بدائع الأفكار

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
463 /
401

فإنّ قاعدة السّلطنة و حرمة الغصب لا مخرج لها و الحكم في النظير الأول مستند إلى عموم دليل حرمة النبش حتى على المالك فضلا عن غيره و النظير الثاني غير مسلّم بل الظّاهر وفاقا للأكثر جواز الرّجوع بإلزام الراهن المستعير بالفكّ (و الحاصل) أنّ تطبيق القول بلزوم الإتمام على القاعدة مشكل و أمّا القول بلزوم الخروج في سعة الوقت كما عن المدارك و جماعة فقد يتراءى في بادئ النظر أنّه موافق للقاعدة لأنّ ما هو شرط لصحّة الصّلاة شرط لها ابتداء و استدامة فكما تبطل الصّلاة بالحدث في الأثناء و لا يجوز الإتمام مع الحدث فكذلك تبطل بأمر المالك بالخروج لانتفاء شرط إباحة المكان في الأثناء فيكون كما لو فقد بعض الشرائط مثل الطّهارة و الستر و ما يصحّ السجود و نحوها فأدلّة الشروط حاكمة على دليل وجوب الإتمام و حرمة القطع لأنّ موضوعه هو العمل الصّحيح فإذا فقد الشرط في الأثناء لم يبق عمل صحيح حتى يجب إتمامه لكنّه أيضا بعد التأمّل غير وجيه لأنّ إباحة المكان شرط منتزع من التكليف و ليست كسائر الشرائط الّتي انتزع التكليف منها فإنّها تعتبر فيها ابتداء و استدامة لعموم الدّليل أمّا إباحة المكان و نحوها من الشروط الثابتة من التكليف و حرمة الغصب و نحو ذلك فتدور مدار الحرمة الفعليّة فلو اختصّ التحريم في الابتداء و لم تكن في الأثناء فلا مانع من صحة الصّلاة و وجوب الإتمام و من المعلوم أنّ القائل بالإتمام لا يقول بوجوب الخروج و حرمة الغصب في تلك الحالة بل يدعي ارتفاع التحريم لتقديم حق اللّه فقياسه على الحدث في الأثناء مما لا وجه له فظهر أنّ قضية القاعدة هنا أيضا التخيير الظّاهري بعد تعارض دليل حرمة الغصب و دليل وجوب الإتمام كما في الصّلاة وقت الإزالة من غير فرق و قد يفصّل بينهما باختيار وجوب الإتمام في الصّلاة في دار الغير و التخيير في وقت الإزالة أمّا الثّاني فلما عرفت من تعارض الدليلين و ثبوت التخيير بعد التساقط (فإن قلت) لا إشكال في أنّ الصّلاة وقت الإزالة في الابتداء كانت من باب التزاحم لوضوح كون مسألة الضدّ و مسألة اجتماع الأمر و النّهي كما يأتي في بابه إن شاء الله من مسائل التزاحم الّتي لا يعمل فيها بأحكام تعارض الدليلين فكيف صار الابتداء من باب التزاحم و الأثناء من باب التعارض (قلت) الفرق هو أنّ اجتماع الضدّين في الابتداء مأموري جائز من اختيار المكلّف و إلاّ فلا تنافي بين المضيق و الموسّع في الحكم الشرعي إذ لا تعارض بين أزل النجاسة فورا و بين صلّ مطلقا لاختلاف الموضوع و لا تكليف بما لا يطاق لإمكان الجمع بين امتثال الخطابين إلا أن المكلّف بسوء اختياره يترك الإزالة و يأتي بالصّلاة الّتي لا تختص بوقت دون وقت و أمّا في الأثناء فهو آمري لا يجوز اتفاقا فلا بدّ من إخراج محلّ التعارض عن أحد الدّليلين و هذا هو ملاك تعارض الدليلين فافهم (و أمّا الأوّل) و هو وجوب الإتمام في دار الغير مع الأمر بالخروج فلأنّ دليل حرمة القطع و وجوب الإتمام أقوى ممّا دلّ على وجوب الخروج إذ لا دليل عليه سوى كون البقاء تصرّفا و غصباً لمال الغير و هو حرام و للمنع عن ذلك مجال واسع لأنّ الدّليل عليه إمّا العقل و هو قبح الظّلم أو النّقل و قاعدة السّلطنة و العقل لا يستقلّ بقبح هذا التصرّف الّذي حصل الابتداء به من جانب المالك الآذن و الرجوع إلى حكم العقلاء و الوجدان السّليم أقوى شاهدا و دليل عليه على أنّ هذا التصرف ليس بظلم على المالك بل الأمر بالعكس حيث أمره بالصّلاة و إتمامها ثم أمره بالخروج و قطعها فإن العقلاء يقبحون عمل هذا الشخص و يذمّونه (فإن قلت) نعم لكن بعد اختيار القبيح و الأمر به بالخروج ينقلب الأمر فيصير البقاء حينئذ ظلماً (قلت) الكلام في ذلك أنّ الوجدان السّليم لا يساعده و العقلاء لا يحكمون بكونه ظلما حتّى يكون قبيحا كيف و الظّلم هو الخروج عن القاعدة و ارتكاب ما لا ينبغي و هذه الصغرى ممنوعة في المقام جدا و كأنّه ينظر إلى ذلك قول من استدلّ لوجوب الإتمام بأن الإذن في الشي‏ء التزام بلوازمه يعني أنّه بعد الالتزام به لا قبح في العمل على حسب ما التزم عند العقلاء و لو عدل عدل عنه فراجع و أمّا الدّليل النقلي فهو مطابق لحكم العقل و ورد في مصبه فلا يستفاد منه أزيد ممّا يقتضي به العقل مع أنّ حرمة التصرّف في مال الغير ليس عليه دليل نقلي إلا بعض ما لا يفيد مثل قوله (عليه السلام) حرمة أموالكم كحرمة نفوسكم أو دمائكم سوى‏

قاعدة السّلطنة و في عمومه للمنع من التصرف نظر و تأمّل و الحاصل أنّ دليل حرمة القطع يعارض دليل حرمة التصرف في مال الغير بلا إذن و لا يبعد أن يكون الترجيح للأوّل لأنّ المعتبر في حرمة التصرف هو عدم الإذن في الجملة أي ابتداء أمّا استدامة فللمنع عنه مسرح و ملحظ وجيه و كيف كان فلا بدّ أن لا يكون الإتمام مستلزما للضرر و إلاّ لم يجز وفاقا للمحقّق الثاني في حاشية الإرشاد ففرق بين الضّرر و عدمه بإيجاب الخروج في الأول و الإتمام في الثاني و ذلك لأن قاعدة نفي الضرر حاكمة على أدلّة الأحكام الّتي منها وجوب الإتمام و حرمة القطع بل الظاهر رجوع المسألة حينئذ إلى مسألة اجتماع الأمر و النهي كالصّلاة بلا إذن مطلقا لأنّ الكون ضرر منهيّ عنه و إن لم يكن غصبا محرما فافهم فهذا التفصيل لا يخلو من قوة ثم لو ثبتت الشهرة في جانب الإتمام أمكن أيضا القول به و لو من باب الاحتياط بناء على عدم مجي‏ء التخيير العقلي الظّاهري‏

402

مع قطع الظن بل و مع الاحتمال أي احتمال التعيين كما شرحناه في الجملة في بعض مقدّمات المسألة و أمّا ما ذهب إليه الفاضل البهائي من أن الأمر بالشي‏ء يقتضي عدم الأمر بضدّه الخاص حيث قال بعد نقل دليل الطّرفين و تزييفهما و لو أبدل النهي بعدم الأمر لكان أقرب فقد احتج عليه بوجوه عمدتها ما في حاشية الفاضل الجواد على ما حكي عنه و هو امتناع كون الموسّع مأمور به في وقت الواجب المضيق لوضوح عدم جواز الأمر بالضدّين في آن واحد فإنّ الغرض من الأمر هو الامتثال و يستحيل الإتيان بشيئين متضادين في آن واحد فيمتنع الأمر بهما في آن واحد و قضية ثبوت الأمر بالمضيق سقوط الأمر بالموسّع في وقت المضيق و هو يكفي في فساده لأن صحّة العبادة تابعة للأمر فلا حاجة في الثمرة المقصودة إلى تجشم إثبات النّهي بإبداء الوجوه العقلية و رفع ما يرد عليها من الشبهات و النقوض بالأجوبة المتكثرة و لأجل ذلك قال و لو أبدل النهي في العنوان بعدم الأمر لكان أقرب و أجيب عنه بوجوه (أحدها) ما ذكره بعض المحققين من أنّ المسلّم من امتناع الأمر بضدّين في آن واحد هو ما إذا كان الأمران في مرتبة واحدة و أمّا إذا كانا مرتبتين بأن كان الأمر بأحدهما على فرض العصيان بالآخر فلا مانع فيه و ما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ الأمر بالموسّع مشروط بالعصيان بالمضيق حسبما فصل سابقا فلا يستحيل الأمر بهما في آن واحد حتى يقتضي الأمر بالشي‏ء عدم الأمر بضدّه و فيه مع فساده من أصله أنّه مبني على توقف صحّة العبادة على الأمر بخصوصيات الأفراد و عدم كفاية الأمر بالطّبيعة في الصّحة و ستعرف ما فيه و إن كان قد ساق الكلام مماشاة مع المستدل لابتناء الاستدلال أيضا على ذلك لكان عليه الجواب أولا بأن الموسّع لا يحتاج إلى الأمر بخصوص الفرد المزاحم للواجب و ثانيا بعدم المنافاة إلى آخر الجواب (و ثانيها) أنّه إن أراد من الضدّ الذي يقتضي الأمر بالشي‏ء عدم الأمر به طبيعة الضدّ بأن يكون الأمر بالإزالة مثلا مقتضيا لعدم الأمر بطبيعة الصّلاة فهو بين الفساد لوضوح عدم التنافي بين الأمر بالإزالة في وقت معيّن و الأمر بطبيعة الصّلاة مثلا من غير ملاحظة خصوصيّة الزّمان إذ يعتبر في تحقق التضادّ و التنافي الوحدات الثمانية فلا يكاد يحصل إلا بين الفردين دون الطّبيعتين و دون الطّبيعة و الفرد فلا تنافي بين الأمر بالإزالة و الأمر بطبيعة الصّلاة في آن واحد و إن أراد منه خصوص الفرد المزاحم للإزالة فتوقف الصحّة على الأمر به ممنوع لأن الأمر بالطّبيعة يكفي في الصّحة و لا يفتقر إلى تعلّق الأمر بخصوص الأفراد و هو واضح و إنّما المانع عن الصّحة هو النهي عنه لأنّه يقتضي الفساد في العبادات لا مجرّد عدم الأمر و هذا الجواب هو الحق الّذي ليس للمتصف بالعقل إنكاره لأنّ خصوصيات الأفراد زمانا و مكانا و حالا ليس لها مدخلية في المطلوبية فإذا فرضنا إطلاق الطّبيعة و عدم طرو التخصيص القاضي بالشرطية عليه فلا مانع من حصول الامتثال هنا بل قضية اقتضاء الأمر الإجزاء سقوط التكليف و حصول الامتثال مع قصد القربة حتى حصلت في الخارج (فإن قلت) إنّ الفرد و إن لم يجب عينا لكنه واجب بالوجوب التخييري فمعنى عدم احتياج الفرد إلى الأمر عدم افتقاره إلى الأمر التعييني و إلاّ فالأمر التخييري و لو من جانب العقل المستلزم لحكم الشرع مما لم يخالف فيه اثنان و لم يشك فيه إنس و لا جانّ كيف و الطّبيعة و الفرد موجودان بوجود واحد بل الفرد عين الطّبيعة في الخارج فكيف لا يتّصف الفرد الخارجي الّذي هو عين الطّبيعة بالوجوب غاية الأمر كونه وجوبا تخييريّا لتعدّدها و هو أيضا يكفي في استحالة الجمع بين الأمر بضدّين (قلت) الاشتباه إنما نشأ من ذلك حيث لم يفرق بين الرّخصة في الامتثال و بين الأمر التخييري إذ الذي يحكم به العقل هو الرخصة في الامتثال في ضمن أي فرد شاء و أين هذا من الأمر التخييري حتى تبعه الأمر الشرعي بالملازمة هذا و قد يرد بأن العقل لا يرخص الامتثال في ضمن هذا الفرد الّذي يستلزم فوات الواجب و لا بدّ في الصّحة أن يكون الفرد الّذي يوجد الطّبيعة في ضمنه مرخّصا فيه من جانب العقل و إن لم يكن متوقفا على الأمر به فإن منعت اعتبار ذلك أيضا في الصحّة و ادّعيت أن الأمر بالطّبيعة مع عدم المخصّص الشرعي يكفي في الصحّة و لو أتي بها في الفرد الغير المرخص فيه قلنا إن كان الأمر كذلك اطّرد المقال إلى القول بالاقتضاء لأنّ النّهي الذي يتولّد من‏

الأمر بالشّي‏ء ليس مخصّصا لإطلاق الأمر بالموسّع قطعا بالاتفاق و لا يترتب عليه سوى الإثم الّذي لا مساس له بالحكم الوضعي و هو الصّحة و الحاصل أن المفرد المزاحم للواجب ليس مرخّصا فيه من جانب العقل فإن كانت الصّحة لا يحتاج إلى الرخصة اتجهت الصّحة على القولين أي قول المشهور بالاقتضاء و قول البهائي بعدم الأمر و إلاّ لزم الفساد عليهما ضرورة عدم اقتضاء النهي سوى الإثم و عدم الرخصة في الامتثال و الإثم لا مساس له بالحكم الوضعي فإن كان الرخصة أيضا كذلك لزم الحكم بالصّحة على القولين فالفرق بالفساد مع النهي دون عدم الأمر تحكم خفيّ فتدبّر جيدا (و ثالثها) ما ذكره المحقق القمّي (رحمه الله) بقوله بعد الدليل المذكور و فيه أولا أنّ ذلك على تسليم صحّته إنّما يتم في العبادات و أمّا في المعاملات فلا يتم مطلقا و ثانيا منع اقتضائه عدم الأمر مطلقا إذ الذي يقتضيه الأمر بالشي‏ء عدم الأمر بالضدّ إن كان مضيقا و أمّا إذا كان موسّعا كما هو المفروض فلا و لا استحالة في اجتماع الأمر المضيق و الأمر الموسّع فإنّ معنى الموسّع أنه يجب أن يفعل في‏

403

مجموع ذلك الوقت بحيث لو فعل في أيّ جزء منه امتثل و لم يتعيّن عليه الامتثال في آن معيّن من آناته و هذا نظير ما سيجي‏ء تحقيقه من جواز اجتماع الأمر و النهي في الشي‏ء الواحد مع تعدّد الجهة فإنّ ذلك من سوء اختيار المكلّف كما إذا اختار المكلّف إيقاع الصّلاة في خصوص الدّار الغصبي انتهى و هذا الكلام خير ما قيل أو يقال في المقام و ملخّصه أنّه اجتمع في الضدّ المزاحم للواجب جهتان أحدهما الاشتمال على الطّبيعة الواجبة المحسنة و الأخرى الاشتمال على الجهة المنقصة من حيث فوات الواجب به أو معه على القولين في كون ترك الضدّ مستندا إليه أو مقارنا معه فإن قلنا بأنّ تعدّد الجهة مجد في حصول الامتثال كما يقوله المجوّزون لاجتماع الأمر و النّهي فلا محيص هنا عن القول بصحّة الموسّع في ضمن الفرد الملازم لترك الواجب و إلا فالمتّجه هو الفساد (و الحاصل) أنّ هذا الفرد ليس كسائر الأفراد السّليم عن الملازمة للمعصية و إن اشترك معها في عدم الأمر التخييري فإنّ الجهة المنقصة مانعة هنا عن ترخيص العقل و الشرع في ارتكابه سواء قلنا بأنّه حرام أم لا بخلاف الفرد الغير الملازم للمعصية و لا يذهب عليك أنّ هذا التحقيق مبني على عدم انحلال الواجب الموسّع إلى الأوامر المتعدّدة بتعدد الزمان الّذي يسع الامتثال على وجه التخيير و إلا كما نقل عنه في الواجب الموسّع وفاقا لصريح المعالم و غير واحد من الفقهاء منهم الشّهيد الثاني في وضوء ذوي الأعذار و يتمّمهم حيث يجوّزون البدار و لا يقولون بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت رجاء لزوال العذر معلّلين بأنّ المكلّف في كلّ زمان من آخر الوقت مأمور بالصّلاة و الوضوء إمّا بوضوء المختار أو بوضوء ذوي الأعذار و كذا التّيمّم إذا عجز عن استعمال الماء فالمتجه هو الفساد إذ ليس في متعلّق الأمر على هذا القول جهة مندرجة حتّى يجري فيه و الجواب الّذي اخترنا من عدم المضادة بين الأمرين نظرا إلى أن متعلّق الأمر في جانب الموسّع هو الطّبيعة دون الفرد و التنافي إنّما جاء من سوء اختيار المكلّف و هو غير قادح إلى آخر ما عرفت فتلخّص من جميع ما ذكرنا أولا و آخرا أنّ صحّة الموسّع موقوفة على أمرين (أحدهما) أن يكون متعلّق الأمر و هو الطّبيعة دون الفرد (و الثّاني) أن يكون تعدد الجهة مجديا في الحكم بالصّحة فإن قلنا بأن كلّ فرد فرد زمنا زمنا متعلّق للأمر الشرعي كان فاسدا لعدم الأمر لا بالطّبيعة كما هو المفروض لاستحالة الأمر بضدّين في آن واحد و لو كان أحدهما تخييرا بل لا يجوز الإباحة و الترخيص أيضا كما مرّ و يأتي مزيد بيان لذلك عند التعرض لكلام الفاضل التوني حيث قال بصحّة نافلة الزوال في وقت الكسوف و لو كان مستلزما لفوات الصّلاة و كذا لا يصحّ لو قلنا بعدم كون تعدد الجهة مجديا بل لا بدّ أن يكون الفرد الّذي يحصل المأمور به في ضمنه سليما عن الجهة المنقصة فافهم و أمّا ما حكي عن المدقّق التّستري من التفصيل فمحصّله أنّه إذا كان الضدّ رافعا للتمكّن عن أداء الواجب بحيث يكون الاشتغال به موجبا لامتناع الواجب و خروجه عن قدرة المكلّف فيما بعد أيضا كالفرار عن الغريم باختيار سفر و نحوه ممّا لا يقدر معه على أداء حقّه لو شاء بعد ذلك فيحرم أما إذا لم يكن كذلك بل يمكن مع الاشتغال به رفع اليد عنه و الإتيان بالواجب في كلّ آن كالاشتغال بالصّلاة المنافي لأداء الحقّ أو تلاوة القرآن عند وجوب أداء الشهادة فإنّ القدرة على الواجب لا تزول بالضدّين المذكورين فلا يحرم و استدلّ عليه بأنّ وجوب الشي‏ء قاض بوجوب التهيؤ و الاستعداد له فيحرم إعدام التهيؤ و القدرة الموجودة و لأنّ قضية إناطة الأحكام بالمصالح و المفاسد إيجاب ما يلزم من وجوده وجود الواجب و تحريم ما يلزم منه عدمه و لما ورد من النهي عن ركوب البحر بعد دخول وقت الصّلاة و هذه الوجوه ناهضة بحرمة الضدّ الرافع للقدرة و التهيّؤ و أمّا غير الرافع فلا يجري فيه شي‏ء منها و لا غيرها من عقل أو نقل هذه خلاصة ما أفاد مع التوضيح و يرد عليها (أوّلا) أنّها كما يقتضي حرمة الضدّ الرافع كذلك يقتضي حرمة غيره لأنّه أيضا مفوت للتهيؤ و القدرة على الإتيان بالواجب الفوري في الآن الأوّل لاستحالة اجتماع الضدّين و هو أيضا حرام إذ المفروض في الباب مزاحمة الموسّع للواجب المضيق فلا فرق في التحريم بين تفويت الفورية و تفويت أصل الواجب (و ثانيا) أنّ التّهيّؤ و القدرة إنّما يجب المحافظة عليها ابتداء أو استدامة بوجوب مقدّمة الواجب و إلا

فلا دليل على وجوبه و مقتضاه عدم الفرق بين القسمين بعد أن كان ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه مطلقا فهذا الوجه ناهض بحرمة الضدّ مطلقا و هل القول بالاقتضاء مستند إلا إلى وجوب المقدّمة و أمّا ما قال من اقتضاء إناطة الأحكام بالمصالح فهو أيضا مشترك الورود بين القسمين لأنّ غير الواقع أيضا ممّا يلزم منه ترك الواجب و كذا النواهي الواردة في تحريم ركوب البحر بعد دخول الوقت فإنّها أيضا مبنية على وجوب المقدّمة لأنّ عدم المانع من جملة المقدّمات و ركوب البحر ارتكاب للمانع مع أن التمسّك بالدليل السّمعي في المسألة العقلية كما ترى إلاّ أن يلتزم بالوجوب النفسي التهيئي و ظاهره عدم الالتزام به و قد يقال بل قيل إن التفصيل متجه بناء على عدم كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ كما هو مذهب جماعة نظرا إلى استناد ترك الواجب في الأزمنة المتأخرة إلى فعل الضدّ الواقع فيحرم من باب المقدّمة بخلاف غيره فإن ترك الواجب في زمانه مستند إلى الصّارف دونه و فيه‏

404

أنّ البناء على ما ذكر يمنع استناد ترك الواجب في الأزمنة المتأخرة إلى فعل الضدّ الرافع أيضا لاستناده أيضا إلى الصّارف الباعث على ارتكاب الرافع و دعوى الترتيب بينهما بأن يقال إنّ الصّارف صار سببا لارتكاب الضدّ الرافع و هو صار سببا لزوال القدرة على الواجب فيما بعد فصار ترك الضدّ مقدّمة للمقدّمة مدفوعة بأنّ الترتيب هنا ترتيب زماني لا مرتبي و المدار في كون شي‏ء مقدّمة لشي‏ء هو الترتب المرتبي فتأمل فإن المقام يحتاج إلى مزيد إمعان في النظر و قد يقال إنّ المرتب على غير الرّافع معصية واحدة و هو فوت الفوريّة و أمّا الرافع فيترتب عليه المعصيتان فوت الفورية و فوت أصل الواجب و فيه أنّ المترتب على الرافع أيضا معصية واحدة و هو ترك الواجب الفوري لوضوح أن تاركه في الآن الأوّل بارتكاب الفعل الرافع لم يخالف أمرين بل أمرا واحدا فكيف يترتب عليه معصيتان مع أنّه غير مجد لأنّ العصيان الواحد يكفي في التحريم و هو موجود أيضا في غير الرافع من حيث فوات الفوريّة و من هنا يندفع بالعلّة المنشأ لتوهم التفصيل المذكور و هو مقايسة المقام بالواجب الموسّع الغير الفوري إذ لا خفاء في عدم حرمة ضدّه في حال السّعة و لو قلنا بأن ترك الضدّ مقدّمة ما لم يترتب عليه فوت أصل الواجب فكما لا يحرم غير الرافع هناك فكذلك لا يحرم هنا وجه الاندفاع ما عرفت من الفرق بين الموسّع و المضيق فإن تأخير المضيق الفوري حرام بخلاف الموسّع فارتكاب الضدّ حرام مطلقا و إن كان ارتكاب الرافع أشدّ إثما و أكثر معصية

بقي أمور ينبغي التنبيه عليها

الأوّل‏

أنّ بعض المحققين بعد أن اختار صحّة الواجب الموسّع في وقت الواجب المضيّق و جوّز الأمر به معلّقا على ترك المضيق على التفصيل الّذي سبق قال إنّ ذلك إنّما يتم إذا كان الصّارف عن الواجب أمرا خارجا عن الضدّ أمّا إذا كان الصّارف هو فعل الضدّ فيشكل للزوم اجتماع الأمر و النّهي في إرادة الضدّ فإنّها محرمة من جهة كونها سببا لترك الواجب و واجبة من جهة كونها مقدمة لفعل الضدّ الواجب فيلزم اجتماع الوجوب و التّحريم في الإرادة و قد سبق أنّ شارح الوافية السّيّد الصّدر أورد بذلك على ماتنها فإنّ هذا أحد المحاذير العقلية التي تلزم على القول بالصّحة لكن القائلين بها تفصّوا عنه بتأسيس قاعدة الترتب بين الأمرين المتناقضين أو بين الأمرين المتضادّين كالإزالة و الصّلاة و هذه القاعدة بزعمهم لا تجري في خصوص هذه الصّورة إذ المفروض منها أنّ الداعي إلى ترك المضيق ليس إلا فعل الموسّع بحيث لو لا إرادته لأتي بالمضيق فيكون إرادة الموسّع هو السّبب في ترك المضيق فيكون حراما فلو كان الأمر بالموسّع معلّقا على تلك الإرادة المحرمة و مشروط بها لزوم إيجاب الشي‏ء على تقدير وجوبه و هو محال و لذا قال السّيد إنّ الواجبات بالقياس إلى أسبابها لا يجوز أن تكون مشروطة كما تقدم في مقدّمة الواجب و قد يقرر الإشكال كما في الفصول بوجه آخر أسدّ و أخصر و هو أنّ إرادة الضدّ في الفرض المذكور محرمة لحرمة أحد معلوليها و هو ترك الواجب فيمتنع أن يكون معلولها الآخر واجبا لأن إيجاب الشي‏ء حال تحريم علّته محال قال و لا يمكن الاعتذار عنه بما ذكرنا من ترتب أمر الضدّ على ترك الواجب لأنه من قبيل تطبيق الإيجاب على الوجوب و هو ممتنع ثم أخذ في دفع الإشكال و أتى بما لا جدوى في نقله سوى الملال إلى أن ينتهي إلى أن قال إنّ وجوب الضدّ لا يتوقف على الصارف عن الأهم حتى يلزم المحذور المذكور بل على نفس ترك الأهم لأنّه المنافي ثمّ استشعر سؤالا و هو أنّ التعليق على المسبّب تعليق على السّبب فيكون موقوفا على الصّارف فيعود المحذور المذكور و أجاب عنه بأنّ الموقوف عليه هو ترك الواجب سواء أراد الضدّ أم لا و هذا ليس تعليقا على السّبب ثم ذكر بعض الأشباه و النظائر في زعمه و أنت خبير بأنه نفخة بلا ضرام إذ يكفي في التعليق على المسبّب الّذي يستحيل بعض أفراد المعلّق عليه راجعا إلى إيجاب الشي‏ء بعد وجوبه و حصول سبب وجوده فالمحذور بحاله و أمّا بعض المحققين فأجاب عنه بأنّ ترك الواجب مسبّب عن الشوق و الميل إلى ضدّه لا عن إرادته و هما شرطان للإرادة المذكورة لا سبب لها ثم أمر بالتأمّل و وجهه واضح لأنّ الميل و الشوق هما السّبب للإرادة فالميل إليه فكيف لا يكون سببا بل شرطا و الحاصل أنّ اجتماع الوجوب و التّحريم في ترك الواجب فضلا عن إرادة الضدّ ممّا لا مناص عليه مطلقا سواء فيه الفرض المذكور و غيره حسبما برهن عليه مفصّلا في محلّه و إن كان هو في ذلك أوضح و أجلى‏

الثّاني‏

صرّح الفاضل التوني (قدّس سرّه) في الوافية بصحّة نافلة الظّهر وقت الكسوف و لو فات بها صلاته بناء منه على إمكان الأمر بضدّين على وجه الترتيب و التعليق على المعصية حسبما عرفت مفصّلا و هو خطأ بل لو قلنا بقاعدة الترتّب لم تجد أيضا في صحة النافلة لامتناع اجتماع الأمر بضدّين إذا كان الاجتماع آمريّا و لو على وجه الترتب إذا كان مضيقين أو كان أحدهما مضيقا واجبين كانا أو مستحبّين أو مختلفين لأنّه إذا كان أحدهما مضيّقا معينا لا بدل له كان صدور الأمر بضدّه من الآمر نقضا للغرض و سفها بل تكليف بما لا يطاق في بعض صور الترتب و لا يجدي في رفع هذه المحاذير المترتبة على الأمر بضدّين ضرورة أنّ الأمر بالأهم لا يسقط بمجرّد إرادة تركه و فعل غير الأهم و لا بالاشتغال به بل هو باق في كلّ‏

405

حال حتّى في أثناء الاشتغال و مع بقاء الأمر به كيف يجوز الأمر بضدّه تخييرا أو ندبا كما أوضحناه في مختار شيخنا البهائي (قدّس سرّه) (و الحاصل) أنّ قاعدة الترتب لا ينفع في الاجتماع الآمري و نعني به صدور الأمر منه بخصوص كلّ من الضدّين من حيث العنوان الخاصّ و من هنا يظهر أنّ مسألة الجهر و الإخفات في حقّ الجاهل المقصّر لا يصحّ بتلك القاعدة و إن صرّح به كاشف الغطاء و إنّما تنفع في مزاحمة الموسّع للمضيّق أو غير الأهمّ للأهمّ بناء على كون متعلّق الأمر في الموسّع هو الطّبيعة دون الأفراد و عدد الأزمنة القابلة على وجه التخيير الشرعي الآمري و ما عدا ذلك لا مجرى فيها للقاعدة المذكورة و إنّما ساعدناهم فيما سبق في معقول لها حيث قلنا في الموسّع بأنّ الأمر متعلّق بالطّبيعة دون الأفراد و المدار في جريان قاعدة التّرتب على الاجتماع المأموري و هو أن يكون في امتثال أحد الضدّين مندوحة و ذلك يتوقف على كون متعلّق الأمر الموسّع هو الطّبيعة فإنّ باب الامتثال لهذا الأمر واسع بخلاف ما لو جعلنا مصب الأمر و متعلّقه خصوص الأفراد زمنا فإن امتثال أمر كلّ آن منحصر في ذلك الآن فإذا أمر الآمر بالإزالة مثلا فورا ففي أوّل أزمنة الإمكان لا يجوز له الأمر أو الرّخصة في ضدّه بأن يقول أنت مرخص في ذلك الآن في الصّلاة لو عصيت الأمر بالإزالة فإنّه بمنزلة أن لا تصلّ و إن عصيتني فصلّ و هو من البداهة بمكان يستحيي من إطالة الكلام فيه و مرّ شرذمة من تحقيقه في كلام شيخنا البهائي فافهم فإنّه منظر وجيه لا يرى فيه قيما و لا شيئا إلاّ الأرمد الأحول و نافلة الظّهر في وقت الكسوف بل مطلق النافلة بناء على عموم استحبابها للآفات على نحو الاستغراق من هذا القبيل ثم لا يذهب عليك ما سبق مرارا من أن تلك القاعدة لا تجدي في صحة الموسّع أيضا إلا بملاحظة تعدّد الجهة و تجوز اجتماع الأمر و النّهي بتلك الملاحظة سواء قلنا بأنّ ترك الضدّ مقدّمة للآخر و هو الموسّع أو نفينا المقدّمية كما مر مفصّلا

الثّالث‏

قال كاشف الغطاء (قدّس سرّه) بعد القول بانتفاء الأمر بالشي‏ء النّهي عن أضداده الخاصّة على وجه الاستلزام اللّفظي و الحكم بصحة العبادي لإمكان الأمر به على وجه الترتب حسبما سمعت منه ما لفظه فالقول بالاقتضاء و عدم الفساد أقرب إلى الصّواب و السّداد و من تتبع الآثار و أمعن النظر في السّيرة المستمرّة من زمن النبي المختار و الأئمة الأطهار بل من زمن آدم إلى هذه الأيام علم أنّ القول بالفساد ظاهر الفساد كيف لا و لو بني على ذلك لفسدت عبادات أكثر العبّاد لعدم خلوّهم من حق غريم مطالب من نفقة أو دين أو حق جناية أو عبادة تحمل أو واجبة لبعض الأسباب الأخر إلى غير ذلك و لزم الإتمام على أكثر المسافرين لعدم خلوّهم عن بعض ما تقدّم و وجوب التعلّم أو نحو ذلك مع الخلوّ من التعرّض لمثل ذلك في الكتاب و كلام النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و أكثر الأصحاب مع أنّه ممّا تتوفّر الدّواعي على نقله فيلزم حصول التواتر في مثله و خلو المواعظ و الخطب أبين شاهد على ثبوت هذا المطلب انتهى و فيه مضافا إلى المناقشة العامة لجميع السّر من حيث كونها ناشئة من عدم المبالاة ما مرّ بالدّين (أوّلا) أنّ العلم بأن ذمّة أغلب النّاس مشغولة بحقّ واجب فوريّ لا يقتضي منع من يصلّي في أول الوقت مثلا مع احتمال عدم توجّه التكليف إليه فعلا لفقدان شرط أو وجود مانع و لو بزعمه إذ المتتبّع هنا هي أصالة الصّحة في أفعال الناس دون الحمل على وجه الفساد المستدعي للرّدع و إن هو كأصالة الطّهارة مع العلم بأنّ أغلب الناس إلاّ ما شذّ و ندر لا يتحفظون عن ملاقاة النجاسة (و ثانيا) فإن حجيّة السيرة إنّما هي من باب التقرير و رضا المعصوم المستكشف من عدم ردعه إياهم و هو موقوف على أمور لا يمكن إثباتها في المقام أحدها علمه به بالأسباب الظّاهرية الّتي هي مناط تبليغ الأحكام لا يعلم الإمامة الّذي من صفات الإمام (عليه السلام) ثانيها ارتداع المسلمين بردعه ثالثها تمكنه من الرّدع بحيث لا يخاف على نفسه و أهله و شيعته رابعها عدم مزاحمته لمصلحة أخرى أقوى و إحراز بعضها فضلا عن كلّها دونه خرط القتاد (و ثالثا) أنّ وجوب الردع على الإمام (عليه السلام) إمّا من باب النهي عن المنكر أو من باب تبليغ الأحكام و شي‏ء منهما لا يأتي في المقام (أمّا الأوّل) فلأن الأوامر و النواهي العامة المتعلّقة بالإطاعة و المعصية كافية في الرّدع لو ارتدعوا إذ الفرض تقصيرهم في أداء الحق الواجب و اشتغالهم بالصّلاة و هو كاف في وجوب الرّدع سواء قلنا بصحّتها أو بفسادها و الوجه المسوّغ لعدم الردع عن التقصير في الأداء ينهض وجها لعدم الرّدع عنها لأنّ فسادها إنّما نشأ عن ذلك التقصير في الرّدع لازم سواء كانت صحيحة أو فاسدة (فإن قلت) أوامر الإطاعة كافية في الرّدع عن التقصير (قلنا) فكذلك بالقياس إلى ما يلزمه لأنّ الردع عن الملزوم ردع عن اللاّزم و إن منعت الملازمة العقلية بين حرمة التقصير و فساد الصّلاة فقد خرجت عمّا هو مفروض المستدل من التسليم و بذلك يظهر الجواب عن الردع من باب تبليغ الأحكام لأنّ التبليغ العقلي كاف في إتمام الحجة و لا يلزم معه التبليغ السّمعي فلو قيل إنّ معنى قولهم إنّ الخطابات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقلية قلنا إنّ هذه مقالة من قال بالتحسين و التقبيح العقليين و أنكر الملازمة بين حكم العقل و حكم الشّرع بحسبان أنّ الوجوب و الحرمة الشرعيّين إنّما يترتبان على خطاب الشّرع دون العقل و على فرض تسليمه فموردها المستقلات العقلية خاصّة دون الاستلزامات العقليّة لأنّ ما أدركه العقل من خطاب الشّرع حكم شرعيّ مستفاد من خطاب الشّرع فلا حاجة إلى خطاب آخر ثمّ إنّ التمسّك بالإجماع و السّيرة في المسائل العقلية كما ترى و قد اعتذر عنه بعض بأنّ هذا من باب الشبهة في مقابل البداهة فلا يلتفت إليها و فيه أنّ هذا إنّما هو في حقّ غير صاحب الشبهة و أمّا في حقّه فهو كلام يضحك منه الثّكلى لأنّ المستدل بالسّيرة إنّما اعترف اقتضاء الأمر بالشي‏ء النّهي عن الضدّ عقلا و اعترف أيضا بأنّ مقتضى هذا النّهي الفساد فكيف يقول ثانيا إنّه شبهة في مقابل البديهة فلا يسعه إلاّ الأخذ بحكم العقل و الخدشة فيما يرى من الإجماع و السّيرة على خلافه و إن لم يعترف بهما أو بأحدهما فلا حاجة له إليهما و منه يظهر فساد الاعتذار عن التمسّك بهما من باب تأييد القاعدة بعد البناء على فساد المقدّمة الأخيرة من اقتضاء النّهي الفساد بقاعدة الترتب المصرّح بها في‏

كلامه لأنّ دليل الصّحّة بناء عليه هو إطلاق الأمر بالصّلاة مع عدم دليل التقييد يكون في غير وقت الإزالة على التفصيل الّذي سبق و لا مناسبة بين الإجماع و السّيرة و بين الدّليل المذكور حتّى يحصل التّأييد أو الاعتضاد كما هو ظاهر اللّبيب المتدرّب‏

خاتمة مشتملة على أمرين‏

أحدهما أنّ الأمر النّدبي هل يقتضي النّهي عن ضدّه تنزيها أم لا

فيه خلاف و المشهور هو الاقتضاء لاتحاد طريق المسألتين و اشتراكهما في الأدلّة ردّا و قبولا و التحقيق أنّه إن أريد بالنّهي التنزيهي الكراهة المصطلحة الّتي هي أحد الأحكام الخمسة فهو ممنوع إذ الكراهة عبارة عن منقصة ذاتية في الفعل و من المعلوم أنّ ترك المندوب ليس كذلك ففعل ضدّه الخاص بطريق أولى و إن أريد منه مجرّد المرجوحيّة فبالقياس إلى الضدّ العام واضح و حكم الضدّ الخاصّ مبني على الخلاف و قد يجعل هذا من باب ترك الأولى فيكون قسما سادسا من الأحكام كما نقل عن الشهيد في التمهيد حيث عدّه من الأحكام و جعلها سدسه‏

و ثانيهما أنّ النّهي عن الشي‏ء هل يقتضي وجوب ضده العام أو الخاص‏

ظاهر ما يتراءى من بعض العبائر مقايسة على الأمر و فيه نظر إذ لا يتأتى هنا شي‏ء من الأدلّة و الأقوال المذكورة هناك لا في الضدّ العامّ و لا في الضدّ الخاصّ أمّا الضدّ العامّ فلأنّ النّهي طلب ترك الشي‏ء و ضدّه العام هو ترك الترك و طلب ترك الترك عين الأمر بالفعل المنهيّ عنه فكيف يكون النّهي عن الشي‏ء أمرا بضدّه العام و لعلّه لذا فسّر المحقق القمّي (قدّس سرّه) الضدّ العام هنا بأحد الأضداد هذا إذا لاحظنا متعلّق المطلوب بالنّهي و هو الترك و لو لاحظنا متعلّق نفس النهي و هو الفعل فضدّه العام هو الترك و الأمر به عين النهي عن الفعل مفهوما لا مصداقا و القول بالعينية هناك راجع إلى الاتحاد في المصداق دون المفهوم فالمقامان متعاكسان و أمّا الضدّ الخاص فلأنّ مبنى الاقتضاء هناك إمّا المقدّميّة أو التّلازم و الأوّل ممنوع هنا لما عرفت هناك من عدم كون فعل الضدّ مقدّمة لترك ضده عندهم خلافا للكعبي و أمّا الثّاني فقصوى ما يقتضيه هو وجوب أحد الأضداد كما ذكره المحقّق القمّي (قدّس سرّه) و قد عرفت سابقا أنّ وجوب الطّبيعة لا يقتضي وجوب الأفراد بخلاف العكس لأنّ عموم النّهي استغراقي ثابت في كلّ فرد فرد من الأفراد و عموم الأمر بدليّ لا يقتضي وجوب كلّ فرد عينا و الوجوب التخييري العقلي الثّابت للأفراد لا يثبت به الوجوب الشرعي المتنازع فيه و تمام الكلام يحتاج إلى المراجعة و التأمّل التام فيما حققناه سابقا و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا

(قد) تم كتابة هذا الكتاب المسمّى ببدائع الأفكار بعون اللّه الملك الغفّار بيد الحقير الفقير (أبو القاسم) بن المرحوم المغفور الآخوند الملاّ رضا الكمرئي النوري غفر اللّه له و لوالديه في يوم الإثنين أحد عشر جمادى الثّاني من شهور سنة 1312 اثنتي عشرة و ثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبويّة على هاجرها ألف ألف سلام و تحيّة و ألتمس من قارئه أن لا ينسى كاتبه و بانيه من دعاء الخير و السّلام و الإتمام‏

406

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[رسالة في التعادل و التراجيح‏]

و لمّا فرغ القوم عن بيان الأدلّة موضوعا و حكما شرعوا في بيان تعارضها كذلك و جعل في التهذيب هذا البحث من مقاصد الفنّ و لكن جعله غير واحد أوّلهم صاحب المعالم (قدّس سرّه) فيما عثرنا خاتمة له نظرا إلى أنّه تختم به مباحث الأصول الّتي هي البحث عن أحوال أدلّة الأحكام الشّرعية و مداركها و من هنا يظهر أنّه من مسائل العلم لا من مبادئه و لا من مسائل علم آخر لأنّ التعارض من العوارض الذّاتية لموضوعه أعني الدّليل و مسائل كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارض موضوعه الذاتية و كذا التعادل و التراجيح فإنّهما أيضا من العوارض الذاتية للدّليل و لو بالوسائط لأنّ التعادل حال من أحوال الأدلّة المتعارضة فهو عارض لما هو عارض للدليل و البحث عن عوارض الموضوع بلا واسطة أو مع الواسطة داخل في مسائل العلم و من هنا ظهر أنّ الأخرى و الأولى جعل خاتمة هذا العلم في تعارض الأدلّة كما فعله بعض الأجلّة لا في التعادل و التراجيح كما فعله صاحب المعالم و لقد أحسن في القوانين حيث جعلها في التعارض و التعادل و التراجيح لا في الأخيرين خاصّة و إن كان ما ذكرنا أحسن ضرورة عدم المغايرة بينهما و بين المتعارض فهو من قبيل جعل قسم الشي‏ء قسيما له و يرد على المعالم أيضا أنّه لا وجه لإفراد التعادل و جمع التراجيح لأنّ نظره إن كان إلى أفراد الأدلّة المتعارضة كان عليه التعبير بالجمع في الموضعين و إن كان إلى كلّي الدّليلين المتعارضين فينبغي أن يأتي بالمفرد فيهما و يمكن الذّب عن الأوّل بأنّه ترك ذكر الأوّل ثمة بقرينة المقام لأن الترجيح يدلّ بالالتزام على التعارض و إن لم يدلّ عليه التعادل و فيه أنّ التعارض معتمد أصلي مستقلّ في هذا الباب كما ستعرف و أيّ فائدة في التنبيه عليه بالالتزام و الذّب عن الثّاني بأنّ مرجع التعادل إلى أمر عدميّ و حيث لا تمايز بين الأعدام كان التعبير عنه بالجمع خطأ و لو بلحاظ الجزئيات بخلاف التراجيح فإنّه يرجع إلى أمر وجوديّ فإذا اختلف و تعدد باختلاف الموارد و تعددها فلا بدّ من التعبير عنه بالجمع بتلك الملاحظة و هو جيّد و كيف كان‏

فتنقيح هذا المبحث موقوف على التكلّم في المقاصد الثلاثة المذكورة

المقصد الأوّل في بيان الموضوع أعني معنى التّعارض‏

و بيان أقسامه و تحرير محلّ الكلام و تأسيس الأصل و بيان حكمه‏

فلا بدّ من رسم أمور

الأوّل‏

التعارض التفاعل من العرض و هو مشترك بين المعنى الاسمي و هو أحد الأبعاد الثلاثة و بين الوصف و هو الإظهار و منه قولهم عرضت النّاقة على الحوض من باب القلب أي عرضت الحوض على النّاقة و المراد به هنا هو المعنى الثاني لأنّ المتعارضين يظهر كلّ منهما نفسه على صاحبه و ليس إطلاقه على تنافي مدلول الدّليلين مبنيّا على اصطلاح منهم في المقام بل على ثبوت معنى عرفي فإنّ التعارض في العرف العام اسم لكلّ منازعة و مخاصمة بين اثنين دليلين كانا أو غيرهما فتعريف تعارض الدليلين بتنافي مدلوليهما كما عن المنية أو في المقتضي كما عرفه بعض من تأخّر مبني على ذلك المعنى العرفي و كيف كان فقد يورد على طرد التعريفين بشمولهما للأصل و الدّليل المتعارضين مع خروجه عن مقاصد الباب قطعا و يندفع بعدم صدق الدّليل على الأصل في مصطلحهم فلا وجه لتوهّم اختلال التعريف طردا و فيه أنّ الأصول الشرعيّة التعبديّة و إن كانت خارجة عن إطلاق الدّليل إلاّ أنّ الأصول العقلية كأصالة البراءة و الاستصحاب العقليين محسوبة عندهم من الأدلّة العقلية و المؤاخذة المذكورة

407

مبنية على مذاقهم فإنّهم يجعلونها كالقياس عن الأدلّة الاجتهادية العقلية و يعدونها من الأمارات الظّنية كما هو مصرّح به في كلماتهم جلاّ أو كلاّ فكيف لا يندرجان في إطلاق الدليل في اصطلاحهم و ليست هي مبنية على ما هو الحق عند بعضهم من انحصار وجه اعتبارها في التعبّد الشرعي فالتعريفان منتقضان (أمّا الأوّل) و هو تعريف المنية فمن جهة واحدة و هو النقض بأصل البراءة و أصل العدم بل مطلق الاستصحاب الظنّي (و الثّاني) من جهتين لانتقاضه بالأصول الشرعية أيضا اللّهمّ إلاّ أن يدعى انصراف الدليل عند الإطلاق إلى غير الأصول و أن يصحّ إطلاقه عليها لأنّ صحّة الإطلاق لا ينافي الانصراف و هو جيّد و قد يجاب عن الإيراد بخروج معارضة الأصل و الدليل عن التعريف بعدم التنافي إذ يعتبر فيه اتحاد الموضوع ضرورة عدم التنافي بين وجوب إكرام زيد و حرمة إكرام عمرو و وجه ذلك أنّ مفاد الأصل ثبوت الحكم للفعل بوصف كونه مشكوك الحكم و مفاد الأمارة و الدّليل ثبوت الحكم لذاته من دون ملاحظة حالتي العلم و الجهل فالموضوعان مختلفان و إن كان الحكمان المستفادان منهما متنافيين بتنافي الإثبات و النفي أو بتنافي الأضداد و فيه (أوّلا) أنّ هذا الجواب إنّما يجدي في التفصّي عن النقض بالأصل الشّرعي المعارض بالدّليل و أمّا الأصل الّذي اعتباره عندهم من باب الظنّ فلا (و ثانيا) أنّ المغايرة بين الموضوعين إنّما هي بالإطلاق و التقييد لا بالمباينة و هي غير مجدية في رفع التنافي عند من لا يجوز اجتماع الأمر و النهي بتعدد الجهة لأنّه إذا قامت الأمارة على حرمة شرب التّتن فقد دلّت على ثبوتها مطلقا لأنّ مداليل الأمارات غير مقيّدة بالعلم و الجهل و ثبوت الحرمة له مطلقا لا يجتمع مع إباحته مقيدة بقيد الجهل أو بقيد آخر نعم يمكن الجواب في الأصول التعبّدية بوجه آخر و هو أنّ مفاد الدّليل هو الحكم الشأني و مفاد الأصول هو الحكم الفعلي و لا تنافي بينهما و لا تضاد و إن كان بالنّفي و الإثبات لأنّ القابلية و الاستعداد لا ينافيان فعليّة الأصل فالتنافي مرتفع باختلاف المحمول لا الموضوع (و توضيحه) أنّ مفاد قوله الخمر حرام كونه مبغوضا للمولى في الواقع بحيث لو علم به المكلّف لكان معاقبا عليه و معنى قوله النّاس في سعة ما لا يعلمون أنّه لا عقاب على الجاهل فالنهي المستفاد من الأوّل ليس ضدّ الإباحة المستفادة عن الثاني إذ ليس مقتضى الأوّل هو المنع الفعلي حتى ينافي الترخيص الفعلي لكن الإشكال في الأصول العقلية بعد بحاله و لا حاسم له لو لم ندع انصراف الدّليل إلى غير الأصول و قد يذبّ عنه بعدم الالتزام به رأسا لأنّ معارضة الأصل اللّفظي مع الدّليل داخل في المحدود و لا نسلّم خروجهما عن المتعارضين حتى يجب الاحتراز عنه في الحدّ كيف و في كلماتهم تصريحات بأنّ الدليل يرجح على الأصل و الترجيح لا يكون إلاّ بعد تسليم التعارض و هذا هو الحقّ فإنّ الأصول العقلية الّتي عدّوها من الأدلّة و إن كان يعارضها الدليل إلاّ أنّه لا بدّ من العمل بالدليل إمّا لكونه جمعا أو لكونه ترجيحا على الوجهين في كون تقديم الخاصّ و الحاكم على العام و المحكوم ترجيحا أو جمعا و لا حزازة فيه بعد مساعدة اصطلاح القوم عليه و لا ضرورة إلى إخراجهما عن موضوع المتعارضين فالأولى في دفع الإشكال التفكيك بين الأصل الشّرعي و الظنّي فيندفع في الأوّل بعدم التنافي لاختلاف المحمول و في الثاني بالتزام دخوله في المحدود

الثاني أنّ التعارض بين القطعيين‏

غير ممكن و كذا بين القطعي و الظّني و إنّما يتحقق بين الظنّين كذا قاله العضدي و غيره و أورد عليهم بأنّه إن أريد بالظّني الثاني فالتعارض بين القطعي و الظنّي أيضا جائز و إن أريد به الفعلي فبين الظّنيين أيضا غير ممكن و يمكن دفعه باختيار الأوّل و منع جواز تعارض الظنّي مع القطعي لأنّ الظنّي إنّما يكون دليلا شرعا و عقلا في حق الجاهل لا في حقّ العالم بالخلاف فالتّعارض إنّما هو بين القطعي و ما هو ليس بدليل رأسا لا بين الدّليل القطعي و الدليل الظني‏

الثالث أنّ التعارض كما يتحقق بين الأخبار الظنّية

كذلك يتحقق بينها و بين غيرها من الكتاب و الإجماع و العقل أعني القياس و الاستحسان و غيرهما من الأدلّة العقلية فالأقسام بملاحظة وقوع المعارضة بين المتحدين في الجنس كالكتاب مع الكتاب و السّنة مع السّنة و هكذا المختلفين كالكتاب مع السّنة أو الإجماع و هكذا أو المتحدين في النّوع كالخبر الظنّي متنا و سندا مع مثله أو المختلفين كالظّني بأحد الوجهين مع القطعي كذلك ترتقي إلى ثمانية أو أزيد فما في المعالم أن تعارض الأدلّة الظّنية لما كان منحصرا عندنا في الأخبار لا جرم كانت وجوه التراجيح كلّها راجعة إليها ليس على ما ينبغي و وجهه سلطان العلماء (قدّس سرّه) بأنّه إمّا مبني على إرادة الظّني من جميع الوجوه من الأدلّة الظنية فخرج الكتاب لكونه قطعيّا من جهة الصّدور و إن كان ظنيّا من جهة المتن أو على إرادة تعارض المبحوث عنه في الخاتمة لأنّ غرض القوم هنا البحث عن حكم الأخبار المتعارضة خاصة لأن حكم تعارض الكتاب مع الأخبار قد تقدم أو على كون المراد بالأخبار ما يعم الكتاب و أنت خبير بما في الكلّ من التعسّف و الضّعف نعم قد يقال إنّ اختصاص التراجيح المذكورة بالأخبار ينهض قرينة على التوجيه الثّاني و هو لا يخلو عن وجه هذا تمام القول في الموضوع و ما يتعلّق به‏

[الكلام في بيان القاعدة المعروفة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح‏]

(و اعلم) أنّه لما اشتهر في لسان القوم أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح فلا بأس في التكلّم في هذه القضية المشهورة و لا بدّ قبل الخوض في الاستدلال عليها من تشخيص أنّ مرادهم بالجمع هل هو الجمع بحسب الدّلالة أو الجمع بحسب التبعيض و العمل و لما كان المعيار في تشخيص المراد من كلّ شي‏ء الرّجوع إلى عنوان المعنون له و مع فقده إلى الأدلّة

408

القائمة عليه أو الثمرات المترتبة عليه و فيما نحن فيه كان العنوان ساكتا عن بيان المراد فلا بدّ من الرّجوع إلى الأدلّة و بعد ما رجعنا إلى الأدلّة وجدناها مختلفة حيث إنّ بعضها يدلّ على أنّ المراد بالجمع هو الجمع بحسب الدّلالة و هو دليل العلاّمة حيث استدلّ عليه بأنّ دلالة اللّفظ على تمام معناه أصلية و على جزئه تبعيّة إلى آخر ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى و بعضها يدلّ على أنّ المراد هو الجمع بحسب التبعيض و العمل و هو دليل الشهيد (قدّس سرّه) في تمهيد القواعد حيث استدل عليه بأنّ الأصل في الدّليل الإعمال إلى آخره نعم بعد التأمّل يعلم أنّ المراد بالجمع هو الجمع بحسب الدّلالة لا الجمع بحسب العمل كما يشهد عليه الإجماع على بطلان الجمع في النصّين مع أنّه إن كان مرادهم بالجمع هو الجمع بحسب العمل لكان التبعيض فيهما ممكنا على أنّ القول بأنّ المراد بالجمع هو الجمع العملي مستلزم للزوم الهرج و المرج في الفقه و لا يبقى مورد لأخبار التخيير و الترجيح و لا يخفى أنّ الجمع في الدلالة قد يتصادق مع الجمع في العمل و قد يتفارق فيكون جمعا بلا عمل كما لو حمل أحد الدّليلين على ما لا يترتب عليه حكم شرعي مثل حمل أخبار التوقف على الشبهة في أصول الدّين أو حمل أخبار الاحتياط على مورد الاحتياط الواجب عقلا كالشبهة المحصورة عملا بأخبار البراءة فإن الحملين المذكورين و إن كان يحصل الجمع بهما بين أخبار التوقف و الاحتياط و بين أخبار البراءة إلاّ أنّه لا يترتب عليهما حكم شرعي و لا عملي هذا بحسب المصداق و أمّا بحسب المورد فالجمع بحسب الدلالة أخصّ و أقلّ موردا من الجمع العملي إذ الجمع العملي مشهور يتصوّر في كلّ مقام بخلاف الجمع بحسب الدّلالة لأنّه لا يتأتّى مع تساوي المتعارضين في جهات التأويل و حينئذ فمقتضى القاعدة بعد إجمال مراد المجمعين على قاعدة الجمع الأخذ بالقدر المتيقن و هو الاقتصار على الجمع الّذي يكون جامعا للأمرين بأن يكون جمعا من حيث الدلالة و من حيث العمل أيضا بحمل العام على الخاص أو المطلق على المقيد و نحوهما لكن النظر الدّقيق قاض بالتباين الكلي بين الجمعين لأنّ مقتضى الجمع العملي التبعيض في العمل بكلّ منهما و مقتضى الجمع بحسب الدلالة قد يكون سببا لطرح أحدهما كالتخصيص مثلا فإنّه في الحقيقة ترجيح للخاص و طرح لأصالة العموم في مورد التعارض و لو لوحظ الجمع في مجموع مفاد الدليلين فالتخصيص لا يوافق ما يقتضيه إذ التخصيص جمع بينهما على وجه معيّن و لأنّ الجمع العملي يستلزم التبعيض في كلّ منهما و في التخصيص لا تبعيض في طرف الخاصّ و لأنّ الجمع في الدلالة قد يكون بلا تبعيض أصلا كحمل الأمر على الاستحباب في مقابل نفي البأس نعم في بعض موارد الجمع في الدلالة تبعيض في كلّ منهما كالجمع بين المتباينين بحمل كلّ واحد منهما على بعض الأفراد لكنه أيضا لا ينطبق على ما يقتضيه الجمع العملي نظرا إلى أنّ مقتضاه البحث في جهات التبعيض و في الموارد المذكورة لا بدّ من تعيين جهتي التخصيص إذ مع عدم التعيين يكون المورد ممّا لا يمكن فيه الجمع بحسب الدّلالة و من هنا يظهر أنّ استناد قاعدة الجمع إلى الدّليلين اللّذين أقاموهما معا عليها غير ممكن لأنّ مفاد أحدهما وجوب الجمع العملي و مفاد الآخر وجوب الجمع بحسب الدّلالة فلا يمكن الاستدلال عليهما بهما معا بل لا بد من الاستدلال عليها بأحدهما ثم الجمع العملي بالمعنى المقرر لا يأتي في أدلّة الأحكام لا لما ذكره في الرّسالة من عدم تعقله فيهما لأنّ مرجع التعارض فيهما إلى صدور القول الخاص من الإمام (عليه السلام) و عدمه و هذا غير قابل للتبعيض بل هو نظير تعارض البيّنات في الزّوجيّة و النّسب و نحوهما ضرورة أنّ التعارض فيهما إنّما هو في القول الصّادر من الإمام لا في صدور القول الخاص و عدمه فإنّ أحد العادلين يخبر بأن الإمام (عليه السلام) قال أكرم العلماء مثلا و الآخر يقول إنّه قال لا تكرم العلماء فهو نظير تعارض البينتين في ملكية الدّار لواحد من الرّجلين فكما يتصور التبعيض هناك بالعمل بكلّ من البينتين في نصف الدار كذلك يتصوّر بكلّ من الخبرين في نصف ما يخبر به بل لأنّ الأخبار الواردة في الباب مخصّصة لقاعدة الجمع بالمعنى المذكور لأنّ المتعارضان إمّا متعادلان فقد وردت الأخبار فيهما بالتخيير و إمّا متفاضلان في الترجيح فوردت أخبار الترجيح فيهما و النسبة بينهما معا مع القاعدة هو العموم و الخصوص المطلقين و لو لوحظ النسبة بينهما و بين أدلّة الأحكام فالنّسبة بينهما هو التباين لأنّ مجموع أخبار التعادل‏

و التراجيح نسبة إلى تلك الأدلّة نسبة التباين و إن كان النسبة بينهما و بين كلّ واحد من الطّائفتين هو العموم و الخصوص المطلقين لأنّ ما نحن فيه نظير ما لو قال أكرم العلماء ثم قال لا تكرم العدول ثم قال لا تكرم الفسّاق و لا ريب أنّ حكمها حكم المتباينين دون العام و الخاصّ و بعد التعارض يرجع إلى أصالة البراءة و أصالة عدم وجوب العمل و قد يعلل بأنّ التبعيض مستلزم للمخالفة القطعيّة و هو غير مرضي للشارع في الأحكام بخلاف حق الناس فإنّ تعارض البيّنتين فيه يرجع إلى تعارض الحقّين و الجمع فيه أولى من الطرح و فيه (أوّلا) أن الجمع العملي مبني على سببيّة الأدلّة و موضوعيتها و حديث المخالفة القطعية إنّما يأتي بناء على الطريقية (و ثانيا) أن التبعيض في حقوق الناس أيضا مستلزم للمخالفة القطعية لأنّه داخل في الظلم و المماطلة عن الحقّ في البعض المتروك فهو أيضا مثل التبعيض في الأحكام في كونه راجعا إلى اختيار المخالفة القطعية مقدّمة للموافقة القطعية فالوجه ما ذكرنا و إذ قد ظهر أنّ المراد بالجمع المبحوث عنه في المقام هو الجمع من جهة الدلالة

فلا بدّ من رسم أمور

الأوّل أنّ الجمع هذا هل هو مخالف للأصل‏

حتّى يحتاج إلى الدليل أو موافق له فنقول قد عرفت أنّ الأصل في المتعارضين على الطّريقية

409

التساقط و على السّببية التخيير فالجمع لا بدّ مخالف للأصل على الوجهين و يحتاج إلى الدليل و لا فرق في ذلك بين أقسامه خلافا لغير واحد فزعموا أنّ الجمع بين العام و الخاص أو المطلق و المقيّد و أشباههما من أقسام تعارض الظّاهر و الأظهر الّذي يساعده العرف موافقا للقاعدة و لا يحتاج إلى الدّليل لأنّ التعارض أمر عرفي فإذا كان بناء العرف على عدم المنافاة بينهما لم يكونا من المتعارضين و فيه ما لا يخفى إذ التّنافي بمقتضى الجمود على مداليل ألفاظ الدّليلين أمر واضح و لو قيل إنّ مساعدة العرف تغنيه عن الدليل و يجعله مطابقا للأصل (قلنا) هذا اعتراف بالتعارض غاية الأمر ثبوت الجمع هنا بتقديم الأظهر ببناء العرف و أين هذا من عدم التعارض رأسا و قد يقال إنّ احتياج الجمع إلى الدليل إنّما هو على الطريقية و أمّا على السّببيّة فقد عرفت أنّ العمل بكلّ من الدليلين هو الموافق للقاعدة و فيه ما مر من اختلاف الجمع العملي و الجمع في الدلالة من حيث المناط لأن الملحوظ في الأوّل هو صرف العمل و الملحوظ في الثاني صرف رفع التنافي بين الدليلين و قد يتصادق مقتضى كلّ منهما مع مقتضى الآخر كما لو اقتضى الجمع في الدلالة حمل العام على المطالب العقلية أو العلميّة الّتي لا يترتب عليها العمل فإنّ مراعاة الجمع العملي حينئذ يقتضي نحو آخر يحصل به العمل بكلّ من العام و الخاصّ في الجملة و أيضا قد عرفت أنّ مقتضى السّببيّة هو التّخيير و التبعيض إذ بكلّ منهما يحصل الامتثال بوجوب العمل بهما و لا أولويّة للتّبعيض الّذي يحصل به الجمع في الدّلالة أيضا على التخيير في العمل بهما الّذي يقتضيه السّببية فظهر أنّ الجمع في الدّلالة بالتأويل في أحدهما أو في كليهما يحتاج إلى دليل مطلقا سواء كان اعتبار الدّليل من باب الطريقية أو السّببية فلا بدّ من إقامة البرهان عليه‏

الثّاني أنّ المراد بالإمكان‏

المعتبر في الجمع المذكور في عوالي اللّئالي و غيره من كتب الأصحاب هو الإمكان العقلي و تفسيره بالإمكان العرفي كما فعله غير واحد من الباحثين عن معنى قاعدة الجمع مبني على الخلط و الاشتباه في معنى الجمع أو في مجرى القاعدة حتى قيل إنّ البناء على الإمكان العقلي في الباب خروج لما هو المعلوم بالضّرورة من وجوه الفساد و نظرا إلى استلزامه فقها جديدا و إنكارا لما ثبت في الأخبار المتعارضة من التّخيير و الترجيح و أوّل من سلك هذا المسلك الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) و ليس الأمر كما زعموا إذ بعد البناء على كون المراد من الجمع هو الجمع بحسب الدلالة على وجه يستكشف منه المراد من المتعارضين و يرتفع التنافي دون الجمع العملي المبني على التبعيض حسبما عرفت تفصيلا لو أخذنا بظاهره و قلنا إنّ المراد بالإمكان هو الإمكان العقلي لم يلزم شي‏ء من المحذورين لأنّ الجمع بالمعنى المذكور غير معقول فيما لو كان المتعارضان متساويان في الظهور و لم يكن أحدهما أقوى من الآخر و لم يكن على التأويل و إرادة خلاف الظاهر شاهد و لا قرينة حالية أو مقالية و مثل هذا أكثر كثير في آيات الكتاب و ظواهر السّنة القطعية و الأخبار المتواترة و المحفوفة بالقرائن القطعية مضافا إلى أخبار الآحاد المستند إليها الفقه كلا أو جلاّ و المدار بناء على ما ذكر ليس على الاقتراح و التشهي في تأويلهما أو تأويل أحدهما لأنّ المقصود من التأويل رفع التّنافي و استكشاف المراد فيهما دون العمل الراجع إلى الجمع العملي و التأويل العادم بقرينة المقام كيف يكشف عن مراد المتكلّم و لا فرق بأدنى تأمّل بين هذا النحو من المتعارضين و بين قطعي الدّلالة في استحالة الجمع بالمعنى المذكور لعدم الفرق بينهما أيضا في إمكان الجمع العملي بالتبعيض حسبما يتصوّر في البيّنتين المتعارضتين فينحصر مورد الإمكان بما إذا كان على الجمع المذكور شاهد داخلي أو خارجي و بعد ذلك لا بد من البحث في تقديمه على الطّرح و التخيير في أخبار الآحاد أو على التوقف و التساقط في قطعي الصّدور فإن قلت بعد قيام الدليل و الشاهد على المراد فلا خلاف و لا إشكال في الجمع فأين إنكار الكلّية في لسان جماعة من أساطين الفنّ و أين موضع الثمرة في اختلافهم في المقام ذلك الاختلاف المعظّم قلت ستعرف إن شاء اللّه تعالى بعد بيان أقسام التعارض موضع الثمرة و موضع الإشكال و لو مع مساعدة الدليل‏

الثالث ‏

أن الجمع كما يأتي في أخبار الآحاد الظنية كذلك يأتي في قطعي الصّدور بل في آيات الكتاب أيضا من غير فرق و في الموضعين يحتاج إلى الدليل لأن الأصل في المتعارضين التساقط فالخروج عن هذا الأصل لا بدّ أن لا يكون إلاّ على وجه إلاّ أنّه مع ذلك معارض في الثاني بأخبار التعادل و التراجيح و من هنا يظهر أنّ الإجماع لا ينهض دليلا عليه لأنّ المحقق منه في المواضع الخلافية غير مجد و المنقول منه معارض بأخبار التخيير و الترجيح و النّسبة بينهما عموم من وجه لاختصاص الأخبار بأخبار الآحاد و لا في مقطوع الصّدور كلا أو بعضا و اختصاص معقد الإجماع بصورة إمكان الجمع فلا يأتي في المتعارضين من الأخبار الّذين لا يمكن الجمع بينهما فيتعارضان و يتساقطان و يرجع في المتعارضين إلى الأصل الأصيل في الطرق المعارضة أعني التساقط و أمّا غير الإجماع فهو أعمّ مطلقا من أخبار التخيير و الترجيح و مقتضى اختصاص قاعدة الجمع بغير الأخبار الظنية فالمهمّ في المقام رفع هذا الإشكال أي أخصّية أخبار التخيير و الترجيح و إلاّ اتجه مقالة المنكرين لهما في أخبار الآحاد رأسا و يأتي إن شاء اللّه تعالى الوجه الّذي ذكروه في الجواب عن الأخبار و يأتي ما فيه من المناقشة و الجواب عن أصل الإشكال‏

الرّابع ذكر غير واحد بأن العام و الخاص المطلقين لا يعدان من المتعارضين‏

عرفا و المرجع في صدق التعارض هو العرف لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية و هذا الكلام و إن صدر من أهالي التحقيق إلاّ أنّه دعوى‏

410

غير بيّنة و لا مبيّنة و قصوى ما قالوا في وجهه أنّ المنساق في أذهان العرف و أهل اللّسان من العام هو ما عدا الخاصّ لأنّه إذا قال أكرم العلماء و لا تكرم زيدا فلا يشكّ أحد ممّن يسمع الكلامين أنّ غير زيد من أفراد العلماء يجب إكرامه و زيد لا يجب إكرامه و عدم التعارض بينهما بيّن و قد صرّح به في القوانين و وافقه جماعة ممّن تأخّر عنه و فيه أنّ العبرة في تحقق التعارض إنّما هو تنافي مدلولي الدليلين و التنافي بين مدلول العام و بين مدلول الخاص بين لا سترة فيه و دعوى اعتبار كون المدلول مجملا في التعارض لا يساعدها تعريفه بتنافي مدلول الدليلين مجرّدا عن الشرط المذكور مع أنّه مستلزم للمحال لأنّ اعتقاد كون المراد بالعام هو ما عدا الخاص مسبّب عن تعارضهما إذ لو لم يكن العام معارضا لم يحصل هذا الاعتقاد فعلّة الاعتقاد المذكور هو التعارض فكيف يتحقق هذا المعلول بدون العلّة (و الحاصل) أنّ التعارض بين العام الظّني و الخاص القطعي موجود فضلا عن الخاص الظني غاية الأمر بناء العرف على الجمع بحمل العام على الخاص نظرا إلى العلم بعدم إرادة الخاصّ في العام بسبب التعارض و هكذا الحال في كلّ أصل حقيقة مقرونة بقرينة صارفة فإنّ التعارض بينهما متحقق إلاّ أنّ أصل الحقيقة أي قاعدة حمل اللّفظ على الحقيقة لا يجري فيه و أين هذا من دعوى عدم التعارض و تظهر الثمرة في الخاصّ الظّني و القطعي الثابتين بطريق ظنّي إذ بعد صدق التعارض لا بدّ من إقامة الدليل على التخصيص في الموضعين و إلاّ فالتوقف إن كانا قطعيين سندا و التخيير أو الترجيح لو كانا ظنيين و ما ذكرنا من العام و الخاص مثال عن كلّ نصّ و ظاهر

الخامس‏

أنّ الجمع في الدلالة قد يحصل بالتأويل في أحدهما المعيّن و قد يحصل بتأويل أحدهما الغير المعيّن و قد يحصل بتأويلهما معا (و تشريح) المقام أنّ التعارض على أقسام (الأوّل) تعارض النصّ و الظاهر مطلقا (و الثّاني) تعارض الظّاهر و الأظهر مطلقا (و الثّالث) تعارض الظاهرين كذلك (الرّابع و الخامس) الأوّلان بالإضافة بأن كان كلّ منهما نصّا أو أظهر من وجه و ظاهر من وجه آخر كما لو قال أكرم العلماء و لا تكرم العلماء فإنّ الأوّل نصّ في العدول و ظاهر في الفساق و الثاني بالعكس و على جميع التقادير إمّا أن يكونا قطعيي الصّدور أو ظنيي الصّدور أو مختلفين و على الأخير فالقطعية إمّا في جانب النصّ أو الأظهر أو في جانب الأخير فهذه ستّة عشر قسما و الجمع في بعض هذه الأقسام غير ممكن و هو تعارض الظاهرين المتساويين في الظهور من جميع الجهات و في بعضها اتفاقي و في بعضها خلافي‏

فلنذكر أوّلا دليل قاعدة الجمع‏

ثم نأخذ مقتضاه في مواضع الخلاف (فنقول) أولا و استدلّ عليه فيما عثرنا العلاّمة (قدّس سرّه) في التهذيب و محكي النهاية بأنّ دلالة اللّفظ على تمام معناه أصلية و على جزئه تبعيّة و على تقدير الجمع يلزم ترك دلالة تبعيته و هو أولى من ترك دلالته الأصلية كما على تقدير الطرح و ردّه في محكي النهاية بأن في الجمع عملا بدلالتين تبعيتين و إهمالا للدّلالة الأصلية في كلّ من الدليلين و في الطّرح عمل بدلالة أصلية و تبعيّة و العمل بأصلي و تبعيّ أولى من العمل بالتّبعيتين و إهمال الأصليين و هذا لا يتوجّه على الدليل المذكور إلاّ في بعض الصور و هو تعارض الظاهرين و في مثله لا تجري قاعدة الجمع في بعض الصّور أي لا يمكن و في بعضها الآخر عند أكثر المحققين و أمّا غيرها من صور إمكان الجمع فالدليل المذكور جار فيه و لا يتوجه عليه الرد المذكور من العام و الخاص و نحوه من صور تعارض النصّ و الظّاهر أو الأظهر و الظاهر لأنّ الجمع هنا لا يستلزم إهمال الدّلالة الأصلية في كلّ من المتعارضين بل في خصوص الظاهر و ردّه في القوانين بأنّه لا دليل على اعتبار هذه الأولوية و فيه أن ظاهرهم في تعارض الأحوال بناء على الأخذ بالأولى عند الدّوران في صورة التعارض فعلى أصله و أصلهم لا يتمّ هذا الردّ أيضا و زاد بعض من تأخّر عنه عليه منع الصّغرى أيضا و منع الأولوية و يأتي ما فيه أيضا من ثبوت الأولويّة عند دوران الأمر بين رفع اليد عن ظاهر الدليل بالكلّية أصلا و تبعا أعني الطرح و بين رفع اليد عن خصوص الدلالة الأصلية بحمله على المجاز بعد القرينة الصّارفة و لم أعثر على دليل آخر للقاعدة غير هذا الدليل إلاّ ما نقل عن تمهيد القواعد من أنّ الأصل في الدليلين الإعمال فيجب لاستحالة الترجيح بلا مرجح و قد عرفت أنّ هذا لا مساس له بالجمع المبحوث عنه و هو الجمع في الدلالة على وجه يرتفع به التنافي بينهما فذكره في المقام ممّا لا وجه له على التحقيق و ربّما استدلّ أيضا بالإجماع و بناء العقلاء و فيه أنّهما لا يجديان مع الخلاف و التحقيق في المقال أن يفصّل بين الأقسام و يذكر ما تقتضيه القاعدة في كلّ واحدة منها (فنقول) قد عرفت أن قاعدة الجمع كما تجري في ظنّي الصّدور كذلك تجري في قطعي الصّدور فإذا كان المتعارضان مقطوعي الصّدور و الجهة فالتعارض منحصر في الدلالة فلا بد من إعمال ما تقتضيه القاعدة عند تعارض الأصول اللّفظية

و قد عرفت أيضا أنّ الصّور كثيرة

الأولى أن يكون أحدهما نصّا مطلقا و الآخر ظاهرا كذلك‏

مثاله العام و الخاص القطعي و ما يجري مجراه كالمطلق و المقيد و منه أيضا تعارض ما يدلّ على التحريم مع ما هو صريح في الرخصة و لا إشكال في وجوب العمل بالنصّ و رفع اليد عن الظاهر في مورد التعارض بل قالوا إنّه لا تعارض بينهما كما مرّ ثم بعد ذلك إن كان لذلك الظاهر معنى مجازي ظاهر حمل عليه و بذلك يحصل العمل بالدليلين‏

411

معا و لو في الجملة و إلاّ فكان مجملا في غير مورد النّص و هذا أيضا قسم من الجمع لأنّ المقصود منه رفع التنافي و يتحقق ذلك بمجرّد العلم بخروج النّص عن تحت الظاهر و لا يترتب العمل بكلّ منهما فهو موكول إلى مساعدة المقام فتعليل قاعدة الجمع بأنّه عمل بالدليلين إنّما يتم بناء على الجمع العملي أو على بعض صور الجمع في الدلالة و كيف كان فتقديم النصّ على الظّاهر ممّا لا إشكال فيه إذ ليس بعد القطع بالمراد شي‏ء ينظر إليه و إنّما الإشكال في كون تقديمه على وجه الورود أو على وجه الحكومة أو الترجيح أو على وجه رابع قد يقال بالأوّل لأنّ أصالة الحقيقة أو العموم إنّما يعتبر إذا لم تكن هناك قرينة قطعيّة على المجاز فإذا كانت قرينة قطعيّة كانت واردة على أصل الحقيقة نظير الدّليل العلمي في مقابل الأصل العملي و يزيف بأنّ مفاد الأصل العملي و مدلوله لا يشمل مجرى الدليل العلمي فيكون الدليل العلمي واردا عليه لأنّ المناط في الورود أن يكون الوارد مخرجا مجراه عن موضوع المورود و معنى أصل الإباحة مثلا حلّية كلّ شي‏ء مجهول الحكم فمع قيام النصّ أو الإجماع على حرمة شي‏ء يخرج عن موضوع الأصل و هو مجهول الحرمة بخلاف النصّ و الظّاهر مثل العام و الخاص فإنّ دليل الخاصّ لا يخرج مورده عن مدلول العام بل عن حكمه مثلا إذا قال أكرم العلماء فعمومه يشمل زيدا قطعا سواء قال بعد ذلك لا تكرم زيدا أو لم يقل و ليس كذلك الحال في الأصل و الدليل لأنه إذا قال كلّ مجهول الحرمة حلال فهو يشمل شرب التتن في حال دون حال فإن لم يعلم حرمته بالدليل كان داخلا في موضوعه و أمّا إذا علم فهو خارج عن موضوعه لا عن حكمه إذ وجود النّص مثلا كالخاصّ سبب لعدم اعتبار أصالة العموم لا لعدم دخوله في العموم موضوعا فإنّه داخل فيه قطعا و إن كان المراد بالعموم غيره لأنّ العبرة في الورود ليس على المراد بل على صدق عنوان الدليل و إلاّ لم يكن فرق بين الوارد و الحاكم إذ الحاكم أيضا كاشف عن خروج مورده عن مراد المتكلّم من المحكوم نعم النّصّ القطعي وارد على دليل اعتبار الظاهر لا على نفسه لأنّ وجوب حمل اللفظ شرعا و عرفا على ظاهره معلّق على عدم مجي‏ء القرينة الصارفة فمع وجودها يعدم مجراه و أين هذا من ورود النصّ على الظّاهر و منه يظهر وجه كونه من باب الحكومة لأنّ اعتبار المحكوم موقوف على عدم مجي‏ء الحاكم فإذا كان اعتبار أصالة العموم موقوفا على عدم مجي‏ء المخصّص فلا جرم يكون حاكما عليه و أمّا وجه كونه من باب الترجيح فهو أن الحاكم ما كان مفسّرا للمحكوم و هذا هو المائز بين الحاكم و غيره من أقسام المعارض و ليس الخاصّ مفسّرا للعام و كذلك غيره من النصّ فتعيّن أن يكون من باب الترجيح و أمّا الوجه الرابع فهو أنّ الترجيح فرع أن يكون الدّليل له حجّية شأنيّة و قابلا لأن يكون معتبرا واجب العمل و قد مرّ في أوّل الباب أن الظّن النوعي غير قابل للتعبّد به مع القطع بالخلاف فبعد القطع بخروج زيد مثلا عن مراد المتكلّم بقوله أكرم العلماء لا يقال إنّ هنا دليلين تعارضا و أحدهما أقوى من الآخر لأنّ أصالة العموم إنّما تعتبر في حقّ الجاهل لا في حق العالم و هذا هو الأوجه فما في رسالة الأستاذ العلاّمة (قدّس سرّه) من ورود بعض الأصول اللّفظية على بعض كالخاص القطعي في مقابل العام غير واضح و كيف كان فالجمع في هذه الصورة موافق للقاعدة و لا يحتاج إلى الدليل لأنّ شرط الاحتياج إليه حسبما عرفت أحد الأمرين إمّا كونه معارضا بأصالة التساقط المقرّر في تعارض الأدلّة أو معارضا بأخبار التخيير و الترجيح و شي‏ء منهما لا يأتي في المقام أمّا الأخبار فلاختصاصها بظنّي الصّدور من الأخبار و أمّا التساقط فإنّما هو بين الظنيّين لا بين الظنّي و القطعي‏

و الصّورة الثّانية أن يكون النصّ ظني الصّدور في مقابل الظّاهر القطعي‏

أيضا و من جزئيّاته مسألة تخصيص الكتاب بخبر الواحد و فيه أقوال كثيرة و القائل بالجواز أقلّ بالقياس إلى مجموع سائر الأقوال فيكون الأكثر على عدم التخصيص و القائلون به استدلوا بأن فيه جمعا بين الدليلين فيجب حسبما ذكره صاحب المعالم (رحمه الله) و ارتضاه و القائلون بالعدم مطلقا أو على بعض الوجوه نظرهم إلى ترجيح الكتاب لكونه قطعي الصّدور و القائل بالتوقف كالمحقق على ما عزي إليه إلى أنّهما دليلان متعارضان لكلّ منهما جهة ضعف و قوة و لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيجب التوقف و القائل بترجيح الخبر كالفاضل التوني (رحمه الله) اعتمد على الأخبار الواردة في حصر العلم بالقرآن في الأئمة و لا يخفى أنّ وجوه الأقوال المذكورة يأتي في تخصيص كلّ عام مقطوع الصّدور بخاص ظني الصّدور فمقتضى عموم الأدلّة اطّراد الخلاف إلى السّنة أيضا و لا يقدح اختصاص العنوان بتخصيص الكتاب بالخبر نعم لهذا العنوان مزيّة على غيره بناء على القول بالجواز لإمكان منعه أيضا نظرا إلى ما ورد من بطلان ما خالف الكتاب كما أشار إليه السّلطان (قدّس سرّه) و سيجي‏ء الكلام فيه في ضمن بيان المرجّحات المنصوصة لكن كلام المانعين غير ناظر إليه بل إلى ما ذكرنا فالمسألة على إطلاقها محلّ خلاف عظيم يشعر به مطالبة الدّليل على قاعدة الجمع هنا لأنها مستند القائلين بالجواز و لما كان غير واضح و لا موضوح في شي‏ء من كتب الأصول و لا بلسان محقق من المحققين أشار شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) في تحقيق المقال ما يندفع الإشكال و محصّله أنّ اعتبار أصالة الحقيقة و أصالة العموم إن كان من حيث التعبّد بأصالة عدم القرينة و أصالة عدم التخصيص فالدّليل الدال على التعبّد بصدور الخاص يكون حاكما عليه لحكومته على الأصول العملية كالاستصحاب و البراءة و إن كان من باب الظهور النوعي فهو وارد عليه لأنّ اعتبار الظواهر عند العقلاء معلّق على عدم قيام دليل معتبر على القرينة و التخصيص فبعد قيامه يرتفع موضوع هذا

412

الأصل (قلت) و هذا التحقيق من نفيس فوائده و لعمري إنّه يليق به الافتخار على كافة ذوي الأفكار لكن أنظارنا قاصرة عن إدراك هويّته و أفئدتنا حائرة عن الإحاطة بحقيقته لأنّ أصالة عدم القرينة طريق عقلائي إلى الواقع كسائر الطرق العقلائية و ليس مثل الأصول التعبّدية المجعولة حتّى يكون ما دلّ على اعتبار الدّليل الظّني حاكما عليه فكلّ منهما طريق إلى الواقع معتبر شرعا إمّا إمضاء لبناء العقلاء أو نسيانا من قبل الشارع و لا حكومة في الطرق المتعارضة إلاّ أن يكون أحدهما مفسّر الموضوع الآخر كحكومة أدلّة نفي الضّرر على أدلّة الأحكام و ليس الأمر في المقام كذلك كما لا يخفى و أمّا ما ذكره على تقدير كون اعتبار أصالة الحقيقة من باب الظهور النوعي من ورود الدّليل الدّال على التعبّد بصدور النّص عليه فإن تمّ فهو الجواب على التقديرين لكنّه لا يتمّ لأنّ التعليق ثابت من الجانبين حيث إن اعتبار الأدلّة الظنّية بناء على الطريقية موقوف على عدم المعارض فكما أنّ الظهور اللّفظي معلّق على عدم الدّليل على القرينة فكذلك اعتبار سند المخصّص أيضا معلّق على عدم المعارض و قد عرفت أنّ ظاهر العام معارض للمخصّص لأنّه يدلّ على وجوب إكرام زيد العالم مثلا و المخصّص يدلّ على عدم وجوبه فيكون وجوب إكرامه ممّا تعارض فيه الدليلان و لا حكومة و لا ورود بينهما بل كلّ منهما في عرض الآخر قد تعارضا في حكم الخاص و الشكّ في كلّ منهما مسبّب عمّا هو المجعول شرعا في حقّه و هذا نظير تعارض العامين في كون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن أمر ثالث و هو الشكّ في حكمه الشرعي (و الحاصل) أنّ ظاهر العام دليل اجتهاديّ على ثبوت حكمه في الخاص و ليس مثل أصل البراءة و نحوه من الأصول العملية و المخصّص أيضا دليل اجتهادي على عدم ثبوته فيه أو ثبوت حكم آخر مضاد لحكم العام و اعتبار كلّ منهما معلّق على عدم الآخر بناء على ما حققناه و ما قاله (قدّس سرّه) من كون الأصل في تعارض الأدلّة التساقط فإن كان المخصّص قطعيّا من جميع الجهات قدّم على العام قطعا و إن كان ظنيا دلالة أو سندا وقع المعارضة بينه و بين ظاهر العام فمقتضى ذلك الأصل المقرّر التوقف و التساقط و تقديم الخاص الظني من إحدى الجهتين على العام معيّنا بدعوى الحكومة أو الورود غير واضحة و لا موضحة بعد ما عرفت من كون التعليق في الاعتبار ثابت من الجانبين و الّذي خلج بالخاطر الفاتر في تقديم الخاصّ الظنّي على العام هو أن ظنية الخاصّ إن كانت في الدلالة فيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى في تعارض الظاهر و الأظهر و إن كانت في السّند كما هو المقصود في المقام تعيّن العمل بالخاص أيضا لأن دليل اعتبار سنده سليم عن المعارض و بعد وجوب التعبّد به يتعيّن التخصيص به إذ لا معنى للتعبّد به سوى الالتزام بآثار صدوره و لوازمه و قد عرفت أنّ من لوازم صدور الخاصّ بعد العام رفع اليد عن حكم العامّ و هذا الأثر و إن لم يكن حكما شرعيّا بل حكما عقليّا نظرا إلى أنّ صدور الخاصّ بعد العام يفيد القطع بخروجه عن مراد المتكلّم عقلا لا شرعا لكن الطّرق الشرعية ناهضة بإثبات الأحكام الشرعيّة و لو كانت بوسائط عقلية و ليست كالأصول في عدم جواز كونها مثبتة و أمّا سلامته عن المعارض فلعدم الدليل على اعتبار أصالة العموم هنا رأسا لأنّ دليله المعتبر هو الإجماع و لا إجماع هنا على اعتبارها لو لم يكن الإجماع على عدمه (فإن قلت) كما لا إجماع على أصالة العموم هنا كذلك لا إجماع على اعتبار الخبر المخصّص الظنّي أيضا (قلنا) إنّ اعتبار الخبر ثابتة بالأدلّة اللّفظية فيستدلّ بعمومه في المقام نعم لو كان دليله الإجماع أيضا اتّجه القول بالتوقف أو تقديم العام فلذا أنكر المرتضى رضي اللّه عنه تخصيص الكتاب بخبر الواحد مستدلاّ بأنّ القدر الثابت من حجيّة خبر الواحد لو قلنا به هو ما إذا لم يكن معارضا لعموم الكتاب (و الحاصل) أنّ حجيّة الخبر المخصّص ثابتة بالأدلّة الشرعية و يمكن دعوى عموم بعضها هنا بخلاف حجيّة ظواهر الألفاظ فإنّها إنّما تثبت للإجماع العملي فحيث حصل الرّيب و اختلاف الأنظار سقط عن الاعتبار و دعوى اعتبار ظواهر الألفاظ ببناء العقلاء مدفوعة بأنّ الاعتماد على بناء العقلاء في طرق الأحكام الشرعية من غير أن ينتهي إلى الإجماع عندنا مشكل بل ممنوع إذ لا دليل عليه و لا أثر له في كلام العلماء قديما و حديثا إلاّ في هذه الأعصار و ما يقارنها و أوّل من أشاع حجّية بناء العقلاء فيما عثرنا عليه هو

بعض مشايخ مشايخنا (قدّس سرّهم) و قصوى ما استدلّ أو يستدلّ على اعتباره أنّ استقرار طريقة العقلاء في معرفة أغراضهم على شي‏ء من الظنون مع عدم ردع الشارع عنه يكشف عن رضائه بالاعتماد عليه في معرفة أغراضه و طريق الإيصال بأحكامه أيضا لأنّ الإنسان مجبول على المشي بمقتضى طبائعهم خصوصا مع إطباق كافة العقلاء عليه و في مثله لا بدّ من البيان الرّادع و إلاّ لزم الإغراء بالجهل و تأخير البيان عن وقت الحاجة و قبحه واضح و فيه أوّلا أنّه حسن لو لا النواهي الرادعة عن العمل بالظنّ فمع الدلالة على الرّدع كتابا و سنّة لا وجه للاعتماد عليه مع كونه ظنا لا يغني من الحقّ شيئا نعم لو قام الإجماع عليه عملا أو قولا بطل حكم النّواهي و تعيّن خروج ذلك الظن عنها لكونها بمرأى منهم و مسمع بحيث لا يحتمل خفاؤها عليهم فلو كان فيها ردع عن العمل به لذكروه كلاّ أو بعضا و لم يطبقوا على العمل به و ثانيا أنّه ليس عند العقلاء دليل تعبّدي حتّى نقول إنّ العمل‏

413

بأصل الحقيقة عندهم مشروط بعدم الدليل على القرينة فلو سلّمنا حجّية بناء العقلاء لا يجدي هنا أيضا لأنّ بناءهم إنما هو على توقف أصل الحقيقة بعدم العلم بالقرينة و أمّا توقفه على عدم الدليل عليها مع الشكّ فيها فهو مبني على وجود دليل تعبّدي عندهم و نحن لم نحرز إلى الآن عملهم على ما لا يفيد العلم تعبّدا نعم قد يعملون بالظّن عند الضّرورة لكن لا مساس له بالمقام إذ الكلام فيما لا يعتبر فيه صفة الظّن بل يكون معتبرا مطلقا أفاد الظنّ أم لا و مع عدم إحراز الموضوع أعني الدليل التعبدي عندهم كيف يمكن دعوى بنائهم فيه على شي‏ء و هل التصديق إلاّ بعد التّصور (و الحاصل) أنّ توجيه تقديم النّص الظّني على الظاهر بأنّ اعتبار أصالة الحقيقة عند العقلاء مشروط بعدم الدّليل على القرينة سواء كان علميّا أم لا ممنوع صغرى و كبرى لأنّ إحراز بنائهم على ذلك مع عدم وجود الدّليل التعبّدي المعتبر عندهم في غاية الإنكار و المنع ثم بعد تسليم وجوده عندهم و تسليم بنائهم على تعليق أصل الحقيقة على عدمه مطلقا و لو لم يفد العلم أو الظنّ نمنع الكبرى أعني حجّية بنائهم نظرا إلى النواهي المانعة عن العمل بغير العلم مطلقا ثم لو سلّمنا الصّغرى و الكبرى لم يجد في المطلوب لأنّ التعليق ثابت من الجانبين فلا وجه لرفع اليد عن العام إلاّ ما ذكرنا من نصوصه دليل اعتبار أصل الحقيقة فافهم و اغتنم هذا و قد يجاب عن المعارضة المذكورة بأنّ تعليق الثاني مشروط بتساوي المتعارضين في دليل الاعتبار إطلاقا و تقيّدا حتى يمتنع العمل بهما كلا أو بعضا فلو كان دليل اعتبار أحدهما لفظا قابلا للتمسك بعمومه في مقام الشكّ و دليل الآخر لبّا غير قابل لذلك لم يكن قابلا للمعارضة للأوّل و ما نحن فيه كذلك لأنّ اعتبار النصّ الظني مستند إلى الأدلّة الشرعية و فيها ما يمكن الاستدلال بإطلاقه و عمومه و أمّا اعتبار الظواهر فدليله منحصر في اللّبي كالإجماع و بناء العقلاء فلو قلنا حينئذ إنّ النصّ حاكم عليه نظرا إلى كونه مشروطا عرفا على عدم مجي‏ء الدليل على خلافه لم يمكن القلب و المعارضة لأنّ اعتبار الدليل الظّني و إن كان معلّقا على عدم المعارض إلاّ أن المعلّق عليه إنّما هو عدم المعارض المكافأ المماثل له في الإطلاق و العموم و هو مفقود في المقام بحكم الفرض (فإن قلت) لا نجد فرقا بين ما ذكرت و بين الحكومة الّتي أنكرتها فإنّك التزمت بأنّه لا اعتبار بالظاهر مع النّص الظّني و مرجعه إلى مقالة مدّعي الحكومة أي حكومة دليل السّند على دليل اعتبار الظاهر (قلت) الفرق أنّ شرط الحكومة أن يكون دليل المحكوم عاما و يكون الحاكم بمنزلة المخصّص و على طريقتنا ليس الأمر كذلك كما لا يخفى لأنّ دليل اعتبار الظواهر ليس من العمومات حتى يتطرق إليها التخصيص و إنّما هو أمر لبّي قاصر عند المخصّص العلمي أو الظنّي‏

الصّورة الثّالثة تعارض الظاهر و الأظهر مع كونه قطعي الصّدور

و هذا يحتاج إلى الدليل لأنّ الأصل التساقط لا التخيير و لا الترجيح و الدّليل على الجمع هنا بتقديم الأظهر لو كان فإنما هو الإجماع و مورده أدلة الأحكام دون طرق الموضوعات إذ لا إجماع فيها و تظهر الثمرة في مثل الوصايا و الأوقاف إذا اجتمعا في كلام متكلّم واحد فلو أوصى بشي‏ء ثم أوصى بما ينافيه فإن أظهر البداء كان الحكم للثاني بالرّجوع عن الأولى و إن علم أنّه ليس بداء و رجوعا فإن تساويا في الظهور حكم بالإجمال و يرجع إلى الأصول مع مراعاة العلم الإجمالي و إن اختلفا في الظهور و كان أحدهما أظهر فمقتضى القاعدة أيضا الإجمال و لا دليل على تأويل الظاهر و البناء على ما يقتضيه الأظهر اللّهم إلاّ أن يتم بناء العقلاء و قد عرفت ما فيه من المنع مضافا إلى منع الصّغرى لأنّ بناءهم على العمل بالأظهر عند المعارضة غير معلوم و لعلّنا نتكلّم فيه في باب الترجيح حيث تقسيم الدليل على وجوب العمل بأقوى الدليلين (و الحاصل) أنّه لا حكومة و لا ورود هنا بل هما ظاهران تعارضا أحدهما أقوى من الآخر ثمّ إن المحكم في تشخيص الأظهر عن الظاهر هو ما قرّرنا في تعارض الأحوال فإنّه و إن كان مختصا بدوران الحالين في لفظ واحد أو لفظين في كلام واحد إلاّ أنّ المناط مطّرد إذ الأظهرية لا بدّ لها من مستند و لا يتفاوت فيه بين أن يكون سبب الأظهريّة موجودا في لفظ واحد أو لفظين متعارضين في دليل أو دليلين و المعروف بين الأصوليّين أنّه متى ثبت رجحان لأحد الحالين وجب البناء عليه و أنكره بعض المتأخرين كصاحب الوافية و بعض شراحه و كيف كان فمحلّ تحقيق ذلك و تشخيص أنّ أيّ الأحوالات الأربعة أعني النقل و التخصيص و المجاز و الإضمار أظهر و إقامة الدليل على اعتبار الأظهرية مطلقا أو في خصوص أدلّة الأحكام دونه خرط القتاد و قد بسطنا الكلام في تحقيق المقام في بدائع الأفكار في أوّل الأصول و من أراد الخوض في النقض و الإبرام على ما أفاده العلماء الأعلام هناك فعليه بالرّجوع إلى ما حققناه‏

الصّورة الرابعة كالثّالثة مع كون الأظهر ظني السّند

و بعد ملاحظة دليل اعتبار السّند يكون حكمها كحكم الثانية لا يقال كيف يكون حكمها واحدا مع أنّ الأمر هنا دائر بين طرح الظاهر و طرح سند الأظهر و ليس هذا الدّوران موجودا في الصّورة الثانية للقطع بصدور الأظهر أيضا و لا أولويّة لأحد الطّرفين على الآخر (قلت) لا دوران بين الأخذ بالظاهر و الأخذ بسند الأظهر لعدم التنافي بينهما و إنّما الدّوران و التنافي بين أخذ الظاهر و أخذ دلالة الأظهر و بعد فرض ثبوت الترجيح للأظهر و وجوب الأخذ به دون الظاهر كما تقرّر مع القطع بصدور الأظهر تعين الأخذ هنا بسند الأظهر و تقديمه على الظاهر بالتأويل و إن شئت قلت إنّ اعتبار

414

الظّاهر موقوف على عدم معارضته مع الأظهر فإن كان الأظهر قطعيّا فهو و إلاّ قام دليل اعتبار سنده مقام القطع حسبما مرّ تحقيقه و هذا نظير الحكومة و إن لم يكن منها حقيقة كما بيّناه ثم إنّ المفروض في الصّور الأربعة كون الظاهر قطعي الصّدور فلو انعكس الأمر بأن كان النصّ قطعيّا و الظاهر ظنيّا ثم حكم الأصل فيه بطريق أولى كما هو ظاهر لمن تأمّل‏

الصّورة الخامسة تعارض النصّ و الظاهر مع ظنية سندهما

ففي وجوب الجمع هنا مطلقا أو العمل بالتخيير أو الترجيح كذلك أو الفرق بينهما بالإثبات في الثاني دون الأوّل وجوه بل أقوال المعروف بين محقّقي المتأخّرين هو الأوّل و الثالث خيرة الشيخ (قدّس سرّه) في محكيّ العدّة و الإستبصار فيعمل بالمرجّحات قبل إعمال قاعدة الجمع مطلقا حتّى فيما يشمل المقام أعني تعارض النصّ و الظاهر و العام و الخاصّ و عمل بالتخيير بعده و هو ظاهر صاحب الرّياض (رحمه الله) حيث حمل أخبار بطلان الصّلاة بزيادة الركعة على التقية لمعارضتها مع الأخبار المفصلة بين الجلوس قبل الركعة فيصحّ و عدمه فلا و كذا ظاهر المحقّق القمّي (قدّس سرّه) في مسألة بناء العام على الخاص حيث استشكل على ذلك بالأخبار الواردة في التراجيح و أجاب عنه بأنّ البناء على التخيير الخاص إنما هو مع قطع النظر عن الترجيح و كذا بعض الأخباريين فإنّه صرّح فيما حكي عنه بأنّ الأمر المعارض للرخصة لا يحمل على الاستحباب خلافا للقوم لأنّه إثبات حكم شرعيّ بلا دليل بل يعتمد على الترجيح و أمّا الوجه الثاني و هو تقديم التخيير على قاعدة الجمع فلم أعثر بمصرّح به إلاّ أنّه مقتضى كلام هؤلاء الأفاضل إذ لا فرق بين أخبار التخيير و بين أخبار الترجيح فإن كان للجمع دليل حاكم على هذه الأخبار وجب العمل به مطلقا و إلاّ وجب العمل بها ثم إنّ الأوّلين أجابوا عنهما بأنّه لا معارضة بين الدليلين إذا كان أحدهما أخصّ مطلقا أو كان نصّا أو أظهر بالقياس إلى الآخر و أوّل من صرّح به الشيخ (قدّس سرّه) في محكي العدة حيث علّل في مسألة بناء العام على الخاص تقديم الخاص على العام بأنّ الترجيح و التخيير فرع التعارض الّذي لا يأتي في العام و الخاص ثم تبعه من تبعه ممّن تأخّر و أنت خبير بما فيه لأنّ منع التعارض بديهي الفساد إذ المدار في التعارض على النظر إلى مفاد الدليلين مع قطع النظر عن المعارضة و لا خفاء في تنافي مدلولي العام و الخاص بمقتضى ما يدلّ عليه ظاهر اللّفظ و ترجيح الخاص عليه عرفا لا ينافيه حسبما شرحناه و فصّلناه و ربّما استدلّ عليه بالإجماع نسبه في الرّسالة إلى بعض مشايخه و لعلّه الفاضل النراقي و أجاب عنه في الرّسالة بأنّ أخبار التخيير و و الترجيح مسوقة لبيان حكم التخيير على فرض صدورها و لا تخيير بين العام و الخاصّ القطعيّين و كذا بين النصّ و الظّاهر أو الأظهر و الظاهر لما عرفت من بناء العرف فيه على الجمع بترجيح النصّ أو الأظهر على الظاهر و هو حسن في التخيير و أمّا الترجيح فإن كان مستنده أيضا الأخبار تعبّدا فكذلك و أمّا لو اعتمدنا فيه على الإجماع و بناء العقلاء على وجوب العمل بأقوى الدليلين يقع المعارضة بين رجحان الدلالة و رجحان السّند و لا دليل حينئذ على تقديم ترجيح الدلالة على ترجيح السّند و لأجل ذلك توقف جماعة في تخصيص الكتاب بخبر الواحد حيث وقعوا المعارضة بين سند العام و دلالة الخاصّ القائلين بأن لكلّ منهما جهة قوة و جهة ضعف و من هنا يحتمل عكس التفصيل المذكور عن الشّيخ (قدّس سرّه) بأن نقدم الجمع على التخيير دون الترجيح و الأظهر في المسألة ما عليه الأكثر لما ذكرنا من سوق الأخبار لبيان حكم المتحيّر فلا يأتي فيما لا تحير فيها عرفا من المتعارضين إذا فرضناهما قطعي الصّدور و دعوى ثبوت الترجيح ببناء العقلاء و إجماع العلماء على العمل بأقوى الدليلين غير ثابتة نعم لو سلّمناه كان مقتضى القاعدة التوقف‏

الصّورة السّادسة تعارض الظاهرين‏

و هو على قسمين (أحدهما) أن تكون النسبة بينهما التباين الكلّي (و الثاني) أن تكون النسبة بينهما عموما من وجه و على التقديرين فإمّا أن يكونا قطعيّين أو ظنّيين أو مختلفين أمّا القسم الأوّل بأقسامه فقد استدلّ على عدم الجمع هنا مضافا إلى الأصل بوجوه كثيرة أكثرها مأخوذة من الأستاذ البهبهاني (قدّس سرّه) أحدها الإجماع بل الضّرورة فإنّه إذا ورد أكرم البغداديين و لا تكرم البغداديين و لم تكن هناك قرينة يرتفع بها التنافي عملوا فيها بحكم التعارض من الترجيح و التخيير و لم يكونوا يجمعوا بينهما بحمل كلّ منهما على طائفة من أهل بغداد و ذلك أمر واضح لمن جاس خلال الدّيار و آنس بطريقة العلماء الأبرار و ثانيها أن مآل الجمع إلى مراعاة التعبّد بصدور المتعارضين و رفع اليد عن ظهورهما بالتأويل و لا أولوية له على طرح أحدهما و العمل بأحد الظّاهرين من غير تأويل بل قد يتوهم العكس لما في الجمع من مخالفة الأصلين أي أصالة الحقيقة في كلّ منهما بخلاف التخيير فإنّه ليس فيه إلاّ مخالفة أصل واحد و هو طرح أحد السّندين لأنّ عدم العمل بظاهر المطروح ليس مخالفا للأصل إذ مخالفة الظاهر المقرون بقرينة صارفة أيضا ليس مخالفا للأصل و القاعدة فأصالة الحقيقة في أحدهما إمّا غير ثابت لطرح سنده أو مقرونة بالقرينة الصارفة و هي الظاهر المتعبّد بسنده فليس في المقام مخالفة أصل و قاعدة إلاّ من جهة واحدة و هي إمّا عدم التعبّد بسند أحدهما مراعاة للعمل بسند الآخر و ظاهره أو عدم التعبّد بظاهر ما هو مفروض التحقق و الصّدور مراعاة للسّندين و على التقديرين يلزم خلاف أصل واحد فلا أولويّة للجمع و دعوى أنّه لا أولويّة للطّرح أيضا غير ضائرة إذ نحن بصدد إقامة الدليل‏

415

على الجمع لا على الطرح هذا و ليس الأمر هنا مثل ما عرفت في محلّه و هي غير جارية في المقام كما ستعرف و التحقيق هو أنّهم إن أرادوا بطلان الجمع في المتباينين المتكافئين اللّذين لم يكن كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر من باب تعارض النصّ و الظاهر أو الظاهر و الأظهر بحيث لو علمنا بصدورهما لا يسعنا إلاّ الحكم بالتوقف و الإجمال فهذا في البداهة كالنار على المنار فلا يحتاج إلى إقامة الدّليل و لا يقتضي هذا البحث الطّويل بل الأحرى إحالته على الوجدان و العيان لا على البيّنة و البرهان ضرورة استحالة الجمع هنا و مجرّد الحكم بصدورهما ثم الحكم بإجمالهما ليس جمعا و لا متعلّقا بغرض الأصولي نعم لو بنينا على السّببيّة في الأخبار اتّجه الجمع بينهما في العمل كتعارض البينتين من باب السّببية حسبما نشير إليه في تأسيس الأصل إن شاء اللّه سبحانه و أمّا على المختار من الطريقة فلا بدّ من التوقف و عدم الأخذ بشي‏ء منهما سواء تعبّدنا بصدورهما و حكمنا بإجمالهما و لم نتعبّد بالصّدور رأسا من غير فرق بينهما علما أو عملا و إن أرادوا بطلان الجمع مطلقا حتّى فيما لو كان كلّ منهما بالنّسبة إلى الآخر من قبيل تعارض النصّ و الظاهر و هو الّذي عبّرنا عنه بالنصّ و الظّاهر الإضافيين في صدر الأقسام ففي جميع الأدلة المذكورة نظر واضح إذ لو سلكنا هنا مسلك الجمع لم يلزم خلو أخبار التخيير و الترجيح عن الفائدة و بقائها بلا مورد و لا مخالفة طريقة الأصحاب في الأخبار المتعارضة و إجماعهم بل الظّاهر أن عملهم و طريقتهم عليه كما هو ظاهر عند العارف بطريقتهم و العالم بشي‏ء قليل من المسائل الخلافية في العبادات و المعاملات فضلا عن كثيرها و أمّا الدليل الثالث و هو عدم الأولوية ففيه ما لا يخفى لأنّ دليل الجمع الّذي قرّرناه في النصّ و الظّاهر الحقيقيين يأتي هنا حرفا بحرف من غير تفاوت فإنّه لو ورد أكرم العلماء و ورد أيضا لا تكرم العلماء و رأيتهما في الكتاب العزيز أو في السّنة المتواترة كان صدور كلّ منهما قرينة صارفة للتخصيص في الآخر لاستحالة التناقض فلا بدّ من صرف ظاهر كلّ منهما بصريح الآخر فإذا كان أكرم العلماء صريحا في الأنبياء أو العدول و ظاهرا في غيرهما و كان قوله لا تكرم العلماء صريحا و نصّا في الكفّار و الفسّاق مثلا كان كلّ منهما في قبال الآخر من قبيل الخاص في مقابل العام و قد عرفت في دليل الجمع سابقا أنّه لا يتوهّم المعارضة بين أصالة العموم و أصالة سند الخاصّ نظرا إلى كون اعتبار أصالة العموم معلّقا على عدم القطع بالتخصيص و دليل التعبد بسند الخاص ينزله منزلة القطع فيكون دليل اعتبار سنده حاكما على دليل اعتبار أصالة العموم و هكذا في كلّ ظاهر مقابل للنصّ أو الأظهر (و الحاصل) أنّك بعد ما عرفت أنّ أحد الدّليلين إذا كان أقوى دلالة من الآخر يجب الأخذ به إذا كان قطعيّا عرفت أيضا أنّه يجب الأخذ به إذا كان ظنيّا لأنّ دليل اعتباره يجعله بمنزلة القطعي في ترتيب جميع ما يترتب من الآثار الشرعية عليه و لو كان بتوسّط ألف مقدّمات غير شرعية فالفرق بين النصّ و الظاهر القطعيّين و الظنّيين أو الفرق بين الحقيقيين كأكرم العلماء و لا تكرم زيدا أو الإضافيّين كالمثال المذكور شطط من الكلام و قصورا و تقصيرا في تحقيق المقام و من هنا ظهر أن ما عن الشيخ (قدّس سرّه) من الجمع بين قوله (عليه السلام) و ثمن العذرة سحت و قوله (عليه السلام) لا بأس بثمن العذرة بحمل الأوّل على عذرة الإنسان و نحوه و حمل الثاني على عذرة الطاهرة في غاية الاستقامة و الجودة من غير حاجة إلى طلب شاهد خارجي عليه لأنّ الأوّل نصّ في النجسة و الثاني في الطاهرة فمقتضى القاعدة الجمع بينهما و لو كان من أخبار الآحاد كما لو كانا قطعيي الصّدور هذا كلّه في المتباينين و أمّا القسم الثاني و هو ما لو كان النسبة بين الظّاهرين المتعارضين عموم من وجه ففيه تفصيل لأنهما إن كانا متنافيين و متناقضين بأن يكون أحدهما مثبتا و الآخر نافيا و بالجملة يكون تعارضهما بالذات من حيث تنافي النفي و الإثبات فالتحقيق فيه أيضا ما عرفت في المتباينين و قد يقال بالفرق بينهما في الأدلّة الثلاثة المذكورة أمّا الإجماع و خلو الأخبار عن الفائدة فلأنا لو بنيناها على الجمع لم يلزم مخالفة الإجماع و لا خلو الأخبار عن الفائدة لأن كثيرا من العلماء يحكمون فيها بالإجمال و لا يرجعون إلى أخبار التخيير و الترجيح و يكفي العمل بهما في غيرهما موردا لهما كما

لا يخفى و أمّا الدليل الثالث و هو عدم الأولوية فلأنّ الطّرح فيه مستلزم للتفكيك في سند المطروح ضرورة اختصاص مطروحيّته بمادة الاجتماع و أمّا غيرها فلا بدّ فيه من العمل بالمطروح و من هنا أمكن أن يقال إنّ التعبّد بالسّندين و الحكم بإجمالهما دون التخيير و الترجيح أولى من طرح أحدهما و إنكار التفكيك المذكور لما فيه من البعد عن الاعتبار كما لا يخفى إلاّ أنّه مردود أيضا بأنّ التفكيك في التعبّد في الشرعيّات أكثر كثير و لا غرو فيه و لا بعد و إنّما البعيد أو الممتنع هو التفكيك في الاعتقاد و الظّن و هو غير ملحوظ في الأدلّة الشرعية و إن كانا متضادين بأن كان منشأ التعارض تضاد الحكمين مع كونهما مثبتين أو منفيين فهذا ممّا لا بدّ فيه من الجمع لأنّ إطلاق كلّ منهما يقيّد بالآخر و لا مانع منه و مجرّد كون النّسبة العموم من وجه لا يقتضي بالإجمال أو الرّجوع إلى التخيير أو الترجيح كما لو ورد إذا ظاهرت فأعتق رقبة و ورد أيضا إذا ظاهرت فأكرم مؤمنا فإنّ النّسبة بينهما عموم من وجه و لا تعارض بينهما في مادة الاجتماع و هو عتق المؤمنة و إنّما التعارض في مادة الافتراق فإنّ إطلاق الأوّل قاض بجواز عتق الكافرة أيضا و ينافيه إطلاق الثاني لأنّ مقتضاه وجوب إكرام المؤمن و عتق الكافرة و ليس من مصاديق إكرامه فجميع‏

416

بينهما بتقييد إطلاق كلّ منهما بالآخر فنقول إنّ إطلاق عتق الرقبة مقيد في الظّاهر الأوّل بالمؤمنة و إطلاق الإكرام في الظاهر الثاني مقيد بما إذا كان الإكرام بالإعتاق لا بغيره من أنواع الإكرام‏

المقصد الثّاني في التعادل‏

و الكلام في موضوعه‏

و ما يتعلّق به و في حكمه أمّا الأوّل فالتعادل مأخوذ من العدل بالكسر بمعنى القرن و المثل أو بالفتح من الاستقامة و العدالة التساوي المتعادلين في ميزان النظر و في الاصطلاح عبارة عن تساوي اعتقادات مدلول الأدلّة كما في النية أو تساويها في المرجّحات أو عدم مزية أحد المتعارضين على الآخر كما في غيرها و النّسبة بينهما عموم مطلق لأنّ عدم المزيّة لا ينفكّ عن تساوي الاعتقاد الحاصل منهما بخلاف تساوي الاعتقاد فإنّه قد يجامع المزية كما إذا كان المتعارضان تحت أصل أو قاعدة أو عام مع تساويهما في موجبات النظر فإنّ مطابقة أحدهما للأصل أو القاعدة أو العام لا يورث الظنّ حتّى لا يتساويا في الاعتقاد سواء قلنا بأن الأصل أو القاعدة مرجع بعد أن كان أو مرجّح إذ الترجيح هنا يرجع إلى نحو من التعبّد لا إلى حصول صفة الظنّ ضرورة زوال الظنّ عن جانب الأصل و القاعدة لوجود المعارض سواء كان له معارض أم لا من غير فرق بينهما و إن كان بينهما فرق من جهة أخرى و هو صيرورة مفاد الأصل و القاعدة في صورة عدم ابتلاء معارضة بمعارض موهونا بخلاف صورة المعارضة فإنّهما يصيران حينئذ مسلوبي الظنّ و لا يجدي الدليل الموافق لأحدهما موافقة له كما هو غير خفي و كما إذا تكافأ من جميع الجهات المرجحة حتّى الأصل و القاعدة و كان في أحدهما احتمال لا يأتي في الآخر فإنّه أيضا من موارد افتراق الأوّل من الثاني لأنّ قلّة الاحتمالات المنافية للواقع لا تقتضي هنا أن يكون الظنّ في جانبه فإن بنينا في الموضعين على العمل بالمزية كما هو أحد الوجهين أو القولين الآتيين في باب الترجيح كان الأوّل مصيبا طردا دون الثّاني و إن بنينا على التخيير و أنهما داخلان في المتكافئين كما هو أحد القولين و أصحهما العكس الأمر فيعيب الثّاني دون الأوّل و أيضا مقتضى تعريف الثاني أن يكون نظر المجتهد موضوعا لأحكام التعادل و مقتضى الثاني أن يكون طريقا و تظهر الثمرة بينهما فيما لو اعتقد المجتهد أولا تساويهما في المرجّحات الموجبة للظنّ ثم زال الاعتقاد إمّا بالقطع بالفاضل أو مع الشك من وجهين أحدهما أنّه على الموضوعيّة أمكن البقاء على ما اختاره حين القطع بالتساوي إذ المفروض أن حكم التعادل و هو التغيير مثلا ثابت لاعتقاد التساوي لا لنفس التساوي و اعتقاد التساوي حين التخيير كان موجودا و كان حكمه ثابتا في ذلك الحين فلا يجوز له الأخذ بغيره بناء على عدم التخيير الاستمراري لا يقال كيف يجوز له البقاء على الحكم السّابق مع انعدام موضوعه الّذي كان مترتبا و هو اعتقاد التساوي لأنا نقول بعد البناء على بطلان التخيير الاستمراري بمعنى عدم الدّليل عليه يحتمل أن يكون هذا الحكم الظّاهري الّذي تعلّق عليه حين الاعتقاد ثابتا في حقّه حتّى يعلم بفساده و مجرّد ظهور ترجيح أحدهما على الآخر لا يوجب القطع بفساد الحكم الأوّل فهو مستصحب إلى أن يعلم خلافه نعم هو مبني على اعتبار الاستصحاب مع الشكّ في المقتضي فهو نظير البقاء على التقليد بعد موت المجتهد للاستصحاب و مرجعه إلى احتمال كون اعتقاد التساوي هنا أو فتوى المجتهد في مسألة التقليد علّة محدثة لا مبقية و الثاني أنّ مقتضى موضوعيّة الاعتقاد و إجزاء العمل السّابق بعد زوال الاعتقاد لقاعدة الإجزاء في الأمر الظاهري الشرعي على ما هو المشهور بخلاف مقتضى الطّريقية فإنّه داخل في الظّاهري العقلي الّذي لا يفيد الإجزاء عند المحققين و إن قال به بعض الأصحاب و اختلف العلماء في جواز تعادل المتعارضين و عدمه و اختلف عباراتهم في بيان محلّ الخلاف ففي التهذيب أنّه منع وقوعه شرعا و إن جاز عقلا و في تمهيد الشهيد و الأمارتان أي الدليلان الظّنيان يجوز تعارضهما في نفس المجتهد بالاتفاق و أمّا تعادلهما في نفس الأمر فمنعه جماعة بعدم فائدتها و عليه جرى في القوانين بل إليه يرجع أيضا ما في الفصول و لا محصّل لهذا النزاع بظاهره و إن أتعب نفسه في الثاني في توجيهه تارة بأنّ مرجع النزاع إلى إنكار كونهما أمارتين واقعيّتين و أخرى ناقلا عن بعض المتأخّرين بامتناع تعارضهما شرعا لا إنكار أماريتهما و حجّيتهما عند التعارض و ثالثة بما هو المختار عنده من إنكار التساوي الواقعي في المرجّحات و إن زعم المجتهد تساويهما في الظاهر و أنت خبير بأنّه لا محصّل لشي‏ء من هذه الوجوه في بيان محلّ الخلاف كما أنّ ما في التهذيب بظاهره أيضا محلّ مناقشة و مؤاخذة لأنّ الجواز لا ينقسم إلى شرعيّ و عقلي إلاّ في بعض المقامات الّتي ليس المقام منها و لذا عدل عنه في المنية فحرّر محلّ الوفاق و الخلاف بوجه آخر فجعل محل‏

الوفاق تعادل الأمارات العقلية كالبرق المتواتر في زمن الصّيف و محلّ الخلاف تعادل الأمارات الشرعية و هذا هو الصّحيح و أمّا الخلاف في التعادل النفس الأمري فلا يرجع إلى محصّل حسبما عرفت كما عرفت عدم استقامة الفرق بين الجواز العقلي و الشرعي و كذا ما قيل إنّه لا نزاع في إمكانه و إنّما النزاع في وقوعه لأن بداهة الوقوع يمنع عن توهم ريبة الخلاف منه دفعا للنزاع في إمكان تعادل الأمارات الشرعيّة عقلا فلفظة شرعا في التهذيب قيد للأمارات لا للجواز و إن‏

417

لم يكن ذلك خاليا عن مخالفة الظّاهر لكن محلّ الخلاف ليس هو مطلق التعادل كما هو ظاهر الأكثر بل هو خصوص تعادل دليل الإباحة و الحظر (و توضيحه) ما في المنية و التهذيب من أنّ التعارض إن كان في متعلّق الحكم كما في الاختلاف في القبلة و منه الاختلاف في وجوب الظّهر و الجمعة فهذا ممّا لا ينبغي الإشكال في إمكانه عقلا و شرعا و لا في وقوعه و إن كان في نفس الحكم ففي إمكانه عقلا و شرعا خلاف و لا فرق في ذلك بين تعارضهما في الإباحة و الحظر أو في الوجوب و الحرمة أو في الوجوب و الاستحباب أو في الإباحة و الوجوب إلى آخر الأحكام الخمسة و إن اقتصر بعض على خصوص الإباحة و الحظر إلاّ أنّ المناط في دليل المنع و الجواز واحد فإن جاز جاز مطلقا و إلاّ فلا كذلك و استدلّ المانع كأحمد بن حنبل و الكرخي و غيرهما ممّن وافقهما أو توقف في المسألة بأن جعل المتعادلين في الحكم الشرعي عبثا لا يصدر من الحكيم لأنّ العمل بهما معا غير مقدور و تركهما معا غير جائز أيضا و اختيار أحدهما معيّنا ترجيح بلا مرجح و غير معيّن أي التخيير يرجع إلى الترجيح الباطل لأنّه في حكم الأخذ بأمارة الإباحة و أجيب عنه بأنّ التخيير لا يرجع إلى الترجيح أي الأخذ بأمارة الإباحة لأن مفادها إباحة مطلقة و مفاد التخيير إباحة معلّقة على الأخذ بأمارتها و أورد عليه العلاّمة (قدّس سرّه) في النهاية بما حاصله أنّه لا تعليق في مفاد أمارة الإباحة و إلاّ لخرجا عن التعارض إذ لا تعارض بين الحظر على تقدير و بين الإباحة على تقدير هذا ملخّص ما عن النّهاية نقلناه مهذّبا و التحقيق في المقام أنّ التخيير المبحوث عنه إن كان هو التخيير الاستمراري اتجه مقالة المانع و إن كان هو البدوي اتّجه مقالة المجوّز أمّا الأوّل فلأنّ التخيير الاستمراري بين الحكمين المتضادين و البناء على عدم حجيتهما رأسا شي‏ء واحد و مآل كلّ واحد منهما إلى الآخر لأنّه إذا كنا مخيّرين في الأخذ بأمارة الإباحة أو أمارة الحظر في كلّ آن كنا مرخصين في فعله و تركه في جميع الآنات و لا معنى لسقوطهما و عدم حجيتهما رأسا إلاّ ذلك فتجويز تعادل الأمارتين الشرعيتين عقلا تجويز للعبث في حكم الشارع فإنّه إذا قال إنّي جعلت هاتين الأمارتين حجتين و أنتم مخيّرين في الأخذ بهما فهو بمنزلة ما إذا قال إنّهما غير أمارتين حينئذ و إنّهما ليستا بحجّتين و تعادلهما ممتنع عقلا لأنّ أقلّ ما يتعقل من إمكان تعادلهما في الحكم الشرعي إرجاعه إلى التخيير فإذا كان حكمه بالتخيير كحكمه بالتّساقط في اللّب و المعنى كان صدور هذا الفعل منه غير جائز شرعا و عقلا إذ لا يتصور في هذا الجعل فائدة عملية و قد حقق في غير موضع أن جعل الشي‏ء حجّة لا معنى له و لا يعقل إلاّ مع الفائدة العملية و مثل التعارض في الإباحة و الحظر ما إذا دار الأمر بين المحظورين و ما قد يتوهّم من ترتّب بعض الثمرات على الجعل كقصد القربة أو قصد الوجه أو ثبوت الفسق على فرض اختيار أمارة الحظر و المخالفة ففيه أنّ هذه الثمرات لو تمّت مع فساد بعضها كالأوّل لكفاية عنوان الاحتياط في العبادة بل في الوجه أيضا و لا يحتاج إلى ثبوت المحتمل بالدّليل الشرعي أنّها ثمرات للجعل لا للمجعول و هو كونه طريقا إلى الواقع فإنّ ثمرة الطّريق إحراز الواقع عملا و أمّا ما عداه فهو فوائد مترتبة على فعله فلو ترتب على كونه طريقا حينئذ عمل بحمل لا يترتب على تقدير عدم كونه طريقا صحّ جعله طريقا و يخرج به فعل جعل الشارع عن العبث و اللّغوية و أمّا لو لم يترتب ذلك فإن كان في مقام إحراز الواقع عملا فعله و عدمه على حدّ سواء كان جعله عبثا و إلاّ يترتب عليه بعد الجعل بعض الفوائد الّتي هو موضوع له لا طريق إليه (و الحاصل) أنّه لا بدّ في جعل الشي‏ء طريقا ترتب بعض آثار الواقع لا بعض آثار الطريق فتدبّر و افهم كلّ ذلك على تقدير التخيير الاستمراري فإنّ الّذي يصير به جعل التخيير في الإباحة و الحظر طريقا عبثا و أمّا على تقدير البدوي فليس كذلك لأنّ فائدة جعل الإباحة و الحظر طريقا و لو تخييرا بترتب أحكام المحظور الّذي هو طريق إليه و من هنا ظهر أنّ بناء الأصحاب في تعارض الخبرين على الاستمراري دون البدوي فإن الدّليل المذكور لا يتم إلاّ على هذا التقدير كما ظهر أيضا أن الحق في المسألة التفصيل بين أمارتي الحظر و الإباحة و

نحوه و بين تعارضهما في تعيين المكلّف به مثل القصر و الإتمام فلا يجوز تعادلهما في الأول و يجوز في الثاني وفاقا للعلاّمة (قدّس سرّه) بقي شي‏ء و هو أنّ الدّليل الّذي ذكره القوم لعدم الجواز من كون التخيير ترجيحا لأمارة الإباحة بظاهره غير مستقيم و لذا استدلّ عليه في التمهيد و غيره بلزوم العبث لا بأنّ التخيير ترجيح لأمارة الإباحة و يمكن إرجاع الأول إلى الثاني بملاحظة ما قرّرنا في توضيحه و إن لم يخل عن تكلّف هذا هو الكلام في موضوع المتعادلين و ما يتعلّق به‏

[الكلام في حكم المتعادلين بحسب مقتضى الأصل‏]

و أما حكمهما ففيه أقوال منشؤها اختلاف الأخبار فالتكلّم أولا فيما هو مقتضى الأصل حتى إذا لم يقم دليل على خلافه رجعنا إليه (فنقول) مستعينا باللّه أن حجّية الأخبار إما أن يكون من باب الطريقية المحضة أو يكون من باب السببيّة و الموضوعيّة أو يكون مرددا بينهما لإجمال دليل حجيّتهما من هذه الجهة فإن قلنا بالأوّل كان مقتضى الأصل التوقف و الرجوع إلى أصل الموافق دون التساقط رأسا أعني الرّجوع إلى الأصل مطلقا وافق أحدهما أو لم يوافق دون التخيير فهنا مقامان أحدهما إثبات التوقف في مقابل التخيير و الثّاني إثبات عدم التساقط بحيث يرجع إلى الأصل المخالف لهما أيضا كما في تعيين المكلّف به أمّا الأوّل فلأنّ دليل‏

418

الحجّية قاصر لشمول المتعارضين لاستحالة الجمع بين المتناقضين و قد يقال إن مقتضى إطلاق دليل الحجّية وجوب العمل بهما معا و حيث تعذّر ذلك تعين العمل بأحدهما مخيّرا كما في تزاحم الواجبات و فيه أنّ مع تعذّر العمل بهما معا كيف يشملهما إطلاق الدّليل القاضي بوجوب التعيين و صرفه إلى الوجوب التخييري ممتنع أيضا بعد فرض كون المراد به الوجوب التعييني في صورة عدم المعارضة لأنّه مثل استعمال اللّفظ في المعنيين بل أقبح كما هو واضح للبصير و قد يقال إنّ هذا مبني على تعلّق التكاليف بالأفراد فلو قلنا إن متعلّقها الطّبائع اتجه التخيير العقلي لأنّ مدلول دليل الحجية على هذا القول إنّما هو الوجوب التعييني المتعلّق بطبيعة خبر العدل و تعلّقه بالفرد تعلّق مقدّمي لا يتعلّق إلاّ بالمقدور فالاختلاف في التخيير و التعيين إنّما هو جاء هو من اختلاف الأفراد في قابلية الاتّصاف بالوجوب التعييني و التخييري ففي صورة عدم المعارض يتصف بالوجوب التعييني من باب المقدّمة و في صورة المعارضة يتصف بالوجوب التخييري و فيه أنّه غلط واضح و خلط لائح بين العموم البدلي و العموم الاستغراقي في مسألة متعلّق التكاليف فإنّ النزاع المعروف من أنّها يتعلّق بالمهية أو بالفرد إنّما هو في الأوّل دون الثاني و ما نحن فيه إنّما هو الثاني لأنّ المفروض حجّية جميع أفراد الخبر و وجوب العمل بكلّ فرد منه متميزا و لا مساس لذلك بالمقام و أمثاله من الأحكام العامة المستغرقة لحكم الوضع أو بقرينة المقام فإن قلت فكيف يحكم بالتخيير في تزاحم الواجبين كتزاحم الغريقين أو دينين و نحوهما قلت نحكم فيه بالتخيير من باب المناط العقلي بعد إحراز كون كلّ من الواجبين مقتضيا في نظر الشارع للتكليف لا من نفس خطاب ذلك الواجب كيف و هو غير جائز بناء على عدم جوازه في المعيّن حسبما عرفت (فإن قلت) فلم لا يتعقل كذلك في تعارض الخبرين فكما يجوز لك أن تقول إن إنقاذ الغريق مطلوب شرعا مهما أمكن سواء وقع المزاحمة بين فردين أو أفراد منه أو لا فكذلك يجوز لنا أن نقول مثل ذلك في الخبرين (قلت أوّلا) إنّ موضوع حكم العقل هناك محرز بحكم الفرض و هو وجوب الإنقاذ عند الإمكان لأنّا لا نحكم بالتخيير العقلي إلاّ بعد ثبوت ذلك المناط بأن علمنا من دليل ذلك أو من الخارج أو من الإجماع أن المزاحمة لا يؤثر في المطلوبيّة و المحبوبية عند الشارع و أن صفة الإنقاذ مقتضية للوجوب مهما أمكن و حينئذ يحكم العقل بالتخيير لأنّه غير معذور في ترك الكلّ بحيث كان قادرا على الإنقاذ في الجملة و ليس لأحدهما مرجح على الآخر و أمّا هنا فلم يحرز موضوع الحكم لا من دليله و لا من الخارج و لا من الإجماع فلا بدّ من الرّجوع إلى الأصل (و ثانيا) أنّ الفرق بين المقامين واضح لأنّ مزاحمة الواجبات يرجع إلى تزاحم المصلحتين النفسيّتين ضرورة ثبوت المصلحة في نفس الواجب من غير أن يكون مطلوبا مقدّميا للغير و المراد بالمصلحة هو الغرض الباعث على التكليف فلا يتوقف التخيير في التزاحم على مسألة الحسن و القبح بخلاف تعارض الطريقين فإنّ المصلحة الباعثة على جعله حجّة هو الإيصال إلى الواقع و هذا الغرض غير موجود في كليهما حتى يحكم العقل بوجود المقتضي في كلّ منهما و من الجائز اختصاص المصلحة الباعثة على العمل بغير صورة المعارضة (فإن قلت) مصلحة الفعل موجودة في أحدهما المعيّن عند اللّه و إن لم نعلم به و مقتضاه البناء على حجّية أحدهما دون التساقط و عدم حجّية شي‏ء منهما فيكون من باب اشتباه الحجّة بلا حجّة (قلت) أولا وجود مصلحة الفعل في أحدهما المعيّن عند اللّه أوّل الكلام إذ من المحتمل اشتراط حجّيته عند اللّه بعدم المعارضة و هذا الاحتمال لا دافع له لا من طريق اللّفظ نظرا إلى عدم شموله للمتعارضين حسبما مرّ و لا من طريق العقل لعدم مانع منه عقلا لإمكان أن يكون حجّية مشروطة بعدم المعارضة و هذا بخلاف تزاحم الواجبات و التكاليف النفسيّة فإنّها واجبات نفسيّة مصالح تشريعها في ذواتها بعد استجماع سائر الشّرائط غير المزاحمة و قضية ذلك عقلا وجوب امتثالهما بقدر الميسور و عدم سقوطه بالمعسور (و الحاصل) أنّ مقتضى المطلوبيّة النفسيّة كون المزاحمة مانعة من وجوب الامتثال بكلّ منهما عينا لا كون عدمها شرطا لأصل المحبوبيّة و المطلوبيّة بخلاف المطلوبيّة الغيريّة فإنّها محتملة لأن تكون مثل التكاليف النفسية في كون المزاحمة مانعة عن الامتثال لا كون عدمها شرطا في المطلوبيّة و يحتمل أن لا يكون كذلك بأن يكون أصل المطلوبية مشروطا بعدم المعارضة كما يساعده الذوق السّليم و الاعتبار الصّحيح فإن حكمة وجوب العمل بقول العدل مثلا إذا كانت‏

صرف الطّريقية كان الأحرى سقوطهما عن الاعتبار عند المعارضة كسقوط اعتباره مع العلم التفصيلي بخلافه فإذا جاء الاحتمال و لم يكن له دافع لا من اللّفظ و لا من العقل فمن أين يستقلّ العقل بوجود مقتضى العمل في كلّ منهما عند المعارضة حتّى يحكم بالتخيير و ثانيا أنّ وجود المصلحة في أحدهما المعيّن واقعا لا يقتضي بالتخيير بل مقتضاه التوقف أيضا و الرجوع إلى التخيير واضح شناعته لكونه خلاف التحقيق نظرا إلى أن الإيصال إلى الواقع حكمة لجعله حجّة لا علّة حتى يحكم بأنّ المطابق منهما للواقع واجد لمصلحة الجعل لا أنّ مقتضاه حصر الحجّية على كلّ خبر مطابق للواقع و فساده واضح ضرورة عدم الملازمة بين الحجّية و إصابة الواقع بل الحجّية ثابتة لكل خبر محتمل للمطابقة و هذا العنوان يصدق على كلّ واحد من المتعارضين فلا بدّ من الالتزام بحجّيتهما معا أو بعدم حجيتهما كذلك نعم‏

419

لو كانت الحجيّة مقصورة على المطابق خاصّة بأن يكون الإيصال إلى الواقع علّة و مناطا للحجّية وجب الالتزام بحجّية أحدهما المعيّن المطابق للواقع عند دوران الأمر بين المتناقضين لاستحالة ارتفاع النقيضين إذ مع العلم الإجمالي بمطابقة أحدهما للواقع فيكون المتعارضان في الصّورتين من باب اشتباه الحجة بلا حجّة لكنه بديهي الفساد و هذا هو المسلك و النظر الوجيه في تحقيق المرام من تأسيس الأصل في المقام فإن عدلت عنه إلى طريق آخر فقد عدلت عن الصّواب و أضللت هذا كلّه بناء على كون الأخبار حجّة من حيث كونها طريقا موصلا إلى الواقع و أمّا بناء على السّببية و الموضوعيّة الراجعة إلى نحو من التصويب المعقول حسبما فصّل في محلّه فالأصل فيه ما هو الأصل في تزاحم الواجبات أو الأسباب لأنّ العمل بالتخيير على هذا المعنى مطلوب نفسيّ طابق الواقع أو خالف و الأصل في تزاحم الواجبات و الأسباب غير خفية على المدبر البصير و محل الكلام فيه أنّه قد يحكم بالتساقط و التعطيل دائما رأسا و قد يحكم فيه بالتّرجيح و قد يحكم بالتخيير و قد يحكم بالجمع و قد يتردّد الأمر فيه بين الجمع و التخيير فإن كان في حق اللّه المحض يتخيّر بين الواجب مع مساواة عدد الامتثال على التقديرين و إن كان في حق الناس فالقاعدة أيضا ذلك إلاّ أنّ الظّنون المستفادة من الشرع أن الجمع حينئذ أولى مراعاة للجمع بين الحقّين و منه تعارض البيّنتين في الأملاك إذا جعلنا البيّنة من أسباب الملك أو من أسباب حكم الحاكم أمّا الأوّل فهو في كلّ موضع امتنع فيه جمع الأمور المشار إليها مثل تزاحمها في الحقوق المشتركة كما لو سبق اثنان إلى مباح أو حقّ مشترك لا يقبل القسمة فإنّ الأمور المذكورة لا يتصور شي‏ء منها فيه أمّا ما عدا التخيير فواضح و أمّا التخيير فلأنّه إنّما يتصوّر إذا كان العمل بهما راجعا إلى شخص واحد و أمّا إذا كان شخصان فلا يتصوّر فيه التخيير كما لا يخفى و منه ما لو تعارض الخبران في بعض مسائل النكاح أو الطّلاق أو العتق أو نحوها من الأمور المتعلّقة باثنين الغير القابلة للقسمة و منه أيضا توارد الواردين على محلّ واحد أو غيرها فإنّ الحكم فيه عقلا أو نقلا تعطيل السّببين و تساقطهما رأسا و أمّا الثاني فهو ما إذا كان الأول بأحدهما مقدورا دون الآخر مثل تزاحم الغريقين أو تزاحم الدّينين مع عدم إمكان العمل بأحدهما قطعا لمانع عقلي أو شرعي أو لفقد شرط من شروط القدرة و أمّا الثالث فهو ما أمكن التخيير دون الجمع و ذلك في التكاليف كتزاحم الغريقين و أمّا الرابع فهو على عكس هذه الصّورة كما إذا تعسّر أو تعذّر اختبار أحدهما لعارض و أمكن الجمع و ذلك واضح و منه ما لو حالف خاف على نفسه من ترجيح أحد الأداءين على الآخر مع عدم وفاء القدر المقدور من الأداء للحقين و أمكن التوزيع و أمّا الخامس فمورده ما إذا أمكن التخيير بينهما و التبعيض في العمل بكلّ منهما كما إذا اجتمعت عليه صلوات لنفسه و لغيره و لم يتمكن من الإتيان بهما جميعا و أمكن امتثال أحدهما كلاّ أو امتثال كلّ منهما بعضا و مثله ما لو تزاحم الدّيون أو النذور و نحوهما مع إمكان التبعيض و التخيير دون الجمع و مقتضى القاعدة هنا مراعاة الأكثر امتثالا تخييريّا كان أو تبعيضيّا و مع التساوي التخيير بين الواجبين فإن شاء اختار أحدهما و ترك الآخر و إن شاء اختار التبعيض فيأتي بكلّ من الطّائفتين مثل ما يأتي بالآخر و يتفرّع عليه أنّه عند تعارض البينتين في ملكية شي‏ء يتخير بين العمل بإحداهما كلاّ و ترك الآخر كذلك و بين أن يعمل بكلّ منهما في الجملة بالتنصيف كما فعلوه في تعارض البيّنات أو تعارض اليدين و ترجيح التبعيض على التخيير يحتاج إلى الدليل كالجمع بين الحقين في حقوق الناس بناء على كونه أولى من الترجيح فما في تمهيد القواعد من التنصيف مراعاة للجمع بين الدليلين خلاف ما تقتضيه القاعدة سواء قلنا باعتبار البيّنة من باب الطريقية المحضة أو قلنا باعتبارها من باب السّببية أمّا على الأوّل فلما عرفت من أنّ مقتضى القاعدة التوقف دون التخيير و دون التنصيف و أمّا على الثاني فلأنّ العمل بالبينة وظيفة للحاكم كما أن خطاب العمل بكلّ منهما متوجّه إليه فكأنّه اجتمع عليه تكليفان نفسيان فلا بدّ له من العمل بهما بقدر الإمكان و القدر الممكن له أحد الأمرين إمّا التخيير بين العمل بهما أو العمل ببيّنة زيد مثلا في نصف الدار و العمل ببيّنة عمرو في النصف الآخر و لا أولويّة لأحدهما على الآخر عقلا نعم لو قلنا إن‏

في الحقوق المتزاحمة بناء الشرع على الجمع دون التخيير الموجب لحرمان أحدهما عن حقه بالمرّة كما يستفاد من رواية الدّرهم و الدّرهمين الواردة في الوديعة و غيرها في أبواب أخر كان هذا دليلا واردا على ما تقتضيه قاعدة تزاحم الأسباب و التكاليف و لعلّ نظره (قدّس سرّه) إلى ذلك و إن طرد القول في المقام حتى عم تعارضهما في حقوق اللّه تعالى هذا في الموضوعات و أمّا الأحكام فقد يتوهم أنه لا بدّ فيها من التخيير إذ التبعيض لا يتصور في تصديق الراوي في صدور القول الخاص عن الإمام (عليه السلام) و فيه أنّه إذا كان إخبار العدل من أسباب تعلّق التكاليف كان إخباره بصدور أكرم العلماء مثلا من الإمام سببا لوجوب إكرام جميع أفراد العلماء كما لو نذر ذلك و لا نعني بوجوب تصديق العدل إلاّ ذلك فيتصوّر التبعيض حينئذ عند معارضته مع إخبار عدل آخر بقوله (عليه السلام) لا تكرم العلماء فالقاعدة على تقدير السّببية في الأحكام و الموضوعات على نسق واحد إلاّ أنّ الظاهر الإجماع على عدم التبعيض في الأحكام ثم إنّ المحلّ إذا لم يكن قابلا للتبعيض بحسب‏

420

المقدار فمقتضى القاعدة التبعيض بحسب الأزمان و الأحوال أو الأفراد فلو تعارض الدليلان في عشر رضعات و بنينا على السببيّة فإن أراد التخيير فهو و إن أراد الجمع بالتبعيض عمل بأحدهما في زمان و بالآخر في زمان آخر أو بأحدهما في امرأة و بالآخر في الأخرى و هكذا إلى سائر وجوه الجمع بالتبعيض و لا أولوية لأحد الوجهين على الآخر مع قطع النظر عن بطلان التبعيض بالإجماع مثلا و من فروعه ما لو تزاحم الدّيان و لم يمكن له وفاء إلاّ بقدر أحدهم فإنّه على ما ذكرنا مخيّر بين اختيار أحدهم و ترك الباقين و بين التفريق و التوزيع نعم الثاني أحوط جمعا بين الحقين فظهر أنّ الحقّ في تعارض الخبرين بناء على الطريقية بطلان التخيير و الجمع و هو المراد بالتوقف بقي الكلام في التساقط فقيل إنّه مقتضى القاعدة أيضا بمعنى الدليل الّذي أقمناه على بطلان التخيير و الجمع إذ بعد فرض عدم شمول الخطاب للمتعارضين و عدم استقلال العقل بوجود المقتضي للعمل كما استقلّ به على تقدير السببيّة و الموضوعية يكون وجودهما كالعدم و يتعيّن الرّجوع إلى الأصل و إن كان مخالفا لهما فالحكم بانقطاع الأصل المخالف الّذي هو الفارق بين التوقف و التساقط ممّا لا وجه له و يدفعه أنّ عدم شمول الخطاب للمتعارضين إنّما هو من حيث التعارض و في محلّ التعارض و أمّا في غير محلّه فلا مانع من دخولهما تحت دليله و ثبوت أحد الحكمين و عدم جواز الرّجوع إلى الثالث ممّا لا تعارض لهما فيه فيجب الأخذ بهما عملا بعموم دليل حجيّته و إن شئت (قلت) إن لكلّ منهما دلالة مطابقية و هو وجوب الظهر مثلا و دلالة التزاميّة و هو بطلان البناء على البراءة رأسا فيتساقطان في المدلول المطابقي للتعارض و أمّا المدلول الالتزامي و هو عدم جواز البناء على البراءة فهما متفقان فيه و بعبارة أخرى أنّه إذا أخبر العدل بوجوب الظهر مثلا فقد أخبر بأمرين أحدهما عدم جواز البناء على البراءة و الثّاني وجوب البناء على الظّهر و حيث إنّ الثاني معارض بخبر مثله الحاكم بوجوب البناء على الجمعة مثلا سقط عن الاعتبار بخلاف الأوّل فإنّه غير معارض بمثله بل معتضد به فلا وجه لترك العمل به و أورد عليه بأنّه تفكيك بين المطابقة و الالتزام و هو محال كما صرّحوا به في محلّه و بنوا عليه فساد الاستدلال على صحّة العقود الجائزة بقوله تعالى أوفوا بالعقود نظرا إلى انتفاء اللاّزم أي الصّحة بعد انتفاء الملزوم أي اللّزوم و فيه أن التفكيك بين المطابقة و الالتزام في الاعتبار و الحجّية لا مانع منه بل بناؤهم على ذلك في غير موضع أ لا ترى أنه لو أفاد قول المخبر الظن بالقبلة و بالوقت عمل به في الأوّل دون الثاني و إن امتنع التفكيك بينهما في الوجود و التفكيك في المقام راجع إلى الأوّل حيث نقول باعتباره في المدلول الالتزامي دون المطابقي و أمّا التمسّك بأوفوا بالعقود لإثبات الصحّة في العقود الجائزة فهو من الثاني لأنّه مبني على أن يراد به مجرّد الصحّة دون اللّزوم فهو إن صحّ يجوز التمسّك به لإثبات اللّزوم أيضا في العقود اللاّزمة فالجمع بين التمسّك في المقامين تفكيك بين اللاّزم و الملزوم في الوجود دون الاعتبار كما لا يخفى لمن تأمّل و تدبّر ثمّ لو شككنا في الطريقية و السببيّة و لم يبن علي اشتمال جعل الطرق لمصلحة نفسيّة غير مصلحة غيريّة إيصالية كان حكمها أيضا حكم الطريقية جمودا في الخروج عن أصالة عدم الحجيّة على التقدير المعلوم و هي الحجيّة في غير محلّ المعارضة و أمّا مبنى مسألة الطّريقية و السببيّة فهو راجع إلى التخطئة و التصويب في طرق الأحكام و الموضوعات و تحقيق ذلك يطالب في غير المقام و المختار على وجه الإجمال هو الآخر خصوصا في طرق الأحكام و لم يقم على الأوّل دليل سوى لزوم تحليل الحرام و تحريم الحلال القبيح على الشارع لو كان طريقا محضا عاريا عن مصلحة تدارك الواقع على تقدير الظّاهر مؤيّدا ذلك بتنزّه المعصوم (عليه السلام) عن الوقوع في الحرام مع معلوميّة معاملتهم مع الناس معاملة غيرهم و قضاء العادة بالوقوع فيه البعيد عن ساحة العصمة و طهارة نفوسهم عن الرّجس و لوث الخساسة الرّديئة و بهذا استدلّ الشهيد الثّاني (قدّس سرّه) على نحو من التصويب في الموضوعات و مال إليه على ما عزي إليه و يدفعه أنّه لا مانع عقلا من ترفيه الشارع الحكيم و تسهيله على العباد في التكليف بأن يكون قد أقنع منهم من الاجتناب عن الحرام بالقدر المعلوم أو المظنون المصادف للواقع و رفع عنه القلم فيما لا يعلمون حكما أو موضوعا مراعاة لمصلحة

التسهيل أو مفسدة التثقيل مع إمكان العلم فإن أريد من تحليل الحرام و تحريم الحلال تحريم الحلال الظّاهري أو تحليل الحرام الظاهري أي بعد اتصافهما فعلا بالحلّية و الحرمة فالملازمة ممنوعة و إن أريد تحليل الحرام الواقعي أي ما من شأنه أن يكون حراما بعد العلم به فبطلان الثاني ممنوع إذ لا يجب على اللّه تعالى وضع الشرع على وجه لا يفوت معه شي‏ء من المصالح و المفاسد على العباد بسبب الجهل لأنّ مرجعه إلى وجوب حفظ العباد عن الخطإ في معرفتها بعد إيجاب السّؤال عليهم أو إلى وجوب الاحتياط و العقل غير مستقلّ بشي‏ء منهما مضافا إلى ما وجدنا بالضّرورة و العيان من حدوث الأديان و الشرائع و كون التبليغ تدريجا لا دفعة لأنّ حال العباد قبل الشرع و كون التبليغ تدريجا بعده دليلان قطعيّان على عدم وجوب التبليغ التام الكلّي في كلّ زمان و في كلّ حال و إذا جاز تخلّف‏

421

التكليف عن المصالح و المفاسد النفس الأمريين لم يكن في التعبّد بالظنون مع كونها طرقا محضة قبح و محذور أصلا لأنّ قصوى ما يلزم منه تخلّف التكليف عن الواقع في موارد الخطإ و عدم المؤاخذة عن تفويته و لم يقم دليل على قبحه (فإن قلت) عدم التكليف مع وجود المقتضي أي المصلحة إنكار لمسألة الملازمة و التزام بمقالة الأشعري من عدم تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد النفس الأمريّة (قلت) ليس الأمر كذلك لأنّ الأشعري منكر للمصلحة و المفسدة الراجعتين إلى الحسن و القبح لا أنّه يدعي عدم الملازمة بينهما و بين التكليف مع الاعتراف بهما نعم بعض القائلين بهما ينكرون الملازمة و كلامنا هذا لا يرجع إلى مقالتهم أيضا لأنهم يدعون عدم الملازمة مطلقا و نحن نقول إن مطلق المصلحة و المفسدة النفس الأمريتين ليس علّة تامّة للتكليف بل لا بدّ أن تكون ملزمة بحيث لو كشف الغطاء لحكم العقل بوجوب التكليف و استقبح خلافه و موارد فوت المصالح بجعل الأصول و الأدلّة الظنية و كذا حال قبل حدوث الشرع أو بعده و قبل تبليغ جميع الأحكام ليست مشتملة على المصلحة الملزمة و إن كان المقتضي موجودا لأنّ الأزمنة و الأمكنة و سائر الحالات لها مدخلية في الحسن و القبح الملزمين و الكاشف عن كون المصلحة ملزمة وجود التكليف ففي موارد عدم التكليف أو الرّخصة في السّلوك بغير طريق العلم يحكم بعدم الحسن الملزم و إن كانت المصلحة موجودة نعم قد يقال إن قضية ما ذكرت إناطة التكليف بحسن المكلّف به أو حسن التكليف كما يقول به بعض حيث اعترف بأنّه قد يكون مقتضى التكليف موجودا لكنه ليس بعلّة ملزمة فيجوز تخلّف التكليف منها لمزاحمة جهة التكليف لجهة المكلف به و أن للتكليف شرائط غير حسن المكلّف به لكنّه أيضا خلط و اشتباه لأنّ مقالة البعض إنّه يجوز أن يكلّف الشارع بأمر غير حسن نظرا إلى حسن التكليف فيكفي في التكليف أحد الحسنين إمّا حسن التكليف أو حسن المكلّف به و نحن نقول إن التكليف لا يتعلّق بغير الحسن لحسن نفس التكليف و لكن لا يجب عقلا أن يكلّف بكلّ ما فيه مصلحة و محصّله أنّه لا مانع من أن يكون في الفعل حسن ملزم في وقت دون وقت أو حال دون حال كما قاله السيّد الرّضي و أخوه (قدّس سرّهم) في جواب من حكم ببطلان صلاة المسافر الجاهل بالمسائل و تمام الكلام يطالب في مقام جواب ابن قبة حيث ذهب إلى قبح التعبّد بالظنون لأنّ بناء الطّرق على السببيّة راجع إلى مذهبه كمذهب أصل أهل التصويب و من التأمل فيما ذكرنا اندفع ما ربّما يتوهم من الإشكال الآخر و هو أنّ المتكلّمين يقولون بوجوب اللّطف على اللّه و أن بعث الأنبياء و تشريع الشرائع كلّها ألطاف مع بداهة عدم استيعاب الأديان الأزمنة و الأمكنة و منافاته لما جرى عليه عادة اللّه و عادة الأنبياء من تبليغ الأحكام تدريجا بعد البعثة و وجه الاندفاع أن مقالة المتكلمين راجعة إلى ما ذكرنا من أن بعث الأنبياء و تشريع الشرائع كاشف عن مقتضى اللّطف الواجب عليه لا أنّ عقولنا تستقلّ بإيجاب البعث عليه تعالى في مكان و زمان و هذا أحد معاني اللّطف الواجب عليه تعالى و له معنى آخر يرجع إلى وجوب فعل ما يتوقف عليه الغرض و إلاّ لزم نقض الغرض القبيح على الفاعل المختار و لا مساس لهما بما نحن فيه هذا كلّه في طرق الأحكام و الأصول الجارية فيهما و أمّا طرق الموضوعات و أصولها فلو تمّ فلا ثم أيضا دليل على السّببية فيها و ما عهدناه من المعصوم من معاشرة الناس على الوجه المتعارف أكلا و شربا و غير ذلك فهو أمر بشي‏ء مجمل لا دلالة له على شي‏ء يكون حجّة لنا فتحقق ما ذكرنا أن قضية الأصل الأولي في تعارض الأدلة التوقف و أمّا تعارض الأصول فالأصل فيه التساقط أيضا تعين ما ذكرنا هناك حرفا بحرف و إنّما الفرق بينهما أنّ التفكيك بين المدلول المطابقي و الالتزامي هنا غير متصوّر حيث لا دلالة للأصول على شي‏ء فإذا لم يدخل المتعارضان منهما تحت دليل الحجّية سقطا رأسا و لم يترتب على حجيتهما شي‏ء كان يترتب على حجّية الخبرين من نفي الثالث الّذي كان مدلولا التزاميّا لكلّ منهما (فإن قلت) إذا بنيت التوقف و التخيير على الطريقية فهذا يقتضي البناء على التخيير في الأصلين المتعارضين لأنّ الأصل ليس طريقا إلى الواقع و مرآة له بل مرجعه إلى الحكم التعبّدي الثابت للشاك من حيث كونه شاكا فينبغي أن يكون حالها كحال الأسباب و الواجبات النفسيّة في الحكم بالتخيير (قلت أوّلا) لقائل أن يقول بأن الأصول أيضا معتبرة من حيث‏

كونها طرقا إلى الواقع بناء على علم الشّارع بمطابقة الأصل المبني عليه العمل للواقع غالبا كعلمه بغلبة مطابقة الظنون النوعية للواقع فيأتي هنا ما ذكرنا هناك من الدليل على التساقط (و ثانيا) أنّ العبرة في الحكم بالتخيير بعد البناء على خروج المتعارضين عن تحت الدليل مسقطا مطلقا في الأسباب و الطرق حسبما بيناه و شرحناه باستقلال العقل أو قيام الإجماع على وجود مقتضى الامتثال في كلّ منهما بحيث لو تمكن المكلّف منه لوجب و العقل إنّما يستقلّ بذلك في الأسباب و الأحكام الواقعية النفسية و أمّا ما عداها من الأحكام الظاهرية العذريّة فلا استقلال له لوجود المقتضي عند التعارض و ما قام الإجماع أيضا على ذلك فإذا لم يحكم العقل بوجود المقتضي في كلّ منهما و المفروض عدم شمول الخطاب لهما

422

معا للتنافي و التعارض فالمرجع هو الأصل القاضي بعدم الاعتبار سواء كان ذلك الحكم الظاهري من الطرق أو من الأصول إذا عرفت ما يقتضيه الأصل الأولي في التعارض‏

[الكلام في نقل الأقوال في التعارض بملاحظة الأخبار الواردة في الباب‏]

(فاعلم) أنّ الوجوه و الأقوال في المسألة بملاحظة الأخبار الواردة في الباب و تماميتها في ثبوت الحكم المخالف للأصل و عدمه ستة اثنان منها للأصوليين أحدهما التساقط كلّية و هو الّذي نسبه في المنية إلى ما عدا الجبائيين و الثاني التخيير و نسبه فيها أيضا إليهما خاصّة لكن في المعالم أنّه لا يعلم خلاف فيه كما صرّح به بعض و أنّه المشهور بين أهل الخلاف و يظهر من بعض اشتهاره شهرة مطلقة و أربعة منها للأخباريين و من شرب من مشربهم أحدها التوقف و نسبه في المفاتيح إلى الأخباريين و ثانيها التفصيل بين حقّ اللّه فالتخيير و حق النّاس فالتوقف و هذا منقول من الفاضل الأسترآبادي و به يقول صاحب الوسائل أيضا و ثالثها التفصيل بين ما لا بدّ فيه من العمل فالتخيير و بين غيره فالتوقف و ذهب إليه ابن جمهور الأحسائي في محكي غوالي اللّئالي و إليه يرجع القول الرّابع و هو التفصيل بين ما لو دار الأمر بين المحظورين و غيره (و اعلم) أنّ هذه الأقوال تأتي على القول بحجيّة الأخبار من باب الظنّ الخاصّ و أمّا على القول باعتبارها من باب الظن المطلق فلا يأتي شي‏ء منها حتى التخيير فإنّ مقتضى القاعدة بعد عدم حجّية شي‏ء منها نظرا إلى انتفاء صفة الظن بالتعارض الرجوع إلى الأصل الجاري في المسألة فما في القوانين و الفصول من القول بالتخيير بناء على الظن المطلق ممّا لا وجه نعم بناء على مذاق صاحب القوانين (قدّس سرّه) من عدم وجوب الاحتياط عند العلم الإجمالي بالتكليف و إعمال الأصل إلى أن يلزم المخالفة القطعية يتجه القول بالتخيير لأنّ المتعارضين يفيدان الظنّ بنفي الثالث فيجب العمل به و البناء عليه عملا بالظن المطلق و لكن الظنّ لا يزيد على العلم في مقتضاه فكما لا يجب الاحتياط مع العلم بل له التخيير في اختيار أحدهما فكذلك مع الظن و هذا مع كون كلّ منهما مخالفا للأصل و لو كان أحدهما موافقا له خاصّة فالتخيير أوضح فيبقى المؤاخذة على الآخر حيث يقول بوجوب الاحتياط فكيف يقول قضية دليل الانسداد التخيير حتى جعله مؤيّدا لما استدلّ به عليه من الأخبار و منشأ هذه الأقوال هو الجمع بين ما ورد في الباب من الأخبار المتعارضة بين آمرة بالتخيير و ناهية عنه بإيجاب التوقف و مفصّلة بينهما فإن تم الجمع بأحد الوجوه المذكورة و إلاّ فلا مسرح للترجيح لأنّ روايات كلّ من التخيير و التوقف فوق حدّ الاستفاضة بحيث لا يعتريها الرّيب و إن كان كلّ واحد منها من الآحاد الظنيّة فترجيح أخبار التخيير بالشهرة كما فعله غير واحد أو ترجيح أخبار التوقف بمخالفة العامة و غيرها من المرجحات السّندية كصحّة الرّواية أو المضمونيّة كموافقة الاحتياط كما فعله آخر ليس على ما ينبغي و كيف كان فقد قيل إنّ هذه الجموع لا شاهد لها سوى الجمع المشهور و هو حمل أخبار التوقف على زمان التمكن من الوصول إلى الإمام (عليه السلام) و حمل أخبار التخيير على زمان عدمه بشهادة بعض الأخبار عليه و أورد عليه بأنّ بعض الأخبار الآمرة بالتخيير غير قابل للحمل عليه كرواية حارث بن المغيرة عن الصّادق (عليه السلام) إذا سمعت من أصحابي الحديث و كلّهم ثقة فموسّع عليك حتّى ترى القائم (عليه السلام) فإنّها نصّ في التخيير مع الإمكان من الوصول إلى خدمة الإمام (عليه السلام) و فيه أن التحديد إلى لقاء القائم ليس كالتحديد إلى لقاء الإمام فإنّ الأوّل كسائر أخبار التخيير المطلقة من حيث إمكان الوصول إلى خدمة الإمام و عدمه بخلاف الثاني فإنّه نصّ في صورة إمكان الوصول نعم يرد عليه أولا أنّه ليس في الأخبار ما يشهد على الجمع المذكور و قصوى ما قيل في بيانه أن بعض أخبار التوقف مقيد بغاية لقاء الإمام (عليه السلام) فيحمل عليه سائر المطلقات فتخصّص به أخبار التخيير و يحمل على صورة عدم الإمكان و يندفع (أوّلا) بأنّ التحديد بلقاء الإمام أعمّ من صورة تمكن الوصول إليه و عدمها لأن كلمة حتّى كما تدخل على الغاية الممكنة كذلك تدخل على الغاية الممتنعة كما في قوله تعالى حتى يلج الجمل في سمّ الخياط فهذه الأخبار المحدودة بلقاء الإمام (عليه السلام) أيضا مطلقة من حيث إمكان الوصول و عدمه كما أنّ أخبار التخيير أيضا مطلقة من هذه الجهة فيكونان متباينين فيحتاج الجمع بينهما بحمل كلّ منهما على صورة معينة إلى شاهد (و ثانيا) أنّ العبرة في مثل المقام بأعمّ العناوين لا بأخصّها فعلى فرض تسليم اختصاص بعض أخبار التوقف بصورة إمكان الوصول لا وجه له أيضا لحمل الأخبار المطلقة الغير المقيدة بذلك عليه بل مقتضى القاعدة حينئذ الأخذ بالأخبار المطلقة بعد أن لم يكن للأخبار المقيدة

مفهوم يوجب تقييد المطلقات بهذا و التحقيق أنّ هذا الجمع غير محتاج إلى شاهد خارجي بل كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر من باب النصّ و الظاهر لأنّ أخبار التوقف صريحة أو أظهر في صورة التمكن من العلم بالوصول إلى حضرة الإمام (عليه السلام) و ظاهرة في صورة عدم التمكّن منه و أخبار التوقف بالعكس فإذا أضيف ظاهر كلّ منهما إلى نصّ الآخر ينتج هذا الجمع فعلى ما قرّرنا في قاعدة الجمع من وجوب الجمع بين النصّ و الظاهر الإضافيين كالجمع بين النصّ و الظّاهر المطلقين مثل العام و الخاصّ يتجه حمل أخبار التخيير على صورة عدم الإمكان و حمل أخبار التوقف على صورة الإمكان من غير معونة الشّاهد الخارجي لكن ينافيه بعض الأخبار كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

423

قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمره بأخذه و الآخر ينهاه كيف يصنع قال يخيره حتى يلقى من يخبره و هو في سعة حتى تلقاه عن الكافي و في رواية بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك لأنّها صريحة في التخيير مع التمكن من ملاقاة من يخبره فكيف يجامع حمل أخبار التوقف عليه و فيه أنّ غرض المشهور من الجمع المذكور وجوب العمل بأخبار التخيير في هذه الأزمنة و هي أزمنة الغيبة و الانقطاع عن العلم و هي غير منافية لذلك بل مؤكدة له و إن كان مقتضاه بطلان حمل أخبار التوقف على صورة الانسداد و يعيّن حملها على محامل أخر كالتوقف في الفتوى أو الحكم الواقعي أو نحو ذلك (و الحاصل) أن أخبار التوقف لا تصلح معارضا لأخبار التخيير مع انقطاع العلم و عدم التمكن من ملاقاة الإمام (عليه السلام) من وجهين أحدهما أنّ دلالتها عليه في هذه الصّورة ضعيفة في حال دلالة أخبار التخيير عليه فيجب الأخذ بهما عملا بأقوى الدّليلين و ثانيهما أنّها معارضة بالموثقة و النّسبة بينهما هو العموم و الخصوص المطلقين فيخصّص بها و إن أبيت عن هذا التخصيص لما فيه من إخراج الفرد القدر المتيقن و هو التوقف مع إمكان تحصيل العلم تعيّن تصرّف آخر بحملها على التوقف في الفتوى و نحوه و على التقديرين يتعين العمل بأخبار التخيير في زمن انسداد باب العلم فتلخص ممّا ذكرنا أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو التخيير عند الانسداد و أمّا الجمع الثاني فقيل إنه لا شاهد له و فيه أنّ شاهده المقبولة الواردة في الدين و الميراث (و أجاب عنه) في القوانين بأن العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص المحلّ و الظّاهر أنّه أراد بالعموم ما في ذيلها من تعليل التوقف حتى تلقى الإمام (عليه السلام) بأن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في المهلكات و يدفعه أنّ هذا الدّليل من مطلقات أخبار التوقف الواردة في مطلق الشبهة سواء كانت من تعارض النصّين أو من غيره و هي مطروحة أو مؤولة بإجماع الأصوليّين القائلين بالبراءة في الشبهات البدوية فلا تصلح حجّة للقول بالتوقف في خصوص التعارض الّذي هو محط الأنظار و محلّ الأفكار و إن أراد بالعموم غيره كقوله (عليه السلام) انظروا إلى رجل منّا إلى آخره ففيه أنّ ظاهره الرّجوع إليه في المسألة المسئول عنها أعني الاختلاف في الدين أو الميراث و لو سلّمنا عدم ظهور ذلك فلا أقلّ من عدم الظهور في العموم أيضا فأين العام الّذي يؤخذ به و لا ينظر إلى خصوص المحلّ و الإنصاف أن مقتضى القاعدة تخصيص أخبار التخيير بها و لا ينافيه الجمع المشهور بالمعنى الّذي فسّرناه أعني البناء على التخيير في حال الانسداد مع قطع النّظر عن حال الانفتاح لعدم تعلّق غرض الأصولي به بعد عدم كونه مقيّدا بعلم أو عمل فاللاّزم الأخذ بمقتضاها أيضا فيجمع بين الجمعين أعني الجمع الأوّل و هو حمل أخبار التخيير على زمان الانسداد و الجمع الثاني أي اختصاصها بخصوص حقوق اللّه سبحانه فالمحصّل هو التخيير حال الانسداد في خصوص حق اللّه تعالى لا مطلقا و دعوى الإجماع المركب و عدم التفصيل بين حق اللّه و حقّ الناس كما ترى نعم لا شبهة في عدم الفصل بين الدّين و الميراث و بين غيرهما من حقوق النّاس فلا يرد على المقبولة أنّها غير عامة لمطلق الحقوق فافهم و أمّا الجمع الثالث فقيل أيضا إنّه لا شاهد له و ليس كذلك لما روي من الإحتجاج عن سماعة بن مهران مهزيار عن الصّادق (عليه السلام) (قلت) يرد علينا حديثان واحد يأمرنا و الآخر ينهانا قال لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك فتسأل عنه قال قلت لا بدّ أن يعمل بأحدهما قال خذ بما خالف العامة وجه الشهادة أنّه (عليه السلام) حال عدم الضرورة أمر بالتوقف و لم يرخّص العمل بالترجيح فكيف عن التخيير الّذي هو دون الترجيح و دعوى عدم الملازمة بينه و بين الترجيح واهية نعم لا ملازمة بين الرّخصة في الترجيح مع الاضطرار إلى العمل و بين التخيير إلاّ أنّه غير محتاج إليه إذ مع الاضطرار يحكم العقل بالتخيير و أمّا عدم الترجيح و عدم التخيير فلا شبهة في الملازمة بينهما إذ لا معنى للنّهي عن الترجيح و إيجاب التوقف و الترخيص في التخيير كما لا يخفى فإذا ثبت عدم التخيير مع عدم الضرورة لزم تخصيص أخبار التخيير و قصرها على مورد الضّرورة و هذا الجمع أيضا لا ينافي محصّل الجمعين الأوّلين فيجمع بين الجموع الثلاثة فيخصّص أخبار التخيير بموارد الضّرورة في خصوص حق اللّه حال الانسداد و لكن سند هذه الرّواية غير واضح و لا

جابر لها و دلالتها أيضا غير نقية عن الإجمال لأنّ النّهي من العمل بأحدهما لا معنى له لدوران الأمر بين المحظورين و عدم العمل فيه غير معقول فلا بدّ من إرجاع النهي إلى أمر معقول كالفتوى و الترجيح و إن كان مخالفا للظّاهر فيكون أجنبيّا عمّا نحن فيه من التوقف في مقام العمل هذا مع أنّ اللاّزمة بين عدم الترجيح و عدم التخيير ليس بذلك الوضوح إذ لا مانع عقلا من أن يكون العمل بالترجيح مع عدم الضرورة ممنوعا و التخيير جائزا لأنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول و أمّا الجمع الرّابع الّذي ذهب إليه صاحب الوسائل فاستند فيه إلى رواية العيون عن الرّضا (عليه السلام) أنّه قال في حديث طويل فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فاعرضهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب و ما لم يكن في كتاب اللّه فاعرضوا على سنن رسول اللّه فما كان في السّنة موجودا منهيّا عنه نهي حرام أو مأمور به عن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و أمره و ما كان في السّنة نهي إعافة أو كراهة ثم‏

424

كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه و كرهه و لم يحرّمه فذلك الّذي يسمع الأخذ بهما جميعا أو بأيّهما شئت و معك الاختيار من باب التسليم و الاتباع و بالرّد إلى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك و لا تقولوا فيه بآرائكم و عليكم بالكفّ و التثبت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا و فيه أنّه لا دلالة و لا مساس لها بالمقام بل هي من أخبار الترجيح بالكتاب و السّنة و أنّه مع عدم الترجيح وجب التوقف في القول لا في العمل فإن كان فيها دلالة على شي‏ء فهي من عموم أخبار التوقف في تعارض الأخبار و أين هذا من التخيير في المستحبّات و التوقف في الواجبات (و الحاصل) أنها تدلّ أوّلا على التوقف في القول لا في العمل و ثانيا أنّها من الأخبار المطلقة لا المفصّلة و أمّا الأخذ من باب التسليم فيما لو تعارض الكراهة و الرّخصة كما تدلّ عليه فهو من فروع الجمع لا من فروع التخيير و محصّل هذه الرّواية على ما يظهر لمن تأمّل في جميع فقراتها الّتي لم ينفل جلّها بطولها أنّه قد يجمع بين نواهي الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) و بين ما ورد من أهل البيت من خلافه بأن كان النهي نهي كراهة و تنزيه لا نهي تحريم و إلزام و قد يطرح فيما خالفها من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) كما إذا كان نهي إلزام أو أمر إلزام و يستفاد منه ذلك و أنّه لا بدّ للفقيه من التأمّل و عدم البدار إلى طرح ما خالف السّنة حتى يعرف حال النّهي المروي عن النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) أنّه نهي عافية أو نهي عزيمة و هذا المعنى لا مساس له بما نحن فيه أصلا هذا و يمكن أن يقال إنّ غرض الإمام (عليه السلام) تعليم الناظرين قاعدة الاستنباط ببيان صغرى نظريّة و هي أنّ نواهي الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) منقسمة إلى قسمين و أنّه ليس كلّ ما نهى عنه رسول الله نهي إلزام و كذا الأمر فإذا كان كذلك فليس لأحد طرح ما جاء منّا بخلافه بل عليه العمل به و أن يجعل ذلك دليلا على أن المراد بالنسبة المتعارضة الإعانة و الكراهة فيعمل بأخبار أهل البيت مطلقا إلى أن يعلم أنّ المعارض من الإلزاميّات لا من التنزيهيات و كيف كان فلا دلالة لها على أن حكم الأخبار المتعارضة في المستحبات و المكروهات التخيير و في غيرهما التوقف و قد يجمع أيضا بين أخبار التخيير و أخبار التوقف بحمل الثاني على التوقف في الترجيح أي الفتوى بأحدهما المعيّن كما عن الغزالي و هو أيضا حسن لأنّ أخبار التخيير صريحة في التخيير في العمل و أمّا أخبار التوقف فهي محتملة للأمرين و لو سلم ظهورها في العمل أيضا فلا يكون مكافئا لأخبار التخيير فيجب العمل به تقديما للنصّ و الأظهر على الظّاهر لكنّه لا يثبت التوقف العملي مع إمكان العلم و لا ضير فيه إذ المقصود الأهمّ بيان وظيفة الفقيه في الأخبار المتعارضة في أزمنة الغيبة و هذا ممّا اتفق عليه وجوه الجمع المتصوّرة في المقام كما أنّ ما عن المجلسي (قدّس سرّه) من حمل أخبار التوقف على الاستحباب أيضا غير منافية لذلك إذ بعد حملها على الاستحباب تبقى أخبار التخيير سليمة عن المعارض و يدلّ عليه ما هو المحقق من حمل النّهي على الكراهة في مقابل الرّخصة لأنّ مفاد أوامر التوقف هو النّهي عن العمل بأحدهما معيّنا أو مخيّرا و مفاد أخبار التخيير هو الرخصة و من القواعد المقررة العمل بالرّخصة و حمل النهي على التنزيه و الكراهة جمعا بينهما إلاّ أن الاستحباب في حجيّة الشي‏ء ممّا لا معنى له فلا يصحّ القول بأنّ الخبر أو البينة حجّة لكن يستحبّ ترك العمل به بل لا يعقل كما هو ظاهر و مآل التخيير أيضا إلى حجّية أحد الخبرين في مقام الاستنباط و الاجتهاد فكيف يعرضه استحباب الترك فافهم‏

تنبيهات فيها تحقيقات‏

الأوّل أنّ التخيير بعد ما عرفت أنّه مخالف للأصل مقتصر فيه على محلّ النصّ‏

و التعدّي عنه إلى غيره ممّا لا وجه له و فهم المناط أيضا كما ترى و مورد النصّ خصوص الأخبار الظنية المتعارضة في الأحكام الكلّية فلا يتعدى إلى الآيتين المتعارضتين و لا السّنتين المتواترتين في الأحكام و لا إلى تعارضهما في موضوعات الأحكام الصّرفة كالقبلة و الهلال و نحوها و الظّنية الراجعة إلى فهم مداليل الكتاب و السّنة كلّ ذلك للأصل و عدم الدّليل و بطلان القياس و عدم تنقيح المناط على وجه يصلح حجّة و معتمدا في تأسيس أصالة التخيير مطلقا وفاقا لصاحب المفاتيح و شيخنا العلاّمة رفع اللّه مقامه و خلافا لصاحب الوافية و القوانين و الفصول و غيرهم بل لا يبعد مصير أكثر المتأخرين إليه و نقل أيضا عن الشهيد الثاني (قدّس سرّه) فقها و أصولا نعم في تعارض قول العدلين في نقل فتوى المجتهد وجهان من خروجه عن مورد الإخبار و من لحوق الفتوى في حق العامي بمنزلة قول الإمام المنقول إلى المجتهد و يؤيّد الثاني عموم أدلّة نيابة الفقيه عن الإمام (عليه السلام) في تبليغ الأحكام فإنّ قضية النيابة المطلقة العامة تثبت أحكام قول الإمام (عليه السلام) لقول الفقيه و من جملة ذلك التخيير فيما لو تعارض أخبار المخبرين عنه و هل يتعدّى إلى الموضوعات الصّرفة الّتي يتوقف عليها الاستنباط كأحوال رجال المخبرين عن الأحكام فيه إشكال من أنّهم يلحقونها بالأحكام في الاكتفاء بالعدل الواحد و لا يجرون عليها حكم الشهادة من حيث اعتبار التعدد و من اختصاص أخبار التخيير بغيره و عدم وضوح المناط على وجه يطمأن به و الموضوعات المستنبطة اللاّحقة إليها لتوقف معرفة الأحكام عليها فإن قلنا بالتخيير ففي التعدّي إلى أقوال اللّغويّين المتعارضة على القول بحجّيتها بالإجماع لا بالانسداد إشكال زائد إذا لم يكن واجد الشرائط خبر الواحد لأنّ التعدّي إليها خروج عن مورد الإخبار

425

من وجهين حاكيا و محكيا و اعلم أنّ هذا مماشاة منّا مع الباحثين في حكم تعارض اللّغويين و إلاّ فمقتضى القاعدة فيها بعد فتح باب الاشتراك في اللّغة هو الجمع و الالتزام بالاشتراك لأنّه لا تعارض بين الإثباتين و هو واضح و لا بين النفي و الإثبات إذ لا حكم في الشهادة في مقابل الإثبات فمقتضى القاعدة إذا قال أحدهم إنّ معنى اللّفظ كذا ليس إلاّ و قال الآخر ليس كذلك تصديق كلّ منهما في الإثبات دون النفي المعارض بإثبات الآخر و بذلك يثبت الاشتراك فإجراء حكم التعارض على اختلاف أقوال أهل اللّغة مبني على العلم الإجمالي من الخارج لا من النفي و الإثبات بكون اللّفظ متحد المعنى و إلاّ فلا تعارض و أنّى للمستدل إثبات ذلك مع وقوع الاشتراك كثيرا و إن كان غيره أغلب فإن الغلبة لا تفيد سوى الظّن الغير المغني عن الحقّ شيئا

الثاني [الكلام في أن المفتي يختار أحد الخبرين في عمل نفسه و كذا القاضي‏]

قال في التّهذيب و غيره إنّ المفتي يختار أحد الخبرين في عمل نفسه و كذا القاضي فالتخيير حكم له في المقامين فلا إشكال فيه خصوصا في الثاني إذ القاضي لو قال للمتخاصمين أنتما مخيران في ذلك بقيت الخصومة بحالها و في هذا سدّ لباب القضاء في الشبهات الحكمية مع قيام الإجماع ظاهرا على شرعيّة القضاء فيها و إن كان ميزانه هو نفس الفتوى على خلاف ميزانه في الشّبهات الموضوعية كالبينة و اليمين و أمّا أنّه يفتي للمقلّد بالتخيير ففيه الإشكال لأنّ الأمر بالتخيير كالأمر بالعمل بخبر الواحد أو العمل بأقوى الدّليلين المختصّ بالمجتهد لأنّه المستنبط للأحكام و لا معنى لثبوت ما يتعلّق بالاستنباط من الأحكام الشرعيّة للعامي الغير القادر على الاستنباط و لذا لو خالف اجتهاد المقلّد اجتهاد المجتهد في بعض ما يتوقف عليه الاستنباط كبعض الموضوعات المستنبطة أو مرجّح أحد الخبرين سندا أو شهرة أو نحوهما ممّا يستوي في معرفة المجتهد و المقلّد فزعم أنّ معنى لفظ الغناء مثلا غير الّذي أفتى به المفتي أو أن راوي الخبر الآخر أعدل من الّذي اختاره المفتي و زعم أنّ رواته أعدل و نحو ذلك ممّا يتساوى فيه المجتهد و المقلّد من الموضوعات اللّغوية أو الصّرفة الّتي لها دخل في استنباط الحكم الشرعي لم يعبأ باجتهاده بل المعتبر اجتهاد المجتهد و إن كان هو و المقلّد في معرفة ذلك الموضوع سواء و ليس هذا إلاّ لاختصاص الأحكام المتعلّقة بالطّرق المجعولة لاستنباط الأحكام بالمجتهد سواء كان الحكم تخييرا بين الخبرين أو ترجيحا لأحدهما أو تشريعا و جعلا لأصل الحجيّة فإنهما جميعا على نسق واحد أحكام مختصّة بطائفة خاصّة من المكلّفين و هم الناظرون في أدلّة الأحكام القادرون عليه القائمون مقام الإمام (عليه السلام) في تبليغ الأحكام كاختصاص أحكام المسافر بالمسافر و أحكام الحاضر بالحاضر و حينئذ يختار المجتهد أحد الخبرين و يفتي حكم المسألة عليه ثم يشاركه المقلّد في ذلك الحكم و إلاّ فقبل الاختيار لم يتشخص بعد حكم الواقعة المتعارضة فيها الخبران حتّى يفتي به و يندفع بأنّ الأحكام المقررة لاستنباط الأحكام الواقعية الأوّلية أيضا أحكام اللّه يتساوى فيه الحاضر و الباد و عباد اللّه في كلّ واحد ناد و لا اختصاص لها بطائفة دون طائفة كأحكام المسافر و الحاضر فمن عرفها و قدر عليها وجب العمل بها و من عجز عن معرفتها وجب عليه الرجوع إلى من عللها و حينئذ فلا وجه لاختصاص الخطابات المتعلّقة بالطّرق ببعض دون بعض و إلاّ فيتطرق البحث إلى الأحكام الواقعية الأوّلية أيضا فإنّها أيضا لا يتعلّق بالجاهل القاصر عن معرفتها فكما أن العامي مكلّف بالصّلاة كالمجتهد فكذا هو مكلّف بالعمل بالخبر الواحد السّليم عن المعارض أو بأحد الخبرين المتعارضين أو بأقواهما أو غير ذلك من سائر الأحكام الظاهرية المجعولة للشاك و الجاهل بالأحكام أصلا كان أو طريقا فإنّها كالأحكام الواقعية متعلّقة بالجميع لكنها لا تتنجز إلاّ بعد إمكان العلم أو إمكان الرّجوع إلى العالم ففي أصل تعلّق الأحكام لا تفاوت بين الناس و كذا لا تفاوت بينهم في عدم تنجّزها مع العجز عن الوصول إليها و كذا في تخييرها مع إمكان العلم بلا واسطة كالمجتهد أو مع الواسطة كالمقلّد فاللاّزم حينئذ على المجتهد بيان حكم الواقعة للمقلّد و من الواضح أن حكمها هو التخيير فكيف يفتي بالمعيّن الّذي ليس هو حكم اللّه لا في حقه و لا في حقّ مقلّده فبحمد اللّه اتضح الحال و اندفع الإشكال و لم يبق للقائل فيه مجال كما اتضح أيضا وجه عدم العبرة باجتهاد المقلّد حيث يخالف اجتهاد المجتهد في معرفة الموضوعات الّتي هم فيها سواء لأنّ الجاهل حيث كان مأمورا في معرفة الأحكام بالرجوع إلى العالم كان نظره في معنى لفظ الغناء أو في عدالة أعدلية زيد الراوي ساقطا عن الاعتبار فعليه التقليد في حكم المسألة ساعد نظره نظر مفتيه في بعض المقدّمات أم لا نعم لو حصل له العلم بخطإ المفتي في بعض المقدّمات أشكل الرّجوع إليه في تلك المسألة بل عليه تقليد غيره لأنّ القاطع لا يجوز له أن يتعبّد بخلاف قطعه و فيه أنّ التعبّد بخلاف المقطوع به و إن كان محالا إلاّ أنّ ذلك إنّما هو عند القطع بأصل الحكم و أمّا مع الشك فيه فلا مانع من تعبّده به و لو مع القطع بفساد بعض مقدّماته (و الحاصل) أنّه فرق بين القطع بفساد الحكم و بين القطع بفساد بعض المقدّمات فإنّ الأوّل هو الّذي لا يعقل له التعبّد به و أمّا الثاني فلا مانع منه عقلا لو ساعد عليه الدليل فالأولى أن يستدلّ على عدم جواز تقليده حينئذ بعدم مساعدة الدّليل عليه فإنّ الفتوى ليست بأقوى نفوذا و قولا من القضاء و قد

تقرر في محلّه أنّ مع القطع بفساد مستنده يجوز نقضه و لو لم يقطع بفساد أصله فالتحقيق أنّ مخالفة نظر المقلّد و المجتهد في الفتوى إن كانت على وجه الظن فظنّه ليس بشي‏ء بل عليه اتباع نظر المجتهد و إن كانت على وجه القطع كان عليه تقليد

426

غيره فالّذي يترتب على قطعه بفساد بعض مقدّمات الاستنباط هو مجرّد عدم جواز تقليد ذلك المستنبط دون العمل بقطعه فإنّه لا عمل له مطلقا إلاّ مع القطع بأصل الحكم الشرعي فإنّه حينئذ خارج عن محلّ التقليد و بمثل ذلك صرّحوا في نقض الحكم حيث قالوا إنّه مع القطع بخلاف ما حكم به القاضي يعمل بمقتضى قطعه و مع الظنّ يعمل بمقتضى الحكم لا بمقتضى الظّن و كذا مع القطع بفساد مستند القضاء فإنّه أيضا لا يعمل به بل يعمل بتكليف نفسه و أمّا مع الظنّ فيعمل بمقتضى الحكم و الأمر في المقام أيضا نظير ما ذكروه في نقض الحكم فمع القطع بفساد الفتوى أو فساد مستنده لا يجوز له تقليد ذلك المفتي بل يعمل بمقتضى قطعه في الأول و يقلّد غيره في الثاني و أمّا مع الظنّ فلا عبرة به مطلقا و لا يترتب عليه شي‏ء على خلاف صرف الموضوعات الّتي لا يتفرع عليها معرفة الحكم الشرعي كالقبلة و الوقت و الهلال و غيرها فإن المتبع فيها نظره خالف نظر المجتهد أو وافق حتى مع الظنّ في مظان اعتباره كالوقت و القبلة عند تعذر العلم‏

الثالث [الكلام في أن القاضي لو اختار أحد الخبرين في واقعة جاز له العدول في واقعة أخرى إلى الخبر الآخر]

ما في التهذيب أيضا أنّه لو اختار القاضي أحد الخبرين في واقعة جاز له العدول إلى الآخر في واقعة أخرى و وافقه صاحب القوانين (قدّس سرّه) و غيره بل نسب إلى المحققين و استدلّ عليه في محكي النهاية بأنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك و لا يستبعد وقوعه كما لو تغير اجتهاده إلاّ أن يدلّ عليه دليل شرعي خارجي على عدم جوازه كما روي أنّ النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) قال لأبي بكر لا تقض في الشي‏ء الواحد بحكمين مختلفين (قلت) و لعلّ ذلك لعدم الدليل عليه لأنّ دليل التخيير إن كان الأخبار الدالّة عليه فالظّاهر أنّها مسوقة لبيان وظيفته في ابتداء الأمر فلا إطلاق لها بالنّسبة إلى حال التخيير بعد الالتزام بأحدهما و أمّا العقل الحاكم بعدم جواز طرح كليهما فهو ساكت من هذه الجهة و الأصل عدم حجيّة الآخر بعد الالتزام بأحدهما كما تقرّر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى المجتهد إلى مثله نعم لو كان التخيير في المقام من باب تزاحم الواجبين كان الأقوى استمراره لأنّ المقتضي له في السّابق موجود بعينه بخلاف التخيير الظاهري في تعارض الطّريقين فإنّ احتمال تعيين ما التزمه قائم بخلاف التخيير الواقعي هذا ما في رسالة الأستاذ أعلى اللّه مقامه نقلناه بعين عبارته لئلاّ نستبدل الّذي هو خير بالّذي هو أدنى ثم أمر بالتأمّل و يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ موضوعات الأحكام أسباب لها سواء كان الحكم واقعيا مثل الخمر حرام أو ظاهريّا مثل كلّ شي‏ء طاهر و الخبر حجّة فتعارض الخبرين موضوع و بسبب التخيير الظاهري الّذي جعله الشارع و إن كان التخيير بالقياس إلى مفاده و مدلوله طريق إذ الطريقية و السّببية إنّما يلاحظان بالقياس إلى مدلول الخبر الّذي هو طريق إليه لا بالقياس إلى ما هو موضوع له حتى لو نظمناه قياسا لجعلناه وسطا خلاف ما هو طريق إليه فحينئذ ينبغي الحكم بالاستمرار لوجود المقتضي السّابق و هي الأخبار المعيّنة حسبما عرفته في التخيير الواقعي أو إشارة إلى أنّ العبرة في المقام بل في كلّ مقام من مقامات التخيير بإطلاق دليله و عدمه حتى لو كان التخيير واقعيّا شرعيّا كما في خصال الكفارة دار استمرارية التخيير مدار إطلاق دليله فلو كان في دليله قصور من هذه الجهة لم يحكم بالاستمرار في الواقعي أيضا بل يرجع إلى مقتضى الأصول المعتبرة فالعبرة في المقام بإطلاق أخبار التخيير و عدمه لا بكونه ظاهريّا أو واقعيّا ثم إنّه يمكن تأييد الإطلاق وفاقا للكلّ أو الجلّ في المقام و في غيره من موارد التخيير الظاهري كالعمل بالرّوايات في المضطربة حيث صرّحوا بأنّها مخيرة في العمل بها على وجه الاستمرار و أنّه لا يتعين عليها ما اختارته في الدور الأوّل إلى آخر الأدوار بأنّ التخيير في الحكم الواقعي لازم غير منفكّ و أنه موجود في جميع الأدوار و أمّا الحكم الظّاهري فليس محلاّ للتخيير رأسا فلم يبق سوى دعوى مدخلية عدم الأخذ و احتمال اختصاصه بمن لم يأخذ شيئا و هو كما ترى لا يلتفت إليه نعم لو كان التخيير مرتفعا بالاختيار لكان منع الإطلاق متجها أمّا مع بقائه مطلقا و عدمه اختلاف الحال في الابتداء و الانتهاء من حيث الجهل بالحكم الواقعي فلا وقع لمنع الإطلاق إذ لا مائز بين هذا الاحتمال و سائر الاحتمالات و لا بين هذه الإطلاقات و سائر الإطلاقات فالأظهر الأشهر وفاقا للأكثر هو الاستمراري و لا يرد أنّه يلزم فيه المخالفة القطعية العملية إذ لا غائلة فيه مع تعدد الواقعة كما في المقام نعم في واقعة واحدة لزوم المخالفة القطعية يوجب سقوط الأصول و الأمارات كما تحقق في محلّه و قد يستدلّ على عدم الاستمراري باستصحاب بقاء الحكم المختار و بأنّه لو جاز العدول لزم جواز ترك الواجب لا إلى بدل بخلاف التخيير الواقعي كالتخيير بين الخصال فإنّه عدول عمّا وجب عليه أوّلا لا إلى بدله و هذان الوجهان استدلّ بهما في المفاتيح بعد أن فصّل في المقام بين التخيير في زمان الحاجة فالبدوي و غيره فالاستمراري لكنّه فرض الكلام فيما لو دار الأمر بين الواجب و الحرام و ليس بشي‏ء لأنّه إن أراد بالاستصحاب استصحاب الحكم الفرعي أي صرف الوجوب أو الحرمة فهو معارض باستصحاب التخيير الحاكم عليه و إن أراد به استصحاب الحكم الأصولي أعني تعيّن ما اختاره أوّلا فهو غير جار في المقام لأنّ الكلام في أنّه باختيار أحد الخبرين هل يتعيّن عليه ذلك المختار أم لا فأين اليقين‏

427

السّابق حتى يستصحب و ربّما أجيب بأن استصحاب الحكم الأصولي و هو التخيير بين الدّليلين حاكم على استصحاب الحكم الفرعي في المسألة الفرعية و فيه ما عرفت من أنّه ليس في السّابق شي‏ء واجب معيّنا حتى يستصحب إذ الكلام في تعيّن ما اختار في أوّل الأمر و دعوى وجوب السّورة مثلا بعد اختيار دليل الوجوب المعارض بدليل الاستصحاب سابقا فيستصحب كلام ظاهريّ لا محصّل فيه لأنّه إن أراد بوجوبها سابقا عدم جواز تركها بعد اختيار دليل الوجوب قبل العمل أو بعده فهي أوّل الكلام بل واضحة الفساد لأنّها قبل العمل كانت جائزة الترك أو معنى اختيار دليل الوجوب هو العمل على طبقه لا الاعتقاد بمضمونه لأنه غير معقول و لا البناء على العمل و لو لم يتفق العمل فيما بعد كما هو واضح مع أنّا ننقل الكلام إليهما و القول إنّ وجوب الاعتقاد بمضمونه أو البناء على العمل به إن أريد به عدم جواز ترك الاعتقاد أو ترك البناء سابقا فهو أوّل الكلام بل مقطوع العدم قبل الاعتقاد و قبل البناء و بعدهما و إن أريد بالوجوب السّابق قبل العمل أو بعده شي‏ء آخر غير جواز الترك فمع أنا لا نعقله لاستصحاب بقائه لا يمتنع عن جواز الترك الّذي هو المقصود بالاستمرار و التخيير و الحاصل أنّه لم يثبت عدم جواز ترك السّورة في شي‏ء من الأزمنة السّابقة حتى يستصحب و كلّ شي‏ء نفرض غيره لا ينفع استصحابه في بطلان الاستمراري نعم استصحاب الحكم الفرعي في مسائل التقليد يمنع عن العدول و شتان ما بينهما و لا يذهب عليك الفرق بين المقامين فتدبّر (و منه) يظهر النظر في الدليل الثاني أيضا لأنّ وجوب المختار على وجه التعيين أوّل الكلام مع أنّ ما ذكره من أنّه ترك للواجب بلا بدل كما في التخيير الواقعي واضح الضّعف لأنّ مقتضى إطلاق أدلّة التخيير ثبوت التخيير بينهما واقعا و إن كان موضوعه و محلّه تعارض الخبرين فيكون كل منهما بدلا عن الآخر كما في الخصال و أمّا الفرق بين التخيير في زمان الحاجة و غيره فلعلّ نظره إلى أنّ أخذ أحد الخبرين و بناء العمل عليه بمجرّده ليس اختيارا لأحدهما حتى يتكلّم في استمراره أنّ المعتبر فيه هو العمل كما في التقليد فلا يكفي مجرّد الأخذ و البناء و لذا يجوز العدول في التقليد ما لم يعمل و هو لا يخلو عن وجه لكن مقتضاه جعل المدار على العمل لا على زمانه و هو سهل و استدلّ أيضا بأنّه لو جاز العدول لم يبق للتخيير فائدة (قلت) و هو جيّد لما نبّهنا عليه في صدر الباب حيث وجّهنا كلام المانعين عن جواز تعادل الأمارتين لكنّه إنّما يتم فيما فرضه من الحال و أمّا في غيره كما في ظاهر المعاملات أو في تعيين الواجب كالقصر و الإتمام فلا كما هو ظاهر

الرّابع [الكلام في أن معنى التخيير الأخذ و العمل أو التخيير في الحكم‏]

قال في المفاتيح هل معنى التخيير الأخذ بأحد الخبرين و العمل بجميع مقتضياته و لوازمه كما لو لم يعارضه خبر آخر أو التخيير في الحكم المستفاد منهما و الثمرة تظهر فيما إذا كان لأحدهما دلالة التزامية مانعة لمحلّ التعارض انتهى (قلت) لا اختصاص لظهور الثمرة لما إذا كان لأحدهما دلالة التزامية بل لو تمّت لتمت و لو كان لكلّ منهما دلالة التزامية و إنّما البحث في صحّتها لأنّه لا يخلو عن إجمال مع عدم تمثيله بمثال يتضح به حقيقة الحال و التحقيق على وجه الإجمال أن يقال إنّ اللاّزم الملحوظ في المقام إمّا لازم للمخبر به أو لازم للخبر و على التقديرين فهو إمّا شرعي أو غير شرعي يترتب عليه حكم شرعي أمّا ما لا يترتب عليه حكم شرعيّ فلا يتعقل ثبوته بخبر الواحد و لا إشكال في ثبوت لازم الحكم الشرعي على التقديرين إذا كان شرعيّا و لو كان غير شرعي فيثبت على التقدير الأوّل دون الثاني و أمّا لوازم الخبر فلا فرق بين كونها شرعيّة أو غير شرعيّة قضاء لحكم الملازمة فيترتب جميعا أيضا على التقدير الأوّل دون الثاني لأنّ التخيير بناء عليه متعلّقة بالمسألة الفرعية دون الأصولية توضيحه أن التخيير على الأوّل معناه حجيّة أحد الخبرين و على الثاني جعل حكم شرعي في مسألة فرعية و هو يجامع تساقطهما رأسا و من لوازم الخبر الغير الشرعي وقوع المعارضة بينه و بين غيره و من لوازم الشرعيّة الحجّية و ما يتفرّع عليها و عليك بالتأمّل لعلّك تجد بعض الثمرات من تحكيم أصل أو تخصيص عموم أو معارضة دليل و ذلك من وجوه الفرق بين الأصل و الدّليل و إن عجزت عن ذلك كلّه فلا يفوتك الثمرة النذرية و شبهها فتدبّر جيّدا

الخامس [الكلام في أن محل التخيير هل هو البناء على العمل أو نفس العمل‏]

محلّ التخيير هل هو الأخذ و البناء على العمل أو نفس العمل و هذا نظير البحث في التقليد من أنّه هل يحصل بمجرّد البناء أو لا بدّ من العمل و تظهر الثمرة في العدول إذا أخذ رسالة الفقيه و لم يعمل بها بعد فعلى الأوّل لا يجوز و على الثاني يجوز لأنّه ليس بعدول و هنا أيضا الأمر كذلك على القول بعدم جواز العدول و الأقوى هو الثاني و لا يقدح فيه قوله (عليه السلام) بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك لأنّ المراد به هو الأخذ العملي دون العزمي إذ ليس هذا من الاعتقادات فما توهم من دلالة بعض الأخبار على الأوّل ليس في محلّه‏

إيقاظ

هذا البحث الطّويل أي بحث التخيير قليل الجدوى بل قيل أو يقال إنه عادمها لأنا لم نجد موضعا حكموا فيه بالتخيير لتعارض الخبرين بل إن قالوا قالوا بالتخيير الواقعي كما في ذكر سجود السّهو و بعض منزوحات البئر و غير ذلك من الموارد و التخيير المستدل عليه الأخبار المختلفة فإنّهم يجمعون بينهما بالتخيير الواقعي دون الظاهري الّذي هو بعد تعذر الجمع و ليس ببعيد لأنّ التنافي بين وجوب هذا و وجوب الآخر بعد وحدة الحكم و التكليف إنّما هو بالإطلاق و التقييد بناء على ما هو الحق عن استفادة عينيّة

428

الوجوب مقابل التخييري من إطلاق الأمر و الطلب لا من حاق مدلوله فاللاّزم هو الجمع بينهما بالتخيير الواقعي لكن هذا في غير الواجبات لا يتأتى بل لا بدّ فيه من التعارض و لكن ليس ببالي ما حكموا فيه بالتخيير الظاهري لتعارض الأخبار

المقصد الثالث في الترجيح‏

[الكلام في تعريف الترجيح‏]

و هو لغة كما عن العضدي جعل الشي‏ء راجحا و اصطلاحا اقتران أحد المتعارضين بما يقوى به على صاحبه هذا هو المشهور بينهم على اختلاف عباراتهم في تعريفه و عرّفه في الرّسالة وفاقا للزبدة بتقديم أمارة على أخرى في العمل بمؤدّاها و إنّما لم يوصف الأخرى بالمعارض اعتمادا على دلالة التقديم عليه و أورد عليه المحقق القمّي (قدّس سرّه) بعدم مساسه بالمعنى الاصطلاحي و إن كان هو أنسب بما يقتضيه باب التفعيل و مبنى ما ذكره ما عن العضدي حيث قال ما حاصله إن الترجيح لا يكون إلاّ بسبب و إلاّ كان تحكّما و ذلك السّبب يسمّى بالترجيح في مصطلحهم قال و لذا عرّفه الماتن بأنه اقتران أمارة بما يوجب تقديمها على معارضها (قلت) و هذا نظير تفسير القياس بمساواة الفرع و الأصل مع أنّ معناه المصطلح غيره و مع ذلك فتعريفه باقتران الأمارة كما فعله الماتن و الشارح و الآمدي و غيرهم من الأصوليين غير ملائم لما قال لأنّ سبب الاقتران غير الاقتران و علاقة السّببية إنّما هي بين التقديم و سببه لا بينه و بين الاقتران الفاقد لتلك العلاقة (و الحاصل) أن معناه المصدري ما عن الزّبدة فإن ثبت النقل هنا اصطلاحا إلى سببه كما في القياس كان اللاّزم تعريفه بما يوجب تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى لا تعريفه باقتران الأمارة بما يوجب التقديم و إلاّ فاللاّزم تعريفه بما في الزبدة حسبما يقتضيه مصدر التفعيل و إن كان قد يورد عليه أيضا بأن معناه المصدري ما فسّره العضدي أي جعل الشي‏ء راجحا لا تقديم أحد في الأمارتين على الأخرى فالأصحّ على تقدير ثبوت الاصطلاح تفسيره بسبب الترجيح أي ما يكون سببا لتقديم إحدى الأمارتين و على تقدير عدمه تفسيره بجعل الشّي‏ء راجحا ففي كلّ من تعريف الأكثر و الزبدة دغدغة و حزازة

و في هذا المقصد مقامات لا بدّ من الخوض فيها

[الكلام في تأسيس الأصل في العمل المرجح‏]

و قبله لا بدّ من تأسيس الأصل أوّلا في العمل بالمرجّح (فنقول) الكلام فيه يقع تارة في مقابل التوقف و أخرى في مقابل التخيير و لا شك أن قضية الأصل عدم العمل بالمرجّح على الأوّل إذ المفروض كون حكم الدّليلين التساقط و عدم حجّيتهما إمّا مطلقا و هو المسمّى بالتساقط الكلّي أو في خصوص محلّ التعارض بعد حجّيتهما في نفي الثالث و مجرّد مزيّة أحدهما على الآخر و كونه أقرب منه إلى الواقع لا يصلح دليلا على الخروج عن مقتضى أصالة عدم الحجّية فلا بدّ بناء على التوقف و التساقط من إقامة الدّليل على حجية ذي المزيّة من الأمارتين إذ لا فرق بين المقام و بين الشك في حجّية أصل الأمارة بل هو هو بعينه و أمّا على الثاني ففيه تفصيل على حسب أقسام التخيير فإنّه إمّا عقلي أو شرعي و على التقديرين إمّا ظاهري أو واقعيّ فهو على أربعة أقسام التخيير العقلي الواقعي و العقلي الظاهري و الشرعي الواقعيّ و الشرعي الظاهري‏

و الأوّل [التخيير العقلي الواقعي‏]

هو باب تزاحم الواجبات أو المستحبّات أو المحرمات أو المكروهات و الأصل فيه عدم الترجيح أيضا إلاّ إذا كان أحد المتزاحمين أهمّ من الآخر أي يكون المطلوبيّة فيه آكد و أشدّ و هو يحتاج إلى الدّليل و لا يكفي الظنّ فضلا عن الاحتمال إذ المفروض وجود المقتضي للامتثال في كلّ منهما و إلاّ لم يكونا من المتزاحمين بل من المتعارضين و احتمال كون أحدهما أهمّ بمعنى وجوب تقديمه مدفوع بالأصل (فإن قلت) العقل لا يحكم بالتخيير إلاّ بعد إحراز التساوي و الشك في الأهميّة شكّ في التساوي فكيف يحكم بالتخيير بينهما (قلت) حكم العقل بالتخيير يتولّد من إحراز مقتضى الوجود في كلّ منهما و لا يتوقف على إحراز التساوي لأنّ احتمال عدم التساوي احتمال للمانع عن وجوب أحدهما و أصالة البراءة و أصالة عدم المانع ناهضان بإثبات وجوب غير محتمل الأهميّة و لا يتوقف وجوبه على إحراز تساويه مع الآخر بل متى لم يثبت الترجيح للآخر عليه كان وجوب الامتثال ثابتا له كثبوته للآخر المحتمل الأهميّة و لازم وجوب كلّ منهما في حدّ ذاته استقلال العقل بالتخيير بينهما (فإن قلت) على احتمال أهميّة أحدهما يكون وجوب الآخر مشكوكا و إلاّ لم تكن الأهميّة محتملة فيؤول الأمر إلى القطع بوجوب أحدهما المعيّن و الشك في وجوب الآخر فيدفع بالأصل (قلت) احتمال أهميّة أحدهما لا يجعل وجوب الآخر في نفسه مشكوكا إذ المفروض إحراز مقتضى الوجوب في كلّ منهما على سبيل القطع و اليقين و إلاّ خرج المقام عن باب التزاحم بل يرجع إلى الشكّ في وجوب ترجيح الآخر عليه و إن شئت قلت إنّ الشكّ في الترجيح هنا شكّ في التكليف لا شكّ في المكلّف به حتى يراعى فيه الاحتياط حتى لو قلنا في دوران الأمر بين التخيير و التعيين بالاحتياط لم نقل به هنا لكونه من الشكّ في التكليف فلو وقع المزاحمة بين إنقاذ غريقين لم يجز ترجيح أحدهما باحتمال الأهميّة لعلم أو شرف أو صلاح لأن وجوب إنقاذ أصل الغريق الصّادق عليهما معلوم و مقتضاه وجوب إنقاذ كلّ منهما تخييرا بحكم العقل و لا ينصرف عنه إلاّ بعد ثبوت وجوب إنقاذ أحدهما عينا حتى يكون وجوبه العيني الثابت بالدليل مانعا عن إنقاذ الآخر و لما لم يثبت كان‏

429

وجوب القدر المشترك القاضي بالتخيير باقيا بحاله و الظّاهر أنّ هذا ممّا لا ينكره البصير بالقواعد إلاّ أنّ في ظاهر الرّسالة هنا ما يدلّ على عدم حكم العقل بالتخيير باحتمال الأهميّة و هو كما ترى و لعلّه صدر احتمالا أو تنزلا كما يقتضيه المقام لا قولا و اختيارا

الثّاني التخيير العقلي [الظاهري‏]

و محلّه ما لو علم بالتكليف و شكّ في المكلّف به و لا يمكنه الاحتياط فإن العقل يستقل بوجوب الامتثال الاحتمالي القاضي بالتخيير بين المحتملين فلو كان أحد الاحتمالين أرجح في نظر المكلف من الآخر لقيام أمارة غير معتبرة ففي وجوب العمل بالراجح هنا إشكال بل خلاف بين العلماء في مقدمات الصّلاة من السّتر و الطّهارة و القبلة إذا اشتبهت بين أمرين أو أمور و لم يتمكن من الاحتياط فمنهم من قال بوجوب التحرّي و تحصيل الظنّ و اتباعه و منهم من قال بعدم الوجوب و أظنّه صاحب المدارك (رحمه الله) وفاقا لبعض من سبقه و ظاهر هؤلاء عدم وجوب العمل بالظن لو كان موجودا لأن وجوب التحري مبني على وجوب العمل به على فرض حصوله و إلاّ فلا مقتضى له و نحن تكلّمنا بعض الكلام فيه عند البحث عن حجيّة الظنّ و رجّحنا هناك عدم الوجوب أيضا لأصالة عدم الحجّية و لكن فيه إشكال لأنّ قضية العقل بعد الاشتغال اليقيني تحصيل البراءة اليقينية و إن لم يمكن فتحصيل البراءة الظنية و إن لم يمكن فتحصيل البراءة الاحتمالية فلا يصير إلى المرتبة الأدنى مع إمكان المرتبة العليا فهذه الصّورة ما يمكن أن يلتزم فيها بأن مقتضى الأصل و القاعدة وجوب العمل بالراجح و عدم جواز التخيير لأنّه يتوقف عند العقل على إحراز التساوي فمع رجحان أحد الاحتمالين لا يحكم بالتخيير بل بالتعيين تحصيلا للبراءة بقدر الميسور من العلم أو الظنّ و لا يأتي هنا ما ذكرناه في سابقه من دفع احتمال وجوب العمل بالراجح بالأصل لأنّ المقام مقام العلم بالبراءة و لو ظاهرا بعد القطع بالاشتغال فكيف يقنع بالاحتمال المرجوح مع إمكان الامتثال بما هو أقوى منه بخلاف الأوّل فإنّ مرجعه إلى الشكّ في التكليف حسبما بيّناه فافهم ثمّ لا يذهب عليك أنّ مقامنا هذا ليس من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير فإنّه فيما لو كان القدر المشترك بين الاحتمالين محتمل التكليف و الأمر هنا و في كلّ مقام يحكم العقل فيه بالتخيير الظاهري الناشئ من تعارض الاحتمالين ليس كذلك كما لا يخفى على المتدبّر المتأمّل‏

الثالث التخيير الواقعي الشرعي‏

كما في خصال الكفارة و حكمه مذكور في باب أصالة البراءة من الوجهين أو القولين بوجوب الاحتياط أو بأصالة البراءة

الرّابع التخيير الظّاهري الشرعي‏

و هذا مختصّ بأمثال المقام على المختار في الأخبار و سائر الطرق الشرعية من الطريقية دون السّببية و قد مرّ أنّ مقتضى الأصل في المتعارضين منها التساقط فإن لم يثبت التخيير فيه شرعا فالأصل فيه عدم وجوب العمل بالراجح حسبما ذكرنا أوّلا لأنّ الشك فيه شكّ في حجّيته في مقابل التوقف إذ لو نعمل به لعملنا بالأصول لا بالتخيير و إن ثبت الحجّية على خلاف القاعدة فهاهنا لا بدّ من العمل بالراجح بل لا بدّ من الترجيح بكلّ احتمال و لا يحتاج إلى الظّن للشكّ في حجية الآخر و الأصل عدمها حتى لو قلنا في دوران الأمر بين التخيير و التعيين بالتخيير فهاهنا لا بدّ من البناء على التعيين لأن مآل الأمر إلى أنّه تعارض الظنان أحدهما قطعي الحجّية و الآخر مشكوكها و مقتضى الاقتصار في الخروج من عموم حرمة العمل بالظن على القدر المتيقن هو عدم جواز العمل بالمرجوح علما أو ظنا و هذا أصل مطّرد في كلّ واقعة و مقتضى الأصل في مشتبهاتها الحرمة فإنه متى دار الأمر فيهما بين التخيير و التعيين لزم البناء على التعيين كما لو وجب أكل مال أحد الشخصين أو قتل أحدهما و هكذا و لم يكن في دليل الوجوب أو الجواز عموم أو إطلاق يشمل المقام فإنّ اللاّزم حينئذ الاقتصار على معلوم الوجوب أو الجواز و إن كان حكمه التخيير على تقدير التساوي (فإن قلت) الشكّ في حرمة العمل بالمرجوح مسبّب عن الشكّ في كون الرجحان الثالث في الراجح علما أو احتمالا واجب العمل فأصالة عدم وجوبه حاكم على عدم جواز العمل بالآخر (قلت أوّلا) إنّا لا نقول بالحكومة في أفراد أصل واحد و لو مع التّسبيب فلا يقدم الأصل الجاري في السّبب على الجاري في المسبّب بل نحكم بتعارضهما كغيرهما وفاقا للجلّ و قد حققنا ذلك في بابه (و ثانيا) أنّ التسبيب لا بدّ من أن يكون بين المشكوكين لا بين الشكين و الأمر هنا ليس كذلك لأنّ سبب عدم جواز العمل بالمرجوح عند الشارع ليس هو وجوب العمل بالراجح بل هما في مرتبة واحدة و إلاّ لكان عدم اعتبار الظنون الغير المعتبرة مسبّبا و معلولا لحجّية الظنون المعتبرة و هو كما ترى بل الراجح و المرجوح ظنان تعارضا و نحن جازمون بحجّية الرّاجح و شاكون في حجّية المرجوح فإن لم يكن حجة فإنّما هو لعدم وجود المقتضي له لا لوجود المانع و هو حجّية الراجح فإن الشك في وجوب العمل بالراجح عينا [بالتّرجيح علينا] ليس شكا في أمر زائد على جواز العمل به بعد إحرازه كما قلناه في المتزاحمين حتى يدفعه بالأصل بل العينية على فرض وجوبها العيني إنّما نشأت من عدم حجية معارضة فالشك في وجوب العمل بالراجح عينا و جواز العمل بالمرجوح كلاهما نشأ من الشك في الحكم الشرعي في المرجوح هل هو الحجّية أيضا مثل الراجح أم لا فلا سبب و لا حكومة و لو قلنا به في تعارض الأصلين فتدبّر حتّى لا يذهب فهم حقيقة المرام فظهر أن الأصل في المتعارضين اللّذين ثبت التخيير بينهما بالدليل هو العمل بأقواهما و أرجحهما علما أو ظنّا و لا

430

يحتاج إلى دليل آخر بل لو لم يكن سوى الأصل المذكور لكان ناهضا بالمدّعى إذا تحقق ذلك فنقول إنّ الأدلة إن كان اعتبارها من باب السببية و الموضوعيّة كان الحكم في المتعارضين منها مثل ما في المتزاحمين فالأصل فيه قاض بعدم اعتبار المرجح حسبما مرّ تفصيلا إلاّ إذا قلنا بأنّ احتمال الأهميّة مانع عن التخيير و قاض بالترجيح في باب التزاحم كما هو ظاهر الرّسالة فإنّ قضية الأصل حينئذ وجوب العمل بمعلوم الرّجحان بل و محتمله خلافا للرّسالة حيث صرّح بعدم وجوب العمل بذي المزيّة بناء على أنّ المزية إنّما توجب الأقربيّة إلى الواقع و لا مدخلية لها في مطلوبية العمل بالطّريق على تقدير السّببية قطعا فلا يحتمل الأهميّة حتى يجب مراعاته و لو كان أقرب إلى الواقع و فيه أنّ دعوى القطع بذلك من العجائب فإنّ الأقرب إلى الواقع لو لم ندع الظنّ بتأكد مطلوبيّته و كون العمل به أهمّ عند الشارع فلا أقلّ من الاحتمال نعم بناء على التصويب الباطل من دوران الأحكام الواقعية مدار الطّرق و الأمارات الشرعية و أنّه ليس للوقائع حكم شرعيّ عند اللّه يكشف عنه الأمارة بل يحدث بحدوثه و ينتفي بانتفائه أمكن دعوى القطع بعدم الأهميّة بمجرّد كونها أقوى بل لا يتصوّر الأقوائية و الأقربيّة على هذا المبنى الفاسد و أمّا بناء على ثبوت الأحكام الواقعية و كون الأمارات كاشفة عنها فإن خالفت بتداركها للواقع من المصلحة أو المفسدة بالأمارة و إن صادفت يتأكّد مصلحة الواقع بمصلحة الأمارة كما هو المراد بالسّببيّة الدائرة على ألسنة العلماء في الأصول و الفقه دون الأوّل الّذي تطابق العقل و النقل على فساده فلا وجه لإنكار احتمال الأهميّة في ذي المزيّة

و إذا عرفت ما يقتضيه الأصل في هذا المقصد

فالكلام فيه يقع في مقامات‏

الأوّل في إثبات وجوب العمل بذي المزيّة و الرّجحان في الجملة في قبال من أنكره رأسا و قال إمّا بالتوقف أو بالتخيير الثاني في بيان أنواع المرجحات و أقسامها الثّالث في إثبات وجوب العمل بكلّ مزيّة في قبال من خصّه بالمرجّحات المنصوصة أو بالمرجحات الداخلية أو غير ذلك من التفاصيل و هذا المقام يجري مجرى المقدّمة المعمّمة لدليل الانسداد كما أنّ الأوّل يجري مجرى البرهان القاضي بحجيّة الظّن في الجملة الرابع في تعارض المرجّحات و تقديم بعضها على بعض الخامس في المرجّحات الخلافية

أمّا المقام الأوّل [الكلام في إثبات وجوب العمل بذي المزية و الرجحان في الجملة]

ففيه أقوال و المشهور هو وجوب العمل بأقوى الأمارتين مطلقا و في المنية عن قوم يقولون القول بالتخيير و عن آخر بالتوقف لعدم الالتفات إلى زيادة الظنّ و عن المبادي أنّه مذهب القاضي أبو بكر و الجبائيان إلى أن حكمه بالتخيير و بعض الفقهاء إلى أنّ حكمه التوقف (قلت) و وافقهم من أصحابنا شارح الوافية السيّد المحقق صدر الدّين (قدّس سرّه) و قال المحقق القمّي (قدّس سرّه) أنّ المدار على الظن في المسألة الفقهية دون المرجحات المنصوصة و غيرها بناء على مختاره من حجّية الأخبار لا بدليل الانسداد و لا كونها من الظنون الخاصّة و الأظهر عندنا ما هو المشهور

و يدلّ عليه أمور

الأوّل الأصل‏

حسبما عرفت مفصّلا فإنّه متى دار الأمر بين التعيين و التخيير في العمل بالظنين فمقتضى الأصل هو التعيين و لازمه العمل بأقواهما بل بأقواهما إلى الواقع بل بأبعدهما عن الخطإ بل بكلّ مزيّة يحتمل اعتبارها عند الشارع و لو لم يكن لها دخل في قرب الواقع و بعده لكن ستعرف أنّ التمسّك به إنّما يجدي في خصوص الأخبار الّتي ثبت فيها التخيير على تقدير عدم المرجح فلا ينفع فيما عداه من الأدلّة الظنية كالآيتين و القياسين و الشهرتين و الإجماعين و غيرها فإنّ الأصل في المتعارضين منها التساقط عندنا خلافا لجمع ذكرناهم فيما سبق فيحتاج إسراء الحكم إلى مطلق الأدلّة القابلة للمعارضة إلى الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل و أيضا أنّه لا إشكال و لا خفاء في ثبوت هذا الإجماع لأن كلّ من قال بلزوم العمل بالمرجح قال به مطلقا بين مصرّح به و بين مطلق ظاهر في العموم إلاّ أنّ طرح الإجماع بالأصل قد يقال إنّه لا غائلة فيه كما بيّناه في باب الإجماع فلو لم تتم سائر الأدلّة عملنا بمقتضى الأصل في كلّ مورد و لازمه التفصيل بين الأخبار فيجب فيها العمل بمرجّح و غيرها فلا يجب للأصل حسبما مرّ مفصّلا

الثاني الإجماع‏

بقسميه بل بأقسامه من القولي و العملي المحقق و المنقول أمّا الإجماع المحقق القولي فطريق تحصيله مراجعة كتبهم خصوصا الأصوليّة المعدة لذلك فإنّهم ينادون بأعلى صوتهم بوجوب العمل بأرجح الدليلين من غير خلاف محقق إلاّ خلاف شاذ ممّن عرفت فإنّ الإطلاقات النادرة و الأقوال الشاذّة الصادرة عن بعض الآراء و الاجتهادات في مقابل جمهور العلماء ممّا لا يعبأ به و إلاّ لم يبق للإجماع في غير الضروريّات من مسائل الفقه مورد و محلّ (و الحاصل) أنّ هذا الإجماع كأحد الإجماعات الموجودة في المسائل الفقهيّة بل من أعلاها فإن كان الأقوال الشّاذة قادحة في الإجماعات فخلاف الجماعة قادح في هذا الإجماع و إلاّ فلا و أمّا المنقول فقد ادّعاه من أساطين الفنّ جمع كثير ففي المبادي دعوى الإجماع على ترجيح بعض الأخبار على بعض و عن النهاية أنّ الإجماع على العمل بالترجيح و المصير إلى الراجح من الدّليلين و عن غاية المبادي إجماع الصّحابة على العمل بالترجيح عند التعارض و عن غاية المأمول يجب العمل بالترجيح لأنّ المعهود من العلماء كالصّحابة و من خلفهم من التابعين أنّه متى تعارض الأمارات اعتمدوا على الرّاجح و رفضوا المرجوح و عن الأحكام أيضا وجوب العمل بالدليل‏

431

الراجح لما علم من إجماع الصّحابة و السّلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الراجح من الظّنين و عنه أيضا في موضع آخر من تفتش عن أحوالهم و نظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما لا يشوبه ريب أنّهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنّين دون أضعفهما و عن المختصر ما يقرب من ذلك و يمكن استفادة عدم الخلاف من المعالم و أمثاله حيث قال إنّ التعادل يحصل من اليأس عن الترجيح بكلّ وجه لوجوب المصير إليه أولا عند التعارض و عدم إمكان الجمع و أرسله إرسال المسلمات و لم ينقل فيه خلافا و ظاهره كما ترى اتفاق العلماء على ذلك خصوصا بعد تعرضه لخلاف بعض أهل الخلاف في التخيير مع التعادل و عدم تعرفه هنا (و الحاصل) أنّ الوقوف في إثبات الإجماع محققا و منقولا قولا و فعلا مبالغة في إيضاح الواضحات خصوصا العملي منه نعم ليس في هذه الإجماعات ما يحكي عن فتوى الصّحابة و العلماء كلّها حاكية عن علمهم و هو يكفي في المقام و ليس دون الإجماع المنقول الاصطلاحي في الاستدلال هنا لأن المسألة و إن كانت أصولية إلاّ أنّها من المسائل الشرعيّة العملية دون العقلية أو اللّغويّة و الإجماع في المسائل العملية مطلقا نافع بل كلّ دليل معتبر ينفع في أمثال المقام كما هو محقّق في محلّه ثم إنّ معاقدها يعمّ جميع الأدلّة الظنّية إلاّ الأوّل المحكى عن المبادي فإنّه مختصّ بالأخبار و لا يبعد دعوى الإجماع على عدم الفصل بين الأدلّة المعتبرة الشرعيّة و ما في المعالم من انحصار وجوه التراجيح في الأخبار لانحصار الأدلّة الظنية فيها عندنا منظور فيه لأنّه إن قال بحجيّة الأخبار لدليل الانسداد كما بني عليه في المعالم فلا وجه لانحصار الأدلّة الظنية فيها كما لا يخفى و إن قال بها لقيام الدليل على حجيتها بالخصوص ففي الانحصار أيضا نظر لأن ظواهر الألفاظ أيضا من الظنون الخاصّة إلاّ أن يمنع ذلك كما يقتضيه بعض تحقيقاته في حجّية الكتاب نعم ما عدا الأخبار و ظواهر الألفاظ ليس عندنا من الأدلّة فلا يأتي فيها مسائل الترجيح كما لا يأتي فيها حكم التخيير مع التساوي‏

الثّالث أنّ العدول من الرّاجح إلى المرجوح قبيح عقلا

بل ممتنع قطعا فيجب العمل بالراجح لئلا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح استدلّ به جماعة من الأعلام من الخاصّة و العامة كما عن النهاية و التهذيب و المبادي و المنية و غاية المبادي و غيرهم بل في الرّسالة أيضا الاستدلال به في ضمن كلام له فيما يأتي (أقول) بداهة العقل قاضية بأنّ السّالك إذا كان له طريقان إلى مقصده و كان أحدهما أرجح من الآخر من حيث الإيصال إلى المقصد اختار الرّاجح و لم يعدل عنه إلى المرجوح إلاّ لداع آخر خارجة عن المقصد و لو فعل لذمه العقلاء و قبحوه و مع انضمام الدّواعي الخارجة يخرج المرجوح عن كونه مرجوحا و هذه القاعدة ممّا استدلّوا بها في كثير من المسائل الشرعيّة فقد استدلّ بها أهل التحسين و التقبيح في علم الكلام لإثبات إمامة الأفضل و في حال انسداد باب العلم لإثبات حجّية الظنّ لما في تركه من العمل بالموهوم المرجوح و كثيرا ما يستدلون بها في بعض مسائل الفقه و التحقيق أنّ هذه القاعدة إمّا أن تلاحظ في فعل المكلّف أو تلاحظ في فعل المكلّف أعني الشارع فإن أرادوا إجراءها في فعل المكلّف بأن يقال إنّه لو لم يعمل بالظّن و هو في مقام الامتثال بل عمل بالموهوم لزم ترجيح المرجوح على الراجح ففيه أن الكلام في جوازه شرعا بعد فرض إمكان وقوعه لمرجحات خارجية نفسانية و حينئذ يخرج المرجوح عن كونه مرجوحا فيحتاج المنع إلى دليل آخر غير هذه القاعدة و لو فرض الكلام فيما لم يكن هناك مرجح خارجي امتنع صدوره و لا يحكم بجوازه و لا بامتناعه شرعا إذ الأحكام الشرعية لا تتعلق بالممتنعات نعم على فرض المحال يحكم بقبحه عقلا لكن القبح العقلي في مسألة العمل بالظّن لا يستتبع حكما شرعيّا بالملازمة لأنّ العمل به مع الانسداد قسم من أقسام الإطاعة و مخالفته داخل في المعصية و قبح المعصية كحسن الإطاعة لا يستلزمان حكما شرعيّا بل حكما إرشاديا لما تحقق في محلّه من أنّ قاعدة التطابق أي الملازمة بين الحكم العقلي و الشرعي تابعة للموارد فقد يثبت بها الحكم الإرشادي و قد يثبت بها الحكم الشرعي فلا بدّ من قابلية المحلّ لعروض الحكم الشرعي و تفصيله موكول إلى محلّه نعم لو فرض هذا المحال في التخيير الواقعي الشرعي أو العقلي بأن كان أحد فردي الواجب المخير أرجح في نظره من الآخر لرجحان شرعي أو عرفي و لم يعارضه غرض نفساني في الفرد الآخر أمكن إثبات الحرمة من هذه القاعدة لكن محالية الفرض تخرجه عن مقاصد الأصول و إن أرادوا إجراءها في فعل المكلّف أي الشارع كما في باب الإمامة فإحراز صغرى هذه القاعدة أعني مرجوحية أحد الفردين عنده يحتاج إلى الدليل فإن كان عليها دليل أغنى ذلك الدليل عن هذه القاعدة و إلا فالصّغرى ممنوعة ففي التخيير الظاهري كمسألة حجّية الظّن و مسائل التجري في مقدّمات العبادات إن قام الدليل على كون أمر الشارع بالعمل بالمرجوح قبيحا عنده أغنانا عن هذه القاعدة و إلاّ فصغراها غير محرزة فكيف يستدلّ بها على حجيّة الظن توضيحه أن المستدلّ بها يقول إن العمل بالظن أرجح و العمل بالوهم الموهوم مرجوح فترخيص الشارع في العمل به قبيح لكونه ترجيحا للمرجوح على الراجح و نحن نقول إن أردت العمل بالموهوم مرجوح عند المكلف فالصغرى و الكبرى كلتاهما مسلّمتان لكنّهما غير منتجتين للمقصود و هو حرمة العمل بالموهوم لأنّه لا يختار الموهوم إلاّ لمرجح خارجي عنده فيخرج به الموارد عن مجرى القاعدة و إن أردت أنّ العمل به مرجوح عند الشّارع فلا يرخّص فيه فالصّغرى ممنوعة إذ يجوز أن يكون العمل به راجحا عنده لسبب لا نعلمه فيحتاج إثبات كونه مرجوحا عنده إلى دليل من عقل أو نقل و معه‏

432

لا يحتاج إلى القاعدة فالاستدلال بها على الحكم الشّرعي لا يصحّ أبدا (فإن قلت) إذا كان اعتبار الظّن المحض كونه طريقا موصلا إلى الواقع و وقع التعارض بين فردين منه و كان أحدهما أقرب إلى الواقع من الآخر كانت تلك الأقربيّة مقتضية لإيجاب العمل به و النّهي عن العمل بالآخر إذا لم يكن لجواز العمل بذلك المرجوح سبب آخر لما في ترخيص العمل به بلا سبب عن نقض الغرض و اختيار المرجوح على الرّاجح القبيحين عند الشارع و هذا واضح لا سترة فيه و مقتضى الأصل عدم ذلك السّبب و بعبارة أخرى المقتضي لوجوب العمل بما هو أقرب إلى الواقع موجود و المانع و هو السّبب المسوّغ للعمل بالمرجوح غير معلوم فيدفع بالأصل (قلت أوّلا) إنّ وجود المقتضي لإيجاب العمل بالراجح ممنوع لأنّ مقتضى جعل الشي‏ء طريقا هو احتمال إصابة الواقع لا نفس الإصابة و إلاّ انتفى [امتنع‏] وقوع التعارض بين الأدلة ضرورة لزوم اجتماع النقيضين و احتمال الإصابة كما يقتضي جواز العمل بالراجح كذلك يقتضي جواز العمل بالمرجوح و مجرّد كونه راجحا و أقرب إلى الواقع لا دليل على كونه مقتضيا لوجوب العمل به و عدم العمل به بالآخر بل لنا قلب الاستدلال بأنّ المقتضي لجواز العمل بالمرجوح موجود نظرا إلى احتمال الإصابة و كون رجحان الآخر مانعا عنه غير معلوم فيدفع بالأصل حسبما قرّرنا على تقدير السببيّة و هذا لا ينافي القول بالطريقية لأن كونه طريقا إلى الواقع لا ينافي كونه سببا و موضوعا لجواز العمل به و لو بعد ملاحظة دليل التخيير فنقول إن أدلة التخيير عند التعارض كشفت عن وجود المقتضي للعمل في كلّ من المتعارضين و لو كان أصل حجيّته لمحض الطريقية فإذا وجدنا أحدهما أرجح و شككنا في كونه مانعا عن العمل بالمرجوح دفعناه بالأصل و لا يذهب عليك أنّ هذا ليس تمسّكا بإطلاق أدلّة التخيير لكنه لا يخلو عن تأمّل لمنافاته ما قدمنا من أن مقتضى الأصل التعيين إذا دار الأمر بينه و بين التخيير بناء على الطريقية فالمقام يحتاج إلى تأمّل تام لأنّه من مزال الأقدام و في الرّسالة أن أدلّة التخيير لا يكشف عن كون الخبرين المتعارضين بمنزلة المتزاحمين قال بل الأخبار المشتملة على الترجيحات و تعليلاتها أصدق شاهد على ما استظهرناه من الطريقية انتهى ملخصا و فيه إشارة إلى ما ذكرنا من عدم المنافاة بين الطريقية المحضة بالنسبة إلى الواقع و الموضوعية بالنّسبة إلى الحكم الظاهري أعني التخيير هذا و يمكن أن يقال إن أدلّة التخيير مع قطع النظر عن إطلاقها إنّما يكشف عن وجود المقتضي في كلّ من المتعارضين في الجملة و القدر المتيقن منه ما لو كانا متساويين أمّا مع رجحان أحدهما على الآخر فلا لاحتمال عدم وجود المقتضي في المرجوح أصلا فكيف يتمسّك بأصالة عدم كون الرّجحان مانعا مع قطع النظر عن إطلاق أدلّة التخيير فالأصحّ ما اخترناه سابقا و أن قلب الاستدلال قلب فاسد (و ثانيا) أن أصالة عدم المانع هنا أصل مثبت لأنّ المانع عقلي فلا يترتب عليه موضوع الرّاجح و المرجوح حتى يعمل بالقاعدة اللّهمّ إلاّ أن يدعى اعتبارها من باب الظنّ لا من باب التعبد كما هو المختار فلا ضير حينئذ في الاعتماد عليها في إثبات وجوب العمل بالراجح فالأولى الاقتصار على الجواب الأوّل أعني منع كون الرجحان مقتضيا لإيجاب العمل بالراجح‏

الرّابع‏

أنّه لو لم يعمل بأقوى الدليلين لزم تعطيل الأحكام أو تأسيس أحكام جديدة غير ما بيد العلماء و الصّحابة من السّلف و الخلف لأنه إمّا أن يتوقف في مورد تعارض الأدلّة فالأول أو يتخيّر فالثاني و بطلان التاليين ضروري أمّا الملازمة فلأن جلّ الفقه بل كلّه ثابت بتقييد المطلقات و تخصيص العمومات و سائر وجوه المجازات و كلّ ذلك من باب ترجيح أحد المتعارضين على الآخر هذا ملخّص ما استدلّ به في المفاتيح ثم أمر بالتأمل و لعلّه إشارة إلى ما في رسالة الأستاذ (قدّس سرّه) من أن التخصيص و التقييد و نحوهما من وجوه تعارض النصّ و الظاهر أو الظاهر و الأظهر خارج عن البحث لأنّ العامّ و الخاص مثلا لا يعدان من المتعارضين و الكلام في هذا المقام في غير ذلك ممّا لا يعد أحد المتعارضين فيه قرينة على الآخر (قلت) و فيه أن المقام بعد وجوب [معه يوجب‏] العمل بأقوى الدليلين سواء كان القوة في السند أو في الدلالة و يدلّ على ذلك مضافا إلى عموم معاقد الإجماعات ذكرهم المرجحات الدلالتيّة في المقام حسبما يشير إليه في الجملة و كيف يدعى خروج الترجيح من حيث الدلالة من البحث و إن أريد خروج خصوص العام و الخاص و المطلق و المقيد فمع أنّه لا خصوصيّة لهما من بين سائر وجوه الجمع بين الدليلين بل فيها ما هو أظهر و أجلى من العام و الخاص مثل نفي البأس في مقابل الأمر و النهي لا وجه لخروجهما عن المبحث و دعوى عدم صدق المتعارضين عليهما عرفا واضحة الفساد كما بيّناه بما لا مزيد عليه في المقصد الأول عند التكلم في قاعدة الجمع و على فرض تسليم خروجهما خاصّة فالمحذور أيضا باق بل لو ساعدنا على خروج مورد الجمع أيضا عن البحث و قصرناه على الترجيح بغير قوة الدلالة لزم أيضا أحد المحذورين من تعطيل الاجتهاد و بطلان الفقه رأسا و حدوث فقه جديد غير ما بيد العلماء من الأحكام لأن أكثر فتاوى الفقهاء لو لم نقل كلّها مبنية على إعمال الترجيح و تقدم بعض الأدلّة على بعض كما لا يخفى على من علم من الفقه شيئا و لعمري إنّ هذا الدليل غير ما استدلوا به في المقام كما في الكلّ في إمكان الخدشة حتى الأخبار الّتي هي المعتمد عندنا المحقق في إثبات وجوب الترجيح‏

الخامس‏

قوله تعالى‏ أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ و قوله عزّ من قائل‏ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ‏

433

لا يَعْلَمُونَ‏ و غيرهما من الآيات الواردة في نفي الاستواء بين الأعمى و البصير و المهتدي و الضّال استدلّ به في المفاتيح ثم أمر بالتأمّل و هو في محلّه لأنّ الاستواء المنفي في هذه الآيات غير مقصود به العموم الشامل للأحكام بل بما يرجع إلى ما يتعلّق بأمر الآخرة من المكرمات و الدّرجات أو الجنّة و النّار لأنّ المساواة في مثل الإرث من الأحكام الشرعيّة أو الأكل و الشرب من الأمور العادية أو غير ذلك ممّا ثبت فيه المساواة بداهة ليست خارجة من الآيات و إلاّ لزم تخصيص الأكثر المستهجن فالمراد به ممّا لا يتعلّق به غرض الفقهاء و الأصوليين‏

السّادس بناء العقلاء

استدلّ به في محكي الأحكام حيث قال إن العقلاء يرجحون بعقولهم العمل بالراجح و في صغراه لنا كلام و في كبراه تأمّل يظهران لمن راجع ما أسبقناه في قاعدة الجمع عند الاستدلال على وجوبه بصرف الظاهر إلى الأظهر

السّابع التقرير

لما روي أنّ النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) قرّر معاذا في ترتيب الأدلّة و تقديم بعضها على بعض حين بعثه قاضيا إلى المدينة استدلّ به العلاّمة في محكي النهاية و الآمدي في محكي الأحكام و هو جيّد لما فيه من تأييد الأدلّة المذكورة أمّا الدلالة فلا لأن فعل معاذ مجمل محتمل لغير ما نحن بصدده من الترجيح بالظنّ مضافا إلى عدم وضوح سنده بل في شرح الوافية للسيّد الصّدر (رحمه الله) أن حديث معاذ غير ثابت بل نقل عنه (صلى اللَّه عليه و آله) أنّه قال لا أكب أي لا أكب إليك‏

الثامن الأخبار الواردة

من طرقنا في ترجيح بعض الأخبار على بعض إذا اختلفت و تعارضت و هي كثيرة فوق حدّ التواتر مشتملة على جميع من وجوه الترجيح أحدها الترجيح بصفات الراوي من العدالة و الفقاهة و الورع و الوثاقة و فيه ممّا عثرت روايتان مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة المشهورة و ثانيها الترجيح بموافقة الكتاب و أورد فيه في الوافية أربع روايات و ثالثها الترجيح بالشهرة و أورد فيه روايتين و رابعها الترجيح بموافقة السّنة و نقل فيها أيضا روايتين و خامسها مخالفة العامة و ما يجري مجراها من مثل الحكام و نقل فيها سبع روايات و سادسها الترجيح بتأخر الورود و نقل فيها ثلاثة و سابعها موافقة ما علم من أحاديث الإمامية المروية عن الأئمة (عليهم السلام) و تدلّ عليه روايات كثيرة و عمل الفاضل الجزائري (قدّس سرّه) في هذا الباب رسالة مبسوطة غاية البسط و أورد فيها روايات أخر غير ما في الوافية نقلها السيّد الشارح (قدّس سرّه) و أكثرها متعلّقة بموافقة الكتاب و السّنة فلا على من راجعها ليزداد وثوقا و العمدة في الباب عند مشايخنا العظام هذه الرّوايات و أمّا من سبقهم فاعتمدوا في وجوب الترجيح على غيرها من الأدلّة المذكورة و غير المذكورة و لم يتمسّك بها أحد إلاّ قليل بقليل و ما أشبهها بأخبار الاستصحاب في غفلة السّابقين عنها و التفات المتأخرين إلاّ أنّ في التعويل عليها إشكالات لا بأس بالتنبيه عليها و هي بين ما هو مشترك بين الكلّ و بين ما هو مختص بالآحاد فمن الأوّل أنّ المسألة الأصولية مطلوب فيها العلم و إثبات المسائل العملية بأخبار الآحاد ممّا لا سبيل إليه عند الأكثر و دعوى أنّها مستفيضة بل بالغة حدّ التواتر غير نافعة لأنّ القدر المشترك بينهما ممّا لا فائدة فيه إذ لا يتصوّر الجامع بين هذه الوجوه السّبعة المذكورة إلا عنوان أحدها الغير المعيّن و مقتضاه التخيير في وجوه الترجيح و هو مع خروجه عمّا هو المقصود في المقام باطل إجماعا و ثبوت الترجيح بأحدها المعيّن في الواقع الّذي يعلم من العلم بصحّة بعض هذه الأخبار و صدوره أيضا غير مفيد كما لا يخفى و قد يجاب عنه بأن المسألة الأصولية لا مانع من ثبوتها بالظن المعتبر كما أجاب صاحب المعالم (قدّس سرّه) عن المحقق في خصوص الترجيح بمخالفة العامة فراجع و منها أنّها معارضة بأنفسها لأن إطلاق دليل كلّ واحد منها قاض بعدم الالتفات إلى الآخر فإذا فرض [اتفق‏] الرجحان من حيث الصّفات مثلا في أحد الجانبين و الرّجحان بالشهرة و نحوها في جانب آخر لزم التوقف و التساقط و لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر للزوم الدّور كما لا يخفى و الجواب عنه و عن سابقه أنّ المقصود في المقام إثبات وجوب الترجيح كلّية في الجملة و هذا المعنى كالتواتر المعنوي يستفاد من هذه الرّوايات لبلوغها حدّ التواتر كما عرفت و دعوى أنّه لا فائدة فيه كما ترى لأنّ فيه إبطالا للقول بالسّلب الكلّي و البناء على التخيير أو التوقف مطلقا كما أن تعارضها بأنفسها غير جار في مادّة الافتراق فيثبت بها وجوب الترجيح عند عدم المعارضة و هو كاف في إثبات الموجبة الجزئية لأن البحث في تعارض المرجحات مقصد برأسه يأتي الكلام فيه و منها أنّها معارضة بأخبار التخيير و التوقف فيتساقطان و ربّما أجيب بأنّ هذه الأخبار معتضدة بالشهرة و الإجماعات المنقولة و هو كما ترى دور لا يلتفت إليه و كذا ما أجيب بأنّها أخصّ مطلقا من تلك الأخبار فيجب التخصيص إذ التخصيص و التقييد أيضا من وجوه الترجيح الراجع إلى العمل بأقوى الدليلين اللّهمّ إلاّ أن يدعى خروج العام و الخاصّ من المتعارضين و قد عرفت ضعفه غير مرّة و الأولى أن يجاب بأنّ الترجيح إنّما هو بعد تعذر الجمع حسبما حققناه في المقصد الأوّل و مقتضى الجمع بينهما تخصيص تلك الأخبار بهذه الأخبار و لا يتوقف على ثبوت قاعدة العمل بأقوى الدليلين بقول مطلق و إن كان هو أيضا داخلا في هذا العنوان و المحصّل أنّ الجمع بين الدّليلين و إن كان من باب تقديم ما هو أرجح دلالة على الآخر إلاّ أن عليه أدلّة أخرى و قد فرغنا الكلام فيها سابقا و المقصود هنا إثبات الترجيح بعد تعذر الجمع فإذا راعينا قاعدة الجمع‏

434

هنا كان العمل بهذه الأخبار واجبا سليما عن المعارض و هو واضح و منها أنّ هذه الأخبار كلّها من قبيل الخطابات الشفاهية فلا يتعلّق بالغائبين إجماعا إذ الخلاف في الشمول و عدمه إنّما هو في خصوص خطابات الكتاب لتشبيهه بتأليف المؤلّفين فلا بدّ في احتراز ما فيها من وجوب الترجيح بالوجوه المذكورة في حقنا من ضمّ قاعدة الاشتراك و لا ريب في اشتراطها باتحاد الموضوع كما تحقق في محلّه و هذا الشرط غير حاصل هنا لأنّ العمل بالترجيح حكم ظاهري و الأحكام الظاهريّة مختلفة باختلاف الأحوال من العلم و الظّن و الشكّ و العجز و القدرة فمن الجائز اختصاص المخاطبين في العلم بأحوال الرّواة في عصرهم و فهم الكتاب و السّنة و أقوال المخالفين بما هو غير حاصل لنا كيف و غاية ما تيسر لنا تحصيل الظّن من علم الدّراية بصفات الرّواة و كونها في بعض أقوى منها في الآخر و من التفاسير الظن بمعاني الكتاب و من المراجعة إلى كتب العامة و الخاصة الظّن بمذاهبهم و من الرّجوع إلى التواريخ الظّن بمخالفة الرّواية لفتوى فقيه عصرها الّذي يفتي عنه الإمام المروي عنه و أين هذا من العلم بهذه الأمور بالحسّ أو الوجدان فكيف يحكم باشتراكها مع المخاطبين المنفتح لهم باب العلم بها و الظن المتاخم له أو الأقوى ممّا يحصل لنا من الظّن و أيضا من الواضح اختلاف حال الرّوايات عندهم و عندنا من حيث قلّة الوسائط و كثرتها فالموضوع من هذه الجهة أيضا مختلف و منها أن المستدل بهذه الأخبار إن أراد إثبات الترجيح بالمرجّحات المنصوصة خاصّة الّتي هي محلّ التعارض من حيث عناوينها المخصوصة ففيه أنّها متعارضة ساقطة عن الاعتبار كما عرفت و دعوى نهوضها بالمدّعى في غير مادّة الإجماع الّذي نحن بصدده كما سبق مدفوعة بأنّ العمل فيه بها أيضا مشكل لما فيه من حمل الإطلاقات على الفروض النادرة و تأخير البيان عن وقت الحاجة و كيف يحمل إطلاق الأمر بأخذ المشهور على ما لو تساويا في صفات الرّاوي و سائر المرجحات أو بالعكس مع ورودها في مقام البيان و إن أراد إثبات الترجيح على سبيل الإطلاق فهي قاصرة عن ذلك إلاّ بتنقيح المناط الممنوع على المدّعى بل مقتضى إطلاقها اعتبار هذه المرجّحات مطلقا إفادة الظن أولا و هذا ينافي البناء على الترجيح على مطلق الظنّ نظير منافاة إثبات حجّيّة الأخبار بحجّيّة مطلق الظن حال الانسداد فلا بدّ لمن لا يقتصر على هذه المرجحات و يتعدى إلى كلّ مرجح من توجيه الأخبار بما يرجع إلى الظنّ بالترجيح مطلقا و من هنا يظهر أن ترديد بعض الأجلّة بعد نقل الأخبار في كون اعتبارها تعبّدا محضا أو منوطا بإفادتها مطلق الظّن أو ظنا مخصوصا من ظهور الأخبار في الاقتصار عليها و من دلالة فحواها على إناطة الترجيح بالظّن ليس في محلّه لأنه كلام من يقتصر على هذه المرجحات خاصّة و لا يتعدّى إلى غيرها فصدور مثل ذلك عنه ناشئ عن سهو القلم إذ بعد البناء على التعدي لا بدّ من الخروج عن ظاهرها و حملها على ما يرجع إلى العمل بمطلق الظن في باب الترجيح و احتمال إمكان الجمع بين الأمرين بأن يقال أمّا لترجيح بغير هذه المرجحات المنصوصة فهو منوط بالظنّ و أمّا هي فبأحد الوجوه الثلاثة في غاية الفضاعة و الشناعة بل مقطوع بفساده و مدفوع بالإجماع كما لا يخفى و منها أنّها مختلفة الترتيب و مختلفة العدد ففي بعضها قدّمت الشهرة و في بعضها قدم السّند و بعضها اقتصر على مرجح واحد و بعضها على الاثنين و بعضها على الثلاثة و هكذا و هذا قرينة واضحة على عدم وجوب الترجيح بل يستحبّ كذا في الترجيح في شرح الوافية و فيه أن كونه قرينة على أنّ المقصود هو الترجيح بقوة الظنّ و ذكر المرجّحات المذكورة من باب المثال أولى ممّا ذكره هذا ما يتعلّق بالجميع من وجوه الإشكال أمّا ما يتعلّق بالآحاد فقد أورد على المقبولة بأمور و لا بدّ أوّلا من نقلها و هي أحسن ما في الباب جمعا للمرجحات رواها المشايخ الثلاثة على ما عزي إليهم قال عمر بن حنظلة سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السّلطان أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك قال من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا و إن كان ثابتا لأنّه أخذ بحكم الطاغوت و إنّما أمر اللّه أن يكفر به قال اللّه تبارك و تعالى و يتحاكمون إلى الطّاغوت و قد أمروا أن يكفروا به (قلت) فكيف يقضيان قال ينظر إلى من كان منكم‏

قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل فإنّما بحكم اللّه استخفّ و علينا قد ردّ و الرادّ علينا الرّادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه (قلت) فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم قال الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر قلت فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر قال ينظر ما كان من روايتهم عنا الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما و يترك الشاذ النّادر الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه و إنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتبع و أمر بيّن غيّه فيجتنب و أمر مشكل يرد حكمه إلى اللّه و إلى رسوله قال رسول اللّه حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ الشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم قال قلت فإن كان الخبران‏

435

عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب و السّنة و وافق العامة (قلت) جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السّنة فوجدا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا بأيّ الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامة ففيه الرّشاد (فقلت) جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا قال ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر (قلت) فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا قال إن كان كذلك فأرجه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات انتهى و هي بظاهرها مطروحة أو مؤوّلة بالضّرورة و الإجماع فلا تصلح حجة مع ما فيها من وجوه الترجيح (أمّا أوّلا) فلأنّ قطع المنازعات و فصل الخصومات لا يناسبه تعدد الحاكم و الفاصل حتى يعتمد على التّرجيح إذا وقع الاختلاف و التعارض بين الحكمين (و أمّا ثانيا) فلأنّ مقام الحكومة آب عن الغفلة عن معارض مستند الحكم فكيف يصحّ الحكمان و يرجح أحدهما على الآخر (و أمّا ثالثا) فلأنّ اجتهاد المترافعين و تحرّيهما في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر غير جائز إجماعا و حمله على قاضي التحكيم غير دافع للمحذور إذ ليس وظيفة المحكوم عليه إعمال المرجحات و لو في قاضي التحكيم و إنّما يجوز له الامتناع عن قبول حكمه لو اعتبر رضاه بعد الحكم مع أنّ صريح صدر الرّواية ورودها في القاضي العام الشّرعي لمكان قوله و إني قد جعلته حاكما إلى آخره و كذا حمله على المفتي فإنّ وظيفة المقلّد إنّما هو العمل بقوله من دون طلب المرجحات سوى الأعلميّة (و أمّا رابعا) فلأنّ المتّبع مع التعارض هو أسبق الحكمين إذ لا يبقى للمتأخر مورد بتقدّمه اللّهمّ إلاّ أن يفرض وقوعهما دفعة و هو على فرض إمكان إحرازه في الخارج لا يصلح حمل الخطاب عليه و كذا الحمل على صورة الاشتباه لبعد الفرض أيضا مع أنّ اللازم حينئذ التّساقط أو التوقف دون الترجيح و تحسم الإشكالات كلاّ بارتكاب أمرين أحدهما إخراج الواقعة عن المخالفة و المخاصمة المفتقرة إلى القضاء بحملها على السّؤال عن حكم المسائل الخلافية المتعلّقة بالأموال الّتي هي منشأ التنازع و الجدال فيكون الحديث دليلا على تشريع القضاء في الشبهات الحكمية لا على ترجيح أحد الحكمين في واقعة جزئية على الآخر (و الثاني) تخصيص المأمور بالمرجحات بالمجتهد و لا يعد فيه في ذلك العصر كما لا يخفى فلا بدّ من الإغماض عن بعض ما ينافيها أو ينافي أحدهما من فقرات الرّواية و بعد ذلك يسهل الخطب كما لا يخفى على من تأمّل فيصير محصّل الرّواية أنّه لا بدّ في المسائل الخلافية المتنازع فيها لتعلّقها بالأموال و كونها محلّ التشاجر من الرجوع إلى رواة الحديث فكلّ ما حكم به الرّاوي أخذ به و لو اختلف أقوال الرّواة و فتاويهم أخذ بالأرجح (فإن قلت) ليس في الفتوى من المرجحات المذكورة سوى الأعلمية و ما عداه لا مساس له بالفتاوى (قلت) الرّواية و الفتوى و الحكومة في العصر السّابق كانت متّحدة المناط لأن رواة ذلك العصر كانت فتواهم روايتهم و روايتهم فتواهم و كذا الحكومة و في مثل ذلك نمنع عدم اعتبار سائر المرجحات في الفتوى بل حكمها حكم الرّواية في جميع المرجحات و السّر في ذلك أنّ الرّواة في العصر السّابق كانوا لا يرون إلاّ ما يعملون به و يفتون به فروايتهم و فتواهم سواء و لذا أمر الإمام (عليه السلام) بملاحظة مرجحات الرّواية في فتواهم الّتي كانت حكما رافعا للخصومة أيضا و أمّا محذور تعدد الحكم فهو باق لا يندفع بما ذكر لأن واقعة واحدة لا تقبل الفتويين و لا الحكمين مجتمعين فلا بدّ من تأويل و لا يبعد أن يكون المراد بقوله فاختار كلّ منهما رجلا فرضيان أن يكونا ناظرين أي رضيا أن يكون أحدهما ناظرا في أمرهما فاتفق تعارض حكمهما أي فتواهما في تلك الواقعة فأمر الإمام (عليه السلام) من تطلب مرجحات الرّواية لأنّ الحكم و الرّواية في ذلك العصر كانا متحدين في قبول المرجّحات و سائر الأمور الحادثة في الأزمنة المتأخرة من وجوه الفرق و هذه المناقشات الأربعة ناظرة إلى فقه الحديث و ربّما توجب وهنا في الاستدلال بها على أصل الترجيح و لا يجدي ظهورها بل و صراحتها فيه بعد أن كان مقطوعا بفساده للإجماع (و أمّا خامسا) فلما ذكره شارح الوافية بعد تمهيد مقدّمة لا جدوى في نقلها من أنّ اللاّزم على من يسأل عن حكم المتعارضين أن يجيب بالترجيح بإحدى المرجّحات مع أن الرّاوي سأل مرّة عن حكمهما و أجاب (عليه السلام) بالترجيح المتعلّق بالسند

ثم فرض التساوي فيه فأجاب بترجيح المشهور على الشاذّ فيشكل الأمر بأنّ الراوي إن فرض التساوي في الوجوه الأخر غير السّند ثم فرض التساوي فيه أيضا كان الجواب التوقف أو التخيير ليس إلاّ دون الترجيح بالشهرة و إن لم يفرض التساوي فيهما كان الجواب العمل بما هو أقوى ظنّا من الآخر لا بما هو أصحّ سندا منه لأنّ صحّة السّند لا تفيد الظّن مطلقا كما إذا كانت في مقابل الشهرة و معلومات أحكام الإمامية انتهى ملخّصا ثم تفصّى عنه و عن سائر ما أورده بأنّ بناء الترجيح على الاستحباب دون الوجوب و أنت خبير بأنّ الاستحباب لا يرفع هذا الإشكال مع أنّه هيّن لأنّا نختار الثاني و نجيب بأنّ الأمر بترجيح السّند إطلاقه منزل على فرض التساوي في غيره فلا إشكال إلاّ أنّ فيه ما مرّ من تنزيل الخطاب على الفرض النادر فيكون من الإيرادات العامة و الأولى أن يقال إن عدم التساوي له أسباب متعدّدة من جملتها الاختلاف في الصّفات و منها الاختلاف في مخالفة العامة و منها الاختلاف في موافقة الكتاب و منها غير ذلك و أراد الإمام (عليه السلام) إلقاء القاعدة و تعيين القانون بإيجاب الأخذ

436

بأقوى المتعارضين فكأنّه قال خذ بأعدلهما أو بأوثقهما أو بأشهرهما أو بأبعدهما من العامة أو بأوفقهما بالقرآن أو بغير ذلك من المرجّحات و ليس الغرض من الترجيح بالصّفات مثلا سوى إعطاء الحكم في ضمن المثال و هذا المعنى و إن كان محتاجا إلى القرينة لكنّه لا بدّ من المصير إليه في هذا الباب بقرينة كثرة الأخبار و اختلافها في المرجحات كمّا و كيفا كما أشير إليه سابقا و لا ضير فيه إلاّ تأخير البيان عن وقت الخطاب و هو أمر جائز و بذلك صرّح الفاضل الجزائري و تفصى به عن الإشكالات و قال شارح الوافية (رحمه الله) و جواز التأخير و إن كان مشهورا إلاّ أنّه على إطلاقه محلّ نظر إذ لا بدّ من البيان و لو بعد حين و لو بيّنه لوصل لتوفر الدّواعي إلى النقل في مثل هذه القاعدة و لم نجد في الباب حديثا جامعا وافيا لجميع المرجحات و احتمال عدم احتياج كلّ الرّواة حين السّؤال إلى بيان الإمام (عليه السلام) المسئول عنه مستبعد جدّا انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخّصا منقولا بالمعنى (قلت) لعلّه أراد بقوله على إطلاقه الخطابات الّتي لا يحتمل ورودها جميعا قبل الحاجة و نظيره في الفقه كثير فإن المطلق إذا تعدد و كثر امتنع دعوى الإهمال فيها و في مثله إذا جاء معارض و مقيد يعامل معها معاملة المتعارضين لا معاملة الإطلاق و التقييد و كذا العام و الخاصّ و الأخبار في هذا الباب من هذا القبيل فلا يجوز القول بأنّ الترجيح بالصفة مسوق لبيان حكمة خاصة بعد التساوي في غيره لأنّ ذلك التزام لتأخير البيان عن وقت الحاجة لاستبعاد عدم حاجة السّائل إلى بيان الترجيح من سائر الجهات هذه خلاصة ما أفاده و فيه نظر وجيه و ملخّصه أنّ الأخذ بكلّ واحد من هذه الأخبار لا يجوز بإطلاقه إجماعا إذ العبرة بقوة الظنّ لا التعبّد بها و لا يجوز إهمالها أيضا لورودها في مقام الحاجة و لا يجوز حملها على صورة التساوي في غيره لاحتياجه إلى البيان المفقود في المقام فيخرج عن صلاحيّة الاحتجاج و الاستدلال بها في الباب و يندرج في مشكلات الأخبار نعم يستأنس من الجميع معهودية إعمال الترجيح في الأدلّة في عصر الأئمة (عليهم السلام) و أمّا في عصرنا فيحتاج إلى دليل آخر غيرها خصوصا بعد ملاحظة ما ذكرنا من اختلاف حالنا و حال السّابقين و اختلاف حال الرّوايات التي بيدنا مع الرّوايات الّتي كانت بيدهم و لأجل ذلك اعتمد الأصحاب في المقام على غيرها نعم لا بأس بإعمال المرجّحات المذكورة من باب القاعدة كما سننبّه إن شاء اللّه تعالى و كذا الحال فيما أورد على الترجيح بمخالفة العامة بعد تساوي السّند تقريرا و جوابا و يزيد عليه أنّه إن أريد مخالفة جميع العامة فهذا مما لا يمكن العلم به و إن أريد مخالفة بعضهم فلا يصلح مرجحا لأنّه إذا خالف بعضهم فوافق البعض و تقديم جهة المخالفة ليس بأولى من تقديم جهة الموافقة فيتعارضان فيكون مثل ما لو لم يكن مرجحا و صورة الشك تلحقه بالأخير لأنّ الترجيح إذا كان موقوفا على مخالفة الجميع فمع الشكّ فيه لا سبيل إليه نعم قد يكون المخالفة و الموافقة من أسباب الترجيح كما ننبّه إن شاء اللّه في بيان المرجحات فيندرج تحت القاعدة فليثبت بها لا بالنص و أورد على الترجيح بموافقة الكتاب أنّه إن أريد به موافقة محكماته و نصوصه فهذا لا فائدة فيه لأنّ مثل هذا الحكم مستغن عن الدليل و إن أريد به العرض على ظاهره فهذا غير مفيد للظنّ و لا يصلح مرجحا إذ ربما كان الطرف المقابل أرجح فيجب الأخذ به لا بما يوافق ظاهر الكتاب الّذي توهم العامل به كونه مظنونا و فيه أيضا ما عرفت من أنّ إطلاق هذه المرجحات محمولة على صورة التساوي في غيرها و للفاضل الجزائري (رحمه الله) أيضا إشكالات أخر قريبة ممّا ذكر تقريرا و جوابا منها أنّ التّرجيح بموافقة الكتاب غير جائز لأن المشهور جواز تخصيص الكتاب بالخبر و سيأتي تحقيق ذلك عند بيان أقسام المرجحات و أمّا تأخّر الورود فهو باطل في الأخبار الإمامية اتفاقا كما صرّح به الفاضل التوني إلا من الصدوق (رحمه الله) في بعض مسائل الوصية نظرا إلى أنّ إمام العصر (عليه السلام) أعرف بما قال لا إلى هذه الأخبار الدالّة عليه و الحقّ أنّه ليس أيضا مخالفا في المسألة لأنّ الكلام في كون التأخّر مرجّحا من حيث هو حتى لو كان في كلام إمام لأخذناه و كلامه (قدّس سرّه) مبني على أنّ كلّ إمام أعرف بما قال و هو غير ما نحن فيه كما لا يخفى و الأخبار الدّالة عليه غير معمول بها

في الأخبار الإماميّة و أمّا النبويّة فلا بأس بها إلاّ أنّها خارجة عنها لما في تلك الأخبار من التصريح لورودها في الأوّل و توجيهها بحمل المتأخر على التقية كما فعله بعض منظور فيه كما ننبّه عليه في ذكر المرجحات السندية إن شاء اللّه تعالى شأنه‏

المقام الثاني في بيان أقسام المرجحات‏

و قد اختلفت عبارات القوم في تقسيمها و ضبط أنواعها ففي التهذيب و المنية أنّ وجوه الترجيح و أنواعها خمسة أحدها ما يتعلّق بإسناد الخبر و ثانيها ما يتعلّق بحال وروده و ثالثها ما يتعلّق بمدلوله أي الحكم الّذي يدلّ عليه ذلك الخبر و رابعها ما يتعلّق بمتنه و خامسها ما يتعلّق بأمر خارج عن هذه الأمور و عليه جرى بعض الأجلة من أفاضل المتأخّرين إلاّ أنّه ذكر مكان الثاني خصوص بعض أقسامه مثل التقدّم و التأخر و بدل الثالث بما يتعلّق بكيفية الرّواية و ذكر فيها ما لا يرجع إلى الثالث و لازمه تسديس الأقسام إذا ضمّ ثالث المنية إلى ما ذكره و ضبطها في الزبدة بأربعة بإسقاط الثالث و كذا في المعالم بإسقاط الثالث أيضا و في القوانين ضبطها بثلاثة ما يتعلّق بالسّند و ما يتعلّق بالمتن و ما يتعلّق‏

437

بأمر خارج و لا مشاحة في ذلك لإمكان درج ما أهمل فيما ذكره لمناسبة كما لا مشاحة في درج بعض المرجحات في قسمين أو ثلاث لمناسبة أيضا كما في مخالفة العامة و في المعالم و غيره عدّها من المرجحات الخارجية و عدّها بعضهم من المرجحات المتنية و جعله في الرّسالة من المرجّحات الداخليّة تارة و الخارجيّة أخرى و لكلّ وجه يظهر بالتأمّل و عدل في الرّسالة عن الكلّ إلى تقسيم آخر أنسب و أحسن فقال ما حاصله إنّ المرجح إمّا داخلي أي متقوّم بالخبر لا استقلال له في الوجود كالأعدلية و علو الإسناد و الفصاحة و نحو ذلك أو خارجي كالشّهرة و عموم الكتاب و الأصل و غير ذلك ممّا له وجود مستقلّ و لو لم يكن خبر يترجح به على معارضه و الداخلي إمّا يرجع إلى صدور الخبر سواء كان متعلّقا بسنده كالوثاقة أو بمتنه كالأفصحيّة أو راجع إلى وجه الصّدور من التقية و نحوها أو متعلّقا بمضمونه كالنقل بالمعنى أو النقل باللّفظ و الخارجي المستقلّ إمّا حجة معتبرة كالكتاب و الأصل أو غير معتبرة كالشهرة و على التقديرين إمّا أن يكون مؤثرا في أقربيّة أحد الخبرين إلى الواقع كالأمثلة المذكورة أو لا ككون الحرمة أولى بالأخذ من الوجوب و قد يختصر في المقال و يقال إن المرجح إمّا أن يكون مرجّحا لصدور الخبر أو لجهة الصّدور من حيث السّوق لبيان الحكم الشرعي أو التقية أو مرجحا لمضمونه كما فعله بعض أخذا من موضع آخر من الرّسالة و هذا مبني على التقسيم بملاحظة مورد الرّجحان و ضوابط القوم مبنية على ملاحظة مورد الرّجحان كما صرّح به في الرّسالة و أنت خبير بما فيه من عدم المقابلة الحقيقية و صيرورة قسم الشي‏ء قسيما له لأنّ مرجحات المضمون إمّا مرجّحة للصّدور أو للجهة أو لهما نعم قد يكون غير مؤثرة في أقربيته إلى الواقع كدفع المفسدة و جلب المنفعة و أولوية التأسيس من التأكيد فلا يكون مرجحا للصّدور و لا للجهة لكنّه ساقط في الباب عند أولي الألباب و إن كان في كلمات القوم مذكورا في عداد المرجحات إذ البحث منعقد لبيان مرجّحيّة الدّليل من حيث كونه دليلا على الواقع لا من حيثيات أخرى فإن أريد بالمرجح المضموني خصوص هذا القسم لزم عدم استيفاء الأقسام و خروج معظم المرجّحات عن الضّابط كالشهرة و أمثالها ممّا هو ناظر و طريق و أمارة ظنية إلى الواقع و إن أريد الأعمّ منه لزم صيرورة قسيم الشي‏ء قسما له و هذا البحث يسري أيضا إلى ضابطي التهذيب و الزّبدة و من حذا حذوهما كما يظهر بالتأمّل نعم لا يرد هذا على التقسيم إلى الداخلي و الخارجي فإن المقابلة الحقيقية مرعية فيه كما لا يخفى و لعلّ هذا هو سرّ العدول عن ضوابط القوم إلى هذا الضّابط ففيه تنبيه و إيماء إلى تلك الدقيقة لكنه أيضا لا يخلو عن خدشة لا يليق بمقالة أهل التحقيق أمّا أوّلا فلأنّه عدول عن طريقة القوم بلا فائدة و ثانيا أن كلاّ من الداخلي و الخارجي ينقسم إلى مرجّح الصّدور أو الجهة أو المضمون فلا وجه لتخصيص الدّاخلي بذلك فهو كما لو قيل الحيوان إمّا إنسان أو فرس و الإنسان إمّا أبيض أو أسود و أمّا ثالثا فلعدم المقابلة الحقيقية بين مرجحات المضمون أو مرجحات الصّدور أو الجهة كما مرّ و أمّا رابعا فلأنّ الأمور المعدودة من المرجحات الخارجية يمكن درجها في الداخلية ببعض اللّحاظ كما نبّهنا عليه مثلا مخالفة العامة أو موافقة الكتاب أو الاعتضاد بدليل آخر إذا لوحظت بنفسها كانت من المرجحات الخارجية و إذا لوحظت بلحاظ كونها محدثة لصفة متقومة بالخبر المخالف أو الموافق كانت من الداخلية و من هنا اعتذرنا عن درج بعض هذه المرجحات الخارجية في القسمين و إن شئت ضابطا سليما عمّا أوردنا (قلت) إنّ المرجّح إمّا أن يتوقف تعقلها على تعقّل أمر خارج عن المتعارضين فهذه مرجحات خارجية كالأمثلة المذكورة أو لا يتوقف فهذه داخلية لانحصارها في المرجحات السّندية و المتنية و الحالية ثم (قلت) إنّ كلاّ منهما إمّا أن يرجح الصّدور أو يرجح الجهة أو يرجح المضمون و إن شئت موافقة القوم في مراعاة محلّ المرجح لا محلّ الرجحان اخترت ضابط القوانين لأنّها أخصر و أسدّ إذ لا يعرف عنها شي‏ء من المرجّحات مع ما فيها من مراعاة المقابلة الحقيقية و محافظة طريقة السّلف في تقسيم المرجحات إلى المتنية و السّندية و الخارجية و كيف كان فنحن نختار ضابط القوانين لما عرفت من أنّه حصر عقلي لأنّ ما لا يرجع إلى السند و لا إلى المتن فهو داخل في القسم الثالث أعني الخارجي و نبين بعض ما يتعلّق بالأبواب الثلاثة تبعا للقوم‏

فنقول‏

أمّا المرجحات السّندية

فهي على ما ذكره القوم أمور منها ما يرجع إلى صفات الرّاوي من العدالة و الورع و الزهد و العلم و الذكاء و العقل و الجزم و الحفظ في مقابل من يروي عن كتاب و العلم بالعربيّة في مقابل الجاهل بها و كون الرّاوي صاحب الواقعة كرواية عائشة حديث التقاء الختانين بالنسبة إلى رواية غيرها إنّما الماء من الماء و كونه مجالسا للعلماء إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى صفات الراوي ممّا يقوي معه مطابقة خبره للواقع فإنّ قول العادل أقوى من قول غيره و لو كان ثقة مقبول الرّواية بناء على كفاية الوثاقة في الإخبار و قول الأعدل أقوى من قول العادل و هكذا و يلحق به اختلاف مراتب ثبوت تلك الأوصاف فالمعلوم أقوى من المظنون و المظنون بالظنّ القوي أقوى عمّا دونه و منه اختلاف عدد المزكّى و اختلاف أقوال الناس في الجرح و القبول فخبر من زكاه اثنان أقوى من خبر من زكاه واحد و كذا خبر من اشتهر بالعدالة بالنسبة إلى من ثبت عدالته بالبيّنة و منها ما يتعلق بعدد الرّواة فما كان رواته أكثر كان أولى بالقبول لأنّ الظنّ الحاصل من خبر الجماعة أقوى من الظّن الحاصل ممّن دونهم و كذا خبر الاثنين بالنّسبة إلى الواحد و منها ما يتعلّق بحال الرواة كقلّة الوسائط و

438

كثرتها إذ الظنّ الحاصل من الأقلّ أقوى و استدلّ عليه في المنية بأنّ الخبر إنما يكون حجة مع صدق الراوي و الوسائط بينة و بين الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) و كلّ واحد منهما يحتمل صدقه و كذبه فأحوالهما أربعة يكون الخبر حجّة في حالة واحدة و هو ما إذا كانا صادقين و إن كان اثنين كان الخبر حجّة في حال واحد من ثمانية و إن كان ثلاثة كان واحدا من ستة عشر و هكذا و ليس حجة في باقي الأحوال و حينئذ يضعف الظنّ عند تعدد الوسائط و تكثرها حتى إنّه ربّما أدّى إلى زوال الظنّ بالكلّية انتهى و منها ما يتعلّق بكيفية الرّواية ككون الخبر موقوفا على الرّاوي أو مرفوعا إلى المعصوم (عليه السلام) أو كونه مشتملا على ذكر سبب حدوث الحكم و عدمه أو كونه منقولا باللّفظ أو بالمعنى أو الاعتضاد بحديث سابق و عدمه و تصديق الأصل المروي عنه و تكذيبه و الإسناد و الإرسال و غير ذلك ممّا ذكروه مثل تقدم الإسلام فإنه يقدّم على المتأخر و غير ذلك مما ذكروه و ضبط بعض هذا القسم من المرجّح أعني السّندي بثلاثة أقسام أحدها ما يكون بحسب حال الرّاوي نفسه قال و هو يحصل من وجوه فذكر قريبا من عشرين وجها و ثانيها ما يكون بحسب تزكية الراوي فذكر فيه وجهين أحدهما ما يعود إلى المزكّى كمّا و كيفا و ثانيهما ما يعود إلى كيفية التزكية من حيث كونها قولية أو عملية نصّا أو ظاهرا و ثالثها ما يكون باعتبار كيفية الرّواية فذكر فيه بعض ما ذكرنا و زاد عليه و الغرض من ذكر هذه الوجوه ليس هو الاعتماد عليها كيف و بعضها ممّا لا مساس له بقوّة السّند كالذّكورية و الحرية على ما ذكره بعض و نفي عنه البأس في النهاية قياسا له بالشهادة بل لبيان حال العلماء و اهتمامهم بالعمل بالترجيح حتّى عملوا بما ليس بمرجح إلاّ عند بعض الأنظار القاصرة محافظة لقاعدة الترجيح و حرصا على مراعاة المزايا معلومها و مظنونها و محتملها بل و موهومها و قد ذكروا أشياء أخر طوينا الكلام عنها لعدم الفائدة في ذكرها على تقدير صحتها فضلا عن تقدير فسادها لأنّ وجوه التراجيح غير محصورة و الغرض من إطالة الكلام و البسط كما صدر عن الأكثر إن كان هو الاستيفاء التام فهو غير ميسور مستحيل و إن كان هو إعطاء القاعدة في ضمن المثال فيحصل بأقلّ ممّا ذكروه فلا مجرى لقاعدة الميسور في المقام نعم هنا شي‏ء مهمّ لم يتعرّضه أحد سوى شيخنا (قدّس سرّه) في الرّسالة فلا بدّ من التعرّض له و هو أن مبنى هذه الوجوه هل هو على إفادتها الظنّ أم لا و المصرّح به في عبارات القوم كلاّ و جلاّ هو الأوّل حيث ينادون بأعلى أصواتهم بذلك و يستدلّون على وجوب تقديم صاحب المزيّة بأنّها تفيد الظنّ بخلاف فاقدها و بذلك صرّح أيضا صاحب المفاتيح و استشكل فيما لا يحصل منه الظنّ من وجوه التراجيح من حيث إنّ الأحوط الأخذ بما فيه المرجح و من إطلاق أدلّة التخيير و قوى ذلك بناء على عدم الدليل على الترجيح بالأمور التعبّدية في مقابل إطلاقات التخيير و قال شيخنا (قدّس سرّه) في الرّسالة بعد نقل كلامه ما لفظه و أنت خبير بأن جميع المرجحات المذكورة مفيدة للظّن بالمعنى الثاني الذي ذكرنا و هو أنّه لو فرض القطع بكذب أحد الخبرين كان احتمال كذب المرجوح أرجح من صدقه و إذا لم يفرض العلم بكذب أحد الخبرين فليس من المرجحات ما يوجب الظن بكذب المرجوح و لو فرض شي‏ء منها كان في نفسه موجبا للظنّ بكذب الآخر كان مسقطا له عن الحجية و مخرجا للمسألة عن مقام التعارض فيعدّ ذلك موهنا لا مرجحا إذ فرق واضح بين ما يوجب في نفسه مرجوحية الخبر و بين ما يوجب مرجوحيته بملاحظة التعارض و فرض عدم الاجتماع انتهى و حاصل ما أفاد هنا و قبل ذلك أنّ الظنّ بالواقع غير القرب منه أو البعد عن الخطإ و معنى كون الشي‏ء مرجحا هو كونه سببا للمعنى الثاني دون الأوّل و هذا المعنى موجود في ذي المزية سواء فرض العلم بمخالفة أحدهما للواقع أم لا بخلاف الظنّ بالواقع فإنّه مختصّ بالأوّل إذ لا ظنّ في الثاني و إلاّ كان المرجوح موهوما و بقريب من ذلك صرّح بعض الأفاضل (قدّس سرّه) من متأخري المتأخرين حيث بسط الكلام في بيان المرجحات السّندية فقال الثاني أن يكون راويه راجحا على راوي الآخر في صفة يغلب معها ظنّ الصّدق كالثقة و العدالة و الورع و العلم و الضّبط و حسن الاعتقاد إلى أن قال و الوجه في‏

الجميع أنّ ظن الصّدق بقول من كان راجحا في وصف يفيد ظن الصّدق أغلب منه بقول من كان مرجوحا فيه ثم قال الثالث أن يكون راويه راجحا على راوي الآخر في وصف يكون قوله معه أبعد من الخطإ كالحفظ و الجزم بالرّواية و العلم و النقل بالعربيّة و مصاحبة المحدّثين و الشهرة المعروفة إذ الغالب أنّهما لا يكونان إلاّ عن قرينة يكون قول صاحبها بها أبعد عن الخطإ عن غيره انتهى فحصل أنّ الظنّ بالواقع شي‏ء و البعد عن الخطإ شي‏ء آخر و اكتفي بأحدهما و مآله إلى ما صرّح به شيخنا (قدّس سرّه) و حاصله أنّ بناء الترجيح ليس على الظّن خاصة بل يكفي فيه البعد عن الخطإ متى دار الأمر بين تخطئة أحدهما (قلت) و يشكل ذلك بعدم الدليل على الخروج عن أصالة التخيير أو أصالة التساقط بمجرد وصف تعبّدا من دون إفادته الظنّ لقصور الإجماعات و الأخبار عن ذلك أمّا الإجماع فواضح لتصريح الكل بأن الاعتماد على وجوه التراجيح إنّما هو لأجل إفادتها الظن فراجع كلماتهم و لاحظ و قد عرفت كلام العميدي (قدّس سرّه) في المنية و عرفت تصريحه بذلك و غيره أيضا مثل المحقق القمّي (رحمه الله) مصرّح بذلك فكيف يدعى شمول كلامهم لما لا يفيد الظنّ رأسا و أمّا الأخبار فلما عرفت من [المباحث‏] المنافاة الواردة

439

عليها لو نزلت على صرف التعبّد و لم ينزّل على ما يقتضيه قاعدة الترجيح و العمل بأقوى الدّليلين و هي أيضا لا تفيد سوى العمل بالظن في الترجيح كما سيجي‏ء ذلك في المقام الثالث إن شاء الله حيث نبيّن أنّ المستفاد منهما قاعدة كلّية و أنّ المرجّحات المنصوصة لا خصوصية لها و لا ريب في ظهورها في المعنى الأوّل القاضي باعتبار الظنّ ففي صورة عدم الظّن لا ترجيح و لو كان الراجح أقرب بالواقع و أبعد من الخطإ عند الدّوران بين كذب أحدهما عملا بالأصل القاضي بالاقتصار على القدر المتيقن بعد نهوض الأدلّة بالعموم إذ من الواضح أنّ الغرض من إعمال المرجّحات هنا هو استكشاف الواقع دون التعبّد الصّرف المبني على الموضوعية كالمرجحات المرغّبة في أئمة الجماعة أو القاضي أو الشاهد مثل الحرّية أو الهاشميّة و أمثالهما مما اعتبرت للمصالح القائمة بعينها و بعد عدم إفادة المرجح الظن بالصدور المستلزم لموهوميّة الطّرف الآخر كما هو المفروض فأيّ قاعدة لمراعاته و سيأتي في بعض المرجحات الخارجيّة كمخالفة العامة التصريح بعدم ابتنائه على صرف التعبّد و هل هذا إلاّ بناء للمرجحات على التعبد إذ مجرّد كونه أقرب إلى الصّدق من الآخر تقدير غير موجود مع عدم تأثيره في الظن لموافقته للواقع و مخالفة الأخرى له فعلا لا يجدي في دخوله تحت كلّي أقوى الدليلين لأنّ قوة الدليل من حيث كونه دليلا ما يؤثر في كشفه و دليليته على الواقع و ما ليس كذلك نمنع كونه سببا لقوّة الدّليل مثلا حرّية المخبر إذا لم يكن أقوى كشفا عن الواقع لم يكن خبر الحر أقوى من خبر العدل و كذا خبر الأعدل إذا لم يحصل منه ظن أقوى من خبر العدل لم يكن من أقوى الدّليلين (فإن قلت) مقتضى الجمود على عموم قوله (عليه السلام) خذ بأوثقهما مثلا أو أشهرهما عدم إناطة الترجيح بالظّن و إلاّ لزم تخصيص مقتضى أصالة العموم ثبت اعتبار المرجحات و لو لم يفد الظّن (قلت أوّلا) قد عرفت و ستعرف إن شاء الله أنّ الأعدلية و الأوثقية إلى آخر المرجحات المتقدّمة المنصوصة لا خصوصية لها و أنّ دائرة الترجيح أوسع من ذلك فلا بدّ من النظر في المناط المستنبط من تلك الأخبار و تطبيق المرجحات المنصوصة عليه و هو دائر بين أمرين إمّا مراعاة الظن أو مراعاة الأبعديّة عن الخطإ عند الدّوران و الثاني ليس بأولى من الأوّل بل يمكن العكس و لو بملاحظة أفهام العلماء المصرّحين ببناء المرجّحات على الظن حسبما أشرنا إليه (فإن قلت) البناء على الثاني أوفق بالعموم لأنّ الترجيح بالأقربية يطّرد إلى جميع الموارد بخلاف الأوّل فإنّه مستلزم للتخصيص و حمل العمومات على صورة الظن خاصّة (قلت) الاطّراد ممنوع أيضا لأنّ خبر الأعدل قد يكون أبعد عن الخطإ و قد لا يكون فلو دار الأمر بين تعمد الكذب من الأعدل أو العادل بأن علمنا بكذب أحدهما عن عمد لأنّ العدالة قد تصير مقهورة ما لم تبلغ درجة العصمة و دار الأمر بين نسبته الكذب إلى الأعدل أو العادل كان قول الأعدل أقرب إلى الواقع و أبعد عن الخطإ لكن لا يخفى حصول الظّن في هذا الفرض فتنعدم قاعدة الفرق بين معنى المرجح حينئذ و أمّا لو علمنا بعدم تعمّد الكذب و دار الأمر بين خطئهما لا عن عمد فليس قول الأعدل أقرب بالواقع و أبعد عن الخطإ حينئذ و هكذا الأورعيّة و الزّهد و سائر المرجّحات فإن الاطّراد ممنوع في جميع ذلك حتى في الشهرة إذ قد لا يكون المشهور أقرب إلى الواقع من غير المشهور كما لو فرض تعمّد كذب أحد المخبرين فإن دعوى كون المشهور أقرب من غيره في الصدق المخبري واضحة المنع و هكذا مخالفة العامة و غيرهما فإنّ جهات التعارض لا بدّ من ملاحظتها و ملاحظة مناسبتها للمرجح الشخصي الموجود في أحد المتعارضين فقد يكون جهة التعارض المفروضة غير مناسبة لذلك المرجّح و حينئذ لا بدّ من رفع اليد عن ذلك المرجح بناء على المعنى الثاني أيضا (و ثانيا) أنّ هذه المرجّحات خارجة عن النصّ و الدّليل على اعتبارها بالمعنى المذكور غير موجود و دعوى الإجماع المركب بينها و بين المرجحات المنصوصة في المقام كما ترى (فإن قلت) إذا كان بناء الترجيح على الظن لزم سدّ باب الترجيح ضرورة عدم حصول الظنّ من المرجّحات الّتي ذكرها القوم فما هذه التطويلات الصّادرة منهم في بيانها (قلت) الأمر كما ذكرت من عدم الاعتبار بالمرجحات المذكورة و لهذا لا نجد في الفقه منها عينا و لا أثرا كما اعترف به بعض الأكابر و إنّما ذكروها في الأصول لأن بناءهم على بيان أسباب الظنّ و لو أحيانا و دعوى عدم حصول الظّن منها رأسا مجازفة

خصوصا في المرجحات الخارجية كالشهرة و ما في الرّسالة من أنّ الظنّ بصدور أحدهما يخرج الآخر عن الاعتبار و الحجيّة فيخرج عن باب الترجيح لأنّ موهوم الصّدور ليس حجة في مقابل مظنون الصّدور فيكون العمل به في الحقيقة لعدم المعارض لا للترجيح ففيه أنّ اعتبار الخبر عند القوم ليس مبنيا على الظّن الشخصي بالصّدور فكيف يخرج عن المقام نعم بناء على مذهبه الأمر كذلك لكن يثمر في حصول الظن و زوال الظنّ من غير جهة التعارض فلو كان الخبر السّليم من المعارض موهوم الصّدور ببعض الموهنات مع قطع النظر عن التعارض فهو ليس بمعتبر على هذا المبنى أمّا لو زال الظن و صار موهوما للتعارض لم يخرج بذلك عن الحجّية لأنّ حجّيّته على وجه التخيير إنّما جاء من أدلّة التخيير لا من أدلّة حجية الخبر لأن التعارض سبب للتساقط و الخروج عن تحت تلك الأدلّة حسبما سبق في تأسيس الأصل و إنّما ثبت حجية أحدهما مخبرا بأدلّة ثانوية أخرى و مقتضى إطلاقها

440

عدم الفرق بين مظنون الصّدور و موهوم الصّدور إلاّ مع القطع بعدم الصدور فالقول بأن الظن بصدور أحدهما المستلزم لموهومية الآخر يسقط عن الحجيّة فيدرج في باب تعارض الحجّة مع اللاّحجة غير مستقيم لا على مذاقه في باب أخبار الآحاد و لا على مذاق غيره ثم إنّ المرجح المحتمل و المظنون لا بدّ من ابتنائهما على الظن أو التعبد المحض و بناؤهما على الأقربيّة بالصّدور و الأبعدية عن الخطإ حسبما سمعت في مرجحات السّند لا معنى محصّل له كما لا يخفى على من تأمّل و هذا ممّا يدلّ على كون بناء المرجحات السّندية أيضا على الظنّ لأنّ أقسام المرجحات عند القوم على نسق واحد و مبنى واحد و لا يقبل التفكيك و قد يتعلّق في باب بناء الترجيح على المعنى الثاني بقوله (عليه السلام) إنّ المجمع عليه لا ريب فيه إذ بعد صرفه عن ظاهره من عدم الرّيب حقيقة لا معنى له سوى كون المشهور أقرب إلى الواقع و أنّ في الشاذ استعمالات لا يوجد في المشهور و قد يستدلّ أيضا بأن راوي المقبولة بعد سماع مرجحات الصّفات لم يسأل عن صورة افتراقهما و إنّما سأل عن صورة تساوي الرّوايتين في الصّفات المذكورة فلو لا فهمه أن كلّ واحد من هذه الصّفات و ما يشبهها مزيّة مستقلّة لم يكن وقع في السّؤال عن عدم المزيّة رأسا بل المناسب أن يسأل عن حكم عدم اجتماع الظن و هذا إنما يتم على المعنى الثاني دون الأوّل كما لا يخفى (قلت) أمّا الأول فهو على خلاف المدّعى أدل لأنّ نفي الريب كلفظ العلم بعد صرفه من حقيقته فأقرب مجازاته الظّن بل ليس مجاز سواه فقوله (صلى اللَّه عليه و آله) يدلّ بعد كون المراد به أن المجمع عليه مظنون على إناطة الترجيح بالظنّ لا بغلبة الاحتمال أو الأبعدية عن الخطإ (و أمّا الثاني) فلا يستفاد منه سوى التعدّي عن الصّفات المذكورة إلى كلّ مزيّة و أمّا كون المناط هو الظنّ أو قلّة الاحتمال فلا فهو ساكت عن ذلك هذا مع أنّه يمكن استظهار بناء الترجيح على الظّن من اعتبار اجتماع الصّفات المذكورة لأنّها لا ينفكّ عن الظن كما لا يخفى فلو كان المدار على وجود أحدها من غير إفادته الظنّ كان اللاّزم الاقتصار على أحدها و بهذا يندفع أيضا بعض الإشكالات الّتي أوردها في القوانين على المقبولة من مخالفة ظاهرها الإجماع إذ لا يقول أحد باعتبار اجتماع المرجحات في الترجيح بل يكفي واحدها عند القوم بلا إشكال و وجه الاندفاع أن بناء الترجيح على الظن فلهذا اعتبر اجتماعها إذ الظن لا يحصل من الأعدلية وحدها غالبا كما لا يخفى و يمكن استظهاره أيضا من تطابق كلماتهم على التعليل بالظّن فإنه يدلّ على أنّه المناط لا شي‏ء آخر فظهر ممّا ذكرنا أنّ المرجحات المذكورة لا يلتفت إليها إذا لم يحصل بها الظن ثمّ لا يذهب عليك أنّ في المقام بحثا آخر غير البحث المذكور و أنّهما متغايران و هو أنّه على المعنى الأوّل أعني مراعاة الظنّ هل يراعى الظن النوعي الكبير أو الصغير أو الظنّ الشخصي إذ البحث المذكور في معنى المرجح الشرعي في المقام و أنّه هل هو ما يفيد الظن أو ما يكون معه أحد المتعارضين أبعد عن الخطإ و بعد البناء على الأوّل يجي‏ء المبحث في كونه من الظن النوعي الكبير أو الصّغير أو الشخصي فإن بني على الظن الشخصي تعين المعنى الأوّل في البحث الأوّل و إن بني على غيره فإن بني على الكبير المعتبر مطلقا حتى في صورة الظن بعدمه تعين المصير إلى الثّاني لاتحادهما موردا في المثال ضرورة لزوم متابعة المرجح في الصّور الثالث أعني صورة حصول الظن و صورة الظن بالخلاف و صورة عدم الظن بصدق الترجيح بالمعنى الثاني أي كونه أقرب إلى الواقع و أبعد عن الخطإ فيهما جميعا و إن بني على الصّغرى المشروط بعدم الظّن بالخلاف فارق الوجهين في البحث المذكور فلا يوافق الوجه الأوّل المبني على اعتبار الظن كما هو واضح و لا الوجه الثاني لأنّ مقتضاه الاعتماد على المرجح مطلقا و لو مع الظنّ بالخلاف حسبما ذكرناه و مقتضى كونه من النوعي الصغير عدم الاعتماد عليه فظهر ممّا ذكرنا وجه ما قلنا من مغايرة الجهتين و أمّا البحث الثاني فقد أشار إليه بعض الأجلّة ممّن عاصرناه فقال بعد نقل أخبار التراجيح و إن اختلافها في الترتيب يدلّ على عدم ترتبها حكما و إن خلو بعضها عن بعض الوجوه غير قادح في اعتبارها لأنّ المثبت مقدّم على غيره ما لفظه و هل التعويل على هذه الوجوه تعبدي و لو لإفادتها ظنّا مخصوصا أو دائر مدار حصول الظّن المطلق بها حتّى إنّه لو تجردت‏

عن إفادته لم يعول عليها و لو وجد هناك مرجح أقوى عوّل عليه دونها وجهان من الاقتصار على ظاهر الأخبار و من دلالتها بالفحوى على إناطة الترجيح بالظّن انتهى (قلت) الترديد بين التعبّد و الظنّ إنّما يستقيم على مقالة من يقتصر على المرجحات المنصوصة إذ بعد البناء عليه يكون الأمر كما ذكره من الوجهين و أمّا على مقالة الأكثر الّذين منهم هذا الفاضل من التعدي إلى جميع ما ذكره الأصحاب من المرجحات بل و غيرها لا معنى لوجه التعبّد و لا محصّل له لأنّ التعبّد به لا بدّ أن يكون له عنوان معيّن و بعد البناء على التعبدي يكون المناط هو صفة الظنّ ليس إلاّ كما هو غير خفيّ لمن تأمّل و نحن إنما حرّرنا البحث الثاني مماشاة له و لمن تكلّم بمثله و إلاّ فاحتمال التعبد الراجع إلى النوعي الكبير أو الصغير غلط صرف لا يصدر ممّن له حظّ في العلم فتعيّن إناطة الترجيح بصفة الظن أو بالأقربيّة إلى الواقع حسبما شرحناه مفصّلا و اللّه الهادي‏

و أمّا المرجّحات المتنيّة

فقد عدوّا منها أشياء كثيرة لا تخلو جملة منها عن المنع و هي ما يوجب قوّة الصّدور أو قوة الدلالة و أمّا قوة الجهة فلا مساس لها بها و المراد بها ما يكون في الخبر مع قطع النّظر من‏

441

أمر خارجي فمثل المخالفة العامة ليست منها و لذا أعدّها الكلّ أو الجلّ من المرجحات الخارجية و نظر من أدرجها في المرجحات المتنية كبعض الأجلّة بل ذكرها قبل الجميع إلى كون المخالفة و الموافقة من صفات متن الموافق أو المخالف و فيه أنّ العبرة في التقسيم ما أشرنا إليه حيث قلنا إنّ تعقل المرجّح إن لم يتوقف على تعقّل أمر خارجي فهو داخلي ينقسم إلى سنديّ و متنيّ و إن توقف فهو مرجح خارجي و مخالفة العامّة لا يتعقل إلاّ بعد تعقل قولهم فكيف يكون من المرجحات الخارجية و إن فرق بينها و بين الموافقة بدليل آخر من كتاب أو سنة أو عقل الّتي عدّها من المرجحات الخارجية و كيف كان فلنذكر نبذا منها و نحيل عليها حال الباقي (منها) أن يكون أحد الخبرين فصيحا و الآخر غير فصيح أو ركيكا فيقدّم الفصيح على غيره على المشهور بينهم بل عن النهاية و المنية الإجماع عليه و به استدلّ بعض على الترجيح بها معتضدا بعدم ظهور الخلاف في المقام و وجه التقديم ظاهر و لعلّه أشار إلى ما علله به غير واحد من أنّ الفصيح أشبه لكلام الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) لأنّه أفصح العرب و قال أنا أفصح من نطق بالصّاد و نقل عن بعض أنّه كان لا يقبل الركيك رأسا نظرا إلى بعد صدوره عنه (صلى اللَّه عليه و آله) فكيف إذا كان معارضا بالفصيح و ناقش بعض السّادة بأنّ ما ذكروه إنّما يتم لو كان اللاّزم النقل باللّفظ و هو ممنوع و إن ذهب إليه شاذّ في قبال المعظم بل الغالب هو النقل بالمعنى حتى كاد أن يكون النّقل باللّفظ لندرته و بعده عن مجاري العادات ملحقا بالمعدوم فلا يرجح بالفصاحة لإفادتها الظّن اللّهم إلاّ أن يحكم بترجيحه باعتبار الإجماع المنقول في النهاية و المنية المعتضد بعدم الخلاف و فيه تأمّل (قلت) إن كان بناء الترجيح على الظنّ الشخصي فالحوالة عليه و هو غير مطّرد نعم لا يبعد إفادتها الظن في خصوص الأخبار النبوية لأنّه (عليه السلام) كان يراعي الفصاحة في مكالماته العادية في غير الخطبة و الوعظ أيضا على ما استقصي من جوامع المحكية عنه (عليه السلام) و قال أوتيت جوامع الكلم و أمّا سائر الأئمة (عليهم السلام) فلم يعهد منهم مراعاتها في غير الأدعية و الخطب و المواعظ بل قد يقتضي مقام بيان الأحكام ترك الفصاحة مراعاة لفهم السّامع فكيف يحصل منها الظن ثمّ لو سلّم حصول الظنّ منها على تقدير النقل باللّفظ فاحتمال النقل بالمعنى غلبته غير ضائر لأنّها أمارة على خلاف الغالب و مقدمة عليه إذ الظّن الحاصل من الغلبة لا يعارض أمارة خلافها كما لا يخفى فالمناقشة المذكورة في غير محلّها و إن كان بناؤه على الأبعدية من الكذب و الخلاف كما هو مختار شيخنا (قدّس سرّه) كان للترجيح وجه لكون الفصيح أبعد عن الكذب و إن كان فيه أيضا تأمّل في أخبار الإماميّة (و منها) الأفصحيّة و في الرّسالة وفاقا للمعالم عدم الترجيح بها بل الظاهر أنّ عليه الأكثر و علّله في المعالم بأنّ المتكلّم الفصيح لا يجب أن يكون كلّ كلامه أفصح و فيه أنّه كما لا يجب أن يكون كذلك لا يجب أن يكون فصيحا فلا تكون الفصاحة أيضا مرجحة و علّله في الرسالة بعدم كون الفصيح بعيدا عن كلام المعصوم (عليه السلام) و لا الأفصح أقرب إليه في مقام بيان الأحكام الشرعية و استدلّ الآخر بأنّه (عليه السلام) كان يتكلّم بالفصيح و الأفصح و كذا وجد في كتاب اللّه العزيز و في المنية هذا ضعيف لأنّ ذلك لا يمنع من رجحان الأفصح على الفصيح لما قلنا من مشاركة غيره له (صلى اللَّه عليه و آله) في الفصيح و اختصاصه بالأفصح البالغ إلى الغاية القصوى (قلت) لا يخفى أنّ الأفصح البالغ إلى الغاية القصوى هو حدّ الإعجاز و مثله من قرائن القطع بالصّدور و لا ينبغي ذكره في عداد المرجحات و مرجع هذا الكلام ما اختاره بعض الأعلام في المقام من التفصيل بين الأفصح البالغ حدّ الإعجاز فيعتبر و غيره كما عن الوحيد البهبهاني في الفوائد الحائرية و هو ليس بتفصيل في الحقيقة بل إنكار محض إذ الفصاحة البالغة حدّ الإعجاز خارجة عن محلّ الكلام و التحقيق أنّه لا نجد فرقا بين الفصاحة و الأفصحيّة في شي‏ء لا في إفادته الظّن و لا في القرب و البعد فما في التهذيب و المنية من الترجيح هو الأرجح على تقدير بناء المرجحات على الأقربية دون الظن كما سبق و لو بني على الظّن فالفرق بينهما أيضا غير وجيه بل يدور مداره (و منها) الحقيقة و المجاز فالدال بالحقيقة أولى من الدال‏

بالقرينة و مثل له في شرح الزبدة بما لو ورد أن من وطئ أمة أبيه فليس بزان و تعارض بقوله من دخل ذكره في أمة أبيه فهو زان فإن الوطء مجاز في الإيلاج و الثاني حقيقة فيه و استدلّوا عليه بأن الحقيقة أظهر دلالة من المجاز و بأنّ المجاز محتاج إلى القرينة و الحقيقة مستغنية عنها و أنت خبير بما في الوجه الثاني لأن الاحتياج إلى القرينة لا يورث وهنا في الصدور و لا يبعده عن الواقع فلا مساس له بالترجيح المبحوث عنه على التحقيق و أمّا الوجه الثاني ففيه منع واضح لأنّ قوة الدلالة و ضعفها لا تدور مدار الحقيقة و المجاز فربّ مجاز أقوى دلالة من الحقيقة فإنّ قوله فلان ينحر أقوى دلالة على الجواد من قوله هو سخي أو جواد و من هنا نقل عن قوم تقديم الاستعارة على الحقيقة فلو قال جئني بأسد ثمّ قال جئني برجل شجاع فهما متعارضان لكن الثاني أرجح لكونه أقوى دلالة من الأوّل فكيف تقدم الحقيقة على المجاز (فإن قلت) بناء ذكر المرجحات على مراعاة الغالب كما ذكروا في تعارض الأحوال و إلاّ فقد يقدّم المرجوح على الرّاجح لخصوصيّة المقام (قلنا) الغلبة في أظهرية دلالة الحقيقة أيضا ممنوعة بل الظاهر الأمر بالعكس لأنّ المجاز لا يصحّ‏

442

إلا بقرينة صارفة و من المعلوم أنّ الصّارف يبالغ فيه حتى لا يلتبس الأمر بخلاف الحقائق فإن بناءها على الوضع و التجريد عن القرينة فربما تكون القرينة مذكورة في الخطاب و لم يصل إلينا غاية الأمر الاعتماد على الأصل في نفيها فيكون ظهور الحقيقة مستندا إلى أصالة العدم و مثل هذا الظّهور موجود في القرائن الصّارفة أيضا مع شي‏ء زائد و هو اهتمام المتكلّم في تفهيم المعنى المجازي (و الحاصل) أنّ قوة الدلالة تدور مدار المقامات و ليست في جانب الحقيقة نوعا لو لم يكن الأمر بالعكس نعم المثال المذكور صحيح لأنّ الوطء و إن كان ظاهرا في الإيلاج لكن لا يبلغ ظهوره فيه مبلغ ظهوره فيحمل على ما يقرب منه أو يشابهه جمعا بين الدليلين و هو في الحقيقة ترجيح و ممّا ذكرنا يظهر سقوط جلّ ما ذكروه في الباب من المرجحات المتنية فقد ذكر في المعالم أمورا أربعة و في المنية ستّة و بعضهم استقصى أنهاها إلى ثمانية عشر و ربّما تزيد عليها و جلّها ممّا لا يفيد ظنا و لا قربا إلى الواقع و لا قوة في الدلالة مثل المطابقة على الالتزام و متحد المعنى على المشترك و المشهور على غيره و المعلّل على غيره و المؤكّد على غيره و المجاز على المشترك إلى آخر ما ذكروه فإنّ شيئا ممّا ذكروه ليس بمرجّح إلاّ أقل قليل مثل العام و الخاص و المطلق و المقيد و المنطوق و المفهوم و أمّا اضطراب المتن فهو على أقسام فإن كان أحد أطراف الحقيقة المضطرب غير دالّ على المعنى المعارض فترجيح غير المضطرب عليه واضح لكنه ليس بترجيح لأنّ غير المضطرب سليم عن المعارض حينئذ و إلاّ فلا وجه للترجيح‏

و أمّا المرجّحات الخارجيّة

فهي أيضا أمور

منها مخالفة العامة

و عدّ بعضهم إيّاها من المرجحات المتنية ليس في محلّه و إن أمكن بتكلّف أبطلناه سابقا و في الترجيح بها خلاف و ظاهر المحقق (قدّس سرّه) في محكي أصوله عدمه و عن المفيد أيضا إنكار ذلك على أصحاب القدر حيث تعلّقوا في ترجيح ما جاء في ذلك من الأخبار على معارضها بأن المعارض جاء على مذهب العامة و قد قال أيضا (عليه السلام) إذا أتاكم عنّا حديثان مختلفان فخذوا ما وافق منهما القرآن فإن لم تجدوا لهما شاهدا من القرآن فخذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه فإن كان فيه اختلاف و تساوى الأحاديث فيه فخذوا بأبعدهما عن قول العامة قال ما لفظه المحكي في شرح الوافية للسّيد الكاظمي (رحمه الله) و إنّما المعنى في قولهم خذوا بأبعدهما من قول العامة ما روي منهم في مدائح أعداء اللّه و الترحّم على خصماء الدّين و مخالفي الإيمان فقالوا إذا أتاكم حديثان مختلفان أحدهما في تولي المتقدّمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) و الآخر في التبرّي منهم فخذوا بأبعدهما عن قول العامة لأن التقية تدعوهم بالضّرورة إلى مطابقة [مظاهرة] العامة بما يذهبون إليه في عملهم و ولاة أمرهم حقنا لدمائهم و سترا لشيعتهم (قلت) الكلام فيها تارة من حيث القاعدة و أخرى من حيث الأخبار فنقول إنّها على أقسام أحدها أن يكون أحدهما مخالفا لجميع العامّة و الآخر موافقا لهم و ثانيها أن تكون الموافقة و المخالفة ملحوظتين بالقياس إلى الأكثر و الأشهر بأن يكون أحدهما موافقا لأكثرهم و الآخر لأقلّهم و ثالثها أن يكون كلّ منهما موافقا لبعض و مخالفا لآخر و هذه الأقسام الثلاثة قد تكون معلومة و قد تكون مظنونة و قد تكون مشكوكة و مشكوك كلّ قسم ملحق بمعلومه فكيف مظنونه و المراد بالمشكوك احتمال المخالفة بأحد الوجوه في أحد الخبرين دون الآخر هذا إذا قلنا أن مقتضى القاعدة الترجيح بها و إن استندنا في ذلك إلى الأخبار فحكم المشكوك غير حكم المعلوم لأنّ الشك في السّبب و الموضوع شكّ في المسبّب و الحكم و أكثر العلماء لم يذكروا هذه في عداد المرجحات غير أنّ المحقق في محكي أصوله نقل الترجيح بها عن الشيخ (قدّس سرّه) و ردّه بأن المستند فيه إن كان رواية رويت عن الصّادق (عليه السلام) فهو إثبات لمسألة علميّة بخبر الواحد و لا يخفى عليك ما فيه و إن كان هو أنّ الأبعد لا يحتمل إلاّ الفتوى و الموافق يحتمل التقية فوجب الرّجوع إلى ما لا يحتمل قلنا لا نمنع أنّه لا يحتمل إلاّ الفتوى لأنّه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام (عليه السلام) كذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل مراعاة لمصلحة يعلمها الإمام (عليه السلام) و إن كنا لا نعلمها فإن قال ذلك سدّا لباب العمل بالحديث قلنا إنّما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض و حصول ما يمنع من العمل لا مطلقا فلم نلزم سدّ باب العلم و قال صاحب المعالم بعد نقل هذا الكلام و هو ضعيف أمّا أوّلا فلأنّ ردّ الاستدلال بأنه إثبات مسألة علمية بخبر الواحد ليس بجيّد إذ لا مانع من إثبات مسألة بالخبر المعتبر من الآحاد و نحن نطلبه بدليل المنع نعم هذا الخبر الّذي أشار إليه لم يثبت حجيّته و لا ينهض حجّة و أمّا ثانيا فلأن الإفتاء بما يحتمل التأويل و إن كان محتملا إلاّ أن احتمال التقية على ما هو المعلوم من أحوال الأئمة أقرب و أظهر و ذلك كاف في الترجيح فكلام الشيخ (قدّس سرّه) عندي هو الحقّ و أورد على المحقق في الرّسالة وفاقا للسّلطان (قدّس سرّه) بأنّ الكلام فيما لو تساويا في جميع الجهات الّتي منها احتمال التأويل عدا احتمال الصّدور عن تقية فاحتمال التقية في أحدهما دون الآخر يقتضي الترجيح و على صاحب المعالم بأنّ دعوى غلبة التقية في الأخبار ممنوعة فلا وجه للاستناد إليها في الترجيح بموافقة العامة بل التوجيه في الترجيح بها ما أشرنا إليه من القاعدة و محصّلها أنّ احتمال مخالفة الواقع إذا كان في أحد الخبرين أقلّ كان بالترجيح أولى لكونه أقرب بالواقع من الآخر (قلت) قد عرفت أن بناء الترجيح عند الأصحاب على الظّن بالحكم لا على قلّة الاحتمال و كثرته و لا على الظنّ بالصدور إذ لا فائدة فيه بعد عدم حصول الظنّ بالحكم من جهة أخرى و كلام المحقق (قدّس سرّه) مبني على مراعاة الظنّ بالحكم و غير خفي أن تطرق احتمال الإفتاء.

443

بما يحتمل التأويل كاف في منع حصول الظن من الخبر الموافق كما لا يخفى ضرورة تبعيّة النتيجة لأخسّ المقدّمات و الظن بالحكم إنّما يحصل مع ظنية جميع المقدّمات الّتي لها دخل في معرفة الحكم الشرعي و منها الدلالة فإذا زال الظنّ من ظاهر الخبرين بالمعارضة فأيّ فائدة لتطرّق احتمال التقية في أحدهما (و توضيحه) أنا نفرض الخبرين مقطوعيّ الصّدور و ظنيي الدلالة متساويين في جميع جهات التأويل و نقول إنّ الظنّ بالحكم لا يعقل أن يكون حينئذ في أحدهما لأن معرفة الحكم يتوقف على مقدّمتين إحراز الصّدور و إحراز الدلالة و متى اختلّ أحدهما لم يحصل الظنّ سواء زاد على هذا الاختلال في الطرف الآخر اختلال أم لا و غاية ما يتولّد من اختصاص احتمال التقية بأحدهما زيادة الاختلاف فيه و هي لا تورث الظنّ في الطّرف الآخر المفروض زوال الظّن عنه بسبب المعارضة لأنّ قلّة احتمالات عدم علّة أحد الضدّين ليست أمارة لوجود علّة الآخر نعم لو كان على التقية أمارة ظنية كالغلبة و نحوها و حصل بسببها الظن بالتقية أمكن الترجيح بها لحصول الظنّ بالحكم حينئذ و من هنا يظهر أنّه لا جواب لكلام المحقق إلاّ ما أفاده صاحب المعالم (قدّس سرّه) و أمّا ما أفاده الأستاذ على ما عرفت و هو إشكال أيضا لأنّ الظنّ بالتقية لا يقتضي الظن بالتأويل فيه بل يتقوى أصل الحقيقة في الموافق لهذا الظن فيفيد الظنّ بالمراد فيكون احتمال التأويل في الموافق باقيا على حاله مانعا عن حصول الظن اللّهمّ إلاّ أن يكون ظن التقية في اللّفظ لا في العمل فإنّ الظنّ بالتقية حينئذ يقتضي الظنّ بالتأويل و يترتب عليه ظنّ السّلامة في ظاهر الموافق و فيه أنّ احتمال الخطإ و الكذب في السّند كاف في عدم حصول الظن بالحكم سواء كان الدّلالة و الجهة مظنونتين أو لا بل القطع بالدلالة و الجهة في أحد المتعارضين لا يجدي أيضا في الظنّ بالحكم أو العلم به فكيف عن الظن (و توضيحه) أنا نفرض المتعارضين تارة قطعيي الصّدور و أخرى ظنّيي الصّدور فإنّ كانا قطعيي الصّدور و ظنيي الدّلالة لم يحصل عن أحدهما الظن بالحكم مع تساويهما في احتمال التقية و عدمه و هو واضح و لو اختصّ أحدهما باحتمالها و من هنا يظهر أنّه لا جواب لكلام المحقق إلاّ ما أفاده صاحب المعالم و أمّا ما أفاده الأستاذ وفاقا للسّلطان (قدّس سرّه) فغير موجّه عليه لأنّ بناء الترجيح إذا كان على الظن و زوال الظنّ بأحدهما بسبب المعارضة فأيّ فائدة لقلّة الاحتمال و كثرته نعم لو بني الترجيح على قلّة الاحتمال كان الأمر كما ذكراه فالنزاع بينهم يرجع إلى المبنى فالمحقق و صاحب المعالم (قدّس سرّهما) يتكلّمان بناء على الترجيح بالظن و السّلطان و الأستاذ (قدّس سرّهما) كلامهما مبني على الترجيح بقلة الاحتمال ثم إنّ دعوى غلبة التقية في الأخبار مجازفة واضحة و مجرّد الموافقة لمذهب العامّة لا يفيد الظنّ بالتقية كما هو واضح فالحقّ ما أفاده المحقق (قدّس سرّه) من عدم الترجيح بها اللّهمّ إلاّ أن ينضمّ إليها بعض علائم التقية فالترجيح بها حينئذ موافق للقاعدة لحصول الظنّ و هو في الأخبار المتعارضة أكثر كثير أو يدعى الغلبة في خصوص الأخبار المتعارضة الّتي كان أحد المتعارضين موافقا لمذهبهم أو يقال إن الترجيح يدور مدار الظن و غرض الشيخ (قدّس سرّه) و سائر الأصحاب المصرحين بالترجيح بها التنبيه على أنّ موافقة العامّة قد تكون مرجحة لا أنه يجب الترجيح بها مطّردا و هذا هو الأمتن و إن كانت دعوى الغلبة في خصوص المتعارضين كما هو مبنى كلام صاحب المعالم غير بعيدة هذا كله بناء على القاعدة و لو استندنا في الترجيح بها إلى الأخبار فمقتضى إطلاقها عدم مراعاة الظنّ فلا بدّ أوّلا من إتقان أساتيذها ثم تنقيح مداليلها و قد عرفت كلام المحقق و تضعيف صاحب المعالم (قدّس سرّهما) لسند الرّواية و هو ظاهر غاية المأمول أيضا لكنّه ليس في محلّه أمّا أوّلا فلأنّها بالغة حدّ الاستفاضة بل حدّ التواتر موضوعا أو حكما و أمّا ثانيا فلانجبارها بعمل الأصحاب و مخالفة من عرفت غير قادح كما هو واضح إنّما الكلام في تنقيح مداليلها فنقول إنّ مداليلها ليست واحدة (فمنها) ما يدلّ على كون الترجيح بها تعبّدا محضا لا لكونها طريقا أو كاشفا عن شي‏ء كبعض صفات القاضي كما يقتضيه الجمود على ظاهر كثير منها كقول الصّادق (عليه السلام) إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما وافق القوم و قول الرّضا (عليه السلام) إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فانظروا ما خالف منهما العامة فخذوه و انظروا ما يوافق أخبارهم فذروه و قول الكاظم (عليه السلام) في الرّوايتين المختلفتين خذ بما خالف القوم و ما

وافق القوم فاجتنبه (و منها) ما يدلّ على أنّ مخالفتهم في حدّ ذاتها مع قطع النظر عن كون قولهم مطابقا للواقع أو مخالفا له أمر محبوب عند المشهور لما فيه من إرغام أنفهم و تكسير شوكتهم و إدخال السّرور في قلوب أولياء اللّه و غير ذلك من الفوائد المترتبة عليها كما يشهد له مرسلة داود بن حصين من وافقنا خالف عدوّنا و من وافق عدوّنا في قول أو عمل فليس منّا و لا نحن منه و رواية حسين بن خالد شيعتنا المسلمون لأمرنا الآخذون بقولنا المخالفون لأعدائنا فمن لم يكن كذلك فليس منّا فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله (صلى اللَّه عليه و آله) خالفوهم ما استطعتم فيه فتأمل وجه التأمّل واضح لأنّ هذه الأخبار لا مساس لها بالأخبار المتعارضة و لا بالأخبار مطلقا بل الظّاهر أنّها وردت في حق طائفة من ضعفاء الشيعة كانوا يخالطون و يراودون أعداء الدّين بغير إذنهم (عليهم السلام) و يستمعون و ينقادون لهم فيما يأمرون من غير إذنهم فوردت هذه الأخبار تنبيها على غفلاتهم و ردعا لهم عن الباطل (و منها) ما يدلّ على كون مخالفة الرّواية لهم أو لأخبارهم أمارة ظنية على الحقّ و الصّواب و موافقتهم أمارة

444

على الباطل كما يدل عليه تعليل هذا المرجح في المقبولة بأن الرّشد في خلافهم و في المشهورة بأنّ الحق في خلافهم بناء على كون المراد بالخلاف هو معناه الاسمي لا معناه المصدري و إلاّ كان من الثاني و أدلّ منه عليه قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في رواية علي بن أسباط ائت فقيه البلد و استفته في أمرك فإذا أفتاك فخذ بخلافه فإن الحق فيه و قوله (عليه السلام) في خبر الأرجائي أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامة فقلت لا أدري فقال (عليه السلام) إنّ عليا (عليه السلام) لم يكن يدين اللّه بشي‏ء إلاّ خالف عليه العامة إرادة لإبطال أمره و كانوا يسألونه الشي‏ء الّذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم بشي‏ء جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا على الناس و يدلّ عليه ما عن أبي حنيفة خالفت جعفرا (عليه السلام) في كلّ ما يقول إلاّ أنّي لم أدر أنّه يغمض عينيه في الركوع و السّجود أو يفتحهما و رواية أبي بصير عن الصّادق (عليه السلام) قال ما أنتم و اللّه على شي‏ء ممّا هم فيه و لا هم في شي‏ء ممّا أنتم فيه فخالفوهم فإنّهم ليسوا على الحقيقة على شي‏ء و مبنى هذا الوجه إمّا غلبة الباطل على أفعالهم و أقوالهم كما يدلّ عليه الرّوايات الثلاثة الأخيرة و إمّا أنهم بعقولهم المعكوسة و آرائهم المنكوسة لا يرتضون غالبا إلاّ الباطل كما يدلّ عليه رواية علي بن أسباط فالرّواية الّتي تخالف قولهم أقرب إلى الصّحة و الصّواب و هذا كما ورد في النساء شاوروهن ثم خالفوهنّ (و منها) ما يدلّ على كون مخالفة الرّواية لقولهم أمارة على صدورها عن تقية مع قطع النظر عن غلبة الباطل في أقوالهم و أحكامهم كرواية عبيد بن زرارة ما سمعت مني يشبه قول الناس ففيه التقية و ما سمعته ممّا لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه و مقتضاها حمل ما يوافقهم على التقية مطلقا لكن بمعونة الإجماع يجب حملها على المتعارضين و لا يقدح اختصاصها بمعلوم الصّدور لأنّ المستفاد منها كون الموافقة أمارة تعبديّة على التقية نظير نصب القرينة العامة على خلاف أصل الحقيقة كما قيل إنّ قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم قرينة عامة على الوجوب في أوامره (صلى اللَّه عليه و آله) و لو كان الأمر لغة و عرفا للاستحباب فلا فرق بين مقطوعي الصّدور و مظنونيه و إن أبيت عن ذلك (فنقول) إنّ دليل اعتبار سنده يجعله في حكم المقطوع و من أحكامه الحمل على التقية و إن أبيت عن ذلك ألحقنا المظنون بالمقطوع بالمناط المنقح هذا ما يقتضيه بادئ الرأي في مداليل الأخبار و أمّا الرّأي الثاني الصّائب فمقتضاه انحصارها في الوجهين الأخيرين لأن النّسبة بين الطائفة الأولى و الثالثة و الرّابعة نسبة المجمل و المبيّن و المفسّر و المفسّر خصوصا خبر الأرجائي فإنّه بصراحته يبيّن سبب الأمر بمخالفة العامة فلا وجه لاحتمال التعبّد الصّرف العاري عن الطريقية رأسا كبعض أوصاف القاضي و الشاهد و أخبار الثاني لا مساس لها بالمقام الّذي نحن فيه من الأخبار المتعارضة بل وردت في مقام بيان طريق التشيّع و التسنّن سبيلا كما لا يخفى على من أجاد التأمّل و أنّه لا يحتمل الغش و الجمع بين الطريقين و أظن أنّها وردت في طعن المذبذبين الّذين أرادوا أن يتخذوا بين التشيّع و التسنّن سبيلا كما لا يخفى على من أجاد التأمل فيها فانحصر مداليلها في الوجهين الآخرين إما الطريقية إلى الواقع أو إلى الصحة و الحق أنّه لا مانع من الجمع بينهما و الحكم بأنّ موافقة العامة و مخالفتهم ذو جهتين فمن إحداهما تكون من المرجحات المظنونة الّتي توجب رجحان مدلول أحد الخبرين على الآخر كالشهرة و من الآخر تكون من المرجحات الجهتية و قد يورد على الجهة الأولى بأن كون الرشد في خلاف العامة لا يوجب رجحان مدلول المخالف الّذي هو الوجوب مثلا إذا قالوا بحرمة شي‏ء فخلافهم هو عدم الحرمة و هو أعمّ من الوجوب الّذي هو مدلول الخبر المخالف ضرورة عدم الملازمة شرعا و لا عادة بين عدم الحرمة الّذي فيه الرشاد و الصّلاح و بين الوجوب فلا معنى لكونها من المرجحات المضمونية الّتي توجب رجحان مضمون الخبر و قد يجاب بأن التعليل بكون الرشد و الحق في خلافهم غير مستقيم على عمومه و إطلاقه كيف و من جملة ما يقولون به التوحيد و النبوة و ضروريّات الفروع فكيف يكون الحقّ في خلافهم مطلقا فلا بدّ من أن تكون قضية غالبية محمولة على الغالب و هو انحصار الفتوى في المسألة المتعارض فيها الخبران في الوجهين كالوجوب و الحرمة فإذا كان الأمر كذلك‏

و كان أحد الخبرين موافقا لهم و المفروض أن الرّشد في خلافهم كان هذا سببا لرجحان الآخر إذ الغالب أنّ وجوه المسألة إذا كثرت كانت العامة مختلفين لا متفقين فمع اتفاقهم كما هو مورد هذه الأخبار و صرّح به غير واحد منهم الشهيد الثاني في محكي المسالك في بعض مسائل النكاح لا يكون في المسألة وجوه متعدّدة (قلت) و يندفع أصل الإيراد بأن الغرض من هذا المرجح توهين أحد المتعارضين و من الواضح أنّ موافقة العامة تقتضي وهنا في الموافق و يحدث فيه ضعفا نظرا إلى غلبة الباطل في أحكامهم و يكفي به ترجيحا لضدّه المخالف لأن ضعف أحد المتعارضين يوجب قوة الآخر لصيرورته بمنزلة الخبر الّذي لا معارض له و الفرق بينها و بين سائر المرجحات المضمونية كالشهرة مثلا أنّها موافقة للخبر و معاضدة له و هذه موهنة لمعارضه و مضعّفة له فيبقى الخبر حينئذ على حاله من الاعتبار السّليم عن المعارض أو المكافئ فلا حاجة إلى جعل القضية أي التعليل غالبيّة مراعاة لصيرورتها مرجحة لمضمون الخبر بل غلبة الباطل في أقوالهم و أحكامهم في الأصول و الفروع كافية في كونها مرجحة و لا حاجة إلى دعوى غلبة أخرى ثم تعليل الرشد في خلافهم عليها مع أنّ هذه الدّعوى واضحة الضعف و الفساد لأنّ الغالب تكثر وجوه المسألة لانحصارها في وجهين و لا أقلّ من التساوي ثم إنّه تظهر الثمرة بين الوجهين في أمور

445

(أحدها) أنّها على الوجه الأوّل تكون من المرجحات الخارجية المضمونية و على الثاني تكون من المرجحات الجهتية فيثمر عند تعارض المرجحات على القول بالتّرتيب و تقديم بعضها على بعض كما هو مختار شيخنا العلاّمة رفع اللّه مقامه حيث إنّ المرجحات الخارجية عنده مقدّمة على المرجحات السّندية و هي مقدّمة على المرجّحات الجهتية حسبما يأتي الكلام فيه مفصّلا إن شاء الله (و ثانيها) أنّها على الأوّل مختصّة بأخبار الآحاد الظنية فلا يأتي في المتواترات و لا في الكتاب العزيز بناء على اختصاص العمل بالمرجح بالأخبار و عدم ثبوته في جميع الأدلّة الظنية كما مر غير مرّة و لعلّنا نتكلّم فيه فيما بعد أيضا بخلافها على الثاني فإنّها تجري في الأخبار المتواترة المنقولة عن الأئمة بل هي القدر المتيقن منها (و ثالثها) أنّه على الأوّل يتعدّى منها إلى المرجحات الخارجية كالأولوية و الاستقراء و عدم ظهور الخلاف و شهرة الفتوى بلا خلاف و إشكال حسبما نتكلّم فيه في المقام الآتي بخلافها على الثاني فإنّه لا شي‏ء هنا يمكن التعدّي منها لأنّ موافقة العامّة إذا كانت أمارة على التقية فليس بعدها شي‏ء يتعدّى إليه اللّهمّ إلاّ أن يتعدّى إلى عنوان عام و هو الّذي بني الترجيح المبحوث عنه عليه في الرّسالة كما تقدّم الكلام فيه و يأتي أيضا و هو قلّة الاحتمال و كثرته أو الأبعديّة عن الباطل و الأقربيّة و أنت خبير بأنّ هذا التعدّي بمكان من الضّعف و السّقوط في الرّواية بخلاف التعدّي الأوّل كما لا يخفى نعم يمكن التعدّي عنه إلى سائر أمارات التقية الجزئية الموجودة في خصوص بعض المقامات ممّا تفيد الظّن منها مع موافقتها معا للعامة و هذا مبني على عدم اشتراط موافقة العامة في التقية كما عليه صاحب الحدائق (رحمه الله) نظرا إلى ما دلّ عليه غير واحد من الأخبار من إلقاء الخلاف بين الشيعة محافظة لدمائهم لكن نسبة التقية حينئذ إليهما على حدّ سواء فلا يتصوّر إلاّ بقيام أمارة على التقية في أحدهما المعيّن اللّهم إلاّ أنّ الفرض موافقة كلا الخبرين و قد يشكل على هذا التعدّي بأنّ مبنى التوجيه الثاني إمّا على كون موافقة العامة أمارة نوعية منصوصة على التقية أو على كونها قرينة عامة منصوبة من الإمام (عليه السلام) و على التقديرين لا وجه للتعدّي منها إلى القرائن الشخصيّة المفيدة للظنّ بالتقييد لأنّ الظنون النوعية لا تخلو عن شأنية التقييد و إلاّ لزم التعدّي من حجيّة خبر الواحد مثلا إلى مطلق الظن في الأحكام و من البيّنة إلى مطلق الظنّ بالموضوعات و لا يلتزم به أحد و إن استدلّ به بعض على حجيّة الظن الحاصل من الشارع بأنّه ليس بأقلّ من الظّن الحاصل من البيّنة إلاّ أنّه كلام صدر منه في خصوص الظنّ الشياعي توجيها لبناء المشهور على اعتباره و أمّا على الثاني فأوضح لأنّ المنصوب قرينة على التقية إنّما هو مخالفة العامة فالتعدّي منها إلى غيرها من القرائن و الأمارات الجزئية كما ترى و قد يذبّ عن الإشكال بأنّ الأمر و إن كان كما ذكر إلاّ أنّ المقام يساعد هنا على التعدّي نظرا إلى أنّ غرض الشارع من نصب مخالفة العامة طريقا إلى التقية ليس سوى ترجيح أحد الدليلين على الآخر بالقوة و لذا لا يجوز الحمل على التقية في غير مقام التعارض فإذا كان الغرض الترجيح بالقوة فيتعدى إلى كلّ أمارة شهدت بالتقيّة و إن لم تكن من جنس مخالفة العامة هذا و الأولى أن يقال إنّ الظن الشخصي بالتقية لا ينفكّ عن الظن بالحكم فيندرج تحت الميزان الكلّي المقرّر المجمع عليه في الباب من وجوب الترجيح بالظن المطلق في الأخبار المتعارضة حسبما يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى‏

بقي الكلام في أمور

الأوّل‏

أنّه صرّح غير واحد وفاقا للمحكي عن المسالك في أوائل كتاب النكاح في الأخبار الواردة في جواز نظر العبد إلى مولاته بأنّه يشترط في الحمل على التقية موافقة الرّواية للعامة كلاّ أو جلاّ تحقيقا للاستغراق الحقيقي أو العرفي المستفادين من الجمع المعرّف باللاّم فلو كان موافقا للبعض فليست المخالفة مرجحة حينئذ و هذا هو الظاهر من الرّسالة و المعزّى إلى المشهور خلافه و الظّاهر أنّ عمل الأصحاب في الفقه غير مقصور عليه و هذا هو الحق إذ لو بني على الأوّل يرد إشكال شارح الوافية و غيره على هذا المرجح في أعصارنا بأنّ تحصيل موضوعه في حقنا دونه خرط القتاد إذ لا يمكن إحراز موافقة كلّ العامة أو أكثرها لعدم انحصار مذاهبهم في الأربعة المعروفة و لا في عدد محصور و كيف يمكن العلم بكون هذا الخبر موافقا لمذهب جميع العامة بل الظّاهر سدّ باب الظنّ أيضا فلو بني على اعتبار موافقة أكثرهم لانسدّ باب الترجيح بهذا المرجح و تنتهض مقالة المنكر بإثباته فالأصحّ إعمال هذا المرجح في صورة المخالفة لبعض من يحتمل اتقاء الإمام (عليه السلام) عنه أيضا و عدم اعتبار التعدد فضلا عن الكثرة أمّا لكون المراد بالعامة جنسهم فيصدق على موافقة بعضهم أيضا كما هو الظاهر في الجمع المعرف بعد تعذّر الحقيقة و عليه بناء الفقهاء في أبواب الفقه من النذور و الوصيّة و الوقف كما لا يخفى على المتدرّب الخبير بفتاويهم و لا ينافيه ما هو المحقق في محله من تعيين أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة و عدم القرينة المعيّنة إذ المدار في الأقربيّة الأقربيّة العرفية الناشئة من كثرة التداول في ألسنة أهل اللّسان و أمّا مع عدمها فمجرّد الأقربية الاعتبارية لا يلتفت إليها خلافا لغير واحد حيث جعلوها صالحة لتعيين المجاز مع تعدده و لو تجرّدت عن القرينة العرفية الحاصلة من شيوعه و كثرته حتى قدم ذي العلاقتين على ذي علاقة واحدة و قد حققنا خلافه في كتابنا المسمّى ببدائع الأفكار في باب الحقيقة و المجاز ثم لو سلّم صحّة التعويل عليها فلا نسلّم تقدّمها و لا مكان لها

446

للأقربيّة العرفية و غير خفي أنّ الجمع المعرّف حيثما لا يراد منه الاستغراق بقرينة عقلية أو نقلية لا يراد منه عرفا و شرعا سوى الجنس الصّادق على القليل و الكثير فالأظهر الموافق للمنسوب إلى الأكثر سقوط هذا الشّرط فلو كان أحد الخبرين موافقا لأبي حنيفة أو لمثله ممّن يحتمل اتقاء الإمام (عليه السلام) منه و لم يكن الآخر كذلك إمّا لكون المسألة من الفروع الحادثة الغير المعروفة عند غيره أو للجهل بالحال و عدم العلم بأقوال غيره منهم و تكافئا و تساويا في سائر الجهات رجحنا المخالف أيضا عملا بالأخبار و يدلّ عليه مضافا إلى ما عرفت قوله (عليه السلام) في رواية علي بن أسباط ائت فقيه البلد و استفته حيث إنّ الإمام (عليه السلام) تعبّد الراوي في معرفة الحق و الباطل برأي بعضهم فلو كان الرشد في خلافهم مشروطا باتفاق كلّهم أو جلّهم لم يكن وجه للاعتماد في معرفة الباطل برأي البعض خاصّة و يدلّ عليه أيضا عمل الأصحاب حسبما أشرنا إليه لأنهم لا يزالون يستعملون هذا المرجح إذا وجدوا أحد المتعارضين موافقا لثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أقلّ أو أكثر و الفرق بين الواحد و الثلاثة و ما زاد كما ترى و يمكن نفيه بعدم التفصيل أيضا إذ بعد البناء على عدم اشتراط موافقة الجلّ أو الأغلب لا فرق بين سائر مراتبه اتفاقا هذا كلّه بناء على الوجه الثاني ظاهر و أمّا بناء على الوجه الأوّل أعني كون موافقتهم أمارة غالبيّة على الباطل لكون أغلب أحكامهم باطلا فإن كان منشؤها الغلبة الخارجية بأن كان الغالب فيما صدر منهم من الأحكام و الفتاوى للناس باطلا كما يدلّ عليه خبر الأرجائي و خبر أبي بصير و ما عن أبي حنيفة فلا يجدي في المقام لعدم إحراز موضوع مخالفة الكلّ و الأغلب و إن كان منشؤها اعوجاج آرائهم و انطباع قلوبهم و تغشية أبصارهم عن إصابة الحق كما يدلّ عليه خبر علي بن أسباط اتجه الترجيح أيضا و هو واضح‏

الثاني‏

أنّه نقل بعض أفاضل متأخري المتأخرين كلاما في الباب عن المفيد (قدّس سرّه) و ارتضاه و هو اشتراط الحمل على التقية بكون الخبر الموافق لهم من الشّواذ رواية و عملا فلو كان مشهورا رواه العلماء و المحدّثون لم يحمل على التقية و هذا الكلام في الحقيقة إنكار لهذا المرجح رأسا لأن ما كان من الشواذ فهو غير واجد لشرائط الحجيّة و تقديم المخالف ليس ترجيحا له عليه بل هو لعدم حجيّة المعارض و كأنه سليم عن المعارض و العجب من الناقل حيث إنّ بناءه على مراعاة الظّن في هذا المرجح و غيره فكيف يوافقه إذا حصل الظّن من المخالف في قبال ما رواه الأصحاب من الموافق و يحتمل بعيدا أن يكون غرضهم تقديم الشّهرة على هذا المرجح كما في المقبولة و إن كان المحكي عن المفيد (قدّس سرّه) اشتراط الشذوذ المسقط للخبر عن الاعتبار فكيف كان فإن أرادوا بالشذوذ غير المشهور الّذي هو معتبر عند عدم المعارض فله وجه و مرجعه إلى تقديم الشهرة إذا كانت معارضة بمخالفة العامّة و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى في تعارض المرجحات و إلاّ ففساده كما ترى‏

الثّالث‏

نقل عن صاحب الحدائق عدم اشتراط الحمل على التقية بموافقة العامة و أنكره بعض الأساطين و ربّما انتصر له بأن غرضه ليس حمل الخبر على التقية مع مخالفتها بمقالهم كيف و هو غير معقول بل هو أنّ اختلاف الأخبار قد يستند إلى غير التقية كما دلّ عليه غير واحد من الأخبار معلّلا بأنّا ألقينا الخلاف بينكم لأنّه أبقى لكم (قلت) ترجيح أحد الخبرين على صاحبه لا يتعقل إذا كان كلاهما موافقين أو مخالفين لهم لكن أحدهما المعين واقعا أو ظاهرا بحسب مساعدة المقام قطعا باطل صدر عن التقية فلا محلّ للاستعجاب و الاستغراب عمّا ذكره من صحّة الحمل على التقية مع مخالفة المتعارضين للعامة نعم لو أراد بما ذكره ترجيح أحد المتعارضين على صاحبها مع مخالفتها لهم فالعجب في محلّه إلاّ أنّه لا ينبغي لأحد أن يحتمله في حق ذي شعور فضلا عن مثله الرابع أن مخالفة العامّة على الوجه الأوّل و هو كون الحق و الرّشد غالبا في خلافهم ليست من المرجّحات الجهتيّة إذ لا يتوقف الترجيح بهذا النّحو على كون الموافق صادرا عن التقية بل مع القطع بعدم التقية فيه على تقدير الصّدور أمكن أيضا ترجيح المخالف عليه نظرا إلى الغلبة المذكورة فهي بهذه الملاحظة سبيلها كسبيل الشهرة و نحوها من المرجحات المضمونية الكاشفة عن القدح في صدور الآخر أو في دلالته أو في جهته فجعلها من المرجحات الجهتية خاصّة كما يقتضيه تقسيم المرجّح الداخلي إلى الصّدوري و الدلالتي و الجهتي ثمّ تمثيل الأخير منها بها غير مستقيم على هذا الوجه بل هو مبني على الوجه الثاني أعني كون موافقتهم دليلا على التقية فنقول إنّ ما دلّ عليه فيما عثرنا رواية واحدة و هي رواية عبيد بن زرارة ما سمعته منّي يشبه قول النّاس ففيه التقية و ما سمعته منّي لا يشبه قول النّاس فلا تقية فيه و هي كما ترى مختصّة بمعلوم الصّدور و التعدّي منه إلى خبر الواحد المظنون الصدور مبني على بعض دعاو غير ثابتة فجعل مخالفة العامة من المرجّحات الجهتية ممّا لا وجه له اللّهمّ إلاّ أن يجعل ذلك من قبيل نصب القرينة العامة حسبما بيّناه آنفا فيأتي في الظّني أيضا أو لدوران الموافق بين الصّدور المحمول على التقية بحكم الإمام و عدمه و على التقديرين يجب طرحه و لا نعني بالترجيح بها سوى طرح المخالف (و توضيحه) أنّ الإمام (عليه السلام) قال إنّ ما سمعته منّي يشبه قول النّاس ففيه التقية و معناه أنّ كلّ قول صادر منّي يشبه قولهم فالغرض منه ليس إفادة الحكم المدلول لذلك القول بل هو الاتقاء عن شر الأعداء و هذا و إن كان مختصّا بالقول الصادر ضرورة توقف الحكم على الموضوع لكن احتمال صدوره يكفي في الترجيح هنا و لا يتوقف على إحراز صدوره لأنّ الأمر

447

في الواقع دائر بين أن يكون صادرا فيكون تقية بحكم الإمام (عليه السلام) و أن لا يكون صادرا أصلا فلا معارض للآخر حينئذ فعلى التقديرين يجب الإعراض عنه و هو المقصود و هذا لا يتأتى بناء على كونها طريقا مجعولا من الشارع على التقية لأن مورده الخبر المعلوم الصدور فلا يتأتى في غير المعلوم و دعوى المناط في الأحكام الظّاهريّة التعبّدية كما ترى و كيف يلحق غير المعلوم بالمعلوم بدعوى المناط حتى ينفع في ترجيح أحد المتعارضين الظّنين على الآخر فلا وجه لجعلها في المرجحات الجهتية المستعملة في الأخبار المتعارضة (فإن قلت) دليل اعتبار الخبر يجعله بحكم المقطوع لأنّ مقتضاه وجوب ترتيب جميع أحكام المقطوع عليه و من أحكامه الحمل على التقية (قلت) دليل اعتباره إنّما يقتضي ترتيب ما يترتب على قول الإمام (عليه السلام) و هذا الحكم أعني الحمل على التقية ليس من آثار قوله (عليه السلام) مطلقا بل من آثار قوله المعلوم الصّدور و العلم هنا جزء الموضوع نظرا إلى ظاهرها الواردة في خصوص المسموع منه فهو ليس من أحكام قوله حتّى يجب ترتيبه بدليل اعتبار الخبر (فإن قلت) هذا البحث يأتي على تقدير كونها قرينة عامّة أيضا حرفا بحرف لأنّه (عليه السلام) إنّما جعلها قرينة على مراده في القول المعلوم الصّدور لا في القول الصادر مطلقا سواء علم صدوره أم لا فالخروج عن أصالة عدم التقية في غير المعلوم الصّدور مبني أيضا على دعوى المناط و إلاّ فيكون من القياس كما قلت على الوجه الأوّل (قلت) فرق بين نصب القرينة و بين نصب الطّريق فإنّ الأوّل ناظر إلى الغرض من القول الصّادر و لا معنى لمدخليّة شي‏ء آخر في ذلك فاحتمال كون القطع بالصّدور جزء للموضوع حينئذ سخيف جدّا بل المقطوع بفساده بخلافه على الثاني فإنّ نصب الطريق معناه جعل حكم ظاهري و لا مانع من كون العلم بالصّدور جزء لموضوعه و لأجل ذلك فرقنا بين الوجهين أعني كونها طريقا منصوبا أو قرينة منصوصة فتدبّر فإنّ فهم الفرق بينهما يحتاج إلى تأمّل هذا حكم ما يقتضيه النظرة الأولى و أمّا النظرة الثانية فلا نجد فرقا بين الوجهين في وجوب حمل الظّني أيضا على التقية لأنّ الفرق بين القطعي و الظنّي ليس إلاّ احتمال عدم الصّدور في الظّني و هذا لا يعقل أن يكون سببا للتعبّد و وجوب العمل و دعوى كونه لعلّه جزء للموضوع شطط من الكلام كما لا يخفى ثمّ الظّاهر في الرواية هو الوجه الأخير لأنّ نصب الطريق أو جعل حكم ظاهري بعيد عن ظاهرها و لسانها كما لا يخفى على ذي ذوق مستقيم لأنّه نظير قول القائل إذا أمرتك بأسد فأردت به الرّجل الشجاع في إرادة نصب القرينة على المراد و كيف ينزل قوله (عليه السلام) و ما يشبه من كلام قول الناس ففيه التقية على كونه حكما شرعيّا مجعولا من اللّه تعالى و حينئذ يشكل كون موافقتهم أمارة على التقية مطلقا حتّى في الرّوايات المنقولة عن سائر الأئمة ضرورة عدم الدليل على كون كلامهم كذلك اللّهمّ إلاّ أن يلاحظ كونهم في مقام بيان الأحكام كرجل واحد و على ذلك يبتني تخصيص العمومات الصّادرة من أحدهم بالمخصّصات الصّادرة من الآخر لكن الإنصاف أنّ المضامين متغايرات و اللّه الهادي‏

و منها موافقة الكتاب‏

و مخالفته ففي الأخبار المستفيضة وجوب عرض المتعارضين على الكتاب و الأخذ بما وافق و طرح ما خالفه و في بعض الأخبار المعتبرة النبويّة على ما روي عن البحار إذا حدثتم عني بالحديث فإن وافق كتاب اللّه فأنا قلته و إن لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله و عن الفاضل الجزائري أنّه أشكل في المقام إشكالا و جوابا أمّا الإشكال فهو أن كلّية الحكم بتقديم ما وافق الكتاب و طرح المخالف باطل لأنّ تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز عند العلاّمة (قدّس سرّه) و غيره و أمّا الجواب فهو أن عدم التخصيص قول بعض فحول العلماء و قال الشّارح للوافية في المقام ما حاصله أن العرض على الكتاب إنما ينفع لطرح الأحاديث الّتي وضعتها الغلاة و الملاحدة و أمثالهم في الفروع لأنهم وضعوا ما يخالف محكمات الكتاب على حسب أهويتهم و نسبوها إلى الصّادق (عليه السلام) ترويجا لمذاهبهم الفاسدة فوضع الأئمة (عليهم السلام) لشيعتهم هذه القاعدة فكلّ خبر يخالف محكمات الكتاب و هي الّتي لم يخالف فيها و في معناها أحد من الشيعة و كان عدم نشرها وفاقيا عند الكلّ فتعين تأويله و إلاّ يلزم مخالفة المعلوم من الدّين و أمّا العرض على الّذي اختلف فيما هو المقصود منه و كلّ يستدل به و يدعي ظهوره فيما يدعيه بأدلة ظنية ليس على حجيتها دليل فليس عمّا يأمر الأئمة (عليهم السلام) و قال في مقام آخر إن العرض على كتاب اللّه جلّ شأنه إن كان على الحكم الّذي يكون و هضمه ضروريّا في الدّين و المذهب فلا ثمرة لعرض الحديث عليه لأنّ مثل هذا الحكم مستغن عن الدّليل و إن كان على الظاهر الّذي اختلف في صدوره و لم يعلم من طريقة الأئمة (عليهم السلام) على حاله و المقصود منه فلا يحصل من موافقة مثل هذا الظاهر قوة الظّن إذ ربما كانت دعوى الظهور غير مستندة إلى حجة شرعية و كان ما ليس بظاهر هو المقصود منه فيكون الحديث المخالف هو المطابق للواقع (قلت) و هذا الكلام مع صدوره عن أهل التحقيق خال عن التحصيل لأنّ مدار الترجيح إذا كان على الظنّ فمجرد احتمال خلاف الظاهر غير مناف لحصول الظن من الظاهر و إن أراد منع الظهور أو منع اعتباره فهو كلام آخر لا مساس له بالمقام و توضيح ذلك أن البحث عن الترجيح بموافقة الكتاب إمّا أن يكون على القول بعدم حجيّة ظواهر الكتاب كما عليه الأخباريّون كلاّ أو جلاّ أو يكون على القول بحجيّتها فعلى الأوّل فقد يتوهم أنّه لا وجه للترجيح بموافقة الكتاب حينئذ لأنّ الترجيح بها إنّما هو من باب الاعتضاد بدليل آخر كما صرّح به غير واحد حيث سلكوا بموافقة

448

الكتاب مسلك الموافقة لدليل آخر من عقل أو نقل فإذا بني على عدم حجيّتها لم يكن الخبر الموافق معتضدا بدليل آخر لكنّه فاسد (أمّا أوّلا) فلأنّ الترجيح بالاعتضاد بالدليل قسم آخر من الترجيح و ليس الترجيح بموافقة الكتاب راجعا إليه و إن جعله منه غير واحد من الأصحاب إلاّ أنّه خلاف التحقيق لأنّ الترجيح بها ممّا استفاضت به الأخبار و لذا اقتصر بعض على المرجحات المنصوصة و لم يتعدّ إلى غيرها من المرجحات الّتي منها الاعتضاد بدليل آخر فالترجيح بها ثابت سواء قلنا بالترجيح بالاعتضاد أيضا أم لا كما ذهب إليه غير واحد و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى فالترجيح بها لا يبتني على حجيّة ظواهر الكتاب إلاّ على اعتبار غير المرجحات المنصوصة بل يمكن على القول بعدم حجيّتها و عدم اعتبار سائر المرجّحات أيضا عملا بالمنصوص أيضا (و أمّا ثانيا) فلأن القول بعدم حجيّة ظواهر الكتاب مستندا عند الأخباريين إلى الأخبار المستفيضة الواردة في النهي عن تفسير القرآن بالرّأي و أنّه إنّما يفهمه من خوطب به و أخبار العرض على الكتاب في الأخبار المتعارضة أخصّ منها فللأخباريين أن يقولوا باختصاص عدم الحجيّة بغير ما تعارض فيه النصّان تخصيصا لتلك العمومات بهذه الأخبار المخصّصة (فإن قلت) مفاد تلك الأخبار لا يقبل هذا التخصيص لأن مداليلها إجمال ظواهر الكتاب في حق غير الأئمة (عليهم السلام) لما فيها من التعليل بأنّه إنما يفهم القرآن من خوطب به ردّا على أبي حنيفة و أمثاله العالمين بتلك الظواهر فالأخبار الناهية بمنزلة القرينة الصّارفة عن الظواهر فكيف يحتمل التخصيص و تحمل على ما نصّ فيه (قلت) أوّلا أنّ مفادها عدم إرادة اللّه سبحانه مفاد بعضها لا مفاد كليها فالمراد بالنّواهي أن جملة من ظواهر الكتاب أريد بها خلاف ما هو ظاهرها و لا يعلمها الآخران العلم و أهل بيت الوحي فكيف يستدلّ بها و يستند إليها في معرفة أحكام اللّه تعالى و مراداته مع عدم معرفة المستدلّ و تميزه بين ما أريد منه الظاهر و ما لم يرد و هذا يكفي في ردّ أبي حنيفة و أمثاله و ليس معناها أن جميع ظواهر القرآن المتعلّق بالأحكام أريد بها غير ظاهرها لبطلانه بضرورة الوجدان و العيان و إجماع أهل الأديان و هذا المعنى قابل للتخصيص بما لا نصّ فيه إذ لا مانع من اختصاص هذا العلم الإجمالي الحاصل من مستفيض الأخبار بخصوص ما لا نصّ فيه و خروج ما ورد فيه نصّ موافقا لها عن هذا المعلوم بالإجمال سواء كان له معارض أم لا فينزل أخبار عرض المتعارضين على الكتاب على ذلك فتكون مؤيّدة و معاضدة للظواهر فيما تعارض فيه الخبر المخالف و الموافق بل ربّما يمكن جعلها دليلا مستقلاّ على كون المراد هو الظاهر زيادة على أصالة الحقيقة و هذا على عكس ما يقال إنّ ما لا يعثر عليها من النصّ بعد الفحص خارج عمّا علمنا إجمالا في مجاري الأصول من المخالفات الكثيرة المانعة من العمل بها ابتداء من دون فحص و كما أن عدم النصّ بعد الفحص يخرج المسألة هناك عن أطراف المعلوم بالإجمال فكذلك النصّ على ظاهر القرآن يخرجه هنا من أطرافه المعلوم بالإجمال من غير فرق إلاّ في شي‏ء غير ضائر و هو استناد العلم الإجمالي هناك إلى ما رأينا من الأخبار و الآثار المخالفة للأصول و هنا إلى نواهي العمل بظواهر القرآن المعلّل بأنّه إنّما يفهم من خوطب به و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الترجيح بموافقة الكتاب كما يمكن على مذهب الأصوليين القائلين بحجية ظواهر الكتاب فكذلك يمكن على مذهب من قال بعدم حجيّتها للأخبار و لذا لم ينكر المرجحات المنصوصة الّتي منها هذا المرجّح بعض الأخباريين و من يقرب منهم من المتأخرين هذا كلّه إذا استند في عدم حجيّة ظواهر الكتاب بالأخبار و لو استند إلى العلم الإجمالي بمخالفة جملة منها للواقع كما تقرّر في محلّه فالجواب هو الوجه الأوّل أي التعبّد دون الاعتضاد إذ بعد إجمال الظّواهر بسبب العلم الإجمالي و سقوطها عن الاعتبار لا يكون الترجيح بموافقتها من باب الاعتضاد بل لا بدّ أن يكون تعبدا محضا اللّهمّ إلاّ أن يدّعى أيضا خروج ما تعارض فيه النصّان الموافق و المخالف عن أطراف المعلوم بالإجمال أمّا بالحسّ و العيان فإنّ دعوى اختصاص ذلك من أوّل الأمر بالظواهر العارية عن الأخبار موافقا و مخالفا غير بعيد عن الصّواب أو بمعونة أخبار العرض الدالّة على اعتبارها عند تعارض الخبرين فيكون وجه الترجيح بالموافقة على القول بعدم حجيّة ظواهر الكتاب على المدركين وجها واحدا اعتضادا أو تعبّدا و على الثاني أي القول بحجيّة ظواهر الكتاب فالكلام تارة من حيث القاعدة مع قطع النظر عن الأخبار و أخرى مع ملاحظتها أما

الأول فالتحقيق فيه أن يقال إن الكتاب إمّا أن يكون أقوى دلالة من الخبر المخالف أو يكون أضعف دلالة أو يكون مساويا فإن كان أقوى فلا إشكال بل لا خلاف في وجوب طرح المخالف حينئذ و لو لم يكن له معارض فكيف عن صورة المعارضة سواء كان الكتاب نصّا فيكون من المحكمات الّتي لا تقبل المعارض لوضوح حكمه أو كان أظهر فيجب العمل به أيضا لقصور الخبر عن المعارضة و المقاومة له دلالة و سندا و إن كان أضعف فإمّا أن يكون الخبر المخالف نصّا بالقياس إلى الكتاب كما إذا كان خاصا لا يحتمل التأويل و التجويز أو يكون أظهر فيكون تعارضه مع الكتاب من باب تعارض الظاهر و الأظهر فإن كان نصّا فإمّا أن نقول بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد أو نقول بعدمه فإن قلنا بالجواز بني الترجيح بالموافقة حينئذ على الترجيح بالأصول كأصل الطّهارة و البراءة و الاستصحاب و نحوها لأنّ موافقة الخبر بظاهر الكتاب لا يورث ضعفا في دلالة

449

المخالف لكونه نصّا و لا في سنده لحكومة دليل اعتبار السند على دلالتها كما مرّ في قاعدة الجمع الّتي من فروعها جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد فيكون حال الموافقة لظاهر الكتاب كحال الموافقة لأصل الطّهارة مثلا فيأتي فيها ما هو المختار في مرجحيّة الأصول و إن قلنا بعدم الجواز فإمّا أن نقول بتقديم الكتاب رعاية لقطعية سنده و إعراضا عن قوة دلالة الخاص أو بعدم حجيّة خبر الواحد كما عليه المرتضى (رحمه الله) فلا إشكال حينئذ في الترجيح لأن الخبر الموافق لو لم يكن مؤيّدا للكتاب فلا يكون موهنا له فالترجيح هنا جار بالأولوية الواضحة و إن قلنا بالتوقف كما عزي إلى المحقق ففيه وجهان من اعتضاد الكتاب بالخبر و من عدم الجدوى فيه لأنّ منشأ التوقف كونهما دليلين ظنيين هذا من جهة سنده و ذلك من جهة دلالته و هو بعينه موجود غير مرتفع باعتضاد دلالة الكتاب بدلالة الخبر لأنّ اعتضاد ظاهر بظاهر لا يورث وهنا في سند المعارض لهما حتى يفرق بين الصّورتين فالدّاعي للتوقف في الصّورة الأولى بعينه قائم في الصّورة الثانية أعني صورة اعتضاد الكتاب بالخبر نعم لو حصل من تعاضد الظّاهرين ضعف في سند المخالف اتّجه تقديم الكتاب عليه و أمّا مع عدمه فلا فالتوقف بحاله لكن هذا حكم الكتاب مع المخالف و أمّا حكم الخبرين فلا وجه للتوقف بينهما بل لا بدّ فيهما أحد الأمرين إمّا الترجيح أو التخيير فإن قلنا بالترجيح بموافقة الأصل تعيّن الأخذ بالموافق و كذا لو قلنا بالترجيح يتعدد الدّليل و إلاّ وجب التخيير و إن كان الخبر المخالف أظهر من الكتاب و أقوى منه دلالة في نفسه بأن يتطرّق فيه التأويل من وجه أو وجوه ضعيفة في جنب التأويل في ظاهر الكتاب بتخصيص أو تقييد أو نحوهما فمقتضى القاعدة على القول بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد ملاحظة قوة الدّلالة مع الاعتضاد فقد يقال بالترجيح أيضا لاعتضاد الكتاب بموافقة الخبر بحيث يكافئ الأظهريّة المفروضة في المخالف لأنّ الأظهريّة قد تصير مغلوبا للظّاهر بالمعاضدة و من هذا الباب تقديم العام على الخاص إذا تعدد و تكثر بحيث يحصل من الكثرة قوة في العموم و ضعف في المخصّص أو المخصّصات الواردة في المسألة من حيث التخصيص فيتعين حينئذ العمل بالعمومات و الجمع بينهما بغير التخصيص و هذا من موارد قولهم ربّ عام يقدّم على الخاص و كم له من مثال في الفقه و قد يقال بعدم الترجيح بل بوجوب الأخذ بالمخالف و التأويل في الكتاب كما لو لم يكن خيرا موافقا له لأنّ مجرّد الموافقة لا تورث القوة في دلالة الكتاب و لازم ذلك التخيير بين الخبرين لأنّ المانع عنه كان منحصرا في الكتاب فإذا فرضنا عدم صلوحه للمانعية لم يكن مانعا عن التخيير إلاّ أن نقول بالترجيح بموافقة الأصل أو بموافقة الدليل حسبما عرفت في وجه الفصل بين المقامات فإن حصل من موافقة الخير للكتاب قوة في دلالتهما بحيث انقلب الأمر و صار الأظهر ظاهرا اتجه الترجيح بها و طرح المخالف للكتاب أو التأويل فيه و إلاّ بني الترجيح بها على أحد الأمرين المذكورين أعني الترجيح بموافقة الأصل أو تعدد الدليل من دون حصول مزية في دلالة الخبر أو سنده فإن قلنا بهما أو بأحدهما فهو و إلاّ فالمتعين التخيير و إن كان مساويا فالظّاهر الترجيح أيضا للإجماع على وجوب العمل بأقوى الدليلين و أيّ أقوائية أولى من قطعية السّند فمقتضى تلك القاعدة رفع اليد عن الخبر و طرحه و لو لم يكن له معارض فكيف عمّا إذا كان مع قطع النظر عن الإجماع المذكور فينبغي التوقف لأنّ دليل اعتبار سند الخبر المخالف يجعله كالمقطوع فبعد ملاحظته يكونا كالمقطوعين المتعارضين اللّذين حكمهما الإجمال و التوقف دون التخيير المختص بالظنّيين المتعارضين (فإن قلت) ما الفرق بين هذه الصّورة و الصّورة السّابقة حيث بنيت الترجيح فيها بالموافقة على أحد الأمرين المذكورين و حكمت هنا بالترجيح (قلت) الفرق أنّ موافقة الكتاب في هذه الصّورة أوجب قوة في الخبر الموافق دلالة أو سندا لأجل الاعتضاد لأنّ اعتضاد خبر الواحد بمثله يوجب قوة في سندهما أو في دلالتهما فكيف لا يحصل بالاعتضاد بالكتاب الّذي هو مقطوع الصّدور بخلاف الصّورة السابقة لأن دلالة الكتاب لما كان ضعيفا في جنب الخبر المخالف لم يفد قوة في الموافق و لا ضعفا في المخالف لمكان قوة احتمال التخصيص مثلا إذا كان المخالف خاصا مطلقا لا في الدلالة و لا في السّند و لأجل ذلك بنينا الترجيح فيها على أحد الأمرين و حكمنا هنا بالترجيح فافهم (فإن قلت) من قواعد القوم في الأدلة المتعارضة أنّه إذا دار الأمر بين مخالفة أصل واحد و مخالفة أصلين وجوب المصير إلى مخالفة الأصل الواحد

اقتصارا في مخالفة الأصل على الأقل و الأمر في الصّورة السّابقة كذلك لأنا لو عملنا بالخبر المخالف خالفنا الأصلين التأويل في الكتاب و التأويل أو طرح سند المخالف مقتضى تلك القاعدة الترجيح بموافقة الكتاب هناك أيضا لئلا يلزم مخالفة الأصلين (قلت) تلك القاعدة على إطلاقها غير مسلّمة إذ المسلم فيها في تعارض الأدلة القطعية كآيات الكتاب أو الأخبار القطعية فإنّه إذا دار الأمر بين ارتكاب التأويل في دليل واحد أو دليلين وجب المصير إلى الأوّل و أمّا أخبار الآحاد فليس الأمر فيها كذلك بل اللاّزم فيها الرّجوع إلى ما هو المقرر في باب التعادل و التراجيح من الرجوع إلى المرجحات أولا ثم التخيير إلاّ إذا كان الأصلان بسبب التعاضد أقوى و أظهر من الأصل المقابل المعارض لهما بحيث يندرج المقام تحت قاعدة الجمع فيرتكب التأويل في أحدهما خاصّة و يبقى الآخران على ظاهرهما و أمّا مع التكافؤ في الدلالة فلا مثلا إذا ورد أكرم زيدا في خبرين و ورد لا

450

تكرم زيدا في آخر معارض لهما و لم يحصل من تعاضد الخبرين قوة في دلالتهما أو ضعفا في دلالة الآخر المعارض لهما فليس لك أن تقول يجب ارتكاب التأويل في الخبر الدّال على حرمة الإكرام أو طرح سنده و إبقاء الخبرين الدالّين على الوجوب بحالهما مراعاة للقاعدة المذكورة بل لا بدّ من الرّجوع إلى المرجحات ثم التخيير و قد عرفت أنّه لا مرجّح للخبرين الموافق في الصّورة السّابقة إلاّ على أحد الوجهين فتدبّر جيّدا فإنّ المقام غامض و احتمال تعيين طرح المخالف لكونه أقلّ مخالفة للأصل غير بعيد أيضا هذا كلّه بناء على جواز تخصيص الكتاب و على القول بعدمه فالحال فيه ما عرفت من التفصيل حرفا بحرف كما هو ظاهر بعد التّأمّل هذا كلّه من حيث القاعدة و أمّا من حيث الأخبار فالتحقيق فيه أن هنا طائفتين منها أحدهما تدلّ على أن ما خالف الكتاب فهو زخرف باطل و في بعضها أنّه غير صادر مكذوب على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأخرى تدلّ على ذلك في خصوص المتعارضين و هي أخبار عرضها على كتاب اللّه و القائل بجواز تخصيص الكتاب بالخبر لا بدّ له من حمل الطّائفة الأولى على غير العام و الخاص و ما يجري مجراهما من أقسام تعارض الظاهر و الأظهر و أمّا الطّائفة الثانية فلا يلزم ذلك فيها إذ لا مانع من الأخذ بعمومها و إطلاقها في الترجيح كما هو ظاهر كلّ من جعل موافقة الكتاب من المرجحات إذ لم أجد منهم أحدا فصّل فيه بين كون المخالف أخصّ أو أعمّ أو مباين مع أنّهم قائلون بتخصيص الكتاب بخبر الواحد فلا وجه لإطلاقهم في المقام سوى الفرق بين المقامين و أنت خبير بأن هذا و إن كان ممكنا و لكنه في غاية البعد و الغرابة إذ الظاهر كون المراد بمخالف الكتاب في المقامين واحد و لازم ذلك عدم الترجيح لو كان المخالف أخصّ و أظهر فيختصّ أخبار العرض بما إذا لم يكن الخبر المخالف أخصّ مطلقا أو أظهر بل كان تعارضه مع الكتاب من باب تعارض الظاهرين المتكافئين في الظهور إمّا بالتباين أو بالعموم من وجه و من هنا يتطرق إشكال في كون موافقة الكتاب من المرجحات إذ ليس في الأخبار النافية لظاهر الكتاب ما يكون من قبيل تعارض المتكافئين إلاّ قليلا لا يصلح محملا للتأكيد و التسديد العظيمين الواردين في هذه الأخبار أعني أخبار العرض و المفروض خروج العام و الخاص و ما يجري مجراها أيضا عن تحتها فلا بدّ من حملها على ما يدعيه السّيد الشارح للوافية (قدّس سرّه) من الأخبار الواردة في مذهب الغلاة و المفوضة و أهل الإباحة و سائر الفرق الضّالة المنافية لمحكمات الكتاب و لا يجوز أيضا حملها على ما يخالف نصّ الكتاب و صريحه في الفروع لأنّه أقلّ موردا عن ذلك بل لا مورد له أبدا إلاّ أنّ المحكي عن المحقق (قدّس سرّه) في المعارج مبني على الحمل على ذلك حيث استدل على مرجحية الكتاب تارة بأنّه دليل مستقلّ فيكون دليلا على صدق مضمون الخبر و أخرى بأن الخبر المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض فما ظنّك به معه فإن مقتضى الدليل الثاني كون محلّ البحث ما إذا كان الخبر المخالف منافيا لنصّ الكتاب و صريحه لأنّه الّذي لا يعمل به مع الانفراد لا ما كان منافيا بظاهره فإنّه مقدّم على الكتاب على القول بجواز تخصيصه بالخبر فكيف لا يعمل به مع الانفراد إلاّ أن ينزل على مذهبه من الوقف في تلك المسألة أو على مذهب من يقدم الكتاب و كيف كان فلا بدّ من إخراج الصّورة الثانية أعني ما لو كان الكتاب أضعف دلالة من الخبر المخالف من تحت أخبار العرض بقرينة خروجها عن تحت الطائفة الأولى الكاشف عن المراد بما خالف الكتاب في أخبار العرض بعد التفكيك حسبما أشرنا إليه و إطلاق جماعة بموافقة الكتاب مردود عليهم أو محمول على القسمين الآخرين أعني ما لو كان الكتاب أقوى أو مساويا سواء كانت النسبة بينهما تباين كلّي أو عموم من وجه فالترجيح المبحوث عنه منحصر فيهما فسيأتي فيه الإشكال المشار إليه من قلتها و عدم مناسبتها للتشديد و التأكيد الواردين في أخبار العرض فلا محيص كما ذكره السيّد الشارح (قدّس سرّه) من وجوب الحمل على الأخبار المتعارضة في المذاهب الفاسدة و العقائد الكاسدة اللّهمّ إلاّ أن تمنع الغلبة المانعة عن حمل الأخبار عليهما و هذا هو الوجه لظهور الإجماع على كون الترجيح بموافقة الكتاب في الجملة و لا مورد له إلاّ ذلك بل القسم الأوّل أيضا خارج عن المقام لوضوح عدم اعتبار المخالف لو انفرد مع كون الكتاب أقوى و لا غائلة فيه و

إن كان الترجيح هنا تعبّدا محضا لا يساعده الاعتبار و حسبما عرفت بما لا مزيد عليه و اللّه العالم‏

و منها الترجيح بالشهرة

و هي ضربان شهرة الرواية و شهرة الفتوى و لا إشكال في الثاني موضوعا بل حكما لاختلافهم في كونها من المرجحات على أقوال تعرفها و أمّا الأوّل فلا إشكال فيه حكما لأن الترجيح بشهرة الرّواية اتفاقي حتى اقتصر في الوافية عليها و جعلها تفسيرا لما في المقبولة و غيرها من الشّهرة فلا إشكال في حكمها و ثبوت الترجيح بها و إنّما الإشكال في موضوعها و معناها فذكر بعضهم أنّها على قسمين أحدهما أن يكثر ناقلوه عن الإمام لفظا كروايات الفضلاء أو معنى فقط كما في كثير من الأخبار و ثانيهما أن يكثر ناقلوه عن الناقل عن الإمام (عليه السلام) و إن كان واحدا (قلت) في كون القسم الأول من الشهرة في الرّواية نظر لأن الكثرة البالغة حدّ الشهرة تفيد القطع بالصدور لأنّها فوق حدّ التواتر و المبحوث عنه هو الترجيح بين مظنوني الصّدور و أمّا القسم الثاني فلا إشكال في دخوله تحتها كما أنّ الظاهر تحققها بوجهين آخرين أحدهما الاشتهار في الأفواه و ألسن الناس و إن تساويا في عدد الرّواة لدخوله تحت قوله خذ بما اشتهر بين أصحابك إلاّ أن اشتهار الخبر بين الناس من المحدّثين و غيرهم لا يكون خاليا عن مزية انفرد به عن معارضه فيكون حاله كحال القسم الثاني و الثاني الاشتهار في‏