الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج23

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
366 /
155

و لا سيما بعد أن حكم بأن الولد للفراش، و للعاهر الحجر، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يحكم على خلاف ما حكم به الشارع، فما معنى أن ينسب إليه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال لسودة: «فليس لك بأخ» ؟!

الصلاة في مكة، و الصلاة في بيت المقدس:
عن جابر: أن رجلا قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح: إني نذرت إن فتح اللّه عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «صل ههنا» .

فسأله، فقال: «صل ههنا» .

فسأله، فقال: شأنك إذن‏ (1) .

____________

(1) راجع: سبل الهدى و الرشاد الصالحي الشامي ج 5 ص 259 و المجموع للنووي ج 8 ص 473 و المغني لابن قدامه ج 11 ص 352 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 11 ص 365 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 410 و المحلى لابن حزم ج 8 ص 19 و 20 و سبل السلام ج 4 ص 114 و نيل الأوطار للشوكاني ج 9 ص 152 و مسند أاحمد ج 3 ص 363 و سنن الدارمي ج 2 ص 184 و سنن أبي داود ج 2 ص 102 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 304 و 305 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 82 و فتح الباري ج 3 ص 53 و عمدة القاري ج 7 ص 253 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 310 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 88 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 125 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي و ج 7 ص 348 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 170 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 253 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 45 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 1 ص 342 و لسان الميزان لابن حجر ج 2 ص 45.

156

و في رواية عن بعض الصحابة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«و الذي بعث محمدا بالحق، لو صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس» (1) .

و في رواية عن الأرقم: أنه جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسلم عليه، فقال: أين تريد؟

قال: أردت يا رسول اللّه ههنا و أشار بيده إلى حد المقدس.

قال: ما يخرجك إليه، أ تجارة؟!

قال: قلت: لا، و لكن أردت الصلاة فيه.

قال: فالصلاة ههنا، و أومأ بيده إلى مكة، خير من ألف صلاة، و أومأ بيده إلى الشام‏ (2) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد و ج 9 ص 103 و ج 5 ص 259 عن أبي داود، و الحاكم، و أشار في هامشه إلى: مسند أحمد ج 3 ص 363 و أبي داود (3305) ، و البيهقي ج 10 ص 82 و الدارمي ج 2 ص 185 و الطحاوي في المعاني ج 3 ص 115 و البخاري في التاريخ ج 6 ص 170 و الحاكم ج 4 ص 304.

و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 866 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 1 ص 288 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 3 ص 129 و ج 11 ص 366 و سنن أبي داود ج 2 ص 102 و أضواء البيان ج 5 ص 253 و نيل الأوطار ج 9 ص 153 و مسند أحمد ج 5 ص 373 و كنز العمال ج 12 ص 211 و 257 و ج 14 ص 116 و المغني ج 11 ص 352.

(2) راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 5 و اللمع في أسباب ورود الحديث للسيوطي ص 54 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 268 نيل الأوطار ج 9 ص 154 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 504 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 479 و المعجم-

157

و قالت ميمونة، زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، إني جعلت على نفسي، إن فتح اللّه عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا تقدرين على ذلك، يحول بينك و بينه الروم.

فقالت: آتي بخفير، يقبل و يدبر.

فقال: لا تقدرين على ذلك، و لكن ابعثي بزيت يستصبح لك به فيه، فكأنك أتيته.

فكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال يشترى به زيت، يستصبح به في بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك‏ (1) .

و نقول:

1-إننا لا ننكر أن لبيت المقدس فضلا و قيمة، فإن فيه محاريب الأنبياء، و باب حطة، و غير ذلك، و الصلاة فيه تعدل ألف صلاة (2) . و هو من

____________

ق-الكبير ج 1 ص 307 و كنز العمال ج 14 ص 138 و أسد الغابة ج 1 ص 60 و السيرة ج 2 ص 21 و عمدة القاري ج 7 ص 255 و البداية و النهاية ج 5 ص 363 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 672.

(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 866 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 4.

(2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 152 و راجع ص 148 و ثواب الأعمال ص 128 و المحاسن ج 1 ص 55 و البحار ج 99 ص 270 عنهما، و عن تهذيب الأحكام ج 3 ص 53 و الجامع للشرايع ص 103 و منتهى المطلب (ط ق) ج 1 ص 386 و نهاية الحكام ج 1 ص 353 و كشف اللثام (ط ج) ج 3 ص 320 و (ط ق) ج 1 ص 201 و الينابيع الفقهية ج 4 ص 888 و المبسوط للسرخسي ج 3 ص 132-

158

قصور الجنة (1) .

غير أننا نقول:

لما ذا ينذر هؤلاء لبيت المقدس، و لا ينذرون للكعبة المشرفة، فإنها أشرف و أفضل من بيت المقدس؟!

2-لما ذا لا يقبل ذلك الرجل ما يامره به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الإستعاضة عن الصلاة في بيت المقدس بالصلاة في مكة المكرمة، و الكعبة الشريفة؟!

بل إن ميمونة، و هي زوجة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تناقش هي الأخرى في صدقية ما أخبرها به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تلتمس المخارج و السبل للتغلب على ما وضعه أمامها من موانع، و لو بأن تأتي بخفير، يقبل و يدبر، و يستطيع أن يوفر لها القدرة على إسقاط ممانعة الروم لها من الوصول إلى بيت المقدس، كما أخبرها به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم هي لا يقر لها قرار حتى اقترح عليها البديل، الذي يكون لبيت المقدس فيه نصيب و موقع، و هو أن ترسل بزيت يستصبح به في بيت

____________

ق-و سبل السلام ج 2 ص 216 و نيل الأوطار ج 9 ص 154 و المحاسن ج 1 ص 55 و دعائم الإسلام ج 1 ص 148 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 430 و البحار ج 80 ص 380 و جامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 561 و معجم البلدان ج 5 ص 166 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 108.

____________

(1) البحار ج 96 ص 240 و 380 و ج 99 ص 270 عن الأمالي للشيخ الطوسي ج 1 ص 379 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 545 و الإمالي للطوسي ص 369 و جامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 510 و 561 و تاريخ الكوفة للبراقي ص 67.

159

المقدس، فهدأت و رضيت.

3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل لميمونة: إن نذرها باطل، و لا قال لها: إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فأنا أمنعك من السفر إلى بيت المقدس من هذا المنطلق.

كما أنه لم يقل لها: إنني زوجك، و أنا أنهاك عن هذا السفر. و بذلك ينحل نذرك.

و لم يقل لها: إن ثمة أخطارا جساما تواجهك في سفرك، فهو سفر غير راجح، و لا مرضي، و لا مستساغ.

بل هو قد ذكر لها: أن هناك مانعا لها من الوفاء بنذرها، و هو حيلولة الروم بينها و بين الوصول إلى بيت المقدس.

و هذا أمر لا يقبل التأويل، و لا يسوغ لها، و لا لغيرها أن تذهب بها الأوهام و الظنون في مذاهب مختلفة، التي قد يوجب بعضها الإخلال بالواجب الديني، أو الإعتقادي.

ضرب شارب خمر:
و عن عبد الرحمن بن الأزهر قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -عام الفتح-و أنا غلام شاب، ينزل عند منزل خالد بن الوليد، و أتي بشارب فأمرهم، فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضرب بالسوط، و بالنعل، و بالعصا. و حثا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (عليه) التراب‏ (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 عن ابن أبي شيبة، و دلائل النبوة للبيهقي ج 8 ص 319 و مسند أحمد ج 4 ص 88 و 350 و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 184-

160

لا شفاعة في حد:
و عن عائشة: أن امرأة سرقت في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقيل: و من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حبّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعون به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «أتكلمني» ؟

و في لفظ: «أتشفع في حد من حدود اللّه» ؟!

قال أسامة: يا رسول اللّه، استغفر لي.

فلما كان العشي قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا فأثنى على اللّه تعالى بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنما أهلك الناس» .

و في لفظ: «هلك بنو إسرائيل» .

و في لفظ: «الذين من قبلكم» : أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف.

و في لفظ: «الوضيع قطعوه» .

و في لفظ: «أقاموا عليه الحد» ، و الذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .

____________

ق-و تهذيب الكمال ج 16 ص 515 و سنن أبي داود ج 2 ص 362 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 320 و كنز العمال ج 5 ص 492 و تاريخ المدينة ج 2 ص 731.

161

ثم أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتلك المرأة (فقطعت) .

و في رواية النسائي: «قم يا بلال، فخذ بيدها فاقطعها» .

فحسنت توبتها بعد ذلك، و تزوجت رجلا من بني سليم.

قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 196 و ج 5 ص 259 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و البيهقي، و أشار في هامشه إلى: البخاري ج 6 ص 513 (3475) و مسلم ج 3 ص 1315 (8/1688) و أحمد ج 3 ص 363. و راجع: المحلى ج 10 ص 496 و ج 11 ص 359 و صحيح البخاري ج 4 ص 151 و ج 5 ص 97 و ج 8 ص 16 و سنن النسائي ج 8 ص 73 و 75 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 254 و 267 و 280 و 332 و عمدة القاري ج 17 ص 291 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 334 و البداية و النهاية ج 2 ص 172 و ج 4 ص 364 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 601 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 و نيل الأوطار ج 7 ص 311 و سنن الدارمي ج 2 ص 173 و صحيح مسلم ج 5 ص 114 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 851 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 581 و سنن ابن داود ج 2 ص 332 و سنن الترمذي ج 2 ص 442 و عمدة القاري ج 16 ص 60 و ج 17 ص 291 و ج 23 ص 276 و مجمع الزوائد ج 6 ص 259 و عون المعبود ج 12 ص 21 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 171 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 248 و المعجم الأوسط ج 7 ص 272 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 474 و الإستذكار ج 7 ص 570 و رياض الصالحين ص 331 و 332 و 681 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 414 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 59 و تفسير الآلوسي ج 18 ص 83 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 710 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 26.

162

و قال الحلبي: «و في كلام بعضهم: كانت العرب في الجاهلية يقطعون يد السارق اليمنى» (1) .

و لنا مع ما تقدم وقفات نوردها كما يلي:

لو سرقت فاطمة لقطعت يدها:
إننا بالنسبة لحديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» نقول:

أولا: إن كلمة: «لو» كما يستظهرون من الأمثلة التالية قد يراد منها:

بيان عدم وقوع الشرط جزما، كقولك: لو جئتني لأكرمتك.

في حين أن كلمة: «إذا» قد يقصد بها الدلالة على اليقين، بوقوع الشرط، فيترتب الجزاء. كقوله تعالى: إِذََا جََاءَ نَصْرُ اَللََّهِ وَ اَلْفَتْحُ `وَ رَأَيْتَ اَلنََّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللََّهِ أَفْوََاجاً `فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كََانَ تَوََّاباً (2) .

و كلمة: «إن» قد تستعمل في موارد الشك في وقوع فعل الشرط (3) . كما في قولك: إن جاءك فلان فقل له: كذا.

و الحاصل: أن قوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» يراد به الدلالة على عدم وقوع الفعل، و لكنه يرتب الجزاء على فرض الوقوع، في صورة عدم الوقوع.

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 59.

(2) الآيات 1-3 من سورة النصر.

(3) راجع: مغني اللبيب (مطبوع مع حاشية الأمير) ج 1 ص 205.

163

ثانيا: قال تعالى في القرآن الكريم:

1- قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ اَلْعََابِدِينَ (1) . حيث يراد التأكيد على نفي فعل الشرط، و أن اللّه ليس له ولد حتما و جزما.

2-و قال تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ `لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ `ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (2) . و قال تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (3) .

فإن المقصود هو: التأكيد على حتمية فعل الجزاء، من قبل منشئه و جاعله. مع العلم بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المعصوم، لا يمكن أن يتقول على اللّه، و لا أن يكون فظا غليظ القلب.

3-و قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ (4) . فالمراد: إظهار اليقين و الوثوق بوقوع الجزاء، و هو حبط العمل.

و حديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» من قبيل هذه الآية الأخيرة و ما سبقها.

أي أن المقصود: التأكيد على إجراء أحكام اللّه تبارك و تعالى، و إفهام الناس أنه لا محاباة لأحد في هذا الأمر، حتى لو كان الفاعل هو فاطمة «عليها السلام» ، و إن كان هذا الأمر يستحيل أن يصدر عمن هي معصومة،

____________

(1) الآية 81 من سورة الزخرف.

(2) الآيات 44-46 من سورة الحاقة.

(3) الآية 159 من سورة آل عمران.

(4) الآية 65 من سورة الزمر.

164

و من قد طهرها اللّه تعالى بنص آيات القرآن الكريم.

و ليس المراد: وضع فاطمة «عليها السلام» في دائرة احتمال صدور السرقة منها بالفعل، كما لا يمكن أن يصدر من الأنبياء و الأوصياء، فضلا عن سيد الخلق أجمعين.

أسامة حبّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله أم زيد؟!:
و قد زعمت الرواية المتقدمة: أن أحدا لا يجترئ على أن يكلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوى حب رسول اللّه، أسامة بن زيد.

غير أننا نقول:

ألف: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سمى زيد بن حارثة بزيد الحب، و لم يسم أسامة نفسه بذلك‏ (1) .

و إنما أطلقوا عليه: أنه الحب ابن الحب‏ (2) ، لأنه كان بنظرهم يستحق

____________

(1) البحار ج 22 ص 215 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 548 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 213 و تفسير القمي ج 2 ص 172 و التفسير الصافي ج 4 ص 163 و ج 6 ص 10 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 236 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 40 و ج 5 ص 246 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 346 و الدرجات الرفيعة ص 440 و المنتخب من ذيل المذيل ص 50.

(2) راجع: الإصابة ج 1 و الإستيعاب (ترجمة أسامة) ، و عمدة القاري ج 2 ص 252 و جزء البغوي ص 16 و مسند أسامة بن زيد ص 33 و 34 و فيض القدير ج 1 ص 618 و الإصابة ج 1 ص 202 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 499 و إكمال الكمال ج 2 ص 8 و تاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 51 و 52 و ج 19 ص 351 و تهذيب الكمال ج 1 ص 307 و ج 2 ص 338 و إكمال تهذيب الكمال ج 2-

165

هذا الوسام أكثر من أبيه، لأن الأحداث بعد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهرت أن له موقفا من علي «عليه السلام» يوجب على مناوئيه أن يكافؤوه عليه، فهو لم يشترك مع علي «عليه السلام» في أي من حروبه‏ (1) ، و قد منعه علي «عليه السلام» من العطاء (2) . و كان قد تخلف عن بيعته‏ (3) ، و إن كان سلّم له بعد ذلك.

ب: بالنسبة لجرأته على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقول:

لعلها كانت نوعا من الإدلال من أسامة، و هو يرى تعزيز النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بعد استشهاد أبيه زيد، الذي كان يحبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ربما كان يريد أن يحفظه في ولده، فكأن إكرامه لأسامة قد جرأ

____________

ق-ص 54 و تهذيب التهذيب ج 1 ص 182 و الوافي بالوفيات ج 1 ص 87 و البداية و النهاية ج 4 ص 290 و إمتاع الأسماع ج 6 ص 308 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 481 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 85 و ج 3 ص 228.

(1) أسد الغابة ج 1 ص 65 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 681 و أعيان الشيعة ج 3 ص 249 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 351.

(2) قاموس الرجال ج 1 ص 468-472 و (ط جماعة المدرسين 1419 هـ) ج 11 ص 68 عن الكشي، و البحار ج 34 ص 296 ج 97 ص 52 و رجال الكشي ص 26 و الغارات ج 2 ص 577 و ميزان الحكمة ج 4 ص 2996 و نهج السعادة ج 4 ص 127 و شرح النهج للعتزلي ج 4 ص 102 و الدرجات الرفيعة ص 445 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 97 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 191.

(3) البحار ج 32 ص 216 و راجع: أسد الغابة ج 1 ص 65 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 681 و أعيان الشيعة ج 3 ص 249 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 351.

166

أسامة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أطلق لسانه عنده. و ليس من الضروري أن تكون هذه الجرأة مستحسنة، أو مرضية.

و يشهد لذلك نفس هذه الحادثة، التي كان يكلمه أسامة فيها، و وجهه «صلى اللّه عليه و آله» يتلون تغيظا، حتى انتهى الأمر بملامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له، ثم طلبه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يستغفر له.

أشياء يحرم بيعها:
و عن جابر قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الفتح يقول: «إن اللّه تعالى حرم بيع الخمر، و الخنازير، و الميتة، و الأصنام» .

فقال رجل: يا رسول اللّه!!ما ترى في شحوم الميتة، فإنه يدهن بها السفن و الجلود، و يستصبح بها؟

قال: «قاتل اللّه اليهود، إن اللّه لما حرم عليهم شحومهما أخذوها فجمدوها (فجملوها) ، ثم باعوها، و أكلوا ثمنها» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 عن ابن أبي شيبة، و في هامشه عن: البخاري ج 4 ص 424 (2236) و ج 4 ص 414 (3223) و مسلم ج 3 ص 1307 (71/1581) و (72/1582) .

و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 864 و 865 صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 194 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 5 ص 41 و ج 11 ص 6 و عون المعبود ج 9 ص 274 و تغليق التعليق ج 3 ص 274 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 54 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 395 و 396 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 193 و الدر المنثور ج 3 ص 53 و الخلاف ج 3 ص 186 و جواهر الكلام-

167

و نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد هنا: أن يعالج ظاهرة الطمع و الحرص، التي ظهرت في الناس، و التي هي من شيم اليهود.

و قد ظهرت بوادر هذا الحرص الذي يجر وراءه ركاما من الشبهات و المشكلات في استقصاء السؤال عن شحوم الميتة، حيث إن الإهتمام بالميتة إلى هذا الحد، ربما يعطي الإنطباع عن أن ثمة علاقة شديدة للناس حتى بالميتة، و بأدق أجزائها.. يصعب التغلب عليها.

و قد يشير إلى ذلك: أنهم صاروا يسألون عن دهن الجلود، و الإستصباح بها مع أنهما ليسا من الضرورات، التي لا يمكن الإستغناء عن الميتة فيها، إذ يمكن أن يستفاد في هذا و ذاك من الشحوم الحلال، التي يأمن الإنسان معها من ملابسة النجاسة الناشئة عن كونها ميتة. فإن هذه الإستفادة من شحوم الميتة تجعل من الصعب تجنب الإرتطام بالنجاسة في كثير من الأوضاع.

و يزيد الأمر سوءا حين لا ينحصر التعاطي مع تلك الشحوم-التي

____________

ق-ج 22 ص 11 و الينابيع الفقهية ج 35 ص 137 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 541 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 396 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 311 و كنز العمال ج 4 ص 170 و منتهى المطلب (ط ق) ج 2 ص 1010 و المجموع ج 14 ص 283 و المغني ج 4 ص 284 و ج 5 ص 513 و الشرح الكبير ج 4 ص 41 و ج 5 ص 462 و المحلى ج 1 ص 121 و ج 9 ص 8 و سبل السلام ج 3 ص 5 و مسند أحمد ج 3 ص 326 و سنن أبي داود ج 2 ص 141 و سنن النسائي ج 7 ص 310 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 12 و ج 9 ص 355 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 284.

غ

168

يستفاد منها-في الذين يعرفون بكونها ميتة. حيث إن التعامل معها سيكون على أساس كونها محكومة بالطهارة الظاهرية. و لا بد أن ينعكس ذلك على أكل الناس و شرابهم، و تعاملهم مع لباسهم، و أوانيهم، التي يستعملونها في سائر شؤونهم الحياتية، و العبادية.

كسر الدف و المزمار:
و قد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال في فتح مكة: «إنما بعثت بكسر الدف و المزمار» .

فخرج الصحابة يأخذونها من أيدي الولدان و يكسرونها (1) .

و نقول:

قد تقدم بعض الحديث عن هذا الأمر، حين استعرضنا ما قالوه في حديث الهجرة، من أن أهل المدينة قد استقبلوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالغناء، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صار يرقص لهم بأكمامه.

غير أننا نشير هنا: إلى بعض ما رووه أو قالوه حول تحريم الضرب على المعازف و الدفوف، و غيرها من آلات الموسيقى.. فمن رواياتهم نذكر ما يلي:

1-في تفسير قوله تعالى: وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (2) .

قال ابن عباس و مجاهد: إنه الغناء، و المزامير، و اللهو (3) .

____________

(1) بهجة النفوس، شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة الأزدي ج 2 ص 74 و الغدير ج 8 ص 72.

(2) الآية 64 من سورة الإسراء.

(3) راجع: جامع البيان ج 15 ص 81 و (ط دار الفكر) ص 147 و زاد المسير ج 5 ص 48 و الجامع لأحكام القرآن (ط مؤسسة التاريخ العربي) ج 10 ص 288 و ج 14 ص 51 و الغدير ج 8 ص 69 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 49 و (ط دار المعرفة) ص 53 أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 266 و تفسير السمعاني ج 3 ص 258 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 484 و تفسير الأندلسي ج 3 ص 470 و عن تفسير الخازن ج 3 ص 178 و عن تفسير النسفي ج 3 ص 178 و عن تفسير ابن جزي ج 2 ص 175 و عن تفسير الآلوسي ج 15 ص 111.

169

2-و روي مرفوعا: ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخز، (و الحرير) و الخمر، و المعازف‏ (1) .

3-عن ابن عباس، و أنس، و أبي أمامة مرفوعا: «ليكونن في هذه الأمة خسف، و قذف، و مسخ. و ذلك إذا شربوا الخمور، و اتخذوا القينات، و ضربوا بالمعازف» (2) .

____________

(1) السنن الكبرى ج 10 ص 321 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1333 و عن سنن أبي داود ج 4 ص 46 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 2123 و عن أحمد، و أبي نعيم، و المحلى ج 9 ص 59 و نيل الأوطار ج 2 ص 86 و الغدير ج 8 ص 70 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 272 و فتح الباري ج 10 ص 42 و كنز العمال ج 11 ص 134 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 189.

(2) الدر المنثور ج 2 ص 324 و المعجم الكبير ج 6 ص 150 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 و عن مسند أحمد ج 2 ص 347 و مجمع الزوائد ج 8 ص 10 و المعجم الأوسط ج 7 ص 77 و المعجم الكبير ج 6 ص 150 و الجامع الصغير ج 2 ص 62 و 229 و 471 و منز العمال ج 5 ص 347 و ج 14 ص 277 و 281 و فيض القدير ج 4 ص 168 و ج 5 ص 503 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 195 و 196.

170

4-و روي مرفوعا أيضا: «بعثني (رحمة للعالمين و أمرني) بمحق المعازف، و المزامير، و أمر الجاهلية» (1) .

5-عن عبد اللّه بن عمر (أو عمرو) في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصََابُ وَ اَلْأَزْلاََمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (2) .

قال: هي في التوراة. إن اللّه أنزل الحق ليذهب به الباطل، و يبطل به اللعب، و الزفن، و المزامير، و الكبارات (يعني البرابط) و الزمارات (يعني الدف) و الطنابير (3) .

6-عن علي «عليه السلام» مرفوعا: تمسخ طائفة من أمتي قردة، و طائفة خنازير، و يخسف بطائفة، و يرسل على طائفة الريح العقيم، بأنهم

____________

(1) نيل الأوطار ج 8 ص 111 و الدر المنثور ج 2 ص 323 و جامع بيان العلم ج 1 ص 153 تكملة حاشية رد المحتار ج 1 ص 571 و الشرح الكبير ج 12 ص 48 و الغدير ج 8 ص 70 و مسند أحمد ج 5 ص 268 و مسند ابي داود الطيالسي ص 155 و جزء أشيب ص 39 و المعجم الكبير ج 8 ص 197 و كنز العمال ج 11 ص 443 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 310.

(2) الآية 90 من سورة المائدة.

(3) السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 222 و الدر المنثور ج 2 ص 317 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 99 و الغدير ج 8 ص 70 و مجمع الزوائد ج 7 ص 19 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 84 و غريب الحديث ج 4 ص 276 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 305 و ج 4 ص 326 و لسان العرب ج 5 ص 152 و ج 13 ص 197 و تاج العروس ج 7 ص 458.

171

شربوا الخمر، و لبسوا الحرير، و اتخذوا القيان، و ضربوا بالدفوف‏ (1) .

7-و عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: إنما نهيت عن صوتين، أحمقين، فاجرين: صوت عند نغمة لهو، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة: خمش وجوه، و شق جيوب، ورنة شيطان. و نحوه عن أنس مرفوعا (2) .

____________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 324 و الغدير ج 8 ص 71 و كنز العمال ج 15 ص 223.

(2) راجع: الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 328 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 293 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 266 و نيل الأوطار ج 4 ص 154 و ج 8 ص 268 و فتح القدير ج 4 ص 236 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 53 و تلبيس إبليس ص 233 و كنز العمال ج 15 ص 219 و الدر المنثور ج 5 ص 160 و تذكرة الفقهاء (ط ج) ج 2 ص 119 و الذكرى للشهيد الأول ج 2 ص 49 و التحفة السنية (مخطوط) ص 44 و المغني ج 2 ص 411 و الشرح الكبير ج 2 ص 429 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 454 و 456 و 458 و عوالي اللآلي ج 1 ص 89 و 122 و مكسن الفؤاد ص 93 و البحار ج 79 ص 90 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 486 و ج 17 ص 199 و 204 و الغدير ج 8 ص 69 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1674 و سنن الترمذي ج 2 ص 237 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 40 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و مجمع الزوائد ج 3 ص 17 و فتح الباري ج 3 ص 139 و عمدة القاري ج 8 ص 102 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 76 و عون المعبود ج 13 ص 186 و مسند أبي داود الطيالسي ص 235 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 309 و التمهيد ج 17 ص 284 و ج 24 ص 443 و تخريج الحاديث و الآثار ج 2 ص 176 و نصب الراية ج 5 ص 89 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 172 و كنز العمال ج 15 ص 611 و 616 و أحكام-

172

8-عن أبي هريرة، و أنس، و أبي أمامة، و عمران بن حصين، و الغازي بن ربيعة، و عبد الرحمن بن سابط، و صالح بن خالد، يسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسخ قوم في آخر الزمان قردة و خنازير، فقال: «اتخذوا المعازف، و الدفوف، و القينات، و باتوا على شربهم، و لهوهم الخ.. » (1) .

9-قال نافع: سمع ابن عمر مزمارا، فوضع إصبعيه على أذنيه، و نأى عن الطريق، و قال لي: يا نافع، هل تسمع شيئا؟

فقلت: لا.

فرفع أصبعيه عن أذنيه، و قال: كنت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فصنع مثل هذا (2) .

____________

ق-القرآن للجصاص ج 3 ص 442 و 589 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 207 و فتح القدير ج 4 ص 236 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 138 و كتاب المجروحين ج 2 ص 246 و فتوح مصر و أخبارها ص 124 و سيرة ابن غسحاق ج 5 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 355 و ج 11 ص 22 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 395.

(1) الدر المنثور ج 2 ص 324 عن ابن أبي الدنيا، و الحاكم، و ابن عدي، و ابن أبي شيبة، و البيهقي، و أبي داود، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1323 و عن المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 560 و 561 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 107 و سنن أبي داود ج 4 ص 46 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 295 و المحلى ج 9 ص 58 و نيل الأوطار ج 2 ص 86 و عمدة القاري ج 21 ص 177 و عون المعبود ج 11 ص 59 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 193 و الغدير ج 8 ص 71.

(2) السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 222 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 169 و ج 27 ص 35 و سنن أبي داود ج 2 ص 461 و المغني ج 12 ص 39 و الشرح-

173

10-عن علي «عليه السلام» مرفوعا: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فذكر منها: إذا اتخذت القينات و المعازف‏ (1) .

فذلك كله يدل بوضوح: على أن استعمال المعازف و الدفوف، و نحوها لا يرضاه الإسلام، و لا يقره.

و التفريق بين الموسيقى الكلاسيكية و غيرها لا أثر له في مصادر التشريع، و لا يعرف ذلك بين أهل ذلك الزمان، سواء في ذلك المتشرعة أو غيرهم.

روايات مكذوبة:
و من رواياتهم المكذوبة و المتناقضة نذكر:

1-استأذن أبو بكر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جارية تضرب

____________

ق-الكبير ج 12 ص 48 و المحلى ج 9 ص 68 و الغدير ج 8 ص 75 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2313 و عون المعبود ج 13 ص 181 و مسند الشاميين ج 1 ص 186 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 443 و كنز العمال ج 15 ص 227 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 363 و الكامل ج 3 ص 269 و طبقاتن المحدثين بإصبهان ج 4 ص 161 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 437 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 402.

(1) راجع: الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 428 و تلبيس إبليس ص 249 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 53 و نيل الأوطار ج 8 ص 263 و تحف العقول ص 53 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 382 و أمالي الطوسي ص 516 و البحار ج 6 ص 311 و ج 74 ص 157 و الغدير ج 8 ص 71 و سنن الترمذي ج 3 ص 334 و الجامع الصغير ج 1 ص 119 و العهود المحمدية ص 807 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 53 و تاريخ بغداد ج 3 ص 376.

174

بالدف، فدخل. ثم استأذن عمر، فدخل. ثم استأذن عثمان، فأمسكت.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إن عثمان رجل حييّ‏ (1) .

2-انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بعض غزواته، فجاءته جارية سوداء، فزعمت أنها نذرت: إن رد اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» صالحا أن تضرب بين يديه بالدف، و تغني. فأذن لها أن تفي بنذرها، فدخل أبو بكر و هي تضرب، ثم علي، ثم عثمان، فلما دخل عمر ألقت الدف تحت إستها، و قعدت عليها، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن الشيطان يخاف (ليخاف) منك يا عمر الخ.. (2) .

____________

(1) مسند أحمد ج 4 ص 353 و 354 و راجع ص 249 و ج 6 ص 155 و 167 و الغدير ج 8 ص 80 و ج 9 ص 274 و صحيح مسلم ج 7 ص 117 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 231 و مجمع الزوائد ج 9 ص 81 و عمدة القاري ج 4 ص 81 و 82 و ج 16 ص 202 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 233 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 565 و 566 و ج 3 ص 1021 و الأدب المفرد ص 131 و كتاب السنة ص 575 و مسند ابي يعلى ج 8 ص 242 و المعجم الكبير ج 6 ص 61 و مسند الشاميين ج 4 ص 259 و كنز العمال ج 11 ص 586 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 83 و 85 و 93 و ج 62 ص 232 و 233 و أسد الغابة ج 2 ص 310 و البداية و النهاية ج 7 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 279 و النهاية في غريب الحديث ص 444 و لسان العرب ج 8 ص 253.

(2) أسد الغابة ج 4 ص 64 و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 58 و مسند احمد ج 5 ص 353 و 354 و سنن البيهقي ج 10 ص 77 و السيرة الحلبية ج 2 ص 62 و (ط دار المعرفة) ص 247 و مصابيح السنة للبغوي، و دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 391 و عن الترمذي ج 2 ص 293 و التراتيب الإدارية ج 2-

175

3-عن جابر: دخل أبو بكر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يضرب بالدف عنده، فقعد و لم يزجر لما رأى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاء عمر، فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صوته قال: كف عن ذلك.

فلما خرجا قالت عائشة: يا رسول اللّه، كان حلالا، فلما دخل عمر صار حراما؟!

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا عائشة، ليس كل الناس مرخى عليه‏ (1) .

4-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل بيت عائشة، فوجد فيه جاريتين تغنيان، و تضربان بالدف، فلم ينههما عن ذلك، و قال عمر بن

____________

ق-ص 131 و الغدير ج 8 ص 64 و 65 و 96 و نيل الأوطار ج 8 ص 271 و سنن الترمذي ج 5 ص 284 و فتح الباري ج 11 ص 510 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 122 و عون المعبود ج 9 ص 100 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 481 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 567 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 315 و نصب الراية ج 4 ص 64 و موارد الظمآن ج 7 ص 99 و الجامع الصغير ج 1 ص 312 و كنز العمال ج 11 ص 574 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 83 و 84 و أسد الغابة ج 4 ص 64 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 259 و إحقاق الحق (الأصل) ص 233.

(1) نيل الأوطار ج 8 ص 271 و نوادر الأصول ص 138 و الغدير ج 8 ص 64 و 65 و عن مشكاة المصابيح ص 55 و غيره، و كنز العمال ج 4 ص 248 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 95.

176

الخطاب حين غضب: أ مزمار الشيطان في بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟!

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعهما يا عمر، فإن لكل قوم عيدا (1) .

و روت عائشة: أن أبا بكر دخل عليها و عندها جاريتان في أيام منى تدفعان و تضربان و النبي «صلى اللّه عليه و آله» متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن وجهه فقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» (2) .

5-زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرعى الغنم مع رفيق له، فطلب من رفيقه أن يحفظ له غنمه، ليسمر كما يسمر غيره، ثم جاء إلى

____________

(1) اللمع لأبي نصر الطوسي ص 345 و الغدير ج 8 ص 66 عنه.

(2) راجع: فقه السنة ج 1 ص 323 و مسند أحمد ج 6 ص 33 و 99 و 127 و 168 و صحيح البخاري ج 2 ص 3 و ج 4 ص 266 و صحيح مسلم ج 3 ص 21 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 612 و سنن النسائي ج 3 ص 195 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 224 و عمدة القاري ج 6 ص 270 و 274 و ج 17 ص 64 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 4 و مسند أبي راهويه ج 2 ص 272 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 552 و مسند ابي يعلى ج 1 ص 50 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 188 و المعجم الكبير ج 23 ص 180 و أمالي الحافظ الأصبهاني ص 57 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 436 و تغليق التعليق ج 2 ص 384 و كنز العمال ج 15 ص 212 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 70 و البداية و النهاية ج 1 ص 320 و قصص الأنبياء لابن كثير ص 93.

177

مكة، فسمع في اول دار منها عزفا بالدفوف و المزامير، فجلس ينظر، فضرب اللّه على أذنه، فنام، فلم يستيقظ حتى مسته الشمس.

ثم جرى له في الليلة الثانية مثلما جرى له في سابقتها.. ثم لم يهمّ بعدها بسوء حتى أكرمه اللّه برسالته‏ (1) .

و نقول:

إن الحديث حول هذه الروايات طويل، و لكننا نذكر هنا بعض الإشارات الخاطفة من ذلك، فنقول:

ألف: إن الروايات الأولى تقول: إن عثمان رجل حييّ، فهل ذلك يعني: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن كذلك، و كذا الحال بالنسبة لأبي بكر و عمر، و هل يرضى اتباعهما و محبوهما بنسبة ذلك إليهم؟!

يضاف إلى ذلك: أنه إذا كان عثمان رجلا حييا فما شأن الجارية؟!هل كانت تعرف ذلك فيه فتراعيه، و تعرف خلافه في غيره، فتعامله وفق ما تعرفه منه؟!

ب: في الرواية الثانية: يصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» فعل تلك

____________

(1) دلائل النبوة لأبي نعيم ج 1 ص 58 و البداية و النهاية ج 2 ص 287 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 88 و أعلام النبوة للماوردي ص 140 و الكامل في التاريخ ج 1 ص 471 و عن المصادر التالية: عيون الأثر ج 1 ص 44 و السيرة الحلبية ج 1 ص 122 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279 و البحار ج 15 ص 362 و الغدير ج 8 ص 76 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 207 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 34 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 300 و 360 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 136 و تفسير الرازي ج 31 ص 218.

غ

178

الجارية أمامه بما يفيد: أنه فعل شيطاني. فكيف رضي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يفعل ذلك بحضرته؟!

ج: كيف ينعقد نذر في أمر يكون من أفعال الشياطين؟!

د: في الرواية الثالثة: إشارة إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتستر على أمور قد تكون من الحرام.

هـ: في الرواية الرابعة: دلالة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرضى بسماع مزمارة الشيطان، و أن تستعمل في داخل بيته.

و: إنها تدل على حلية سماع مزمارة الشيطان في أيام العيد.

ي: إذا كان ذلك من مزامير الشيطان، و يحل لتينك الجاريتين أن يستمعاه في عيدهما، فإن هذا العيد لم يكن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليحل له سماع مزامير الشيطان.

ك: إن الرواية الخامسة: تدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد همّ بفعل السوء.

ل: و فيها دلالة على أن اللّه قد تدخل لمنعه من ذلك السوء بصورة تكوينية، حيث ضرب على أذنه.

م: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرتدع من المرة الأولى، فأعاد الكرة في الليلة الثانية أيضا.

ن: و آخر ملاحظة نذكرها هنا: أن هذه الروايات رغم انها مكذوبة، فإنها تدل على حرمة الضرب على المعازف و الدفوف، و على أنها من السوء، و أنها مزامير الشيطان، و ما إلى ذلك، و هذا يعني: أن الأولى الإستدلال بها على الحرمة، و أنها من الأمور المفروغ عنها.

179

هذا و لا بد لنا من العودة لتذكير القارئ الكريم بلزوم مراجعة ما ذكرناه في أوائل هذا الكتاب، في فصل: «حتى المدينة.. » للاطلاع على المزيد مما قد يكون من المفيد الإطلاع عليه.

متعة النساء عام الفتح:
قال الحلبي الشافعي: و حلل المتعة ثم بعد ثلاثة أيام حرمها.

ففي صحيح مسلم، عن بعض الصحابة: «لما أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المتعة خرجت أنا و رجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة غيطاء» .

و في لفظ: «مثل البكرة العنطنطة، فعرضنا عليها أنفسنا. فقلنا لها: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟

فقالت: ما تدفعان؟

قلنا: بردينا» .

و في لفظ: «رداءينا» .

فجعلت تنظر، فتراني أجمل من صاحبي، و ترى برد صاحبي أحسن من بردي، فإذا نظرت إليّ أعجبتها، و إذا نظرت إلى برد صاحبي أعجبها، فقالت: أنت و بردك تكفيني، فكنت معها ثلاثا» .

و الحاصل: أن نكاح المتعة كان مباحا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، و استمر تحريمه إلى يوم القيامة.

و كان فيه خلاف في الصدر الأول، ثم ارتفع. و أجمعوا على تحريمه، و عدم جوازه.

180

قال بعض الصحابة: «رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائما بين الركن و الباب و هو يقول: أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الإستمتاع، ألا و إن اللّه حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شي‏ء، فليخلّ سبيلها، و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» .

لكن في مسلم، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: «استمتعنا على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر، و عمر» .

و في رواية عنه: حتى نهى عنه عمر.

و قد تقدم في غزاة خيبر، عن الشافعي: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، و هو يدل على: أن إباحتها عام الفتح كانت بعد تحريمها بخيبر، ثم حرمت به.

و هذا يعارض ما تقدم: أن الصحيح أنها حرمت في حجة الوداع.

إلا أن يقال: يجوز أن يكون تحريمها في حجة الوداع تأكيدا لتحريمها عام الفتح، فلا يلزم أن تكون أبيحت بعد تحريمها أكثر من مرة، كما يدل عليه كلام الشافعي.

لكن يخالفه ما في مسلم عن بعض الصحابة: «رخص لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها» .

و قد يقال: مراد هذا القائل بعام أوطاس عام الفتح، لأن غزاة أوطاس كانت في عام الفتح كما تقدم.

و ما تقدم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من جوازها رجع عنه.

فقد قال بعضهم: و اللّه، ما فارق ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الدنيا حتى رجع إلى قول الصحابة في تحريم المتعة.

181

و نقل عنه رضي اللّه تعالى عنه: أنه قام خطيبا يوم عرفة، فقال: أيها الناس، إن المتعة حرام كالميتة و الدم و لحم الخنزير.

و الحاصل: أن المتعة من الأمور الثلاثة التي نسخت مرتين.

الثاني: لحوم الحمر الأهلية.

الثالث: القبلة، كذا في (حياة الحيوان) (1) .

و عن سبرة قال: حرم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متعة النساء يومئذ (2) . يعني: عام الفتح.

و نقول:

إن زواج المتعة هو من الموضوعات الخلافية المعروفة فيما بين شيعة أهل البيت «عليهم السلام» ، و بين أهل السنة، حيث اتفق الجميع على أن هذا الزواج كان حلالا في أول الإسلام، ثم ادّعى أهل السنة أنه قد نسخ..

و أنكر عليهم الشيعة هذه الدعوى، و ردوها بالأدلة القاطعة، و البراهين الساطعة.

و قد اضطربت روايات أهل السنة في تاريخ نسخ هذا الزواج، و في ناسخه، و كلها اجتهادات تستند إلى دعاوى مدخولة، أو إلى أخبار آحاد، لا تقوم بها حجة، و لا يثبت بها شي‏ء..

و قد ناقشنا جميع تلك المزاعم و سواها في كتابنا: «زواج المتعة: تحقيق

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و 104 و (ط دار المعرفة) ص 58 و راجع: البحر الرائق ج 3 ص 190.

(2) المغازي للواقدي ج 2 ص 865 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 3.

182

و دراسة» و هو مؤلف من ثلاثة أجزاء، صادر عن المركز الإسلامي للدراسات، فيمكن الرجوع إليه، لمن أراد التوسع في البحث، و الإستقصاء في البيان.

غير أننا نشير هنا: إلى نبذة يسيرة تفيد في توضيح الأمر فيما يرتبط بخصوص الروايات التي تزعم أن هذا الزواج قد نسخ في فتح مكة.

أما سائر المزاعم التي أوردها الحلبي في عبارته المتقدمة، فقد فندناها بما لا مزيد عليه في كتابنا: «زواج المتعة: تحقيق و دراسة» فمن أراد الوقوف عل ذلك، فليراجع ذلك الكتاب.

أما هنا فنكتفي بما يلي:

روايات النسخ يوم الفتح:
1-عن الحارث بن غزية: سمعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة يقول: متعة النساء حرام. ثلاث مرات‏ (1) .

2-و قد روي عن سبرة بن معبد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهى يوم الفتح عن متعة النساء (2) . رواه مسلم.

____________

(1) مجمع الزوائد ج 4 ص 266 عن الطبراني، و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 273 و الإستيعاب ج 1 ص 299.

(2) راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و 204 و سنن الدارمي ج 2 ص 140، و مسند الشافعي ص 255 دون تعيين المناسبة، و كذا في لباب التأويل ج 1 ص 343 و كذا في تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 34 و 35، و علل الحديث للرازي ج 1 ص 420، و كنز العمال ج 22 ص 97 و 96، و جامع الأصول-

183

3-و في رواية: أمرنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها (1) رواه مسلم.

4-و في نص آخر رواه مسلم و غيره، عن سبرة أنه قال: أذن لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمتعة، فانطلقت أنا و رجل إلى امرأة من بني عامر، كأنها بكرة عيطاء، فعرضنا أنفسنا عليها، فقالت: ما تعطي؟

فقلت: ردائي.

و قال صاحبي: ردائي.

و كان رداء صاحبي أجود من ردائي، و كنت أشبّ منه، فإذا نظرت إلى رداء

____________

ق-ج 12 ص 134، و شرح معاني الآثار ج 3 ص 26، و التاج الجامع للأصول ج 2 ص 335، و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 218، و الإستذكار ج 16 ص 289 و 290، و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 389، و مسند أحمد ج 3 ص 404 و مسند الحميدي ج 2 ص 374 و حلية الأولياء ج 5 ص 363 و المعجم الكبير ج 7 ص 112 و 113 و كتاب الأم ج 7 ص 183 و الشرح الكبير ج 7 ص 531 و كتاب المسند للشافعي ص 387 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 327 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 173 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 454 و 464 و معرفة علوم الحديث ص 150 و مسند أبي حنيفة ص 40 و 270 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 341 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 29.

(1) البداية و النهاية ج 4 ص 193 و 319، و الإحسان ج 9 ص 457 و هامش ص 454 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366، و راجع المعجم الكبير رقم 6525 و 6526، و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 203 و 202 و كشاف القناع ج 5 ص 106 و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و صحيح مسلم ج 4 ص 133 و فتح الباري ج 9 ص 146 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 58.

184

صاحبي أعجبها، و إذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت و رداؤك يكفيني.

فمكثت معها ثلاثا، ثم إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: من كان عنده شي‏ء من هذه النساء التي يتمتع، فليخل سبيلها» (1) .

و للحديث نصوص أخرى متقاربة يمكن مراجعتها في المصادر المختلفة.

مناقشة روايات النسخ:
أولا: إن رواية الحارث بن غزية، و كذلك رواية سبرة لا تتلاءم مع

____________

(1) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 131 و 133، و فتح الملك المعبود ج 3 ص 224، و سنن البيهقي ج 7 ص 202 و 203، و أوجز المسالك ج 9 ص 406، و مسند أحمد ج 3 ص 405.

و روايات سبرة حول نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن المتعة يوم الفتح توجد في كتاب: التمهيد ج 10 ص 106، و البداية و النهاية ج 4 ص 193 عن البخاري، و أشار إليها الترمذي في الجامع الصحيح المطبوع مع تحفة الأحوذي ج 4 ص 268، و كذا في تحفة الأحوذي نفس الجزء، و الصفحة عن المنتقى، و التفسير الكبير ج 10 ص 51، و نصب الراية ج 3 ص 177، و المنار في المختار ج 1 ص 462، و فقه السنة ج 4 ص 42 و تحريم نكاح المتعة ص 58 و 59 و 61، و مسند الحميدي (ط المكتبة السلفية) ج 2 ص 374 و سنن سعيد بن منصور (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 217 و راجع ص 218، و راجع: حواشي البجيرمي على الخطيب ج 3 ص 336، و مرقاة المفاتيح ج 3 ص 422 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152 و سنن النسائي ج 6 ص 127 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 329 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 25 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 134 و تهذيب الكمال ج 9 ص 84.

185

الروايات الأخرى التي تقول: إن المتعة قد حرمت عام خيبر، أو أوطاس، أو عمرة القضاء، أو حنين، أو حجة الوداع، أو تبوك.

ثانيا: إنها تتناقض مع الروايات الكثيرة المثبتة في كتب أهل السنة، سواء في ذلك كتب الصحاح و غيرها.. و التي صرحت: بأن عمر هو الذي حرم زواج المتعة، و أن هذا الزواج كان حلالا في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عهد أبي بكر، و شطر من خلافة عمر.

و قد أوردنا في كتابنا: «زواج المتعة: تحقيق و دراسة» أكثر من مائة رواية تدل على بقاء حلية المتعة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثالثا: إن رواية سبرة المتقدمة لا تدل على التحريم، بل هو «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم بتخلية سبيل النساء استعدادا للرحيل.. و لعل هذا هو النص المعقول من رواية سبرة.

و أما الكلمات التي تدل على التحريم المؤبد، فلعلها إضافات متعمدة على الروايات الصحيحة..

رابعا: هناك تناقضات لا بد من ملاحظتها في نفس رواية سبرة، فهل أعطى المتمتع تلك المرأة بردين أحمرين؟ (1) . أم أعطاها بردا واحدا؟ (2) .

____________

(1) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 133 و 134 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 176 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 112 و نصب الراية ج 3 ص 333 و 337 و تهذيب الكمال ج 8 ص 177 و المنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص 133.

(2) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 131 و 132 و 133 و مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405 و 406 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 631-

186

و هل الذي كان مع سبرة هو أخوه؟ (1) . أو ابن عم له؟ (2) . أو أنه عمه؟ (3)

____________

ق-و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و 203 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 504 و المنتقى من السنن المسندة ص 175 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و 454 و 455 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 108 و 110 و 111 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 451 و 453 و معرفة علوم الحديث ص 176 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 343 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 107 و 108 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 414 و نصب الراية ج 3 ص 334 و كنز العمال 16 ص 524 و 525 و تفسير الميزان ج 4 ص 292 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 193 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 133 و ج 36 ص 324 و الإصابة ج 3 ص 26 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 342.

(1) تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 59.

(2) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 132 و مسند أحمد ج 3 ص 405 و 406 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 631 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 238 و المنتقى من السنن المسندة ص 175 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 454 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 452 و معرفة و الإستذكار ج 5 ص 504 و السنن و الآثار ج 5 ص 343 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 107 و 108 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 414 و المعجم الأوسط ج 2 ص 83 و نصب الراية ج 3 ص 334 و كنز العمال ج 16 ص 525 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 193 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 324 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 342 و جامع الخلاف و الوفاق ص 460 و الينابيع الفقهية ج 38 ص 55.

(3) راجع: المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152.

187

أو أنه من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ (1) أو أنه صاحبه؟ (2) أو أنه من قومه؟ (3) أي من جهينة. و جهينة من قضاعة. أو أنه من بني سليم؟ (4) و هم إما بطن من عدنان، أو من قحطان‏ (5) .

و هل الوسيم الذي استمتع بالمرأة هو سبرة، و كان برده خلقا؟أما

____________

(1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 405 و تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 70 و ج 20 ص 133 و راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 131 و سنن النسائي ج 6 ص 127 و ج 7 ص 202 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 328 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و المعجم الكبير ج 7 ص 110 و 111 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 108 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 414 و نصب الراية ج 3 ص 334 و تهذيب الكمال ج 9 ص 84.

(2) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405 صحيح مسلم ج 4 ص 133 و المصنف ج 7 ص 504 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 451 و 453 و كنز العمال ج 16 ص 524 و الإصابة ج 3 ص 26 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 25.

(3) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 455 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 111 و تفسير الميزان ج 4 ص 292 و صحيح مسلم ج 4 ص 132.

(4) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 203 و صحيح مسلم ج 4 ص 133 و معرفة علوم الحديث ص 176 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 133 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 455.

(5) راجع: جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 261 و 279 و 408 و 444.

188

الآخر، فكان دميما، و برده جديد؟أم العكس؟ (1) .

خامسا: إن هذه الرواية خبر واحد، و النسخ لا يثبت بأخبار الآحاد، لأنها تنتهي إلى الحارث بن غزية، و سبرة بن معبد، برواية ولده عبد الرحمن بن سبرة عنه، ثم حفيده عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أبيه.

إلا أن حذيفة قد روى هذه الرواية عن الزهري، عن محمد بن عبد اللّه عن سبرة (2) .

مع أن المتوقع هو: أن يروي ذلك النسخ عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عشرات الصحابة، لأن رواية سبرة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن هذا التحريم على المنبر، و هو قائم بين الركن و المقام، أو بين الباب و الحجر، أو بين الباب و زمزم، أو نحو ذلك‏ (3) .

و من الواضح: أن هذا الأمر مما يهتم الناس لتحليله و لتحريمه على حد سواء.

سادسا: إن حديث سبرة متناقض في نفسه، لأن بعض نصوصه تقول:

____________

(1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 405 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264، و قال: رواه أحمد و رجاله رجال الصحيح.

(2) تحريم المتعة للمحمدي ص 166 و 167 و راجع: أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 190.

(3) راجع: التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 107 و صحيح مسلم ج 4 ص 132 و مسند الحميدي ج 2 ص 374 و تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 61 و التفسير الحديث ج 9 ص 53 و المرأة في القرآن و السنة ص 180 و مصادر كثيرة أخرى.

غ

189

إن ما جرى من تحليل، ثم تحريم المتعة قد كان عام الفتح‏ (1) .

و بعضها الآخر يصرح: بأن ذلك كان في حجة الوداع‏ (2) .

____________

(1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و صحيح مسلم ج 4 ص 132 و 133 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و 204 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 180 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 و مسند الحميدي ج 2 ص 374 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 389 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 29 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 328 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 175 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 110 و 111 و 112 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 342 و جامع الخلاف و الوفاق ص 460 و الينابيع الفقهية ج 38 ص 55 و المجموع للنووي ج 16 ص 254 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 7 ص 537 و كشف القناع ج 5 ص 106 و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و 273 و الغدير ج 6 ص 239 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 464 و 465 و مسند أبي حنيفة ص 40 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 341 و الإستذكار ج 5 ص 503 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 102 و 103 و نصب الراية ج 3 ص 336 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 58 و كنز العمال ج 16 ص 525 و شرح مسند أبي حنيفة ص 210 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 190 و البداية و النهاية ج 4 ص 220 و 364 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366 و 601.

(2) جامع الأصول ج 12 ص 135 و التمهيد ج 9 ص 104 و 105 و 106 و 107، و فتح القدير ج 1 ص 449، و الإستذكار ج 16 ص 290 و 291، و البناية في شرح الهداية ج 4 ص 100، و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131، و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و 272، و فتح الباري ج 9 ص 146 و 149، و الإعتصام بحبل اللّه المتين-

190

أو في عمرة القضاء (1) . فأي ذلك هو الصحيح؟!

تعدد نسخ تشريع المتعة:
أما حديث: أن هذا الزواج أبيح ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، مرتين أو ثلاثا، أو أكثر، فهو غير صحيح، فإن المتعة قد شرعت بالقرآن، و قام

____________

ق-ج 3 ص 204 و 203، و راجع شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 46 عن أبي داود، و عن سنن أبي داود ج 1 ص 283 و ج 2 ص 226 و 227 الحديث رقم (2072) ، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 474، و البداية و النهاية ج 4 ص 418 و مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405، و تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 34 و 35، و الإعتبار في الناسخ و المنسوخ ج 5 ص 176 و راجع ص 177، و شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 180 و تاريخ بغداد ج 6 ص 105 و 106 و أوجز المسالك ج 9 ص 407، و المنتقى ج 2 ص 522 عن أحمد، و أبي داود، و السنن الكبرى ج 7 ص 203 و 204، و راجع غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول ج 2 ص 335، و شرح معاني الآثار ج 3 ص 25، و كنز العمال ج 22 ص 97 و 98 عن ابن جرير، و عبد الرزاق، و إرواء الغليل ج 6 ص 312 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 631 و سنن الدارمي ص 140 و الإحسان ج 9 ص 454 و 455 و كتاب العلوم لأحمد بن عيسى بن زيد ص 12، و السيرة الحلبية ج 3 ص 103، و الهداية في تخريج أحاديث البداية ج 6 ص 508 عن صحيح ابن حبان، و عن المنتقى لابن الجارود ص 234، و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 عن أحمد و رجاله رجال الصحيح.

(1) راجع: التمهيد ج 9 ص 108، و نيل الأوطار ج 6 ص 272، و شرح النووي على مسلم ج 9 ص 180 و المجموع للنووي ج 16 ص 254 و عمدة القاري ج 10 ص 166 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 504 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 504 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131.

191

الإجماع على تشريعها، و دلت على ذلك أيضا الأخبار المتواترة.

و قد ذكرنا: أن جماعات كثيرة من الصحابة و التابعين، و أئمة المذاهب، و علماء السلف قائلون ببقاء تشريعها.. و لكن عمر هو الذي حرمها.

فإذا كانت المتعة قد شرعت بالقرآن، فالسنة لا تنسخ القرآن‏ (1) . كما أن

____________

(1) المستصفى للغزالي ج 1 ص 124 و (ط دار الكتب العلمية) ص 99 و 100 و 101 و فواتح الرحموت بهامشه ج 2 ص 78، و الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 3 ص 139 و راجع ج 4 ص 107 و نهاية السؤل للأسنوي ج 2 ص 579 و 580 و 586 متنا و هامشا، و راجع ج 4 ص 457، و إرشاد الفحول ص 191، و قال: و به جزم الصيرفي و الخفاف، و أصول السرخسي ج 2 ص 67 و 68 و 69، و لباب التأويل للخازن ج 1 ص 343 و الإعتبار في الناسخ و المنسوخ من الآثار ص 28 و تنقيح الفصول ص 311 و أحكام الفصول لابن خلف الناجي ص 358 و تيسير التحرير ج 3 ص 201 و إرشاد الفحول ص 190 و فواتح الرحموت ج 2 ص 76 و الغدير ج 6 ص 233 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 203 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 206 و المحصول للرازي ج 3 ص 351 و المجموع للنووي ج 15 ص 422 و نيل الأوطار ج 6 ص 152 و فتح الباري ج 5 ص 278 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 261 و تفسير الرازي ج 20 ص 116 و الفصول في الأصول للجصاص ج 2 ص 353 و الإستذكار ج 7 ص 264 و فقه القرآن للراوندي ج 2 ص 370 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 206 و الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 56 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 451 و اللمع في أصول الفقه ص 174 و إختلاف الحديث للشافعي ص 484 و عمدة القاري ج 1 ص 247 و التبيان ج 3 ص 167.

192

السنة المتواترة لا تنسخ بأخبار الآحاد (1) .

و قد قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» : و القول بأن السنة لا تنسخ القرآن مذهب أكثر الشيعة، و جماعة من المتفقهة و أصحاب الحديث، و يخالفه كثير من المتفقهة و المتكلمين‏ (2) .

و تعدد النسخ مما لا يعهد في الشرع، و لا يقع مثله فيها (3) .

و قال العسقلاني عن روايات النسخ: لا يصح من الروايات شي‏ء بغير

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 2 ص 134، و إرشاد الفحول ص 190 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 403 و 451 و نيل الأوطار ج 9 ص 194 و فتح الباري ج 5 ص 207 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 479 و شرح مسلم للنووي ج 4 ص 37 و اللمع في أصول الفقه ص 173 منتهى المطلب (ط ج) ج 2 ص 83 و الينابيع الفقهية ج 12 ص 156 و ج 34 ق 1 ص 271 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 42 و التبيان ج 2 ص 108 و تفسير جوامع الجامع ج 1 ص 181 و نواسخ القرآن ص 27 و تفسير الرازي ج 5 ص 68 و ج 9 ص 232 و ج 10 ص 43 و ج 11 ص 21 و 163 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 204 و عدة الأصول (ط ج) ج 2 ص 531 و الفصول في الأصول ج 1 ص 163 و 196 و ج 2 ص 276 و 321 و المستصفى ص 248 و المحصول ج 3 ص 349.

(2) راجع: أوائل المقالات ص 123.

(3) راجع: زاد المعاد ج 2 ص 183 و فقه السنة ج 2 هامش ص 42 و المنتقى ج 2 هامش ص 92 و البداية و النهاية ج 4 ص 193 و تفسير النيسابوري (مطبوع بهامش الطبري) ج 5 ص 19 و التفسير الكبير للرازي ج 10 ص 52 و سنن البيهقي ج 7 ص 201 و 207.

193

علة إلا غزوة الفتح‏ (1) .

و روايات الفتح خبر واحد، لا يصح النسخ بها، بالإضافة إلى عاهات و علل أخرى ذكرنا بعضها في كتاب: «زواج المتعة تحقيق و دراسة» فراجعه.

على أن نفس القائلين بنسخ المتعة في زمان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يروون: أن الصحابة كانوا يستمتعون على عهد أبي بكر و عمر، حتى نهاهم عمر.

و أما ما نسب إلى ابن عباس: من أنه رجع عنها، إلا في حال الضرورة، فهو لا يفيد شيئا، لأن المفروض: أن الرجوع عنها يقتضي القول بنسخها مطلقا.

مع أنهم ينسبون إليه أنه قال: إنه إنما أحلها حال الضرورة. و أنه لم يرجع عن قوله هذا. و الحال أنهم ينكرون بقاء تشريعها حتى في هذه الحال أيضا.

مدة الإقامة التي يجب فيها القصر:
عن ابن عباس قال: أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين‏ (2) .

____________

(1) فتح الباري ج 9 ص 146 و 147.

(2) سبل السلام ج 2 ص 40 و صحيح البخاري ج 5 ص 95 و فتح الباري ج 7 ص 18 و عمدة القاري ج 17 ص 288 و راجع: معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 434 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و فتح الباري ج 2 ص 463 و ج 8 ص 17 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 341 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 149 و 150 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 75 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 416 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450.

194

و في لفظ: «أقمنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة تسعة عشر نقصر الصلاة» (1) .

و عند أبي داود: سبعة عشر (2) .

و عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين» (3) .

____________

(1) سبل السلام ج 2 ص 40 و صحيح البخاري ج 5 ص 95 و عمدة القاري ج 17 ص 288 معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 434 و نصب الراية ج 2 ص 221 و أضواء البيان ج 1 ص 275 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 143 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 عن البخاري، و أبي داود، و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و نصب الراية ج 2 ص 221 و راجع: سبل السلام ج 2 ص 40 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 258 و فتح الباري ج 2 ص 463 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 93 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 149 و 150 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 202 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 207.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 231 عن أبي داود، و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 91 و 93 و عون المعبود ج 4 ص 70 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 419 و ج 2 ص 338 و المعجم الكبير للطبراني-

195

و عن أنس قال: «أقمنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرة نقصر الصلاة» (1) .

و قال الشافعي: «قد قصر أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

____________

ق-ج 18 ص 209 و الإستذكار ج 2 ص 229 و ج 2 ص 243 و 250 و التمهيد لابن عبد البر ج 16 ص 314 و ج 22 ص 307 و نصب الراية ج 2 ص 224 و 225 و 226 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 212 و كنز العمال ج 7 ص 545 و ج 8 ص 237 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 318 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 277 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و 463 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 143 و 144 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 130 و 138 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 103 و تلخيص الحبير ج 4 ص 449 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و الغدير ج 8 ص 113 و مسند أحمد ج 4 ص 431 و 432 و سنن أبي داود ج 1 ص 275 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 157 و فتح الباري ج 2 ص 463.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 عن البخاري باب مقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمكة زمان الفتح، و عن صحيح مسلم ج 2 ص 141 ح (15) و (ط دار الفكر) ص 145 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 367 ح (1031) و ج 4 ص 1564 ح (1046) . و راجع: المحلى ج 5 ص 26 و تلخيص الحبير ج 4 ص 444 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 342 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 153 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 202 و الديباج على مسلم ج 2 ص 328 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 400 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 75.

196

معه عام الفتح» (1) .

و عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، و ابن عباس: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة» (2) .

و عن عراك بن مالك: أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرين ليلة يصلي ركعتين‏ (3) .

قال الحلبي: «و بهذا الثاني قال أئمتنا: إن من أقام بمحل لحاجة يتوقعها

____________

(1) الأم ج 1 ص 165 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 153 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 437.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 231 عن أبي داود، و النسائي، و صححه الحافظ. و المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و أضواء البيان ج 1 ص 276 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 144 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 92 و 93 و عون المعبود ج 4 ص 70 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 340 و ج 8 ص 540 و المعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 304 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 434 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 342 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 417 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450 و ج 7 ص 355 و سبل السلام ج 2 ص 40 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 246 و 248 و نصب الراية ج 2 ص 224 و الجوهر النقي ج 3 ص 151 و سنن أبي داود ج 1 ص 275 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 151.

(3) المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و تلخيص الحبير ج 4 ص 449 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 94 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 201.

197

كل وقت قصر ثمانية عشر يوما غير يومي الدخول و الخروج، و لعل سبب إقامته المدة المذكورة: أنه كان يترجى حصول المال الذي فرقه في أهل الضعف من أصحابه، فلما لم يتم له ذلك خرج من مكة إلى حنين لحرب هوازن» (1) .

و نقول:

1-إن الثابت عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» : أن من نوى إقامة عشرة أيام فإنه يتم الصلاة، أما من بقي مترددا فإنه يقصر الصلاة إلى شهر، ثم يبدأ بالإتمام.

و قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن ثمة اختلافا في مدة بقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، ما بين عشرة أيام إلى عشرين يوما.

فإن أخذنا برواية بقائه عشرة أيام، فإن القصر في الصلاة يصبح أمرا طبيعيا إذا كانت العشرة غير تامة.

و إن أخذنا بسائر الروايات: فإن تقصير الصلاة لا بد أن يكون بسبب التردد في مدة البقاء، و توقع الخروج يوما بعد آخر.

فإن اعترض أحد: بأنه كيف يتردد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنتم تقولون: إن اللّه يطلعه على غيبه؟!

فالجواب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما يتعامل مع الأمور وفق مسارها الطبيعي، لا وفق ما يطّلع عليه بوسائط غير عادية. فإذا علم بعلم الشاهدية: أن فلانا مثلا سارق، فليس له أن يقطع يده إذا لم يشهد شاهدان عليها بالسرقة، أو يقر هو بذلك.

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 104.

198

و كذلك الحال: لو أخبره جبرئيل «عليه السلام» : بأن مقامه بمكة سوف يستمر إلى عشرين يوما. لكن مسار الأمور يعطي: أن يتوقع الخروج يوما بعد آخر. فإن عليه أن يعمل وفق هذا المسار الطبيعي، الذي يجعل الناس عادة في موقع التردد؛ فيأخذ حكم المتردد في الإقامة في عباداته، و معاملاته مع الناس. و غير ذلك.

2-إن ما ذكروه: من أن سبب بقائه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة هو توقع حصول المال الذي اقترضه، ليؤديه لأصحابه. غير سديد:

أولا: لأن أداء دينه لا يحتاج إلى بقائه، إذ يمكنه أن يرجع إلى المدينة، و يرسل به إلى دائنه. خصوصا و أن الذين يعطون الأخماس و الزكوات لم يحملوا أموالهم إلى مكة ليؤدوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الحق الشرعي منها.. و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعتمد في أداء ديونه على غنائم الحرب، و لا كان يخطط لشن غزوات من أجل أدائها منها.

ثانيا: إنه ليس ثمة ما يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد التزم بأداء ذلك المال و هو في مكة، كما لا دليل على أنه التزم بأدائه لهم في هذه المدة الوجيزة، فلعل مهلة الأداء تمتد إلى شهور، أو سنوات.

ثالثا: إن خروجه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حرب هوازن ليس لأجل الحصول على المال، بل لأنها حرب قد فرضت عليه في هذا الوقت، بسبب جمعهم له، و ظهور خطرهم.. على أن حصول النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المال لا ينحصر بأن يكون عن طريق الغزو، فهناك مصادر أخرى له، مثل الزراعات و التجارات، و الأخماس المترتبة على الناس في أموالهم حسبما ألمحنا إليه. غ

199

الفصل الرابع:

مكة بعد الفتح بيد عتّاب.. و معاذ

200

-

201

عتاب بن أسيد على مكة:
قالوا: و ولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عتاب بن أسيد، و عمره ثماني عشرة، أو إحدى و عشرون سنة أمر مكة، و أمره «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي بالناس، و هو أول أمير صلى بمكة بعد الفتح جماعة (1) .

قال في السيرة الحلبية: «في الكشاف، و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة و قال: «انطلق فقد استعملتك على أهل اللّه. أي و قال ذلك ثلاثا» فكان شديدا على المريب، لينا على المؤمن.

و قال: و اللّه، لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق.

فقال أهل مكة: يا رسول اللّه، لقد استعملت على أهل اللّه عتاب بن أسيد، أعرابيا، جافيا؟!

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب، فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له، فدخلها، فأعز اللّه به الإسلام، فنصرته للمسلمين على من يريد

____________

(1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59.

202

ظلمهم» (1) .

هذا.. و في تاريخ الأزرقي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لقد رأيت أسيدا في الجنة، و أنى. أي كيف يدخل أسيد الجنة.

فعرض له عتاب بن أسيد، فقال: هذا الذي رأيت، ادعوه لي.

فدعي له، فاستعمله يومئذ على مكة، ثم قال: يا عتاب، أتدري على من استعملتك؟استعملتك على أهل اللّه، فاستوص بهم خيرا. يقولها ثلاثا.

فإن قيل: كيف يقول عن أسيد إنه رآه في الجنة، ثم يقول عن ولد أسيد إنه الذي رآه في الجنة.

قلنا: لعل عتابا كان شديد الشبه بأبيه، فظن «صلى اللّه عليه و آله» عتابا أباه، فلما رآه عرف أنه عتاب لا أسيد.

و في كلام سبط ابن الجوزي: عتاب بن أسيد استعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهل مكة لما خرج إلى حنين و عمره ثماني عشرة سنة.

و في كلام غيره ما يفيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما استخلف عتاب بن أسيد و ترك معه معاذ بن جبل بعد عوده من الطائف، و عمرته من الجعرانة.

إلا أن يقال: لا مخالفة، و مراده باستخلافه إبقاؤه على ذلك.

إلى أن قال في السيرة الحلبية: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

____________

(1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 و 60 و تفسير الثعلبي ج 6 ص 128 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 2 ص 406 و الإصابة ج 4 ص 357 و لسان الميزان ج 3 ص 270.

203

رأى في المنام: أن أسيدا والد عتاب واليا على مكة مسلما، فمات على الكفر، فكانت الرؤيا لولده، كما تقدم مثل ذلك في أبي جهل و ولده عكرمة.

و لما ولاه «صلى اللّه عليه و آله» على مكة جعل له في كل يوم درهما، فكان يقول: لا أشبع اللّه بطنا جاع على درهم في كل يوم.

و يروى: أنه قام فخطب الناس، فقال: يا أيها الناس أجاع اللّه كبد من جاع على درهم. أي له درهم، فقد رزقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» درهما في كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد.

و عن جابر رضي اللّه تعالى عنه: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استعمل عتاب بن أسيد على مكة، و فرض له عمالته أربعين أوقية من فضة» .

و لعل الدرهم كل يوم يحرز القدر المذكور: أي أربعين أوقية في السنة فلا مخالفة (1) .

و ستأتي مناقشة هذه الأقاويل إن شاء اللّه تعالى.

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله للمكيين مع عتّاب:
و قالوا أيضا: لما حتم قضاء اللّه بفتح مكة، و استوسقت له أمّر عليهم عتّاب بن أسيد، فلما اتصل بهم خبره قالوا: إن محمدا لا يزال يستخف بنا حتى ولى علينا غلاما حدث السن ابن ثماني عشرة سنة، و نحن مشايخ ذوي الأسنان و جيران حرم اللّه الآمن، و خير بقعة على وجه الأرض.

و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعتاب بن أسيد عهدا على مكة

____________

(1) السيرة الحلبية ج 4 ص 105 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 و 60.

204

و كتب في أوله:

«من محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جيران بيت اللّه الحرام، و سكان حرم اللّه.

أما بعد.. فمن كان منكم باللّه مؤمنا، و بمحمد رسوله في أقواله مصدقا، و في أفعاله مصوبا، و لعلي أخي محمد رسوله، و نبيه، و صفيه، و وصيه، و خير خلق اللّه بعده مواليا، فهو منا و إلينا. و من كان لذلك أو لشي‏ء منه مخالفا، فسحقا و بعدا لأصحاب السعير، لا يقبل اللّه شيئا من أعماله، و إن عظم و كبر، يصليه نار جهنم خالدا مخلدا أبدا.

و قد قلد محمد رسول اللّه عتاب بن أسيد أحكامكم و مصالحكم، و قد فوض إليه تنبيه غافلكم، و تعليم جاهلكم، و تقويم أود مضطربكم، و تأديب من زال عن أدب اللّه منكم، لما علم من فضله عليكم، من موالاة محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من رجحانه في التعصب لعلي ولي اللّه، فهو لنا خادم، و في اللّه أخ، و لأوليائنا موال، و لأعدائنا معاد، و هو لكم سماء ظليلة، و أرض زكية، و شمس مضيئة، قد فضله اللّه على كافتكم بفضل موالاته و محبته لمحمد و علي، و الطيبين من آلهما، و حكّمه عليكم، يعمل بما يريد اللّه فلن يخليه من توفيقه.

كما أكمل من موالاة محمد و علي «عليه السلام» شرفه و حظه، لا يؤامر رسول اللّه و لا يطالعه، بل هو السديد الأمين.

فليطمع المطيع منكم بحسن معاملته شريف الجزاء، و عظيم الحباء.

و ليتوق المخالف له شديد العذاب، و غضب الملك العزيز الغلاب.

و لا يحتج محتج منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الأكبر هو الأفضل،