الصحيح من سيرة النبي الأعظم - ج23

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
366 /
205

بل الأفضل هو الأكبر، و هو الأكبر في موالاتنا و موالاة أوليائنا، و معاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الأمير عليكم، و الرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحبا به. و من خالفه فلا يبعد اللّه غيره» .

قال: فلما وصل إليهم عتاب و قرأ عهده، و وقف فيهم موقفا ظاهرا نادى في جماعتهم حتى حضروه، و قال لهم:

معاشر أهل مكة، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رماني بكم‏ (1) شهابا محرقا لمنافقكم، و رحمة و بركة على مؤمنكم، و إني أعلم الناس بكم و بمنافقكم، و سوف آمركم بالصلاة فيقام بها، ثم أتخلف أراعي الناس، فمن وجدته قد لزم الجماعة التزمت له حق المؤمن على المؤمن، و من وجدته قد بعد عنها فتشته، فإن وجدت له عذرا عذرته، و إن لم أجد له عذرا ضربت عنقه، حكما من اللّه مقضيا على كافتكم، لأطهر حرم اللّه من المنافقين.

أما بعد.. فإن الصدق أمانة، و الفجور خيانة، و لن تشيع الفاحشة في قوم إلا ضربهم اللّه بالذل، قويكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، و ضعيفكم عندي قوي حتى آخذ الحق له.

اتقو اللّه، و شرفوا بطاعة اللّه أنفسكم، و لا تذلوها بمخالفة ربكم.

ففعل و اللّه كما قال، و عدل، و أنصف، و أنفذ الأحكام، مهتديا بهدى اللّه، غير محتاج إلى مؤامرة و لا مراجعة (2) .

____________

(1) لعل الصحيح: رماكم بي.

(2) البحار ج 21 ص 122-124 و التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ص 555 و 557 و راجع: الإقبال ص 318 و مدينة البلاغة ج 2 ص 292.

206

الكتاب مصنوع:
قال العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : «لا يخفى ما في هذا الكتاب من آثار الكلفة و الصنعة، مع ضعف هذا التفسير في الإنتساب إليه صلوات اللّه و سلامه عليه (و آله) .

هذا مضافا إلى أن يخالف أسلوب كتبه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

عتّاب قاض، أم أمير؟!:
و قد قال الدميري: «عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاضيا على مكة يوم الفتح» (2) .

و الظاهر: أن هذا غير دقيق، فإن الروايات تؤكد أنه أمير، و القضاء من الشؤون التي ترجع إلى الأمير أيضا.

تولية عتاب على مكة و خلافة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:
و بعد.. فإن تولية عتاب على مكة و هو قرشي، و عمره ثماني عشرة، أو إحدى و عشرون سنة، ثم تولية أسامة بن زيد على المهاجرين و الأنصار بعد ذلك و عمره ثماني عشرة سنة يثيران أمامنا العديد من الأمور.

و لعل أهمها: أن ذلك يدخل في سياق إبطال التعللات التي يحاول مناوئوا علي «عليه السلام» أن يتذرعوا بها في تمردهم عليه، و ردّ أمر اللّه و رسوله فيه.

____________

(1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 262.

(2) حياة الحيوان ج 2 ص 13 و وفيات الأعيان ج 6 ص 149.

207

فتولية عتاب بن أسيد، على شيوخ قريش، و عتاتها، و المستكبرين فيها، و هو الشاب ذو الثمانية عشر عاما أو أكثر بيسير، الذي تربى في محيط مكة، و ترعرع بين شعابها، و يعرف الناس عنه كل شاردة و واردة، مما لا يستسيغه أولئك الناس، و لا يحبذونه، بل هم يفضلون رجلا شيخا مجربا قرشيا، ظاهر السيادة فيهم، عظيم المقام بينهم.

و إذا كان قد سهل عليهم أن يتجرعوا هذه الكأس، و لو بشي‏ء من المرارة، أو التبرم، و الإستهجان، فذلك لأنه قرشي، و هو منهم و إليهم.

و لو كان من غيرهم، كأن يكون من الأنصار مثلا، فإن المصيبة ستكون عليهم أشد، و البلاء سيكون أعظم.

ثم جاءت تولية أسامة بن زيد على شيوخ المهاجرين و الأنصار في مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع ما لها من ارتباط وثيق بموضوع خلافة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما لها من أثر في إبطال الذرائع التي ربما تكون قد أعدت سلفا و كان عمره أيضا ثمانية عشر عاما، فكانت الضربة القاسية التي استهدفت صميم مشروعهم الإنقلابي على العهود التي أعطوها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على ما أنشأوه من بيعة لعلي «عليه السلام» بالإمامة في يوم غدير خم.

فلم يعد يفيدهم القول: بأن ثمة من هو أسنّ من علي «عليه السلام» ، و الناس لا يرضون بتقديمه عليهم، إذ كيف رضي عتاة قريش بتولية عتاب على مكة.. و كيف رضي شيوخ المهاجرين و الأنصار بتولية أسامة بن زيد عليهم.

فإن أمكن التعلل: بأن قضية أسامة إنما ترتبط بشأن الحرب، و ليس‏

208

بالضرورة أن يكون الخبير بالحرب مؤهلا لقيادة الأمة في سائر شؤونها:

السياسية، و الإقتصادية، و الإجتماعية، و لا أن يكون قادرا على حل مشاكلها في سائر المجالات، فضلا عن أن يكون أهلا لمقام الفتوى و القضاء، و تربية الناس، تربية صالحة، و بث المعارف الصحيحة فيهم.

فإن الجواب عن ذلك هو:
أولا: إن تولية عتاب بن أسيد على مكة لا تختص بالأمور العسكرية، بل هي لإدارة جميع الشؤون السياسية، و الإجتماعية، و غيرها.

ثانيا: إن القيادة العسكرية هي من شؤون الحاكم أيضا.. فإذا كان أسامة، و هو الشاب الذي قد لا يزيد سنّه على ثمانية عشر عاما، أليق ممن يرشحون أنفسهم لخلافة النبوة، و يكون هو الذي يصدر الأوامر إليهم، و يدبر شؤونهم، فما بالك بسائر الشؤون؟!

و كيف يمكن إثبات جدارة هؤلاء الناس لمقام خلافة النبوة، في الأمور الأعظم أثرا، و الأكثر خطرا؟!

ثالثا: لو كان السن هو المعيار لقيادة الأمة، لم يصح أن يبعث اللّه أحدا من الأنبياء، و الرسل و لا أنه يجعل أحدا من الناس رسولا أو حاكما للأمة إلا إذا كان أكبر الناس سنا.. و لبطلت نبوة نبينا «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن المفروض: أنه حين صار نبيا، ثم حين صار رسولا كانت هناك فئات كبيرة من الأمة تكبره من حيث السن.

خلاصة و توضيح:
إن عتاب بن أسيد قد أسلم يوم الفتح. و قد كان في المهاجرين المكيين،

209

من هو أفضل و أورع و أتقى، و أكثر تجربة منه بلا شك..

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفس الوقت الذي يريد أن يكون و الي مكة من قريش، فإنه أراده ممن يعيش في مكة..

و ممن أسلم يوم الفتح بالذات، فإن حقد عتاة قريش عليه أضعف، و حساسيتهم منه تكون أقل..

و أراده أيضا بهذا السن.

و أراد أن يبقيه لآخر حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن ذلك يبطل ما سوف يتذرع به نفس هؤلاء، نصرة لأحبائهم لردّ خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام» بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أن من اختاروه كان أكبر سنا من علي، و أن الناس لا يرضون بعلي «عليه السلام» بسبب حداثة سنه، و هذه الذريعة سوف تظهر، على رغم وجود عتّاب أميرا على مكة فعلا.

و مع أمارة أسامة عليهم في المدينة فعلا أيضا..

و رغم أنهم قد بايعوه يوم الغدير.

و رغم أن توليته «صلى اللّه عليه و آله» من هو أصغر من علي «عليه السلام» سنا، سواء لأمور البلاد، كما هو الحال في مكة، التي هي قلب الإسلام النابض، أو لأمور الجيوش في الحروب، كما في قضية تولية أسامة بن زيد، و بديهي: أن قيادة الجيوش تعني أن تصبح أرواح الناس، و خصوصا الثلة المؤمنة، و مصير البلاد، بل مصير الأمة بأسرها، مرهونة بسياسات هذا القائد، و خططه، و قرارته..

إن ذلك كله يوضح: أن قضية تولية عتّاب كانت في غاية الأهمية، و في‏

210

منتهى الحساسية..

لا حاجة إلى المبالغة في أمر عتاب:
إن عتّاب بن أسيد قد أسلم يوم الفتح، و توفي يوم موت أبي بكر، و قيل: غير ذلك‏ (1) .

و عتّاب أموي نسبا (2) .

____________

(1) أسد الغابة ج 3 ص 358، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 82 و 191، و الإصابة في تمييز الصحابة ج 2 ص 451/5391، و الطبقات الكبرى ج 5 ص 446 و شرح مسند أبي حنيفة ص 546 و تهذيب الكمال ج 19 ص 282 و 283 و الأعلام للزركلي ج 4 ص 199 و 200 و الإصابة ج 4 ص 356 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 30 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 244 و عون المعبود ج 4 ص 345 و البداية و النهاية ج 7 ص 41 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 98 و المعارف لابن قتيبة ص 283 و الكاشف من معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 695 و الثقات لابن حبان ج 3 ص 304 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 123.

(2) الإستيعاب ج 3 ص 1023 و طبقات خليفة بن خياط ص 485 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 181 و ج 37 ص 11 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و البداية و النهاية ج 7 ص 41 و أسد الغابة ج 3 ص 308 و الكاشف من معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 695 و الإصابة ج 5 ص 35 و الأعلام للزركلي ج 4 ص 199 و المعارف لابن قتيبة ص 283 و اللباب في تهذيب الأنساب ج 2 ص 319 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 612 و ج 3 ص 97 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 123 و ج 15 ص 265 و الطبقات الكبرى-

211

و قد أبقاه أبو بكر على مكة إلى أن مات‏ (1) . و هذا يشير إلى مدى التوافق و الإنسجام بين عتّاب و أبي بكر.

و يظهر من إبقاء معاذ معه في مكة لتعليم الناس أحكام دينهم، رغم أن ما يحتاجون إليه هو أبسط الأمور، مثل تعليم الصلاة، و الوضوء، و نحو ذلك: أن عتّابا لم يكن قادرا على القيام بهذه المهمة، بل كان هو بحاجة إلى أن يتعلم من معاذ نفس ما كان أهل مكة يتعلمونه منه، لأنه إنما أسلم كغيره قبل أيام من توليته.

كما أن من يسلم قبل أيام من توليته، فلا مجال للمبالغة في إخلاصه لهذا الدين، و لا في تقواه، و لا في معارفه الإيمانية، و لا.. و لا.. إلا سبيل الادّعاء و التكلف.

____________

ق-لابن سعد ج 5 ص 446 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 403 و المعجم الكبير للطبراني ج 17 ص 161 و تاريخ خليفة بن خياط ص 77 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 595 و عمدة القاري ج 17 ص 158 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 149 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347 و تفسير الثعلبي ج 2 ص 285 و ج 6 ص 128 و الأحكام لابن حزم ج 7 ص 983 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 67 و ج 3 ص 304 و الدرر لابن عبد البر ص 225 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 181 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 615.

(1) الأعلام للزركلي ج 4 ص 200 و المعارف لابن قتيبة ص 283 و الكاشف من معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 695 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 612 و ج 3 ص 98 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و البداية و النهاية ج 7 ص 41 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10.

غ

212

تهديد المتخلفين عن الجماعة:
و بعد ما تقدم نقول:

قد ذكروا: أن عتّابا قد هدد بقتل المتخلفين عن الجماعة، غير أننا نلاحظ: أن هذا لا يكشف عن شدة تعلق عتّاب بهذا الدين، و لا عن اهتمامه بتطبيق أحكامه، إذ قد يكون داعيه إلى ذلك هو جمع الناس إلى جماعته، و الطمأنينة إلى بسط نفوذه.

إستدلالات واهية أخرى:
ثم إن من غير الطبيعي أن ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه يستدل على صحة اختياره لعتاب، و على أهليته لمقام الولاية، بأنه من أهل الجنة، فإن كون إنسان من أهل الجنة لا يدل على مقدرته، و أهليته لمقام ولاية أمور الناس.

و يدل على ذلك: أن هؤلاء القوم، هم الذين يروون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأبي ذر: «إني أراك ضعيفا و إني أحب لك ما أحب لنفسي، فلا تأمرنّ على اثنين و لا تولّين مال يتيم» (1) .

____________

(1) المغني لابن قدامة ج 6 ص 577 و شرح الأزهار ص 308 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 6 ص 590 و جواهر العقود ج 2 ص 281 و نيل الأوطار ج 9 ص 167 و فقه السنة ج 3 ص 580 و البحار ج 22 ص 406 و ج 72 ص 4 و 342 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 583 و مسند أحمد ج 5 ص 180 و صحيح مسلم ج 6 ص 7 و سنن أبي داود ج 1 ص 655 و سنن النسائي ج 6 ص 255 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 91 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 129 و ج 6-

213

و لا يشك أحد في عظمة أبي ذر، و في رفعة مقامه في الجنة.

و أما الحديث عن عزة الإسلام بعتاب بن أسيد، فلم يظهر له وجه، فإن مجرد توليه مكة من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعني أن يعزّ الإسلام به، و أن تأتي البشارة بهذا العز لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المنام.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يعرف الأب من الابن:
و لا ندري كيف صح للحلبي الشافعي أن يزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يميز بين عتاب و بين أبيه أسيد، لشدة الشبه بينهما.

فأولا: كيف يستطيع أن يثبت الحلبي هذا الشبه الشديد بين الأب و الابن، فإن مجرد الإحتمال لا يجدي في رفع المناقضة.

ثانيا: لنفترض: أن ثمة شبها، و لكن أ ليس الأب شيخا، و عتّاب

____________

ق-ص 283 و ج 10 ص 95 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 210 و عمدة القاري ج 12 ص 19 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 6 ص 255 و السنن الكبرى و النسائي ج 4 ص 113 و أمالي المحاملي ص 389 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 353 و رياض الصالحين للنووي ص 340 و نصب الراية ج 5 ص 41 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 166 و العهود المحمدية ص 893 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 465 و ج 3 ص 42 و الأحكام لابن حزم ج 5 ص 694 و ج 7 ص 986 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 231 و علل الدارقطني ج 6 ص 285 و تاريخ مدينة دمشق ج 66 ص 219 و تهذسي الكمال ج 10 ص 141 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 75 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 377 و أخبار القضاة ج 1 ص 21 و فتوح مصر و أبارها ص 480 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 406 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 103.

214

شابا؟!فهل يعقل أن لا يميز بين الشيخ الكبير و الشاب الذي لا يتجاوز عمره الثمانية عشر عاما، أو أكثر من ذلك بقليل؟!

ثالثا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخلط بين الأمور إلى هذا الحد، فكيف يمكن أن نطمئن إلى أن هذا الخلط و الإشتباه لم يحصل في ما هو أهم من هذا و ذلك؟!

و أين هو موقع عصمة الأنبياء، و تسديدهم؟!

أ ليس يقولون: إن رؤيا الأنبياء وحي أيضا؟!

فهل يمكن أن يتطرق الخطأ إلى الوحي الإلهي؟!

أهل مكة أهل اللّه!!:
و أما وصف أهل مكة: بأنهم أهل اللّه، فلا ندري كيف نفهمه، أو نفسره؟إذ إنهم قد استسلموا و أصبحوا في قضية الإسلام قبل أيام، و لم يسلم الكثيرون منهم حتى هذه الساعة، و الذين اسلموا منهم لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم.. فكيف صاروا أهل اللّه، و هم على هذه الحالة؟!

الشك في كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل مكة:
إن ما ذكر في الكتاب المتقدم لأهل مكة، من مدح لعتّاب لا يمكن قبوله، فإن عتابا لا يمكن أن يكون بهذه المثابة التي وضعه فيها الكتاب المذكور، فهو:

1-لم يكن عارفا بأحكام اللّه تعالى، لكي يعلّم جاهلهم.

2-لا يصح وصفه: بأنه سماء ظليلة، و أرض زكية، و شمس مضيئة، ما دام أنه حديث الإسلام و لم يتفقه في الدين.

215

3-متى بلغ من الفضل و التقى حدا جعله مفضلا على كافة أهل مكة؟!مع وجود كثير من المسلمين يعيشون بين أهل مكة منذ سنوات، و خصوصا بعد الحديبية.

4-و كيف و متى ظهر حبه لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته «عليهم السلام» إلى هذا الحد الذي وصفه الكتاب المذكور.

5-على أن في خطبة عتاب فقرات يعرف الناس كلهم أنها لأمير المؤمنين «عليه السلام» (1) .

6-يضاف إلى ذلك: أن رواية هذا الكتاب تقول: فلما وصل إليهم عتاب، و قرأ عهده.. مع أن عتّابا كان معهم، و لم يأتهم من خارج بلادهم؟!

معاذ يعلّم أهل مكة:
و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل معاذا بمكة مع عتاب، ليفقّه أهلها، و يعلمهم السنن‏ (2) .

و نقول:

1-إنه لا شك في أن ما كان يحتاجه أهل مكة في أول إسلامهم هو:

تعلم أبسط الأمور، و أوضحها، مثل: الصلاة، و الزكاة، و التطهر من

____________

(1) راجع على سبيل المثال: الخطبة رقم 37 من نهج البلاغة، ففيها: الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق منه.

(2) راجع: سير أعلام النبلاء ج 1 ص 459 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 611 و 612 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 663 و البداية و النهاية ج 4 ص 422 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 679 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 270.

216

الجنابة، و دلالتهم على ما هو نجس، و لزوم تطهيره.. و الوضوء، و التيمم، و حرمة الكذب، و النميمة و البهتان.. و سائر المحرمات.. و كيفية الذبح، و الصلاة على الميت، و قراءة القرآن و نحو ذلك.

و لم يكونوا في مستوى يحتاجون فيه إلى المعارف الدقيقة و العالية.

فإبقاء معاذ في مكة ليعلم أهلها أمثال هذه لا يدل على أنه يملك علما، و أن له فضلا يعتد به..

كما أن هذا لا يدل على استقامته، فضلا عن أن يدل على عدالته..

و هل هذا إلا مثل إرسال خالد لدعوة الناس إلى الإسلام، و إذ به يرتكب في حقهم أفظع الجرائم، و يبوء بأعظم المآثم..

من هو معاذ بن جبل؟!:
ثم إن معاذا-كما يقول سليم بن قيس-كان من الذين كتبوا صحيفة تعاقدوا فيها على أن يزيلوا الإمامة عن علي «عليه السلام» (1) .

و قال الديلمي: إنه حين احتضاره كان يدعو بالويل و الثبور، لممالأته القوم ضد علي «عليه السلام» (2) .

____________

(1) كتاب سليم بن قيس ص 154 و البحار ج 28 ص 274 و الإحتجاج ج 1 ص 110 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 249 و مستدركات علم الرجال ج 7 ص 436 و الأنوار العلوية ص 288 و غاية المرام ج 5 ص 318 و 336 و نفس الرحمن في فضائل سلمان للميرزا الطبرسي ص 485 و تنقيح المقال ج 3 ص 221 و المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص 60 و مجمع النورين ص 100 و مدينة المعاجز ج 2 ص 100.

(2) البحار ج 28 ص 122 و ج 30 ص 127 و 128 و ج 31 ص 634 و ج 58 ص 241-

217

و هو من الجماعة الذين شهروا سيوفهم يوم السقيفة، و مضوا حتى أخرجوا أبا بكر، و أصعدوه المنبر (1) .

و هو أول من اتجر في مال اللّه، و ذلك حين ولاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على اليمن، فلما توفي «صلى اللّه عليه و آله» قدم، فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدع له ما يعيشه، و خذ سائره.

فقال أبو بكر: إنما بعثه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليجبره، و لست آخذا شيئا منه إلا أن يعطيني‏ (2) .

قال التستري: «لم يبعثه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأكل مال اللّه، و لا

____________

ق-و مستدركات علم الرجال ج 4 ص 412 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 320 و تنقيح المقال ج 3 ص 221 عن الديلمي، و كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 346 و إرشاد القلوب ص 391 و الصراط المستقيم ج 3 ص 153 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 574 و مجمع النورين ص 204 و عاية المرام ج 4 ص 367 و مدينة المعاجز ج 2 ص 90 و مجمع النورين ص 204 و مدينة المعاجز ج 2 ص 93.

(1) رجال البرقي ص 60 و قاموس الرجال للتستري ج 10 ص 98 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 178 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 1 هامش ص 466 و معجم رجال الحديث ج 19 ص 203.

(2) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 358 و (ط دار الجيل) ص 1404 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 555 عنه، و المصنف للصنعاني ج 8 ص 268 و 269 و نصب الراية ج 6 ص 198 و كنز العمال ج 5 ص 591 و 592 و قاموس الرجال ج 10 ص 99 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 430 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 95 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 9.

218

أجازه في التجارة به» (1) .

و من الذي قال لأبي بكر: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما بعثه ليجبره.

فلعله بعثه لحفظ الشأن العام، و حفظ أموال بيت المال؟!

و قالوا: إنه في أحداث البيعة لأبي بكر جاءهم خالد بن الوليد المخزومي، و معه ألف رجل، و جاءهم سالم مولى أبي حذيفة، و معه ألف رجل، و جاءهم معاذ بن جبل، و معه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع لهم أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب، حتى وقفوا بمسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال عمر: و اللّه، يا أصحاب علي، لئن ذهب فيكم رجل يكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.

ثم يذكر كيف أن عمر صار يطوف بالمدينة، و يجمع الناس و يكبسهم، و يستخرجهم من بيوتهم للبيعة.

و بعد ذلك بادر إلى إحراق بيت الزهراء «عليها السلام» (2) .

و حين جي‏ء بعلي «عليه السلام» للبيعة-جبرا و قهرا-كان في جملة الجالسين حول أبي بكر بالسلاح‏ (3) .

____________

(1) قاموس الرجال ج 9 ص 99.

(2) الإحتجاج ج 1 ص 200 و (ط دار النعمان) ص 104 و 105 و البحار ج 28 ص 202 و مواقف الشيعة ج 1 ص 430 و 431 و الفوائد الرجالية ج 2 ص 333 و 334 و مجمع النورين ص 79 و 80 و نهج الإيمان لابن جبر ص 586 و بيت الأحزان ص 79 و 95 و 96 و راجع: الصوارم المهرقة ص 58.

(3) كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 151 و البحار ج 28 ص 270 و الإحتجاج ج 1 ص 109 و مجمع النورين ص 98 و بيت الأحزان ص 110.

219

القسم العاشر من الفتح.. إلى الشهادة

الباب الأول: من فتح مكة إلى حنين.. تسع بعوث و سرايا

الباب الثاني: غزوة حنين.. الهزيمة.. الجريمة..

الباب الثالث: النصر الإلهي‏

الباب الرابع: حرب أوطاس.. و حصار الطائف‏

الباب الخامس: الأنصار.. و السبي.. و الغنائم‏

الباب السادس: أحداث و سرايا.. إلى تبوك‏

الباب السابع: الوفادات على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‏

الباب الثامن: وفود لها تاريخ‏

الباب التاسع: .. إلى حجة الوداع‏

الباب العاشر: تبليغ سورة براءة و حجة الوداع‏

الباب الحادي عشر: الغدير في الحديث و التاريخ‏

الباب الثاني عشر: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و إستشهاده.. أحداث و سياسات‏

الباب الثالث عشر: دفن الرسول صلّى اللّه عليه و آله حدث و تحقيق‏

الباب الرابع عشر: السقيفة.. عرض و تحليل..

220

-

221

الباب الأول من فتح مكة إلى حنين.. تسع بعوث و سرايا..

الفصل الأول: بعوث و سرايا قبل بني جذيمة

الفصل الثاني: خالد يبيد بني جذيمة

الفصل الثالث: نصوص أخرى أوضح و أصرح‏

الفصل الرابع: حديث العترة هو القصص الحق‏

222

-

223

الفصل الأول:

بعوث و سرايا قبل بني جذيمة

224

-

225

بداية:
قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل، و هو في مكة العديد من السرايا، التي كانت تهدف إلى إزالة آثار الشرك من المنطقة، و ذلك في اتجاهين:

أحدهما: هدم الأصنام الني كانت مقامة في تلك المناطق، بعد أن أزيل ما كان منها معلقا على الكعبة، و ما كان على المسجد الحرام.

الثاني: دعوة الناس إلى اللّه تبارك و تعالى، وحده لا شريك له.

و قد ذكروا من القسم الأول و الثاني وفق ترتيب المسعودي و غيره ما يلي:

1-سرية خالد بن الوليد في شهر رمضان إلى نخلة اليمانية، لهدم العزّى فيها.

2-سرية عمرو بن العاص في شهر رمضان إلى سواع، برهاط، فهدمه.

3-سرية سعد بن زيد الأشهلي-هو من الأوس-في هذا الشهر إلى مناة بالمشلل، فهدمه.

4-سرية خالد بن سعيد بن العاص إلى عرنة.

5-سرية هشام بن العاص إلى يلملم.

226

6-سرية الطفيل بن عمرو الدوسي في شوال إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي، فهدمه.

7-سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة (1) .

و نقول:

هذا ما ذكره المسعودي و غيره هنا. غير أن بعضه محل نظر و إشكال، فإن بعض ما ذكروه و إن كان قد وقع قبل غزوة حنين، و لكن بعضه الآخر مختلف فيه، مع تصريح بعضهم بما يدل على أنه متأخر عن غزوة حنين.

و ذلك مثل سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، فإنها وقعت حين أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسير إلى الطائف.

و بعض ثالث مما ذكر لم نجد فيما اطلعنا عليه من المصادر ما يكفي للحكم عليه، بل لم نجد ما يمكّننا من إفراده بالذكر، و ذلك مثل:

ألف: سرية خالد بن سعيد إلى عرنة.

ب: سرية هشام بن العاص إلى يلملم.

و قد أضاف آخرون إلى ما تقدم عدة سرايا ذكروها قبل ذكرهم لسرية خالد إلى بني جذيمة و هي:

9-سرية غالب بن عبد اللّه إلى بني مدلج.

10-سرية عمرو بن أمية الضمري إلى بني الديل.

____________

(1) التنبيه و الإشراف ص 233 و 234 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 و المغازي للواقدي ج 3 ص 873 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 77 و 232.

227

11-سرية عبد اللّه بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر (1) .

و سنحاول إن شاء اللّه ذكر هذه البعوث و السرايا وفقا للترتيب و الترقيم المذكور أعلاه، فنقول:

1-سرية خالد لهدم العزى:
لقد أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى العزى، ليهدمها، لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، و كانت بيتا بنخلة (2) .

و كان سدنتها، و حجابها: من بني شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم، و كانت أعظم أصنام قريش و جميع كنانة.

و ذلك: أن عمرو بن لحي كان قد أخبرهم أن الرب يشتي بالطائف عند اللات، و يصيف عند العزى، فعظموها، و بنوا لها بيتا. و كانوا يهدون إليها كما يهدون للكعبة (3) .

____________

(1) إعلام الورى (ط سنة 1399 هـ) ص 119 و البحار ج 21 ص 140 عنه، و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء سنة 1412 هـ) ج 1 ص 262.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 عن ابن سعد، و البيهقي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 488 و 489 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 65 و المغازي للواقدي ج 3 ص 874 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 145 و عيون الأثر ج 2 ص 207 و البحار ج 21 ص 145 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 361 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 597.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 عن ابن سعد، و الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 488 و 489 و راجع: -

غ

228

و زعموا: أن خالدا ذهب إليها، فقلعها، و استأصلها، فخرجت منها عجوز عريانة، سوداء، ثائرة الرأس، فضربها خالد بسيفه، فقتلها (1) .

غير أننا نظن: أن هذه القصة قد تعرضت للتشويه و التحريف، بهدف التمويه على ما بدر من خالد، من مخالفة لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث تذكر النصوص أيضا: أن خالدا لم يقلع العزّى، و لم يهدمها، بل رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره أنه قد قلعها.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : هل رأيت شيئا؟!

قال: لا.

قال: ما قلعت.

و في رواية قال: إنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها.

فعاد إليها خالد متغيظا و معه المعول، فقلعها، فخرجت منها عجوز الخ.. (2) .

____________

ق-السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 19 ج 3 ص 208 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 361 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 597.

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 388 و 489 و راجع: البحار ج 21 ص 145 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 208 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196.

(2) تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 488 و 489 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 308 و زاد المعاد ج 1 ص 1166 و البحار ج 21 ص 145 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 145 و 146 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 232 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 12 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 و عيون الأثر ج 2 ص 207.

229

و نص آخر يقول: إن خالدا خرج في ثلاثين فارسا من أصحابه.

قال ابن إسحاق: فلما سمع سادنها السلمي بسير خالد إليها علّق عليها سيفه، و أسند في الجبل الذي هي فيه و هو يقول:

أيا عزّ شدي شدة لا شوى لها # على خالد ألقي القناع و شمري

أيا عزّ إن لم تقتلي المرء خالدا # فبوئي بإثم عاجل أو تنصّري‏

قالوا: فأتاها خالد، فقطع السمرات، و هدمها، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره.

فقال: «هل رأيت شيئا» ؟

قال: لا.

قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها» .

فرجع خالد و هو متغيظ. فلما رأت السدنة خالدا انبعثوا في الجبل، و هم يقولون: يا عزّى خبليه، يا عزّى عوريه، و لا تموتي برغم.

فخرجت إليه (امرأة عجوز) سوداء، عريانة، ثائرة الرأس مولولة، زاد أبو الطفيل: تحثو التراب على رأسها و وجهها. فضربها خالد و هو يقول:

يا عزّ كفرانك لا سبحانك # إني رأيت اللّه قد أهانك‏

فجزّ لها اثنتين، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره.

فقال: «نعم، تلك العزى قد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا» (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 عن أبي الطفيل، و الواقدي، و ابن سعد، و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 65 و المغازي للواقدي ج 3 ص 873 و 874 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 79 و تاريخ-

230

الحدث في قفص الإتهام: و نلاحظ على هذه الروايات أمورا عديدة:

فأولا: هل كانت هذه العجوز السوداء من الإنس أو من الجن؟!

و إذا كانت من الجن.. فهل يمكن لخالد أن يقتل الجن بسيفه؟!

و إذا كانت السيوف الإنسية تقتل الجن.. فلما ذا لم تتجنب تلك الجنية سيف خالد؟!

و ما هو مصير جثتها بعد قتلها؟!هل بقيت ظاهرة للعيان؟أم اختفت؟! و إذا كانت قد اختفت.. فكيف يمكن إثبات صحة قتلها و موتها؟!

و هل يمكن لخالد في هذه الحال: أن يثبت صحة ما يدّعيه لنفسه من بطولة، و عظمة؟!

و هل كان أمثال هذه العجوز، يوجدون عند سائر الأصنام، مثل هبل، و اللات، و ودّ، و سواع، و مناة و.. و.. الخ.. ؟!

و هل ظهرت تلك العجائز على الذين هدموا تلك الأصنام، و اقتلعوها؟!

ثانيا: لما ذا كذب خالد فيما أخبر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟! فأخبره بأنه قد هدم العزّى، و الحال أنه لم يهدمها.

ثالثا: لما ذا لم يهدم خالد العزّى في المرة الأولى؟!هل لأنه خاف من ان يكون لها تأثير عليه، من حيث أنه يعتقد: بأن لها شأنا و أثرا؟!

____________

ق-الخميس ج 2 ص 96 و البحار ج 21 ص 145 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 146 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 232 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 12 و عيون الأثر ج 2 ص 207.

231

فإن كان الأمر كذلك، فهو يثير أكثر من علامة استفهام حول صحة إيمان خالد، و حول إخلاصه فيما يدّعيه من التخلي عن الشرك، و عبادة غير اللّه تعالى.

رابعا: إنه حين عاد خالد إلى العزّى متغيظا، إن كان تغيظه على العزّى؟ فلما ذا حدث هذا التغيظ منه الآن، و لم يكن حين ذهب إليها ثم رجع؟!

و إن كان هذا التغيظ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، حيث كشف أمره، و فضحه، فذلك قد يصل إلى حد الكفر و الخروج من الدين..

و إن كان تغيظ على نفسه، و على ارتكابه ما أوجب الفضيحة و ظهور الكذب، و افتضاح النوايا، فهذا ما لا سبيل إلى تلافيه، بعد ان أوقع نفسه فيه، و لكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية، بل هو يقترب في قبحه و في تأثيراته من الخيار الثاني الآنف..

خامسا: قد تكرر هذا الحديث بعينه بالنسبة لنائلة أيضا، و لكنهم لم يذكروا أن أحدا قتل تلك العجوز. و تقدم ذلك.

و ذكر هذا الحديث بعينه، مع ذكر قتلها بالنسبة لمناة، حيث زعموا: أن سعد بن زيد قتلها أيضا.

و لكن عمرو بن العاص لم ينل هذا الشرف، و لا خرجت له شيطانه، و لا شيطان حين هدم سواعا.

ملاحظة: إننا نظن أنهم أرادوا أن ينسبوا لخالد فضيلة حرب الجن، و هي كرامة ثابتة لعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، لكي يرفعوا من شأن خالد، و يقللوا من شأن علي «عليه السلام» ، حيث لا تبقى هذه الفضيلة منحصرة فيه و لا هي من خصائصه و ميزاته على غيره.

232

السادن.. بين الذكاء و الغباء: ثم إن ما فعله السادن من تعليق السيف برقبة الصنم ليدافع عن نفسه، فيه دلالة ظاهرة على أنه كان مدركا بفطرته، و بعقله سخافة عبادتهم لصنم، لا يضر و لا ينفع، و لا يبصر و لا يسمع. و تصرفه هذا يشير إلى ذكائه، و حسن تخلصه من المسؤولية، و دفع أي اعتراض عليه، أو مؤاخذة له، فيما يرتبط بعدم مبادرته للدفاع عن ذلك الصنم المشؤوم.

و لو أنه كان يؤمن بأن للصنم القدرة على المقاومة، و الدفاع عن نفسه، فإنه يكون في غاية الغباء، و في منتهى السذاجة، و التغفيل..

هل هذه سرية؟!: إن تسمية هدم العزّى التي كانت مجرد صنم في بيت ببطن نخلة بأنه «سرية» لعله لا يخلو من مسامحة، بل مبالغة، لأجل تعظيم شأن خالد، و تعويضه عن بعض ما فقده في قصة بني جذيمة.

و كذلك الحال في قصة هدم عمرو بن العاص لسواع، فإنه لم يكن هناك أحد من الناس يخشى منه سوى سادنه.

كما أن من الملاحظ: أن الذي حضر هدم العزّى أيضا هو خصوص السادن دون سواه..

فلعل إرسال ثلاثين رجلا مع خالد قد كان بهدف الحماية من مخاطر الطريق، فلا يتعرض له أحد بسوء.

أو لعله كان لغرض آخر، مثل دعوة بعض القبائل التي قد تصادفهم في الطريق إلى الدخول في هذا الدين.

233

قبل قصة بني جذيمة أو بعدها: قال الصالحي الشامي:

ذكر ابن إسحاق و من تابعه، إرسال خالد لهدم العزى بعد سرية خالد إلى بني جذيمة.

و ذكرها محمد بن عمر، و ابن سعد، و البلاذري، و جرى عليه في المورد و العيون، و جزم به في الإشارة قبلها. و ارتضاه في الزهر، و قال: إن في الأول نظرا، من حيث إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة، و لا يتجه إرساله بعد ذلك في بعث.

و الذي ذكره غير واحد، منهم الواقدي، و تلميذه محمد بن سعد: أن سرية خالد إلى العزّى كانت لخمس ليال من شهر رمضان، و سرية خالد إلى بني جذيمة كانت في شوال سنة ثمان.

قلت: إن صح ما ذكره ابن إسحاق من كون سرية خالد لهدم العزّى بعد سرية بني جذيمة، فوجهه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رضي عليه، و عذره في اجتهاده‏ (1) .

غير أننا نقول:

إن سرية خالد لهدم العزّى لا ربط لها بوجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خالد، بسبب الجريمة التي ارتكبها في حق بني جذيمة. و إنما هي متصلة بسياسة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في اقتلاع جذور الشرك من قلوب أولئك الناس الطامحين و المغامرين. أو على الأقل إحراق آخر خيوط

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 و 197.

234

الأمل الذي ربما يراودهم في العودة إلى السقوط في حمأة الشرك، و تلويث النفوس بقاذوراته.

كما أن ذلك يساعد على قطع علاقة الناس السذج و البسطاء بهذا النوع من الناس، الذي يحمل رواسب من هذا النوع، و تكريس علاقتهم بمصدر الوحي، و رمز الفضيلة و الإيمان و التقوى..

فكان «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يحطم اصنامهم بأيدي خصوص هؤلاء الذين يتعاملون مع القضايا بمنطق انتهاز الفرص، و اقتناصها، ليصبح أمرهم ظاهرا، و ليأمن الناس بوائقهم، التي قد تتجه إلى نحو من العمل السري و التآمري، الذي يريد أن يحفظ معالم الإنحراف، مختزنة في نفوس الضعفاء، و السذج، و البسطاء، ليستفيد منها في الموقع المناسب.

و على هذا الأساس نقول:

إن قولهم: إنه لا يمكن أن يكلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالدا بهدم العزى بعد أن فعل ببني جذيمة ما فعل غير صحيح.

و ذلك لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان سيبعث خالدا لهدم العزّى، و عمرو بن العاص لهدم سواع، حتى لو ارتكب خالد جريمته في حق بني جذيمة.. و حتى لو ظهرت من عمرو بن العاص البوائق و المعاصي.

بل إن ظهور ذلك من هذا أو ذاك يؤكد لزوم اختيارهما لهذه المهمة، كما هو ظاهر لا يخفى.

فما ذكره الصالحي الشامي أو غيره: من أن من الممكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد رضي على خالد، ليصح إرساله لهدم العزّى.. غير صحيح.

و لعل الصحيح هو: أنه كان غاضبا على خالد، فاقتضى هذا الغضب‏

235

نفسه، أن يرسله في هذه المهمة. رفقا بالناس، و حفظا للدين، و إقامة للحجة عليه و على أمثاله.

2-هدم سواع:
قال الواقدي، و ابن سعد و غيرهما: في شهر رمضان بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص إلى سواع: صنم هذيل بن مدركة، و قيل: لهمدان‏ (1) ، و كان على صورة امرأة ليهدمه.

قال عمرو: فانتهيت إليه، و عنده السادن، فقال: ما تريد؟

فقلت: أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أهدمه.

قال: لا تقدر على ذلك.

قلت: لم؟

قال: تمنع.

قلت: حتى الآن أنت على الباطل؟!و يحك، و هل يسمع أو يبصر؟

قال: فدنوت منه فكسرته، و أمرت أصحابه (أصحابي) فهدموا بيت خزانته فلم نجد فيه شيئا.

____________

(1) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و زاد المسير ج 8 ص 100 و التبيان للطوسي ج 10 ص 141 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 3 ص 647 و تفسير غريب القرآن ص 213 و تفسير النسفي ج 4 ص 284 و تفسير الرازي ج 30 ص 144 و تفسير البيضاوي ج 5 ص 395 و تفسير البحر المحيط ج 8 ص 335 و تفسير أبي السعود ج 9 ص 40 و السيرة الجلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 18 و لسان العرب ج 8 ص 170 و مجمع البحرين ج 4 ص 481 و تاج العروس ج 11 ص 230.

236

ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟

قال: أسلمت للّه تعالى‏ (1) .

و زعموا: أن هذا الصنم سمي سواعا على اسم سواع بن شيث بن آدم «عليه السلام» ، و قد كان هذا الصنم لقوم نوح «عليه السلام» ، ثم صار لهذيل.

كان برهاط: قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة على ساحل البحر يحجون إليه‏ (2) .

و بعد ما تقدم فإننا نطلب من القارئ الكريم، أن يلاحظ مايلي:

1-إن الرواة هنا لم يذكروا لنا إن كان مع عمرو بن العاص أحد.

فضلا عن أن يذكروا عدد من كان معه حين ذهب لهدم سواع.

2-إن أصحاب الصنم هم الذين هدموا خزانته بأمر من عمرو بن العاص.

3-أين ذهبت الأموال أو التحف، أو الأمتعة التي كانوا يتوقعون وجودها في خزانة الصنم؟!فإن الناس كانوا يهدون لأصنامهم أشياء مختلفة.

4-إن عمرو بن العاص يستدل على السادن بدليل كان الأحرى،

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 198 عن الواقدي، و ابن سعد، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 65 و 66 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 340 و 341 و المغازي للواقدي ج 2 ص 870 و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و 97 و راجع: البحار ج 21 ص 145 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 146 و عيون الأثر ج 2 ص 208 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 209.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 198 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 عن مزيل الخفا.

237

و الأجدر به أن يستدل هو به على نفسه، فإنه كان إلى الأمس القريب يعبد تلك الأصنام، و يتقرب لها.

5-هل يصح تكليف رجل واحد بمهمة هدم صنم أن يوصف بأنه سرية؟!

3-هدم مناة و قتلها:
قالوا: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في شهر رمضان بعد فتح مكة (1) سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة لهدمها، و كانت (بالمشلل‏ (2) ) للأوس و الخزرج، و غسان.

و قيل: مناة لخزاعة. و كانت بقديد. قاله قتادة (3) .

و قيل: هي صخرة كانت لهذيل و خزاعة و ثقيف‏ (4) .

فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها و عليها سادن. فقال السادن:

ما تريد؟

____________

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و التنبيه و الإشراف ص 233 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 199.

(2) المشلل: جبل إلى ناحية البحر، و هو الذي يهبط منه إلى قديد.

(3) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 294 و تفسير البغوي ج 4 ص 250.

(4) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 99 و تفسير الرازي ج 28 ص 296 و راجع: الأعلام للزركلي ج 8 ص 80 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 117.

238

قال: هدم مناة.

قال: أنت و ذاك.

فأقبل سعد يمشي إليها، و تخرج إليه امرأة عريانة، سوداء، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، و تضرب صدرها.

فقال السادن: مناة!!دونك بعض غضباتك.

و يضربها سعد بن زيد الأشهلي فقتلها. و يقبل إلى الصنم معه أصحابه، فهدموه.

و لم يجد في خزانتها شيئا.

و انصرف راجعا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

و نحن نسجل هنا الأمور التالية:
1-إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة ما ذكرته الرواية آنفا: من أن مناة كانت للأوس، و الخزرج، و غسان. فأين عنها غسان في الشام؟!و الأوس و الخزرج في المدينة؟!

في حين أن المشلل موضع لجهة البحر، و هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد.

2-هل يصح تسمية مهمة هدم صنم بأنه سرية؟!

3-لما ذا يخلي السادن بين سعد بن زيد و بين الصنم ليهدمه، فلا يمانع،

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 199 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و 96 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 146 و 147 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 563 و عيون الأثر ج 2 ص 208 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 209.

239

أو لا يظهر انزعاجه، أو رأيه و لو بكلمة، أو لا يحذر الفاعل من عواقب ما يقدم عليه كما فعل سادن سواع و العزى؟!

بل هو يقول للمهاجم: أنت و ذاك.

و لكنه حينما رأى تلك المرأة خرجت إليه، يقول لها: مناة!!دونك بعض غضباتك.

على أن ثمة سؤالا آخر هنا، و هو: هل كان ذلك السادن يعرف مناة؟!

و هل كان قد رآها قبل هذه المرة؟!

و لما ذا لم يكن هذا الأمر قد اشتهر بالجزيرة العربية بأسرها؟!

4-يلاحظ هنا: أن المرأة العريانة السوداء الخ.. لا تخرج لمواجهة خالد في المرة الأولى حتى عاد إليها، و اقتلعها، فخرجت.

و لكن مناة تخرج لسعد بن زيد بمجرد توجهه نحو الصنم.

5-يلاحظ أيضا: توافق صفات العزى، و حركاتها، مع صفات مناة، و حركاتها، فهي عريانة.. سوداء.. ثائرة الرأس.. تدعو بالويل.. تضرب صدرها.. امرأة.

6-و يلاحظ: أن سعد بن زيد لا يجد في خزانة مناة شيئا أيضا!!

4-سرية خالد بن سعيد إلى عرنة: 5-سرية هشام بن العاص إلى يلملم:
و قد قلنا: إن ما راجعناه من مصادر لا يسمح لنا بتقديم تفاصيل تذكر عن أحداث محتملة حصلت في هاتين السريتين. غ

240

6-سرية الطفيل الدوسي إلى ذي الكفين:
و سيأتي الحديث عن هذه السرية قبيل مسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الطائف، لأنها كانت بعد حنين.

7-سرية غالب بن عبد اللّه إلى بني مدلج:
و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث (و هو في مكة) غالب بن عبد اللّه في سرية دعوة إلى بني مدلج، فقالوا: لسنا عليك و لا معك.

فقال الناس: اغزهم يا رسول اللّه!

فقال: إن لهم سيدا أديبا أريبا، و رب غاز من بني مدلج شهيد في سبيل اللّه‏ (1) .

و نقول:

1-إن ذلك يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بأدق التفاصيل في المحيط الذي يتعامل معه، بل كان أعرف الناس بطبائع الأشخاص و حالاتهم. كما أنه يعرف مدى نفوذهم و تأثيرهم، و يتخذ قراراته على هذا الأساس.

و لكن هل هذه المعرفة كانت مكتسبة له من خلال ما تهيأ له من وسائل عادية؟!أم انها مرتبطة بالتسديد، و اللطف الإلهي، و الإمداد الغيبي؟!

____________

(1) إعلام الورى (ط سنة 1399 هـ) ص 119 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 227 و البحار ج 21 ص 140 عنه، و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 262 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 73.

241

إننا نرى صحة هذا الخيار الأخير، و لا نجد فيه أي محذور، فإن التدخل الغيبي الإلهي لإيصال المنافع للبشر، و دفع المضار عنهم أمر مشهود في تاريخ البشر.

و لكن إذا كان يراد بهذا التدخل التوصل إلى سلب الناس القدرة على التصرف، و على الإختيار، أو أخذهم و مؤاخذتهم استنادا إلى معارف حصلت بوسائل غير عادية، و لا تقع تحت قدرتهم، فذلك هو المحذور الذي لا يمكن أن يكون له أي دور في السياسة الإلهية للبشر، أو في التعامل معهم.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بما ذكره لهم، من معرفته الدقيقة بكل ما من شأنه أن يؤثر على مسار الأمور، بحيث تنتهي إلى ما يحبه المسلمون.. بل هو قد تجاوز ذلك بإخبارهم الغيبي عن مستقبل بني مدلج في هذا الدين، و أنهم سيدخلون فيه، و سيكون منهم الشهداء في سبيل اللّه..

الأمر الذي يصل بالأمور لدى أصحابه إلى درجة اليقين بالنتائج، فلا موضع للتوهم في أن يكون ما يخبرهم به مجرد توقعات يطلقها على سبيل التفاؤل للربط على القلوب، و شحذ العزائم، و إيقاظ الهمم.

3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشر إلى ما سيفعله سيد بني مدلج!!هل سوف يسلم؟!أم أنه سيبقى على شركه؟!لكنه، و هو السيد الأديب الأريب سيمنع قومه من إظهار العداوة، و من إثارة المتاعب، و الدخول في تحالفات، أو في مؤامرات ضد الإسلام و المسلمين، و هذا يكفي مبررا للكف عن بني مدلج..

4-إن هذا الذي جرى يظهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد

242

حمل الناس على الإسلام، و لا كان يريد أن يستفيد من عنصر القوة إلا حين تلجئه الظروف إلى ذلك، و ذلك حين يعلن الآخرون الحرب على الإسلام و أهله، دون أن تكون هناك أية فرصة لدفع شرهم، ورد عاديتهم إلا بالتوسل بالقوة.

5-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حريصا على ممارسة حقه في دعوة الناس إلى الحق، و تعريفهم، و إبلاغهم بنبوته، و إقامة الحجة عليهم فيها، و فيما يدعو إليه.. ثم يترك الخيار لهم.

8-سرية عمر بن أمية إلى بني الديل:
و بعث «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن أمية الضمري إلى بني الديل، فدعاهم إلى اللّه و رسوله، فأبوا اشد الإباء، فقال الناس: اغزهم يا رسول اللّه.

فقال: «صلى اللّه عليه و آله» : أتاكم الآن سيدهم قد أسلم، فيقول لهم:

أسلموا، فيقولون: نعم‏ (1) .

و نقول:

إننا بالإضافة إلى ما قدمناه في الحديث عن غزوة بني مدلج، نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد توقع لأصحابه قرب قدوم سيدهم إليهم، و حتمية تحقق ما يخبرهم به، حيث قال: «أتاكم الآن سيدهم» بصيغة الفعل الماضي الدال على التحقق و الوقوع.

____________

(1) إعلام الورى (ط سنة 1399 هـ) ص 119 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 227 و البحار ج 21 ص 140 عنه، و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 262.

243

ثم أخبر عن إسلام سيد بني الديل قبل قدومه.

ثم توقع أن يكون نفس سيدهم داعية لقومه إلى الدخول في الإسلام، و ذلك سيوفر على المسلمين مشكلات كثيرة، و قد تكون كبيرة أيضا.

و سيسهل على بني الديل الدخول في دين اللّه، من دون أي خوف أو وجل، أو توقع إساءة أو ملامة من رئيسهم و سيدهم.

9-سرية ابن سهيل بن عمرو إلى بني محارب:
و بعث «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر، فأسلموا، و جاء معه نفر منهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1) .

أما سرية بني جذيمة، فسنفرد حديثا عنها ابتداء من الفصل التالي.

____________

(1) راجع المصادر المتقدمة في الهامش.

244

-

245

الفصل الثاني:

خالد يبيد بني جذيمة

246

-

247

قتل بني جذيمة في النصوص و الآثار:
و ذكروا: أن قصة بني جذيمة قد حصلت بعد الفتح.

قال البلاذري: إنها كانت في شوال‏ (1) .

و قالوا: كان بنو جذيمة-و هم قبيلة من عبد القيس أسفل مكة بناحية يلملم-و قد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة، و قتلوا عمّ خالد، فأرسل إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد، بعد أن رجع من هدم العزى، داعيا لا مقاتلا (2) .

____________

(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 181 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 45 و عمدة القاري ج 17 ص 313 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 6 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 عيون الأثر ج 2 ص 209 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 197 و 200.

(2) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و راجع: البحار ج 21 ص 140 و إعلام الورى ج 1 ص 227 و المبسوط للسرخسي ج 20 ص 143 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 228 فتح الباري ج 8 ص 45 و عمدة القاري ج 17 ص 313 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200.

248

فاستقبلوه و عليهم السلاح، و قالوا: يا خالد، إنّا لم نأخذ السلاح على اللّه و على رسوله، و نحن مسلمون، فانظر، فإن كان بعثك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساعيا فهذه إبلنا و غنمنا فاغد عليها.

فقال: ضعوا السلاح.

قالوا: إنّا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهلية، و قد أماتها اللّه و رسوله.

فانصرف عنهم بمن معه، فنزلوا قريبا، ثم شن عليهم الخيل، فقتل و أسر منهم رجالا.

ثم قال: ليقتل كل رجل منكم أسيره.

فقتلوا الأسرى.

و جاء رسولهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره بما فعل خالد بهم، فرفع «عليه السلام» يده إلى السماء و قال: «اللهم إني أبرء إليك مما فعل خالد» .

و بكى، ثم دعى عليا «عليه السلام» ، فقال: اخرج إليهم، و انظر في أمرهم. و أعطاه سفطا من ذهب، ففعل ما أمره، و أرضاهم‏ (1) .

____________

(1) البحار ج 21 ص 140 و إعلام الورى (ط سنة 1399 هـ) ص 119 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 228. و راجع حديث قتل خالد لبني جذيمة في: البداية و النهاية ج 4 ص 359 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و مسند أحمد ج 2 ص 150 و 151 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 368 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 255 و 256 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 61 و المغازي للواقدي ج 2 ص 875 و عن فتح الباري ج 5 ص 45 و صحيح البخاري ج 5 ص 107 و سنن النسائي ج 8 ص 237 و فتح الباري ج 8 ص 45 و السنن-

249

و روى ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه عنهم، و محمد بن عمر عن ابن سعد، قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد-حين افتتح مكة-داعيا و لم يبعثه مقاتلا، و بعث معه ثلاثمائة و خمسين رجلا من المهاجرين و الأنصار (و معه قبائل من العرب) سليم بن منصور، و مدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة (بن عامر بن عبد مناة بن كنانة) فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ما أنتم؟

قالوا: مسلمون، قد صلينا، و صدقنا، و بنينا المساجد في ساحاتنا، و أذّنّا فيها.

قال: فما بال السلاح عليكم؟

قالوا: «إن بيننا و بين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح» .

فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا (1) .

____________

ق-الكبرى للنسائي ج 3 ص 474 و ج 5 ص 177 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 54 و كنز العمال ج 1 ص 317 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 548 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 233 و إحقاق الحق (الأصل) ص 276 و مصادر كثيرة أخرى.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 71 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 66 و 67 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 381 و المغازي للواقدي ج 3 ص 875 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و 98 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و عيون الأثر ج 2 ص 209 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 210.

250

فقال رجل من بني جذيمة، يقال له: جحدم: «إنه و اللّه خالد. و ما يطلب محمد من أحد أكثر من أن يقر بالإسلام، و نحن مقرون بالإسلام، و هو خالد، لا يريد بنا ما يراد بالمسلمين» (1) .

«ويلكم يا بني جذيمة، إنه خالد، و اللّه ما بعد وضع السلاح إلا الأسار، و ما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق، و اللّه لا أضع سلاحي أبدا» .

فأخذه رجال من قومه، فقالوا: «يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا؟إن الناس قد أسلموا، و وضعت الحرب أوزارها، و أمن الناس» .

فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، و وضع القوم السلاح لقول خالد (2) .

و قال أبو جعفر، محمد بن علي رضي اللّه عنهم: فلما وضعوا السلاح أمرهم خالد عند ذلك، فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم‏ (3) .

____________

(1) المغازي للواقدي ج 3 ص 876.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و راجع: المنمق ص 259 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 882 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 67 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 341 و شرح الأخبار ج 1 ص 309 و الغدير ج 7 ص 168 و كتاب المنمق ص 216 و 217 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 591.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 882-

251

و قالوا: فلما كان السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافه.

و المدافة الإجهاز عليه بالسيف.

و في المواهب اللدنية: من كان معه أسير فليقتله.

فأما بنو سليم فقتلوا كل من كان في أيديهم.

و أما المهاجرون و الأنصار فأرسلوا أساراهم‏ (1) .

و عن إبراهيم بن جعفر المحمودي، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «رأيت كأني لقمت لقمة من حيس، فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شي‏ء حين ابتلعتها، فأدخل عليّ يده، فنزعه» .

فقال أبو بكر الصديق: يا رسول اللّه، هذه سرية من سراياك، تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب، و يكون في بعضها اعتراض، فتبعث عليا فيسهله‏ (2) .

____________

ق-و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 67 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 341 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و 409 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و كشف الغمة ج 1 ص 220 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 591.

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 عن أحمد، و البخاري، و النسائي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 عن المواهب اللدنية، و المغازي للواقدي ج 3 ص 876 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 148 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 210.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و 201 عن ابن هشام، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 883 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و الغدير ج 7 ص 169.

252

قال ابن إسحاق: و لما أبى جحدم ما صنع خالد، قال: يا بني جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه‏ (1) .

قال: و حدثني أهل العلم: أنه انفلت رجل من القوم، فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«هل أنكر عليه أحد» ؟

قال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض، ربعة، فنهمه خالد، فسكت عنه.

و أنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه، فاشتدت مراجعتهما.

فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، أما الأول فابني عبد اللّه، و أما الآخر، فسالم مولى أبي حذيفة (2) .

قال عبد اللّه بن عمر في حديثه السابق: «فلما قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكرنا ذلك له، فرفع يديه و قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» . مرتين‏ (3) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 884 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 342 و البداية و النهاية ج 4 ص 359 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593.

(2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 883 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 592.

(3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و راجع المصادر المتقدمة.

253

قال أبو جعفر، محمد بن علي رضي اللّه عنهم: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه، فقال: «يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، و اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» .

فخرج علي «عليه السلام» حتى جاءهم، و معه مال قد بعث به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فودى لهم الدماء، و ما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه لودى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شي‏ء من دم و لا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليّ حين فرغ منهم: «هل بقي لكم مال لم يؤد إليكم» ؟

قالوا: لا.

قال: فإني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال، احتياطا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مما لا يعلم و مما لا تعلمون» .

ففعل، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر فقال: «أصبت و أحسنت» .

ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» . ثلاث مرات‏ (1) .

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و أشار في هامشه إلى: البخاري ج 4 ص 122، و النسائي ج 8 ص 237 و أحمد في المسند ج 2 ص 151 و البيهقي في السنن ج 9 ص 115. و راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 153 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 33 و 34 و الإصابة ج 1 ص 318 و 227 و ج 2 ص 81 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و 148 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و السيرة-

254

و ذكر الواقدي: أن عليا «عليه السلام» جاءهم بالمال الذي أعطاه إياه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فودى لهم ما أصاب خالد، و دفع إليهم ما لهم، و بقي لهم بقية من المال، فبعث علي «عليه السلام» أبا رافع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليستزيده، فزاده مالا، فودى لهم كل ما أصاب‏ (1) .

و لما رجع علي «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: ما صنعت يا علي؟!

فأخبره، و قال: يا رسول اللّه، قدمنا على قوم مسلمين، قد بنوا المساجد بساحتهم، فوديت لهم كل من قتل خالد حتى ميلغة الكلاب الخ.. (2) .

و قال بعض بني جذيمة أبياتا يذكر فيها غدر خالد بهم، و منها:

و لو لا مقال القوم للقوم أسلموا # للاقت سليم يوم ذلك ناطحا

____________

ق-النبوية لابن كثير ج 3 ص 592 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 67 و 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 342 و الغدير ج 7 ص 169 و كتاب المنمق ص 217 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و 409 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و الغدير ج 7 ص 168 و 169 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 884 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 145 و أسد الغابة ج 3 ص 102 و المغازي للواقدي ج 3 ص 882 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و المنمق ص 259 و 260 و راجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 62 و 63.

(1) المغازي للواقدي ج 3 ص 882 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 7.

(2) المغازي للواقدي ج 3 ص 882.