتهى و تمهيد القواعد و المفاتيح و نسب إلى الرازي و البيضاوي و أبو إسحاق الشيرازي و إلى بعض المعتزلة (ثالثها) أنه يفيد النّدب إمّا بناء على وضع الأمر له فلا يخرج بالوقوع عقيب الحظر عن وضعه الأصلي بل يكون كما كان عليه أم بناء على كون الموضوع له هو الوجوب لكن استعمل هنا في المندب مجازا كما سيتّضح لك إن شاء الله تعالى (رابعها) التوقف عدّه غير واحد قولا في المسألة و هو متجه إن كان المراد منه إجمال الخطاب بمعنى عدم ظهور اللّفظ في شي‏ء و أمّا لو كان منه عدم حصول الجزم بما هو ظاهر فيه بعد الاعتراف بأصل الظهور فليس بسديد عدّه قولا في عداد الأقوال و منه يتضح الحال في سائر المحال ممّا جعلوا الوقف فيه قولا ففي أيّ موضع تأتي فيه احتمال إرادة إجمال الخطاب كان عدّه قولا من الصّواب فما عن بعض من التعرّض على جعله قولا معلّلا بأنه عدم اختيار القول على إطلاقه غير متجه نعم إنّما يتجه فيما لو تعيّن إرادة الاحتمال الثاني منه و الفرق بين القول بالوقف و الإباحة المطلقة واضح إذ لا إجمال في الخطاب بالنّسبة إلى القول بالإباحة المطلقة و يكون مجملا بالقياس إلى الأنواع الأربعة المندرجة تحت الإباحة المطلقة فيكون مجملا بحسب المراد دون ظاهر الخطاب و ليس كذلك بناء على القول بالوقف إذ المفروض إجمال اللّفظ فيه لعدم ظهوره في شي‏ء حتى في مجرّد الرخصة في الفعل و بعبارة أخرى العلم بإرادة الرّخصة على القول بالإباحة مستفاد من نفس اللّفظ فلا إجمال فيه و إن كان مجملا مراديّا و أمّا بناء على الوقف فالعلم بإرادتها حاصل في العلم الإجمالي بدوران المدلول بين الأنواع الأربعة (خامسها) التفصيل الّذي نفي العضدي عنه البعد بعد أن نسبه إلى القيل و هو أنه يفيد الوجوب إن لم يكن معلّقا بزوال علّة عروض النّهي و الرّجوع إلى ما قبل الحظر من الحكم إن كان معلّقا بذلك كما في قوله تعالى‏ وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا و قوله تعالى‏ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ فإنّ الأمر في الأوّل معلّق على الإحلال الّذي هو ضد الإحرام الّذي هو علّة عروض النّهي عن الصّيد فيفيد الإباحة الّتي هي حكم الصّيد قبل النّهي و في الثّاني بالانسلاخ الّذي هو عبارة عن انقضاء الأشهر الحرم الّتي هي علّة النّهي فيفيد الوجوب لكونه قبل الحظر كذلك (سادسها) التفصيل بين ما كان الحكم قبل عروض النّهي الوجوب أو الندب فيفيد الرجوع إليهما و بين ما لم يكن كذلك فالإباحة أحدثه صاحب الفصول (سابعها) تابعيته للحكم السّابق مطلقا حكاه في الوافية قولا و الظاهر أنه اشتباه أو مسامحة في نقل تفصيل العضدي (ثامنها) التفصيل الّذي حكاه بعض المحققين من أنّه يفيد الإباحة إن علّق على زوال علّة عروض النّهي و الوجوب ما لم يعلّق هذه جملة أقوال الباب و تلك عشرة كاملة بضم احتمال الإباحة و الوقف و قبل الخوض في الاستدلال و كشف حقيقة الحال ينبغي تقديم مقدّمتين (الأولى) في تأسيس الأصل و فيه مقامات (الأوّل) في أنّ الأصل هل هو مع العلاّمة و من حاذى حذوه أم لا قد يقال نعم نظرا إلى أصالة الحقيقة الّتي هي عندهم من المسلمات إلا أنّ التحقيق خلاف ذلك لا من حيث أن أصالة الحقيقة منشأه أصالة عدم القرينة و غير جارية في المقام لكون الشك في قرينية الموجودة دون وجود القرينة إذ التحقيق عدم تفاوت الحال بين القسمين بعد البناء على اعتبار أصل العدم سواء كان مدركه الأخبار أو بناء العقلاء كما سيأتي إليه الإشارة في المقام الثاني بل لأنّ منشأ الأصل المذكور إنّما هو الظهور الناشئ من بناء العقلاء أو العلماء فيدور اعتباره مداره و القدر المسلّم منه إنما هو فيما إذا كانت قرينة المجاز منفصلة فقضية أصالة الحقيقة هو الأخذ بظاهر الخطاب و عدم الالتفات إلى الشكّ و أمّا فيما

إذا كانت القرينة متصلة بالكلام كوقوع الاستثناء عقيب الجمل فالظّاهر عدم مثمرية الأصل المذكور لانتفاء الظّهور و من هذا القبيل ما نحن فيه لأن الشكّ فيه إنما هو في أنّ وقوع الأمر عقيب الحظر هل هو قرينة صارفة عن الوجوب و هو أمر محفوف به الكلام فلا يجدي أصالة الحقيقة في نفي كونه قرينة خلافا لغير واحد من الأصوليين حيث لم يفرقوا في اعتبار الأصل المذكور بين انفصال الشي‏ء المشكوك قرينيته و اتصاله و عليه يكون الأصل موافقا مع‏

295

القول بالوجوب و بالجملة إن كان بناء العقلاء أو العلماء على عدم الالتفات إلى مشكوك القرينية و الأخذ بظاهر الحقيقة مطلقا سواء كان ذلك الأمر المشكوك قرينية متصلا بالكلام أو منفصلا عنه كان الأصل مع القول بالوجوب و إن كان بناؤهم على ذلك في خصوص القرائن المنفصلة كما هو الظّاهر فلا أصل في البيّن (المقام الثّاني) في أنه بعد البناء على تبادر ما عدا الوجوب كالإباحة مثلا فهل الأصل فيه أن يكون ذلك بحسب الوضع أو القرينة قد يقال إن مقتضاه الأوّل لأنّ مرجع الشكّ إلى كون التبادر و الظّهور وضعيّا أم إطلاقيّا و من المسلم أن مقتضى الأصل هو الأوّل نظرا إلى أنّ كونه إطلاقيا فرع استناده إلى القرينة و المقتضي في محلّ الشكّ عدمها (فإن قلت) ليس الشكّ في المقام في وجود القرينة بل إنما هو في قرينية الشي‏ء الموجود الّذي هو الوقوع عقيب الحظر و أصل العدم بناء على اعتباره إنّما يجدي فيما لو كان من قبيل الأوّل دون الثاني لمكان المعارضة بالمثل فيه (قلت) إنّ هذا الكلام و إن وقع على ألسنة كثير من الأصوليين حيث فرقوا بين ما لو شكّ في وجود مضاف إليه العدم و بين ما لو كان الشكّ في صفته فأخذوا بمقتضى أصالة العدم في الأوّل دون الثّاني‏

بديعة اختلفوا في وجوب مقدمة الواجب‏

و أن وجوب الشي‏ء هل يقتضي إيجاب ما لا يتمّ إلاّ به أم لا

و تحقيق الكلام يستدعي تقدّم أمور

الأوّل [الكلام في أن مقدمة الواجب أ هي مسألة فقهية أم أصولية]

في أنّ هذه المسألة هل هي فقهية أم أصولية و على الأخير هل هي من المبادي أو من المسائل و عليه هل هي لفظية أو عقلية اعلم أن القوم ذكروا لتميز العلوم بعضها عن البعض أن مسائل كلّ علم ما يبحث عن عوارض موضوعه الذاتية و مقتضى هذا الميزان في بادي النظر أن تكون مسألتنا هذه من مسائل الفقه لوضوح كون المقدمة فعلا للمكلّف و موضوع علم الفقه على ما تقرر في تعريفه هو أفعال المكلّفين فالبحث عن وجوبها كالبحث عن وجوب سائر أفعال المكلفين لا يليق إلاّ بالفقه فما بال القوم لم يذكروها في الفقه و اتفقوا على تدوينها في الأصول و لم أقف على وجه في ذلك إلا ما لا يروي القليل و لا يشف العليل و هو وجوه (الأوّل) ما ذكره شيخنا العلاّمة طاب ثراه في الاستصحاب و هو أن كلّ مسألة يكون المقلّد و المجتهد في الانتفاع بها سواء فهي من مسائل الفقه و كلّ ما يكون الانتفاع به وظيفة المجتهد خاصة فهو من مسائل الأصول و هذه المسألة لما امتنع انتفاع المقلّد بها إمّا من جهة تعذّر معرفته المقدمة أو عدم تمكّنه من معرفة الواجب تعين أن تكون من مسائل الأصول و قد أوردنا في باب الاستصحاب ما يرد على هذا الوجه مستوفي و إجمال الكلام هنا أن كون هذا ميزانا بين الفقه و الأصول لا بيّن و لا مبيّن و إن سلّمنا ذلك فعدم انتفاع المقلّد من هذه المسألة مطلقا واضح المنع لأن المقدمات العقليّة للواجبات الضّرورية المعلومة لا تفاوت فيها بين المجتهد و المقلّد فلا وجه لدعوى عدم انتفاع المقلّد من هذه المسألة رأسا و قصوى ما هنا كون انتفاع المجتهد منها أكثر و أتمّ لكونه قادرا على معرفة الواجبات و مقدّماتها بأسرها فلئن صحّ هذا الميزان لاقتضى التفصيل في المقام بين المقدّمات و الواجبات و إخراج بعضها عن الفقه لا كلّها مع أن معرفة الصّلاة و غيرها من الموضوعات المستنبطة مختصّة بالمجتهد و لم يقل بأنّ قولنا الصّلاة واجبة مثلا من مسائل الأصول (الثّاني) ما يستفاد من كلامه أيضا في الاستصحاب و حاصله أنّ مسائل كلّ علم ما صدق عليها تعريف ذلك العلم و مسألة مقدّمة الواجب لما صدق عليها تعريف علم الأصول فإنّ العلم بها علم بالقاعدة الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة اتجه كونها من مسائل الأصول و فيه أنا نمنع كونها من القواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة كما ستعرف إن شاء الله و إن سلّمنا فلا نقول بكفاية مجرّد صدق التعريف فإن التعريف لو لم ينطبق على الميزان الّذي جعلوه ميزانا لمسائل العلوم كان ذلك دليلا على فساد ذلك التعريف لا على فساد الميزان المذكور كما لا يخفى (الثّالث) ما يظهر من بعض عبائر الفاضل الجواد في شرح الزّبدة و هو أنّ البحث عن وجوب المقدّمة بحث عن مدلول الدليل و البحث عن مدلول الدّليل بحث عن الدليل الّذي هو موضوع علم الأصول فتعيّن تدوينها في الأصول و فيه أنّ مدلول الدّليل ليس من عوارض الدّليل حتى يكون البحث عنه بحثا عن الدليل لأنّ مدلول الدّليل مقدّم على الدّليل بل هو قديم و الدليل حادث فكيف يكون البحث عن المدلول بحثا عن عوارض الدّليل نعم لو لوحظ حيثية كونه مدلولا اتّجه كونه من عوارض الدّليل كما قد يشعر إليه بعض كلماته لأنّ مرجعه حينئذ إلى البحث عن دلالة الدّليل و هي من عوارضه و لكنّه فاسد أيضا فإنّهم إنّما يبحثون عن وجوب المقدّمة لا من هذه الحيثية بل و لو لم يرد دليل في الشريعة فإن البحث هنا إنّما هو عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّماته و لو كان وجوبه ثابتا بالإجماع و العقل (الرّابع) ما قيل من أنّ هذه المسألة و إن كانت في نفسها من مسائل الفقه إلا أنّ غرض الأصولي لما تعلّق بالبحث عنها لاستنباط بعض الأحكام فينبغي تدوينها في الأصول المعدّ للبحث عن أحوال مدارك الأحكام و عوارضها و لا يذهب عليك أنّه لا يئول إلى ما ذكره صاحب الفصول من أنّ تمايز العلوم المشتركة في الموضوع بتمايز حيثيّات البحث فراجع‏

296

و تأمّل و أنت خبير بأنه لو صحّ ذلك لزم أن يكون البحث عن الكلمة من حيث الإعراب و البناء مثلا لغرض من الأغراض غير معرفة حال الكلمة من حيث هي كاستنباط الحكم الشرعي داخلا في مباحث الأصول و نحوه و هو كما ترى و الصّواب أن يجاب بأن البحث عن هذه المسألة ليس بحثا عن وجوب المقدّمة حتى يكون بحثا عن الحكم الشرعي المتعلّق بفعل المكلّف بل البحث فيها بحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّماته و لذا تراهم جعلوا عنوان البحث هل الأمر بالشي‏ء يقتضي إيجاب ما لا يتم إلا به أو أنّ وجوب الشّي‏ء هل يقتضي إيجاب مقدّماته و نحو ذلك و حينئذ فلا سبيل إلى كونها من مسائل الفقه بحسب الميزان المذكور بل و احتمال ذلك غلط بين أمّا كونها من مبادي الأصول أو من مسائله اللّفظية أو العقلية فلكلّ وجه بل قول أوجهها (الأوّل) و قبل الخوض في تحقيق الكلام و تنقيح المرام لا بدّ من بيان المراد من المسائل و المبادي لكي ندخل الطّالب مع البصيرة في المقام فاعلم أن مسائل كلّ علم ما يبحث فيها عن عوارض موضوعة إمّا لذاته أو لجزئه الأخصّ أو لأمر يساويه لا لجزئه الأعمّ أو أمر يباينه و قد يضاف إلى ذلك صدق تعريف العلم و قد ظهر فساده و أن التعريف إن تخلف عن الميزان الّذي ذكروه كشف ذلك عن فساده لا فساد الميزان و المبادي قسمان (أحدهما) ما هو معدود من أجزاء العلم و هي الأدلّة المستدلّ بها للمحمولات الجزئية المنتسبة إلى جزئيات الموضوع الكلّي فأجزاء العلم ثلاثة الموضوع و المحمول المنتسب إليه و الأدلّة المستدلّ بها و حدود موضوعات المسائل و البحث عنها و عن أجزائه و عن سائر ما يرجع إليه أيضا داخل في الأجزاء فأجزاء العلم ما يذكر في خلال العلم موضوعا و محمولا و دليلا (و ثانيهما) ما هو خارج عن العلم لكنّه يتوقف عليه تحصيل العلم أو يوجب البصيرة فيه كتصوّر العلم و فائدته و شرفه و تصوّر الموضوع و تصور أجزائه و جزئياته و نحو ذلك ممّا له مدخلية أو زيادة بصيرة في العلم و ما يظهر من بعض من دخول البحث عن الموضوع و أجزائه في أجزاء العلم اشتباه أو محمول على موضوع المسائل لا موضوع العلم و إن كان موضوع المسائل راجعا إلى موضوع العلم إلا أنّ الحال يختلف باختلاف البحث عن كلّي الموضوع أو عن جزئياته و إذا تقرر ذلك (فنقول) إن موضوع علم الأصول إن كان ألفاظ الكتاب و السّنة و كان البحث عن المسائل المتعلّقة بمباحث الألفاظ باعتبار كونها من مشتركات الكتاب و السّنة اتّجه أن تكون هذه المسألة من مسائل الفنّ لأن البحث فيها عن دلالة الدّليل و لا يضرّ كونها بواسطة أمر مباين أي الوضع أو الاستعمال و قد ذكروا أنّ العارض بواسطة أمر مباين ليس من العوارض الذاتية لأنّ الواسطة هنا واسطة في الثبوت لا في العروض و الّذي ينافي ذاتية العرض استناده إلى واسطة العروض دون الثبوت و تمام البحث له محلّ آخر و لا فرق في البحث عن الدلالة بين كونها بالمطابقة أو بالتضمّن أو بالالتزام سواء كان الالتزام التزاما بينا بالمعنى الأعم أو الأخصّ أو غير بين و توهّم خروج الأخير بعدم اندراجه في الدّلالة اللّفظية ليس في محلّه و سواء كان ممّا يجوز في إثباته التمسّك بالتبادر كما إذا كان البحث فيه راجعا إلى البحث عن المطابقة أو كان البحث فيه عن نفس الملازمة بعد الاتفاق على المطابقة فالبحث عن الدلالات الثلاث بناء على ذلك بحث عن عوارض ألفاظ الكتاب و السّنة فمسائل الباب و باب النّواهي و باب العام و الخاص و المطلق و المقيد و باب المفاهيم و غيرها ممّا يتعلّق بمباحث الألفاظ تندرج في مسائل الفنّ و الحاصل أن كون المسألة من مسائل الأصول يتوقف على أمرين (أحدهما) أن يكون موضوعه ألفاظ الكتاب و السّنة (و الثّاني) أن يكون المبحوث عنه خصوص أوامر الكتاب و السّنة فلو انتفي أحدهما لم يستقم كونها من المسائل أمّا على تقدير كون الموضوع مداليل الألفاظ فواضح ضرورة أن الدّلالة عن عوارض الألفاظ و أحوالها دون المعاني فليس البحث فيها حينئذ بحثا عن عوارض الدّليل و أمّا على تقدير كونه الأعمّ و هو مطلق الأمر و النهي مثلا كما يشعر به عموم العناوين فلأنّها عارضة لها بواسطة الجزء الأعمّ و قد صرّح بعض المحققين أن العارض للجزء الأعمّ ليس من العرض الذاتي و لكنّه خلاف التحقيق الّذي عليه أهله و تمام الكلام فيه محلّ آخر و من أراد الاطّلاع على بعض ما في المقام فعليه الرّجوع إلى‏

ما حققناه في مقدّمة الأولى من مقدمات الكتاب و ممّا ذكرنا ظهر أمران (أحدهما) المحاكمة بين المحقق القمّي و صاحب المفصول حيث صرّح الأوّل في بعض حواشيه على القوانين بخروج البحث عن دليلية الدّليل عن مسائل الأصول نظرا إلى أن البحث عن الدّليليّة ليس بحثا عن أحوال الدليل إذ الدّليلية ليس من أحكام الدّليل و عوارضه بل هي عنوان للدّليل فالبحث عنها راجع إلى البحث عن موضوع الفنّ لا عن أحكامه فيندرج في المبادي لا في المسائل و جعل الثّاني البحث المذكور داخلا في مسائل الأصول حيث جعل موضوع الأصول ذوات الأدلّة و حينئذ تكون من عوارضها وجه المحاكمة أن موضوع الأصول إن كان مداليل الكتاب و السّنة دون الألفاظ فلا وجه لما ذكره صاحب الفصول لأن البحث عن المداليل بحث عن نفس الموضوع على هذا التقدير لا عن حكمه و عارضه و أمّا إذا كان الموضوع نفس الألفاظ

297

فالبحث عنها بحث عن الدلالة و البحث عنها بحث عن عوارض الموضوع و إن كان واسطة العروض أمرا متباينا حسبما عرفت و لكنّه إنما يتم ذلك لو قلنا بانحصار الموضوع في الأربعة المعروفة و إلاّ فلا بدّ من اتخاذ قدر جامع صالح لأن يكون موضوعا لأنّ الذات بما هي ذات مبهم غير صالح لذلك فتعيّن أن يكون هو القدر المشترك و ليس هو إلاّ عنوان الدّليل و لا يذهب عليك أن البحث عن الحجّية داخل في المسائل على الوجهين لأنّ الحجيّة غير الدليلية فهي من عوارض الدليل أي ما يفيد الحكم الشرعي و يدلّ عليه بعد الفراغ عن كونه دالاّ عليه و تمام الكلام يطلب من غير المقام (الثّاني) خروج البحث عن حجية القطع و الظنّ عن علم الأصول رأسا أمّا خروجه عن المسائل فلعدم كونه بحثا عن أحوال الدّليل لأنّه ما يفيد القطع أو الظنّ لا نفسها و أمّا خروجها عن المبادي فلعدم توقف مسائل العلم على حجّيتهما و عدم رجوعه إلى معرفة الموضوع بل هي من مسائل الكلام نعم لا بدّ للفقيه من معرفتهما لأنّهما مما يتوقف عليه الفتوى بمداليل الأدلّة هذا حال اندراج المسألة في مباحث الألفاظ و أمّا درجها في الأدلّة العقلية كما فعله الفاضل التوني فلم أقف إلى الآن من وافقه ممّن تقدّم عليه و إنما هو من خصائصه نعم ارتضاه بعض متأخري المتأخّرين و هو خطاء فإنّ ثبوت الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّماته و إن كان بحكم العقل إلاّ أنّه لا يصدق عليه الدليل العقلي إذ لا ينطبق عليه تعريفه بأنّه حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي فإنّ الحكم الشرعي هنا و هو وجوب المقدّمة نفس ما حكم به العقل و ليس بعد ذلك حكم آخر يتوصل به إليه و هذا الإشكال يسري إلى جميع أبواب الاستلزامات من القياس و الاستصحاب و حرمة الضدّ و غيرها فلا سبيل إلى إدراج شي‏ء منها في الأدلّة العقلية و ما قيل في دفع الإشكال أو يمكن أن يقال وجهان (أحدهما) أن حكم العقل في كلّ باب من أبواب الاستلزامات دليل على الجزئيات المندرجة تحته فحكم العقل بثبوت الملازمة بين وجوب الشّي‏ء و وجوب مقدّماته دليل على وجوب مقدمات الواجبات و يمكن استظهاره من العضدي في الاستصحاب حيث قال ما حاصله إنّ هذا الشي‏ء قد كان و لم يظنّ عدمه و كلّما كان و لم يظن عدمه فهو ثابت فهذا ثابت و فيه (أوّلا) أن مقتضاه أن تكون قولنا الخمر حرام و قولنا الكلب نجس و الصلاة واجبة و نحوها من الأحكام الشرعية الكلية أدلّة على القضايا المندرجة تحتها فنقول مثلا هذا كلب و كلّ كلب نجس فهذا نجس و هذا ممّا يأباه طرائق القوم و لا يساعده شي‏ء من كلماتهم (و ثانيا) أن الأحكام الجزئية الثابتة للموارد الشخصية ليست بأحكام شرعية فإن ثبوت كلّ منها بخصوصه ليس ممّا حكم به الشارع فإن الأحكام الشرعية واردة على الطّبائع الكلّية و جريانها في الأفراد إنّما هو لتطبيق المكلّف له عليها بنظره و هكذا مسائل كلّ علم إنما هي الكلّيات و أمّا الجزئيات فليس من مسائله إلا بنظر الناظر فقد يكذب و قد يصدق مثلا كلّ فاعل مرفوع من مسائل النّحو و أمّا مرفوعية زيد في قولنا ضرب زيد فليس من النّحو فافهم و تدبّر فإنّه لا يخلو من دقة (و ثالثا) أنّ جعل الكبرى الكلّية دليلا على صغروياته الجزئية لا يساعده شي‏ء من الاصطلاح فإن الدّليل عند المنطقيّين هو قولان فصاعدا أي الصّغرى و الكبرى المنتجتين للمقصود و عند الأصوليين هو نفس حدّ الوسط الذي يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري فالدّليل عند المنطقيين مجموع قولنا العالم متغيّر و كلّ متغير حادث و عند الأصوليّين هو المتغير خاصة فالقضية الواحدة صغرى كانت هي أو كبرى ليست بدليل في الاصطلاحين كما هو واضح (و ثانيهما) أن يعرف الدليل بما يتوصل به إلى حكم شرعي بواسطة العقل لا بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي إلا أن يراد بالحكم نفس حد الوسط كما يقتضيه إطلاق الحكم على المحمولات المنتسبة دون القضية و يساعد تعريف الدليل العقلي بذلك ما جرى عليه اصطلاح الأصولي في الدّليل فإنه عندهم عبارة عن نفس حدّ الوسط حيث قالوا إن الدّليل ما يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري بخلاف المنطقيين لأنّ الدّليل عندهم قولان فصاعدا أي مجموع الصّغرى و الكبرى فيندفع الإشكال الّذي أوردناه على جعل وجوب المقدّمة من الأدلّة العقلية فإن صفة المقدمية مثلا شي‏ء يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي بواسطة العقل بنظم قياس صغراه الوضوء مثلا مقدّمة الواجب و كبراه كلّ مقدمة الواجب واجبة و إطلاق‏

العقلي عليه إنما هو باعتبار كون التوصّل إلى المطلوب بواسطة حكم العقل لا بواسطة شي‏ء آخر من شرع أو حس أو عادة و نحوها و بذلك تندرج الاستلزامات العقليّة كلّها في الأدلّة العقلية فيقال في الاستصحاب إن هذا الشّي‏ء قد كان و كلّما كان فهو باق كما صرّح به العضدي و غيره فيتوصّل بكونه سابقا إلى ثبوته في الآن اللاحق بواسطة العقل و هكذا سائر أبواب استلزامات و قد يناقش فيه بأن مقتضاه أن تكون الأدلّة السّمعية كالكتاب و السّنة دليلين عقليّين فإنّ التوصّل بهما إلى الحكم الشّرعي إنّما هو بواسطة العقل أيضا ضرورة أنّ الحاكم بحقية ما أفاده الكتاب و السّنة إنما هو العقل إذ لولاه لم يثبت بمجرّد وجود الحكم في الكتاب و السّنة أنّه حكم اللّه تعالى على العباد (فنقول) إنّ الحكم قد ورد في‏

298

الكتاب أو السّنة و كلّما ورد فيهما فهو حكم اللّه تعالى و واضح أن كبرى هذا القياس ثابت عقلا لا تعبّد من الشارع لأنّ الدّليل على صدق النّبي و الكتاب إنّما هو العقل دون الشرع و إلاّ لدار كما لا يخفى فلا بدّ من توسيط العقل في إثبات الحكم الشرعي فيهما نعم يبقى الإجماع تحت أدلّة السّمعيّة على مذهب شاذ من العامة حيث استندوا في حجّيته إلى النّبوي لا يجتمع أمّتي على الخطإ بناء على كونه في مقام وجوب الأخذ بالإجماع لا في بيان الواقع و الإخبار على حقية المجمع عليه واقعا و يمكن الذبّ عن المناقشة بأن تسمية الكتاب و السّنة دليلين شرعيين بملاحظة كونهما من مجعولات الشارع من حيث كونه شارعا بخلاف الأوساط في الأدلّة العقلية فإنّهما أمور خارجية غير مجعولة كذلك تستلزم الأحكام الشرعية فالمناط في تسمية الدّليل شرعيّا أحد أمرين إمّا كونه مجعولا من الشّارع من الحيثية المذكورة أو كون الملازمة بينه و بين الحكم الشّرعي شرعيّا كالإجماع على المذهب النادر لا على مذهب الجمهور من البناء على كونه دليلا عقلا فينبغي درجه في الأدلّة العقلية كما لا يخفى ثم إن الذبّ المذكور و إن كان فيه بعض الإشكال الّذي لا يسعنا ذكره للاشتغال بالأهم و ضيق المجال إلا أنّه خير ما قيل أو يقال في المقام في توجيه كلمات علماء الأعلام و أمّا اندراجها في المبادي الأحكاميّة فهو على القاعدة ضرورة أنّ البحث فيها بحث عن ملازمة وجوب الشي‏ء لوجوب مقدماته و البحث عن أحوال الوجوب و أحكامه من المبادي فدرجها فيها بهذا الاعتبار كما فعله الحاجبي و الشيخ البهائي أولى و اللّه العالم‏

الأمر الثّاني في بيان أقسام المقدّمة

(اعلم) أن مقدّمة الواجب لها تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة فنقسم تارة بملاحظة أنحاء مدخليّتها و أخرى بملاحظة الحاكم بوصف المقدّمية و ثالثا بملاحظة المضاف إليه أي الواجب فقسّموها باعتبار (الأوّل) إلى سبب و شرط و زاد بعضهم المانع و المعد و الجزء و لكنّهم أهملوا جميعا ذكر العلّة مع أنها أظهر أفرادها كما يكشف عن ذلك تعريفهم لمطلق العلّة بما يتوقف عليه الشي‏ء ففي شرح المواقف تصوّر احتياج الشي‏ء ضروريّ إلى أن قال فالمحتاج إليه في وجود شي‏ء يسمّى علّة و ذلك الشّي‏ء المحتاج يسمّى معلولا و العلّة إمّا تامة كما سيأتي أو ناقصة و الناقصة إمّا جزء الشي‏ء الّذي هو المعلول أو أمر خارج عنه انتهى و صرّح إليه جماعة منهم العمر الكاتبي و القاضي في حكمة العين و شرحها و حينئذ فلا وجه لإهمالها و عدم ذكرها و لعلّهم تغافلوا عن ذلك أو أدرجوها في السّبب فأرادوا منه ما يعم العلّة التامة أيضا و قد يقال كما عن أستاذ الأساتيذ شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدّس سرّه) إنّها و إن كانت داخلة فيها موضوعا لكنّها خارجة عنها حكما لأنّ الكلام هنا في المقدّمات الاختيارية و العلّة التامة لما اشتملت على بعض الشرائط الغير المقدورة كالحياة و القدرة و الاختيار و نحوها من الأمور الغير المقدورة للمكلّف أخرجوها عن محلّ البحث و هذا الكلام و إن صدر من أهالي التحقيق إلا أنّه منظور فيه فإن علّة صدور الفعل الاختياري ليست سوى الإرادة المقرونة بالفعل لأنّها الباعثة على صرف القوة المودعة في الأعضاء و تحريك العضلات في إيجاد الفعل المراد و أمّا الحياة و القدرة و أهلية المحلّ و نحوها فهي من شروط وجودها و تحققها لأنّ الإنسان إذا لم يقدر على شي‏ء لم يرده و كيف يتفق إرادة شي‏ء ممّن كان ميّتا أو كان عاجزا غير قادر على إيجاد شي‏ء المراد و هي أمر اختياري و لو بتكليف بعض الرّياضات النفسانية فينبغي تقسيم المقدّمة أولا إلى العلّة و غير العلّة ثم غير العلّة إلى الأقسام المذكورة أمّا العلّة فعرف كما في القوانين و غيره بما يستحيل الانفكاك عن المعلول و هذا منتقض طردا باللّوازم و الجزء الأخير من الشروط و قد يعرّف بما يلزم من وجوده الوجود و ستعرف ما فيه فالأولى تعريفها بالمؤثر الّذي لا يحتاج في إيجاد الشي‏ء إلى ما سواه و كأنّه ينظر إلى ما عن القاضي في شرح حكمة العين حيث قال ما يتوقف عليه الشّي‏ء إمّا أن لا يتوقف ذلك الشي‏ء إلى شي‏ء خارج عنه أو يتوقف و الأول هي العلّة التامّة و الثاني هي الناقصة انتهى و هو يصدق على المقتضي و السّبب المتأخّر عن الشروط و لا يصدق عليه مع عدم التأخّر بل هي مندرج في الاصطلاح تحت اسم السّبب و المقتضي فكلّ مؤثر مستغني عن غيره في إيجاد الشي‏ء فهو العلّة التامة سواء كان كذلك دائما كالإرادة بالنّسبة إلى الفعل الاختياري أو أحيانا كالعقد المشروط بشرائط مثلا إذا كان الأخير أدخل في العلّة لأنّه لا يحتاج في تأثيره حينئذ إلى شي‏ء و إلاّ دخل في السّبب و إن شئت قصر العلّة على ما كان كذلك دائما كالإرادة زدت في التعريف ما يخرج به السّبب و المقتضي مطلقا حتى حين وقوعه جزءا أخيرا و ما يقال إن العلّة عبارة عن مجموع الأجزاء و الشرائط فليس على ما ينبغي لأن العلّة ما يستند إليه المعلول و لا ينطبق إلاّ على نفس المؤثر و لم أجده في كلام من يعتمد عليه و إنّما هو مذكور في الألسنة و يؤيّد ما قلنا أنّهم يقسمون العلّة إلى التامة و النّاقصة و التامة ما كان تامّ الأجزاء و الشرائط فلو كان عبارة عن مجموع الأجزاء و الشرائط لزم الاقتصار على تام الأجزاء إذ بعد اعتبار الشرائط في مفهومه لم يبق أمر خارج عن ماهيته بملاحظة التمامية و النّقصان بالقياس إليه فافهم و لا تغفل و أمّا الجزء فقد صرّح بخروجه عن محلّ النزاع السّيد الفاضل البحراني و جزم به الفاضل المدقّق‏

299

سلطان العلماء في بعض حواشيه على المعالم بقوله وجوب الكلّ يستلزم وجوب كلّ أجزائه إذ جزء الواجب واجب اتفاقا و اعترض عليهما جلّ من تأخّر عنهما بأنّ مفروغية وجوب الجزء و استلزام وجوب الكلّ وجوبه لا يقتضي خروجه عن موضع النزاع ضرورة أنّ اتصاف الجزء بالوجوب بلحاظ الجزئية و باعتبار كونه في ضمن الكلّ لا ينافي اتصافه به باعتبار كونه في نفسه وصيلة لحصول الكلّ لامتناع تحققة بدونه و لا يخفى أن دخوله في محلّ النزاع إنّما هو بالاعتبار الثاني و وجوبه المفروغ عنه المتفق عليه إنّما هو بالاعتبار الأوّل (قلت و التحقيق) أنّ الكلّية و الجزئية أمران اعتباريان متضايفان إذا تحقق أحدهما تحقق الآخر كالمتساويين المتصادقين مثل النّاطق و الضّاحك إلا أنّهما متصادقان و الكلية و الجزئية منتزعان و إذا تعلّق الأمر بالكلّ فقد تعلّق الأمر بالجزء كما أنّه إذا تعلّق الأمر بالنّاطق مثلا فقد تعلّق الأمر بالضاحك و من هنا صحّ أن يقال إن طلب الكلّ عين طلب الجزء و طلب الجزء عين طلب الكلّ كما صرّح به شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) في أصل البراءة لا بمعنى أن مفهوم الكلّية عين مفهوم الجزئية بل بمعنى أنّ المأمور بالكلّ مأمور بالجزء لا محالة و المأمور بالجزء بعنوان الجزئية مأمور أيضا بالكلّ إلا أنّ البحث غير متعلّق بوجوب الجزء بلحاظ هذا الوصف العنواني أي الجزئية بل به في ضمن الكلّ من غير ملاحظة الضمنيّة و الحق أنّ وجوب الكلّ ينحل إلى وجوبات عديدة متعلقة بالجزء و ليس وراء هذه الوجوبات وجوب آخر متعلّق بشي‏ء آخر يكون هو المقدّمة لأنّ الهيئة الاجتماعية ليست فعلا آخر بحيث يزيد على عدد الأجزاء و إنّما هو أمر اعتباري مرآة لملاحظة الأجزاء المركّب فإذا أمر بالكلّ فهاهنا أوامر متعدّدة متعلّقة بالأجزاء (و من هنا) ظهر أن الوجوب المتعلّق بالجزء حين الانضمام ليس وجوبا غيريا لأن الوجوب الغيري ما كان مقدّمة لحصول واجب آخر أي فعل آخر و ليس هنا فعل آخر غاية الأمر أنّ هنا شي‏ء آخر و هي الهيئة و هي ليست من الأفعال الّتي كلامنا في مقدّمات وجودها بل هو وجوب نفسي لأنّ الوجوب النفسي ما كان الغرض الباعث على الأمر به حصول نفس المأمور به لا فعل آخر و بهذا صرّح بعض الأجلّة و هو جيد و هل هو مدلول مطابقي أو تضمّني (و التحقيق) أنّ حاله كحال الأفراد في العموم الأفرادي و العموم الأفرادي و الجمعي كلاهما مرآة لإرادة الأفراد و الأجزاء و الفرق إنما هو بتوقف تمام غرض الأمر في الجمعي على حصول المجموع دون الأفرادي و هذا لا يخرج الجزء عن كونه مطلوبا نفسيّا لأن الطّلب شي‏ء و الغرض شي‏ء آخر فقد يكون ذا مصلحة تامة و قد يكون ذا مصلحة ناقصة فأجزاء المركب واجبات بوجوبات نفسية و إن كان المصلحة و الغرض الباعثين على الأمر بكلّ واحد منها ناقصة و الظّاهر أن الخطاب متعلّق بها بالمطابقة كأفراد العام و إن كان اللّفظ الّذي تعلّق به الخطاب دالاّ عليها بالتضمّن فافهم فإنّه دقيق و ما ذكرنا ممّا لا سترة عليه بعد بداهة سريان حكم الكلّ إلى الأجزاء كلّيا أو غيره بقي الكلام في ما ذكروه بعد الاعتراف بما ذكرنا من ثبوت وجوب غيري أيضا للجزء بملاحظة كونه محصّلا للكلّ و أنت بعد التأمّل فيما ذكرنا تعلم أن كونه محصّلا للكلّ غير ناهض بما راموا لأنّ الجزء و إن كان محصّلا للكل إلا أن الكلّ ليس فعلا يكون وجوبه سببا لوجوب ما له دخل في حصوله نعم لا مضايقة في وجوبه الغيري في حال الانفراد فإنه في تلك الحالة ليس جزءا للمركّب حتى يسري إليه وجوب الكلّ بل هو مقدّمة محضة (فإن قلت) هو مقدّمة لأيّ شي‏ء (قلت) مقدّمة لحصوله منضمّا مع غيره لأنّ المأمور بالكلّ مأمور بالجزء و بضميمته مع الجزء الآخر فذات الجزء مقدّمة و هو مع الوصف ذو المقدّمة فتأمل لكن هذا إنّما يتمّ في المركبات الخارجية كالدّار و السّرير و أمّا الواجبات الشرعية فلا لأنّ قصد الجزئية معتبر في أجزاء الواجبات و هو محال في حال الانفراد فالحق ما أفاده الفاضل المذكور و السّلطان من خروج الأجزاء عن محلّ النزاع لفظا و هو واضح حسبما قررنا أمّا الشرط فعرف بما يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود و أورد عليه بأنّه منتقض طردا و عكسا ففي طرف عكسه بالشرط المتناوبة و بالجزء الأخير من الشروط فإنّ الأوّل لا يلزم من عدمه العدم و الثاني يلزم من وجوده الوجود فلا يصدق عليهما الحدّ مع أنهما من المحدود اصطلاحا و في طرف طرده بلوازم الشروط و بالمقتضي الفاقد لشرائط التأثير أو المجامع لوجود المانع فإنهما

ممّا يصدق عليهما الحدّ و ليسا من المحدود كما لا يخفى فلا يكون التعريف جامعا و لا مانعا (قلت) أمّا النقض في عكسه بالشرط من الّذي يخلفه شرط آخر فيندفع بأن يجعل الشرط القدر المشترك بينهما لا خصوص كلّ واحد منهما و أمّا النقض بالجزء الأخير من الشروط فيندفع بأن يجعل لفظة من سببيّة لا نشوية فإن الجزء الأخير و إن تحقق عند وجوده الوجود لكنّه لا بسبب وجوده و بذلك يندفع النقض في طرد التعريف بلوازم الشروط أيضا فتدبّر بقي النقض في طرده بالمقتضي الفاقد للشرائط أو المجامع لوجود المانع و هو مدفوع أيضا بأن النّفي للسّلب الكلّي فيكون الشرط حينئذ ما يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود أبدا و المقتضي لما يلزم من وجوده الوجود أحيانا خرج عن الحدّ كما هو خارج عن المحدود أيضا ثم إن الانتقاض‏

300

بالمقتضي إنّما يتمشّى على أن يكون المراد من السّبب ما يعمّ المقتضي و العلّة التامة و أمّا لو اختصّ بالعلّة التامة فقط فلا بل لا بدّ من تحديد الشرط بما يشمله مع أنه خارج عنه ضرورة أنه ممّا يلزم من وجوده الوجود أحيانا و قد عرفت أنّ ظاهر قولهم لا يلزم من وجوده الوجود هو عموم السّلب عليه فلا بدّ إمّا من الاعتراف باختلال التعريف أو الالتزام بعدم انحصار المقدمات إلى السّبب و الشرط أو زيادة قيد في التعريف لإدخاله و عرّفه في الفصول بأنّه الخارج الّذي يقتضي عدمه عدم المشروط مع عدم قيام البدل و لا يقتضي وجوده وجوده قال فخرج الجزء لدخوله و فيه (أوّلا) أن الواجب عليه و على كلّ من أثبت للجزء وجوبا غيريا بملاحظة كونه محصّلا للكلّ إدخال الجزء في تعريف الشرط بأن يعرّفه بما يشمل الجزء أيضا لكونه خارجا بتلك الملاحظة و إن كان داخلا بملاحظة كونه جزء المركب فاتخاذه الخارج جنسا للتعريف لإخراج الجزء ليس على ما يقتضيه بناؤه في الجزء كما لا يخفى (و ثانيا) أن تبديل يلزم بيقتضي ليس على ما ينبغي فإن العدم لا يقتضي و لا يقتضى لأنّه لا معلول و لا علّة كما هو مصرّح به في علم الميزان و الحكمة نعم قد يقال إن عدم العلّة علّة للعدم مسامحة و بناء الحدود على الدّقة دون المسامحة كما لا يخفى (و ثالثا) أنّ قيد مع عدم قيام البدل مستدرك لأنّ الشّرط في الشروط المتناوبة حقيقة هو القدر المشترك ضرورة عدم تقاضاء شيئين من جهة التضاد شيئا فلا بدّ من إرجاع الاقتضاء في الشّروط المتبادلة الغير المنحصرة إلى القدر الجامع و ذكر الفضلة في الحد خروج عن طريقة العلم و أهله و أمّا السّبب فعرّفوه بأنّه ما يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم و لا بدّ أوّلا أن يعلم المراد بالسّبب الّذي جعلوه مقابلا للشرط و عرفوه بهذا التعريف ثم تنظر في صحّة التعريف و سقمه (و اعلم) أن للسّبب إطلاقات (منها) العلّة التامة بمعنى مجموع الأجزاء و الشرائط و إليه ينظر قولهم في تصحيح الشرط المتأخّر كالقبض فيما يعتبر في صحّته بأنّه جزء السّبب و أن التعبير بالشرط مسامحة (منها) المقتضي و منه قولهم اليد سبب للضّمان و العقد سبب للنقل و التّمليك (قلت) أمّا السّبب بالمعنى الأوّل فالظّاهر أنه غير مراد كما يكشف عنه مقابلة الشرط للسّبب إذ لو كان المراد منه ذلك لكان الأولى تقسيم المقدّمة إلى علّة و جزء علّة و يؤيّده ما مرّ من خروج العلّة التامة بالمعنى الأوّل عن المتنازع فيه حكما كما قيل و كذا يؤيّده ما ذكره علم الهدى (قدّس سرّه) في الفرق بين السّبب و غيره بأنه محال أن يوجب علينا المسبّب بشرط اتفاق وجود السّبب إذ مع وجود السّبب لا بدّ من وجود المسبّب إلا أن يمنع مانع لأنّه صريح في أنّ عدم المانع ليس داخلا في السّبب فتعين أن يكون المراد من المسبب هو المقتضي ثم إنّ المقتضي ينقسم إلى تام و هو الواجد للشرائط حتى عدم المانع على أن يكون التقييد داخلا و القيود خارجة و إلى التام من غير جهة المانع و إلى الناقص أي الجزء الفعال المؤثر خاصة و إلى الفاقد للشرائط و لا إشكال في عدم كون الأخير مرادا فبقي ما عداه من الاحتمالات و إذا عرفت ذلك (فنقول) الحدّ المزبور ينطبق على الأوّل بشرطين (أحدهما) أن يكون لفظة من في التعريف للسّببيّة و توهّم استلزام الدّور و تعريف الشي‏ء بالنفس حينئذ فاسد جدّا ضرورة أن الدّور في الحدود اللّفظية إنما بذكر لفظ المحدود في الحدّ فلو ذكر لفظ آخر متضح المعنى فلا دور كما لا يخفى و الثاني أن يفيد يلزم هنا دوام الاستلزام و هو مشكل لأن الجمل المثبتة نكرة لا تفيد بنفسها العموم اللّهمّ إلا أن تدلّ عليه بقرينة المقام لأن المستقبل قد يراد به الدّوام و الاستمرار و حينئذ فلا يرد النقض بشي‏ء ممّا ذكروه من جزء السّبب و لوازم المسبّب و الجزء الأخير من الشروط و غير ذلك ممّا يستحيل انفكاكه عن المسبّب كما هو واضح بأدنى تأمّل و أمّا الأسباب المتناوبة فقد عرفت أنه لا بدّ من الإرجاع إلى القدر المشترك فلا إشكال نعم قد يقال بانتقاض الحدّ المذكور طردا بالعلّة التامة بمعنى مجموع الأجزاء و الشرائط لانطباقه عليها مع خروجها عن المحدود حسبما عرفت و عكسا بكثير من الأسباب الشرعية إذ لا يصدق عليها الحدّ لأنّها معرفات لا يلزم من وجودهما وجود الشي‏ء بحيث تكون باعثة على وجوده و يمكن التفصّي عن الأوّل (أوّلا) بما مرّ من الدّليل على كون المراد بالسبب هو تمام العلة

و بعد ذلك يتعيّن أن يكون المراد من الموصول في الحدّ هو جزء العلّة فكلّ جزء من أجزائها يلزم من وجوده الوجود فهو السّبب (و ثانيا) بأنّ العلّة أيضا خارجة بالسّببيّة المستفادة من لفظة من بداهة أن مجموع الأجزاء الّتي من جملتها الشرط و عدم المانع لا سببية لها من حيث المجموع بل هي قائمة بالجزء الفعال و هو المقتضي دون غيره و عن الثاني بأنها إن كانت من المعرّفات و لم تكن أسبابا فهي خارجة عن المحدود و هو السّبب المقابل للشرط فلا بأس بعدم اشتمال الحدّ لها بل لا بدّ من ذلك (فإن قلت) مع أنّها أسباب عند القوم فلا بدّ من دخولها في الحدّ (قلت) كونها من إطلاقات لفظ السبب لا ينهض دليلا على دخولها في المحدود لأنّ هذا الإطلاق إمّا مبني على زعم كونها أسبابا واقعية و إمّا على المجاز و إمّا على الاشتراك اللّفظي و على التقادير لا يدخل في المحدود الّذي هو عبارة عن العلّة التامة أو الناقصة نعم لو صحّ الاشتراك المعنوي و ثبت مساعدة الاصطلاح على كون السّبب موضوعا للقدر المشترك اتجه النقض لكنّه ضعيف احتمالا و محتملا و إن كانت من المؤثرات دخلت في‏