بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
351

التكليف و نحوهما سواء بسواء و الحاصل أن القول ببقاء التكليف بمعنى استمرار الخطاب السّابق و عدم انقطاع نفسه بعد عروض الامتناع باختيار المكلّف واضح الفساد و قولهم الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ليس مصحّحا لذلك و لا مساس له به حسبما عرفت و بمعنى آخر من الذم و العقاب و غيرهما ممّا هو من لوازم المعصية لا مانع منه و عليه يحمل كلماتهم (قدّس اللّه أسرارهم) قوله إن المقدور كيف يكون ممتنعا الظاهر أن مراده أنّ الفعل الّذي كان مقدورا في زمان التكليف قبل ترك المقدّمة كيف ينقلب ممتنعا في ذلك الزمان و صحة العقاب يدور مدار القدرة عليه في ذلك الوقت فالمقدور شرط لصحّة التكليف حدوثا لا بقاء ابتداء لا استدامة و أمّا الفعل بعد سلب القدرة عنه بترك المقدّمة فهو خارج عن متعلّق الخطاب و لا يترتب عليه العقاب و لعلّه أشار إليه بقوله و البحث إنّما هو في المقدور و على هذا يكون هذا الكلام متمّا للجواب المذكور فتدبّر فكيف كان فملخّص الجواب أن المستدلّ إن أراد من بقاء التكليف بعد ترك المقدمة بقاءه عقابا بمعنى صحّة المؤاخذة على ترك الواجب بعد عروض الامتناع فنحن نختار الشّق الأوّل و هو البقاء و لا يلزم منه التكليف بما لا يطاق و لا يترتب العقاب على الترك الخارج عن الاختيار و إن أراد منه بقاء التكليف خطابا بمعنى استمرار خطاب افعل و توجيهه إليه في حال عروض الامتناع فنحن نختار الشّق الثّاني و لا يلزم منه خروج الواجب عن كونه واجبا نعم يلزم انقطاع خطاب افعل مع بقاء تبعة المخالفة و العصيان و هذا لا ضير فيه لأنّ انقطاع الخطاب كما يتحقق بالعصيان الحقيقي الحكمي و هو اختيار المكلّف حالة لا يقدر على الامتثال في تلك الحالة فإن المصحّح عدم حصول المأمور به مع تحقق القدرة عليه في جزء من أجزاء زمان ما بعد التكليف و العلم به و هو موجود في الصّورتين مع إمكان أن يجعل ترك المقدّمة عين العصيان ببعض الوجوه الّتي لا يخفى على أهل النّظر هذا و أجاب سلطان العلماء (قدّس سرّه) بعد ما سمعت بجواب آخر و هو أنه لا مانع من تعلّق التكليف الشرعي بالممتنع العرضي لأنّ التكاليف الشرعيّة كلّها مسوقة للإعلام بما في الأفعال من المصالح و المفاسد و لا مانع من استمرار هذا الاختيار إلى حال ترك المقدّمة بل إلى الأبد و ليس فيها جهة اقتضاء و بعث كما في الأوامر العرفية حتى يكون قبيحا حال عروض الامتناع بترك المقدّمة و فيه (أوّلا) أنه منقوض بالممتنع الذاتي إذ لا مانع من طلبه بالطّلب الإرشادي بالمعنى المذكور مع قيام الضّرورة و اتفاق العدلية على عدم وجوبه فتأمل (و ثانيا) أن في الأوامر الشرعية جهة اقتضاء و طلب أيضا مثل ما هو في الأوامر العرفية و إلا لم يستحق العاصي الذم و العقاب بالعصيان إذ الإقدام على المفسدة و إن كان إقداما على القبيح عقلا إلاّ أنّه ليس فيه قبح المعصية و الذم المترتب على مخالفة أمر المولى فكما أن العبد العاصي عن أمر مولاه مذموم معاقب فكذا تارك الواجبات الشرعية فإنّه أيضا معاقب بعقاب العصيان و لو لا اشتمال الأوامر الشرعية للجهة المولوية أيضا لم يستحق الذّم و العقاب كما لا يخفى إذ ما يترتب على قول الواجب ليس سوى المضرّة و المفسدة و الإقدام على المضرة ظلم على النفس لا على الغير حتّى يستحقّ عقابه (و ثالثا) أن الإرشاد إلى المصلحة الّتي لا يقدر المرشد على إدراكها عبث صرف و لغو بحت لا يصدر من عاقل فكيف عن الحكيم (و رابعا) أن النزاع أعمّ من الأوامر الشرعية و هذا التوجيه إن تمّ فإنما يأتي في الأوامر الشرعية خاصة إذ الأوامر العرفية ليس فيها جهة إرشاد بل المقصود منها الإطاعة و تحصيل المأمور به فالجواب المذكور عن الدّليل حينئذ غير نافع فالجواب ما ذكرنا و هو جواب حلّي و يتلوه جواب نقضيّ سيّما ما ذكره سلطان العلماء (قدّس سرّه) بقلب الدليل و جعل قول صاحب المعالم و تأثير الإيجاب في القدرة غير معقول إشارة إليه و هو أن ما ذكره المستدلّ جار على القول بوجوب المقدّمة أيضا فإن وجوبها لا يستلزم وقوعها في الخارج قهرا فللمكلّف مع وجوبها أن لا يفعل فعلى تقدير تركها يلزم أحد الأمرين المذكورين من لزوم التكليف بما لا يطاق أو خروج الواجب عن كونه واجبا فالإشكال المذكور وارد على الفريقين فعليهما التعاون في دفعه و قد يقال كما سنح لغير واحد من الأفاضل منهم بعض المحققين في حاشيته أنّه غير وارد على القائلين بوجوب المقدّمة لأن العصيان قد يكون سببا لجواز التكليف بما لا يطاق و

عليه بنوا تكليف الكفار بالقضاء مع كونه مشروطا بالإسلام و محبوبا به لأنّه تكليف بالممتنع و كذا تكليف المرتد الفطري بالعبادات مع عدم قبول توبته حيث إن الكافر بسبب عدم الإيمان و عصيانه صار مستحقا لأن يكلف بالقضاء الممتنع في حقه و كذا المرتد الفطري فللقائلين بوجوب المقدمة الالتزام ببقاء التكليف إذا ترك المقدّمة مع كونه تكليفا بما لا يطاق و يضعّف بأنّ العصيان بسبب ترك واجب لا يعقل أن يكون مصحّحا للتكليف بأمر ممتنع آخر فإنه قبيح جدّا و سفاهة قطعا فكيف يعقل أن يكلّف بالطيران في السّماء بسبب ترك واجب من الواجبات و إشكال تكليف الكفار بالقضاء و المرتد الفطري بالأداء دفعناه بوجوه كافية شافية فيما مضى من تحقيقاتنا في هذه المسألة و في غيرها ممّا ستقف عليه في محلّ مناسب إن شاء الله تعالى فالنقض وارد على الفريقين لا دافع‏

352

له إن أريد به بقاؤه خطابا و إن أراد به البقاء من حيث استحقاق العقاب و المؤاخذة على النّمط الّذي عرفته فهو صحيح سواء قلنا بوجوب المقدّمة أم لا و هاهنا وجه آخر ذكره الفاضل الصّالح المازندراني و هو أن مقتضى الدّليل المذكور توقف وجوب الفعل على وجوب مقدّمته لأنّ وجوب الفعل موقوف على القدرة به و القدرة به موقوفة على وجوب مقدمته الموقوف وجوبها على وجوبه ضرورة و هو دور واضح‏

[الدليل الرابع من أدلة القائلين بالوجوب‏]

(و الرّابع) ما في الفصول من أن صريح العقل قاض بأن اتصاف الأمر المقدور بالرجحان النفسي المانع من النقيض يوجب اتصاف ما يتوقف عليه من مقدّماته بالرّجحان الغيري و قضية ما تقرر عند أهل التحسين و التقبيح من إناطة الأحكام الشرعية بالمصالح لنفس الأمر به أن يكون الراجح النّفسي مطلوبا لنفسه و الراجح الغيري مطلوبا لغيره انتهى مهذّبا و قد استدلّ بهذا الوجه بعض المحققين في حاشية المعالم حيث قال و منها أي من الأدلّة أنه قد تقرر عند العدلية أن الوجوب و التحريم تابعان للمصالح و المفاسد إلى آخر ما قال إذ الظّاهر رجوعه إلى الوجه المذكور كما لا يخفى على من أمعن النظر في كلامه و يقرب من هذا الوجه أيضا أو هو عينه ما نقل المحقق الخوانساري (قدّس سرّه) عن السّيد الفاضل البحراني حيث قال تارة إن الأحكام منوطة بالمصلحة لزوما عند العدلية و عادة عند غيرهم و المقدمّة لكونها وسيلة إلى الواجب المشتمل على مصلحة الوجوب مشتملة على تلك المصلحة بعينها فيجب تعلّق الوجوب بها و هذا الاشتمال مفهوم من تعلق الخطاب بالواجب المطلق فيكون وجوبها مفهوما منه تبعا و أخرى بأنّ ترك المقدمة يشتمل على وجه قبيح لاقتضائه ترك الواجب و هو قبيح و مقتضى القبيح قبيح فيحرم فيجب الفعل و هو مفهوم من الأمر فالأمر يدل على وجوبها انتهى و لعمري إنّ إثبات وجوب المقدّمة من هذا الطّريق الراجع إلى قاعدة التّحسين و التقبيح أوهن شي‏ء في المقام و أبعد في إصابة المرام لأن النافع في إثبات الحكم الشرعي إنما هي قاعدة التلازم بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي الّتي قد يعبّر عنها بقاعدة التطابق و أمّا قولهم إنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد الواقعية فليس بمفيد في إثبات حكم من الأحكام الّذي ليس عليه دليل من الشرع و إن كان مفيدا في إثبات القاعدة المذكورة و تلك القاعدة غير جارية هنا فلا يثبت به الوجوب الغيري إذ المباح لا يصير قبيحا و لا حسنا بسبب كونه مقدّمة لقبيح أو حسن لأن جميع المباحات مقدمة إمّا لواجب أو لحرام و لا يدّعيه ذو مسكة فكيف يدّعيه العالم النّحرير و لعلّ الأمر اشتبه عليهم في التّحسين و التقبيح المتتابعين للحكم الشرعي فزعموا أن كلّ ذا مصلحة حسن و كلّ ذا مفسدة قبيح بعد ما رأوا مصلحة الإيصال إلى الواجب في المقدّمة و مفسدة الوقوع في تركها فأجروا القاعدة المذكورة في المقام و اللّبيب المتدرّب خبير بأنّ الحسن المبحوث عنه في بابه ليس بمعنى المصلحة و لا بمعنى ملائمة الطّبع و لا بمعنى النفع و الضّرر إذ ليس لعاقل إنكار الحسن العقلي بأحد المعاني المذكورة فكيف ينكره الأشاعرة بل هو المدح و الذم العقليّان من غير مراعاة جلب نفع أو دفع ضرر أو فائدة من الفوائد الدنيوية أو الأخروية فإن هذا هو الّذي اختلف فيه العقلاء بين مثبت و ناف و المثبت بين قائل بالملازمة و منكر لها و غير خفي أن حيث المقدّمية لا تجعل ما ليس ممدوح ممدوحا و لو بالاعتبار كممدوحية الكذب القبيح بلحوق بعض الجهات المحسنة و ما ليس بقبيح قبيحا و هذا هو التحقيق في المقام على وجه الاختصار و كفي به بيانا لأهل العبرة و الاعتبار و إلا لم ينفع إطالة الكلام و إكثار الأسطار ثم أيضا لا ينبغي إنكار أن العقل يقبح ترك المقدّمة لكونه إقداما على العقاب و بمقتضى قاعدة التسابق و أن كلّما حكم به العقل حكم به الشرع يحكم للشرع أيضا بعدم جوازه إلا أن حكمه هذا حكم إرشادي خارج عن محلّ الكلام كما ظهر في تحرير معاني الوجوب و بيان ما هو قابل لكونه محلاّ للخلاف‏

[الدليل الخامس من أدلة القائلين بالوجوب‏]

(الخامس) ما عن أبي الحسين البصري من أنّها لو لم تجب لجاز تصريح الآمر بتركها و التالي باطل فالمقدم مثله أمّا الملازمة فلأن الوجوب يتضمّن المنع من الترك فإذا ارتفع الوجوب ارتفع المنع و ثبت نقيضه الذي هو الجواز و إذا جاز الترك جاز التصريح به لعدم المانع من التصريح بالأمر الجائز و فيه منع الملازمة لأنّ عدم جواز ترك شي‏ء قد يكون بسبب كونه واجبا و قد يكون بسبب كونه ملازما بواجب آخر و إن لم يكن هو واجبا أ لا ترى أن لوازم الواجب المقارنة معه في الوجود لا يجوز تركها بداهة مع أنّها ليست بواجبة قطعا كما مرّ فالمانع من الترك قد يكون هو الوجوب و قد يكون شي‏ء آخر و هو وجوب غيره فإنّه إذا وجب أحد المتلازمين كان مانعا عن ترك الآخر أيضا فعدم الوجوب لا يستلزم جواز الترك فالجواب عن الدّليل المذكور منع الملازمة بين عدم الوجوب و التصريح بجواز الترك لأنّه إذا فرض وجود مانع آخر عن الترك كيف يجوز للآمر التصريح بجوازه و من الغريب ما في المعالم ردّا على الدليل المذكور على ما صرّح به سلطان العلماء و جواز الترك هنا عقلي لا شرعي لأنّ الخطاب به عبث فلا يقع من الحكيم و التفكيك بين الحكمين يظهر بالتأمّل (أمّا أوّلا)

353

فلأنّه قال فيما تقدم إنّه يجوز للآمر التّصريح بعدم الوجوب فكيف يقول هنا بعدم جواز التّصريح بجواز التّرك لكونه عبثا (و أمّا ثانيا) فلأنّ التفكيك بين الحكم العقلي و الحكم الشّرعي كيف يمكن و لذا قال المحقّق القمّي (رحمه الله) بأن كلّما تأمّلنا ما ظهر لنا وجه التفكيك و قال بعض المحققين في ردّه توجيها لكلام صاحب المعالم أنّ الترك كما يجوز عقلا كذلك يجوز شرعا لكن الخطاب به عبث فلم يكن تفكيك بين الحكم العقلي و الشّرعي بل بين الجواز و الخطاب انتهى ملخصا و هو و إن كان مجديا في دفع إيراد التفكيك لكنّه خال عن التحصيل لما عرفت من عدم الجواز عقلا و شرعا فضلا عن الخطاب و يمكن توجيهه بوجه آخر يرتفع التّدافع و التناقض بين ما هنا و ما ذكره سابقا أيضا و يظهر وجه التفكيك (أمّا الأوّل) فلأنّ المذكور سابقا جواز التصريح بعدم الوجوب لا التصريح بجواز الترك فلا تناقض (و أمّا الثّاني) فلأنّ الجواز إذا أضيف إلى العقل فلا معنى له إلاّ عدم الوجوب إذ ليس للعقل خطاب بل إنّما يدرك الأشياء على حقائقها فجواز الترك عقلي يعني به أن العقل يدرك عدم الوجوب و إذا أضيف إلى الشرع فلا معنى له سوى الترخيص و الإطلاق الأوّل معنى مصدري و الإطلاق الثّاني اسم للمصدر كالطّلاق بمعنى التطليق فهو مشترك بين المصدر و اسمه كلفظ الطّلاق و الكلام و السلام و نظائرها فلا تفكيك بين حكم العقل و الشّرع فليتدبّر جيّدا و قد ذكر للقول بالوجوب أدلّة أخرى كلّها مخدوشة مدخولة قد ظهر حال جملة منها ممّا ذكرناه سابقا في بعض تنبيهات الواجب الغيري حيث تكلّمنا في ترتب الثواب و العقاب عليه لأنّ جملتها على تقدير صحّتها قاضية باستحقاق تاركه العقاب فلذا طوينا الكلام عنها كشحا بعدم الملازمة بين استحقاق العقاب و بين الوجوب المتنازع فيه‏

و أمّا القول الثاني و هو عدم الوجوب مطلقا فقد احتجّ عليه بوجوه‏

الأوّل‏

الأصل الّذي ظهر حاله فيما سبق كما ظهر أنّه لا يفيد في المقام علما و لا عملا و العجب من بعض أهل النّظر حيث اعترف بحجّيته و أجاب بعدم معارضته لأدلّة الوجوب‏

الثّاني‏

الوجدان و إليه أشار في المعالم حيث قال إنّه لا دلالة لصيغة الأمر على ذلك بواحدة من الدلالات الثلاث و فيه أنّه إن أراد عدم الدلالة الوضعية فمسلّم و لا ضير و إن أراد عدم الدلالة الالتزاميّة العقلية فالأدلّة المذكورة من الواجدان و غيره حجة عليه‏

الثّالث‏

ما ذكره في المعالم من أنّها لو وجب لامتنع التصريح بعدم الوجوب و الملازمة و بطلان التالي واضحان و فيه أنّه مصادرة فإنّ القائل بالوجوب يدعي امتناع التصريح به فكيف يدعي وضوح بطلان التالي و يرسله إرسال المسلمات و أجاب عنه سلطان العلماء (قدّس سرّه) بأنّ صحّة التصريح بعدم الوجوب لا ينافي الظهور في الوجوب عند عدم التصريح فإنّه يجوز التّصريح بخلاف الظّاهر و الظّاهر أنّه حمل كلام المصنّف على الدلالة الوضعيّة فإنّ التصريح بعدم وجوب المقدّمة حينئذ لا مانع منه و لا ينافي دعوى ظهور الأمر في الوجوب وضعا عند عدم التصريح و قد عرفت أنّ الأمر ليس كذلك فإنّ المدعى هو الدلالة الالتزاميّة العقلية القطعية و يمتنع التفكيك بين المطابقة و الالتزام فكيف يفكّك الأمر بينهما إلاّ أن يرفع اليد عن وجوب ذي المقدّمة فخرج المقدمة عن كونها مقدّمة للواجب ثم إنّ التصريح بعدم وجوبها قد يتصوّر في بعض المقامات إلاّ أنّ مرجعه إلى التخصيص في وجوب ذي المقدّمة أو النسخ كما لو أمر بالكون على السّطح في كلّ يوم ثم صرّح بعدم وجوب نصب السّلم في يوم الجمعة مثلا فإنّه نسخ لوجوبه في يوم الجمعة أو أمر بشراء ما في الأسواق من اللّحم ثم صرّح بعدم وجوب المدخول في السّوق الكذائي فإنّه تخصيص لعموم ما دلّ على وجوب شراء ما في جميع الأسواق و يمكن تنزيل ما قال سلطان العلماء على أحد الموضعين على بعد تام عن ساحة فضله‏

أمّا القول الثّالث و هو التفصيل بين السّبب و غيره‏

فقد احتج على عدم وجوب الثاني بما مرّ من أدلّة النافين و على الأول بوجوه مذكورة في المعالم (الأوّل) الإجماع و حكى نقله عن السّيد المرتضى (قدّس سرّه) و التفتازاني و البيضاوي و بعض شراح المختصر و فيه ما عرفت من أنّ الإجماع محصّله لا يفيد في المسائل العلميّة فكيف عن منقوله و أورد عليه بعض المحققين بأنّ حكاية التفتازاني لا تنهض حجّة عندنا و أنت خبير بما فيه فإنّ وثاقة الناقل كاف في النقل و لا ريب في وثاقة التفتازاني فالجواب هو منع حجيّة الإجماع هنا لا منع وثاقة الناقل فتأمل (الثّاني) أنّ القدرة غير حاصلة على المسببات فيبعد تعلّق التكليف بها وحدها و توضيحه أنّ المسبّبات لما امتنع تعلّق القدرة بها وحدها إلاّ في حال انضمام أسبابها إليها فلا جرم تكون الأسباب ملحوظة حال التكليف بالمسببات و حينئذ فيبعد اختصاص التكليف بنفس المسبّب إذ الظّاهر أنّه يتعلّق به على حسب القدرة به فيكون التكليف متعلّقا بالمسببات و بأسبابها معا و أنت خبير بما فيه لأنّ صرف الاستبعاد المدّعى لا يصلح دليلا على تعلّق التكليف بالأسباب أيضا مع أنّ الاستبعاد المذكور ممّا لا وجه له إذ لا يعتبر في تعلّق التكليف أن يكون الفعل المأمور به مقدورا و هو في حال الانضمام إلى سببه مقدور فيصحّ تعلّق التكليف به من دون ملاحظة الأسباب و كون الشي‏ء واسطة في القدرة لا يقتضي تعلّق التكليف به و إلاّ فيتجه ذلك في المشروط أيضا فإنّ القدرة على الفعل غير حاصلة إلاّ مع تحقق شرائطه فيبعد تعلّق التكليف به وحده فيكون الدّليل المذكور قاضيا بوجوب المقدّمة مطلقا دون السّبب خاصّة (الثّالث) أنّ الوجوب في الحقيقة لا يتعلّق بالمسببات لعدم تعلّق القدرة بها أمّا بدون الأسباب فلامتناعها و أمّا معها فلصيرورتها حينئذ واجبة لا يمكن تركها فحيث يرد أمر متعلّق ظاهرا بالمسبّب فهو في الحقيقة متعلّق بالسّبب فالواجب حقيقة هو السّبب و إن كان في الظّاهر متعلّقا بالمسبّب و الفرق بين هذا و سابقه مع قطع النظر عن كون هذا قطعيّا و الأوّل ظنيّا أنّ هذا

354

يدلّ على عدم تعلّق التكليف بالمسببات أصلا لا منفردا و لا منضمّا مع الأسباب و أن متعلّق التكاليف هو الأسباب وحدها و الأوّل يقتضي عدم تعلّق التكليف بالمسببات وحدها و أنّ المأمور به هو السّبب و المسبّب معا دون أحدهما منفردا و أجيب عنه بوجوه (أحدها) و هو الوجه ما ذكره صاحب المعالم و غيره من أنّ المسبّبات و إن كانت القدرة لا تتعلّق بها وحدها ابتداء لكنها يتعلّق بها صحيح بواسطة الأسباب و هذا القدر كاف في جواز التكليف بها لأنّ المقدور بالواسطة مقدور (و ثانيها) أنّ الدليل المذكور لو تمّ لجرى أيضا في الجزء الأخير من الشروط كما لا يخفى (و ثالثها) أنّ مقتضى ذلك وجوب السّبب بالوجوب النفسّي الأصلي و هو خروج عن المتنازع فيه أي الوجوب الغيري التبعي (و رابعها) أنّ دليلهم هذا لو تم للزم انتفاء التكليف رأسا لأنّ السّبب له أيضا سبب عند تحققه يجب وجوده و عند عدمه يمتنع وجوده و هكذا إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود و يمكن المناقشة فيه بأنّ محلّ الكلام هو المسبّب الّذي كان له واسطة مقدورة و لو كانت هي الإرادة فالمسبّب الّذي ليس له ذلك كنفس الإرادة فلا نقول فيه بأنّ التكليف به راجع إلى التكليف بالسّبب و الظّاهر أنّ مراد السّلطان ذلك و إن كان عبادته قاصرة ثم أورد بأنّه كيف يمكن التكليف مع عدم الواسطة المقدورة فأجاب بأنّ هذا البحث راجع إلى مسألة الجبر و التفويض و تحقيقه في مقام آخر و نحن تعرضنا هذه المسألة في البحث عن الإرادة و نقلنا هناك خلاصة تحقيقات المحققين المستفادة من كلمات الأئمة المعصومين فلا ريب على من راجعها و تأمّل في ما ذكروه و ذكرنا في حلّ الإشكال ثمّ إنّ صاحب المعالم (رحمه الله) بعد أن أجاب عن الدّليل المذكور بما سمعت قال ثم إنّ انضمام الأسباب إليها يرفع الاستبعاد المدعى في حال الانفراد و من ثمّ حكى بعض الأصوليّين القول بعدم الوجوب فيه عن بعض انتهى كلامه رفع مقامه (أقول) و هذا الكلام غير واضح المرام فيحتمل أن يكون متمّما لردّ القول بالتفصيل فإنّه بعد أن ردّ الدّليل العقلي على وجوب السّبب المفيد للقطع لو ثم أراد إبطال الدليل الظنّي الأول الّذي عبّر عنه بالاستبعاد فقال إنّ التكليف بالمسبّبات و إن كان بعيدا إلاّ أنّ التكليف بها ملحوظا مع الأسباب لا بعد فيه و لذا فرع عليه قول البعض بعدم وجوب المقدّمة مطلقا حيث قال و من ثمّ حكى بعض إلى آخره و يحتمل أن يكون استدراكا عمّا توهّم من ردّ الدليل المذكور و إثباتا للدلالة الظنّية الحاصلة من الاستبعاد المذكور و يؤيّده أن رفع الاستبعاد بانضمام الأسباب إنّما يكون بوجوبها لا بعدمه كيف و مبنى الدّليل الأوّل على كون الاستبعاد المذكور سببا للمصير إلى وجوب الأسباب أيضا فكيف يكون قوله هذا متمّما لردّ القول بالتفصيل إلاّ أنّ هذا الاحتمال لا يلائم التفريع الّذي ذكره بعد ذلك بقوله و من ثمّ حكى إلى آخره كما لا يخفى فلا بدّ من إرجاع التفريع حينئذ إلى ردّ الدليل القطعي المذكور و جعل قوله ثم إنّ انضمام الأسباب يرفع الاستبعاد جملة معترضة بين ردّ الدليل المذكور و ما يتفرّع عليه من نفي وجوب المقدّمة مطلقا و كيف كان فاضطراب الكلام المذكور و الإشكال الوارد عليه أوقع المحشين في تكلّفات التوجيه فراجع الحواشي و تأمّل قال في المعالم فالّذي أراه أنّ البحث في السّبب قليل الجدوى لأنّ تعلّق الأمر بالسّبب نادر و أثر الشكّ في وجوبه هين انتهى و أورد عليه بوجوه (الأوّل) أنّ كلّ سبب مسبّب لا محالة لأنّ الأشياء لا يوجد إلا بأسبابها فكيف يكون تعليق التكليف بالمسبّب نادرا (الثّاني) أن أغلب التكاليف الشرعيّة متعلّقة بالمسبّبات كالصّلاة و الصّوم و الحجّ و أمثالها بل ما تعلّق بالأسباب كالأمر بالوضوء و الغسل المحصّلين للطّهارة الّتي هي شرط للصّلاة أقلّ قليل في جنبها فأين الندرة المدعاة في المقام و يندفعان بما تقدّم من أنّ محلّ الكلام ما كان له مقدّمة سببيّة مقدورة لا كلّما كان سببا بسبب و لو كان غير مقدور و لا ما ليس له مقدّمة سببيّة و دعوى ندرة تعليق الأمر بالمسبّب في محلّ الكلام غير بعيد (الثالث) أنّ الإرادة هي السّبب في كلّ فعل اختياري و هي واسطة مقدورة و مقدّمة سببيّة مع عدم تعلّق الأمر بها في شي‏ء من الواجبات فكيف يدعى غلبة الأمر بالأسباب و يندفع (أوّلا) بأنّ المقدّمة المبحوث عنها في هذه المسألة هي الأفعال الخارجيّة لأنّها الّتي تنقسم إلى الشرط و السّبب أمّا الأفعال القلبيّة فهي و إن كانت مقدّمة للواجب لكن نظر القوم إلى غيرها فالتفصيل المذكور ملحوظ في خصوص‏

المقدّمات الخارجية لا مطلقا (و ثانيا) أنّ الإرادة عند المحققين ليست من مقولة الفعل بل هي عبارة عن العلم بالمصلحة و اعتقاد النفع فهي من مقولة الكيف أو الانفعال على الخلاف في علم الميزان و يأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله (الرّابع) ما ذكره المحقق القمي (رحمه الله) من أنّ تعليق الأمر بالمسبّبات أيضا كثير إن لم نقل بكونه أكثر كالأمر بالكفارة و الأمر بالعتق و نحوهما فإنّ الصّيغة سبب للعتق و العتق سبب للكفارة و لاحظ التكاليف بالكليات مع أنّ الفرد إنّما هو السّبب لوجود الكلّي انتهى و فيه أنّ العتق على التحقيق اسم للصّيغة الدالة على التحرير كما أنّ البيع مثلا اسم للإيجاب و القبول و الطلاق اسم للصيغة صحيح و هكذا إلى سائر العقود و الإيقاعات فإنّها بأسرها أسامي للصيغ الدّالّة على معانيها و أمّا الكفارة فإنّها لتحرير الرّقبة أو صيام الشهرين أو إطعام المساكين كما أنّ الطّهارة اسم لاستعمال الطّهور المشروط بالنّية و المضايقة عن ذلك بدعوى أنّ العتق مثلا اسم للمسبّب لا للصّيغة و الكفارة اسم لإذهاب الذنب لا العتق و الصّوم لا يجدي في إبطال دعوى النّدرة إذ لعلّ صاحب المعالم (رحمه الله) يقول بما ذكرنا فادّعى ندرة تعلّق الأمر بالمسبّب و أمّا كون الفرد مقدّمة سببيّة للكلّي فقد زيفناه فيما سبق حيث قلنا إنّ الفرد ليس مقدّمة للكلّي لاتحادهما في الوجود الخارجي و لزوم المغايرة بين الواجب و مقدّمته في الوجود الخارجي كالعلّة و المعلول و نعم ما قال سيّد الحكماء المير محمد باقر الدّاماد (قدّس سرّه) بقوله و تحقق الفرد المنتشر إنما هو لازم لتحقق الطّبيعة لا علّة لها بل يشبه أن يكون حق العلّية هناك بالعكس ليس قد حقق في مظانه أنّ الطّبيعة لا بشرط شي‏ء تتقدّم على الطّبيعة بشرط شي‏ء تقدّم البسيط على المركب انتهى فما ذكره في المعالم من أنّ تعلّق أمر بالمسبّب نادر ليس فيه كلّ الغرابة

و أمّا القول الرّابع‏

و هو

355

التفصيل بين الشرط الشّرعي و غيره فالدّليل على الجزء الثاني ما مرّ من أدلّة النّافين و استدلّ على الجزء الأوّل بوجوه (الأوّل) أنّه قد ثبت وجوب بعض الشّروط الشرعية بالنّص مثل قوله (عليه السلام) إذا دخل الوقت وجب الطّهور و الصّلاة فإنّه بعد ثبوت شرطيّة الطّهارة من الآية الشريفة فاغسلوا وجوهكم إلى آخره نصّ في وجوب الطّهارة بالوجوب الشرعي فيحكم بوجوب الجميع بالإجماع المركّب و فيه أنّ الكلام في الملازمة العقلية بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّماته و الوجوب الأصلي الثابت بخطاب الشّرع في بعض الموارد خارج عن محلّ البحث حسبما عرفت في تحرير محلّ النزاع من اختصاص البحث بالوجوب الغيري المعلولي نعم هذا الدّليل قاض بوجوب الشرائط الشرعيّة سواء قلنا بوجوب مقدّمة الواجب أم لا فلو كان للوجوب الغيري ثمرة عمليّة فلا مضايقة عن القول بوجوب الشرائط الشرعيّة خاصّة و إنّما عدلنا عن أوامر الوضوء و الغسل و التيمّم إلى النصّ المذكور مع أنّ المستدل تعلّق بتلك الأوامر في إثبات وجوب بعض المقدّمات لكونها أوامر إرشادية سبقت لبيان الشرطية و منه قوله (عليه السلام) اغسل ثوبك عن أبوال ما لا يؤكل لحمه و غيره من الأوامر المتعلّقة بالشرائط الشرعية فإن كلّها أوامر إرشادية لا تدلّ على الوجوب الشّرعي المتنازع فيه خلافا لكثير من الأوهام تبعا لما في القوانين حيث زعموا أنّها خطابات شرعية أصلية دلّت على وجوب تلك المقدّمات ثم لا يخفى أنّ هذا الدّليل لا يقتضي وجوب غير المقدّمات الشرعيّة و لو بملاحظة إجماع المركّب فما صدر من بعض من التمسّك به لإثبات وجوب المقدّمة مطلقا الّذي هو المتنازع فيه في غاية الغرابة بل لو سلّمنا ذلك لم ينفع أيضا فيما هو القوم بصدده من إثبات الملازمة العقلية إذ غاية ما يقتضيه الدليل المذكور ثبوت وجوب المقدّمة مطلقا و لو كانت عقليّة لا ثبوت الملازمة العقلية الّتي هي المتنازع فيها فافهم و مثله في الغرابة بل أغرب الاستدلال بآيتي النفر و التبيّن عن خبر الفاسق على وجوب بعض المقدّمات لأنّ الكلام في وجوب مقدّمات فعل النفس لا فعل الغير و التفقه و الإنذار مقدّمان لفعل الغير مع أنّ وجوبهما وجوب نفسيّ بالاتفاق لأنّ الاجتهادات من الواجبات الكفائية و كذا تعليم المسائل نعم الأمر بالتبيّن أمر بالتعلم مقدّمة لعمل نفسه إلاّ أنّه أمر إرشاديّ لا يستفاد منه الوجوب المتنازع فيه (الثّاني) ما عن ابن الحاجب و العضدي من أنّه لو لم يكن الشرط الشرعي واجبا خرج عن كونه شرطا و هو خلف بيان الملازمة أنّه لو لم يجب لجاز للمكلّف تركه و حينئذ فإذا تركه و أتى بالمشروط بدون الشرط فإمّا أن يكون آتيا بتمام المأمور به أو لا لا سبيل إلى الثاني فإنّ المفروض أنّ الشرط غير واجب فيكون الآتي بالمشروط وحده آتيا بتمام ما يجب عليه فتعيّن الأوّل و هو تحققه بدون الشرط و هو ينافي كونه شرطا و هذا هو الخلف و أجيب عنه بوجوه (أحدها) ما ذكره التفتازاني من أنّه لا خفاء في أنّ النزاع في أنّ الأمر بالشي‏ء هل يكون أمر بشرطه إيجابا له و إلاّ فوجوب الشرط الشرعي للواجب معلوم قطعا إذ لا معنى لشرطيته سوى حكم الشارع أنّه يجب الإتيان به عند الإتيان بذلك الواجب كالوضوء للصّلاة و هذا كما أنّ الشرط العقلي واجب عقلا فعلى هذا لا نسلّم أنّ الإتيان بالمشروط دون الشرط إتيان بجميع ما أمر به و إنّما يصحّ لو لم يكن شرط أوجبه الشارع بأمر آخر انتهى و فيه (أوّلا) أنّ الشرطيّة شي‏ء و الوجوب شي‏ء آخر فقوله إذ لا معنى لشرطيّته سوى حكم الشارع أنّه يجب الإتيان به عند الإتيان بذلك الواجب بديهي الفساد (و ثانيا) أنّ دعوى ثبوت وجوب الشرط الشرعي من دليل خارج حتى لا يكون الآتي بالمشروط وحده آتيا بتمام المأمور به أوّل الكلام فلو يدعي القطع بذلك و تمسّك فيه بأوامر الشروط الشرعيّة قد ظهر جوابه فإنّها أوامر إرشاديّة سبقت لبيان الشرطية لا لوجوبها و إنما اشتبه عليه الأمر في المقام لذلك حيث لم يميّز بين الأمر الإرشادي و غيره (و ثانيها) أنّ الفرق بين الشرط الشرعي و العقلي إنّما هو في أصل الشرطية و إلاّ فالتوقف في الموضعين عقلي فكما لا يمكن حصول المشروط بدون الشرط العقلي فكذلك بدون الشرط الشرعي فالدليل المذكور لو تمّ لجرى في الشرط العقلي أيضا فما هو الجواب و الحلّ في الشرط العقلي فهو الجواب في الشّرط الشرعي و أورد عليه صاحب الفصول بأن الفرق بين الشرطين واضح ضرورة عدم إمكان وجود المشروط بدون الشرط العقلي و لو صورة بخلاف الشرط الشرعي فإنّ المشروط يمكن وجوده صورة و فيه بعد الغض عن منافاته لما أجاب به عن‏

الدّليل المذكور من عدم إمكان وجود المشروط بدون الشّرط الشرعي فالخلف مبني على فرض المحال و مرجعه إلى الجواب المذكور الّذي أجاب به المحققون أنّ إمكان وجود الصّورة لا يكفي في جريان الدّليل المذكور إذ العبرة بما هو الواقع و بعد كون المطلوب الواقعي موقوفا على وجود شرطه و امتناع وجوده مع عدم وجود الشرط يكون الشرط الشرعي و العقلي متساويين في ذلك (و ثالثها) ما في القوانين و غيره و هو جواب حلّي من أنا نختار الشقّ الثاني و هو عدم كونه آتيا بتمام المأمور به لأنّ نقصان المأمور به قد يكون بنقصان الجزء و قد يكون بنقصان الوصف ففي الصّورتين لم يكن آتيا بتمام المأمور به فلا فرق بين ترك السّورة و بين ترك الطّهارة أو الستر في كون المأتي به ناقصا عن المأمور به ثمّ إنّ هذا الدّليل مقلوب على المستدلّ و منتقض عليه لجريانه على تقدير وجوب الشّرط الشرعي أيضا حرفا بحرف كما لا يخفى و دعوى أنّه على تقدير الوجوب يمكن أن يقال إنّه لم يأت بتمام المأمور به حيث إنّه آت بأحد الواجبين و ترك الآخر بخلافه على القول بعدم الوجوب لأنّه لم يترك واجبا حتى يقال إنّه لم يأت بتمامه سخيفة جدّا هينة قطعا لأنّ وجوب الشرط ليس من متمّمات المشروط بل المتمّم هو نفس الشرط وجب أو لم يجب نعم لو وجب لكان واجبا آخر لا متمّما للمشروط فالنقض واضح جليّ (الثالث) ما نقله في القوانين و أجاب عنه أيضا بأنّه مبني‏

356

على وجوب السّبب و جزئه و كلاهما ممنوعان و هو جيّد في المنع الأوّل دون الثاني و حاصله على اختلاف عباراتهم في بيانه أنّ الشرط و المشروط سبب لحصول الواجب في الخارج فإنّ الصّلاة المأمور بها إنّما تتحقق في الخارج بوجود الأفعال الخارجيّة و الطّهارة فالأفعال و الطهارة معا سبب لحصول الواجب و جزء السّبب واجب لأنّ وجوب الجزء لا يتوقف على وجوب المقدّمة و هذا الدّليل لا جواب له على القول بوجوب المسبّب و وجوب جزئه الواجب لكن قد يقال إنّ مقتضاه وجوب جميع المقدّمات لأنّ مجموعها سبب لحصول الواجب و جزء الواجب واجب سواء قلنا بوجوب المقدّمة أم لا (و الحاصل) أنّه لو قلنا بوجوب السّبب و وجوب الجزء لزم القول بوجوب غير السّبب من المقدّمات و هو حقّ لكن وجوب السّبب غير ثابت إلاّ على القول بوجوب المقدّمة مطلقا ففيه دور لازم كما يظهر بالتأمّل ثمّ إنّ الشرط الشّرعي قد يكون من غير سنخ الأفعال فلا يتعلّق الأمر بنفسه بل لا بدّ من إرجاع الأمر به إلى الأمر بمقدّماته و مقتضاه وجوب غير الشرط الشرعي أيضا توضيحه أنّ الشارع جعل من شرائط الصّلاة الطّهارة و هي صفة قائمة بالمصلّي أو بلباسه أو بدنه و هي غير مقدورة له إلاّ بمقدّماتها من الوضوء و الغسل و نحوهما و على القائل بوجوب الشرط الشرعي أن يلتزم بوجوب أسبابها و قد يكون سببه أمرا غير شرعي كما إذا توقف الصلاة في الثوب الطّاهر على قطع موضع النجاسة فإن لم يلتزم بوجوب سببها فقد عدل عن مذهبه من وجوب الشرط الشرعي و إن التزم بوجوبه فقد التزم بوجوب المقدّمة الغير الشرعيّة أيضا هذا

و لنختم الكلام ببيان أمور

الأوّل [الكلام في أن مقدمة ترك الحرام حكمها حكم مقدمة الواجب‏]

أنّ من أقسام الواجب ترك الحرام فيندرج مقدّمته في مقدّمة الواجب و يكون من أفرادها فيجري فيها جميع ما مرّ في مقدّمة الواجب حرفا بحرف سوى القولين الأخيرين و هما التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره و التفصيل بين السّبب و غيره و ذلك لأنّ مقدّمة الترك منحصرة في السّببية لأنّ الوجود لا يتحقق إلاّ بعد تحقق علّته التامة المركبة من السّبب و الشرط و رفع المانع و أمّا العدم فعلّته عدم العلّة و هو إنّما يتحقق بعدم إحدى مقدمات الوجوب فيكون انتفاء كلّ واحدة منها سببا لحصول ترك المعلول و حينئذ فإن كان للحرام مقدّمة واحدة فالواجب على المكلّف تركها بعينها لانحصار علّة الترك في تركها و إن كان له مقدّمات عديدة من الأسباب و الشروط كان مخيرا في ترك إحدى تلك المقدّمات و يكون الترك مستندا إليه و إن اختار ترك الجميع مستندا فإن كان دفعة واحدة فالعلّة حينئذ هو المجموع و إن كان تدريجا فالترك مستند إلى ترك الأسبق لامتناع الانفكاك بين العلّة و المعول فلا يعقل حينئذ تأثير ترك البواقي لاستلزامه تحصيل الحاصل و هذا واضح و يتفرّع على ذلك أن شيئا من مقدّمات الحرام لا يتصف بالحرمة إلاّ عند الانحصار لأنّ ما عدا المقدّمة المنحصرة يجب تركه تخييرا فلا يكون فعله حراما لأنّ ترك الواجب التخييري ليس بحرام بخلاف المنحصرة فإنّه يجب تركها عينا فيكون فعلها حراما ثم إنّ آخر المقدّمات هو المقدّمة المنحصرة و حيث إنّها الإرادة و هي السّبب اختصّ الحرمة بها و لهذا حكموا بأنّ مقدّمة الحرام ليست محرمة إلا إذا كان سببا كلّ ما ذكرنا مبني على عدم الملازمة بين حرمة الشي‏ء و حرمة مقدّماته و أنّ مقدّمة الحرام إنما تكون محرمة إذا كان تركها مقدّمة للواجب و هو ترك الحرام و إلاّ كان حال مقدّمات الحرام كحال مقدّمات الواجب في الأقوال المذكورة و خلاصة الكلام في المقام هو أنّ الملازمة بين إرادة الشي‏ء و إرادة مقدماته مطلقا شرطا كان أو سببا أمر مسلّم و أمّا الملازمة بين كراهة الشي‏ء و كراهة مقدّماته فهي غير مسلّمة فإن كان مقدّمة الحرام تركها مقدمة لترك الحرام يكون فعلها حراما لأنّ ترك الواجب حرام و أمّا إذا لم يكن كذلك كغير السّبب لعدم توقف تركه على تركها لإمكان تركه بترك غيرها من سائر المقدّمات لم يكن فعلها حراما كما يظهر ممّا يأتي في مقدّمات الحرام‏

الثّاني [الكلام في بيان مقدمة المندوب‏]

أنّ مقدّمة المندوب حالها حال مقدّمة الواجب في ثبوت الملازمة و عدمه فيجري فيها جميع ما مرّ في مقدّمة الواجب من الأدلّة و الأقوال و النقض و الإبرام و الرّد و القبول حرفا بحرف و القوم و إن خصّوا النزاع بمقدّمة الواجب و تركوا ذكر مقدّمة المندوب إلاّ أنّهم تركوها ثقة لوضوح الحال و اعتمادا على ظهور المقايسة بينهما و بين مقدّمة الواجب فالمختار في مقدّمة المندوب و ما هو المختار في مقدّمة الواجب من ثبوت الملازمة بين إرادة الشي‏ء وجوبا أو ندبا و بين إرادة ما يتوقف عليه كذلك لعين ما مرّ من أنّ الطّالب لشي‏ء لو راجع إلى وجدانه حين إرادته له وجد من نفسه كونه مريدا لما يتوقف عليه ذلك الشي‏ء على حسب إرادته له فإن كانت إرادته له حتميّة فإرادة المقدّمة أيضا حتميّة و إن كانت غير حتميّة فهي أيضا كذلك فمقدّمة المندوب مندوبة و الإشكال باستلزامه نفي المباح إذ ما من مباح إلاّ و تركه مقدّمة لفعل مندوب فيكون مكروها لرجحان تركه المستلزم لمرجوحيّة فعله يندفع بأنّ المرجوحيّة المعتبرة في تحقق المكروه هو المرجوحيّة الذاتية لا المرجوحية العرضيّة الإضافية و إلاّ لزم أن يكون فعل المستحبّ مكروها و هو كما ترى و لم يقل به أحد هذا حال مقدّمة فعل المندوب و أمّا مقدّمة تركه فلا إشكال في بقائها على ما هي عليه قبل عروض وصف المقدّمية إذ المفروض أنّ ترك المستحب ليس بحرام و لا مكروه فمقدّمته أيضا ليست بمكروهة و هو واضح و أمّا مقدمة فعل المكروه فحالها حال مقدّمة الحرام و تعرف الكلام فيها إن شاء الله تعالى‏

الثّالث [الكلام في بيان حكم مقدمة الحرام أ هي محرمة أم لا]

في حكم مقدمة الحرام هل هي محرمة أم لا و الكلام فيها تارة في الحرمة الغيرية و أخرى في الحرمة النفسيّة (أمّا الأوّل) فالمقدّمة إمّا شرط أو سبب و التحقيق في الشرط وفاقا للكلّ أو الجلّ عدم‏

357

الحرمة لعدم الملازمة بين حرمة الشي‏ء و حرمة ما يتوقف عليه لأنّ ثبوت الملازمة بينهما إمّا أن تكون بالبرهان أو الوجدان و كلاهما منتفيان (أمّا الأوّل) فلأنّ ما مرّ من الأدلّة العقليّة في مقدّمة الواجب لا يجري شي‏ء منها في المقام كما هو واضح (و أمّا الثّاني) فلأنا كلما راجعنا إلى أنفسنا عند كراهتنا بشي‏ء لم نجد كراهة أخرى متعلّقة بمقدّمات ذلك الشي‏ء فلا يقتضي مبغوضية شي‏ء و قبحه مبغوضية ما هو مقدمة له لا وجدانا و لا برهانا نعم يتجه حرمة المقدّمة إذا كان تركها مقدّمة لترك الحرام لأنّ نقيض الواجب حرام إلاّ أنه منحصر بالمقدمية السّببيّة ضرورة أنّ المقدّمة الشّرطية لا يتوقف على تركها ترك الحرام لإمكان حصوله بترك مقدّمة أخرى غيرها بخلاف السّبب فإنّ ترك المسبّب يتوقف على ترك سببه بعد وجود سائر المقدّمات و كذا الجزء الأخير من الشروط فصار الحاصل أنّ الحرمة الغيرية إنما تثبت المقدمة الحرام من حيث إنّ تركها مقدّمة لترك الحرام لكونه واجبا لكنه لا يستتبع ذمّا و لا عقابا على ما هو التحقيق كما تقدم (و أمّا الثّاني) أي الكلام في حرمتها النفسيّة ففيه مقامات (الأوّل) في المقدّمة المقرونة بقصد التوصّل إلى الحرام (الثّاني) مجرّد العزم بلا ارتكاب مقدمة (الثّالث) إيجاد بعض مقدّمات صدور الحرام من الغير الّذي يسمّونه بالمعاونة على الإثم فنقول (أمّا الأوّل) فقد صرّح غير واحد محققا و منقولا منهم بعض المحققين في حاشيته على المعالم بأنّ ارتكاب شي‏ء من مقدّمات الحرام بقصد التوصّل إليه محرم بالحرمة النفسية و استدلّوا عليه بالأدلّة الأربعة (أمّا العقل) فلاستقلاله بقبح الإقدام على مخالفة المولى و تجويز العقلاء للعقوبة من همّ بقتل مولاه و رماه بالسّهم و إن أخطأ (و أمّا الإجماع) فعن غير واحد دعوى عدم الخلاف فيه بل في كتاب بعض المتأخرين أنّ الظّاهر أنّه موضع وفاق و يؤيّده تصريح كلّ من تعرّض للمسألة بالحرمة فيما عثرنا به (و أمّا الكتاب و السّنة) فيدلّ منهما على الحرمة جميع ما يأتي في حرمة العزم على المعصية لأنّه إذا كان مجرّد العزم حراما فما ظنّك بالعزم المقرون ببعض المقدّمات بل القدر المتيقّن من تلك الأدلّة هو العزم مع التلبّس ببعض المقدمات كما يأتي كلّ ذلك مضافا إلى ما يدلّ منهما على حرمة الإعانة على الإثم فإنّ موردها و إن كان إيجاد مقدّمة فعل الغير إلاّ أنها تدلّ على حرمة مقدّمة فعل النفس بالفحوى أو المناط استدلّ له كاشف الغطاء (رحمه الله) على ما عزي إليه و يؤيّده أو يدل عليه كما استدلّ به بعض ما ورد في السّفر الّذي كان غايته حراما من وجوب الإتمام لكونه سفر معصية و لكن التحقيق أنّ حال المقدّمة المقرونة بقصد التوصّل لا يزيد عن حال العزم المجرّد فإن تمّ ما يأتي من الأدلّة الّتي استدلّ بها على حرمة العزم فيجري في المقام أيضا و تكون المقدّمة المقرونة بالقصد لاشتمالها على العزم المحرّم محرمة و إلاّ فلا وجه لحرمتها أصلا و الأدلّة المذكورة غير ناهضة بالمدّعى (أمّا العقل) فلأنّ قصوى ما يستقل به هنا هو القبح و الذّم الفاعلي دون الفعلي إلاّ على القول بقبح التجري فالمسألة مبنية على حرمة التجري بل هي هي بعينها و قد سبق منا توضيح الحال في المقال في بعض تنبيهات الواجب الغيري فراجع إلى هناك (و أمّا الإجماع) فإن كان على الحرمة هنا فإنّما هو لاشتماله على العزم و أمّا من حيث خصوصيّة الاقتران بالفعل فدون إثباته خرط القتاد (و أمّا أدلة) حرمة الإعانة على الإثم فهي أجنبية عن المقام كما لا يخفى و دعوى تنقيح المناط و الفحوى كما عن كاشف الغطاء غير واضحة و لا موضحة بل ممنوع جدّا و ما دلّ على وجوب الإتمام في السّفر الّذي قصد به الحرام ممّا لا ربط له بالمقام لأنّ سقوط الصّوم و قصر الصّلاة حكمان وضعيّان و أين هذا من الحرمة و تسمية الفقهاء هذا السّفر سفر المعصية لا يدلّ عليهما لأنّ الأصل في الإضافة أن تكون غير بيانية بل الخلاف في الإتمام في السّفر الّذي كان نفسه معصيته لا غايته شاهد على ما ذكرنا و قد تقدّم منّا الإشارة إلى ذلك في ثمرات المسألة نعم قد ثبت حرمة المقدّمة المقصود بها الحرام في بعض الموارد كالغرس للخمر و المشي لسعاية المؤمن و الخلوة مع الأجنبيّة فإن استظهرنا من تلك الأدلّة الخاصّة الواردة في الموارد المخصوصة مناطا قطعيّا أمكن التعدّي إلى غيرها ثبت المدّعى و هو حرمة ارتكاب بعض مقدّمات الحرام بقصد التوصّل إليه إلاّ أنّه مشكل لما نذكره في المقام الآتي إن شاء الله (و أمّا الثّاني) و هو العزم المجرّد عن الفعل و قد استدلّ على حرمته أيضا بالأدلة

الأربعة (أمّا الإجماع) فادّعاه شيخنا البهائي (قدّس سرّه) فيما حكي عنه حيث نسب حرمة العزم على المعصية إلى اتفاق العامّة و الخاصّة و عن الصّدوق (رحمه الله) أن اعتقادنا أنّ من همّ بسيّئة لم تكتب حتى عملها فإنّ عملها كتب عليه سيّئة واحدة و يؤيّده عدم العلم بالمخالفة في المتعرّضين للمسألة كأفضل المحققين الطّوسي (قدّس سرّه) في محكي التجريد و السّيد و الطّبرسي و صاحب المدارك فإنّهم صرّحوا بأنّ إرادة القبيح قبيحة و نية المعصية معصية و لم ينبّهوا بالخلاف في المسألة نعم ربما يتوهّم الخلاف من الشهيد (رحمه الله) حيث قال في محكي القواعد نية المعصية لا تؤثر ذمّا و لا عقابا ما لم يتلبّس بها فإنّه ظاهر في عدم حرمتها إلاّ أنّ في ذيله هو صارف عن هذه الظّهور حيث قال بعد ذلك و هو ممّا ثبت في الأخبار العفو عنه فإنّ العفو فرع الإثم و استحقاق العقاب و مقتضى الجمع بين صدر كلامه و ذيله حمل الذم على الذمّ الشرعي دون الاستحقاق العقلي (و أمّا العقل) فهو الّذي نقلناه في المقام الأول عن غير واحد من أنّ إرادة القبيح قبيحة و قد عرفت ما فيه من المنع (و أمّا الكتاب) فآيات منها قوله تعالى‏ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و قد ورد في تفسيره أنّ السّمع يسأل عمّا سمعه و البصر

358

عمّا نظر إليه و الفؤاد عمّا عقد عليه (و منها) قوله تعالى‏ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏ دلّ على النّهي عن الفاحشة الباطنيّة و هي الكيفيّات النفسانية الخبيثة من نحو الكبر و العجب و الحسد و إرادة المعصية و نحوها (و منها) قوله تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ فإنّه يدلّ على ثبوت العقاب على حسب إشاعة الفاحشة و هو مرتبة من الإرادة (و منها) قوله تعالى‏ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ دلّ على المؤاخذة على ما في النّفس الّذي هو عبارة عن القصد (و منها) قوله تعالى‏ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً يدلّ بالمفهوم على أن من أراد علوّا و فسادا ليس له في الآخرة من نصيب و هو كناية عن كونه مؤاخذا بذلك في الدّار الآخرة و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسيره أنّ الرّجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل أخيه فيدخل تحتها (و منها) قوله تعالى‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏ إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على حرمة إرادة السّوء و المؤاخذة عليها (و أمّا الأخبار) فطوائف (منها) ما يدلّ على الذّم و العقاب على نية المعصية مثل قوله (صلى اللَّه عليه و آله) نيّة الكافر شرّ من عمله و قوله إنّما يحشر الناس على نياتهم و قول الصّادق (عليه السلام) إنما خلد أهل النّار في النار لأنّ نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا و إنما خلد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نياتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا فبالنيّات خلد هؤلاء و هؤلاء ثم تلا قوله تعالى قل كلّ يعمل شاكلته أي على نيته و مثل ما روي من أنّ من سر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا و ما عن الصّادقين ملعون من ترأس ملعون من هم بها ملعون من حدث بها نفسه و ما ورد من أنّه إذ التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول كلاهما في النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال (صلى اللَّه عليه و آله) لأنّه أراد قتل صاحبه و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذيل الخبر المرويّ عنه (عليه السلام) في بيان اطّلاع الملكين على النيات أنّ المؤمن إذا نوى الشر خرج من فمه مثل رائحة الكنيف فيتكرّهان منه و يعلمان أنّه نوى الشر فيكتبانها عليه إلى غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبع في كتب الأخبار (و منها) ما يدلّ على المؤاخذة على الرضا بما يفعله الغير من المعاصي فهي تدلّ على ثبوت المؤاخذة على الرضا بفعل النفس بطريق أولى أو تنقيح المناط مثل ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه و على الدّاخل إثمان إثم الرضا و إثم الدّخول و ما روي من أنّ من رضي بفعل قوم فقد لزمه و إن لم يفعل و ما ورد في كثير من الروايات المأثورة عنهم (عليهم السلام) من قولهم (لعن اللّه أمّة قتلتك و لعن اللّه أمّة ظلمتك و لعن اللّه أمّة سمعت بذلك فرضيت به) و نحو ذلك (و منها) ما ورد في بعض مقدّمة بعض الحرام كالغرس للخمر و المشي لسعاية المؤمن و هذه الأدلّة و في مقابلها أخبار أخر تدلّ على عدم العقاب على نية المعصية و هي بين ما يدلّ على العفو عنها مثل ما عن الصّادق (عليه السلام) أن المؤمن يهمّ بالسّيئة أن يعملها فلا يعملها فلا يكتب عليه و عنه (عليه السلام) إذا همّ العبد بالسّيئة لم يكتب عليه و إذا همّ بحسنة كتب له و عنه (عليه السلام) أيضا قال قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) في حديث إنّ من همّ بسيّئة أن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه شي‏ء و إن هو عملها أجّل سبع ساعات و بهذا المضمون روايات كثيرة يجدها المتتبع في كتب الأخبار و بين ما يدلّ على عدم الاستحقاق رأسا و هو ما رواه الحميري في قرب الإسناد عن الصّادق (عليه السلام) أنّه قال لو كانت النيات من أهل الفسوق يؤخذ بها لأخذ كلّ من نوى الزّنا بالزنا و السّرقة بالسّرقة و كلّ من نوى القتل بالقتل لكن اللّه عدل كريم ليس الجور من شأنه فإنّه يدلّ على عدم المؤاخذة على نية المعصية و أن قاصد السوء لا يستحق العقوبة فقد ذكر في وجه الجميع بين ما يدلّ على المؤاخذة

و العقاب و أخبار العفو وجوه (أحدها) ما ذكره شيخنا العلاّمة من حمل ما دلّ على العفو على من ارتدع عن قصده بنفسه و حمل ما دلّ على ثبوت المؤاخذة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره و لعلّه يومئ إليه ما مرّ عن مولانا الصّادق (عليه السلام) أنّ المؤمن يهمّ بالسّيئة أن يعملها فلا يعملها فلا يكتب عليه لظهور قوله فلا يعملها في ارتداعه عنه بنفسه و اختياره و يبعده أن الارتداع بنفسه لا يكون إلاّ مع الندم و هو التوبة المكفرة لجميع المعاصي و أخبار العفو آبية عن ذلك لظهور انسياقها في إثبات خصوصيّة للقصد من بين المعاصي (و ثانيها) حمل أخبار العفو على صورة الارتداع مطلقا و لو لم يكن باختياره و حمل ما دلّ على المؤاخذة على غيرها و هو ممّا لا شاهد له في الأخبار (و ثالثها) حمل أخبار العفو على من اكتفي بمجرّد القصد و ما عداها على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات و إنما يشهد له ما ورد في الغارس للخمر و الماشي لسعاية المؤمن من تحريم المشي و الغرس (و رابعها) حمل أخبار العفو على المؤمن و غيرها على غيره و يشهد له اختصاص بعض الأخبار الدّالة على العفو بالمؤمن (و خامسها) حمل ما دلّ على ثبوت المؤاخذة على مجرّد الاستحقاق و إبقاء ما دلّ على العفو على ظاهره و يمكن المناقشة و الخدشة في الكلّ و إن كان بعضها أولى من الآخر و أحسن الجموع ما صرّح به الأصحاب كالشهيد و البهائي و غيرهما ممّن عرفت من المصرّحين بعدم العقاب و إن كان أهلا له فيكون من موارد العفو الحتمي الّذي جوّزوه في علم الكلام كالظهار و نحوه ممّا ليس المقام مقتضيا لذكره فيصير حاصل مجموع الأدلّة الأربعة المذكورة في العزم و الإرادة أن إرادة المعصية معصية إلا أنّها معفوّ عنها منة على هذه الأمة فهو من خصائصهم لم يكن لغيرهم من الأمم كما في‏

359

بعض الأخبار نعم ما ورد أنّه إذا اقتتل رجلان فالقاتل و المقتول كلاهما في النار أمّا القاتل لقتله و أمّا المقتول بقصده القتل ينافي العفو الحتميّ لكنّه رواية و العفو عن العزم المجرّد دراية مدركها صريح الأخبار و اتفاق العلماء الأبرار نعم خلود الكفار أيضا دراية ثابتة بالضّرورة فما المناص عن ذلك و ينحل بأن المنافي للجمع المذكور تعليل خلودهم بالنيات لا أصل الخلود فيؤول إلى ما لا ينافي إجماعهم على أن العزم المجرّد لا عقاب عليه و لا يمكن التفصّي عن هذين الموردين بوجه آخر و هو الالتزام بالتخصيص و أن نية خصوص بعض المعاصي قد خرجت عن عموم العفو لأنه ثبت بالشرع و ليس بعقلي حيث إنّ العقل لا يحكم إلا باستحقاق العقاب لكن ثبت بالشرع العفو عنه و لا مانع من الالتزام بالتخصيص في عموم ما دلّ على العفو في كلّ مورد ثبت المؤاخذة و العقاب فلا تنافي بين ما دلّ على المؤاخذة و ما دلّ على العفو و بذلك نستريح عن مئونة البحث عن وحدة العقوبة أو تعدّدها أو التداخل بين عقوبة المعصية و عقوبة العزم عليها في العاصي و أمّا رواية الحميري فهي و إن كانت منافية لأخبار المؤاخذة للجمع المذكور بينها و بين أخبار العفو إلا أنّها لا عبرة بها في مقابل الأدلة الأربعة المذكورة فتلخص أن إرادة المعصية قبيحة يستحق بها الذّم و العقاب إلاّ أنّ اللّه تعالى منّ على عباده بالعفو عنها و عن غير واحد دعوى الاتفاق على ذلك إلاّ أنّ فيه إشكال من وجهين أحدهما أن الحسن و القبح العقليّين و كذا الحكم الشرعي محلّهما الفعل الاختياري الصّادر من الفاعل المختار عن اختيار فما لا يكون من سنخ الأفعال أو كان و لم يكن باختيار المكلّف لا يتصف بشي‏ء منهما و لا يتعلّق به الحكم الشرعي أيضا و الإرادة على ما صرّح به المحققون منهم أفضل المحققين الطّوسي في محكي التجريد هي العلم بالمصلحة أو اعتقاد النفع فهي من الكيفيات النفسانية كالحبّ و البغض و الفرح و الهمّ و نحوهما لا من الأفعال الاختيارية فكيف يتصف بالقبح و يتعلّق بها الحرمة و ما هو إلاّ كتقبيح سواد الوجه و تحريمه فلا بدّ من طرح الأدلّة الدالّة على حرمتها أو تأويلها نظرا إلى مخالفتها لما اتفق عليه العدلية من عدم الاتصاف بالمدح و الذم و الوجوب و الحرمة إلاّ الفعل الاختياري نعم لو قلنا بأن الإرادة فعل القلب كما عليه ظاهر المحقق و جملة من الفقهاء حيث فسّروا النية بفعل تفعل بالقلب ثمّ ما ذهبوا إليه إلاّ أنّه خلاف التحقيق الّذي عليه أهله و لعلّ كلام الفقهاء ينظر إلى ما اعتبروه في العبادات من الأخطار و هو مسلّم إذ لا شبهة في أنّ إحضار صورة العلم و نية الإخلاص في الذهن عند الاشتغال به عمل قلبي يفعل بالقلب و أمّا القصد و العزم و الإرادة الّتي كلامنا فيها ليست من الأفعال القلبية و كيف كان فالإشكال إنما يتجه على ما هو المختار في معنى الإرادة و مختار المحققين من كونها العلم بالمصلحة أو اعتقاد النفع (فإن قلت) مجرّد الاعتقاد بالنفع لا يكفي في صدور الفعل بل لا بدّ مع ذلك من بعث الجوارح و تحريكها إلى ما هو المقصود و المراد و هذا البعث هو الإرادة و العزم و هو من الأفعال القلبية لا من الكيفيّات النفسيّة كالعلم (قلت) إذا اعتقد الفاعل المختار نفعا في فعل فبهذا الاعتقاد تنبعث الجوارح إلى إيجاد ذلك الفعل و لا يتعقل بين الأمرين أعني الاعتقاد و الانبعاث واسطة نسمّيه بالعزم و الإرادة و هذا معنى كون الأعضاء مسخّرات للنفس و قد سبق بعض الكلام المناسب للمقام في اعتبار قصد العنوان في صدق الواجب (و ثانيهما) أنّ قصد المعصية ليس له إلاّ جهة المقدمية الّتي قد عرفت أنّها لا تؤثر ذمّا و لا تستتبع عقابا إذ لا نجد في القصد إلى شي‏ء سوى جهة المقدمية إلى ذلك الشي‏ء فلا يزيد حال القصد عن حال سائر المقدّمات فلا بدّ إمّا من الالتزام بحرمة مقدّمة الحرام مطلقا أو الالتزام بعدم حرمة القصد أيضا و دعوى أن في القصد إلى المعصية جهة مقبحة نفسيّة كشف عنها الشارع كسائر المحرمات الشرعية التعبدية الّتي لا يدرك قبحها العقل إلا بعد خطاب الشارع و هذا أمر محتمل لم يقم قاطع على خلافه فلا مانع عن حرمة العزم نفسيّا تعبّدا بالشرع مكابرة واضحة نعم في مثل الغرس للخمر و المشي لسعاية المؤمن أو نحو ذلك من العناوين الخاصة يمكن الالتزام بذلك لكن القصد إلى الشي‏ء ليس كذلك إذ القصد إلى الشي‏ء ليس فيه جهة أخرى غير كونه مقدّمة لحصول المقصود فالإشكال المذكور بعد

تسليم كون العزم من الأفعال لا من الكيفيات مما لا محيد عنه هذا و يمكن أن يجاب عن الإشكال الأول بأن مرجع تحريم العزم على المعصية إلى وجوب إعدام العزم و إيجاد الصّارف و لو بالتأمّل في سوء العاقبة و المفاسد المترتبة على معصية المولى و هو فعل ممكن نظير العلم بالمعارف الواجبة فكما أن الأمر بها يرجع إلى الأمر بالنظر و سائر المقدّمات الاختيارية لكون المعرفة نفسها من الكيفيات النفسانية و ليست من قبيل الأفعال القلبية فكذلك تحريم العزم على المعصية بعد تسليم كونه من الكيفيات لا من الأفعال يرجع إلى الأمر بالإعدام بمجاهدة النفس و التفكر في سوء العاقبة فلا ضرورة باعثة على رفع اليد عمّا ثبت نصّا و فتوى من حرمة العزم و عن الثاني بأنّ العزم على الفعل كشرب الخمر مثلا و إن لم يكن فيه جهة مقبحة سوى صرف المقدمية لشربها لكن العزم على عنوان معصية المولى و مخالفة أمره عنادا و استكبارا توهين لشأن المولى و معاداة واضحة معه و هو في أعلى درجة القبح العقلي فالعزم على شرب الخمر إن كان لغلبة الهوى و شهوة النفس فمسلّم عدم اشتماله على جهة مقبحة غير جهة المقدّمية إلى الشّرب الّتي هي مشتركة بين العزم و سائر مقدّماته و أمّا لو كان الغرض صرف مخالفة المولى و هتك ناموسه في أعين الناس فقبحه لا يكاد يخفى مع قطع النظر عن كونه مقدّمة لشربها فالمراد بحرمة العزم على المعصية هو العزم على العنوان الثانوي أعني عنوان المعصية دون العزم على عنوان الحرام الأولي أعني شرب الخمر و الزنا و ظاهر النصّ و الفتوى و إن كان هو حرمة العزم على الحرام على الوجه الأول أعني بعنوانه الأولي لكن لا بدّ فيهما من ارتكاب التّأويل و حملهما

360

على الوجه الثاني فإن أرادوا من دعوى قبح إرادة المعصية و العزم عليها عقلا هو العزم على الوجه الثّاني فمسلّم و لا إشكال فيه لأنّه مشتمل على جهة مقبحة نفسية غير كونه مقدّمة لفعل الحرام و إن أرادوا قبحها على الوجه الأوّل فهو غير مسلّم إذ لا نجد فيه سوى جهة المقدّميّة الّتي لا تستتبع قبحا و لا حسنا و ظواهر الأدلّة لا بدّ من حملها على الوجه الثّاني صونا للقواعد العقليّة عن الانخرام فتدبّر (و أمّا الثّالث) و هو إيجاد مقدّمة الحرام الصّادر من الغير و يقال له الإعانة على الإثم فقد تطابق النصّ و الفتوى على حرمتها بل ادعى عليه الإجماع جماعة من الأصحاب قال اللّه تعالى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ و النّهي ظاهر في التحريم و قال النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من أعان على قتل مسلم و لو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة اللّه و عن الصّادق (عليه السلام) من مشى إلى ظالم يعينه و هو يعلم أنّه ظالم فقد خرج عن الإسلام و قال (عليه السلام) إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الظّلمة أين أعوان الظّلمة أين أشباه الظّلمة فيجمعون في تابوت من حديد ثمّ يرمى بهم في جهنّم و عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) من علق سوطا بين يدي سلطان جائر جعلها اللّه حيّة طولها سبعون ألف ذراع فيسلّط اللّه عليه في نار جهنّم خالدا مخلّدا إلى غير ذلك من الأخبار النّاطقة بحرمة الإعانة على الإثم و ترتّب العقاب عليه بل هو ممّا يستقلّ به العقل فلا إشكال في حرمتها إنّما الإشكال في صدق موضوع الإعانة و أنّه هل يتحقق بإيجاد المقدّمة و لو لم يقصد به الإعانة عليه في الإثم مطلقا أم يعتبر فيه قصد الإعانة كذلك أو نفصّل المقامات فقد يتحقق بدون القصد و قد يتوقف عليه كالإهانة و الإكرام و سائر العناوين الثّانويّة الموقوفة صدقها في الخارج في بعض الموارد دون بعض وجوه و أقوال منها اعتبار ترتب الحرام و حصوله في الخارج فلو لم يتحقق فلا يصدق الإعانة على الإثم على إيجاد مقدّمة صدور المعصية عن الغير و لو قصد الفاعل في فعل المقدّمة الإعانة و تحقيق الحال في المقال يستدعي بسطا لا يليق بالمقام إلاّ أنّ التفصيل المذكور أوجه الوجوه و الأقوال في المسألة و اللّه العالم و هو الهادي إلى سواء السّبيل‏

بديعة هل الأمر بالشي‏ء يقتضي النّهي عن ضدّه أم لا

و هذه مسألة غامضة معركة الآراء بين أعاظم العلماء و لها فوائد مهمة و النّسبة بين موضوع هذه المسألة و موضوع المسألة السّابقة إمّا عموم مطلق أو تباين و ذلك لأنّ النزاع في هذه المسألة إن كان في أنّ ترك الضدّ هل يجب مقدّمة لفعل الضدّ الآخر أم لا فهي أخصّ من المسألة السّابقة و شعبة من شعبها كما هو واضح و حينئذ لا بدّ لإفراد البحث عنها من نكتة و هي على ما قيل ظهور اختصاص البحث في المسألة السّابقة بالمقدّمة الوجوديّة و عدم اندراج ترك الضدّ فيها فباحثوا عنه على حدة لما فيه من الفوائد المهمة الّتي لا يترتب شي‏ء منها على المقدّمات الوجوديّة بل يمكن أن يكون البحث عن المقدمات الوجوديّة توطئة لذكر هذه المسألة المهمّة لما عرفت هناك من عدم ثمرة معتدّ بها لتلك المسألة سوى حرمة الضدّ من باب المقدّمة و يضعّف بمنع الظّهور كيف و قد صرّحوا هناك بأنّ من المقدّمات عدم المانع مع أنّ دعوى الظهور في الأحكام الثّابتة بالأدلّة العقلية و توهّم الاختصاص ببعض دون بعض كما ترى بل النكتة بناء على كون هذا النّزاع في وجوب ترك الضدّ من باب المقدّمة غموض كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ فأفردوها بالبحث طلبا لتوضيح الحال فالبحث عنها صغروي بعد الفراغ عن الكبرى أعني وجوب المقدّمة و على هذا يكون النّزاع هنا مخصوصا بالمثبتين هناك لأنّ النّافين بعد إنكارهم كلّية الكبرى لا فائدة لهم في تشخيص الصّغرى إلاّ بعد التنزّل و المماشاة فهذه المسألة أخصّ من المسألة السّابقة من حيث الموضوع و إن كان النزاع هنا في أنّ الأمر بالشي‏ء هل هو عين النّهي عن ضدّه أو يستلزمه كان موضوع هذه المسألة مباينا للمسألة السّابقة لأن البحث فيهما مختلف و كيف كان فالنّسبة بينهما قولا هو العموم من وجه على الوجهين لإمكان القول بالثّبوت فيهما و إمكان التفكيك بالإثبات هناك و النّفي هنا أو بالعكس ثمّ إنّ هذه المسألة هل هي فقهيّة أو أصوليّة و على الأخير هل هي من المبادي أو من المسائل إشكال و التحقيق أنّ ذلك يختلف باختلاف جهة البحث و عنوان المبحوث عنه فإنّ كيفية البحث عن مسألتنا هذه يتصور على وجوه‏

[الكلام في أن المسألة هذه أ هي فقهية أم أصولية]

(أحدها) أن يجعل عنوان البحث هل ضدّ الواجب حرام أم لا (ثانيها) أنّ وجوب الشّي‏ء هل يستلزم حرمة ضدّه أم لا (ثالثها) أنّ الأمر بالشّي‏ء هل يقتضي النّهي عن ضدّه أم لا (فعلى الأوّل) تكون المسألة فقهيّة بمقتضى الميزان الّذي ذكروه لتميز العلوم من أنّ مسائل كلّ علم ما يبحث عن عوارض موضوعه الذّاتية لأن الضّد فعل للمكلّف و الحرمة من عوارضه الذاتية و موضوع علم الفقه هو أفعال المكلّفين فالبحث عن حرمة الضدّ و وجوب المقدّمة و غيرهما من أفعال المكلّفين من المسائل الفقهية لكنّهم اتفقوا على تدوينها في الأصول و قد اعتذرنا عن ذلك في المسألة السّابقة بأنّ محط نظرهم في البحث عن وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ إلى الجهة الثّانية أو الثّالثة فلهذا ذكروها في الأصول دون الجهة الأولى و لكن الّذي يحظر بالبال في الحال أنّ وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ من القواعد العامة الفقهية الكلّية و قد جرت عادتهم و استقرّت سيرتهم على عدم البحث عن القواعد الكلّية في الكتب الفقهية المعدّة لبيان الأحكام الجزئية و لذا لا يبحث فيه عن الأصول العمليّة قاطبة و لا عن مسائل التّقليد و الاجتهاد مع وضوح كونها من الفقه و لا عن شي‏ء من القواعد الكلّية الفقهيّة المعلوم كونها كذلك بل يذكرون فروعها و يستدلّون عليها بأصولها إجمالا فلا مانع من جعل‏

361

هذه المسألة و المسألة السّابقة و يتلوهما من المباحث الآتية من المسائل الفقهية نظرا إلى الجهة الّتي أشرنا إليها و يمكن أن يكون وجه ذلك أنّها و إن كانت بالقياس إلى أنفسها مداليل للأدلّة الّتي هي موضوع علم الأصول إلا أنّها بالقياس إلى الفروع الجزئية المندرجة تحتها تعدّ من المبادي فأشبهت بالأدلة فروعيت الجهة الأخيرة فبحث عنها في علم الأصول المعد للبحث عن أدلّة الفقه و مبادئه و لذلك دونوا فيه نبذا من مسائل الكلام و مسائل النحو و اللغة و الميزان و كلّما يتوقف عليه علم الفقه من أيّ علم كان و سمّوها بالمبادي أي مبادي الفقه و لقد أجاد في المعالم حيث ساقها و مسائل الأصول مساقا واحدا و جعلها من المقدّمات لعلم الفقه (و أمّا على الثّاني) و هو أن يعبّر عن عنوان البحث بأن وجوب الشي‏ء هل يستلزم حرمة ضدّه أم لا فهي من المبادي الأحكامية لكن في كونها من المبادي إشكال لأنّ المبادي قسمان (أحدهما) ما هو معدود من أجزاء العلم و هو الأدلة المستدل بها على مسائل العلم أي المحمولات المنتسبة إلى الموضوعات الشخصيّة و حدود موضوعاتها و تشخيص بعض مصاديق الموضوع (و ثانيهما) طائفة من المطالب تذكر أمام الشّرع في العلم لتوقف تحصيل ذلك العلم عليه أو لكونها سببا لزيادة البصيرة فيه كتعريف العلم و بيان فائدته و شرفه و تعريف الموضوع و بيان أجزائه و جزئياته و هذه المسألة ليست من مبادي الأصول بكلّ المعنيين أمّا بالمعنى الأول فواضح إذ ليست هي ممّا يستدلّ فيها على مسائل الأصول الباحثة عن أحوال الأدلّة و كذا سائر المبادي الأحكاميّة فإن وجوب المقدمة و حرمة الضدّ و إفادة الأمر الإجزاء و ما أشبهها لا مساس لها بمسائل الأصول الّتي هي عوارض الأدلة أصلا و منه يظهر عدم كونها مبادي للأصول بالمعنى الثاني أيضا ضرورة عدم كونها موقوفا عليه و لا سببا لزيادة البصيرة و كذا الكلام في المبادي اللّغوية فإنّها بالنسبة إلى علم الأصول و مسائله أيضا غير محتاج إليها نعم هي مبادي للفقه لتوقفه على معرفتها و معرفة المبادي اللّغوية فإنه قد يستدل في خلال مسائله بها فيقال هذا واجب لكونه مقدّمة للواجب أو حرام لأنّ الأمر يقتضي النّهي عن الضدّ و كذا المباحث اللغوية فإنها ممّا يتوقف عليه الاستدلال بالأدلّة اللّفظية نعم قد يقال إنّ الملازمة بين الواجب و حرمة الضدّ يرجع إلى حكم العقل بالملازمة و حكم العقل موضوع لعلم الأصول فهذه المسألة من المبادي التصديقية لعلم الأصول و ما قيل من أنّ هذه المسألة و نحوها من الاستلزامات داخلة في المسائل الأصولية لأنّها باحثة عن أحوال الدّليل و هو العقل تضعيف جدا لأنّ البحث عن حجيّة حكم العقل بحث عن حال الدليل و أمّا البحث عن ثبوت الحكم العقلي و عدمه فليس كذلك بل هو من المبادي و مثله في الضعف ما قيل من أن البحث عن الحكم الشرعي كالوجوب و الحرمة و حدودها و بيان أقسامها بحث عن مدلول الدّليل و البحث عن مدلول الدليل بحث عن الدليل لأنّ البحث عن حال الدليل اللّفظي هو البحث عن الدلالة بناء على كون الموضوع هو نفس الألفاظ على ما سبق في مقدمة الواجب دون البحث عن المدلول و شتان ما بينهما (و أمّا على الثّالث) و هو أن يكون حيثية البحث و عنوانه دلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عن ضدّه و عدمه فهي من مسائل الأصول إن كان موضوع علم الأصول هو ألفاظ الكتاب و السّنة دون مداليلهما لأنّ الدلالة من صفات اللّفظ فتكون من عوارضه الذاتية فإذا قلنا أن موضوع علم الأصول هي ألفاظ الكتاب و السّنة دون معانيها لكونها عين الأحكام العارضة لأفعال المكلّفين الّتي هي موضوع لعلم الفقه كان جميع مباحث الألفاظ حتى ما ذكر منها في المبادي من المسائل الأصولية نعم بناء على ما ذهب إليه بعض المحققين من أن العرض الذاتي ما يعرض الشي‏ء لذاته أو لجزئه الأخصّ أو لأمر مساوي دون ما يعرضه لجزئه الأعمّ أو لأمر مباين لم يستقم اندراجها في مسائل الأصول لأنّ الدلالة إنّما يعرض لألفاظ الكتاب و السّنة باعتبار جزئه الأعمّ و هو مطلق اللّفظ فليس البحث عنها بحثا عن عوارضها الذاتية إلا أنّه خلاف التحقيق الّذي اخترناه وفاقا للأكثر من أنّ عوارض الشي‏ء لجزئه الأعم داخلة في العوارض الذاتية و قد مرّ تفصيل ذلك و تحقيقه في المقدّمة الأولى من مقدّمات الكتاب و الحاصل أن كون مباحث الألفاظ من مسائل علم الأصول مبني على أمرين (أحدهما) أن يكون موضوع علم الأصول ألفاظ الكتاب و السّنة دون المعاني (و الثّاني) أن يكون عارض الشي‏ء لجزئه الأعمّ من العوارض الذاتية له فلو انتفي‏

أحد الأمرين تعيّن أن تكون من المبادي و لا فرق في ذلك بين مبحث المشتق و المشترك و الحقيقة و المجاز و باب الأمر و النّهي و العام و الخاصّ و المطلق و المقيّد و المجمل و المبين و سائر مباحث الألفاظ و كيف كان‏

فتحقيق الكلام في هذه المسألة يستدعي تمهيد مقدّمات‏

المقدّمة الأولى في تحرير محلّ النزاع من جهات شتى‏

عدد مفردات عنوان البحث و أجزاء القضية المبحوث عنها من الأمر و الشي‏ء و الاقتضاء و النهي و الضدّ

[الكلام في أجزاء القضية المبحوث عنها في هذه المسألة]

فالكلام في المقام يقع في أمور

[الجزء] الأوّل في المراد من الأمر

من حيث التوسعة و التضييق و كذا الضدّ و قد أطلق جماعة و لعلّهم الأكثر الأمر المقتضي للنّهي و كذا الضدّ المنهي إلا أن المحكي عن جماعة من المتأخرين منهم الشهيد في التمهيد و الفاضل التوني في الوافية

362

و المحقق القمي (رحمه الله) في القوانين تخصيص النزاع بما إذا كان المأمور به مضيّقا و الضدّ موسّعا فقالوا إنّ النزاع في أنّ الأمر المضيق هل يقتضي النهي عن ضدّه الموسّع أم لا و أمّا إذا كان الواجب موسّعا فهو خارج عن محط أنظارهم في المسألة لأنّ أضداد الواجب الموسّع غير محرمة اتفاقا و كذا إذا كان الضدّ أيضا واجبا مضيّقا فإنّه أيضا خارج عن محلّ النزاع إذ الحكم حينئذ التخيير فلا يقتضي شي‏ء منهما حرمة الآخر هذا إذا كانا متساويين في الأهمية فلو كان أحد المضيقين أهمّ من الآخر فقد يقال إن المستفاد من دليل الأهمية هو التخصيص فيما دلّ على وجوب الآخر لأنّ نصّ الشارع بتقديم أحد الواجبين المتزاحمين على الآخر يوجب خروجه عن عموم دليله فيكون الأهم سليما عن المزاحم فلا يندرج تحت البحث عند تزاحم الواجبين بل يكون فساد غير الأهمّ مستندا إلى عدم كونه مأمورا به لا إلى اقتضاء الأمر بالأهمّ النهي عنه و يضعّف بأن أهميّة أحد الواجبين المتزاحمين من الآخر غير راجعة إلى ارتكاب التخصيص في دليل غير الأهم بل إلى الترجيح مع بقاء الأمر بغير الأهم بحاله فيكون حاله كحال تزاحم المضيق و الموسّع من حيث قابليته الزمان لكلّ منهما نظرا إلى إطلاق دليله مع وجوب تقديم الآخر كيف و لو كان تعين أحد الواجبين و ترجّحه على الآخر في الامتثال سببا لخروج الآخر عن عموم دليله لكان الضيق في أحدهما أيضا دليلا على خروج الموسّع في زمان المضيق عن عموم دليله فينبغي الالتزام بالتخصيص في المضيق و الموسّع أيضا و بطلانه ضروري و لم يقل به أحد و سيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لذلك في بيان ثمرة المسألة و كيف كان فالّذي دعاهم إلى تخصيص العنوان بالأمر بالمضيق و الضدّ الموسّع أمور (الأوّل) اختصاص ثمرة الخلاف بذلك لأن الأمر الموسع لا يقتضي فساد ضدّه مطلقا بالاتفاق و كذا لو كانا مضيقين فمع اختصاص الثمرة بالصّورة المخصوصة لا وجه لتعميم البحث إلى غيرها (الثاني) أنّ الأمر الموسّع ما لم يتضيق وقته لا يقتضي النّهي عن ضدّه العام و هو الترك و إلا فلا معنى لكونه موسّعا و مع عدم اقتضائه النّهي عن ضدّه العام فكيف يعقل اقتضاؤه النهي عن ضدّه الخاص قال الفاضل التوني و من قال بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه إنما يقول به في الواجب المضيق كما صرّح به جماعة إذ لا يقول عاقل بأنّه إذا زالت الشمس مثلا حرم الأكل و الشرب و النوم و غيرها من أضداد الصّلاة قبل فعل الصّلاة (الثّالث) أنّ الظاهر من الأمر و النهي المشتمل عليها عنوان البحث في كلماتهم إنما هو الالتزام بكلّ من الفعل و الترك على سبيل التضييق كما أنّ الظاهر منهما هو التعيين دون التخيير و الإطلاق دون المشروط و ذلك يقتضي اختصاص البحث بالصّورة المذكورة كما لا يخفى و في الكلّ نظر (أمّا الأوّل) ففيه (أوّلا) أن اختصاص الثمرة بالصّورة المذكورة لا يقتضي تخصيص محلّ النزاع بها إذ يكفي في صحة النزاع ترتب الثمرة عليه في جزئي من جزئياته كما أن كثيرا من المسائل المتنازع فيها كذلك فلا وجه لتخصيص محلّ النزاع بذلك مع إطلاق كلماتهم و عموم أدلة الطرفين (و ثانيا) أنّ اختصاص الثمرة بالصّورة المذكورة ممنوع لأنّ ترك الضدّ من مقدّمات المأمور به و لو كان موسّعا فثبت له الوجوب المقدمي و يترتب عليه الثمرات المذكورة لوجوب المقدّمة غاية الأمر عدم ترتب الثمرة المعروفة و هي فساد الضدّ و لو كان عبارة عن الأمر الموسّع و هو غير ضائر بعد عموم العنوان و ترتب ثمرات أخر (و أمّا الثّاني) فلأنّه إن أريد بعدم اقتضاء الأمر الموسّع النّهي عن ضدّه العام فضلا عن الخاص عدم اقتضائه على وجه التعيين كما يقتضيه الأمر المضيق فهو مسلّم لكنه لا يقتضي إخراجه عن محلّ النزاع لأنّ اقتضاء الأمر النهي عن الضدّ عقلي لا يقبل التخصيص بمورد دون مورد غاية الأمر اختلاف حال النهي حسب اختلاف الأمر ضيقا و توسعة تعيينا و تخييرا و هذا مثل ما عرفت في وجوب المقدّمة من أنّه تابع لوجوب ذيها من الجهات المشار إليها فالأمر الموسّع أيضا يقتضي النّهي عن ضدّه العام و الخاصّ على حسب حاله و لازمه أن يتعلّق النهي التخييري بالضدّ إن لوحظ أجزاء الوقت و التعييني إن لوحظ مجموعه فإن لوحظ أجزاء الوقت كان الأمر تخييريا و هو يقتضي النهي التخييري لا التعييني حتى يحرم تركه مطلقا و لو لا إلى بدل و إن لوحظ مجموع الوقت كان بمنزلة المضيق فيحرم ضدّه المنافي للامتثال في مجموعه لا المنافي للامتثال في بعض أجزائه و إن أريد منه عدم اقتضائه‏

مطلقا لا على وجه التعيين و لا على وجه التخيير فهو ممنوع هذه خلاصة ما ذكره بعض المحققين في ردّ الوجه الثاني مع زيادة و توضيح و فيه نظر يعرف (و أمّا الثّالث) فقد أجيب عنه باختصاص الظهور المذكور على فرض تسليمه بالأوامر الواقعة في الكتاب و السّنة دون الأوامر الواقعة في كلمات الأصحاب و لكن التحقيق في الجواب منع الظهور مطلقا لأنّ ظاهر الأمر عدم التضييق لكونه راجعا إلى اعتبار الوقت الخاص و إطلاق الأمر يدفعه عكس التعيين و التخيير فإن قضيته الإطلاق و التعيين حسبما مرّ في الأبحاث السّابقة مرارا هذا إن أريد بالمضيق الموقت المقابل للموسّع و إن أريد به مطلق الفور و لو لم يكن مضيقا اصطلاحيّا كما هو الظّاهر ممّن خصّ الأمر في المقام بالمضيّق فإطلاق الأمر أيضا قاض بعدم الفور على ما تقرر في محلّه من وضعه لطلب الماهيّة من غير ملاحظة فور أو تراخي و الحاصل أنّ لفظ الأمر كصيغة حيثما وقع ليس بظاهر في‏

363

الأمر الفوري و لا في المضيق المصطلح فلا وجه لتخصيص محلّ الكلام هنا في الأمر المضيق هذا و لكن الّذي يقتضيه التحقيق و يساعده النظر الدقيق أن ما ذهب إليه الجماعة هو الحق الحقيق بل و هو الظّاهر من عنوان المسألة لأن الضدّ على ما عرفوه هو المنافى و المعاند و هو ممّا لا يتصوّر في الواجب الموسّع إذ المأمور به في الواجب الموسّع كصلاة الظّهر مثلا هو مسمّى الصّلاة في المدّة المضروبة و هو حاصل بإتيان الطبيعة في جزء من أجزاء تلك المدّة و الاشتغال بالأكل و الشرب و النوم و غيرها من الأضداد في جزء من أجزاء الزمان المضروب لا ينافي للطبيعة المأمور بها لإمكان الإتيان بها في جزء آخر من أجزاء تلك المدّة و هكذا إلى أن يتضيّق الوقت بحيث لا يبقى منه إلاّ مقدار أداء الفريضة فينافيه حينئذ فعل المنافي لأنّ الاشتغال به في ذلك الوقت يمنع عن حصول مسمّى الفريضة و يفوته فيجب تركه من باب المقدّمة و بعبارة أخرى أنّ المأمور به في الواجب الموسّع إنما هي الطبيعة المطلقة و هو مسمّى الصّلاة مثلا في المدّة المضروبة و لا يضاده شي‏ء ما لم يتضيق لأن التضاد و التنافي إنما يثبتان في الأشياء باعتبار تواردها على محلّ واحد فهي من صفات الموجودات الخارجية دون الطّبائع الكلّية الغير الملحوظ فيها خصوصيّة الأفراد و الموارد و أمّا أفرادها الخارجية الواقعة في أجزاء ذلك الزمان فهي و إن كانت لها امتداد في الخارج إلاّ أنّها ليست بمأمور بها قطعا و الحاصل أن الأمر بالصّلاة من الظهر إلى المغرب مثلا متعلّق بالطّبيعة و هو مسمّى الصّلاة و الأكل و الشرب مثلا لا ينافيانه ما لم يتضيق فكيف يحرمان قيل ذلك من جهة المقدمية أو من جهة التعبّد أو من جهة الاستلزام أو غير ذلك ممّا هو نظر القائل بالاقتضاء نعم لو قلنا في الواجب الموسّع بالتخيير الشرعي في أجزاء الزمان أمكن الالتزام بذلك لأن الأمر حينئذ ينحل إلى أوامر عديدة بعدد أجزاء الزمان فيكون الفعل في كلّ جزء من أجزاء الزمان مأمورا به بأمر خاص على وجه التخيير و الاشتغال بفعل آخر ينافي امتثال ذلك الأمر و يعانده فيقتضي الأمر في كلّ زمان النهي التخييري عن ضدّه في ذلك الزمان إلا أنّه خلاف التحقيق بل المأمور به في الواجب الموسّع هي الطبيعة دون الأفراد على وجه التخيير فإن التخيير في أجزاء الزمان عقلي لا شرعي بأن ينحل الأمر به بملاحظة أوسعية الوقت إلى أوامر عديدة بعدد أجزاء الزمان شرعا و لذلك قال جماعة و لعلّه الأكثر بوجوب تأخير التيمّم على ذوي الأعذار إلى أن يتضيق الوقت فإن مبناه على ما ذكرنا من عدم الانحلال إذ بعد ما كان المأمور به هي الطبيعة لم يتحقق العدد في أول وقت مثلا بالنّسبة إلى ما هو المأمور به و هو المسمّى كما أن مبنى جواز التعجيل و عدم وجوب التأخير هو دعوى الانحلال إلى أوامر متعدّدة شرعا لأن المكلّف في كلّ جزء يلاحظ حاله في ذلك الجزء من حيث دخوله في ذوي الأعذار و عدمه فإذا كان في أول الوقت فاقدا للماء أو متضرّرا باستعماله فهو بالقياس إلى الأمر الّذي تعلّق به في ذلك الزمان على وجه التخيير يدخل في ذوي الأعذار فيباح له التيمم أو الجبيرة و لو كان واجبا لزوال العذر في آخر الوقت بل و لو كان قاطعا و هذا من شواهد فساد هذا المذهب إذ الظّاهر أنّه لا يقول به أحد مع القطع و الحاصل أنّ المكلّف لو كان مأمورا بالطّهور و الصّلاة في كلّ جزء من أجزاء الزمان شرعا و لو تخييرا فمع عذره عن استعمال الماء في زمان يباح له التيمّم أو الجبيرة فإذا تيمّم و صلّى صحّت صلاته و أجزأ و إن ارتفع عنه العذر بعد ذلك لأنّه في ذلك الحين كان مأمورا بالصّلاة مع الطهارة أو بدلها و الأمر الشرعي يقتضي الإجزاء بخلاف ما لو قلنا بأن المأمور به هو المسمّى في المدّة المضروبة فلا أمر بالطّهور و الصّلاة إلاّ في مجموع الوقت فيلاحظ العذر بالقياس إليه هذا مع أن القول بالتخيير في الموسّع مختصّ بالواجبات الموقتة أمّا غير الموقتة منه كصلاة الزلزلة فلا وجه لدعوى الانحلال فيه بل الظاهر أنّه لم يقل فيها أحد بالتخيير الشرعي ثم لو سلّمنا و أغمضنا عن ذلك كلّه (فنقول) إن عنوان البحث بحسب القواعد اللفظية يقتضي الاختصاص بالأمر المضيق لا بظهور الأمر فيه كما قيل بل لأنّ لفظ النهي المشتمل عليه العنوان ظاهر في التعييني و لا يستقيم ذلك مع إطلاق الأمر لأنّ الأمر التخييري لا يعقل أن يكون مقتضيا للنهي التعييني فبعد مراعاة ظهور لفظ النهي‏

الموجود في العنوان في التعييني لا بدّ إمّا من رفع اليد عن ظهوره أو من تخصيص الأمر بالمضيق و الثاني أولى و أهون بمقتضى القواعد اللّفظية فيما لو تعارضا الظاهران في كلام واحد إمّا لأنّ الثاني قرينة صارفة عن ظهور الأول كما في أسد يرمي على أحد الوجهين أو لأنّ ظهور النهي في التعييني أقوى من إطلاق لفظ الأمر الأعمّ من المضيق و الموسّع إذ الظهور في التعييني قيل إنّه مستند إلى الانصراف الناشئ من الكمال و قال ثالث إنّه مستند إلى الإطلاق كما هو الحق حسبما بيناه في الأبحاث الماضية فعلى الأولين لا إشكال في كونه أقوى من إطلاق الأمر لأنّ ظهور الوضعي أو الانصرافي مقدّم على الظّهور الإطلاقي و على الأخير ندعي أنّ الإطلاق القاضي بالتعيين أقوى من الإطلاق القاضي بالتوسعة فتأمل (و الحاصل) أن العنوان بحسب القواعد اللّفظية يقتضي اختصاص النزاع بما إذا كان الواجب ممّا لا يجوز تركه و لا تأخيره لأنّ ما يجوز تأخيره يستحيل أن يكون مقتضيا للنّهي التعييني المستلزم للفور و الدوام‏

364

هذا باعتبار عنوان البحث و أمّا باعتبار الأدلّة و المناط ففيه كلام يأتي إن شاء الله تعالى و أمّا باعتبار الثمرة فقد اعترف كلّ من جعل محلّ النزاع أعم من المضيق بعدم ترتب الثمرة على اقتضاء الأمر الموسّع و إنّما اختاروا التعميم نظرا إلى أن اختصاص الثمرة ببعض الفروع لا يقتضي إخراج ما عداه عن العنوان و ربما قيل كما أومأنا إليه بترتب الثمرة على الأمر الموسّع أيضا و هي جميع ثمرات مقدمة الواجب عدا ثمرة فساد الضدّ و كفي بما عداها ثمرة و لا بأس بناء على صحّة تلك الثمرات و ترتبها على مقدّمة الواجب الموسّع و التخييري أيضا و قد عرفت ما في الأوّل من المناقشات في مقدّمة الواجب و الثاني يحتاج إلى التأمّل هذا هو الكلام في المضيق و الموسّع و أمّا سائر أقسام الواجب من المشروط و الغيري و الكفائي و التخييري فقد صرّح غير واحد بدخولها في محلّ النزاع كلّ أمر بحسبه و التحقيق أن ظاهر عنوان المسألة عدم التعميم لأنّ لفظ الأمر ظاهر في المطلق العيني التعييني النفسي فيخرج المشروط و الغيري و الكفائي و التخييري و أمّا باعتبار الثمرة و المناط فالغيري لا إشكال في دخوله و أمّا المشروط فهو مبني على أمرين (أحدهما) أن يفسّر الضدّ بكلّ أمر وجوديّ يتوقف حصول الواجب على عدمه و إن لم يكن ضدّا مصطلحا للواجب حتى يتناول مثل إراقة الماء الموقوفة عليه الطهارة قبل الوقت (و ثانيهما) وجوب مقدّمة الواجب المشروط قبل وجوب ذيها إمّا بالالتزام بالوجوب المعلّق أو بأحد الوجوه المذكورة في مقدّمة الواجب فيكون الأمر بالشي‏ء المستقبل كصلاة الظهر مثلا مقتضيا للنّهي عن ضدّه كإراقة الماء قبل الظّهر و أمّا الكفائي فإن تعيّن على المكلّف بالعرض فلا إشكال في دخوله في محلّ النزاع لصيرورته حينئذ عينيا بالعرض كما لو علم بعدم وجود من قام به الكفاية أو علم بعدم مبادرته للامتثال فهو داخل في محلّ النزاع قطعا إذ لا فرق بين العيني بالذات أو بالعرض و إن علم بوجود من قام به الكفاية و بمبادرته بالامتثال فلا إشكال في خروجه عن البحث لجواز تركه حينئذ فكيف يكون ضدّه حراما و أمّا لو شكّ في ذلك ففي إلحاقه بالصّورة الأولى أو الثانية وجهان مبنيان على وجوب المبادرة في حال الشكّ و عدمه و نقل عن شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) الوجوب إذا لم يعلم و لم يظن بقيام الغير و لعلّه لأصالة عدم قيام الغير المسقط للتكليف و أنت خبير بأن وجوب المبادرة إليه ليس حكما شرعيّا مترتبا على عدم القيام بل هو حكم عقلي ناشئ من وجوب المبادرة عند الشكّ في ضيق الوقت فما لم يعلم بالعقاب لم يجب عليه الإقدام و دعوى عدم وجوب الإقدام عند الشكّ في ضيق الوقت مستند إلى استصحاب الوقت و إلا كانت المبادرة واجبة مدفوعة أيضا بما ذكرنا من أنّ وجوب الإقدام عند الضيق و عدم وجوبه عند السّعة حكمان عقليّان ناشئان من وجوب الامتثال و حرمة المخالفة العقليّين (و الحاصل) أن الحكم الشرعي هو الوجوب لا وجوب الامتثال بعد الوجوب فإنّه حكم عقلي لا يترتب على الأصول الموضوعية الحاكمة على أصل البراءة عند الشكّ في وجود سبب العقاب و ملخّص الكلام أن قضية أصالة عدم قيام الغير وجوب الإقدام عند الشكّ في قيام الغير و قضيّة أصالة البراءة عدم الوجوب فيرجع البحث إلى أنّ الأصل الموضوعي المذكور أعني أصالة عدم قيام الغير هل هي حجّة في المقام حتى يكون حاكما على أصالة البراءة أم لا فمن قال بالوجوب تمسّك به و هو في محلّه لو لم يتطرق إليه ما سنح لنا من المناقشة و أمّا الأمر التخييري فإن ترتب عليه ثمرة فهو أيضا داخل في محلّ النزاع لأنّ مناط الإنشاء في العيني يوجب اطراد الحكم إلى التخيير أيضا من غير فرق غير أنّه نهي تخييري كالأمر الّذي اقتضاه و لا عبرة بظهور العنوان في التعييني بعد عموم الأدلّة فيقتضي الأمر التخييري النهي عن ضدّه تخييرا و التخيير الملحوظ في النّهي على حسب التخيير الملحوظ في الأمر فهو مخير بين ترك ضدّ أحد أفراد الواجب المخير و فعل الواجب الآخر فالمكلّف بالخصال مثلا مخيّر بين ترك ضدّ العتق أو فعل الصّوم أو الإطعام و قيل إنّه مخير بين ترك ضدّ العتق و ترك ضدّ الصّوم كالسّفر لا بين ترك ضدّ العتق و نفس الصّوم و يضعّف بأنّ ترك الأضداد جميعا لا ينهض بغرض الأمر فكيف عن ترك أحدها و الواجب التخييري و كذا الحرام ما يكفي فيه الامتثال في ضمن أحد الأفراد و التخيير الّذي توهّمه القائل ليس كذلك مع أن النّهي التخييري في المتولّد من الأمر التخييري لا

بدّ أن يكون مثل الأمر من جميع الوجوه إلاّ في الأصليّة و الفرعية فالّذي هو بدل للأمر فهو بدل للنّهي أيضا فيدل كلّ نهي هو بدل الأمر الّذي اقتضاه لا شي‏ء آخر فكيف يكون بدل الأمر بالعتق هو الصّوم و بدل النّهي الّذي تعلّق بضدّه هو ترك ضدّ الصّوم ثم إنّ التخيير إذا كان بين ضدّين كان فعل كلّ منهما و تركه مطلوبا أمّا الفعل فلأنّه أحد أفراد الواجب المخير و أمّا الترك فلأنّه مقدّمة لفعل الفرد الآخر فيشكل الأمر بأن قضية التخيير بين الضدّين هو تساوي فعل كلّ منهما مع تركه فيكون مرجعه إلى الإباحة و عن صاحب الفصول دفعه على أصله بأنّ الترك المأمور به مقدّمة ليس هو مطلق الترك بل الترك المتوصّل به إلى فعل الضدّ الآخر فالتساوي إنّما هو بين فعل كلّ من الضدّين مع تركه المتوصّل به إلى فعل الآخر دون تركه المطلق و الإباحة ما تساوى فعله و تركه المطلقان فيفترقان و هو كلام عارض عن التحصيل إذ الضدّان إن كان لهما ثالث فدفع الإشكال لا يتوقف على الالتزام بأصل فاسد أي المقدّمة الموصلة ضرورة امتيازه عن المباح بما ذكره من غير حاجة إلى تقييد الترك بخصوص الموصل‏

365

لأنّ التخيير حينئذ إنما هو بين فعل كلّ منهما و تركه إلى بدل مع قطع النظر عن كونه موصلا إليه بل على القول ببطلانه أيضا لا يصدق تعريف المباح عليهما و إن كان لهما ثالث لم ينفع القول بالمقدّمة الموصلة أيضا إذ الإيصال في الفرض المذكور لازم للترك و طلب كلّ من الفعل و الترك حينئذ و لو تخييرا لغو صرف لكونه تحصيلا للحاصل كطلب النقيضين لعدم خلو المكلّف عنهما و كذا عن الفعل و الترك الموصل مما لا ثالث لهما و مجرّد تقييد الترك بالموصل مع كونه لازما لا ينفع في تصحيح الطّلب و إن كان مغايرا للمباحث و منهم من أجاب عن الإشكال بأنّ المباح ما لا يكون في شي‏ء من فعله و تركه مصلحة فإذا كان في فعله مصلحة و في تركه أيضا مصلحة خرج عن تعريف المباح و ممّا ذكرنا ظهر أيضا فساده إذ يستحيل أن يكون في كلّ من وجود الشي‏ء و عدمه مصلحة للزوم التناقض إلاّ إذا كان الترك مصداقا لأمر وجودي آخر ذا مصلحة كما إذا كان فعل شي‏ء إحسانا لمؤمن و تركه إحسانا لآخر فإن في كلّ من الفعل و الترك حينئذ مصلحة و رجحان من جهتين مغايرتين إلاّ أنّ طلبهما أيضا و لو تخييرا لغو بعد عدم خلو المكلّف عنهما نعم إذا كان الفعل و الترك أو أحدهما عبادة جاز تعلّق الأمر الوجوبي أو الاستحبابي بهما معا على سبيل التخيير و بذلك رفعوا الإشكال عن العبادات المكروهة الّتي لا بدل لها كالصّلاة في الأوقات المكروهة و الصيام المكروهة و أمّا التوصّليان فلا معنى لتعلّق الطلب الوجوبي أو الاستحبابي بكلّ من الفعل و الترك بملاحظة الجهتين للزوم العبث و اللّغوية في أصل الطّلب بخلاف التعبّديين أو الفعل التعبدي لإمكان فرض خلوّ المكلّف عن الفعل التعبّدي و الترك معا بأن يفعل من غير قربة فيصحّ حينئذ طلب فعله التعبّدي و تركه على وجه التخيير وجوبا أو استحبابا كما هو مقرّر في محلّه هذا كلّه بالنّسبة إلى الأمر الّذي يقتضي النهي (و أمّا الضدّ المنهيّ عنه) فخصّه جماعة على ما حكي عنهم منهم المحقق القمّي (رحمه الله) في القوانين بالموسّع و هو اصطلاحا ظاهر في الواجب الموسّع فيخرج ما عداه عن محلّ النزاع و لا وجه له إلاّ عدم ترتب الثمرة المعروفة و هو فساد الضدّ على ما عدا الواجب و أورد عليهم (أوّلا) بأنّ اختصاص الثمرة بالواجب لا يقضي باختصاص النزاع به حسبما عرفت في تقييد الأمر بالمضيق (و ثانيا) بظهور الثمرة في فساد المعاملة الواقعة في وقت الواجب المضيّق إذا كانت ضدّا له و مفوتا له و في حرمة أخذ الأجرة على الضدّ لأنّه من الأجود على المحرّمات مع أنّ الثمرة المعروفة جارية في المستحبّات لوضوح بطلان المستحبّ المزاحم للواجب المضيّق و إن خالف فيه صاحب الوافية و يرد على (الأولى) بأنّها مبنية على كون النهي في المعاملات مقتضيا للفساد مطلقا و المشهور عدم اقتضائه له إذا كان لأمر خارج عنها مقارنا معها كالبيع وقت النداء و ذبح الغاصب بل ادّعى الآمدي الإجماع عليه على ما حكي عنه (و أمّا الثّانية) ففيها أيضا بحث لأن حرمة أخذ الأجرة على المحرّمات لا دليل عليها سوى حديث تحف العقول و نظر الأصحاب في ذلك ليس إليه بل إلى شي‏ء آخر و هو اشتراط القدرة على التّسليم في المعاوضات و إنما هي مبنية على فقدان شرط القدرة إذ مع النهي عن الفعل ينفي القدرة عليه لأنّه ممنوع عنه و المنع الشرعي كالمنع العقلي فيكون ما يؤخذ بإزائه بلا عوض و هو سحت و أكل للمال بالباطل و يدفعه أن العقد لو كان صحيحا ارتفع المنع الشرعي عن تسليم العمل لصيرورته حينئذ واجبا عينيّا مثل الواجب الّذي كان العمل المذكور ضدّا له فيجتمع عليه واجبان عينيان لا يقدر على امتثالهما معا بل على وجه التخيير و القدرة المعتبرة في صحّة العقود أعمّ من القدرة المقارنة للعقد و الحاصلة بعده فلو فرض القدرة بعد العقد بسبب خارجي آخر غير نفس العقد كفى ذلك في صحة العقد فكذلك القدرة الحاصلة بنفس العقد و الحاصل أن العقد بمقتضى العمومات صحيح و لازم صحته انقلاب العجز عن تسليم العمل إلى القدرة و هذا يكفي في خروج المعاملة عن السّفهية الّذي هو الداعي لجعل القدرة من شروط صحّة العقد إذ ليس اعتبار شرط القدرة لدليل تعبّدي حتى يقتصر على القدرة السّابقة أو المقارنة بل لئلاّ تكون المعاملة سفهيّة و لأن تكون قابلة للأمر بالوفاء و من الواضح حصول الشرطين بالقدرة الحادثة بعد العقد أو سببه نعم لو كان إباحة العمل شرطا مستقلاّ لا للقدرة على التسليم كما يدلّ عليه حديث تحف‏

العقول و ظاهر فتاوى الأصحاب أمكن القول بصحة الثمرة الثانية على إشكال و تأمّل أيضا لنحو ما قلنا من أنّ العقد إذا كان سببا لزوال سبب التحريم فلا وجه لحرمة الأجرة و إنما هو في مثل أجرة المغنية و عمل الصّنم أو الآلات أو المضمار و نحو ذلك ممّا هو محرم ذاتا و لا يزول عنوان المحرم عن عنوانه بسبب العقد الصّحيح كما نحن فيه فليس هذا من الأجرة على المحرم فليتدبّر في المقام فإنه محتاج إلى الدقة نعم الظاهر صحّة الثمرة الأخيرة و هو بطلان المستحب في وقت الواجب المضيق و خلاف صاحب الوافية هنا إن كان لإنكاره الثمرة المعروفة فهو و إن كان لخصوصية في المستحب فضعفه ظاهر و يأتي في بيان الثمرة تعرض آخر لمقالته و يمكن حمل الموسّع في كلام من قيد الضدّ بالموسّع على معناه العرفي أي ما يجوز فعله و تركه كما عن المحقق القمّي في حاشية القوانين لا الموسّع المصطلح فيعمّ المستحبات بل المباحات و هو الحقّ هذا ما يتعلّق بالواجب الضيق و الضدّ الموسّع (بقي الكلام) فيما إذا كان كلاهما مضيّقين و الكلام هنا في مقامين (الأوّل) في أن يكون أحدهما عند اللّه تعالى أهمّ من الآخر و من وجوه الأهميّة

366

على ما ذكروه أن يكون أحدهما حق اللّه تعالى و الآخر حق النّاس و هو على إطلاقه غير مسلّم فربّ حق للّه تعالى أولى و أهمّ من حقّ الناس كحفظ نفس الإمام فإنّه أهمّ من جميع حقوق الناس فإذا كان أحدهما أهم من الآخر شرعا وجب تقديم الأهم خلافا لظاهر الفاضل التوني حيث قال بالتخيير و هو بظاهره ممّا لا وجه له لأنّ المراد بالأهمّ ما ثبت وجوب تقدّمه على الآخر بالدّليل اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده بالأهميّة المزية بالقياسات و الاستحسانات كما إذا دار الأمر بين إنقاذ الغريقين و كان أحدهما عالما أو هاشميّا أو تقيا أو نحو ذلك من الأمور الّتي يخطر ببال أكثر الناس كونها سببا للترجيح فإنه لا عبرة بها ما لم يقم عليه دليل معتبر و هذا الإشكال فيه و يؤيده عدم تعرض الشارح صدر المحققين له بالردّ و القبول و هل يكفي فيه الظنّ أم لا ذهب شيخنا العلاّمة طاب ثراه في رسالة التعادل و التراجيح إلى الأوّل بل قال أو مال إلى كفاية الاحتمال أيضا نظرا إلى انتفاء مقتضى التخيير مع احتمال أهميّة أحدهما على الآخر إذ القاضي بالتخيير و الحاكم به هو العقل و هو إنما حكم به مع تساويهما في نظره و إذا احتمل رجحان أحدهما على الآخر فمناط حكم العقل بالتخيير و موضوعه و هو التساوي غير محرز فكيف يحكم بالتخيير حينئذ مع أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة فمع احتمال كون أحدهما أهمّ عند الشارع من الآخر وجب الأخذ بالقدر المتيقن الّذي يتحقق به البراءة اليقينية هذا و يمكن المناقشة في ذلك بأن احتمال الأهميّة مرجعه إلى الشكّ في التكليف الزائد فوق التكليف بالقدر المشترك فهو مدفوع بالأصل سواء قلنا بالبراءة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعيّين أو العقليين بعد العلم الإجمالي أو قلنا فيه بالاحتياط و الاشتغال أمّا على القول الأوّل فواضح و أمّا على الثاني فلأنّ الدّوران بينهما إنّما هو لإجمال مراد الشارع المعلوم بالإجمال و دورانه بين ما هو واجب و ما ليس بواجب رأسا بالذات فلا غرو حينئذ في البناء على الاحتياط إلحاقا له بالمتباينين و مراد الشارع في باب التزاحم ليس بمجهول و لا بمجمل إذ المفروض وجود مقتضى وجوب كلّ منهما في حدّ ذاته و إنما الشكّ في وجود المانع لهذا المقتضي في الطرف المرجوح و من البين كونه شكا بدويّا صرفا فيدفع بأصالة البراءة و أصالة العدم قولك إنّ موضوع حكم العقل هو التساوي فمع الشكّ فيه كيف يحكم بالتخيير قلنا ليس موضوع حكم العقل ذلك بل هو وجود المقتضي للامتثال في ضمن كلّ واحد منهما مع عدم إمكان الجمع فالعقل بعد ما رأى ذلك فلا يسعه إلاّ الحكم بالتخيير لأنّ ترك الكلّ مخالفة بلا عذر و جمعها غير مقدور و الامتثال مهما أمكن لازم فلا جرم يحكم بالتخيير ما لم يمنعه الشارع و يحكم عليه بتقديم أحدهما فما لم يحكم به عليه فلا محيص له عن التخيير و من المقرّر أنّ حكم الشارع يتوقف على الدليل و ليس فليس فظهر أنّ الأصحّ عدم حجّية الظن بالأهمّية فضلا عن الشكّ نعم العمل بالظنّ بل الاحتمال في مقام الترجيح صحيح في مقامين خارجين عن المقام (أحدهما) الأحكام الظّاهرية فإنّ الأصل فيها التساقط عند التعارض لأنّ الحكم بدخولهما جمع بين المتناقضين أو الضدّين في حكم الشارع و هو باطل و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح فلا جرم يكون الحكم التساقط مطلقا دون الترجيح و التخيير على التحقيق الّذي عليه أهله في محلّه فالعمل بهما أو بأحدهما يحتاج إلى الدّليل فإن لم يقم دليل من الخارج لا يحكم في تعارض الأحكام الظّاهرية بالتخيير و لا بالترجيح سواء كان من الأصول أو الأمارات كما حققناه في باب التعادل و التراجيح ثم إن قام به دليل من خارج على وجوب العمل بها عند التعارض أيضا يتبع مفاده فقد يكون هو الترجيح خاصّة و مع عدمه لا يحكم بالتخيير بل بالتساقط و قد يكون مع التخيير أيضا و قد ثبت في طرق الأحكام كلّ من القسمين فإنّ ظواهر الألفاظ من القسم الأوّل فإذا تعارضت وجب التحري و طلب الترجيح و لم يثبت فيها التخيير مع عدم الترجيح على ما هو الحق المختار للأكثر خلافا للشاذ و الأخبار الآحاد من القسم الثاني فقد ثبت فيها الترجيح عند التعارض أولا ثم التخيير و كذا فتوى المجتهد للمقلّد فإنّه يجب فيها أيضا الأخذ بالراجح و عليه مبنى وجوب تقليد الأعلم فإن لم يكن ثمة ترجيح فالحكم فيه هو التخيير كالأخبار في حق المجتهد هذا حال أدلّة الأحكام و أمّا الأمارات الموضوعية فلم يثبت فيها تخيير و لا

ترجيح إلاّ في خصوص تعارض البينتين في حق القاضي على بعض الوجوه المقررة في محلّها لا مطلقا فلو تعارضت البيّنتان في القبلة مثلا أو في شي‏ء من الموضوعات لم تنفع المرجحات بل الحكم حينئذ التساقط أو التخيير في بعض المقامات ثمّ إذا ثبت وجوب العمل عند التعارض في الجملة على خلاف القاعدة التساقط و ثبت أيضا وجوب العمل بالراجح فهنا يعتبر الظنّ بالمرجح بل الاحتمال أيضا يكفي في وجوب العمل بالراجح المحتمل مطلقا سواء قلنا بالتخيير في دوران الأمر بين التخيير و التعيين أو قلنا بالاحتياط و الاشتغال أمّا على الثاني فواضح و أمّا على الأول فلأنّ التخيير المستفاد من أصل البراءة إنما هو إذا كان الأصل في المسألة البراءة أو الإباحة دون الحظر و التحريم و التعبّد بالأحكام الظاهريّة أصلا كان أو أمارة عمل بما وراء العلم المنهي عنه بالأدلّة الأربعة و لا يجوز الخروج عنه إلا بالدليل و الّذي يحتمل الرجحان مقطوع به و الآخر مشكوك فيه فيرجع فيه إلى أصالة الحرمة و هذا هو الفارق بين تعارض الأحكام الظّاهريّة و تعارض الأحكام الواقعيّة إذ المتبع في كلّ مسألة هو الأصل الجاري في تلك‏

367

المسألة ما لم يقم دليل على خلافه و حيث كان الأصل في الأحكام الظاهريّة التحريم وجب الاجتناب عن مشكوك الاعتبار و الأصل في الأحكام الواقعية لما كان البراءة و العدم نهض بالنفي عند الشكّ في الوجوب فوجوب العمل بمظنون الأهميّة عينا ممنوع بالأصل (و ثانيهما) أيّ من مقامي وجوب العمل بالمظنون بل المحتمل هو ما إذا شكّ في المكلّف به مع عدم إمكان الاحتياط فإن وجوه المسألة أو أقوالها ثلاثة أحدها جواز المخالفة القطعيّة إذا لم يقم دليل على وجوب الامتثال في الجملة لأن التكليف مشروط بالقدرة و العلم و المفروض عدم العلم به تفصيلا و لا إجمالا بالاحتياط فمن أين يجي‏ء حينئذ وجوب الامتثال الاحتمالي في الجملة و هو ظاهر جملة من الأفاضل يعرف ذلك من الإحاطة بمقالتهم في دليل الانسداد و فروع اشتباه القبلة و الستر و سائر شروط الصّلاة مع عدم إمكان الاحتياط لضيق الوقت و نحوه و احتمل الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) في خصوص اشتباه السّاتر مع ضيق الوقت عن الاحتياط القرعة أيضا و هذا الاحتمال يأتي في جميع الشبهات الموضوعية و ثانيها وجوب الامتثال في الجملة على سبيل التخيير من غير مراعاة الظنّ و الرجحان كما عن ظاهر الشرائع و المعتبر و القواعد و الإرشاد و الدروس و اللّمعتين و الألفيّة و ثالثها وجوب التحري و العمل بالظنّ و قد صرّح به غير واحد منهم صاحب المدارك وفاقا للمحقّق الثّاني في جامع المقاصد و تعليقات الشرائع و الإرشاد في بعض الفروع و كذا الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) و هو الأصحّ و وجه الثاني أنّ مع تعذر الموافقة القطعية بعد العلم الإجمالي يقتضي الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية لا سقوط التكليف بالمرّة كما هو مبنى الوجه الأوّل إذ التكليف بتحصيل الظنّ لا دليل عليه و يدفعه أن العقل قاض بالامتثال القطعي مع الإمكان و مع التعذر الأقرب فالأقرب و الامتثال الظّني أقرب إلى الامتثال القطعي بحكم العقل و بناء العقلاء فإمّا أن نلتزم بالقول الأول و هو سقوط التكليف رأسا أو بوجوب مراعاة الامتثال الظنّي فالامتثال الاحتمالي مع إمكان الظنّي تفصيل لا يساعده الدليل و عليه يبنى وجوب العمل بالظنّ في نتيجة دليل الانسداد بناء على الحكومة و تمام الكلام موكول إلى غير المقام (المقام الثّاني) فيما إذا تساويا في الأهميّة لا خلاف في أنّ الحكم حينئذ هو التخيير لكن فيه إشكال لا بدّ من دفعه و هو أن ما مرّ في تعارض الأصول و الأمارات من خروج المتعارضين عن الدّليل آت هنا أيضا إذ البناء على دخولهما معا تحت الدليل القاضي بوجوبهما العيني تكليف بما لا يطاق و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح فمقتضى القاعدة المشار إليها سابقا أي التساقط هو الحكم بخروج المتزاحمين عن عموم الدّليل و عدم العمل به في شي‏ء منهما دون التخيير و الجواب عنه بوجوه (أحدها) أن يمنع الخروج عن تحت الدليل رأسا بل عن الوجوب العيني خاصة بأن يكون الخطاب مستعملا في القدر المشترك بين التعييني و التخييري هذا و على القول بأنّ الأمر مجاز في التخييري يكون من عموم المجاز الاصطلاحي و على المختار من كونه حقيقة في القدر المشترك يكون الخطاب مهملا من حيث المزاحمة و ليس فيه تجوز و ارتكاب خلاف ظاهر غير أنّه خطاب مهمل من الحيثية المذكورة و لا ينافيه أيضا كونه مطلقا عن سائر الجهات و كأنّه إلى ذلك يشير ما في القوانين أنّ الخطابات المطلقة مطلقة في حق الواجدين لشرائط التكليف و مشروطة في حق الفاقدين (و ثانيها) أيضا منع الخروج على أن يكون مستعملا في الوجوب التعييني في الفرد السّليم عن المزاحم و التخيير في الفرد المبتلى بالمزاحم و هو أحد محتملات ما في القوانين على بعد و هو كما ترى التزام باستعمال الخطاب في المعنيين (و ثالثها) و هو المختار الالتزام بالخروج اللّفظي عن عموم الدليل مع ثبوت الحكم بالمناط القطعي فإن لازم ذلك التخيير العقلي و إنّما لم نقل به في تعارض الأصول و الأمارات حيث بنينا فيها على التساقط لو لم يكن دليل من الخارج لأنّ المناط القطعي بل الظني فيها غير متضح إذ الأصول و الأمارات شرعت لمصالح عرضيّة خارجيّة بناء على عدم التصويب و احتمال اختصاص المصلحة الشرعية بالصّورة السّليمة عن المعارض قائم و لا سبيل إلى القطع أو الظن بوجودها عند التعارض بخلاف الأحكام الواقعية مثل وجوب إنقاذ الغريق و وجوب أداء الدّين و أمثالهما فإنّ المصلحة الباعثة على التشريع بعينها موجودة في صورة المزاحمة أيضا فمقتضى الوجوب في كلّ منهما موجود و إنّما لم يترتب عليه المقتضى و هو وجوب الامتثال عينا لوجود العجز و بعد ملاحظة المقدّمتين أي وجود المقتضي و عدم القدرة

على امتثالهما معا يحكم العقل بالتخيير فتلخص من جميع ما ذكرنا أن الواجبين المتزاحمين إن كانا موسّعين فالتخيير مطلقا و إن كانا مضيّقين فكذلك إلا إذا كان أحدهما أهمّ فيقدّم على الآخر و إن كان أحدهما مضيقا و الآخر موسّعا فالمضيق أيضا مقدم على الموسّع فيفسد بناء على مسألة الاقتضاء و لا فرق في شي‏ء من ذلك بين أن يكون المتزاحمان من جنس واحد أو من جنسين مختلفين و هذا الّذي ذكرنا ممّا لا إشكال فيه بل لا خلاف إلا أنّه نقل عن بعض الأعلام هنا ما من الغرابة بمكان حيث فصل في المقام و قال ما حاصله إن الثمرة المعروفة و هو فساد الضدّ إنما يصحّ إذا كان الأمر بالمضيق قطعيا و الأمر بالموسّع ظنّيا دون العكس و دون ما إذا كانا قطعيّين أو ظنيين أمّا القطعيّان فلامتناع صدور الأمر بالمضيق و الأمر بالموسّع من الأمر في زمان واحد فعند

368

الأمر بأحدهما لا بدّ من ارتفاع الآخر و إلا لزم التناقض و أمّا الظنيّان فلأن المتبع فيه هو الرجوع إلى المرجحات و مع عدمها فالتوقف و أمّا عكس الصّورة الأولى و هو ما إذا كان الأمر بالمضيق ظنيّا و الأمر بالموسّع قطعيّا فللزوم الطرح أو التأويل في الظنّي عند دوران الأمر بينه و بين القطعي فتنحصر الثمرة المذكورة في الصّورة الأولى و هي ما إذا كان الأمر بالمضيق قطعيّا و الأمر بالموسّع ظنيا و إنما تجري فيها الثمرة لأجل طرح الظني في قبال القطعي فيكون فساد الموسع في وقت المضيق لانتفاء الأمر بالموسّع لمكان طرح خطابه أو تأويله لا لأجل اقتضاء الأمر بالمضيق النهي عن الموسّع انتهى كلامه ملخّصا و فيه (أوّلا) أنّه إن أراد بالقطعي القطعي من جميع الجهات حتى من جهة المعارضة أيضا فتعارض القطعي و الظني أيضا غير معقول و إن أراد به القطعي من بعض الجهات فتعارض القطعيّين أيضا ممكن كما لا يخفى (و ثانيا) لو تم ما ذكره من أنّ الأمر المضيق الظنّي لا يقتضي النهي عن الموسّع القطعي لزم أن لا يكون مقتضيا للنهي عن المباح القطعي أيضا و أن يكون الاشتغال بالمباح في وقت واجب مضيق ثبت وجوبه بالظنّ المعتبر جائزا إذ الأحكام الخمسة كلّها متضادّة فإذا وجب الترجيح عند تعارض الواجب الظنّي مع واجب آخر قطعي وجب مع المعارضة بالمباح القطعي فيؤخذ بالأرجح مطلقا كما هو المقرر عند تعارض الأدلّة فيلزم ترجيح الدّليل القطعي الدال على إباحة شي‏ء مزاحم للواجب عليه إذا كان دليله ظنّيا و هذا ممّا لا يتفوه به أصاغر الطّلبة كما لا يخفى (و ثالثا) أنّ ما ذكره من أنّ تزاحم القطعيّين غير معقول لو تم لبقي مسألة الأمر بالشي‏ء خاليا عن المورد رأسا فإن مرجع الظني أيضا إلى القطعي لأنّ دليل اعتباره قطعي فالحكم الثابت بالظن المعتبر حكم قطعي إلا أنّه ظاهري فيكون مرجع الظنّيين إلى القطعيّين و كذلك القطعي و الظني أيضا و قد اختار أن تزاحم القطعيين غير معقول و حينئذ فلا يبقى للمسألة مورد و محلّ و ما أشبه المقام بتعارض الظنّ المانع و الممنوع عند الانسداد و البناء على اعتبار الظنّ من باب الحكومة كما إذا حصل الظنّ بسبب القياس بحرمة شي‏ء و حصل الظنّ من الشهرة و نحوها بحرمة العمل به و صحّحنا خروج القياس عن تحت الظنّ الثابت بالانسداد فإنّ الأمر حينئذ يدور بين الحكم الواقعي الّذي هو مفاد القياس و بين الحكم الظّاهري الّذي هو حرمة العمل به و على القول بترجيح الظنّ الممنوع لكونه ظنّا في المسألة الفقهيّة بخلاف الظنّ المانع لكونه في المسألة الأصولية أمكن أن يقال هنا برجحان مدلول الدليل القطعي على مدلول الدليل الظنّي و إن كان قطعي الاعتبار فإنّ الدّوران هنا إنّما هو بين الحكم القطعي الواقعي و القطعي الظّاهري فلا يبعد ترجيح الحكم الواقعي على الظاهري إلاّ أنّ التحقيق خلاف ذلك لأنّه استحسان لا يكفي في الترجيح عند التزاحم لما عرفت أن مقتضى الأصل في المقام هو التخيير و تعيين أحدهما محتاج إلى دليل معتبر شرعا و مجرّد كون أحدهما واقعيا و الآخر ظاهريّا استحسان لا اعتبار به في مقابل الأصل المعتبر حسبما حققناه مفصّلا (و رابعا) أنّ المقام ليس من التعارض حتّى تجري فيه قواعد التعارض إذ التعارض عبارة عن تنافي مدلولي الدّليلين و لا منافاة بين مدلول الدّليلين في المقام إذ لا منافاة بين وجوب كلّي الصّلاة و وجوب كلي أداء الدّين و لو في آن واحد ذاتا بل التنافي بينهما إنما هو من جهة الامتثال و هو خارج عن مدلول الخطاب لأنّ وجوب الامتثال حكم عقلي لا حكم شرعي فالتنافي إنما هو في الامتثال لا في نفس الحكمين (و خامسا) أنّ الترجيح بين الدّليلين إنما يلاحظ إذا شكّ في الحكم الشرعي و كان مراد الشارع مردّدا بين المتعارضين فلا يدرى أيّهما حق و أيهما باطل فيراعى حينئذ الترجيح بينهما فيؤخذ بالراجح و يلتزم بالتخصيص أو التقييد أو الطّرح في الآخر و الأمر في المتزاحمين ليس على هذا المنوال للقطع بتساويهما في الواقع ثبوتا أو سقوطا و عند ذلك فلا وجه لإعمال المرجحات و لعمري إنّه من المضحكات‏

تنبيه‏

ضدّ المأمور به يأتي فيه مثل ما هو في المأمور به من الأقسام فقد يكون واجبا كفائيا و كذا تخييريا فإن كان كفائيا ينظر فمع قيام من به الكفاية حكمه حكم الموسّع و إن كان مضيقا و كذا الواجب التخييري لأن العبرة بجواز تركه لا لكونه واجبا موسّعا و في الموضعين يجوز تركه و لو كان مضيقا فالتوسعة و التضييق الملحوظين في الباب أعمّ من التوسعة و التضييق الأزمانية الأحوالية و هو واضح‏

الجزء الثّاني من العنوان المبحوث عنه هو الشي‏ء

و ذكر غير واحد أنه أعمّ من الوجودي و العدمي فيدخل فيه نحو اترك الزنا مثلا و فيه تأمّل (أمّا أوّلا) فلأنّ عدم الشي‏ء نقيضه فكيف يندرج تحت إطلاق لفظ الشي‏ء (و أمّا ثانيا) فلأنّ الأمر المبحوث عنه ما كان له ضدّ عام و ضدّ خاص حسبما يقتضيه تقسيمهم الضدّ إلى الضدّ العام و إلى الضدّ الخاص و مثل اترك الزنا ليس له ضدّ خاص إذ لا ضدّ له أصلا إلاّ فعل الزنا و هو داخل في الضد العام لأنّ ترك الترك الّذي هو المأمور به عبارة عن الفعل كما لا يخفى فالتعميم المذكور بعيد عن الصّواب لفظا و معنى نعم قد يكون الترك واجبا عباديا كتروك الصّوم و الحجّ فيتصوّر له الضدّ على إشكال فيه أيضا و كذا لو فسّر الترك بالكف فإن الفعل حينئذ يكون ضدّا خاصّا له لا ضدّا عامّا كما هو واضح‏

الجزء الثّالث من العنوان الاقتضاء

و المراد من الاقتضاء المتنازع فيه ما يعم دلالة التضمّن و الالتزام أمّا المطابقة فلا على جميع أقوال المسألة و أقسامها من القول بالعينية في الضدّ العام لأن‏

369

الأمر بالشّي‏ء و النهي عن تركه مفهومان متغايران و المستفاد من الأمر المحبوبيّة و من النهي المبغوضيّة فكيف يكون أحدهما عين الآخر و مرجع العينية إلى ثبوت الملازمة بينهما في الخارج و قول بعض بأن المراد بالعينية هي المطابقة واضح الفساد لأنّها عبارة عن دلالة اللّفظ على الموضوع له و الأمر بالشي‏ء ليس معناه الموضوع له هو المنع من الترك بداهة ثمّ إنّ صاحب المعالم (قدّس سرّه) جعل الاقتضاء المتنازع فيه أعمّ من الاقتضاء اللّفظي و المعنوي و تبعه غير واحد ممّن تأخر عنه و قال في شرحه غير واحد من الشراح منهم سلطان العلماء و المدقق الشيرواني (قدّس سرّهما) أنّ مراده من الدلالة اللّفظية هنا هو أن يكون النّهي معقولا من مدلول الأمر و لازما له باللّزوم البين بالمعنى الأخصّ سواء كان اللّزوم عقليا أو عرفيا و من المعنوية أن يكون إدراك اللزوم بين المعنيين موقوفا على تصوّر الطرفين بمجرد تصوّرهما أو بالدليل و فيه أن الفرق بين الدلالتين بجعل الأول لفظيا و الثاني معنويا ممّا لا وجه له ضرورة مساواة المداليل الالتزاميّة بأقسامها في مدخلية الوضع و اللّفظ و العقل فلا وجه لجعل بعضها لفظيّا و بعضها عقليّا أو معنويا و مجرّد وضوح الملازمة في بعض دون الآخر مع حجيتها معا على حدّ سواء بلا خلاف و لا إشكال لا يجدي في الفرق نعم قد يطلق على الالتزامات الدلالة العقلية أيضا نظرا إلى مدخلية العقل فيها كما يطلق عليها الدلالة الوضعية و اللفظية بملاحظة مدخلية كلّ منهما فإن شئت سمّيت كلّها عقلية أو وضعيّة أو لفظية و أمّا تسمية بعضها لفظية و الأخر عقليّة فلم يظهر له وجه اللّهمّ إلا أن يكون مجرد اصطلاح في المقام و هو في عرضة المنع فما في المعالم و كتب سائر الأصوليين من الفرق في التّسمية لا يخلو عن شائبة إضلال الطّلاب المشتغلين‏

الجزء الرّابع من العنوان المبحوث عنه هو النهي‏

و لا إشكال في أنّ النهي المتنازع فيه أعمّ من النفسي و الغيري و الأصلي و التبعي لأنّ النهي المتعلّق بالضدّ العام نفسي بل أصلي أيضا على بعض الوجوه المتقدمة في وجوب المقدّمة و ليس غيريا بل حاله من هذه الجهة حال الأمر بالشي‏ء لأنّ مطلوبية الفعل و مبغوضية الترك من سنخ واحد فكما أنّ الأوّل نفسيّ فكذلك الثاني إلا أن يكون أصل الأمر أيضا غيريا كالأمر بالوضوء فيكون النهي عن تركه أيضا كذلك و هو واضح و أمّا أنّه أصلي فمبني على كون الغيرة في الأصلي باستقلال أحد الأمرين من الاستفادة أو المستفادة فالنهي عن الترك لكونه مستقلاّ نفسيّا يندرج تحت الأصلي و إن كانت الاستفادة تبعيّة كما مر في مقدّمة الواجب و أمّا أنّه يعمّ الغيري و التبعي فلأنّ عمدة النزاع هنا في الضدّ الخاص و النهي المتعلّق به نهي مقدمي و هو غيري تبعي فالنهي المتنازع أعمّ من الأصلي و التبعي لينطبق على أقسام المسألة و أقوالها خلافا للمحقق القمّي (قدّس سرّه) حيث جعل النزاع في النهي الأصلي نظرا إلى الثمرة المعروفة و هو فساد الضدّ فزعم أنّها لا تترتب إلاّ على النهي الأصلي و هو غريب فإنّ الفساد الّذي يقتضيه النهي ليس هو من آثار لفظ النهي بل لمنافاة المعنى و هو التحريم للصحة فأيّ فرق بين استفادته من اللّفظ بالأصالة أو بالتبع و لذلك لا خلاف بين الأصحاب في أنّ النهي التبعي النفسي يقتضي الفساد مطلقا نعم الخلاف واقع بينهم في اقتضاء النهي الغيري للفساد فالمشهور أنّه يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات و ذهب جماعة منهم بعض المحققين إلى عدم اقتضائه للفساد في العبادات أيضا يأتي التعرض له في ثمرة المسألة إن شاء الله و الحاصل أن ما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) من اختصاص محلّ النزاع بالنهي الأصلي ضعيف كضعف تخصيص محلّ النزاع في وجوب المقدّمة بذلك و كلّما تأمّلت و تأمل غيري ما ظهر لنا لذلك وجه يمكن الركون إليه و العجب أنّه استدلّ في مقدمة الواجب على كون المتنازع فيه هو الوجوب الأصلي بمقالتهم في هذه المسألة حيث زعموا فساد الضدّ على اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن الضدّ بناء منهم على كون ترك الضدّ المقدّمة لفعل الضدّ الآخر فيكون النهي المتولّد من الأمر نهيا غيريا أصليّا لأنّ التبعي لا يقتضي الفساد فلا بدّ أن يكون الوجوب المتنازع فيه في مقدّمة الواجب هو الوجوب الأصلي و استدلّ في هذه المسألة على كون محلّ النزاع هو النّهي الأصلي بأنّه نهي مقدّمي و قد تقدم في مقدّمة الواجب أن وجوب المقدمة المتنازع فيه هو الوجوب الأصلي و أنت خبير بما في الاستدلالين من الدّور كما يظهر وجهه بأدنى تأمّل‏

الجزء الخامس [الكلام في معنى الضد المبحوث عنه‏]

من العنوان المبحوث عنه الضدّ و هو في اللّغة المنافي و المعاند و يطلق على مثل الشي‏ء كما في محكي المصباح و النهاية و المجمع و لذا جعله بعض أهل اللّغة من لغات الأضداد و لكنّه خطأ فإنّ إطلاقه على مثل الشي‏ء ليس للمماثلة بل للمعاندة و المنافاة أيضا فإن السّواد كما لا يجتمع مع البياض في محلّ واحد كذلك البياضان لا يجتمعان فإطلاق الضدّين على المثلين مأخوذ ممّا يطلق به على المتنافيين و في اصطلاح أهل المعقول الضدّان أمران وجوديّان لا يجتمعان ذكره في محكي المصباح و المجمع و زاد بعضهم في محلّ واحد و آخر ذاتا لئلاّ يرد النقض بلوازم الضدّ لو لوحظت مع الضد الآخر و الكل كما ترى غير سليم عن إخلال العكس أو الطرد (أمّا الأوّل) فلأنّ مقتضاه اختصاص نسبة التضاد بمثل الدنيا و الآخرة و اللّيل و النهار و نحوهما ممّا لا يجتمعان في أصل الوجود فخرج نحو السّواد و البياض و نحوهما ممّا يجتمعان و جودا في محلّين (و أمّا الثّاني) فلانتقاضه بلوازم الضدّ لأنّها لا تجتمع مع الضدّ

370

الآخر مع أن الاصطلاح لا يساعد إطلاق الضدّ عليها و كذا ينتقض بما لا محلّ له كأنّ النفي في الكلام يرجع إلى القيد الأخير فيكون قضيّة القيد الثّاني اعتبار عدم الاجتماع الخاص أي في محلّ واحد لا مطلقا فخرج نحو الدنيا و الآخرة و اللّيل و النهار و أيضا ينتقض بخلافين متغايري المحلّ كالعلم و السّواد و كذا الثالث ينتقض بما ذكر إلاّ اللوازم و ربما زيد في الثاني قيد قابلية المحلّ للتوارد احترازا عن الخلافين و هو تكلّف لا يناسب الحدود و الاعتراف باختلال طرده منه أهون و إن أردت حدّا سالما فلا بدّ لك من سلوك طريق التطويل بإكثار القيود و إن كان هو محذور آخر و كيف كان فالضدّ بالمعنى المصطلح المذكور لا يلائم إطلاقه على مبطلات الصّلاة و نواقض الطّهارة و موانع العقود و الإيقاعات و سائر الأسباب بل هو من التوسّعات في الاستعمالات الّتي عليها مدار أكثر المحاورات ثم إنّهم قسموا الضدّ في المقام على قسمين أحدهما الضدّ الخاص و اختلفوا في تفسيره كما يأتي و الثّاني الضدّ العام و له تفاسير ثلاثة (أحدها) ترك المأمور به و هذا هو الشائع في تفسيره و لكنه لا يلائم لمعناه الاصطلاحي لاختصاصه بالوجودي على جميع الحدود المذكورة فلا بدّ من حمل الضدّ في المقسم على معناه اللّغوي أي المنافي فيكون إطلاق الضدّ على الترك مبنيّا على كونه منافيا للمأمور به و يحتمل أن يكون مجازا عن الضدّ الاصطلاحي كما عليه جماعة و يشكل الأول بأنّه خروج عمّا استقرت عليه طرائقهم في المحاورات من محافظة المعاني العرفية و تقدّمها على المعاني اللّغوية عند الإطلاق و عدم القرينة سواء كان المعنى العرفي سببا لهجر المعنى اللّغوي و صيرورته مجازا كما في العرف العام أو كان المعنى اللغوي باقيا بحاله و كان اللّفظ مشتركا بينه و بين العرف الحادث كما هو كذلك في العرف الخاص غالبا فإن حدوث الاصطلاح لا يتوقف على هجر العرف العام كما هو المحسوس المشاهد بالعيان في اصطلاحات الناس شخصا أو نوعا و ذلك لأنّ مجرّد الاصطلاح قرينة على إرادة المعنى المصطلح عليه و لو لا ذلك لفسدت ثمرة البحث في ثبوت الحقيقة الشرعية كما لا يخفى و لو كان هناك قرينة صارفة عن عرف الخاص و دار الأمر بين العرف العام و مجاز العرف الخاص فالظاهر تقديم هذا المجاز على اللّغة و العرف العام و لو كان حقيقة فهو مجاز مقدّم على الحقيقة عند عدم القرينة المعيّنة و هذا نظير ما قيل أو يقال إن المشترك المشهور في أحد المعاني يحمل عليه عند الإطلاق فاستقرار اصطلاح الخاص كما هو قرينة صارفة عامة على عدم إرادة العرف العام فكذلك يصلح أن يكون قرينة لإرادة مجاز المصطلح عليه عند الدّوران فيراعى حينئذ ما يقتضيه قاعدة التجاوز من تقديم الأقرب فالأقرب بين المجازات القابلة و على هذا فمقتضى القاعدة المذكورة بعد تعذّر حمل الضدّ هنا على ما هو المصطلح عند العلماء أن يصار إلى مجازات هذا المعنى الاصطلاحي دون معناه اللّغوي و كأنّه الباعث على ما ارتكبوه من جعله مجازا عن المعنى الاصطلاحي و يشكل الثاني و هو كونه مجازا من معناه المصطلح عليه لعدم العلاقة المصحّحة للاستعمال هنا إذ العلاقة المتصوّرة في المقام ثلاث (أحدها) علاقة المجاورة كما صرّح به جماعة منهم المحقق القمي (رحمه الله) نظرا إلى اقتران الترك بالأضداد الوجودية (ثانيها) علاقة المشابهة لمشابهة الترك بالأضداد الوجوديّة في كونه منافيا للمأمور به (ثالثها) علاقة الكلّي و الفرد بأن أريد من الضدّ كلّ المنافي الشّامل للوجودي و العدمي بعلاقة الكلّي و الفرد ثم أريد منه خصوص الترك من حيث كونه فردا من أفراد المنافي و هاتان العلاقتان ذكرهما بعض السّادة الأعلام في ضوابطه و في الكل نظر لأنّ العلائق الّتي ذكروها للمجازات الّتي تبلغ إلى نيّف و عشرين كلّها نوعيّة بمعنى أن الغرض منها الإشارة إلى أنواع العلائق إجمالا و إلا فيعتبر في تلك العلائق المؤانسة العرفية و لولاها لكان الاستعمال غلطا أ لا ترى قولهم جرى النهر أو الميزاب صحيح بعلاقة المجاورة و مستحسن عرفا و جرى السّخر أو النبات أو الإنسان غلط مستهجن جدّا و منه يظهر فساد ما أورد على من جعل العلاقة هنا المجاورة بأنّها مختصة بالمحسوسات فإنّ ذلك أيضا غير مطّرد و كذا استعمال الأسد في الشجاع للمشابهة في الشجاعة صحيح و استعماله في البخر الجبان للمشابهة في البخار غلط و هكذا جميع أنواع العلائق و لذلك جعلوا عدم الاطراد من علائم المجاز يريدون أن سبب الاستعمال لو لم يكن مطّردا كشف ذلك عن كونه مجازا و قد بسطنا الكلام و حقّقنا المقام في البحث عن علائم الحقيقة و المجاز على‏

الوجه التام فلا على من راجعه اطّلاعا على ما سنح لنا هناك من بدائع الأوهام و يرد على الأخير مضافا إلى ما ذكرنا أنّه مبني على جواز استعمال اللّفظ المشترك في أحد معنييه بعلاقة الآخر و كذا على جواز استعمال الكلّي في الفرد على وجه الخصوصيّة بأن يراد من الضدّ خصوص الترك و قد مرّ منا في مقدّمات المسألة السّابقة إقامة الدّليل و البرهان على فساد القسمين من الاستعمال مضافا إلى عدم ثبوت شي‏ء منهما في المحاورات و حيث قدّمنا الكلام في إثبات هذا المراد بما لا مزيد عليه طوينا الكلام عنه هنا كشحا و إن كان المصرّح به في كلمات القوم في الأصول و غيره جوازه و أيضا يرد على الأخير ابتناؤه على جواز سبك المجاز عن المجاز لأنّ استعمال الكلّي في الفرد على وجه الخصوصيّة مجاز عندهم و هو مجاز منسبك من المجاز الأوّل المبني على علاقة الكلّي و الفرد و في صحّته تأمّل بعد عدم معهوديته في شي‏ء من‏

371

المحاورات نظما أو نثرا و الحاصل أن المشي على أحد المسلكين المذكورين في تقسيم الضدّ إلى العام و الخاصّ ثم تفسير الضدّ العام بالترك لا يخلو عن محذور لكنه لا مناص عن ارتكاب أحدهما و الأولى اختيار الوجه الأوّل إذ ليس فيه حسبما عرفت سوى استعمال أهل الاصطلاح لفظ الضدّ هنا في غير المصطلح عليه و هو أهون من ارتكاب المجاز بتكلّف جمودا على تلك العلاقة المنكرة مع أنّ إطلاق الضدّ على الترك لو كان مجازا لزم أن يكون لفظ الضدّ في القسم مستعملا في القدر المشترك بين معناه الحقيقي و المجازي و هو من عموم المجاز النادر جدّا كما لا يخفى فلا وجه للمصير إليه مع إمكان غيره هذا مع إمكان أن نقول إن ثبوت هذا الاصطلاح بين الأصوليين غير معلوم و لو سلّم ثبوته بين علماء المعقول و عليه يتعيّن الحمل على معناه اللّغوي من غير إشكال فتدبّر (و ثانيها) الكف ذكره بعض و جعله آخر أحد تفسيري الترك المفسّر به الضدّ العام فقد قيل إنّه على هذا التفسير ينطبق على الضدّ المصطلح لأن الكف أمر وجوديّ كسائر الأضداد الوجودية فيستريح من فسّر الترك بالكف عن إشكال إطلاق الضدّ على الضدّ العام و في كلّ من البناء و المبنى نظر (أمّا البناء) فقد أورد عليه في الفصول بأن الضدّين بالمعنى المعروف هما الوصفان الوجوديان اللّذان يمتنع ورودهما على محلّ واحد لذاتهما و هذا يقتضي أن يصحّ ورود كلّ منهما على ما يصحّ ورود الآخر عليه لئلاّ يكون مستندا إلى اختلاف المحلّ كالعلم و السّواد و ظاهر أن الكف و فعل الضدّ لا يتواردان على محلّ واحد لأن الأوّل من صفات النفس و الثاني من عوارض الجوارح و فيه أنّ دعوى اعتبار وحدة المحلّ في المتضادين بحسب الاصطلاح لا يساعده جملة من تعاريف الضدّ لخلوّها عن القيد المذكور و عرفت أيضا اشتمالها على الخلافين كالعلم و السّواد و ما اشتمل منها على القيد المذكور إن حمل على السّالبة بانتفاء المحمول لم يتناول للخلافين لكنه يحتاج إلى القرينة لأنّها أعمّ منها و من السّالبة بانتفاء الموضوع و مع عدمها لا مانع من الحمل على الأعم فيصدق على الفعل و الكف عنه أنّهما أمران وجوديان لا يجتمعان في محلّ واحد و إن اختلف المحلّ و قد يورد عليه أيضا بمنع تغاير محلّ الكف و الفعل لقيامهما بالنفس لأنّ حقيقة الفعل هو بعث النّفس للجوارح إلى ما يريد فإن الجوارح مسخّرات لها و حقيقة الكف هو إمساكها فكلّ من البعث و الإمساك من صفات النفس فإذا بعثها إلى العمل حصل منها حركات مخصوصة و إذا أمسكها لم يحصل فالكف و الفعل محلّهما واحد و هو النفس و هذا الإيراد نقل عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) و هو ينافي ما تقدّم منه في بعض مباحث مقدّمة الواجب من الرّد على من قال بأن الأمر بالشي‏ء أمر بنفس الجوارح إلى إيجاده في الخارج من أنّ نسبة النفس إلى الجوارح ليست كنسبة الآمر إلى المأمور بأن يكون هناك أمر بالأمر فإنّ الجوارح مسخّرات للنفس فإذا أرادت شيئا تنبعث الجوارح قهرا من غير توسيط أمر منه إلى الجوارح (و أمّا المبنى) ففيه أيضا نظر لأنّ تفسير الترك بالكفّ ممّا لا وجه له في المقام فإنّ الّذي دعاهم إلى ذلك في مثل لا تفعل أمران (أحدهما) أنّ مجرّد الترك أمر عدميّ حاصل في الخارج فيكون طلبه تحصيلا للحاصل و تكليفا بغير مقدور (و ثانيهما) أنّه لا ذمّ إلاّ على فعل فالمذمة المترتبة على مخالفة النهي إنّما يتعلّق بالفعل لا بالترك فمتعلّق الطّلب المستفاد من كلمة لا داخلة على الفعل لا بدّ أن يكون فعلا من الأفعال و ليس هو إلا الكف عن الفعل و هذا كما ترى غير جار في الترك المبحوث عنه في المقام إذ ليس هناك طلب متعلّق بالترك حتى يأتي فيه ما ذكروا بل الطّلب هنا متعلّق بعدم الترك فعلى ما زعموا يكون متعلّق الطّلب هنا هو نفس الفعل لا الكف عنه و منه يظهر أنّه لا يأتي في مثل لا تترك أيضا فكيف عن النهي المستفاد من الأمر بالفعل فحيث يكون الترك مبغوضا يكون مفاد النهي المتعلّق به مطابقا كان أو التزاما أو تضمّنا على الخلاف الآتي في دلالة الأمر على النهي عن الترك مطلوبية الفعل لا مطلوبية الكف عنه كيف و هو نقض للغرض و خلاف للفرض و تحقيق المقام هو أن كلمة لا نفي لا إثبات و النفي إذا دخل على الفعل ففيه الخلاف المشهور أن النفي هل يتعلّق بالترك لكونه مقدورا كما هو المشهور أو يتعلّق بالكف و على التّقديرين فالغرض منه حاصل و هو زجر المخاطب عن مباشرة الفعل‏

و هذا الخلاف لا يعقل فيما إذا دخلت على الترك مطابقة أو تضمّنا أو التزاما إذ ليس الغرض منه هو الزجر عن الفعل بل البعث إليه فكيف يصحّ تفسير الترك المتنازع فيه الّذي فسّروا به الضدّ العام بالكف فتدرّب (و ثالثها) أي من إطلاقات الضدّ العام أحد الأضداد الوجودية لا بعينه ذكره صاحب المعالم ثم قال و هذا يرجع إلى الضدّ الخاص أراد أن هذا هو المراد بضدّ الخاصّ فيطلق عليه الضدّ العام تارة نظرا إلى جهة عمومه و الضدّ الخاصّ أخرى التفاتا إلى مصاديقه الخارجية و هو جيّد متين خلافا لغير واحد فزعموا أن الضدّ العام بمعنى أحد الأضداد شي‏ء و الضدّ الخاص شي‏ء آخر و إن لم يكن بينهما ثمرة فعن المحقق القمّي (رحمه الله) في حاشية القوانين أن الضدّ الخاص هو كلّ واحد من الأمور الوجودية المضادة للمأمور به عقلا أو شرعا لا أحد الأضداد يستلزم النهي عن كلّ واحد من الأضداد المضادة للمأمور به إذ النهي المتعلّق بالطّبيعة يسري إلى جميع الأفراد فالضدّ العام بهذا

372

المعنى و الضدّ الخاصّ ثمرة سواء انتهى ملخّصا و يقرب منه ما نقل عن الفاضل النراقي في المناهج و أورد عليه في الضّوابط بإبداء الثمرة فيما لو كان الضدّ مأمورا به مثل الصّلاة للإزالة فعلى الأوّل يلزم اجتماع الأمر و النّهي المتولّد من الأمر بالإزالة في الصّلاة من جانب الآمر فيكون الاجتماع آمريا باطلا بالاتفاق لأنّ مقتضى تعلّق النهي بكلّ فرد فرد بالعموم الأصولي تعلّقه بخصوص الصّلاة و هو لا يجامع الأمر منها بخلاف ما لو كان متعلّق النّهي جنس أحد الأضداد فإن النّهي إنّما يتعلّق بالصّلاة من حيث كونها أحد الأضداد لا من حيث الخصوصيّة فتعدّد جهتا الأمر و النّهي فيكون من الاجتماع المأموري المختلف فيه و دفع بأنّ أحد الأضداد مفهوم انتزاعي و المفهوم الانتزاعي حيث يتعلّق به أمر أو نهي فهو مرآة و آلة لملاحظة منشإ الانتزاع و ليس ممّا يصلح أن يتعلّق به غرض الأمر و النهي فالنهي على التقديرين متعلّق بمصاديق الأضداد فإذا فرض كون بعضها مأمورا به لزم الاجتماع الآمري الباطل بالاتفاق قلت و العجب من المورد و الدافع كيف غفلا عن حقيقة الحال و سلكناها سلك الجهال مع كونهما بمكان في تحقيق الأقوال إذ العبرة في الثمرة بين الاجتماع الآمري و المأموري بحال المأمور به لا بحال المنهي عنه فإن كان متعلّق الأمر الفرد من حيث الخصوصيّة لزم الاجتماع الآمري سواء كان عموم النّهي عنه بالعموم الوضعي الأصولي بأن يقول يحرم عليك جميع أفراد الغصب مثلا أو كان بالعموم المنطقي الدّال على العموم الاستغراقي بالحكمة كأن يقول يحرم عليك الغصب و إن كان متعلّق الأمر هو الفرد من حيث القدرة المشترك بينه و بين سائر الأفراد كان الاجتماع مأموريّا إذ المناط في جانب الأمر هي المندوحة و عدمها كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في بابه و قضية ذلك كون الاجتماع فيما نحن فيه مأموريّا لمكان المندوحة في الصّلاة المأمور بها مثلا على الوجهين بأن لا يصلّي وقت الإزالة المأمور بها كما هو بأدنى تأمّل و التحقيق أنّ الضدّ الخاص المبحوث عنه هو الأمر الوجودي المنافي للمأمور به و إطلاق ضدّ العام عليه لمناسبة واضحة حسبما أشرنا فما ذكره في المعالم هو الأصحّ‏

المقدّمة الثّانية في أنّ فعل الضدّ هل يتوقف على ترك ضدّه أم لا

و على التقديرين هل يتوقف ترك الضدّ على فعل ضدّه أم لا

و الأقوال في المسألة خمسة

(أحدها) أن ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ أمّا فعل الضدّ فلا يتوقف على ضدّه فلا يكون مقدّمة له نسبة غير واحد إلى المشهور (و ثانيها) عكس ذلك و عزاه جمع إلى الكعبي (و ثالثها) منع التوقف في الجانبين صرّح به سيّد محققي الحكماء و اقتفى أثره جمع من المحققين منهم سلطان العلماء و الشيخ الفاضل البهائي و الشارح الجواد و المحقق السّبزواري (و رابعها) التوقف من الجانبين عزي إلى الحاجبي و العضدي نظرا إلى استنادهما في عدم حرمة الضدّ و عدم وجوب المباح القائل به الكعبي إلى عدم وجوب المقدّمة لا إلى إنكار المقدّمية في الموضعين (و خامسها) التفصيل بين رفع الضدّ الموجود و عدم الضد المعدوم بالتزام كون الأولى مقدّمة لمجي‏ء الضدّ الآخر و إنكار المقدّمة في الثاني فليس ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه مطلقا بل في مقام الرّفع خاصة و هذا تفصيل بين الرفع و الدفع في ترك الضدّ و أمّا فعل الضدّ فليس مقدّمة للترك مطلقا ذهب إليه المحقق الخوانساري و استظهره من المحقق الدّواني و تحقيق المقام يستدعي رسم مقامين أحدهما في الترك و الثاني في الفعل و ليعلم (أوّلا) أن كلاّ من المثبت و النافي في المسألة يطالب بالدّليل كسائر المسائل العقلية الّتي منها وجوب المقدّمة و لذا قلنا في تلك المسألة إنّ القائل بعدم الوجوب أيضا لا بدّ له من إقامة الدّليل بل الأمر كذلك في المسائل الشرعية التوقيفية فإنّ عدم الدّليل ليس دليلا على العدم و إن كان مجديا في العمل‏

[حجة القائلين بالتوقف‏]

(أمّا المقام الأوّل) فاحتج القائل بالتوقف بأن الضدّين متنافيان بالذات و لا يجتمعان في محلّ واحد فيكون فعل كلّ ضدّ مانعا عن الآخر إذ لا معنى للمانع إلاّ ذلك و عدم المانع من الشروط بداهة و بالاتفاق و بعبارة أخرى الضدّ مانع عن الضدّ الآخر و لا ريب أنّ عدم المانع شرط فترك كلّ ضدّ مقدّمة لفعل الآخر لا محالة (قلت) قد اشتمل الدليل المذكور على مقدّمتين إحداهما أنّ وجود الضدّ مانع عن الضدّ الآخر و الأخرى أنّ عدم المانع مقدّمة لوجود الممنوع به مطلقا و للنظر فيهما مجال (أمّا الأولى) فلأنّ مجرّد التنافي بين الشّيئين و عدم اجتماعهما لا يقضي بالتمانع كما اعترف به جلّ من قال بتمانع الضدّين لوضوح ثبوت التنافي و عدم التمانع في أمور لا مضادة بينهما باعترافهم و ذلك مثل النقيضين و الضدّ و لوازم ضدّه و الضدّين الّذين كان وجود أحدهما و عدم الآخر معلولين لعلّة واحدة فدعوى كون الضدّ مانعا لا بينة و لا مبيّنة بل يحتاج إلى البرهان و إن صرّح به جمع من الأعيان و منهم الشيخ الرئيس حيث قال فيما حكي عنه وجود الضدّ سبب لانتفاء الضدّ الآخر و توقف فناء الضدّ على طريان الضدّ مشهور بين المتكلّمين و قال المحقق الخوانساري و بالجملة الحكم بتمانع الأضداد لا مجال لإنكاره و في كلام الشيخ الرئيس أيضا التصريح بتمانعها كيف و أيّ شي‏ء أولى بالمانعية من الضدّ و لم أجد من تصدى لإقامة الدّليل على المانعية غير أنّهم أرسلوها إرسال المسلمات و رأوا إقامة الدّليل عليه إيضاح الواضحات و أنت خبير بأنّ الأمر ليس‏

373

كذلك بعد ما اعترفوا بأنّ مجرّد عدم الاجتماع أعمّ من المانعية و لذا اعتبر بعض المحققين و تبعه غيره في الضدّين أن يكون التنافي و عدم الاجتماع ذاتيا احترازا عن بعض ما اعترف بعدم كونه من الضدّ ممّا مرّ مع أنّه كما ترى منقوض بالنقيضين بل بلوازم الضدّ أيضا لأنّ سبب عدم اجتماعهما مع الضدّ الآخر بعينه هو سبب عدم اجتماع نفس الضدّين و محض كونها لازما و ذاك ملزوما لا يجعل التنافي عرضيّا إلاّ أن يريد بالذاتي تساوي الرتبة و هو مصادرة و الشهرة بين المتكلّمين على ما يحكيه المحكي عن الشيخ الرئيس ممّا لا أصل لها و على فرض التسليم فهو يدلّ على وقوع الخلاف فلا بدّ في التحقيق أولا من تعريف المانع و كشف حقيقته حتى يتبيّن أنّه صادق على مطلق الضدّ أم لا (فنقول) إنّ المانع على ما يظهر من أهل المعقول عبارة عمّا يكون وجوده مؤثرا في عدم الممنوع كما يكشف عن ذلك تعريفهم بأنّ المانع ما يلزم من وجوده العدم فإن لفظة من إمّا سببيّة أو نشوية كما تقدم في بابه و على الوجهين يعتبر أن يكون مقتضيا و مؤثرا في وجود الممنوع كالنار بالقياس إلى الماء فإنها مقتضية للإحراق كما أنّ الماء مقتضي عدمه و من المعلوم أن مطلق الضدّ كالسّواد مثلا ليس كذلك إذ لا تأثير له في عدم البياض و إن كان سابقا عليه و شاغلا لمحلّه فكيف يحكم على كلّ أمر وجوديّ لا يجتمع مع وجودي آخر بأنّه مانع و مؤثر فيه و إذا تمهّد لك هذا (فنقول) قد استدلّ بعض على كون الضّدّ مانعا بأنا لو فرضنا وجود أحد الضدّين و فرضنا وجود مقتضي الآخر جامعا لجميع شرائط التأثير غير عدم الضدّ الموجود لم يؤثر إلا بعد ارتفاعه و هذا دليل على كون الضدّ مانعا عن ضدّه إذ لولاه لترتب المقتضى على المقتضي لاستحالة تخلّف المعلول عن العلّة و هذا الدّليل على إثبات مانعية الضدّ بمكان من الضّعف و السّقوط (أمّا أوّلا) فإنّ عدم تأثير العلّة قد يكون لانتفاء شرط التأثير المقارن لوجود الضدّ فيكون عدم الضدّ من مقارنات انتفاء الشرط من غير أن يكون الانتفاء مستندا إلى وجوده (و أمّا ثانيا) فلأنّ كون عدم الضدّ هنا موقوفا عليه لتأثير العلّة لا يقتضي كونه مانعا لجواز أن يكون وجوده سببا لانتفاء الشرط فيكون عدمه موقوفا عليه لحصول الشرط فيكون توقف المعلول على عدمه توقفا عرضيّا ناشئا من توقف شرطها عليه فلا يثبت به كون وجوده مانعا لأنّ سبب انتفاء الشرط لا يعد مانعا عن العلّة و من الواضح أنّ قابلية المحلّ يشترط لوجود العرض كشرطيّة نفس الموضوع و مع وجود أحد الضدّين لا قابلية للمحلّ لطروّ الضدّ الآخر فعدم الضدّ هنا شرط يتوقف قابلية المحلّ عليه لا لكونه مانعا و تظهر الثمرة في مورد لم يكن أحد الضدّين موجودا فإنّه على تقدير كون كلّ منهما مانعا عن الآخر يتوقف حينئذ وجود كلّ منهما على عدم الآخر قضاء لحق المانعية و على تقدير كونه سببا لفقدان الشرط الّذي هو قابلية المحلّ لم يتوقف كما لا يخفى (و أمّا ثالثا) فلجواز أن يكون الشي‏ء مانعا في حال دون حال فلا يلزم من مانعية وجود الضدّ في حال وجوده مانعيته في حال عدمه أيضا و الفرض المهم في المقام هو إقامة الدليل على كونه مانعا مطلقا حتى يجدي في محلّ البحث الّذي هو الأفعال المتضادة الّتي تعلّق الأمر ببعضها حال فقدانها كما لا يخفى و سيأتي إن شاء الله في بيان مختار المحقق الخوانساري من التفصيل بين الرفع و الدفع أنه على فرض صحّته لا يضرّ و لا ينفع في هذه المسألة (و أمّا رابعا) فلأنك عرفت ممّا بيناه في تعريف المانع أنّه ما كان مؤثرا في عدم الآخر و معلوم أنّ السّواد العارض للجسم لا تأثير له في نفي البياض بل عدم البياض إنما هو لأجل عدم سعة المحلّ لعروض عارضين فمع مشغوليته بأحدهما لا يكون قابلا لعروض الآخر فتدبّر (و أمّا المقدّمة الثّانية) و هي كون عدم المانع مقدّمة فهو و إن كان معروفا شائعا في ألسنتهم شيوع المسلمات إلا أن في إطلاق ذلك تأمّلا بل منعا كما صرّح به المحقق الخوانساري في الاستدلال على التفصيل الّذي اختاره من الفرق بين رفع الضدّ الموجود و عدم الضد المعدوم حيث قال إن عدم المانع المقارن ليس موقوفا عليه فليس عدم الضدّ حال عدمه موقوفا عليه للضدّ الآخر و إنّما يكون كذلك إذا كان موجودا و هذا و إن كان غير مناف عن الإشكال إلا أنّه ليس فيه كلّ البعد نظرا إلى أنّ المقدّمة ما يتوصّل به إلى حصول تهيّؤ لذيها و

هو هنا غير موجود و التهيؤ مع عدم المانع حاصل فيمكن أن يقال إن عدم المقارن خارج عن المقدّمة موضوعا لا حكما خاصة أي الوجوب و ربّما يؤيّده ما عن الرّسائل العمليّة من تقسيم الأمور المعتبرة في الصّلاة إلى أجزاء و مقدّمات و مقارنات و يأتي بقية الكلام فيه عند التعرض لهذا التفصيل‏

و احتج المانعون بوجوه‏

الأوّل‏

أنّ من المعلوم بالوجدان أنه إذا حصل إرادة المأمور به و انتفي الصّارف عنه حصل هناك كلّ من فعل المأمور به و ترك ضدّه فيكونان إذن معلولي علّة واحدة فلا وجه إذن لجعل ترك الضدّ من مقدمات فعل الضدّ فكما أن السّبب الباعث على حصول أحد النقيضين هو الباعث على رفع الآخر فكذا السّبب لحصول أحد النقيضين الضدّين هو السّبب لرفع الآخر فلا يترتب بين ترك الضدّ و الإتيان بالفعل لوضوح عدم حصول الترتب بين معلولي علّة واحدة إذ هما موجودان في مرتبة واحدة لا تقدّم لأحدهما على الآخر في ملاحظة العقل ذكره بعض المحققين و أجاب عنه بقوله إن القول بكون فعل المأمور به و ترك ضدّه‏

374

معلولين لعلّة واحدة فاسد لوضوح كون كلّ من الضدّين مانعا من حصول الآخر و ظهور كون ارتفاع المانع من مقدّمات الفعل و الفرق بين الضدّ و النقيض ظاهر لظهور أن حصول كلّ من النقيضين بعينه رفع الآخر فليس هناك أمران يعدان معلولين لعلّة واحد بخلاف المقام إذ ليس حيثية وجود أحد الضدّين هي بعينها مفاد رفع الآخر و إنّما يستلزمه و ما يتراءى من حصول الأمرين بإرادة الفعل و انتفاء الصّارف عنه لا يفيد كونهما معلولين لعلّة واحدة لإمكان كون ذلك سببا أولا لانتفاء الضدّ ثم كون المجموع سببا لحصول الفعل فيكون عدم الضدّ متقدّما في الرتبة على حصول الفعل و إن كان مقارنا له في الزمان (فإن قلت) إذا كان ترك الضدّ لازما للإرادة الملزمة للفعل حاصلا بحصولها فلا داعي للقول بوجوبه بعد وجوب ملزومه فالحال فيه كسائر لوازم المقدّمات و قد عرفت أنّه لا وجوب لشي‏ء منها و إن لم تكن منفكة عن الواجب (قلت) قد عرفت أن انتفاء أحد الضدّين من مقدمات حصول الآخر غاية الأمر أن يكون من لوازم مقدّمة أخرى للفعل فإن ذلك لا يقضي بعدم وجوبه قبل وجوب ملزومه إذا قضى الأمر عدم اقتضائه كونه من لوازم المقدّمة وجوبه من جهة وجوب الفعل و هو لا ينافي اقتضاء وجوب الفعل وجوبه من حيث كونه مقدّمة له إلاّ أن يقال باختصاص ما دلّ على وجوب المقدّمة لغيره و هو فاسد لما عرفت من إطلاق أدلّة القول بوجوب المقدّمة و إذا عرفت تفصيل ما قررناه ظهر لك فساد ما ذكر من منع كون ترك الضدّ مقدّمة و منع اقتضاء استحالة الاجتماع مع الفعل قاضيا بكون تركه مقدّمة لما عرفت من الدّليل المثبت للتوقف و ما ذكر من النقض سندا للمنع الأخير واضح الفساد للفرق البين بين الأضداد و الموانع و ما يلازمها فإن استحالة الاجتماع هناك ذاتية و هنا بالعرض و المانعية إنما تتم بالأوّل دون الأخير انتهى و أنت خبير بأن تعليل الحكم بكونهما معلولي علّة واحدة بوضوح تمانع الضدّين و ظهور مقدّمة عدم المانع مصادرة محضة في قبال الدّليل المذكور و دعوى كون إرادة فعل الضدّ علّة لترك ضدّه أولا ثم هما معا يكون علّة لفعل الضدّ جزاف في المكالمة و خروج عن آداب المناظرة بلطائف الحيل و ليس فيه كلّ البعد فإنّ عادات الشجعان إذا ضاق عليهم المجال الفرار عن الميدان و إن أراد منه أن البرهان القائم بكون الضدّ مانعا حاكم بفساد ما يقتضيه الوجدان ففيه أنّ البرهان في مقابل الوجدان ممّا يقال فيه إنّه شبهة في مقابل البداهة لأنّ البرهان ما يكون منتظما من المقدّمات البديهية و غير خفي أنّ الوجدانيّات أبده البديهيات حتى المحسوسات فإذا وقع الخلف و الاختلاف بين البرهان و الوجدان كشف ذلك إجمالا عن فساد الدّليل فإن أبى إلاّ عن منع الوجدان فلا عليه سوى الاتهام بالاعوجاج أو سلوك طريق اللّجاج و كفي بذلك عارا و للمستدل افتخارا (و الحاصل) أنّ صريح الوجدان شاهد بأن ترك الضدّ إما مستند إلى إرادة الضدّ الآخر كاستناده إليها و ينبعث منها كانبعاثه أو إلى الصّارف الّذي هو مقارن للإرادة و على التقديرين لا يكون لأحدهما تقدم طبعي على الآخر فكيف يكون مقدمة شرطية له و الجواب عن ذلك بأنّه لا منافاة بين استناد ترك الضدّ إلى إرادة الضدّ الآخر و بين كونه مقدّمة له أيضا بدعوى الترتيب في الاستنادين و تقدّم استناد الترك على استناد الفعل إمّا يرجع إلى إنكار الوجدان و إمّا يكون فرارا عن الميدان و كلاهما كما ترى‏

الثّاني‏

ما ذكره المحقق السّبزواري (قدّس سرّه) في رسالته المعمولة في مقدّمة الواجب من أنّ ترك الضدّ أمر عدميّ لا يصلح أن يكون مقدّمة للأمر الوجودي و يستفاد من كلامه الاستدلال عليه بوجوه (أحدها) أن الأعدام غير قابلة للتأثير و قد صرّح أهل المعقول بأن العدم لا يعلّل و لا يعلّل به (و ثانيها) أنّ العدم لا يصلح أن يكون متعلّقا للطّلب لأنّه شي‏ء حاصل فطلبه تحصيل للحاصل (و ثالثها) أنّ العدم أمر انتزاعي اعتباري صرف و الأمر الاعتباري لا يصلح مناطا لشي‏ء من الأحكام الشرعية و العقلية فلا يتعلق به وجوب المقدّمة الّذي هو من الأحكام الشرعيّة و حيث ورد في الشرع خطاب متعلّق بالترك بحسب الظّاهر فلا بدّ من تأويله و إرجاعه إلى ما ينتزع منه من الأمور الوجودية و يضعّف (الأوّل) بأنّه إن أراد أن العدم لا يكون مؤثرا في شي‏ء فهو مسلّم و ليس بضائر و إن أراد أنّه لا يصلح أن يكون شرطا لتأثير مؤثر فهو ممنوع و شتان بين الوجهين أ لا ترى أنّ قابلية المحلّ ليس مؤثرا إلى شي‏ء مع أنها شرط لتأثير المؤثر فعدم الضدّ لا مانع عقلا من أن يكون شرطا لتأثير مؤثر الضدّ الآخر بل الأمر كذلك في عدم المانع الّذي جعلوه من الشرائط فإن شرطية ذلك غير مبنيّة على كونه مؤثرا بل على كونه موقوفا عليه لتأثير المقتضي و يضعّف (الثّاني) و هو عدم قابلية العدم للطّلب بأنا إن قلنا إنّ الطّلب غير الإرادة فحال الطلب الغيري هنا كحال النواهي الأصلية المتعلّقة بالأفعال فإنّ الطّلب فيها أيضا متعلّق بالترك و هو أمر عدمي فما يقال في الجواب عن هذا الإشكال هناك من إرجاع الترك إلى الكف أو استمرار الترك أو غير ذلك ممّا ذكروه هناك فهو الجواب هنا و إن قلنا إنّه عين الإرادة كما هو المختار فليس مفاد النهي سوى المفسدة و المبغوضية كما أن مفاد الأمر هي المصلحة و المحبوبية و كلّ من الأمرين متعلّق بالفعل دون الترك كما لا يخفى و يضعّف (الثّالث) بأن الأمر الانتزاعي لا بدّ أن يكون من سنخ المنتزع منه فالمنتزع من الوجودي لا بدّ أن يكون وجوديّا فكيف ينتزع من الوجودي و هو الضدّ أمر عدمي‏

375

و هو ترك ضدّه و هل يتفوه به ذو مسكة فهذا الوجه بمكان من الضّعف و الفساد

الثّالث‏

أنّ ترك الضدّ لو كان مقدّمة لفعل ضدّه لكان الفعل أيضا مقدّمة للترك لأنّ منشأ التوقف هي المانعية حيث علّلوه بها و إلا فلا دليل لهم على التوقف و من الواضح تساوي الضدّين في المانعية فإذا كان عدم الضدّ شرطا كان وجود الآخر مانعا و مقتضاه توقف كلّ من الترك و الفعل على الآخر و إن كان توقف الفعل على الترك توقف المشروط على الشرط و توقف الترك على الفعل توقف المسبّب على السّبب و هو أولى من الأوّل لأن توقف المسبّب على السّبب آكد من توقف المشروط على الشرط و هو دور محال كما أشار إليه سلطان العلماء (قدّس سرّه) في كلامه الآتي لكن المحقق السّبزواري جعل جهة التوقف في الجانبين العلّية قال ما لفظه ثم في جعل الأضداد مانعا من حصول الحرام نظر إذ لو كانت المانعية من الطرفين لاستواء النّسبة فإذا كانت الصّلاة مثلا مانعة من الزنا كان الزنا أيضا مانعا منها و حينئذ كان الزنا موقوفا على عدم الصّلاة فيكون وجود الصّلاة علّة لعدم الزّنا و الحال أن عدم الزنا علّة لوجود الصّلاة لأنّ رفع الشي‏ء مانع من عدم وجوده فيلزم أن تكون العلّية من الطّرفين و هذا خلف انتهى و لا يخفى أن علّية عدم الزنا لوجود الصّلاة إنما هو لكونه جزءا أخيرا للعلّة التامة فيرجع إلى الوجه الّذي ذكرناه و أشار إليه سلطان العلماء (قدّس سرّه) في كلامه المحكي عن حاشية العضدي بقوله فلو كان ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه فيكون فعل الضدّ مقدّمة لترك ضدّه أولى بالإذعان و لما كان منشأ توهم التوقف هو المقارنة الاتفاقية حصل ذلك الاشتباه في المقامين مع أنّه محال انتهى و المراد بالمقامين الترك و الفعل و بالاشتباه اشتباه التوقف فإنّ القوم اشتبه عليهم الأمر في الأوّل فزعموا أن الترك مقدّمة للفعل و الكعبي اشتبه عليه الأمر في الفعل فزعم أنه مقدّمة لترك الحرام و الحاجبي و العضدي جمعا بين الاشتباهين كما نصّ على ذلك في حاشية المعالم و قوله مع أنه محال إشارة إلى الدّور (قلت) قد كثر الكلام في رفع غائلة المقام و طال التشاجر بين الأساطين العظام إلاّ أنهم لم يأتوا بشي‏ء يرتفع به اللّثام عن وجه المرام و خير ما ذكر هنا ما أفاده بعض المحققين الأعلام حيث اشتمل على كلّ ما قيل أو يقال في الجواب عن الدور قال ما لفظه إن وجود الضدّ من موانع الضدّ الآخر مطلقا فلا يمكن فعل الآخر إلا بعد تركه و ليس في وجود الآخر إلا شائبة كونه سببا لترك ذلك الضدّ إذ لا ينحصر السّبب في ترك الشي‏ء في وجود المانع منه فإن انتفاء كلّ من أجزاء العلّة التامة علّة تامة لتركه و مع استناده إلى أحد تلك الأسباب لا توقف له على السّبب المفروض حتى يرد الدّور ثم أورد على نفسه بأنّه إذا فرض انتفاء سائر الأسباب و انحصار الأمر في السّبب المفروض يعني وجود المانع الّذي هو الضدّ فيجي‏ء الدّور ثم أجاب عنه بأن هذا الغرض غير ممكن لأنّ فعل الضدّ مسبوق بإرادته و هي كافية في التّسبب لترك ضدّه فلا يتحقق إسناد ترك الضدّ إلى وجود ضدّه لكونه مسبوقا بالإرادة و هي صارفة عن الآخر ثم أورد على نفسه بأنّه يجري الكلام المزبور بالنّسبة إلى إرادة الضد لمضادتها مع الضدّ الآخر ثم أجاب عنه بمنع المضادة و أن مجرّد امتناع الجمع بين الأمرين لا يقتضي المضادة إذ قد يكون الامتناع عرضيّا كما في المقام فإن امتناع اجتماع إرادة أحد الضدّين مع الضدّ الآخر من جهة تضاد هذه الإرادة لإرادة الآخر و لذا كانت إرادة أحدهما صارفة عن الضدّ الآخر ثم أورد على نفسه بأنّه يجري الكلام بالنّسبة إلى الإرادة المفروضة و إرادة الضدّ الآخر فيلزم الدّور لأن حصول الإرادة المفروضة سبب لعدم إرادة الضدّ الآخر لما ذكر من أنّ وجود أحد الضدّين سبب لانتفاء الآخر مع أنّ وجودها يتوقف على انتفاء الآخر بناء على كون عدم الضدّ شرطا في حصول الآخر ثم أجاب عنه بأن إرادة الفعل و عدمها إنما يتفرع على حصول الداعي و عدمه فقد لا يوجد الدّاعي إلى الضدّ أصلا فيتفرع عليه عدم الإرادة من غير أن يتسبّب ذلك من إرادة الضدّ الآخر بوجه من الوجوه و قد يوجد الدّاعي لكن يغلبه الداعي إلى الضدّ الآخر المأمور به مثلا فلا يكون عدم الإرادة حينئذ أيضا مستندا إلى إرادة الضدّ بل إلى غلبة داعية و على أيّ حال فلا تأثير لنفس الإرادة في انتفاء الإرادة الأخرى ثم أورد على نفسه بأنا نجري الكلام و الإيراد بالنّسبة إلى غلبة الداعي إلى الضدّ المأمور به و غلبة الداعي إلى ضدّه لكونهما ضدّين أيضا

و قد صار رجحان الداعي إلى الفعل سببا لانتفاء رجحان الداعي إلى ضدّه و المفروض توقف الرجحان المزبور على انتفاء رجحان داعي الضد فيلزم الدّور ثمّ أجاب عنه بأنه لا سببيّة بين رجحان داعي الفعل و بين انتفاء رجحان داعي ضدّه بل رجحان الداعي إلى الفعل إنما يكون بعين مرجوحية الداعي إلى الضدّ فهما حاصلان في مرتبة واحدة من غير توقف بينهما حتى يتقدّم أحدهما على الآخر في المرتبة فرجحان الداعي إلى المأمور به مثلا مكافئ في الوجود لمرجوحية الداعي إلى ضدّه إذ الرجحانية و المرجوحية من الأمور المتضايفة و من المقرر عدم تقدم أحد المتضايفين على الآخر في الوجود انتهى كلامه ملخّصا و هذا الكلام مع اشتماله على التهاون و التناقض حيث صرّح أولا في رفع الدّور بأن ترك الضدّ مستند إلى إرادة الضدّ الآخر لا إلى نفسه ثم التجأ في الجواب عن السّؤال الثالث إلى استناد الترك إلى عدم الداعي و تنافيهما ممّا لا ينبغي أن يخفى يرد عليه وجوه (أحدها) أنّ مقدّمية ترك الضدّ مبنية على أن يكون فعل الضدّ مانعا مؤثرا في عدم الآخر و يكون العدم مستندا إليه كما هو شأن المانع‏

376

و إلا لم يكن مانعا و مع استحالة ذلك كما هو صريح كلامه كيف يكون ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه أ و ليس الموقوف على المحال محالا و قد سبقه إلى دعوى استحالة الفرض المذكور المحقق الخوانساري في الرّد على المحقق السّبزواري المورد للدّور على القائل بمانعية فعل الضدّ في كلامه المتقدم ذكره بما لفظه و إن أراد به أنّه إذا فرض أنّ جميع أجزاء العلّة التامة للزنا حاصل سوى عدم الصّلاة فحينئذ عدم الزّنا موقوف على وجود الصّلاة و وجود الصّلاة موقوف على عدم الزنا فيلزم الدور ففيه أنّه يجوز أن يكون هذا الفرض محالا و امتناع علّية الشي‏ء لعلّته على تقدير محال ممنوع انتهى و إنّما الفرق بينهما أنّه (رحمه الله) ادّعى القطع بمحالية ذلك الفرض و تصدى لإقامة الدليل على الاستحالة و المحقق الخوانساري اقتنع باحتمال الاستحالة و ما أوردنا و إن كان واردا عليه أيضا إلا أنّ احتمال الاستحالة فيما هو بصدده من إبطال دليل السّبزواري على لزوم الدّور ردا يكون أسلم في آداب المناظرة حيث إنّ السّبزواري ادّعى أن كون الضدّ مانعا يستلزم أن يصير الشي‏ء علّة لعلّته و هو دور محال و قابله بأن علية الشي‏ء لعلّته و كونه دورا موقوف على فرض محال و الموقوف على المحال راجع إلى قضية شرطية و صدق الشرطية لا ينافي محالية الشرط كما في قوله تعالى‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فتكون مانعيته المقتضية للدّور أي كون الشي‏ء علّة لعلّته أمرا جائزا و إنّما يكون ممتنعا لو ترتب عليه المحال مطلقا أمّا لو كان ترتب المحال مشروطا بفرض محال فهو ليس بمحال فما ذكروا من كون الضدّ مانعا و تركه مقدّمة سليم عن قيام البرهان على امتناعه و أين هذا من دعوى القطع باستحالة الفرض و التعرّض لإقامة الدّليل عليه و الحاصل أنّ المحقق السّبزواري ادّعى محالية كون الضدّ مانعا و أقام عليه البرهان فصار في المقام مدّعيا و المحقق الخوانساري (رحمه الله) أنكر عليه دعوى الاستحالة و خرق برهانه بإبداء الاحتمال الّذي يبطل به الاستدلال و بين المقامين بون بعيد و إن اشتركا في وضوح الفساد لأنّ الإمكان الفرضي لا ينافي الامتناع الفعلي فإذا كانت المانعيّة موقوفة على فرض محال اجتمع فيه أمران الاستحالة العقلية و الإمكان الفرضي و من البيّن أن المقدّمة المبحوث عنها في الأصول ما كان مقدميته محققا ثابتا لأنّ المقدّمية الفرضية المحالية بحسب الوجود الخارجي لا يتصف بالوجوب و إن كانت ممكنة على فرض محال فتدبر و افهم (و ثانيها) أنّ دعوى استحالة الفرض المذكور غير مسلّمة على نحو الإطلاق و لو تمت فإنّما هي في نفس الضدّين إذ يمكن أن يقال إنّ استناد ترك الزنا مثلا إلى الصّلاة مبنيّ على فرض محال أمّا في إرادتي الزنا و الصّلاة فهي غير مسلّمة مع أنّ الإرادتين أيضا متضادتان لا يجتمعان في الوجود و لكلّ منهما مقتضى يقتضيه فمقتضى إرادة الصّلاة هو الوعد و الوعيد الإلهي و مقتضى إرادة الزنا هي الشهوة النفساني و الشوق النفساني فيجري الدليل في الإرادتين و يثبت به الدّور و لا يأتي فيهما ما ذكره لأنّ عدم إرادة الزنا ليس مستندا إلى إرادة الصّلاة قطعا و الحاصل أنّ مقتضى الضدّين قد يجتمعان في الوجود و لا تضاد بينهما و هنا لا يمكن دعوى استناد ترك أحدهما إلى مقتضى الآخر ضرورة استناده حينئذ إلى عدم مقتضيه لا إلى وجود مقتضى الآخر فعلى فرض التمانع يلزم الدّور (فإن قلت) إنّ المقتضى في الفرض المذكور هو غلبة داعي الصّلاة على داعي الزنا دون نفس الداعي لاستحالة وجود أحد المعلولين عند تعارض العلّتين المتساويتين في المرجح فلا بدّ في وجود أحدهما دون الآخر من غلبة داعية فيتم الجواب على الوجه المذكور بدعوى استناد عدم إرادة الزنا إلى غلبة داعي الصّلاة الباعثة على إرادتها فتكون إرادتها و عدم إرادة الزنا مستندين إلى شي‏ء واحد و هو غلبة داعي الصّلاة و منع استناد عدم إرادة الزنا إلى غلبة داعي الصّلاة مكابرة بالعيان و مصادمة للحسّ و الوجدان (قلت) غلبة الداعي ليس أمرا زائدا عن حقيقته متأصلا و متحققا في الخارج قابلا لاستناد عدم الإرادة إليه بل هو عنوان ثانوي منتزع من تأثير أحد الداعيين دون الآخر فإذا رأينا وجود أحد المسبّبين دون الآخر حكمنا بعلّة مقتضية على مقتضى الآخر إذ من البين أن العلّة أو السّبب في الأفعال الاختيارية هو الإرادة و أنّها تنبعث من الدّواعي الخارجية و ليس وراء الداعي شي‏ء آخر يعبّر عنه بالغلبة (فإن قلت) الترجيح بلا مرجح محال فيما إذا يوجد أحد المعلولين دون الآخر فلو لم يكن هناك شي‏ء يترجح به أحد الداعيين على الآخر لزم الوقوف و

التعطيل و أن لا يوجد شي‏ء من الضدّين لتعارض العلّتين نظير تعارض الدّليلين اللّذين لا مرجح لأحدهما على الآخر مع أنا كثيرا ما نجد اختيار الفاعل أحدهما دون الآخر و هذا يكشف عن وجود المزية لأحد الداعيين و تلك المزية هي المستند لانتفاء إرادة الآخر فيتم الجواب المذكور (قلت) المرجح هو اختيار الفاعل و المسألة تنتهي و تنجر إلى مسألة الجبر و التفويض و لتحقيقها محلّ آخر (و ثالثها) أن خاتمة كلامه استقرت على أن إرادة أحد الضدّين مستندة إلى غلبته الداعي و انتفاء إرادة الآخر إلى مغلوبية الداعي و الغالبية و المغلوبية من الأمور المتضايفة الّتي لا توقف و لا ترتب بينهما و هذا على خلاف مقصوده أدل إذ من الواضح أن العلتين إذا كانتا في مرتبة واحدة بأن تكونا متضايفين أو معلولي علّة واحدة كان معلولاهما أيضا كذلك و كذا إذا كان لمعلوليهما معلول آخر و هكذا جميع المعلولات المتناولة فإنّ النّسبة الملحوظة في المرتبة العليا ثابتة في جميع تلك المراتب المتنازلة المتسافلة و يمتنع أن ينقلب تساوي الرتبة

377

في العلّتين إلى الترتب الطبعي بين المعلولين و إلاّ لزم تخلّف المعلول عن العلّة كما يظهر بالتأمّل (رابعها) أن مرجع الجواب عن الدور بهذا الوجه إلى الدليل الوجداني الّذي أقيم على عدم كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّ حيث إن القائل بكون الترك و الفعل متقارنان متساويان في الرتبة و ليس لأحدهما تقدم على الآخر حتى يكون مقدّمة له يقول إن ترك الضدّ و فعل الضدّ يتبعان من شي‏ء واحد و هي إرادة الضدّ مثلا و أن كلامهما يستند إليها و لا مدعى له سواء فقد تضمّن الجواب المذكور على دعواه و جرى الحق بلسان المجيب من حيث لا يشعر و الحاصل أن ضرورة الوجدان قاضية بأنّ السّبب الداعي إلى أحد الضدّين صارف عن الآخر أو مقارن له فيكون وجود الضدّ و عدم الآخر إمّا مسبّبين من سبب واحد أو من سببين متساويين في الرتبة فيكونان في مرتبة واحدة من غير ترتب أحدهما على الآخر

الرّابع‏

من الأدلّة أن ترك الضدّ لو كان مقدّمة لفعل ضدّ لكان فعل الضدّ أيضا مقدّمة للترك بل هو أولى بالإذعان حسبما فصل في الدليل السّابق و حينئذ يلزم قول الكعبي بانتفاء المباح رأسا و انحصار الأحكام بالواجب و الحرام و هو باطل شرعا كما أنّ الدّور محال عقلا و إليه ينظر كلام سلطان العلماء (قدّس سرّه) في حاشية العضدي كما نقلنا سابقا و هذا الدليل و الدليل السّابق كلاهما متفرعان على بطلان التالي و هو كون الفعل أيضا مقدّمة للترك لكن السّابق يكفي فيه إثبات الملازمة بين الشرط و الجزاء في تلك القضية الشرطية و هذا الدّليل يتوقف مضافا إلى إثباتها على مقدّمتين أخريين إحداهما وجوب ترك الحرام و الأخرى وجوب مقدّمة الواجب و لأجل ذلك أجيب عنه بوجوه أخر مضافا إلى الوجه الّذي أجيب به عن الأوّل فإنّه الوجه المشترك بين الدّليلين و سائر الأجوبة مختصّة بهذا الدليل و لا مساس لها بالدليل السّابق و يأتي الكلام عن قريب إن شاء الله في بيانها و بيان ما فيها صحّة و سقما

بقي الكلام في التفصيل بين الرفع و الدّفع‏

الّذي نقلناه عن المحقق الخوانساري بعد أن أورد كلام السبزواري (رحمه الله) و أورد عليه بما لا يهمنا ذكره ما لفظه و هاهنا كلام آخر و هو أنه يجوز أن يقال إن المانع إذا كان موجودا فعدمه ممّا يتوقف عليه وجود الشي‏ء و أمّا إذا كان معدوما فلا نظير ما قال المحقق الدّواني إن عند إمكان اتصاف شي‏ء بالمانعية فلا يكون حينئذ عدم المانع موقوفا عليه و على هذا لا يلزم على المجيب دوران حمل كلامه على ظاهره أيضا و بالجملة الحكم بتمانع الأضداد ممّا لا مجال لإنكاره و في كلام الشيخ الرئيس أيضا التصريح بتمانعها كيف و أيّ شي‏ء أولى بالمانعية من الضدّ فلا وجه للإيراد على المجيب بأنّه جعل الضدّ مانعا نعم لو قيل إن عدم المانع مطلقا ليس موقوفا عليه بل هو من مقارنات العلّة التامة كما ذهب إليه بعض لم يكن بعيدا لكن هذا بحث لا اختصاص له بالمجيب و بمقامنا هذا و لا يخفى أنّه على هذا الجواب عن الشبهة في غاية الظهور انتهى (قلت) و هذا التفصيل خير الأقوال الّتي عثرتها في مقدمة ترك الضدّ متى ركن إليه شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) و الدّليل على الجزء الثبوتي منه و هو كون رفع الضدّ الموجود موقوفا عليه لوجود الضدّ المعدوم هو دليل المشهور من كون الضدّ مانعا و عدم المانع مقدّمة فيأتي فيه ما عرفت في ذلك ردّا و قبولا و نزيد هنا (فنقول) إنّ مجرد الضدية لا يقتضي بالتمانع كيف و قد نرى بالوجدان بل نشاهد بالعيان أن بعض الأضداد ليس مؤثرا و علّة لفناء الآخر حتى يكون مانعا عنه و ذلك مثل السّواد و البياض فإنّهما ضدّان بالضرورة مع أن أحدهما ليس مانعا عن الآخر إذا كان موجودا قبله بل متى وجد المقتضي للسّواد أثر أثره حال اشتغال المحلّ بالبياض كحال فراغه عنه و كذا الحال لسائر الأضداد القارة فإنّ وجود شي‏ء منهما لا يمنع عن تأثير مقتضى الآخر بل يرتفع بمجرّد مقتضيه فيكون ارتفاعه و وجود ضدّه مستندين إلى نفس المقتضى و هذا يدلّ على أن صرف التضاد لا يوجب التمانع إذ المانع من شأنه منع تأثير المقتضى و مع عدم المنع كيف يكون مانعا و أيضا يجوز أن يكون عدم أحد الضدّين و الضدّ الآخر معلولي علّة واحدة كالحرارة و البرودة و الموت و الحياة و النور و الظّلمة و الحركة و السّكون فإنّ علّة وجود الحرارة مثلا هو علّة عدم البرودة و هكذا فالضدّية شي‏ء و المانعية شي‏ء آخر لا ملازمة بينهما فالحكم بالمانعية بمجرّد الضدّية لا سبيل إليه و لا دليل عليه سوى أنّهما لا يجتمعان و قد سبق غير مرّة أن عدم الاجتماع أعمّ من التمانع و أمّا الجزء السّلبي و هو منع مقدّمية العدم المقارن الّذي عبّرنا عنه بالدّفع فليس دليله مذكورا في كلامه و لا في كلام غيره بل هو من متفرداته الّتي لم نجده لغيره سابقا و لا لاحقا و يمكن أن يكون مستنده أمرين (أحدهما) أن مقدّمة الشي‏ء ما كان مقدّما عليه زمانا كما يشعر به عنوان المقدّمية فما كان مقارنا مع الشي‏ء فليس هو مقدّمة له و إن كان مفتقرا إليه بالذات و لذا لا يعدون الجزء من المقدّمات مع أنّ الافتقار إليه أشدّ و آكد (و ثانيهما) أنّ عدم الضدّ صار مقدّمة للآخر من حيث كون عدم المانع مقدّمة و غير الموجود ليس بمانع فلا يكون عدمه مقدّمة للضدّ الآخر و ضعف الوجهين مما لا يخفى (أمّا الأوّل) فلأنّ المقدّمة عندهم منقسمة إلى شرط و سبب و فسّروا الشرط بما يلزم من عدمه العدم و هذا كما يصدق على عدم المانع الموجود كذلك يصدق على عدم المانع المعدوم و لذا أطلقوا مقدّمية عدم المانع و لم يفصّل هذا التفصيل أحد و الحاصل أنّ مناط المقدّمية هو التقدم الطبعي‏

378

دون التقدم الزماني نظرا إلى ما هو كالبديهيات في معنى المقدّمة فسلب المقدّمية و الموقوفية عن عدم الضدّ المعدوم بعد الاعتراف بتمانع الضدّين و إنكاره على المحقق السّبزواري (رحمه الله) القائل به ممّا لا يرجع إلى محصّل نعم المقدّمات المقارنة مقدّمات حاصلة فإذا صدر الأمر بشي‏ء تعلّق الوجوب المقدّمي بما عداها فالوجوب المقدّمي لا يتعلّق بعدم ضدّ المأمور به إذا كان معدوما و هو الدفع لأنّه باعتبار كونه مقدّمة حاصلة يمتنع تعلّق الطّلب بها لكونه تحصيلا للحاصل فهذا التفصيل يرجع إلى التفصيل في وجوب عدم الضدّ من باب المقدّمة إلى التفصيل في أصل عنوان كونه مقدّمة لفعل الضدّ و عدم صدق المقدمة على الجزء ممنوع بل المصرّح به خلافه و إن ادعي الإجماع على وجوبه نظرا إلى حيث كونه جزءا كما سبق مفصّلا في المسألة السّابقة و حينئذ لا مفر له عن الدّور الّذي أورده المحقق السبزواري و غيره حسبما قرر مستوفي (و أمّا الثّاني) فلأنّ دعوى الفرق في المقدّمية بين عدم المانع الموجود و بين عدم المانع المعدوم مصادرة بينة و مع ذلك يرد عليه أنّ منشأ المقدّمية إن كان إمكان وجود المانع فهذا موجود في الضدّ المعدوم أيضا و إن كان هو فعلية الوجود فلا بدّ من التفصيل في الرفع أيضا بين ما كان مقتضى الضدّ المعدوم موجودا و بين ما كان معدوما بالتزام التوقف و المقدّمية في الأوّل دون الثاني لأنّ صرف الوجود من دون الاتصاف بفعليّة المانعية غير مجد و فعلية المانعية إنما تتحقق عند وجود مقتضى الضدّ الآخر لا مطلقا فرفع الضدّ بناء على اعتبار فعلية المانعية في مقدّمية عدم الضدّ قد يكون موقوفا عليه و قد لا يكون و هذا التفصيل بعينه جار في دفع الضدّ أيضا فليس هذا تفصيلا بين الدفع و الرفع بل بين وجود مقتضى أحد الضدّين و عدمه بالتوقف على ترك الضدّ الآخر في الأول دون الثاني و أنت خبير بأنّ الأمر إذا آل إلى ذلك تعيّن القول بعدم كون ترك الضدّ مقدّمة مطلقا أمّا في صورة عدم وجود المقتضى فبحكم الفرض حيث اعتبر فعلية المانعيّة في كون عدم المانع مقدّمة و أمّا في صورة وجود المقتضى فإنّه هو الفرض الّذي قال بامتناعه و ليس هنا فرض ثالث تظهر فائدة القول بالمقدّمية في ذلك كما يظهر بالتأمّل هذا مضافا إلى ما يرد عليه من لزوم اجتماع الضدين فإنّ وجود أحد الضدّين يكشف عن وجود مؤثره و مقتضيه و اتصاف الضدّ الآخر بالمانعية لا يكون إلا بعد وجود مقتضيه أيضا فيلزم اجتماع مقتضى الضدّين و هو محال لأن المقتضيين أيضا ضدّان كما يقولون و أيضا يلزم الترجيح بلا مرجح بناء على افتقار بقاء الحادث إلى التأثير في كلّ آن و هو واضح ثمّ لا يخفى بعد اللّتيا و الّتي أنّ هذا التفصيل في مسألة الضدّ الّتي كلام القوم فيها غير نافع و لا ضار لأنّها انعقدت للبحث عن حال الأضداد المعدومة الراجعة إلى الأفعال الاختيارية و أن ترك ضدّ المأمور به هل يجب مقدّمة حتى يحرم فعله أم لا و أمّا مثل السّواد و البياض من الأضداد القارة الخارجية فلا يتعلّق بتركها غرض أصولي (و الحاصل) أنّه إذا أمر الشارع بإزالة النّجاسة عن المسجد مثلا فهل يجب مقدّمة ترك الصّلاة أم لا و المشهور بين العلماء على ما قيل هو الوجوب لكونه مقدّمة و مذهب السّبزواري (رحمه الله) عدم الوجوب لمنع كونه مقدّمة وفاقا لجمع من المحققين و بناء على على التفصيل المذكور لا يجب ترك الصّلاة لكونه دفعا لا رفعا فهذا المحقق وقع فيما مرّ و التزم بمقالة الخصم من حيث لا يشعر هذا ما اقتضاه الحال في المقام الأول من المقال و منه يظهر الكلام في المقام الثاني الّذي هو كون الفعل مقدّمة للترك فالدّليل الدليل و الرّد الردّ فلا حاجة إلى بيان حجج سائر الأقوال في هذه المقدّمة و أجوبتها غير أن ما ذهب إليه الحاجبيان من القول بالتوقف في الجانبين ممّا لا ينبغي صدوره عن عاقل فكيف عن عالم لاستلزامه الدّور البين و هما أجل من الغفلة عن ذلك و لم أجد من تعرض لرفع هذا الاستحباب مع وضوحه و بلوغه إلى مراتب العجب و الغرابة و الّذي يخالجني أن يقال إنّ الدور إنّما يلزم على القول بالتوقف في الجانبين في مورد واحد فلو اختلف المورد لم يلزم دور و هو أن يكون توقف الفعل على الترك في صورة و توقف الترك على الفعل في أخرى و الأمر كذلك في هذا القول المعزى إليهما لأنّهما قالا في مسألة الضدّ بأنّ الترك مقدّمة للفعل و قالا أيضا في شبهة الكعبي بأن الفعل مقدّمة للترك و المقامان متفاوتان لأن‏

الواجب في المقام الأول هو الفعل و في المقام الثاني هو الترك فلعلّه في المقام الأول يقولان بمقالة المشهور من كون الترك مقدّمة دون الفعل و في المقام الثاني بمقالة الكعبي من كون الفعل مقدّمة للترك لكونه مانعا دون الترك لكونه مقارنا و بهذا يرتفع العجاب عمّن زعم أنّه من أولي الألباب و إن كان فاسدا بالبرهان المتقدّم الفاصل للخطاب و اللّه الهادي إلى طريق الصّواب و عمّن زعم عكس القول المشهور و هو القول بأنّ الفعل مقدّمة للترك لكونه مانعا دون الترك لكونه مقارنا كما نسب إلى الكعبي فإنّ الفرق بالإثبات في الإثبات و النفي في النفي لا يتم إلاّ بذلك و أمّا بما استدلّ به بعض المحققين لهذا القول تارة بأن الترك لا ينفك عن الفعل فيكون موقوفا عليه و أخرى بأنّ الفعل مانع و المانع مقدّمة فهو مع ما في الأوّل منهما من المصادرة لأن مجرّد عدم الانفكاك أعم من المقدّمية إنما ينهض دليلا على الجزء الثبوتي من المدّعى و هو كون الفعل مقدّمة للترك لا على الجزء السّلبي أيضا أعني‏

379

عدم كون الترك مقدّمة حتى يتم التفصيل‏

تذنيب [الكلام في نقل أدلة الكعبي بانتفاء المباح و تقرّر ما قيل في جوابها]

قد اشتهر عن الكعبي القول بانتفاء المباح رأسا و ربما نسب إلى جماعة أخرى مطلقا و حيث استصحبوا دفع هذه الشبهة حتى اعترف الآمدي في محكي الأحكام بأنه لا حاسم لها فالحري تقريرها بأدلّتها و تقرير ما قيل أو يقال في جوابها (فنقول) قد استدل على انتفاء المباح بوجوه‏

الأوّل‏

و هو العمدة أن ترك الحرام واجب و هو لا يتم إلا بفعل من الأفعال و ما لا يتم الواجب إلا به واجب فيكون فعل المباح واجبا بالوجوب المقدّمي و هذا الدّليل مركب من مقدّمات هي وجوب ترك الحرام و توقفه على فعل من الأفعال و وجوب المقدّمة بالنظر إلى هذه المقدّمات أجيب عنه بوجوه (الأوّل) أنّ ترك الحرام قد يكون مع انتفاء بعض شرائط التكليف من العلم و القدرة و غيرها من الشروط العقليّة و الشرعية و المباحات في هذه الحالة تبقى بحالها فلا يلزم انتفاء المباح رأسا و أوّل من أشار إليه ممن وقفنا عليه المحقق السبزواري قال بعد إيراد الدّليل المذكور و رده بمنع مقدمية ترك الضدّ على الوجه الّذي بيناه من بطلان تمانع الأضداد ما لفظه و يمكن أن يقال إذا حصل ترك الحرام بارتكاب فعل ما بحيث صار ذلك الحرام ممتنع الصّدور من المكلّف في الزمان الثاني ففي الزمان الثاني لا يكون مكلّفا بالترك لأن التكليف فرع القدرة فلا يجب عليه فعل ما لأجل الترك المذكور بل كلّما صدر عنه كان متصفا بالإباحة حينئذ و كذلك صدور الحرام عن بعض الجوارح قد يكون ممتنعا في بعض الأوقات بناء على انتفاء شرائط التمكن و حينئذ لا يكون مكلّفا بالترك كما بيّناه فكل فعل صدر عنه في ذلك الوقت كان متصفا بالإباحة فلا يلزم انتفاء المباح رأسا انتهى و أورد عليه بأن انتفاء الوجوب بالعرض لا ينافي الوجوب الذاتي الأولي المجعول عند جعل الأحكام كما أنّ الأمر كذلك في جميع الواجبات كالصّلاة و الصّوم و الجهاد و نحوها فإن كونها واجبات شرعا لا ينافي عدم تعلّق الوجوب أحيانا و وجوب المباح بالوجوب الغيري لا يزيد عن وجوب الواجبات النفسيّة و غرض الكعبي أنّ الشارع بعد ما أوجب أفعالا و تروكا لم يبق محلّ للإباحة لأنّ ما عداهما يتصف حينئذ بالوجوب المقدّمي قهرا فليس الإباحة من الأحكام المجعولة و هذا لا ينافي خروج الواجبات و المحرّمات و مقدّماتها عن الوجوب و الحرمة الفعليّين نعم لو كان مراده نفي المباح مطلقا و لو بالعرض كان الإيراد المذكور متجها على الدليل المذكور و يدفعه أنّ المقدمية من العناوين الثانوية فغاية ما يقتضيه سراية الوجوب المقدّمي إلى ما عدا الواجبات و المحرمات من حيث كونها مقدّمة لفعل واجب أو ترك حرام بحسب الجعل الأولي و هو لا ينافي جعل حكم آخر أوّلا و ابتداء مغايرا للوجوب للأفعال من حيث عناوينها الأولية فنصب السلّم يكون واجبا من حيث كونه مقدّمة و مباحا من حيث عنوان نفسه و تظهر الثمرة عند انتفاء الوجوب المقدّمي و الحاصل أن الشارع جعل لنصب السّلم حكمين مختلفين عند جعل الأحكام أحدهما الوجوب و الآخر الإباحة و لا تنافي بينهما لاختلاف الحيثية و الجهة و تظهر الثمرة في مورد الافتراق فهذا الردّ متين لا يوهنه ما قيل فافهم و تدبّر (الثّاني) نفي وجوب المقدّمة و عليه بنى الجواب عن الدّليل المذكور جماعة كالحاجبين و صاحب المعالم و منهم الآمدي في محكي الأحكام حتى اعترف بعجزه عن دفع شبهة الكعبي بغير نفي وجوب المقدّمة و حيث كان من القائلين بوجوب المقدّمة قال عسى أن يكون عند غيري حلّه و لصاحب المعالم جواب آخر بعد تسليم وجوب المقدّمة مطلقا و لو لم يكن سببا و أنت خبير بأنه لا كرامة في هذا الجواب إذ الاعتراف بالعجز عن دفع الشبهة أصلي و أخرى من إنكار وجوب المقدّمة الثابت بالإجماع و العقل حسبما مضى في محلّه مع أنه غير مفيد لأن المقدّمة و لو لم تكن واجبة فهي غير قابلة لحكم آخر ممّا يضاد الوجوب حسبما عرفت في مقدّمة الواجب فينتفي المباح أيضا و يحصل غرض الكعبي و أيضا لا يجدي من فصل في وجوبها بين السّبب و غيره كصاحب المعالم لأن فعل الضدّ سبب و مستلزم لترك الضدّ فالإشكال على هذا التفصيل باق بحاله فكيف قال إن القائلين بوجوب المقدّمة ضايقهم المجال في الجواب عن شبهة الكعبي و نحن في سعة من ذلك و نعم ما أورد المدقق الشيرواني (قدّس سرّه) هنا حيث قال و أنت تعلم أن جميع ما نقل يدلّ على أن مراد الكعبي أن كلّ مباح ضدّ الحرام و الضدّ لو كان مقدّما على ترك الضدّ الآخر بالتقدّم الذاتي لكان سببا مستلزما لا شرطا غير مستلزم فشبهة الكعبي كما يرد على القائل بوجوب المقدّمة مطلقا يرد على القائل بوجوب السّبب فقط أيضا انتهى فلو قيل لعلّ مراده بالسّبب العلّة التامة و فعل الضدّ وحده ليس علّة لترك الحرام بل هو مع الصّارف عنه علّة له فلا يلزم القول بوجوب فعل الضدّ قلنا وجوب المجموع كاف في وجوبه لأن‏

جزء الواجب واجب اتفاقا و لو كان مراده بالسّبب الجزء الأخير من العلّة التامة دون المجموع كما احتمله السّلطان (قدّس سرّه) فما أورده الشيرواني (قدّس سرّه) أوضح ورودا لأنّ الجزء الأخير هنا هو فعل الضدّ لتأخره رتبة و زمانا عن الصّارف كما لا يخفى (الثّالث) ما في المعالم أيضا قال و التحقيق في ردّه أن مع وجود الصّارف عن الحرام لا يحتاج الترك إلى شي‏ء من الأفعال و إنّما هي من لوازم الوجود حيث نقول بعدم بقاء الأكوان و احتياج الباقي إلى المؤثر و إن قلنا بالبقاء و الاستغناء جاز خلوّ المكلّف عن كلّ فعل فلا يكون هناك إلاّ الترك و أمّا مع انتفاء الصّارف و توقف الامتثال على فعل للعلم بأنّه لا يتحقق الترك و لا يحصل إلاّ مع فعله فمن يقول بوجوب مقدّمة

380

الواجب مطلقا يلتزم بالوجوب في هذا الفرض و لا ضير فيه كما أشار إليه بعضهم و من لا يقول به فهو في سعة من هذا و غيره انتهى كلامه رفع مقامه (قلت) هذا الجواب مشتمل على جزءين للنظر فيهما مجال (أحدها) أنّ مع وجود الصّارف يكون الترك مستندا إليه و لا يتوقف على فعل من الأفعال (و الثّاني) أنّه مع انتفاء الصّارف و توقف ترك الحرام على فعل من الأفعال وجب من باب المقدّمة أمّا الجزء الثاني فلا يتوقف عليه الجواب و لا مدخلية له فيه صحيحا كان أو فاسدا لكن فيه بحث تعرفه أمّا الجزء الأوّل الّذي به يحصل التفصّي عن شبهة الكعبي لو تم ففيه أن مجرّد استناد الترك إلى الصّارف لا يجدي بعدم كون فعل الضدّ أحد أسباب الترك غاية الأمر ثبوت الوجوب التخييري له و لسائر الأسباب الّتي منها عدم المقتضي أو عدم الشرط و قد التفت إليه بعض من وافقه على عدم استناد الترك إلى فعل الضدّ من الأفاضل فدفعه بأصله الفاسد و هو وجوب المقدّمة الموصلة لأنّ الموصل دائما هو الصّارف فلا يتصف سائر المقدّمات بالوجوب و أنت خبير بأنه راجع إلى الجواب بعدم وجوب المقدّمة مع أنّه بصدد الجواب على فرض الوجوب أيضا و قد يدفع بأن مع وجود الصارف يمتنع استناد الترك إلى فعل المباح فيكون في حكم المقدّمة الغير المقدورة الّتي لا يعرضها الوجوب المقدّمي على القول بوجوبها إذ لا فرق في عدم القدرة بين أن يكون ذات المقدّمة غير مقدورة أو تكون صفة المقدّمية غير مقدورة ففعل الضد ينسلك في سلك المقدّمات الغير المقدورة و يختصّ الوجوب بما عداه من الأسباب و فيه أنّه يرجع إلى قول السّلطان و المحقق السّبزواري و غيرهما فمن يقول بأن فعل الضدّ و ترك الضدّ متقارنان و متساويان في الرتبة لا مقدّمية بينهما لامتناع استناد الترك إلى الفعل ينافي كونه مانعا مؤثرا في العدم كما سبق مفصّلا و على هذا القول لا محلّ لشبهة الكعبي رأسا فإنّها إنّما تلزم القائلين بأنّ الضدّين متمانعين و أن ترك كلّ منهما مقدّمة للآخر و بالعكس فالتحقيق في الجواب عن قيل هؤلاء أنّ الوجوب المقدمي إنما يعرض للقدر المشترك بين الأسباب و التخيير بينها تخيير عقلي لا ينافي ثبوت الإباحة لها و ليس تخييرا شرعيّا حتى ينافي الإباحة و قد أشرنا إليه في بعض المباحث السّابقة و قد عثرت بعد ما سنح لنا هذا التحقيق بكلام لسيّد محققي الحكماء (قدّس سرّه) فوجدته قد سبقني إلى ذلك و لم أجده لغيره فلا علينا نقل كلامه بعين عباراته لاشتمالها على مطالب غامضة قال (قدّس سرّه) إنّ كون طبيعة ما من الواجبات قدرا مشتركا بحسب التحقيق بين أمور معيّنة بحيث لا يتعدّى تحققها تحقق واحد منها البتة إنّما يستوجب الوجوب التخييري إذا كانت تلك العلاقة من تلقاء وضع الشارع حيث يجعل أمورا معينة بحسب أفراد تلك الطبيعة بحسب التحقيق و إن احتمل في تجويز العقل أن يكون هناك فرد آخر تتحقق الطّبيعة بتحققه كما في خصال الكفارة لا إذا كانت هي لزومية طبعية بحيث يحكم العقل بمجرّد لحاظ الطبيعة و تلك الأمور مع عزل النظر عن حكم الشرع أن تحققها يستلزم تحقق واحد منها لا بعينه و يمتنع من دون تحقق شي‏ء منها أصلا فالمعتبر هناك من تلك العلاقة هي الوضعية الشرعيّة بحيث يكون ذلك الاستلزام من جهة الشّرع فإن أوهم أنّه على مقتضى قاعدة التحسين و التقبيح العقليين لا تكون الأحكام مستندة إلى الشرع بل مأخوذة منه فقط إذ يخلو بأن مناط حكم الوجوب التخييري هو ذلك الرّبط الاستلزامي الكاشف عنه الشّرع على المعنى المأخوذ في تلك القاعدة أعني الاستناد إلى جهة مرجحة في ذات الفعل لا الربط اللّزومي العقلي على اصطلاح العلوم العقلية أعني امتناع الانفكاك بحسب حكم العقل بمجرّد لحاظ الحاشيتين فما رمناه هو أنّه لا يكفي هناك مطلق الاستلزام بحسب التحقيق و إن استند إلى الضّرورة العقلية بحيث لا يسوغ عند العقل احتمال تحقق الطّبيعة بنحو آخر بل لا بدّ من اللّزوم المستند إلى جهة مرجحة في ذات الطبيعة الواجبة و ذوات تلك الأمور يكشف الشرع عنها و إن أمكن الانفكاك عند العقل بحسب لحاظ الطّرفين فلئن أعيد التشكيك بأن على تقدير اللّزوم العقلي يمتنع تحقق الطبيعة نظرا إلى ذاتها مع انتفاء تلك الأفراد رأسا فإيقاع الفرد المنتشر ممّا لا يتم إيقاع الطبيعة إلا به و ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب فيكون إيقاع الفرد المنتشر واجبا و يلزم القول بالتخيير أعيد الفحص و قيل فيرجع إلى ما تشبث به الكعبي لحصر الأحكام في الوجوب و الحرمة و هو قياس مغالطي ينحل بأن ما

لا يتم الواجب إلاّ به هو ما يتقدّم على الواجب المطلق تقدّما بالذات تقدّم الموقوف عليه على الموقوف سواء كان التوقف عقلا كما للمركب أو مأخوذا من الشرع و إن كان لجهة رابطة في ذات الفعل كما للصّلاة على الطهارة أو عادة كما لغسل المرفق على غسل جزء متقدّم عليه و لا يشمل ذلك لازم الواجب فإن اللاّزم متأخر بالذات عن الملزوم و الواجب ما يذم و يعاقب تاركه من حيث هو تارك له بالذات و تارك لازم الواجب إنما يتوجه إليه الذم و العقاب بالعرض في جميع أنحاء الاتصافات إنما مفاده و مفاد المجاز العقلي و تحقق الفرد المنتشر إنّما هو لازم لتحقق الطّبيعة لا علّة لها بل يشبه أن يكون حق العلّية هناك بالعكس أ ليس قد حقق في مظانه أنّ الطبيعة لا بشرط شي‏ء تقدّم البسيط على المركب فإذن امتناع الانفكاك هناك لا يستلزم الوجوب التخييري فتثبت و لا تخبط انتهى كلامه عن نسخة غير مأمونة من الغلط و محصّل ما استفدت من هذا الكلام على أغلاطه أن الوجوب التخييري الشرعي يكشف عن صفة محسّنة

381

كاشفة عن طلب الشارع على سبيل التخيير في الأفراد أمّا التخيير العقلي فليس كذلك لأن متعلّق الطّلب هي الطّبيعة فهي الواجدة للصّفة المحسنة و خصوصيّة الفرد من لوازم وجودها لا دخل لها في المطلوب رأسا يستفاد ذلك من قوله (رحمه الله) فإن أوهم و قوله إذ يخلو إلى آخره بالتأمّل و قوله و لئن أعيد التشكيك أراد به دفع ما قد يتوهم من ثبوت الوجوب المقدّمي للفرد في التخيير العقلي أيضا و إن لم يكن متعلّقا لطلب الشارع فكيف لا يتصف بالوجوب الشرعي و هل المدار إلاّ على كون أفراد القدر المشترك متعلّقا للطّلب الشرعي و هو موجود في المقامين أي التخيير الشرعي و العقلي و محصّل الدفع نفي المقدّمية عن الفرد و إنّما هو من لوازم وجود الطبيعة الّتي هي الواجب و أنّ الأمر بالعكس أولى حسبما يقتضيه ما تقرر عندهم من تقدم البسيط على المركب ذاتا و إن أراد غير ما ذكرنا فالمهم هو فكري و كيف كان فإذا كان متعلّق الوجوب المقدّمي هو كلّي السّبب و العلّة دون الأفراد فلا مانع من ثبوت حكم الإباحة للأفراد و الخصوصيات و ليس فيه شي‏ء من المحاذير لاجتماع المتضادين و لا شي‏ء آخر و بما ذكرنا ظهر كمال الفرق بين التخيير الشرعي و العقلي و أن ثبوت الأوّل ينافي ثبوت الإباحة للأفراد للتناقض بين قوله هذا الفرد مطلوب لي و ليس بمطلوب بخلاف الثاني فإن القضية الأولى عادمة هنا إذ الفرد غير مطلوب لا مقدّمة و لا أصالة فليتدبر جيّدا فيحصل من جميع ما ذكرنا أنّ وجوه التفصّي عن شبهة الكعبي من باب المقدّمية أمور (أحدها) منع الملازمة بين وجوب فعل المباح مقدمة و بين انتفاء المباح رأسا لإمكان عدم تعلّق التكليف بترك الحرام في بعض الأحوال (و ثانيها) منع وجوب المقدّمة (و ثالثها) مع كونه مقدّمة لاستناد الترك إلى الصّارف دائما (و رابعها) عدم المنافاة بين وجوب سبب ترك الحرام و إباحة الضدّ نظرا إلى كون الواجب أحد أسباب الترك الّتي منها عدم المقتضي أو انتفاء الشرط من غير أن يتسرى هذا الوجوب إلى خصوص المباح حتى ينافي إباحته و المختار منها هو الأوّل و الأخير هذا ما يتعلّق بالجزء الأوّل من كلام صاحب المعالم و أمّا الجزء الثاني ففي ما ذكره من التزام القائل بوجوب المقدّمة بوجوب المباح لو توقف ترك الحرام عليه أيضا إشكال و إن انتصره بعض موافقيه على ذلك بما ذكره الفقهاء من وجوب النكاح إذا توقف عليه ترك الحرام و تحقيق ذلك أنّ للفرض المذكور صورتان (الأولى) أن يتوقف ترك الحرام على فعل المباح في آن واحد بأن يكون الموقوف عليه هو الترك المقارن و هذه الصّورة مستحيلة لما فيها من الدّور البيّن حسبما مرّ مرارا و لا يجدي في دفعه ما ذكره بعض المحققين من كون فعل الضدّ هنا شرطا إذ يكفي في لزوم الدّور مطلق التوقف فعلى أصلهم من كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ مطلقا لا محيص عن الدّور و تمام البحث فيه مشبعا مضى في غير موضع (الثّانية) أن يتوقف الترك في الزمان المتأخر عن الفعل في الزمان المتقدم و هذا محط نظر الأصحاب في باب النكاح فقد صرّح بوجوبه جملة من الأعلام كالعلاّمة و المحقق و الشهيد الثانيين و كاشف اللثام قال الأوّل في محكي القواعد و قد يجب إذا خشي الوقوع في الزنا سواء الرجل و المرأة و قال الثاني في شرحه و لا يخفى أنّ النّكاح قد يجب إذا خشي المكلّف الوقوع في الزنا بدونه و لو أمكن التسري فهو أحد الواجبين على التخيير و قال الثالث في الرّوضة النكاح مستحبّ مؤكد لمن يمكنه فعله و لا يخاف الوقوع بتركه في محرم و إلا وجب و قال الرابع في شرح العبارة و ذلك يعني خشية الوقوع في الزنا إذا قدر على النكاح و لم يقدر على التسري و لا خشي من التزوج محذورا أقوى ممّا يلزم من تركه أو مساويا له و عن مصابيح العلاّمة الطّباطبائي نفي الخلاف عنه (قال) اعلم أنّ الوجوب المنفي هو الوجوب على كلّ أحد و على من تاقت نفسه و أمّا الوجوب الكفائي أي وجوب ما يقوم به الشرع فيجب القطع بثبوته حتّى لو فرض كف أهل ناحيته أو حصر عن النكاح وجب على الحاكم إجبارهم عليه لئلاّ ينقطع النسل و يتغامر النوع و الظّاهر أنه لا خلاف فيه و لا في الوجوب العيني إذا أفضى تركه إلى الوقوع في الحرام لأنّ سبب الحرام حرام و تحريم ترك التزويج يستلزم وجوب التزوج فالحكم بنفي الوجوب رفع للإيجاب الكلّي لا سلب كلي و المراد نفي الوجوب بمجرّد توق فلا ينافي ثبوته للإفضاء إلى‏

المحرم انتهى و لم يجد مصرحا بخلاف هؤلاء سوى بعض مشايخنا (قدّس سرّهم) في الجواهر فإنّه قال بعد ما ورد كلام الطّباطبائي و فيه إمكان منع وجوب الكفائي على وجه يشمل أهل مصر و نحوه للأصل و إطلاق الأدلّة و أقصى ما يمكن تسليمه وجوب ما يحصل الفساد في النوع الإنساني بتركه كما أنه يمكن منع الوجوب العيني فيما ذكره بمنع ترك التزويج إلى المحرم على وجه عليّته لوجود الاختيار و بقاء القدرة على تركه معه و لعلّه قد أطلق الأصحاب الحكم بالاستحباب لمن تاقت نفسه و في موضع آخر أن ذلك لا يقتضي الوجوب ضرورة بقاء الاختبار الّذي يكفي في عدم الوقوع فيه فلا يتوقف على التزويج اللّهمّ إلا أن يريد أنّه أحد الأسباب الّتي تكون سببا لعدم الوقوع في المحرم و هو كما ترى انتهى و نعم ما قال في تحقيق هذا المقال و به صرّح غير واحد من حذاق الفنّ لبعض المحققين في حاشية المعالم و غيره و إن صدع بتصحيح ما ذكره بما لا يخلو عن النظر كما يأتي إن شاء الله و توضيح ما أفاد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أنّ التزويج ممّا لا يمكن أن يكون مقدّمة لترك الزنا لأن من خشي العنت بتركه فإمّا أن يقع فيه بعد الترك مختارا قادرا جامعا لشرائط التكليف بترك الزنا أو يقع فيه إلجاء و اضطرارا و على الأوّل فلا يكون ترك التزويج سببا لفعل الحرام و لا فعله موقوفا عليه لتركه فكيف يكون التزويج مقدّمة

382

لترك الزنا مع قدرته على الترك بدونه و ارتكاب للزنا بسوء اختياره و على الثاني فلا تكليف لفوات شرط القدرة و الاختيار فلا يحرم عليه الزنا حتى يجب مقدّمة لترك فعل المباح المفروض (و الحاصل) أن يكون فعل اختياري مقدّمة لترك حرام اختياري ليس له صورة معقولة نعم لو قلنا بحرمة تفويت التكليف أمكن الالتزام بوجوب التزويج حينئذ لأنّ تركه مفوت للتكليف في وقته و سبب لخروج المكلّف عن قابلية التكليف فيحرم و قد سبق في مقدّمة الواجب تحقيق هذا المقال و أن تفويت التكليف بمعنى جعل المكلّف نفسه غير قابل لأمر المولى في المستقبل و نهيه و إن شهد له الاعتبار و ساعده بعض الآثار إلاّ أنّه منظور فيه حسبما مرّ الكلام فيه هناك و لذا قلنا بالوجوب النفسي التهيّئي في المواضع التي تثبت الوجوب بالدّليل كالغسل في ليلة رمضان و غيره ممّا فصّلناه سابقا و ربما يورد عليه أيضا بأنّ هذا الفرض راجع إلى الأوّل لأنّ فعل الضدّ مسبوق بإرادته لا محالة و هي صارفة الحرام فترك الحرام دائما مستند إلى الصّارف و ليس هنا صورة يتوقف ترك الحرام منها على فعل المباح حتى يجب من باب المقدّمة و فيه أن إرادة المباح إنّما هي صارفة عن الحرام في زمانه لا في الزمان المتأخّر فقد يتوقف على بقاء الصّارف و بقائه يتوقف على فعل المباح فالإيراد عليه من هذه الجهة ساقط و إنما يرد ما عرفت من أنّ الترك الاختياري كيف يتوقف على فعل اختياري فما ذكروه في باب النكاح غير واضح و لا متضح و قد استدل على وجوب ما يتوقف عليه الترك الاختياري بوجوه أخر تصحيحا لمقالة الفقهاء بوجوب النكاح إذا خشي الوقوع في الزنا بتركه (أحدها) أنّ ترك النكاح في الحال المذكور لما كان مؤدّيا إلى فعل الحرام و فعله سببا لتركه اختيارا لزم على اللّه تعالى بقاعدة اللّطف إيجابه على العباد إذ لا ريب في كون إيجابه مقربا للطّاعة و مبعدا عن المعصية و كلّ مقرب للطّاعة لطف و كلّ لطف واجب فإيجاب النكاح في الفرض المذكور واجب و ربّما يجاب عنه بمنع كلّية الكبرى و هي وجوب اللّطف و لذا ذهب إلى انقسام اللّطف بقسمين واجب و مستحبّ لما نجد بالحسّ و العيان من صدور كثير من المعاصي عن العصاة من جهة ضيق المعاش أو قلّة المال أو عدم الاستطاعة إلى محافظة الفرج بالنكاح و أمثالها فيجب على اللّه تعالى من باب اللّطف أن يوسع على السّارق من المال بما ينصرف به عن السّرقة و الزاني بما لا يشتاق به إلى الزّنا و هكذا سائر أبواب المعاصي الّتي لا يخوض فيها الواجد مثل ما يخوض الفاقد و فيه أن برهان وجوب اللّطف قوي لا ينخرم بالشكوك و الشبهات و هو نقض الغرض المستحيل صدوره عن العاقل المختار فضلا عن الحكيم الواحد القهّار كما تحقق في محلّه و إليه يشير قول اللّه عزّ من قائل كالّتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا حيث شبه سبحانه و تعالى تعييرا عليهم جعلهم من القبيح البعيد عن ساحة العقلاء لما فيه من نقض الغرض بفعل الّتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا و كيف يمكن إنكار وجوب اللّطف على اللّه تعالى مع ما في خلافه من نقض الغرض الّذي لا يصدر عن العاقل فضلا عن الحكيم المنزه عن القبائح بل التحقيق في الجواب على ما حقق في محلّه منع صغرى اللّطف في الأمور المتعلّقة بالدين المبنية على الإحاطة بالمصالح و المفاسد النفس الأمرية إذ بعد رجوع وجوبه إلى قاعدة التحسين و التقبيح يجب ملاحظة الجهات و مزاحمة بعضها مع بعض و التوسعة في المعاش و إن كان مقرونا لبعض الطاعات في بادئ النظر إلا أنّ سلامتها عن الجهات المزاحمة لا تدركها العقول القاصرة فكيف يحكم على اللّه تعالى بأن إعطاء المال للسّارق لطف في حقه و هل هو إلا ترجما بالغيب و اقتحاما في العيب أ لا ترى أنّ النبوة المطلقة بمعنى وجوب بعث الأنبياء ممّا اتفق الكلّ على كونه لطفا مع أنّه كثيرا من الأعصار و الأمصار كانت خالية عن الأنبياء و سفراء اللّه و ما هذا إلا لعدم إحراز الصّغرى و إلا فوجوب كلّ لطف على اللّه ممّا لم يشكّ فيه الحكماء و المتكلّمون (فإن قلت) فعلى هذا يشكل إثبات وجوب نصب الإمام بالدليل العقلي الراجع إلى قاعدة اللّطف لأنّ المجادل في القول له أن يقول إن كون نصب الإمام لطفا ممنوع لعدم العلم بسلامته عن الجهات المزاحمة مثل ما قلت في الأمثلة المذكورة (قلت) بهذه الشبهة تمسّك بعض المتبحرين من العامة في ردّ قول الخواجة نصير اللّه و الدين (قدّس سرّه) حيث يقول في‏

حق الحجة المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه) وجوده لطف و تصرّفه لطف آخر و عدمه منا و قد أجبنا عنها في رسالة منفردة معمولة في أصول العقائد و محصّل ما أجبنا عنها أن بقاء الشريعة مطلوب من اللّه تعالى فلا بدّ له من حافظ فعلى اللّه نصب الحافظ لأنّ التناقض بين إرادة البقاء مع عدم نصب الحافظ بيّن و احتمال عدم المصلحة في النّصب راجع إلى احتمال عدم البقاء و الفرض خلافه و غاية ما يتوهم أو توهّم في هذا المقام دعوى نهاية الكتاب العزيز و السّنن النبوية في البقاء و أنّه لا يحتاج إلى حافظ آخر و إلاّ فبعد فرض عدم كفايتهما لجميع الأحكام الشرعية كما تقضي به البديهة لا يسع لعاقل أن يمنع وجوب نصب من تم معه غرض البقاء إلى انقراض العالم فالمنع الصّغروي الّذي ارتكبناه في الأمثلة المذكورة لا يأتي في نصب الحافظ فلا يلتفت إليه بعد عدم وجود شي‏ء كاف لجميع الأحكام فكيف يمكن منع كون نصب الحافظ حينئذ لطفا فإن كان للمجادل كلام فإنما هو راجع إلى ما ذكرناه من دعوى وجود ما به الكفاية و نحن معاشر الإمامية

383

ندعي عدم كفاية الأمرين و نقول إنّه من البديهيات الّتي لا يسع للمتصف بالعقل إنكاره كيف و الكتاب أكثره مجملات يحتاج إلى التفاصيل و التفاصيل الواصلة من النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أقلّ قليل و هذا شي‏ء واضح لا يحوم حول إنكاره إلا متعصّب أو متعسّف (فإن قلت) ما ذكرت منقوض بزمان الغيبة المنقطع فيه فيض حضور الإمام (عليه السلام) و تصرفه في الرعية و ما أفاده الخواجة (رحمه الله) دليل إغنائي يجب على كلّ ذو مسكة منصف الإذعان به و ليس برهانا إلزاميّا ينفعنا في ميدان المناظرة و الجدال مع الخصوم (قلت) هذا النقض هو الّذي اعتمد عليه بعض أكابر العامة في العدول عن الصّراط المستقيم و الميل عن الرّكن القويم لكنّا دفعناه في رسالتنا أيضا و حاصل الدفع أنّه فرق بين الابتداء و الاستدامة ففي الابتداء يجب على اللّه تعالى نصب الإمام من باب اللّطف و استقباح نقض الغرض وجوبا ذاتيا لا يتغير بالجهات و المزاحمات و لا يجب عليه الإبقاء بدفع شر الظالمين إلجاء و اضطرارا و قهرا عليهم كبعث النبي (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أراد تشريع الشرع فإنه لولاه لزم نقض الغرض فيجب من باب اللّطف و لا يجب عليه حفظ النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عن شر الأشرار و لو قبل التكميل و التبليغ و أمّا الاستدامة فهو ممّا يمكن أن يتغير بالجهات المزاحمة و مذهب الإمامية غير متوقف إلا على النصب الابتدائي إذ به تنحل ظلمات الكفر و الطغيان و يظهر صباح الحق عن أفق الإيمان أمّا البقاء و الاستدامة غصبا على العباد كلاّ أو بعضا فهو ممّا لا يستقل العقل بوجوبه الذاتي الّذي لا يتغير بملاحظة الجهات المزاحمة و هذا قليل من كثير ما حققناه في إبطال مقالة أفاضل العامة و عليك بتحصيل الرّسالة و الغور فيما يتعلّق بالمقام منها و تمام تحقيق المقام موكول إلى علم الكلام و ما التوفيق إلا باللّه و كيف كان فظهر أن إثبات وجوب المقدمة المفروضة بقاعدة اللّطف دونه خرط القتاد و لذا قل استناد الفقهاء في الفروع إلى تلك القاعدة و سرّه ما ذكرنا من عدم استقلال العقل بصغرى اللّطف بناء على إناطة الأحكام بالمصالح و المفاسد الحقيقية الّتي لا تصاب بالعقول (و ثانيها) قاعدة التحسين و التقبيح فإنّ العقل يقبح ترك الفعل المؤدّي تركه إلى الحرام و يذمّه و يحسن فعله و يمدح عليه فيكون واجبا بقاعدة الملازمة و فيه أن ترك النكاح في حيال ذاته ليس فيه جهة قبح يدركه العقل فقبحه إنّما هو باعتبار إفضائه إلى الحرام و كذا فعله لا حسن فيه إلا باعتبار كونه صونا للفاعل عن الوقوع في الحرام ففي نفس الفعل ليس صفة قاضية بالوجوب و القبح و المدح الملحوظان في المقام راجعان إلى حال الفاعل دون الفعل نعم لا مضايقة في وجوبه عقلا من باب الإرشاد و أين هذا من الوجوب الشرعي المتنازع فيه (و ثالثها) ما ذكره بعض المحققين في دفع الإشكال الأول توجيها لكلمات الفقهاء و هو على طوله يرجع حاصله إلى أنّ الفعل المفروض كالنكاح و إن لم يتوقف عليه الواجب أعني ترك الحرام ضرورة اقتداره على الترك مع عدم النكاح أيضا لكنه يتوقف عليه اختياره لترك الحرام فكما أنّ مقدّمات وجود الواجب واجبة فكذلك مقدّمات اختياره له إذ الفعل و الترك الاختياريان كما يحتاجان إلى مقدّمات وجودهما فكذلك يفتقران إلى اختيار المكلّف بعد المقدّمات و الملازمة العقلية الثابتة بين مطلوبية الشي‏ء و مطلوبية الطائفة الأولى من المقدّمات ثابتة أيضا بينها و بين مطلوبية الطائفة الثانية فيجب الفعل المذكور حينئذ من باب المقدّمة و به يتجه ما ذكره أساطين الفقهاء من وجوب النكاح مع توقف ترك الزنا عليه و هذا أمتن من سابقيه إلا أنّ جوابه أيضا ظهر ممّا ذكرنا في ردّ الثاني فإنّ وجوب الاختيار وجوب عقلي إرشادي لأنّ مرجعه إلى وجوب الامتثال و الإطاعة و ليس شي‏ء آخر وراءه فكما أنّ وجوب الإطاعة عقلي فكذا اختيار فعل المأمور به و ترك المنهي عنه فإنّهما بمعنى واحد و الأولى في تصحيح كلمات الفقهاء حمل كلامهم على الوجوب الإرشادي كقولهم بوجوب التوبة حسبما برهن في محلّه دون الوجوب الشرعي حتى يتطرق إليه الإشكال المذكور الّذي لا حاسم له إلاّ بالتكلّف و التعسّف و يمكن استظهاره من تعليلاتهم لوجوب النكاح أيضا فافهم و تدبّر

الثّاني من أدلّة الكعبي قاعدة التلازم‏

بمعنى عدم جواز اختلاف المتلازمين في الحكم الشرعي أو بمعنى لزوم اشتراكهما فيه فإنّها على كلّ من المعنيين ينتج غرض الكعبي من نفي الإباحة عن ضدّ الحرام و ذلك بعد إحراز التلازم بين ترك الحرام فينبغي البحث في إثبات الملازمة لكن أجيب عنها تارة بمنع الملازمة و أخرى بمنع لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم و تحقيق المقام يستدعي الكلام في تلك القاعدة الّتي جعلها غير واحد دليلا على وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ كما تقف عليه في أدلّة المثبتين و قال الفاضل التوني إنّ الملازمة قد تكون شرعية مثل ما ورد كلّما قصّرت أفطرت و قد يكون عقلية و يندرج فيه مسألتان و هو عجيب لأنّ الملازمة الشرعية بين الحكمين لا مساس لها بقاعدة التلازم المبحوث عنها في الأصول إذ الغرض منها أن تكون نفس الملازمة دليلا على الحكم الشرعي لا حكما شرعيّا مدلولا للدليل الشرعي و بينهما بون بعيد و كيف كان ففيها أقوال (أحدها) جواز اختلاف المتلازمين في الحكم مطلقا عزي إلى المحقق القمّي في ظاهر كلامه (و ثانيها) عدم جواز اختلافهما مطلقا كما عن الكعبي (و ثالثها) التفصيل بين ما كان التّلازم ناشئا من العلية أو الاشتراك في العلّة و بين ما لم يكن كذلك بل كان مجرّد عدم الانفكاك الخارجي بينهما فيلزم اتحادهما في الحكم في الأوّل دون الثاني نسب ذلك إلى صاحب المعالم و لكن المصرّح به‏

384

في كلامه هو اقتضاء حرمة المعلول حرمة العلّة خاصة و استشعر المدقق الشيرواني (قدّس سرّه) من كلامه هذا اعتراضا عليه أعجبني ذكره هنا و إن كان متعلّقا بالمسألة السّابقة قال ما حاصله إن تحريم المعلول لو كان يقتضي تحريم العلّة للزم القول بوجوب المقدّمة مطلقا و لو لم يكن سببا لأن ترك الواجب حرام بالضرورة و ترك كلّ من مقدّماته علّة لتركه فيكون تركه حراما و فعله واجبا لأنّ حرمة الترك مستلزم لوجوب الفعل و تخصيص الحكم بالعلّة و المعلول الوجوديين تحكم صرف لاتحاد المناط في الموضعين فما التزم به هنا إبطال لما اختاره في مقدّمة الواجب من التفصيل بين السّبب و غيره و للسيّد الصّدر كلام في هذه المسألة نظير ذلك و أجاب عن هذا الإيراد في حاشية القوانين بوجوه ثلاثة لا كرامة فيها كما لا يخفى على من راجعها و أجاد التأمّل فيها بل الجواب هو أن علّة الحرام ليست حراما من حيث كونها علّة للحرام إذ لم يقم على حرمتها بنفسها برهان و لا وجدان حسبما فصّلنا الكلام فيه في ذيل المسألة السّابقة بل إنّما تحرم من حيث كون تركها تركا لما يتوقف عليه الواجب أعني ترك الحرام و بهذا يحصل الفرق بين الحرام الوجودي و الحرام العدمي و ذلك لأن ترك الحرام الوجودي واجب و كلّ ما يتوقف عليه أيضا واجب لكن لا يتوقف ترك الشي‏ء على ترك كلّ مقدّمة من مقدّمات وجوده بل على ترك بعضها و أمّا الحرام العدمي كترك الواجب فلا مقتضى لكون علّته حراما بعد أن كان سبب الحرمة شيئا آخر غير السّببيّة للحرام و هو المقدّمية للواجب فليس في ارتكاب ما عدا علّة الوجود من سائر المقدّمات ما يقتضي الوجوب لا في حدّ ذاتها و لا من حيث توقف الترك الواجب على فعلها على مذهب المفصل (و الحاصل) أنّ حرمة الشي‏ء الواجب لا يستلزم حرمة علّته من حيث كونها علّة لترك الواجب بل لا بدّ من رجوعه إلى مقدّمات الواجب فإن كانت سببا واجب فعلها و يحرم تركها عند المفصل و إن لم يكن سببا فلا سبب للتحريم أصلا نعم على القول بوجوب غير السّبب أيضا يجب جميع المقدّمات و يحرم ترك كلّ واحد منها و لا غائلة فيه على مذهب المفصّل توضيحه أنه إذا وجب الكون على السّطح فالمعترض يقول إنّه يجب نصب السّلم لأن تركه سبب لترك الكون على السّطح و هو محرم و سبب المحرم أيضا محرم و فيه أن سبب المحرم ليس بمحرم إلاّ إذا كان تركه مقدّمة سببية للواجب و ترك نصب السلم ليس كذلك لأن ترك هذا الترك و هو النصب ليس سببا للكون على السّطح بل شرط له و الشرط ليس بواجب عند المفصّل نعم من يقول بوجوب غير السّبب أيضا فعليه الالتزام بحرمة ترك هذا الترك و لازمه وجوب نصبه و لا بأس به فالاعتراض المذكور غير متجه عليه نعم لو كان مبنى كلامه أن علّة الحرام حرام من حيث إنّها علّة للحرام لا من حيث إن تركها مقدّمة للواجب اتجه عليه ما ذكره و لا دافع له أصلا فتدبّر جيّدا ثمّ إنّ التلازم بين الأمرين إمّا يكون عقليا أو عاديّا أمّا الملازمة الاتفاقية الخارجة عنهما كما في ظاهر المعالم فلا محصّل لها بظاهرها فلا بدّ من حملها على مجرّد التقارن الاتفاقي كما هو صريح فقراته و أمّا الملازمة الشرعية فقد عرفت أنّ صاحب الوافية جعلها قسما ثالثا و قد عرفت أنّه واضح البطلان لأنّ التلازم من المبحوث عنه هنا هو التلازم في الوجود إذ الكلام في أنّ المتلازمين في الوجوب هل يتحدان في الحكم أم لا و أين هذا من التلازم بين الأحكام بجعل الشارع نعم لو فرض التلازم بين موضوعين في الوجود الخارجي بجعله كان قسما ثالثا لكنّه كما ترى لا يكاد أن يعقل إذا عرفت ذلك‏

فالكلام في قاعدة التلازم يقع في مقامين‏

(أحدهما) في أنّ التلازم بين الأمرين هل يقتضي الاشتراك في الحكم أم لا (الثّاني) أنّه على تقدير عدم الاشتراك هل يجوز اختلافهما في الحكم أم لا

أمّا المقام الأوّل [الكلام في أن التلازم بين أمرين هل يقتضي الاشتراك في الحكم أم لا]

فالتحقيق فيه أنّ تلازم الشّيئين في الوجود من حيث هو مع قطع النظر عن الجهات الخارجة لا يقتضي الاشتراك في الحكم فلا مانع من اختصاص الحكم الشرعي وجوبا أو تحريما أو غير ذلك بأحدهما غير قاضية بالاتحاد و السّراية إذ لا يساعده برهان و لا وجدان بل لم أقف على ما يمكن الاستدلال به عليه و أمّا بملاحظة الجهات الخارجية

ففيه تفصيل يظهر في طيّ مسائل‏

المسألة الأولى في أنّ الحكم الثابت للمعلول هل يسري إلى العلّة أم لا

(فنقول) أمّا الوجوب و الحرمة فثبوتهما للعلّة مبني على وجوب مقدّمة الواجب لأنّ حرمة علّة الحرام أيضا راجعة إليه حسبما عرفت آنفا و سابقا لكن في القوانين متنا و هامشا بعد إنكار وجوبهما أنّ المستفاد من الأخبار و كلمات الفقهاء خلاف ذلك لأنهم صرّحوا بكراهة بيع الأكفان لأنّه يورث محبة الوباء و كراهة بيع الطّعام لأنّه يقتضي تمني الغلاء و كذا بيع الصّرف لأنّه لما فيه من الوقوع في الربا مع أنّ الغايات المذكورة محرمة و لم تحرم عللها و هو غريب لأنّ محبة الوباء و تمني الغلاء و أمثال ذلك من الكيفيات النفسية ليست من الأفعال الّتي تتصف بالحرمة و محلّ البحث ما لو كان المعلول فعلا قابلا للتحريم و هما ليسا كذلك و كذا سائر الأمور القلبية و الكيفيات النفسانية كالحب و البغض و الشوق و العزم و الإرادة و غيرهما ممّا لا يعد من الأفعال الاختيارية الّتي موضوع علم الفقه و معروضة للأحكام الشرعية و ما في الأثر من الذّم و توعيد النار على جملة من الصفات الذميمة القلبية و الأخلاق الرذيلة كحبّ الدنيا الّذي هو رأس كلّ خطيئة و حبّ الجاه و الرئاسة و الكبر و الحسد و العجب و غيرها من الأخلاق الرذيلة فليست على ظاهرها بل لا بدّ من‏

385

صرفها بحكم العقل القاطع إمّا إلى حرمة مقدّماتها و أسبابها الّتي يتولّد منها أو إلى وجوب معالجتها بالرّياضات و المجاهدات النّفسانية أو بعض ما قرر بعلاجها في الأخبار و علم الأخلاق أو إلى حرمة ما يجري على بعضها من الآثار كما يشهد به بعض الأخبار ففي الخبر ثلاثة لا يسلم منها أحد الطّيرة و الحسد و الظنّ قيل فما نصنع قال (عليه السلام) إذا تطيرت فامض و إذا حسدت فلا تبغ و إذا ظننت فلا تحقق و المراد بالشّي‏ء استعمال الحسد و بنحو ما ذكرنا يوجه وجوب العقائد الحقة و المعارف الدّينية أيضا كمعرفة اللّه تعالى و صفاته و معرفة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و معرفة الأئمة (عليهم السلام) فإن وجوبها راجع إلى وجوب تحصيلها بالنّظر إلى الآيات و المعجزات الّتي يتولد منها تلك المعارف و إلا فهي بنفسها غير قابلة لتعلّق التكليف بها كما لا يخفى و ممّا ذكرنا ظهر انحصار المثال لما نحن فيه في الأفعال التوليدية كقتل النفس المتولد من جزّ الرّقبة و العتق الحاصل من الصّيغة و هكذا إلى سائر الأمور الّتي لها أسباب اختيارية مع كونها أيضا من مقولة الأفعال و منه الإحراق المتولد من اشتعال النّار و لا يتصور في غير ذلك و قد يمثل له بالعزم و الإرادة فإنّهما علّتان لصدور الأفعال الاختياريّة و مقارنته معها و فيه بعد تسليم كون الإرادة من مقولة الفعل و قد سبق في مقدمة الواجب و موضع بطلان ذلك بما لا مزيد عليه أنّها أيضا لحصول سبب الفعل توليدا كالإحراق و لا ينافي اتصاف الفعل بالاختيار ضرورة انبعاثها من عين الاختيار دون الإجبار و كيف كان فقد ظهر أن حرمة المعلول يستلزم حرمة العلّة و كذا وجوبه و أمّا استحبابه و كراهته فإن أريد الطّلب مع الإذن في التّرك ابتنى أيضا للعلّة و إن أريد بهما الطلبان الكاشفان عن المصلحة و المفسدة الغير الملزمين الثابتين في الفعل فلا لأنّ علّة المستحب و المكروه ليس فيهما صفة راجحة أو مرجوحة إلاّ أنّ الأمر كذلك في علّة الحرام و الواجب أيضا و الحكم في الأحكام الاقتضائية من حيث ثبوتها للمقدمات أو خصوص السّبب و العلّة على نسق واحد و قولنا بعدم ثبوت الكراهة لعلّة المكروه سابقا في مبحث المقدّمة كان مبنيا على اللّحاظ الأوّل و الأمر في ذلك سهل و أمّا إباحة المعلول فهل يقتضي إباحة العلّة أم لا فيه تفصيل بالنظر إلى معنى الإباحة فإنّها قد تطلق و يراد منها إذن الشّارع و ترخيصه في الفعل و التّرك مع تساوي الطّرفين و التحقيق عدم الملازمة كما يظهر بأدنى تأمل نعم مع تحريم العلّة أو إيجابها يكون الترخيص في المعلول عبثا سفها بعيدا عن مقاصد العقلاء و حينئذ يستكشف من إباحة المعلول على الوجه المذكور إباحة العلّة أيضا فلو دلّ دليل ظني على حرمتها أو وجوبها وقع التعارض بينه و بين ما دلّ على إباحة المعلول و قد تطلق و يراد منها عدم البأس و الحرج فيه و قد يعبّر عن ذلك بالإباحة الأصلية أو العقلية و هذا لا ينافي وجوب العلّة أو حرمتها بالذات أو بسبب من الأسباب و قد صرّح به جملة من الأعاظم منهم سلطان العلماء (قدّس سرّه) موردين على صاحب المعالم فيما اختاره في معلول علّة واحدة كما يأتي الكلام فيه‏

المسألة الثّانية

عكس المسألة الأولى بأن تكون العلّة مشتملة على مصلحة ذاتية في نفسها أو متّصفة بجهة مقبحة كذلك باعثة على الوجوب أو الحرمة أو غيرهما من الأحكام فليس هنا ما يقتضي بالملازمة بينها و بين معلولها في ذلك الحكم لانتفاء جهة المقدّمية كما في طرف العكس غاية الأمر كون المعلول لازم الحصول قهرا و ذلك لا يستدعي التلازم في الحكم نعم يصح استناد ذلك إليه بالعرض و المجاز و هذا ليس من الحكم الشّرعي و لو على وجه التبعية و الحاصل أنّه ليس هنا ما يقتضي سراية حكم العلّة إلى المعلول و إن كان وجوب الشي‏ء أو حرمته كاشفا عن المفاسد المترتبة عليه وجودا أو عدما إلاّ أنّ المفاسد و المصالح خارجة عن موضوع الأحكام الشرعيّة حسبما بيّناه آنفا كما بيّنا أنّه لا تتصور المسألتان إلاّ في الأفعال الاختيارية التوليديّة ثم لا يذهب عليك ما أشرنا إليه من أنّ وجوب العلّة أو تحريمها لا يجامع حكما متضمّنا للترخيص في المعلول لوضوح التناقض و لزوم السّفه و العبث في الترخيص إلاّ أنّه مربوط بالمقام الآتي أعني اختلاف المتلازمين في الحكم لا بهذا المقام و هو لزوم اتحادهما في الحكم و سراية حكمهما إلى الآخر

المسألة الثّالثة في معلولي علة واحدة فهل يسري حكم أحدهما إلى الآخر أم لا

و قد ظهر ممّا ذكرنا في المسألتين الأوليين أنّ الحق عدم السّراية لفقد المقتضي و هذا واضح لكن صاحب المعالم ذهب إلى أنّ تحريم أحد المعلولين يستلزم تحريم الآخر و علّله بأنّ انتفاء التّحريم في أحد المعلولين يستدعي انتفاءه في العلّة فيختص المعلول الآخر بالتحريم من دون علّته و هو باطل و أورد عليه غير واحد من المحشّين بأن انتفاء التحريم من جهة لا ينافي ثبوته من جهة أخرى فيجوز أن تكون العلّة حراما من حيث كونها علّة لشي‏ء الحرام و مباحا من حيث كونها علة لشي‏ء آخر مباح (قلت) إن أراد صاحب المعالم من انتفاء التحريم الإباحة الأصلية بمعنى اللاّحكمية اتجه عليه ما ذكره المحشون لأنّ عدم المقتضي للتحريم من جهة لا ينافي ثبوته من جهة أخرى فلا يلزم حرمة المعلول من دون علّته و إن أراد منه الإباحة الشرعية فلا يرد عليه ما ذكروا فإنّ الترخيص في المعلول ينافي حرمة العلّة مطلقا و لو من جهة أخرى للزوم السّفه و العبث حسبما بيّناه فتحريم المعلول يستدعي تحريم العلّة من جميع الجهات فإذا فرض ترخيص الشارع و إذنه في ترك أحد المعلولين دلّ على ترخيصه في العلّة و إلاّ لزم التناقض و التدافع بين حكمه في العلّة و حكمه في المعلول إذ لا يصحّ أن يقول لا تفعل العلّة و أذنت لك في ارتكاب معلوله كما هو واضح فلا جرم يكشف الإذن في ارتكاب المعلول الإذن في ارتكاب العلّة و قد فرضنا حرمتها نظرا إلى حرمة المعلول الآخر فلا بدّ حينئذ من سراية حرمة أحد المعلولين‏

386

إلى الآخر لئلا يلزم المحذور فالتحقيق في الرّد هو ما ذكرنا من عدم الملازمة بين عدم التحريم و الإذن في الفعل لإمكان عدم جواز الإذن لمحذور آخر كالعبثية و السّفاهة و الّذي ينافي حرمة العلّة هو الثاني دون الأول حسبما أوضحناه آنفا في المسألة السّابقة و لقد أجاد السّلطان (قدّس سرّه) حيث قبل الإباحة في الإيراد بالأصليّة ثم أمر بالتأمّل مشيرا إلى احتمال انتفاء التّحريم في كلام صاحب المعالم لا الترخيص في الفعل و حينئذ فلا يرد عليه ما أورده و إنّما يرد عليه ما أوردنا فراجع و تأمّل‏

المقام الثّاني في جواز اختلاف المتلازمين في الحكم‏

بعد عدم لزوم اشتراكهما فيه فعن شريف العلماء (قدّس سرّه) جواز الاختلاف فيما إذا كان الامتثال بكلا الحكمين مع الاختلاف ممكنا و عدم الجواز فيما إذا لم يكن ممكنا و الفروض بعد إسقاط المكرّرات ترتقي إلى عشرة ستة منها يمكن الامتثال بكلا الحكمين فيها و هي الاستحباب مع الوجوب و الكراهة مع الحرام و الإباحة مع ما عداها فإذا كان أحدهما مباحا و الآخر مستحبّا أو مكروها أو واجبا أو حراما أو كان مستحبّا و الآخر واجبا أو كان مكروها و الآخر حراما كان ذلك جائزا و أربعة منها لا يمكن الامتثال بالحكمين فيها و ذلك كالوجوب مع الحرمة أو الكراهة و الاستحباب مع أحدهما فإذا كان أحد المتلازمين واجبا أو مستحبّا لم يجز أن يكون الآخر مكروها أو حراما لعدم إمكان الامتثال فلا يجوز للزوم التكليف بما لا يطاق و أمّا صور الجواز فليس كذلك لأنّ المانع إمّا لزوم اجتماع الضدّين فهو فاسد لأنّ الممتنع هو اجتماعهما في محلّ واحد لا في محلّين مختلفين و إمّا لزوم التكليف بما لا يطاق و هو أيضا مفقود هنا فلا مانع من اختلافهما في الحكم و التحقيق عندنا عدم الجواز مطلقا لما ذكرنا في المقام الأوّل من أن تحريم العلّة أو إيجابها لا يجامع إباحة المعلول و الإذن في فعله للزوم السفه و العبث فإنّ ذلك يأتي في جميع الأقسام المذكورة المجوّزة لاتحاد المناط و هو أن إثبات حكم الموضوع عند اتصاف لازمه بما ينافي ذلك الحكم سفه لا يصدر من العاقل فضلا عن الحكيم كما أوضحناه في المقام الأوّل و لقد أغرب بعض النّاظرين في التفصيل المذكور حيث وافقه على الجواز في الصّور السّت و ترقى فقال به في الأربعة الممنوعة أيضا إذا كان سبب الاجتماع سوء اختيار المكلّف كما لو ترك حراما و اشتغل بحرام آخر كمن ترك الشهادة الواجبة و اشتغل بالغيبة فيجتمع في حقه حكم المتلازمين وجوب ترك الحرام و حرمة فعل الضدّ و لم يقنع بذلك فترقى و قال بجوازه و لو قلنا بعدم جواز اجتماع الأمر و النّهي لأنّ اجتماعهما إنّما هو في موضوع واحد و هنا في موضوعين و ظهور فساده يغني عن بيانه بل الأصحّ هنا عدم الجواز و لو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي لأنّ الاجتماع هنا آمريّ و هناك مأموري و عليك بالتأمّل حتّى تفهم و قد تفطّن إلى ما ذكرناه من لزوم العبث في الفصول و أجاب عنه بما هو غير ثابت في العقول فإنّه قال بعد التّصريح بجواز اختلاف المتلازمين في الحكم ما لفظه لا يقال إباحة الفعل عند تحريم لازمه سفه لا يترتب عليه فائدة فلا يقع من الحكيم و حينئذ فلا بدّ إمّا من القول بتسري حكم لازمه إليه أو يلتزم بخلوّه من جميع الأحكام نظرا إلى صيرورته بالنسبة إلى تكليفه كالممتنع فلا يصلح لتعلّق حكم به لأنا نقول إن فعل ملزوم الحرام و تركه عند عدم توقفه عليه متساويان بالنّسبة إلى نفسه و هو ظاهر و كذا بالنسبة إلى لازمه إذ لا توقف له عليه و لا نعني بالمباح إلاّ ذلك و يترتب عليه ثمرته من عدم ترتب مدح و لا ذم عليه بالاعتبارين و خلو فعل مقدور عن الأحكام الخمسة غير معقول و دعوى كونه كالممتنع ممنوعة كيف و جواز تعلق التّكليف به حينئذ ضروري انتهى و أنت خبير بأنّ ما تكلّفه في الجواب غير سديد لابتنائه على مقدّمتين غير مسلّمتين (أحدهما) كون المباح عبارة عمّا تساوى فعله و تركه و هو بعيد عن الصّواب لأنّ الحكم ليس إلاّ إنشاء قائما بالحاكم و مجرّد تساوي طرفي الفعل في الرجحان ليس من الحكم في شي‏ء و إلاّ لاتّصف فعل الصّبيان و المجانين و البهائم بالإباحة الشرعيّة و هو كما ترى فقد اعترف بأنّ إيجاب أحد المتلازمين أو تحريمه لا يجامع الترخيص و الإذن في الآخر و هو عين التحقيق الّذي اخترناه و اجتماعهما مع نفي الحرج و البأس ليس اختلافا في الحكم فكيف يجوز الاختلاف (و الثّانية) عدم جواز خلو الفعل عن شي‏ء من الأحكام الخمسة و هي أيضا واضحة الفساد و دعوى القطع بذلك ممّا لا ينبغي صدوره من مثله إذ لا سبيل إلى القطع بذلك لا من جانب العقل و لا من جانب النقل و أيّ دليل يفيد القطع أمّا العقل فلأنه لا يستقلّ بثبوت الحكم بكلّ واقعة و أمّا النّقل فقد ورد أنّه ما من واقعة إلاّ و لها حكم مفرد عند اللَّه إلاّ أنّ اعتماد مثله على مثله في أمثال المسألة كما ترى و إذا عرفت ما ذكرناه في المقامين عرفت أنّ الاستدلال بقاعدة التلازم لمذهب الكعبي يمكن بوجهين (أحدهما) أنّ ترك‏

الحرام لا ينفك عن فعل من الأفعال و هو واجب فيكون ذلك أيضا واجبا للتلازم (و الثّاني) أنّ ترك الحرام ملازم لفعل من الأفعال و هو واجب و مع وجوبه لا يمكن أن يكون الفعل مباحا لامتناع اختلاف المتلازمين في الحكم و الجواب (عن الأوّل) ما عرفت من عدم لزوم اشتراك المتلازمين في الحكم و منع سراية حكم أحدهما إلى الآخر إلاّ باعتبار العلّية الراجعة إلى الدليل الأوّل المردود بما سبق (و أمّا عن الثّاني) فقد أجاب بعض بجواز اختلافهما في الحكم و قد عرفت ما فيه و قد يجاب بأن الملازمة اتفاقية و هذا أيضا ضعيف إذ الملازمة الملحوظة في المقام على تقدير التسليم ناشئة

387

من العلّية أو الاشتراك في العلّة البتة و لو في المرتبة العليا فكيف تكون اتفاقية بل الملازمة الاتفاقية لا تكاد تتحقق في الخارج حسبما أشرنا إليه و الأصحّ أن يجاب عنه بمنع الملازمة بين ترك الحرام و خصوصيات الأفعال الخارجية لأنّ الملازمة إنّما هي بين التّرك و أحد الأضداد دون الخصوصيات فلا مانع من كون فعل المباح المقارن مع الترك مباحا مرخّصا فيه (فإن قلت) إنّ عدم جواز الترخيص في الطّبيعة يقتضي عدم جوازه في كلّ فرد من الأفراد (قلت) عدم جواز التّرخيص في الطّبيعة إنّما يقتضي عدم جواز اتّصاف الفرد بالإباحة من حيث كونه فردا للطّبيعة لا مطلقا و ذلك لا ينافي اتّصافه بها من حيث عنوان نفسه إذ لا يزيد عدم الترخيص عن الوجوب و قد عرفت في تحقيقاتنا السّابقة أنّ وجوب الطّبيعة لا ينافي اتصاف الفرد بالإباحة من حيث عنوان نفسه و الحاصل أنّ ترك الحرام ملازم لأحد الأضداد و عدم جواز التّرخيص فيه لا ينافي إباحة الخصوصيات و لعمري إنّ الجواب عن دليل التّلازم منحصر في ذلك و لا يجدي ما ذكروه في ردّه كما يشهد به الذّوق السّليم و النظر المستقيم هذا مضافا إلى ما مرّ في الجواب عن الوجه الأوّل من أن الحرام قد يكون حيث يرتفع التكليف عنه بسبب فقدان شي‏ء من شرائط التكليف فلا يكون ترك الحرام حينئذ واجبا حتّى يمتنع كون الفعل الملازم معه مباحا فتدبّر

الثالث [الدليل الثالث من أدلة الكعبي و تزييفه‏]

ممّا استدلّ به لانتفاء المباح ما حكي عن العلاّمة و تمهيد الشّهيد و هو أنّ المباح ترك للحرام و ترك الحرام واجب ففعل المباح واجب أمّا الثّاني فظاهر و أمّا الأوّل فلأنّه ما من مباح إلاّ و هو ضدّ الحرام فالسّكوت ضدّ للقذف و السّكون ضدّ للفعل و كما أنّ الإتيان بالفعل رفع لتركه فكذا الإتيان بضدّه رفع لفعله و الظّاهر أنّه أراد بذلك اتحاد ترك الحرام مع المباح بحسب المصداق و التحقيق الخارجي دون الاتحاد بحسب المفهوم لوضوح فساده فتقريب الاستدلال أن ترك الحرام و فعل المباح و إن كانا متغايرين بحسب المصداق و في المفهوم إلاّ أنّهما متّحدان بحسب المصداق و في عالم الوجود فيكون واجبا لأنّ الإباحة الذاتيّة لا تنافي الوجوب العرضي و فيه مع إمكان ارتفاع التكليف عن الحرام بانتفاء بعض شروطه منع كون فعل المباح عين ترك الحرام مصداقا أيضا بل لا يعقل أن يكون للترك العدمي مصداقا خارجيّا غاية الأمر بعد فرض العدم شيئا و لو بحسب اعتبار المعتبر اجتماعهما بحسب المورد بمعنى تقارنهما في الخارج كالصّلاة مع النّظر إلى الأجنبية و أنى هذا من اتحادهما بحسب المصداق و أجاب عنه صاحب الفصول ثانيا بما حاصله أنّ ترك الحرام في حدّ ذاته شي‏ء و باعتبار كونه في ضمن الأضداد شي‏ء آخر و محلّ الوجوب هو الأوّل و هو غير متصادق مع الأضداد فالضدّ غير متّحد مع الواجب بل متّحد مع شي‏ء آخر و فيه بعد الإغماض عمّا في كلامه هذا من المقدّمات المنظورة المستدركة الّتي لا طائل تحتها أن ترك الحرام في حدّ ذاته متصادق مع تركه في ضمن ضدّه فالتركان و إن كانا شيئين بعد التسليم لكنهما متحدان بحسب التقرر الخارجي إذ المتّصف بالشي‏ء متّصف بكلّما يتصف به ذلك الشي‏ء باعترافه فيكون ترك الحرام في حدّ ذاته متّصفا بالتّرك الموجود في ضمن المباح فالأصحّ الاقتصار في الجواب على ما قاله أولا كما لا يخفى على الناظرين في كلامه بعد التأمّل و التدرب و قد يذكر لانتفاء المباح وجه آخر و هو أن الترك أمر انتزاعيّ غير قابل لتوجّه التكليف به فلا بدّ من تعلّق التكليف بما هو منشأ لانتزاعه و هو الفعل المقارن معه لأنّه المنتزع منه فينتفي المباح و جوابه ما مرّ سابقا في كلام المحقق السبزواري (قدّس سرّه) على القائلين بأن ضدّ المأمور به منهيّ عنه لكون عدمه مقدّمة له و محصّل الجواب بعد المساعدة على أن ترك الحرام لا يتعلّق به الطّلب أنّه لا ينتج المقصود و هو وجوب المباح لإمكان إرجاع النّهي إلى الكفّار و إلى استمرار العدم أو غير ذلك ممّا ذكروه في باب النهي و اللّه الهادي‏

المقدمة الثالثة في بيان أقوال المسألة

أمّا الضدّ العام‏

فقد اختلفوا فيه على أقوال (أحدها) نفي الاقتضاء رأسا و عزي في المنية إلى جمهور المعتزلة و كثير من الأشاعرة و الفاضل البهائي في حاشية الزّبدة على ما حكي عنه إلى البعض و يلوح من كلام العلاّمة في محكي النّهاية أيضا و استظهره غير واحد من كلام علم الهدى في الذريعة حيث قال إنّ الّذي يقتضيه الأمر كون فاعله مريدا للمأمور به و أنّه ليس من الواجب أن يكون ذلك الترك كما في النوافل و في دلالته على ما زعموا نظر بل ظاهره القول بوضع الأمر للقدر المشترك بين الوجوب و النّدب و كيف كان فما في المعالم و الوافية و شرحها للسيّد الصّدر من إنكار هذا القول و اختصاص النزاع بكيفية الاقتضاء لا في أصل الاقتضاء غريب (و ثانيها) القول على وجه العينية و نسبه الفاضل الصّالح المازندراني إلى جماعة من المحققين و الفاضل الجواد على ما حكي عنه إلى القاضي و متابعيه و هو مختار بعض المحققين و بعض من تبعه (و ثالثها) الاقتضاء على سبيل التضمّن و هو صريح المعالم و نسبه بعض إلى غيره (و رابعها) الاقتضاء على سبيل الالتزام و عليه الباقون و هم بين مطلق للاستلزام و مصرّح بثبوته لفظا أو مقيد بثبوته معنى و هو خيرة جماعة من المحقّقين منهم سيّد محققي الحكماء و سلطان العلماء و المدقق الشّيرواني و الفاضل الصالح و المحقق القمّي و التحقيق أنّ القائلين بالاقتضاء إن أرادوا أنّ مفاد الأمر طلبان نفسيان مستقلان أحدهما متعلّق بالفعل و الآخر بالترك فالحقّ مع المنكرين للاقتضاء رأسا لوضوح أنّ الأمر ليس إلاّ إنشاء واحد متعلّق بالفعل و الطّلب‏

388

الآخر الّذي يزعمونه من سنخ الإنشاء بديهي الانتفاء في مدلول الأمر فأين النّهي الّذي هو من سنخ الطّلب و إن أرادوا أنّ الأمر بالشّي‏ء يدل على عدم الرّضا بالترك الذي هو مناط النّهي فالحقّ مع المثبتين لكن على وجه الالتزام دون التضمّن لوضوح كون مدلوله هو الطّلب الحتمي المؤكد و هو أمر بسيط له جزءان جنس و فصل فعدم الرضا بالترك يستفاد من تحتم الطّلب و تأكده ثم الظّاهر أنّه لزوم بين لا يحتاج إلى تعقّل أمر زائد عن مطلوبيّة الفعل و الأمر فيه سهل ثمّ إن تقسيم الدّلالة الالتزاميّة إلى اللّفظية و المعنويّة ممّا لا وجه له إذ قد عرفت سابقا أنّه لا فرق بين أقسام الالتزامات في مدخليّة كلّ من الوضع و اللّفظ و العقل فيها فتسمية بعضها لفظية و بعضها عقلية أو معنوية من غير فرق معنويّ ممّا لا وجه له و إن كان هذا مجرّد اصطلاح فلا مشاحة فيه و إن كان ثبوت هذا الاصطلاح غير واضح‏

و أمّا الضّد الخاص‏

فمقتضى ما يستفاد من عنوان المسألة و الأقوال المذكورة في كلام كثير منهم و الأدلّة التي أقاموها لتحقيق الحال في المقال جريان جميع الأقوال المذكورة في الضدّ العام هنا أيضا سوى التضمّن إذ القول به عادم و الوجه الّذي يعتمد عليه معدوم و يزيد على تلك الأقوال هنا قولان آخران (أحدهما) ما حكي عن الشّيخ المحقق صاحب المقابيس من التفصيل بين ما إذا كان فعل الضدّ رافعا للتمكّن عن الواجب إمّا عقلا كركوب السّفينة فرارا عن الغريم أو شرعا كالاشتغال بالصّلاة المانع عن أداء الشهادة أو أداء الدّين أو إزالة النجاسة بناء على حرمة قطعها في تلك الحال و بين ما إذا لم يكن كذلك كتلاوة القرآن المانعة عن أداء الشهادة فقال في الأوّل بالاقتضاء و في الثاني بعدمه (ثانيهما) قول الشّيخ الفاضل البهائي و هو أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي عدم الأمر بضدّه الخاصّ دون النّهي عنه فيبطل لمكان عدم الأمر و يأتي الكلام فيهما و في دليلهما ردّا و قبولا

المقدّمة الرابعة في ثمرات المسألة

(منها) حصول العصيان و عدمه (و منها) حصول الفسق و عدمه (و منها) لزوم الإتمام في السّفر المفوت للواجب (و منها) النّذر المتعلّق بعدم المعصية و كلّ هذه قد ظهر فسادها في مسألة مقدّمة الواجب فلا نطيل بإعادتها و المهمّ هنا بيان الثمرة المعروفة الّتي هي الغرض الباعث على تدوين هذه المسألة بل و المسألة السّابقة و هي بطلان العبادة الموسّعة في وقت الواجب المضيّق و الظاهر أنّ هذه الثمرة كانت مسلّمة عند الأصحاب كما يظهر من تتبع كلماتهم في الفقه لا سيّما مسألة تقديم القضاء على الأداء فإنّ عبائر الفريقين هناك ناطقة بصحّة هذه الثمرة و كأنّها مسلّمة عندهم لأنّ القائلين بالبطلان كالقديمين و الشّيخين و السّيدين و الحلبيّين و القاضي و الحلّي و دلالي و جماعة من المتأخرين على ما حكي منهم فرّعوا بطلان الحاضرة على فورية الفائتة و لا يصحّ التفريع إلاّ على القول بالاقتضاء و القائلون بالصحة منعوا المبنى أي الفوريّة دون الاقتضاء أو بالعكس و لم يعهد منهم اختيار الصّحة مع تسليم المقدّمتين و أبواب الفقه مشحونة من هذه الثمرة كما لا يخفى على الخبير و أوضح ما في الباب قول من قال بصحّة الأداء قبل القضاء و فساد الصّلاة قبل وقت الإزالة و أظنّ منهم العلاّمة (قدّس سرّه) حيث قال في محكي دين القواعد بفساد الصّلاة مع المطالبة و الحاصل أنّ ظاهر القوم فساد العبادة عند المزاحمة مع المضيق أو الأهمّ و مع ذلك كلّه ذهب ثلاثة من أعيان الفقهاء و الأصوليين إلى صحّتها منهم المحقّق و الشّهيد الثانيان و هما أوّل من فتحا هذا الباب فيما عثرنا نقلا و منهم سيّد محققي الحكماء و صاحب الوافية و شارحها السيد الصّدر و كاشف الغطاء و صاحب المناهج و القوانين و الحاشية و الجواهر و الفصول و جملة من تأخر منهم شريف العلماء و غيرهم من حذاق الأصوليين إلاّ أنّ قول بعض هؤلاء بالصّحة مبني على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء النّهي عن ضدّه الخاصّ و هم الأكثر منهم صاحب المناهج فإنّه قال لا بدّ من ملاحظة النّسبة بين دليلي الواجبين المضيّق و الموسّع فإن كانت بالعموم من وجه فالتخيير و إن كانت بالعموم و الخصوص فالتخصيص و مثله المحكي عن شريف العلماء (قدّس سرّه) حيث سلك في المسألة مسلكا آخر و هو إعمال قاعدة التعارض و تقديم القطعي على الظّني و نحوه و قد سبق كلامه مع تزييفه و هذان الفاضلان ليسا بمنكرين للثمرة في الحقيقة بل هما منكران للاقتضاء حيثما لا يقولان فيه بالصّحة و كذا المحقق الثّاني (قدّس سرّه) فقد صرّح في محكي جامع المقاصد بصحّة العبادة بناء منه على عدم الاقتضاء فيه و كذا المحقق الدّاماد و صاحب الوافية و شارحها فإنّهم أيضا منكرون للاقتضاء فهؤلاء إنّما صاروا إلى الصّحة لعدم ثبوت الثمرة أي الاقتضاء عندهم لا لفساد الثّمرة فانحصر إيراد الثمرة في كاشف الغطاء و تلاميذه و بعض أتباعهم فمع قولهم بالاقتضاء منعوا الثمرة و ذهبوا إلى صحّة العبادة و الباقون إنّما حكموا بالصّحة من طرف آخر منها منع الاقتضاء و منها شي‏ء آخر تقف عليه في تضاعف ما يأتي و كيف كان فالمتبع هو الدّليل فعلى كلّ من الفريقين إقامة البرهان لأن المسألة عقلية و المثبت و النافي فيها سواء (و اعلم) أنّ قضية القول بالاقتضاء فساد العبادة الموسّعة في وقت الواجب الفوري سواء كان مضيقا مصطلحا أم لا و كذا فساد غير الأهم عند المزاحمة مع الأهم و القول بالصّحة لا يجامع ما اعترفوا بصحّتها من القواعد العقلية المسلّمة و مخالف و خرق للأصول المثبتة المتلقاة بالقبول عند أساطين الفنّين (أحدها) ما تقرر عندهم من أنّ النّهي في العبادة يقتضي الفساد بخلاف المعاملة إمّا للتّنافي بين الرّجحان الباعث للأمر و المرجوحيّة الباعثة للنّهي أو لاستحالة تعلّق الأمر و النّهي في شي‏ء واحد في آن واحد (و ثانيها)

389

استحالة الأمر بفعلين في آن واحد فمع الأمر بالمضيق كيف يعقل الأمر بالموسّع حتى يكون صحيحا على فرض ترك المضيق عصيانا (و ثالثها) أن الواجب إذا كان له مقدّمة محرمة منحصرة سقط عنه الوجوب و ترك المضيق مقدّمة محرمة للموسّع فكيف يكون باقيا على صفة الوجوب في زمان المضيق حتى يكون صحيحا (و رابعها) أنّه يلزم اجتماع الأمر و النهي في فعل الموسّع لأنّ تركه مقدمة للامتثال بالمضيق فيكون واجبا و فعله حراما مع كونه واجبا (خامسها) ذلك في ترك المضيق لأن ترك الواجب حرام مع أنّ تركه مقدّمة لفعل واجب آخر و هو الموسّع فيكون واجبا فعلى القائل بالصّحة التّفصي عن جميع هذه القواعد الّتي يكفي بعضها في الفساد و على القول بعدم الاقتضاء تندفع جميع الإشكالات إلاّ الإشكال الثاني و هو استحالة الأمر بضدّين في آن واحد لكنّه لو اندفع اندفع ما عداه أيضا إلاّ الإشكال الأخير كما تعرفه فإنّه وارد لا دافع له سواء صحّحنا الأمر بالضدّين و الجمع بين النّهي الغيري و الأمر النفسي أم لا فلا بدّ على فرض اندفاع الإشكالين من دفع الإشكال الأخير أيضا و قد التفت إلى ذلك بعض المحققين و تصدّى له و تبعه غيره فلنذكر أولا ما ذكروه توجيها للأمر بالضدّين و تعلّق الأمر و النّهي بشي‏ء واحد في زمان واحد و قد سبق منا تفصيل الكلام في هذا المقام في مقدّمات مقدّمة الواجب عند الفرق بين الواجب المطلق و الواجب المشروط إلاّ أنّه لا بأس بإعادته هنا مع الزيادة استكثارا لتوضيح الحال في ما اضطربت فيه الأقوال و تغيرت فيه الأحوال (فنقول) صرّح العلاّمة في محكي دين القواعد بأن من كان عليه دين أو خمس أو زكاة أو شي‏ء من الحقوق المالية لا يصحّ صلاته في سعة الوقت و قال المحقق الثاني في شرحه بعدم الفساد مستدلا عليه بأن سبب الفساد إن كان هو النهي المتوجه إليهما من الأمر بالأداء فهو ممنوع لأنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضدّه الخاص و إن كان هو امتناع تعلّق الأمر بفعلين متضادين في آن واحد و حيث كان الأمر بالأداء مفروضا لم يكن بالصّلاة أمر فتفسد ففيه (أوّلا) أنه منقوض بمناسك منى فإن الترتيب فيها واجب و لكن لو عصى و خالف الترتيب صح و كذا الأمر بالمضيقين المتساويين في الأهمّية (و ثانيا) بالحلّ و هو أنّ مآل المسألة يرجع إلى أوامر ثلاثة وجوب هذا و وجوب هذا و وجوب تقديم أحدهما على الآخر فالموسّع أيضا مأمور به و وجوب تقديم الآخر عليه لا يقتضي اشتراط صحته بالتأخر و هو خروجه عن المطلوبية و عن إطلاق دليله رأسا حتى يكون فاسدا و لا علينا نقل كلامه على طوله لأنّه النهر الأعظم الّذي يمتلئ منه العماد و تتروى منه أودية الرّشاد قال (قدّس سرّه) في شرح قول العلاّمة في القواعد و لا يصحّ صلاته في أول وقتها إلى آخره لأن الأمر بالأداء على الفور يقتضي النهي عن ضدّه و النهي في العبادة يقتضي الفساد و كلّ من المقدّمتين في الأصول و في الأولى كلام فإن الّذي يقتضيه الأمر بالأداء النهي عنه هو ترك الأداء و هو الضدّ العام الّذي يسمّيه أهل النظر النقيض أمّا ضدّ الخاص كالصّلاة مثلا فلا فإن قيل الضدّ العام إنّما يتقوم بالأضداد الخاصّة فيكون الضدّ الخاص أيضا منهيّا عنه قلنا المطلوب في النّهي هو الكف عن الشي‏ء و الكف عن الأمر العام غير متوقف على شي‏ء من الأمور الخاصة حتى يكون شي‏ء منها متعلّق النهي لإمكان الكف عن الأمر الكلي من حيث هو هو و ليس ذلك كالأمر بالكلّ لأنّ إيجاد الكلي بدون أحد جزئياته ممتنع على أن المحقق بين مذاق الأصوليين أن الأمر بالكلّي ليس أمرا بشي‏ء من جزئياته و إن توقف عليها من باب المقدمة لأن وجوبه حينئذ من باب المقدّمة لا من نفس الأمر فإن قيل يمكن الاحتجاج بأنّ أداء الدين مأمور به على الفور و لا يتم إلا بترك العبادة الموسعة و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب و ما وجب تركه ففعله منهيّ عنه فتثبت الصغرى قلنا في قوله و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بحت فإنّه إن أريد بذلك العموم منع لأنّ الواجب الموسّع لم يدلّ دليل على أن تركه يكون مقدّمة لواجب آخر مضيق و ظاهر الأوامر الواردة به الإطلاق في جميع وقته إلا ما أخرجه دليل و إن أريد به ما سوى ترك الواجب فهو حق إلا أنّ المتنازع فيه من قبيل ما كان فيه ترك الواجب هو المقدمة فإن قيل وجوب القضاء على الفور ينافي وجوب الصّلاة في الوقت الموسع لأنه حين وجوب الصلاة

إذا تحقق وجوب القضاء على الفور يلزم تكليف ما لا يطاق و هو باطل و إن لم يبق خرج الواجب عمّا ثبت له من صفة الوجوب الفوري قلنا لا نسلّم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع أوجبت عليك كلّ من الأمرين لكن أحدهما موسّع و الآخر مضيق فإن قدمت المضيق فقد امتثلت و سلمت من الإثم و إن قدمت الموسّع فقد امتثلت و أثمت بالمخالفة في التقديم (و الحاصل) أن الأمر يرجع إلى وجوب التقديم و كونه غير شرط في الصّحة و الامتثال مع انتقاضه بتضيق الوقت فإنه إن بقي الوجوب لزم ما سبق و إن خرج لزم خروج الواجب عن صفة الوجوب مع أنّه لا دليل على الترجيح إذ هما واجبان مضيقان قد تعارضا فلا بدّ من خروج أحدهما عن صفة الوجوب لئلا يلزم المحذور و الدلائل تدلّ على خلافه و مع تسليمه فلا دليل يقتضي خروج واحد بعينه من الصّلاة في آخر الوقت و قضاء الحق المضيق فالحكم بصحّة الصّلاة في آخر الوقت أيضا باطل لأنّه يستلزم الترجيح بلا مرجح و لانتقاضه بمناسك يوم النحر فإنّ الترتيب فيها واجب و لو خالف أجزأت عن الواجب الّذي في الذّمة و إنما تجزي إن كانت واجبة مع عدم الترتيب لامتناع أجزاء غير الواجب عن الواجب و إنّما يعقل الوجوب على التقديرين‏

390

و التأثيم على تقدير واحد بخصوصه بناء على ما قدمناه فلو كان بوجوب شي‏ء يقتضي إيجاب ما يتوقف عليه و إن كان مقابله واجبا لامتنع الإجزاء هنا و في كلّ موضع أشبهه و هذا من غوامض التحقيقات و هذا الأصل يبنى عليه كثير من المسائل فيجب التنبيه له و لا شكّ أن الحكم بعدم الصّحة أحوط و أزجر للنّفوس عن التهاون في أداء الحقوق الفورية و إن كان الفقه هو القول بالصّحة انتهى و توضيح ما أفاد من الجلّ أنّ الأمر بضدّين إنّما يستحيل إذا كانا مطلقين أمّا إذا كانا مشروطين كلّ منهما بعدم إتيان الآخر فلا استحالة فيه بل الأمر في الواجب التخييري كذلك فإن الأمر بكلّ منهما مشروط بعدم الآخر فإذا جاز ذلك في الأمرين جاز أيضا في أحدهما خاصة ضرورة ارتفاع المنافاة بين الأمرين بالاشتراط إذا كان في كليهما أو في أحدهما (فإن قلت) إذا كان أحدهما مطلقا فإطلاقه مانع عن الأمر بالآخر و لو مشروطا فقياس المقام بالواجب التخييري ليس في محزّه (قلت) نعم لو كان الأمر بالشي‏ء مقتضيا للنهي عن الضدّ فإن قضيته إطلاق أمر أحدهما النهي عن الآخر فلا يجوز الأمر به مطلقا و لو مشروطا أمّا لو قلنا بعدم الاقتضاء فإطلاق أحدهما يمنع الأمر بالآخر على تقدير عدم الأول لأن محذور الأمر بالمتضادين كما يرتفع بالاشتراط فيهما كذلك يرتفع به في أحدهما (فإن قلت) إن الواجب التخييري مشروط بإرادة تركه الآخر فإذا أراد ترك أحدهما لم يتوجه أمره بل يتوجه أمر الآخر و لا سبيل إلى ذلك في المقام لأنّ إرادة ترك المضيق لا يصير سببا لعدم أمره حتى يصحّ الأمر بالموسّع (قلت) هذا خطأ بين لأن المكلّف لو أتى بأحد فردي المخير مع الغفلة عن الآخر لكان مجزيا فلو كان الأمر به مشروطا بإرادة ترك الآخر لم يصحّ ضرورة اقتضاء انتفاء الشرط و هي الإرادة انتفاء المشروط الّذي هو الأمر بل الشرط في تعلّق الأمر بكلّ فرد من فردي الواجب هو عدم الآخر لا عدم إرادته (فإن قلت) الواجب المشروط لا يجب قبل الشرط فإذا كان ترك أحدهما شرطا لوجوب الآخر فكيف يتصف بالوجوب مقارنا للترك قبل تحققه (قلت) الشرط هو تقدير الترك لا نفس الترك و هو الفارق بين الواجب المشروط و بين ما نحن فيه فإن الوجوب إن كان مشروطا بوجود شي‏ء فهذا هو الواجب المشروط الّذي يتوقف وجوبه على وجود الشرط و لا يتصف بالوجوب قبله و لو مقارنا أمّا لو كان مشروطا بتقديره لا بتحققه و وجوده فهذا يتصف بالوجوب قبل وجوده لأن الشرط هو تقدير الوجود لا نفسه و التقدير محقق قبل وجوده فلا مانع من تحقق الوجوب قبل تحققه و هذا يسمّيه بعض بالواجب المعلّق قسيم الواجب المشروط و المطلق و بعض بالواجب المترتب نظرا إلى ترتب الوجوب على تقدير عدم الآخر و بعضهم يسمّيه بالواجب المشروط بالشرط المتأخر و الكلّ واحد و الحال تصحيح الأمر بالضدّين بوجه من الوجوه في آن واحد مع كون أحدهما مضيقا أو أهم و بعد صحة الوجه تسميه ما شئت فذلكة الكلام أن الأمر بالضدّين في آن واحد على بعض الوجوه أمر جائز و مجرّد كون أحدهما مضيقا و أهم غير قاض بالامتناع غاية الأمر ترتب الإثم على تركه أمّا فساد الموسّع الناشئ عن عدم الأمر به فلا لأن إطلاق الأمر به لا مخصّص له بعد إمكان الجمع بين الأمر به و الأمر بالمضيق عقلا على الوجه المذكور و أنت إذا أحطت بحقيقة هذا التحقيق عرفت اندفاع جميع المحاذير العقليّة المذكورة على القول بالاقتضاء أيضا (أمّا الأوّل) فلأن النهي إنّما يقتضي فساد العبادة إذا كان مانعا عن تعلّق الأمر بها و الوجه المصحّح لتعلّق الأمر بالضدّين في آن واحد يصحّح تعلّق الأمر و النهي به على الوجه المذكور فإذا كان الأمر بالشي‏ء مشروطا بترك الآخر و عدم الإتيان به اجتمع النهي مع الأمر أيضا لأن الفرع لا يزيد على الأصل فكما يجتمع مع الأمر بالضدّ فكذلك يجتمع مع النّهي المتولّد عنه و به يمتاز النهي الغيري عن النفسي لأنّه ليس في النهي النفسي تقدير مصحّح لتعلّق الأمر بالعبادة إذ ليس هنا إلاّ الأمر و النهي و هما من دون ملاحظة الترتيب بينهما لا يجتمعان و حيث لا تقدير و لا ترتيب فيه فلا بدّ من ارتفاع الأمر مع فرض ثبوت النّهي بخلاف النهي الغيري المتولد من الأمر بالضدّ فإن فيه أمور ثلاثة أمر بهذا و أمر بضدّه و نهي عنه من باب المقدّمة فإذا رفعنا المنافاة بين الأمرين بملاحظة الترتيب و التعليق على النمط المذكور ارتفع التنافي بين النهي المتولد من الأمر و بين الأمر بالضدّ أيضا و هذا توضيح‏

ما قال بعض المحققين من الفرق بين النهي الغيري و النفسي و قال هو في بيانه إن عدم اجتماع الأمر و النّهي إن كان لتنافي الرجحان و المرجوحية فهذا لا يأتي في النهي الغيري لأنّه لا يكشف عن المرجوحية الذاتية بل الإضافية الملحوظة بالقياس إلى الآخر و المرجوحية الإضافية ثابتة في كلّ واجب إذ ما من واجب و تركه بالقياس إلى واجب آخر راجح و فعله مرجوح و النهي الغيري راجع إلى المرجوحية الإضافية فالنهي المتعلّق بالصّلاة مثلا لأجل المزاحمة مع الإزالة إنما يكشف عن كونها مرجوحة بالإضافة إلى الإزالة و هي لا تنافي رجحانها في ذاتها بمعنى رجحان فعلها على تركها فالنهي النفسي يكشف عن مرجوحية الفعل بالقياس إلى الترك لا بالقياس إلى الغير بخلاف النهي الغيري فإنّ المستكشف منه إنما هو المرجوحيّة بالقياس إلى الغير لا الترك و ما أشبه هذا بمقالة من فسّر الكراهة في العبادة بالمرجوحية الإضافية أي بالقياس إلى فرد آخر منها و إن كان المنافاة بينهما لكونهما ضدّين لا يجتمعان في فعل واحد فهو أيضا غير وارد لاختلافهما في الإطلاق بعد تقييد الأمر بحال لا يتوجه النهي فيه و هو حال تقدير المعصية و ترك الأهم إذ الآمر لو صرّح بذلك بأن يقول إن عصيتني بترك الأهم و أتيت بالآخر أجزأ

391

لما كان مناقضا كما صرّح بعين العبارة في الوافية و وافقه كاشف الغطاء إلاّ أنّه غير العبارة فقال أيّ مانع من أن يقول الآمر المطاع إذا عزمت على معصيتي فافعل كذا فجعل شرط الأمر بالموسع العزم على معصية المضيق لا نفس المعصية و لو ساق التعبير مساق تعبير المحقق الثاني و صاحب الوافية لكان أحسن إذ العزم على المعصية لا يجدي في تصحيح الأمر بالضدّ ضرورة مساواة تقدير العزم و تقدير عدمه في امتناع الأمر بالموسّع مع المضيق إذ مع العزم على المعصية مأمور أيضا بالمضيق و مع عدمه لا يصحّ الأمر بالموسّع و إنما يتعلّق الأمر به على تقدير لا يتصوّر فيه الأمر بالمضيق و هو تقدير نفس المعصية لا تقدير عزمها فما في كشف الغطاء فاسد أو مؤول إلى ما ذكروا من اشتراط الأمر بالموسّع بمعصية المضيق و هذا هو المراد و السّر في التفسير بالعزم هو أن العازم للشي‏ء محرز له فالتقدير عنده حاصل فالأمر بالموسّع بزعمه متوجّه و أمّا الإشكال (الثالث) و هو ارتفاع الوجوب مع انحصار المقدّمة في الحرام فلأن المحال إنما هو الطّلب المطلق لا مطلق الطّلب لأن سقوط الطّلب عند الانحصار في المحرم إنّما هو لكونه تكليفا بما لا يطاق و إنما يلزم التكليف بما لا يطاق إذا كان مطلقا لا على تقدير المعصية و فرضها أمّا على تقديرها فلا و لذا قال بعض الأفاضل من المؤمنين بهذا الأصل أي الوجوب المشروط بالمعصية بصحّة الوضوء مع انحصار الآنية في المغصوبة أو الذّهب و الفضة في قبال كلّ العلماء حيث يقولون بالفساد و هو منظر وجيه لا يوجد فيه قبح لو لا الإشكال الّذي قلنا إنه غير مندفع و توضيحه أن الأمر بالوضوء مع الانحصار على تقدير المعصية بالاغتراف من الآنية لا مانع منه عقلا و إطلاق الأمر بالوضوء لا مخصص له فإذا أحرز المكلّف هذا التقدير بسوء اختياره و علم من حاله أنّه يعصي و توضأ صحّ إذ لا أثر للنهي في العمل المفروض صدوره و نزيد توضيحه أن ارتفاع الأمر عند انحصار المقدّمة في الحرام إنما هو للزوم التكليف بما لا يطاق و هو على الوجه المذكور غير لازم إذ لا تنافي بين الأمر بالشي‏ء على تقدير شي‏ء و النهي عن ذلك الشي‏ء مطلقا أي لا على تقدير و قال المحقق الثاني بعد تصحيح الصّلاة مع الاشتغال بالدّين أنه من غوامض التحقيقات و هو كذلك فلا ينبغي لأهل البصائر المسارعة إلى الردّ من دون غور و خوض في عمقه و أمّا من لا بصيرة له فهو معذور و أمّا الإشكال (الرابع) فقد ظهر اندفاعه بما اندفع به الإشكالان الأولان و أمّا الإشكال (الخامس) فهو غير مندفع و قد أجاب عنه بعض المحققين بأنّ ترك المضيق مقدّمة وجوبية حيث إنه شرط لوجوب الموسّع و إن كان مقدّمة لوجوده أيضا و مقدّمة الوجوب غير واجبة مطلقا بالاتفاق و لا ينافي كونها شرطا للوجوب كونها متأخرة عنه لأنّ الشرط المتأخر جائز في الشرع فإذا جاز ذلك و راعينا ما هو المقرر عندهم من عدم وجوب شرائط الوجوب و إن كانت مقدّمة للوجود لزم القول بتعلّق الأمر الموسّع قبل ترك الإزالة من دون سراية الوجوب المقدّمي إليه و لعمري إنّ هذا الكلام من مثله من الغرائب و في شأنه المثل إنّ الجواد قد يكبو و ذلك لأنّ شرائط الوجوب إنما لا يتصف بالوجوب إذا كانت سابقة عليه و هو محط أنظار القوم في الحكم بعدم وجوب مقدّمة الوجوب مطلقا و لو كانت مقدّمة للوجود و هو الّذي يقضي به بداهة العقل لاستحالة وجود المعلول قبل العلّة و الوجوب المقدّمي معلولي لوجوب ذيها فقبل وجوبه كيف يجب مقدّمته و أمّا إذا كانت متأخرة عن الوجوب و صحّحنا الشرط المتأخر بأحد الوجوه المذكورة في بابه فلا محيص عن القول بوجوبها أيضا و إن كانت متأخرة إذ العبرة بجريان الدليل القاضي بعدم الوجوب و هو لزوم تقدّم المعلول على العلّة و عدمه و هو كما ترى لا يأتي في الشروط المتأخرة ضرورة فرض تحقق وجوب الواجب الّذي هو علّة لوجوب المقدّمة قبل وجودها فكيف يتخلّف المعلول عن العلّة فكما أن الوجوب في صورة التقدّم يستلزم تقدّم المعلول على العلّة فكذا عدم الوجوب في صورة المتأخر مع كونه مقدّمة للوجوب أيضا يستلزم تخلّف المعلول عن العلّة و كلاهما في الاستحالة بمكان واحد فالحق ما أفاده السيّد الصّدر (قدّس سرّه) حيث إنّه بعد الاستدلال على صحة الموسّع مماشاة للماتن مستشعر اعتراضا عليه يقرب من الإشكال الخامس و هو أنّ فعل الموسّع موقوف على الصارف عن المضيق فيجتمع فيه الوجوب و التحريم فقال إنّ هذا الإشكال لا حاسم له إلا بإنكار وجوب‏

المقدّمة أو بتجويز اجتماع الأمر و النهي و هو في غاية السّداد و الجودة (فإن قلت) الإشكال الرابع و الخامس متقاربان بل متحدان و هو لزوم اجتماع الأمر و النهي في الموسّع تارة و في المضيق أخرى فكيف ارتفع في الموسّع على الوجه المقرر و لا يرتفع في طرف المضيق (قلت) الفرق بينهما و إن كان دقيقا إلاّ أنه حقيق بالقبول لأنّ الأمر في الموسّع نفسي و النهي غيري و مآله إلى وجوب تركه مقدّمة للمضيق و وجوب فعله لكونه عبادة مأمورا بها و لا منافاة بين وجوب ترك الشي‏ء مقدّمة لشي‏ء و وجوب فعله على تقدير عدم الإتيان بذي المقدّمة و أمّا المضيق فهو على عكس الموسع لأن وجوبه غيري و حرمته نفسي و حرمة الشي‏ء نفسا لا يجامع وجوب فعله مطلقا و لو مقدمة لشي‏ء آخر إذ ليس هنا تقدير مصحّح للأمر بحيث ترتفع المنافاة بينه و بين النهي فالوجه المصحّح للاجتماع مختصّ بالنهي الغيري و الأمر النفسي فلا يتصوّر في العكس فافهم و اغتنم و اجعله من هدانا ثم إن كلامنا مع المحقق المذكور مبني على المماشاة معه في جواز

392

الشرط المتأخّر و إلا فالبحث فيه غامض و ميدان الكلام هنا طويل واسع لأن المسائل الّتي زعمها من الشرط المتأخر مثل وجوب الغسل للصّوم في اللّيل مع أنّه مشروط بالفجر و وجوب الزكاة في أول الشهر الثاني عشر مع أنّه مشروط ببقاء النصاب إلى آخره و صحّة صوم المستحاضة مع كونه مشروط بغسل اللّيلة الآتية و وجوب الصّوم على المرأة مع كونه مشروطا بعدم حيضها في آخر النهار و صحّة الفضولي مع اشتراطه بلحوق الإجازة و غير ذلك مما ظاهره كون المتأخر شرطا لا كون الشرط متأخرا يستحيله العقل كلّها مؤول بما أشرنا إلى شرذمة منها في مقدّمة الواجب و حيث ما لا يتصوّر فيه تأويل يكون الشرط حينئذ هو نفس التقدير أعني كون العقل أو التكليف بحيث يتعقبه الشرط فيكون الشرط مقارنا أيضا فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تصحيح الموسّع مع المزاحمة مع المضيق أحد أمرين إمّا نفي وجوب المقدّمة أو تجويز اجتماع الأمر و النهي و أحدهما يكفي في تصحيح الضدّ و إنّما الفرق بينهما في مسألة الاغتراف فالأوّل يصحّحها أيضا دون الثّاني لأنّ اجتماع الأمر و النهي فيها آمري محال غير مبني على مسألة اجتماع الأمر و النهي فإنّه مأمور و لذلك قال بعضهم كما عن كاشف الغطاء بصحّة الضد و فساد الوضوء من الآنية المغصوبة فما اختاره بعض الأفاضل من الصّحة في موضعين تفريعا لهما على الوجوب التعليقي الترتيبي بديهي الفساد كما سبق مفصّلا في مقدّمة الواجب نعم هنا كلام آخر أوردناه هناك أيضا إن تم صحّت المسألتان و هو أن المكلّف لما كان عازما و بانيا على الإتيان بالمقدّمة المفروضة لم يتعلّق بها الوجوب المقدّمي و كذا كلّ مقدّمة يكون الداعي إلى فعلها موجودا في المكلّف من قبل نفسه إذ الأمر بهذه المقدّمة لا فائدة فيه بل الأمر كذلك في الواجبات النفسية الّتي داعيها موجود قبل الأمر فإن الإلزام بها ليس له فائدة التكليف لكنه غير تام إذ الوجوب التبعي الإجمالي لازم عقليّ بوجوب ذي المقدّمة قهرا بحيث لا يسع للآمر الملتفت نفيه و الّذي يلاحظ فيه فائدة التكليف و هو البعث على الفعل هو الوجوب الأصلي الناشئ عن خطاب تفصيلي كقوله تعالى‏ فَاغْسِلُوا فهذا هو الّذي يمكن القول بعدم فائدته مع وجود الدّاعي قبل الأمر و أمّا الوجوب التبعي المعلولي فلا ينفك عن وجوب ذيها فكيف ينتفي الوجوب المقدّمي للمقدّمة المفروضة و هنا مسلك آخر لنفي الوجوب المقدّمي عن ترك الضدّ سلكه صاحب المعالم يأتي التعرض له في الأدلّة و سبق الإشارة إليه في مقدّمة الواجب و هو إن صحّ رجع إلى إبطال الأصل أعني الاقتضاء دون الفرع هذا حال الجواب الحلي عن الإشكالات المذكورة و أمّا النقض بالمضيقين فليس له وجه ظاهر لأنّه إن أراد الأمر بهما على التعيين فلم يقل و لا يقول به أحد و إن أراد الأمر بهما على وجه التخيير فلا مساس له بالمقام لأن وجوب الضدّين على سبيل التخيير مما لا غائلة فيه و إنما الكلام في اجتماع وجوب أحدهما عينا مع الأمر بالآخر فهذا النقض بظاهره غير واضح و لعلّ نظره إلى التقريب الّذي بيناه فراجع و تأمّل نعم النقض بمناسك منى و مناسك العمرة وارد و جوابه أنّه لا يدلّ على فساد الثمرة بناء على الاقتضاء لأنّه أعمّ منه و من فساد المبنى و هو الاقتضاء إذ على القول بعدمه قد عرفت أنّه لا إشكال في صحّة الموسّع مطلقا حتى إشكال اجتماع الأمر و النهي في ترك المضيق لأنّه مبني على كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الآخر فمن ينكره لا يرد عليه النقض أيضا كما لا يخفى (و الحاصل) أنّ النقض المذكور لا ينفع لمن قال بصحّة الموسّع على القول بالاقتضاء لأنّه أعمّ فلأن يدل على عدم الاقتضاء أولى من أن يدلّ عليها على القول بالاقتضاء و الكلام في صحّتها لا في صحة المبنى و هنا نقض آخر التفت إليه كاشف الغطاء و هو أن الفقهاء حكموا بمعذورية الجاهل بالمسألة في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام و هو لا يتم إلا بالتزام صحّة الأمر بالثاني على فرض المعصية و هو أقوى من الإشكال في صحّة الموسّع لما عرفت أنّ حكم المسألة هناك ينحلّ إلى أوامر ثلاثة وجوب هذا و وجوب هذا و تقديم هذا على هذا و هنا ليس إلا أمر واحد فإن كان متعلّقا بالإخفات فكيف يعاقب على عدم الجهر مع التقصير و من ذلك يظهر أنّ إجراء الجواب الحلّي المذكور في كلام المحقق الثاني الّذي اعترفنا بصحّته في جاهل المسألتين خطأ بين إذ لا ربط له به أصلا كما لا يخفى على متدرّب متأمّل ذي فطانة فلا بدّ من توجيه آخر و قد

ذكر في محلّه وجوه اندفاعه الّتي منها منع العقاب على الجاهل و لو مع التقصير إذ الدّليل القطعي عليه مفقود و الظني المستفاد من ظاهر العلماء غير مفيد و ليس هذا من التصويب الباطل المحال عقلا إذ هو أن يكون العلم و الجهل مؤثرين في تقرر الحكم الواقعي عند اللّه في الواقع فإنه محال لما فيه من الدّور البين و الحكم بمعذورية الجاهل في المسألتين وضعا و تكليفا غير مبني عليه بل على كونهما مغيرين للحكم الواقعي بأن يكون للواقعة في نفسها مع قطع النظر عن العلم و الجهل حكم واقعي و يكون الجهل به مغيرا له كما يقوله السّيد المرتضى (قدّس سرّه) في جواب أخيه في جواب بعض المسائل أنّ الحكم الشرعي يتغير بالصّفات و الجهات و العلم و الجهل من الصّفات المغيرة و منها منع كون الإخفات في حال الجهل مجزيا بل مسقطا عن الواجب و هو و إن كان مخالفا لظاهر الأدلّة إلا أنّ الظاهر يؤول إذا عارضه دليل العقل فقد تلخّص من جميع ما ذكرنا أن صحة الموسّع مع مزاحمة المضيق يجوز عقلا بارتكاب أحد أمرين إمّا منع كون ترك الضدّ مقدّمة و إمّا تجويز اجتماع الأمر و النهي و إلا فلا و أنّ تصحيح عمل الجاهل في المسألتين غير ممكن بهما

393

بل لا بدّ من التجشم بوجوه أخرى فما صدر من كاشف الغطاء من الاستدلال على صحة الموسّع بورود مثلهما في الشرع كالجاهل بالجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فهما لا يليق بأهالي التحقيق في غوامض المسائل بخلاف ما استدلّ به المحقق الثاني من مناسك منى و أفعال العمرة فإنّه وقع في محزّه فليتدبّر جيّدا فإنّ المقام من مزال الأقدام و العلم عند الملك العلاّم و إذا تمهدت المقدّمات‏

فلنشرع في أدلّة الأقوال فنقول‏

حجة القول بعدم الاقتضاء في الضدّ العام وجوه‏

الأوّل‏

ما هو مبني على أصول الأشاعرة من جواز التكليف بما لا يطاق فيجوز الأمر بالفعل و الترك معا و حينئذ فلا يدلّ الأمر بالفعل على عدم الأمر بالترك فضلا عن النّهي عنه و وضوح فساده يغني عن التعرض لبيانه و ردّه‏

الثّاني‏

ما نسب إلى ظاهر علم الهدى و العلاّمة في الذريعة و النهاية و صرّح به الحاجبيان في المختصر و شرحه و هو أنّ الطلب إيجابا أو تحريما فرع الالتفات إلى المطلوب لامتناع تعلّقه بالأمر المغفول عنه الغير المشعور به و الأمر بالفعل لا يلازم الالتفات إلى الترك بل الغالب المشاهد بالوجدان في حال الأمرين عدم التفاتهم إلى ضدّ المأمور به عامّا أو خاصا فكيف يكون الأمر بالشي‏ء ناهيا عن ترك المأمور به قال الحاجبي على ما حكي عنه أنّه لو كان الأمر نهيا عن الضدّ أو تضمّنه لم يحصل بدون تعقل الضدّ و الكف عنه لأنّه مطلوب النهي و نحن نقطع بالطّلب مع الذهول عنها انتهى و هو و إن لم يكن ظاهرا في الضدّ العام بمعنى الترك إلا أنّه يجري فيه أيضا ذلك و أجيب عنه بوجوه (أحدها) ما ذكره هو بعد كلامه المذكور بقوله و اعترض عليه بأنّ المراد الضدّ العام و تعقله حاصل لأنّه لو كان ذاهلا عنه لم يطلبه ثم قال و أجيب بأن طلبه في المستقبل و لو سلّم فالكف واضح و قال العضدي في توضيح الاعتراض و الجواب عنه بأن المراد بالضدّ هو الضدّ العام لا الأضداد الجزئية و الّذي يذهل عنه هو الثاني كالأول لأنّ تعقله حاصل ضرورة أن المأمور لو كان على الفعل و متلبّسا به لم يطلب الآمر منه لأنّه طلب الحاصل فإذن إنما يطلبه إذا علم أنّه متلبّس بضدّه لا به و أنّه يستلزم تعقل ضدّه الجواب أنّه يطلب منه الفعل في المستقبل فلا يمنع الالتباس به في الحال فيطلب منه أن يوجده في ثاني الحال و لو سلّم فالكف واضح يعلم بالمشاهدة و لا حاجة في العلم به إلى العلم بفعل الضدّ و إنما يلزم النّهي عن الكف و ذلك واضح و لا نزاع لنا فيه فلا يصلح موردا للنّزاع و الاحتجاج انتهى و حاصل الاعتراض على ما فسّره الشارح أن توجيه الأمر إلى المأمور إنما يحسن إذا كان متلبسا بضدّ المأمور به إذ لو كان متلبّسا به كان طلبه تحصيلا للحاصل فلا جرم يكون الآمر ملتفتا إلى الضدّ و يكون الغرض من الأمر ترك ما كان متلبّسا به و فعل ضدّه الّذي هو المأمور به و حاصل الجواب يحتمل وجهين (أحدهما) اختيار صدور الأمر في حال التلبّس بالمأمور به و منع امتناع توجه الأمر إليه حينئذ لأنّ المطلوب من الأمر هو إتيان المأمور به في ثاني الحال لا في الحال أو الالتفات إلى الضدّ غير حاصل فيتم الاستدلال المزبور (و ثانيهما) اختيار صدور الأمر في حال التلبّس بالضد و أنّ الالتفات إليه في وقت الأمر لا يستلزم الالتفات إليه في وقت المأمور به إذ الكلام فيما هو للمأمور به فعلا لا في مطلق الضدّ و محصّل الوجهين أنّ الضدّ الخاص على زمان العمل لا عبرة به و إنّما العبرة بالضدّ المقارن و هو غير ملتفت إليه فلا يعقل النهي عنه و الوجه الأوّل هو الظاهر من كلام الشارح لكنه فاسد لكونه خلاف الواقع و اندفع به محذور تحصيل الحاصل لأن صدور الأمر في حال التلبّس بالمأمور به محض تصوير لا واقعية له في الواقع إذ الغرض من الأمر إيجاد المعدوم لا إبقاء الموجود فافهم فتعين الوجه الثاني في الجواب المذكور و يرد عليه أن الالتفات إلى الضدّ حال صدور الأمر يكفي في الالتفات عليه في زمان المأمور به لأن الأعدام لا تعدد فيها إلا بالاعتبار و إلاّ فالالتفات إلى ترك المأمور به شي‏ء واحد و هو يكفي في تصحيح النهي عنه فالجواب المذكور فاسد جدّا نعم و أصل الاعتراض أفسد لعدم الملازمة بين التلبّس بالضدّ و الالتفات و الآمر إليه إذ الغرض من الأمر لما كان هو تحريك المأمور و بعثه إلى إيجاد المأمور به فلا داعي للآمر إلى الالتفات إلى ضدّه و إن كان المأمور به متلبسا به أ لا ترى أن الناظر إلى المرآة إذا كان غرضه من النظر فيها ملاحظة وجهه لم يلتفت إلى نفس المرآة و لو كان غرضه شراء المرآة لم يلتفت إلى وجهه و إن كان كلّ منهما ملحوظا له في كلّ من الحالتين و إذا كان هذا هو الشأن في فعل النفس فما ظنّك بفعل الغير فمجرد كون المأمور ملتفتا بترك المأمور به لا يعقل التفات الآمر إليه حال الأمر و الرجوع إلى الوجدان و ما يشاهد من حال الأمراء بالعيان يغني عن مزيد بيان فالدليل المذكور على عدم الاقتضاء ممّا لا غبار عليه (و ثانيها) ما ذكره صاحب الفصول حيث قال في ردّه و أنت خبير بأن هذا التعليل على تقدير تسليمه إنما يقتضي نفي الاقتضاء باللّزوم البين بالمعنى الأخص‏

دون الاقتضاء بطريق العينية في المعنى أو الجزئية أو اللّزوم البيّن بالمعنى الأعمّ أو اللّزوم الغير البين انتهى و فيه ما لا يخفى لأنّ النهي الّذي هو محل البحث و محلّ النزاع هو النّهي الفعلي و من الواضح أنّه لا يعقل إلاّ بعد الشعور و الالتفات فلا ملازمة بين مدلولي الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضدّه إذا لم يكن هناك ملازمة لم يعقل دلالته عليه لا مطابقة و لا تضمّنا و لا التزاما بيّنا أو غير بيّن إذ الدلالة فرع وجود المدلول و إذ ليس فليس (و ثالثها) ما حكي عن شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) و هو أن النهي الّذي يقتضيه الأمر هو النّهي الثاني و المراد منه أن‏

394

الآمر لو التفت إلى الترك لكان كارها له و ناهيا عنه و هو لا يحتاج إلى الالتفات الفعلي على نحو وجوب المقدّمة كما سبق و هو ثابت بضرورة الوجدان و هو كالنّهي الفعلي في إفادة التحريم و سائر الأحكام و فيه أنّه اعتراف بمقالة المستدلّ و التزام بما لا يثمر و لا يغني إذ قد عرفت أنّ النهي المتنازع فيه هو النهي الفعلي و هو طلب الترك المستكشف بالقول و قد اعترف بعدم النهي الفعلي و النهي الشّأني ليس من النهي في شي‏ء ضرورة أنّ النّهي من سنخ الكلام و هو طلب الترك بالقول و ليس هنا طلب فعلا و لو قلنا بعدم توقف صدق النهي على لا تفعل بل و يكفي مطلق القول الكاشف و لو كان أمرا و دعوى أنّ النهي الثاني بالمعنى المذكور نهي حكمي لأنّه يفيد فائدته في المدح و الذّم و الثواب و العقاب كما برهن في محلّه نظرا إلى استحقاق العبد التّارك لإنقاذ ولد المولى من الغرق فيعاقب و لو لم يعلم به المولى فمع ابتنائها على أصول العدلية و أهل التحسين و التقبيح فلا ينهض حجة على الأشاعرة غير مجدية في المقام إذ لا حكم لهذا النهي مضافا إلى حكم الأمر المتعلّق بالواجب و لو كان صريحا بأن يقول الآمر افعل و لا تترك لا المدح و لا الذم و لا الثواب و لا العقاب و لا شي‏ء آخر من أحكام النّهي فليس هنا نهي حقيقي و لا ما هو في حكمه و الّذي يقتضيه التحقيق أنه على القول بمغايرة الطّلب للإرادة فالحق مع المنكرين فإن الأمر بالفعل لا يكشف إلا عن إنشاء واحد قائم بنفس الأمر و ليس له إنشاءان مستقلان قائمان بنفسه أحدهما متعلّق بالفعل يسمّى أمرا و الآخر بالترك يسمّى نهيا و هذا واضح عند من راجع الوجدان و أمّا على القول بالاتحاد فالحق مع المثبتين فإن حقيقة النهي على القول المذكور هي المبغوضية المستكشفة بالقول كما أنّ معنى الأمر هي المحبوبية المستكشفة به إذ ليس وراء اللّفظ على القول المذكور المحبوبية و المبغوضية و من الواضح أنّ الأمر الدال على محبوبية الفعل دال على مبغوضية الترك أيضا فالأمر بالشي‏ء يكون نهيا عن ضدّه أيضا نعم قد يقال إنه يعتبر في صدقه عرفا استكشافه بصيغة لا تفعل و نحوها من صيغ النّهي و حيث لم يستكشف المبغوضية بصيغة فلا يسمّى هذا نهيا و هذا على فرض التسليم مسألة لغوية خارجة عن المسألة العقلية التي تنازع القوم فيها (فإن قلت) و على القول بأنّ الطّلب عين الإرادة لا يتصوّر النّهي الفعلي لأنّ الإرادة الفعلية منتفية أيضا مع ذهول الآمر و غفلته عن الترك فلا وجود لها أيضا فعلا فكيف يكون اللّفظ دالا عليه بالالتزام فحالها حال الطّلب بناء على المغايرة (قلت أوّلا) إنّ السؤال مبني على الفرق بين الإرادة و الحبّ و البغض و فيه بحث بل التحقيق الّذي عليه المتكلّمون أن مآلها إلى شي‏ء واحد و هو العلم و الاعتقاد بالنفع و المصلحة فإذن يكون لفظ الأمر دالا على شيئين محبوبية الفعل و مبغوضية الترك (و ثانيا) أن الفرق بين الإرادة و الطلب النفساني المغاير لها واضح فإنّ المدار في تحقق الإرادة و سائر الكيفيّات النفسانية كالعلم و العزم و الحب و البغض و الشوق على تقرّر حقائقها في خزانة القلب فقد تكون موجودة في ضمير الإنسان و لا يشعر به إلا بعد الالتفات فيكون الالتفات شرطا للعلم بتحققها لا شرطا لأصل التحقق و لا كذلك الطّلب على مقالة الأشاعرة فإنّه إنشاء نفساني تفعل بالقلب فلا يتصور صدورها إلا بعد الالتفات إلى المطلوب هذا و يمكن تقرير الدليل المذكور بوجه آخر من غير حاجة إلى توسيط مقدمة الغفلة و توقف النهي على الالتفات بناء على مغايرة الطّلب للإرادة كما هو مذهب المستدلّ إذ لا يستلزم الالتفات إلى ترك المأمور به وجود إنشاء آخر متعلّق به كما هو واضح فالدّليل المذكور على ذلك المبنى ممّا لا جواب له‏

الثّالث‏

أي من وجوه عدم الاقتضاء رأسا ما ربما يستفاد من كلام علم الهدى في الذريعة حيث قال علي ما حكي عنه إن الّذي يقتضيه الأمر كون فاعله مريدا للمأمور به و أنّه ليس من الواجب أن يكره الترك كما في النوافل و قد استفيد من كلامه أنّ غرضه من العبارة مقايسة الواجب بالمندوب في عدم الدّلالة على النهي عن الترك و تقريب الاستدلال بوجهين (أحدهما) أنّ ترك الواجب لو كان حراما لكان ترك المندوب أيضا مكروها و التالي باطل بالإجماع فكذا المقدم (و الثاني) أنّ إيجاب الشي‏ء لو كان مقتضيا للنهي عن تركه لكان استحبابه أيضا مقتضيا للنّهي عن تركه تنزيها و التالي باطل فالمقدّم مثله و لا يخفى ما فيهما من الوهن (أمّا الأوّل) فلأنّ بطلان التالي و إن كان مسلّما إلاّ أنّ الملازمة ممنوعة فإنّ وجوب الشي‏ء يكشف عن مفسدة الذاتية في الترك ككشفه عن مصلحة الفعل و الاستحباب لا يكشف منقصة فيه و المكروه ما اشتمل على المنقصة فالأمر الوجوبي يدلّ على حرمة الترك و لا يدل الأمر الندبي على كراهته (و أمّا الثّاني) فالملازمة مسلّمة إلاّ أنّ بطلان التالي ممنوع لأنّ الأمر بالشي‏ء ندبا يقتضي أيضا النّهي عن الترك تنزيها إلاّ أنّ ذلك ليس من الكراهة الشرعية المصطلح‏

حجّة القول بالعينيّة

أن النهي عبارة عن طلب ترك متعلّقه فإذا تعلّق بالترك يكون المطلوب ترك الترك و هو عين الفعل لكون الفعل و الترك نقيضين و كلّ منهما رفع الآخر فطلب كلّ منهما طلب لترك الآخر و لذلك ذهب إلى القول بالعينية غير واحد من أفاضل المتأخرين و قد مرّ سابقا عن نهاية العلاّمة و تمهيد الشهيد أيضا فإنّهما قالا بأنّ طلب الحركة عين النهي عن السكون و بالعكس مع أنهما ضدّان لا نقيضان و وهنه واضح إن أرادوا وجود نهي فعلا متعلّق بالضدّ و إن أرادوا أن متعلّق الأمر يصدق‏

395

عليه عنوان أحدهما الحركة مثلا و الآخر عدم السّكون أو عدم عدم الحركة فهو مسلم لكن لا يصير ذلك سببا لكون الأمر بالشي‏ء عين النهي عن الترك أو عين النّهي عن الضدّ على أنّه لو سلّمنا وجود نهي فعلا عن الترك أو عن عدم الحركة كان القول بالعينية أيضا باطلا لأنهما مفهومان متغايران فكيف يكون أحدهما عين الآخر و قصوى ما في الباب أن يكون متعلّق الأمر مصداقا لمفهومين متغايرين أحدهما الفعل و الآخر ترك تركه كما لو أمر بكاتب فإنّه مصداق له و للضّاحك إلاّ أنّ الأمر بالكاتب ليس عين الأمر بالضاحك لا مفهوما و لا مصداقا و إنما هو أمر بشي‏ء يصدق عليه الضّاحك و بينهما بون بعيد كما لا يخفى و الحاصل أنّه إن أريد بالعينية اتّحادهما في المفهوم فهو واضح الفساد فإنّ مفهوم كلّ من الفعل و ترك الترك مغاير للآخر و الظّاهر أنّ القائل بالعينية أيضا لا يقول به و إن أريد به اتحادهما بحسب المصداق ففيه (أوّلا) أنّ الترك أمر عدمي لا مصداق له في الخارج فكيف يتحد مع الشي‏ء الموجود في الوجود (و ثانيا) أنّ مجرّد الاتحاد لا يكفي في كون الأمر بالشي‏ء عين النهي عن تركه بل لا بدّ فيه أولا من إثبات طلبين أحدهما بالفعل و الآخر بالترك و إلا فغاية الأمر أنّه لو كان هناك نهي عن الترك بعد الأمر صحّ أن يقال إن متعلّق الطّلبين متصادقان في شي‏ء واحد فهذا الدليل على فرض تماميته غير ناهض في ردّنا في الاقتضاء رأسا إذ له أن يعترف بذلك و لكن يدعي أن مفاد الأمر ليس إلا طلب واحد متعلّق بالفعل فأين الطّلب الآخر المتعلّق بترك الترك حتى يكونان عينين‏

حجّة القول بالتضمّن‏

كما في المعالم أنّ ماهية الوجوب مركبة من أمرين (أحدهما) طلب الفعل (الثّاني) المنع من الترك فالدال على الوجوب دال على النهي عن الترك بالتضمّن و ذلك واضح و أورد عليه في حواشيه بأنّ المنع من الترك ليس داخلا في حقيقة الوجوب لأنّ حقيقة الوجوب هو الطلب الجازم و المنع من الترك لازم له في الوجوب و ما يتراءى من ظاهر تعريفهم للوجوب بطلب الفعل مع المنع من الترك تعريف له بالرّسم دون الحدّ و أجاب عنه بعض المحققين بأنّ الوجوب و إن كان أمرا بسيطا و مرتبة خاصة من الطلب إلا أنّه عند الانحلال العقلي ينحل إلى أمرين أحدهما طلب الفعل المشترك بين الوجوب و الندب و الثاني المنع من الترك الّذي هو المائز بين الوجوب و الندب فدلالة الأمر بالشي‏ء على المنع من الترك الذي هو أحد جزئي الوجوب دلالة تضمّنية عند التحليل و هو لا ينافي البساطة قبل الانحلال إذ لا يعتبر في المداليل التضمّنية التركب الخارجي بل يكفي فيها التركب الذهني عند التحليل و ذلك كما يقال لفظ الإنسان يدلّ على كلّ من الحيوان و الناطق بالتضمّن مع أنه بسيط مفهوما فليس ذلك إلاّ لانحلاله عند العقل إليهما و دلالة الأمر على المنع من الترك من هذا القبيل لا ينافي كون معناه مرتبة خاصة من الطّلب و يؤيده ما قيل من أنّ البساطة فيما له جنس و فصل غير معقول و إنّما هي في المداليل التي ليس لها فصل خارجي كالوجود و ما شابهه ممّا لا تنقسم إلى نوعين مختلفين في الماهية لأنّ ما به الامتياز هنا عين ما به الاشتراك فليس تمييز الوجوب عن الاستحباب و منوّعهما أمرا خارجا عن حقيقة الطّلب بل الطّلب ذو مرتبتين بل مراتب و أول مرتبته هي إرادة الفعل و محبوبيّته من دون تأكّد و تحتم و يسمّى هذا ندبا فإذا بلغ مرتبة الحتم و الإلزام يسمّى وجوبا و يلزمه الذّم و المنع من الترك فالمنع عنه ليس جزء لمعناه بل هو لازم خارجي له و هذا مطّرد في كلّ مشكك يكون التميز بين أفراده بالشدّة و الضعف كالبياض المنقسم إلى شديد مفرّق للبصر و ضعيف غير مفرّق له فكما أنّ تفريق البصر ليس جزء لفرده الشديد بل هو لازم له فكذلك المنع عن الترك و ما زعمه المجيب من أنّه بسيط قبل التحليل و مركب بعده فهو مركب ذهني لا خارجيّ حتى يدلّ الأمر عليه تفصيلا كالدّار مثلا فهو بعيد عن التحقيق (أمّا أوّلا) فلما عرفت من أن تميز الوجوب عن الاستحباب ليس بأمر خارج عن حقيقة الطّلب و المنع من الترك خارج عنه و لو زعم أنّه أيضا من سنخ الطّلب فليس شيئا آخر ففيه أنّه طلب متعلّق بالترك و مدلول الأمر هو الطلب المتعلّق بالفعل و الكلام في أنّ الطّلب المتعلّق به هل هو مركب من المنع عن الترك أم لا و معلوم أنّ طلب الفعل و لو بلغ مرتبة التحتم ليس مركبا من المنع عن الترك كيف و لو كان مركبا منه لكان الملحوظ في معناه طلبان مستقلاّن متعلّق كلّ منهما بشي‏ء و هذه الدّعوى غير مسموعة من مدّعيها و قد سبق فسادها بما لا مزيد عليه ضرورة أن الأمر بالشي‏ء ليس له إنشاء بالنسبة إلى الترك و لذا استدلّ القائل بعدم الاقتضاء على عدمه بعدم الالتفات إلى الترك فلو كان المنع من الترك هو عين مرتبة التحتم الّذي يدل عليه الأمر لكان دعوى عدم الالتفات غلطا مع أنّهم متسالمين لذلك و إن أجابوا عنه بوجه آخر سبق (و أمّا ثانيا) فلأنّه لا فرق بين أقسام التضمّن و لا يختلف حالها باختلاف التركب الخارجي و الذهني إذ الكلّ أجزاء بعد التحليل لا قبله فإنّ المداليل كلّها بسائط و إن كان بعضها منتزعا من مركب خارجي كما حققناه في باب الأوضاع إذ التعدّد الخارجي لا يصلح أن يكون معنى واحد للفظ واحد ما لم ينتزع من الضمّ معنى وحدانيا و إلا لكان اللّفظ مشتركا لفظيا بينهما إذ ليس الاشتراك سوى وضع اللّفظ لتعدد حال التعدّد من غير ملاحظة الوحدة فيها و تمام الكلام خارج عمّا يقتضيه المقام ثم لا يذهب عليك أن ما سبق منا في دليل النافي من التحقيق آت هنا و في سائر ما صدر من‏

396

القوم من الاستدلال و الجواب في الضدّ العام و الخاصّ إذ على القول بأنّ الطّلب عين الإرادة يمكن إثبات ملاك النهي في المقامين أمّا على القول بالمغايرة فالنهي عن الضدّ واضح الانتفاء مطلقا كما يظهر بأدنى تأمّل هذا هو الكلام في الضدّ العام‏

و أمّا الضدّ الخاص‏

(فقد احتج) صاحب المعالم على عدم الاقتضاء فيه لفظا بأنّه لو دلّ لكانت بواحدة من الثلاثة كلّها منتفية و هو حسن لوضوح عدم اعتبار الواضع النهي عن الضدّ الخاص في مفهوم الوجوب الّذي هو مدلول الأمر لا شرطا و لا شطرا فدعوى الدلالة اللفظية بالمعنى المذكور واضحة الفساد نعم قد يورد عليه بأن الالتزام بالمعنى البيّن داخل عند القوم في الدلالة اللّفظية فإدراجها في الدلالة المعنوية لا يلائم اصطلاحهم و على عدم الاقتضاء فيه معنى بضعف ما تمسّك به و عدم قيام دليل صالح عليه سواه و أورد عليه بعض المحشين بأن عدم وجدان الدليل على الشي‏ء ليس دليلا على عدمه اللّهمّ إلا أن ينضم إليه أصالة البراءة و يضعّف بأن عدم وجدان الدّليل في المسائل العقلية دليل على العدم لأنّ أدلّتها إمّا راجعة إلى الوجدان أو إلى البرهان و حيث لا يساعده شي‏ء منهما لا وجه لاحتمال ثبوته و أمّا ضمّ أصالة البراءة في المقام و نحوه ممّا ليس فيه عقاب خصوصا المسائل العقلية فهو أيضا ممّا لا وجه له كما تحقق في محلّه و لو كان اعتبارها من باب الظّن لأنّ الظنّ إذا لم يفد علما و لا عملا لا يعقل التعبّد به فما ذكره صاحب المعالم تسلّم عن الإيراد المذكور

و احتج القائل بالعينية بوجهين‏

الأوّل‏

أنّه لو لم يكن عينية لكان إمّا مثله أو ضدّه أو خلافه و التالي بأقسامه باطل و لا بدّ أن يكون المراد بالضدّ ما يشمل النقيض مراعاة للحصر و أجاب عنه في المعالم بمنع بطلان كونهما خلافين و فساد ما استدلّ به عليه من اقتضائهما جواز اجتماع كلّ منهما مع ضدّ الآخر كالسّواد و الحلاوة لأنهما قد يكونان معلولي علّة واحدة و قد يكونان ضدّين لأمر ثالث و حينئذ لا يجوز الاجتماع و لو بالعرض كما لا يخفى و التحقيق في الجواب هو أنّ إثبات العينية إنما يجدي بعد إثبات أصل الاقتضاء الّذي هو المتنازع فيه و هذا الدليل على فرض صحّته لا يثبت به أصل الاقتضاء مضافا إلى ما في دعوى العينية من الوهن و الفساد

الثّاني‏

أنّ الحركة هو عين ترك السّكون فيكون طلب أحدهما عين طلب الآخر و جوابه هو الجواب عن دليل العينية مضافا إلى كونه أخصّ من المدّعى إذ لا يتم إلا في الضدّين الّذين لا ثالث لهما و لعلّ هذا هو منشأ ما نقل عن بعض من التفصيل بينهما و بين ما كان الأضداد متعدّدة

و احتج القائل بالتضمّن‏

أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا و لا ذم إلا على فعل لأنّه المقدور و ما هو هاهنا إلاّ الكف عنه أو فعل ضدّه و كلاهما ضدّ للفعل و الذم بأيهما كان يستلزم النّهي عنه إذ لا ذمّ بما لم ينه عنه لأنّه معناه و هذا الدّليل مركب من مقدّمات ثلاث (إحداهما) أنّ الوجوب طلب فعل يذمّ على تركه (و الثانية) أنّه لا ذمّ إلا على فعل (و الثّالثة) أنّ الذمّ لا يكون إلا مع النّهي و الدّليل على المقدّمة (الأولى) هو الاتفاق و على (الثانية) أن العدم غير موجود أو أنّه غير مقدور أو أنّ المتصف بالحسن و القبح إنّما هو الوجودي فالعدم ليس مما يقبل المدح و الذم و هذا هو المستفاد من كلام السّبزواري (قدّس سرّه) أمّا المقدّمة (الثّالثة) فلم أعثر على من ناقش فيها و كأنّهم تلقوها بالقبول مع أن المناقشة فيه أجلى كما يأتي و أورد على (الأولى) بأن مدلول الأمر هو الطّلب الحتمي الّذي لا يرضى بتركه أمّا الذّم على الترك فهو مرتب على خصوص أوامر المولى فليس الذّم على الترك مأخوذا في مدلول الأمر حتى يدلّ عليه بالتضمّن و يدفعه أنّ الدليل المذكور مبني على ما هو المشهور من كون الأمر موضوعا للطّلب الصّادر من العالي خاصة و أنّ الطلب الصّادر من غيره ليس بأمر حقيقة فالذم على الترك مأخوذ في مدلول الأمر جدا نعم في كونه جزء من مدلوله أو خارجا عنه كلام و هو شي‏ء آخر و على (الثّانية) بمنع الوجوه المذكورة كلاّ لأنّ العدم و إن لم يكن موجودا إلاّ أنّ عدم تعلّق الذّم و المدح إلاّ بالموجود غير مسلّم و دعوى كونه غير مقدور أيضا مكابرة و كذا عدم اتصافه بالمدح و الذم (قلت) لا سبيل إلى منع شي‏ء ممّا ذكر كيف و العدم ليس بشي‏ء و كلّ من المدح و الذّم و الحسن و القبح شي‏ء يفتقر إلى محلّ موجود و الأولى أن يجاب بأنّ التكاليف المتعلّقة بالأعدام راجعة إلى الأمر بالإبقاء إن لم يكن المأمور متلبّسا بالمنهي عنه أو إلى الأمر بالأعدام إن كان متلبّسا به و كلاهما أمران وجوديان ينبعثان من العزم و الإرادة و لو لا إرجاع النّهي إلى أحدهما لا يتجه قول من قال إنّ المطلوب هو الكف و ليس هذا يرجع إلى القول المذكور كما يظهر بالتأمّل مع أنّه ممّا لا مناص له كما يأتي إن شاء الله في باب النواهي و الحاصل أنّ العدم البحت لا يحكم عليه و لا به و المدح و الذّم حكمان يفتقران إلى شي‏ء يقومان به فلا يمكن ثبوتهما بصرف اللاّشي‏ء (و أمّا المقدّمة الأخيرة) ففيها بحث لأنّ المدح و الذّم لا يفتقران إلى أمر و نهي شرعيّين عندنا معاشر القائلين بالحسن و القبح العقليّين و إنّما يتوقفان عليهما على أصل الأشعري من قصرهما على الشرعيّين و لعلّ المستدلّ أشعري أو ساق الدّليل على مذاق الأشاعرة فظهر انحصار الجواب عن الدّليل المذكورة في منع المقدّمة الأخيرة فتدبّر جيّدا ثم لو سلّم جميع المقدّمات و التزمنا بالدلالة ففي كونها تضمّنية أو التزاميّة كلام سبق في الضدّ العام فراجع و تأمّل‏

حجّة القول بالاستلزام المعنوي وجوه‏

الأوّل‏

أن ترك الضدّ مقدّمة للواجب و مقدمة

397

الواجب واجبة فيكون تركه واجبا و فعله حراما منهيّا عنه و حيث كان دلالة الأمر بالشي‏ء على وجوب المقدّمة بالالتزام الغير البيّن حسب ما عرفت في المسألة السّابقة كان دلالته على النّهي عن الضدّ أيضا كذلك و أجيب عنه تارة بمنع وجوب المقدّمة إمّا مطلقا أو في غير السّبب خاصّة كما في المعالم و أخرى بمنع كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه و هذا هو المختار كما مرّ تفصيل الكلام فيه في المقدّمة الثّانية من مقدمات المسألة فراجع و في المعالم جوابان آخران بعد اختيار مقدّميّة ترك الضدّ و الإغماض عن منع وجوب غير السّبب (أحدهما) أن المقدّمة إنّما تجب لأجل التوصّل إلى الواجب فيختص وجوبه بحالة إمكان التوصّل إليه و مع وجود الصّارف من الواجب لا يمكن التوصّل إليه فلا وجه لوجوبه (و ثانيهما) أن أدلّة القول بوجوب المقدّمة إنّما يقتضي وجوبها حال كون المكلّف مريدا للفعل المتوقف عليها أمّا حال وجود الصّارف عن الواجب و عدم إرادته فهي غير واجبة و الفرق بين الوجهين ظاهر فإنّ المراد من الأوّل نفي وجوب ترك الضّدّ لعدم إمكان التوصّل به إلى الواجب حال وجود الصّارف و الثّاني مبني على الإغماض عن ذلك و أنا لو سلّمنا إمكان التوصّل به إلى الواجب مع وجود الصّارف منعنا وجوبها أيضا نظرا إلى عدم إرادة الإتيان بالواجب لأنّ أدلّة وجوب المقدّمة لا نفي بوجوبها حال عدم الإرادة و أورد على الأوّل سلطان العلماء ما حاصله أنّ الصّارف عن الفعل المأمور به إن كان خارجا عن الاختيار صحّ ما ذكره من عدم إمكان التوصّل إلاّ أنّه لا يكون الواجب حينئذ باقيا على صفة الوجوب فيخرج عن محلّ النّزاع و إن كان باقيا تحت الاختيار وجودا و عدما فالتوصّل إلى الواجب ممكن بإزالة الصّارف فقوله لا معنى لوجوبها حينئذ ممّا لا معنى له و يقرب منه ما أورده المدقق الشيرواني (قدّس سرّه) و وافقهما بعض المحققين مع زيادة توضيح ثمّ قال الشّيرواني و فرق ظاهر بين التوصّل في زمان وجود الصّارف و بشرط وجوده و المسقط للتكليف هو الثّاني دون الأوّل و أنت خبير بأنّ الأفعال تنبعث عن الإرادة المنبعثة عن الدّواعي و هي من حيث الاختيار و الاضطرار على نسق واحد و كذا الصّارف و لا ينقسم إلى الاختياري و الاضطراري و أمّا الأفعال الصّادرة عنها فهي على الوجهين اختياريّ و اضطراري كما تحقّق في مسألة الجبر و التّفويض لأنّ كون الفعل اختياريّا عبارة عن صدوره عن الاختيار المنبعث عن الدّاعي سواء قلنا بأن حصول الداعي أمر قهريّ أو قلنا إنّه أيضا اختياريّ و كيف كان فالفعل المستند إليه وجودا و عدما اختياري فكان عليهم أن يجيبوا بالمنع و أنّ التوصّل إلى الواجب أمر ممكن حال وجوده لإمكان إزالته بالمجاهدة أو بأن عدم إمكان التوصّل الناشئ من الصارف امتناع بالاختيار و هو لا ينافي الاختيار المصحّح لتعلّق التكاليف فالصّارف لا ينافي الوجوب المقدّمي الّذي يقضي به العقل كما لا ينافي وجوب ذي المقدّمة و إن كان التوصّل ممتنعا بسوء الاختيار كيف و لو كان التكليف مشروطا بعدم الصارف انسدّ باب الأمر و النّهي رأسا و هو ممّا لا يقول به أحد حتّى الجبريّة فإنّهم يفرقون بين الامتناع الذاتي كالطّيران إلى الهواء و الامتناع العرضي النّاشئ عن الدّواعي النفسيّة فيجوّزون التكليف في الثّاني و لا يجوّزونه في الأوّل و تمام البحث في ذلك خروج عن مقتضى المقام (و الحاصل) أنّ التّرديد في الصّارف بين المقدور و غير المقدور الخارج عن الاختيار ليس على ما يقتضيه نظر أهل التحقيق و قياس الصّارف بالفعل الخارجي المنقسم إلى الاضطراري الإلجائي و الاختياري أوهن شي‏ء في الأنظار و توضيح المرام أن تقسيم الصّارف إلى ما هو خارج عن اختيار المكلّف و ما هو باق تحت اختياره و قدرته في غير محلّه لأنّ الصّارف حصوله أمر قهريّ في جميع الأحوال لكن المكلّف قادر على إزالته بالمجاهدة و ليس هو كالأفعال الخارجيّة الّتي يتطرّق إليها الإلجاء و الاضطرار فهو دائما باق تحت القدرة و الاختيار بالمعنى المذكور فإن لوحظ حيث حصوله فهو اضطراريّ مطلقا و إن لوحظ حيث القدرة على الإزالة فهو اختياري كذلك فتقسيمه إلى الاضطراري و الاختياري بعيد عن نظر المحققين و المدققين فما ذكره المدقق المذكور من أن الصّارف اختياري إن أراد به حيث الصّدور ففيه ما عرفت و إن أراد به حيث القدرة على الإزالة فهو حقّ و على أيّ حال فالتقسيم باطل ثم إنّ ما ذكره المدقق الشّيرواني من الفرق بين حال وجود الصّارف و بشرط وجوده بعيد عن شاكلته من الدّقة لأن الشّرطية و الحينية من فنون الكلام و أقسامه أو صفات من صفاته فقولنا الكاتب متحرك‏

الأصابع بشرط الكتابة قضيّة شرطية ضروريّة و في حال الكتابة قضية حينية ممكنة و أمّا الأمور الواقعيّة على واقعيتها من غير أن يلاحظه في الألفاظ الحاكية عنها كما في المقام فلا يتطرق إليها القسمان و لا يتصوّر فيه الوجهان إذ العبرة هنا لضروريّة واسطة ثبوت المحمول للموضوع و عدم ضروريّتها فإن كانت الواسطة ضروريّا كان ثبوت المحمول للموضوع ضروريّا و إلاّ فلا فحركة أصابع الكاتب حيث كانت مستندة إلى الكتابة الغير الضروريّة فلا جرم يكون أمرا ممكنا داخلا تحت الاختيار و لا يتصوّر كونه من الأمور الضروريّة الغير الاختياريّة سواء عبّر عنه المخبر بلسان الشرطية أو بلسان الحينية و إن كان ثبوتها على الأول ضروريّا إلاّ أنّ كونه ضروريّا إذا كان المقدور و المفروض غير ضروري و لعلّه أراد بكلامه هذا توضيح الإيراد الّذي أورده من أن التوصّل حال وجود الصّارف الّذي هو السّبب في العصيان ممكن فلا يكون التوصّل ممتنعا و كيف كان فهذا الجواب من صاحب المعالم (قدّس سرّه)

398

غير واضح الوجه و لعمري إنّه من الغرائب لأنّه (قدّس سرّه) من أعيان المحققين فكيف صدر عنه ما يبادر عن ردّه عقول الصّبيان فضلا عن الفضلاء الأعيان و أغرب منه الدّليل الثاني كما نبّه عليه أيضا سلطان العلماء لأنّ إناطة وجوب المقدّمة بإرادة الواجب أن يبنى على ذلك في نفس الواجب أيضا فهو من مضحكات الثكلى كيف و التكاليف غير تابعة ثبوتا و سقوطا لإرادة المكلّفين و إلا لم يتحقق عصيان قط و إن خصّه بوجوب المقدّمة فهذا تفكيك بين الشّي‏ء و لوازمه حيث إنّ وجوبها عند القائلين به من لوازم وجوب ذيها فكيف يتخلّف عنه حال إرادة عدم الامتثال و لعظم فضاحة الجوابين و بعدهما عن ساحة جلالته تصدى لتوجيههما بعض المحققين و ابتناهما على القول بوجوب المقدّمة الموصلة خاصة كما هو مذهب بعض الأفاضل و مرّ في بابه نظرا إلى أن ترك الضدّ غير متصف بالإيصال مع وجود الصارف إمّا لعدم الإمكان كما هو قضية الجواب الأوّل أو لعدم الوقوع كما يقتضيه الجواب الثاني ثم زيفه يضعّف المبنى على التحقيق الماضي في مقدّمة الواجب و فيه أنّ القول بالمقدّمة الموصلة لا ينافي القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء النّهي عن ضدّه أمّا بناء على الاستناد فيه إلى قاعدة التلازم فواضح و أمّا بناء على الاستناد إلى كون ترك الضدّ مقدّمة للواجب فلأنّ صاحب هذا القول قائل بالاقتضاء مستدلا عليه بأنّ ترك الضدّ مقدّمة للواجب فالتوجيه المذكور غير وجيه (فإن قلت) فكيف الحال في المقام و كيف يقول بالاقتضاء من لا يقول بوجوب المقدّمة مطلقا بل يخصّه بخصوص الموصلة (قلت) الجمع بين الأمرين بأحد وجهين (أحدهما) أن يخصّ القول بالاقتضاء بحال انتفاء الصّارف سواء كان مع وجود الإرادة أم لا لأن الأحوال ثلاث وجود الصّارف مع انتفاء الإرادة أي إرادة الامتثال و إبقائه مع الإرادة أو بدونها و الّذي يقتضيه الاستدلال بالمقدّمية عند القائل بالمقدمة الموصلة هو وجوبها في الصّورتين الأخيرتين خاصة دون الأولى و بهذا يرفع التنافي بين القول بالاقتضاء و القول بالموصّلة و يتجه منع حرمة الضدّ في حال وجود الصّارف لا مطلقا و لعلّ صاحب المعالم (رحمه الله) في هذين الجوابين اعترف بحرمة الضدّ حال عدم وجود الصّارف و لا يخفى بعد هذا التوجيه عن مقالة الفريقين لأنّ القائل بالاقتضاء يقول به مطلقا لا في حال دون حال و كذا النافي مثل صاحب المعالم (و ثانيهما) أن من يقول بالموصلة لا يجوز أيضا ترك المقدّمة و لو كان المكلّف عازما على المعصية لأنّه مكلّف بالمقدّمة و بإيصالها فليس له ترك المقدّمة في حال الصّارف و هذا هو النهي الّذي يقول به القائل بالاقتضاء و إنما يظهر الفرق بين هذا القول و القول بوجوب المقدمة مطلقا بعدم العصيان لا قبله كما سبق في مقدّمة الواجب عند بيان الثمرة بينه و بين المشهور فالمنع عن ترك المقدّمة مشترك بين هذا القائل و بين غيره فالقول بوجوب خصوص الموصلة لا غيرها غير مجد في منع الاقتضاء قبل المعصية حال وجود الصّارف نعم هذا المنع المشترك منع عقلي إرشادي راجع إلى وجوب الإطاعة و ليس قبحا شرعيّا على القولين كما لا يخفى على المتدرّب و المنع الشرعي الناشئ عن الوجوب المقدمي في الواقع هو المتنازع فيه الّذي يظهر فيه ثمرة القولين بعد المعصية فالقائل بوجوب المقدمة مطلقا يقول إنّه إذا ترك ذي المقدّمة فقد ترك أيضا واجبات غيرية مقدّمية و القائل بوجوب خصوص الموصلة يقول إنّه إذا تركه فلم يترك إلا واجبا واحدا أمّا المقدّمات المتروكة فقد تركت من غير اتصاف بالوجوب و هذا من نفائس التحقيقات في المقام و إن جرينا على خلافه في مقدّمة الواجب فاحفظه و اغتنم كما أنّ من نفائسه أيضا ما خطر بالبال في توجيه ما في المعالم من اختصاص وجوب المقدّمة بما إذا كان مريدا للامتثال و هو أن الغرض من الأمر إن كان هو إتيان المأمور به وجب حينئذ عليه كلّما يتوقف عليه الغرض بالوجوب المقدّمي للملازمة بين مطلوبية الشي‏ء و مطلوبية مقدّماته أمّا لو كان الغرض صرف التسجيل كما في تكاليف الكفار و العصاة فلا وجه لوجوب مقدّمات الفعل حينئذ و مثله الأمر الامتحاني العادي عن مصلحة الطّلب بالنّسبة إلى غير المقدّمة الّتي يحصل بها الامتحان إذ الملازمة إنّما هي بين وجوب تحصيل غرض المولى و تحصيل مقدّماته فيدور وجوب المقدّمة مدار الغرض فإن كان الغرض من الأمر تحصيل المأمور به من المأمور و بعثه عليه اتصف جميع ما يتوقف عليه بالوجوب المقدّمي أمّا لو لم يكن الغرض ذلك بل كان صرف التسجيل أو الامتحان فلا داعي لوجوب مقدّمات الفعل و الحاصل أنّ الواجب إنّما هو مقدّمات غرض المولى فإذا كان الغرض ممّا يحصل‏

بمجرّد الأمر فهاهنا لا مقتضى لوجوب مقدّمات الفعل المأمور به و من البيّن أنّ الأمر المتوجه إلى صاحب الصّارف ليس الغرض منه تحصيل المأمور به إذا كان عالما بالحال فليس إلا محض التسجيل و إتمام الحجّة في الذم و العقاب هذه قصوى ما يوجه به كلام صاحب المعالم و توضيحه أنّ المكلّف إذا كان له صارف عن الواجب كان الأمر المتوجّه إليه من الآمر المطلع على السّرائر تسجيليا لأن الغرض من التكليف حينئذ ليس هو بعث المكلّف و تحريكه على إيجاد المأمور به لعلمه بعدم حصوله في الخارج بل الغرض منه صرف التسجيل و إتمام الحجّة لتصحيح العقاب و في مثل ذلك لا يقضى بوجوب مقدّمات المأمور به لأن المقدّمة إنما تجب للتوصّل إلى الواجب إذا كان الغرض من الأمر تحصيله في الخارج إذ اللاّزم بحكم العقل إتيان ما له مدخلية في حصول غرض الآمر و أمّا إذا لم يكن غرضه حصول المأمور به كما

399

في الأوامر التّسجيلية كان فعل المقدّمة أجنبيّا عن الفرض فلا يلزم من الأمر به الأمر بمقدمات و نفس الفعل هذا غاية التوجيه لمقالة صاحب المعالم و يدفعه أن الوجوب الّذي هو مدلول الأمر موجود و في الأمر التسجيل أيضا و إن لم يكن موجودا في الأمر الامتحاني سواء قلنا بأن الطّلب عين الإرادة أو غيرها ضرورة محبوبيّة الفعل من العاصي إلا أنّه يعصي و لا يأتي بمحبوبيّة المولى فالمأمور به و هو نفس الفعل متصف بحقيقة الوجوب في الأمر التسجيلي أيضا غاية الأمر أن الغرض عن الخطاب هو التّسجيل لا التحصيل فإذا اتصف الفعل بالوجوب اتصف مقدّماته أيضا للملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته نعم لو اعتبر في الوجوب كون الغرض من الأمر تحصيل الواجب صحّ نفي وجوب الفعل المأمور به في الأوامر التّسجيلية لكنّه كما ترى مما لا سبيل إلى دعواه إذ الوجوب بمعنى الطّلب إمّا هي الإرادة بمعنى العلم بالمصلحة أو إنشاء قائم بالنّفس و كلاهما موجودان في الأمر التّسجيلي كغيره و إنّما الفرق بينه و بين غيره في الغرض الباعث على الأمر و هو خارج عن حقيقة الوجوب فلا وجه لنفي وجوب مقدّمات الواجبات التسجيلية (و الحاصل) أن وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها و لا ربط بينه و بين الغرض الباعث على التكليف و إن توهّم عدم تحقق معنى الوجوب في الخطاب التّسجيلي فهو واضح الفساد لأنّ الوجوب ليس إلا الإرادة أو طلب الفعل و هما موجودان فيه كما في غيره و إن قيل إنّه يعتبر في حقيقة الوجوب مضافا إلى الطّلب و الإرادة أن يكون الغرض من الكاشف عنه بعث المخاطب على الفعل و هو لا يكون مع القطع بعدم الامتثال منعنا ذلك و كيف تصغى هذه الدّعوى و لم يدعيها أحد و لا يشهد به شاهد و لا يساعده عين و لا أثر فتدبّر

الثّاني من أدلّة الاقتضاء المعنوي قاعدة التلازم‏

أعني اتحاد الملازمين في الحكم نظرا إلى الملازمة الواضحة بين فعل الضدّ و ترك الواجب فيحرم كما يحرم ترك الواجب و أجيب عنه بعد منع التلازم بدعوى التّقارن دون اللّزوم بعدم لزوم اشتراكهما كما مرّ مفصّلا و أنت لو أحطت و استحضرت ما تقدم في تحقيق تلك القاعدة عرفت فساد الجوابين (أمّا الأوّل) فلأنّ فعل الضدّ لو لم يكن مقدّمة لترك الضدّ كما عليه المشهور فلا أقلّ من اشتراكهما في العلّة حسب ما سبق مستوفي و أيّ تلازم أقوى من الاشتراك في العلّة (و أمّا الثّاني) فلما عرفت أيضا هناك أن لزوم اتحاد المتلازمين و إن كان ممنوعا إلاّ أنّ اختلافهما فيه غير جائز خلافا لمن زعم لا لعدم إمكان الامتثال مع الاختلاف حتّى يرد بإمكانه في كثير من صور الاختلاف مثل وجوب أحدهما و استحباب الآخر بل لعدم فائدة في جعل الحكم المخالف لأنّه إذا كان أحدهما واجبا مثلا فلا فائدة في جعل الاستحباب للآخر بل يمتنع عقلا لما فيه من التناقض حتى لو كان دليلاهما ظنيّين لو وقع التعارض بينهما و كذا الإباحة فضلا عمّا عداه و قد أوضحنا ذلك في بعض مقدّمات المسألة فراجع و تأمّل و حينئذ لا بدّ من التزام انتفاء الأمر عن الضدّ لو كان عبادة كما هو مذهب الفاضل البهائي (قدّس سرّه) و هو كاف في ثمرة المسألة أي الفساد فالدّليل دليل على المذهب المذكور و ستعرف عنه جوابه عند التعرّض له و الجواب عنه بجواز اختلاف المتلازمين في الحكم غير مرضي عندنا بل الجواب هو أنّ قضية التّلازم أن لا يتّصف الضدّ بالوجوب و لا بحكم آخر لا أن يتصف بالحرمة (و اعلم) أنا قد أجبنا عن قاعدة التلازم في الجواب عن شبهة الكعبي بأنّ وجوب ترك الحرام الملازم لأحد الأضداد لا ينافي إباحته و هذا الجواب لا يتمشّى في المقام إذ المقامان متعاكسان لأن ترك الواجب حرام لا واجب و عدم جواز اختلاف التلازمين على ما اعترفنا به بمنع الرّخصة في فعل ضدّه و لهذا قلنا إنّ القاعدة تساعد مذهب البهائي (قدّس سرّه) لا مذهب المشهور فلا وجه للاستدلال بها على مذهبهم‏

الثّالث‏

أنّه لو لم يحرم و تلبّس به كالصّلاة بالنّسبة إلى الإزالة مثلا فإن بقي الخطاب بالإزالة لزم التكليف بالمحال و إلاّ خرج الواجب المضيق عن وجوبه هكذا قرّر الدليل و هو عجيب لوضوح انقلابه على المستدل بأنّه لو صرّح الضدّ و تلبّس به إلى آخره فإنّ المحذور بعد التلبس مشترك الورود بين القولين بناء على صحّة الضدّ مع الحرمة كما هو مذهب ثلّة من الأعيان حسبما عرفت مفصلا و كان المقرّر نظرا إلى طائفة خاصّة من القائلين بالاقتضاء فإنّ الدليل على من يقولون بالفساد و لعلّهم الأكثر خاصّة و إن كان فيه تأمّل نعم هذا دليل على صحّة الثمرة و هي فساد الضدّ إذ على فرض صحّته لزم المحذور فلا ينبغي ذكره في عداد الأدلّة فعلى القائلين بالصّحة الجواب عن ذلك و إن شئت قلت تقريب الاستدلال على وجه يرتبط بأصل الاقتضاء الّذي هو المبحوث عنه (قلت) لو لم يقتض كون الضدّ منهيّا عنه لجاز الدخول فيه فإذا دخل في مثل الصّلاة وقت الإزالة فإن بقي خطاب الإزالة لزم التكليف بما لا يطاق و إلاّ خرج إلى آخره و هذه تحتاج إلى مقدّمة أخرى و هي وجوب إتمام الصّلاة بعد الشّروع و إلاّ لم ينتج أيضا لوضوح عدم الملازمة المذكورة بناء على جواز إبطالها و هي غير مسلّمة (و الحاصل) أنّ الدليل المذكور مقلوب على المستدل عند القائلين بصحّة الضّد مع القول بالاقتضاء نعم هنا سؤال على القول المذكور و هو أنّ المصلي بعد الشروع في الصّلاة هل يجب عليه الإتمام لحرمة إبطالها أو يحرم مطلقا و إن كان العمل صحيحا لو لم يبطلها و عصى الأمر بالإزالة كما في الابتداء و هو مخيّر بين الإبطال و بين الإزالة أو غير ذلك ممّا يرجع إلى فقه المسألة فهذه مسألة فقهيّة غامضة

400

لا بدّ من تحقيقها و كشف القناع عن وجهها و هي على كلّيتها غير محررة في كلماتهم نعم اختلفوا فيما لو اشتغل في أرض الغير بالصّلاة بإذن مالكها ثم أمر بالخروج فهل يجب عليه الخروج مطلقا مصلّيا أو غير مصلّ في سعة الوقت أو في ضيقه أو لا يجب عليه لسقوط احترام المالك بعد التلبّس مطلقا أو مع ضيق الوقت وجوه و أقوال و هذه نظير ما نحن فيه و منه يعرف حكمها لو لم يكن هنا دليل آخر (فنقول) يظهر من المحقق القمّي و غيره ممّن أجاب عن الدّليل المذكور أنّ الواجب بعد الدّخول في الصّلاة وقت الإزالة مثلا إتمامها و تأخير الإزالة حيث أجاب بعض بأنّ المسألة بعد الدّخول ترجع إلى باب تزاحم الواجبين الفوريين فإمّا أن نقول بأنّ الإتمام أهمّ كما يقتضيه ظاهر الأكثر في الصّلاة في ملك الغير بإذنه حيث قالوا هناك بوجوب الإتمام أو تلزم بتساوي الإزالة و الإتمام فيثبت التخيير و حاصله الالتزام بخروج الواجب المضيق عن وجوبه و بعضهم أجاب بأن ما دلّ على وجوب الإزالة غير شامل لحال الاشتغال بالصّلاة و مرجعه أيضا إلى الالتزام بوجوب الإتمام لكن الأوّل مبني على عموم الدليل و رفع اليد عن الوجوب العيني الفوري بسبب المزاحمة و الثاني منع لعموم دليل الإزالة رأسا فلم يخرج واجب مضيق عن كونه واجبا حتى يلزم المحذور المذكور و إن شئت قلت إن الأوّل تسليم للملازمة المقررة في الدّليل المذكور و منع بطلان التالي و الثاني بالعكس حيث يمنع وجوبها الشرعي في تلك الحالة فلا يلزم خروج الواجب المضيق عن الوجوب و أجاب عنه في القوانين باختيار الشق الأول أعني بقاء الأمر بالإزالة و منع بطلان التالي و هو التكليف بما لا يطاق بأنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي و لم يظهر لنا معنى صحيحا لهذا الجواب لأنّه إن أراد أنّ الأمر بالإزالة باق خطابا و عقابا بمعنى مطلوبيتها أيضا في حال الاشتغال بالصّلاة فهذا ليس تكليفا بالممتنع لأنّ قضية مطلوبيتها عدم وجوب الإتمام بل وجوب الإبطال و اختيار الإزالة فأين الممتنع بالاختيار و إن أراد بقاء الأمر بها عقابا بأن يكون الواجب بعد الاشتغال بالصّلاة هو الإتمام دون الإزالة و إن عوقب على تركها بسوء اختياره حيث اشتغل بما هو أهمّ منها و هو الإتمام فهذا ليس اختيار الشق الأول و هو بقاء الأمر بالإزالة لوضوح أن المراد بالبقاء المأخوذ في الاستدلال هو البقاء خطابا بمعنى بقاء مطلوبية الإزالة بعد الدّخول في الصّلاة دون العصيان المتحقق بالدّخول و أمّا الجواب (الأوّل) فهو بعيد عن الصّواب لأنّ المقام ليس من تزاحم الواجبين بل من تعارض دليليهما على التّحقيق إذ المزاحمة لا تكون إلاّ بعد القطع بعدم الفرق بين المتزاحمين في الواقع عند اللّه لأنّه مناط الحكم بالتخيير الواقعي العقلي كتزاحم الغريقين أو الدّينين أو الصّلاتين و نحوها ممّا علم بتساويهما عند اللّه في المطلوبيّة مع عدم إمكان امتثالهما معا فعند ذلك يحكم العقل بالتخيير مع عدم المرجح و الأمر في المقام ليس كذلك لاحتمال عدم وجوب الإزالة واقعا في حال الاشتغال بالصّلاة أو بالعكس إلاّ أنّ مقتضى عموم دليل كلّ منهما ذلك فلا جرم يجري عليهما حكم تعارض الدّليلين و أمّا الجواب (الثّاني) فهو أجود من الأول و الثالث إلاّ أنّه معارض بالمثل إذ كما يمكن أن يقال إنّ عموم دليل الإزالة لا يشمل حال الاشتغال بالصّلاة فكذلك يمكن أن يقال إنّ عموم دليل حرمة الإبطال لا يشمل ما لو كان في وقت الإزالة فالتحقيق في المسألة إجراء حكم تعارض الدّليلين و حيث لا ترجيح يحكم بالتساقط و الرجوع إلى الأصل و هو التخيير العقلي الظاهري لدوران الأمر بين محذورين فهو من حيث التخيير حكمه حكم تزاحم الواجبين كما قال المجيب الأوّل و يفارقه من حيث الظاهري و الواقعي إذ التخيير في التزاحم تخيير عقلي واقعي و في التعارض ظاهريّ و يتفاوتان في بعض الأحكام مثل الترجيح بالظّن أو بالقدر المتيقن على التفصيل المحرّر في محلّه و قد مضت الإشارة إلى شطر منها في بعض المباحث الماضية و ممّا ذكرنا اتضح حكم الصّلاة في دار الغير إذا أمر بالخروج في الأثناء بعد الإذن في الابتداء فإنّ ذلك أيضا ليس من باب التزاحم بل من تعارض الدليلين دليل حرمة الغصب و دليل وجوب إتمام الصّلاة و كلاهما فوريّان و حيث إن النسبة بينهما عموم من وجه يحكم بالتّساقط و يثبت بالتخيير لكن قد يقال برجحان الإتمام للاستصحاب بعد التساقط كما عن الوحيد البهبهاني و لقوله الصّلاة على ما افتتحت عليه و يضعّف الأول بأنّ الشك هنا شكّ في المقتضي للتغير الفاحش بين الحالتين حال الشروع المقرون بالإذن و حال الأمر بالخروج و

الثاني بأن تكون الصّلاة على ما افتتحت عليه إنّما هو بعد بقاء الشرائط بحالها و ليس معناه وجوب المضي في الصّلاة بعد الدخول فيها على الوجه الصّحيح و لو فقد بعض الشرائط كالطّهارة مثلا كيف و لا يقول به متفقّه فضلا عن الفقيه بل معناه عدم تأثير نية خلاف ما نوى أولا سهوا أو نسيانا أو اختيارا بقصد العدول أو نحو ذلك ممّا لا ربط له بالمقام و أضعف من ذلك الاستدلال لوجوب الإتمام بأن الإذن في الشي‏ء إذن في لوازمه فإذا أذن المالك في الكون المطلق أو في خصوص الصّلاة فقد التزم على نفسه عدم الرجوع عن الإذن و لهذا قالوا بلزوم عارية الأرض لدفن الميت أو للرهن فلا سلطنة له على الرجوع بعد الإذن في الشي‏ء الّذي لازمه الشرعي الإتمام و وجه الضعف أنّ الإذن في الملزوم و إن كان إذنا في اللاّزم لكن الكلام في لزوم هذا الإذن و إن هو إلاّ كالوعد الذي لا يجب الوفاء به و لو أذن في اللاّزم صريحا بأن قال صلّ و أتمم‏