بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
301

الحدّ و المحدود فلا إشكال و قيل في دفعه بأن السّبب المبحوث عنه هنا هو السّبب الذي مقدّمة للواجب و الأسباب الشرعية مقدمات للأحكام و للعلم بصدورها فخرجت عن المحدود و فيه (أولا) أنّه خلاف ما صرّحوا في الباب من تقسيم المقدّمة إلى مقدّمة الوجود و مقدّمة الوجوب و دعوى كون المبحوث عنه هو الأوّل كما في القوانين منافية لذلك كما لا يخفى و من قال بأن المبحوث عنه هو الأوّل أراد البحث عن الوجوب لأنّ المراد بالسّبب الّذي عرّفوه هو الأوّل و شتان ما بينهما فلا تغفل (و ثانيا) بأن الواجب قد يكون له سبب شرعي كالبيع و النكاح و أمثالهما إذا عرض لها الوجوب فالنقض بحاله فتدبّر و يشكل بأن إطلاق السّبب على المقتضي التام الشرائط حتى عدم المانع غير معهود بينهم بل الظّاهر عدم كونه مرادا هنا كما يشهد عليه كلام المرتضى (قدّس سرّه) أيضا و أمّا السّبب بالمعنى الثاني و هو المقتضي التام الشرائط إلاّ عدم المانع فلا ينطبق عليه التعريف المذكور لأنّ قولنا يلزم إن كان لدوام الملازمة فلا يصدق عليه بل عرفت اختصاصه بالمعنى الأوّل و إن كان لثبوت الملازمة في الجملة فيشمل السّبب بالمعنى المذكور إلاّ أنّه صادق على المقتضي الفاقد للشرائط أيضا مضافا إلى أنّه إطلاق غير معهود أيضا و لا يساعده كلمات المفصّلين بين الشرط و السّبب و إن وافقه كلام السّيد (رحمه الله) بل لا يستقيم إلاّ به و أمّا بالمعنى الأخير و هو ذات المقتضي أعمّ من التام و الناقص فيظهر من المحقق القمّي (رحمه الله) أنّه المراد من السبب المبحوث عنه و هو لا يوافقه كلام السّيد (رحمه الله) و المفصل إلاّ أنّها أوفق بما هو المعهود من الاصطلاح حسبما مرّ من إطلاقه تارة على العلّة التامة المركّبة من الأجزاء و الشرائط و أخرى على ذات المقتضي فإذا تعذّر الأوّل للوجوه المتقدّمة تعين الثاني و هو ذات المقتضي سواء كان تامّا أو لا و حينئذ فلا بدّ من انطباق الحدّ عليه و لا يكاد ينطبق و لو زيد عليه قيد لذاته كما فعله المحقق القمّي (رحمه الله) لأنّه إنما ينفع في دفع بعض الإيرادات و هو النقض بالمقتضي الجامع المانع دون النقض بالفاقد للشرائط إذ لا اقتضاء له لا بالذات و لا بالعرض لأنّه إنما يؤثر و يقتضي مع اجتماعه مع الشروط و اقترانه بها فلولاها لم يؤثر شي‏ء اللّهم إلا أن يقال إنّ قولنا يلزم معناه ثبوت الملازمة في الجملة لا دائما فلا ينتقض عكسا فإن ذات المقتضي يلزم من وجوده الوجود في الجملة و أحيانا كما هو واضح فتدبّر و تنقسم أيضا إلى المعدّ و غيره كالخطوات فإنّ كلّ خطوة مقدّمة معدية و عرفوا المعدّ بما يلزم من كلّ من وجوده و عدمه المطلق العدم فيعتبر كلّ من وجوده و عدمه في الوجود و هذا التقسيم غير مرضي عندنا و ليس على ما ينبغي (أمّا أوّلا) فلأنّ عدمه من المقارنات لا من المقدّمات كاللّوازم (و أمّا ثانيا) فلاستلزامه صيرورة قسم الشي‏ء قسيما له إذ لا يخفى أن المعدّ من الشروط و ينطبق عليه تعريفه لأنّه يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود فهذا التقسيم مما لا جدوى فيه و إن أبيت إلا عنه فقسم الشرط إلى معد و غيره لا أن تقسم المقدّمة إلى شرط و سبب و إلى معد و غيره كما فعلوه فإنّ فيه المحذور المذكور و ربما قسم إلى وجوديّ و عدمي و يرد عليه ما أوردناه من كون القسم قسيما لأنّه داخل في الشروط و ينطبق عليه تعريفه و دعوى أنّ الموصول يتبادر إلى الوجودي لا يلتفت إليها فإن الموصول هنا عبارة عن الشي‏ء و هو صادق على العدمي على حد صدقه على الوجودي مع أن المقدّمة لا يتبادر منها الوجودي فكيف يتبادر الموصول مع أن هذا التقسيم لا يتم إلاّ على أن يكون ترك الضد مقدّمة إذ لولاه انحصر المقدمة في الوجودي نعم عدم المانع مقدّمة و لكن الجمع بينه و بين ترك الضد كما فعله بعض غير مستقيم و الأولى تقسيم المقدّمة أولا إلى شرط و سبب و الشرط إلى معد و غير معد ثمّ غير المعد إلى وجودي و عدمي و قسّموها أيضا إلى ما كان مقدّما على المشروط أو مؤخّرا أو مقارنا و مقتضى ما تقرر في محلّه من أن العلّة لا توثر في إيجاد المعلول إلاّ بعد اجتماع مجموع أجزائها و شرائطها هو بطلان هذا التقسيم إذ على هذا لا يعقل كون الشرط مثلا مقدّما على المشروط أو مؤخرا عنه و لذلك وقعوا في الحيص و البيص في رفع الإشكال عن الشرط المتأخّر و

المتقدّم بما لسنا بصدد بيانه في الحال و يتضح لك إن شاء الله تحقيق الكلام حيث ما يقتضيه المقام و تنقسم أيضا إلى ما يتحد مع ذبها في الوجود و إلى ما لا يتحد معه و هذا التقسيم و إن لم يكن مصرحا به إلا أنّه يستفاد من كلام المحقق القمّي (رحمه الله) في ردّه على صاحب المعالم حين ادّعى أن النزاع في السّبب قليل الجدوى لأن تعلّق الأمر بالمسببات نادر حيث قال بعد دعوى كثرة تعلّق الأمر بالمسببات أيضا إنّ الفرد إنّما هو السّبب لوجود الكلّي و فيه أن السّبب من أجزاء العلّة و من الواضح لزوم المغايرة بين العلّة و المعلول في الوجود فهما موجودان بوجودين لا بوجود واحد و إلاّ لزم توقف الشي‏ء على النّفس و لا مغايرة بين الكلّي و بين الفرد في الوجود الخارجي كما لا يخفى و تنقسم أيضا إلى ما يتوقف عليه وجود الواجب و إلى ما يتوقف عليه العلم بوجوده هكذا اذكروا و لكن الحق أنّ هذا التقسيم غير حاضر فإن التوقفين قد يجتمعان فيتوقف عليه وجود الواجب و العلم به كغسل شي‏ء من العضد فإنّه مقدّمة لغسل المرفق إذ هو لا يكاد يتحقق عادة إلاّ بغسل شي‏ء

302

من العضد مع أنّه مقدّمة للعلم أيضا كما لا يخفى و كإدخال جزء من الرأس لغسل الوجه فإنّه ممّا لا يمكن تحققه عادة إلا به مع أنّه مقدّمة للعلم أيضا و لذا اختلف الأنظار بين من جعله مقدّمة وجودية عادية كالعضدي و المحقق الخوانساري و السّيد المحقق الكاظمي و المحقق القمّي (رحمه الله) و بين من جعله مقدّمة علمية كصاحب الفصول و غيره و كيف كان ففي دخول المقدّمة العلمية في محلّ النزاع بحث و خلاف و صرّح الفاضل التوني بأنّه لا خلاف في وجوبها و مقتضاه خروجها عن محلّ النزاع حيث ادّعى وجوبها حتّى على القول بعدم وجوب المقدمة و ربما قيل أو يقال بعدم وجوبها حتّى على القول بوجوب المقدّمة فتخرج عن محلّ النزاع أيضا و ما استدلّ لخروجها أو يمكن أن يستدل به وجهان (أحدهما) ما يستفاد من كلام السّيد السّند صدر الدّين في شرح الوافية حيث قال إن تقسيم المقدّمة إلى مقدّمة الوجود و مقدمة العلم ليس على ما ينبغي لأن العلم بالواجب إمّا أن يكون واجبا أو لا فعلى الأوّل تكون مقدّمة العلم مقدمة للوجود لا مقدّمة للعلم بالواجب و على الثاني فليست هي مقدّمة لشي‏ء يكون واجبا فتكرار الواجب عند الاشتباه على أحد التقديرين داخل في مقدّمة وجود الواجب و هو العلم و على الآخر ليس مقدّمة لشي‏ء واجب فكيف يدلّ على وجوبها الأمر بالواجب كما يدلّ على وجوب مقدّمات وجوده وجه الاستفادة أنّه بناء على صحّة ما ذكر تكون مقدّمة العلم الّتي جعلوها في مقابل مقدّمة الوجود خارجة عن محلّ البحث خروجا موضوعيّا على أحد التقديرين و حكميّا على التقدير الآخر و فيه أنا نختار الشق الأوّل و هو كون العلم واجبا و نلاحظ حينئذ حال الواجب لا حال العلم و هذا هو محلّ الكلام و هو المراد بالمقدّمة العلمية و إلاّ فلا يخفى على أحد أن مقدّمات العلم إذا كان واجبا حالها كحال غيرها من الوجوديّة فالكلام في أنّ العلم بالواجب لما كان واجبا فهل الأمر به يقتضي وجوب مقدّماته العلمية كما يقتضي وجوب مقدماته الوجودية أو لا و دعوى أنه على تقدير وجوب العلم تكون المقدمة مقدّمة للوجود لا للعلم ناشئة من عدم الإصابة بمراد القوم منها و أن المقصود معرفة حالها من حيث اقتضاء الأمر بأصل الواجب لوجوبها و من هنا قال بعض الفحول إن وجوب تحصيل العلم في موارده غيري إذ الواجب هو العمل المعلوم دون نفس العلم و هذا الكلام و إن كان فيه بعض الكلام إلا أنه جيّد في إصابة المرام حيث لاحظ حال الأمر بالمعلوم لا حال أصل العلم فافهم و تدبر (ثانيهما) أنّ تحصيل العلم واجب نفسي مستقلّ على حدّ سائر الواجبات الشرعية كما يستفاد من الوافية و بعض عبارات الحاشية و حينئذ فلا يدلّ الأمر بالشي‏ء الواجب على وجوب مقدّمات العلم به إذ لا سبيل لدلالة الأمر بأحد الواجبين النفسيّين على وجوب مقدّمات الآخر و فيه أن كون وجوب تحصيل العلم نفسيّا خارج عن طريقة القوم و لم يقل به أحد من الأصحاب في شي‏ء من الأبواب في غير العلم بالمعارف الإلهية نعم ذهب بعضهم إلى وجوبه النفسي بالأحكام الشرعية كالمولى الأردبيلي و من تبعه و أمّا العلم بالموضوع و حصول الواجب فلم يقل أحد بوجوبه النفسي فإنّ وجوب الاحتياط مع العلم الإجمالي ليس وجوبا نفسيّا عند أحد حتى عند الأخباريين القائلين بالاحتياط لأجل الأخبار فإن خلافهم مقصور على الشبهات التحريميّة و أمّا الوجوبيّة فالقوم بين من لا يقول فيها بوجوب الاحتياط و تحصيل العلم بالواجب و بين من يرى وجوبه غيريّا و ما يتوهّم من بعض الأخبار الخاصة الواردة في الموارد المخصوصة كالصّلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة و الصّلاة في كلّ من الثوبين عند اشتباه الطّاهر بالنّجس و كترك الإناءين المشتبهين و نحو ذلك فلا دلالة لشي‏ء منها على أنّ وجوب تحصيل العلم نفسيّا (أمّا الأوّل) فهو على خلاف المقصود أدلّ فإنّه صريح في الاكتفاء بأربع جهات و لو لم يحصل العلم بإصابة شي‏ء منها الواقع (و أمّا الثّاني) فمع إمكان حمله على الإرشاد لا يثبت به قاعدة كلّية في جميع الأبواب (و أمّا الثالث) فلا دخل له بالمقام لأن الترك ليس مقدّمة الواجب مع أن التعدي عن مورد الرّواية مشكل غاية الأمر يثبت به وجوب تحصيل العلم في الشبهات التحريميّة و أمّا الشّبهات الوجوبية فلا وجه للقول بالوجوب النّفسي فيها مع مخالفته للإجماع و إذا لم يكن وجوبه نفسيّا تعيّن أن يكون غيريّا كما صرّح به بعض الأجلّة و عليه فتدخل في محلّ النزاع كما لا يخفى و يدفعه عدم انحصار الوجوب بعد منع النّفسي في الغيري حتى يتعين أن‏

يكون غيريّا بل و هنا وجه ثالث و هو أن يكون وجوبه إرشاديا عقليّا و عليه فتخرج المقدّمات العلمية عن محلّ النزاع لأنّ المتنازع فيه إنما هو الوجوب الشّرعي كما سيأتي لا يقال إذا حكم العقل بوجوبه إرشاديا فيثبت بالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع هنا الوجوب الشّرعي أيضا فيستفاد من الخطاب التزاما و لو كان غير بين لتوقفه على توسيط قاعدة الملازمة فيسري ذلك الوجوب إلى مقدّماته و يكون ذلك بخطاب الشرع و دلالته على نحو الالتزام الغير البين لأنا نقول إن قاعدة الملازمة غير جارية في الحكم العقلي الإرشادي بمعنى أنّها لا تثبت في مورده الحكم الشّرعي نعم ثبت حكم الشارع على نحو الإرشاد أيضا لا على نحو التعبّد الشرعي ففي المقدّمات لا يتصور الوجوب الشرعي‏

303

رأسا سواء قلنا بالملازمة بين حكم العقل و الشّرع أم لا و قد حققنا ذلك في محلّه و هو واضح لمن تدبّر و تأمّل هذا كلّه إذا أردنا إثبات وجوب المقدّمة العلميّة بملاحظة وجوب المعلوم و أمّا بملاحظة وجوب العلم الواجب الّذي هي مقدّمة وجودية له فقد قيل أيضا بخروجها عن محلّ النزاع بمعنى وجوبها و لو قلنا بعدم وجوب المقدّمة بوجهين (أحدهما) ما عرفت من أنّ وجوب العلم بالواجب إرشادي و الكلام في مقدّمات الواجب الشرعي (ثانيهما) أنّ المقدّمات العلمية عين تحصيل العلم و لا مغايرة بينهما إلاّ من حيث العنوان الثانوي و الأولي كالتأديب الحاصل في الخارج بالضرب فلا وجه لإيكال وجوبها إلى وجوب مقدّمة الواجب الّتي يختص بما كان مغايرا مع الواجب لا متّحدا معه في الوجود (قلت) يندفع الوجه الأوّل (أوّلا) بما إذا فرض كون العلم واجبا شرعيّا كما في المعارف الإلهية فمقدّماته داخلة في مقدّمة وجود الواجب الشرعي اللّهمّ إلاّ أن يقال إن هذا خارج عن محلّ الكلام لأن المتنازع فيه إنّما هو مقدّمة العلم بالواجب لا العلم الواجب فتأمل (و ثانيا) أن البحث إنّما هو عن الملازمة بين الشي‏ء و بين مقدّماته في الحكم وجوبا كان أو استحبابا إرشاديّا أو غيره مطلقا كان أو مشروطا كما سيتضح لك غاية الوضوح في التقسيم الآتي إن شاء الله تعالى (و أمّا الثّاني) فالتحقيق فيه أنه إن قلنا إنّ الواجب هو تحصيل العلم بالواجب دون نفس العلم لامتناع تعلّق الأمر به فالواجب حينئذ عين مقدّمات العلم و مقتضى ذلك خروجها عن محلّ النزاع لأنّ مقدّمات العلم عين الواجب و قد عرفت اعتبار المغايرة بينهما سابقا و إن قلنا إن الواجب هو نفس العلم لأنه مقدور بالواسطة فلا امتناع لتعلّق الأمر به و لذا ورد في الكتاب و السّنة خطاب اعلم و اعلموا دخلت المقدّمات العلميّة في المبحوث عنه لأنّ الواجب حينئذ هو العلم و هي الصّورة الحاصلة في الذّهن و مقدّماته أمور خارجية محصّلة له فتندرج في مقدّمات الوجود كما لا يخفى و تنقسم أيضا إلى مقدّمة وجوب و إلى مقدّمة وجود أمّا مقدمة الوجوب فلا كلام في خروجها عن محلّ الخلاف لوضوح امتناع تحقق المعلول قبل وجود العلّة لأنّ وجوب المقدّمة مسبّب من وجوب ذيها فمع عدم وجوبه لا يعقل ثبوت الوجوب لها كما لا يخفى و أمّا مقدمة الوجود فهي داخلة في محلّ النزاع و لو لم يكن الواجب مطلقا بالقياس إلى سائر المقدّمات لجواز أن يكون الشي‏ء مطلقا بالنسبة إلى مقدّمته مشروطا بالنسبة إلى أخرى كالصّلاة فإنّها مطلقة بالنّسبة إلى الطّهارة مقيدة بالنّسبة إلى الوقت فهو بالنّسبة إلى ما يكون بالقياس إليه مطلقا يقتضي الوجوب على حسب وجوبه لأنّ المقدّمة يتصف بحكم ذيها وجوبا أو استحبابا مطلقا أو مشروطا عينيا أو كفائيا إلى غير ذلك من أقسام الوجوب فتصريح القوم بخروج مقدّمات المشروط الوجودية ليس على ما ينبغي و عدم اتصافها بالوجوب منجزا كعدم اتصاف أصل الواجب عذر غير مقبول و تنقسم أيضا إلى مقدورة و غير مقدورة أمّا المقدورة فداخلة في محلّ النزاع بلا خلاف إنما الكلام في أن غير المقدورة هل هي داخلة في محلّ النزاع أم لا ذهب الحاجبي و العضدي و صاحب المعالم و البهائي و الفاضل الجواد و سلطان العلماء و المحقق القمّي (رحمهم الله) و غيرهم إلى أنّها خارجة عن محلّ النزاع حيث قيّدوا المقدمة بكونها مقدورة بل قالوا إن القيد توضيحي لأن الواجب المبحوث عنه هو الواجب المطلق دون المشروط و مع كون المقدّمة غير مقدورة يكون الواجب مشروطا (قلت) أمّا خروجها عن محلّ النزاع فهو مبني على خروج مقدّمات المشروط الوجودية إذ لو بنينا على دخولها دخلت في محلّ البحث لأن الواجب بالقياس إلى نفس المقدمة الغير المقدورة مطلق و إن كان بالقياس إلى القدرة عليها مشروط و لقد تفطّن المحقق الخوانساري إلى ذلك في حاشية رسالته المعمولة في الباب حيث أورد على ما ذكره في المتن من خروج المقدمة الغير المقدورة عن محلّ النزاع و أن الواجب بالنسبة إليها من قبيل الواجب المشروط بقوله هكذا قيل و فيه نظر لأن الواجب المطلق ليس بالنّسبة إلى مقدّماته الغير المقدورة من قبيل القسم الثاني إذ ليس وجوبه مشروطا بوجود تلك المقدّمات بل مشروط بمقدوريّتها فيكون الواجب بالنّسبة إليها من قبيل القسم الثاني نعم يرد على هذا أيضا أنه لا حاجة إلى القيد المذكور لأنّ المقدّمة أيضا حينئذ واجبة على القول بوجوبها لكن وجوبها مشروط بمقدورية المقدمة كوجوب مشروطها لأنّه أيضا مقيد بمقدورية المقدمة فلا حاجة إلى القيد إذ لا شكّ أن ما يقال وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدّمته ليس معناه أنّه يستلزم وجوب مقدّمته مطلقا من دون‏

اشتراطه بشي‏ء فعلا بل ظاهر أن المراد وجوبها مثل وجوب ذي المقدمة فإن كان وجوبه مشروطا بشي‏ء كان وجوبها أيضا كذلك و إلاّ فلا و يمكن أن يتكلّف و يقال مرادهم بالمقدورية الصّلاحية لتعلّق القدرة فيكون المقدّمة الغير المقدورة حينئذ منحصرة في المقدوريّة و نحوها ممّا يتوقف الوجوب على وجوده فيستقيم ما ذكروه فتأمّل انتهى و أما كون القيد توضيحيّا بناء على ما زعموا من خروج مقدّمات المشروط ففيه منع لأنّ الواجب قد يكون منجزا و له مقدّمة غير مقدورة فلا بدّ من إخراجها لعدم وجوبها قطعا

304

فكيف يكون القيد مستدركا و لذا جمع صاحب المعالم بين تقييد الواجب بالمطلق و بين زيادة القيد بالمقدورة و لقد أجاد نظرا إلى ما عرفت فما زعمه سلطان العلماء (رحمه الله) من كونه توضيحيّا ليس في محلّه هذا إذا كان مراده بالمطلق الواجب المنجز و يحتمل و لو بعيدا أن يكون مراده بالمطلق الإشارة إلى ما ذكرنا من تخصيص البحث بالمقدّمة الّتي يكون الواجب بالنّسبة إليه مطلقا و لو كان مشروطا بشي‏ء آخر و على هذا يجب ترك هذا القيد لما عرفت من كون الواجب بالقياس إلى نفس المقدّمة مطلقا و إن كان بالقياس إلى القدرة عليها مشروطا (و الحاصل) أنّه إن أراد بقوله مطلقا إخراج المشروط و مقدّما له لزم التقييد بالمقدورة إذا كان للواجب مقدّمة مقدورة فإنّ ذلك يوجب صيرورة الواجب مطلقا منجزا و إن كان له مقدّمة أخرى غير مقدورة أيضا فلا بدّ من إخراجها فلا يرد ما أورده السّلطان و إن أراد التنبيه على أن البحث يختصّ بمقدّمة يكون الواجب بالنّسبة إليه مطلقا و إن كان أصل الواجب من جهة أخرى مشروطا لزم ترك القيد محافظة لعكس العنوان عن خروج بعض ما هو داخل في محلّ النزاع فتدبّر جيّدا

الأمر الثّالث في تقسيم الواجب‏

و له أيضا تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة

منها أن الواجب إمّا مطلق أو مشروط

و في هذا المقام أبحاث‏

الأوّل في تعريف كلّ من المطلق و المشروط

فاعلم أن المطلق على ما في القوانين و نقل عن جماعة هو ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده و المشروط خلافه و أورد عليه بوجوه (الأوّل) أن الإطلاق و التقييد في الواجب أمران إضافيان يختلفان بالقياس إلى المقدّمات فيكون مطلقا بالقياس إلى بعضها و مقيّدا بالقياس إلى الآخر فلا يجوز أن يلاحظان على نحو الإطلاق و يعرفان كذلك كالقرب و البعد و غيرهما من الأمور الإضافية و لذلك عدل جماعة عن التعريف المذكور فعرفوهما بالقياس إلى كلّ مقدّمة فقالوا إن كلّ مقدمة لا يتوقف عليها وجوب الواجب فهو بالنّسبة إليها مطلق و كلّ مقدّمة يتوقف عليها وجوبه فهو مشروط فالصّلاة مثلا إذا قايسناها إلى الطّهور فهي مطلقة و إن قايسناها إلى الوقت فهي مشروطة و زاد بعضهم في التعريف قيد الحيثية أي من حيث إنّه كذلك تفصّيا عن الإشكال و إشارة إلى أنّ الإطلاق و التقييد إنّما يعتبران إلى كلّ مقدّمة مقدمة كما صرّح به المحقّق الخوانساري (قدّس سرّه) و رد بأنّ قيد الحيثية هنا ممّا لا يفيد شيئا لأنّ اعتباره في الحدود و التعاريف إنّما يجري إذا كان للحدّ حيثيّتان و كان الملحوظ في التحديد إحداهما دون الأخرى كما يقال الحقيقة استعمال اللّفظ فيما وضع له من حيث إنّه وضع له فإن استعمال اللّفظ فيما وضع له قد يكون اعتمادا على العلاقة الموجودة بينه و بين معنى حقيقي آخر كاستعمال اللّفظ المشترك في أحد معنييه بعلاقة موجودة بينه و بين المعنى الآخر فبقيد الحيثية يخرج الاستعمال بالعلاقة (و بالجملة) إن اتخاذ قيد الحيثية في التعاريف إنما يجدي إذا كان لما هو مذكور في التعريف حيثيات متعدّدة و أفراد مختلفة أريد بها إخراج ما ليس بداخل في المحدود و المقام ليس من هذا القبيل لأنّ ما لا يتوقف عليه وجوب الواجب ليس له حيثية سوى حيثية نفسه و هو ما لا يتوقف عليه الواجب و ليس له حيثية أخرى تقيد بها نفسه بل قيد الحيثية في مثله قيد لحمل الحدّ على المحدود لا لنفس الحدّ و هذا مثل قول زيد قائم من حيث إنّه قائم أو ليس بقائم من حيث إنّه ليس بقائم و محصّله أنّ حمل القائم على زيد إنّما هو من حيث كونه قائما لا من حيث كونه قاعدا و لا فائدة فيه فافهم فإنّه لا يخلو عن دقة و يمكن التفصّي عنه بأن التعريف هنا لفظي وقع شرحا و بيان لما وضع له المطلق في الاصطلاح فلا بدّ من تقدير شي‏ء في المقام حتى يستقيم مثل وضع أو اصطلاح أو اسم أو نحو ذلك كما يقال الصعيد وجه الأرض فإن معناه أنّه موضوع لوجه الأرض و الحيثية الملحوظة في المقام راجعة حينئذ إلى نفس الحدّ لا إلى حمله على المحدود أي المطلق ما لا يتوقف وجوبه على مقدّمة وجوده من حيث إنّه كذلك فتكون الحيثية حيثية للموضوع فخرج عن الحدّ إذا كان وجوبه موقوفا على بعض مقدّماته من حيث كونه موقوفا على بعض مقدّماته من حيث كونه موقوفا عليه (توضيحه) إن للواجب كالصّلاة مثلا قد يكون وجوبه مشروطا ببعض مقدماته و مطلقا بالقياس إلى الآخر و لفظ المطلق موضوع للواجب بإحدى الحيثيتين دون الأخرى فيكون مفادها نظير قيد الحيثية في تعريف الحقيقة حافظا للحدّ عن الصّدق على الواجب مطلقا و لو بالقياس إلى سائر المقدّمات إذ لولاها لكان قضية الحدّ أن يكون مثلا الصّلاة مطلقا بجميع الجهات إذ صدق عليها أنّه لا يتوقف وجوبها على شي‏ء هو مقدّمة لوجوده مع أنّها ببعض الجهات و الملاحظات واجب مشروط كما عرفت (الثّاني) أنّ في تقييد ما لا يتوقف عليه وجوب الواجب بكونه ممّا يتوقف عليه وجوده دخول الواجبات الكثيرة المشروطة وجوبها بما لا يتوقف عليه وجودها تحت تعريف المطلق كالحجّ فإنّ وجوبه مشروط بالاستطاعة دون وجوده و كذلك الصّلاة بالقياس إلى البلوغ بناء على شرعيّة عبادة الصّبي فينتقض تعريف المطلق طردا و المشروط عكسا و قد يندفع بأن وجود الواجب بوصف‏

305

كونه واجبا لا يتحقق إلاّ بحصول مقدّمة وجوبه فتكون مقدّمة الوجوب على هذا مقدّمة للوجود أيضا فإنّ الحجّ الواجب لا يوجد إلاّ ممّن له الاستطاعة الشرعيّة و كذلك الصّلاة بالقياس إلى البلوغ و نحوه فيخرجان عن الحدّ لتوقف وجوبهما على ما يتوقف عليه وجودهما كذا قيل و للتأمّل فيه مجال (الثّالث) أنه ينتقض أيضا بالواجبات إذا قيست إلى غير مقدّماتها لأنّها مطلقة بالنّسبة إليها مع أنّه لا يصدق عليها التعريف كما هو واضح كذا قال المحقق الخوانساري (رحمه الله) (و قد يجاب عنه) بأنّ المطلق مقابل للمشروط فهو عبارة عن عدم المشروط و المشروط ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده فالمطلق عبارة عن عدمه و هو المقصود من التعريف المذكور و من الواضح أن عدم صدق المشروط بالمعنى المذكور على الواجب بالقياس إلى ما ليس مقدمته أصلا لا لوجوده و لا لوجوبه أجلى و أتم من عدم صدقه عليه بالقياس إلى مقدّمة الوجود خاصّة فتدبر جيّدا (ثمّ) هذا النقض يرد أيضا على من لاحظ في الحدّ كلّ مقدّمة ضرورة خروج ما ليس بمقدّمة عن الحدّ فينتقض و دعوى عدم تسمية الواجبات بالقياس إلى غير مقدّماتها مطلقا و لا مشروطا فلا نقض لا يصغى و عرّفه السيّد عميد الدّين بما لا يتوقف وجوبه على أمر غير الأمور الأربعة المعتبرة في التكليف من العلم و القدرة و العقل و البلوغ و فيه أنّه إن كان هذا التقسيم ناظرا إلى الواجبات المنجزة الفعلية فاستثناء الأمور الأربعة لا وجه له لأنّ الواجب المطلق الفعلي ما لا يتوقف وجوبه على شي‏ء أصلا من غير استثناء و إن كان ناظرا إليها من حيث الوجوب الشأني ففيه (أوّلا) أنّه لا وجه حينئذ لاستثناء العلم بل القدرة أيضا على وجه لأنّ العلم شرط تنجز التكليف و فعليته لا الوجوب الشأني و إلاّ لزم الدّور و كذا القدرة بناء على كون العجز مانعا عن التنجّز (و ثانيا) يلزم من هذا الحدّ أن لا يكون للواجب المطلق مصداق في الشريعة إذ ما من واجب إلاّ و له شرط آخر غيرها حسبما عرفت آنفا و الالتزام بذلك خروج عمّا هو محط نظرهم من تعريف الواجبات الموجودة في الشرع و تميّز مطلقها عن مشروطها حتّى يعلم أنّ مقدّمات أيّها واجبة و مقدّمات أيّها غير واجبة (و ثالثا) أنّ استثناء الأربعة يقتضي أن لا يستعمل الواجب بالقياس إليها مشروطا إذا لم يكن لوجوبه شرط آخر و هو كما ترى فينتقض كلّ من التعريفين حينئذ عكسا أو طردا و ممّا ذكر يظهر فساد ما في الفصول فإنّه ذكر تعريف السّيد بتغيير يسير ثمّ قال و قد يطلق الواجب المطلق و يراد به ما لا يتوقف تعلّقه بالمكلّف على حصول أمر غير حاصل سواء توقف على غير ما مرّ و حصل كما في الحجّ بعد الاستطاعة أو لم يتوقف كما مرّ و يقابله المشروط و هو ما يتوقف تعلّقه بالمكلّف على حصول أمر غير حاصل انتهى لأنّ قيد غير حاصل مستدرك إن لاحظ في التعريف الوجوب التنجيزي كما هو ظاهره إذ لو اقتصر على حصول أمر يكفي بل غير صحيح ضرورة أنّ التوقف إنّما هو إذا لم يكن الموقوف عليه حاصلا فإذا حصل ارتفع التوقف فما رامه من إخراج ما كان موقوفا على أمر حاصل من تعريف المطلق واضح الفساد كما لا يخفى و إن لاحظ حال الواجبات في الشرع من غير ملاحظة التعلّقات و التنجّزات وجب إسقاط القيد رأسا لأن الحصول و عدم الحصول لا يلاحظان في جعل الشروط للواجبات (و كيف كان) فلم نجد ما لا يتطرق إليه أيادي الإفساد في الحدود إلاّ هذا الحدّ بإسقاط قيد غير حاصل مع الالتزام بأن المقسم هو الواجب الفعلي دون الثّاني و يمكن أيضا تصحيح ما اختاره جملة من المحققين من التقسيم إلى كلّ مقدّمة بإبدال المقدّمة بالشي‏ء تحفظا عن الانتقاض بالواجب إذا قيس إلى غير مقدّمة

البحث الثّاني اختلفوا في أنّ الواجب هل هو حقيقة في الواجب المطلق و مجاز في المشروط أو مشترك بينهما لفظا أو معنى‏

و على الأخير فهل ينصرف إلى المطلق أو لا و على الثاني فهل يحمل على المطلق مطلقا أو لا يحمل عليه مطلقا أو يحمل بالنّسبة إلى غير مقدّماته أو يحمل في غير ما إذا علم إجمالا باعتبار قيد و شكّ في كونه قيدا للوجوب أو قيدا للواجب و قبل الشروع في تحقيق الكلام لا بدّ من تحرير محلّ الخلاف في المقام (اعلم) أنّ محلّ الخلاف هنا مادة الوجوب و ما يجري مجراها من الموارد و الهيئات الدالّة على الطّلب و الإلزام بالذات لا باعتبار عروض الهيئة ضرورة أن عروض الهيئة و هي هيئة فاعل ليس سببا لخروج لفظ وجوب عن معناه الأصلي حتّى يكون ذلك منشأ للخلاف في لفظ واجب زائدا على الخلاف الواقع في أصله و ليس نزاعهم هنا راجعا إلى الهيئة بأن يكون المتنازع فيه هنا هيئة فاعل بنفسها و لا إلى المجموع المركب منها و من المادة فالخلاف إنّما هو في مادة الوجوب و ما يجري مجراها قطعا و محصّل الخلاف أن ما يدلّ على الطّلب الإلزامي هل هو حقيقة في الوجوب المطلق و مجاز في المشروط أم لا إلى آخره ثم على القول بأن الوجوب حقيقة في الوجوب المطلق و مجاز في المشروط لو أطلق الواجب على المشروط باعتبار شأنية له كان مجازا و كذا لو أريد منه ثبوت الوجوب له في الاستقبال بأن أريد من واجب ما سيجب كما في قوله تعالى إنّك ميّت و إنّهم ميّتون لكن التجوز على الأوّل ملحوظ في المادة بعلاقة الأوّل و الإشراف و على الثّاني في الهيئة لأنّ المشتق مجاز في الاستقبال بالاتفاق‏

306

و الحاصل أن إطلاق لفظ الواجب على الواجب المشروط قبل حصول الشرط بناء على القول المذكور مجاز قطعا لكن التجوز يتصوّر على وجهين أحدهما أن يطلق عليه باعتبار شأنيته لثبوت عنوان الوجوب الفعلي فيما بعد (ثانيهما) أن يطلق عليه و يراد منه ثبوت العنوان له في الاستقبال (فعلى الأوّل) يلزم التجوّز في المادة خاصة دون الهيئة و إليه يشير كلام الفاضل الجواد و المحقق القمّي (رحمه الله) حيث يصرّحان بأن تسمية المشروط قبل حصول الشرط بالواجب مجاز في الحقيقة تسمية باسم ما يؤول إليه (و على الثّاني) يلزم التجوز في الهيئة خاصة دون المادة و إليه ينبّه صاحب الحاشية حيث قال و لا يذهب أنّ إطلاق الواجب عليه إن كان من جهة ثبوت العنوان المذكور له حين الإطلاق بملاحظة تلبّسه به في المستقبل و لا ريب في كونه مجازا للاتفاق على كون المشتق مجازا في المستقبل انتهى و ممّا ذكرنا ظهر أن ما توهّم من كلامه و كلام الفاضل الجواد و المحقق القمّي و غيرهم من كون الخلاف في هيئة الواجب و ليس على ما ينبغي مع أن ذيل كلامه كالصريح في خلافه حيث قال (و الحاصل) أن تقييد الأمر بشرط أو شرائط لا يزيد على تقييد المأمور به بذلك مع إطلاق الأمر فكما أنّ الثاني يكون على وجه الحقيقة فكذا الأوّل من غير فرق أصلا و ربما يقال إن لفظ الواجب قد يجرد بحسب الاصطلاح عن معناه الوضعي و صار حقيقة فيما تعلّق به الخطاب في الجملة فيكون إطلاقه على المشروط حقيقة من تلك الجهة و هو كما ترى انتهى لأنّ مراده بالأمر مطلق ما يدلّ على الطلب كما لا يخفى على من لاحظ مجموع كلامه خصوصا قوله و ربما يقال إذ الظاهر أنّه يشير إلى فساد التوهم المذكور حسبما قلنا و إن أوهمه بعض العبارات الواضعة للخلاف في لفظ واجب كما في الزبدة و شرحها و القوانين و هداية المسترشدين هذا كلّه على القول بالمجازية في المشروط أمّا على القول بأن الوجوب حقيقة في المشروط أيضا فلا تجوّز في لفظ الواجب أصلا سواء أريد منه الوجوب الفعلي المطلق أو الثّاني المشروط لأن الاتصاف حاصل في زمان الإطلاق على الوجهين و إليه يشير ما في الحاشية من أن إطلاق الواجب على المشروط بملاحظة تجوزه في المستقبل حقيقة لا تجوز فيه و إذا عرفت ذلك فنقول الأقوال المحكية في المسألة ثلاثة (الأوّل) الاشتراك اللّفظي و هو منسوب إلى علم الهدى و في النّسبة تأمّل فإنّه لم يصرّح بذلك هنا و لعلّ منشأها قاعدته المعروفة من دلالة الاستعمال على الوضع بعد معلومية ورود الواجبات الشرعية على وجهي الإطلاق و الاشتراط كما هو مصرّح به في كلامه أو ما صار إليه من التوقف و الإجمال و عدم الأخذ بإطلاق الواجب بالنّسبة إلى غير السّبب من المقدمات ردّا على المعتزلة حيث ابتنوا وجوب نصب الإمام على الرعية مقدمة لإقامة الحدود الواجبة و في كليهما نظر (أمّا الأوّل) فلأنّ ما يبنى عليه من دلالة الاستعمال على الحقيقة فثبت الاشتراك في متعدّد المعنى لا يجري إذا كان الاشتراك المعنوي محتملا إلا بعد الاعتراف بالوضع لأحد الفردين أو الأفراد كما يقال إن الأمر موضوع للوجوب و مجاز في الندب فيرد بناء على ذلك الأصل بأنه مستعمل في الندب أيضا فثبت الاشتراك قضاء بما يقتضيه الاستعمال و هذا أي الاعتراف بالوضع في المقام بخصوص الواجب المطلق غير معلوم و اعتراف السّيد (رحمه الله) بذلك غير ثابت فمن المحتمل قويا أن يكون مذهبه في المسألة مذهب أهل التحقيق من كونه موضوعا للقدر المشترك بين المطلق و المشروط لا كونه موضوعا لخصوص الوجوب المطلق حتى يكون مجازا في المشروط كما زعموه و عند احتمال ذلك لا يجوز نسبة الاشتراك إلى السّيد (رحمه الله) حيث لم يعلم أنه قائل بالمشهور من كونه موضوعا لخصوص المطلق حتى يلزم القول بالاشتراك بناء على أصله (فإن قلت) مقتضى أصله أن يقول بالاشتراك بين القدر المشترك و كلّ من الخصوصيتين أعني المطلق و المشروط فلا مندرجة له عن الالتزام بالاشتراك إمّا بين الوجوب المطلق و المشروط أو بين القدر المشترك بينهما و بين كلّ من الخصوصيتين بل الاشتراك على هذا التقدير أكثر منه على تقدير كونه موضوعا لخصوص المطلق كما هو المشهور (قلت) ليس الأمر كذلك إذ الأصل المذكور لا يجري في صورة دوران الأمر بين الكلّ و الفرد فإن مبنى الأصل المذكور على قضاء تعدّد الاستعمال لتعدد الوضع و هو في الصّورة المذكورة غير ثابت لاحتمال أن يكون استعمال الفرد على نحو تعدّد الدّالّ و المدلول بأن يكون خصوصية الفردية مستفادة من القرينة و يكون المراد من لفظ الكلّي هي الطّبيعة فيكون المستعملة

فيه شيئا واحدا في جميع الاستعمالات الخارجية و إذا لم يثبت تعدد المستعمل فيه فكيف يتعدّد الموضوع له و توضيحه أنه اشتهر أن استعمال الكلّي في الفرد و المطلق في المقيد يتصور على وجهين (أحدهما) أن يراد خصوصية الفرد من لفظ الكلّي فيكون مجازا (ثانيهما) أن يراد من القرينة القائمة عليها فيتعدد الدّال و المدلول فيكون حقيقة و إذا احتمل الوجهان فكيف يمكن إحراز الوجه الأول حتى يتعدد المستعمل فيه و يستعمل الأصل المذكور (فإن قلت) إنا نفرض قيام القرينة على ذلك (قلت) إن أردت‏

307

قيام القرينة على كون موضوع الحكم هو الفرد فهو موجود و لكنّه أعم من أن يكون على الوجه الأوّل و إن أردت قيامها عليها مضافا إلى قرينة المراد فليس لها أثر في المحاورات بل هو أمر فرضي موهوم و لو فرض تصريح المتكلّم به فكان خارجا عن طرائق المجاز و معدود من أهل السّخرية و الاستهزاء مثلا إذا قال ائتني برجل و أقام قرينة حالية أو مقالية على كون المراد بالرّجل هو خصوص زيد فهذا لا يدلّ على شي‏ء من الوجهين بل يحتاج إلى أن يقول ثانيا بعد ما صار المراد معلوما للمخاطب و اعلم أنّي أردت الخصوصية من لفظ الرجل و هو كما ترى لا يشبه فعل العقلاء (و الحاصل) أن التجوز في الكلام بالاستعمال في الفرد غلط مشهور لكونه خارجا عن طرائق المحاورات بل الأمر لا يليق إلا بالسّفهاء بل غير معقول أمّا أنه غلط فلأن الاستعمال الصّحيح لا بدّ و أن يكون مستندا إمّا إلى الوضع أو إلى القرينة و كلاهما هنا منتفيان أمّا الوضع فمعلوم بالفرض و أمّا القرينة فلعدم دلالة القرينة الموجودة عليه حسبما عرفت لأنّ هذا المجاز ليس من قبيل سائر المجازات الّتي يعلم مجازيتها بالقرينة المفهمة للمراد بل يتوقف على تصريح المتكلّم بأنّه متجوّز في استعمال الكلّي بالعلاقة الفلانية و قد عرفت خروجه عن سنخ المجاز بل و كونه من المستهجنات و أمّا أنّه سفه فلأن العدول عن الحقيقة مع إمكانها إلى المجاز لا يصدر من العاقل إلا لفائدة من بلاغة في الكلام و نحوها فلو كان المجاز بحيث لا يعلمه إلا المتكلّم و لا يفهمه المخاطب من القرينة الموجودة لم يترتب عليه الفائدة المقصودة إذ لا يدركه السّامع فيعد فاعله عابثا لاغيا سفيها و أمّا أنّه غير معقول فلأن المجاز لا بدّ فيه من انتقال و رجوع بأن ينتقل الذهن بسبب إطلاق اللّفظ إلى المعنى الحقيقي ثمّ ينصرف منه إلى المعنى المجازي حتى ترتب على الانتقالين المتعاكسين فوائد المجازية فإذا سمع المخاطب مثلا رأيت أسدا فسبق ذهنه إلى الحيوان المفترس (ثمّ) إذا سمع لفظ يرمي انصرف ممّا فهمه أولا إلى الرجل الشجاع و في المقام لا يمكن هذا فإن إرادة خصوصيّة الفرد ليس منافيا للإرادة الطبيعة بل هي بمكان القيد العارض لها فيكون الانتقال إلى الخصوصيّة انتقالا زائدا على الانتقال الأوّل هذا و ممّا ذكرنا ظهر أن استعمال الكلّي في الفرد و المطلق في المقيّد في الاستعمالات الخارجية كلّها على الحقيقة من دون احتياج إلى إعمال أصالة الحقيقة لانحصار الاستعمال الصحيح فيها حسب ما عرفت (ثمّ) إن التأمّل فيما حققناه يقتضي أيضا فساد ما قالوا من أن استعمال اللّفظ المشترك بين أحد المعنيين في أحدهما بعلاقة الآخر مجاز صحيح فإنّه يرد عليه الوجوه الثلاثة المشار إليها مع الزيادة لأن اللّغات توقيفية لا بدّ فيها من ثبوت ترخيص أهل اللّسان و الرخصة الثابتة في التجوز إنما هو في خصوص استعمال اللّفظ في غير ما وضع له بمناسبة العلاقة الموجودة بينه و بين ما وضع له و أمّا في نفس ما وضع له بعلاقة معنى آخر فلم يثبت بعد ترخيص من أهل اللّسان و لا ورد نظيره في لغة من اللّغات و لا جرت عليه الاستعمال في شي‏ء من المحاورات و مقتضى توقيفية اللّغات عدم الجواز و دعوى أن حصول المغايرة بين المستعمل فيه و الموضوع له بتغاير الحيثية كافية في التجوز فيتمشى هنا الرخصة النوعية الثابتة من الواضع مكابرة و مصادرة فإن المغايرة بالحيثية مغايرة اعتبارية و هي لا تكفي في صدق كون المستعمل فيه خلاف ما وضع له عرفا و من ذلك ظهر أن تعريف الحقيقة باستعمال اللّفظ فيما وضع له تعريف صحيح غير منتقض باستعمال اللّفظ فيما وضع له عرفا و من ذلك ظهر أن تعريف الحقيقة باستعمال اللّفظ فيما وضع له تعريف صحيح غير منتقض باستعمال اللّفظ فيما وضع له بعلاقة آخر و لا يحتاج إلى إضافة قيد الحيثية أي من حيث كونه موضوعا له كما فعلوه إذ الغرض منها إخراج الاستعمال فيما وضع له بسبب العلاقة و على ما ذكرنا من عدم جواز هذا النحو من الاستعمال لا يدخل في التعريف إذ المقسم في تقسيم اللّفظ إلى الحقيقة و المجاز إنّما هو الاستعمال الصّحيح و قد عرفت أنّه غير صحيح و غير معهود بل غير معقول حسبما عرفت فالقيد غير محتاج إليه بل غير صحيح هذا كلّه على أن يكون منشأ انتساب القول بالاشتراك إلى السيد (قدّس سرّه) هو أصله المعروف و أمّا لو كان ذلك لتوقفه بين الإطلاق و التقييد و حكمه بالإجمال في أوامر الشريعة لورودها على ضربين إلى آخر ما قال لأنّ التوقف لا وجه له‏

إلاّ الاشتراك اللّفظي أمّا على الحقيقة و المجاز فواضح و أمّا على الاشتراك المعنوي فلانصراف ما يدلّ على الطّلب إلى الطّلب المطلق عند الإطلاق فتعيّن أن يكون التوقف مبنيا على الاشتراك اللّفظي ففيه منع انحصار طريق التوقف في الاشتراك اللّفظي إذ يمكن القول به على الاشتراك المعنوي أيضا إذا علم إجمالا مقدّمية شي‏ء و لم يعلم أنّه هل هو مقدّمة للوجوب أو مقدّمة للواجب فإنّ العلم الإجمالي بتقييد أحد الأمرين من الطّلب و المطلوب المسبّب هو لتعارض أصالة الإطلاق في الجانبين و تساقطهما و مقتضيه الحكم بالإجمال و هذا و إن كان لا يخلو عن مناقشة إلاّ أن احتمال ابتناء توقف السيّد (رحمه الله) على هذا كاف في فساد النّسبة المذكورة (فإن قلت) كلام السّيد (رحمه الله) مطلق شامل لصورتي العلم الإجمالي و عدمه فينحصر الوجه في الاشتراك اللّفظي (قلت) لا نسلّم ذلك لأنّه (قدّس سرّه) ذكر ذلك في ردّ مقالة المعتزلة بوجوب نصب الإمام على الرعية مقدمة

308

لإقامة الحدود و هذا من موارد العلم الإجمالي بالقيد في الجملة لأن وجود الإمام مقدمة قطعا إمّا للوجوب أو للواجب فيحكم بالإجمال (و بالجملة) احتمال كون التوقف في كلامه مبنيّا على العلم الإجمالي قائم و مع قيام هذا الاحتمال إلى نسبة القول بالاشتراك اللّفظي إليه غير موجه هذا بالنّسبة إلى ضعف الاشتراك اللّفظي هنا قائلا و أمّا ضعفه قولا فأوضح ضرورة أنّ الاشتراك اللّفظي خلاف الأصل و لا يصار إليه إلاّ بالدليل و لا دليل عليه هنا بل الدليل على خلافه فإن تبادر الغير هنا موجود إذ لا ريب أنّ المتبادر من الوجوب عند الإطلاق هو الوجوب المطلق فإن كان وضعيّا دلّ على أنّه حقيقة في المطلق و مجاز في المشروط و إن كان إطلاقيا دلّ على الاشتراك المعنوي فهو على كلّ حال دليل على عدم الاشتراك اللّفظي كما لا يخفى فيدور الأمر حينئذ بين الاشتراك المعنوي و بين الحقيقة و المجاز و قد ذكرنا سابقا أنه متى دار الأمر بين الاشتراك المعنوي و المجاز ينظر فإن احتاج الوضع للخاص إلى ملاحظة زائدة على ملاحظة القدر المشترك فالاشتراك المعنوي هناك أولى لأنه من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر ضرورة أن ملاحظة القدر المشترك متيقنة على التقديرين و الشكّ إنّما هو في ملاحظة الخصوصية الزائدة و هي منتفية بالأصل و كذا لو كان الاستعمال في القدر المشترك ثابتا فإنه لو لم يكن حقيقة فيه للزم من استعمال اللّفظ فيه عموم المجاز و هو مجاز شاذ نادر بل قيل إنه لا أثر له في المحاورات فلا يصار إليه مهما أمكن بل يترجح حينئذ المصير إلى ما لا يلزم منه ذلك و هو الحقيقة في القدر المشترك و فيما عدا كلا الموضعين لا أصل في البين يقتضي شيئا من الأمرين حسبما عرفت التفصيل في البحث عن الصّيغة (فإن قلت) الوضع للخاص يتضمّن ملاحظة الخصوصية لا بدّا فيطّرد رجحان الاشتراك المعنوي مطلقا فما وجه التفصيل (قلت) ليس حال الوضع للخاص إلا كحال الوضع للعام فإن فوق كلّ عام عام فكما لا تكون هنا ملاحظة زائدة فكذلك هنا و إن أردت توضيحا للمقام فعليك بمراجعة ما سبق حيث ذكرنا لكل من القسمين مثالا اتضح به المرام و إذا عرفت ذلك فنقول الأولوية المذكورة جارية في المقام على الوجه الأوّل مطلقا فإن ملاحظة جنس الوجوب في وضع مصاديق الأمر و مواده ثابت على أيّ حال و إنّما الشكّ في أنّه هل لوحظ في الوضع زائدا على ملاحظة جنس الوجوب خصوصية كونه مطلقا مجرّدا عن القيد أم لا و المرجع في مثل المقام هو أصالة العدم و لا يقاس المقام بما مرّ في دوران الأمر بين مطلق الطّلب و الطّلب المتحتم فإن التحتّم في الطّلب ليس من قبيل الإطلاق و التقييد في الوجوب فإنّه من ذاتيات الطّلب لأنّه مرتبة من الطّلب فليس شيئا زائدا وراء نفس الطّلب يعرض عليه حتى احتيج إلى الملاحظة بنحو الاستقلال و لا كذلك الإطلاق فإنه عن عوارض الوجوب و شي‏ء وراء نفس الوجوب فلا بدّ من ملاحظته زائدا على ملاحظة الوجوب لو كان هو الموضوع له بوصف الإطلاق و هذا الوجه أي الأصل على الوجه الأول يجري في المادة و الهيئة كليهما و أمّا على الوجه الثاني فجريانه في المادة واضح إذ لا مانع من استعمال لفظ الوجوب و ما يجري مجراه من المواد الدالة على الطلب الحتمي في القدر المشترك و لو في بعض الاستعمالات كقولهم مثلا ينقسم الوجوب إلى مطلق و مشروط إذ المراد به في المقسم هو مطلق الطّلب فشرط الأولوية أعني إجراء الاستعمال في القدر المشترك في المواد لا مانع منه فيجري فيها قاعدة الأولوية و أمّا الهيئة و ما يجري مجراها في عموم الوضع و خصوصيّة الموضوع له فجريانه فيه محلّ إشكال نبّهنا عليه مع الوجوه المقررة في دفعه في باب الأمر فليرجع هناك و تأمّل فإنه لا يخلو عن دقة هذا كلّه بالنّسبة إلى الأصل و أمّا باعتبار الدليل فقد احتجّ المحقق القمّي على كونه حقيقة في المطلق و مجازا في المشروط بوجوه (الأوّل) التبادر فإن المتبادر من الوجوب عند الإطلاق هو الوجوب المطلق و هو آية الحقيقة الثاني أن المولى إذا أمر عبده بشي‏ء أو قال له الفعل الفلاني واجب عليك فتقاعد العبد عن الامتثال باحتمال كونه مشروطا ذمّه العقلاء و يستقبحونه و لو لم يكن ظاهرا في الوجوب المطلق لما توجّه عليه الذّم و اللّوم (الثّالث) أصالة عدم التقييد فإنّها تقتضي كونه مطلقا غير مشروط بشي‏ء و في الكلّ نظر أمّا التبادر فهو و إن كان مسلّما و يلتزم به الخصم أيضا إلاّ أن كونه مسبّبا من الوضع أوّل الكلام بل لقائل أن‏

يقول إنّه مسبّب من الإطلاق (فإن قلت) إن الأصل في التبادر أن يكون وضعيّا (قلت) هو في المقام ممنوع لأنّ أصالة عدم استناده إلى الوضع معارض بأصالة عدم استناده إلى الإطلاق و إذا تعارضا تساقطا فلا أصل يقتضي أحدهما حسبما حققناه سابقا في البحث عن الصّيغة نعم في بعض المقامات يمكن المصير إلى الأصل المذكور كما لو شكّ الجاهل باللّسان في كون التبادر عند العالم به مستندا إلى الوضع أو إلى ما بين المتكلّم و المخاطب من القرينة قولا أو حالا فإنّ أصالة عدم الوضع غير جار هنا للعلم الإجمالي بالوضع إمّا للمعنى المتبادر أو لغيره الّذي بينه و بين ذلك علاقة فيبقى أصالة عدم القرينة سليمة عن المعارض فبناء على اعتبار الأصول الجارية في الأوضاع ثبوتا أو سلبا

309

كما عليه القوم أمكن التعويل عليه و البناء على الحقيقة و أمّا هنا فكلّ من الوضع و القرينة أي التجرّد من القيد موجود و معلوم و إنّما الشكّ في الاستناد و أصالة العدم في الجانبين معارض بمثله (أمّا) ذمّ العقلاء فهو أعمّ من المدّعى فإنّه على فرض كونه حقيقة في مطلق الوجوب يذمّه العقلاء أيضا لظهوره فيه إطلاقا ثم إن أراد به بيان ظهور الأمر في الوجوب المطلق على أن يكون الدّليل على المدّعى هو الظّهور العرفي و يكون توسيط ذمّ العقلاء لئلاّ ينكر عليه ذلك الظّهور فهو راجع إلى التبادر فعطفه عليه القاضي بالمغايرة ليس في محلّه بل ينبغي أن يجعل ذلك سندا لدعوى الظّهور كما فعله صاحب الفصول و لنعلم ما صنع و قد مرّ نظير ذلك في البحث عن الأمر مع مزيد بيان فليراجع (و أمّا) أصالة عدم التقييد فلأنّه من الأصول المرادية الّتي لا ربط لها بالوضع نعم أصالة عدم التقييد في حال الوضع مما يثبت به الوضع و مرجعه إلى الأصل الّذي قررناه و جعلناه وجها لأولوية الاشتراك المعنوي عن المجاز بل دليلا على الوضع للقدر المشترك فهو على خلاف مقصوده و مراده أدلّ و قد يستدلّ لذلك بصحة سلب الوجوب عن الوجوب المشروط قبل وجود شرطه (و أجيب عنه) بالمنع و الأولى أن يقال إن أريد من صحة سلب الوجوب عن الوجوب المشروط حال عدم تحقق شرطه بشرط عدم تحقق شرطه فهو مسلم لكن المسلوب حينئذ هو الوجوب المطلق لا مطلق الوجوب و إن أريد به مطلقا سواء وجد الشرط أم لا أو مع قطع النظر عن الشرط وجودا و عدما فدعوى صحّة السّلب ممنوع فظهر أنّه لا دليل على كون الأمر و ما يجري مجراه مجازا في المشروط فتعين المصير إلى الاشتراك المعنوي لما عرفت من أولويّته مع أنه يدلّ عليه أيضا وجوه (الأوّل) التبادر فإن المتبادر من لفظ الوجوب في غير مقامات البيان هو مطلق الوجوب لا الوجوب المطلق و يعبّر عن هذا بالتبادر التصوّري كما يعبّر عنه في مقام البيانات و المحاورات المسوقة لإفادة المرامات بالتصديقي و هذا غير مشتبه بالتبادر الإطلاقي حتى يرد ما عرفت من كونه أعم من الوضع و توضيحه أنّ الوضع تخصيص شي‏ء بشي‏ء متى أحسّ فهم منه الشي‏ء الآخر و هذا المعنى موجود في لفظ الوجوب و أشباهه فإنّه متى سمع أو أحسّ لفظ الوجوب و لو في الجدار ينتقل منه الذّهن إلى الوجوب على حدّ الإهمال و ليس هنا للتبادر الإطلاقي المسبّب عن إطلاق الكلام في مقام البيان سبيل فإنّه من لوازم الكلام المسوق للإفادة فإذا لم يكن كذلك بأن كان مسوقا في مقام الإهمال و البيان في الجملة مثل أن يقول المولى لعبده إني أوجبت عليك أشياء غدا أو لم يكن كلام رأسا كما إذا أحسّ لفظ الوجوب في قرطاس أو جدار أو تصوّره الإنسان من عند نفسه فإنّه يلزم منه تصوّر الوجوب في الجملة أي مطلق الطلب الحتمي لا الحتمي المطلق و دعوى أن العالم بالوضع لا دخل له بالمقام و الجاهل الّذي كلامنا فيه كيف يتصوّر معنى الوجوب بتصوير لفظ الوجوب مدفوعة بأن هذا هو بحث الدّور المعروف المقرر في باب التبادر و الكلام هنا بعد الفراغ عن صحّة كونه دليلا على الوضع للجاهل و العالم على بعض الفروض و الوجوه المذكورة في محلّه (و الحاصل) أنا نفرض المقام خاليا عمّا يقتضي إطلاق الطّلب و عمومه لسائر الأحوال و ندعي أن الذّهن ينتقل من لفظ الوجوب إلى الطّلب الحتمي و ندعي أيضا كون المتصور المتبادر أعمّ من الوجوب المطلق و المشروط فهذا التبادر على فرض تسليمه دليل على الوضع المقدر المشترك كما لا يخفى (الثاني) صحّة تقسيم الوجوب إلى المطلق و المشروط و كذلك سائر ما يدلّ على الوجوب من الألفاظ مادة و هيئة و ذلك يقتضي أن يكون حقيقة في المقسم و إلا لزم عموم المجاز في خصوص المقام و كلّما يلزم منه عموم المجاز فهو مرجوح لا يصار إليه حسبما عرفت غير مرة نعم في كون صحّة التقسيم مطلقا دليلا على الوضع منع و خلاف لجواز كون المقسم مجازا و كون التقسيم تقسيما للمعنى المجازي لكنه في مثل المقام دليل على الحقيقة بلا إشكال لما عرفت فافهم (الثّالث) عدم المنافرة بين مفاد الأمر أو لفظ الوجوب و القرينة القائمة على تقييده فإنّه على ما تقرر في محلّه من علائم الحقيقة إذ المجاز لا بدّ له من قرينة معاندة للمعنى الحقيقي باعثة على صرف اللفظ من الحقيقة إليه كما في رأيت أسدا يرمي فإنّ بين لفظة يرمي و بين المعنى الحقيقي للأسد منافرة ظاهرة واضحة باعثة على صرفها إلى ما يلائمها

و هو الرّجل الشجاع و من هنا قلنا إنّ المجاز لا بدّ فيه من انتقالين متضادين فإن الذّهن ينتقل أولا إلى المعنى الحقيقي ثم ينتقل بعد ملاحظة القرينة إلى المعنى المجازي و لا يكاد يتم المجاز إلا بهما فإذا كان القرينة القائمة على اشتراط الوجوب غير منافرة لما دلّ عليه ألفاظ الوجوب و لا معاندة له كشف ذلك عن أنّه ليس مجازا في المشروط بل و ظهر من ذلك أيضا أن تقييد المطلقات ليس مجازا فإن تقييد الرقبة بالمؤمنة غير منافرة لمدلولها الأصلي الوضعي و هو مطلق الرقبة بل إنّما هو انتقال زائد على الانتقال الأوّل فتأمّل جدّا (الرّابع) الإجماع بمعنى أنّ القائل بمجازية الوجوب المشروط إن قال به بناء منه على أن تقييد المطلقات مجاز فالأدلّة الّتي ذكرناها حجّة عليه و سيجي‏ء إن شاء الله وضوح فساده أيضا و إن قال به في خصوص المقام فيدعي أن تقييد الأمر مجاز و إن لم يقل به في سائر المطلقات‏

310

فنحن ندعي أنه مخالف للإجماع إذ الظّاهر اتفاقهم على عدم خصوصية للأمر بالنسبة إلى سائر المطلقات هذا و قد يستدلّ للقول المختار بأنه لو كان الأمر مجازا في الوجوب المشروط لكان جميع الأوامر الواردة في الشريعة مجازات لوضوح كونها مقيدة بشرائط عديدة منها البلوغ و العقل و فيه (أوّلا) أنه منقوض بالعمومات المخصّصة الواردة في الشريعة بل بجميع العمومات إذ ما من عام إلاّ و قد خصّ فالإشكال الإشكال و الجواب الجواب (و ثانيا) بأنّه يندفع ذلك بما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) من أن الاشتراط في الوجوب المشروط منحل إلى حكمين مطلقين ثبوتي في حق الواجدين للشرط و سلبي في حق الفاقدين له فإن قضية ذلك توجّه الخطابات الشرعية و تعلّقها إلى الواجدين لشرائط التكليف كلّ بحسبه فيكون أوامر الشرعية كلّها مطلقة و بذلك يندفع أيضا توهّم استلزام المجاز بلا حقيقة فتدبّر

البحث الثّالث [الكلام في أن الأمر عند الإطلاق ظاهر في الوجوب المطلق‏]

بعد ما عرفت من أن الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب المطلق و المشروط و هو مطلق الوجوب (فاعلم) أنه لا خلاف ظاهرا في ظهور الأمر عند الإطلاق و عدم التقييد في الوجوب المطلق في الجملة و الإشكال فيه أيضا إنما الإشكال أو الخلاف في أنه هل هو من باب الانصراف بأن يكون مستندا إلى غلبة الاستعمال أو الكمال أو غير ذلك من القرائن العامة أو هو من باب العمل بالإطلاق في مقام البيان بقاعدة الحكمة و قد سبق نظير هذا الخلاف في ظهور الأمر في الوجوب و سبق ما هو التحقيق و أنّه لا سبب للانصراف في المقام فتعيّن أن يكون من باب الإطلاق و حينئذ فهل يحمل عليه عند الإطلاق مطلقا أو يختصّ ذلك بغير صورة العلم الإجمالي وجهان بل قولان و تحقيق الحال في المقال يستدعي بيان صور الدّوران بين الإطلاق و التقييد (فنقول) إذا ثبت وجوب شي‏ء بدليل لفظي مطلق فإمّا أن لا يعلم إجمالا بتقييد وجوبه أو وجوده لشي‏ء أو يعلم فعلى الأوّل إمّا أن يكون متعلّق الخطاب مجملا أو يكون مبينا و على الثّاني إمّا أن يعلم تقييد أحد الأمرين من الطّلب أو المطلوب معينا و يشكّ في تقييد الآخر أيضا أو لا بل يعلم إجمالا أن هنا قيدا إمّا للطّلب أو للمطلوب و على الأول فالمشكوك إمّا تقييد الطّلب أو تقييد المطلوب فصور الشكّ حينئذ خمس صورتان منها لغير فرض العلم الإجمالي (إحداهما) أن يشكّ في تقييد الطلب و المطلوب مع إجمال الخطاب (و الثّانية) أن يشك كذلك مع عدم إجمال المتعلّق و صور العلم ثلاث (الأولى) أن يشكّ بعد ثبوت القيد أنّه هل هو قيد للطّلب أو هو قيد للمطلوب (الثانية) أن يشكّ في تقييد الطّلب بما علم تقييد المطلوب به (الثّالثة) عكس الصّورة (أمّا الصّورة الأولى) فحكمها البناء على إطلاق الوجوب عملا بإطلاق الطّلب و أمّا الإتيان بالشرط و عدمه فهو مبني على الخلاف في الشكّ في الأجزاء و الشرائط من البراءة و الاحتياط كلّ على مذهبه هذا إذا تمكن من الشرط و إن لم يتمكن منه من أوّل الأمر فالمرجع فيها إلى البراءة الأصلية لأنّ مرجع الشكّ حينئذ إلى الشكّ في التكليف إذ لا يجدي إطلاق الطّلب في دفع الإجمال عن المطلوب ضرورة عدم المنافاة بين إطلاق الطّلب و تقييد المطلوب فاحتمال تقييد المطلوب قائم و مع قيام احتمال تقييده و تعذّر المقيد المحتمل يرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف فعلا و المحكم فيه هي أصالة البراءة و في حكم التعذّر الابتدائي التعذّر الطّارئ نعم لو قلنا باعتبار الاستصحاب مع الشكّ في المقتضي بتبدّل الموضوع وجب الإتيان بأصل الفعل من دون الشرط و أمّا وجوب الإتيان به بقاعدة الميسور فهو مبني على جريانها في نحو المقام من الأحكام الظّاهرية و فيه وجوه ثالثها التفصيل بين الأحكام الظّاهرية الشرعية الثابتة بالاستصحاب و نحوه من الأصول الشرعية و بين الأحكام العقلية الثابتة بالاحتياط (وجه الأوّل) و هو الجريان مطلقا عموم مدرك القاعدة فإنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه يشمل الواجبات الواقعية الثابتة بالأدلّة الاجتهادية و الواجبات الظّاهرية الثابتة بالأدلّة الفقاهيّة من نحو الاستصحاب و الاحتياط و كذا قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إن أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و إن كان في شموله للعقلية تأمّل واضح لكن ما عداه كاف في إجراء القاعدة إذا طرأ العجز عمّا ثبت وجوبه بالاستصحاب و الاحتياط (و وجه الثّاني) دعوى انصراف المدرك إلى الواجبات الواقعية فلا يجري في الواجبات الظّاهرية مطلقا (و وجه التفصيل) واضح خصوصا إذا كان مدرك القاعدة قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم حسب ما عرفت (أمّا الصّورة الثّانية) فلا إشكال فيها في البناء على الإطلاق في كلّ من الطّلب و المطلوب بل و لا خلاف فيه ظاهرا لكن في المعالم و رسالة المحقق الخوانساري نسبة الخلاف إلى علم الهدى فلم يحمل الخطاب على الواجب المطلق في غير السّبب بل يتوقف و إطلاق النّسبة قاض بتوقفه (قدّس سرّه) في هذه الصّورة أيضا أي الّتي لا علم فيها بثبوت و استبعده غير واحد من الأفاضل إذ لا وجه للتوقف و عدم الحمل على الإطلاق حينئذ سوى دعوى الاشتراك الباطل فحملوا كلامه على بعض صور العلم بثبوت القيد في الجملة تصحيحا للكلام و صونا له عمّا يبادر إلى فساده الأوهام (و أمّا الصّورة الثّالثة) ففي الحكم بالإجمال فيها أو البناء على إطلاق الهيئة خلاف فذهب بعض المحققين إلى الأول نظرا إلى العلم الإجمالي بتقييد الهيئة أو المادة فيتساقطان كما هو

311

الشّأن في الأصول المتعارضة و قال شيخنا العلاّمة طاب ثراه أو مال إلى جواز الأخذ بإطلاق الهيئة فيحمل إطلاق الطّلب إلى الوجوب المطلق و يرفع احتمال تقييد المطلوب و اشتراطه بالأصل أو يبني على الاحتياط على الخلاف و يمكن أن يستدلّ له بوجوه (أحدها) أنّ الأمر دائر بين تقييدين و بين تقييد واحد لأن شرط الطّلب شرط للمطلوب أي لصحّته أيضا ضرورة أنّ الفعل لو أوتي به قبل حصول شرائط الأمر به لم يكن مأمورا به حتى يتصف بالصّحة بمعنى موافقة الأمر إذ لا طلب فلا مطلوب و هذا معنى توقف حصول المأمور به أعني وجوده المعتبر في نظر الآمر على تحقق شرائط الأمر به فتقييد الهيئة تقييد للمادّة أيضا و لا عكس فيكون تقييد المادة أولى اقتصارا فيما خالف الأصل على الأقلّ كما هو المقرّر في باب تعارض الأحوال من لزوم ترجيح ما هو أقلّ مخالفة للظاهر على ما هو أكثر مخالفة له و ردّ بأنّ ارتكاب مخالفة ظاهر واحد على مخالفة ظاهرين إنّما يكون أولى إذا كان في عرض واحد فلو تولد مخالفة أحدهما من مخالفة الآخر فلا ترجيح فإنّه في الحقيقة راجع إلى الدّوران بين مخالفة الظاهرين لا بين مخالفة الظاهر و مخالفة ظاهرين و السّر فيه أن المدار على الترجيح عند تعارض الأحوال على القوة و الضّعف في الظّهور العرفي و في مثل المقام فهما متساويان لعدم الظّهور العرفي و فيه أن تقييد المطلوب و إن كان مترتبا على تقييد الطّلب إلا أنّه مستلزم لرفع اليد عن إطلاق المطلوب لا محال له فاختيار تقييد الهيئة مستلزم لرفع اليد عن إطلاقين و لا كذا تقييد المادة فإنّه ليس فيه إلا رفع اليد عن إطلاق واحد و هو إطلاق المطلوب فقط و هذا واضح (ثانيها) أن المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي فإن تقييد المادة ثابت لا محالة حسبما عرفت و حيث انحل العلم الإجمالي هنا إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي فلا مانع من العمل بالإطلاق في المشكوك إذ قد حققنا في غير موضع أن العلم الإجمالي لو لم يوجب تعارض الأصول و تساقطها لا يفيد شيئا أبدا فإذا سقط الأصل من أحد الجانبين بزوال الشكّ عنه أو بخروجه عن الابتلاء أو نحو ذلك بقي الأصل الجاري في الجانب الآخر سليما عن المعارض و هي هنا أصالة الإطلاق في طرف الهيئة فتعين بناء العمل عليها هذا و لكن الّذي يقتضيه التحقيق و يساعده النظر الدقيق أن مبنى الوجهين المذكورين و هو أن تقييد الطّلب مستلزم لتقييد المطلوب واضح الفساد بل بديهي البطلان أمّا لفظا فلا سترة عليه و أمّا لبّا فلأن تقييد الطّلب لا يوجب تقييد ذات المطلوب في حدّ نفسه بحيث يكون مقيدا على حد ما إذا ورد التقييد عليه ابتداء قبل الطّلب و إلاّ لزم المحالات الثلاث (أحدها) تقدّم الشي‏ء على النفس و هو الدّور (ثانيها) تقدم المعلول على العلة (ثالثها) التناقض (أمّا) تقدّم الشي‏ء على النفس فلأنّ الهيئة عارضة على المادة و المعروض مقدم في الرتبة على العارض فلو اعتبر العارض أو شرطه المتقدم عليه طبعا في نفس المعروض قيدا لزم تقدّم وجود العارض على نفسه و هو محال (و أمّا) تقدّم المعلول على العلّة فلأن الشرط مقدّم على المشروط كتقدّم العلّة على المعلول فلو اعتبر شرط الطّلب قيدا للمطلوب الّذي هو مقدم عن الطلب في الوجود لزم تقدّم المعلول على العلّة (و أمّا) التناقض فلأنّ مقدّمة المطلوب واجبة و مقدّمة الطلب غير واجبة فلو كان مقدّمة الطلب مقدّمة للمطلوب لزم وجوبها و عدم وجوبها و هذا هو التناقض نعم يتوقف وصف وجوب الواجب و المطلوب على شرط الطلب فلو وجد قبله لم يكن صحيحا لكونه تشريعا غير مأمور به و هذا ليس تقييدا للمطلوب حتّى يقال إن تقييد الطلب يستلزم تقييد المطلوب فالأمر دائر بين الأقلّ و الأكثر إلى آخر الدّليل فالمغالطة و الخبط إنّما نشأ من عدم الفرق بين شروط الصّحة و شروط الوجود و حسبان أن كلّ ما هو شرط لصحّة الواجب فهو قيد له و التحقيق ما عرفت من أن شروط الصّحة مختلفة فإن كان من قيود الواجب و معتبرا في تعلّق الطلب و الوجوب فهو تقييد لإطلاقه و أمّا ما لم يكن كذلك بل كان شرطا للطّلب خاصة و كان عدم الصّحة مستندا إلى عدم الأمر لا عدم شرط المأمور به فليس فيه تقييد للواجب أصلا فافهم و تدبّر (و ثالثها) أن أصالة الإطلاق في طرف الهيئة سليمة عن المعارض فإنّ المادة بالنسبة إلى القيد المشكوك اعتباره في الهيئة دائر أمرها بين التقييد و الإهمال ضرورة أن‏

القيد لو كان واردا على الهيئة لم يكن المادة بالنسبة إليه مطلقة و لا مقيدة و حيث يحتمل الإهمال في طرف المادة لم يصلح إطلاقه معارضا لإطلاق الهيئة (توضيح ذلك) أن الطلب إن كان صادرا بعد فرض وجود شي‏ء كان مقيدا و مشروطا و إن صدر بدون الفرض المذكور كان مطلقا و هذا معنى الإطلاق و التقييد في الطّلب فالدّال على الطّلب أمره دائر بين الإطلاق بالنّسبة إلى الشرط أو الاشتراط به و من المقرر أنّه متى دار اللّفظ بين الإطلاق و الاشتراط وجب حمله على الإطلاق فشرط التمسّك بإطلاق الطّلب موجود لانحصار الأمر في الواقع بين الأمرين أعني صدوره بعد فرض وجود المشكوك شرطية أو قبله و أمّا المطلوب و المادّة فليس كذلك لدوران أمره هنا

312

بين الإهمال و التقييد لأنّ القيد المشكوك إن كان معتبرا في المطلوب فهو بالقياس إليه مقيد و إن كان شرطا للطّلب فالمطلوب بالقياس إليه لا مطلق و لا مقيد بل ساكت و مهمل إذ المفروض صدور الطّلب بعد فرض وجوده و بعد الفرض المذكور لا حاجة إلى تقييد المطلوب به لكونه من قبيل تحصيل الحاصل و لا معنى لتقييده به أيضا لأنّ التقييد عبارة عن تخصيص ما له قابلية العموم و الإطلاق فإذا فرض صدور الطّلب بعد فرض وجود ذلك الشرط فليس هناك شي‏ء قابل لإلزام المكلّف به بتقييد المطلوب و تخصيصه بذكر القيد و هذا هو المراد بالإهمال (فإن قلت) لم لا يجوز تقييد المطلوب على تقدير صدور الطّلب بعد فرض وجود القيد فإنّ وجوده لا يغني عن تقييد المطلوب به (قلت) إن أردت تقييده بحصوله في الخارج فهو حاصل حسبما بيناه و إن أردت تقييده بتحصيله فهو مستلزم للمحال بالوجوه المتقدّمة إذ بعد فرض اعتبار حصوله في تحقّق الوجوب يستحيل اعتبار تحصيله في الواجب للدّور و التناقض و لزوم تقدّم المعلول على العلّة كما عرفت فظهر أنّ المطلوب مردّد بين التقييد و الإهمال و الطّلب دائر بين التقييد و الإطلاق لأن تقييد الطّلب لا معنى له سوى صدوره بعد فرض وجود الشرط المشكوك و إطلاقه عبارة عن صدوره من غير فرض وجوده و هذا هو الفارق بين مفاد الهيئة و مفاد المادة فإطلاق الطلب يجب الأخذ به لعدم العلم بالقيد و إطلاق المطلوب لا يجب الأخذ به نظرا إلى احتمال صدور الخطاب بعد فرض وجوده و عدم كونه مطلقا في هذا الفرض و لا مقيدا فالمقتضي للأخذ في جانب الطّلب موجود من غير معارض لأنّ المعارض ليس لزوم تقييد مطلق آخر و هو غير لازم بخلاف المطلوب فإن المقتضي للأخذ في طرفه غير محرّر فتدبر جيّدا فإن البحث يحتاج إلى كمال الدّقة و التأمّل (و رابعها) أنا إن سلّمنا إطلاق المطلوب بالنّسبة إلى الشرط المشكوك فندعي أنّ إطلاق الطّلب أرجح و بناء العمل عليه متعيّن لأنه إطلاق أحوالي و إطلاق المطلوب أفرادي بدلي و قد تقرر في محلّه أنّه متى دار الأمر بين عمومين أو إطلاقين أحدهما أحوالي استغراقي و الآخر بدلي أفراديّ كان الأحوالي أولى إذ الأصول اللفظية ليست كالأصول العملية الّتي انسدّت فيها باب التراجيح بل بناء الأصحاب فيها على التعاضد و التراجيح لأنّ اعتبارها إنّما هو من الظّهور العرفي فيلاحظ فيها جهة القوة و الضّعف كما لا يخفى (و خامسها) أنا لو أغمضنا عن ذلك كلّه فنقول إنّ العلم الإجمالي إذا يتولد منه المخالفة العلمية لم يمنع من العمل بالأصلين و هنا لو عملنا بإطلاق الهيئة و المادة معا لم يلزم مخالفة عملية إذ مقتضاهما إتيان العمل بدون الشرط المشكوك و عنده لا قطع بالمخالفة و فيه غموض و إشكال إذ لو بني على الإطلاق في الموضعين و أوتي بالفعل بدون القيد لا يكون صحيحا قطعا لأن المفروض أنّه شرط للصحّة إمّا لذاته أو بسبب تقييد الطلب به لما عرفت من سريان تقييد الطّلب إلى المطلوب و يدفعه أن مجرّد الفساد ليس مخالفة عملية لاحتمال كون الفساد من عدم الأمر و الوجوب ففساده مردّد بين أن يكون لعدم الأمر أو لعدم الشرط و في مثله لا قطع بالمعصية و المخالفة العملية فتأمل هذا كلّه إذا كان ما يشكّ في كونه قيدا للطّلب أو المطلوب حدوثه و إن كان الشكّ في كون حدوث شي‏ء شرطا للوجوب أو بقائه شرطا للواجب لزم الإجمال للعلم الإجمالي بتقييد أحدهما فيتعارضان و يتساقطان و مثله ما لو شكّ في اشتراط الطّلب بشي‏ء و اشتراط المطلوب بشي‏ء آخر فإن الحكم أيضا الإجمال للعلم الإجمالي و قد يقال إن الوجهين الأخيرين من الوجوه الخمسة الماضية آنفا و هما البناء على إطلاق الهيئة ترجيحا له على إطلاق المادة و جواز العمل بالأصلين لكان عدم المخالفة العملية في إتيان الفعل بدون القيدين يتمشّيان هنا أيضا و هو غير بعيد و إن كان الاعتماد عليهما في البناء على إطلاق الوجوب لا يخلو عن دقة فتدبّر هذا كلّه بالنّسبة إلى ما يقتضيه الأصول اللّفظية و أمّا حكم المسألة باعتبار الأصول العملية فيمكن استخراجه بل ذكرناه في الصّورة الأولى و ليس هنا محلّ تفصيله و أمّا الصّورتان الأخيرتان المتعاكستان فحكمهما الاقتصار على تقييد ما علم ورود القيد عليه طلبا أو مطلوبا و البناء على الإطلاق في الجانب الآخر الّذي لم يعلم تقييده و هذا واضح (تذنيب اعلم) أن هنا إشكالين معروفين (أحدهما) أنه ما معنى تقييد الطّلب المستفاد من الأمر و كيف يعقل اشتراطه مع أن الإنشاء غير قابل للاشتراط و التعليق ضرورة أن الإنشاء هو إيجاد

الشي‏ء و هو لا يجامع التعليق الّذي مقتضاه عدم حصول المعلّق قبل وجود المعلّق عليه و إن هو إلا تناقض واضح و يسري هذا الإشكال إلى جميع أبواب العقود و الإيقاعات و عليه بني اشتراط التنجّز فيها مع عدم دليل عليه سوى الإجماع حتى قال بعض إن اشتراط التنجز فيها موافق للقاعدة و لا يحتاج إلى الدّليل لأنّ العقد و الإيقاع من الإنشاء لفظا و معنى و التعليق غير معقول في الإنشاء (و ثانيهما) أنّ الإطلاق و التقييد من صفات الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني الكلّية و الماهيات المطلقة القابلة للتقييد و التنويع كأسماء الأجناس فكيف‏

313

يتصور في الطّلب المستفاد من الهيئة الّتي حالها حال الحروف و المبهمات في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و المستعمل فيه و كيف يعقل تنويع مفاد ما هو دائم الاستعمال في الجزئيات الحقيقية الشخصيّة من الطّلب فما التوفيق بين تقسيم مدلول الهيئة إلى الطّلب المطلق و المقيد الشائع المتعارف و بين كون الموضوع له و المستعمل فيه جزئيا حقيقيا هذا و يندفع الإشكال (الأوّل) بأن مرجع التقييد في الطّلب إلى توقف المصلحة الكامنة في الفعل الدّاعية إلى الطّلب على وجود الشرط المعلّق عليه فمعنى قوله إن جاءك زيد فأكرمه أن الغرض الباعث على الأمر إنّما يتحقق في الإكرام بعد مجيئه لا قبله لا إلى تقييد نفس الطّلب أو المطلوب (توضيح ذلك) أن المصلحة القائمة في المأمور به الباعثة على الأمر به لا يخلو إمّا أن تكون قائمة به مطلقا من غير اختصاصها بوقت أو حال أو تكون قائمة به في وقت دون وقت أو حال دون حال فيصير الطّلب بالاعتبارين المذكورين على ضربين و قد جرى الاصطلاح على تسمية الضّرب الأوّل بالوجوب المطلق و الضّرب الثّاني بالوجوب المشروط بمناسبة إطلاق المصلحة و عدم اختصاصها بحال دون حال في الأوّل و تقييدها على الوجه المذكور في الثاني و في كلّ من الضّربين لا تعليق في الطّلب فإنه صادر منجّزا في الصّورتين و إنّما التعليق في المصلحة الّتي هي صفة الفعل فإنّها على الأوّل مطلقة و على الثّاني مشروطة فالإطلاق و الاشتراط راجعان إلى المادة أي إلى مصلحتها المقتضية للأمر فلفظ الأمر صادر منجزا و معناه و هي الإرادة موجودة فعلا في الصّورتين إلا أن المراد في الصّورة الأولى و هو مطلق الفعل و في الثانية هو الفعل على تقدير المجي‏ء مثلا فالاشتراط و التعليق راجعان إلى المطلوب بالمعنى المذكور أي مطلوبيّة الفعل على تقدير المجي‏ء مثلا لا بمعنى كونه مقيدا به حتى يجب تحصيله من باب المقدّمة كما هو كذلك إذا كان القيد قيدا للمطلوب دون الطّلب نعم الإشكال المذكور غير منحسم على مذهب الأشاعرة القائلين بمغايرة الطّلب للإرادة و أن مدلول الأمر إنشاء نفسانيّ يسمّونه بالطّلب غير صفتي العلم و الإرادة و لذا التجئوا إلى التقدير في نحو المثال المذكور فقالوا إنّ الجزاء مقدّر و هو يقال في حقه أكرمه فيكون في معنى الإخبار بصدور الطلب بعد المجي‏ء و نعم ما قيل في رده أنّه لو كان معنى قوله إن جاءك زيد فأكرمه أنه إذا جاء زيد يقال لك أكرمه كان على المأمور الانتظار و النّظر بعد المجي‏ء هل يقول المولى أكرمه بعده أو لا و لا يجب عليه الامتثال بمجرّد السّماع للقول المذكور فإنّه إنّما وعد صدور الأمر بعده فلا أمر قبله حتى يجب امتثاله (و الحاصل) أنّ الشي‏ء الموجود غير قابل للتعليق و الاشتراط و التقييد فاللّفظ و الإرادة و العلم بالمصلحة و كذا الإنشاء النفساني و غيرها من الصّفات النفسانية لا يفيد الاشتراط بل الاشتراط راجع إلى الغرض الدّاعي إلى الأمر و المصلحة الباعثة عليه فإنّه قد يكون معلّقا على حصول أمر غير حاصل و قد يكون غير معلّق بشي‏ء موجود في المأمور به حال الأمر بل قبل صدوره و قد جرى الاصطلاح على تسمية اللفظ الكاشف عن الأوّل بالمشروط و عن الثّاني بالمطلق و قد يستراح عن الإشكال بإرجاع التعليق إلى تنويع المخاطبين المأمورين بنوعي الواجدين للشرط و الفاقدين له فمعنى أكرموا زيدا إن جاءكم أكرموا أيها الواجدون للشرط المذكور و لا يجب عليكم الإكرام أيها الفاقدون كما جرى عليه المحقق القمّي (رحمه الله) في الخطابات العامة الشّرعية و أنت خبير بأنه لو تم فلا يأتي في الخطاب المتوجّه إلى شخص خاص كما لو أمر المولى عبده بخطاب مشروط فقال أكرم زيدا إن جاءك اللّهمّ إلا أن يجعل الاشتراط قرينة على تنزيله المخاطب منزلة الواجد فيكون الخطاب أيضا مطلقا و يكون الاشتراط قرينة على التنزيل المذكور و هو كما ترى فافهم (و أمّا الإشكال الثّاني) فيندفع بأن المستعمل فيه و الموضوع له و إن كان جزئيا حقيقيا من جميع الجهات حتى النفسية و الغيرية و الأصلية و التبعية و التعبدية و التوصلية أيضا إلاّ أن المراد من الإطلاق هنا هو الإطلاق الذكري أعني كون اللّفظ عاريا و مجرّدا عن قرينة التقييد فورود الطّلب مطلقا أي مجرّدا عمّا يوجب التقييد بشي‏ء في مقام البيان قرينة على نفي احتمال التقييد بشي‏ء من التقييدات و لذا قلنا إن الأصل في الوجوب هو الوجوب المطلق النّفسي العيني التعييني لأنّ انفهام شي‏ء من أضدادها من لفظ الأمر محتاج إلى ذكر القيد فإذا لم يذكر كشف ذلك عن الإطلاق و هو لا ينافي كون المستعمل فيه جزئيا حقيقيا لأن الطلب المطلق‏

أيضا جزئي و ليس بكلّي فالإطلاق هنا كالإطلاق في أسماء الأجناس إلا أن ذكر القيد هنا قرينة معينة للمبهم و هناك ليس قرينة على شي‏ء على مختارنا لا معينة و لا صارفة بل تدلّ على الخصوصيّة الزائدة عمّا استفيد من لفظ المطلق من الماهيّة المهملة نعم على القول بأنّ الإطلاق جزء للموضوع له يكون ذكر القيد في أسماء الأجناس قرينة صارفة كما نصّ عليه في القوانين في باب المطلق و المقيّد بناء على كون الإطلاق وضعيّا (و الحاصل) أنا نقول إنّه لا بدّ أن يكون المستعمل فيه هنا فردا خاصّا من الطّلب و لا يجوز أن يكون هو الطّلب الكلّي الصّادق على المطلق و المقيد كما في أسماء الأجناس و لكن يحمل على المطلق لأنّه أيضا فرد منه و جزئي من جزئياته و هذا

314

بخلاف أسماء الأجناس فإنه إذا لم يكن هناك قيد لم يكشف عن كون المستعمل فيه فردا من الماهية بل يبقى على إهماله و كلّيته و إن علم أنّ المراد عموم الحكم من باب تعدّد الدّال و المدلول فافهم و قد سبق منا مزيد بيان و توضيح مرام للمقام في بعض تنبيهات مبحث الصّيغة و قد يجاب عن هذا الإشكال بما أجبنا به عن الإشكال الأوّل من رجوع القيد إلى المادة و كأنّه يقول به شيخ مشايخنا الأعظم العلاّمة الأنصاري طاب ثراه و أن معنى قوله أكرم زيدا إن جاءك أريد منك الإكرام بعد المجي‏ء فيكون أصل الإكرام مقيدا لا الوجوب المتعلّق به حتى يرد أن التقييد لا يناسب المبهمات و فيه أن معناه سبق مطلوبية الإكرام بعد المجي‏ء كيف و مقتضاه وجوب تحصيل المجي‏ء و هو خلف إذ المفروض أنه شرط للطّلب و الوجوب فكيف يكون قيدا للمطلوب على وجه يجب تحصيله بل معناه مطلوبية الإكرام على تقدير المجي‏ء و الإكرام على تقدير المجي‏ء ليس تقييدا للإكرام في شي‏ء بل هو قيد الطّلب خاصة كما أوضحناه مرارا فيما سبق و لا يتوهم أنّ هذا يرد علينا أيضا في دفع الإشكال الأوّل حيث بني دفعه على إرجاع القيد إلى المطلوب دون الطّلب لأن مآل رجوعه إلى المطلوب رجوعه إلى المصلحة الموجودة فيه الباعثة للطّلب و أين هذا من تقييد نفس الفعل المأمور به إذ لا مانع من القول باشتراط مصلحته بشرط كذا و هذا هو المراد من اشتراط الطّلب أو اشتراط المطلوب فإن المعنى واحد و العبارات مختلفة فانحسام الإشكال الأوّل إنّما هو بإرجاع التعلّق و الاشتراط إلى المصلحة الباعثة على الطلب دون الطّلب و دون المطلوب فافهم و اغتنم‏

البحث الرابع [الكلام في عدم وجوب مقدمة وجوب الواجب المشروط]

أنه لا إشكال و لا خلاف في عدم وجوب مقدّمة وجوب الواجب المشروط كما لا إشكال في وجوب مقدّمة وجوده بالوجوب التعليقي على حدّ وجوب نفس الواجب قبل وجود شرطه حسبما عرفت مفصّلا فيما سبق و أمّا وجوبها المنجز على حدّ وجوبها بعد تحقق الشرط فظاهرهم في الأصول الاتفاق على عدمه حيث قيدوا الواجب المتنازع في وجوب مقدّماته بالمطلق احترازا عن المشروط و من لم يقيد به اعتذر بأنه لا حاجة إلى هذا القيد لأنّ الواجب حقيقة في الواجب المطلق و مجاز في المشروط كما في القوانين و غيره و لم يقل أحد بأن ذكر هذا القيد يوجب انتقاض عكس العنوان فلو كان في عدم وجوبها كلام و لو لبعضهم لذكر هناك و لم تر من تأمّل في ذلك أو يقول بعموم البحث لمقدّمات الواجب المشروط بل ذكروا هذا القيد في العنوان ذكر البديهيات المسلّمات و هو كذلك لأنّ وجوب المقدّمة وجوب معلولي مسبّب عن وجوب ذيها فكيف يعقل اتصافها بالوجوب الفعلي التنجيزي قبل اتصافه به و هل هو إلا تقدّم المعلول على العلّة لكن الأصحاب صرّحوا في الفقه في موارد عديدة بما لا يتم إلا على القول بوجوب مقدّمة الواجب المشروط قبل تحقق الشرط (منها) وجوب الغسل قبل طلوع فجر يوم الصّوم على الجنب مقدّمة للصّوم المشروط صحّته به مع أنّ وجوبه مشروط بالطّلوع على حدّ اشتراط سائر الواجبات الموقتة الّتي لا خلاف في كونها واجبات مشروطة بأوقاتها (و منها) حرمة النومة الثانية على من لا يعلم أنّه يستيقظ قبل الفجر مقدار فعل الغسل صرّح بها الشهيدان في المسالك و محكي الذكرى فإن الغسل الواجب وقته على ما قالوا هو الجزء الأخير من اللّيل المتّصل بالفجر فهو بالقياس إليه داخل في الواجبات الموقتة فلا وجه لحرمة النوم المفوت للغسل عليه قبل مجي‏ء زمان الغسل و لا دافع له إلا دعوى وجوب مقدّمة الواجب الموقت قبل الوقت على حدّ وجوبها بعده (و منها) وجوب المسير إلى مكة قبل مجي‏ء وقت الحجّ (و منها) وجوب المسير إلى بلد إقامة الجمعة قبل الزوال بالنّسبة إلى من كان فيما دون من فرسخين عنها و دعوى أن هذه الموارد خارجة عن محلّ النزاع إذ لا شبهة في وجوب مقدّمات الواجب المضيق الّذي لا يسع وقته لفعل المقدّمات قبل الوقت لأن صريح العقل قاض بأنّ المولى إذا أمر بفعل معين في تمام وقت معين على نحو الاستيعاب من غير زيادة كالصّوم مثلا من أوّل الفجر إلى اللّيل و كان له مقدّمات عقلية كالمسير إلى الحجّ أو شرعية كالغسل للصّوم فقد أوجب مقدّماته قبل الوقت و إلاّ لزم التكليف بالمحال فالمضيق الّذي لا يسع وقته فعل المقدّمات بالذات كالصّوم و الحجّ على النائي عن مكة أو بالعرض كما لو اتفق انحصار المقدّمة فيما قبل الوقت في الموسّع ليس في محلّ النزاع هنا في شي‏ء و أن البحث في مقدّمات الموسّع الّذي يتحمل الوقت له و لمقدّماته مدفوعة بأنّ هذه شبهة عرفت لبعض أفاضل المتأخرين على ما عزي إليه دعته إلى القول بالتفصيل في وجوب مقدّمة الواجب المشروط بين المضيق الذاتي و العرضي و غيره بالإثبات في الأوّل و النفي في الثّاني و تندفع بأن عدم تحمل وقت الواجب لفعل المقدّمات إنّما يكون دليلا عقليّا على وجوب مقدّماته قبل الوقت إذا كان المكلّف شخصا واحدا أو أشخاصا فاقدين للمقدّمة أمّا إذا كان المكلّفون مختلفين في وجدان المقدمة و فقدانها رجع الأمر بذلك المضيق بعد ملاحظة ضيقه و اشتراط صحته بما لا يسعه وقته إلى التنويع و الاشتراط من أصل التكليف و المكلّف فيكون المحصّل بعد ملاحظة وجوب الصّوم من الفجر إلى اللّيل مثلا و اشتراط صحته بالغسل‏

315

وجوبه على من أصبح طاهرا و عدم وجوبه على من كان مجنبا قبل الفجر لأنّ حكم العقل بعدم وجوب مقدّمة الواجب المشروط قبل الشرط و عدم مزية الفرع على الأصل حاكم و مخصّص لعموم خطاب الصّوم نعم لو قلنا بوجوب مقدّمة المشروط كوجوب مقدمة المطلق وجب الأخذ بعموم الخطاب و البناء على وجوب الغسل قبل الفجر من باب المقدّمة و هل البحث إلاّ في ذلك و الحاصل أنّ عدم وجوب مقدّمة المشروط إن كان مسلّما كان حاكما على عموم الدليل و إن لم يكن مسلّما لم يكن إشكال (فإن قلت) إن الإجماع قائم على عموم الخطاب فيكون مثل الخطاب المتوجه إلى الفاقد الّذي اعترفت فيه بوجوب المقدّمة عقلا (قلت) نعم لكن الوجوب المستفاد من العقل حينئذ وجوب نفسي لا الغيري و المفروض حكمهم بوجوب الغسل و طيّ المسافة مقدّمة لا نفسيّا (و منها) عقاب الجاهل المقصر فإنّه مبني على ذلك لأنّه جاهل يمتنع توجه الخطاب إليه حين الغفلة و الجهل فلو لا وجوب تعلّم المسائل من باب المقدّمة قبل زمان التكليف لما صحّ تكليفه و لا عقابه على ترك الواجبات و فعل المحرمات (و منها) تكليف الكفار بالقضاء و عقابهم عليها مع أنه يعتبر في صحتها الإسلام و المفروض أنّه لو أسلم لسقط عنه القضاء بقاعدة الجب فإنّه لا يستقيم ذلك إلاّ على وجوب الإسلام قبل مضي الوقت مقدّمة للقضاء المأمور بها إذ لولاه لما صحّ عقابهم عليها لكونه تكليفا بما لا يطاق بخلاف ما لو قيل بوجوب مقدّمة الواجب قبل شرط الوجوب فإنّه بسوء اختياره و عدم إقدامه على تحصيل المقدّمة يستحق المؤاخذة و العقاب على ترك القضاء و إن كان غير مقدور له فإن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا كما قالوا و خطابا على مذهب بعض (و منها) مؤاخذة من توسّط في أرض مغصوبة دخولا و بقاء و خروجا لكونها جميعا من أفراد الغصب المحرّم مع أن الغصب في حال الخروج مأمور به فضلا عن أن يكون منهيّا عنه فلو لا وجوب المقدّمة قبل الابتلاء بتكليف ذي المقدّمة لم يصحّ عقابه على الغصب في حال الخروج لكونه تكليفا بما لا يطاق (و منها) تكليف المرتد الفطري بالعبادات مع اشتراطها بالإسلام الغير المقبول منه فكيف تكليفه بها و استحقاق العقاب عليها إلا أن تقول بوجوب المقدّمة قبل الوقت و أن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار لصيرورته بالارتداد مقصّرا في حقّ العبادات الّتي تجب بعد دخول أوقاتها بخلاف ما لو لم نقل به فإنّه و إن كان معاقبا بسبب الارتداد في نفسه لكنه لم يصدر منه تقصير بالنسبة إلى الواجبات الّتي تجب في أوقاتها حتى يجوز عقابه عليها (و منها) ما صرّحوا به من وجوب تعلّم مسائل التجارة لمن يريدها قبل الاستعمال و الابتلاء بها (و منها) وجوب تعلم أحكام الشكّ و السّهو مطلقا أو خصوص موارد الابتلاء الغالبي (و منها) وجوب معرفة أحكام صلاة المسافر لمن أراد المسافرة و غير ذلك ممّا صرّحوا به كلاّ أو جلاّ من الموارد الّتي مرجعها بعد التأمّل إلى إيجاب مقدّمة المشروط إمّا بالوقت أو بالاستيلاء أو بغيرها ممّا لا يخفى على البصير المتدرّب (و الحاصل) أنّ الإشكال بيّن الورود عليهم فإنّهم أطبقوا على عدم وجوب مقدمات الواجب المشروط الوجودية قبل الشرط كما يفصح عن ذلك عنوان المسألة بالواجب المطلق احترازا عن المشروط مع أن الموارد المشار إليها نقض عليهم فإنّها لا تتم إلا بالقول بوجوب مقدّمة المشروط أيضا و لأجل ذلك تفصّى جماعة عن الإشكال منهم المحققان السبزواري و الخوانساري و من وافقهما على ما عزي إليهم بمنع اختصاص الوجوب بمقدّمة المطلق و ذهبوا إلى وجوب مقدّمة المشروط أيضا إذا علم أو ظنّ بتحقق الشرط فيما بعد و أنت خبير بأن هذا بظاهره جدير بالإعراض عنه إذ بعد تسليم عدم تحقق وجوب الواجب فعلا كيف يمكن الالتزام بوجوب مقدّمة المعلولي المستند إلى وجوب ذيها اللّهمّ إلاّ أن يريد وجوبها بوجوب آخر غير وجوب الّذي يقتضيه وجوب ذيها أو يريد أشياء أخر من الأشياء الّتي ذكروها جوابا عن الإشكال كما هو غير بعيد و كيف كان فالّذي عثرنا به من الجواب عن موارد النقض وجوه (منها) ما عرفت من منع المبنى و هو عدم وجوب مقدّمة المشروط الوجودية (و منها) ما قيل من أن الوقت ليس في الواجب شرطا للوجوب بل هو ظرف له كالمكان فلا مدخلية للزمان في وجوب الفعل كالمكان فيكون الواجب بالقياس إليه مطلقا يجب تحصيل مقدّماته الوجودية كالواجبات الغير الموقتة بوقته و فيه (أوّلا) ما عرفت مفصّلا بما لا مزيد عليه من أن تقييد الطّلب يرجع في الحقيقة إلى تقييد المصلحة الباعثة عليه الداعية للأمر به بمعنى أن الفعل‏

لا يتصف بالمصلحة الموجبة للمحبوبية إلاّ بعد حصول ذلك القيد فلا محبوبية للفعل قبله بل يتوقف على حصول ذلك القيد سواء كان أمرا غير مقدور للمكلّف أو مقدورا له فلو أمر المولى عبده بفعل في وقت مخصوص كشف ذلك عن عدم وجوب الفعل قبله و أن غرضه الدّاعي على الأمر إنما يحصل في ذلك فكيف يمكن فرض إطلاق الوجوب في الواجبات الموقتة قبل دخول أوقاتها و مجي‏ء زمان مصلحتها الباعثة للأمر بها إذ بعد ما ثبت أن مناط الإطلاق و التقييد في الطّلب هو توقف اتّصاف الفعل بالمصلحة على حصول‏

316

أمر غير حاصل و عدم توقفه عليه لا معنى لإطلاق الطّلب قبل الوقت المحدث للمصلحة في المطلوب و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما ربما قيل أو يقال من دوران إطلاق الوجوب و تقييده في الموقتات مدار ظاهر الخطاب فإن كان الوجوب قيدا للطّلب مثل قوله إن دخل وقت كذا فافعل كذا فهو مشروط و إن كان قيدا للمطلوب كقوله افعل كذا وقت كذا فهو مطلق و بالجملة أن الإطلاق و الاشتراط ليسا عبارتين عن الإطلاق و الاشتراط اللّفظيّين حتى يكون ملاك المغايرة بينهما اختلاف المعنى بحسب القواعد العربيّة بل هما أمران معنويّان متفاوتان في اقتضاء وجوب المقدّمة و عدمه عقلا فلا بدّ أن يكون ما به الافتراق راجعا إلى أمر معنوي لبّي إذ اللّفظ من حيث هو لا يؤثر في الحكم العقلي إلاّ أن يكون الاختلاف اللّفظي كاشفا عن الاختلاف المعنوي و بعد عدم تعقل المفرق المعنوي في الطّلب المستكشف من العبارتين لا وجه لاختلافهما في اقتضاء وجوب المقدّمة (و الحاصل) أن محبوبيّة الفعل و مطلوبيّته الباعثة على صدور الخطاب إن كان حاصلا فعلا في المأمور به من غير توقفها على أمر غير حاصل فهذا واجب مطلق و مقتضاه وجوب البدار إلى الامتثال بارتكاب المقدّمات و لو كانت محتاجة إلى طول زمان و إن كان موقوفا على حدوث أمر غير حاصل و عاريا عن المصلحة فعلا و لغوا صرفا قبل وجوده كان هذا واجبا مشروطا مقيّدا و لو تأخّر بلحظة (و من الواضح) عراء الفعل الموقت عن المصلحة رأسا قبل الوقت بل ربّما يكون تشريعا فيما إذا كان من العبادات و مجرّد إرجاع المتكلم الوقت إلى قيود الفعل في العبارة الكاشفة عن وجوبه و مطلوبيته لا يقتضي قلب ماهيّته و صيرورة ما ليس محبوبا محبوبا فعلا و الحاصل أن مفاد الكلام إن كان هو مطلوبيته و محبوبيته فعلا من غير انتظار شي‏ء غير حاصل فهو واجب مطلق أي غير متوقف وجوبه على شي‏ء حال الخطاب و إن كان هو عدم مطلوبيته فعلا بل بعد تحقق شي‏ء آخر من الحوادث زمانا كان أولا فهو مشروط و هذا هو المناط في إطلاق الوجوب و اشتراطه و أنت بعد الإحاطة بما حققنا تعرف أن إطلاق الطّلب لا ينافي توقف الامتثال على مضي زمان طويل أو قصير عقلا كما أن تقييده و اشتراطه لا ينافى عدم توقف الامتثال على مضي الزمان و وجه ذلك أن مضي الزمان في المطلق مقدّمة للامتثال و في المشروط مقدمة لأصل الوجوب و لو توقف عليه الامتثال أيضا عقلا و عليك بإمعان النظر في المقام و عدم المسارعة إلى النقض و الإبرام فإنه محتاج إلى التأمل التامّ و من ذلك ظهر الفرق بين التقييد بالمكان و التقييد بالزمان فإن التقييد بالمكان لا ينافي مطلوبية الفعل حال الخطاب فعلا و إن توقف على مسير يوم أو شهر مقدّمة لإيجاده في ذلك المكان لأن تنجز الطّلب و تحقق المصلحة الدّاعية إليه لا تستدعي أزيد من وجوب البدار إلى الامتثال بقدر الإمكان بحيث لو فرض بالإعجاز قدرته على إيجاده فورا قبل مسير يوم لكان مطابقا لمراد المولى و محصّلا لغرضه الباعثة على الأمر به و لا كذلك الزمان فإن الفعل قبله بلحظة ليس ذا مصلحة فعلية بل يتوقف اتصافه بها على مجيئه فهو حال الخطاب ليس واجبا بل يتوقف وجوبه على زمانه (و ثانيا) أن هذا خروج عن الطّريقة لأن الالتزام بوجوب مقدّمات الموقتات قبل الأوقات كوجوبها بعدها حرفا بحرف حتى في قصد القربة إذا كانت من العبادات و غير تقييدها بما هو من لوازم الوجوب و ثمرات الفرق بين الواجب و المباح أو المستحب ممّا لا يلتزم به أحد و ناهيك عن ذلك اختلافهم في الوضوء التأهبي المقارن لدخول الوقت بعد اتفاقهم على عدم صحّة غير المقارن إذا لم يقصد به بعض ما يشترط به من الغايات بل قصد خصوص الفريضة المشروطة بها مع ورود النصّ به فلو لا اتفاقهم على عدم وجوب المقدّمة قبل الوقت و أنّه لا يجوز قصد الوجوب بها إذا كانت من العبادات لما اختلفوا في خصوص التأهبي لأجل ورود النصّ بل كان القول بالجواز حينئذ موافقا للقاعدة غير محتاج إلى الدّليل فكيف مع وجوده و كذا اتفاقهم على جواز بذل الزاد و الراحلة للمستطيع قبل أوان خروج الناس إلى مكّة مع عدم التمكن منهما بعده و عدم جوازه وقت الخروج فلو وجب مقدّمة الواجب المشروط قبل الشرط لم يجز للمستطيع الواجد المزاد و الرّاحلة بدلهما أو إنفاقهما مع العلم بعدم التمكن منهما عند خروج الناس قبل وقت الخروج أيضا إذ لا فرق في نظر العقل بين أجزاء الزمان في وجوب المقدمة المنحصرة حيث ما تحكم بوجوبها

و الحاصل أن البناء على وجوب المقدّمة قبل تحقق شرط الوجوب بديهي الفساد متضح البطلان عند من له أدنى خبرة بصناعة الفقه و طريقة الفقهاء (و ثالثا) أنه غير مطّرد في جميع موارد النقض إذ لا يندفع بذلك الإشكال إلاّ في التكاليف الموقتة فلا يجدي في غيره من الواجبات و المحرمات الّتي يعاقب عليها قبل الابتلاء بها كعقاب الجاهل المقصر و من توسط في أرض مغصوبة أو غير ذلك ممّا كان المعلّق عليه أمرا سوى الوقت (و منها) ما أسّسه بعض الأفاضل الأعلام من الواجب المعلّق فإنه لو تم اندفع به الإشكال بإرجاع موارد الإجماع إليه و إنكار غير موارده على من قال به و ما ذكرناه في ردّ الأوّل‏

317

حجة عليه مضافا إلى فساد أصل المبنى و الفرق بينه و بين الأوّل أنه لو تم يأتي في غير الموقتات أيضا (و منها) الالتزام بالوجوب النفسي للمقدّمات في خصوص موارد النقض فإنّه يندفع به الإشكال المذكور من لزوم تقدّم المعلول على العلّة كما صرّح به العلاّمة في المختلف و محكي المنتهى في غسل الجنب ليلة يوم الصوم و المولى البارع المحقق المقدّس الأردبيلي في تعلّم المسائل حيث ذهب إلى أنّ الجاهل المقصّر معاقب على ترك التعلّم بنفسه لا على مخالفة الواجبات و المحرمات و إن كان عقابه مساويا لعقاب العصاة كمّا و كيفا و فيه أنه لم يقل به أحد في غير ذينك الموردين فالإشكال في سائر الموارد بحاله مع أن الالتزام بالوجوب النفسي في الغسل أيضا غير نافع في نفسه ضرورة أن الإشكال في وجوبه الغيري المجمع عليه بين الأصحاب إذ لا ريب في أن وجوب الغسل إنما هو لأجل كون الصوم مشروطا به لا لأجل مطلوبيّته لنفسه و إلاّ فلا يتجه اختصاصه بما قبل الفجر بل كان حقه الوجوب من حين الجنابة و لا إيجاب الكفارة على من تعمّد البقاء على الجنابة و أمّا تعلّم المسائل فوجوبه النفسي و إن كان نافعا في رفع الإشكال إلا أنّه خلاف صريح اتفاقهم على أن الجاهل المقصّر يعاقب على ترك الواجبات و فعل المحرّمات لا على ترك التعلّم من حيث هو (و منها) ما أفاده الأستاذ الأعظم شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) بعد تقسيم شرط الوجوب على قسمين أحدهما ما كان منوعا للمكلّف كالاستطاعة و السّفر و البلوغ و العقل و نحوها من شرائط التكليف و بين ما كان منوعا للمكلّف به حقيقة كالزّمان و المكان أو اعتبارا من الآمر مثل إن جاء المطر فصلّ أو إن جاءك زيد فأكرمه فالمطر و المجي‏ء قيدان للمأمور به بجعل الآمر و اعتباره و إخراج القسم الأوّل عن محلّ النزاع ضرورة عدم التكليف هناك رأسا لا مشروطا و لا مطلقا بخلاف القسم الثاني فإن التكليف هنا متوجه غاية الأمر كونه مشروطا و هو أن الحاكم بوجوب المقدمة على القول به لما كان هو العقل فالمتعين في أمثال المقام و هو الرجوع إليه و لا شبهة في أن من له العقل السّليم و الفهم النقاد المستقيم لو راجع إلى وجدانه بعد التأمل و الإنصاف و لم يسلك سبيل الاعتساف لا يكاد يرتاب في أن العقل قاض بلزوم تحصيل مقدّمات الواجب المشروط قبل حصول شرطه إذا علم بحصول الشرط فيما بعد و عدم قدرته على المقدمة إذ لا يفرق العقل بين أجزاء الزمان بعد العلم بالتكليف في الزمان الآتي لا محالة في وجوب المقدّمة كما يكشف عن ذلك ملاحظة طريقة العقلاء حيث استقر بناؤهم على جواز مؤاخذة من علم بثبوت تكليف عليه في الزمان اللاّحق و لم يتهيّأ له بترتيب مقدّماته مع قدرته عليه قبله حتى طرأ له العجز عن الامتثال في وقته بل على صحّة عقاب ذلك الفعل على المعجوز عنه أ لا ترى أنه لو قال لعبده سافر غدا مثلا فبذل العبد الزاد و الراحلة و غيرهما ممّا يتوقّف عليه المسافرة قبل مجي‏ء الغد مع علمه بعدم تمكنه منهما بعده عدّ عاصيا و ذمّه العقلاء (فإن قلت) إن التكليف مشروط بالقدرة و القدرة المعتبرة هي القدرة على الفعل في زمان وجوبه لا قبله و المفروض في المقام عدم القدرة على المقدّمة بعد مجي‏ء التكليف فكيف يصحّ المؤاخذة عليه (قلت) القدرة ليست هي شرطا للتكليف رأسا و لا مدخلية في المصلحة الباعثة عليه و إنّما هي شرط لتنجزه و صحة العقاب و المؤاخذة على تركه و الحاكم بذلك هو العقل دون الشرع و العقل إنما يحكم بقبح مؤاخذة العاجز إذا لم يقدر على الامتثال مطلقا من زمان العلم بالتكليف إلى انقضاء زمانه و أمّا من كان قادرا على الامتثال بعد العلم بالتكليف و لو قيل مجي‏ء زمان الفعل فلا يقبح مؤاخذته لو طرأ العجز في زمانه من سوء اختياره (و الحاصل) أن الزمان و غيره من الأمور المعتبرة في التكليف شرائط لأصل التكليف و حدوث المصلحة الباعثة عليه و أمّا القدرة فهي شرط عقلي لصحّة المؤاخذة و هو المراد بالتكليف حيث يعدونها من شرائطه و المرجع في ذلك حكم العقل و لا تجد قبحا في عقاب من عجز بعد قدرته عجزا مستندا إلى سوء اختياره لأنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار (فإن قلت) مقتضى وجوب المقدّمة قبل الوقت جواز قصد الوجوب في الوضوء و الغسل قبله و بطلانه بديهي مجمع عليه (قلت) ما ذكرنا إنما هو إذا لم يجعل الشارع خصوص القدرة في الوقت شرطا للوجوب فإنه أمر جائز لا مانع منه و إن لم‏

يحكم به العقل و إذا جعلها شرطا لم يجب المقدمة قبل الوقت حينئذ للعلم بعدم ثبوت التكليف في وقته من فقدان شرط آخر غير الوقت و هي القدرة الخاصة و الأمر في الطّهارة كذلك إذ المستفاد من قوله تعالى‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا* اشتراط وجوب الوضوء بالقدرة عليه بعد الوقت لأنّه معطوف على جملة مقدّرة بعد قوله تعالى‏ إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قبل قوله‏ فَاغْسِلُوا و هي إن وجدتم الماء فكأنّه تعالى قال إذا أردتم القيام إلى الصّلاة بعد دخول الوقت فإن وجدتم الماء فاغسلوا فالأمر بالوضوء بعد الوقت الذي هو شرط للصّلاة مشروط بوجدان الماء بعده و مقتضاه عدم وجوبه بعد الوقت إذا لم يجد الماء فلا مقتضى للوضوء قبل الوقت إذا كان واجدا للماء لأن وجوبه مقدّمة إنما كان لأجل وجوب الصّلاة مع الوضوء بعد الوقت و بعد ملاحظة الاشتراط

318

بالقدرة الخاصة بالوقت لم تجب الصّلاة مع الوضوء عليه حتى يأتي به من باب المقدّمة (فإن قلت) تقدم وجوب المقدمة على وجوب ذي المقدمة غير معقول لاستحالة تقدّم المعلول على العلّة لأن وجوبها معلول لوجوب ذيها (قلت) أمّا الوجوب المعلولي الشرعي المتنازع فيه فهو غير معقول أن يعرض المقدمة قبل عروض الوجوب لذيها كما قلت لكن رفع الإشكالات المتقدّمة لا يتوقف على إثبات هذا الوجوب المعلولي بل على ثبوت الوجوب العقلي و لو كان إرشاديا و قد أوضحنا حكم العقل به إرشادا لأجل دفع الضّرر المستقبل فإنّه بعد أن علم أن القدرة على المقدمة قبل الوقت كافية في صحة المؤاخذة و العقاب على ترك ذي المقدّمة في وقته حكم لدفع الضّرر بوجوبها قبل الوقت هذه قصارى ما يوجه به الجواب المذكور و فيه بعد التأمّل ما لا يخفى لفساد أصل المبنى من عدم كون القدرة شرطا للتكليف بل للمؤاخذة و العقاب لمنافاته أصل العدلية من اعتبار وصف الاختيار و المقدوريّة في الفعل الّذي يتعلّق به التكليف فإنهم صرّحوا في المبادئ الأحكامية بأن من شرائط التكليف أن يكون الفعل اختياريا مقدورا للفاعل وجودا و عدما و أن الفعل الغير الاختياري لا يتصف بالحسن و القبح المنوط بهما التكليف عند أهل التحسين و التقبيح نظير الأفعال الصّادرة من البهائم فإنّها لا تتصف بهما و لا بالمصالح المنوط بها التكاليف فكيف يقال إن القدرة ليست شرطا للتكليف بل إنّما هي شرط لصحّة المؤاخذة و العقاب و كيف يدعي العاقل أن المصالح الّتي تدور مدارها التكاليف عند الإمامية لا تتوقف على القدرة بل على البلوغ و العقل و سائر الشرائط الشرعية كالاستطاعة (فإن قلت) نحن لا نقول بأن القدرة ليست شرطا للتكليف بل نقول إن الّذي هو شرط إنما هي القدرة المطلقة من أوّل زمان العلم بالتكليف إلى آخره لا القدرة الخاصة لزمان الوقت (قلت) لا معنى لكون القدرة السّابقة كافية في جواز التكليف بالممتنع في وقته بعد تسليم كونهما شرطا للتكليف إذ العبرة بحال الفعل الّذي تعلّق به التكليف و المفروض أن الّذي تعلّق به التكليف إنّما هو الفعل المقيد بالزمان الكذائي فلا بدّ أن يلاحظ حال الفعل في ذلك الزمان لا فيما قبل نعم إن منعت اشتراط التكليف بالقدرة و جعلتها شرطا للمؤاخذة و العقاب أمكن لك دعوى الاكتفاء بالقدرة السّابقة في صحّة المؤاخذة أمّا بعد تسليم كون القدرة شرطا للتكليف كالزمان و العقل و البلوغ فلا وجه للاكتفاء بالقدرة السّابقة (ثمّ ما أجيب) به عن السّؤال الثاني غير سديد لأنّ التقدير خلاف الأصل لا يحتاج إلى الدليل و ذيل الآية لا يدلّ عليه لا مفهوما و لا منطوقا لأن منطوقها وجوب التيمم على تقدير عدم الماء و مفهومها عدم وجوبه على تقدير وجوده لا وجوب الوضوء على هذا التقدير حتى يستفاد منه اشتراط وجوب الوضوء بالقدرة على الماء بعد الوقت مع أنه بعد التّسليم أيضا لا يفيد شيئا حتى لو فرضناها مذكورة صريحة لأن اشتراط الوضوء بوجدان الماء ورد على طبق حكم العقلي نظرا إلى اشتراط جميع التكاليف بالقدرة عقلا فلا يستفاد منه أزيد ممّا يقتضي به العقل فإذا بني على أنّ العقل يقنع بالقدرة السّابقة على مجي‏ء شرط التكليف أو زمانه فكيف يستفاد منها حكم شرعي تعبّدي آخر أزيد مما يحكم به العقل أعني اعتبار القدرة اللاّحقة خاصة في وجوب الوضوء و دعوى أن الأصل في الخطاب التأسيس لا التأكيد فتدلّ على اعتبار القدرة اللاّحقة الّتي لا يحكم بها العقل و إن كان صحيحة عندنا في صورة دوران الأمر بين الإرشادي و الشرعي خاصة لا مطلقا خلافا لأستاذنا العلاّمة (قدّس سرّه) فلم يقل به مطلقا حتى في تلك الصّورة إلا أنّها لا تنفع في المقام بعد عدم كون الاشتراط مذكورا في الكلام بل مستفادا من بعض الأوهام و خلاصة ما ذكرنا في ردّ هذا الجواب أنّ القدرة على الفعل شرط عقلي و شرعي للتكليف و الفعل مقيد بالزمان و القدرة الحالية ليست قدرة على متعلّق التكليف بل هي القدرة على الفعل مع التّجرد عن قيد الزمان فإذا كان القدرة على الفعل في وقته شرطا و علم المكلّف أن هذا الشرط غير حاصل في المستقبل فلا تكليف لا في الحال و لا في الاستقبال فلما ذا يجب عليه المقدّمة (ثمّ) إنّ إشكال تقدّم المعلول على العلّة غير مندفع بما ذكر من الوجوب الإرشادي لأنّه لا يترتب عليه آثار الوجوب الشرعي التي منها جواز نيّة الوجوب قبل الوقت فلا يرتفع به الإشكال فإنّ مبناه على كلام الأصحاب بالوجوب الشرعي و عليه مبنى قصد الوجوب بالغسل قبل الفجر و هذا نظير الوجوب النّفسي الّذي عرفت أنه غير مجد في الباب و إن كان‏

بينهما فرق من جهة أو جهات أخرى (و منها) أن المقدّمة و إن لم تكن واجبة قبل الوقت من حيث كونها مقدمة لكن قد يكون عدم الإتيان بها قبله مفوتا للتكليف الآتي في المستقبل و هو أي تفويت التكليف و جعل المكلّف نفسه غير قابل لأمر المولى و لو في المستقبل قبيح عقلا و شرعا مثل تفويت المكلّف به بعد الوقت في الموسّع أمّا عقلا فلما عرفت سابقا أن المولى لو قال لعبده سافر غدا و فعل العبد بنفسه ما يخرج به عن قابلية المسافرة في الغد لذمّه العقلاء و استحق عندهم الضرّاء و البأساء و أمّا شرعا فلدلالة

319

غير واحد من الأخبار على ذلك (و منها) ما سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في السّفر فلا يجد إلاّ الثلج أو الماء الجامد قال (عليه السلام) هو بمنزلة الضّرورة يتيمّم و لا أرى أن يعود إلى هذه الأرض الّتي توبق دينه (و منها) ما سئل أحدهما (عليهما السلام) عن الرّجل يقيم بالبلاد في أشهر ليس فيها ماء لأجل المراعي و صلاح الإبل قال (عليه السلام) لا (و منها) غير ذلك ممّا يدلّ على وجوب إبقاء القدرة و عدم جواز فعل ما يخرجه عن أهلية التكليف (قلت) و هذا الجواب أوهن شي‏ء في الباب و لعلّ من ذكره أراد به التأكيد لبعض ما اعتمد عليه من الأجوبة لأن هذا القبح لو سلّم مع أن مجال المنع فيه واسع فإنّما هو قبح فاعلي لا فعلي إذ لم يصدر منه فعل يذم أو يعاقب عليه و العقاب بلا تكليف و معصية واضح المنع عند العقلاء و أمّا الأخبار فهي غير محمولة في موردها على وجه التحريم بل هي محمولة فيها على الكراهة فكيف يصحّ الاعتماد عليها في غير موردها لا سيّما في خصوص المقام و نحوه من المسائل العقليّة فتدرّب (و منها) ما هو مختارنا و مختار بعض المحققين من الالتزام بوجوب المقدّمة في موارد النقض و أشباهها قبل وقت وجوب ذيها لكن لا بالوجوب المعلولي المستتبع من وجوب ذيها و لا بالوجوب النّفسي الثابت لمصلحة نفسها و لا بالوجوب العقلي الإرشادي بل بوجوب أصلي ثابت بدليل مستقلّ مراعاة لمصلحة ذيها و يسمّى هذا بالوجوب التهيئتي لأنّ فائدته التهيؤ و الاستعداد لواجب آخر فهو قسم من أقسام الوجوب يشبه الوجوب النفسي من حيث عدم تولّده و ثبوته من وجوب ذيها بل و بخطاب آخر و يشبه الوجوب الغيري المقدّمي من حيث كونه ثابتا لمصلحة غيره و لو فسّرنا الغيري بما كان مصلحة وجوبه ثابتا في غيره فهذا منه لأن الغيري بهذا التفسير يعمّ ما ثبت وجوبه بخطاب مستقل لمصلحة الغير أيضا (و كيف كان) لا يرد على المختار شي‏ء ممّا زعموه مثل أن هذا الوجوب إن كان وجوبا نفسيّا فلما ذا يكون عقابه عقاب تارك المقدّمة و يكون تاركه تاركا للواجب الموقت الّذي هو مقدّمة له فينبغي أن لا يترتب على عدم الغسل مثلا في ليلة رمضان كفارة و أيضا الواجب النّفسي ما كان مصلحة وجوبه موجودا في نفسه لا في غيره و المفروض في موارد النقض وجوب المقدمة قبل الوقت مراعاة لمصلحة ذيها لا لما في نفسها من المصالح و أيّ فرق بين هذا الجواب و جواب العلاّمة و غيره في غسل ليلة رمضان من الالتزام بوجوبه النّفسي لا الغيري الّذي عرفت ما فيه من الفساد و إن كان غيريّا فيعود إشكال تقدم المعلول على العلّة لأنا نقول إن الوجوب الّذي التزمنا به نحن في موارد النقض ليس ثبوته فيها لمصلحة نفسها حتى يتجه علينا الإيرادات السّابقة و لا مستتبعا لوجوب ذيها حتى يلزم تقدم المعلول على العلّة إذ هو حينئذ لا يكون معلولا لوجوب ذيها بل هو وجوب أصلي ثابت بدليل مستقلّ لمصلحة ذيها حسبما عرفت فاتّصاف المقدمة بهذا الوجوب قبل الوقت مبني على قيام الدّليل عليه و إلا فيبنى على عدم الوجوب و لو علم بعدم القدرة عليها بعد الوقت فمن يعلم أنّه لا يجد ماء بعد الوقت للوضوء و عنده من الماء ما يكفيه لا يجب عليه حفظ الماء أو الوضوء قبل الوقت كما حكم به بعض الأصحاب لفقدان ما يدلّ عليه قط (ثم) إن ثبوت هذا الوجوب قد يكون بالنصّ كما في الغسل حيث ورد النصّ و الإجماع على وجوبه في اللّيل فعلم أن الشّارع أراد التهيؤ للصّوم في اللّيل و لولاه لكان وجوب الصّوم مختصّا بمن أصبح طاهرا لأنّ مجرّد اشتراط الصّوم بالطّهارة غير قاض بوجوب الغسل في اللّيل بناء على عدم وجوب المقدمة للواجب المشروط حسبما عرفت في صدر الكلام و قد يكون بالإجماع كما في تكليف الكفار بالقضاء و تكليف المرتدّ الفطري بالعبادات فإنّ قيام الإجماع على كون الكفار مكلّفين بالفروع لو كان دليل على أن الشارع أراد منهم التهيؤ و الاستعداد للتكاليف الآتية المستقبلة في تمام عمره فإذا لم يسلم في الوقت استحق العقاب لمخالفة الوجوب المتهيائي عقاب المسلم التارك العاصي فوق عقاب الكفر و عدم الإسلام و قد يكون بقرائن الأحوال و ملاحظة غرض الآمر و غير ذلك من العلائم القطعية أو الظّنية كما لو قال المولى لعبده سافر غدا إلى الموضع الفلاني فإنّه يستفاد من ملاحظة الأمر باللّيل دون النهار و احتياج المسافرة إلى التهيئة و الاستعدادات في اللّيل وجب التهيؤ عليه قبل النهار فليس له حينئذ ترك‏

التهيؤ أو إعداد العدّة الموجودة مع علمه بعدم القدرة على المسافرة لو لم يستعدّ له في اللّيل اتكالا على أن المولى لا يكلّف العاجز الغير القادر بما ليس بمقدور فإنّ شاهد حال المولى و ملاحظة أن المسافرة غرضها يعود إلى المولى و كون الإخبار بها في اللّيل كلّها دليل قطعي على أنّه أراد منه الاستعداد في اللّيل و أنه يريد منه الفعل القائم به الغرض الّذي لا يناط بحسن التكليف و قبحه حتى يدور الأمر بالمسافرة مدار القدرة و به تفترق الأوامر الشرعية عن الأوامر العرفية لأنّ مدار الثاني على الأغراض العائدة إلى الآمر من غير ملاحظة حسن التكليف و قبحه فهذه قرينة قطعية على وجوب التهيؤ على العبد ليلا في الحال المذكور لئلا يفوت غرض الآمر بخلاف الأوامر الشرعية فإن مصالحها يعود إلى المأمور فيناط بالحسن و القبح العقليين الغير الثابتين في الأفعال‏

320

الغير المقدورة اتفاقا إلاّ إذا اقتضت المصلحة إيجاب التهيؤ و الأمر به فإذا أمر به صريحا أو أمر بشي‏ء من المقدمات لأجله و خالف الأمور جاز أن يعاقب عقاب العاصي عند العقل و عقاب الجاهل المقصر من هذا القبيل على التحقيق و لعلّه مراد المحقق الأردبيلي أيضا من وجوب تحصيل العلم نفسا لا مقدّمة و ليس في كلام الأصحاب و لا في العقل و لا في أوامر العلم و التفقه كتابا و سنة ما يأبى عن ذلك و هذا هو الصّحيح عندنا و إن كان ما كتبنا في المقام لا يغني البصير المتدرب عن التأمّل التام إذ المسألة من غوامض المسائل الأصولية و اللّه الهادي‏

بقي في المقام أمور لا بأس بالتنبيه عليها

الأوّل لو مات المأمور قبل مجي‏ء زمان التكليف‏

فهل ينكشف بذلك عدم التكليف في الواقع فلا يكون عليه عقاب إلا عقاب التجري على القول به كما هو كذلك على القول بوجوبه من باب المقدمة أو لا وجهان مبنيّان على كون التهيؤ علّة أو حكمة و الأصحّ هو الأوّل لأن المفروض كون الأمر به غيريّا بمعنى وجود المصلحة الباعثة عليه في غيره فيكون وجوبه في الواقع و عدمه دائرا مدار وجوب ذلك الغير و هذا نظير أمر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط فعلى القول بعدم الجواز يكون التكليف ظاهريّا لا عقاب عليه إلا عقاب التجري‏

الثّاني أن مقتضى القاعدة أن يكون وجوبه موسّعا

لا مختصّا بآخر أزمنة الإمكان لكن يشكل ذلك بأن صريح غير واحد و ظاهر الآخرين في خصوص الغسل اختصاصه بآخر الوقت مقدار ما يدرك به الفجر طاهرا بل عزي ذلك إلى المشهور بل ظاهر المدارك تفرد المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) في القول بالتوسع في غسل ليلة رمضان حيث وجهه بالوجوب الشرطي دون الشرعي و قد يوجّه ما ذكروه بأن وجوب المقدمة قبل الوقت لا يقتضي أزيد من ذلك فإن عنوان المقدّمة أي ما يلزم من عدمه العدم لا يصدق إلا على فعلها في آخر الأزمنة لأنّه لا يلزم من عدم غيرها عدم ذي المقدمة و لهذا حكموا بأنّ زمان الغسل هو آخر اللّيل فلو أتي به في أولها نوي الندب دون الوجوب (فإن قلت) هذا وجوب نفسي لا مقدّمي و إن كان مصلحة في الغير فيدور مدار عنوان نفسه من الغسل أو الإسلام أو غير ذلك ممّا يحصل به التهيؤ لا مدار عنوان المقدّمة فلا مانع من قصد الوجوب حتى أتي به إذ الوجوب الموسّع لا ينافي قصد الوجوب كما لو توضّأ في أوّل الوقت (قلت) لا عبرة بعنوان الفعل الّذي أمر به للتهيؤ بل العبرة بالحيثية الّتي أمر بها و هي حيثية المقدمية للامتثال بعد الوقت فلا بدّ من ملاحظة هذه الحيثية لا ملاحظة نفس العنوان لعدم كون فعله قبله مقدّمة و إن كان مسقطا لوجوبها إلا أن المسقط غير الواجب كما لا يخفى (قلت) و هذا التوجيه صحيح على أصل الموجّه من وجوب مقدّمة الواجب المشروط قبل الشرط إذا كان وقتا و دعوى أن المقدّمة هو القدر المشترك إذا تعدّد أفراده كما مرّ في تعريف الشرط جوابا عن انتقاض عكسه متجهة إذا كان الأفراد في عرض واحد لم يكن لأحدها مزيّة على الآخر في صدق المقدّمة عليه إذ ليس شي‏ء من الأفراد حينئذ ما يلزم من عدمه العدم فلا جرم لا يتصف شي‏ء من الأفراد بالمقدّمية و يكون عنوان المقدّمة عارضا للقدر المشترك أمّا إذا كانت مترتبة في الزمان كان عنوان ما يلزم من عدمه العدم مختصّا بالفرد الأخير فيكون هو المقدّمة لا الأفراد السّابقة و لا القدر المشترك لأنّ القدر الجامع بين ما يلزم من عدمه العدم و ما لا يلزمه ليس مقدّمة غاية الأمر الأفراد السّابقة مسقطة لكونها سبب الخروج المكلّف عن عنوان فاقد المقدّمة و القدر المشترك بين الواجب و المسقط ليس بمسقط و لا واجب و أمّا على أصلنا من الوجوب التهيئي فلا وجه للاختصاص بآخر الأزمنة ضرورة مساواة جميع الأفراد في حصول التهيؤ فهي في عرض واحد ليس لأحدها مزية في عنوان الأمر على الآخر فافهم‏

الثّالث‏

قال الحلّي (قدّس سرّه) في رسالته المعمولة في وجوب الغسل في الجواب عن هذا الإشكال الصّوم موقوف على مطلق الغسل قبل الفجر و منه الواقع بنية النّدب فلا يتم ما قيل إن الصّوم لا يتم إلا بالغسل قبل الفجر و ما لا يتم الواجب إلا به واجب لأن الصّوم يتم بالغسل المندوب و أورد عليه العلاّمة (قدّس سرّه) بما حاصله أنّه إن لم يقل بوجوب الغسل فقد خالف الإجماع و إن قال به فكيف يكتفي بإتيان الواجب بقصد الندب (أقول) لو كان إنكار الحلّي وجوب قصد الوجوب في الغسل مبنيا على وجوب الغسل إرشادا لا يدفع عنه ما استشكله عليه العلامة فإنّ وجوب الإرشادي لا يصحّ معه قصد الوجوب إذ لا يترتب عليه آثار الوجوب الشرعي حسبما أشرنا فلا بدّ من قصد الندب الكافي فيه مجرّد ثبوت الرجحان بل قد يقال إنّه كذلك على الطّريق المختار فإن عنوان التهيؤ يحصل بإيجاد الغسل ندبا بعد ما كان كافيا فلا يجب قصد الوجوب و لا ينافي ذلك وجوبه بأحد الوجهين أيضا كما عرفت فتأمل هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالمقام‏

تكملة [الكلام في تصوير الواجب المعلق على ما ذكره صاحب الفصول‏]

قد سلك بعض الأفاضل الكرام هنا مسلكا متفردا به بين الأعلام و هو أنّه بعد أن قسم الواجب إلى المطلق و المشروط و عرفهما بما يندرج طائفة من الواجبات المشروطة في الواجب المطلق قسم الواجب المطلق إلى منجز و معلّق‏

321

و عرّف الأوّل بما لا يتوقف تعلّقه به على حصول أمر غير مقدور و الثّاني بما يتوقف تعلّقه به على حصول أمر غير مقدور فالّذي سمّاه بالواجب المعلّق هو في الحقيقة من الواجبات المشروطة عند الأصحاب لكنه جعله من أقسام الواجب المطلق و فرّق بينه و بين المشروط و قال ما حاصله أن التوقف في المشروط صفة للوجوب و في المعلّق صفة للواجب فيمتنع تحقق الوجوب في الأوّل قبل حصول الشرط بخلاف الثّاني فإن الوجوب فيه ثابت قبل المعلّق عليه و إن كان زمان الفعل بعده فزمان الوجوب في الثّاني مقدّم على زمان الامتثال بخلاف الأوّل فإنّهما متحدان ثم استشعر سؤالا و هو أن الوجوب إن كان موقوفا على وجود المقدّمة الغير المقدورة فلا وجوب قبلها و إن لم يكن مشروطا بها لزم التكليف بما لا يطاق إذ المفروض توقف الواجب عليها (ثم أجاب) بما حاصله أن الوجوب ليس مشروطا بوجودها بل مشروط بتقديرها و لو فيما بعد و هو اعتبار موجود قبل وجودها مقارن للوجوب فلا يلزم تكليف بما لا يطاق حينئذ و إنما يلزم من دون هذا الشرط فالوجوب ليس مشروطا بوجودها حتى يكون مشروطا و لا مطلقا حتى يلزم التكليف بما لا يطاق بل هو مطلق بالقياس إلى وجودها أي ليس مشروطا به و مشروط بالقياس إلى الاعتبار الحاصل من تقدير وجوده في المستقبل و لذلك خرج عن المشروط و دخل في المعلّق و سمّي بالمعلّق لكون وجوبه معلّقا على فرض وجودها كما هو كذلك في سائر المطلقات (قلت) و هذا الأصل لو تمّ لاندفع به إشكال تقدّم الشرط المتأخّر الثابت في الشرع في عدة مواضع (منها) الإجازة في العقد الفضولي على القول بالكشف (و منها) اشتراط بقاء النصاب و عدم ثلمه إلى آخر الحول مع وجوب الزكاة قبله (و منها) اشتراط وجوب الصّوم ببقاء القدرة إلى آخر النّهار و كذلك كلّ عبارة مركبة أو مستمرّة فإن وجوب الجزء الأوّل مشروط بالقدرة على الجزء الأخير و كذا العقل و سائر شروط التكليف كطهارة المرأة عن الحيض فإنّها تدريجيّة يحتاج إلى الزّمان الّذي يوجد شيئا فشيئا فإنّ ذلك خروج عن القاعدة العقلية من لزوم مقارنة الشرط للمشروط و استحالة تأخره عنه فإن اكتفينا بالاعتبار الحاصل من فرض وجود شي‏ء و تقديره في عالم التقدير و لو في المستقبل تنحسم مادّة الإشكال و نستريح من القيل و القال في تصحيح الإجازة الكاشفة و نحوها (ثمّ قال) و من هذا القبيل كلّ واجب مطلق توقف وجوده على مقدّمات مقدورة غير حاصلة فإنّه يجب قبل وجود المقدّمات إيجاد الفعل في زمن يمكن إيجاده فيه و إلاّ لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا أو التكليف بما لا يطاق (قلت) و الظاهر أنّه اشتباه و كيف يكون ذلك من الواجب المعلّق مع عدم كون الوجوب معلّقا على تقدير وجودها لأنّ الواجب المطلق إذا كانت مقدّماته مقدورة فهو واجب منجز مطلقا و لو على تقدير عدم وجود المقدّمة و هذا هو الفارق بين المعلّق و المنجز فإن المنجز ما لا يتوقف وجوبه على وجود المقدّمة و لا على تقديرها و المعلّق ما توقف وجوبه على تقديرها كما أن المشروط موقوفا على وجودها و إلاّ لزم إحالة الطّلب على إرادة المأمور و اختياره و عدم استحقاقه العقاب على تركه لو تركها اختيارا كما هو كذلك في المعلّق و هو ضروري الفساد كما لا يخفى و الحاصل أن مصلحة الأمر لو كانت غير موقوفة على وجود أمر مقدور و لم يعقل أن تكون موقوفة على تقدير وجوده لا حقيقة التوقف عليه يرجع إلى كون مصلحة الأمر بالفعل موقوفة على مشيئة المأمور و إرادته و فساده ضروريّ لأن طلب الشي‏ء بشرط مشيئة المطلوب منه طلب للحاصل عار عن فائدته الّتي هي البعث على المطلوب فإذا بطل توقف الطّلب على تقدير وجود المقدمة المقدورة فلا مانع من الأمر بذيها تحقيقا و تقديرا فإذا أمر كان الأمر منجزا واجبا لاستحقاق تاركه العقاب على جميع التقادير و حد المقدمة المذكورة أولا (ثمّ قال) و اعلم أنّه كما يصحّ تعليق الوجوب على تقدير وجود مقدّمة غير مقدورة كذلك يصحّ تعليقه على وجود مقدمة مقدورة محرمة و فرّع على ذلك وجوب الواجب إذا توقف على مقدّمة محرمة سواء كانت مقدّمة على الفعل كركوب الدّابة المغصوبة للحجّ أو مقارنة له عدميّة كترك الأهم إذا اشتغل بغيره أو وجودية كالاعتراف بالآنية المغصوبة للوضوء مع الانحصار ثم قال إنّ الثمرة تظهر في شيئين (أحدهما) جواز قصد الوجوب بالمقدّمة العبادية قبل وجود المعلّق عليه إذا علم أنّه سيوجد كالغسل قبل الفجر في ليلة رمضان (ثانيهما) صحة الصّلاة و الوضوء في المسألتين انتهى خلاصة ما

أفاده أصلا و فرعا في المقام و لنا عليه كذلك بحث و كلام (فنقول) إن الأصل الّذي أسّسه غير سديد و ما سعى في إتقانه غير مفيد (أمّا أوّلا) فلأنّ الملحوظ في تقسيم الواجب إلى أقسامه المذكورة و الأقسام الآتية و غيرهما ممّا ذكروه في أبواب متفرقة كالموسّع و المضيّق و التعييني و التخييري و الكفائي و العيني و غير ذلك إنّما هو حال اللّب و المعنى الموجود في ضمير الآمر

322

دون اللّفظ و ما يجري مجراه من الكواشف عمّا في ضميره و لبّ الطّلب و معناه حسبما عرفت سابقا ليس قابلا للاشتراط و التعليق بل مرجع الإطلاق و الاشتراط هي المصلحة الباعثة عليه فيكون الوجوب المطلق ما كانت المصلحة الداعية إليه مطلقة يعني موجودة غير موقوفة على أمر غير حاصل و المشروط ما كان المصلحة الداعية إليه موقوفة على أمر غير حاصل و حينئذ لا يكاد يعقل الواسطة بين المطلق و المشروط فإنّ حال الفعل لا يخلو عن أحد الأمرين فإمّا أن يكون ذا مصلحة فعلية فالطّلب المتعلّق به حينئذ منجز غير متوقف على شي‏ء و إمّا أن يكون ذا مصلحة معلّقة على حصول أمر غير حاصل فالطّلب المتعلّق به حينئذ مشروط فلا واسطة بين الأمرين و بعبارة أخرى أنّ الطلب حسبما حققنا سابقا و هو مختار هذا الفاضل ليس إلاّ الإرادة و هي كيفية نفسانية غير قابلة للاشتراط و التّعليل و لذلك التجأنا إلى إرجاع قيود الطّلب إلى المصلحة الباعثة عليه و قلنا إنّ المصلحة إن كانت موجودة حال الخطاب غير موقوفة على أمر غير حاصل فالطّلب المنبعث منها مطلق و إن كانت موقوفة على أمر غير حاصل غير موجودة حال الخطاب فالطّلب المنبعث منها مشروط فكيف يتعقل هنا فرض آخر ليكون قسما ثالثا يسمّى بالمعلّق هذا باعتبار اللّبّ و أمّا ظاهر الخطاب و اللّفظ الكاشف عنه فلا عبرة باختلافه بمقتضى القواعد العربية فما يفرق بين المشروط و المعلّق نظرا إلى أنّ القيد في الأوّل قيد للطلب و في الثاني قيد للمطلوب فإن قال الآمر افعل كذا في وقت كذا فهو معلّق و إن قال إن دخل وقت كذا افعل كذا فهو مشروط فممّا لا يجدي شيئا إذ لا فرق بينهما إلا بحسب العبادة و هو ممّا لا اعتبار به في الأحكام العقلية فلا وجه لاختلافهما في اقتضاء وجوب المقدّمة و عدمه و كذا في سائر الأحكام العقلية بعد عدم تعقل الفرق بينهما في الطّلب المستكشف منهما حسبما عرفت و لعمري إنّ إكثار الكلام و غاية النقض و الإبرام في هذا المقام لا يرتفع به غواشي الظّلام عن وجه المرام إذا لم يساعدنا في هذا الملك العلاّم (و أمّا ثانيا) فلأن الاكتفاء بالتقدير في ثبوت الحكم الشرعي في التأثير لو صحّ إنّما يصحّ عند الذهن السّليم المنصف لو كان للوجود الفعلي مدخلية و تأثير في الحكم الواقعي كما هو كذلك في الشروط المتأخرة الواردة في الشّرع حسبما مرّت الإشارة إليها لأنّ رضاء المالك مثلا له مدخلية في سببية البيع للنقل فلا غرو في الاكتفاء بوجوده التقديري أمّا لو كان أصل وجودها لا مدخلية له في الحكم الشرعي واقعا كما هو مبنى هذا الأصل فكيف يكون تقدير وجودها و الاعتبار المنتزع منها دخيلا و شرطا فإذا لم يكن وجود الزّمان شرطا فكيف يكون تقدير وجوده شرطا مع كون التقدير غير منفكّ عن وجوده (فإن قلت) هذا استبعاد محض و دين اللّه لا يصاب بالعقول و لا يوهنه الاستبعادات و لا يثبته الاستحسانات فلم لا يجوز أن يكون وجود الشي‏ء غير مؤثر شرعا في الحكم و يكون تقديره مؤثرا (قلت) نعم إلا أن لكلّ صواب نورا و كلّ حق حقيقة و الذّهن السّليم و القسطاس المستقيم لا يتحمل هذه الأثقال الوهمية الباطلة كما لا يخفى على كلّ ذي قوة عاقلة و بالجملة لا سبيل إلى نفي الاشتراط مع توقف الفعل إلى أمر غير مقدور و لا يعقل ثبوت الوجوب قبل وجوده الفعلي لأنّ وجوده التقديري لا يجعل الفعل المتوقف عليه مقدورا حتى يكون قابلا للتكليف المنوط بالحسن و القبح العقليين نعم يجوز أن يكون في غير المقدور و بعض المصالح و الخواص الذاتية المترتب عليه من دون تكليف إلا أن مناط التكليف و مداره على شي‏ء آخر لا يوجد في غير المقدور اتفاقا (فإن قلت) فكيف الحال في الشّروط المتأخّرة المشار إليها و الوقوع أخصّ من الإمكان و لا مصحّح له عند العقل سوى ما ذكره من شرطية التقدير و الاعتبار المنتزع من وجوداتها المتأخّرة (قلت أوّلا) عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود و لعلّ الشرط الواقعي عند الشّارع أمر مغاير للمشروط يكشف عنه وجوداتها المتأخرة و توضيحه أنّه إذا ورد في الشرع ما يتراءى كونه شرطا متأخرا نظرنا إلى دليل الاشتراط فإن كان للتصرّف في الشّرط أو المشروط أو فيهما مسرح و مجال ارتكبناه وجب المسير إليه بقرينة العقل القاضي باستحالة تأخر الشّرط عن المشروط و إن لم يكن مسرح للتصرف في شي‏ء منهما كشف علم من ذلك علما قطعيّا ذلك كشفا قطعيّا بأنّ الّذي سمّاه جعله الشّارع شرطا ليس بشرط بل الشرط أمر سابق مقارن للحكم الشرعي مكشوف‏

بوجود ما جعله شرطا متأخّرا في الأدلّة و لا يصار إلى ما ذكره من إرجاع الشرط إلى الاعتبار الّذي لا اعتبار له عند أولي الاعتبار كما يفصح عنه بطلانه في إجازة الفضولي بالاتفاق فلو كان له اعتبار لاعتبروا به هناك و قصّروا الكلام و لم يقعوا فيما وقعوا من الاضطراب العظيم و الجدل الجسيم (و ثانيا) أن شيئا من الموارد المذكورة ليس نصا بالشرط المتأخّر الّذي يتضيق به الخناق و تلتف في توجيهه السّاق بالسّاق حتى يكون إلى ربّك يومئذ المساق (أمّا الزكاة) فلإمكان كونها في أوّل هلال الثاني عشر زكاة معجلة كالفطرة الّتي تخرج قبل هلال شوّال عند جماعة من الأصحاب حيث يجوزونه و يسمّونه بالزكاة المعجّلة

323

و حقيقتا كونها ندبا يسقط به الفرض مثل تقديم غسل الجمعة يوم الخميس و لا ينافيه قصد كونها زكاة بناء على خروجها عن حقيقة الزكاة نظرا إلى عدم تحقق شرطها الّذي هو بقاء النصاب إلى آخر الحول فينبغي أن يقصد بها الصّدقة المطلقة دون الزكاة لجواز كونها زكاة مستحبّة إذ هي على قسمين واجب و مستحبّ فالّتي يعطيها بعد الحول فهي زكاة واجبة و الّتي يعطيها في أوّل الهلال فهي زكاة مستحبّة يسقط بها الفرض على تقدير حصول شرطه و يمكن أن يجاب أيضا بأنها تجب عند هلال ثاني عشر موسّعا و يتضيق بحلول هلال ثالث عشر و يستقر عليه به كالفطرة فإنّها تجب بهلال شوّال و تتضيق بمقدار أدائها إلى الزوال و قد يورد عليه بأنّه قبل حلول الحول لم يخرج من تركته و لو كانت واجبة في أوّل الشّهر لوجوب إخراجها من التركة لأنّ الزكاة محسوبة عندهم من الدّين و لذا لو مات بعد هلال شوّال و لو بلحظة خرجت من التركة و يمكن دفعه بأنّ الاستقرار حكم شرعي آخر سوى نفس الوجوب مبني على دليل ثبوته و قد ثبت هناك و لم يثبت هنا (و أمّا الإجازة) فمعنى شرطيتها كما صرّح به المحقق الثاني في جامع المقاصد هو توقف العلم بسببية العقد السّابق و تماميته في التأثير عليها لا أنّها معتبرة في تأثير السّبب و تماميته فالعقد بنفسه سبب تام لا يتوقف تأثيره على الإجازة و إنّما اعتبرت لكونها كاشفة عن الرضا الّتي لا تتم التجارة إلاّ بها فالمعتبر في تمامية العقد هو الرّضا و طيب النفس الحاصل حال العقد و لكن العلم به موقوف على لحوق الإجازة فهي كاشفة عن تحققها و اقتران العقد بها (فإن قلت) إن الرضا المعتبر في العقود إنّما هو الرضا الفعلي و هو إنّما يحدث بحدوث الإجازة و حينئذ فيعود الإشكال (قلت) إنا نمنع اعتبار الرضا الفعلي خاصة بل يكفي في صحة المعاملة الرّضا التقديري الشّأني نظير الإذن المستفاد من شاهد الحال الموجود في حال الحضور و الغيبة و النوم و اليقظة و في جميع الأحوال حتى في حال الغفلة و حقيقة ذلك الرّضا على فرض الاطلاع على حقيقة الحال و مثله موجود حال العقد للفضولي بمعنى أنّه لو اطّلع المالك على حقيقة الحال لرضي و بالإجازة يستكشف ذلك و يدلّ عليه عموم قوله تعالى‏ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه فإنّ الرضا و طيب النّفس أعمّان من أن يكونا فعليين أو شأنيين بل عليه مدار جميع الأوصاف القلبية كالحبّ و البغض و الإيمان و الكفر فإن المدار على ملكاتها و تقرّر حقائقها في خزائن القلب بحيث لو التفت و استشعر لأذعن و لذا يجوز دخول الصّديق في دار صديقه و لو نهاه بزعم العداوة فإن العبرة بالرضا الشأني دون الفعلي و المفروض أنّه حاصل للصديق (فإن قلت) فعلى ما ذكرت لزم القول بصحة العقد مع العلم بالرضا في الابتداء من غير إذن أو توكيل (قلت أوّلا) لا مضايقة عن القول بذلك لعموم الأدلة كما جنح إليه شيخنا العلاّمة طاب ثراه (و ثانيا) أنه يحتمل أن يكون لصحّة العقد عند الشارع شرط آخر غير الرّضا لكنه قد يتخلّف عنه و قد يجامعه و الكاشف عن صورة الاجتماع الإذن أو التوكيل أو الإجازة اللاّحقة (و الحاصل) أن مقتضى الأدلة كفاية الرضا و طيب النفس في صحة العقد من غير اعتبار الكاشف فإن ثبت أيضا سابقا أو لاحقا وجب المصير إلى أن هناك شرط آخر كاشفة الإذن سابقا أو الإجازة لاحقا محافظة للقواعد العقلية القاضية باستحالة الشرط المتأخر و تمام البحث في محلّه و الغرض هنا الإشارة إلى التفصي عن موارد النقض إجمالا (فإن قلت) مقتضى ما ذكرت تأثير الإجازة بعد الردّ أيضا إذ لا منافاة بينه و بين الكشف عن الرّضا التقديري فيكون العقد حين وجوده واجدا لما يعتبر فيه من الرّضا و يكون الردّ مبنيا على عدم الإحاطة بمصلحة الإمضاء حين الرّد (قلت أوّلا) لا بأس في الالتزام بذلك فإن عموم أدلّة الفضولي قاضية بتأثير الإجازة من بعد الردّ (و ثانيا) نقول إن الردّ موجب لزوال ارتباط العقد بالمالك كما يوجبه تخلّل جملة من الموانع بين الإيجاب و القبول فإذا بطل العقد بتخلّل الردّ بينه و بين الإجازة لم يكن الرضا المستكشف من الإجازة الرافعة بعد الرّد مفيدا (و أمّا بقاء القدرة) إلى آخر العمل فليست من الشرط المتأخر و لا ارتباط لها بذلك كيف و الزمن المتأخر ظرف للمقدور و هو الجزء الأخير لا للقدرة فإنّها حاصلة في الزمن الأوّل قبل الشروع في العمل و طرو العجز و

يكشف عن عدمها أمّا مع عدم الطرو فليست هي مما يحدث شيئا فشيئا بأن تكون القدرة على كلّ جزء حادثة قبل ذلك الجزء فإن حاله كحال الجزء الأوّل من حيث كون القدرة عليه موجودة قبل العمل و هذا واضح بأدنى تأمّل و العجب ممّن جعلها من باب الشرط المتأخّر (و أمّا خلو المرأة عن الحيض) في أجزاء النّهار فهو كاشف عن وجود مقتضى الأمر بالصوم في أوّل النّهار كما أن طرو الحيض كاشف عن عدم المقتضي في الابتداء فأين الشّرط المتأخّر (و الحاصل) أنّ الشّرط المتأخر مستحيل غير معقول و موارد النقض ليس شي‏ء منها نصّا فيه حتى ينفتح به هذا الباب و يستخرج منه قاعدة جديدة

324

و يأسّس به أصل مستطرف ثمّ على فرض تسليم الأصل فالثمرتان المذكورتان أعني صحّة الوضوء من الآنية المغصوبة المنحصرة و صحّة الواجب الغير الأهم إذا عصى و ترك الاشتغال بالأهمّ كما لو ترك إزالة النجاسة عن المسجد و اشتغل بالصّلاة أيضا فاسدتان و إن تصدّع بإقامة الدّليل عليه لا أنّه عليل لا يروي الغليل قال (رحمه الله) و الّذي يدلّ على المذهب المختار أن ما دلّ على عدم وجوب الواجب عند حرمة المقدّمة المتعينة هو لزوم التكليف بالمحال الممتنع وقوعه بالعقل و السمع و لا ريب أنّه إنما يلزم ذلك لو كلّف بالواجب مطلقا على تقدير الإتيان بالمقدّمة المحرمة و عدمه و أمّا لو كلّف به مطلقا على تقدير الإتيان بها خاصة فلا فيبقى إطلاق الأمر بحاله فيرجع حاصل التكليفين بملاحظة القاعدة المذكورة إلى مطلوبية ترك الحرام مطلقا على تقدير حصوله و مطلوبية فعل الواجب مطلقا على تقدير حصوله انتهى و فيه (أوّلا) أنّه إن أراد من امتناع وجوب الوضوء على تقدير عدم الاعتراف امتناعه حال عدم الاغتراف لا بشرط عدم الاغتراف فهو بديهي البطلان لأنّ الأمر بالفعل حال عدم حصول مقدّمة القدرة ليس تكليفا بما لا يطاق كما لا يخفى و إن أراد امتناعه حال عدم الاغتراف بشرط عدم الاغتراف فهو مسلّم إلا أن لازمه أن يكون وجوبه على تقدير الاغتراف أيضا مشروط بالاغتراف و مقتضى ذلك بطلان الوضوء بعدم الأمر به قبل الاغتراف (و ثانيا) أن التكليف به على تقدير الاغتراف أيضا تكليف بما لا يطاق فإن النّهي عن الاغتراف باق بحاله قبل الاشتغال به لأنه فعل مقدور و مجرّد علمه بالعصيان لا محالة لا يوجب زوال النهي كما اعترف به و مع بقائه فالأمر بالوضوء مع توقفه على الاغتراف المنهي عنه تكليف بما لا يطاق ضرورة أنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي و هذا واضح (و ثالثا) أنّ الأمر بالوضوء حينئذ مستلزم لاجتماع الأمر و النّهي لأن الاغتراف مأمور به لكونه مقدّمة للوضوء و منهيّ عنه لأنّه تصرف في مال الغير فاجتمع الأمر التبعي و النهي الأصلي في موضوع واحد شخصي و هو ممتنع عند الكلّ حتى عند المجوّزين لاجتماع الأمر و النّهي لأن الاجتماع هنا آمري و المجوزون إنّما يقولون بالجواز إذا كان مأموريّا و لا فرق في امتناع اجتماعهما بين كونهما أصليين أو تبعيين أو مختلفين حسبما يأتي تحقيقه و قد منع عن ذلك أخوه في الحاشية فإنّه (قدّس سرّه) قال إن الشرط قد يكون مؤخرا عن المشروط كما في الإجازة للفضولي و بقاء النصاب إلى آخر الحول و قد يكون مقارنا له و فرّع على الشرط للقارن صحّة الوضوء بالاغتراف عن الآنية المغصوبة و صحة ضدّ الواجب المأمور به (ثمّ) التفت إلى محذور اجتماع الأمر و النهي في الاغتراف و فعل الضّد و تفصّى عنه بما حاصله أن المقدّمة الوجودية إنّما تكون واجبة إذا لم تكن مقدّمة للوجوب أيضا أمّا إذا كانت مقدّمة للوجود و الوجوب معا فلا تجب بالاتفاق و فيه أن عدم وجوب مقدّمة الوجوب إنّما هو لأجل عدم المقتضي لوجوبها إذ المقتضي لوجوبها ليس إلا وجوب ذيها و قبل حصول مقدّمة الوجوب لا مقتضى لوجوب ذيها لكن لو فرض له مقتضي الوجوب نفسيّا أو غيريا فلا مانع حينئذ لوجوب مقدّمة الوجوب و هذا لا ينافي وجود مقتض آخر و ليس معنى عدم وجوب مقدّمة الوجوب أن هناك ما يقتضي عدم وجوبها حتى يعارض ما لو وجد لوجوبها شي‏ء من المقتضيات و فرق واضح بين عدم المقتضي و مقتضي العدم و الّذي تمتاز به مقدّمة الوجوب عن مقدّمة الوجود هو الأوّل دون الثاني فإذا فتحنا باب الشرط المتأخر و جوزنا اشتراط وجوب الواجب بشرط متأخر عن الوجوب مقدّم على الواجب أو مقارنا له حصل المقتضي لوجوب مقدمة الوجوب أيضا لأنّ وجوب الواجب لا ينفكّ عن وجوب المقدّمة و إنّما لا يتصف مقدمة الوجود بالوجوب إذا توقف وجوب الواجب على شرط غير حاصل و تجويز الشرط المتأخر و الاكتفاء بتقدير وجوده مرجعه إلى حصول شرط الوجوب قبل وجوده و هو التقدير و العلم بوجوده المتأخر فإذا قلنا إنّ الأمر بالوضوء ليس مشروطا بوجود الاغتراف بل بتقدير وجوده المتحقق قبل وجوده لزم وجوب جميع مقدّمات وجوده الّتي منها الاغتراف و لا ينافي ذلك كونه شرطا للوجوب بالمعنى المذكور فيلزم اجتماع الأمر المقدّمي و النهي النفسي و لا محيص عن ذلك و هذا مستحيل حتى على القول باجتماع الأمر و النّهي المأموري و قد يتفصّى عن ذلك بأنّ المكلّف لما كان موجدا للاغتراف من عنده مع نهي المولى لم يتعلّق به الأمر المقدمي لأنّ من شرط الأمر بشي‏ء أن لا يكون المأمور موجدا له بداعي نفساني‏

و إلاّ لزم تحصيل الحاصل إذ الغرض من الأمر بعث المأمور على إيجاد المأمور به فإذا كان منبعثا من قبل نفسه لم يتحقق من الأمر به البعث على إيجاده بل يكون من باب التأكيد الخارج عن الأمر الحقيقي و فيه أن وجوب المقدّمة لا يحتاج إلى داعي آخر غير داعي الأمر بذيها لأنّه من لوازم وجوب ذيها و من رشحات الوجوب يحدث بحدوث الأمر المتعلّق بذيها حتى لو أراد الآمر أن لا يأمر بالمقدّمة لم يستطع حسبما ستعرف في محلّه إن شاء الله تعالى (و كيف كان) فتوهّم صحّة الوضوء مع الاغتراف بالآنية المغصوبة المنحصرة واضح الفساد لا يحرم‏

325

حوله عالم و لا متعلّم و أمّا صحّة الضدّ فالأمر فيها سهل و لا يلزم منها سوى اجتماع الأمر النّفسي و النهي الغيري في الضّد كالصّلاة وقت الإزالة فإنّها واجبة في نفسها و محرمة لغيرها و هو الإزالة المأمور بها فورا فيبنى على مسألة اجتماع الأمر و النّهي و قد يتفصّى أيضا بارتكاب الترتيب بين الأهم و غيره كما صرّح به بعض الأساطين قائلا بأنّه أي مانع من أن يقول الآمر المطاع إذا عصيتني في كذا فافعل كذا و به يصحّح الأمر بالضدّين في آن واحد كما في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام في حق الجاهل المقصّر فإن الأمر بالجهر و الإخفات معا غير معقول إلا على الوجه المذكور فإذا جاز الأمر بالضدّين معا في آن واحد على الترتيب المذكور لزم القول بصحّة الضدّ بطريق أولى لأنّ الجمع بين الضّدين في التكليف هناك آمري و في الضدّ مأموري و فيه أن الأمر بالضدين و لو على نحو الترتيب غير معقول و مسألتا الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام لا تتمان بذلك و حالهما في الاتكال حال الاغتراف من الآنية المغصوبة من لزوم التكليف بما لا يطاق و لزوم الاجتماع الأمري فلا بدّ فيهما من المصير إلى بعض توجيهات أخرى مذكورة في محلّها فالأولى بناء صحّة الضدّ على ما هو التحقيق في اجتماع الأمر و النهي أن يقال إن المقدمة مع وجود الصّارف عن ذي المقدّمة ليست بواجبة و هو ظاهر المعالم في مسألة النّهي عن الضدّ فإن له منظرا وجيها و إن استحقروه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى‏

[الكلام في تقسيم الواجب إلى الأصلي و التبعي‏]

(و منها) أي من تقسيمات الواجب أنّه ينقسم إلى أصلي و تبعي و في تفسيرهما وجوه و أقوال (أحدها) أن الأصلي ما فهم وجوبه بخطاب مستقلّ و التبعي ما فهم تبعا لخطاب غيره (ثانيها) أن الأصلي ما كان وجوبه مستقلاّ غير تابع لوجوب غيره و التبعي ما كان وجوبه تابعا لوجوب غيره و التفسيران متعاكسان فإن العبرة في الأوّل باستقلال الاستفادة و لو كان المستفاد تبعيا و في الثّاني باستقلال المستفاد و إن كانت الاستفادة تبعية فالوجوب المستفاد من المفهوم أصلي إذا كان مستقلاّ في ذاته على الثاني و تبعيّ على الأول و وجوب المقدّمة المستفادة من خطاب مستقلّ أصلي على الأوّل و تبعي على الثاني (ثالثها) أن الأصلي ما استفيد من خطاب مستقلّ أو كان مقصودا بالإفادة بحسب فهم العرف من خطاب غيره و هو ظاهر بعض المحققين في الحاشية فإنّه بعد أن فسّر الأصلي بما تعلّق به الخطاب أصالة قال و الظاهر أن اللّوازم المقصودة بالإفادة في الخطاب بحسب فهم العرف كما هو في مفهوم الموافقة و المخالفة و دلالة الاقتضاء في حكم الخطابات الأصلية لاندراجها في المداليل اللّفظية و إن لم يكن على سبيل المطابقة انتهى فإنه ظاهر في كون المدار في الأصلية على حدّ الأمرين المذكورين إذ لولاه لم يكن لإلحاق المفاهيم بالأصلي معنى محصّلا إذ الإلحاق الموضوعي غير منصور في المقام لأن دلالة الخطاب المستقلّ دلالة بالمطابقة و دلالة المفاهيم و الاقتضاء دلالة الالتزامية فكيف تكون داخلة في موضوع ما يستفاد من الخطاب الأصلي و أمّا الإلحاق الحكمي بأن تكون المفاهيم و ما يجري مجراها من الالتزامات العرفية خارجة عن الخطاب المستقل و ملحقة به في الحكم فهو و إن كان معقولا إلاّ أنّه مبني على ثبوت حكم شرعي أو عرفي أو عقلائي لخصوص المطابقة لم يكن لغيرها من الدلالات حتى يلحق به بعض الالتزامات الّتي يساعدها فهم العرف و هو باطل إذ ليس الأمر كذلك فإن الدّلالات الثلاث كلّها معتبرة على نسق واحد من غير فرق بين الالتزامات الخفية و الجلية حتى ما كان منها غير بين محتاجا إلى ترتيب مقدّمات قريبة أو بعيدة و قياس بل أقيسة متكثرة منتظمة فهي كالمطابقة معتبرة اتفاقا فالإلحاق الّذي ذكره لا يتم إلا بما قلنا من أن الوجوب الأصلي عبارة عما يستفاد من الخطاب المستقلّ و ما يستفاد من الالتزامات العرفية فهو ملحق به في صدق المحدود و هو الوجوب الأصلي عليه و محصّله ما ذكر من الاكتفاء في الوجوب الأصلي بأحد الأمرين من الخطاب اللّفظي أو الالتزام العرفي فالمراد بالإلحاق الإلحاق الحكمي لكن بالقياس إلى المحدود دون الحدّ و بينهما من الفرق ما لا يخفى (رابعها) أن الأصلي ما قصده المتكلّم من اللّفظ سواء كان بخطاب مستقلّ أو بخطاب غيره فالمدار على قصد المتكلّم لا على الاستفادة و لا على المستفاد و لا على الظّهور العرفي و به صرّح المحقق القمي (رحمه الله) (خامسها) ما عن أستاذ الكلّ (قدّس سرّه) من تفسير التبعي بما كان جامعا لأمور المذكورة فهو ما كان وجوبه و استفادته تابعين لغيره و لم يكن مقصودا بالإفادة أيضا فلو كان الآمر متفطّنا إلى المقدّمة و قصد وجوبها كان أصليّا فضلا عمّا كان له خطاب أو كان مستفادا من الخطاب بفهم العرف و على هذا ينحصر التبعي في الوجوب المعلولي الّذي لم يكن منظور نظر الآمر و لكلّ من هذه الوجوه وجه لأن الاختلاف في الحدّ تارة يكون لاختلاف الأنظار في التحديد بعد الاتفاق على حقيقة المحدود كاختلافهم في تعريف العلوم أو في تعريف العقود فإنّه ليس لاختلافهم في حقائق المحدود بل لاختلاف أنظارهم في التحديد بين صحيح و سقيم من حيث اختلال الحدّ طردا و عكسا و حينئذ لا بدّ للناظر من اختيار بعض الحدود و التصدي لتصحيح طرده و عكسه أو اختيار حد آخر سليم أداء لوظيفة العلم و محافظة لطريقة التحقيق و جودة النظر عن شائبة المقصود و هذا إنما يكون إذا كان‏

326

للحدود معنى واحدا عرفا أو اصطلاحا و أخرى يكون لاختلاف الأنظار في المحدود و إنما يكون ذلك إذا لم يكن له معنى اصطلاحيا مسلما فلكلّ أحد أن يحدده بما يراه مناسبا له و من الواضح عدم ثبوت اصطلاح اتفاقي للقوم في الوجوب الأصلي و التبعي و إنّما تصدوا لهذا التقسيم مقدّمة لبيان حال وجوب المقدّمة فلا ضير في تفسير الأصلي بأحد هذه الوجوه لما فيه من المناسبة الظّاهرة الواضحة و إن كان بعضها أشدّ مناسبة و آكد اعتبارا من الآخر و عندي أن ملاحظة اللّب و المعنى في التسمية أولى من ملاحظة اللّفظ و القالب فلو فسّر الأصلي بما كان وجوبه أصيلا غير تابع لوجوب غيره مطلقا سواء استفيد بخطاب مستقلّ أم لا أولى و أنسب غاية الأمر بطلان مقابلة هذا التقسيم للتقسيم إلى النفسي و الغيري و لا غائلة فيه مع أنّه غير مسلم لأن بعض تفاسير النفسي و الغيري يغاير الأصلي و التّبعي بالمعنى المذكور كما ستعرف و كيف كان فالوجوب المقدمي تبعي على جميع التفاسير إلاّ إذا كان مقصودا و منظورا للآمر فهو أصلي في بعض التفاسير

و ينقسم الواجب أيضا بملاحظة الدّواعي و الأغراض الباعثة عليه إلى أقسام‏

[الكلام في تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري‏]

(منها) أنه إمّا نفسي أو غيريّ و عرّف الأوّل بما كان مطلوبا لنفسه أي لنفس الواجب و الثاني بما كان مطلوبا لغيره أي لغير الواجب و اللاّم هنا للغاية و المراد بالغير ليس هو مطلق الغير بل خصوص الأفعال فلا بدّ أن يكون الغير الّذي علّل به وجوب الواجب من سنخ الأفعال و إلاّ لزم انحصار الواجب في الواجب الغيري لأنّ إيجاب الشي‏ء لا يكون إلا لغرض و فائدة مترتبة في الدّنيا و الآخرة خصوصا على مذهب العدلية من كون التكليف لطفا من اللّه تعالى و إنّما أطلقوا و لم يفيدوه بذلك ثقة لوضوح الحال و هذا تعريف صادق على الواجب التهيئي لكونه أيضا واجبا لغيره لكن صريح غير واحد بأنّه عند القوم معدود من الواجب النّفسي و فيه إن أريد كونه منه في اللّب و المعنى فهو واضح البطلان و لا يقول به أحد و إن أريد أنّه جرى اصطلاحهم على تسميته بالواجب النفسي فهو غير معلوم بل المعلوم على ما يقتضيه ظاهر الحدّين خلافه فلا فائدة في ذلك بعد تسليم كونه مساويا في المعنى (ثمّ) إن التعريف المذكور لا يتم إلا بتقدير لأن ماهية الغير لا تصلح غاية لشي‏ء فالمراد أنه واجب لحصول غيره و وجوده أو للإيصال إلى الغير و بينهما فرق إذ على الأوّل يكون معروض الوجوب الغيري عنوان المقدّمة مع قطع النّظر عن صفة الإيصال و على الثاني يكون معروضه المقدّمة الموصلة خاصة إن كان المراد بلام الغاية الحيثية التقييدية و لو كان الحيثية تعليلية كان معروض الوجوب أيضا ذات المقدّمة لا خصوص عنوان الموصلة لأن العلّة لا يمكن أن يكون من قيود المعلول و الصّواب هو الأوّل فالغاية هي حصول الغير و وجوده في الخارج أو إيجاد المكلّف له دون الإيصال و التوصل كما زعمه بعض المتأخرين و يأتي في شرح المقام صحة و سقما إن شاء الله تعالى و هاهنا مسلك آخر في تفسير التعريف المذكور أولى و أظهر و هو أن يجعل اللاّم سببية بمعنى الباء و على هذا فيكون الغيري ما كان وجوبه بالغير أي مسبّبا من وجوب الغير و النّفسي ما كان بنفسه أي غير مسبّب عن وجوب غيره سواء كان لأجل نفسه أو لأجل غيره فالواجب النفسي حينئذ قسمان (أحدهما) ما كان واجبا بنفسه و لنفسه (و الثّاني) ما كان واجبا بنفسه لغيره فالتهيئي مندرج حينئذ في النّفسي و صادق عليه تعريفه فالفرق بين التعريف بهذا التفسير و بينه بالتفسير الأوّل بأمور (الأوّل) أنّ التعريف على هذا تعريف بالحدّ إذ يعرف به حقيقة النفسي و الغيري و على الأول تعريف بالرسم لأن معرفة غاية الشّي‏ء ليست معرفة لكنهه و حقيقته (الثاني) أن الواجب التهيئي داخل في حدّ الغيري على الأول و في حدّ النفسي على الثّاني (الثالث) أن التعريف الأوّل يتطرق إليه اعتبار وصف الموصلية في المقدّمة حسبما عرفت من الاحتمالات الثلاثة و لا يتطرق على التعريف الثاني كما لا يخفى (الرّابع) أن الوجوب الغيري لا يستفاد من الخطاب المستقلّ على الثاني أبدا فلو ورد خطاب مستقلّ بوجوب مقدمة فهو إرشادي مؤكد لحكم العقل و لا كذا على الأوّل و كيف كان فهاهنا

تنبيهات فيها تحقيقات‏

تنبيه الأوّل [الكلام في أن الأصل في الواجب هل هو النفسي أو الغيري‏]

في تأسيس الأصل و بيان أن الأصل في الواجب بعد ثبوت وجوبه هل هو أن يكون نفسيّا أو غيريا حتى يكون هو المرجع عند دوران الأمر بينهما كصلاة الطّواف فإن في كونها شرطا لصحة الطواف أو واجبا بنفسه إشكال و كوجوب متابعة الإمام في الجماعة الواجبة فهل هي شرط لصحّة الائتمام أو واجب مستقل و قد يعدّ من أمثلة المقام وجوب غسل مسّ الميت و ليس في محلّه فإن وجوبه النفسي ثابت جزما و الشكّ إنّما هو في وجوبه الغيري أيضا و هو كما لو شكّ في وجوبه الغيري ابتداء خارج عن صورة الدّوران و كذا غسل الجنابة فإن وجوبه الغيري ثابت و إنّما الشكّ في وجوبه النفسي و قد يقال إن وجوب الائتمام أيضا كذلك إذ لا كلام في وجوبه النّفسي و إنّما الشكّ في توقف بقاء الائتمام عليها و كيف كان فيقع الكلام في المقام تارة في الأصل اللّفظي و أخرى في الأصل العملي‏

فهاهنا مقامان‏

المقام الأوّل في بيان الأصل اللّفظي‏

(فنقول) لا إشكال في أن ظاهر الأمر

327

يقتضي أن يكون نفسيّا و إنما الإشكال بل الخلاف في منشإ الظّهور فهل هو وضع الصّيغة و ما يجري مجراها لخصوص الوجوب النّفسي أو لانصراف إطلاقه إليه أو بقاعدة الحكمة و عدم التقييد نظير ما مرّ في الوجوب المطلق و المشروط و تعرف حقيقة الحال هنا بالمقايسة إلى ما قررناه هناك حرفا بحرف من غير زيادة و نقصان إلاّ أنّ ظهور الخطاب في النّفسي قد يستند إلى شي‏ء آخر غير الوجوه المشار إليها و هو ما ذكره بعض المحققين حيث قال إن ذلك هو المنساق عرفا من الإطلاق فإن ظاهر الأمر بشي‏ء أن يكون ذلك الشي‏ء هو المطلوب عند الآمر حتى يقوم دليل على خلافه كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات فذلك هو المتبع إلاّ أن يظهر من المقام كون الطّلب المتعلّق به من جهة حصول مطلوب آخر بحيث يترجح ذلك على الظهور المذكور أو يساويه فيحكم بمقتضى الثاني في الأول و يتوقف بينهما على الثّاني انتهى كلامه رفع مقامه و قد يؤيّد ذلك بأن هذا الظّهور مثل ظهور الأمر في الشّرعي دون الإرشادي و ظهوره في إرادة المأمور به دون الابتلاء و الامتحان و غير ذلك من الأغراض الخارجة عن غرض الامتثال فإن جميع ذلك خروج عمّا يقتضيه الأصل في الخطاب فالأصل في الخطاب حينئذ أن يكون المأمور به مطلوبا لنفسه لا لأجل حصول غيره و فيه أن مقايسة المقام بأمور المذكورة غير واضحة و فرق واضح بين كون المقصود من الأمر هو الإرشاد أو الامتحان و بين كون الفعل مطلوبا لمصلحة نفسه أو لمصلحة غيره فلا غرو في كون الأوّلين مخالفين للأصل في الخطاب دون الغيري بل المتجه استناد الظّهور في النّفسي إلى أصالة الإطلاق لأنّ الوجوب الغيري لما كان حصوله دائرا مدار وجوب الغير فلا جرم يكون مشروطا بشرائطه و قد عرفت أنّ اشتراط الطّلب يرجع إلى التقييد و يزيد على ذلك أنّ فهم الوجوب الغيري يحتاج إلى بيان زائد عن أصل الخطاب فيحمل الخطاب المجرّد عن البيان على الواجب النّفسي فتجريد الخطاب عن البيان قرينة على إرادته الوجوب النفسي فتأمّل جيّدا (و كيف كان) فقد نسب إلى جماعة من الأعلام كالشهيدين و المحقق الكركي القول بظهور الأمر في الواجب الغيري نظرا إلى غلبة استعماله فيه بحيث بلغ حدّ الظّهور العرفي و ربما قيل إنه مجمل لا ظهور له في شي‏ء منهما و قد يوجّه دعوى الغلبة بأنّه ما من واجب إلاّ و له أجزاء و شرائط كلّها غيرية ففي كلّ واجب نفسي واجبات غيرية متكثرة و أيّ غلبة أجلى من ذلك و فيه (أوّلا) أن الوجه المذكور إنّما يأتي في الواجبات المخترعة الّتي لها أجزاء و شرائط شرعيّة أمّا غيرها فلا ضرورة انتفاء الأوامر الغيرية فيها و هو أضعاف من الماهيات المخترعة و أجزائها و شرائطها خصوصا إذا كان المدّعى ظهور الأمر في الغيري في العرف العام أيضا لا خصوص عرف الشارع و أوامره خاصة (و ثانيا) أن ذلك إنما يجدي إذا كان بيان الأجزاء و الشّرائط كلّها بالأوامر الغيرية و هو ممنوع بل أكثر الأجزاء و الشرائط للماهيات المخترعة ثابتة بالجمل الخبرية كقوله لا صلاة إلاّ بطهور و لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب و كقوله لا تعيد و تعيد و نحو ذلك و بيان بعضها بالأمر الغيري لا ينهض حجة على ثبوت الغلبة كما هو واضح (و ثالثا) لو سلّمنا جميع ذلك فمن الواضح أن غلبة الاستعمال لا توجب الظّهور أو الإجمال على اختلاف مراتبها إلاّ مع القرينة المنفصلة إذ يعتبر في إلحاق المشكوك بالغالب أن يكون من سنخه و مع اتصال القرينة لا سنخية بينه و بين المجرّد عنها كما لا يخفى (و رابعا) أن مطلق الغلبة لا توجب الانصراف و الظّهور بل لها حدّ معين و شيوع الاستعمال في الغيري إلى ذلك الحدّ مشكل بل ممنوع (و خامسا) أن غلبة الاستعمال إنّما توجب الهجر أو الإجمال في المواد دون الهيئات الّتي لا تنتهي الاستعمالات المتكثرة فيها إلى جامع لفظي صالح لعروض النقل و الإجمال و سائر صفات الألفاظ عليه و قد سبق تحقيق ذلك في رد من زعم أن غلبة استعمال الأمر في الندب جعله من المجازات الراجحة فمن أراده فليطلبه هناك‏

المقام الثاني في الأصل العملي‏

و الكلام تارة في أصل العدم و أخرى في أصل البراءة (أمّا أصل العدم) فقد صرّح الفاضل النراقي أنّ مقتضاه أن يكون غيريّا لأصالة عدم وجوبه حال عدم وجوب الغير فإن قلت الأصل عدم ملاحظة مصلحة الغير قلنا يعارضه أصالة عدم ملاحظة مصلحة نفسه أيضا (فإن قلت) ملاحظة مصلحة الغير يحتاج إلى ملاحظة الغير و الأصل عدمها (قلنا) كذا حيثية النّفس مع أنّ غايته أكثرية مخالفة الأصل في أحد الطّرفين و هي عندنا غير مفيدة هذا إذا لم يتحقق بعد وجوب الغير و أمّا مع تحققه و لو لم تدخل بعد وقت فعله فمع الاستفادة من المطلق أيضا لا تثبت أصالة النّفسي لأنّها حينئذ إنّما كانت لأصالة عدم تقييد وجوبه بحال وجوب الغير و مع تحقق وجوبه لا حاجة إلى التقييد انتهى كلامه رفع مقامه و فيه (أوّلا) أنّه إن أراد من الوجوب المنفي بالأصل حال عدم وجوب الغير مطلق الوجوب فهو بديهي البطلان إذ المفروض ثبوته في الجملة مردّدا بين كونه غيريا أو نفسيّا و إن أراد منه وجوبه النّفسي ففيه أنّه لا يترتب عليه كونه غيريا إلاّ على الأصل المثبت و هو بمعزل عن الصّواب كما حقق في محلّه و مع ذلك فهو معارض بأصالة عدم وجوبه الغيري لأنّه حكم شرعي مسبوق بالعدم و لا فرق في‏

328

ذلك بين حال وجوب الغير و حال عدمه و إنما الفرق بينهما في تعلّق الوجوب الفعلي و عدمه أمّا أصل الوجوب الشرعي المجعول عند جعل الأحكام فهي ثابتة قبل وجوب المكلّف فضلا عن قبل دخول الوقت فإذا شككنا في شي‏ء من الأحكام رفعناه بأصل العدم أي استصحاب العدم الأزلي (فإن قلت) إن الوجوب الغيري لازم لوجوب الغير حادث بحدوثه فلا عبرة به و لا معنى لإجراء الأصل فيه بل لا بدّ من ملاحظة حال الملزوم و المتبع هو ما يقتضيه الأصل فيه دون اللاّزم فلا أصل في طرف الغيري و حينئذ تبقى أصالة عدم الوجوب النفسي سليما عن المعارض و مقتضاه أن يكون غيريّا (قلت) نعم لو كان الأصل في طرف الملزوم جاريا فلا حاجة إلى إجراء الأصل في اللاّزم بل لا مجرى له أصلا لأنّ الأصل الجاري في الملزوم يوجب زوال الشكّ عن اللاّزم أيضا إذ ليس هو مجعولا بجعل مستقلّ بل منجعل بجعل ملزومه تابع له في الوجود مترتب عليه قهرا و هذا هو السّر في تقديم الأصل المزيل على المزال و إن كان لنا في إطلاقه بحث و كلام ليس هنا محلّ ذكره و أمّا مع عدم جريان الأصل في الملزوم فلا مانع من إجرائه في اللاّزم لأنّ الشكّ الّذي هو موضوع الأصل باق بحاله فيجري فيه الأصل و حينئذ فلا بدّ من ملاحظة حال الملزوم فإن أمكن إجراء الأصل فيه سليما عن المعارض كان هو المتبع و لا يلتفت إلى اللاّزم و إلاّ فلا مانع من إجراء الأصل في اللاّزم و في المقام لما كان الأصل في الملزوم و هو الغير معارضا عليه لأن أصالة عدم وجوب الغير مقيدا بما يشكّ اعتباره فيه معارض بأصالة عدم وجوب المطلق مثلا أنّه إذا شككنا في أن الوضوء واجب لنفسه أو للصّلاة فأصالة عدم وجوبها مع الوضوء الّذي يلزمه وجوب الوضوء مقدّمة معارض بأصالة عدم وجوب مطلق الصّلاة للعلم الإجمالي بأصل وجوبها و دورانه بين التعلّق بالمطلق و المقيد و حينئذ فلا مانع من إجراء الأصل في الوجوب الغيري فيعارض أصالة عدم الوجوب النّفسي (فإن قلت) أصالة عدم الوجوب الغيري موافق لأصالة عدم الوجوب المقيد و ساقط بسقوطه فكما يسقط أصالة عدم المقيد بسبب المعارضة فكذلك يسقط ما يوافقها من الأصول لأن تعدّد الأصول غير مجد في تعارض الأصول و حينئذ فيبقى أصالة عدم الوجوب النفسي سليما عن المعارض (قلت أوّلا) إنّ تعدّد الأصول إنما لا يجدي إذا كانت الأصول في مرتبة واحدة أمّا إذا كانت في مرتبتين بأن كان مجرى أحدهما بعد سقوط الآخر كما في اللاّزم و الملزوم فليس الأصل الجاري في الملزوم طرفا لمعارضة الأصل الجاري في اللاّزم فأصالة عدم الوجوب الغيري لا يسقط بسقوط أصالة عدم وجوب الغير المقيد كما أنّه لا يجري عند جريانه فلا وجه لاشتراكهما في معارضة أصالة عدم المطلق الّتي في مرتبة ملزوم الوجوب الغيري (و ثانيا) أن هذا معارض بالمثل لأنّ أصالة عدم الوجوب النّفسي أيضا موافق لأحد الأصلين المذكورين و هي أصالة عدم وجوب المطلق فيسقط بسقوطه إلى آخر ما ذكرت هناك حرفا بحرف (و ثالثا) أن مبنى تعارض الأصول المذكورة على اعتبارها من باب الظّن و عليه لا وقع لما ذكره من أن أكثرية الأصول غير مفيدة لأن من شأن تعارض الظّنون و لو كان الظّن أصلا التعاضد و الترجيح بالكثرة و القلّة و لعلّ كلامه هذا مبني على كون أصل العدم عنده من الأصول الشرعية فيتّجه حينئذ ما ذكره من عدم الفائدة للتعدد إلاّ أنه يرد عليه ما قدمنا من ابتنائه على الأصل المثبت السّاقط كما لا يخفى بأدنى تأمّل (قوله) و أمّا مع الاستفادة من المطلق لا تثبت أصالة النفسي إلى آخر ما سمعت (أقول) و هذا الكلام مما لا معنى له لأن العلم بوجوب الغير كالصّلاة مثلا كيف يمنع التمسّك بإطلاق الأمر بالوضوء إذا شكّ في كونه نفسيّا أو لأجل الصّلاة و لو أمنا عن غلط النسخة لتعرضنا لوجوه الخلل و الزلاّت الأخرى في كلامه فطوينا الكلام عنها كشحا لاحتمال السقط و التحريف (و أمّا أصل البراءة) فلا مانع من جريانه في المقام قبل دخول وقت الغير لعدم العلم الإجمالي بالوجوب في الجملة هنا و اختصاص احتمال الوجوب بالنّفسي فالشكّ في وجوبه حينئذ شكّ في وجوبه النفسي خاصّة و أصل البراءة نافية له لكن إجرائها موقوف على الضّيق الذاتي أو العرضي لأن الوجوب الموسّع و التخييري لا يجري فيهما أصل البراءة و أمّا بعد دخول الوقت للغير فلا إشكال في أصل وجوبه حينئذ للقطع به إمّا لنفسه أو لغيره و إنّما الإشكال في وجوب الاحتياط بتقديمه على الغير فقيل بوجوبه و لعلّ وجهه أن العلم‏

الإجمالي هنا مردّد بين أمرين مغايرين لأنّه إن كان واجبا غيريّا كان الواجب هو الغير المقيد به كالصّلاة المقيّدة بالغسل و إن كان واجبا نفسيّا كان الواجب هو الغسل مثلا دون الصّلاة المقيدة به فيجب الاحتياط لدوران المكلّف به بين المتباينين بعد العلم الإجمالي بالتكليف و فيه أنّ هذا العلم الإجمالي ينحل إلى معلوم بالتفصيل و مشكوك كذلك فيؤخذ بالمعلوم و يدفع المشكوك بالأصل لأن القدر المعلوم منه هو وجوب الغسل في الجملة و أمّا وجوبه قبل الصّلاة فهو شكّ في خصوصيّة زائدة فيدفع بأصل البراءة بناء على جريانها في التعيين و التخيير العقليين كما هو الشّأن في الشرائط المشكوكة و تمام الكلام موكول إلى محلّه و أمّا بعد انقضاء الوقت فمقتضى الاستصحاب بقاء

329

التكليف بناء على جريانه عند الشكّ في المقتضي كما هو واضح و أمّا على عدم جريانه فيه كما هو الصّواب و عليه محققي الأصحاب فالمحكم في المقام هو أصالة البراءة

التّنبيه الثّاني في أن الواجب الغيري هل يترتب عليه الثواب و العقاب أو لا

فيه أوجه و أقوال (أحدها) القول بثبوتهما معا و هو ظاهر العبارة المحكية عن المحقق السّبزواري في رسالته المعمولة في المسألة و المعزى إلى صريح الإشارات و محتمل كلام المناهل و صرّح به المحقق القمّي في القوانين بل و استظهره من عبائر القائلين بوجوب المقدّمة أيضا كما يظهر من ملاحظة ما ذكره في ذيل المقدّمة السّادسة و المقدّمة السّابعة من مقدّمات المسألة و لكنّه اشترط في ترتبهما عليه كون الوجوب أصليّا و لعلّه يقول بالاشتراط في ترتبهما على الواجب النفسي أيضا بناء على توقفهما على ورود الخطاب من الشارع مطلقا حتى في المستقلاّت العقلية فليس هذا منه تفصيلا في المسألة بل الواجب النفسي و الغيري عنده سواء فإن ورد هناك خطاب سمعيّ استحق به الثواب و العقاب و إلا فلا كما عليه القائلون بالملازمة بين حكم العقل و الشّرع كلاّ أو جلاّ في المستقلاّت العقلية فأثبتوا الحكم الشرعي بالملازمة و نفوا العقاب بأدلّة البراءة و تحقيق الحال في محلّه (و ثانيها) القول بعدمه كذلك و هو خيرة جماعة من محققي المتأخرين و لعلّ المتصفح في كتب القوم يجده في كلمات الأقدمين أيضا (و ثالثها) التفصيل بين الثواب و العقاب بالتزام الأوّل دون الثاني نقل ذلك عن الغزالي و غيره و يظهر من المحقق القمّي الميل إليه أيضا بعد ملاحظة ما اختاره في المقدّمة من عدم وجوبها بالوجوب الأصلي و توقف العقاب على الخطاب الأصلي (و رابعها) عكس الثالث أعني الالتزام بثبوت العقاب دون الثواب و هذا مجرد احتمال لم نعثر بقائله إلا أنّ له وجها وجيها لو تم ما نقل عن المحقق السّبزواري (قدّس سرّه) من ترتب العقاب على ترك المقدّمة لما ستعرف من عدم الثواب لا عقلا و لا شرعا في الواجب الغيري فمقتضى الدليل المنقول منه على العقاب لو تم مع عدم الدّليل على الثواب أن يقال إن تارك المقدّمة يستحق العقاب و لا يستحق فاعلها الثواب و كيف كان فلنتكلّم أولا في الواجب النفسي و ننظر دليل الثواب و العقاب عليه ثم في الواجب الغيري (فنقول) إن المعروف بين المتكلّمين و الأصوليين أن فاعل الواجب يستحق المدح و الثواب و تاركه يستحق الذمّ و العقاب كما يفصح عن ذلك تعريفهم للواجب بما يستحق فاعله المدح و الثواب و تاركه الذم و العقاب من المولى فهاهنا أمور الثواب و العقاب و المدح و الذم و القرب و البعد أمّا العقاب فلا شبهة فيه لأن العبد العاصي الغير المعتني بشأن مولاه ربا و أمره يستحق المؤاخذة و العقاب عند العقلاء فلو عاقبه على المخالفة و ترك الطّاعة له لم يكن ذلك منه قبيحا و لا مذموما عند العقلاء و أمّا استحقاق الثواب ففيه تأمّل بل منع لا لما ذكره المحقق الخوانساري في رسالته المعمولة في المسألة ردّا على المحقق السّبزواري من أن فائدة الأمر راجعة إلى المأمور فليس له على الآمر أجر آخر مضافا إلى تلك الفائدة العائدة إليه بالامتثال بل لأن قضية العبودية وجوب امتثال أمر المولى سواء كان الأمر لفائدة عائدة إلى المولى أو إلى العبد أو اقتراحا من غير مراعاة الفائدة رأسا سيّما إذا كان المولى منعما عليه بأنواع النعم و خصوصا إذا كان منشؤه من كتم العدم و مفيضا عليه فيض الوجود و كان عليه دائم الجود بحيث لو انقطع عنه الفيض طرفة عين لهلك و صار كأن لم يكن شيئا مذكورا فهل ترى في إطاعة مثل هذا المولى استحقاق أجر و ثواب فوق ذلك كلّه فأخذ استحقاق الثواب في تعريف الواجب غير مستقيم إن أرادوا به الاستحقاق العقلي كما هو الظّاهر بقرينة مقابلته للعقاب و إن أرادوا به الاستحقاق الشرعي الثابت بالآيات و الأخبار فهو ممّا لا يقبل الإنكار و إنّما هو ثابت لو لم يمنعه مانع من الحبط أو العفو أو غيرهما و الحاصل أنّ الاستحقاق الشرعي الثابت من وعد اللّه تبارك و تعالى و وعيده ثابت ثوابا و عقابا مدحا و ذمّا قربا و بعدا و أمّا العقلي فهو مسلّم في العقاب و الذّم و المدح و القرب و البعد دون الثواب خاصّة و إذا تقرّر ذلك فلنعد إلى ما كنا بصدده و لنتكلّم أوّلا في ثبوت الثواب في الواجب الغيري ثم في ترتب العقاب عليه فنقول (أمّا الأوّل) فالاستحقاق العقلي قد ظهر حاله ممّا مرّ في الواجب النفسي فإنه إذا لم يحكم العقل فيه باستحقاق فاعله الثواب ففي الواجب الغيري بطريق أولى مضافا إلى أنّ حكم العقل باستحقاق الثواب فيه لو سلّمناه فإنّما هو من جهة الإطاعة و الانقياد الغير المتحققين فيما هو مطلوب للغير فإنّ الإطاعة هو إتيان الفعل المأمور به بداعي الأمر و الواجب الغيري ليس بمأمور به أصالة

و إن كان الأمر به لازما للأمر بالغير و تابعا له و الإطاعة و المعصية إنما يلاحظان بالقياس إلى الأوامر الأصلية الّتي تعلّق بها غرض الآمر فما ليس فيه غرض وجوده و عدمه سواء و لو تعلّق به أمر تبعا لأجل التوصّل إلى الغرض و من هنا لا يعد فعل الواجب المتوقف على مقدّمات عديدة إلا إطاعة واحدة و لعلّنا نتكلّم في ذلك بعض الكلام حيثما يقتضيه المقام و أمّا الاستحقاق الشرعي فربّما يتمسّك له بالعمومات الدالة على أنّه تعالى يعطي بإزاء كلّ عمل أجرا و ثوابا كقوله تعالى‏ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ*. عَمَلَ عامِلٍ‏ و بعمومات الإطاعة كقوله تعالى‏ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏

330

يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ* و غيره ممّا يدلّ على ترتب الثواب على الطّاعات الشاملة للمقام و بالأدلّة الخاصة الواردة في ترتب الثواب على المقدّمات كتابا و سنّة فمن الكتاب قوله تعالى في سورة النّساء وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏ و كقوله تعالى في سورة البراءة ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ و من السّنة ما ورد في مقدّمات الحجّ و الزيارات و أن في كلّ خطوة كذا و كذا و ما ورد في الغسل و الوضوء و مقدّماتهما من الأجر و الثواب و منه ما ورد أن نية الحسنة حسنة لأن النية أيضا من المقدّمات و يرد عليها (أوّلا) منع الدّلالة بمقتضى القواعد اللّفظية أمّا الآيتان الأوليان فلأن العمل منصرف إلى ما يتعلّق به الأمر أصالة فلا يتناول المقدّمات المأمور بها تبعا و كذا الإطاعة لا تصدق على امتثال الأمر المقدّمي حسبما أشرنا إليه آنفا و أمّا الأخبار فلأنّها لا تدلّ على ثبوت هذه المثوبات فمن المحتمل أن تكون هي أجر ذي المقدّمة وزعت على المقدمات و يؤيّده ما دلّ على ثبوت الأجر في كلّ خطوة ذهابا و إيابا مع أن الخطوة الإيابية ليست منها و دعوى أنّها تدلّ على ثبوت هذه الأجور بفعل المقدّمات سواء كانت موصلة إلى ذي المقدّمة أم لا ممنوعة لأنّها إطلاقات واردة في مقام بيان حكم آخر و هو بيان ما يثاب عليه المجاهد و الزائر فلا إطلاق لها من هذه الجهة نعم قد يقال إن قوله تعالى‏ وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ‏ يدلّ على ثبوت الأجر قبل نيل المقصود لكنه للنظر فيه أيضا مجال كما لا يخفى نعم حديث نية الحسنة حسنة صريح في ترتب الثواب على نفس النية بل في بعض الأخبار و لو فعل كان له أجران لكن النية قد يقال إن لها محبوبيّة و مزية و حسن نفسي مضافا إلى كونها مقدّمة للحسنة المثوبة فلا غرو في ترتب الثواب عليها من الجهة النّفسيّة (و أمّا ثانيا) فلأن غاية ما يحصل منها على فرض تسليم دلالتها إنما هو الظنّ إمّا سندا أو دلالة و هو ممّا لا يليق الاكتفاء به في المقام و نحوه من المسائل العلمية المحضة الّتي لا يترتب عليها شي‏ء من الآثار العملية و لعمري إن الاستدلال بالأدلة الظنية على الثواب و العقاب أمر عجاب و ربما أجيب عنها بأن هذه الأجور و المثوبات الموعودة على المقدمات مبنية على التفضّل دون الاستحقاق و هو حسن و إن كان ما ذكرنا أوفق بالنظر الدقيق و قد يستدل على ثبوت الثواب في الواجب الغيري بقاعدة التسامح و هو مبني على مقدّمتين (إحداهما) ثبوت الاستحباب الشرعي في مجاري هذه القاعدة كما هو المشهور (و الثانية) الاكتفاء في صدق البلوغ بالبلوغ الظني و هو في جانب السّند أمر مسلم بل لا يستندون إليها إلا في المستحبات الثابتة من ضعاف الأخبار و أمّا في جانب الدّلالة فينبغي الاكتفاء به أيضا فإذا اقتضى ظاهر العموم أو الإطلاق في استحباب شي‏ء دخل تحت عموم من بلغ فمقتضى عموم أن اللّه لا يضيع عمل عامل استحباب المقدّمة لقاصد الفضل فإذا ثبت الاستحباب ترتب عليه الثواب بالأدلّة القطعية السّمعية الشاملة للواجبات و المستحبّات و لو لا ذلك لرجع إلى ثبوت مسألة علمية بالظنّ و لو مع المساعدة على صدق بلوغ الثواب بالعام لأن احتمال أن يكون المراد من العمل المذكور في أخبار من بلغ خصوص العمل الّذي كان مطلوبا لنفسه قائم و مع هذا الاحتمال لا ينفع صدق البلوغ بالعمومات لأن النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات فإذا كان إحدى المقدّمات ظنية كانت النتيجة ظنية و الظّن لا يفيد علما و لا عملا في إثبات الثواب بخلاف ما لو قلنا بثبوت الاستحباب الشرعي إذ بعد تسليم صدق البلوغ بالعمومات يثبت استحباب المقدّمة بقصد التوصّل و بعد ثبوت الاستحباب يترتب عليه الثواب قطعا فالمقدّمات حينئذ كلّها قطعية إلاّ أنّي لم أجد مصرحا بكفاية ظني الدّلالة في صدق البلوغ و للمنع أيضا فيه مجال مضافا إلى المناقشات في دلالة العمومات بمقتضى‏

القواعد اللفظية المانعة عن صدق البلوغ هنا و لو قلنا بكفاية ظني الدلالة في صدقه لأن الظنّ الشخصي غير حاصل و الظنّ النوعي إنما يتم إذا ساعده القواعد اللّفظية الّتي منها السّلامة عن توهم الانصراف كلّ ذلك مع الإشكال في أصل ثبوت الاستحباب الشرعي بأخبار من بلغ فالحكم بترتب الثواب على المقدّمة و لو من باب التسامح مشكل بل ممنوع و ربما يورد عليه بلزوم تسديس الأحكام أو تسبيعها كما في حواشي القوانين و ليس في محلّه كما لا يخفى بالتأمّل (بقي الكلام) في المدح و القرب فصرّح بعض الأفاضل بترتبهما على المقدمة مدعيا للقطع بذلك قال فترتب الأمر الأوّل أعني المدح ممّا لا ريب فيه لشهادة العقل و العادة به أ لا ترى أن المولى إذا أمر عبده بأمر و أخذ يسعى في تحصيل مقدّماته و يرتكب المكاره في تمهيد أسبابه للوصلة إلى مطلوبة أن العقلاء يمدحونه معلّلين‏

331

حسن مدحه بفعله ذلك للتوصّل إلى مطلوب مولاه و المنع فيه مكابرة لا يعبأ به و كذا الأمر الثّاني على ما تشهد الفطرة السّليمة إذ لا ريب أنّ فعل المقدّمة على الوجه المذكور إطاعة و انقياد و من البين أنّهما يستلزمان القرب إلى المطاع انتهى (أقول) أمّا المدح فهو مسلم إن أراد به المدح الفاعل و إن أراد المدح لفعل المقدمة ففيه منع واضح لأنّ حال المقدّمة كحال المباحات من هذه الحيثية و تعلّق الوجوب الغيري التبعي المعلولي لا يفيد مدحا راجعا إلى نفس الفعل بل المدح هنا راجع إلى فاعلها من حيث كونه في سدد إطاعة المولى فعلها أو لم يفعلها أمّا القرب فلا لأنّ سبب القرب مفقود حتى من حيث النية لأنّ قاصد الإطاعة له مرتبة من القرب من المولى حال وجود القصد و حال عدمه و ما أبعد بين الحكم بحصول القرب بفعل المقدمة و بين القول بأنّه غير معقول و إن قصد القربة بها ممتنع فلو ثبت اشتراط المقدّمة بنية القربة كما في الغسل و الوضوء و التيمّم لزم تأويله إلى ما لا ينافي حكم العقل و يأتي إن شاء الله تعالى (توضيح الحال) في المقال و أمّا ترتب العقاب على ترك المقدمة فالكلام في ثبوته شرعا ما تقدّم في استحقاق الثّواب حرفا بحرف من أن قصوى ما يحصل من الآيات و الأخبار الواردة في التوعيد على المخالفة و المعصية بعد الغضّ عمّا فيه من المناقشات المذكورة هو الظن الّذي لا يغني و لا يجدي في المسائل العلميّة المحضة و أمّا ثبوته عقلا فالكلام فيه تارة في ترتبه على ترك المقدمة المصادف لترك ذيها و أخرى على تركها الغير المصادف لترك ذيها فهاهنا مقامان (أمّا الأوّل) فقد يتراءى فيه الخلاف بين الأصحاب فظاهر القوانين و صريح المحكي عن بعض استحقاق العقاب في ترك المقدمة و ربما جعل هذا ثمرة لوجوب المقدمة و هذا كالصّريح في الخلاف و إن كان التحقيق بطلان الثمرة (و كيف كان) فإن أريد من ترتب العقاب على ترك المقدمة عقاب مستقلّ فوق العقاب المترتب على ترك ذيها فهو بمعزل عن الصّواب بل لا يحوم حوله عاقل و كيف يقول عاقل بأنّ تارك الواجب يستحق العقاب عدد المقدّمات و لو خصّ الكلام بالمقدّمة الّتي يستند ترك الواجب إلى تركه فلا عقاب إلا على ترك الواجب و ترك هذه المقدّمة لغسل المحذور و هانت البشاعة و الشناعة إلاّ أنه أيضا كلام لا ينبغي الالتفات إليه بل لا أظنّ أحدا يلتزم به و لا وجه له أيضا عند العقلاء فإنهم لا يرتابون في عدم تعدّد العقاب كما لا يخفى على من له ذوق سليم و وجدان مستقيم فما عزي إلى السّبزواري من أنه قائل بترتب العقاب على ترك المقدّمة لا ينبغي الرجوع إليه أعني تعدد العقاب فإن أريد أن العقاب الّذي هو في ترك الواجب إنّما هو في ترك المقدّمة لا ترك ذي المقدّمة كما هو ظاهر المحكي عنه (قدّس سرّه) فليس ببعيد قولا و قائلا قال (قدّس سرّه) إن من ترك المقدّمة قبل بلوغ وقت الواجب كمن ترك الخروج مع القافلة إلى الحج و صار الواجب بعد ذلك ممتنعا فإمّا أن يعاقب أو لا و على الأوّل فإمّا يعاقب على ترك الواجب أو على ترك المقدّمة لا سبيل إلى نفي العقاب رأسا لأنّه تارك للواجب باختياره و لا وجه لعدم استحقاقه العقاب و لا للفرق بينه و بين حاضري مكة إذا تركوا الحجّ و لا إلى العقاب على ترك الواجب لأنّ الترك بعد لم يتحقق و إنّما تحقق بانقضاء زمان الحج فهو كالقصاص قبل الجناية فتعين العقاب على ترك المقدّمة لكونه سببا لترك ذيها فهناك عقاب واحد و هو العقاب على ترك الواجب لكنّه مستندا إلى ترك المقدّمة لا إلى ترك الواجب (و من الواضح) أن ترك غير الواجب لا يصير سببا لاستحقاق العقاب فإذا ثبت أن ترك المقدّمة سبب لاستحقاق العقاب الموعود على ترك الواجب ثبت وجوبها لأن كلّ ما ليس بواجب لا يكون سببا لاستحقاق العقاب هذه خلاصة ما نقل عنه في المقام على اختلاف عبارات الناقلين مع توضيح و بيان و مجموع المحصّل منه أمران (أحدهما) استناد العقاب الّذي يستحقه على ترك الواجب إلى ترك المقدّمة (و ثانيهما) الملازمة بينه و بين وجوبها (أمّا الأمر الثّاني) فلسنا بصدده هنا صحّة و سقما (و أمّا الأمر الأول) فقد أورد عليه تارة بأن العقاب في زمان ترك المقدّمة أيضا مستند إلى ترك الواجب لأنّ ترك الواجب قسمان حقيقي و هو موقوف على بلوغ زمان الواجب و انقضائه و حكميّ و هو ما لا يتوقف على ذلك بل على صيرورة الواجب ممتنعا بسوء اختياره‏

و كأنّه يرفع إليه ما في رسالة المحقق الخوانساري جوابا عن هذا الدّليل على وجوب المقدّمة حيث قال إنّه يعاقب على ترك الحجّ لأن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار و أنت خبير بأنه لا مساس له بمقالة السبزواري لكونه معترفا بأنّ العقاب على ترك الحجّ و أن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار و إنّما يدعي استناد العقاب عليه إلى ترك المقدّمة المفضي إلى تركه فثبت بذلك وجوبها و أخرى بأنّ سبب العقاب قد يكون ترك الواجب و قد يكون إيجاد سبب ترك الواجب فالعقاب هنا ليس على ترك الواجب حتى يكون مثل القصاص قبل الجناية بل على إيجاد سبب تركه ثم تعلّق المجيب في إثبات ذلك ببناء العقلاء و حكمهم باستحقاق موجد السبب للعقاب و فيه أيضا ما عرفت بل الأولى أن يجاب بأنا نمنع استناد ترك الواجب إلى ترك المقدّمة فالعقاب إنّما

332

هو على ترك الواجب من غير استناده إلى ترك المقدّمة لأن ترك الواجب و ترك المقدّمة كلاهما مستندان إلى الصارف فما رامه من إثبات وجوب الخروج مع القافلة و أن ترك الخروج هو الّذي صار سببا لاستحقاق العقاب فيكون الخروج واجبا غير مسلّم أن لا سببية في المقام و لا استناد بل ترك الواجب مستند إلى الصّارف (فإن قلت) ننقل الكلام إلى الصّارف فإن تركه مقدّمة سببيّة فيكون واجبا لأنّ ترك الواجب مستندا إلى عدم تركه فيتم المدّعى (قلت أوّلا) إن البحث في المقام إنما هو في المقدمات الخارجية مثل الخروج مع القافلة في المثال المذكور و تحصيل الماء للصّلاة و نحوهما دون الإرادة و الصارف (و ثانيا) إنّ البحث المذكور آت فيه أيضا فإنا نمنع سببيّة الصّارف لترك الواجب و نقول إنّه و ترك الواجب كلاهما مستندان إلى شي‏ء واحد و هو عدم وجود المقتضي للطّاعة في نفس العاصي فيعاقب على ترك الواجب لكونه أمرا اختياريا من غير أن نلتزم استناده إلى ترك شي‏ء من المقدّمات حتى الإرادة بل مستند إلى خبث ذات المأمور به (فإن قلت) إنه يلزم الجبر (قلنا) قد خرجت عن مسألة مقدّمة الواجب إلى مسألة أخرى غامضة ليس هنا محلّ الخوض فيها و قد ذكرنا بعض ما فيه من التحقيقات في أنّ الطّلب عين الإرادة أو غيرها (فإن قلت) حين ترك الخروج مع القافلة لم يتحقق منه بعد ترك الواجب فكيف يعاقب عليه (قلت) ترك الواجب عبارة عن عدم إتيان الواجب و عدم الإتيان مستمر من الأزل إلى الأبد فيعاقب عليه بعد تنجز الطّلب و تنجز العدم و استقراره لا مطلقا فإن عدم الواجب بعد تنجز التكليف ليس سببا للعقاب مطلقا بل السّبب هو العدم الّذي يمتنع الوجود بعد و هذا حاصل في محلّ الفرض إذ التكليف تعلّق بالمكلّف و القدرة على الامتثال أيضا حاصلة و عدم الامتثال أيضا مستقر ثابت فيعاقب عليه و لا حاجة في تصحيح العقاب على ترك الواجب إلى ارتكاب التكلّفات المردود على المكلّف كما عرفت ثمّ إنّ المثال الّذي مثّله محلّ مناقشة لأنا لا نلتزم بتنجز الخطاب بالحجّ قبل وقته حال خروج القافلة بل نقول إن وجوب الخروج وجوب تهيّائي على التحقيق الّذي تصدّعنا في إتقانه و إنّما يقول به من قال بالواجب (و إن شئت) مثالا موافقا للتحقيق فلنفرض ترك المقدمة المنحصرة في أوّل وقت الواجب الموسع بعد دخوله إذ الدليل العقلي المذكور لو تم يجري فيه كما لا يخفى فلو ترك الوضوء مثلا في أوّل وقت الفريضة مع العلم بعدم إمكانه بعد ذلك فإمّا يعاقب على ترك الوضوء أو ترك الصّلاة فعلى الأول يثبت المدّعى و على الثّاني فإمّا يعاقب عاجلا أو ينتظر إلى خروج الوقت إلى آخر ما ذكره في الدّليل المذكور و خلاصة الجواب أنّه يعاقب على ترك الصّلاة عاجلا من غير استناد إلى ترك الوضوء و لا يمنع عن تعجيل العقاب سعة وقته لأنّ سبب العقاب عدم الامتثال المستقر و هو محقق عند ترك الوضوء و ليس سبب العقاب هو ترك الوضوء حتى يعاقب بسببه بل سببه ترك الصّلاة الحاصل بترك الوضوء على الوجه الّذي قرّرناه فافهم و تدبّر (و أمّا المقام الثّاني) ففي ثبوت العقاب على ترك المقدمة الغير المصادف لترك ذيها و هو متفرّع على مسألة التجري لأن التجري قد يكون على فعل الحرام و قد يكون على ترك الواجب فلنتكلّم في التجري على فعل الحرام أولا حتى يتضح الحال في المقام (فنقول) إن المشهور على ما نقل هو حرمة التجري و استدلّ عليه بعض بدليل العقل قال ما نقل عنه شيخنا العلاّمة بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر فإمّا أن يستحقّا العقاب أو لا يستحقاه أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر أو العكس لا سبيل إلى الثاني و الرابع و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار و هو مناف لما يقتضيه العدل فتعين الأول و توضيحه بأحسن بيان أن المعصية قبيح عقلا و إن لم يكن حراما شرعا للزوم التّسلسل و الفارق بينها و بين التجري ليس إلاّ أمر غير اختياري و هو إصابة المقدّمات للواقع في المعصية و عدمها في التجري و القبح العقلي موضوعه الفعل الاختياري الخالص لأن ما هو خارج عن الاختيار و القدرة فهو حركة البهائم لا يتصف بشي‏ء من الحسن و القبح العقليين و لا له دخل فيهما و المتصف بالقبح الفعلي في المعصية بعينه موجود في التجري و هو الإقدام على مخالفة المولى و هو القدر المشترك بينهما فيكون‏

قبيحا عقلا و مقتضى الملازمة بين القبح العقلي و الحرمة أن يكون حراما (و الحاصل) أن مناط الذّم و العقاب العقليين و كذلك المدح و الثواب و ملاكهما إنما هو الحسن و القبح العقليان فما لم يتصف العقل بحسن عقلي أو قبح كذلك لم يحكم العقل بترتب العقاب على تركه أو ترتب الثواب على فعله و قد أطبق أهل التّحسين و التقبيح على أن الفعل لا يتصف بالحسن و لا بالقبح إلا إذا كان مقدورا للمكلّف وجودا و عدما فما كان خارجا عن اختياره كلاّ أو بعضا لا يكون حسنا و لا قبيحا حتى إنّه لو احتمل على أجزاء و شرائط عديدة لزم أن يكون كلّها مقدورة ضرورة أن خروج بعض الأجزاء أو الشرائط عن تحت القدرة يوجب انتفاء قدرة

333

المكلّف على المجموع لأن النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات فلا يمكن إناطة العقاب على الإصابة الّتي هي غير مقدورة و كذا سائر الأفعال التوليدية فإن الأحكام العقلية إنّما يترتب عليها لمقدّماتها الاختيارية خاصة و لا مدخلية لما يترتب عليها قهرا من الغايات فيها رأسا و حينئذ فلا فرق في ترتب العقاب العقلي بين المصيب و المخطئ (فإن قلت) إن الأمر الغير الاختياري و إن لم يكن مؤثرا في الحسن و القبح لكن لا مانع من كون عدمه سببا لعدم استحقاق العقاب فلا مانع من كون عدم الإصابة للواقع سببا لعدم استحقاق العقاب (قلت) ليس الكلام في استحقاق العقاب و عدمه بل في القبح العقلي و الحرمة الشرعية و الإقدام على مخالفة المولى إمّا أن يكون كافيا في الذم و القبح أم لا فإن كان كافيا ثبت كونه قبيحا عقلا فيترتب عليه القبح الشرعي بقاعدة الملازمة و إن لم يكن كافيا بل يتوقف على أمر غير اختياريّ و هو الإصابة للواقع لزم مدخلية شي‏ء غير اختياري في الحكم العقلي و بطلانه ضروريّ اتفاقي (فإن قلت) القبيح إنّما هو قتل النّفس الاختياري مثلا و غيره ليس بقبيح و يكفي في كونه اختياريّا كون مقدّماته المولدة له اختيارية فإذا أقدم على القتل و تناول السّيف و قتل نفسا فقد ارتكب قبيحا اختياريا لأن كونه اختياريّا لا يتوقف على كون جميع الإضافات اختيارية بل يكفي في كونه اختياريا تولده و صدوره من الفعل الاختياري بخلاف التجري فإنّه ليس قتلا حتى يكون قبيحا و مجرّد المقدّمات الاختيارية لا دليل على قبحه (قلت) إذا لم تكن المقدّمة الاختياريّة قبيحة امتنع أن تكون النتيجة الغير الاختيارية قبيحة باعتبار تولدها منها لأنّها بنفسها أمر غير اختياري لا يمكن أن يتصف بالحسن و القبح العقليّين و منشؤها أيضا أمر غير قبيح و لو كان اختياريّا حسبما اعترفت و المركب من شيئين الغير القبيحين كيف يتصف بالقبح فلا مناص إلاّ عن الالتزام بقبح المقدّمات المنتجة بنفسها و هي موجودة في التجري بعينها و ملخّص المقام أن الإقدام على مخالفة المولى و التعرض لتهتك نواميسه هو الّذي يحكم العقلاء بقبحه و هو سبب تام للقبح العقلي يدور مداره حيثما يوجد فلا محيص عن القول بقبح التجري عقلا فعلا و فاعلا أمّا فاعلا فلأنّه يكشف عن شقاوة المتجري و سوء سريرته و هذا ممّا لا إشكال فيه بل لا خلاف أيضا و أمّا فعلا فلأن التجري إقدام على هتك ناموس المولى و طغيان عليه و هو في نفسه أمر قبيح عقلا فلو أقدم عبد على قتل مولاه و سعى في مقدّماته ذمّه العقلاء على ما سعى عليه من الأفعال الصّادرة عنه بالاختيار و يقبحون ما صدر منه من المقدّمات في إهلاك المولى و إن لم يترتب عليها ما أراده من العمل فلو عاقبه على ذلك فلا يلومونه قطعا فإذا ثبت قبحه كان حراما بالملازمة و أمّا استحقاق العقاب و اللّوم و الذّم فهو أيضا لا ينفكّ عن القبح نعم عقاب المعصية لا يحكم باستحقاق المتجري إياه لأنه نظير الحكم الوضعي التوقيفي تابع للموضوع الشرعي و التجرّي ليس منه فلا يحكم بترتبه عليه (فتلخص) أن العقاب الّذي وعده المولى غير مترتب على التجري لأنه مجعول و مقرر من جانبه يتبع العنوان الّذي رتبه عليه و لا يتعدّى إلى غيره و لو كان حراما قبيحا مثله و أمّا أصل استحقاق العقاب عقلا الثّابت في كلّ معصية فوجهان مبنيان على توقفه على خطاب السمع فإن قلنا إن العقاب لا يتوقف على الخطاب الشرعي و إن قوله تعالى‏ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يعمّ الرّسول الباطن التزمنا بعقاب التجري أيضا لكن عقاب آخر غير عقاب المعصية الّتي قصدها و إن قلنا إنه يتوقف على خطاب السّمع على حمل الرّسول في الآية على الرّسول الظاهر كما هو أحد الأقوال في مسألة الملازمة و ليس ببعيد و إن قيل إن العفو الحتمي قبيح من الشارع لأنّه سبب للوقوع في المعصية و مخالف للطف الواجب فوجهان أيضا فإنّه إن أريد بالخطاب مطلق الرادع يثبت العقاب أيضا لأن الخطاب الوارد في الحرام الّذي قصده المتجري يكفيه رادعا لأنّه لا يزعم أنّه المتجري بل يرى نفسه مقدّما على الحرام الّذي نهاه المولى فالنّهي الوارد في المعصية الّتي قصدها رادع عن التجري أيضا فهو كاف في إقامة الحجّة عليه شرعا كما إذا كان الفعل محرما من جهتين و لا يعلم المكلّف إلا بجهة منهما فإن علمه بحرمته من جهة واحدة يصحّح عقابه عليه من جهتين كما لا يخفى نظرا إلى قيام الحجّة عليه و لو من جهة خاصة و إن أريد به الخطاب في مورد الحكم العقلي لم يكن عليه عقاب لأن‏

عنوان التجري ليس قابلا للخطاب لوضوح أنّ التجري من حيث هو بعنوانه الخاصّ ممّا لا يمكن تعلّق النهي عليه لأنّ المتجري حال كونه متجريا لا يعلم أنّه متجري و من حيث عنوانه العام أي الإقدام الّذي هو القدر الجامع بين التجري و المعصية فهو و إن كان قابلا للنّهي إلاّ أنّ النّهي كذلك ليس بموجود أمّا نواهي المعصية فمع كونها إرشادية فلا يشمل التجري و ليس سواها نهي آخر تعلّق بالعنوان المشترك أي الإقدام على المعصية فالتجري حرام و معصية شرعا إلا أنّه لا عقاب عليه نظير الظّهار هذا مجمل القول في ذلك و أمّا التفصيل فهو موكول إلى محلّ آخر (ثمّ) إنّ في حصول الفسق بالتجري و عدمه وجهين مبنيين على أنّ حصول الفسق بالمعصية هل هو لكشفها عن عدم‏

334

الملكة و عدم المبالاة بالدّين أو لكونها سببا لحصول الفسق بنفسها لا من حيث الكشف فعلى الأوّل قد يقال إن التجري بالكبيرة مثلها في كونه سببا للفسق لكشفه عمّا يكشف عنه المعصية و على الثاني فلا (و التحقيق) العدم لفساد الوجه الأول لأنّ المعصية قد تصدر بوسوسة الشّيطان و لغلبة الأهوية النفسانية مع وجود الملكة النفسانية الراسخة فلا يدلّ صدور المعصية عن عدم الملكة فتعين استناد الفسق إلى نفس المعصية استناد الأحكام الوضعية إلى أسبابها و التجري ليس منها فلا يكون سببا للفسق مطلقا حتى على القول بالملكة فضلا عن القول بحسن الظّاهر و أنت بعد العثور فيما شرحنا تقدر على تنزيل ما أفاده في المقام شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) قال (رحمه الله) جوابا عن الدليل العقلي المذكور بما لفظة إنا نلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع لأنّه عصى اختيارا دون من لم يصادف قولك إن التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار ممنوع فإن العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح إلا أنّ عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم ثم قال فالظاهر أن العقل إنما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته مع المولى لا في استحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية و ربما يؤيد ذلك أنا نجد في أنفسنا الفرق في مرتبة العقاب بين من صادف فعله الواقع و بين من لم يصادف إلاّ أن يقال إن ذلك إنما هو في المبغوضات العقلائية من حيث إن زيادة العقاب من المولى و تأكد الذم من العقلاء بالنّسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفي المستحيل في حق الحكيم تعالى انتهى و أنت خبير بما فيه لأنّه التزام بمقالة المستدلّ فإن عدم العقاب لو كان مستندا إلى عدم الإصابة فاستحقاقه في صورة الإصابة أيضا مستند إلى الإصابة إذ لا تفاوت بين المصيب و المخطئ إلا بالإصابة و عدمها حسبما عرفت فيما شرحناه فيلزم إناطة العقاب على أمر غير مقدور نعم لو أراد من استحقاق العقاب الاستحقاق الشرعي كما يومئ إليه استشهاده بالأخبار صحّ ما ذكره إذ لا مانع من وعيد الأمر العقاب على أمر اختياري بشرط حصول أمر غير اختياري فإن الأمور المجعولة تابعة لجعل الجاعل و محلّ جعله يصنعه حيث يشاء و هو غير مقام الاستحقاق العقلي و لكنه كما ترى لا مساس للواجب المذكور بما ذكره المستدلّ لأنه في مقام ثبوت الاستحقاق العقلي كما لا يخفى هذا كلّه في التجري في الحرام و أمّا التجري في الواجب فقبحه الفاعلي ممّا لا إشكال فيه بل لا خلاف أيضا و أمّا الفعلي فلا لانتفاء موضوعه هنا ضرورة أن التجري في الواجب ليس إلا ترك ما يعتقد وجوبه و هو أمر عدمي غير قابل لاتصافه بالحسن أو القبح العقليّين الّذين موضوعهما الأفعال الاختيارية فليس في التجرّي على ترك الواجب سوى الكشف عن خبث الذات و سوء السّريرة و هذا واضح لمن تدرّب و تأمّل‏

التنبيه الثالث في أن الواجب الغيري المقدمي ينقسم إلى توصلي و تعبدي‏

كالواجب النفسي حسبما يأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله تعالى و التوصّلي منه ما لا يتوقّف مقدّميته على قصد القربة بخلاف التعبدي فيتوقف مقدّميته على قصد القربة و قد يشكل في ذلك بما ذكره شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) في كتاب الطّهارة في مسألة اعتبار نية القربة في الوضوء بما حاصله أن مقدّمية الوضوء لو كانت موقوفة على كونه عبادة لزم الدّور لأن تعلّق الأمر الغيري به موقوف على كونه مقدّمة فلو كانت مقدّميته موقوفة على كونه عبادة لزم الدّور لأن كون الشي‏ء عبادة يتوقف على الأمر به لأن التعبد عبارة عن الإتيان بالشي‏ء امتثالا لأمر المولى فلو توقف كونه مقدمة على كونه عبادة لزم توقف الشي‏ء على ما يتوقف عليه و هذا هو الدّور و يسري هذا الإشكال في سائر المقدمات التعبدية أيضا بل و جميع التعبديات و أيضا الواجب الغيري ما كان مطلوبا لأجل غيره فالداعي للأمر في الواجب الغيري إنّما هو التوصّل به إلى غير المأمور به و الواجب التعبّدي ما كان الدّاعي إلى الأمر هو الامتثال الموقوف على قصد القربة مثلا نصب المسلم إذا كان واجبا غيريا فالداعي و الغرض من الأمر به إنّما هو الكون على السّطح مثلا و لو فرض كونه تعبديا كان الداعي إلى الأمر به هو التعبّد بالنصب لأشياء أخر فإذا فرض كونه تعبديّا و غيريا معا لزم تعلّق الأمر به لأجل غايتين متضادتين و بطلانه واضح و أجاب عن الأوّل بوجهين (أحدهما) بمنع توقف مقدمية الوضوء على الأمر به بل الّذي يتوقف عليه هو قصد العنوان الّذي تعلّق الأمر به فإن قصد عنوان الواجب لازم في تحققه في الخارج و لما كان ذلك العنوان مجهولا لا يمكن قصده مفصّلا وجب قصده على سبيل الإجمال و قصده على نحو الامتثال هو أن يأتي به بعنوان أنّه مأمور به و هو محقق قبل الأمر لا أنه يحدث بحدوثه فقصد امتثال الأمر لا بدّ منه لكونه لازما مساويا للعنوان الّذي أمر بالوضوء لأجله لا لمدخليته في كونه مقدّمة للصّلاة فيرتفع الدّور لأنّه إنّما يلزم لو كان صفة المقدمية موقوفة على الأمر أمّا لو كانت موقوفة على قصد شي‏ء و كان قصد الأمر لكونه لازما مساويا له فلا دور و فيه (أولا) أنّ اعتبار قصد عنوان المأمور به في تحققه محلّ نظر فإنّه ليس بواضح و سيأتي الكلام‏

335

فيه إن شاء الله تعالى (و ثانيا) لو سلّمنا ذلك فليس العنوان إلاّ ما تعلّق به الأمر في ظاهر الخطاب فعنوان الوضوء هو الّذي تعلّق به الأمر و دعوى تعلّق الأمر بالأفعال المعهودة لكونها محصّلة لعنوان آخر لا نعلم به كما علّل به اعتبار ما يقوله المتكلّمون من الوجه أي الوجوب و الندب غير واضحة اللّهمّ إلا أن يستدلّ عليه بالإجماع و يجعل ذلك فارقا بين التعبدي و التوصّلي و أن التوصّلي ما كان العنوان المقصود بالأمر هو مصبّ الخطاب و التعبدي ما كان العنوان فيه خارجا عمّا هو مصبّ الخطاب ظاهرا و لذا اعتبر في حصوله إيجاده بعنوان كونه مأمورا به حتّى تحقق قصد العنوان المقصود على سبيل الإجمال (و ثالثا) أن قصد العنوان على تقدير اعتباره في تحقق المأمور به لا يغني عن قصد القربة الّذي يعتبر في العبادات فلو أمر المولى بالضرب و علم أن المقصود منه هو التأديب فغاية ما يترتب على اعتبار قصد العنوان اعتبار قصد التأديب في الضرب المأمور به و هذا و إن كان كافيا في تحقق الواجب إلا أنّه لا يكفي في وجوده على وجه العبادة بل لا بدّ أن يضمّ إلى القصد المذكور قصد الامتثال و الضرب بعنوان التأديب امتثالا لأمر الآمر فهو مع التجرد عن قصد الامتثال لم يتحقق به التعبد و القربة المعتبرين في العبادات كما هو و من الواضح أن الوضوء و غيره من العبادات مشروط بصدورها عن قصد امتثال الأمر و أين هذا من إيجادها بعنوان الّذي كان هو المقصود بالخطاب و بين الأمرين بون بعيد كما لا يخفى على من عرف التعبدي و التوصّلي (و ثانيهما) ما ذكره أيضا في الكتاب المذكور بقوله إن الفعل في نفسه ليست مقدّمة فعلية و إنّما يصير مقدّمة إذا أتي به على وجه العبادة فإذا أراد الشارع الصّلاة المتوقفة على تلك المقدّمة الموقوفة مقدّميتها على الأمر وجب الأمر به مع نصب الدلالة على وجوب الإتيان به على وجه العبادة بناء على أن وجوب قصد التعبّد في الأوامر إنّما فهم من الخارج لا من نفس الأمر فهذا الأمر محقق لمقدميته مغني عن أمر آخر به بعد صيرورته مقدّمة و المسألة محتاجة إلى التأمّل انتهى كلامه (و توضيحه) على وجه يرتفع به غبار الإشكال عن وجه المقال أن لزوم الدّور إنما إذا توقف كون الوضوء عبادة على الأمر الّذي تعلّق به و هو ممنوع لأن الوضوء العبادي يتوقف على الوضوء و قصد القربة معا فلا بدّ هنا من أمرين أحدهما يكون متعلّقا بذات الوضوء و الثاني يكون متعلّقا به مقيّدا بقصد القربة أي قصد امتثال الأمر فالأمر المتعلّق بالوضوء متعلّق به من غير اعتبار قصد القربة في متعلّقه للزوم الدّور و هنا أمر آخر من الخارج ثبت بالإجماع أو غيره متعلّق به مقيدا بقصد القربة أي امتثال الأمر الّذي تعلّق به أولا فالأمر الأول المتعلّق بالوضوء توصلي محض أي لم يرد منه سوى إيجاد أفعاله في الخارج و الأمر الآخر تعلّق بالتعبّد و قصد القربة فيه لأنّه بدونه لا يكفي في تحقق الصّلاة فنفس الوضوء و التعبّد به كلاهما مقدّمتان و شرطان للصّلاة لا تصحّ إلا بهما فلا بدّ للمصلّي من الوضوء و من قصد القربة فيه فأمر الشارع أولا بذات الوضوء من غير اعتبار شي‏ء ليتمكن من قصد القربة فيه (ثمّ) أمر به متقربا إلى اللّه و إن شئت قلت إن الأمر الأوّل متعلّق بالوضوء و الأمر الثاني متعلّق بالتعبد به فهاهنا أمران مقدّميان يستفاد و يتحقق منهما حقيقة الحال و هو إيجاد الوضوء قربة إلى اللّه (فإن قلت) هذا خلاف الفرض إذ الكلام بعد الفراغ عن كون الأمر المقدّمي المتعلّق بالوضوء عباديا و على ما قررت ليس الأمر به تعبديّا إذ التعبدي ما كان الغرض منه التعبد بالمأمور به فإذا كان الغرض من الأمر بالوضوء نفس الفعل خرج عن كونه تعبديّا و هو خلف (قلت) الفرق بين الوضوء و غسل الثوب مثلا هو أن غسل الثوب مجرّدا عن القربة يكفي و الوضوء مجرّدا عن القربة لا يكفي و هذا اصطلاح منهم يسمّون ما لا يكفي في الصّحة إلا مع القربة بالتعبدي و لك أن تقول إن الأمر المقدّمي التعبّدي هو الأمر الثاني الذي تعلّق به مقيدا بالقربة إلا أن هذا أيضا لا ينطبق على ظاهر تعريف التعبد بأنّه ما كان الغرض منه التعبّد إذ الغرض من هذا الأمر المتعلّق بالمجموع أي التعبد بالوضوء هو الصّلاة دون التعبد به لأنّ القيد داخل في موضوع هذا الأمر و متعلقه و ليس غرضا لهذا الأمر المتعلق بالمركب بل الغرض منه هو الصّلاة (و الحاصل) أنّ ما ذكرنا هو حقيقة الحال انطبق على تعريف‏

التعبّدي و التوصّلي أو لم ينطبق و ربما يتوهم أن مرجع الجواب المذكور إلى كون الأمر الأول صوريّا جي‏ء به توصلا إلى الأمر الثّاني إذ لولاه لم يمكن الأمر بالتعبد بالوضوء فالأمر بالوضوء ليس أمرا مقدّميّا حقيقة حتى يلزم منه الدّور حسبما قرر بل الأمر المقدّمي الحقيقي هو ذلك الأمر الآخر الّذي تعلّق بهذا الأمر الصّوري و هذا توهم واضح الفساد (أمّا أوّلا) لأن الأمر بالوضوء أمر حقيقي لأن الأمر الحقيقي ما كان الغرض منه هو حصول المأمور به و الصّوري ما كان الغرض منه حصول غير المأمور به كالأمر الامتحاني و الصّادر عن تقية و نحو ذلك و الأمر بالوضوء أريد منه أفعاله فكيف يكون صوريّا (و ثانيا) أنّ الأمر الصّوري لا يجدي في حق العالم بالحال و إنّما يجدي‏

336

في شأن الجهّال بحقيقته فيعود إشكال الدّور أو الخلف بحقيقته و لعلّ أمره (قدّس سرّه) بالتأمّل إشارة إلى بعض ما ذكرنا من الإيراد و الجواب و اللّه الهادي إلى الصّواب و بما ذكرنا ظهر الجواب عن الإشكال الثاني و هو لزوم اجتماع الغايتين المتضادتين أيضا ضرورة كون الغاية لكلّ من الأمرين هو الغير و أمّا التعبّد فقد اعتبر في موضوع أحدهما و لم يعتبر غاية له إذ الغاية هو الغير أعني الصّلاة مثلا و هو واضح بأدنى تأمّل و قد يجاب عن إشكال الدّور بوجهين آخرين (أحدهما) أنا نمنع لزوم كون المأمور به مقدورا قبل الأمر بل يكفي القدرة عليه عند الامتثال في صحة التكليف لأن العقل لا يحكم بأزيد من ذلك فلو كان المكلّف عاجزا عن الامتثال قبل الأمر و لكن يحدث له القدرة بحدوث الأمر فلا مانع من الأمر بغير المقدور فيندفع الدّور لبطلان المقدمة الأولى و هي توقف الأمر على كون المأمور به مقدورا قبل الأمر و فيه ما لا يخفى لأنّ الدّور إنّما جاء من توقف المقدّمية الموقوفة على الأمر الموقوف على كونها مقدمة و لا مساس للمقدورية و عدمها بذلك (ثانيهما) أن قصد القربة من وجوه الامتثال و كيفيات الإطاعة الّتي ليست إلا بيد العقل من غير تصرف من الشارع فيها فلا يكون داخلا في متعلّق الأمر حتى يلزم شي‏ء من المحذورين المذكورين و فيه أن الكلام ليس في أن كيفية الإطاعة بيد العقل أو بيد الشارع بل في أن الإطاعة و قصد القربة كيف يكون معتبرا في متعلّق الأمر مع توقفه على الأمر و لزوم الدّور على تقدير الاعتبار عقلا و شرعا و اللّه الهادي‏

التنبيه الرابع في أنّه هل يعتبر في وقوع الواجب الغيري على صفة الوجوب قصد التوصّل إلى الغير

بحيث لو لم يقصد فيه ذلك لم يقع على صفة الوجوب أم لا (فنقول) أمّا المقدّمات التوصلية فلا وجه لاعتبار قصد التوصّل إلى الغير فيها فإن المطلوب منها ليس إلاّ إيقاعها في الخارج و به يتوصل إلى الغير سواء أتى به قاصدا لامتثال الغير أم لا فإن نصب السّلم مثلا بأيّ غرض كان محصّل للعنوان المقصود منه فيتصف بالوجوب إذا وقع و لو كان غير قاصد للصّعود على السّطح و أمّا المقدّمات الشرعيّة التعبّدية كالطّهارات الثلاث و نحوها فيعتبر قصد التوصل إلى الغير لأنّ المقدّمة العبادية ليست ممّا يحصل بفعلها التوصّل مطلقا بأيّ وجه اتفق بل المفروض أنّه يعتبر فيها قصد القربة الموقوف على إتيانها بداعي الأمر الّذي تعلّق بها و الأمر الّذي تعلّق بها أمر غيري مقصود به التوصّل إلى الغير و امتثال الأمر الغيري لا يتحقق إلا بعد إتيان الواجب الغيري بداعي أمره المتعلّق به على الوجه الّذي تعلّق به فلو قصد في إتيان الواجب الغيري امتثال أمره و لكن لم يقصد التوصّل إلى الغير لم يعد ممتثلا مطيعا عند العقلاء و الحاصل أن الواجبات الغيرية التعبدية لما اعتبر في صحتها قصد القربة توقف حصوله في الخارج على قصد التوصل إلى الغير لأن قصد القربة متوقف على امتثال الأمر على صفته و جهته لا على غير الوجه المقرر له فإذا قصد امتثال الأمر المتعلّق بالوضوء و لم يكن في قصده الصّلاة فهذا لا يكفي في القربة لأنّه في الحقيقة آت لا لأمر المولى بل لهواء نفساني آخر بل لاعب بأمر المولى غير معتني بما أمر حيث إنّه أمره بالوضوء لأجل الصّلاة و هو توضّأ لغيرها و مع ذلك يدعي أنّه امتثل أمره المتعلّق بالوضوء و هذا بخلاف الغيري التوصلي فإن صحته لما لم يكن موقوفة على قصد القربة لم يتوقف عليه وجوده في الخارج و هل حيثيّة قصد التوصل إلى الغير حيثية تقييدية منوعة له إلى نوعين فيكون الوضوء الواقع للتوصّل إلى الصلاة مغايرا للوضوء الواقع لغاية أخرى كالتلاوة كتغاير الأغسال باختلاف أسبابها و غاياتها أو تعليلية محضة لا يوجب تكثير موضوعه و تغايره في الخارج بل الوضوء الواقع لغاية هو عين الوضوء الواقع لغاية أخرى و متحدان نوعا و شخصا و تظهر الثمرة في جواز الوضوء المستحبي بعد دخول وقت الفريضة فعلى الأول يجوز لمن لا يريد الصّلاة الوضوء لتلاوة القرآن إذ المفروض كون الوضوء بقصد التلاوة غير الوضوء بقصد الصّلاة فلا مانع من تعلّق الأمر به كالصّلاة المندوبة لمن كان عليه الفريضة على القول به أو الصّدقة المستحبّة لمن كان عليه صدقة واجبة و على الثاني لا يجوز إذ المفروض كون الوضوء شيئا واحد لا يختلف ماهية باختلاف الغايات كما لا يختلف باختلاف الأسباب و بعد دخول وقت الفريضة أو اشتغال الذمة بالقضاء تعلّق به الأمر الوجوبي و مع تعلّقه لا يجوز تعلّق الأمر الاستحبابي أيضا ضرورة تضاد الأحكام و استحالة اجتماع الضدّين في شي‏ء واحد شخصي و هذا هو الأصحّ لأن قصد الغاية لا يصلح أن يكون منوعا للفعل المترتب عليه تلك الغاية لأن التنويع إنما يحصل بالعوارض و الصفات المقارنة مع الفعل في الوجود و غاية الشي‏ء كالجلوس بالنسبة إلى السّرير و الإسهال بالنّسبة إلى المسهل و التوصّل إلى ذي المقدّمة بالنّسبة إلى المقدّمة متأخرة عنه في الوجود فكيف تصلح أن تكون منوعة له بل فيه من تقديم المعلول على العلّة ما لا يخفى و كذا قصد الغاية أيضا لا يصلح أن يكون منوعا للزوم اتحاد المنوّع و المنوع في الوجود و قصد الغاية وجوده ذهني و وجود الفعل خارجي فكيف يكون للتنويع و التكثير

337

النافع في تحمل الأوامر المتعدّدة نعم قد يكون قصد الغاية منوعا و هو ما إذا كانت الغاية المقصودة أيضا من الأفعال الخارجية بأن يكون من العناوين الثانوية العارضة للعنوان الأولي مثل التأديب و الظّلم و الإيذاء و الإهانة و الإكرام و الإطاعة و المعصية و نحوها ممّا هو داخل في الأفعال إلا أن مصاديقها الخارجيّة أفعال خاصة خارجية كالضّرب فإن الفعل المحصّل لذلك العنوان لا يصير مصداقا له إلا بالقصد فالضرب لا يصير مصداقا للتأديب الّذي هي الغاية المقصودة منه إلا بالقصد فالغاية المقصودة إن كانت مقارنة في الوجود مع الفعل الّذي ترتب عليها و متحدة معه في الوجود كان قصد الغاية حينئذ منوّعا و مكثرا فالضّرب المقصود به التأديب غير الضرب المقصود به الإيذاء و لذا صار أحدهما حراما و الآخر واجبا أو مستحبّا و إن كان وجودها و تحققها في الخارج بعد انقضاء الفعل و انعدامه كالجلوس لصنع السّرير و الإسهال لشرب المسهل و التوصّل إلى ذي المقدّمة في فعل المقدّمة كان قصدها داعيا محضا و لا يصلح أن يكون قيدا و صفة للفعل المترتب عليه و هذا واضح لمن أجاد التأمّل و أنصف فعلى هذا يشكل الوضوء المستحبي لمن عليه الفريضة بل لا يجوز كما عزي إلى المشهور إلاّ أنّه قد يقال بل قيل بالجواز سواء قلنا بأن قصد غايات الفعل منوعة له كالغسل أولا إذ يكفي في صحّته للغاية المقصودة رجحانه لها و لا يحتاج إلى تعلّق الأمر الاستحبابي به لأجلها و لا خفاء في عروض الوجوب له لغاية أخرى لا ينافي بقاء أصل الرجحان و إن كان مانعا عن الأمر الاستحبابي لأن الوضوء مطلوب و راجح لتلاوة القرآن سواء عرض عليه ما يقتضي الوجوب أم لا لأن مقتضى الوجوب يوجب لزيادة رجحان الفعل لنفسه أو لغيره لا نقصانه و الرجحان الّذي يكشف عنه الأمر كاف في قصد القربة و لا يتوقف على صدور أمر و هذا أحسن إلا أنّه مبني على التوسعة في القربة المعتبرة في العبادة فعلى المشهور من توقفها على كون الداعي هو امتثال أمر المولى لا الخوف من العقاب و لا الطمع في الثواب و لا شي‏ء آخر غير امتثال الأمر لا وجه لكفاية رجحان الفعل في قصد القربة المعتبرة في العبادة و تمام الكلام في المقام موكول إلى مقام آخر و الّذي يساعده النظر أن يقال لا نسلّم امتناع اجتماع الأمر الاستحبابي و الوجوبي في شي‏ء واحد بتعدد الجهة و دعوى أنّهما ضدّان فكيف يجتمعان كلام ظاهري لا حقيقة له لأن تضاد الأحكام ليس تضادا حقيقيا بل حكميا بمعنى أنها بحكم الأضداد في استحالة الاجتماع فكما أنّ اجتماع السّواد و البياض أو اجتماع المثلين في جسم واحد أو اجتماع المتحيزين في حيز واحد محال فكذا اجتماع الأحكام في محلّ واحد لتنافي كلّ منها مع الآخر و إلا فقول افعل و لا تفعل ليس جمعا بين عارضين في موضوع واحد فالمناط في الأحكام المتخالفة على تنافيها بالنفي و الإثبات أو تنافي مقتضاها كذلك و إلا فلا مانع من تعلّق حكمين بفعل واحد إذا لم يكن فيه أحد المحذورين إمّا التناقض في نفسهما أو في مقتضاهما فلا مانع من تعلّق الأمر الاستحبابي بشي‏ء لجهة و تعلّق الأمر الوجوبي به أيضا لجهة أخرى لأن مفادهما ليسا متنافيين بالإيجاب و السّلب و مقتضاهما أيضا كذلك لأن مقتضى الاستحباب مقدار من الرّجحان و مقتضى الوجوب مقدار مشتمل عليه و زيادة فما وجه استحالة قول الآمر افعله لكذا و أنا راض بتركه من جهة و افعله لكذا و أنا غير راض بالترك من هذه الجهة بل لا فرق بين الخطابين و بين مقتضاهما من الرّجحان فكما لا منافاة بين المقتضيين فكذا بين نفس الخطابين لأنّ صدور الخطابين أمر ممكن و امتثالهما أيضا كذلك و مقتضاهما أيضا لا تنافي بينهما فلما ذا يمتنع اجتماع الوجوب و الاستحباب في شي‏ء من جهتين أ لا ترى أن نذر الواجب متعقل و صحيح و هل هذا إلاّ اجتماع المثلين أي الوجوبين في شي‏ء واحد و دعوى أن النذر يوجب تأكّد الوجوب و لا يقيد وجوبا آخر لاستحالة تحصيل الحاصل تأتي في الاستحباب و الوجوب أيضا فيقال إن عروض الوجوب كاشف عن تأكّد الرجحان الموجود قبل العروض فإن كان تأكد مصلحة الوجوب يسمّى وجوبا سمّينا تأكّد مصلحة الاستحبابي كذلك أيضا وجوبا و إلاّ فكذلك في المقامين و حله أن عروض مقتضيات الطّلب وجوبا أو استحبابا أو مختلفا لا يفيد سوى تأكّد الطّلب و لكلّ مرتبة من الطّلب لازم من حيث الرضا و عدم الرضا و من حيث مراتب الرّضا شدّة و ضعفا فإذا كان الشي‏ء مستحبّا لجهة خاصة و عرض عليها ما

يقتضي عدم الرضا بالترك فقد اجتمع فيه الوجوب حقيقة من حيث الكاشف و المنكشف و لعمري إنّك لو تأمّلت فيما حققنا المقام حق التأمّل علمت جواز اجتماع الأمر و النّهي المأموري لأنّ التنافي بين افعل و لا تفعل مرتفع بتغاير المحلّ و امتثال الخطابين أيضا مقدور للمكلّف على الوجه الّذي يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيبقى دعوى اعتبار كون الامتثال بغير مادة الاجتماع كما يقوله المانعون للاجتماع محتاج إلى دليل مفقود و تمام الكلام يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى ثم إنّه بناء على جواز الوضوء الاستحبابي للغاية المستحبة يسقط الوضوء الواجب فيجوز معه الدّخول في الصّلاة لأن الوضوء رافع للحدث و بعد الارتفاع يحصل ما هو مقدّمة للصّلاة فهذا الوضوء مع كونه مستحبّا مصداق للواجب و مسقط لأمره و لا يحتاج‏

338

إلى التجديد لأجله هذا كلّه في غايات الوضوء و أمّا غايات الغسل فالمعروف أنّها منوعة له فالغسل لكلّ غاية غيره لغاية أخرى فلا يجزي أحدها عن الباقي لكن التحقيق أن التنويع بالغاية المترتبة على الشي‏ء بعد وجوده غير معقول و المسألة عقلية فالغسل حقيقة واحدة اجتمعت عليها أوامر متعدّدة باختلاف الأسباب و الغايات إلا أنّه لما كان قابلا للتكرار فيأتي فيه بحث تداخل الأسباب فإن هذا البحث معدّ لبيان حال أوامر متعدّدة اجتمعت على طبيعة واحدة كلّية قابلة للتكرار و لم يقم دليل على تعدّد الامتثال فهل مقتضى القاعدة حصول الامتثال بالكلّ في ضمن فرد واحد كما يقوله القائلون بالتداخل أو العدم و اقتضاء امتثال كلّ واحد فردا مغايرا للآخر (فالتحقيق) فيه يطلب من البحث المذكور فعلى القول بعدم التداخل لا يجزي غسل واحد عن الكلّ و لو قصد الجميع فعدم إجزاء غسل واحد عن الآخر لا يتوقف على الالتزام بأنّ أسباب الغسل أو غاياته منوعة له بل لو قلنا بعدم التنويع و أن الغسل حقيقة واحدة لا يختلف باختلاف الغايات و قصدها كان مقتضى الأصل و القاعدة أيضا لزوم تعدّد الامتثال و عدم سقوط بعض بالبعض و هذا الكلام يأتي في الوضوء أيضا بناء على تعلّق الأمر بنفس الأفعال بنفسها لا بكونها سببا لارتفاع الحدث و إنّما قلنا فيه بكفاية الوضوء الصّحيح لبعض الغايات عن الآخر لأن المطلوب به عندنا هو رفع الحدث على ما هو التحقيق و رفع الحدث لا يقبل التكرار حتى يبتني الكلام فيه على مسألة التداخل و هذا اختصار في الكلام لما في المقامين من اختلاف الأحكام و لكلّ مسألة محلّ و مقام‏

التّنبيه الخامس في أنّه هل يعتبر في تحقق الواجب الغيري ترتب الغير عليه‏

فلو لم يترتب عليه لم يتصف بالوجوب الغيري المقدّمي أم لا و على الأوّل فهل هو شرط لوجوده أو شرط لوجوبه‏

فهاهنا مقامات‏

الأول‏

في اعتباره في وجوب الواجب الغيري بمعنى أن وقوعه على الوجه المطلوب منوط بحصول الغير و ترتبه عليه و المعروف هو عدم اعتبار ذلك في موضوع الوجوب الغيري و أنه ذات المقدّمة سواء تحقق التوصّل بها إلى ذي المقدّمة أم لا و ذهب بعض الأعلام من المتأخرين إلى اعتباره و نسبه بعض المحققين إلى صاحب المعالم في مسألة الضدّ حيث قال إنّ حجة القول بوجوب المقدّمة على تقدير تسليمها إنما ينهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلّف مريدا للفعل متوقف عليها كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر انتهى و قال المحقق المذكور بعد نقل هذا الكلام و كأنّه إنما خصّ الوجوب بها في تلك الحال من جهة حصول التوصل بها عند إرادة ما يتوقف عليها دون ما إذا لم يكن مريدا له إذ لا يتوصّل بها حينئذ إلى فعله (أقول) و يحتمل لهذا الكلام معنى آخر و هو أن يكون إرادة الواجب شرطا لوجوب مقدّمته لا لوجوده كما يقوله البعض المذكور و كيف كان فقد استدل بوجوه ثلاثة (أحدها) ما لفظه حيث إنّ المطلوب بالمقدمة مجرّد التوصل لها إلى الواجب و حصوله فلا جرم يكون التوصّل إليه و حصوله معتبرا في مطلوبيتها فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه و صريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا لمجرّد حصول شي‏ء آخر لا يريده إذا وقع مجرّدا عنه و يلزم منه أن يكون وقوعه على الوجه المطلوب منوطا بحصوله انتهى و قد ينتصر له بأنّه إذا قال أكرم زيدا لأنّه عالم أو لا تأكل الرّمان لأنّه حامض أو لا تشرب الخمر لأنّه مسكر أو نحو ذلك ممّا يشتمل على علّة الحكم كان متعلّق الأمر العنوان المتصف بالعلّة ففي الأوّل يتعلّق الوجوب بإكرام العالم و في الثّاني بأكل الحامض و في الثالث بشرب المسكر فإذا كان وجوب الوضوء مثلا لأجل التوصّل إلى الصّلاة لزم أن يكون مفاد قوله توضّأ للصّلاة وجوب الوضوء الموصل إليها من أفراد الوضوء لا مطلقا حسب الأمثلة المذكورة و كان هذا مسلم عند العريف بالصناعة فيجعلون العلّة من المخصّصات سواء كانت متصلة أو منفصلة (و ثانيها) ما لفظه أن وجوب المقدّمة لما كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يدلّ عليه زائدا على القدر المذكور (و ثالثها) ما لفظه أيضا لا يأب العقل أن يقول الآمر الحكيم أريد الحج و أريد المسير الّذي يتوصل به إلى فعل الحج له دون ما لا يتوصّل به إليه و إن كان من شأنه أن يتوصّل به إليه بل الضرورة قاضية بجواز التصريح بمثل ذلك كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقا أو على تقدير التوصل بها إليه و ذلك آية عدم الملازمة بين وجوب الفعل و وجوب مقدمته على تقدير عدم التوصّل بها إليه ثم إنه ذكر للمسألة ثمرات (منها) أنه لو وجب عليه الدخول في ملك الغير بغير إذنه لإنقاذ غريق يتوقف عليه فدخله لغير ذلك فبدا له فأنقذه و كذا الحال فيما لو نذر أن لا يدخله حيث ينعقد فيه النذر أو حلف أو عاهد عليه فعلى ما حققناه ليس عليه معصية الغصب و الحنث و إنما عليه معصية التجري بيان ذلك إنّ التصرف في الفرض المذكور يقع تارة واجبا و هو ما إذا توقف عليه الإنقاذ و أخرى حراما و هو ما إذا لم يترتب عليه ذلك فإذا علم من نفسه إن الّذي يرتكبه من نوع الواجب و صادف الإنقاذ فلا إشكال و إن علم أنه من نوع الحرام حرم عليه الإقدام فإن أقدم و الحال هذه فإن لم ينكشف الخلاف بأن لم يترتب عليه الإنقاذ كان ما أتى به حراما و إلا كان‏

339

واجبا و عصى بالتجرّي فقط كمن تصرّف في ماله على أنّه مال غيره (و منها) أنّه من نذر أن يغتسل غسل الزّيارة فاغتسل لها ثمّ بدا له فلم يزد أو منعه مانع منها لم يبرأ ذمّته و ذلك لأنّ مطلوبية الغسل إنّما هي للزيارة و على تقدير عدم حصولها ينكشف عدم المطلوبيّة فلا يقع المنذور (و منها) مسألة التيمّم في سعة وقت الفريضة لغاية غيرها بناء على مراعاة التضييق و انتفاء رجحانه النّفسي فإنّه إذا لم يترتب عليه الغاية كشف عن بطلانه فتبطل الفريضة إن صلاّها به و لو في آخر وقتها و كذا لو تيمّم للفريضة عند ضيق وقتها ففاتته (و منها) ما فرّعه في مسألة الضّدّ على المقام و على أصله الّذي فرغنا من تزييفه سابقا و حاصل ما ذكره هناك أنّ أداء الواجب الموسّع عند مزاحمته للمضيّق صحيح و لا يلزم منه اجتماع الوجوب و التّحريم و لا محذور آخر فإنّ وجوب الضدّ حسبما ذكرنا مشروط بتقدير وقوع ترك الواجب على وجه يكون وقوع ترك الواجب كاشفا عن تعلّق الوجوب بالضدّ لامتثاله فوجوب الضدّ ثابت على تقدير عدم حصول الواجب و لا ريب في أنّ التّكليف كذلك ممّا لا غبار عليه و يندفع لزوم اجتماع الأمر و النّهي بأنّ حرمة ترك الضدّ إنّما هي على تقدير التّوصّل به إلى الواجب لا مطلقا لأنّ المطلوب بالنّهي الغيري المتعلّق بالضدّ عندنا التّرك المقيد بالتوصّل به إلى الواجب لا المطلق و أنّ الأمر إنّما يتعلّق بفعله على تقدير عدم التوصّل بتركه إليه فقضية مطلوبيّة ترك الضدّ المتوصّل به مبغوضية تركه دون الفعل و قضيّة مطلوبية فعله على تقدير عدم التوصّل مبغوضيّة تركه الغير المتوصّل به فلا منافاة في اجتماع الحكمين لعدم استلزامه اجتماع وصفي المطلوبيّة و المبغوضية في الشي‏ء الواحد (و منها) ما ذكره في الحاشية من أنّه يصحّ أداء وضوء و نحوه يقصد الوجوب عند اشتغال الذمّة بالغاية الواجبة و إن لم يأت به لأداء تلك الغاية بل الغاية مندوبة على الثّاني بخلاف الأوّل يعني على اعتبار صفة التوصل في الواجب الغيري إذ لا يجوز حينئذ قصد الوجوب إلاّ إذا أتى به لأداء الغاية الواجبة (و منها) ما ذكره أيضا من جواز أخذ الأجرة على فعل المقدّمة في الصّورة المفروضة و عدم جوازه على الوجهين نظرا إلى ما تقرّر من عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات بناء على عدم الفرق في ذلك بين الواجبات النفسيّة و الغيرية كما مرّت الإشارة إليه (أقول) و الكلام تارة في الأدلة الّتي استدلّ بها على مراده و أخرى في الثمرات أمّا الأدلّة ففي الكلّ نظر (أمّا الأوّل) فلأنّ العلّة إذا كانت من الفوائد المترتبة على الفعل بعد وجوده امتنع أن يلاحظ قيدا للمأمور به و الأمثلة المذكورة ليس شي‏ء منها من هذا القبيل فما ذكر في الدليل من كون العلّة سببا لأن يكون متعلّق الحكم هو الفعل المشتمل على العلّة إنّما يتجه في غير العلّة الغائية و أمّا هي مثل الجلوس لعمل السّرير و التوصّل إلى المقدّمة لإيجاد ذي المقدّمة فغير معقول فيها لأنّ غاية الشي‏ء لا يعقل أن تكون من قيوده و مشخّصاته في الخارج كما نبّهنا عليه آنفا (و أمّا الثّاني) فلأنّ المسألة عقلية و المسألة العقلية منوطة بمناط منقح عند العقل فلا بدّ من النّظر في مناط حكم العقل و أنّه ما ذا يقتضي فما ذكره من عدم حكم العقل بوجوب غير الموصلة من غير أن يبيّن مناط حكم العقل خروج عن دأب المحصّلين إذ المشاجرة في المقام تنتهي إلى أنّ مناط حكم العقل هل هو موجود في المقدّمة مطلقا أو مختصّ بالموصولة و يأتي في أدلّة المختار بيان المناط المذكور و أنّه موجود في ذات المقدّمة سواء اقترنت بالتوصّل أم لا و أمّا الثّالث فلأنّ ما ذكره لا يساعده الوجدان السّليم على القول بوجوب المقدّمة لأنّ تصريح الآمر بأني لا أريد المقدّمة الغير الموصلة بل أريد خصوص الموصلة إن رجع إلى أن المقدّمة من حيث هي لا فائدة فيها و لا غرض لي بها فهو غير قبيح لكنّه ليس تصريحا بعدم الوجوب بل هو بيان حال المقدّمة و أنّها مطلوبة للغير و إن رجع إلى أنّ ذات المقدّمة ليس فيها شي‏ء يقتضي الوجوب فهذا نفي لوجوبها مطلقا لا لوجوب خصوص غير الموصلة إذ لا فرق بين الموصلة و غيرها في المقتضيات الذاتية و الفرق الخارجي لا يصلح أن يكون سببا لاختلاف حكمها نفيا و إثباتا حجة المشهور) المختار أيضا وجوه (الأوّل) أنّ التوصل الملحوظ في متعلّق الواجب الغيري إمّا أن يراد به التوصّل الشأني أو التوصّل الفعلي فإن كان الأوّل فليس في المقدّمة التوصّل الشّأني إلاّ السّبب و المقتضي‏

فإنّه مقدمة تقتضي لذاتها الوصول إلى ذيها و ما عداه لا يقتضيه أبدا لأنّ ترتب الوصول على غير السّبب من المقارنات الاتفاقية و ليس من مقتضيات ذاتها فهي كغيرها من الأمور الّتي ليست مقدّمة من هذه الجهة و ليس بمراده أيضا و إلاّ كان مفصّلا بين السّبب و غيره لا بين الموصلة و غيرها لأنه قائل باعتبار التوصّل في الشرط و السّبب كليهما فالسّبب الغير الموصّل عنده أيضا ليس بواجب و هذا يدل على أنّ التوصّل الّذي اعتبره في المقام ليس هو التوصّل الشّأني الّذي تقتضيه ذات المقدّمة و إن كان الثاني فإمّا أن يراد بالتوصّل التوصّل المقارن أو التوصّل المتأخّر فإن كان الأوّل لزم إيجاب الشّي‏ء بعد وجوده لأنّ الواجب حينئذ هي المقدّمة

340

الّتي لحقها صفة التوصّل و من البين أنّها لا تتصف بهذه الصّفة إلا بعد وجودها و وجود الواجب بعدها فإذا اعتبرنا في متعلّق الوجوب مقارنة للتوصّل لزم الأمر بشي‏ء حاصل و هو قبيح لا يقول به هو و لا من هو دونه و هذا أيضا ليس بمراده قطعا و إن كان الثاني فالتوصّل حينئذ يصير شرطا متأخّرا على قياس سائر الشروط المتأخرة فيكون وجود الواجب بعدها كاشفا عن وجودها بصفة الوجوب قبله و أنت خبير بأنّ الشرط المتأخّر على فرض صحّته إنّما يتصوّر في الحكم لا في موضوعه لأنّ صحة الشرط المتأخر ترجع إلى انتزاع صفة اعتبارية منتزعة من وجوده المتأخّر و الصفات الاعتبارية يمكن أن تكون معتبرة في حكم شرعي تعبّدا أمّا في موضوع الحكم فلا لأنّ صرف الاعتبار لا وجود له في الخارج و الموضوع لا بدّ أن يكون موجودا خارجيا هذا وجه إجمالي لعدم تعقل الشرط المتأخر في الموضوعات مطلقا أمّا في خصوص المقام فأوضح امتناعا لأن الموصليّة صفة تنتزع من تقدير وجود الواجب و هذه الصّفة ليست مما يتوقف عليها حصوله كيف و قد انتزعت من فرض وجوده فكيف تكون مقدمة لوجوده و إذا لم يكن لها دخل في تحقق الواجب كان حالها كحال غير المقدمات بل أسوأ لتأخرها عنه فإن اعتبر في موضوع الوجوب فلا جرم يكون لجهة أخرى نفسيّة لا غيرية و اعتبار شي‏ء مطلوب لنفسه في مطلوب لغيره جمع بين المتنافيين و من مضحكات الثكلى و لهذا قلنا إن اعتبار الموصلية في موضوع الواجب الغيري أوضح فسادا (الثّاني) أن مناط حكم العقل بوجوب مقدّمة الواجب ليس إلا حيثية مقدّميتها له و هي كونها بحيث يتمكن بإتيانها من الوصول إلى الواجب فإن العقل إنما يحكم بوجوبها لحصول التهيؤ و القدرة على الإتيان بالواجب فكل ما هو شرط لتمكن المكلّف من الواجب من الأمور الاختيارية وجوديّا أو عدميا يجب الإتيان به عقلا تحصيلا للتهيؤ و القدرة الموقوف عليها الامتثال و إن شئت عبّرت عن الحيثية المذكورة بما ذكروه في تعريف المقدّمة و نبّهوا بذلك على مناط حكم العقل بوجوبها (و قلت) إن مناط حكم العقل هو كون الشي‏ء بحيث يلزم من عدمه عدم الواجب و أمّا حيثية التوصّل و كونها موصلة إليه فهي صفة غير موجودة في المقدّمة حسبما عرفت فكيف يكون مناط حكم العقل لوجوبها شي‏ء غير موجود فيها و من ذلك يظهر أن تعبير بعض المحققين لمناط حكم العقل بحيث الإيصال ليس على ما ينبغي و ليس بظاهره بل المراد ما ذكرنا من التهيّؤ للإيصال لا نفس الإيصال (الثّالث) أنّ حيثية التوصّل لو كانت معتبرة في تحقق الواجب لزم أن لا يحصل امتثال الأمر الغيري بإيجاد المقدّمة قبل ترتب ذيها عليها و بقاء الأمر المقدّمي بعد بحاله مع أن الامتثال حاصل بالوجدان و العيان إذ لولاه لم يكن فرق بين المقدّمة المأتي بها و المقدمة الغير المأتي بها في بقاء الأمر المقدّمي و عدم حصول الامتثال فيهما و يكونان على حدّ سواء و الوجدان السّليم و العقل المستقيم لا يرتاب في الفرق بينهما من حيث الامتثال وجودا و عدما (الرّابع) لو سلّمنا اعتبار قيد التوصّل في المقدّمة و أن الواجب هي المقدّمة الموصلة لا غيره لزم أيضا وجوب ذاتها و إن وجب إضافة التوصّل إليها لأنّ وجوب الكلّ قاض بوجوب الجزء ذهنيا أو خارجيّا فإذا وجب عتق المؤمنة فقد وجب ماهية العتق و شي‏ء زائد و كذا الحال هنا فإنّه إذا وجب المقدّمة الموصلة فقد وجب ماهيتها و شي‏ء زائد فما استدلّ على مراده من الأدلّة على تقدير صحّتها على خلاف مقصوده أدلّ هذا إن أراد من الموصلة سلب الوجوب عن ذات المقدّمة و إثباتها للموصلة فإن الأدلّة المذكورة غير ناهضة بذلك و إن أراد منها إخراج الغير الموصلة فالأدلّة على فرض صحّتها ناهضة به هذا كلّه ما يتعلّق بحال المسألة أصلا و دليلا بقي الكلام في الثمرات المتفرعة على هذا الأصل بزعمه و معظمها مسألة الضّدّ إذ عمدة ما دعاه إلى تأسيس هذا الأصل هو دفع إشكال لزوم اجتماع الأمر و النّهي في فعل الضّد الموسّع في وقت المضيّق و البناء على صحته على الوجه الّذي سمعته آنفا (و توضيح) الثمرة أن مقتضى مطلوبية ترك الضّدّ الموصل إلى الواجب مبغوضية ترك هذا الترك المقيد خاصة دون مطلق الترك فكلّ ترك قارن الإيصال إلى الواجب فهو الّذي يعرضه الوجوب الغيري و أمّا الترك الغير الموصل فلا يعرضه بناء على الأصل المذكور فلو ترك المضيق و اشتغل بهذا الموسّع لم يلزم في الموسّع اجتماع الأمر و النّهي في الضدّ إذ المفروض عدم كون ترك الموسّع مع وجود الصّارف عن المضيق موصلا فلا يكون واجبا

حتى يكون تركه و هو الفعل حراما فاسدا لاجتماع الأمر و النّهي فيه و أمّا استحالة كونه واجبا لكون مقدّمته و هي ترك المضيق حراما فهي شبهة أخرى تفصّى عنها بتأسيس أصل آخر و هو الوجوب التعليقي حسبما مرّ الكلام فيه في محلّه مفصّلا و أورد عليها بأن فعل الموسّع كالصّلاة مثلا ممّا لا إشكال في كونه نقيضا للمقدّمة المأمور بها و هي ترك الضّد الموصل إلى الواجب فلا جرم يكون حراما إذ لا شبهة في أنّه ترك لذلك الترك المأمور به فإن ترك الترك الموصل تارة يكون بتفويت صفة الإيصال كما إذا ترك الموسّع و المضيق معا فإنّه تارك أيضا للمقدّمة الموصلة إلا أنّ تركه متعلّق بصفة الإيصال لا بأصل التّرك و أخرى بإعدام أصل الترك و جوهره كما لو ارتكب فعل‏

341

الموسع فإنّه تارك أيضا للترك الواجب و هو الترك الموصل لكن بإعدام أصل الترك و اختيار الفعل عليه لا بإعدام صفة الإيصال فإنّ المأمور بالمقيد كالمأمور بعتق المؤمنة تارة يعصي بترك أصل المعتق و أخرى بترك عتق المؤمنة بعتق الكافرة و على التقديرين فهو تارك للمقيد المأمور به كما أنّه في الأوّل تارك للمطلق أي العتق و المقيد أي عتق المؤمنة أيضا و هنا أيضا نقول إذا فعل الصّلاة مثلا في وقت الإزالة فقد ترك المقدّمة الموصلة أي تركها الموصل إلى فعل الإزالة كما لو ترك الصّلاة و الإزالة معا من غير فرق إلاّ أنّ الأوّل ترك للموصلة بترك جنسها و الثّاني ترك لها بترك صفة الإيصال ففعل الصّلاة مصداق للتركين ترك ترك الضدّ المطلق و ترك ترك الضدّ المقيد بالإيصال و لا مانع من اجتماع حصول التركين فإن ترك المطلق ترك للمقيّد حسبما عرفت (و أجيب عنه) بأن المكلّف إذا كان له صارف من الواجب فهو تارك للواجب و لمقدّمته الموصلة من حين وجود الصّارف سواء ارتكب ضدّه أم لا فلو ارتكبه كان من مقارنات ترك المقدّمة الموصلة لا من محققاته و مصاديقه و بعبارة أوضح أن محصّل الترك الموصل هو مجرّد وجود الصّارف عن الواجب لا فعل ضدّه فمع وجوده لا يكون فعل الصّلاة مثلا محصّلا للترك الموصل بل مقارنا له فكيف يكون حراما و فيه أن ترك الترك الموصل حال وجود الصّارف من الواجب قبل الاشتغال بالضدّ إنما هو بتفويت صفة الإيصال دون ترك ذات المقدّمة أي الترك و أمّا حال الاشتغال بالضدّ فإنما هو بفعله لأنّه نقيض الترك الواجب و نقيض الواجب حرام كما أن نقيض الحرام واجب فكما أن العصيان بأمر واجب وجودي يحصل بتركه فكلّ عصيان الواجب العدمي يحصل بفعله فكيف يكون فعل الضدّ الّذي يجب تركه الموصل من المقارنات و حينئذ فما نقلناه في إبطال الثمرة المذكورة في غاية الجيادة و لا يرد عليه ما ذكر في ردّه هذا عمدة ما أريد تفريعه على الأصل المذكور و قد عرفت ما فيه و أمّا سائر الثمرات فبعضها علمية لا فائدة مهمّة في التعرض له و البعض الآخر لا إشكال في صحتها و إن كان قد ناقش بعض في بعضها إلاّ أنّه بالإعراض عنه جدير

المقام الثّاني في أن الواجب الغيري هل يشترط في وجوبه علم الآمر أو احتماله لترتب الغير عليه أم لا

ظاهر الأصحاب هو الأخير و لكن مقتضى الاحتمال الّذي أبديناه في كلام صاحب المعالم هو الأول فإنه (رحمه الله) قال إن حجة القول بوجوب المقدّمة على تقدير تسليمها إنّما ينهض على الوجوب في حال كون المكلّف مريدا للفعل المتوقف عليها و أمّا مع وجود الصّارف عن الفعل فلا وجوب لمقدّمته انتهى و أورد عليه بأنّه لا محصّل له ضرورة أنّه لا يصح أن يحكم بوجوب الفعل و عدم وجوب مقدّماته في ما إذا كان للمكلّف صارف عن الواجب لأنّ وجوب المقدّمة من لوازم وجوب ذيها فلا يصحّ التفكيك بينهما و يمكن أنّ يوجه ما ذكره (قدّس سرّه) بأنّه إذا كان للمكلف صارف عن إتيان الواجب كان الأمر من الآمر المطّلع على السّرائر أمرا تسجيليّا صادرا منه على سبيل التسجيل لكن يتم عليه الحجة و يقم عليه البينة فليس غرضه من التكليف حينئذ بعث المكلّف على إيجاد المأمور به و إتيانه في الخارج لعلمه بعدم حصوله فإذا لم يكن الغرض من التكليف بعث المكلّف على إيجاد المكلّف به بل محض التسجيل فلا يلزم منه وجوب مقدّماته حينئذ إذ اللازم بحكم العقل إتيان ما له مدخلية في حصول غرض الآمر دون ما لا مدخلية له فيه و إذا لم يكن غرض الآمر حصول الفعل المأمور به فلا يلزم من الأمر به الأمر بما لا مدخلية له فيه لأنّه أمر أجنبي عمّا تعلّق به غرض الآمر و هو التسجيل مثلا (و الحاصل) أنّه متى اجتمعت شرائط التكليف من المصلحة و المحبوبية و قدرة المكلّف على الامتثال صحّ من الآمر التكليف سواء كان عالما بعصيانه أم لا لكن في صورة العلم بالعصيان يسمّى هذا تسجيليّا حيث إن الغرض فيه التسجيل لتصحيح العقاب دون البعث على الفعل و لذلك حكموا بأنّ الكفار مكلّفون بالفروع و معاقبون عليها إلا أنّ مثل هذا الأمر لا يتعلّق بالمقدّمات الّتي لا مدخلية لها في حصول الغرض (و إن قلت) إنّ التكليف بالفعل إن كان تسجيليّا فالتكليف بالمقدّمة أيضا كذلك كما في الإرشاد و الامتحان و غيرهما فإن التكليف بالمقدّمة إنّما هو على حسب التكليف بذيها إلا أنه لا وجوب لها أصلا (قلت) للمقدّمات مدخلية في الغرض في الإرشاد و الامتحان و نحوهما و كلّ ما يتوقف عليه الغرض يجيب أيضا مقدّمة و كلّما لا يتوقف عليه لا يتعلّق به الوجوب المقدّمي و الأمر التسجيلي لما كان لأجل تصحيح العقاب و المؤاخذة فلا معنى لكون هذا الأمر أمرا بالمقدمات أيضا فافهم و تدبر قد ذكرنا سابقا أن للواجب باعتبار الدّواعي الداعية إليه و الأغراض الباعثة عليه تقسيمات عديدة و قد يظهر جملة منها ممّا سبق و بقي جملة منها و من جملتها أنّه ينقسم بالاعتبار المذكور إلى تعبدي و توصّلي (فالأوّل) ما كان الأمر به لأجل التعبّد و الامتثال (و الثاني) ما كان لأجل التوصّل إلى حصول المأمور به في الخارج و لازم ذلك اعتبار قصد القربة في صحّة الأوّل دون الثّاني و إن شئت قلت إن التعبدي ما كان صحته متوقفة على قصد القربة و التوصّلي ما لم يكن كذلك بل يصحّ و يحصل الامتثال بصدور الفعل اختيارا من‏

342

غير قربة بل للدّواعي النفسانية أيضا إلا أنّه تعريف بالرسم و الأول بالحدّ كما لا يخفى و هنا تعاريف و حدود أخر ذكرناها في باب الأوامر مع ما فيها من الرّد و القبول فليراجع إليها من يهوى تحقيق الحال في هذا المقال أو أراد الخبرة لما يقتضيه الأصل لفظا و عملا عند التحير و الدّوران فقد تقدّم أن الأصل في المقامين هو البناء على كون الواجب توصليّا خلافا لبعض الأوهام حيث ذهب إلى أنّ إطلاق الخطاب بالقياس إلى شرط القربة غير ناهض و أصل البراءة أيضا على فرض جريانها في الشّرط لا يجري في مقام يكون الشكّ فيه شكّا في شرائط الإطاعة و صدقها عند العقلاء لا في شرائط المأمور به فلا محيص عن الاحتياط فعليك بالرّجوع إلى ما قدّمنا و إجادة التأمل في ما حققناه تجدد رأسا من أطراب الكواعب و عريسا من أشراف الأطائب‏

[الكلام في أنه هل يعتبر في تحقق الواجب قصد عنوان المأمور به أم لا]

ثم بعد ما عرفت أنه لا يعتبر في تحقق الواجب قصد القربة فهل يعتبر قصد عنوان المأمور به فلو أتى المكلّف الفعل المأمور به بعنوان آخر غير عنوان المأمور به بأن يكون غافلا عنه غير ملتفت إليه لكنه في الواقع من مصاديقه لم يحصل به البراءة فعليه الإعادة مع بقاء المحلّ و الموضوع و إلاّ كان مسقطا عن الواجب لا مصداقا له أم لا بل يكفي انطباقه معه واقعا و إن لم يكن المكلّف الآتي به ملتفتا إليه رأسا وجهان بل قولان أقواهما الأخير و استدلّ للأوّل بوجوه (أحدها) ما ذكره بعض المحققين حيث قال في حاشية المعالم إن متعلّق الطلب و إن كان مطلق الطبيعة من غير تقييدها بشي‏ء بمقتضى ظاهر الأمر لكن تعلّق الطّلب إنّما يكون مع تفطّن الفاعل به و عدم غفلته عنه لوضوح استحالة التكليف بالفعل مع غفلة المأمور و ذهوله عن ذلك الفعل و حينئذ فقضية تعلّق الطّلب بالطّبيعة هو الإتيان بالفعل مع القصد إليه فلا يكون الصّادر منه حال الغفلة مندرجا تحته و أولى بعدم الاندراج ما لو كان معتقدا للخلاف (ثانيها) ما ذكره أيضا من أنّ ظاهر ما يستفاد من الأمر في فهم العرف أن ما يتعلّق به الطّلب هو ما يكون صادرا على وجه العمد و الالتفات دون الغفلة أو الالتباس بغيره كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات فلا يندرج فيه الأفعال الصّادرة عنه في حال الغفلة أو اعتقاد الخلاف و إن شملها إطلاق المتعلّق (ثالثها) ما عزي إلى الفاضل النراقي (قدّس سرّه) و هو أنّ المكلّف بالفعل إنّما هو النّفس الناطقة الإنسانية و الجوارح آلات لها في إيجاد ما تعلّق به الإرادة فحقيقة التكليف راجعة إلى مطالبة النفس بإرسال الجوارح إلى إيجاد المأمور به كإرسال الإنسان للخدام إلى ما يريد من الأعراض و الجوارح فيكون المأمور به حينئذ هو بعث النفس الناطقة للجوارح المنقادة لها أتى إيجاد ما تعلّق به الطّلب و غير خفي أن البعث إلى الشي‏ء لا يتصوّر إلا بعد الالتفات إليه فكيف يتعقل ذلك في حال الغفلة و الذهول فالفعل الصّادر منه في تلك الحالة و إن كان من مصاديق ما تعلّق به الطّلب إلا أنّه غير مقرون بالبعث على الوجه المذكور الّذي هو الواجب حقيقة و هذه الوجوه كلّها مخدوشة مدخوله (أمّا الأوّل) فلأن متعلّق الخطاب بحسب اللّغة و العرف صادق على الفعل الغير الاختياري أيضا إذ الضرب و الأكل و القعود و القيام و غير ذلك لم يعتبر في حقائقها لغة و عرفا صفة الاختيار و صدورها عن اختيار و لذا حكموا بضمان النائم أخذا بإطلاق من أتلف مال الغير فهو له ضامن و هذا ممّا لا ريب فيه و لا خلاف و لو كان فليس مما يلتفت إليه من الضّعف و السّقوط و الّذي اقتضاه الدّليل المذكور عدم تعلّق الطلب به في حال كونه مغفولا عنه و هو أيضا مسلم لا يسع عاقلا المناقشة فيه لكنا نقول إن هذا إنّما هو لقصور الطّلب و استحالة تعلّقه بالمغفول عنه حتى لو أراد الآمر التعميم في ذلك عدّ سفيها و ذمّه العقلاء حيث نطق بما صريح العقل قاض باستحالته لا لخصوصية بين أفراد ما تعلّق به الطّلب فإذا فرضنا عدم كون الغرض منه القربة و التعبد و بنينا على اندراجه تحت المتعلّق من حيث الصّدق العرفي كشف ذلك كشفا قطعيّا عن مساواة جميع مصاديقه في غرضه فكلّ فرد وجد منه في الخارج فهو محصّل لغرض الآمر كما نعني بتحقق الواجب في ضمن المغفول عنه إلا مساواته مع الملتفت إليه في حصول الغرض و ليس هذا من باب الإسقاط عن الواجب إذ المسقط ما كان خارجا عن غرض الآمر و ربما كان حراما أو مباحا و مسقطا عن التكليف فالمسقط عبارة عمّا يكون عدمه شرطا للتكليف حدوثا و بقاء فلو وجد بعد تحقق التكليف كان رافعا مسقطا أمّا لو كان وجوده مشتملا لغرض التكليف و المصلحة الباعثة عليه فهذا داخل في المواد أيضا و إن كان الحكم قاصرا عن التعلّق به و هذا عكس التعبدي فإن المتعلّق فيه أعمّ من المقصود الّذي هو الفعل بقصد القربة و التعبّدية ضرورة استحالة تقيد المادّة بالقربة قبل الطّلب فالنّسبة بين المراد و متعلّق الطّلب عموم من وجه فقد يكون شي‏ء داخلا في المراد و الغرض الباعث على الطلب إلا أنّ الطّلب لا يتعلّق به لعدم القابلية فيكون خارجا عن المطلوب و داخلا في المقصود و قد يكون خارجا عن المراد مع كونه هو المقصود من الطّلب و الأوّل هو التوصّلي و الثاني هو التعبّدي نعم لا بدّ أن يكون الفعل اختياريا و لو من بعض العناوين و الجهات لأن غير الاختياري لا

يتصف بحسن و لا قبح فلا يصلح متعلّقا للتكاليف المنوطة بالحسن و القبح العقليين‏

343

ففعل النائم ليس مطلوبا و لا مقصودا و أمّا فعل الغافل عن عنوان المطلوب الصّادر منه بالاختيار من جهة أخرى فينبغي القطع بحصول الواجب في ضمنه لأن ملاحظة الأمرين المذكورين أعني عموم المتعلّق لغة و عرفا و قصور الطلب عن الإحاطة بالفرد المغفول عنه يفيد العلم بذلك و ممّا ذكرنا اندفع ما توهّم في المقام من أنّ الخارج عمّا تعلّق به الطّلب لا يكون إلا مسقطا عن المطلوب فكيف يمكن للمكلّف الامتناع في حصول الواجب بلا دليل خارجي إذ الأصل عدم السّقوط و كون الشي‏ء مسقطا يحتاج إلى الدّليل بلا إشكال و وجه الاندفاع أن المخالف للأصل ما كان خارجا عن متعلّق الطّلب و عن المراد و المقصود أيضا فإنّه الّذي يقتضي الأصل بعدمه حتى يثبت بالدليل و أمّا الخارج عن المتعلّق الدّاخل في المراد و المقصود فلا يكون ارتفاع التكليف و حصول الواجب به محتاجا إلى الدليل (فإن قلت) مع قصور الطّلب كيف يكون المطلوب مطلقا و لا يقيد بقصد العنوان بل هو من التقييد العقلي الّذي هو أولى في عدم الإطلاق و العموم من التقييد فلا جرم يكون غير مقصود العنوان من الفعل خارجا عن الإطلاق خروجا موضوعيّا بقرينة العقل فكيف يكون داخلا في مراد الآمر و الغرض الباعث على أمره (قلنا) ليس كلّ تقيد مقتضيا لاختصاص المراد بالمقيد لأنّ التقييد أو التقيّد العقلي إن كان لنقيصة راجعة إلى الطّبيعة و لو احتمالا بأن يكون منشأ التقييد أو التقيد اختصاص مصلحة الطّلب بالمقيد علما أو احتمالا لم يكشف إطلاق المطلوب عن مساواة فاقد للقيد مع واجده في غرض الآمر و أمّا إذا كان المنشأ عدم قابلية الطّلب عن التعلّق بالفاقد فلا مانع من استكشاف عموم الغرض للفاقد من عموم المطلوب و إطلاقه عرفا و قد ظهر كون محلّ الكلام من قبيل الثاني دون الأوّل فتدبّر حتى لا يذهب عليك كنه هذا التحقيق الرشيق و التفصيل الدّقيق فتكون ممّن لا ناصر له و لا رفيق و أدق من ذلك و أحق بالقبول أن هذا الإطلاق ليس كسائر الإطلاقات الّتي يتمسّك بها عند احتمال التقييد فيدور البناء على ما ذكرنا من حصول الواجب مع عدم الالتفات إلى عنوانه مدار المقامات فمع تجرد المقام عمّا يورث الشكّ في مدخلية قصد العنوان بني على عدمها أمّا مع الشكّ و احتمال المدخلية بملاحظة شي‏ء آخر فإطلاق المادة هنا لا ينهض حجّة على دفعه بخلاف ما لو كان الحكم قابلا للتعلّق بالمشكوك فإن عدم القيد حينئذ يكفي في الأخذ بالإطلاق و البناء على عدمه و لو كان مشكوكا بل مظنونا فالفرق هو أن الظّهور العرفي المعتبر في المحاورات موجود مع عدم قصور الحكم و قابليته للعموم للمشكوك نظرا إلى كون المتكلّم في مقام البيان فلو كان للقيد دخل في مراده لكان عليه البيان فحيث لم يبيّن كشف ذلك عن العموم بخلافه مع عدم قابلية الحكم للعموم بحيث لو أراد المتكلّم لم يسعه ذلك فإن الظّهور العرفي المعتبر في الألفاظ مفقود حينئذ فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي و مقتضاه البناء على عدم السّقوط بالفعل مع قصد العنوان للأصل بل الأصول كما قرر في محلّه لكن قد يقال إن الشبهة إذا كانت حكمية لا موضوعية كما في المقام جرى أصل البراءة و سائر الأصول العدمية مثبتة غير نافعة فتدبر جيّدا و ممّا ذكرنا ظهر فساد الدّليل الثاني أيضا إذ قد عرفت ممّا بيناه أن اختصاص المطلب بالفرد المشهور به ليس لأجل ظهوره فيه بل إنّما هو لقصوره عن التعلّق بما سواه فهذا الظّهور أو التبادر بدوي لا يلتفت إليه (و أمّا الثّالث) فلأنّ توقف صدور الأفعال من الجوارح على تحريك النفس الناطقة و بعثها لها على إيجادها بأن تكون النفس الناطقة مأمورة ببعث الجوارح فيكون هناك أمران أحدهما من الآمر و هو الأمر و الآخر من النفس النّاطقة و هو البعث ممنوع ضرورة أن الجوارح مسخّرات للنفس الناطقة الفعالة المجبولة لإطاعتها في إيجاد ما أراد و لا يحتاج صدورها منها بعد إرادة النفس إلى بعث و تحريك مع أن الالتفات إلى الفعل في الجملة و البعث إليه و لو من حيث عنوان آخر موجود و هو يكفي في انتساب الفعل إليها فلا يحتاج معه إلى قصد آخر لخصوص ذلك العنوان و لعلّ المستدلّ زعم أن هناك أمرين و مأمورين و أن مرجع الأمر بشي‏ء إلى أمر النفس بأمر الجوارح فمعنى افعل أيّها النفس أمر الجوارح بكذا فالفاعل الجوارح و هم المأمورون للنفس المأمور بأمر الآمر و لا يخفى ما فيه من البشاعة و الشناعة هذا كلّه في اعتبار قصد العنوان في الواجبات و أمّا اعتبار المباشرة فيها فالظّاهر أنّه ممّا لا إشكال فيه فإن‏

ظاهر الخطاب طلب فعل المخاطب لا فعل غيره فالأصل بمعنى الظاهر اعتبار المباشرة و عدم قيام فعل الغير مقام فعله إلا بملاحظة أدلّة الوكالة فإن ثبت قبوله للوكالة أو قلنا بأن الأصل في الواجبات و المعاملات القبول إلا أن يثبت الخلاف كما اختاره بعض خلافا للآخر و هو المختار فهو المتبع و إلا لزم المباشرة

الأمر الرّابع في بيان الوجوب المتنازع فيه‏

(فنقول) لا نزاع في وجوب المقدّمة بمعنى اللاّبدّية العقلية الّتي تسمّى بالوجوب العقلي أحيانا بل هو عبارة عن كونه مقدّمة فلا يسع لأحد إنكاره حيث إن إنكاره إنكار لكونه مقدّمة و قد يعبّر عنه بالوجوب الشرطي و منه قولهم يجب الوضوء للصّلاة النافلة و يجب الغسل على المجنب لدخول المسجد و الوضوء لمسّ كتابة القرآن في وجه و منه أيضا يجب القبض‏

344

في بيع الصّرف و نحو ذلك ممّا أطلق فيه الوجوب على اللّزوم و اللاّبدّية و من ذلك قولهم الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد و لا في وجوبها بالوجوب العقلي الإرشادي بمعنى حكم العقل بوجوبه دفعا للضّرر الناشئ عن ترك الواجب و حكم الشارع أيضا كذلك و لا في وجوبها بالوجوب العرضي الثابت للوازم الواجبات فإن إنكاره لا ينبغي صدوره من ذي شعور كإنكار سابقيه و ما عزي إلى المحقق الخوانساري (قدّس سرّه) من إثبات هذا الوجوب لا غيره فهو ناشئ من عدم الإصابة إلى مراده و على فرض تسليم ذلك فليس هذا تعيينا لمحلّ النزاع بل هو إنكار للمتنازع فيه و التزام بشي‏ء آخر لا يضرّ و لا ينفع و لا في عدم وجوبها بالوجوب الأصلي و إن زعمه المحقق القمّي سواء فسّر بما كان له خطاب مستقلّ أو بما كان مقصودا بالإفادة أو بما كان مستفادا من اللّفظ باللّزوم البيّن فإن ثبوت مثل هذا الوجوب للمقدّمات لا يحوم حوله عاقل فكيف من عالم منصف و إن استشهد عليه بشواهد فاسدة لا جدوى في التعرّض لها و لما فيها فطوينا الكلام عنها كشحا و تستيرا على ما فيها من الفضائح و لا في وجوبها الشرعي بمعنى ترتب الثواب و العقاب عليه كما عزي إلى شريف العلماء (قدّس سرّه) و صرّح به في القوانين مرارا لأنّ العقل و الاتفاق قائمان على أنّه لا عقاب على ترك المقدّمة مضافا إلى عقاب ذي المقدّمة بأن يكون تارك الواجب معاقبا على تركه و ترك كلّ واحد من المقدّمات أيضا و كيف يقول القائل بتعدّد العقاب بعدد المقدّمات (فبقي هنا) ما سبق بعض الكلام فيه من أن العقاب الثابت في ترك ذي المقدّمة هل هل يستند إلى تركه أو إلى ترك المقدّمة و قد سبق تحقيق الحال في المقال و غير خفيّ أن هذا النزاع العظيم المقرّر له كثير من الثمرات لا ينطبق على ذلك لأن محصّل النزاع حينئذ أن مستند العقاب هل هو ترك الواجب أو ترك مقدّمة لا في وجوبها و لا في شي‏ء آخر يشبه بالوجوب كاللاّبدّية و نحوها و من العجائب ما نقل من الإصرار و إكثار الأدلة على تنزيل كلماتهم نفيا و إثباتا على ذلك إلاّ أن الجواد قد يكبوا فلا عجيب و لا غرابة و لا في وجوبها بالوجوب العقلي بمعنى الحسن الملزم كما يقال الواجبات الشرعية ألطاف و في الواجبات العقلية لأن وجوب المقدّمة على القول به من الاستلزامات العقلية لا من مستقلاّتها كما لا يخفى فالوجوب المتنازع فيه هو الوجوب الشرعي الغيري التوصلي التبعي و المراد بالشرعي هو كون الآمر مريدا للمقدّمة أيضا إجمالا و يأتي توضيحه في طيّ الأدلّة و هو عقلي أي الحاكم به العقل فإذا أمر بشي‏ء فله إرادتان إحداهما متعلّقة بالواجب مستفادة من الخطاب مطابقة و هي إرادة تفصيلية متعلّقة به على نحو التفصيل و الأخرى إرادة إجمالية ثابتة للمقدّمة يدركها العقل بواسطة ذلك الخطاب و أمّا سائر تقسيمات الواجب كالعينية و الكفائية و التعيينية و التخييرية و المطلقية و المشروطية فحال وجوب المقدّمة حال ذيها حسبما عرفت إلا في الاشتراط و الإطلاق على الخلاف العظيم و الإشكال الجسيم الّذي حسمناه على خلاف ما زعمه جملة من الأعلام فراجع‏

الأمر الخامس في ثمرات المسألة و هي أمور

منها أنّه لو نذر أن يأتي بواجب حصل البرء بإتيان المقدّمة

على القول بوجوبها و لا يحصل على القول بالعدم و يرد عليه أن الواجب عند الإطلاق ينصرف إلى الواجب النفسي كما سبق فلا يحصل الوفاء بالمقدّمة (و إن قلنا) بوجوبها و كذا بالواجب الكفائي و التخييري و كلما هو خلاف منصرف لفظ الواجب و ما يرادفه نعم لو صرّح بالتعميم حصل البرء بقدر ما صرّح به لكنّها ثمرة فقهية لا أصولية و كفي بها سببا للخوض في وجوبها و لو خصّ النذر بالغيري ففي صحّة النذر إشكال بل الظّاهر الفساد كما لو نذر الإتيان بالفريضة أو النّافلة المعتادة في زمان أو مكان مكروهين لتعلّق النّذر حينئذ باختيار الفرد المرجوح و هو مرجوح فيفسد لاعتبار الرجحان في متعلّقه و هذا هو الضّابط و دعوى أن الراجح للغير و إن كان مرجوحا بالقياس إلى غيره لكنه راجح في نفسه و هو كاف في صحّة النذر مدفوعة بأن وجه الفساد ليس هو كون الواجب الغيري مرجوحا بالقياس إلى الواجب النّفسي بل الوجه هو أن تخصيص متعلّق النذر بالفرد المرجوح هنا يرجع إلى ترجيح المرجوح على الرّاجح و هو مرجوح فالنذر للفرد المرجوح يتصوّر على وجهين (أحدهما) أن يكون متعلّق النذر نفس الفرد لا اختياره على الفرد الآخر و هذا صحيح على الأصحّ فلو نذر في الأوقات المكروهة أن يصلّي في هذه السّاعة صلاة صحّ النذر و وجب الوفاء كما صرّح به المحقق القمّي (رحمه الله) في القوانين لأنّ متعلّق النذر هنا هو هذا الفرد من الصّلاة و هو راجح و إن كان أقل ثوابا من غيره (و الثّاني) أن يكون متعلّق النذر اختيار الفرد المرجوح على الفرد الراجح و هذا فاسد فلو نذر إيقاع الفريضة أو النافلة الّتي يأتي بها نذر أو لم ينذر كالرواتب في زمان أو مكان مرجوح فسد النذر لتعلّقه حينئذ بترجيح المرجوح على الراجح و هو مرجوح و ما نحن فيه كذلك لأن العدول عن نذر مطلق الواجب إلى خصوص الغيري نذر و التزام لاختيار المرجوح على الراجح فيكون فاسدا فليتدبر جيّدا

و منها استحقاق الثواب و العقاب عليها فعلا و تركا

بناء على وجوبها و عدم الاستحقاق بناء على العدم و يرد عليها مضافا إلى ما عرفت سابقا من أن الواجبات الغيرية لا يترتب عليها ثواب و لا عقاب لا شرعا و لا عقلا أنّها لا تعدّ ثمرة إذ لا ربط لها

345

بالاستنباط حتى تكون أصولية و لا بأفعال المكلّفين حتّى تكون فقهيّة بل إنما هي ثمرة علمية محضة خارجة عن العلمين مترتبة على الدّليل فهي ثمرة للعلم بالوجوب لا لأصل الوجوب فافهم‏

و منها حرمة أخذ الأجرة عليها على القول بوجوبها

أمّا على القول بالعدم فلا مانع من أخذ الأجرة عليها فالمستطيع لو آجر نفسه لقطع المسافة عن الغير إلى الميقات لم يصح عند القائلين بالوجوب و يصح عند القائلين بالعدم و أورد عليها بوجوه (أحدها) ما ذكره بعض المحققين (قدّس سرّه) من أن أقصى ما يدلّ عليه الدّليل هو حرمة أخذ الأجرة على الواجبات النفسية دون غيرها (و ثانيها) ما ذكره أيضا من أنّها ثمرة فقهية لا تعد ثمرة لمسائل الفنّ (و ثالثها) ما حكي عن بعض مشايخنا (قدّس سرّهم) من أنّ ما لا يجوز أخذ الأجرة عليه من الواجبات هو ما كان مطلوبا عن المكلّف مجانا كالواجبات المتعلّقة بالأموات على ما استظهره غير واحد و تعليم المسائل الدينية كما ورد في بعض الروايات قد أخذ اللّه الميثاق من العالم قبل أن يجب التعلّم على الجاهل الظّاهر في إثبات حق التعليم على العلماء و غير ذلك ممّا يستفاد من دليله لزوم تسليم العمل مجانا فما لم يثبت وجوب التبرع بالعمل لا بأس بأخذ الأجرة عليه مع محافظة سائر شروط الإجارة و لذا استقرت السّيرة على أخذها على الصّناعات الكفائية هذا و في الكلّ نظر (أمّا الأوّل) فيظهر ضعفه من ملاحظة كلمات المانعين فإنّها صريحة في حرمة أخذ الأجرة على الواجبات الغيرية كقطع المسافة الواجبة على المستطيع الحجّ مع أنّ أدلّتهم الّتي استدلّوا بها على المنع شاملة للواجب الغيري أيضا كما لا يخفى (و أمّا الثّاني) فقد ظهر ضعفه ممّا مرّ من أن ثبوت ثمرة و لو كانت فقهية كاف في عدم خلو النزاع عن الفائدة (و أمّا الثّالث) فمرجعه إلى إنكار التنافي بين وجوب الشي‏ء و أخذ الأجرة عليه و أن الواجب و المستحبّ سواء في ذلك فإن دلّ الدليل الخارجي على مدخلية التبرع في الواجب أو المستحب و إلا فلا مانع من أخذ الأجرة مع مراعاة سائر الشروط و أنت خبير بأنّ هذا على تقدير صحته غير نافع إذ لا يلزم في الثمرة كونها اتفاقية فعلى المشهور المدّعى عليه الإجماع تظهر الثمرة و يمكن توجيه الجواب بما قال به بعض الأعلام و هو أن أخذ الأجرة على المقدّمة كقطع المسافة ليس أخذا لها على الواجب إذ الواجب الغيري هو ما يتوقف عليه الواجب النفسي و أخذها على قطع المسافة بعنوان أنّه يتوقف عليه الحج حرام لكن بنفسه و ذاته و هو قطع المسافة فهو ليس أخذا لها على الواجب حتى يحرم بل على شي‏ء آخر مصادف مع الواجب في الخارج و بذلك يجاب عن الصّناعات فإنّ الواجب إنما هو حفظ النظام و الأجرة ليست عليه بل على نفس الصّيغة بعنوانها الخاصّة و هذا إن تم أبطل الثمرة لكنّه غير صحيح لأن مصداق الواجب كحفظ النظام واجب غاية الأمر تصادقه مع شي‏ء آخر فمع الانحصار كان أخذا لها على الواجب العيني التعييني و مع عدمه كانت على الكفائي التخييري و على التقديرين تتم الثمرة على القول بعدم الجواز مطلقا كما هو المشهور و على القول بالجواز في التخييري تمت الثمرة في صورة الانحصار هذا هو الكلام في الثمرة و أمّا الأصل المتفرع عليه ذلك أعني أخذ الأجرة على الواجبات فله مقام آخر فالأولى المناقشة في الثمرة بحرمة أخذ الأجرة على المقدّمة مطلقا حتى على القول بعدم وجوبها أيضا لأنّ دليل عدم جوازها على الواجبات يأتي فيها و لو لم نقل بالوجوب توضيحه أنه لم يرد نصّ في الباب و إنّما حرّموها نظرا إلى ثبوت التنافي بين صفة الوجوب و أخذ الأجرة إذ مقتضى وجوب العمل و هو تعيينه على المكلّف بحيث لا يكون له اختيار الترك زوال حقه و انقطاع سلطنته عنه فيخرج عن أهلية التملّك و المعاوضة إذ المعتبر فيها كون العوض مملوكا قابلا للنقل و الانتقال و إليه ينظر ما عن بعض الأعاظم عن أن المملوك المستحق لا يملك ثانيا و هذا الوجه بعينه جار في المقدّمة و لو لم نقل بوجوبها لأن تعينها على المكلّف بذيها بحكم اللاّبدّية العقليّة يقتضي زوال سلطنته عنه فيكون كالمملوك المستحق للغير الّذي لا يملك ثانيا فتدبّر نعم لو اعتمد في الباب على الإجماعات المنقولة تعبّدا توقف حرمة أخذ الأجرة عليها على القول بالوجوب إلا أنّه مدرك مزيف في محله كما لا يخفى على من راجع المسألة في بابها

و منها لزوم ترتب الفسق على ترك المقدمة

إذا بلغ حدّ الإصرار على القول بوجوبها لأن ترك المقدّمة على القول المذكور معصية فتركها مع تعدّدها إصرار بالمعصية و هو سبب الفسق بخلاف ما لو قيل بعدم الوجوب إذ لا عصيان حينئذ إلاّ بترك ذي المقدّمة و هو معصية واحدة لا توجب فسقا إذا لم يكن كبيرة و فيه أنّ مقتضاه حصول الفسق بترك كلّ واجب و لو لم يكن تركه معصية كبيرة كردّ السّلام مثلا لتعدّد المقدّمات مع أن النصّ و الفتوى متفقان على اشتراط الإصرار في الصّغيرة فهذا اجتهاد في مقابل النصّ و دعوى اختصاص الاشتراط بالمحرّمات فلا يأتي في الواجبات تحكم لا شاهد عليه مع أن حصول الفسق بالإصرار إنّما هو تعدّد العصيان الذي هو مبغوض للمولى و ترك المقدّمة و إن كان معصية فهو ليس مبغوضا آخر له مغايرا لما في العصيان الحاصل بترك ذي المقدمة و إن شئت قلت إن الإصرار بالمعصية يكشف عن مرتبة من عدم المبالاة بمعصية المولى و هذه المعصية غير كاشفة عن عدم المبالاة و لو بلغ من الكثرة ما بلغ‏

346

و منها صحّة المقدّمة إذا كانت عبادة على القول بالوجوب و عدم الصّحة على القول بالعدم‏

لفقدان الأمر الّذي يتوقف عليه قصد القربة المعتبرة في العبادة و فيه أن المقدّمة إن كان لها رجحان ذاتي يقتضي تعلّق الأمر الاستحبابي به فهو يكفي في صحّتها و لو لم يتعلّق به الأمر الوجوبي و إلاّ فالأمر المقدّمي أيضا لا يكفي في صحّتها كما مرّ مفصّلا و مر حل الإشكال في المقدّمة العبادية مثل الطّهارات الثلاث‏

و منها عدم اجتماع المقدّمة مع الحرام على القول بالوجوب‏

و الاجتماع على القول بالعدم عزي هذا إلى المولى الوحيد البهبهاني و هو بظاهره بين الفساد لا ينبغي صدوره من أدنى تلامذته لأن التوصّل إلى المقدمة كما يحصل بالحلال كذلك يحصل بالحرام مثل ركوب الدّابة المغصوبة بالنسبة إلى الوصول إلى مكة فكيف لا يجتمع أصل المقدّمة مع الحرام فلا بدّ له من توجيه يليق به‏

و منها

ما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) من أن القول بوجوب المقدّمة و عدمه يثمران فيما إذا أتي بواجب على الوجه المنهي عنه بناء على كون متعلّق الأوامر هي الطّبيعة و كون الفرد مقدّمة للكلّي كما إذا اغتسل ارتماسا في نهار رمضان فإنه على القول بوجوب المقدّمة يجب الفرد أيضا بالوجوب المقدّمي الغيري المذكور فلزم اجتماع الأمر و النّهي فيكون صحته و فساده مبنيين على جواز اجتماع الأمر و النّهي و عدمه و أمّا على القول بعدم الوجوب فلا يلزم اجتماع الأمر و النّهي لأن متعلّق الأمر هي الطّبيعة و متعلّق النّهي هو الفرد و فيه أن لزوم اجتماع الأمر و النهي في المقام مبني على سراية حكم الكلي إلى الفرد (فإن قلنا) به لزم اجتماع الأمر و النهي و إن لم يكن الفرد مقدمة للكلّي أيضا أو كان و لم تكن المقدّمة واجبة و إلاّ فلا يلزم الاجتماع و إن قلنا بوجوب المقدّمة لأنّ القول بجواز الاجتماع مبني على عدم سراية حكم الكلّي إلى الفرد فالفرد على هذا المبنى غير واجب لا بالوجوب النفسي الثابت للطّبيعة الواجبة و لا بالوجوب المقدمي لأنّه إنما تعلّق بطبيعة المقدّمة و هو نصب السّلم أو قطع المسافة مثلا و أمّا الفرد و هو المقدّمة المخصوصة المنهي عنها فليس بمأمور بها بل يمكن دعوى أنّها ليست بمقدّمة إذ المقدّمة ما يلزم من عدمه عدم الواجب و الفرد المخصوص المنهي عنه ليس ممّا يلزم من عدمه عدم الواجب بل هو فرد من أفراد ما هو مقدّمته فوجوب الفرد إمّا لكونه مقدّمة فليس بل فرد من المقدمة و منطبق معها و إمّا لأجل سراية حكم الكلي إليه و المفروض عدم السّراية فيصح على القولين أي القول بوجوب المقدّمة و عدمه فتدبر جيّدا

و منها

ما ذكره العلاّمة (قدّس سرّه) في التهذيب حيث عدّ من فروع المسألة الصّلاة في الدار المغصوبة بقوله و بطلان الصّلاة في الدّار المغصوبة لأن الأمر بالصّلاة المعينة أمر بأجزائها الّتي من جملتها الكون المخصوص و قال عميد الدّين (قدّس سرّه) في شرح هذه العبارة إن الصّلاة ماهيّة مركبة من أمور أحدها الحركات و السكنات و هما ماهيّتان مشتركتان في شي‏ء و هو شغل الحيز إذ الحركة عبارة عن شغل الحيز بعد شغل حيز آخر قبله و السّكون عبارة عن شغل حيز واحد في أكثر من زمان فإذن شغل الحيز جزء من ماهيّة الصّلاة في الدار المغصوبة و هو منهي عنه فلو كانت الصّلاة في الدار المغصوبة مأمورا بها لكان ذلك الشغل مأمورا به لأن الأمر بالشي‏ء ملزوم للأمر بما لا يتم ذلك الشي‏ء إلا به على ما تقدم فيكون الشي‏ء الواحد مأمورا به منهيا عنه في حالة واحدة و أنه محال انتهى ما أوردناه و فيه (أوّلا) منع كون الجزء مقدّمة للكلّ و إن حصل بانضمام الأجزاء هيئة اجتماعية لأن تلك الهيئة الحاصلة من مجموع الأجزاء أمر اعتباري مرآة لملاحظة حال الأجزاء و إن انفردت بالاسم و العنوان و تعلّق الأمر النفسي بنفسها ضرورة قيام الغرض الباعث على طلبها بالأجزاء المرتبة على كيفيات خاصة و ليس حالها كحال السّرير و الدّار و نحوهما من المركبات الخارجية الّتي يتعلّق الغرض بالهيئة الحاصلة من ضم أجزائها بعضها ببعض بل كحال المعاجين المركبة للأمراض فإن خواصّها قائمة بنفس الأجزاء المجمعة لا الهيئة الحاصلة منها بعد التركيب و بهذه الملاحظة يقال وجوب الكلّ عين وجوب الأجزاء إذ ليس الكلّ إلا عبارة عن عدّة أجزاء فإذا أمرنا بالكلّ فهاهنا أوامر متعدّدة متعلّقة بالأجزاء و قد مرّ تفصيل ذلك في الأمر الثاني بما لا مزيد عليه (و ثانيا) أن لزوم اجتماع الأمر و النّهي في الجزء ليس مبنيا على وجوب المقدّمة لأن الجزء يجب بالوجوب الضمني الثابت فيه بلحاظ الجزئية مع قطع النظر عن كونه مقدّمة لحصول الكلّ و هو كاف في لزوم اجتماع الأمر و النهي فاجتماع الأمر و النّهي في المثال حاصل سواء قلنا بأن الجزء مقدّمة للكلّ أم لا و سواء قلنا بوجوب المقدّمة أو لا فتدبّر جيّدا

و منها فساد الضدّ الواجب المضيق‏

كالصّلاة في زمان وجوب إزالة النجاسة عن المسجد على القول بوجوب المقدّمة لأن ترك الضّد واجب من باب المقدّمة فيكون فعله منهيّا عنه و النهي يقتضي الفساد بخلاف ما لو لم نقل بوجوبها فلا مانع من الصّحة إذ ليس فعله حينئذ منهيا عنه حتّى يوجب الفساد و أورد عليه بعض المحققين (قدّس سرّهم) بأن النّهي المتعلّق بفعل الضدّ غيري و هو لا يقتضي الفساد و أحال تحقيق الحال فيه إلى مسألة الضدّ و قد بنى تحقيق ذلك هناك على الواجب المعلّق و الشرط المتأخّر الّذي قد فرغنا عن تزييفهما بما لا مزيد عليه فالأولى في إبطال الثمرة بعد المساعدة على كون ترك العمد مقدّمة مع أنّه معركة للأداء أن يقال إن الضّد إن كان من العبادات‏

347

فهو فاسد و لو لم نقل بوجوب المقدّمة لأن لابدّيتها العقلية مانعة عن تعلّق الأمر بتركها ففعل الضّد لما كان تركه ممّا لا بدّ منه في تحصيل الواجب فلا يصلح أن يكون مرخصا فيه فضلا عن أن يكون مأمورا به فيفسد من جهة عدم الأمر أيضا و لو لم يكن حراما (فإن قلت) الأمر المتعلّق بكلّي الضد كالصّلاة يكفي في صحّته و لا تحتاج الصّحة إلى الأمر بخصوص الفرد الّذي تركه مقدّمة للواجب (قلت) إن كان ذلك الأمر المتعلّق بالطّبيعة كافيا في صحة الفرد الّذي لا يصلح موردا للأمر لزم الحكم بالصّحة على فرض حرمة ذلك الفرد و إلا فعدم الأمر أيضا كاف في فساده و سيأتي مزيد تحقيق لهذا الكلام فإنّه صدرت من بعض الأعلام في إبطال الضدّ و لو لم نقل بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النّهي عن ضدّه و إن كان من المعاملات فهو صحيح على القولين لأنّ النّهي فيها لا يقتضي الفساد مطلقا و لو كان نفسيّا كما سنبين القول فيه في محلّه إن شاء اللّه تعالى‏

و منها ما ذكره بعض في السّفر الموجب لتفويت الواجب‏

من أنّه على القول بوجوب المقدّمة يكون السّفر محرما لأن ترك السّفر مقدّمة للواجب فيكون فعله حراما فيترتب عليه أحكام سفر المعصية من لزوم الإتمام في الصّلاة و عدم سقوط الصوم و لا كذا على القول بعدم وجوبها و فيه أن سفر الحرام الّذي تتم فيه الصّلاة هو ما كان لأجل غاية محرمة كالسّفر للسّرقة و نهب الأموال و نحوه من ذلك تشييع الجائر فإنّ هذا هو القدر المسلم من سفر الحرام و أمّا السّفر الّذي كان نفسه حراما بالذات كالسّفر في ملك المغصوب و سفر المريض المضرّ بحاله و السّفر المنهي عنه لإطاعة الوالدين أو الوفاء بالنذر أو نحو ذلك من المحرّمات النفسيّة أو كان حراما بالغرض كالسّفر المفوت للواجب ففيه خلاف و على القول بالتمام فيه لا يفرق فيه أيضا بين القول بالوجوب و القول بالعدم بل كون السّفر سببا للحرام يكفي في التمام و لو لم يكن بنفسه محرما لأن غايته و هو ترك الواجب محرم فيندرج في القسم الأوّل و هو ما كان غايته محرمة و لو لم يكن نفس السّفر محرما و الحاصل أن الحكم بالتمام في السّفر المفوت للواجب غير مبني على القول بوجوب المقدمة بل القائل به يقول به و لو لم يقل بالوجوب نظرا إلى حرمة ما يترتب عليه من الحرام‏

الأمر السّادس في تأسيس الأصل في المقام‏

فنقول أمّا أصالة البراءة فلا مسرح لها هنا لأنّ الأصل المذكور سواء كان مدركه العقل أو الشّرع إنّما يتمسّك به في رفع المؤاخذة و العقاب و بعد ما عرفت من اتفاق العلماء بل العقلاء على عدم ترتب العقاب في ترك المقدّمة زائدا على العقاب الثابت في ترك ذيها فلا وجه لجريانه هنا و إجرائه عند الشك في الأجزاء و الشرائط مع كونها مقدّمة لا ينافي ذلك لأن الشك في المسألتين شكّ في كون الشي‏ء مقدّمة شرطية أو في كونه جزء للمأمور به لا في وجوبهما بعد إحراز الشرطية و الجزئية و أمّا أصل العدم فإن كان اعتباره من باب الاستصحاب بأن يكون مدركه أخبار لا تنقض فهو ممّا لا ينهض حجة في نفي الوجوب مطلقا و لو كان نفسيّا لما تقرر في محلّه و ليس هنا محلّ ذكره و إن كان اعتباره من باب الظن فهو أمارة ظنية معتبرة لو ترتب عليها بعض الفوائد كما قيل أو يقال بترجيح أحد المتعارضين به إلا أن هذه الفائدة مفقودة أيضا في الوجوب المقدّمي لأن أصالة عدم وجوب المقدّمة لا يجري مع أصالة عدم وجوب ذي المقدّمة لما تقرر في محلّه من أن الشكّ في اللاّزم مسبّب عن الشكّ في الملزوم و لا مجرى للأصل في المسبّب مع جريانه في السّبب موافقا كان معه أو مخالفا فلا يتصوّر فائدة هنا حتّى يتصور كون هذا الأصل أي أصالة عدم وجوبها حجة إذ كلّما لا يفيد علما و لا عملا لا معنى لكونه حجة كما لا يخفى عند المتدرّب و قد يورد عليه بأن أصل العدم لا بدّ فيه من تعيين سابق حتى يحكم ببقاء حكمه عند الشكّ و المقدّمة بعنوان كونها مقدمة الواجب ليست مسبوقة بعدم الوجوب حتى يستصحب المتيقن حال الشكّ في وجوبه إذ من حين الأمر بذي المقدّمة كان وجوبها مشكوكا و أمّا عدم وجوبها قبل الأمر بذيها فغير نافع لتغير الموضوع و فيه أن حدوث الحوادث و تغير الأكوان و الأحوال لا يوجب تغيرا في موضوع الاستصحاب العدمي لأنّ المستصحب هناك العدم الأزلي قبل تكون الكائنات و هو لم يكن قائما بموضوع حتى يتغير أو يتبدّل بالحوادث و لذا لم يناقش أحد في اعتبار أصالة العدم أو استصحاب العدم بهذه المناقشة و إن منعه من منعه بسبب آخر مذكور في بابه هذا كلّه إذا لاحظنا الأصل في ثبوت اللاّزم أي وجوب المقدّمة و إن لاحظناه في الملازمة العقلية بينه و بين وجوب ذي المقدمة فلا أصل في البين كما هو واضح و إن لاحظناه في الدلالة اللّفظية فإن أريد بها الالتزام العقلي فكذلك لا أصل هنا و إن أريد بها الالتزام اللّغوي أو العرفي بأن يكون البحث في أن ألفاظ الوجوب هل اعتبر الواضع فيها التقييد بوجوب المقدّمة بمعنى أنّه حين وضع افعل مثلا للوجوب قيده بوجوب مقدّمات ذلك الفعل فالتقييد داخل و القيد و هو وجوب المقدّمة خارج أو لا فقد يقال إن قضية الأصل عدم الاعتبار كما عن القوانين و الفصول في نظائر المسألة حيث يتمسّكون بالأصل في نفي اعتبار الخصوصية مطلقا إذا دار الأمر بين كون الموضوع له مطلقا أو مقيّدا إلا أنّ التحقيق عندنا التفصيل في المقامات بين ما علم ملاحظة القدر المشترك تفصيلا و شكّ في ملاحظة الخصوصية و التقييد بها مضافا إلى ملاحظة القدر المشترك و بين غيره ممّا يشكّ في كون الموضوع‏

348

له كلّيا أو فردا منه و الظّاهر أن المقام من موارد الجريان كما يظهر بالتأمّل و من الإحاطة بما شرحنا في تأسيس جريان الأصل تعرف النظر في ما ذكره بعض المحققين و غيره من كون مقتضى الأصل هو قول النافي فإنّه فاسد في جميع الوجوه المقررة لمحلّ النزاع إلاّ الوجه الأخير

تنبيهان‏

الأوّل أن كلاّ من المثبت و النافي في المسألة محتاج إلى الدليل‏

لأن عدم احتياج النافي إلى الدليل إنّما هو لموافقة قوله للأصل فحيث لا أصل في المسألة كما عرفت كان عليه أيضا إقامة الدليل على النفي و كذا قولهم عدم الدليل على الوجود دليل العدم إنّما يقال إذا كان العدم مطابقا للأصل و قد عرفت أنّه لا أصل في المسألة إلا ببعض الوجوه الخارجة عن محلّ النزاع و أيضا المسألة علمية فلا بدّ لكلّ من يدعي شيئا إقامة الدليل القاطع المفيد فكيف يكون القائل بعدم وجوب المقدمة واقعا قطعا مستغنيا عن الدّليل‏

الثّاني‏

أن الفاضل التوني (قدّس سرّه) بعد نقل أدلّة الوجوب و ردها قال و هذه المسألة بأدلّتها من الطرفين مذكورة في كتب الأصول كالمعالم و غيره و المتعرّض مستظهر من الجانبين إلا أن المتتبع بعد الاطّلاع على المدح و الذّم الواردين في الأخبار و الآيات القرآنية على فعل مقدّمة الواجب و تركها يحصل له ظن قوي بوجوب مقدّمة الواجب مطلقا انتهى و هذا الكلام بمعزل عن الصّواب و التحقيق (أمّا أوّلا) فلأن التعبّد بالظّن إنّما يتعقل إذا ترتب عليه ثمرة عملية لما عرفت في تضاعيف المسألة من أن ما لا يفيد علما و لا عملا لا يعقل كونه معتبرا و حجة مع أن هذا الظن المستفاد من أدلّة المسألة ليس من الظنون المعتبرة عند غيره فضلا من أن يكون معتبرا عند من لا يعوّل في الأحكام على المداليل الالتزامية القطعية و يقتصر على متون الأخبار و يقرب مشربه من مشرب الأخباريّين (و أمّا ثانيا) فلأنّ الأدلّة السّمعية و لو كانت قطعية لا تنهض حجة في إثبات الملازمة العقلية إذ غاية ما يحصل منها ثبوت وجوب المقدّمات الشرعية و هذا لا يجدي فيما بصدده القوم من إثبات الملازمة العقلية أو العرفية بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدّماته فلو ورد من الشرع ما يدلّ على وجوبها وجب حمله على الإرشاد الكاشف عن كونه مقدمة دون الوجوب الشرعي المتنازع فيه و إن صعب على القوم و كبر عليهم هذه المقالة حيث إنّهم جازمون بأن قوله تعالى‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ مثلا يدلّ على الوجوب الشرعي المقدّمي إلا أنّ هذا خلاف الإنصاف بل خلاف التحقيق لأن الوجوب الغيري لا فائدة في بيانه سوى ما ذكر من الكشف عن كونه مقدّمة و هذه الفائدة تعين كونه إرشاديا لا شرعيّا و من هنا يظهر أن التمسّك بالأوامر الشرعية المتعلّقة بالمقدّمات في أبواب الفقه على إثبات الوجوب المتنازع فيه كلام ناشئ عن عدم إمعان النظر في هذا النزاع و التشاجر في المسألة (ثمّ) بعد التنزل و تسليم كونها دالّة على الوجوب الشرعي الغيري لا ينفع أيضا إذ لا تثبت به الملازمة العقليّة و لا العرفية و لا اللاّزم و هو وجوب التبعي المعلولي المقدّمي لأنّ تصريح الآمر بوجوب المقدمة من قبله لا إرشادا لا يكون دليلا على ما ذكر بل دليلا على أمر آخر و هو الوجوب النفسي التّهيّئي الّذي قد يطلق عليه الوجوب الغيري أو الوجوب الأصلي المستقلّ و أين هذا من الوجوب المقدّمي المعلولي الناشئ من الملازمة الواقعية فليتدبّر في المقام فإنّه من مزال الأقدام‏

و إذا تمهّد لك هذه‏

فلنشرع الآن في المقصود فنقول‏

[الكلام في نقل الأقوال في المسألة]

اختلفوا في وجوب المقدّمة على أقوال (الأوّل) و هو المشهور المدّعى عليه الإجماع وجوبها مطلقا (الثّاني) عدمه على ما ذكره صاحب المناهج و هو ظاهر المعالم و صريح الإشارات و غيره (الثّالث) التفصيل بين السّبب و الشرط بوجوب الأول دون الثّاني نسب إلى علم الهدى و إن كانت النّسبة في غير محلّها على ما صرّح به صاحب المعالم و يستفاد من كلامه المحكى من الذريعة و الشّافي (الرابع) التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره فيجب الأول دون الثّاني ذهب إليه ابن الحاجب و إمام الحرمين على ما عزي إليه‏

أمّا القول الأوّل فقد احتج عليه بوجوه‏

[الدليل الأول من أدلة القائلين بالوجوب‏]

(الأوّل) ما ادّعاه جمع من الأعيان كالمحقق الدّواني و المحقق الطّوسي و يظهر من كلام سيّد الحكماء و المتألهين المير محمّد باقر الدّاماد في بعض تحقيقاته و تلقاه بالقبول مشايخنا العظام و أساتيذنا الكرام و سائر المتأخّرين الفخام و هو أقوى الأدلّة الّتي استدلّ بها في المقام و أسدّها و هو قضاء ضرورة الوجدان بذلك فإن من راجع إلى وجدانه حال إرادته بشي‏ء و أنصف من نفسه و لم يخالطه بالشكوك و الشبهات وجد نفسه مريدا لما يتوقف عليه ذلك الشي‏ء و إن لم يكن ملتفتا إليه و أن منشأه ليس إلاّ إرادة ذلك الشي‏ء بحيث لو بني على عدم إرادته كان ذلك مجرّد فرض لا حقيقة له و يساعده أيضا الاعتبار الصّحيح و يشهد على ذلك أنّه لو سئل الآمر عن حاله لما أجاب إلا بالإرادة التبعية الناشئة عن إرادة المطلوب و دعوى أنّ إرادة الشي‏ء يستدعي الشعور به و الالتفات إليه لوضوح استحالة تعلّق الإرادة بالفعل الغير المشعور به لأنّها منبعثة من تصور الشي‏ء و تصوّر ما فيه من المصلحة و الشّوق إليه فمع كونه غافلا عنه غير شاعر به امتنع أن يكون مريدا له و حينئذ فلا يتجه دعوى تعلّق الإرادة بها على نحو الإطلاق بل لا بدّ من التفصيل بين حال الغفلة و حال الالتفات مدفوعة (أوّلا) بأنّ الإرادة المتعلّقة بالفعل تارة تكون على وجه التفصيل‏

349

و أخرى على وجه الإجمال و الّذي يمتنع حين الغفلة و الذّهول هو الأوّل و ما ادّعيناه ثبوته في المقدّمة حال الغفلة و عدم الشعور و تشهد له ضرورة الواجدان هو الثاني و ذلك لأنّ حصول الفعل المأمور به لما لا يكون إلا بتقديم ما يتوقف عليه وجوده أولا ثم بإيجاد ذلك الفعل ثانيا فلا جرم تكون إرادة حصوله إرادة لذلك التقديم و لذلك الفعل و تكون تلك الإرادة بالقياس إلى ذلك الفعل أصلية تفصيلية و بالقياس إلى ما يتوقف عليه وجوده تبعيّة إجمالية أ لا ترى أن إرادة الكلّ إرادة للأجزاء و لو لم يكن الآمر شاعرا بها و إنّما تتعلّق بها و لو كان غافلا عنها بل إنّما تنحل إلى إرادة عديدة بعدها (و ثانيا) أن الغرض الأصلي من هذا البحث هو معرفة حال مقدمات الواجبات الشرعية و الغفلة غير متصوّرة عن مقدّماتها فبحكم الوجدان ينبغي البناء على وجوبها (فإن قلت) إنّ الإيجاب هو الإنشاء النفساني القائم بنفس الأمر و الإرادة و لو كانت تفصيلية ليست من الإنشاء (قلت) يرجع البحث حينئذ إلى أن الطّلب هل هو عين الإرادة أو غيرها و نحن أجرينا الكلام على مذاقنا و مذاق القائلين بالاتحاد و قد سلك هذا المسلك المحقق السّبزواري (قدّس سرّه) في إثبات وجوب المقدّمة و أجاب عنه المحقق الخوانساري (رحمه الله) و بعض من وافقه عن المحققين بأن الإرادة غير الطّلب المبحوث عنه فكلّ على شاكلته (فإن قلت) سلّمنا أن الطّلب عين الإرادة لكن الإرادة الإجمالية الثانية الثابتة في نفس الأمر المنكشفة بعد السّؤال و الالتفات حسبما ذكرت في إثباتها ليس من الوجوب المصطلح كما لا يخفى (قلت) إن أردت أن الاصطلاح لا يساعده على تسميتها وجوبا فلا نتحاشى منه و ما علينا التعرض لصحّته و سقمه و إن أردت أن الثواب و العقاب أو غيرهما من آثار الوجوب لا يترتب عليها فممنوع جدّا أ لا ترى أنّ العبد لو رأى ولد المولى في المهلكة و كان قادرا على إنقاذه و لم ينقذه معتذرا بأن المولى لم يأمرني بذلك و لا هو عالم به و لا ملتفت إليه فلا ضرورة لي على الإقدام بإنقاذه ذمّه العقلاء و استحق عقاب المولى بعد الاطّلاع و قد تحقّق في باب إثبات حجية العقل أن المصلحة اللاّزمة الّتي يدركها العقل تكفي في إثبات الوجوب و الذّم و اللّوم و استحقاق عقوبة الشارع و لو لم يرد فيه نصّ منه و لا أمر و لا خطاب نعم هذه شبهة الأخباريين و من يقرب من مشربهم مشربه من الأصوليين فزعموا أن الثواب و العقاب و المدح و الذم منوطة بأمر الشارع و لا يكفي العلم بكون الفعل مرضيا عنده تعالى أمّا معاشر الأصوليين فلا إشكال عندهم أن الإرادة الإجمالية و الإرادة التفصيليّة المتعلّقة بالمصلحة اللاّزمة على حدّ سواء نعم قد يقال في ردّ هذا الدّليل أي دعوى ضرورة الوجدان كون طالب الشي‏ء طالبا لما يتوقف عليه مسلم لكن بالطّلب الإرشادي و هو ليس بمحلّ النزاع و لعلّهم نظروا إليه فادعوا البداهة تارة و الضّرورة أخرى فإن زعم مدّعي الضّرورة و الواجدان أن هاهنا طلبان طلب إرشادي و طلب آخر غير إرشادي و هو المتنازع فيه فهو مكابرة و إن ادعى ثبوت الطّلب للمقدّمة في الجملة غير صفة اللاّبدّية فهو مسلّم لكنّه زعم من المدّعي و ظنّي و إن كان الظنّ لا يغني من الحق شيئا أن الطلب الإرشادي عندهم ليس من الإنشاء بل من الإخبار فزعموا أن الطّلب الموجود هنا طلب شرعي حيث وجدوه بالحس و العيان لكن الإنصاف بعد التأمّل أن المقدّمة لما كانت مشتملة على مصلحتين مصلحة راجعة إلى المأمور و هو رفع ضرر المعصية و مصلحة راجعة إلى الآمر لتوقف المأمور به عليه و كونها موصلة إلى مطلوبه فيتعلّق بها من حيث كلّ مصلحة طلب فمن حيث إنّها مصلحة للمأمور يتعلّق بها طلب الإرشادي الحتمي و من أنّها مصلحة للأمر أيضا لكونها موصلة إلى مراده يتعلّق به الطّلب المولوي الآمري فافهم و تدبّر فإنّه من مزال الأقدام و مطارح الأفهام‏

الثّاني إجماع العلماء و اتفاقهم على وجوب المقدّمة

إذ قد عرفت أنّ القول بعدم الوجوب مطلقا و إن كان فهو شاذ نادر لا يلتفت إليه و أجيب عنه بأن المسألة عقلية و الإجماع في المسائل العقلية ليس بحجة (أقول) إن كان الاستدلال بإجماع العلماء هنا على أن يكون اتفاقهم دليلا على المدّعى من حيث كونه إجماعا عمليّا فالجواب المذكور في محلّه لأن شرط حجّية الإجماع بجميع طرقها أن يكون في المسائل الشرعية التعبدية كما تقرر في بابه ففي المسائل العقلية لا مسرح للتمسّك به أبدا و إن كان بناء على أن اتفاق العقلاء على أمر عقلي يكشف عن كونه حقا لامتناع اتفاقهم على أمر باطل عادة و لذا حكموا بحدوث العالم الزماني باتفاق الأنبياء و جميع الأديان عليه مع كونه من المسائل العقلية المتحيّر فيها العقول الّتي ضلّت فيها كثير من الفحول فله وجه وجيه إلاّ أنه على إطلاقه غير مسلم لأن اتفاق العقلاء كالاستقراء قد يفيد العلم للناظر في المسألة و قد لا يفيد بل لا يورث الوهم أيضا فضلا عن العلم أو الظّن فتختلف المقامات باختلاف المجمعين قلّة و كثرة و اختلاف المسألة وضوحا و خفاء و كونها من البرهانيات أو من الوجدانيات فلو فرض انحصار العقلاء المتعرضين للمسألة في ثلاثة أو عشرة أو أقلّ أو أزيد فليس اتفاقهم سببا للعلم في حق النحرير الماهر الناظر في المسألة فكم من المسائل الاتفاقية انقلبت خلافه و ناهيك عن ذلك‏

350

تعارض الشّهرة بين القدماء و الشّهرة بين المتأخرين في المسائل الفقهية النظرية المبنية على فهم مداليل الكتاب و السّنة الالتزاميّة و لأجل ذلك يمكن منع حصول العلم هنا باتفاق العلماء لأنّ مستند حكمهم بوجوب المقدّمة لو كان هو الوجدان فكيف يحصل العلم باتفاقهم لمن راجع إلى نفسه حال إرادته لشي‏ء و لم يجده مريدا لما يتوقف عليه ذلك الشّي‏ء و كذا لو كان المستند هي الأدلّة و البراهين الفاسدة الّتي اعتمد عليها أفاضل العقلاء فمع ما ستعرف إن شاء اللّه من الأجوبة حلا و نقضا لا تفيد لك علما و لا ظنّا بل و لا وهما

[الدليل الثالث من أدلة القائلين بالوجوب‏]

(الثّالث) ما حكي عن أبي الحسن البصري و فخر الرّازي و استدل به العلاّمة (قدّس سرّه) في التهذيب و محكي النهاية و قرّره في المعالم بقوله احتجّوا بأنّه لو لم يقتضي الوجوب في غير السّبب أيضا للزم إمّا تكليف ما لا يطاق أو خروج الواجب عن كونه واجبا و التالي بقسميه باطل بيان الملازمة أنّه مع انتفاء الوجوب كما هو المفروض يجوز تركه و حينئذ أي و حين إذ تركها فإن بقي ذلك واجبا لزم تكليف ما لا يطاق إذ حصوله حال عدم ما يتوقف عليه ممتنع و إن لم يبق واجبا خرج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا و بيان بطلان كلّ من قسمي اللاّزم ظاهر و أجاب عنه بقوله بعد القطع ببقاء الوجوب أنّ المقدّمة كيف يكون ممتنعا و البحث إنّما هو في المقدور و تأثير الإيجاب في القدرة غير معقول انتهى كلامه رفع مقامه (أقول) قوله (قدّس سرّه) بعد القطع ببقاء الوجوب الظّاهر أنّ مراده من بقاء الوجوب هو بقاء أثر الوجوب يعني استحقاق العقاب على تركه لوضوح أن بقاء نفس الوجوب حينئذ يستلزم التكليف بما لا يطاق لأنّه ممتنع بعد ترك مقدّمة و مجرّد إمكانه الذّاتي لا يكون مصحّحا للتكليف به بعد عروض الامتناع سواء كان السّبب هو المكلّف أو غيره إذ الغرض من التكليف هو بعث المكلّف إلى إيجاد المكلّف به و في حال كونه ممتنعا و لا يترتب عليه هذا الغرض فكيف يصحّ صدوره من الفاسق العاقل فضلا عن الحكيم العادل نعم قد يصحّ التكليف مع عدم علم الآمر بعدم حصول المأمور به لغيره من التسجيل و الامتحان كما في تكليف الكفّار و العصاة و هذا أيضا غير متصور في المقام إذ التسجيل و الامتحان فما حصلا بالتكليف حال القدرة إذ يشترط في صحّة التكليف تحقق القدرة على الفعل المأمور به في جزء من أجزاء زمان ما بعد التكليف و لا شكّ أنّ القدرة بالفعل حاصلة قبل ترك المقدّمة إذ يصدق على المكلّف حينئذ أنّه يمكن صدور الفعل عنه و أنّه إذا شاء فعله و سقوطها بعد باختياره غير ضائر و لولاه لم يحصل بالتكليف حال العجز أيضا و هو واضح فبقاء التكليف بمعنى بقاء الخطاب بعد صيرورة الفعل ممتنعا واضح البطلان لا يحوم حوله عاقل و قد اعترف بأن الخطاب إذا لم يكن له فائدة لا يصدر من الشّارع لكونه عبثا فكيف يعول ببقاء الخطاب بعد عروض الامتناع إذ لا فرق بين الابتداء و الاستدامة فتعيّن أن يكون مراده ببقاء التكليف بقاءه عقابا أي استحقاق المؤاخذة و الذم لا بقاءه خطابا فما ذكره المدقق الشيرواني من تجويز التكليف بعد الامتناع أيضا لغرض الابتلاء بمعنى إظهار ما لم يكن ظاهرا على العقول القاصرة و الأحلام السخيفة كتكليف الكفّار و العصاة فهو من العجائب و لعلّه أراد به التّنبيه على ما ذكرنا ليصحّ التكليف بعد الامتناع و إن كان بعيدا عن سياق كلامه و ممّا ذكرنا ظهر أيضا أن ما ذكره سلطان العلماء (قدّس سرّه) و من وافقه من الأفاضل الأعلام في توجيه بقاء التكليف بما هو المعروف من أنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار ليس على ما ينبغي إن أرادوا به استمرار الخطاب و التكليف لأنّ هذه القضيّة نظير قولهم الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار إنّما قال بها من قال في ردّ الأشاعرة الجبريّة القائلين بأنّ العبد مجبور في أفعاله حيث إنّهم استدلوا على جواز التكليف بالممتنع بأن كلاّ من طرفي الممكن لا يتحقق ما لم يصل إلى حدّ الوجوب لأنّ كلّ ممكن محتاج إلى مؤثر عند تحقّقه يجب وجوده و عند عدمه يمتنع وجوده فلا يصدر عن العبد فعل إلا بعد وجوبه في حقه بوجود علّته التّامة و لا ترك إلا بعد امتناع الفعل في حقه بسبب عدم العلّة فالتكاليف الشرعية كلّها تكليف بالممتنع لأن متعلّقها إمّا أفعال أو تروك و هما خارجان عن مقدرة الإنسان فأجاب عنهم العدلية بأن الإيجاب و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فإن كلاّ من طرفي الممكن و إن كان خارجا عن الاختيار بعد الإيجاب و الامتناع إلاّ أن كلاّ من الإيجاب و الامتناع لما كان باختيار العبد و مشيّته بحيث لو شاء إيجاب شي‏ء أوجد علّة وجوده و لو شاء امتناعه لم يوجدها كان كلّ من طرفي الممكن اختياريّا له بهذه الملاحظة و لذلك يجوز تعلّق التكليف به لأنّه حين تعلّق التكليف قادر على اختيار كل من الإيجاب و الامتناع و أين هذا من الامتناع الحاصل من علّة سابقة على زمان التكليف فهو خارج عن اختياره حال التكليف و إن نشأ من اختياره السّابق لأنّ الاختيار المقصود من كلامهم هذا هو الاختيار الحاصل في زمن التكليف فإن‏

له حينئذ اختيار الإيجاب و هو إيجاد علّة الوجود أو اختيار الامتناع و هو عدم إيجاد علّة الوجود و لا كذا إذا كان الاختيار المذكور سابقا على زمن التّكليف فليس له حينئذ اختيار إيجابه أو امتناعه فيكون كالممتنع الذاتي و يأتي فيه ما ذكر في قبح التكليف به من السّفه العقلي و انتقاض غرض‏