الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج23

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
366 /
105

لا ندري إن كانت هند التي تضرب أبا سفيان برجلها، حين عاد من المدينة، و تطلب من قريش: أن تتخذ منه موقفا سلبيا، و تستخدم عبارات قاسية في حديثها عنه، و تحريضها عليه!!

نعم.. لا ندري إن كانت تهتم لمعرفة مشروعية أخذها من ماله، ما يسد خلتها هي و العيال.. أم أنها تعبث، و تتماجن، و تسخر!!

فإن من الواضح: أن الإجابة على السؤال الذي طرحته بديهية لدى أجهل الناس، و أشدهم سذاجة، إذ أي إنسان يجهل: أنه يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها البخيل لتطعم أولادها، مع العلم: بأن مسؤولية أطفالهم تقع على عاتق نفس ذلك الزوج البخيل!!.

106

-

107

الفصل الثاني:

أحداث جرت في فتح مكة

108

-

109

لا تحدوا النظر إلى سهيل:
عن سهيل بن عمرو قال: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة و ظهر، اقتحمت بيتي، و أغلقت بابي عليّ، و أرسلت إلى ابني عبد اللّه: أن اطلب لي جوارا من محمد، فإني لا آمن أن أقتل.

(ثم صار يتذكر أفعاله السيئة تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : في بدر و أحد و الحديبيّة) .

فذهب عبد اللّه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه!!أبي تؤمنه؟

قال: «نعم، هو آمن بأمان اللّه فليظهر» .

ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمن حوله: «من لقي سهيل بن عمرو فلا يحد إليه النظر، فلعمري إن سهيلا له عقل و شرف، و ما مثل سهيل جهل الإسلام، و لقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن بنافع له» .

فخرج ابنه عبد اللّه إلى أبيه، فأخبره بما قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال سهيل: كان و اللّه برا صغيرا، برا كبيرا.

فكان سهيل يقبل و يدبر آمنا. و خرج إلى حنين مع رسول اللّه «صلى اللّه‏

110

عليه و آله» و هو على شركه حتى أسلم بالجعرّانة (1) .

و نقول:

إن علينا أن نأخذ بنظر الإعتبار أمرين هما:

1-سبب تعظيم سهيل بن عمر!!:
إنهم قد عظموا سهيل بن عمرو ما ليس فيه، و أطروه بما لا يستحقه، و لعل سبب هذا الكرم منهم عليه هو أنه حين ندم الأنصار على بيعتهم لأبي بكر، هتفوا باسم علي «عليه السلام» ، فقام سهل بن عمرو، فقال:

«يا معشر قريش، إن هؤلاء القوم قد سماهم اللّه الأنصار، و أثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظ عظيم، و شأن غالب، و قد دعوا إلى أنفسهم و إلى علي بن أبي طالب، و علي في بيته لو شاء لردهم، فادعوهم إلى صاحبكم و إلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم و إلا قاتلوهم، فو اللّه إنى لأرجو اللّه أن ينصركم عليهم، كما نصرتم بهم» .

و قد رد عليهم الأنصار على لسان ثابت بن قيس، حيث قال: «يا معشر الأنصار، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش، فأما إذا كان من أهل الدنيا، لاسيما من أقوام كلهم موتور، فلا يكبرن عليكم، إنما

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 249 و 250 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 65 و المغازي للواقدي ج 2 ص 847 و 848 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 281 و شرح البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 284 و كنز العمال ج 10 ص 503 و الطبقات الكبرى ج 7 ص 404 و تهذيب الأحكام ج 4 ص 233 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 18 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 387.

111

الرأي و القول مع الأخيار المهاجرين، فإن تكلمت رجال قريش، [و]الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم، و إلا فأمسكوا» (1) .

2-ليس هذا مدحا لسهيل بن عمرو:
و أما نهي النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه: عن أن يحدّوا النظر لسهيل بن عمرو، فهو و إن كان هناك من يريد أن يعتبره مدحا لهذا الرجل. و لكن اعتباره قدحا لعله هو الأقرب و الأصوب.. إذا لوحظ فيه أمران:

أحدهما: أن هذا الرجل و إن كان ذا عقل و شرف، و لكنه لا ينقاد لعقله، و لا يختار ما يحفظ له شرفه و مكانته، بل هو يختار ما يتوافق مع نزواته و أهوائه، و حميته الجاهلية، فإذا وجد الناس يحدون النظر إليه، فإنه قد ينكص على عقبيه، و يتخذ سبيل المكابرة، و التحدي و الحجود..

ثانيهما: إن من يكون ذا عقل راحج، و ذا شرف، فإنه يستخدم عقله لحفظ شرفه، فإذا استخدم عقله لإذهاب هذا الشرف، فمعنى ذلك: أنه يفقد عنصرا ثالثا كان بحاجة إليه، ألا و هو عنصر الأخلاق الإنسانية الفاضلة، التي تبعده عن الإستكبار و عن الجحود، و عن العصبيات القبلية و الجاهلية.. و أن يكون حكيما، و منصفا، و متواضعا. فإن ذلك يسهل عليه قبول الحق، و رفض الباطل.. و يدعوه إلى أن لا يتأخر في الدخول إلى

____________

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 23 و 24 و مواقف الشيعة ج 3 ص 162.

112

الإسلام. و لكن سهيلا بسبب فقده لهذا العنصر الهام قد كابر، و جحد، و تعامى عن الآيات و المعجزات طيلة هذه السنين، بل إنه حتى حين أظهر الإسلام، فإنما انصاع إلى ذلك بداعي الخوف، و ليس استجابة لما يحكم به عقله، و تقضي به فطرته..

و لأجل ذلك كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتألفه على الإسلام كغيره من المؤلفة قلوبهم، ليقنعه: بأن الإسلام لا يريد له ضرا، و لا يبغي له شرا، بل هو يريد: أن يسوق إليه المنافع، و يحفظ له مصالحه في دائرة الحق، و الصدق، و الإستقامة، و العدل..

و من الواضح: أن نبذ أحكام العقل، و الإنقياد لسلطان الهوى و الإصرار على الجحود بسبب فقد الخلق الإنساني لا يمكن أن يعد فضيلة للإنسان العادي، فكيف بمن كان ذا عقل و شرف؟!

كما أن من يكابر و يعاند الحق، فإنما يعاند عقله، و يتناقض مع ذاته..

و النتيجة التي ننتهي إليها هي: أن العقل و الشرف لا يفيدان، إذا لم يملك الإنسان خلقا إنسانيا رفيعا يدعوه للإلتزام بأحكام عقله، و بمقتضيات فطرته..

و إبليس لم يكن ينقصه عقل، و لا معرفة، و لا مكانة، فهو يعبد اللّه بين الملائكة، و لكنه كان ينقصه الخلق الرفيع، فإن رذالة أخلاقه هي التي جعلته في حظيرته الإبليسية الشيطانية، لأنها عطلت عقله، و حجبته عن ممارسة دوره. غ

113

إسلام ابني أبي لهب:
عن ابن عباس، عن أبيه قال: لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة في الفتح، قال لي: «أين ابنا أخيك عتبة و معتب ابني أبي لهب. لا أراهما» ؟

قلت: تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش.

قال: «ائتني بهما» .

فركبت إليهما بعرنة، فأتيت بهما، فدعاهما إلى الإسلام، فأسلما و بايعا.

ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخذ بأيديهما، و انطلق بهما حتى أتى الملتزم، فدعا ساعة ثم انصرف، و السرور يرى في وجهه.

فقلت: يا رسول اللّه، سرك اللّه، إني أرى السرور في وجهك، فقال:

«إني استوهبت ابني عمي هذين من ربي فوهبهما لي» (1) .

و نقول:

أولا: قال العسقلاني عن إسناد هذا الحديث: إنه ضعيف.

ثانيا: إن عتبة بن أبي لهب قد افترسه الأسد قبل الهجرة، بسبب دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 250، عن ابن سعد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 97 و (ط دار المعرفة) ص 48 و الإصابة ج 2 ص 455 و 456 و ج 3 ص 443 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 365 و ج 6 ص 138 و كنز العمال ج 11 ص 737 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 60 و ج 22 ص 202 و ج 62 ص 81 و 259 و المنتخب من ذيل المذيل ص 32.

(2) البحار ج 16 ص 309 و ج 17 ص 412 و ج 18 ص 57 و 58 و 241 و ج 62-

114

ثالثا: رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل يوم الفتح بين عتبة

____________

ق-ص 81 و الغدير ج 1 ص 261 و تخريج الأاديث و الآثار ج 1 ص 378 و ج 3 ص 377 و الكشاف للزمخشري ج 4 ص 22 و شرح شواهد الكشاف ص 453 و سفينة البحار ج 6 ص 136 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 71 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 3 ص 533 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 269 و الدر المنثور ج 6 ص 121 و الإصابة ج 6 ص 413 و الدرجات الرفيعة ص 192 و المعارف ص 125 و الإستغاثة ج 1 ص 65 و عيون الأثر ج 2 ص 373 و مستند الشيعة ج 15 ص 304 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 216 و مواهب الجليل ج 1 ص 258 و سبل السلام ج 2 ص 195 و نيل الأوطار ج 5 ص 98 و ذخائر العقبى ص 164 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 211 و فتح الباري ج 4 ص 34 و عمدة القاري ج 10 ص 81 و الذرية الطاهر النبوية ص 85 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 56 و 57 و ج 2 ص 521 و 526 و تصحيفات المحدثين ج 2 ص 708 و الإستذكار ج 4 ص 152 و كنز العمال ج 12 ص 439 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 285 و ج 3 ص 30 و الفتح السماوي ج 2 ص 548 و فيض القدير ج 3 ص 604 و 607 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 287 و نور الثقلين ج 5 ص 146 و تفسير السمعاني ج 6 ص 158 و تفسير النسفي ج 1 ص 270 و تفسير الرازي ج 11 ص 143 و ج 32 ص 167 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 444 و تفسير ابن السعود ج 3 ص 8 و 9 ص 210 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 63 و ج 15 ص 225 و ج 30 ص 262 و أضواء البيان ج 1 ص 436 و أسد الغابة ج 4 ص 363 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 481 و إعلام الورى ج 1 ص 276 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 468 و الخصائص الفاطمية ج 1 ص 457 و معجم ما استعجم ج 2 ص 696 و شرح المقاصد في علم الكلام ج 2 ص 188 و دلائل النبوة ج 2 ص 338 و 339 بثلاثة طرق، و راجع: إثبات الهداة ج 2 ص 122.

115

و معتب ابني أبي لهب، يقول للناس: هذان أخواي، و ابنا عمي-فرحا بإسلامهما-استوهتبهما من اللّه، فوهبهما لي‏ (1) .

قال العسقلاني: و يجمع: بأنه دخل المسجد بينهما، بعد أن أحضرهما العباس‏ (2) .

غير أن ما قاله العسقلاني لا يحل مشكلة التناقض بين حديث دخوله «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، و حديث مجيئه «صلى اللّه عليه و آله» للملتزم، و بين الحديث المتقدم، لأن حديث المجي‏ء للملتزم يدل على: أن استيهابهما من اللّه قد حصل بعد دخوله المسجد، و هما معه..

و هذا الحديث الأخير يدل على: أن استيهابهما من اللّه قد حصل قبل دخوله المسجد..

على أن ثمة أسئلة أخرى تبقى بحاجة إلى جواب، مثل السؤال عن السبب في هذا الإهتمام بهذين الرجلين دون سواهما، حيث لم يذهب «صلى اللّه عليه و آله» بأحد إلى الملتزم ليستوهبه من ربه؟!

و سؤال آخر، و هو: ما معنى هذا الإستيهاب؟!

فإن كان بمعنى: أن يخرجهما اللّه من الشرك إلى الإسلام، و غفران ذنوبهما التي ارتكباها في زمان شركهما، فيرد عليه:

أن المفروض هو: أنهما قد أسلما قبل هذا الإستيهاب.. حسب نص الرواية عن العباس.

____________

(1) الإصابة ج 3 ص 443 عن الطبراني.

(2) الإصابة ج 3 ص 443.

116

و إن كان بمعنى: أن يغفر اللّه تعالى لهما ذنوبها التي يرتكبانها بعد إسلامهما أيضا، ثم يدخلهما اللّه تعالى الجنة.. و إن كانا من أهل النار، لو لا هذا الإستيهاب.. فيرد عليه:

أن هذا غير مقبول و لا معقول؛ إذ لما ذا لا يستوهب غيرهما من سائر أهل النار أيضا؟!

كما أن ذلك يدخل في دائرة الإغراء بالمعاصي، أو على الأقل يدعو إلى عدم الإهتمام بتجنبها!!

و في جميع الأحوال، لا بد من وجود أمر، أو ميزة في هذين الرجلين، يستحقان هذا العطاء العظيم لأجلها..

و لا بد أن تكون خصوصية غير عادية، و أن تكون ظاهرة فيهما بحيث يعرفها فيهما كل أحد، و أن يدرك الناس كلهم أنها توجب هذا التكريم و التعظيم..

و بدون ذلك يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرّض الناس لخطر الكفر و الخروج من الدين، فيما لو ظنوا فيه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لا يقيم العدل، و لا يلتزم بمقتضيات الفطرة، و أحكام العقل.

و نحن لا نعرف، و كذلك لا نظن: أن أحدا من البشر يعرف في أبناء أبي لهب أية خصوصية تستحق الذكر، فضلا عن أن تكون من موجبات هذا العطاء الهائل، الذي لم يفز به غيرهما، رغم أنهما بقيا على عنادهما و على جحودهما و على حربهما له و لدينه كل تلك السنين..

117

السائب شريك الرسول صلّى اللّه عليه و آله في التجارة:
عن مجاهد عن السائب: أنه كان شارك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح أتاه، فقال:

«مرحبا بأخي و شريكي، كان لا يداري و لا يماري، يا سائب!!قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تتقبل منك و هي اليوم تتقبل منك» و كان ذا سلف و خلة (1) .

و عن السائب بن عبد اللّه، قال: جي‏ء بي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة، فجعل عثمان و غيره يثنون عليّ، فقال رسول اللّه: «لا تعلموني به، كان صاحبي» (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 249 و ج 9 ص 16 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55 و ج 1 ص 236 و ج 2 ص 451 و الإستيعاب ج 3 ص 1288 و راجع: الإصابة ج 2 ص 10 عن أبي داود، و النسائي، عن مجاهد، عن قائد السائب. و راجع: تلخيص الحبير ج 10 ص 404 و مسند أحمد ج 3 ص 425 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 61 و مجمع الزوائد ج 1 ص 94 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 542 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 86 و المعجم الأوسط ج 2 ص 145 و المعجم الكبير ج 7 ص 139 و تخريج الأحاديث الآثار ج 3 ص 29 و نصب الراية ج 4 ص 389 و الوافي بالوفيات ج 24 ص 211 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 16.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 77 و ج 5 ص 249 عن أحمد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55 و الإصابة ج 2 ص 10 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 19 و مسند أحمد ج 3 ص 425 و مجمع الزوائد ج 8 ص 190 و أسد الغابة ج 2 ص 254.

118

و نقول:

1-قد اختلفوا في اسم المقصود هنا، هل هو:

السائب بن عبد اللّه.

أو عبد اللّه بن السائب.

أو السائب بن عويمر.

أو قيس بن السائب بن عويمر، حسبما روي عنه؟ (1) .

و قول أبو عمر: و هذا أصح ما قيل‏ (2) ، يحتاج إلى ما يعضد صحته، و هو غير موجود.

بل الموجود هو: روايات ضعيفة لا تقوم بها حجة، و لا يثبت بها شي‏ء، فإن ما يرويه السائب لنفسه، يبقى موضع التهمة: بأنه يجر النار إلى قرصه، و ما يرويه مجاهد: هو رواية من لم يشهد تلك الأحوال، و لم يكن قد ولد و لا وجد إلا في عالم الخيال.

2-ما معنى قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرجل لم يسلم بعد:

مرحبا بأخي؟!لمجرد أنه كان قد شاركه في شراء سلعة أو بيعها؟!

____________

(1) الإصابة ج 3 ص 248 عن البغوي، و الحسن بن سفيان، و أبي بشير الدولابي، لكنه قال: أبو قيس. و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 220 و 221 و (ط دار الجيل) ص 1288 و 1289 و الأقوال المشار إليها في السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55 و راجع: الإصابة ج 3 ص 248 و (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 148 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 221 و (ط دار الجيل) ص 1289.

119

3-إن أبا عمر قد روى الرواية عن قيس بن السائب هكذا: روي عنه أنه قال: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شريكي في الجاهلية، فكان خير شريك، لا يداري، و لا يماري. و يروى: لا يشاري و لا يماري» (1) .

و هذا معناه: أن المدح متوجه من قيس بن السائب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي مدح شريكه.

4-عن عبيد اللّه بن السائب، قال: أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة لأبايعه، فقلت: أ تعرفني؟

قال: «نعم، أ لم تكن شريكا لي مرة» ؟ (2) .

فلو صحت هذه الرواية، فهي تدل على: أن الشراكة قد حدثت مرة في ذلك العمر الطويل، كما لو أنهما اشتريا جملا أو شاة بمال لهما معا، ثم باعاه، ثم اقتسما ثمنه. و هذا لا يعطي أي امتياز يستحق التنويه به، سوى أن الشريك قد ملك بعض المال، و استطاع أن يتوافق مع شخص آخر على معاملة لهما في السوق..

5-لو صح أنه كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أخوة و صحبة و شراكة

____________

(1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 220 و 221 و الإصابة ج 3 ص 248 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 468 و لسان العرب ج 14 ص 429 و ج 15 ص 278 و تاج العروس ج 1 ص 152 و ج 19 ص 571 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 222 و أسد الغابة ج 2 ص 253 و التاريخ الكبير ج 5 ص 9 و تفسير الرازي ج 24 ص 242.

(2) الإصابة ج 2 ص 314 عن البغوي و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 90.

120

مع أحد لظهر ذلك للناس، و لكان قد شاع و ذاع، فلما ذا لا نجد أية إشارة لهذة الأخوة، و الشراكة في أي مناسبة أخرى، سوى هذه المناسبة؟

و لما ذا عرف عثمان و سواه هذا الرجل، و حسبوا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرفه، حتى احتاجوا إلى مدحه و الثناء عليه عنده، فإن الصحبة و الشراكة من شأنها أن تظهرا؟!

لأنه إنما يشاركه في المعاملات الظاهرة مع الناس، و في سوقهم، و كما أن صحبته إنما تعني: أن يكونا معا في كثير من الأوقات، فلما ذا ظن الناس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرفه؟!

ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكيا مثلهم، يعرف ما و من يعرفون، و ينكر ما و من ينكرون؟!

و إذا صاحب أحدا و آخاه و شاركه، فإن الناس سوف يرون ذلك، و يطلعون عليه؟!.

الخطبة الثانية للنبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة:
قالوا: خرج غزي من هذيل في الجاهلية، و فيهم جنيدب بن الأدلع الهذلي، يريدون حي «أحمر باسا» من أسلم. و كان «أحمر باسا» رجلا من أسلم شجاعا لا يرام، و كان لا ينام في حيّه، بل ينام خارجا من حاضره.

و كان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفى مكانه، و كان الحاضر إذا أتاهم فزع، صرخوا: يا «أحمر باسا» .

فيثور مثل الأسد، فلما جاءهم ذلك الغزي من هذيل، قال لهم جنيدب بن الأدلع: إن كان أحمر باسا قد قيّل في الحاضر فليس إليهم سبيل، و إن له‏

121

غطيطا لا يخفى، فدعوني أتسمع، فتسمع الحس فسمعه، فأتاه حتى وجده نائما، فقتله، وضع السيف على صدره، ثم اتكأ عليه فقتله.

ثم حملوا على الحيّ، فصاح الحيّ: يا أحمر باسا، فلا شي‏ء لأحمر باسا، قد قتل.

فنالوا من الحي حاجتهم، ثم انصرفوا، و تشاغل الناس بالإسلام.

فلما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع الهذلي مكة يرتاد و ينظر، و الناس آمنون، فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي، فقال: جنيدب بن الأدلع: قاتل «أحمر باسا» ؟

قال: نعم.. فمه؟

فخرج جندب يستجيش عليه حيّه، فكان أول من لقي خراش بن أمية الكعبي فأخبره.

فاشتمل خراش على السيف، ثم أقبل إليه و الناس حوله، و هو يحدثهم عن قتل «أحمر باسا» ، فبينما هم مجتمعون عليه، إذ أقبل خراش بن أمية، فقال: هكذا عن الرجل.

فو اللّه ما ظن الناس إلا أنه يفرج الناس عنه لينصرفوا، فانفرجوا، فحمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه به في بطنه، و ابن الأدلع مستند إلى جدار من جدر مكة، فجعلت حشوته تسيل من بطنه، و إن عينيه لتزنّقان في رأسه، و هو يقول: فعلتموها يا معشر خزاعة؟

فانجعف، فوقع فمات (و هو مشرك) .

فسمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فقال: «يا معشر خزاعة» ، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل، لقد قتلتم قتيلا لأدينّه، إن خراشا

122

لقتّال-يعيبه بذلك-لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت خراشا (1) .

و عند الواقدي: ثم أمر «صلى اللّه عليه و آله» خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ديته.

قال عمران بن الحصين: فكأني أنظر إلى غنم عفر جاءت بها بنو مدلج في العقل‏ (2) .

و عن ابن المسيب: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بني كعب فأعطوا القتيل ماءة من الأبل‏ (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255 و 256 و 257 عن الواقدي، و ابن أبي شيبة، و في هامشه عن: معاني الآثار ج 3 ص 327، و عن فتح الباري ج 12 ص 181 و البداية و النهاية ج 4 ص 350 و المغازي للواقدي ج 2 ص 843 و 844 و 845 و تاريخ الخميس ج 3 ص 89 و 90 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و (ط دار المعرفة) ص 57 و نصب الراية ج 6 ص 322 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 263 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 396 و مسند أحمد ج 4 ص 32 و المعجم الكبير ج 22 ص 186 و كنز العمال ج 10 ص 500 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 38 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 872 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 579.

(2) المغازي للواقدي ج 2 ص 845.

(3) المغازي للواقدي ج 2 ص 846 و مسند أحمد ج 4 ص 32 و فتح الباري ج 4 ص 36 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 327 و المعجم الكبير ج 22 ص 186 و الثقات ج 2 ص 58 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 38 و البداية و النهاية ج 4 ص 350 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 579 و عيون الأثر ج 2 ص 200 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 872.

123

و عن ابن شريح، خويلد بن عمرو العدوي، عن ابن عباس، و ابن منيع، و ابن أبي عمرو. و عن ابن عمر، و عن أبي هريرة، و عن الزهري، و غيرهم، قالوا: لما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه-و هو مشرك-فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا بعد الظهر، و أسند ظهره إلى الكعبة (1) .

و عن أبي هريرة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ركب راحلته، فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال:

«أيها الناس إن اللّه تعالى حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، و يوم خلق الشمس و القمر، و وضع هذين الجبلين، و لم يحرمها الناس، فهي حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر: أن يسفك فيها دما، و لا يعضد فيها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي، و لم تحل لأحد يكون بعدي، و لم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا على أهلها. ألا قد رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قاتل فيها، فقولوا له: إن اللّه تعالى قد أحلها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يحلها لكم.

أيها الناس، إن أعدى الناس على اللّه من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية، «لا يحل أن يحمل السلاح بمكة» .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 256، عن البخاري، و مسلم، و أحمد، و البيهقي، و ابن أبي شيبة، و ابن إسحاق، و الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و 103 و (ط دار المعرفة) ص 56.

غ

124

يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد و اللّه كثر إن نفع، فقد قتلتم قتيلا لأدينّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فديته كاملة، و إن شاؤوا فقتله.

ثم ودى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة. قال ابن هشام: مائة ناقة.

قال ابن هشام: و بلغني أنه أول قتيل وداه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قالوا: إن الرجل الذي قتلته خزاعة هو الأقرع الهذيلي من بني بكر (1) .

و نقول: إننا نسجل هنا ما يلي:

أحلت لي ساعة من نهار:
و قد زعموا-كما تقدم-: أن «الساعة التي أحل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» القتل فيها بمكة، هي: «من صبيحة يوم الفتح إلى العصر» (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255 و 256 و 257، عن ابن أبي شيبة، و المغازي للواقدي ج 2 ص 844 و السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 عن الإكتفاء، و المواهب اللدنية، و راجع: فتح الباري ج 12 ص 181 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 338 و البداية و النهاية ج 4 ص 349 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 871 و 872 و الإصابة ج 1 ص 611.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268، عن أحمد، و البيهقي، و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص و السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و (ط دار المعرفة) ص 56 و سبل السلام ج 4 ص 54 و نيل الأوطار ج 8 ص 175 و فتح الباري ج 8 ص 13 و عمدة القاري ج 17 ص 282.

125

و قد أشرنا إلى بعض الكلام حول هذا الأمر فلا داعي للإعادة.

دية القتيل المشرك:
و تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ودى قتيل خزاعة-و لم يكن مسلما- بماءة ناقة.

و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حكم: أن من قتل قتيلا فعليه مئة كاملة، و إن شاؤوا فقتله.

و ظاهر الكلام: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يتحدث حتى عما لو كان المقتول غير مسلم.

مع أن الصحيح الثابت هو: أن المسلم لا يقتل بغير المسلم.. بل يعطى:

نصف الدية، و لا يعطى الدية كاملة.

و لعل الأقرب إلى الصحة و الإعتبار هو ما ذكروه: من أن خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، و كان له عهد، فخطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به» (1) .

و قال: «لا يقتل مؤمن بكافر» (2) .

____________

(1) المجموع للنووي ج 18 ص 356 و نيل الأوطار ج 7 ص 153 و الغدير ج 8 ص 172 و فتح الباري ج 12 ص 232 و المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 110.

(2) الخلاف الشيخ الطوسي ج 5 ص 147 و تحرير الأحكام ج 5 ص 456 و الينابيع الفقهية ج 40 ق 1 ص 123 و ق 2 ص 6 و كتاب الأم للشافعي ج 6 ص 26 و 40 و 40 و 113 و ج 7 ص 187 و 275 و 338 و 339 و 340 و مختصر المزني-

126

____________

ق-ص 237 و المجموع للنووي ج 18 ص 356 و 357 و المبسوط للسرخسي ج 26 ص 131 و 134 و بدائع الصنائع ج 7 ص 237 و الجوهر النقي ج 8 ص 34 و 100 و تكملة حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 1 ص 99 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 9 ص 361 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 349 و 353 و 354 و 355 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 39 و 338 و 339 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 2 ص 325 و 326 و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 150 و 151 و 152 و 153 و فقه السنة ج 2 ص 528 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 248 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 263 و عوالي اللآلي ج 1 ص 235 و ج 3 ص 588 و البحار ج 93 ص 81 و ج 97 ص 32 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 207 و الغدير ج 8 ص 168 و 170 و 172 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 122 و 123 و 125 و 127 و اختلاف الحديث للشافعي ص 565 و 566 و مسند أحمد ج 1 ص 119 و 122 و ج 2 ص 180 و 194 و 211 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 888 و سنن أبي داود ج 1 ص 625 و ج 2 ص 368 و 375 و سنن الترمذي الترمذي ج 2 ص 433 و سنن النسائي ج 8 ص 20 و 24 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 141 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 29 و 30 و 31 و 100 و 194 و مجمع الزوائد ج 6 ص 292 و فتح الباري ج 4 ص 73 و ج 12 ص 180 و 231 و 232 و عمدة القاري ج 2 ص 161 و 162 و عمدة القاري ج 10 ص 233 و ج 24 ص 66 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 557 و عون المعبود ج 7 ص 303 و ج 12 ص 145 و 168 و 169 و المصنف ابن أبي شيبة الكوفي ج 6 ص 364 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 217 و 218 و 220 و السنن الكبرى النسائي ج 5 ص 208 و 209 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 424 و 462 و المنتقى من السنن المسندة ص 269 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 26 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 192 و 193 و 194 و المعجم الكبير ج 20 ص 206 و سنن الدارقطني ج 3 ص 100-

127

و لم يقل: إن أهل القتيل إن رضوا بالدية فبها، و إن لم يرضوا بها فلهم

____________

ق-و معرفة علوم الحديث ص 139 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 6 ص 149 و 155 و 232 و 236 و 266 و 267 و 268 و 269 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 36 و ج 8 ص 121 و 122 و 123 و 124 و 177 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 234 و الكافي لابن عبد البر ص 587 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 227 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 1 ص 108 و ج 2 ص 337 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 246 و ج 6 ص 329 و 330 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 2 ص 262 و كنز العمال ج 1 ص 92 و 93 و ج 4 ص 435 و ج 11 ص 327 و 336 و ج 14 ص 130 و ج 15 ص 6 و 96 و ج 16 ص 709 و أحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي ج 1 ص 275 و 284 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 173 و 174 و 175 و مفردات غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص 350 و تفسير الرازي ج 19 ص 146 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 178 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 148 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 208 و عدة الأصول (ط ج) ج 2 ص 445 و (ط ق) ج 3 ص 11 و معارج الأصول ص 100 و المستصفى للغزالي ص 256 و 325 و المحصول للرازي ج 3 ص 136 و 138 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 98 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 332 و الكامل لابن عدي ج 7 ص 191 و تهذيب الكمال للمزي ج 26 ص 28 و تاريخ الإسلام الذهبي ج 2 ص 557 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 484 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 310 و غريب الحديث لابن سلام ج 2 ص 104 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 325 و لسان العرب ج 3 ص 312 و مجمع البحرين الشيخ ج 3 ص 267 و تاج العروس ج 5 ص 145 و نهج الحق و كشف الصدق ص 542 و 543 و تدوين السنة الشريفة للجلالي ص 54.

128

أن يقتلوه. كما تزعم بعض الروايات.

و نوضح ذلك فيما يلي:

1-إن النصوص الكثيرة صرحت: بأنه لا يقتل مسلم (أو مؤمن) بكافر (1) . و يشهد لهذا: نفس خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» التي نحن

____________

(1) راجع: سنن ابن ماجة ج 2 ص 887 و 888 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 7 و 18 و مسند أحمد ج 1 ص 79 و 119 و 122 و ج 2 ص 211، و كتاب الأم ج 6 ص 33 و 92 و ج 7 ص 255 و سنن النسائي ج 8 ص 23 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 28 و 29 و 30 و 194 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 2534 ح 6517 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 65 و 165 و 169 و الإعتبار للحازمي ص 190 و 189 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 210 و سنن أبي داود ج 4 ص 180 و 181 و نيل الأوطار ج 7 ص 10 و 150 و 152 و 153 و الديات لأبي عاصم ص 27 و 51 و مغني المحتاج ج 4 ص 16 و حواشي الشيرواني ج 8 ص 400 و إعانة الطالبيين ج 4 ص 134 و المغني ج 9 ص 341 و 342 و ج 10 ص 307 و الشرح الكبير ج 9 ص 360 و 361 و ج 10 ص 306 و كشف القناع ج 5 ص 616 و المحلى ج 10 ص 353 و نيل الأوطار ج 7 ص 150 و 152 و 153 و 154 و عوالي اللآلي ج 2 ص 158 و الغدير ج 8 ص 168 و 171 و 172 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 114 و 122 و 125 و كتاب المسند ص 344 و مسند أحمد ج 2 ص 178 و 180 و 192 و سنن الدارمي ج 2 ص 190 و صحيح البخاري ج 1 ص 36 و ج 4 ص 30 و ج 8 ص 45 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 887 و سنن الترمذي ج 2 ص 432 و سنن النسائي ج 8 ص 24 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 28 و 29 و 30 و 33 و 34 و مجمع الزوائد ج 6 ص 293 و فتح الباري ج 4 ص 73 و ج 12 ص 232 و عمدة القاري ج 2 ص 161 و 162 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 557 و المصنف للصنعاني ج 9-

129

بصدد الحديث عنها، فراجعها فيما تقدم.

2-قد صرحت النصوص الكثيرة أيضا: بأن دية الكافر هي نصف دية المسلم‏ (1) .

____________

ق-ص 404 و ج 10 ص 99 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 363 ج 6 ص 363 و 364 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 220 و مسند ابي يعلى ج 1 ص 351 و ج 8 ص 197 و المنتقى من السنن المسندة ص 201 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 192 و 196 و الأحاديث الطوال ص 150 و المعجم الأوسط ج 3 ص 81 و سنن الدارقطني ج 3 ص 99 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 151 و ج 7 ص 38 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 158 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 281 و نصب الراية ج 4 ص 246 و ج 6 ص 329 و الجامع الصغير ج 2 ص 758 و كنز العمال ج 1 ص 98 و 99 و 375 و ج 5 ص 847 و ج 15 ص 6 و فيض القدير ج 6 ص 58 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 173 و تفسير الثعلبى ج 2 ص 54 و أحكام القرآن لابن عربي ج 2 ص 129 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 247 و ج 6 ص 191 و ج 7 ص 134 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 215 و ج 2 ص 59 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 191 و الأحكام لابن حزم ج 5 ص 641 و الأحكام للآمدي ج 2 ص 258 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 486 و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 41 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 148 و تاريخ الإسلام ج 9 ص 390 و البداية و النهاية ج 7 ص 297 و 298 و إمتاع ألأسماع ج 1 ص 393 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 243 و ج 9 ص 212 و السيرة الحلبية ج 3 ص 49 و غريب الحديث ج 2 ص 102 و 106 و 107 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 325 و لسان العرب ج 3 ص 312.

(1) الديات لأبي عاصم ص 51 و سنن النسائي ج 8 ص 45 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 18 و أمالي الطوسي ص 263 و البحار ج 93 ص 81 و ج 97-

130

و في بعض النصوص عبر: بالمعاهد (1) .

و في بعضها عبر: بأهل الكتاب‏ (2) .

____________

ق-ص 32 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 29 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 361 و المنتقى من السنن المسندة ص 264 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 26 و الإستذكار ج 8 ص 117 و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 52 و الدراية في تخريج أحاديث الرواية ج 2 ص 274 و نيل الأوطار ج 7 ص 221 و 222 و مسند أحمد ج 2 ص 180 و سنن الترمذي ج 2 ص 433 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 558 و سنن الدارقطني ج 3 ص 102 و التمهيد ج 17 ص 360 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ج 2 ص 246 و نصب الراية ج 6 ص 385 و الجامع الصغير ج 1 ص 652 و كنز العمال ج 16 ص 709 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 300 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 557 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 548.

(1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 386 و المغني ج 9 ص 528 و الشرح الكبير ج 9 ص 522 و سبل السلام ج 3 ص 251 و نيل الأوطار ج 7 ص 224 و الغدير ج 8 ص 172 و سنن أبي داود ج 2 ص 386 و مجمع الزوائد ج 6 ص 299 و عون المعبود ج 12 ص 210 و المعجم الأوسط ج 7 ص 309 و التمهيد ج 17 ص 360 و نصب الراية ج 6 ص 386 و الدراية في تخريج أحاديث الرواية ج 2 ص 274 و الجامع الصغير ج 1 ص 652 و كنز العمال ج 15 ص 54 و شرح مسند أبي حنيفة ص 2080 و أضواء البيان ج 3 ص 115.

(2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 883 و سنن النسائي ج 8 ص 45 و سنن أبي داود ج 4 ص 184 و 194 و راجع: كتاب الأم ج 7 ص 291 و فقه السنة ج 2 ص 564 و سن الدارقطني ج 3 ص 120.

131

و لا يعقل أن تكون دية المشرك أكثر من دية الكتابي، فضلا عن أن تصل الى مستوى دية المسلم المؤمن!!

3-على أن نفس تناقض النصوص يشير إلى عدم إمكان الإعتماد على ما زعموه في أمر قاتل «أحمر بأسا» ، فهل أعطي الدية مائة من الإبل؟!أم أعطاهم غنما؟!و هل خطب و هو مسند ظهره إلى الكعبة؟!أم خطب و هو على ظهر راحلته؟!

4-قوله «صلى اللّه عليه و آله» في الخطبة عن مكة: «و لم تحل لي إلا هذه الساعة» يتناقض مع النصوص الأخرى..

لأن المفروض: أنها إنما أحلت له ساعة من نهار في أول يوم من أيام الفتح.

و الخطبة المتقدمة تصرح: بأن قتل الهذلي كان في اليوم التالي.

ثم إن الحكم في قتيل المشركين هو: تخيير أهله بين أن يقتلوا القاتل، و بين أن يأخذوا الدية. فلما ذا فرض عليهم الدية، ثم حكم بهذا التخيير على من يأتي بعد ذلك؟!

و لكن أبا حنيفة خالف في ذلك، فقال: إن دية غير المسلم كدية المسلم‏ (1) .

____________

(1) راجع: الغدير ج 8 ص 172 عن شرح سنن ابن ماجة في ذيل الحديث المشار إليه، و راجع: الخلاف للطوسي ج 5 ص 265 و جامع الخلاف و الوفاق ص 563 و الينابيع الفقهية ج 40 ق 2 ص 72 و مغني المحتاج ج 4 ص 57 و حواشي الشرواني ج 8 ص 456 و نيل الأوطار ج 7 ص 222 و فقه السنة ج 2 ص 566 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 245 و نصب الراية ج 6 ص 390 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 276 و كنز العمال ج 15 ص 140 و شرح مسند أبي حنيفة ص 209 و تفسير الرازي ج 10 ص 236.

132

لما ذا التزوير؟!
و قد يحق للبعض: أن يحتمل، أو يظن: بأن سبب هذا الخلاف هو السعي إلى تنزيه رأي بعض الخلفاء عن الزلل و الخطل، أو لأجل اعتبار كلامهم تشريعا و سنة، يمكن الأخذ بها حتى حينما تخالف شرع اللّه و سنة رسوله.. و خصوصا إذا كان ذلك الخليفة هو عمر بن الخطاب، فقد قالوا:

إن عمر بن الخطاب قدم الشام، فوجد رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فهمّ أن يقيده، فقال له زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك؟

فجعله عمر دية (1) .

و في نص آخر: أن أبا عبيدة اعترض على عمر في قصة مشابهة، فعدل إلى الدية (2) .

و لعلهما قصة واحدة، و يكون أبو عبيدة و زيد قد اعترضا معا على عمر. إلا إذا ثبت: أن أحدهما لم يكن مع عمر في سفره إلى الشام.

و في حادثة أخرى: ضرب عبادة بن الصامت ذميا (نبطيا) ، فشجه، لأنه أبى أن يمسك له دابته، فأراد عمر أن يقتص له منه، فقال زيد بن ثابت:

____________

(1) راجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 100 و الغدير ج 6 ص 133 عن كنز العمال ج 15 ص 94 و 97 عن عبد الرزاق، و ابن جرير، و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 32 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 419 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 154 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 297 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 31.

(2) السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 32 و كنز العمال ج 15 ص 94 و 97 و الغدير ج 6 ص 133.

133

أتقيد عبدك من أخيك، فترك القود، و قضى عليه بالدية (1) .

و في عهد عثمان: تتكرر الحوادث بنفس الطريقة، و تكون لها نفس النتائج، فراجع المصادر (2) .

و لعل هذا هو الذي دعا أبا حنيفة للحكم بلزوم كامل الدية في غير المسلمين..

أول قتيل وداه النبي صلّى اللّه عليه و آله:
و قد تقدم: أن ابن هشام زعم: أن هذا القتيل الذي قتلته خزاعة، هو أول قتيل وداه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» !!

لكن هذا غير مسلم، فقد تقدم أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد ودى قتيلا هو في خيبر (3) فراجع.

لعلها خطبة أخرى في مكة:
روي في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان، عن أبيه، عن

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 32 و كنز العمال ج 15 ص 94 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 6 ص 154 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 297 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 31 و الغدير ج 6 ص 133 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 440.

(2) راجع: كتاب الأم ج 7 ص 338 و 339 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 33 و 76 و الجوهر النقي ج 8 ص 33 و الغدير ج 8 ص 167 و كتاب المسند ص 344 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 150.

(3) السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و راجع: عون المعبود ج 12 ص 188 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 317 و حاشية السندي على النسائي ج 8 ص 44.

غ

134

أبي جعفر «عليه السلام» . و نقله المجلسي عن كتاب المؤمن، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر «عليه السلام» ، قال:

«لما كان يوم فتح مكة، قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب، إن اللّه تبارك و تعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، و التفاخر بآبائها و عشائرها.

أيها الناس إنكم من آدم، و آدم من طين.

ألا و إن خيركم عند اللّه و أكرمكم عليه أتقاكم و أطوعكم له.

ألا و إن العربية ليست بأب والد، و لكنها لسان ناطق، فمن طعن بينكم، و علم أنه يبلغه رضوان اللّه حسبه.

ألا و إن كل دم مظلمة، أو إحنة، كانت في الجاهلية، فهي مطل تحت قدمي إلى يوم القيامة» (1) .

و روى عدة من أصحابنا، عن أحمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن

____________

(1) البحار ج 21 ص 137 و 138 و ج 64 ص 175 و ج 70 ص 293 عن الكافي ج 8 ص 246 و عن ج 1 ص 403 و 404 عن كتاب المؤمن، و دعائم الإسلام ج 2 ص 199 و معاني الأخبار ص 207 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 339 و مستدرك الوسائل ج 12 ص 89 و ج 14 ص 184 و كتاب الزهد ص 56 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 75 و ج 20 ص 76 و درر الأخبار ص 498 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 60 و لسان العرب ج 15 ص 324 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 286.

135

أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطب الناس في مسجد الخيف، فقال:

نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها، و حفظها، و بلغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غير فقيه، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل للّه، و النصحية لأئمة المسلمين، و اللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، و يسعى بذمّتهم أدناهم‏ (1) .

و نقول:

قد صرحت الرواية المتقدمة عن الإمام أبي جعفر «عليه السلام» : بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب الناس بمكة يوم الفتح..

أما الرواية الثانية عن الإمام الصادق «عليه السلام» فليس فيها ما يدل على: أن ذلك كان في يوم الفتح، فلعل ذلك كان في حجة الوادع.

____________

(1) راجع: شرح أصول الكافي ج 7 ص 14 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 9 ص 525 و ج 29 ص 75 و 76 و (ط دار الإسلامية) ج 6 ص 366 و ج 19 ص 55 و 56 و البحار ج 27 ص 68 و 69 و ج 37 ص 114 و ج 67 ص 242 و ج 74 ص 130 و 146 و ج 97 ص 46 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 230 و مكيال المكارم ج 2 ص 235 و أمالي الصدوق ص 432 و تحف العقول ص 43 و الغارات ج 2 ص 828 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 83 و ج 9 ص 126 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 128 و تفسير القمي ج 1 ص 173.

136

كما أن من القريب جدا: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» ، قد خطب الناس في فتح مكة مرات عديدة، حيث إن إقامته فيها قد امتدت أياما كثيرة، كما تقدم في أوائل الحديث عن فتح مكة..

فلعل ما روي عن الإمام أبي جعفر «عليه السلام» يراد به إحدى تلك الخطب.

و من جهة أخرى، فإن التأمل في هذه الخطبة يعطي: أن ثمة أمورا كثيرة كان «صلى اللّه عليه و آله» يتصدى لمعالجتها.

و قد ركزت هذه الخطبة على العصبية العربية، و نخوة الجاهلية، و التفاخر بالآباء، و العشائر.

و بعد أن قدم الدليل العقلي على عدم صحة ذلك، باعتبار: أن الجميع من آدم، و آدم من طين. و لا معنى للتفريق، و لا موجب لتمييز هذا على ذاك، و لا العكس.

و حيث إن التناسل، و الولادة من هذا الأب أو من ذاك، في المكان و الزمان المحدد ليست من الأمور الاختيارية للإنسان، فقد أعطى ضابطة تخضع للإختيار، و يقدر عليها البشر كلهم، و هي: التقوى و العمل الصالح، و الطاعة للّه سبحانه تعالى، لا للطواغيت، و لا للأهواء.

و أما اللغة فإنها هي الأخرى لا تعطي امتيازا، لأنها مجرد وسيلة تعبير، و لسان ناطق، فلا معنى للتعصب لها. حتى لو قلنا: بأن الأبوة و الوالدية تبرر التعصب.

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعلن بطلان كل مظلمة، أو إحنة كانت في الجاهلية. و أعلن أنها تحت قدميه إلى يوم القيامة.

137

و بذلك يكون قد أعطى الضابطة، و رسم المنطلق الصحيح لعلاقات الناس ببعضهم البعض. و أعلن موقفه من منطق الجاهلية، و غسل بذلك أدرانها، و خلص الناس من تبعاتها..

تجديد أنصاب الحرم:
قالوا: أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم «عليه السلام» ، كان جبريل «عليه السلام» يدله على مواضعها. فلم تحرك حتى كان إسماعيل «عليه السلام» فجددها، ثم لم تحرك حتى كان قصي بن كلاب فجددها، ثم لم تحرك حتى كان يوم الفتح، فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تميم بن أسد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم‏ (1) .

و نقول:

إن هذا التسلسل الذي ذكروه فيمن تصدى لتجديد أنصاب الحرم يشير إلى أن هناك أناسا اختارهم اللّه تعالى لهذا الأمر..

و لعلنا نستطيع أن نفهم من اختيار هؤلاء الأشخاص لذلك أمرين:

أحدهما: أن قصي بن كلاب، و هو أحد آباء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن إنسانا عاديا، بل لعله كان من الأنبياء، بل من ذوي المراتب

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 203 و ج 5 ص 249 عن الواقدي، و الأزرقي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 842 و فقه السنة ج 1 ص 689 و كنز العمال ج 14 ص 113 و الدر المنثور ج 1 ص 122 و 123 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 137 و ج 4 ص 295 و أسد الغابة ج 1 ص 214 و الإصابة ج 1 ص 487 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 395 و عيون الأثر ج 2 ص 202.

138

العليا فيهم. و قد تقدم في بعض المواضع من هذا الكتاب: أن الحديث الذي يقول: ما زال اللّه ينقلني من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجني من صلب أبي عبد اللّه‏ (1) يدل على أن قصيا كان من الأنبياء أيضا.

الثاني: إن الذين تصدوا لوضع أنصاب الحرم، و لتجديدها هم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و آباؤه الطاهرون. و ليس فيهم أي نبي من غير آبائه «صلى اللّه عليه و آله» ..

و في هذا إشارة ظاهرة إلى موقع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من هذا البيت، و هذا البلد، و اختصاص إبراهيم، و إسماعيل، و ذريته به. كما أن اقتران اسم قصي باسم هؤلاء الأنبياء العظام يدل على مقامه، و علو درجته أيضا.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقترض أموالا و يقسمها:
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي قال:

أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح، فاستسلف من عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة أربعين ألف درهم، فأعطاه، فلما فتح اللّه تعالى هوازن، و غنّمه أموالها ردها، و قال: «إنما جزاء السلف الحمد و الأداء» .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 235، و راجع: مجمع الزوائد ج 7 ص 86 و تفسير السمعاني ج 4 ص 71 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 365 و إختيار معرفة الرجال ج 2 ص 448 و معجم رجال الحديث ج 18 ص 132 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 190 و البحار ج 15 ص 3 و ج 37 ص 175 و تفسير فرات ص 505.

139

و قال له: «بارك اللّه لك في مالك و ولدك» (1) .

و عن أبي حصين الهذلي، قال: استقرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ثلاثة نفر من قريش، من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه. و من عبد اللّه بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم. و من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين و مائة ألف درهم، فقسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين أصحابه من أهل الضعف.

قال أبو حصين: فأخبرني رجال من بني كنانة كانوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الفتح: أنه قسم فيهم دراهم، فيصيب الرجل خمسين درهما، أو أقل، أو أكثر من ذلك‏ (2) .

زاد الواقدي قوله: و من ذلك المال بعث إلى بني جذيمة (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 257 عن الواقدي و نقله في هامشه عن: المغازي الواقدي ج 2 ص 863 و النسائي في البيوع باب 97، و البيهقي في السنن ج 5 ص 355 و أبي نعيم في الحلية ج 7 ص 111 و البخاري في التاريخ ج 5 ص 10 و ابن السني ص 272، و مسند أحمد ج 4 ص 36 و ابن ماجة (2424) و راجع:

السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 57 و ج 6 ص 101 و الأذكار النووية ص 310 و سنن النسائي ج 7 ص 314 و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 58 و الإصابة ج 4 ص 70 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 و المغازي للواقدي ج 2 ص 863 و 864 و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 و المغازي للواقدي ج 2 ص 864 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.

140

فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعد الفقراء من أصحابه بالمال، و لا يمنّيهم به، كما أنه لا ينتظر إلى حين حصول المال عنده ليفرقه عليهم، بل هو حين يرى حاجة أصحابه، يبادر إلى الاستدانة، لسد عوز اهل الحاجة منهم.

و حين أوقع خالد بن الوليد ببني جذيمة بغير حق، بادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إصلاح الخلل، و رتق الفتق من هذا المال الذي اقترضه.

و أصبح هو المسؤول عن أدائه كشخص.

فهو «صلى اللّه عليه و آله» حين أخذ المال للفقراء من أصحابه، ثم للمظلومين بسبب عدوان خالد لم يجعل أداء المال المقترض بعهدة بيت المال. و لم يشرك معه أحدا في تحمل مسؤولية الأداء، و لا طالب خالدا و من معه بشي‏ء مما أخذوه، أو أتلفوه، أو تسببوا بنشوء حق فيه، بل تحمل هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» كامل المسؤولية عن الأداء.

على أن ثمة أمرا آخر تحسن الإشارة إليه، و هو أن اقتراض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم أداؤه لما اقترضه، يعطي دروسا للناس في ذلك المحيط الجديد، مفادها:

1-أنه رغم كل هذا الاتساع في النفوذ، و كل هذه النجاحات التي حققها «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يهدف إلى الإحتفاظ بالمال ليكون ذا قوة إقتصادية هائلة.

2-إنه برغم انتصاره العظيم الذي لم تمض بضعة أيام على حصوله لا يأخذ شيئا من أموال هؤلاء الذين حاربوه طيلة كل تلك السنين، و قد هيمن الآن على بلادهم بقوة السلاح، رغم أن له الحق في أخذ تلك الأموال، كما كان له الحق في استرقاق محاربيه منهم، و لكنه لم يفعل ذلك، بل أطلقهم، و لم‏

141

يتعرض لأموالهم. رغم حاجة و فقر أصحابه الذين تحملوا المشقات، و عانوا الكثير معه، لكسر شوكة هؤلاء الطغاة و الظالمين و الجبارين.

3-إنه لم يستعمل نفوذه، و لا استفاد من هيبة النصر، و من إطلاق سراح أرقائه لاستدراج هؤلاء الذين ينعمون بعفوه، و يسرحون و يمرحون مستفيدين من حلمه و كرمه-استدراجهم-إلى تقديم هدايا الشكر، و التعبير عن الإمتنان مما لا قوه لديه من عفو و كرم و سماح!

4-و حين أدى إليهم ما اقترضه كان الشعار الذي رفعه هو أن «جزاء السلف الحمد، و الأداء» ، ليكون بذلك قد أعطاهم الأمثولة في أداء الأقوياء، و أنه لا بد أن يكون أداء مع عرفان الجميل، و مع حمد و ثناء.

5-إن هذا الأداء مع الحمد لا بد أن يقنعهم بأنه لا مطمع له بأموالهم، و أنه لا يريد قهرهم و التعامل معهم بجبارية و استكبار..

6-و آخر كلمة نقولها هي: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يعطيهم درسا عن كيفية تعامل القائد و الرئيس مع مرؤوسيه، و عن أنه لا بد أن يشعر بآلامهم، و يعيش مشاكلهم، و أن يعمل على حلها، مهما كلفه ذلك من تضحيات.

ضفائر أربع!!أم وفرة؟!:
عن أم سلمة قالت: ضفرت رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذي الحليفة أربع ضفائر، فلم يحلّه حتى فتح مكة، و مقامه بمكة حتى حين أراد أن يخرج إلى حنين حلّه، و غسلت رأسه بسدر (1) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 868.

142

و عن أم هانئ قالت: قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة و له أربع غدائر تعني ضفائر (1) .

و نقول:

إن ما نعرفه عن شعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو أنه وفرة لم يبلغ الفرق، فكان إذا طال لم يتجاوز شحمة أذنه‏ (2) .

فمن وصف شعره «صلى اللّه عليه و آله» بأنه جمّة، و هو الشعر الذي ينزل على المنكبين، أو لمّة، و هو الشعر الذي يتجاوز شحمة الأذنين، فلعله أخذه من الحديث الذي ذكرناه آنفا، من أنه قد ضفر شعره يوم الفتح أربع ضفائر.

____________

(1) و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 57 و ج 8 ص 536 و كنز العمال ج 7 ص 162 و البداية و النهاية ج 6 ص 23 و مسند أحمد ج 6 ص 425 و سنن أبي داود ج 2 ص 288 و سنن الترمذي ج 3 ص 156 و فتح الباري ج 6 ص 416 و ج 10 ص 304 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 389 و 390 و عون المعبود ج 11 ص 163 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 23 و الشمائل المحمدية للترمذي ص 31 و المعجم الكبير ج 24 ص 429 و الطبقات لابن سعد ج 1 ص 429 و السيرة الحلبية ج 3 ص 333 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 160 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1199 و تاريخ بغداد ج 10 ص 438.

(2) مكارم الأخلاق ص 70 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 17 عن ابن عساكر، و الجامع للشرايع ص 29 و الحدائق الناضرة ج 5 ص 556 و الينابيع الفقهية ج 2 ص 614 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 129 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 1 ص 417 و مناقب الإمام أمير المؤمنين ج 1 ص 18 و البحار ج 73 ص 83 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 603 و فتح الباري ج 6 ص 416 و مجمع البحرين ج 4 ص 526.

143

و نظن أن بعض من يريد هؤلاء الرواة تقديم خدمات لهم من الأمويين، أو الزبيريين، أو من غيرهم كانوا يطيلون شعرهم، و يجعلونه ضفائر، فأرادوا أن لا يعاب ذلك عليهم، فجعلو للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا نصيبا، إذ من أجل عين ألف عين تكرم.

رفع شعر النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى السماء:
و روي: أنه كان «صلى اللّه عليه و آله» يتمشط و يرجل رأسه بالمدرى، و ترجله نساؤه، و تتفقد نساؤه تسريحه، إذا سرح رأسه و لحيته، فيأخذن المشاطة، فيقال: إن الشعر الذي في أيدي الناس من تلك المشاطات، فأما ما حلق في عمرته و حجته فإن جبريل «عليه السلام» كان ينزل فيأخذه فيعرج به إلى السماء. و لربما سرح لحيته في اليوم مرتين‏ (1) .

و من المعلوم: أن الروايات قد صرحت: بأن جسد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رفع إلى السماء بعد استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» بثلاثة أيام‏ (2) .

____________

(1) مكارم الأخلاق ص 33 و البحار ج 16 ص 248 و ج 73 ص 116 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 11 و راجع: مستدرك الوسائل ج 1 ص 443 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 617 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 155.

(2) راجع: الرسائل العشر ص 316 و الكافي ج 4 ص 567 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 577 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 173 و الوسائل (ط آل البيت) ج 14 ص 323 و (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 254 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 188 و 189 و المزار للمفيد ص 221 و عوالي اللآلي ج 4 ص 84 و البحار ج 11 ص 67 و ج 22 ص 550 و ج 27 ص 299 و ج 97 ص 130 و تفسير نور الثقلين-

144

و إذا كان دفن الشعر، و قلامة الأظفار يستحب دفنهما، و إذا كان جسد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يرفع إلى السماء، فمن الطبيعي أن يتولى جبرئيل رفع هذه الأمور التي تعود إلى جسده الشريف بنحو أو بآخر إلى السماء، لتكون في نفس الموضع الذي يكون فيه جسده الشريف، تكريما له «صلى اللّه عليه و آله» و رفعة شأن.

شعرات النبي صلّى اللّه عليه و آله لا تحترق:
و من الواضح: أن لكل شي‏ء من جسده «صلى اللّه عليه و آله» كرامة و مقاما، و أن له شأنا يختلف فيه عن غيره.

و قد روي: أن رجلا من ولد الأنصار أتى إلى الإمام الرضا «عليه السلام» بحقة فضة مقفل عليها، و قال: لم يتحفك أحد بمثلها.

ففتحها و أخرج منها سبع شعرات، و قال: هذا شعر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فميّز الرضا «عليه السلام» أربع طاقات منها، و قال: هذا شعره، فقبل في ظاهره دون باطنه.

ثم إن الرضا «عليه السلام» أخرجه من الشبهة بأن وضع الثلاثة على النار فاحترقت ثم وضع الأربعة فصارت كالذهب‏ (1) .

____________

ق-ج 5 ص 119 و منتقى الجمان ج 1 ص 318 و مجمع البحرين ج 1 ص 231 و راجع: بصائر الدرجات ص 465 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 106 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 259 و الذريعة ج 13 ص 206 و الدر النظيم ص 422.

(1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 458 و مدينة المعاجز ج 7 ص 235 و 236 و البحار ج 49 ص 59 و 60 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 250 و ج 2 ص 482.

145

و روي عن عيسى بن موسى العماني، قال: دخل الرضا «عليه السلام» على المأمون فوجد فيه هما.

فقال: «إنى أرى فيك هما» ؟

قال‏[المأمون‏]: نعم بالباب بدوي، و إنه قد دفع سبع شعرات يزعم أنها من لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد طلب الجائزة، فإن كان صادقا و منعت الجائزة فقد بخست شرفي، و إن كان كاذبا و أعطيته الجائزة فقد سخر بي، و ما أدرى ما أعمل به؟

فقال الرضا «عليه السلام» : عليّ بالشعر، فلما رآه سمه، و قال: «هذه أربعة من لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الباقى ليس من لحيته» .

فقال المأمون: من أين قلت هذا؟

فقال: عليّ بالنار (و الشعر) .

فألقى الشعر في النار، فاحترقت ثلاث شعرات، و بقيت الأربع التى أخرجها الرضا «عليه السلام» لم يكن للنار عليها سبيل.

فقال المأمون: عليّ بالبدوي.

فأدخل، فلما مثل بين يديه أمر بضرب رقبته.. فقال البدوي: ما ذنبي؟

قال: تصدق عن الشعر.

فقال: أربع من لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ثلاث من لحيتى، فتمكن الحسد في قلب المأمون‏ (1) .

____________

(1) الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص 497 و مدينة المعاجز ج 7 ص 235 و 236 و فرائد السمطين ج 2 ص 208 ح 487 و راجع: مستدرك سفينة البحار-

146

جبر: الغلام المعذب:
و قالوا: إن غلاما اسمه «جبر» كان قد أسلم على يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كتم ذلك عن أهله فلا يدرون به، فلما ارتد ابن أبي سرح إلى مكة أخبرهم بإسلام ذلك الغلام، فعذبوه أشد العذاب، حتى قال لهم الذي يريدون.

فلما فتح النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة جاء الغلام فشكا إليه ما لقي بسبب ابن أبي سرح.

قال: فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثمنه، فاشترى نفسه فعتق، و استغنى، و نكح امرأة لها شرف‏ (1) .

و نقول:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حل مشكلة ذلك الغلام، بصورة أساسية من ثلاث جهات:

1-أعطاه ما اشترى به نفسه من جلاديه، الذين عذبوه أشد العذاب، و حصل على نعمة الحرية، و هي من أغلى الأمنيات عنده.

2-أعطاه ما أغناه..

3-تزوج امرأة لها شرف.

____________

ق-ج 5 ص 421 و البحار ج 49 ص 59 و إثبات الهداة ج 6 ص 154 و شرح إحقاق الحق ج 33 ص 844.

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 865 و 866 و الإصابة ج 4 ص 225 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 5.

147

و لنا أن نشير أيضا إلى مايلي:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشتر ذلك الغلام من صاحبه، بل أعطاه المال، و كان هو اشترى نفسه منه، فعتق بصورة تلقائية، لأن الإنسان لا يملك نفسه.

و لو أن أحدا كان قد اشتراه، فسيبقى بانتظار إنشاء صيغة العتق من قبل ذلك المشتري.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأخذ ذلك الغلام من صاحبه قهرا.

3-إننا لم نستطع أن نعرف من الذي قام بتعذيب ذلك الغلام. هل هو مالكه نفسه؟أم آخرون من سائر أهله، أم من غيرهم من فراعنة قريش؟!

مظاهر تقوى ابن عبادة:
لما فتح «صلى اللّه عليه و آله» مكة جلس عبد الرحمن بن عوف في مجلس جماعة، منهم سعد بن عبادة، فمرّ نسوة من قريش، فقال سعد: قد كان يذكر لنا من نساء قريش حسن و جمال، ما رأيناهن كذلك.

فغضب ابن عوف، وجبه سعدا، فشكاه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فغضب «صلى اللّه عليه و آله» حتى كان وجهه ليتوقد، ثم قال:

«رأيتهن و قد أصبن بآبائهن، و أبنائهن، و إخوانهن، و أزواجهن. خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد، و أبذله لزوج ما ملكت يد» (1) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 867.

148

و نقول:

إن هذه القضية إن دلت على شي‏ء، فإنها تدل على الأمور التالية:

1-إن سعد بن عبادة الذي رشح نفسه لخلافة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يوكل الأمر إلى من عينه اللّه و رسوله، فيكون معه، و رهن إشارته، و طوع أمره.

نعم، إن سعدا هذا لا يفكر في مستقبل الإسلام في مكة، و في المنطقة بأسرها.. و في كيفية حمايته، و تقويته، و نشره، و لكنه يفكر في أمور تدعوه إليها شهوته، و يزينها له هواه، و تعبث به من خلالها شياطين الغواية و الإضلال..

ثم لم يردعه شرفه، و موقعه، و لا منعه دينه و تقواه، من أن يتصفح وجوه النساء حتى لو كن محصنات، ليتبين معالم الجمال في تلك الوجوه، ثم يقارن بين ما يراه و ما سمعه..

2-ثم يغضب عبد الرحمن بن عوف، و يجبه سعدا، و لا ندري إن كان قد غضب للّه، أو أنه غضب لانتقاص سعد من جمال نساء قريش، حمية للعشيرة، و انسياقا مع العصبية.

3-و إذا أردنا أن نصدق أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال كلمته المتقدمة في هذه المناسبة بالذات، و نحن نشك في ذلك-كما سنرى- فإننا نقول:

إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يغضب من منطق سعد.. و ينتصر لنساء قريش. و لكنه انتصار الأتقياء الأبرار، و الأصفياء الأخيار، حين يحوّل مسار المقارنة، من مقارنة بين أمور مبتذلة و ساقطة، و شكلية، و شهوانية، لتصبح مقارنة بين واقع راهن. حين يقرن إلى معان سامية، و قيم إنسانية نبيلة.

149

إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقم وزنا لجمال الصورة، و مثار الشهوات.

بل تحدث عن كمال نساء قريش في إنسانيتهن، من حيث أنهن قد بلغن الغاية في الحنان، و لكن على أولادهن، حيث يحتاج أولادهن إلى هذا الحنان الذي يغني أرواحهم، بالعاطفة، و بالرحمة، لا بالقسوة الكاسرة و الشريرة..

كما أنهن يمثلن القمة في العطاء، و لكنه ليس عطاء عشوائيا يحمل في طياته تبذير المال، و تمزيق ثروة الزوج، بل العطاء للزوج.. الذي يبني الأسرة و يقويها، و يجعل المال متمركزا في الموقع القادر على تحريكه، بحكمة، و روية، و بصورة مؤثرة و منتجة للمزيد من الرخاء، و الراحة من التعب و العناء..

لعل ثمة تزويرا:
و الذي نراه: أن هذا الجواب النبوي ربما يكون قد حوّر و زوّر ليصبح في غير الاتجاه الذي انطلق فيه..

إذ إن الصحيح هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب أم هاني أخت علي «عليه السلام» ، فاعتذرت له بأنها مصابه فتركها، و قال «صلى اللّه عليه و آله» : خير نساء ركبن الإبل، نساء قريش، أحناهن على ولد في صغره، و أرعاهن على زوج في ذات يده‏ (1) .

____________

(1) مسند أحمد ج 2 ص 269 و 275 و 449 و 502 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 225 و ج 11 ص 232 و 236 و صحيح مسلم ج 7 ص 182 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 152 و المعجم الأوسط ج 4 ص 283 و 295 و ج 5 ص 380 و المعجم الكبير ج 24 ص 436 و 437 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 243 و ج 41 ص 341 و ج 70 ص 115 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 92 و ج 16 ص 80 و مجمع الزوائد ج 4-

150

____________

ق-ص 271 و صحيفة همام بن منبه ص 43 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 303 و مسند الحميدي ج 2 ص 452 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 547 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 459 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 625 و 626 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 353 و 354 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 25 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 163 و 164 و 165 و مسند الشاميين ج 2 ص 128 ج 3 ص 24 و ج 4 ص 166 و 275 و الجامع الصغير ج 1 ص 629 و كنز العمال ج 12 ص 145 و 146 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 121 و جامع البيان ج 3 ص 357 و 358 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 370 و الدر المنثور ج 2 ص 23 و الإصابة ج 8 ص 197 و 485 و المنتخب من ذيل المذيل ص 110 و البداية و النهاية ج 2 ص 71 و ج 5 ص 322 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 596 و لسان العرب ج 14 ص 203 و فقه السنة ج 2 ص 21 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 67 و النوادر للراوندي ص 177 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 48 و صحيح البخاري ج 4 ص 139 و ج 6 ص 120 و 193 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 293 و عمدة القاري ج 16 ص 26 و ج 20 ص 78 و ج 21 ص 22 و الديباج على مسلم ج 5 ص 331 و صحيفة همام بن منبه ص 43 و تغليق التعليق ج 4 ص 35 و 482 و فيض القدير ج 3 ص 656 و تفسير ابن أبي حاتم ج 2 ص 647 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ج 1 ص 433 و تفسير الآلوسي ج 3 ص 155 و إمتاع السماع ج 6 ص 102 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 376.

151

الفصل الثالث:

تشريعات و أحكام‏

152

-

153

الولد للفراش:
عن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض عبد الرحمن ابن وليدة زمعة، و قال عتبة: إنه ابني.

فلما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة في الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه، فاحتضنة إليه و قال: ابن أخي و رب الكعبة.

فأقبل به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه.

فقال عبد بن زمعة: يا رسول اللّه، هذا أخي، هذا ابن زمعة ولد على فراشه، فنظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ابن وليدة زمعة، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«هو» ، أي الولد «لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه، الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و احتجبي منه يا سودة، لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص بالولد» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 و 259 عن البخاري، و في هامشه عن:

البخاري ج 5 ص 371 (2745) و صحيح مسلم ج 2 ص 1080 (36/1457) و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 59 و سنن الدارمي-

154

فلم يرها حتى لقي اللّه.

و في بعض الروايات: احتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ‏ (1) .

و نقول:

أولا: إن مجرد وجود شبه بين طفل و بين شخص، لا يعني أن يكون لذلك الشخص شأن و علاقة مباضعة توجب انتساب ذلك الطفل إليه، فقد يكون للشبه بعض الأسباب الوراثية، أو التخيلية في حالات معينة، التي ليس منها العلاقة الجنسية بالأم.

ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يتفوه بما يعده الشارع قذفا،

____________

ق-ج 2 ص 153 و سبل السلام ج 3 ص 211 و مسند أحمد (ط دار صادر) ج 6 ص 129 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 39 و ج 5 ص 96 و ج 8 ص 12 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 4 ص 171 و سنن النسائي ج 6 ص 180 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 86 و 87 ج 10 ص 150 و 266 و عمدة القاري للعيني ج 11 ص 167 و 168 و ج 12 ص 32 و ج 17 ص 290 و فتح الباري ج 8 ص 19 و ج 12 ص 27 و مسند الشاميين ج 4 ص 192 و معرفة السنن و الآثار ج 4 ص 479 و البداية و النهاية ج 4 ص 363 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 600 و مسند أبي داود الطيالسي ص 204 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 378 و كنز العمال ج 6 ص 200.

(1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 59 و 378 و سنن النسائي ج 6 ص 181 و فتح الباري ج 12 ص 31 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 6 ص 181 و حاشية السندي ج 6 ص 180 و 181 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 379 و سنن الدارقطني ج 4 ص 156 و مسند أحمد ج 4 ص 5 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 443 و كنز العمال ج 11 ص 8 و 85.