أعيان الشيعة - ج4

- السيد محسن الأمين المزيد...
634 /
455

غدا يصرف بالأموال خزيتها # فعزه البحر ذو التيار و العبب

هيهات زعزعت الأرض الوقور به # عن غزو محتسب لا غزو مكتسب

لم ينفق الذهب المربي بكثرته # على الحصى و به فقر إلى الذهب

ان الأسود أسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

ولى و قد ألجم الخظي منطقه # بسكتة تحتها الأحشاء في صخب

احسى قرابينه صرف الردى و مضى # يحتث أنجى مطاياه من الهرب

تسعون ألفا كاساد الشري نضجت # جلودهم قبل نضج التين و العنب

كم أحرزت قضب الهندي مصلتة # تهتز من قضب تهتز في كثب

بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت # أحق بالبيض أبدانا من الحجب

خليفة الله جازى الله سعيك عن # جرثومة الدين و الإسلام و الحسب

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها # تنال الأعلى جسر من التعب

ان كان بين صروف الدهر من رحم # موصولة أو ذمام غير منقضب

فبين أيامك اللاتي نصرت بها # و بين أيام‏أقرب النسب

أبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم # صفر الوجوه وجلت أوجه العرب

و من مدائحه في المعتصم قوله من قصيدة:

رقت حواشي الدهر فهي تمر مر # و غدا الثرى في حلية يتكسر

خلق اطل من الربيع كأنه # خلق الإمام و هديه المتنشر

سكن الزمان فلا يد مذمومة # للحادثات و لا سوام تذعر

فليعسرن على الليالي بعده # ان يبتلى بصروفهن المعسر

و قوله في قصيدة:

أجل أيها الربع الذي حف آهله # لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله

وقفت و أحشائي منازل للأسى # به و هو قفر قد تعفت منازله

اسائلكم ما باله حكم البلى # عليه و الا فاتركوني أسائله

دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة # فلباه طل الدمع يجري و وابله

بيوم يريك الموت في صورة النوى # أواخره من حسرة و أوائله

وقفنا على جمر الوداع عشية # فلا قلب الا و هو تغلي مراجله

و في الكلة الصفراء جؤذر رملة # غدا مستقلا و الفراق معادله

يعنفني ان ضقت ذرعا بهجره # و يجزع ان ضاقت عليه خلاخله

رواحلنا قد بزنا الهم أمرها # إلى ان حسبنا أنهن رواحله

إذا خلع الليل النهار حسبتها # بارقالها من كل وجه تقاتله

إلى قطب الدنيا الذي لو بفضله # مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله

من البأس و المعروف و الدين و التقى # عيال عليه رزقهن شمائله

جلا ظلمات الظلم عن وجه أمة # أضاء لها من كوكب المجد آفلة

و لاذت بحقويه الخلافة فالتقت # على خدرها أرماحه و مناصله

بمعتصم بالله قد عصمت به # عرى الدين و التفت عليه وسائله

إذا مارق بالغدر حاول غدرة # فذاك حري ان تئيم خلائله

و ان يبن حيطانا عليه فإنما # أولئك عقالاته لا معاقله

و الا فأعلمه بانك ساخط # و دعه (عليه) فان الخوف و لا شك قاتله

بيمن أبي إسحاق طالت يد الهدى # و قامت قناة الملك و اشتد كاهله

هو البحر من أي النواحي أتيته # فلجته المعروف و الجود ساحله

تعود بسط الكف حتى لو انه # ثناها لقبض لم تطعه أنامله

و لو لم يكن في كفه غير روحه # لجاد بها فليتق الله سائله‏

455 و قال يمدح المعتصم و يذكر أخذ بابك من قصيدة:

آلت أمور الشرك شر مال # و أقر بعد تخمط و صيال

يا يوم أرشق كنت رشق منية # للخرمية صائب الآجال

أسرى بنو الإسلام فيه و أدلجوا # بقلوب أسد في صدور رجال

و وردن موقانا عليه شوازبا # شعثا بشعث كالقطا الإرسال

يحملن كل مدجج سمر القنا # باهابه أولى من السربال

يوم أضاء به الزمان و فتحت # فيه الأسنة زهرة الآمال

نزلت ملائكة السماء عليهم # لما تداعى المسلمون نزال

لم يكس شخص فياه حتى رمى # وقت الزوال نعيمهم بزوال

ابنا بكل خريدة قد أنجزت # فيها عداة الدهر بعد مطال

خاضت محاسنها مخاوف غادرت # ماء الصبا و الحسن غير زلال

أعجلن عن شد البري و لطالما # عودن ان يمشين غير عجال

فأسلم أمير المؤمنين لأمة # أبدلتها الامراع بالامحال

أمسى بك الإسلام بدرا بعد ما # محقت بشاشته محاق هلال

ألبسته أيامك الغر التي # أيام غيرك عندهن ليالي‏

و من غرر مدائحه في المعتصم القصيدة اللامية الآتي مختارها في أخباره مع جماعة من الشعراء. و القصيدة التي أولها

(غدا الملك معمور الحرا و المنازل)

المذكورة في اخباره مع عبد الله بن طاهر .

اخباره مع احمد بن المعتصم

قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في كتاب اخبار أبي تمام : حدثني محمد بن أبي يحيى بن أبي عباد حدثني أبي قال شهدت أبا تمام ينشد احمد بن المعتصم قصيدته التي مدحه بها و ذكر منها أربعة أبيات المطلع و الذي بعده و قوله أبليت هذا المجد و الذي بعده. و قال البديعي في هدية الأيام : قال ابن دحية في كتاب النبراس ان أبا تمام مدح احمد بن المعتصم بالله بقوله:

ما في وقوفك ساعة من بأس # تقضي ذمام الأربع الأدراس

فلعل عينك أن تعين بمائها # و الدمع منه خاذل و مواس

لا يسعد المشتاق و سنان الهوى # يبس المدامع بارد الأنفاس

ان المنازل ساورتها فرقة # أخلت من الآرام كل كناس

من كل ضاحكة الترائب أرهفت # إرهاف خوط البانة المياس

بدر أطاعت فيك بادرة النوى # خطا و شمس أولعت بشماس

بكر إذا ابتسمت أراك وميضها # نور الأقاح برملة ميعاس

و إذا مشت تركت بقلبك ضعف ما # بحليها من كثرة الوسواس

قالت و قد حم الفراق فكاسه # قد خولط الساقي بها و الحاسي

لا تنسين تلك العهود فإنما # سميت إنسانا لأنك ناس

إن الذي خلق الخلائق قاتها # أقواتها لتصرف الاحراس (1)

فالأرض معروف السماء قرى لها # و بنو الرجاء لهم بنو العباس

القوم ظل الله أسكن دينه # فيهم و هم جبل الملوك الراسي

في كل جوهرة فرند مشرق # و هم الفرند لهؤلاء الناس

هدأت على تأميل أحمد همتي # و أطاف تقليدي به و قياسي

بالمجتبى و المصطفى و المشتري # للحمد و الحالي به و الكاسي

و الحمد برد جمال اختالت به # غرر الفعال و ليس برد لباس‏

____________

(1) الأحراس جمع حرس كدهر وزنا و معنى -المؤلف-

456

خلط الشهامة بالليان فأصبحت # عذاله بين الرجا و الياس

فرع نما من هاشم في تربة # كان الكفي‏ء لها من الأغراس

لا تهجر الأنواء منبتها و لا # قلب الثرى القاسي عليه بقاسي

و كان بينهما رضاع الثدي من # فرط التصابي أو رضاع الكأس

أبليت هذا المجد أبعد غاية # فيه و أكرم شيمة و نحاس (1)

اقدام عمرو (2) في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس

فلما قال البيت الأخير قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف -و أراد الطعن عليه-: الأمير فوق من وصفت و زاد في رواية النبراس : كيف تشبه ولد أمير المؤمنين باعراب أجلاف و هو أشرف منزلة و أعظم محلة فأطرق قليلا و زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها.

لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى و البأس

فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة و النبراس‏

فعجبنا من سرعته و فطنته قال صاحب النبراس و اهتز ابن المعتصم لذلك طربا و بهت له متعجبا و وقع له بالموصل. قال الصولي و قد روي هذا الخبر على خلاف هذا و ليس بشي‏ء و هذا هو الصحيح (اه) أقول أراد برواية الخبر على خلاف ما ذكره ما مر عن النبراس من انه وقع له بالموصل أو ما أشار اليه ابن خلكان في تاريخه بقوله و رأيت الناس يطبقون على انه مدح الخليفة بقصيدته السينية فلما انتهى فيها إلى قوله (اقدام عمرو ) البيت قال له الوزير أ تشبه أمير المؤمنين باجلاف العرب فأطرق ساعة ثم رفع رأسه و قال‏

(لا تنكروا ضربي له من دونه)

البيتين فقال الوزير للخليفة أي شي‏ء طلبه فأعطه فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوما لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة و صاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر فقال له الخليفة ما تشتهي قال أريد الموصل فأعطاه إياها فتوجه إليها و بقي هذه المدة و مات قال ابن خلكان و هذه القصة لا صحة لها أصلا ثم نقل كلام الصولي المتقدم و زاد فيه و لما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين فعجبوا من سرعته و فطنته و لما خرج قال أبو يوسف و كان فيلسوف العرب هذا الفتى يموت قريبا ثم قال ابن خلكان و قد تتبعتها و حققت صورة ولايته الموصل فلم أجد سوى ان الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها قال و الذي يدل على ان القصة ليست صحيحة ان هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء بل مدح بها أحمد بن المعتصم و قيل أحمد بن المأمون و لم يل واحد منهما الخلافة (اه) و الموجود في الديوان انه قالها في أحمد بن المعتصم . ثم قال ابن خلكان :

و الحيص بيص ذكر في رقاعه السبع التي كتبها إلى الامام المسترشد يطلب منه بعقوبا أن الموصل كانت إجازة لشاعر طائي فاما انه بنى الأمر على ما قاله الناس من غير تحقيق أو قصد أن يجعل هذا ذريعة لحصول بعقوبا له و الله أعلم و تابعه في الغلط ابن دحية في كتاب النبراس (اه) و في هدية الأيام : كونه بنى الأمر على ما قاله الناس من غير تحقيق بعيد و يمكن أن يكون جعله ذريعة لحصول مطلوبه (اه) فقد حصل في المقام اشتباهات (1) ان القصيدة في الخليفة مع انها في أحمد بن المعتصم و لم يل الخلافة (2) ان الوزير قال للخليفة أعطه ما طلبه فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوما فولاه الموصل فان القصيدة لم تكن في الخليفة ليقول وزيره ذلك و لم يل أبو تمام الموصل انما ولي بريدها من قبل الحسن بن وهب لا غيره 456 و الذي قال إن هذا الفتى يموت قريبا هو الكندي لا وزير الخليفة قال ذلك لما خرج أبو تمام من عند أحمد بن المعتصم . قال البديعي : و الصحيح أن أبا تمام لما خرج من عند ابن المعتصم بعد إنشاد القصيدة قال الفيلسوف الكندي هذا الفتى يموت قريبا لأن ذكاءه ينحث عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده (اه) . و هذا معقول و ممكن أن يعرفه الفيلسوف ظنا و تقريبا و ان كان يحتمل أن يكون من المبالغات التي تحصل عادة في مثل هذه المقامات ممن حصل منه نادرة أو شي‏ء غريب يزاد عليه ما يفوقه في الغرابة و ياتي في أخباره مع ابن الزيات نظير هذه القصة و من الاشتباهات في المقام ما ذكره شارحو كتاب أخبار أبي تمام للصولي المطبوع بمصر من أن أحمد بن المعتصم الممدوح بتلك القصيدة هو المستعين أحمد بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد و ذلك لأن المستعين هو أحمد بن محمد بن المعتصم فهو حفيد المعتصم لا ابنه لصلبه كما صرح به ابن الأثير و رد على ابن مسكويه في تجارب الأمم الذي قال إن المستعين هو أخو المتوكل لأبيه بأنه ابن أخيه محمد بن المعتصم لا أخو المتوكل و كان منشا الاشتباه أن المعتصم اسمه محمد و ابنه والد المستعين اسمه محمد و صرح ابن خلكان كما سمعت بان احمد بن المعتصم و أحمد بن المأمون لم يل واحد منهما الخلافة كما صرح الصاحب بن عباد في عنوان المعارف بان المستعين هو احمد بن محمد بن أبي إسحاق و أبو إسحاق هو المعتصم ثم لو كان المراد بأحمد بن المعتصم هو المستعين لصرح فيه بلقب الخلافة و لم يقتصر على اسمه حتى لو كان مدحه له قبل أن يلي الخلافة ثم ان A7G المستعين متأخر عن عصر أبي تمام كثيرا فإنه قتل A7G سنة 252 و زاد بعض من ذكر هذه القصة أن أبا تمام قال استحضرت أشعار العرب فما وجدت فيها مخرجا ثم أخذت في تعداد الأخبار و الأحاديث فلم أجد شيئا ثم استقرأت القرآن إلى سورة النور حتى وجدت هذا المثال فهذا قد احترقت أخلاطه (اه) . و الصواب ان أصل القصة صحيحة و يدل عليها نفس البيتين فان قوله لا تنكروا دليل على وقوع الإنكار و حمله على انكار مقدر بعيد و كفى بذلك فضيلة له فان استحضار هذا الجواب و نظمه بهذين البيتين المنسجمين غاية الانسجام في هذه المدة القصيرة فضيلة عظيمة أما استعراضه بفكرة الأشعار و الأحاديث و القرآن إلى سورة النور في هذه المدة القصيرة فأمر خارج عن مقدور البشر و لو تناهوا في الذكاء و الفطنة نعم يجوز ان يكون التفت بفكره إلى الاشعار و الأخبار فلم يخطر بباله ما يصلح أن يكون جوابا و التفت بفكره إلى القرآن فخطرت بباله آية فنظمها هذا معقول و نظير هذه الواقعة في سرعة فطنته و شدة ذكائه ما ذكره الصولي في أخبار أبي تمام فقال: يروي انه عيب عليه قوله و قد أنشد هذه القصيدة التي فيها:

شاب رأسي و ما رأيت مشيب الرأس # إلا من فضل شيب الفؤاد

فزاد فيها من لحظته

و كذاك القلوب في كل بؤس # و نعيم طلائع الأجساد

و قال الصولي حدثني أحمد بن إسماعيل حدثني عبد الله بن الحسين و لست أدري من عبد الله هذا قال سمعت أبا تمام ينشد أحمد بن المعتصم في علة اعتلها.

اقلق جفن العينين عن غمضه # و شد هذا الحشا على مضضه

شجى بما عن للأمير # أبي العباس امسى نصبا لمعترضه

لواسع الباع رحبة واجب # الحق على العالمين مفترضه

من الألى نستجير من شرق الدهر # بهم إن أ لم أو جرضه‏

____________

(1) النحاس مثلثة الطبيعة-المؤلف-

(2) عمرو بن معد يكرب الزبيدي . -المؤلف-

457

صاغهم ذو الجلال من جوهر المجد # و صاغ الأنام من عرضه

سهم من الملك لا يضيعه # باريه حتى يهتز في غرضه‏

قال الصولي و هذه من أحسن كناية في التقريض بالخلافة

صحته صحة الرجاء لنا # في حين ملتاثه و منتقضه

فان يجد علة نعم بها # حتى كانا نعاد من مرضه‏

فقال له أحمد بن المعتصم : ما أبين العلة عليك فقال إنها علة قلب تميت الخاطر و تسد الناظر و تبلد الماهر (اه) و هذا الجواب من أحسن الأجوبة.

اخباره مع أبي جعفر محمد بن عبد الملك بن أبي مروان الزيات وزير المعتصم

و كان ابن الزيات في أول أمره من جملة الكتاب في خلافة المعتصم فورد على المعتصم كتاب فيه ذكر الكلأ فسال الوزير عنه فلم يعرفه فسال ابن الزيات عنه فقال الكلأ العشب على الإطلاق فان كان رطبا فكذا و إذا يبس فكذا فاستوزره المعتصم ثم استوزره الواثق ثم استوزره المتوكل فبقي أربعين يوما ثم قتله و استصفى أمواله قال ابن خلكان : ذكر الصولي أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي منها قوله:

ديمة سمحة القياد سكوب # مستغيث بها الثرى المكروب

لو سعت بقعة لاعظام نعمى # لسعى نحوها المكان الجديب‏

قال له ابن الزيات يا أبا تمام انك لتحلي شعرك من جواهر لفظك و بديع معانيك ما يزيد حسنا على بهي الجواهر في أجياد الكواعب و ما يدخر لك شي‏ء من جزيل المكافاة إلا و يقصر عن شعرك في الموازاة و كان بحضرته فيلسوف فقال له إن هذا الفتى يموت شابا فقيل له و من أين حكمت عليه بذلك فقال رأيت فيه من الحدة و الذكاء و الفطنة مع لطافة الحسن و جودة الخاطر ما علمت به ان النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده و كذا كان لأنه مات و قد نيف على ثلاثين سنة قال ابن خلكان و هذا يخالف تاريخ مولده و وفاته (اه) قلت لا مخالفة و ذلك انه ولد على الأكثر سنة 192 و توفي على الأقل سنة 228 فيكون عمره ستا و ثلاثين سنة و لكن يخشى أن يكون خبر هذا الفيلسوف كخبر الفيلسوف المتقدم عند ذكر مدحه لأحمد بن المعتصم و الله أعلم و ياتي أول القصيدة في الصفات و تمام القصيدة هو هذا.

أيها الغيث حي أهلا بمغداك # و عند السري و حين تئوب

لأبي جعفر خلائق يحكيهن # قد يشبه النجيب النجيب

أنت فينا في ذا الأوان غريب # و هو فينا في كل وقت غريب

فإذا الخطب طال نال الندى و البذل # منه ما لا تنال الخطوب

خلق مشرق و رأي حسام # و وداد عذب و ريح جنوب

كل يوم له و كل أوان # خلق ضاحك و مال كئيب

إن تقاربه أو تباعده ما لم # تأت فحشاء فهو منك قريب

ما التقى وفره و نائله مذ # كان إلا وفره المغلوب

فهو مدن للجود و هو بغيض # و هو مقص للمال و هو حبيب

457 يأخذ المعتفين قسرا و لو كفف # دعاهم اليه واد خصيب

غير أن الرامي المسدد يحتاط # مع العلم انه سيصيب‏

و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني محمد بن موسى : سمعت الحسن بن وهب يقول: دخل أبو تمام على محمد بن عبد الملك-الزيات - فأنشده قصيدته التي أولها:

لهان علينا أن نقول و تفعلا # و نذكر بعض الفضل منك و تفضلا

فلما بلغ إلى قوله:

وجدناك أندى من رجال أناملا # و أحسن في الحاجات وجها و اجملا

تضي‏ء إذا اسود الزمان و بعضهم # يرى الموت ان ينهل أو يتهللا

و و الله ما آتيك إلا فريضة # و آتي جميع الناس إلا تنفلا

و ليس امرؤ في الناس كنت سلاحه # عشية يلقى الحادثات باعزلا

فقال له محمد و الله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك و إبداعك و لكنك تنغص مدحك ببذله لغير مستحقه فقال لسان الغدر معقول و إن كان فصيحا و مر في القصيدة فأمر له بخمسة آلاف درهم و كتب إلى أبي تمام بعد ذلك.

رأيتك سمح البيع سهلا و إنما # يغالي إذا ما ضن بالبيع بائعه

فاما الذي (إذا) هانت بضائع ماله (بيعه) # فيوشك ان تبقى عليه بضائعه

هو المال إن أجمحته طاب ورده # و يفسد منه إن تباح شرائعه‏

و روى أبو الفرج في الاغاني هذا الخبر في ترجمة محمد عن الصولي ثم قال بعد ذكر أبيات محمد فأجابه أبو تمام و قال.

أبا جعفر ان كنت أصبحت شاعرا # اسامح (اساهل) في بيعي له من أبايعه

فقد كنت قبلي شاعرا تاجرا به (1) # تساهل من عادت‏ (2) عليك منافعه

فصرت وزيرا و الوزارة مكرع‏ (3) # يغص به بعد اللذاذة كارعه

و كم من وزير قد رأينا مسلط # فعاد و قد سدت عليه مطالعه

و لله قوس لا تطيش سهامها # و لله سيف لا تفل مقاطعه‏

و قال أبو تمام يمدح ابن الزيات بقصيدة هي من عيون الشعر و غرره و من مختارها قوله.

متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل # و قلبك منها مدة الدهر آهل

ليالي أضللت العزاء و خذلت # بعقلك أرام الخدور العقائل

من الهيف لو أن الخلاخل صيرت # لها وشحا جالت عليها الخلاخل

مها الوحش الا ان هاتا أوانس # قنا الخط إلا ان تلك ذوابل

هوى كان خلسا إن من أحسن الهوى # هوى جلت في افيائه و هو خامل

أبا جعفر لذ الجهالة أمها # ولود و أم العلم جداء حائل

و أنت شهاب في الملمات ثاقب # و سيف إذا ما هزك الحق فاصل

من البيض لم تنض الأكف كنصله # و لا حملت مثلا اليه الحمائل‏

ثم قال مشيرا إلى الملك.

جمعت عرى أعماله بعد فرقة # إليك كما ضم الأنابيب عامل‏

ثم ذكر أبياتا في وصف القلم تأتي في الصفات و هي من أحسن ما وصف به ثم قال:

أرى ابن أبي مروان اما عطاؤه # فطام و اما حكمه فهو عادل

هو المرء لا الشورى استبدت برأيه # و لا قبضت من راحتيه العواذل‏

____________

(1) ذا رواية

(2) هانت‏

(3) مشرب.

458

ترى حبله عريان من كل غدرة # إذا نصبت تحت الحبال الحبائل‏

ثم أشار إلى مدح الخليفة بمدح أعلى من مدحه جريا على أساليب الشعراء فقال:

أبا جعفر إن الخليفة إن يكن # لو أردنا بحرا فانك ساحل‏

ثم أخذ في استعطاف ابن الزيات و استرضائه فقال:

تقطعت الأسباب إن لم تغر (1) لها # قوى و يصلها من يمينك واصل

و قد تألف العين الدجى و هو قيدها # و يرجى شفاء السم و السم قاتل

و لي همة تنضي العصور و إنها # كعهدك من أيام مصر لحامل

و إن جزيلات الصنائع لامرئ # إذا ما الليالي ناكرته معاقل

و إن المعالي يسترم بناؤها # وشيكا كما قد تسترم المنازل

و لو حاردت شول عذرت لقاحها # و لكن حرمت الدر و الدر حافل

أكابرنا عطفا علينا فاننا # بنا ظما برح و أنتم مناهل‏

ثم قال في وصف القصيدة

منحتكها تشفي الجوى و هو لاعج # و تبعث أشجان الفتى و هو ذاهل

ترد قوافيها إذا هي أرسلت # هوامل مجد القوم و هي هوامل

فكيف إذا حليتها بحليها # تكون-و هذا حسنها و هي عاطل-

قال البديعي في هدية الأيام لما أنشده أبو تمام هذه القصيدة استحيا محمد بن عبد الملك من عتابه و احتج عليه بأنه مدح غيره و انه لو اقتصر عليه أغناه و أن كثرة مدحه للناس زهدته فيه و كتب اليه (رأيتك سمح البيع) الأبيات الثلاثة السابقة فكتب اليه أبو تمام [أبا جعفر] إلى آخر الأبيات الخمسة السابقة. و في أخبار أبي تمام للصولي وجدت بخط أحمد بن إسماعيل بن الخطيب ان محمد بن عبد الملك أوصل إلى الواثق قصيدة لأبي تمام يمدحه بها أولها:

و أبي المنازل إنها لشجون # و على العجومة إنها لتبين‏

فقرئت عليه فلما بلغ إلى قوله:

جاءتك من نظم اللسان قلادة # سمطان فيها اللؤلؤ المكنون

حذيت حذاء الحضرمية أرهفت # و أجابها التخصير و التلسين (2)

انسية وحشية كثرت بها # حركات أهل الأرض و هي سكون

اما المعاني فهي أبكار إذا # نصت و لكن القوافي عون

احذاكها صنع الضمير يمده # جفر إذا نضب الكلام معين

و يسي‏ء بالإحسان ظنا لا كمن # هو بابنه و بشعره مفتون

يرمي بهمته إليك و همه # أمل له أبدا عليك حرون

و لعل ما يرجوه مما لم يكن # بك عاجلا أو آجلا سيكون‏

فقال ادفع إليه مائتي دينار فقال محمد[ابن عبد الملك الزيات‏] انه قوي الأمل واسع الشكر قال فاضعفها له قال و قد روينا من غير هذه الجهة انه امر له بمائة ألف درهم (اه) و من مدائح أبي تمام في ابن الزيات قوله من قصيدة. 458

خفت دموعك في اثر الحبيب لدن # خفت من الكثب القضبان و الكتب

من كل ممكورة ذاب النعيم لها # ذوب الغمام فمنهل و منسكب

أطاعها الحسن و انحط الشباب على # قوامها و جرت في وصفها النسب

لم أنسها و صروف البين تظلمها # و لا معول إلا الواكف السرب

أدنت نقابا على الخدين و انتسبت # للناظرين بقد ليس ينتقب

و لو تبسم عجنا الطرف في برد # و في اقاح سقتها الخمر و الضرب

من شكله الدر في رصف النظام و في # صفائه الفتنتان الظلم و الشنب

كانت لنا ملعبا نلهو بزخرفه # و قد ينفس عن جد الفتى اللعب

و عاذل هاج لي باللوم ماربة # باتت عليها هموم النفس تصطخب

لما أطال ارتجال العذل قلت له # الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب

لم يجتمع قط في مصر و لا طرف # محمد بن أبي مروان و النوب

أمت نداه أبي العيس التي شهدت # لها السري و الفيافي انها نجب

هم سرى ثم أضحى همة امما # أضحت رجاء و أمست و هي لي نشب

أعطى و نطفة وجهي في قرارتها # تصونها الوجنات الغضة القشب

لا يكرم الظفر المعطى و ان أخذت # به الرغائب حتى يكرم الطلب

ردء الخلافة في الجلي إذا نزلت # و قيم الدين لا الواني و لا الوصب

جفن يعاف لذيذ النوم ناظره # شجى عليها و قلب حولها يجب

حتى إذا ما انتضى التدبير ثاب له # جيش يصارع عنه ما له لجب

شعارها اسمك ان عدت محاسنها # إذ اسم حاسدك الأدنى لها لقب

وزير حق و والي شرطة و رجا # ديوان ملك و شيعي و محتسب

ثبت الخطاب إذا اصطكت بمظلمة # في رجله السن الأقوام و الركب

لا المنطق اللغو يزكو في مقاومه # يوما و لا حجة الملهوف تستلب

كأنما هو في نادي قبيلته # لا القلب يهفو و لا الأحشاء تضطرب

و تحت ذاك قضاء حز شفرته # كما يعض بأعلى الغارب القتب

لا سورة تتقي منه و لا بله # و لا يحيف رضى منه و لا غضب

يعشو إليك و ضوء الرأي قائده # خليفة إنما آراؤه شهب

إن تلق من دونه حجب مكرمة # يوما فقد ألقيت من دونك الحجب

و الصبح تخلف نور الشمس غرته # و قرنها من وراء الأفق محتجب

أما القوافي فقد حصنت غرتها # فما يصاب دم منها و لا سلب

و لو عضلت عن الاكفاء أيمها # و لم يكن لك في إظهارها إرب

كانت بنات نصيب حين ضن بها # على الموالي و لم تحفل بها العرب

لو أن دجلة لم تحوج و انجدها # ماء العراقين لم تحفر بها القلب

لم ينتدب عمر للإبل يجعل من # جلودها النقد حتى عزه الذهب

لي حرمة بك لو لا ما رعيت و ما # أوجبت من حفظها ما خلتها تجب

بلى لقد سلفت في جاهليتهم # للحق ليس كحقي نصرة عجب

إن تعلق الدلو بالدلو الغريبة أو # يلابس الطنب المستحصد الطنب

ان الخليفة قد عزت بدولته # دعائم الملك فليعزز بك الأدب‏

اخباره مع أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري الحميدي الغزواني الطائي

كان أبو سعيد هذا من الشجعان و من القواد في دولة المعتصم و حارب بابك الخرمي الذي عصى على المعتصم و استفحل امره حاربه عدة مرات و كان أبو سعيد طائيا، و لأبي تمام به علاقة النسب و عاطفة القرابة و قد مدحه أبو تمام بقصائد كثيرة موجودة في ديوانه أجاد في جميعها غاية الاجادة و أشار فيها إلى حروبه مع بابك و غيره. و أخذ جوائز أبي سعيد و أشار في بعضها إلى علاقة النسب التي تربطه بأبي سعيد بقوله كما ياتي.

____________

(1) من أغار إذا شد الفتل . -المؤلف-

(2) قال التبريزي في الشرح يعني بالحضرمية النعال نسبها إلى حضرموت يقال نعل مخصرة إذا كان لها خصران و ملسنة إذا كانت تستدق من طرفها الذي يلي الأصابع و كانوا يمدحون من يلبس مخصر النعال (اه) . -المؤلف-

459

و من برج معروف البعيد فإنما # يدي عولت في النائبات على يدي‏

و أشار في بعضها إلى شدة عطف أبي سعيد عليه و بره له فقال:

هذا محمد الذي لم انتصف # الا به من نائبات زماني‏

في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني عبد الله بن الحسين بن سعد حدثني البحتري قال أبو سعيد الثغري طائي من أهل مرو و كان من قواد حميد الطوسي و من أول شعر مدحه به أبو تمام قوله‏

(من سجايا الطلول أن لا تجيبا)

و قال و ما أخذ أبو تمام من أحد كما أخذ منه ليس انه كان يكثر له و لكن كان يديم ما يعطيه (اه) و القصيدة المشار إليها في مدح أبي سعيد هذا مختارها.

من سجايا الطول أن لا تجيبا # فصواب من مقلتي أن تصوبا

فاسالنها و اجعل بكاك جوابا # تجد الدمع سائلا و مجيبا

قد عهدنا الرسوم و هي عكاظ # للصبا تزدهيك حسنا و طيبا

أكثر الأرض زائرا و مزورا # و صعودا من الهوى و صبوبا

و كعابا كأنما ألبستها # غفلات الشباب بردا قشيبا

بين البين فقدها قل ما تعرف # فقدا للشمس حتى تغيبا

كل يوم تبدي صروف الليالي # خلقا من أبي سعيد عجيبا

طاب فيه المديح و التذ حتى # فاق وصف الديار و التشبيبا

لو يفاجى ذكر المديح كثيرا # بمعانيه خالهن نسيبا

و صليب القناة و الرأي و الإسلام # سائل بذاك عنه الصليبا

وعر الدين بالجلاد و لكن # وعور العدو صارت سهوبا

فدروب الإشراك تدعى فضاء # و فضاء الإسلام يدعى دروبا

قد رأوه و هو القريب بعيدا # و رأوه و هو البعيد قريبا

لقد انصعت و الشتاء له وجه # يراه الرجال جهما قطوبا

طاعنا منحر الشمال متيحا # لبلاد العدو موتا جنوبا

في ليال تكاد تبقي بخد الشمس # من ريحها البليل شحوبا

فضربت الشتاء في اخدعيه # ضربة غادرته عودا ركوبا

لو أصخنا من بعدها لسمعنا # لقلوب الأيام منك وجيبا

فرأوا قشعم السياسة قد ثقف # من جنده القنا و القلوبا

حية الليل يشمس الحزم منه # ان أرادت شمس النهار غروبا

يوم فتح سقى اسود الضواحي # كثب (1) الموت رائبا و حليبا

فإذا ما الأيام أصبحن خرسا # كظما في الفخار قام خطيبا

كان داء الإشراك سيفك و اشتدت # شكاة الهدى فكنت طبيبا

انضرت ايكتي عطاياك حتى # صار ساقا عودي و كان قضيبا

ممطرا لي بالجاه و المال ما ألقاك # إلا مستوهبا أو وهوبا

باسطا بالندى سحائب كف # بنداها أمسى حبيب حبيبا

و قال الصولي حدثني عبد الرحمن بن أحمد بن الوليد حدثني أبو أحمد محمد بن موسى بن حماد البربري حدثني صالح بن محمد الهاشمي قال دخلت على أبي سعيد الثغري فاخرج لي كتابا من أبي تمام اليه ففتحه فإذا فيه:

إني أتتني من لدنك صحيفة غلبت # هموم الصدر (النفس) و هي غوالب

و طلبت ودي و التنائف بيننا # فنداك مطلوب و مجدك طالب

459 فلتلقينك حيث كنت قصائد # فيها لأهل المكرمات مارب

فكأنما هي في السماع جنادل # و كأنما هي في القلوب كواكب

و غرائب تأتيك إلا انها # لصنيعك الحسن الجميل أقارب

نعم إذا رعيت بشكر لم تزل # نعما و ان لم ترع فهي مصائب

كثرت خطايا الدهر في و قد يرى # بنداك و هو إلي منها تائب

و تتابعت أيامه و شهوره # عصبا يغرن كأنهن مقانب

من نكبة محفوفة بمصيبة # جب السنام لها و جذ الغارب

أو لوعة منتوجة من فرقة # حق الدموع علي فيها واجب

و ولهت مذ زمت ركابك للنوى # فكانني مذ غبت عني غائب‏

ثم قال لي كتبت إلى أبي تمام كتابا و قرنته ببر له فجعل جوابه هذا الشعر و لم يخاطبني بحرف سواه و قال حدثني عون بن محمد قال قدم على أبي تمام رجل من إخوانه و كان قد بلغه انه قد أفاد و أثرى فجاءه يستميحه فقال له أبو تمام لو جمعت ما آخذ ما احتجت إلى أحد و لكني آخذ و أنفق و سأحتال لك فكتب إلى أبي سعيد بقصيدة منها:

قل للأمير الاريحي الذي # كفاه للبادي و للحاضر

لا زلت من شكري في حلة # لابسها ذو سلب فاخر

يقول من تقرع اسماعه # كم ترك الأول للآخر

لي صاحب قد كان لي مؤنسا # و مألفا في الزمن الغابر

تحمل منه العيس اعجوبة # تجدد السخري للساخر

ذا ثروة يطلب من سائل # و مفحما يأخذ من شاعر

فصادفت مالي بإقباله # منية من أمل عاثر

فشارك المقمور فيه و لا # تكن شريك الرجل القامر

فرفدك الزائر مجد و لا # كرفدك الزائر للزائر

.

فوجه لأبي تمام بثلاث مائة دينار و للزائر بمائتي دينار فأعطاه أبو تمام خمسين دينارا حتى شاطره (اه) و من مدائح أبي تمام لأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري قوله من قصيدة.

أما انه لو الخليط المودع # و ربع عفا منه مصيف و مريع

لردت على أعقابها اريحية # من الشوق واديها من الدمع مترع

لحقنا باخراهم و قد حوم الهوى # قلوبا عهدنا طيرها و هي وقع

فردت علينا الشمس و الليل راغم # بشمس بدت من جانب الخدر تطلع

نضا ضوؤها صبغ الدجنة و انطوى # لبهجتها ثوب السماء (الظلام) المجزع

فو الله ما أدري أ أحلام نائم # ألمت بنا أم كان في الراكب يوشع

و عهدي بها تحيي الهوى و تميته # و تشعب أعشار القلوب و تصدع

و أقرع بالعتبى حميا عتابها # و قد تستقيد الراح حين تشعشع

و تقفو لي الجدوى بجدوى و انما # يروقك بيت الشعر حين يصرع

لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف # و ذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع

هو السيل إن واجهته انقدت طوعه # و تقتاده من جانبيه فيتبع

و لم أر نفعا عند من ليس ضائرا # و لم أر ضرا عند من ليس ينفع

ممر له من نفسه بعض نفسه # و سائرها للحمد و الأجر أجمع

و يوم يظل العز يحفظ وسطه # بسمر العوالي و النفوس تضيع

و أسمر محمر العوالي يؤمه # سنان بحبات القلوب ممتع

من اللاء يشربن النجيع من الكلي # غريضا و يروي غيرهن فينقع

أظلتك آمالي و في البطش قوة # و في السهم تسديد و في القوس منزع‏

____________

(1) الكثب جمع كثبة و هو مل‏ء القدح من اللبن -المؤلف-

460

و كم عاثر منا أخذت بضبعه # فاضحى له في قلة المجد مطلع

فدونكها لو لا ليان نسيبها # لظلت صلاب الصخر منها تصدع

لها أخوات قبلها قد سمعتها # و إن لم ترغ بي مدتي فستسمع‏

و من مختار شعر أبي تمام في أبي سعيد قوله:

أبا سعيد و ما وصفي بمتهم # على المعالي و ما شكري بمخترم

لئن جحدتك ما أوليت من حسن # اني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم

أمسى ابتسامك و الألوان كاسفة # تبسم الصبح في داج من الظلم

كذا أخوك الندى لو انه بشر # لم يلف طرفة عين غير مبتسم

رددت رونق وجهي في صحيفته # رد الصقال بهاء الصارم الخذم

و ما ابالي و خير القول أصدقه # حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي‏

و من قوله فيه:

فتى فيصلي العزم تعلم انه # نشا رأيه بين السيوف الصوارم

إذا سار فيه الظن كان بكل ما # تؤمل من جدواه أول قائم

أساءت يداه عشرة المال بالندى # و أحسنتا فينا خلافة حاتم

و من عيون الشعر قول أبي تمام يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري و يصف وقعته بالخرمية من قصيدة.

أبى فلا شنبا يهوى و لا فلجا # و لا احورارا يراعيه و لا دعجا

كفي فقد فرجت عنه عزيمته # ذاك الولوع و ذاك الشوق فانفرجا

كانت حوادث في موقان ما تركت # للخرمية لا رأسا و لا ثبجا

تهضمت كل قرم كان مهتضما # و فتحت كل باب كان مرتتجا

لما قرا الناس ذاك الفتح قلت لهم # وقائع حدثوا عنها و لا حرجا

أضاء سيفك لما اجتث أصلهم # ما كان من جانبي تلك البلاد دجا

من بعد ما غودرت أسد العرين به # يتبعن قسرا رعاع الفتنة الهمجا

لا تعد من بنو نبهان قاطبة # مشاهدا لك امست في العلى سرجا

ان كان يارج ذكر من براعته # فان ذكرك في الآفاق قد أرجا

و يوم أرشق و الآمال مرشقة # إليك لا تبتغى عنك منعرجا

أرضعتهم خلف مكروه فطمت به # من كان بالحرب منهم قبله لهجا

لله أيامك اللاتي أغرت بها # ضفر الهدى و قديما كان قد مرجا

كانت على الدين كالساعات من قصر # و عدها بابك من طولها حججا

عادت كتائبه لما قصدت لها # ضحا ضحا و لقد كانت ترى لججا

لما أبوا حجج القرآن واضحة # كانت سيوفك في هاماتهم حججا

و أقبلت فحمة جاواء ليس ترى # في نظم فرسانها امتا و لا عوجا

إذا علا رهج جلت صوارمها # و الذبل السمر منها ذلك الرهجا

بيض و سمر إذا ما غمرة زخرت # للموت خضت بها الأرواح و المهجا

نزالة نفس من لاقت و لا سيما # إن صادفت ثغرة أو صادفت ودجا

رأي الحميدين القحت الأمور به # من ألقح الرأي في يوم الوغى نتجا

لو عايناك لقالا بهجة جذلا # ابرحت أيسر ما في العرق أن يشجا

اخطت بالحزم حيز و ما أخا همم # كشاف طخياء لا ضيقا و لا حرجا

سموا حسامك و الهيجاء مضرمة # كرب العداة و سموا رأيك الفرجا

ان ينج منك أبو نصر فعن قدر # تنجو الرجال و لكن سله كيف نجا

و شزب مضمرات طالما خرقت # من القتام الذي كان الوغى نسجا

460 و يوم سفيين يوم الروع تحسبهم # هوجا و ما عرفوا أفنا و لا هوجا

لو أن فعلك أمسى صورة لثوى # بدر الدجى أبدا من حسنها سمجا

و من جيد شعر أبي تمام في أبي سعيد قوله من أبيات

و لقد أتيتك صاديا فكرعت في # شيم ألذ من الزلال البارد

فمهدت لاسمك منزلا و محلة # في الشعر بين شوارد و شواهد

فهو المراح لكل معنى عازب # و هو العقال لكل بيت شارد

و من قوله في أبي سعيد .

محرمة اكفال خيلك في الوغى # و مكلومة لباتها و نحورها

حرام على ارماحنا طعن مدبر # و تندق في أعلى الصدور صدورها

و من غرر مدائحه في أبي سعيد قوله يمدحه و يصف إيقاعه ببابك الخرمي من قصيدة.

يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا # هي الصبابة طول الدهر و السهد

قالوا الرحيل غدا لا شك قلت لهم # الآن أيقنت ان اسم الحمام غد

كم من دم يعجز الجيش اللهام إذا # بانوا ستحكم فيه العرمس الأجد

كأنما البين من إلحاحه أبدا # على النفوس أخ للموت أو ولد

تداو من شوقك الأقصى بما فعلت # خيل ابن يوسف و الابطال تطرد

ذاك السرور الذي آلت بشاشته # أن لا يجاورها في مهجة كمد

في موقف وقف الموت الذعاف به # فالمجد يوجد و الأرواح تفتقد

في حيث لا مرتع البيض الرقاق إذا # اصلتن جدب و لا ورد القنا ثمد

مستصحبا نية قد طال ما ضمنت # لك الخطوب فاوفت بالذي تعد

و رحب صدر لو أن الأرض واسعة # كوسعه لم يضق عن اهله بلد

صدعت جريتهم في عصبة قلل # قد صرح الماء عنها و انجلى الزبد

من كل أروع ترتاع المنون له # إذا تجرد لا نكس و لا جحد

يكاد حين يلاقي القرن من حنق # قبل السنان على حوبائه يرد

قلوا و لكنهم طابوا فأنجدهم # جيش من الصبر لا يحصى له عدد

ناوا عن الصرخ الأدنى فليس لهم # إلا السيوف على أعدائهم مدد

ولى معاوية عنهم و قد أخذت # فيه القنا فأبى المقدار و الأمد

نجاك في الروع ما نجا سميك في # و الخيل بالفرسان تنجرد

ان تنفلت و انوف الموت راغمة # فاذهب فأنت طليق الركض بالبد

لا خلق أربط جاشا منك يوم ترى # أبا سعيد و لم يبطش بك الزؤد (1)

أما و قد عشت يوما بعد رؤيته # فافخر فانك أنت الفارس النجد

لو عاين الأسد الضرغام صورته # ما ليم ان ظن رعبا انه الأسد

لا يوم أكثر منه منظرا حسنا # و المشرفية في هاماتهم تخد

كأنها و هي في الأوداج و والغة # و في الكلى تجد الغيظ الذي تجد

من كل أزرق نظار بلا نظر # إلى المقاتل ما في متنه إود

كأنه كان ترب الحب مذ زمن # فليس يعجزه قلب و لا كبد

تركت منهم سبيل النار سابلة # في كل يوم إليها عصبة تفد

و هارب و دخيل الروع يجلبه # إلى المنون كما يستجلب النقد (2)

كأنما نفسه من طول حيرتها # منها على نفسه يوم الوغى رصد

يوم به أخذ الايمان زينته # بأسرها و اكتسى فخرا به الأبد

يوم يجي‏ء إذا قام الحساب و لم # يذممه‏و لم يفضح به

و أهل موقان إذ ماقوا فلا وزر # أنجاهم منك في الهيجا و لا سند

لم تبق مشركة إلا و قد علمت # ان لم تنب انه للسيف ما تلد

____________

(1) (الزؤد) بضمتين الفزع -المؤلف-

(2) (النقد) صغار الغنم -المؤلف-

461

لكن ندبت لهم رأي ابن محصنة # يخاله السيف سيفا حين يجتهد

وقائع عذبت انباؤها و حلت # حتى لقد صار مهجورا لها الشهد

ان ابن يوسف نجى الثغر من سنة # أعوام يوسف عيش عندها رغد

فافخر فما من سماء للعلى رفعت # إلا و أفعالك الحسنى لها عمد

و اعذر حسودك فيما قد خصصت به # ان العلى حسن في مثلها الحسد

و قال يمدحه و يذكر هذه الوقعة أيضا من قصيدة:

غدت تستجير الدمع خوف نوى غد # و عاد قتادا عندها كل مرقد

فأجرى لها الإشفاق دمعا موردا # من الدم يجري فوق خد مورد

هي البدر يغنيها تودد وجهها # إلى كل من لاقت و ان لم تودد

و لكنني لم أحو وفرا مجمعا # ففزت به الا بشمل مبدد

و لم تعطني الأيام نوما مسكنا # ألذ به إلا بنوم مشرد

و طول مقام المرء في الحي مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدد

فاني رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الناس ان ليست عليهم بسرمد

حلفت برب البيض تدمى متونها # و رب القنا المناد و المتقصد

لقد كف سيف الصامتي محمد # تباريح ثار الصامتي محمد

رمى الله منه بابكا و جيوشه # بقاصمة الأصلاب في كل مشهد

باسمح من صوب الغمام سماحة # و أشجع من صرف الزمان و انجد

فتى يوم بذا الخرمية لم يكن # بهيابة نكس و لا بمعرد

قفا سندبايا و المنايا الرماح مشيحة # تهدى إلى الروح الخفي فتهتدي

عدا الليل فيها عن معاوية الردى # و ما شك ريب الدهر في انه ردي

فان يكن المقدار فيه مفندا # فما هو في أشياعه بمفند

و في ارشق الهيجاء و الخيل ترتمي # بابطالها في جاحم متوقد

عططت على رغم العدي عزم بابك # بعزمك عط الأتحمي (1) المعضد (2)

فان لا يكن ولى بشلو مقدد # هناك فقد ولى بعزم مقدد

حططت بها يوم العروبة عزه # و كان مقيما بين نسر و فرقد

رآك سديد الرأي و الرمح في الوغى # تازر بالاقدام فيه و ترتدي

و ليس يجلي الكرب رمح مسدد # إذا هو لم يؤنس برأي مسدد

فمر مطيعا للعوالي معودا # من الخوف و الاحجام ما لم يعود

و كان هو الجلد القوى فسلبته # بحسن الجلاد المحض حسن التجلد

و للكذج (3) العليا سمت بك همة # طموح يروح النصر فيها و يغتدي

و قد خزمت بالذل انف ابن خازم # و أعيت صياصيها يزيد بن مزيد

فقيدت بالاقدام مطلق بأسهم # و أطلقت فيهم كل حتف مقيد

أفادتك منها المرهفات مكارما # تعمر عمر الدهر إن لم تخلد

فيا جولة لا تجحديه وقاره # و يا سيف لا تكفر و يا ظلمة اشهدي

و يا ليل لو اني مكانك بعدها # لما بت في الدنيا بنوم مسهد

وقائع أصل النصر فيها و فرعه # إذا عدد الإحسان أو لم يعدد

محاسن أصناف المغنين جمة # و ما قصبات السبق إلا لمعبد

جلوت الدجى عن أذربيجان بعد ما # تردت بلون كالغمامة اربد

و كانت و ليس الصبح فيها بأبيض # فأمست و ليس الليل فيها بأسود

رأى بابك منك التي طلعت له # بنحس و للدين الحنيف بأسعد

461 هززت له سيفا من الكيد انما # تجذ به الأعناق ما لم يجرد

يسر الذي يسطو به و هو مغمد # و يفضح من يسطو به غير مغمد

و أني لأرجو ان تقلد جيده # قلادة مصقول الذباب مهند

إليك هتكنا جنح ليل كأنه # قد أكحلت منه البلاد باثمد

تخب بنا أدم المهاري و شيمها # على كل نشز مثلئب و قدقد

تقلب في الآفاق صلا كأنما # يقلب في فكيه شقة مبرد

أتيتك لم أفزع إلى غير مفزع # و لم انشد الحاجات في غير منشد

و من يرج معروف البعيد فإنما # يدي عولت في النائبات على يدي‏

و قال يمدحه أيضا من قصيدة و يذكر حربه مع بابك و فرار بابك

أظن دموعها سنن الفريد # و هي سلكاه من نحر وجيد

لها من لوعة البين التدام # تعيد بنفسجا ورد الخدود

بأرض البذ في خيشوم حرب # عقيم من وشيك ردى ولود

ترى قسماتنا تسود فيها # و ما أخلاقنا فيها بسود

تقاسمنا بها الجرد المذاكي # سجال الكره و الدأب العتيد

فنمسي في سوابغ محكمات # و تمسي في السروج و في اللبود

حذوتاها الوجى و الأين حتى # تجاوزت الركوع إلى السجود

إذا خرجت من الغمرات قلنا # خرجت حبائسا ان لم تعودي

فكم من سؤدد أمكنت منه # برمته على ان لم تسودي

أهانك للطراد و لن تهوني # عليه و للقياد أبو سعيد

بلادك فكنت ارشية الأماني # و برد مسافة المجد البعيد

فتى هز القنا فحوى سناء # بها لا بالأحاظي و الجدود

قضى من سندبايا كل نجب # و ارشق و السيوف من الشهود

رآه العلج مقتحما عليه # كما اقتحم الفناء على الخلود

فمر و لو يجاري الريح خيلت # لديه الريح ترسف في القيود

شهدت لقد اوى الإسلام منه # غداتئذ إلى ركن شديد

كأنهم معاشر اهلكوا من # بقايا قوم عاد أو ثمود

و كم سرق الدجى من حسن صبر # و غطى من جلاد فتى جليد

قسمناهم فشطر للعوالي # و شطر في لظى حر الوقود

و يوم انصاع بابك مستمرا # مباح العقر مجتاح العديد

أقول لسائلي بأبي سعيد # كان لم يشفه خبر القصيد

لبست سواه أقواما فكانوا # كما أغنى التيمم بالصعيد

فتى أحيا نداه بعد يأس # لنا الميتين من بأس وجود

و قال يمدحه على مثل الروي و القافية و المعنى من قصيدة:

حمته فاحتمى طعم الهجود # غداة رمته بالطرف الصيود

أبت الا النوى بعد اقتراب # و الا هجر ذي مقة ودود

رأت ان الفراق أمر طعما # و أقرح للقلوب من الصدود

فزمت للرحيل مخيسات # يصلن بها الذميل إلى الوخيد

و لا ذنب سوى شكوى إليها # كما يشكو العميد إلى العميد

كان الدمع ينثره نظام # على تلك المحاجر و الخدود

تريدين المزيد و ليس عندي # وراء محل حبك من مزيد

أما و أبي الرجاء لقد ركبنا # مطايا الدهر من بيض و سود

إذا انبعثت على أمل بعيد # فقد أدنت من الأمل البعيد

أبين فما يزرن سوى كريم # و حسبك ان يزرن أبا سعيد

____________

(1) الاتحمي برد معرف

(2) المعضد الثوب الذي له علم في موضع العضد -المؤلف-

(3) الكذج محركة المأوى و كان يمكنه إبداله بالرتبة-المؤلف-

462

أفتى لا يستظل غداة حرب # إلى غير الأسنة و البنود

أباح المال أعناق المعالي # فاجحف بالطريف و بالتليد

أخو الحرب العوان إذا ادارت # رحاها بالجنود على الجنود

أ ليس بارشق كنت المحامي # عن الإسلام ذا بأس شديد

رآك الخرمي عليه نارا # تلهب غير خامدة الوقود

دلفت لهم بأبناء المنايا # على العقبان في خلق الأسود

مشت خببا سيوفك في طلاهم # و لم يك مشيها مشي الوئيد

سيوف عودت سقيا دماء # بهامة كل جبار عنيد

سقطت ببابك فانحط لما # رأى أجل الشقي مع السعيد

و ما ان زلت تؤنسه بوعد # و توحشه بإنذار الوعيد

فطورا تجلب الدنيا عليه # بخيل في السروج و في اللبود

و طورا تستثير عليه رأيا # كحد السيف في حبل الوريد

تمثل نصب عينيه المنايا # فيرغب في القيام و في القعود

و ما شي‏ء من الأشياء اقضى # على المهجات من رأي سديد

فما ندري أ حدك كان أمضى # غداة البذ أم حد الحديد

لئن طلعت نجومهم بنحس # لقد طلعت نجومك بالسعود

فلو أبقى الندى و البأس حيا # لخص أبو سعيد بالخلود

و قال يمدحه أيضا و يذكر بعض وقائعه مع بابك الخرمي .

سيرت فيك مدائحا فتركتها # غررا تروح بها الرواة و تغتدي

ما لي إذا مارضت فيك غريبة # جاءت مجي‏ء نجيبة في مقود

و إذا أردت بها سواك فرضتها # و اقتدتها بثنائه لم تنقد

ما ذاك الا ان زندك لم يكن # في كف قادحه بزند مصلد

و لجئت منك إلى ابن ملك إنبات # عنه خلائقه بطيب المحتد

و يقول و الشرف المنيف يحفه # لا خير في شرف إذا لم أحمد

و الله يشكر و الخليفة موقفا # لك شائعا بالبذ صعب المشهد

يا فارس الإسلام أنت حميته # و كفيته كلب العدو المعتدي

لو ان هرثمة بن أعين في الورى # حي و عاين فضله لم يجحد

غادرت طلحة في الغبار و حاتما # و ابان حسرى عن مداك الأبعد

و طلعت في درج العلى حتى إذا # جئت النجوم نزلت فوق الفرقد

زرت الخليفة زورة ميمونة # مذكورة قطعت رجاء الحسد

يتنفسون فتنثني لهواتهم # من جمرة الحسد التي لم تبرد

نفسوك فالتمسوا نداك فحاولوا # جبلا يزل سفيحه بالمصعد

درست صفايح كيدهم فكأنما # أذكرن اطلالا ببرقة ثهمد

و قال يستاذنه بالانصراف إلى اهله من أبيات:

فمن بالاذن على نازح # عن أهله ساعته دهر

فقد صدقت الظن في كل ما # رجوته إذ كذب القطر

و من غرر مدائحه في أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري قوله من قصيدة يذكر فيها غزوة الروم .

لا أنت أنت و لا الديار ديار # خف الهوى و تولت الأوطار

أيام تدمي عينه تلك الدمى # فيها و تقمر لبه الأقمار

إذ لا صدوف و لا كنود اسماهما # كالمعنيين و لا نوار نوار

462 بيض فهن إذا رمقن سوافرا # صور و هن إذا رمقن صوار (1)

إذ في القتادة و هي أبخل ايكة # ثمر و إذ عود الزمان نضار

قد صرحت عن محضها الاخبار # و استبشرت بفتوحك الأمصار

قدت الجياد كأنهن أجادل # بقرى (درولية) لها أوكار

حتى التوى من نقع قسطلها على # حيطان قسطنطينة إعصار

أوقدت من دون الخليج لأهلها # نارا لها خلف الخليج شرار

ان لا تكن حصرت فقد اضحى لها # من خوف قارعة الحصار حصار

لما لقوك تواعدوك و اعذروا # هربا فلم ينفعهم الاعذار

خشعوا لصولتك التي هي عندهم # كالموت ياتي ليس فيه عار

لما فصلت من الدروب إليهم # بعرمرم للأرض منه خوار

ان يبتكر ترشده اعلام الصوى # أو يسر ليلا فالنجوم منار

علموا بان الغزو كان كمثله # غزوا و ان الغزو منك بوار

فالمشي همس و النداء إشارة # خوف انتقامك و الحديث سرار

هيهات جاذبك الأغنة باسل # يعطي الشجاعة كلما تختار

لما حللت الثغر أصبح عاليا # للروم من ذاك الجوار جؤار

يقظ يخاف المشركون شذاته # متواضع يعنو له الجبار

ذلل ركائبه إذا ما استأخرت # أسفاره فهمومه أسفار

و مجربون سقاهم من بأسه # فإذا لقوا فكأنهم أغمار

أيامنا مصقولة أطرافها # بك و الليالي كلها أسحار

و الناس بعدك لا تغير حبوتي # لفراقهم ان انجدوا أو غاروا

و لذاك شعري فيك قد سمعوا به # سحر و أشعاري لهم أشعار

و من مدائحه في أبي سعيد قوله من قصيدة:

اطلالهم سلبت دماها الهيفا # و استبدلت وحشا بهن عكوفا

يا منزلا أعطى الحوادث حكمها # لا مطل في عدة و لا تسويفا

أرسى بعرصتك الندى و تنفست # نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا

شغف الغمام بعرصتيك فربما # روت رباك الهائم المشغوفا

أيام لا تسطو بأهلك نكبة # إلا تراجع صرفها مصروفا

و رفيقة اللحظات يعقب رفقها # بطشا بمغتر القلوب عنيفا

حزن الصفات روادفا و سوالفا # و محاجرا و نواظرا و انوفا

كن البدور الطالعات فأوسعت # عنا افولا بالنوى و كسوفا

كانوا برود زمانهم فتصدعوا # فكأنما لبس الزمان الصوفا

عاقدت جود أبي سعيد انه # بدن الرجاء به و كان نحيفا

هزته معضلة الأمور و هزها # و اخيف في ذات الاله و خيفا

و استل من آرائه الشعل التي # لو انهن طبعن كن سيوفا

كم من وساع الجود عندي و الندى # لما جرى و جريت كان قطوفا

و كلاكما اقتعد العلى فركبتها # في الذروة العليا و جاء رديفا

ان غاض ماء المزن فضت و ان قست # كبد الزمان علي كنت رؤوفا

اسمع أقامت في ديارك نعمة # خضراء ناضرة ترف رفيفا

ريا إذا النعم انتقلن تخيمت # و إذا نفرن غدت عليك ألوفا

انا من كساك محبة لا حلة # حبر القصائد فوفت تفويفا

متنخل حلاك نظم بدائع # صارت لآذان الملوك شنوفا

واف إذا الإحسان قنع لم يزل # وجه الصنيعة عنده مكشوفا

و إذا غدا المعروف مجهولا غدا # معروف كفك عنده معروفا

____________

(1) الصوار ككتاب و غراب القطيع من البقر -المؤلف-

463

هذا إلى قدم الذمام بك الذي # لو انه ولد لكان وصيفا

و حشى تحرقه النصيحة و الهوى # لو انه زمن لكان مصيفا

و مقيل صدر فيك باق روعه # لو انه ثغر لكان مخوفا

و لئن أطلت مدائحي لبنائل # لك ليس محدودا و لا موصوفا

خفضت عني الدهر بعد ملمة # تركت لنابيه علي صريفا

لك هضبة الحلم التي لو وازنت # أجا إذن ثقلت و كان خفيفا

ثم ختم هذه القصيدة بأبيات ثلاثة لو تركها لكان خيرا له فإنها تدل على ان العلا لا تكون بالورع و الشرف لا يكون بالتقى فقال:

إن كان بالورع ابتنى القوم العلا # أو بالتقى صار الشريف شريفا

فعلا م قدم و هو زان عامر # و اميط علقمة و كان عفيفا

و بنى المكارم حاتم في شركه # و سواه هدمها و كان حنيفا

فان تقديم عامر الزاني على علقمة العفيف لشجاعته أو للخوف منه لا يدل على ان العلا لا تكون بالورع بل بالمعاصي فان هذا العلاء الذي يبنى بالمعاصي انما هو سفالة و سقوط لا رفعة و سمو و اما حاتم فبنى المكارم بكرمه لا بشركه و من يهدم المكارم و هو حنيف فلا يصح أن يوصف بالتقوى و الورع ثم ان ذكر مثل هذا الشعر في مدح قائد من قواد الدولة العباسية يشبه الهذر كما لا يخفى.

و قال يمدح أبا سعيد أيضا من قصيدة و يذكر غزوة الروم :

ما عهدنا كذا بكاء المشوق # كيف و الدمع آية المعشوق

هم أماتوا صبري و هم فرقوا نفسي # شعاعا في اثر ذاك الفريق

ان في خيمهم لمفعمة الحجلين # و المتن متن خوط و ريق

و هي لا عقد ودها ساعة البين # و لا عقد خصرها بوثيق

و كان الجريال شيب بماء الدر # في خدها و ماء العقيق‏

إلى ان قال يصف الغزاة:

يتساقون في الوغى كاس موت # هي موصولة بكأس الرحيق‏

ثم قال يصف الروم :

فهم هاربون بين حريق السيف # صلتا و بين نار الحريق

وقعة زعزعت مدينة قسطنطين # حتى ارتجت بسوق فروق

ما رأى قفلها كما زعموا قفلا # و لا البحر دونها بعميق

غير ضنك الضلوع في ساعة الروع # و لا ضيق غداة المضيق

ذاهب الصوت ساعة الأمر و النهي # إذا قل فيه هدر الفنيق

و أخيذ رأى المنية حتى # قال بالصدق و هو غير صدوق

ناصح و هو غير جد نصيح # مشفق و هو غير جد شفيق

جار الدين و استغاث بك الإسلام # من ذاك مستغاث الغريق

حين لا جلدة السماء بخضراء # و لا وجه شتوة بطليق

فإليكم بني الضغائن عن ساكن # بين السماك و العيوق

لا يجوز الأمور صفحا و لا ير # قل إلا على سواء الطريق‏

و قال يمدح أبا سعيد أيضا من قصيدة:

قرى دارهم مني الدموع السوافك # و ان عاد صبحي بعدهم و هو حالك

إذا غازل الروض الغزالة نشزت # زرابي في أكنافهم و درانك

أتاكم سليل الغاب في صدر سيفه # سنا لدجى الاظلام و الظلم هاتك

463 ركوب لاثباج المهالك عالم # بان المعالي دونهن المهالك

و مستنبط في كل يوم من الوغى # قليبا رشا آها القنا و السنابك

فما تترك الأيام من هو آخذ # و لا تأخذ الأيام من هو تارك

غدوا و كان اليوم من حسن وجهه # و قد لاح بين البيض و البيض ضاحك‏

و قال يمدح أبا سعيد أيضا و يذكر حجه من قصيدة:

ما لي بعادية الأيام من قبل # لم يثن كيد النوى كيدي و لا حيلي

سلني عن الدين و الدنيا أجبك و عن # أبي سعيد و قصديه فلا تسل

ملبيا طالما لبى مناديه # إلى الوغى غير رعديد و لا وكل

ان حن نجد و أهلوه إليك فقد # مررت فيه مرور العارض الهطل‏

و قال يمدح أبا سعيد أيضا و قد قدم من مكة من قصيدة:

كنت أرعى البدور حتى إذا ما # فارقوني أمسيت أرعى النجوما

من رأى بارقا سرى صامتيا # جاد نجدا سهولها و الحزوما

فسقى طيئا و كلبا و ذودان # و قيسا و وائلا و تميما

لن ينال العلى خصوصا من الفتيان # من لم يكن نداه عموما

نشات من يمينه نفحات # ما عليها أن لا تكون غيوما

ألبست نجدا الصنائع لا شيحا # و لا جنبة و لا قيصوما

كرمت راحتاه في أزمات # كان فيها صوب الغمام لئيما

لم يحدث نفسا بمكة حتى # جازت الكهف خيله و الرقيما

حين عفى مقام إبليس سامى # بالمطايا مقام ابراهيما

حطم الشرك حطمة ذكرته # في دجى الليل زمزم و الحطيما

تجد المجد في البرية منثورا # و تلقاه عنده منظوما

تيمته العلى فليس بعد البؤس # بؤسا و لا النعيم نعيما

كلما زرته وجدت لديه # نشبا ظاعنا و مجدا مقيما

و قال يمدح أبا سعيد أيضا من قصيدة:

عسى وطن يدنو بهم و لعلما # و ان تعتب الأيام فيهم فربما

لهم منزل قد كان بالبيض كالدمى # فصيح المعاني ثم أصبح أعجما

و رد عيون الناظرين مهانة # و قد كان مما يرجع الطرف مكرما

تبدل غاشيه بريم مسلم # تردى رداء الحسن طيفا مسلما

و من وشي خد لم ينمنم فرنده # معالم يذكرن الكتاب المنمنما

و بالحلي ان قامت ترنم فوقها # حماما إذا لاقى حماما ترنما

يقول فيها في المدوح:

يرى العلقم المأدوم بالعز أرية # يمانية و الأرى بالضيم علقما

و كنت لناشيهم أبا و لكهلهم # أخا و لذي التقويس و الكبرة ابنما

و من كان بالبيض الكواعب مغرما # فما زلت بالبيض القواضب مغرما

و من تيمت سمر الغواني و أدمها # فما زلت بالسمر العوالي متيما

و نعم الصريخ المستجاش محمد # إذا حن نوء للمنايا و أرزما

أشاح بفتيان الصباح فاكرهوا # صدور القنا الخطي حتى تحطما

هو الليث ليث الغاب بأسا و نجدة # و ان كان أحيا منه وجها و أكرما

جدير إذا ما الخطب طال فلم تنل # ذؤابته ان يجعل السيف سلما

و من غرر مدائحه في أبي سعيد قوله من قصيدة.

حتام دمعك مسفوح على الدمن # بانوا و شوقك لم يظعن و لم يبن

لا عين أسخن من عين تفيض على # من لا تفيض له عين على شجن‏

464

تالله تنسى التي راحت بسنتها (1) # تختال بين اللواتي رحن في الظعن

من كل غيداء ريا المرط مخطفة # كأنها دعص رمل نيط في غصن

هبت و قد زمت الاحداج تحسبها # في الخطو تضمر إشفاقا على السنن

لم تسرح العين لحظا في محاسنها # الا اجتنى طرفا من روضه الحسن

ما استوطن العدم يوما ربع ذي همم # الا سيزعجه عن مربع الوطن

ضاقوا بعسرتهم ذرعا فانقذهم # من ضيقة العسر رحب الباع و العطن

ليث الشجاعة غيث الجود سائله # عار من المن مكسو من المنن

سمح تصد عن العذال مقلته # صد الكواعب عن ذي الشيبة اليفن

لا غرو إن نال أسباب السماء فتى # بنى له المجد أهل المجد من يمن

مرزؤون إذا ما الضيف حل بهم # قروه شحم الذري لا درة اللبن

ان ابن يوسف سيف عند هزته # عضب تصيب ظباه مقتل الفتن

إذا الشوازب ظلت في غيابتها # تخفي و تظهر سير البدر في المزن

من كل ذي ميعة تشقى الحزون به # في الركض مندمج الاقراب كالشطن

تهوي بكل فتى لا يستلين إذا # لانت قنا البأس عند الحادث الخشن

خرق إذا استطعمته الحرب أطعمها # ضربا يفرق بين الروح و البدن

لاقوك ليثا لدى الهيجاء يؤنسه # صبر إذا خانت الأيام لم يخن

مستبسلا تلبس الابطال جرأته # على المنون رداء الثكل و الجبن

تبدي إلى الروع كفا منك قد أنست # بالطعن و الضرب انس العين بالوسن‏

و قال يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري من أبيات:

وقاك الخطب قوم لم يمدوا # يمينا للعطاء و لا شمالا

أ حين رفعت من شاوي و عادت # حويلي في ذراك الرحب حالا

و حف بي الاقاصي و الاداني # عيالا لي و كنت لهم عيالا

فقد أصبحت أكثرهم عطاء # و قبلك كنت أكثرهم سؤالا

إذا ما الحاجة انبعثت يداها # جعلت المنع منك لها عقالا

فأين قصائد لي فيك تأبى # و تانف ان أهان و ان أذالا

من السحر الحلال لمجتنيه # و لم أر قبلها سحرا حلالا

فلا يكدر غدير لي فاني # أمد إليك آمالا طوالا

و فرجاها علي فان جاها # إذا ما غب يوما صار مالا

أخباره مع الواثق

كان الواثق بصيرا بالشعر والأدب‏خبيرا بعلوم لغة العرب بخلاف أبيه المعتصم و أدرك أبو تمام خلافة الواثق و مدحه و أخذ جوائزه و مات في خلافة الواثق و لمعرفة الواثق بمكانة أبي تمام اغتم لموته لما بلغه موته. في أخبار أبي تمام للصولي حدثني محمد بن خلف حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك- الزيات -قال لما مات أبو تمام قال الواثق لأبي قد غمني موت الطائي الشاعر فقال طيئ بأجمعها فداء أمير المؤمنين و الناس طرا و لو جاز أن يتأخر ميت عن أجله ثم سمع هذا من أمير المؤمنين لما مات (اه) و لما مات المعتصم و قام بعده ولده الواثق قال أبو تمام يهنئ الواثق بالخلافة و يعزيه بابيه المعتصم من قصيدة

ما للدموع تروم كل مرام # و الجفن ثاكل هجعة و منام

يا تربة المعصوم تربك مودع # ماء الحياة و قاتل الاعدام

464 و مصرف الملك الجموح كأنما # قد زم مصعبه له بزمام

هدمت صروف الدهر أطول حائط # ضربت دعائمه على الإسلام

و معرف الخلفاء ان حظوظها # في حيز الاسراج و الإلجام

أخذ الخلافة بالوراثة أهلها # و بكل ماضي الشفرتين حسام

إنا رحلنا واثقين بواثق # بالله شمس ضحى و بدر تمام‏

و بعدها الأبيات التي ذكرناها في الافتنان و بعدها:

لما دعوتهم لأخذ عهودهم # طار السرور بمعرق و شام

فكان هذا قادم من غيبة # و كان ذاك مبشر بغلام

لو يقدرون مشوا على جبهاتهم # و عيونهم فضلا عن الاقدام

هي‏يشرع وسطها # باب السلامة فادخلوا بسلام

هيهات تلك قلادة الله التي # ما كان يتركها بغير نظام

با ابن الكواكب من أئمة هاشم # و الرجح الأحساب و الأحلام

أهدى إليك الشعر كل مفهه # خطل و سدد فيك كل عبام (2)

عرض المديح تقاربت آفاقه # و رمى فقرطس فيك غير الرامي‏

و من مدائحه في الواثق قوله من قصيدة:

و أبي المنازل انها لشجون # و على العجومة انها لتبين

فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم # فرط الصبابة مسعد و حزين

و اسق الاثافي من شئونك ريها # ان الضنين بدمعه لضنين

و النؤي اهمد شطره فكأنه # تحت الحوادث حاجب مقرون

سمة الصبابة زفرة أو عبرة # متكفل بهما حشا و شئون

سيروا بني الحاجات ينجح سعيكم # غيث سحاب الجود منه هتون

فالحادثات بوبله مصفودة # و المحل في شؤبوبه مسجون

وجدوا جناب الملك أخضر فاجتلوا # هارون فيه كأنه هارون

فغدوا و قد وثقوا برأفة واثق # بالله طائره لهم ميمون

قرت به تلك العيون و أشرقت # تلك الخدود و انهن لجون

ملكوا خطام العيش بالملك الذي # أخلاقه للمكرمات حصون

جعل الخلافة فيه رب قوله # سبحانه للشي‏ء كُنْ فَيَكُونُ*

في دولة بيضاء هارونية # متكنفاها النصر و التمكين

قد أصبح الإسلام في سلطانها # و الهند بعض ثغورها و الصين

خبره مع احمد بن الخصيب

كان أحمد بن الخصيب هذا كاتبا في دولة الواثق ثم صار كاتبا للمنتصر بن المتوكل بن المعتصم ثم وزيرا ثم وزر بعده للمستعين أحمد بن محمد بن المعتصم شهرين ثم عزله و لما حبس الواثق الكتاب و ألزمهم أموالا عظيمة أخذ من أحمد بن الخصيب و كتابه ألف ألف دينار أي ما يقارب نصف مليون ليرة عثمانية و أبو تمام انما أدرك أيام كتابة ابن الخصيب للواثق و لم يدرك أيام وزارته للمنتصر و المستعين على قصرها لأن أبا تمام توفي في خلافة الواثق و لم نجد لأبي تمام في ابن الخصيب مدحا و لا قدحا و لا له معه خبرا سوى ما في اخبار أبي تمام للصولي : وجدت بخط عبد الله بن المعتز : صار أبو تمام إلى أحمد بن الخصيب في حاجة له أيام الواثق فأجلسه إلى ان أصابته الشمس فقال.

تغافل عنا أحمد متناسيا # ذمام عهود المدح و الشكر و الحمد

نموت من الحر المبرح عنده # و حاجاتنا قد متن من شدة البرد

____________

(1) السنة حسن الوجه -المؤلف-

(2) العبام كسحاب العيي الثقيل -المؤلف-

465
اخباره مع خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني

هو خالد بن يزيد بن مزيد بن زائدة بن مطر بن شريك بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان و هو من الأمراء الممدحين ولاه المأمون الموصل و ضم إليها ديار ربيعة كلها و لما انتقض أمر ارمينية وجهه الواثق إليها فمات في الطريق و لأبي تمام فيه عدة مدائح و لما مات رثاه بعدة مراث و له معه أخبار ذكرنا بعضها عند الكلام على من نسب أبا تمام إلى التهاون بالدين و بعضها عند ذكر أخبار أبي تمام مع أحمد بن أبي دؤاد و نذكر هنا ما لم يذكر في الموضعين ففي اخبار أبي تمام للصولي حدثني عبد الله بن إبراهيم المسمعي القيسي حدثني أبي حدثني أبو توبة الشيباني قال: حضرت عشيرنا و أميرنا خالد بن يزيد و عنده رجل كثير الفكاهة حسن الحديث فاعجبني جدا فقال الأمير أبو يزيد أ ما سمعت شعره فينا ما رأيت أحسن بيانا منه و لا أفضح لسانا-يعني أبا تمام -و قال أبو تمام هذه القصيدة حين عقد لخالد على ارمينية .

ما لكثيب الحمى إلى عقده # ما بال جرعائه إلى جرده (1)

يقول فيها:

و هل يساميك في العلا ملك # صدرك اولى بالرحب من بلده

أخلاقك الغر دون رهطك أثرى # منه في رهطه و في عدده‏

فما سمعت مثل قوله و طربت فرحا ان يكون من ربيعة فقلت ممن الرجل فقال من طيئ و ولائي لهذا الأمير فقلت يا أسفا أن لا تكون ربعيا أو نزاريا ثم أمر له الأمير أبو يزيد بعشرة آلاف درهم بيضا و و الله ما كافاه و في هذه القصيدة ذكر شفاعة خالد إلى ابن أبي دؤاد فيما ياتي ذكره في أخبار أبي تمام مع احمد بن أبي دؤاد فقال:

بالله أنسى دفاعه الزور من # عوراء ذي نيرب و من فنده (2)

و لا تناسى أحياء ذي يمن # ما كان من نصره و من حشده

آثرني إذ جعلته سندا # كل امرئ لاجئ إلى سنده‏

و روى الصولي في أخبار أبي تمام انه استنشد خالد بن يزيد أبا تمام قصيدته في الافشين التي ذكر فيها المعتصم و أولها:

غدا الملك معمور الحرا و المنازل # منور و حف الروض عذب المناهل (3)

فلما بلغ إلى قوله:

تسربل سربالا من الصبر و ارتدى # عليه بعضب في الكريهة قاصل

و قد ظللت عقبان اعلامه ضحى # بعقبان طير في الدماء نواهل

أقامت مع الرايات حتى كأنها # من الجيش الا انها لم تقاتل‏

قال له خالد كم أخذت بهذه القصيدة قال ما لم يرو الغلة و لم يسد الخلة قال فاني أثيبك عنها قال و لم ذاك و أنا أبلغ الأمل بمدحك قال لأني آليت لا أسمع شعرا حسنا مدح به رجل فقصر عن الحق فيه الا نبت عنه 465 قال فان كان شعرا قبيحا قال انظر فان كان أخذ شيئا استرجعته منه. قال الصولي و قد أحسن أبو تمام في هذا المعنى و زاد على الناس بقوله‏

(الا انها لم تقاتل)

(اه) . و من مدائح أبي تمام في خالد بن يزيد قوله من قصيدة أولها:

لقد أخذت من دار ماوية الحقب # انحل المغاني للبلى هي أم نهب (4)

تردد في آرامها الحسن فاغتدت # قرارة من يصبي و نجعة من يصبو

كواعب أتراب لغيداء أصبحت # و ليس لها في الحسن شكل و لا ترب

لها منظر قيد النواظر لم يزل # يروح و يغدو في خفارته الحب

تظل سراة القوم مثنى و موحدا # نشاوى بعينيها كأنهم شرب

إلى خالد راحت بنا ارحبية # مرافقها من عن كراكرها نكب

من البيض محجوب عن السوء و الخنا # و لا تحجب الأنواء من كفه الحجب‏

ثم قال يذكر آباء المدوح.

مضوا و هم أوتاد نجد و أرضها # يرون عظاما كلما عظم الخطب

و ما كان بين الهضب فرق و بينهم # سوى انهم زالوا و لم تزل الهضب

لهم نسب كالفجر ما فيه مسلك # خفي و لا واد عنود و لا شعب

هو الاضحيان الطلق رفت فروعه # و طاب الثرى من تحته و زكا الترب

فيا وشل الدنيا بشيبان لا تغض # و يا كوكب الدنيا بشيبان لا تخب

فما دب الا في بيوتهم الندى # و لم ترب الا في جحورهم الحرب

أولاك بنو الاحساب لو لا فعالهم # درجن فلم يوجد لمكرمة عقب

لهم‏مضنى و هو مفرد # وحيد من الأشباه ليس له صحب

به علمت صهب الأعاجم انه # به أعربت عن ذات أنفسها العرب

هو المشهد الفصل الذي ما نجا به # لكسرى بن كسرى لا سنام و لا صلب

أقول لأهل الثغر قد رئب الثاى # و أسبغت النعماء و التام الشعب

فسيحوا بأطراف البلاد و ارتعوا # فنا خالد من غير درب لكم درب

فتى عنده خير الثواب و شره # و منه الاباء الملح و الكرم العذب

أشم شريكي يسير أمامه # مسيرة شهر في كتائبه الرعب

و لما رأى توفيل راياثك راياتك التي # إذا ما استقامت لا يقاومها الصلب

تولى و لم يال الردى في اتباعه # كان الردى في قصده هائم صب

غدا خائفا يستنجد الكتب مذعنا # إليك فلا رسل ثنتك و لا كتب

مضى مدبرا شطر الدبور و نفسه # على نفسه من سوء ظن بها ألب

رددت أديم الغزو أملس بعد ما # غدا و لياليه و أيامه جرب

يكل فتى ضرب يعرض للقنا # محيا محلى حلية الطعن و الضرب

جعلت نظام المكرمات فلم تدر # رحى سؤدد الا و أنت لها قطب

إذا افتخرت يوما ربيعة أقبلت # مجنبتي مجد و أنت لها قلب

يجف الثرى منها و تربك لين # و ينبو بها ماء الغمام و ما تنبو

بجودك تبيض الخطوب إذا دجت # و ترجع عن ألوانها الحجج الشهب

و سيارة في الأرض ليس بنازح # على وخدها حزن سحيق و لا سهب

تذر ذرور الشمس في كل بلدة # و تمسي جموحا ما يرد لها غرب

عذارى قواف كنت غير مدافع # أبا عذرها لا ظلم منك و لا غصب

إذا أنشدت في القوم ظلت كأنها # مسرة كبر أو تداخلها عجب

مفصلة باللؤلؤ المنتقى لها # من الشعر الا انه اللؤلؤ الرطب‏

و من مدائح أبي تمام في خالد بن يزيد قوله من قصيدة.

طلل الجميع لقد عفوت حميدا # و كفى على رزئي بذاك شهيدا

____________

(1) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام : الجرعاء أرض فيها رمل و قوله جرده إذا فتحت الراء احتمل وجهين أحدهما ان يكون اسم موضع بعينه ذكره النابغة في قوله (كالغزلان بالجرد ) و الآخر ان يكون المصدر من قولهم مكان جرد إذا لم يكن فيه نبات

(2) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام : أراد بالله لا انسى و لا تحذف كثيرا في هذا الموضع (و العوراء) الكلمة القبيحة (و النيرب) النميمة (و الفند) أصله ذهاب العقل من الكبر و ان يتكلم الشيخ بغير الصواب ثم كثر حتى سمي كل قول غير محمود فندا (اه) .

(3) الحرا الساحة أو الناحية (و الوحف) الملتف من النبات .

(4) النحل الشي‏ء المنحول أي أ أعطيت المغاني للبلى نحلة أم نهبتها نهبا

466

قربت نازحة القلوب من الجوى # و تركت شاو الدمع فيك بعيدا

أ ذكرتنا الملك المضلل في الهوى # و الاعشيين و جرولا (و طرفة ) و لبيدا

حلوا بها عقد النسيب و نمنموا # من وشيه رجزا بها و قصيدا

راحت غواني الحي عنك غوانيا # يلبسن نايا تارة و صدودا

من كل سابغة الشباب إذا بدت # تركت عميد القريتين عميدا

ازرين بالمرد الغطارف بدنا # غيدا ألفتهم لدانا غيدا

احلى الرجال من النساء مواقعا # من كان أشبههم بهن خدودا

فاطلب هدوا في التقلقل و استثر # بالعيس من تحت السهاد هجودا

من كل معطية على علل (1) السري # و خدا يبيت النوم منه شريدا

طلبت ربيع ربيعة الممهى (2) لها # فتفيات ظلا لها ممدودا

بكريها علويها صعبيها الحصني # شيبانيها الصنديدا

ذهليها مريها مطريها (3) # يمنى يديها خالد بن يزيدا

نسب كان عليه من شمس الضحى # نورا و من فلق الصباح عمودا

عريان (4) لا يكبو دليل من عمى # فيه و لا يبغي عليه شهودا

شرف على اولى الزمان و انما # خلق المناسب ما يكون جديدا (5)

مطر أبوك أبو اهلة وائل # ملأ البسيطة عدة و عديدا

ورثوا الابوة و الحظوظ فأصبحوا # جمعوا جدودا في العلى و جدودا

فزعوا إلى الحلق المضاعف و ارتدوا # فيها حديدا في الشؤون حديدا

و مشوا أمام أبي يزيد و حوله # مشيا يهد الراسيات وئيدا

ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا # إلا بحيث ترى المنايا سودا

و إذا رأيت أبا يزيد في ندى # و وغى و مبدئ غارة و معيدا

يقري مرجيه مشاشة ما له # و شبا الأسنة ثغرة و وريدا

أيقنت ان من السماح شجاعة # تدمي و ان من الشجاعة جودا

و إذا سرحت الطرف نحو قبابة # لم تلق الا نعمة و حسودا

و مكارما عتق النجار تليدة # ان كان هضب عمايتين تليدا (6)

و إذا حللت به أنالك جهده # و وجدت بعد الجهد فيه مزيدا

متوقد منه الزمان و ربما # كان الزمان بآخرين بليدا

أبقى يزيد و مزيد و أبوهما # و أبوك ركنك في الفخار مشيدا

سلفوا يرون الذكر عقبا صالحا # و مضوا يعدون الثناء خلودا

ان القوافي و المساعي لم تزل # مثل النظام إذا أصاب فريدا

هي جوهر نثر فان ألفته # بالشعر صار قلائدا و عقودا

في كل معترك و كل اقامة # يأخذن منه ذمة و عهودا

فإذا القصائد لم تكن خفراءها (عقلالها) # لم ترض منها مشهدا مشهودا

من أجل ذلك كانت العرب الأولى # يدعون هذا سؤددا منشودا

466 و تند عندهم العلا الا علا # جعلت لها مرر القصيد قيودا

و غضب المعتصم على خالد بن يزيد فأراد نفيه فرغب خالد ان يكون خروجه إلى مكة فأجيب إلى ذلك ثم شفع فيه أحمد بن أبي دؤاد فشفعه و أعفاه من الخروج و استقر على حاله فقال أبو تمام يمدحه كما في الديوان من قصيدة:

يا موضع الشدنية الوجناء # و مصارع الإدلاج و الأسراء

أقر السلام معرفا و محصبا # من خالد المعروف و الهيجاء

يا سائلي عن خالد و فعاله # رد فاغترف علما بغير رشاء

تعلم كم افترعت صدور رماحه # و سيوفه من بلدة عذراء

و دعا فاسمع بالأسنة و القنا # صم العدي في صخرة صماء

بمجامع الثغرين ما ينفك في # جيش أزب و غارة شعواء

قد كان خطب عاثر فاقاله # رأي الخليفة كوكب الخلفاء

فخرجت منها كالشهاب و لم تزل # مذ كنت خراجا من العماء

أجر و لكن قد نظرت فلم أجد # أجرا يفي بشماتة الأعداء

لو سرت لالتقت الضلوع على أسى # كلف قليل السلم للأحشاء

و لجذ نوار القريض و قلما # يلفى بقاء الغرس بعد الماء

و قال أبو تمام يمدح خالد بن يزيد من أبيات، و يظهر من هذه الأبيات انه قالها لما غضب المعتصم على خالد و أراد نفيه.

في شامتين هو الشري الجني لهم # و الصاب و الشرق المسموم و الجرض

مخامري حسد ما ضر غيرهم # كأنما هو في أبدانهم مرض

لا يهنئ العصبة المحمر أعينها # بثغر أران هذا الحادث العرض

اضحى الشجى مستطيلا في حلوقهم # من بعد ما جاذبوه و هو معترض

سهم الخليفة في الهيجا إذا استعرت # بالبيض و التفت الأحقاب و الغرض

ظل من الله أضحى أمس منبسطا # به على الثغر فهو اليوم منقبض

لخالد عوض في كل ناحية # منه و ليس له من خالد عوض

لم تنتقض عروة منه و لا سبب # لكن أمر بني الآمال ينتقض‏

و لما مات خالد بن يزيد رثاه أبو تمام فمن مراثيه فيه و تعزية ولده محمد (7) قوله من قصيدة و بين ما في هبة الأيام منها و ما في الديوان اختلاف ففي الهبة منها ما لم يذكر في الديوان و هو البيت الأول و الثاني و السابع و الثامن و الثاني عشر و في الديوان ما لم يذكر في الهبة لكن يمكن كون ذلك اختصار قال:

ماتت ربيعة لا بل ماتت العرب # و حل بالمكرمات الويل و الحرب

لم يوحش الله دنياه و ساكنها # من خالد و له في خلقه أرب

تبقى مساعيك نضرات العهود كما # يبقى نضيرا على علاته الذهب

ان يدرك الدهر وترا كان حاقده # فليس يسبق منه الوتر و الطلب

كنت المجير عليه العاندين إذا # لم ينج دونك من تصريفه الهرب

اضحت سماء معد بعد خالدها # محجوبة الشمس حتى تنشر الكتب

انعى إلى الجود و المعروف ربهما # ما راح للجود و المعروف مكتسب

اليوم مات يزيد حق ميتته # و اليوم حل بحيي قومك السلب

يا بهجة العيش ما للعيش بعدك من # طعم اليه لذيذ العيش ينتسب

قامت عليك رماح الخط نادبة # و التبعية و الهندية القضب

و كل جرداء في آطالها لحق # و في البطون على طول الوجى قبب

قد كان غاية ما نخشى و نحذره # من الحوادث أن تغتالك النوب‏

____________

(1) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام علل السري (بفتح العين و اللام) يعني أسراء بعد أسراء اخذه من علل الشرب و من رواه بكسر العين فالمعنى ما يحدثه السري من هزالها (اه) .

(2) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام . الممهى الكثير الماء و يجوز ان يكون من قولهم أمهيت الفرس إذا طولت له في الرسن (اه) .

(3) الممدوح من بني مطر و هم من مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة .

(4) قال التبريزي جعل النسب عريانا لأنه لا يستتر بشي‏ء لشهرة الآباء

(5) يعني ان الأنساب الخلقة هي الأنساب الجديدة التي لا قدم لها.

(6) التليد القديم (و عمايتان ) جبلان بنجد و عندهما هضبات و هو من تعليق الشي‏ء على امر واقع لا ريب فيه. -المؤلف-

(7) في الديوان المطبوع و قال يرثي محمدا و صوابه و قال يرثي خالد بن يزيد و يعزي ولده محمدا -المؤلف-

467

و اليوم أنفسنا للدهر آمنة # إذا ليس بعدك خطب منه يرتقب

قد كنت تمنح أسباب القنا كملا # إذ لا يجود بهن الوالد الحدب

يا مؤتم الجود دون الناس كلهم # هيهات بعدك لا يحنو عليه أب

ما حل رزؤك إلا بالرجاء فما # في الأرض بعدك للراجين مطلب

يا خالد بن يزيد إن تذق تلفا # لم يغن عنك لديه الجحفل اللجب

و البيض لامعة و السمر شارعة # و الأسد راتعة و العز منتصب

فاذهب عليك سلام الله من ملك # ما بعد مهلكه رغب و لا رهب

و في محمد الزاكي لنا خلف # ما مثله خلف في الناس منتجب

باق به لبني شيبان أسرته # حمد الفعال و فضل العز و الحسب

يرعى المكارم منه وارث شرفا # بتاج والده في الناس معتصب‏

و قال أبو تمام يرثيه أيضا و يعزي ولده محمدا من قصيدة.

أ الله اني خالد بعد خالد # و ناس سراج المجد نجم المحامد

ألا غرب دمع ناصر لي على الأسى # الا حر شعر في الغليل مساندي (مساعدي)

فلم تكرم العينان ان لم تسامحا # و لا طاب فرع الشعر إن لم يساعد

لتبك القوافي شجوها بعد خالد # بكاء مضلات السماح نواشد

لكانت عذاراها إذا هي أبرزت # لدى خالد مثل العذارى النواهد

تقلص ظل العرف عن كل بلدة # و اطفي‏ء في الدنيا سراج القصائد

فيا غي مرحول اليه و راحل # و خجلة موفود اليه و وافد

و يا ماجدا أوفى به الموت نذره # فاشعر روعا كل أروع ماجد

غدا يمنع المعروف بعدك درة # و تغدر غدران الأكف الروافد

لأبرحت يا عام المصائب بعد ما # دعاك بنو الآمال عام الفوائد

فجللت قحطا آل قحطان و انثنت # نزار بمنزور من العيش جامد

على أي عرنين غلبنا و مارن # و أية كف فارقتنا و ساعد

فيا وحشة الدنيا و كانت أنيسة # و وحدة من فيها لمصرع واحد

مضت خيلاء الخيل و انصرف الردى # بأنفس نفس من معد و والد

فكم غال ذاك الترب لي و لمعشري # و للناس طرا من طريف و تالد

أقام به من حي بكر بن وائل # هني الندا مخضر عود المواعد

أ شيبان ما ذاك الهلال بطالع # علينا و لا ذاك الغمام بعائد

أ شيبان ما جدي و لا جد مرتج # و لا جد شي‏ء يوم ولى بصاعد

أ شيبان عمت نارها من مصيبة # فما يشتكي وجد إلى غير واجد

لئن أقرحت عيني صديق و صاحب # لقد زعزعت ركني عدو و حاسد

لئن هي أهدت للأقارب ترحة # لقد جللت تربا خدود الأباعد

فما جانب الدنيا بسهل و لا الضحى # بطلق و لا ماء الحياة ببارد

بلى و أبي ان الأمير محمدا # لقطب الرحى مصباح تلك المشاهد

عليه دليل من يزيد و خالد # و نوران لاحا من نجار و شاهد

من المكرمين الخيل فيها و لم يكن # ليكرمها الإكرام المحاتد

أخباره مع عبد الله بن طاهر

كان عبد الله بن طاهر الخزاعي أميرا جليلا جوادا ممدحا و أبوه طاهر بن الحسين هو الذي قتل الأمين و فتح بغداد للمأمون و ولاه المأمون خراسان و ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر في حياة أبيه طاهر و لما مات طاهر ولى المأمون ابنه عبد الله خراسان و كان مقامه بنيسابور فبقي 467 واليا على خراسان مدة خلافة المأمون و المعتصم و شيئا من خلافة الواثق و قصده أبو تمام من العراق إلى خراسان فمدحه و أخذ جوائزه ثم عاد إلى العراق و في معجم البلدان قرأت في كتاب نتف الطرف للسلامي : حدثني ابن علوية الدامغاني حدثني ابن عبد الدامغاني قال كان أبو تمام حبيب بن أوس نزل عند والدي حين اجتاز بقومس إلى نيسابور ممتدحا عبد الله بن طاهر فسألناه عن مقصده فأجابنا بهذين البيتين:

يقول في قومس صحبي و قد أخذت # منا السري و خطى المهرية القود

أ مطلع الشمس تبغي (تنوي) ان تؤم بنا # فقلت كلا و لكن مطلع الجود

و في مرآة الجنان : كان أبو تمام الطائي قد قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي (أمير خراسان ) من العراق فلما انتهى إلى قومس و طالت به الشقة و عظمت عليه المشقة قال (يقول في قومس صحبي) البيتين (أقول) خراسان بالفارسية معناه مطلع الشمس فلهذا قال‏

(أ مطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا)

قال و قيل هذان البيتان أخذهما أبو تمام من أبي الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور حيث يقول:

يقول صحبي و قد جدوا على عجل # و الخيل تفتن بالركبان في اللجم

أ مطلع الشمس تنوي أن تؤم بنا # فقلت كلا و لكن مطلع الكرم‏

قال و لما وصل أبو تمام إليه أنشده قصيدته البائية البديعة التي يقول فيها

و ركب كاطراف الاسنة عرسوا # على مثلها و الليل تسطو غياهبه‏

قال الصولي في كتاب اخبار أبي تمام : حدثنا محمد بن إسحاق النحوي حدثنا أبو العيناء عن علي بن محمد الجرجاني قال اجتمعنا بباب عبد الله بن طاهر من بين شاعر و زائر و معنا أبو تمام فحجبنا أياما فكتب اليه أبو تمام :

أيهذا العزيز قد مسنا الضر # جميعا و أهلنا أشتات

و لنا في الرحال شيخ كبير # و لدينا بضاعة مزجاة

قل طلابها فاضحت خسارا # فتجاراتنا بها ترهات

فاحتسب أجرنا و أوف لنا الكيل # و صدق فاننا أموات‏

فضحك عبد الله لما قرأ الشعر و قال قولوا لأبي تمام لا تعاود مثل هذا الشعر فان القرآن أجل من أن يستعار شي‏ء من ألفاظه للشعر قال و و جد عليه (اه) و ليس في هذا ما يقتضي ان يجد عليه و لكن الظاهر ان السبب في ذلك ما سياتي و أورد الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة القاسم بن عيسى أبي دلف العجلي نحوا من هذه القصة قال اجتمع علي باب أبي دلف جماعة من الشعراء فمدحوه و تعذر عليهم الوصول اليه و حجبهم حياء لضيقة نزلت به فكتبوا اليه.

أيهذا العزيز قد مسنا الدهر # بضر و أهلنا أشتات

و أبونا شيخ كبير فقير # و لدينا بضاعة مزجاة

قل طلابها فبارت علينا # و بضاعاتنا بها الترهات

فاغتنم شكرنا و أوف لنا الكيل # و صدق فاننا أموات‏

و يمكن ان يكون أصحاب أبي دلف أخذوا شعر أبي تمام و أرسلوه اليه و الله اعلم. و قال الخطيب التبريزي في مقدمة شرح الحماسة : كان عبد الله بن طاهر لا يجيز شاعرا إلا إذا رضيه أبو العميثل-عبد الله بن خليد -و أبو سعيد الضرير فقصدهما أبو تمام و أنشدهما القصيدة التي أولها:

هن (1) عوادي يوسف و صواحبه # فعزما فقدما أدرك السؤل طالبه‏

____________

(1) في هذه الكلمة نقصان حرف و هو كثير في شعر العرب في أول القصيدة و ما يوجد في بعض النسخ من رسمها (أ هن) بهمزة الاستفهام خطا-المؤلف-.

468

فلما سمعا هذا الابتداء اسقطاها فسألهما استتمام النظر فيها فمرا بقوله.

و ركب كاطراف الأسنة عرسوا # على مثلها و الليل تسطو غياهبه

لأمر عليهم أن تتم صدوره # و ليس عليهم أن تتم عواقبه‏

فاستحسنا هذين البيتين و أبياتا اخر منها و هي:

و قلقل ناي من خراسان جاشها # فقلت اطماني أنضر الروض عازبه

إلى سالب الجبار بيضة ملكه # و آمله غاد عليه فسالبه‏

فعرضا القصيدة على عبد الله و أخذا له ألف دينار (اه) و في هبة الأيام حدث محمد بن العباس اليزيدي قال لما شخص أبو تمام إلى عبد الله بن طاهر و هو بخراسان و مدحه بهذه القصيدة أنكر عليه أبو العميثل قوله‏

(هن عوادي يوسف و صواحبه)

و قال لأبي تمام لم لا تقول ما يفهم فقال لأبي العميثل لم لا تفهم ما يقال فاستحسن منه هذا الجواب على البديهة و في الموازنة ان أبا العميثل و أبا سعيد لما أوصلا اليه الجائزة قالا له لم تقول ما لا يفهم فقال لهما لما لا تفهمان ما يقال فكان هذا مما استحسن من جوابه. و في الأغاني عن جماعة من مشايخه و أصحابه قالوا حدثنا عبد الله بن عبد الله بن طاهر و في أخبار أبي تمام للصولي حدثنا أبو احمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال لما قدم أبو تمام إلى خراسان اجتمع الشعراء اليه فقالوا نسمع شعر هذا العراقي و سألوه ان ينشدهم فقال قد وعدني الأمير أن أنشده غدا و ستسمعوني فلما دخل على عبد الله أنشده:

هن عوادي يوسف و صواحبه # فعز ما فقد ما أدرك السؤل طالبه (1)

فلما بلغ إلى قوله:

و قلقل ناي من خراسان جاشها # فقلت اطماني أنضر الروض عازبه (2)

و ركب كاطراف الاسنة عرسوا # على مثلها و الليل تسطو غياهبه (3)

لأمر عليهم ان تتم صدوره # و ليس عليهم أن تتم عواقبه (4)

صاح الشعراء بالأمير أبي العباس ما يستحق مثل هذا الشعر غير 468 الأمير أعزه الله و قال شاعر منهم يعرف بالرياحي لي عند الأمير أعزه الله جائزة وعدني بها و قد جعلتها لهذا الرجل جزاء عن قوله للأمير فقال له الأمير بل نضعفها لك و نقوم له بما يجب له علينا فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار فلقطها الغلمان و لم يمس منها شيئا فوجد عليه عبد الله و قال يترفع عن بري و يتهاون بما أكرمته به فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك (اه) و كان أبا تمام استقلها فلم يمسها.

و هنا أمور تستلفت النظر (أولا) انه نثر عليه ألف دينار نثرا و لم يدفعها اليه في بدرة و لا وضعها في حجره و ذلك لتظهر للناس بمظهر أروع و أعجب فقد كان الأمراء يفتخرون بمثل ذلك و هم انما يعطون أموال المسلمين لمن يمدحهم من الشعراء بالأكاذيب و بما ليس فيهم و ربما كان في فقراء المسلمين الذين لهم حقوق في بيوت الأموال كثير ممن لا يجدون القوت (ثانيا) ان أبا تمام استقل الالف الدينار-و هي جائزة سنية-و رغب عنها و لم يمسها حتى لقطها الغلمان و أوجب ذلك سخط ابن طاهر عليه و هذا يدل على ان أبا تمام كان متقدما عند الأمراء و الملوك تقدما لا مزيد عليه و لذلك يرى ان الألف الدينار قليلة في حقه و كان يطمع في أضعافها و لو لم تكن له تلك المكانة عند الناس لما وجد من نفسه ذلك فالمتنبي و هو في الدرجة العالية بين الشعراء رضي قبل أن يشتهر بدينار واحد جائزة لقصيدته حتى سميت الدينارية (ثالثا) هؤلاء الغلمان التقطوا الدنانير لأنفسهم بمرأى من ابن طاهر و لم يحفظوها لأبي تمام و هذا يدل على ما كان عليه ابن طاهر من البذخ و السرف و التوسعة على غلمانه فهم كانوا يعتقدون سروره بالتقاطهم لها و الا لما التقطوها و هذا حسن لو كان هذا المال ماله لا من بيت مال المسلمين و لكن هؤلاء الأمراء كانوا يرون ما بيدهم من بيوت الأموال ملكا طلقا لهم ليس لأحد سواهم فيه حق. و هذه القصيدة من مختار شعر أبي تمام يقول فيها بعد المطلع يحث على الحزم و ملاقاة الأهوال و أجاد.

إذا المرء لم تستخلص الحزم نفسه # فذروته للحادثات و غاربه

أ عاذلتي ما أخشن الليل مركبا # و أخشن منه في الملمات راكبه

ذريني و أهوال الزمان أفانها (5) # فاهواله العظمى تليها رغائبه‏

ثم يقول في وصف الركاب:

أ لم تعلمي أن الزماع على السري # أخو النجح عند الحادثات و صاحبه

دعيني على اخلاقي الصمل التي # هي الوفر أو سرب ترن نوادبه (6)

فان الحسام الهندواني انما # خشونته ما لم تفلل مضاربه (7)

و قلقل ناي من خراسان

بعدها

على كل موار الملاط تهدمت # عريكته العلياء و انضم حالبه (8)

رعته الفيافي بعد ما كان حقبة # رعاها و ماء الروض ينهل ساكبه‏

و يقول في المخلص:

إلى ملك لم يلق كلكل بأسه # على ملك إلا و للذل جانبه

إلى سالب الجبار بيضة ملكه # و آمله غاد عليه فسالبه

و قد قرب المرمى البعيد رجاؤه # و سهلت الأرض العزاز كتائبه (9)

سما للعلا من جانبيها كليهما # سمو عباب الماء جاشت غواربه

فنول حتى لم يجد من ينيله # و حارب حتى لم يجد من يحاربه

و ذو يقظات مستمر مريرها # إذا الخطب لاقاه اضمحلت نوائبه

و ابن بوجه الحزم عنه و انما # مرائي الأمور المشكلات تجاربه

أرى الناس منهاج الندى بعد ما عفت # مهايعه المثلى و محت لواحبه (10)

ففي كل نجد في البلاد و غائر # مواهب ليست منه و هي مواهبه‏

(11)

____________

(1) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام يقول: النساء اللواتي عذلنني في سفري ليس لهن رأي و هن عوادي يوسف أي صوارف يوسف إلى ما صار اليه فاتركهن و امض على عزمك (اه) و لعل العوادي من عدا عليه و ما قاله شارح هبة الأيام المطبوع من ان وزن البيت لا يستقيم فلذلك زاد همزة في أوله هو خطا و مثل هذا واقع في شعر العرب في أول القصيدة فينقص من البيت حرف كما مر و ديوان الحماسة جمع أبي تمام مملوء من ذلك.

(2) الجأش القلب يقول لما عزمت على الرحيل جزعت فقلت اسكني فابعد السفر أكثره فائدة كما ان أنضر الروض أبعده عن العمران لبعده عن وطئ الأقدام و عن الماشية.

(3) كاطراف الأسنة مضاء و نفاذا (و عرسوا) نزلوا في آخر الليل للاستراحة (و على مثلها) أي على مثل الأسنة فنزلوا في مكان خشن كأنما هم نازلون على رؤوس الأسنة قلقا و نبو جنب لصعوبة الموضع.

(4) أي صدوره بيدهم و عواقبه بيد الله-المؤلف-.

(5) أفانها مفاعلة من الافناء أي افنيها و تفنيني. و يروي أقانها بالقاف من المقاناة و هي المخالطة و المداراة .

(6) الصمل الشديدة الصلبة . (و الوفر) الغنى أي هذه الأخلاق اما أن تجلب الغنى أو تجلب الموت الموجب ان يندبني سرب من النساء.

(7) أراد بخشونة السيف حدته و مضاءه أي كما ان مضاء السيف عند عدم تفلل مضاربه فانا قوتي و عزمي في حال شبابي.

(8) الملاط ككتاب جانبا السنام (و العريكة) السنام لأنه يعرك بالركوب و الحمل (و الحالب) عرق في أسفل البطن .

(9) العزاز بالفتح الصلبة الممتنعة .

(10) محت خفيت .

(11) لما كان قد علم الناس الجود فقد أصبح في كل نجد و غور منها مواهب ليست منه و لكنه السبب فيها فهي مواهبه. -المؤلف-

469

لتحدث له الأيام شكر صناعه # تطيب صبا نجد به و جنائبه

و يا أيها الساري أسر غير محاذر # جنان ظلام أو ردى أنت هائبه

فقد بث عبد الله خوف انتقامه # على الليل حتى ما تدب عقاربه

و يوم امام الملك دحض وقفته # و لو خر فيه الدين لانهال كاثبه (1)

جلوت به وجه الخليفة و القنا # قد اتسعت بين الضلوع مذاهبه

ليالي لم يقعد بسيفك ان يرى # هو الموت الا ان عفوك غالبة

فلو نطقت حرب لقالت محقة # الا هكذا فليكسب المجد كاسبه

و يا أيها الساعي ليدرك شاوه # تزحزح قصيا اسوأ الظن كاذبه

إذا ما امرؤ القى بربعك رحله # فقد طالبته بالنجاح مطالبه‏

و في الأغاني : أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي حدثني عمي الفضل قال لما شخص أبو تمام إلى عبد الله بن طاهر و هو بخراسان اقبل الشتاء و هو هناك فاستثقل البلد و قد كان عبد الله وجد عليه و ابطا بجائزته لأنه نثر عليه ألف دينار فلم يمسها بيده ترفعا عنها فأغضبه و قال يحتقر فعلي و يترفع علي فكان يبعث اليه بالشي‏ء بعد الشي‏ء كالقوت فقال أبو تمام

لم يبق للصيف لا رسم و لا طلل

الأبيات الآتية و قال الصولي حدثني احمد بن محمد البصري حدثني فضل اليزيدي قال لما صار أبو تمام إلى خراسان لمدح عبد الله بن طاهر كرهها و اقبل الشتاء فاشتد عليه امر البرد فقال يذم الشتاء و يمدح الصيف.

لم يبق للصيف لا رسم و لا طلل # و لا قشيب فيستكسى و لا سمل

عدل من الدمع ان تبكي المصيف كما # يبكي الشباب و يبكي اللهو و الغزل

يمنى الزمان طوت معروفها و غدت # يسراه و هي لنا من بعدها بدل

ما للشتاء و لا للصيف من مثل # يرضى به السمع الا الجود و البخل

أ ما ترى الأرض غضبى و الحصى قلقا # و الأفق بالحرجف النكباء يقتتل

من يزعم الصيف لم تذهب بشاشته # فغير ذلك امسى يزعم الجبل

غدا له مغفر في رأسه يقق # لا تهتك البيض فوديه و لا الأسل

إذا خراسان عن صنبرها كشرت # كانت قيادا لنا أنيابه العصل (2)

ان يسر الله امرا أثمرت معه # من حيث أورقت الحاجات و الأمل

فما صلائي ان كان الصلاء بها # جمر الغضا الجزل الا السير و الإبل

المرضياتك ما أرغمت آنفها # و الهادياتك و هي الرشد الضلل

تقرب الشقة القصوى إذا أخذت # سلاحها و هو الارقال و الرمل

إذا تظلمت من ارض فضلت بها # كانت هي العز الا انها ذلل‏

فبلغ شعره عبد الله بن طاهر فعجل جائزته و صرفه و قال أبو فرج فبلغت الأبيات أبا العميثل شاعر عبد الله بن طاهر فاتى أبا تمام و اعتذر اليه لعبد الله بن طاهر و عاتبه على ما عتب عليه من اجله و تضمن له ما يحبه ثم دخل على عبد الله فقال أيها الأمير أ تتهاون بمثل أبي تمام و تجفوه فو الله لو لم يكن له ما له من النباهة في قدره و الإحسان في شعره و الشائع من ذكره لكان الخوف من شره و التوقي لذمه يوجب على مثلك رعايته و مراقبته فكيف و له بنزوعه إليك من الوطن و فراقه السكن و قد قصدك عاقدا بك امله معملا 469 إليك ركابه متعبا فيك فكره و جسمه و في ذلك ما يلزمك قضاء حقه حتى ينصرف راضيا و لو لم يأت بفائدة و لا سمع فيك منه ما سمع إلا قوله:

يقول في قومس صحبي‏

البيتين فقال له عبد الله لقد نبهت فأحسنت و شفعت فلطفت و عاتبت فأوجعت و لك و لابي تمام العتبى ادعه يا غلام فدعاه فنادمه يومه و أمر له بالفي دينار و ما يحمله من الظهر و خلع عليه خلعة تامة من ثيابه و أمر ببذرقته (3) إلى آخر عمله. و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثنا أبو عبد الله محمد بن موسى الرازي حدثني محمد بن إسحاق الختلي و كان يتوكل لعبد الله بن طاهر انه أمر له بشي‏ء لم يرضه ففرقه فغضب عليه لاستقلاله ما أعطاه و تفريقه إياه فشكا أبو تمام ذلك إلى أبي العميثل شاعر آل طاهر و أخص الناس بهم فدخل على عبد الله بن طاهر فقال له أيها الأمير أ تغضب على من حمل إليك أمله من العراق و كد فيك جسمه و فكره و من يقول فيك‏

(يقول في قومس صحبي)

البيتين السابقين قال فدعا به و نادمه يومه ذلك و خلع عليه و وهب له ألف دينار و خاتما كان في يده له قدر (اه) . فهذه الروايات تدل على أن أبا تمام استقل الالف الدينار التي نثرت عليه فلم يمسها و أن عبد الله بن طاهر غضب عليه لأجل ذلك و أن أبا العميثل أصلح الحال بينهما حتى رضي عنه ابن طاهر و أجازه بما أرضاه و لكن الذي حكاه ابن عساكر في تاريخ دمشق يدل على ان أبا تمام خرج من نيسابور و لم يقبل صلة ابن طاهر و أنه هجاه و هذا يناقض ما مر. قال ابن عساكر قال منصور بن طلحة بن طاهر ما بلغ من الأمير عبد الله بن طاهر شي‏ء مما قال فيه أبو تمام ما بلغ منه قوله فيه حين خرج من نيسابور و لم يقبل صلته قال:

يا أيها الملك المقيم ببلدة # لا تأمنن حوادث الأزمان

صاح الزمان بأهل قومك صيحة (4) # خروا لشدتها على الأذقان

و ثنى بأخرى مثلها فأبادهم # و أتى الزمان على بني ماهان

و غدا يصيح بال طاهر صيحة # غضب يحل بهم من الرحمن‏

و قال الصولي في أخبار أبي تمام : و يروى ان عبد الله بن طاهر حجبه فكتب اليه:

صبرا على المطل ما لم يتله الكذب # و للخطوب إذا سامحتها عقب

على المقادير لوم ان رميت بها # من قادر و علي السعي و الطلب

يا أيها الملك النائي برؤيته # وجوده لمراعي جوده كثب

ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا # إن السماء ترجى حين تحتجب‏

قال و يروي انه كتب بها إلى أبي دلف و قيل إلى ابن أبي دؤاد و قيل في إسحاق بن إبراهيم المصعبي . و في الديوان قال يعاتب أبا دلف و قيل عبد الله بن طاهر و في خاص الخاص للثعالبي ان البيتين الأخيرين أحسن ما قيل في تحسين الحجاب. و قال حدثني احمد بن إسماعيل بن الخصيب حدثني عبد الله بن احمد النيسابوري الصولي و كان أديبا شاعرا قال: استبطا أبو تمام صلة عبد الله بن طاهر فكتب إلى أبي العميثل شاعر عبد الله و كان دفع اليه رقعة ليوصلها إلى عبد الله . و في الديوان قال يمدح عبد الله بن طاهر و يسال أبا العميثل شاعره عن شي‏ء وقع له به عبد الله فتأخر عنه:

____________

(1) كاثب اسم جبل. -المؤلف-

(2) الصنبر بالصاد المكسورة و النون المشددة المكسورة و ألباء الموحدة الساكنة و الراء الريح الباردة (و العصل) كقفل جمع اعصل و هو المعوج -المؤلف-

(3) البذرقة الخفارة . -المؤلف-

(4) كذا في النسخة و لعل صوابه قومس -المؤلف-

470

ليت الظباء أبا العميثل خبرت # خبرا يروي صاديات الهام

إن الأمير إذا الحوادث أظلمت # نور الزمان و حلية الإسلام

و الله ما يدري بآية حالة # يثني مجاوره على الأيام

ألما يجامعه لديه من الغنى # أم ما يفارقه من الاعدام

و أرى الصحيفة قد علتها فترة # فترت لها الأرواح في الأجسام

لو لا الأمير و أن حاكم رأيه # في الشعر أصبح أعدل الحكام

لثكلت آمالي لديه بأسرها # أو كان إنشادي خفير كلامي

و لخفت في تفريقه ما بيننا # ما قيل في عمرو و في الصمصام (1)

فكتب اليه أبو العميثل :

أ فهمتنا فنقعت بالافهام # فاسمع جوابك يا أبا تمام

إن الظباء سنيحها كبريحها # في جهلها بتصرف الأقوام

جفت بأيام الفتى و برزقه # في اللوح قبل سوابق الأقلام

قد كنت حاضر كل ما خبرته # من منطق مستحكم الإبرام

فيه لطائف من قريض مونق # نطقت بذلك ألسن الحكام

ملس المتون لدى السماع كأنها # لمسا و منظرة متون سلام (2)

و شهدت ما قال الأمير بعقبه # من أنه عسل بماء غمام

و شهدت أجمل محضر من معشر # منحوا كريم القوم نجل كرام

فعليك محمود الأناءة انها # و النجح في قرن على الأيام

و ذكرت عمروا قبلنا و فراقه # صمصامة النجدات و الاقدام

و الله ينظمنا بعز أميرنا # و طوال مدته أتم نظام‏

و قال و هو بنيسابور يشكو الغربة و يذم الدهر و يتشوق إلى الشام :

صريع هوى تغاديه الهموم # بنيسابور ليس له حميم

غريب ليس يؤنسه قريب # و لا ياوي لغربته رحيم

مقيم في الديار نوى شطون # يشافههه بها كمد قديم

يمد زمامه طمع مقيم # تدرع ثوبه رجل عديم

رجاء ما يقابله رخاء # هو الياس الذي عقباه شوم

فقد فارقت بالغربي دارا # بأرض الشام حف بها النعيم

و كنت بها الممنع غير وغد # و لا نكد إذا حل العظيم

فان أك قد حللت بدار هون # صبوت بها فقد يصبو الحليم

إذا أنا لم ألم عثرات دهر # أصبت بها الغداة فمن ألوم

و في الدنيا غنى لم أنب عنه # و لكن ليس في الدنيا كريم‏

و في الديوان المطبوع بمصر : قال غير أبي بكر : كان أبو تمام بنيسابور على باب عبد الله بن طاهر فخرج أبو العميثل حاجبه برقعة فيها بيتان من شعره قالهما عبد الله فقال لأبي تمام يقول لك الأمير قل في معنى هذين البيتين و وزنهما و هما في الأفشين و كان يحارب بابك في مدينة ارشق و البيتان هما: 470

لعمري لنعم السيف سيف بارشق # نضى الجفن عنه خير حاف و ناعل

تمنى به ضربا دراكا فاجفلت # نعامتهم عن بيضها المتقابل‏

فقال أبو تمام هذه القصيدة يمدح بها المعتصم و يذكر الأفشين .

غدا الملك معمور الحرا و المنازل # منور و حف الروض عذب المناهل

بمعتصم بالله أصبح ملجا # و معتصما حرزا لكل موائل

فاضحت عطاياه نوازع شزبا # تسائل في الآفاق عن كل سائل

مواهب جدن الأرض حتى كأنما # أخذن باذناب السحاب الهواطل

فكم لحظة أهديتها لابن نكبة # فأصبح منها ذا عقاب و نائل

شهدت أمير المؤمنين شهادة # كثير ذوو تصديقها في المحافل

لقد لبس الافشين قسطلة الوغى # مخشي بنصل السيف غير مواكل

و جرد من آرائه حين أضرمت # له الحرب حدا مثل حد المناصل

و سارت به بين القنابل و القني # عزائم كانت كالقنى و القنابل

رأوه إلى الهيجاء أول راكب # و تحت صبير الموت أول نازل

تسربل سربالا من الصبر و ارتدى # عليه بغضب في الكريهة قاصل

و قد ظللت عقبان اعلامه ضحى # بعقبان طير في الدماء نواهل

أقامت مع الرايات حتى كأنها # من الجيش إلا انها لم تقاتل

عشية صد البابكي عن القني # صدود المقالي لا صدود المجامل

فكان كشاة الرمل قيضه الردى # لقانصه من قبل بث الحبائل

فولى و ما أبقى الردى من حماته # له غير اسار الرماح الذوابل

و عاذ بأطراف المعاقل معصما # و أنسي ان الله فوق المعاقل

فتوح أمير المؤمنين تفتحت # لهن أزاهير الربى و الخمائل

و عادات نصر لم تزل تستعيدها # عصابة حق في عصابة باطل

و ما هو إلا الوحي أوحد مرهف # تميل ظباه اخدعي كل مائل

فهذا دواء الداء من كل عالم # و هذا دواء الداء من كل جاهل‏

و في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو عبد الله محمد بن طاهر قال لما دخل أبو تمام ابرشهر -و هي نيسابور و معنى ابرشهر بالفارسية بلد الغيم يراد به الخصب -هوي بها مغنية كانت تغني بالفارسية و كانت حاذقة طيبة الصوت فكان عبد الله كلما سال عنه أخبر انه عندها فنقص عنده و فيها يقول أبو تمام و في الديوان و قال و قد سمع مغنية تغني بالفارسية فاستحسن الصوت و لم يعرف المعنى.

أ يا سهري ببلدة ابرشهر # ذممت إلي نوما في سواها

شكرتك ليلة حسنت و طابت # أقام سرورها و مضى كراها

إذا و هدات أرض كان فيها # رضاك (هواك) فلا نحن إلى رباها

سمعت بها غناء كان اولى # بان يقتاد نفسي من غناها

و مسمعة تفوت السمع حسنا (3) # و لم تصممه لا يصمم صداها

مرت اوتارها فشجت و شاقت # فلو يستطيع سامعها فداها

و لم افهم معانيها و لكن # ورت كبدي فلم أجهل شجاها

فبت كأنني أعمى معنى # يحب الغانيات و ما يراها

قال الصولي و قد أحسن أبو تمام في هذه الأبيات ثم قال: قال ابن أبي طاهر قلت لأبي تمام أ عنيت أحدا بقولك:

فبت كأنني أعمى معنى‏

.

البيت فقال نعم عنيت بشار بن برد الضرير قال و أنا احسبه أراد قوله:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # و الاذن تعشق قبل العين أحيانا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم # الاذن كالعين توفي القلب ما كانا

____________

(1) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام عند شرح هذا البيت ضربه مثلا لنفسه و لشعره لما أنفذه إلى عبد الله و لم ينشده من فيه و هذا المعنى مبني على خبر يروى عن عمرو بن معديكرب كرب و ذلك انه لما شهر مضاء سيفه بين العرب طلبه منه بعض الملوك فأخذه فيقال انه ضرب به عنق بعير فلم يصنع شيئا فاحضر الملك عمروا و أخبره خبر السيف فقال عمرو أبيت اللعن اني أعطيتك السيف و لم أعطك الساعد و أخذ عمرو عمودا من حديد فلف عليه رداءه و جاءوه ببعير فوضع العمود على عنقه ثم ضربه بالسيف فقطع العمود و العنق فرد الملك السيف (اه) . -المؤلف-

(2) السلام بالكسر الحجارة الصلبة -المؤلف-

(3) (يحار السمع فيها) مح‏

471

و قال الصولي في أخبار أبي تمام : حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال مات ابنان صغيران لعبد الله بن طاهر في يوم واحد فدخل عليه أبو تمام فأنشده:

ما زالت الأيام تخبر سائلا # أن سوف تفجع مسهلا أو عاقلا (1)

فلما بلغ إلى قوله:

مجد تأوب طارقا حتى إذا # قلنا أقام الدهر أصبح راحلا

نجمان شاء الله ان لا يطلعا # الا ارتداد الطرف حتى يافلا

ان الفجيعة بالرياض نواضرا # لأجل منها بالرياض ذوابلا

لو ينسان (2) لكان هذا غاربا # للمكرمات و كان هذا كاهلا

لهفي على تلك المخايل فيهما # لو أمهلت حتى تكون شمائلا

لغدا سكونهما حجى و صباهما # حلما و تلك الاريحية نائلا

ان الهلال إذا رأيت نموه # أيقنت ان سيعود (سيصير) بدرا كاملا

قال فلما سمع هذا عبد الله و كان يتعنته كثيرا قال قد أحسنت و لكنك تؤسفني و ليس تعزيني فلما قال:

قل للأمير و ان لقيت موقرا # منه بريب الحادثات حلاحلا

ان ترز في طرفي نهار واحد # رزءين هاجا لوعة و بلابلا

فالثقل ليس مضاعفا لمطية # إلا إذا ما كان وهما (3) بازلا

شمخت خلالك ان يؤسيك امرؤ # أو ان تذكر ناسيا أو غافلا

الا مواعظ قادها لك سمحة # اسجاح لبك سامعا أو قائلا

قال الآن عزيت و أمر فكتبت القصيدة و وصله (اه) و هي قصيدة طويلة موجودة في الديوان . و في مرآة الجنان : في هذه السفرة ألف أبو تمام كتاب الحماسة و كان سبب ذلك انه لما وصل إلى همذان اشتد البرد فأقام ينتظر زواله و كان نزوله عند بعض الرؤساء بها و في دار ذلك الرئيس خزانة كتب فيها دواوين العرب و غيرها فتفرغ لها أبو تمام و طالعها و اختار منها ما ضمنه كتاب الحماسة (اه) أقول و ذلك عند رجوعه من خراسان و سياتي الكلام على ذلك عند ذكر مؤلفاته.

أخباره مع كتاب عبد الله بن طاهر

في الديوان قال يعتذر إلى إبراهيم و الفضل الطائيين كاتبي عبد الله بن طاهر عن تاخره عنهما بالمطر و كانا طائيين و يمدحهما (اه) و هذا يدلنا على ان العرب انتشروا في بلاد العجم بعد فكان منهم الكتاب و الأمراء كما كان منهم العلماء و الشعراء و الأدباء و غيرهم قال:

قولا لإبراهيم و الفضل الذي # سكنت مودته جنوب شغافي

منع الزيارة و الوصال سحائب # شم الغوارب جابة (4) الأكتاف

و علمت ما يلقي المرور إذا همت # من ممطر ذفر و طين خفاف

471 فجفوتكم و علمت في أمثالها # أن الوصول هو القطوع الجافي

و كأنما آثارها من مزنة # بالميث و الوهدات و الاخياف

آثار أيدي آل مصعب التي # بسطت بلا من و لا إخلاف

حتم عليك إذا حللت مغانهم # ان لا تراه عافيا من عافي

و كأنهم من برهم و حفائهم # بالمجتدي الأضياف للأضياف‏

و باقي أبياتها ذكرت في الصفات. و قال يمدح عبد الحميد بن غالب و الفضل بن محمد بن منصور و إبراهيم بن وهب كتاب عبد الله بن طاهر من قصيدة.

أ و ما رأيت منازل ابنة مالك # رسمت له كيف الزفير رسومها

آناؤها (5) و طلولها و نجادها # و وهادها و حديثها و قديمها

اني كشفتك ازمة باعزة # غر إذا غمر الأمور بهيمها

عبد الحميد لها و للفضل الربا (6) # فيها و مثل السيف ابراهيمها

حازوا خلائق قد تيقنت العلى # حق التيقن انهن نجومها

اخباره مع إسحاق بن إبراهيم المصعبي

المتوفى A8G سنة 235 و هو الأمير A8G إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين ولي بغداد أكثر من عشرين سنة. في أخبار أبي تمام للصولي حدثني أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد سمعت أبا علي الحسين يقول ما كان أحد أشغف بشعر أبي تمام من إسحاق بن إبراهيم المصعبي و كان يعطيه عطاء كثيرا. حدثنا أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى : حدثني أبي قال دخل أبو تمام على إسحاق بن إبراهيم فأنشده مدحا له و جاء إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى إسحاق مسلما عليه فلما استؤذن له قال له أبو تمام حاجتي أيها الأمير ان تامر إسحاق أن يستمع بعض قصائدي فيك فلما دخل قال له ذلك فجلس و أنشده عدة قصائد فاقبل إسحاق على أبي تمام فقال أنت شاعر مجيد محسن كثير الاتكاء على نفسك يريد انه يعمل المعاني-أي يخترعها-و كان إسحاق شديد العصبية للأوائل كثير الاتباع لهم (اه) و في أخبار أبي تمام للصولي ان أبا تمام مدح المعتصم بقصيدة فأمر له بدراهم كثيرة في صك أحاله به على إسحاق بن إبراهيم المصعبي قال أبو تمام فدخلت اليه بالصك و أنشدته مديحا له فاستحسنه و أمر لي بدون ما أمر لي به المعتصم قليلا و قال و الله لو أمر لك أمير المؤمنين بعدد الدراهم دنانير لأمرت لك بذلك و في الديوان : قال أبو تمام يمدح إسحاق بن إبراهيم و يذكر إيقاعه بالمحمر و أصحاب بابك و كانوا تواعدوا إلى موضع علم به فوقف لهم فيه فكل من جاء قتل و جزت أذنه حتى وجه إلى المعتصم بستين ألف أذن. و هذا ما نختاره من تلك القصيدة:

لإسحاق بن إبراهيم كف # كفت عافيه نوء المرزمين

و نورا سؤدد و حجى إذا ما # رأيتهما رأيت الشعريين

و مجد لم يدعه الجود حتى # اقام مناوئا للفرقدين

سل الجبل الممنع حين أفنى # عليه زخرفا نكد و مين

أزلت الشك عنهم حين رانت # ضلالتهم عليهم أي رين

فما أبقيت للسيف اليماني # شجى فيهم و لا الرمح الرديني

وقائع أشرقت منهن جمع # إلى خيفي منى فالموقفين‏

____________

(1) المسهل السالك أو النازل في السهل من الأرض و العاقل النازل بالمعقل .

(2) قال الصولي أنشده المبرد ينشان بالشين المعجمة و الذي اقرأنيه أبو مالك عون بن محمد الكندي و قال قرأته على أبي تمام ينسان بالمهملة أي لو يؤخران و هو الأجود عندي (اه)

(3) يقال جمل وهم إذا كان عظيم الخلق ذلولا -المؤلف-

(4) عريضة

(5) آناؤها جمع نؤي و هو ما يحفر حول الخيمة ليتسرب فيه الماء .

(6) أصل معنى الربا الفضل و الزيادة و منه الربا المحرم في الشرع . -المؤلف-

472

ثوى بالمشرقين لها ضجاج # أطار قلوب أهل المغربين

محوت بها وقائع من ملوك # و كن و قد ملأن الخافقين

و لكن أكرتنا # و مشتجر الأسنة في

رددت الدين و هو قرير عين # بها و الكفر و هو سخين عين

ألا ان الندى أضحى أميرا # على مال الأمير أبي الحسين

إذا يده لنائله استهلت # فويل للنضار و للجين

نوالك رد حسادي فلولا # و أصلح بين أيامي و بيني‏

و من مدائح أبي تمام في إسحاق قوله من قصيدة:

إذا المكارم عقت و استخف بها # أضحى السدي و الندى أما له و أبا

ترضى السيوف به في الروع منتصرا # و يغضب الدين و الدنيا إذا غضبا

في مصعبيين ما لاقوا مريد ردى # للملك إلا أعادوا خده تربا

و قال أبو تمام يمدح إسحاق بن إبراهيم بالقصيدة الآتية و قدم اليه قبلها هذه الأبيات:

ألا يا أيها الملك المعلى # إذا بعض الملوك غدا منيحا (1)

أعر شعري الاصاخة منك يرجع # طوال الدهر بارحه سنيحا (2)

أعره باستماعكه محلا # يفوت علوه الطرف الطموحا

فلم أمدحك تفخيما لشعري # و لكني مدحت بك المديحا

و القصيدة هذا مختارها:

أظله البين حتى انه رجل # لو مات من شغله بالبين ما علما

أما و قد كتمتهن الخدور ضحى # فابعد الله دمعا بعدها اكتتما

لما استحر الوداع المحض و انصرمت # أواخر الصبر إلا كاظما و جما

رأيت أحسن مرئي و أقبحه # مستجمعين لي التوديع و العنما

إن الخليفة لما صال كنت له # خليفة الموت فيمن جار أو ظلما

و (3) و الألباب طائرة # لو لم تكن حامي الإسلام ما سلما

أضحكت منهم ضباع القاع ضاحية # بعد العبوس و أبكيت السيوف دما

بكل صعب الذري من مصعب يقظ # ان حل متئدا أو سار معتزما

يضحي على المجد مأمونا إذا اشتجرت # سمر القنا و على الأرواح متهما

أمطرتهم عزمات لو رميت بها # يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما

إذا هم نكصوا كانت لهم عقلا # و إن هم جمحوا كانت لهم لجما

أطعت ربك فيهم و الخليفة قد # أرضيته و شفيت العرب و العجما

تركتهم سيرا لو انها كتبت # لم تبق في الأرض قرطاسا و لا قلما

فخرا بني مصعب فالمكرمات بكم # عادت رعانا و كانت قبلكم أكما

تقول إن قلتم لا لا مسلمة # لقولكم و نعم إن قلتم نعما

أبو الحسين ضياء لامع و هدى # ما خام في مشهد يوما و لا سئما

إذا أتى بلدا أجلت خلائقه # عن أهله الأنكدين الخوف و العدما

و قال يمدحه من قصيدة:

أما الهوى فهو العذاب فان جرت # فيه النوى فأليم كل أليم

472 لا و الطلول الدارسات اليه # من معرق في العاشقين صميم

ما حاولت عيني تأخر ساعة # بالدمع مذ صار الفراق غريمي

طلبتك من نسل الجديل و شدقم # كوم عقائل من عقائل كوم

فاصبن بحر نداك غير مصرد # وردا و أم نداك غير عقيم

غاديتهم بالمشرقين بوقعة # صدعت صواعقها جبال الروم

إن المنايا طوع بأسك و الوغى # ممزوج كاسك من ردى و كلوم

و الحرب تركب رأسها في مشهد # عدل السفيه به بالف حليم

في ساعة لو أن لقمانا بها # و هو الحكيم لكان غير حكيم

و لقد نكون و لا كريم نناله # حتى نخوض اليه ألف لئيم

و يد يظل المال يسقط كيده # فيها سقوط الهاء في الترخيم

قل للخطوب إليك عني انني # جار لإسحاق بن إبراهيم

و قال يعرض به لأنه حجبه من أبيات:

كادت لعرفان النوى ألفاظها # من رقة الشكوى تكون دموعا

منها:

متسربلا حلق المكارم انها # جعلت لاعراض الكرام دروعا

و محجب حاولته فوجدته # نجما على الركب العفاة شسوعا

لما عدمت نواله اعدمته # شكري و رحنا معدمين جميعا

اخباره مع القاضي احمد بن أبي دؤاد

كان ابن أبي دؤاد فصيحا مفوها و شاعرا جوادا ممدحا و كان قاضي القضاة للمعتصم و ابنه الواثق و قد مدحه أبو تمام و أخذ جوائزه ثم غضب عليه فما زال يستعطفه و يعتذر اليه حتى رضي عنه كما ياتي تفصيله و لأبي تمام معه أخبار حسان و هو الذي أوصله إلى المعتصم و قرضه عنده. في أخبار أبي تمام للصولي حدثني أبو بكر الخراساني حدثني علي الرازي قال شهدت أبا تمام و غلام له ينشد ابن أبي دؤاد :

لقد أنست مساوئ كل دهر # محاسن أحمد بن أبي دؤاد

و ما سافرت في الآفاق إلا # و من جدواك راحلتي و زادي

مقيم الظن عندك و الأماني # و إن قلقت ركابي في البلاد

فقال له يا أبا تمام أ هذا المعنى الأخير مما اخترعته أو أخذته فقال هو لي و قد ألممت فيه بقول أبي نواس :

و ان جرت الألفاظ منا بمدحة # لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني‏

و في مرآة الجنان و تاريخ ابن خلكان في ترجمة ابن أبي دؤاد انه دخل أبو تمام عليه يوما و قد طالت الأيام في الوقوف ببابه و لا يصل اليه فعتب عليه مع بعض أصحابه فقال له ابن أبي دؤاد أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال انما يعتب على واحد و أنت الناس فكيف يعتب عليك فقال له من أين لك هذا يا أبا تمام فقال من قول الحاذق يعني أبا نواس للفضل بن الربيع

ليس من الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد

و في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالزائر حدثني أبي قال دخل أبو تمام على أحمد بن أبي دؤاد و قد كان عتب عليه في شي‏ء فاعتذر اليه و قال أنت الناس كلهم و لا طاقة لي بغضب جميع الناس فقال له ابن أبي دؤاد ما أحسن هذا فمن أين أخذته قال من

____________

(1) المعلى و المنيح من سهام الميسر و المعلى أفضلها إذا فاز حاز سبعة أنصباء و المنيح السهم الذي لا نصيب له . -المؤلف-

(2) البارح و البريح الصيد يمر من ميامنك إلى مياسرك (و السنيح و السانح) بالعكس و كانت العرب تتشاءم بالبارح و تتفاءل بالسانح . -المؤلف-

(3) في معجم البلدان : خيرج بفتح أوله و بعد الراء المهملة جيم موضع (اه) -المؤلف-

473

قول أبي نواس و ذكر البيت قال ابن خلكان و مدحه أبو تمام أيضا بقصيدته التي أولها:

أ رأيت أي سوالف و خدود # عنت لنا بين اللوى فزرود

و ما الطف قوله فيها و في مرآه الجنان : ما الطف و أبدع و أبلغ و أبرع قوله فيها:

و إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود

لو لا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود

و في الأغاني بسنده عن إسحاق بن يحيى الكاتب قال قال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد بلغني أنك أعطيت أبا تمام الطائي في قصيدة مدحك بها ألف دينار قال لم أفعل ذلك يا أمير المؤمنين و لكني أعطيته خمسمائة دينار رعاية للذي قاله للمعتصم .

فاشدد بهارون الخلافة انه # سكن لوحشتها و دار قرار

و لقد علمت بان ذلك معصم # ما كنت تتركه بغير سوار

فتبسم و قال انه لحقيق بذلك. و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو علي الحسين بن يحيى الكاتب حدثني محمد بن عمرو الرومي قال ما رأيت قط أجمع رأيا من ابن أبي دؤاد و لا احضر حجة قال له الواثق يا أبا عبد الله رفعت إلي رقعة فيها كذب كثير قال ليس بعجيب ان أحسد على منزلتي من أمير المؤمنين فيكذب علي قال زعموا فيها انك وليت القضاء رجلا ضريرا قال قد كان ذاك و كنت عازما على عزله حين أصيب ببصره فبلغني عنه انه عمي من كثرة بكائه على أمير المؤمنين المعتصم فحفظت له ذاك (و هذا يدل على ان النفاق قديم العهد في بني آدم) قال و فيها انك أعطيت شاعرا ألف دينار قال ما كان ذاك و لكني أعطيته دونها و قد أثاب رسول الله ص كعب بن زهير الشاعر و قال في آخر اقطع عني لسانه و هو شاعر مداح لأمير المؤمنين محسن و لو لم ارع له الا قوله للمعتصم ص في أمير المؤمنين أعزه الله‏

(فاشدد بهارون الخلافة)

البيتين المتقدمين. فقال قد وصلته بخمسمائة دينار. و في الكتاب المذكور: حدثني أحمد بن إبراهيم حدثني محمد بن روح الكلابي قال نزل علي أبو تمام الطائي فحدثني انه امتدح المعتصم بسر من رأى بعدفذكره ابن أبي دواد للمعتصم فقال له أ ليس الذي أنشدنا بالمصيصة (1) الأجش الصوت قال يا أمير المؤمنين ان معه راوية حسن النشيد-كأنه فهم من المعتصم عدم استحسانه إنشاده لأنه أجش الصوت فقال له معه راوية حسن النشيد-فاذن له فأنشده راويته مدحه له-و لم يذكر القصيدة-فأمر له بدراهم كثيرة و صك على إسحاق بن إبراهيم المصعبي قال أبو تمام فدخلت اليه بالصك و أنشدته مديحا له فاستحسنه و امر لي بدون ما أمر لي به المعتصم قليلا و قال و الله لو 473 امر لك أمير المؤمنين بعدد الدراهم دنانير لأمرت لك بذلك. و في مرآة الجنان و تاريخ ابن خلكان و هبة الأيام لما ولي ابن أبي دؤاد المظالم قال أبو تمام يمدحه و يتظلم اليه من قصيدة:

أ لم يان ان تروي الظماء الحوائم # و ان ينظم الشمل المبدد ناظم

لئن أرقا الدمع الغيور (2) و قد جرى # لقد رويت منه الخدود النواعم

كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى # و لكن أملته عليه الحمائم

بعثن الهوى في قلب من ليس هائما # فقل في فؤاد رعنه و هو هائم

لها نغم ليست دموعا فان علت # مضت حيث لا تمضي الدموع السواجم

أما و أبيها لو رأتني لأيقنت # بطول جوى تنقض منه الحيازم

رأت قسمات قد تقسم نضرها # سرى الليل و الاساد فهي سواهم

و تلويح أجسام تصدع تحتها # قلوب رياح الشوق فيها سمائم

و لم أر كالمعروف تدعى حقوقه # مغارم في الأقوام و هي مغانم

و لا كالعلى ما لم ير الشعر بينها # فكالأرض غفلا ليس فيها معالم

إلى احمد المحمود أمت بنا السري # نواعب في عرض الفلا و رواسم

نجائب قد كانت نعائم مرة # من المر أو أماتهن نعائم

إلى سالم الأخلاق من كل عائب # و ليس له مال على الجود سالم

جدير بان لا يصبح المال عنده # جديرا بان يبقى و في الأرض غارم

و ليس ببان للعلى خلق امرئ # و ان جل الا و هو للمال هادم

له من أياد قمة المجد حيثما # سمت و له منها البنى و الدعائم

أناس إذا راحوا إلى الروع لم ترح # مسلمة أسيافهم و الجماجم

بنو كل مشبوح الذراع إذا القنا # ثنت أذرع الابطال و هي معاصم (3)

إذا سيفه اضحى على الهام حاكما # غدا العفو منه و هو في السيف حاكم

و لو علم الشيخان أد و يعرب # لسرت إذا تلك العظام الرمائم

تلاقى بك الحيان في كل محفل # جليل و عاشت في ذراك العماعم (4)

ثم أخذ في الشكوى و التظلم اليه فقال:

فما بال وجه الشعر أسود قاتما # و انف العلى من عطلة الشعر راغم

تداركه ان المكرمات أصابع # و ان حلى الاشعار فيها خواتم (5)

إذا أنت ضيعت القريض و أهله # فلا عجب ان ضيعته الأعاجم (6)

فقد هز عطفيه القريض توقعا # لعدلك إذ صارت إليك المظالم

و لو لا خلال سنها الشعر ما درى # بغاة العلى من أين تؤتى المكارم‏

و من مدائح أبي تمام في ابن أبي دؤاد قوله:

أ أحمد ان الحاسدين كثير # و ما لك ان عد الكرام نظير

حللت محلا فاضلا متقادما # من الفضل و الفخر القديم فخور

فكل قوي أو غني فإنه # إليك و لو نال السماء فقير

إليك تناهى المجد من كل وجهة # تصير فما يعدوك حيث تصير

و بدر أياد أنت لا ينكرونه # كذاك اياد للأنام بدور

تجنبت ان تدعى الأمير تواضعا # و أنت لمن يدعى الأمير أمير

فما من ندى الا إليك محله # و ما رفقة الا إليك تسير

و في اخبار أبي تمام للصولي : دخل أبو تمام على احمد بن أبي دؤاد و قد شرب دواء فأنشده:

أعقبك الله صحة البدن # ما هتف الهاتفات في الغصن

كيف وجدت الدواء أوجدك الله # شفاء به مدى الزمن

لانزع الله منك صالحة # أبليتها من بلائك الحسن‏

____________

(1) المصيصة كسفينة بلدة بالشام و لا تشدد. -المؤلف-

(2) أراد به الرقيب الغيور الذي أوجب أن يرقا الدمع مخافة منه. -المؤلف-

(3) أي و هي كالمعاصم في القصر جبنا و هيبة.

(4) العماعم الجماعات المتفرقون .

(5) حلي الشعر (خ)

(6) في نسخة بدل هذا البيت هكذا:

إذا أنت لم تحفظه لم يك بدعة # و لا عجبا ان ضيعته الأعاجم‏

-المؤلف-

474

لا زلت تزهى بكل عافية # مجنبا من معارض الفتن

ان بقاء الجواد احمد في # أعناقنا منة من المنتن

لو ان أعمارنا تطاوعنا # شاطره العمر سادة اليمن

و من مدائحه في ابن أبي دؤاد قصيدته الضادية المشهورة التي هي على روي قصيدة بشار و وزنها التي أولها:

غمض الجديد بصاحبيك فغمضا # و بقيت تطلب في الحبالة مركضا

و عارض البحتري فيها أبا تمام فقال قصيدة أولها:

ترك السواد للابسيه و بيضا # و نضا من الستين عنه ما نضا

و قد ذكرنا القصائد الثلاث في الجزء الثالث من معادن الجواهر و قصيدة أبي تمام هي هذه.

أهلوك أمسوا شاخصا و مقوضا # و مزمما يصف النوى و مغرضا

إن يدج ليلك انهم أم اللوى # فبما أضاءهم على ذات الاضا

بدلت من برق الثغور و بردها # برقا إذا ظعن الأحبة أو مضا

لو كان أبغض قلبه فيما مضى # أحد لكنت إذا لقلبي مبغضا

قل الغضى لا شك في أوطانه # مما حشدت عليه من جمر الغضى

ما أنصف الزمن الذي بعث الهوى # فقضى علي بلوعة ثم انقضى

عندي من الأيام ما لو انه # أضحى بشارب مرقد ما غمضا

ما عوض الصبر امرؤ الا رأى # ما فاته دون الذي قد عوضا

لا تطلبن الرزق بعد شماسه # فترومه سيحا إذا ما غيضا

يا أحمد بن أبي دؤاد دعوة # دلت بشكرك لي و كانت ريضا

لما انتضيتك للخطوب كفيتها # و السيف لا يكفيك حتى ينتضى

ما زلت أرقب تحت أفياء المنى # يوما بوجه مثل وجهك أبيضا

كم محضر لك مرتضى لم تدخر # محموده عند الامام المرتضى

لولاك عز لقاؤه فيما بقي # أضعاف ما قد عزني فيما مضى

قد كان صوح نبت كل قرارة # حتى تروح في ثراك و روضا

أوردتني العد الخسيف و قد أرى # اتبرض الثمد البكي تبرضا (1)

أما القريض فقد جذبت بضبعه # جذب الرشاء مصرحا و معرضا

أحببته إذ كان فيك محببا # و ازددت حبا حين صار مبغضا

أحييته و لخلت أني لا أرى # شيئا يعود إلى الحياة و قد قضى

و حملت عب‏ء الدهر معتمدا على # قدم وقاك امينها ان تدحضا

حملا لو ان متالعا حمل اسمه # لا جسمه لم يستطع أن ينهضا

قد كانت الحال اشتكت فاسوتها # اسوا أبى امراره أن ينقضا

ما عذرها أن لا تفيق و لم تزل # لمريضها بالمكرمات ممرضا

كن كيف شئت فان فيك خلائقا # أضحى إليك بها الرجاء مفوضا

المجد لا يرضى بان ترضى بان # يرضى امرؤ يرجوك إلا بالرضا

و من مدائحه في ابن أبي دؤاد قوله من قصيدة.

أعرضت برهة فلما أحست # بالنوى أعرضت عن الاعراض

غصبتها دموعها عزمات # غصبتني تصبري و اغتماضي

نظرت فالتفت منها إلى أحلى # سواد رأيته في بياض

474 يوم ولت مريضة الطرف و اللحظ # و ليست جفونها بمراض

و إلى احمد نقضت عرى العجز # بوخد السواهم الأنقاض

حل في البيت من أياد إذا عدت # و في المنصب الطوال العراض

معشر أصبحوا حصون المعالي # و دروع الاحساب و الاعراض

بك عاد النضال دون المساعي # و اهتدين النبال للأغراض

و إذا المجد كان عوني على المرء # تقاضيته بترك النقاضي‏

و قال يعاتب احمد بن أبي دؤاد من أبيات:

و كم نكبة ظلماء تحسب ليلة # تجلى لنا من راحتيك نهارها

فلا جارك العافي تناول محلها # و لا عرضك الوافي تناول عارها

فلا تمكنن المطل من ذمة الندى # فبئس أخو الايدي الغزار و جارها

فان الايادي الصالحات كبارها # إذا وقعت تحت المطال صغارها

و ما نفع من قد بات بالأمس صاديا # إذا ما سماء اليوم طال انهمارها

و ما النفع بالتسويف إلا كخلة # تسليت عنها حين شط مزارها

و خير عدات الحر مختصراتها # كما ان خيرات الليالي قصارها

غضب ابن أبي دؤاد على أبي تمام و اعتذار أبي تمام اليه)

كان السبب في ذلك على ما حكي عن ابن المستوفي في شرح ديوان أبي تمام ان ابن أبي دؤاد بلغه أن أبا تمام هجا مضرا بقوله‏

(تزحزحي عن طريق المجد يا مضر )

و في هبة الأيام أنه بلغه أن أبا تمام قال في أبي سعيد محمد بن يوسف الغزواني الصامتي الطائي صاحب حميد الطوسي و لا توجد في الديوان .

تزحزحي عن طريق العز يا مضر # هذا ابن يوسف ما يبقي و ما يذر

هو الهزبر الذي في الغاب مسكنه # و آل عدنان في أرضيهم بقر

له حسام من الرأي الأصيل إذا # ما سله جاءت الأيام تعتذر

عضب المضارب اما نكبة طرقت # ماض صياقله الاطراق و الفكر

و انما يمن نور تضي‏ء لكم # كما يضي‏ء لأهل الظلمة القمر

لو لا سيوف بني قحطان ما قرئت # بين الصفا و حطيمي زمزم السور

و لا أحل حلال الله في بلد # من الأنام و لا حجوا و لا اعتمروا

و قيل كان السبب في ذلك أنه فخر على مضر و عاب نفرا منها، قال الصولي في أخبار أبي تمام : حدثني عون بن محمد حدثني محمود الوراق قال كنت جالسا بطرف الحير حير سر من رأى و معي جماعة لننظر إلى الخيل فمر بنا أبو تمام فجلس إلينا فقال له رجل منا: يا أبا تمام أي رجل أنت لو لم تكن من اليمن قال له أبو تمام ما أحب أني لغير الموضع الذي اختاره الله لي فممن تحب ان أكون قال من مضر فقال أبو تمام انما شرفت مضر بالنبي ص و لو لا ذلك ما قيسوا بملوكنا و فينا كذا و فينا كذا ففخر و ذكر أشياء عاب بها نفرا من مضر و نمي الخبر إلى ابن أبي دؤاد فقال ما أحب أن يدخل إلي أبو تمام فليحجب عني . و قيل كان السبب في ذلك أن الشعراء مدحوا الأفشين و منهم أبو تمام و محمد بن وهيب الحميري فأمر المعتصم لهم بمال و أن يكون تفريقه على يد ابن أبي دؤاد ففضل محمد بن وهيب على أبي تمام في العطاء فهجاه أبو تمام و بلغه ذلك فغضب عليه. و في هبة الأيام لما قدم الافشين بعد ان فتح بلاد بابك الخرمي امتدحه الشعراء منهم أبو تمام فمدحه بقوله من قصيدة:

بحر من الهيجاء يهفو ماله # إلا الجناجن و الضلوع سفين

ملك تضي‏ء المكرمات إذا بدا # للملك منه غرة و جبين‏

____________

(1) العد الماء الثابت و الخسيف البئر الثمد الماء القليل و البكي البئر القليلة الماء و تبرض الشي‏ء اخذه قليلا قليلا .

475

ساس الأمور سياسة ابن تجارب # رمقته عن الملك و هو جنين

لانت مهانته فعز و انما # يشتد بأس الرمح حين يلين

لاقاك بابك و هو يزأر فانثنى # و زئيره قد عاد و هو أنين

لاقى شكائم منك معتصمية # اهزلن جنب الكفر و هو سمين

أوسعتهم ضربا تهد به الطلي # و يخف منه المرء و هو ركين

ضربا كاشداق المخاض و تحته # طعن كان و جاءه طاعون

بأس تفل به الصفوف و تحته # رأي تفل به العقول رزين

عبا الكمين له فضل لحينه # و كمينه المخفي عليه كمين

طعن التلهف قلبه ففؤاده # من غير طعنة فارس مطعون

و رجا بلاد الروم فاستعصى به # أجل أصم عن الرجاء حرون

هيهات لم يعلم بانك لو ثوى # بالصين لم تبعد عليك الصين

ما نال ما قد نال هامان و لا # فرعون في الدنيا و لا قارون

بل كان كالضحاك في سطواته # بالعالمين و أنت أفريذون

فليشكر الإسلام ما أوليته # و الله عنه بالوفاء ضمين‏

و منهم محمد بن وهيب الحميري فمدح الأفشين بقصيدة أولها:

طلول و مغانيها # تناجيها و تبكيها

فأمر المعتصم للشعراء الذين مدحوا الأفشين بثلاثمائة ألف درهم و أمر أن يكون تفريقها على يد أحمد بن أبي دؤاد فاعطى منها محمد بن وهيب ثلاثين ألفا و أعطى أبا تمام عشرة آلاف فتحدث الناس في ذلك قال ابن أبي كامل قلت لعلي بن يحيى المنجم ما هذا الحظ يعطي أبا تمام عشرة آلاف درهم و ابن وهيب ثلاثين ألفا و بينهما ما بين السماء و الأرض فقال فقال لذلك علة لا تعرفها كان ابن وهيب مؤدب الفتح بن خاقان فلذلك وصل إلى هذه الحال و كانت هذه القضية قد أثرت في أبي تمام فقال في ابن أبي دؤاد . و لا توجد في الديوان .

بدعة أحدثت خلاف الرشاد # تعسها قائد إلى الجور هاد

نبطي بالأمس أحدث آباء # خلاف الآباء و الأجداد

يا وسيطا في نابط و بنيه # و بريئا من عامر و مراد

أنت فيما فعلت أجرأ من عمرو # جنانا و الحارث بن عباد (1)

قلت إني صليبة من أياد (2) # من أياد ففي حرام أياد

فبلغ ذلك ابن أبي دؤاد و زعم أبو تمام أنه مقول على لسانه و استشفع بخالد بن يزيد الشيباني فعفا عنه اه و يمكن ان يكون غضب ابن أبي دؤاد على أبي تمام من مجموع الأمور المتقدمة.

اعتذار أبي تمام إلى ابن أبي دؤاد و رضاه عنه‏

مر أنه تبرأ من الأبيات التي نسبت اليه في هجوه و زعم أنها مقولة على لسانه و أن خالد بن يزيد شفع فيه فعفا عنه و مما قاله أبو تمام يمدح ابن أبي 475 داؤاد دؤاد و يعتذر اليه قوله من قصيدة:

سعدت غربة النوى بسعاد # فهي طوع الاتهام و الأنجاد

فارقتنا فللمدامع انواء # سوار على الخدود غوادي

كل يوم يسفحن دمعا طريفا # يمتري مزنه بشوق تلاد

واقعا بالخدود و الحر منه # واقع بالقلوب و الأكباد

يقول فيها:

يا أبا عبد الله أوريت زندا # في يدي كان دائم الاصلاد

أنت جبت الظلام عن سبل الآمال # إذ ضل كل هاد و حاد

و ضياء الآمال أفسح في الطرف # و في القلب من ضياء البلاد

ثم وصف قوما لزموا ابن أبي دؤاد و انه أخص به مع ذلك منهم فقال:

لزموا مركز الندى و ذراه # وعدتنا عن مثل ذاك العوادي

غير أن الربى إلى سبل الأنواء # أدنى و الحظ حظ الوهاد

بعد ما أصلت الوشاة سيوفا # قطعت في و هي غير حداد

من أحاديث حين دوختها # بالرأي كانت ضعيفة الاسناد

فنفى عنك زخرف القول سمع # لم يكن فرصة لغير السداد

ضرب الحلم و الوقار عليه # دون عور الكلام بالأسداد

و حوان أبت عليها المعالي # إن تسمى مطية الأحقاد

قال الصولي : و قد أفصح عما قرف به (يعني من هجو مضر كما يدل عليه قوله الآتي باني نلت من مضر ) و اعتذر منه إلى ابن أبي دؤاد فقال من قصيدة قال: و هو عندي من أحسن الاعتذار.

سقى عهد الحمى سبل العهاد # و روض حاضر منه و باد

نزحت به ركي العين اني # رأيت الدمع من خير العتاد

يقول فيها:

بزهر و الحذاق و آل برد (3) # ورت في كل صالحة زنادي

فان يك في بني أدد جناحي # فان اثبت ريشي من أياد

هم عظمى الاثافي من نزار # و أهل الهضب منها و النجاد

غدوت بهم أجل الناس قدرا # و أكثر من ورائي ماء واد

تفرج منهم الغمرات بيض # جلاد تحت قسطلة الجلاد

لهم جهل السباع إذا المنايا # تمشت في القنا و حلوم عاد

لقد انست مساوئ كل دهر # محاسن احمد بن أبي دؤاد

متى تحلل به تحلل جنايا # رضيعا للسواري و الغوادي

ترشح نعمة الأيام فيه # و تقسم فيه أرزاق العباد

و ما اشتبهت طريق المجد الا # هداك لقبلة المعروف هاد

و ما سافرت في الآفاق الا # و من جدواك راحلتي و زادي

مقيم الظن عندك و الأماني # و ان قلقت ركابي في البلاد

اتاني عائر الأنباء تسري # عقاربه بداهية ناد (4)

نثا خبر كان القلب أمسى # يجر به على شوك القتاد

كان الشمس جللها كسوف # أو استترت برجل من جراد

باني نلت من مضر و خبت # إليك شكيتي خب الجواد

و ما ربع القطيعة لي بربع # و لا نادي الأذى منى بناد

و أين يحور عن قصد لساني # و قلبي رائح برضاك غاد

و مما كانت الحكماء قالت # لسان المرء من خدم الفؤاد

____________

(1) عمرو هو ابن معد يكرب الزبيدي (و الحارث) بن عباد هو رئيس بكر و له أخبار كثيرة في

(2) حذف المبتدأ هنا تفاديا من ذكره في مقام الشتم كما قال الفرزدق :

ففي است أبي الحجاج و است # عجوزه عتيد بهم ترتعي بوهاد

(3) هذه القبائل الثلاث من أياد و أياد قبيلة ابن أبي دؤاد و حذاقة هم رهط ابن أبي دؤاد و عن التبريزي في شرح ديوان أبي تمام أن حذاق جمع حذاقي كما يقال روم و رومي و زنج و زنجي

(4) العائر الخبر لا يدري أصله (و ناد) شديدة .

476

لقد جازيت بالإحسان سوءا # إذا و صبغت عرفك بالسواد

و سرت أسوق عير القوم حتى # انخت الكفر في دار الجهاد

و ليست رغوتي من فوق مذق # و لا جمري كمين في الرماد

تثبت ان قولا كان زورا # اتى النعمان قبلك عن زياد (1)

إليك بعثت أبكار المعاني # يليها سائق عجل و حاد

شداد الأسر سالمة النواحي # من الإقواء فيها و السناد

يذللها بذكرك قرن فكر # إذا حرنت فتسلس في القياد

منزهة عن السرق المورى # مكرمة عن المعنى المعاد

تنصل ربها من غير جرم # إليك سوى النصيحة و الوداد

و من يأذن إلى الواشين تسلق # مسامعه بالسنة حداد

قال الصولي : و طال غضب ابن أبي دؤاد فما رضي عنه حتى شفع فيه خالد بن يزيد الشيباني فعمل قصيدة يمدح ابن أبي دؤاد و يذكر شفاعة خالد بن يزيد اليه و أغمض مواضع منها في اعتذاره فما فسرها أحد قط و انما سنح لي استخراجها لحفظي للأخبار التي أوما إليها (اه) و في هبة الأيام لما انشد أبو تمام هذه القصيدة-يعني قوله‏

سقى عهد الحمى سبل العهاد

- لابن أبي دؤاد و لم يقبل عذره عمل القصيدة الآتية التي أولها-

أ رأيت اي سوالف و خدود

-يعتذر اليه أيضا و يستشفع بخالد بن يزيد الشيباني و حرص على ان يسمعها منه و كتب اليه امامها هذه الأبيات.

أ أحمد ان الحاسدين شهود (حشود) # و ان مصاب المزن حيث تريد

476 فلا تبعدن مني قريبا فطالما # طلبت فلم تبعد و أنت بعيد

أصخ تستمع حر القوافي فإنها # كواكب الا انهن سعود

و لا تمكن الأخلاق منها فإنما # يلذ لباس البرد و هو جديد

فلما سمع الأبيات استدعاه فأنشده.

أ رأيت اي سوالف و خدود # عنت لنا بين اللوى فزرود

بيضاء يصرعها الصبي عبث الصبا # أصلا بخوط البانة الأملود

وحشية ترمي القلوب إذا اغتدت # و سنى فما تصطاد غير الصيد

لا حزم عند مجرب فيها و لا # جبار قوم عندها بعنيد

ظعنوا فكان بكاي حولا بعدهم # ثم ارعويت و ذك ذاك حكم لبيد (2)

أجدر بجمرة لوعة اطفاؤها # بالدمع ان تزداد طول وقود

عامي و عام العيس بين وديقة # مسجورة و تنوفة صيهود (3)

حتى أغادر كل يوم بالفلا # للطير عيدا من بنات العيد (4)

هيهات منها روضة محمودة # حتى تناخ بأحمد المحمود

بمعرس العرب الذي وجدت به # امن المروع و نجدة المنجود

حلت عرى اثقالها و حمولها # أبناء إسماعيل فيه و هود (5)

أمل أناخ بهم وفودا فاغتدوا # من عنده و هم مناخ وفود

بدأ الندى و أعاده فيهم و كم # من مبدئ للعرف غير معيد

و منحتني ودا حميت ذماره # و ذمامه من هجرة و صدود

و لكم عدو قال لي متمثلا # كم من ودود ليس بالمودود

اضحت اياد في معد كلها # و هم اياد بنائها الممدود (6)

تنميك في قلل المكارم و العلى # زهر لزهر ابوة و جدود

ان كنتم عادي ذاك النبع ان # نسبوا و فلقة ذلك الجلمود

و شركتموهم دوننا فلأنتم # شركاؤنا من دونهم في الجود

كعب و حاتم اللذان تقسما # خطط العلى من طارف و تليد (7)

هذا الذي خلف السحاب و مات إذا # في الجود ميتة خضرم صنديد (8)

ان لا يكن فيها الشهيد فقومه # لا يسمحون به بالف شهيد (9)

ما قاسيا في المجد الا دون ما # قاسيته في العدل و التوحيد (10)

فاسمع مقالة زائر لم تشتبه # آراؤه عند اشتباه البيد (11)

يستام بعض القول منك بفعله # كملا و عفو رضاك بالمجهود (12)

اسرى طريدا للحياة من التي # زعموا و ليس لرهبة بطريد

ثم أشار إلى شفاعة خالد بن يزيد الشيباني له كما أشير اليه في اخباره مع خالد بن يزيد فقال:

كنت الربيع أمامه و وراءه # قمر القبائل خالد بن يزيد

فالغيث من زهر سحابة رأفة # و الركن في شيبان طود حديد (13)

و غدا تبين ما براءة ساحتي # لو قد نفضت تهائمي و نجودي

هذا الوليد رأى التثبت بعد ما # قالوا يزيد بن المهلب مود (14)

فتزحزح الزور المؤسس (الموسوس) # عنده و بناء هذا الافك غير مشيد

و تمكن ابن أبي سعيد من حجى # ملك بشكر بني الملوك سعيد (15)

ما خالد لي دون أيوب و لا # عبد العزيز و لست دون وليد

نفسي فداؤك اي باب ملمة # لم يرم فيه إليك بالاقليد (16)

لما اظلتني غمامك أصبحت # تلك الشهود علي و هي شهودي

من بعد ما ظنوا بان سيكون لي # يوم ببغيهم كيوم عبيد (17)

نزعوا بسهم قطيعة يهفو به # ريش العقوق فكان غير سديد

____________

(1) النعمان هو ابن المنذر (و زياد ) هو النابغة الذبياني و كان بلغه عنه انه يشبب بامرأته أو غير ذلك فاعتذر اليه فقبل عذره‏

(2) إشارة إلى قول لبيد

(و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر)

(3) الوديقة شدة الحر (و الصيهود) الفلاة لا ينال ماؤها .

(4) بنات العيد النجائب تنسب إلى العيد فحل معلوم .

(5) أبناء إسماعيل معد بن عدنان و أبناء هود اليمن

(6) اياد الأولى قبيلة الممدوح و الثانية ما يعمد به البناء

(7) كعب هو ابن مامة الايادي آثر رفيقه على نفسه بالماء حتى هلك عطشا.

(8) الذي خلف السحاب حاتم من قبيلة أبي تمام و الذي مات في الجود كعب بن مامة من قبيلة الممدوح.

(9) المراد به حاتم و في ذلك تفضيل له على ابن مامة و لعل ذلك لا يرضي ابن أبي دؤاد فكيف قاله أبو تمام .

(10) إشارة إلى القول بعدم جواز الظلم عليه تعالى و ان العبد غير مجبور على أفعاله و غير ذلك و يفهم منه ان الممدوح كان على رأي المأمون و المعتصم في هذه الأمور.

(11) اي لم تشتبه آراؤه في قصدك عند اشتباه البيد عليه.

(12) اي يطلب ثمنا لفعله هذا كله بعض القول منك الدال على قبوله و يطلب بمجهوده رضاك عنه.

(13) زهر قبيلة احمد بن أبي دؤاد و شيبان قبيلة خالد بن يزيد .

(14) قال الصولي يعني الوليد بن عبد الملك لما هرب يزيد بن المهلب من حبس الحجاج و استجار بسليمان بن عبد الملك و كتب الحجاج في قتله إلى الوليد فلم يزل سليمان بن عبد الملك و عبد العزيز بن الوليد يكلمانه فيه فقال لا بد من ان تسلموه إلي ففعل سليمان ذلك و وجه معه بأيوب ابنه فقال لا تفارق يدك يده فان أريد بسوء فادفع عنه حتى تقتل دونه و كان أبوه المهلب واليا على خراسان فمات و اوصى إلى ابنه يزيد فوشى به الحجاج إلى الوليد فعزله و قدم يزيد على الحجاج فحبسه و عذبه ثم هرب من حبسه .

(15) قال الصولي ( ابن أبي سعيد ) يعني به يزيد بن المهلب لان كنية المهلب أبو سعيد (من حجى ملك) يعني سليمان بن عبد الملك (بشكر بني الملوك) يعني آل المهلب و ان سليمان يسعد باقي الدهر بشكرهم له .

(16) الاقليد المفتاح .

(17) قال الصولي يعني عبيد بن الأبرص لقي النعمان في يوم بؤسه و هو يوم كان يركب فيه فلا يلقاه أحد الا قتله و خاصة أول من يلقاه فلقيه عبيد فقتله . -المؤلف-

477

و إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود

لو لا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود

لو لا التخوف للعواقب لم تزل # للحاسد النعمى على المحسود

فلما سمعها ابن أبي دؤاد رضي عنه

اخباره مع أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي

المتوفى A9G سنة 225 كان A9G أبو دلف هذا أحد قواد المأمون ثم المعتصم و كان كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا مقداما و قد مدحه أبو تمام بأحسن المدائح و أخذ جوائزه في الاغاني و اخبار أبي تمام للصولي بالاسناد عن جابر الكرخي انه حضر أبا دلف القاسم بن عيسى و عنده أبو تمام الطائي و قد أنشده قصيدته البائية التي امتدحه بها و عنده جماعة من أشراف العرب و العجم و هي التي أولها.

على مثلها من اربع و ملاعب # اذيلت مصونات الدموع السواكب

أ ميدان لهوي من أتاح لك البلى # فأصبحت ميدان الصبا و الجنائب‏

قلما فلما بلغ إلى قوله.

إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد # تقطع ما بيني و بين النوائب

إذا ما غدا أغدى كريمة ما له # هديا و لو زفت لألأم خاطب

يرى أقبح الأشياء اوبة آمل # كسته يد المأمول حلة خائب

و أحسن من نور يفتحه الندى # بياض العطايا في سواد المطالب

إذا ألجمت يوما لجيم و حولها # بنو الحصن نجل المحصنات النجائب

فان المنايا و الصوارم و القنا # أقاربهم في الروع دون الأقارب

إذا افتخرت يوما تميم بقوسها # و زادت على ما وطدت من مناقب

فأنتم بذي قار امالت سيوفكم # عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

محاسن من مجد متى تقرنوا بها # محاسن أقوام تكن كالمعايب

مكارم لجت (1) في علو كأنما # تحاول ثارا عند بعض الكواكب‏

فقال أبو دلف يا معشر ربيعة ما مدحتم بمثل هذا الشعر قط فما عندكم لقائله فبادروه بمطارفهم و عمائمهم يرمون بها اليه فقال أبو دلف قد قبلها و أعاركم لبسها و سانوب عنكم في ثوابه تمم القصيدة يا أبا تمام فلما بلغ إلى قوله.

و لو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت # حياضك منه في العصور الذواهب

و لكنه صوب العقول إذا انجلت # سحائب منه أعقبت بسحائب‏

فأمر له بخمسين ألف درهم و قال أبو الفرج و قال و الله ما هي بإزاء استحقاقك و قدرك فاعذرنا فشكره و قام ليقبل يده فحلف ان لا يفعل و قال الصولي و قال و الله انها لدون شعره ثم قال ما مثل هذا القول الا ما رثيت به محمد بن حميد قال و أي ذلك أراد الأمير قال قولك و في الأغاني : ثم قال له انشدني قولك في محمد بن حميد .

و ما مات حتى مات مضرب سيفه # من الضرب و اعتلت عليه القنا السمر

و قد كان فوت الموت سهلا فرده # اليه الحفاظ المر و الخلق الوعر

477 (و نفس تعاف الضيم حتى كأنه # هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر) (2)

فاثبت في مستنقع الموت رجله # و قال لها من دون اخمصك الحشر

غدا غدوة و الحمد نسج (حشو) ردائه # فلم ينصرف الا و أكفانه الأجر

كان بني نبهان يوم مصابه (وفاته) # نجوم سماء خر من بينها البدر

يعزون عن ثاو تعزى به العلى # و يبكي عليه البأس و الجود و الشعر

فأنشده إياها فقال و الله لوددت انها في فقال بل أفدي الأمير بنفسي و أهلي و أكون المقدم قبله فقال انه لم يمت من رثي بهذا الشعر أو مثله (اه) و قال ابن خلكان انه لما أنشده القصيدة البائية المقدم ذكرها استحسنها و أعطاه خمسين ألف درهم و قال له و الله انها لدون شعرك ثم قال له و الله ما مثل هذا القول في الحسن الا ما رثيت به محمد بن حميد الطوسي فقال أبو تمام و أي ذلك أراد الأمير قال قصيدتك الرائية التي أولها.

كذا فليحل الخطب و ليفدح الأمر # فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

ثم ذكر نحوا مما مر عن الاغاني و لكن أبا تمام مع إحسان أبي دلف اليه هذا الإحسان العظيم لما تأخر عنه بره بعض التأخر عاتبه و تهدده بالهجاء في أبياته التي يقول فيها.

أبا دلف لم يبق طالب حاجة # من الناس غيري و المحل جديب

يسرك أني أبت عنك مخيبا # و لم ير خلق من جدك يخيب

و اني صيرت الثناء مذمة # و قام بها في العالمين خطيب

فكيف و أنت السيد العالم الذي # لكل أناس من نداه نصيب

أقمت شهورا في فنائك خمسة # لقى حيث لا تهمي علي جنوب

فان نلت ما أملت فيك فانني # جدير و الا فالرحيل قريب‏

و استشهد الشيخ الرضي في شرح الكافية على التوليد (و هو ان يقرن بالكلمة أو الكلام كلمة لغير القائل فيتولد بينهما كلام يناقض غرض القائل) بقول أبي تمام في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي .

على مثلها من اربع و ملاعب # اذيلت مصونات الدموع السواكب‏

فعارضه شخص فقال: لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين فانخزل منه و ترك الإنشاد (اه) و مثله في خزانة الأدب و من هذه القصيدة سوى ما مر ذكره قوله.

و ركب يساقون الركاب زجاجة # من السير لم تقصد لها كف قاطب (3)

فقد أكلوا مها الغوارب بالسرى # و صارت لها أشباحهم كالغوارب

يرى بالكعاب الرود طلعة نائر # و بالعرمس الوجناء غرة آئب

كان به ضغنا على كل جانب # من الأرض أو شوقا إلى كل جانب‏

و يقول في أبي دلف .

إذا أخذته هزة المجد غيرت # عطاياه أسماء الاماني الكواذب

يمدون من أيد عواص عواصب # تصول بأسياف قواض قواضب

إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا # صدور العوالي في صدور الكتائب

نضوت لهم سيفين رأيا و منصلا # و كل كنجم في الدجنة ثاقب

و كنت متى تهزز لخطب تغشه # ضرائب امضى من رقاق المضارب

إليك أرحنا عازب الشعر بعد ما # تمهل في روض المعاني العجائب

غرائب لافت في فنائك انسها # من المجد فهي الآن غير غرائب

أقول لاصحابي هو القاسم الذي # به شرح الجود التباس المذاهب

و اني لأرجو عاجلا ان تردني # مواهبه بحرا ترجى مواهبي‏

____________

(1) معال عادت خ‏

(2) هذا البيت لم يذكراه و هو اولى بالذكر

(3) القاطب المازج -المؤلف-.

478

و لأبي تمام في أبي دلف مدائح كثيرة كلها من غرر الشعر منها قوله من قصيدة هذا مختارها.

اما الرسوم فقد اذكرن ما سلفا # فلا تكفن عن شانيك أو يكفا

لا عذر للصب ان يقني السلو و لا # للدمع بعد مضي الحي ان يقفا

و في الخدور مهى لو انها شعرت # بها طغت فرحا أو ابلست أسفا

لآلئ كالنجوم الزهر قد لبست # ابشارها صدف الإحصان لا الصدفا

غيداء جاد ولي (1) الحسن سنتها (2) # فصاغها بيديه روضة انفا (3)

ودع فؤادك توديع الفراق فما # أراه من سفر التوديع منصرفا

يجاهد الشوق طورا ثم ترجعه # مجاهدات القوافي (4) في أبي دلفا

بجوده انصاعت الأيام لابسة # شرخ الشباب و كانت جلة (5) شرفا (6)

حتى لو ان الليالي صورت لغدت # أفعاله الغر في آذانها شنفا

جم التواضع و الدنيا لسؤدده # تكاد تهتز من أطرافها صلفا

تدعى عطاياه وفرا و هي ان شهرت # كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا

ان الخليفة و الأفشين قد علما # من اشتفى لهما من بابك و شفى

في (7) و الهيجاء قد رشقت # من المنية رشقا وابلا قصفا

فكان شخصك في إغفالها علما # و كان رأيك في ظلمائها سدفا (8)

ذمرت جمع الهدى فانقض منصلتا # و كان في حلقات الرعب قد رسفا

لما رأوك و إياها ململمة # يظل منها جبين الشمس منكسفا

ولوا و أغشيتهم شمسا غطارفة # لغمرة الموت كشافين لا كشفا

برق إذا برق غيث بات مختطفا # للطرف أصبح للهامات مختطفا

كتبت أوجههم مشقا و نمنمة # ضربا و طعنا يقد الهام و الصلفا (9)

كتابة لا تني مقروءة أبدا # و ما خططت بها لاما و لا ألفا

فظل بالظفر الأفشين مرتديا # و بات بابكها بالذل ملتحفا

أعطى بكلتا يديه حين قيل له # هذا أبو دلف العجلي قد دلفا

نامت همومي عني حين قلت لها # هذا أبو دلف حسبي به و كفى‏

اخباره مع الحسن بن وهب و أخيه سليمان

كان الحسن بن وهب كاتبا لمحمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم و ولي ديوان الرسائل و كان شاعرا بليغا و كان أخوه سليمان بن وهب كتب للمأمون و هو ابن اربع عشرة سنة و ولي الوزارة للمعتمد و كان شاعرا و له 478 ديوان رسائل و كانت صلة أبي تمام وثيقة بالحسن بن وهب و أخيه سليمان و له فيهما مدائح كثيرة و رثى الحسن أبا تمام بعد موته كما ياتي و روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده انه عني الحسن بن وهب بأبي تمام فولاه بريد الموصل فقام بها أقل من سنتين و مات و في أنساب السمعاني : كانت للحسن بن وهب به عناية. و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني محمد بن موسى قال عني الحسن بن وهب بأبي تمام و كان-اي الحسن -يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات فولاه بريد الموصل فأقام بها سنة و مات. و في هبة الأيام كان الحسن بن وهب مفرطا في محبة أبي تمام و التعصب له و الذب عنه قال جعفر بن محمد بن قدامة كتب الحسن بن وهب إلى أبي تمام و قد قدم من سفر: جعلت فداك و وقاك و أسعدني الله بما أوفى علي من مقدمك و بلوغ الوطر كل الوطر من انضمام اليد عليك و إحاطة الملك لك، و أهلا و سهلا، و قرب الله دار قربك و حيا ركابا أدتك و سقى بلاد يلتقي ليلها و نهارها عليك و جعلك من أحسن معاقله و أحفظ محارسه و أبعدها من الحوادث مراما. (اه) . و من اخباره معه ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد بسنده انه اعتل أبو علي الحسن بن وهب من حمى نافض و صالب (10) و طاولته فكتب اليه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي و ليست في الديوان .

يا حليف الندى و يا توأم الجود # و يا خير من حبوت القريضا

ليت حماك بي و كان لك الأجر # فلا تشتكي و كنت المريضا

و في الديوان أبيات تدل عل ان أبا تمام قالها فيمن يكنى أبا القاسم حين أصابته وعكة و هو من الأزد التي منها كعب و ناهد و كلها قبائل من اليمن و الظاهر انه الحسن بن وهب الا ان الحسن بن وهب كناه الخطيب في تاريخ بغداد بأبي علي لا بأبي القاسم و كذلك أبو تمام كناه بأبي علي في قصيدته العينية الآتية و هذه الأبيات مذكورة في الديوان بعد أبيات في الحسن بن وهب بعنوان و قال أيضا فالظاهر انه لما أصابته الحمى قال فيه البيتين السابقين و قال فيه أيضا هذه الأبيات و يمكن كونها في رجل آخر.

أبا القاسم المحمود ان ذكر الحمد # وقيت رزايا ما يروح و ما يغدو

و طابت بلا دانت فيها و أصبحت # و مربعها غور و مصطافها نجد

فان تك قد نالتك أطراف وعكة # فلا عجب ان يوعك الأسد الورد

و قد أصبحت من صفرة و وجوهها # و راياتها سيان غما بك الأزد

تلاقى بك الحيان كعب و ناهد # فأنت لهم كعب و أنت لهم نهد

بنا لا بك الشكوى فليس بضائر # إذا صح نصل السيف ما لقي الغمد

و في أخبار أبي تمام للصولي قال أبو أحمد ما رأيت أحدا في نفس أحد أجل من أبي تمام في نفس الحسن بن وهب قال و كان الحسن يحفظ أكثر شعر أبي تمام كأنه يختار من القصيدة ما يحفظه (اه) و في الكتاب المذكور:

حدثني محمد بن موسى بن حماد قال وجه الحسن بن وهب إلى أبي تمام و هو بالموصل خلعة فيها خز و وشي فامتدحه في قصيدة أولها.

أبو علي و سمي منتجعه # فاحلل بأعلى واديه أو جرعه‏

ثم وصف الخلعة فقال:

و قد أتاني الرسول بالملبس الفخم # لصيف امرئ و مر تبعه

لو أنها جللت اويس (11) لقد # أسرعت الكبرياء في ورعه

رئق خزاجيد سائره (12) # سكب (13) تدين الصبا لمدرعه

و سر وشي كان شعري أحيانا # نسيب العيون من بدعه (14)

____________

(1) الولي من المطر هو المطرة الثانية التي تلي الوسمي و هو أول المطر .

(2) السنة الصورة

(3) الروضة الأنف بضمتين التي لم ترع .

(4) ثم يجذبه إلى جهاد القوافي خ.

(5) الجلة بالكسر المسنة .

(6) الشرف بضمتين جمع شارف و هي المسنة من الإبل .

(7) ارشق جبل بنواحي موقان كانت به الوقعة التي أشار إليها.

(8) السدف الصبح و هو من أسماء الاضداد

(9) الصلف بضمتين جمع صليف و هو صفحة العنق

(10) الحمى الصالب الشديدة -المؤلف-.

(11) هو اويس القرني أحد الزهاد المشهورين.

(12) يلتذ ملمسه خ.

(13) السكب نوع من الثياب رقيق .

(14) قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام : سره خياره. و جنس من الثياب يكون وشيا مثل العيون يقول شعري في حسنه مناسب للعيون التي تكون فيها من المبدع اه و لو لا أن هذا البيت غير واضح المعنى و قد فسره التبريزي لما ذكرناه فذكره لا لحسنه بل للحرص على تفسير التبريزي له. -المؤلف-

479

قال و قد وصف خلعة أخرى أحسن من هذا الوصف و جوده اه و تأتي في أخباره مع محمد بن الهيثم و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني عبد الرحمن بن أحمد قال وجدت بخط محمد بن يزيد المبرد أن أبا تمام كتب إلى الحسن بن وهب يستسقيه نبيذا.

جعلت فداك عبد الله عندي # بعقب الهجر منه و البعاد

له لمة (1) من الكتاب (2) بيض # قضوا حق الزيارة (3) و الوداد

و أحسب يومهم إن لم تجدهم # مصادف دعوة منهم جماد

دعوتهم عليك و كنت ممن # نعينه على العقد الجياد (4)

و في مروج الذهب : ذكر عبد الله بن الحسن بن سعدان عن المبرد قال كنت في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق و حضر جماعة سماهم منهم الحارثي الذي قال فيه علي بن الجهم الشامي :

لم يطلعا إلا لآبدة # الحارثي و كوكب الذنب‏

و إن الكلام تسلسل إلى ذكر أبي تمام و شعره و إن الحارثي أنشد لأبي تمام معاتبة أحسن فيها و أن المبرد استحيا أن يستعيد الحارثي الشعر أو يكتبه منه لأجل القاضي قال ابن سعدان فأعلمت المبرد أني أحفظ الشعر فأنشدته إياه فاستحسنه و استعاده مني مرارا حتى حفظه مني و هو

(جعلت فداك عبد الله عندي)

و ذكر الأبيات عدى الثالث. و في أخبار أبي تمام للصولي :

زعم ابن داود أن محمد بن الحسين حدثه قال زار الحسن بن وهب و أبو تمام أبا نهشل بن حميد (الطوسي) فقال أبو تمام و قد جلسوا (اعضك الله أبا نهشل ) ثم قال للحسن أجز فقال بخد ريم شادن أكحل ثم قال لأبي نهشل أجز فقال:

يطمع في الوصل فان رمته # صار مع العيوق في منزل‏

و في هبة الأيام كان الحسن بن وهب يعاشر أبا تمام عشرة متصلة فندب الحسن بن وهب للنظر في بعض أمر النواحي فتشاغل عن عشرة أبي تمام فكتب إليه أبو تمام :

قالوا جفاك فلا عهد و لا خبر # ما ذا تراه دهاه قلت أيلول

شهر كان حبال الهجر منه فلا # عقد من الوصل إلا و هو محلول‏

فأجابه الحسن بن وهب :

ما عاقني عنك أيلول بلذته # و طيبه و لنعم الشهر أيلول

لكن توقع و شك البين عن بلد # تحله فوكاء الدمع محلول‏

و في العقد الفريد أهدى حبيب بن أوس الطائي إلى الحسن بن وهب قلما و كتب معه إليه هذه الأبيات:

قد بعثنا إليك أكرمك الله # بشي‏ء فكن له ذا قبول

لا تقسه إلى ندى كفك الغمر # و لا نيلك الكثير الجزيل

فاستجز قلة الهدية مني # فقليل المقل غير قليل‏

479 و قال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب و يصف غلاما أهداه إليه من قصيدة:

لمكاسر (5) الحسن بن وهب أطيب # و أمر في حنك الحسود و أعذب

يفديه قوم أحضرت اعراضهم # سوء المعائب و النوال مغيب

من كل مهراق الحياء كأنما # غطى غديري وجنتيه الطحلب

ضم الفتاء إلى الفتوة برده # و سقاه و سمي الشباب الصيب

و لقد رأيتك و الكلام لآلئ # تؤم فبكر في النظام و ثيب

تكسو الوقار و تستخف موقرا # طورا و تبكي السامعين و تطرب‏

و منها في وصف الغلام المهدي :

لدن البنان له لسان أعجم # خرس معانيه و وجه معرب‏

و قال يمدح الحسن بن وهب أيضا من قصيدة:

أما و قد ألحقتني بالموكب # و مددت من ضبعي إليك و منكبي

فلأعرضن عن الخطوب و جورها # و لأصفحن عن الزمان المذنب

و لألبسنك كل بيت معلم # يسدى و يلحم بالثناء المعجب

من بزة المدح الذي مشهوره # متمكن في كل قلب قلب

نوار أهل المشرق الغض الذي # يجنونه ريحان أهل المغرب

أبديت لي عن صفحة الماء الذي # قد كنت أعهده كثير الطحلب

و برقت لي برق اليقين و طالما # أمسيت مرتقبا لبرق الخلب

و الحر يسلبه جميل عزائه # ضيق المحل فكيف ضيق المذهب

هيهات يأبى أن يضل بي السري # في بلدة و سناك فيها كوكبي

و لقد خشيت بان تكون غنيمتي # حر الزمان بها و برد المطلب

و لذاك كانوا لا يخشون الوغى # الا إذا عرفوا طريق المهرب‏

و قال يمدح الحسن بن وهب أيضا من قصيدة:

يا برق طالع منزلا بالأبرق # و أحد السحاب له حداء الأينق

دمن لوت عزم الفؤاد و مزقت # فيها دموع العين كل ممزق‏

قال في مديحها:

يحصى مع الأنواء فيض بنانه # و يعد من حسنات أهل المشرق

يستنزل الأمل البعيد ببشره # بشرى الخميلة بالربيع المغدق

و كذا السحائب قلما تدعو إلى # معروفها الرواد ان لم تبرق‏

و في آخرها شفاعته إليه فيمن اسمه سليمان و لعله سليمان بن رزين الذي شفع له عنده في قصيدة أخرى تاني تأتي و لعله عم دعبل و ليس هو سليمان أخاه قطعا لدلالتها على أن الشفاعة في رجل مملق رث اللباس و أخوه لم يكن كذلك و لا يقال فيه‏

(البس سليمان الغنى)

و تكون الشفاعة له بألفاظ غير هذه الألفاظ و بأسلوب غير هذا الأسلوب.

البس سليمان الغنى و افتح له # بابا إزاء الخفض ليس بمغلق

و أقرب اليه فان أحرى المزن ان # يروي الثرى ما كان غير محلق‏

ثم ذكر أنه لا ينبغي ازدراء الرث الهيئة و لا الاغترار بصاحب البزة الأنيقة و المركب الفاره فقال:

و تخط بزته فربت خلة # في درج ثوب اللابس المتنوق

شنعاء بين المركب الهملاج قد # كمنت و بين الطليسان الطيلسان المطبق‏

و من مدائح أبي تمام في الحسن بن وهب قوله من قصيدة وجه بها إليه من الموصل :

____________

(1) اللمة بتشديد الميم الجماعة و لا تكون مخففة و لعل أبا تمام خففها ضرورة.

(2) الفتيان خ ل.

(3) الصداقة خ ل.

(4) هكذا في أخبار أبي تمام للصولي و عن التبريزي في الشرح أي دعوتهم على أن تكون مئونتهم عليك و العقد جمع عقدة و هو ما يدخر من الأموال الكريمة اه. و الذي في الديوان و مروج الذهب بدل الشطر الثاني‏

(أناديه على النوب الشداد)

-المؤلف-

(5) المكاسر جمع كسرة تقول العرب هو طيب المكسر إذا كان لين الجانب) -المؤلف-

480

ليس الوقوف يكف شوقك فانزل # تبلل غليلا بالدموع فيبلل

و لطالما أمسى فؤادك منزلا # و محلة لظباء ذاك المنزل

شاكي الجوانح من خلائق ظالم # شاكي السلاح على المحب الأعزل

قد اثقب الحسن بن وهب في الندى # نارا جلت إنسان عين المجتلي

قطعت إلي الزابيين هباته # و التاث مأمول السحاب المسبل

من منة مشهودة و صنيعة # بكر و إحسان أغر محجل

و لقد سمعت فهل سمعت بموطن # ارض العراق يضيف من بالموصل

نفسي فداء أبي علي أنه # صبح المؤمل كوكب المتأمل

و الحمد شهد لا ترى مشتاره # يجنيه الا من نقيع الحنظل

فمتى أروي من لقائك همتي # و يفيق قلبي من سواك و مقولي

و تهب لي بعجاج موكبك الصبا # ان السماحة تحت ذاك القسطل

بالراقصات كأنها رسل القطا # و المقربات بهن مثل الأفكل

من نجل كل تليدة أعراقه # طرف معم في السوابق مخول

كالأجدل الغطريف لاح لعينه # خزر و أنت عليه مثل الأجدل‏

و من مدائحه في الحسن بن وهب قوله من قصيدة:

أميلوا العيس تنفخ في براها # إلى قمر الندامى و الندي

فقد جعل الإله لكم لسانا # عليا ذكره بأبي علي

فمن جود تدفق فيه سيل # على مطر و من جود أتي

و محدود الذريعة ساءه ما # ترشح لي من السيب الحظي

يدب إلي في شخص ضئيل # و ينظر من شفا طرف خفي

و يتبع نعمتي بك عين ضغن # كما نظر اليتيم إلى الوصي‏

و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي حدثني سليمان بن وهب قال رآني أبو تمام و أنا أكتب كتابا فاطلع فيه ثم قال لي يا أبا أيوب كلامك ذوب شعري اه و هذا مدح لشعره و لنثر سليمان و قال أبو تمام يمدح سليمان بن وهب من قصيدة:

اي مرعى عين و وادي نسيب # لحبته الأيام في ملحوب

ربما قد أراه ريان مكسو المغاني # من كل حسن و طيب

بسقيم الجفون غير سقيم # و مريب الالحاظ غير مريب

في أوان من الربيع كريم # و زمان من الخريف حسيب

فسواء إجابتي غير داع # و دعائي بالقاع (بالقفز) غير مجيب

رب خفض تحت السري و غناء # من عناء و نضرة من شحوب

ما على الوسج الرواتك من عب # إذا ما أتت أبا أيوب

حول لأفعاله مرتع الذم # و لا عرضه مراح العيوب

سرح قوله إذا ما استمرت # عقدة العي في لسان الخطيب

لا معنى بكل شي‏ء و لا # كل عجيب في عينه بعجيب

سدك الكف بالندى عابر السمع # إلى حيث صرخة (دعوة) المكروب

كل شعب كنتم به آل وهب # فهو شعبي و شعب كل أديب

كل يوم تزخرفون فنائي (بنائي) # بحباء فرد و بر غريب

لست أدلي بحرمة مستزيدا # في وداد منكم و لا في نصيب‏

و قال يمدح الحسن و سليمان ابني وهب من أبيات: 480

رأيتكما من ريب دهري هضبة # و ما زلتما لا زلتما من رعانه

فأصبح لي تحت الجران فريسة # و لولاكما أصبحت تحت جرانه

لعمري لقد أصحبتما العرف صاحبا # له مقول نعما كما في ضمانه

غدا يجتني نور الوداد و يكتسي # من الورق الغض الذي تلبسانه

و يأخذ من أيديكما و هواكما # فلا عجب أن تاخذا من لسانه‏

و قال يمدح سليمان بن وهب و يشفع في رجل يقال له سليمان بن رزين (و لعله عم دعبل الخزاعي ) من قصيدة:

إذا ثوى جار قوم في و هادهم # فجاره نازل في رأس غمدان

هل أنت صائن أيامي و مغتلبي # بماء وجهي سليما من سليمان

مسن فكر إذا كلت مضاربه # يوما و صيقل ألباب و أذهان

ذو الود مني و ذو القربى بمنزلة # و اخوتي اسوة عندي و اخواني

لا تخلقن خلقي فيهم و قد سطعت # ناري و جدد من حالي الجديدان

في دهري الأول المذموم أعرفهم # فالآن أنكرهم في دهري الثاني

عصابة جاورت آدابهم أدبي # فهم و إن فرقوا في الأرض جيراني

أرواحنا من مكان واحد رغدت # أبداننا بشام أو خراسان

و رب نائي المغاني روحه أبدا # لصيق روحي و دان ليس بالداني

أ في أخ لي فرد لا قسيم له # في خالص الود من سر و إعلان

ترد عن بحرك المورود راجعة # بغير حاجتها دلوي و أشطاني

ما أنس لا أنس قولا قاله رجل # غضضت في عقبه طرفي و أجفاني

(نل الثريا أو الشعرى فليس فتى # لم يغن خمسين إنسانا بإنسان)

و قال يسال الحسن بن وهب أن يكلم أخاه سليمان في أمر سليمان هذا من أبيات:

إن شئت اتبعت إحسانا بإحسان # فكان جودك من روح و ريحان

فاسال سليماننا تفديه أنفسنا # يأمر سليمانه يرعى سليماني (1)

و حسبه بك الا أن همته # ان يقتني مع رضوى طود ثهلان

لو كان وصما لراج أن يكون له # ركنان ما هز رمح فيه نصلان

و لم يعد من الابطال ليث وغى # زرت عليه غداة الروح درعان‏

أخباره مع أبي علي الحسن بن رجاء

لم نطلع على شي‏ء مفصل من أحوال الحسن هذا يشخص لنا من هو إنما يظهر أنه كان من الأمراء و الوزراء له حجاب و كتاب و تقصده الشعراء و ممن قصده أبو تمام فمدحه و أخذ جائزته و ليس هو الحسن بن رجاء المذكور في النجوم الزاهرة في حوادث A10G سنة 244 بقوله فيها توفي A10G الحسن بن رجاء أبو علي البلخي كان إماما حافظا سافر في طلب الحديث و سمع الكثير و لقي الشيوخ و روى عنه غير واحد و إن اتفق ان هذا يكنى أبا علي و ذاك كناه أبو تمام في قصيدته السينية المتقدمة أبا علي إلا أن ذاك كما يعلم مما نقلناه من سيرته أمير ذو حجاب و كتاب و هذا إمام حافظ محدث فاتحادها لا يحتمل و لأبي تمام في مدح الحسن بن رجاء قصيدتان في ديوانه يطلب في الأولى منه فرسا و يقول فيها:

جرت له أسماء حبل الشموس # و الهجر و الوصل نعيم و بوس

أبا علي أنت وادي الندى # و أنت مغنى المكرمات الأنيس

البيت حيث النجم و الكف حيث # الغيث في الأزمة و الدارخيس‏

و منها في وصف الفرس الذي يطلبه:

____________

(1) أراد بسليماننا سليمان بن وهب (و سليمانه) أخوه سليمان بن وهب (و سليماني) هو سليمان بن رزين و ساعد وجود السليمانين الثلاثة على هذا التركيب اللطيف-المؤلف-

481

إن زار ميدانا مضى سابقا # أو ناديا قام اليه الجلوس

كأنما لاح لهم بارق # في المحل أو زفت إليهم عروس

عوذه الحاسد بخلا به # و رفرفت خوفا عليه النفوس

غادرته و هو على سؤدد # وقف و في سبل المعالي حبيس‏

و قد أشار إلى الثانية الصولي في أخبار أبي تمام فقال: حدثنا عون بن محمد الكندي حدثني محمد بن سعد أبو عبد الله الرقي و كان يكتب للحسن بن رجاء قال قدم أبو تمام مادحا للحسن بن رجاء فرأيت رجلا علمه و عقله فوق شعره و استنشده الحسن بن رجاء فأنشده:

كفي وغاك فانني لك قال # ليست هوادي عزمتي بتوال (1)

انا ذو عرفت فان عرتك جهالة # فانا المقيم قيامة العذال‏

فلما قال:

عادت له أيامه مسودة # حتى توهم انهن ليال‏

قال له الحسن و الله لا تسود عليك بعد اليوم فلما قال:

لا تنكري عطل الكريم من الغنى # فالسيل حرب للمكان العالي

و تنظري خبب الركاب ينصها (2) # محيي القريض إلى مميت المال‏

قام الحسن بن رجاء و قال و الله لا أتممتها الا و أنا قائم فقام أبو تمام لقيامه و قال:

لما بلغنا ساحة الحسن انقضى # عنا تملك (تعجرف) دولة الأمحال

بسط (أحيا) الرجاء لنا برغم نوائب # كثرت بهن مصارع الآمال

أغلى غدارى الشعران مهورها # عند الكرام و إن إذا رخصن غوال

ترد الظنون به على تصديقها # و بحكم الآمال في الأموال

اضحى سمي أبيك فيك مصدقا # بأجل فائدة و أيمن و أصدق فال

و رأيتني فسالت نفسك سيبها # لي ثم جدت و ما انتظرت سؤالي

كالغيث ليس له-أريد غمامه (نواله # أ و لم يرد-بد من التهطال‏

فتعانقا و جلسا و قال له الحسن ما أحسن ما جلوت حليت هذه العروس فقال و الله لو كانت من الحور العين لكان قيامك أوفى مهورها قال محمد بن سعيد (3) فأقام شهرين فاخذ على يدي عشرة آلاف درهم و أخذ غير ذلك مما لم أعلم به على بخل كان في الحسن بن رجاء اه و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني أبو الحسن الأنصاري حدثني نصير الرومي قال كنت مع الحسن بن رجاء فقدم عليه أبو تمام فكان مقيما عنده و كان قد تقدم إلى حاجبه ان لا يقف ببابه طالب حاجة إلا أعلمه خبره فدخل حاجبه يوما يضحك فقال ما شانك قال بالباب رجل يستأذن و يزعم أنه أبو تمام الطائي قال فقل له ما حاجتك قال يقول مدحت الأمير أعزه الله و جئت لأنشده قال أدخله فدخل فحضرت المائدة فأمره فأكل معه ثم قال له من أنت قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي مدحت الأمير أعزه الله قال هات مدحك فأنشده قصيدة حسنة فقال قد أحسنت و قد أمرت لك بثلاثة آلاف درهم فشكر و دعا. و كان الحسن قد تقدم قبل دخوله إلى الجماعة أن لا يقولوا له شيئا 481 فقال له أبو تمام نريد أن تجيز لنا هذا البيت و عمل بيتا فلجلج فقال له ويحك أ ما تستحي ادعيت اسمي و اسم أبي و كنيتي و نسبي و أنا أبو تمام فضحك الشيخ و قال لا تعجل علي حتى أحدث الأمير أعزه الله قصتي: أنا رجل كانت لي حال فتغيرت فأشار علي صديق لي من أهل‏الأدب‏أن أقصد الأمير بمدح فقلت له لا أحسن الشعر فقال أنا أعمل لك قصيدة فعمل هذه القصيدة و وهبها لي و قال لعلك تنال خيرا فقال له الحسن قد نلت ما تريد و قد أضعفت جائزتك فكان ينادمه و يتولعون به فيكنونه بأبي تمام و في الكتاب المذكور حدثني أبو بكر القنطري حدثني محمد بن يزيد المبرد قال ما سمعت الحسن بن رجاء ذكر قط أبا تمام الا قال ذاك أبو التمام و ما رأيت أعلم بكل شي‏ء منه .

اخباره مع أبي الحسين بن محمد بن الهيثم بن شبابة الخراساني المروزي

و لم نعثر له على ترجمة و لا عرفنا من أحواله شيئا سوى أن لأبي تمام فيه مدائح كثيرة مذكورة في ديوانه و يظهر من مدائح أبي تمام فيه نباهته و علو شانه و اشتهاره و أنه من كبار الأمراء فهو يصفه بأنه ملك و يظهر من كلام المسعودي في مروج الذهب أنه من المؤلفين فقد قال في مقدمته عند تعداد الكتب المؤلفة في‏التاريخ‏و أسماء المؤلفين فيه: و محمد بن الهيثم بن شبابة الخراساني صاحب كتاب الدولة . و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني عون بن محمد حدثني الحسين بن وداع كاتب الحسن بن رجاء (و في بعض المواضع الحسن بن وداع مكبرا) قال حضرت أبا الحسين محمد بن الهيثم بالجبل و أبو تمام ينشده

أسقي ديارهم أجش هزيم # و غدت عليهم نصرة و نعيم

جادت معاهدهم عهاد سحابة # ما عهدها عند الديار ذميم‏

و بعد البيتين مما لم يذكره الصولي

سفه الفراق عليك يوم رحيلهم # و بما أراه و هو عنك حليم

ظلمتك ظالمة البري ظلوم # و الظلم من ذي قدرة مذموم

زعمت هواك عفا الغداة كما عفت # منها طلول باللوى و رسوم

لا و الذي هو عالم أن النوى # صبر و أن أبا الحسين كريم

ما زلت عن سنن الوداد و لا غدت # نفسي على ألف سواك تحوم

لمحمد بن الهيثم بن شبابة # مجد إلى جنب السماك مقيم

ملك إذا نسب الندى من ملتقى # طرفيه فهو له أخ و حميم

كالليث ليث الغاب الا أن ذا # في الروع بسام و ذاك شتيم

طحطحت بالخيل الجبال من العدي # و الكفر يقعد بالهدى و يقوم

بالسفح من همذان إذ سفحت دما # رويت بجمتة الرماح الهيم

لمعت أسنته فهن مع الضحى # شمس و هن مع الظلام نجوم

غيث حوى كرم الطبائع دهره # و الغيث يكرم مرة و يلوم

و بيان ذلك أن أول من حبا # و قرى خليل الله إبراهيم

عرف غدا ضربا نحيفا عنده # شكر الرجال و إنه لجسيم

أخفيته فخفيته (4) و طويته # فنشرته و الشخص منه عميم‏

فلما فرغ أمر له بالف دينار و خلع عليه خلعة حسنة و أقمنا عنده يومنا و معنا أبو تمام ثم انصرف و كتب اليه في غد ذلك اليوم

قد كسانا من كسوة الصيف خرق # مكتس من مكارم و مساع‏

____________

(1) الهوادي الأوائل و التوالي الأواخر . -المؤلف-

(2) الخبب نوع من السير سريع و نص ناقته استخرج أقصى ما عندها من السير -المؤلف-

(3) في سند الخبر أنه محمد بن سعد فلا شك أنه صحف أحدهما بالآخر-المؤلف-

(4) خفاه أظهره -المؤلف-

482

حلة سابرية و رداء # كسحا القيض أو رداء الشجاع (1)

كالسراب الرقراق في النعت (الحسن) # الا انه ليس مثله في الخداع

قصبيا تسترجف الريح متنيه # بامر من الهبوب مطاع

رجفانا كأنه الدهر منه # كبد الضب أو حشى المرتاع

يطرد اليوم ذا الهجير و لو # شبه في حره بيوم الوداع

خلعة من أغرا روع رحب الصدر # رحب الفؤاد رحب الذراع

سوف أكسوك ما يعفي عليها # من ثناء كالبرد برد الصناع

حسن هاتيك في العيون و هذا # حسنه في القلوب و الأسماع‏

فقال محمد بن الهيثم : و من لا يعطي على هذا ملكه و الله لا بقي في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام فأمر له بكل ثوب كان يملكه في ذلك الوقت و من مختار مدائحه فيه قوله:

قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد # و إن هي لم تسمع لنشدان ناشد

لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم # و بينهم اطراق ثكلان فاقد

و أبقوا لضيف الحزن مني بعدهم # قرى من جوى سار و طيف معاود

سقته ذعافا عادة الدهر فيهم # و سم الليالي فوق سم الأساود

سآوي بهذا القلب من لوعة الهوى # إلى ثعب من نطفة الياس بارد

و أروع لا يلقى المقاليد لامرئ # و كل امرئ يلقي له بالمقالد

أغر يداه فرضتا كل طالب # و جدواه وقف في سبيل المحامد

فتى لم يقم فردا بيوم كريهة # و لا نائل الا كفى كل قاعد

و لا اشتدت الأيام إلا ألانها # أشم شديد الوطء فوق الشدائد

بلوناه فيها ماجدا ذا حفيظة # و ما كان ريب الدهر فيها بماجد

غدا قاصدا للمجد حتى أصابه # و كم من مصيب قصده غير قاصد

هم حسدوه لا ملومين مجده # و ما حاسد في المكرمات بحاسد

يصد عن الدنيا إذا عن سؤدد # و لو برزت في زي عذراء ناهد

إذا المرء لم يزهد و قد صبغت له # بزبرجها الدنيا فليس بزاهد

محمد يا ابن الهيثم بن شبابة # أبي كل دفاع عن المجد ذائد

هم شغلوا يوميك بالباس و الندى # و آتوك زندا في العلى غير خامد

و إن كان عام عارم المحل فأكفه # و إن كان يوم ذا جلاد فجالد

فكم للعوالي فيكم من منادم # و للموت صرفا من حليف معاقد

أفضت على أهل الجزيرة نعمة # إذا شهدت لم تخزهم في المشاهد

جعلت صميم المجد ظلا مددته # على من بها من مسلم و معاهد

سأجهد حتى أبلغ الشعر شاوه # و إن كان لي طوعا و لست بجاهد

و كتب إلى أبي الحسين محمد بن الهيثم بن شبابة من قصيدة:

فثم الجود مشدود الأواخي # و ثم المجد مضروب القباب

و أخلاق كان المسك فيها # و صفو الراح بالنطف العذاب

يمين محمد بحر خضم # طموح الموج مجنون العباب

482 يفيض سماحة و المزن مكد # و يقطع و الحسام العضب ناب

فلا يبعد زمان منك عشنا # بنضرته و رونقه العجاب

لياليه ليالي الوصل تمت # بأيام كأيام الشباب

كتبت و لو قدرت هوى و شوقا # إليك لكنت سطرا في الكتاب‏

و من مدائحه في محمد بن الهيثم بن شبابة قوله من قصيدة:

تجرع اسى قد أقفر الجرع الفرد # ودع حسي عين يحتلب ماءه الوجد

فلا تحسبا هندا لها الغدور وحدها # سجية نفس كل غانية هند

و عين إذا هيجتها عادت الكرى # و دمع إذا استنجدت اسرابه نجد

و كم تحت أرواق الصبابة من فتى # من القوم حر دمعة للهوى عبد

محمد يا ابن الهيثم انقلبت بنا # نوى خطا في عقبها لوعة عمد

اساءة دهر أذكرت حسن فعله # إلي و لو لا الشري لم يعرف الشهد

ليالينا بالرقتين و أهلها # سقى العهد منك العهد فالعهد و العهد

لدى ملك من أيكة الجود لم يزل # على كبد المعروف من فعله برد

باوفاهم برقا إذا أخلف السنا # و أصدقهم رعدا إذا كذب الرعد

كريم إذا القى عصاه مخيما # بأرض فقد ألقى بها رحله المجد

و قال في أبي الحسين محمد بن الهيثم بن شبابة من قصيدة بعد ما مدحه بالداليتين المتقدمتين فتأخرت صلتهما.

قفا نعط المنازل من عيون # لها في الشوق انواء غزار

عفت آياتهن و أي ربع # يكون له على الزمن الخيار

أثاف كالخدود لطمن حزنا # و نؤي مثلما انفصم السوار

و كانت لوعة ثم اطمأنت # كذاك لكل سائلة قرار

سيبتعث الركاب و راكبيها # فتى كالسيف هجعته غرار

نؤم أبا الحسين و كان قدما # فتى أعمار موعده قصار

أرى الداليتين على جفاء # لديك و كل واحدة نضار

إذا ما شعر قوم كان ليلا # تبلجتا كما انشق النهار

و قال يهنئ محمد بن الهيثم ببرئه من أبيات (2)

ألبسك الله ثوب عافية # في نومك المعتري و في ارقك

يخرج عن جسمك السقام كما # اخرج ذم الفعال من عنقك‏

و من مدائح أبي تمام في ابن شبابة قوله من قصيدة:

نثرت فريد مدامع لم تنظم # و الدمع يحمل بعض شوق المغرم

ضعفت جوانح من أذقته النوى # طعم الفراق فذم طعم العلقم

إن شئت أن يسود ظلك كله # فاجعله في هذا السواد الأعظم

ليس الصديق بمن يعيرك ظاهرا # متبسما عن باطن متجهم

و لتعلم الأيام أني فتها # بأبي الحسين محمد بن الهيثم

خدم العلى فخدمنه و هي التي # لا تخدم الأقوام ما لم تخدم

ما ضر أروع يرتقي في همة # علياء ان لا يرتقي في سلم

ان الثناء يسير عرضا في الورى # و محله في الطول فوق الأنجم

و إذا المواهب أظلمت ألبستها # بشرا كبارقة الحسام المخذم

أن القصائد يممتك شواردا # فتحرمت بنداك قبل تحرم

زهراء أحلى في الفؤاد من المنى # و ألذ من ريق الأحبة في الفم‏

اخباره مع أبي الحسن علي بن إسحاق

كان ابن إسحاق هذا من عمال بني العباس و أمرائهم قال البديعي في

____________

(1) القيض القشر الأعلى من البيضة (و السحا) ما تحته و رداء الشجاع سلخه و الشجاع الجية كذا عن شرح التبريزي لديوان أبي تمام -المؤلف-

(2) ذكرنا في ج 12 راوية الشيخ الطوسي في الأمالي ان أشجع السلمي قال هذين البيتين في الصادق ع لما جاء ليمدحه فوجده عليلا و أشجع معاصر لأبي تمام و بين الروايتين بعض التفاوت قال أشجع .

ألبسك الله منه عافية # في نومك المعتري و في ارقك

يخرج من جسمك السقام كما # اخرج ذل السؤال من عنقك‏

و الله أعلم أيهما أخذ من الآخر أو حصل بينهما توارد خاطر-المؤلف-

483

هبة الأيام : لما تولى أبو الحسن علي بن إسحاق دمشق و أعمالها كان أبو تمام قد نازله بفندق بسر من رأى قبل أن يلي دمشق و عزم سهم بن أوس أخو أبي تمام على الانصراف عن سر من رأى إلى منزله بدمشق و كان أهل بيته بقرية جاسم من عمل دمشق فكتب أبو تمام مع أخيه سهم إلى علي بن إسحاق كتابا يذكر فيه حرمته به و أنسه اليه و منازلته إياه في الفندق بسر من رأى و جعلها وسيلة لأخيه عنده و ضرب له في كتابه مثلا فقال و مثلي مع الأمير أعزه الله مثل عجوز كانت بالكوفة من جرم قضاعة و كان الوالي على الكوفة رجلا من عجل فاجرم ابن العجوز جرما فحبس فتعرضت العجوز للوالي على ظهر الطريق و قالت أصلح الله الأمير لي حاجة و لي بالأمير وسيلة فقال ما حاجتك و ما وسيلتك قالت حاجتي ان تطلق ابني من محبسه و وسيلتي إليك ان الشاعر جمعني و إياك ببيت السوء حيث يقول:

جاءت به عجز مقابلة # ما هن من جرم و لا عكل

و أنا امرأة من جرم و أنت رجل من عكل فأمر بإطلاق ابنها قال أبو تمام و أنا أقول وسيلتي إليك أيها الأمير منازلتي إياك في الفندق بسر من رأى مع فتور الماء و كثرة الذباب و كتب إليه في أسفل الكتاب قصيدة نونية يقول فيها-و لكن في الديوان أنه قالها في أبي الحسن علي بن مرة

أراك أكبرت إدماني على الدمن # و حملي الشوق من باد و مكتمن

لا تكثرن ملامي إذ عكفت على # ربع الحبيب فلم أعكف على وثن

الحب أولى بقلبي في تصرفه # من أن يغادر احشائي بلا شجن

من ذا يعظم مقدار السرود بمن # يهوى إذا لم يعظم موقع الحزن

العيس و الهم و الليل التمام معا # ثلاثة أبدا يقرن في قرن

أقول للحرة الوجناء لا تهني # فقد خلقت لغير الحوض و العطن

ما يحسن الدهر أن يسطو على أحد # إذا تعلق حبلا من أبي الحسن

كأنني حين جردت الرجاء له # محضا أخذت به سيفا على الزمن

قرم تلين صروف الحادثات له # و لم يخر ساعة منها و لم يلن

فتى تريش جناح الجود راحته # حتى يخال بان البخل لم يكن

و تشتري نفسه المعروف بالثمن الغالي # و لو أنها كانت من الثمن

له نوال كفيض البحر ممتهن # على الحقوق و عرض غير ممتهن

إذا تبدي علي في كتائبه # لم يحجب الموت عن روح و لا بدن

كم في الندى لك و المعروف من بدع # إذا تصفحت اختيرت على السنن

لي حرمة بك فاحفظها و جاز بها # يا حافظ العهد و العواد بالمنن

أولى البرية حقا ان تراعيه (تواتيه) # عند السرور الذي آساك في الحزن

ان الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن‏

و في خاص الخاص للثعالبي أن أحسن ما قيل في كرم العهد قول أبي تمام في هذين البيتين الأخيرين. قال البديعي فلما قرأ الكتاب و سمع الشعر حضر سعيد بن عون الشاعر المعروف بالشعباني و كان متمكنا من علي بن إسحاق و لم يكن لأبي تمام محبا فأوقع فيه فقال علي بن إسحاق و متى نزلت منزلا خشنا أو كنت في ضنك من العيش أو حزن فوصفني به في الشعر.

و حرم سهم بن أوس من صلته. قال و البيتان الأخيران نسبهما بعض المؤرخين لإبراهيم بن العباس الصولي و هو وهم و يدل على أنهما لأبي تمام ما قاله أبو بكر الخوارزمي من رسالة له و أورد الرسالة و ذكر أنه قال في 483 آخرها: و لقد شهد له على قضيته قول أبي تمام

(أولى البرية حقا ان تواسيه)

البيتين قال و شهادة أبي تمام في الكرم تقوم مقام شهادة امة بل أمم و لئن كان خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين عند الأنبياء و الحكام فان أبا تمام ذو الشهادتين عند الأحرار و الكرام اه و الموجود في الديوان هو البيت الأول من هذين البيتين دون الثاني و قول علي بن إسحاق السابق‏

و متى نزلت منزلا خشنا

يدل على ان البيت الثاني أيضا لأبي تمام و الله أعلم.

اخباره مع مالك بن طوق التغلبي و أخيه عمر بن طوق

كان مالك بن طوق من الأمراء و اليه تنسب رحبة مالك بأرض الجزيرة و لأبي تمام فيه عدة مدائح ثم هجاه فيما زعمه غير الصولي كما ستعرف و كذلك أخوه عمر بن طوق كان من الأمراء و مدحه أبو تمام فمن مدائح أبي تمام في مالك بن طوق قوله يمدحه و يستشفع اليه في قوم من عشيرته أساءوا من قصيدة أولها:

لو أن دهرا رد رجع جوابي # أو كف من شاويه طول عتابي‏

يقول فيها:

لا جود في الأقوام يعلم ما خلا # جودا حليفا في بني عتاب

متدفقا صقلوا به أحسابهم # ان السماحة صيقل الاحساب‏

و لقد أجاد كل الاجادة في قوله‏

(ان السماحة صيقل الأحساب)

ثم أخذ في الاستشفاع اليه لقومه فابدع في ذلك و أجاد كثيرا و قدم له مقدمة جميلة و دخل مدخلا حسنا فقال:

يا مالك ابن المالكين و لم تزل # تدعى ليومي نائل و عقاب

لم ترم ذا رحم ببائقة و لا # كلمت قومك من وراء حجاب

للجود باب في الأنام و لم تزل # كفاك مفتاحا لذاك الباب

و رأيت قومك-و الاساءة منهم- # جرحى بظفر للزمان و ناب

فأقل اسامة جرمها و اصفح لها # عنه و هب ما كان للوهاب

رفدوك في يوم الكلاب و شققوا # فيه المزاد بجحفل غلاب

فمضت كهولهم و دبر أمرهم # احداثهم تدبير غير صواب

لا رقة الحضر اللطيف غذتهم # و تباعدوا عن فطنة الأعراب

فإذا كشفتهم وجدت لديهم # كرم النفوس و قلة الآداب

أسبل عليهم ستر عفوك مفضلا # و انفح لهم من نائل بذناب

لك في رسول الله أعظم أسوة # و أجلها في سنة و كتاب

أعطى المؤلفة القلوب رضاهم # كملا و رد اخائذ الأحزاب‏

و ما أحسن و أبدع ما قاله بعد ذلك.

ليس الغبي بسيد في قومه # لكن سيد قومه المتغابي

فاضمم قواصيهم إليك فإنه # لا يزخر الوادي بغير شعاب

و السهم بالريش اللؤام و لن ترى # بيتا بلا عمد و لا أطناب

يا مالك استودعتني لك منة # تبقى ذخائرها على الاحقاب‏

ثم وصف القصيدة بما ذكرناه في موضع آخر و إذا نظرنا إلى قصيدته الثانية في مدحه وجدنا فيها من جودة النظم و حسن التصرف في المعاني و وجوه البديع و المتانة و القوة و الانسجام ما لا مزيد عليه على صعوبة قافيتها و لكنها لم تخل من سقط مشين فمما ابدع فيه من أبياتها قوله:

قف بالطلول الدارسات علائا علاثا (1) # اضحت حبال قطينهن رثاثا

قسم الزمان ربوعها بين الصبا # و قبولها و دبورها أثلاثا

____________

(1) علاثة اسم رجل و قد رخمه اي يا علاثة .

484

ثم اضطرته القافية إلى ان ياتي بألفاظ غريبة و بعضها لا يخلو من قلق و تنافر كالرعاث و الجثجات و الكباث فقال.

فتابدت من كل مخطفة الحشى # غيداء تكسي يارقا و رعاثا (1)

كالظبية الأدماء صافت فارتعت # زهر الربيع الغض و الجثجاثا

حتى إذا ضرب الخريف رواقه # صافت برير اراكة و كباثا (2)

و لئن اضطرته القافية إلى هذه القوافي الثلاث فلا ضرورة به إلى استعمال تابدت و يارقا و بريرا الا أنه لا عيب عليه في ذلك لأنها ألفاظ عربية جيدة قد أنس ذهنه بها و لم تكن غريبة عنده و هو يستعمل ألفاظ العرب الأول و ينحو مناحيهم كما ذكرناه في موضع آخر ثم قال فابدع.

سيافة اللحظات يغدو طرفها # بالسحر في عقد النهى نفاثا

ثم عاد باضطرار القافية إلى استعمال الألفاظ الغريبة كالدلاث و الجثجاث و الدلهاث و غيرها فقال.

ان الهموم الطارقاتك موهنا # منعت جفونك ان تذوق حثاثا (3)

و رأيت ضيف الهم لا يرضى قرى # الا مداخلة القفار دلاثا (4)

ثم قال يصف الناقة و أبدع.

شجعاء جرتها الذميل تلوكه # أصلا إذا راح المطي غراثا (5)

ثم عاد إلى استعمال الغريب فقال.

أجد إذا ونت المهارى أرقلت # رقلا كتحريق الغضا جثجاثا (6)

طلبت فتى جشم بن بكر مالكا # ضرغامها و هزبرها الدلهاثا (7)

ثم قال في مديحها فابدع.

ملك إذا استسقيت مزن بنانه # قتل الصدى و إذا أستغيث أغاثا

قد جربته تغلب ابنة وائل # لا خاترا غدرا و لا نكاثا

هم مزقوا عنه سبائب حلمه # و إذا أبو الاشبال أحرج عاثا

لو لا القرابة جاسهم بوقائع # تنسي‏وو

(8) بالخيل فوق متونهن فوارس # مثل الصقور إذا لقين بغاثا

لكن قراكم صفحه من لم يزل # و أبوه فيكم رحمة و غياثا

عمرو بن كلثوم بن مالك الذي # ترك العلى لبني أبيه تراثا

ردعوا الزمان و هم كهول جلة # و سطوا على أحدثه أحداثا

كم مسحب بك لوعدتك قلاصه # تبغي سواك لا وعثت ايعاثا

484 خولته غيثا أغن و جاملا # دثرا و مالا صامتا و أثاثا

ثم وصف قرى الفلاحين و بيوتهم و حالهم و جعل بلادهم مقابر اللذات فقال و أجاد و أصاب.

لو لا اعتمادك كنت في مندوحة # عن برقعيد و أرض باعيناثا

و الكامخية لم تكن لي موطنا # و مقابر اللذات من قبراثا (9)

لم آتها من أي وجه جئتها # الا حسبت بيوتها أجداثا

بلد الفلاحة لو أتاها جرول # أعني الحطيئة لاغتدى حراثا

تصدى بها الافهام بعد صقالها # و ترد ذكران العقول إناثا

ارض خلعت اللهو خلعي خاتمي # فيها و طلقت السرور ثلاثا

و من مدائحه في مالك بن طوق قوله:

قل لابن طوق رجا سعد إذا خبطت # نوائب الدهر أعلاها و أسفلها

أصبحت حاتمها جودا و أحنفها # حلما و كيسها علما و دغفلها

ما لي أرى الحجرة البيضاء مقفلة # عني و قد طال ما استفتحت مقفلها

كأنها جنة الفردوس معرضة # و ليس لي عمل زاك فادخلها

و من مدائحه في مالك بن طوق قوله من قصيدة.

سلم على الربع من سلمى بذي سلم # عليه وسم من الأيام و القدم

ما دام عيش لبسناه بساكنه # لدنا و لو أن عيشا دام لم يدم

يا منزلا أعنقت فيه الجنوب على # رسم محيل و شعب غير ملتئم

عهدي بمغناك حسان المعالم من # حسانة الجيد و البردين و العنم

بيضاء كان لها من غيرنا حرم # فلم نكن نستحل الصيد في الحرم

كانت لنا صنما نحنو عليه و لم # نسجد كما سجد الأفشين للصنم

ظبي تقنصته لما نصبت له # في آخر الليل إشراكا من الحلم

اليوم يسليك عن طيف الم و عن # بلى الرسوم بلاء الاينق الرسم

إذا بلغن أبا كلثوم اتصلت # تلك المنى و بلغن الحاج من أمم

بنى به الله في بدو و في حضر # لتغلب سور عز غير منهدم

رأته في المهد عتاب فقال لها # ذوو الفراسة هذا صفوة الكرم

خذوا هنيئا مريئا يا بني جشم # منه أمانين من خوف و من عدم

طعان عمرو بن كلثوم و نائله # ان السيور التي قدت من الأدم

مجد رعى تلعات الدهر و هو فتى # حتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم

بناء بأس و جود صادق و متى # تبنى العلى من سوى هذين تنهدم

اصفوا ملوك بني العباس كلهم # نصيحة ذخروها عن بني الحكم

و قال يمدح مالك بن طوق حين عزل عن الجزيرة من قصيدة.

تلك الجزيرة مذ تحمل مالك # اضحت و باب الغيث منها مبهم

و علت قراها غبرة و لقد ترى # في ظله و كأنما هي أنجم

الجو أكلف و الجناب لفقده # محل و ذاك الشق شق مظلم

أقوت فلم أذكر بها لما خلت # الا منى لما تقضى الموسم

إذ في ديار ربيعة المطر الحيا # و على نصيبين الطريق الأعظم

ذل الحمى مذ أوطئت تلك الربى # و الغاب مذ أخلاه ذاك الضيغم

لا تألف الفحشاء برديه و لا # يسري اليه مع الظلام المأثم

متبذل في القوم و هو مبجل # متواضع في الحي و هو معظم

حسد العشيرة للعشيرة قرحة # تلدت وسائلها و جرح أقدم

تلكم قريش لم تكن آراؤها # تهفو و لا أحلامها تتقسم

حتى إذا بعث النبي محمد # فيهم غدت شحناؤهم تتضرم‏

____________

(1) يارق كهاجر ضرب من الاسورة و هو الدستبند العريض فارسي معرب (و الرعاث) ككتاب جمع رعثة بالضم فالسكون و يحرك و هو القرط .

(2) البرير كامير الأول من ثمر الأراك (و الكباث) كسحاب النضيج من ثمر الأراك -المؤلف-.

(3) تقول ما ذقت حثاثا بالفتح و الكسر اي ما نمت .

(4) الدلاث ككتاب السريعة و السريع من النوق و غيرها .

(5) يقال ناقة شجعاء اي سريعة نقل القوائم (و الجرة) بالكسر و يفتح ما يفيض به البعير فيأكله ثانية و اللقمة يتعلل بها البعير إلى وقت علفه (و الذميل) نوع من السير سريع (و الغراث) الجياع يقول هذه الناقة سريعة السير صبور على الجوع لا تعلل بالجرة عند الجوع بل بالسير السريع.

(6) ناقة أجد بضمتين قوية موثقة الخلق متصلة فقار الظهر خاص بالإناث و الغضا شجر يضرب بناره و بجمره المثل في الحرارة (و الجثجاث) في لسان العرب نبات سهلي ربيعي إذا أحس بالصيف ولى و جف . يقول هذه الناقة في سرعة سيرها كسرعة نار الغضا في الجثجاث) .

(7) الدلهاث الأسد و المقدم من الناس

(8) وووقائع مشهورة للعرب -المؤلف-

(9) لا تغفل عن الجناس بين مقابر و قبراثا. -المؤلف-

485

عزبت عقولهم و ما من معشر # الا و هم منهم ألب و أحزم

لما أقام الوحي بين ظهورهم # و رأوا رسول الله احمد منهم

و من الحزامة أيها النطف الحشى # ان لا تؤخر من به تتقدم

و لقد جهدتم ان تزيلوا عزه # فإذا أبان قد رسا و يلملم

و طعنتم في مجده فثنتكم # زغف يفل بها السنان اللهذم

يا مال قد علمت ربيعة انه # ما كان مثلك في الاراقم أرقم

و صنيعة لك قد كتمت جزيلها # فأبى تضوعها الذي لا يكتم

مجد تلوح حجوله و فضيلة # لك سافر و الحق لا يتلثم

و تشرف العليا و هل بك مذهب # عنها و أنت في المكارم قيم‏

ثم انه هجا مالك بن طوق على عادة الشعراء في المدح تارة و الهجو اخرى بحسب الإعطاء و المنع فقال من أبيات و في الديوان : لم يذكره الصولي .

فرحلت منقطع القرينة لم # اربع على رسم و لا طلل

متمسك من مالك بقوى # ضعفت وسائلها عن الأمل

لو جئت تطلب منه فائدة # لضربت ضرب غريبة الإبل

فلأغرين به سوائر سرح # الشعر من رجز و من رمل

متوجها لهجائه أبدا # و هجاؤه أمر علي و لي

الذنب لي في مالك و أنا # أوطات لي قدما على زلل‏

و قال يمدح عمر بن طوق التغلبي أخا مالك من قصيدة.

أحسن بأيام العقيق و أطيب # و العيش في أظلالهن المعجب

و مصيفهن المستظل بظله # سرب ألمها و ربيعهن الصيب

و ظلالهن المشرقات بخرد # بيض كواعب غامضات الا كعب

و أغن من دعج الظباء مربب # بدلن منه أغن غير مربب

فنعمت من شمس إذا حجبت بدت # من نورها فكأنها لم تحجب

و إذا رنت خلت الظباء و لدنها # ربعية و استرضعت في الربرب‏

يقول في مديحها.

لكن بنو طوق و طوق قبلهم # شادوا المعالي بالثناء الأغلب

فستخرب الدنيا و أبنية العلى # و قبابها جدد بهم لم تخرب

رفعت بأيام الطعان و أغشيت # رقراق لون بالسماحة مذهب

يا طالبا مسعاتهم لتنالها # هيهات منك غبار ذاك الموكب

أنت المعنى بالغواني تبتغي # أقصى مودتها برأس أشيب

في معدن الشرف الذي من حلية # سبكت مكارم تغلب ابنة تغلب

يعطي عطاء المحسن الخضل الندى # عفوا و يعتذر اعتذار المذنب

و مرحب بالزائرين و بشره # يغنيك عن أهل لديه و مرحب

شرس و يتبع ذاك لين خليقة # لا خير في الصهباء ما لم تقطب

صلب إذا أعوج الزمان و لم يكن # ليلين صلب الخطب من لم يصلب

و منافس عمر بن طوق ما له # من ضغنه غير الحصى و الاثلب

تعب الخلائق و النوال و لم يكن # بالمستريح العرض من لم يتعب

بشحوبة في المجد أشرق وجهه # لا يستنير فعال من لم يشحب

نفق المديح ببابه فكسوته # عقدا من الياقوت غير مثقب

485 أولى المديح بان يكون مهذبا # ما كان منه في أغر مهذب

غربت خلائقه و أغرب شاعر # فيه فأحسن مغرب في مغرب‏

اخباره مع أبي العباس نصر بن منصور بن بسام

و لم نعثر له على ترجمة. في اخبار أبي تمام للصولي : دخل أبو تمام إلى نصر بن منصور فأنشده مدحا له فلما بلغ إلى قوله.

أ سائل نصر لا تسله فإنه # احن إلى الإرفاد منك إلى الرفد

قال له نصر انا و الله أغار على مدحك أن تضعه في غير موضعه و لئن بقيت لأحظرن ذلك الا على أهله و أمر له بجائزة سنية و كسوة فمات A11G نصر بعد ذلك في A11G شوال سنة (227) و قصيدته التي منها هذا البيت هذا مختارها.

أ أطلال هند ساء ما اعتضت من هند # أ قايضت حور العين بالعور و الربد (1)

فلا دمع ما لم يجر في إثره دم # و لا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد

تعصفر خديها العيون بحمرة # إذا وردت كانت وبالا على الورد

إذا زهدتني في الهوى خيفة الردى # جلت لي عن وجه يزهد في الزهد

بنصر بن منصور بن بسام انفرى # لنا شظف الأيام في عيشة رغد

بجود أبي العباس بدل أزلنا # بخفض و صرنا بعد جزر إلى مد

له خلق سهل و نفس طباعها # ليان و لكن عزمه من صفا صلد

أ سائل نصر لا تسله فإنه # احن إلى الإرفاد منك إلى الرفد

ساحمد نصرا ما حييت و أنني # لأعلم أن قد جل نصر عن الحمد (2)

تجلى به رشدي و أثرت به يدي # و فاض به ثمدي و أورى به زندي‏

و قال يمدحه من أبيات:

لا شي‏ء ضائر عاشق فإذا ناى # عنه الحبيب فكل شي‏ء ضائره

يا ايهذا السائلي انا شارح # لك غائبي حتى كأنك حاضره

اني و نصرا و الرضا بجواره # كالبحر لا يبغي سواه مجاوره

ما ان يخاف الخذل من أيامه # أحد تيقن ان نصرا ناصره‏

اخباره مع أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي

نسبة إلى الرافقة بلدة على شاطئ الفرات قرب الرقة كان موسى هذا على شرطة ابن عمه عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافقي والي مصر من قبل المعتصم في عهد المأمون و بعثه المعتصم أميرا على دمشق و لما كان أميرا عليها بعث اليه أبو تمام من الموصل بالقصيدة السينية الآتي بعضها يدل على ذلك قوله فيها

(أية دمشق فقد حويت مكارما)

البيت و قوله في آخرها.

أنا بعثنا الشعر نحوك مفردا # فإذا أذنت لنا بعثنا العيسا

و مدحه بمدائح كثيرة غيرها فلا ندري أ جاءه إلى دمشق أو إلى مصر و أنشده إياها أم كان يبعث بها اليه من الموصل كما بعث اليه بالأولى و لما يئس أبو تمام من جائزته بعد المدح الكثير و الاستحثاث على العطاء هجاه على عادة الشعراء الذين يمدحون للعطاء و يهجون عند المنع فمن مدائحه فيه قوله من قصيدة.

أ قشيب ربعهم أراك دريسا # و قرى ضيوفك لوعة و رسيسا

و لئن حبست على البلى لقد اغتدى # دمعي عليك إلى الممات حبيسا

و أرى رسومك موحشات بعد ما # قد كنت مألوف المحل أنيسا

رود أصابتها النوى في خرد # كانت بدور دجنة و شموسا

بيض يدرن عيونهن إلى الصبا # فكأنهن بها يدرن كئوسا

____________

(1) الأعور الغراب و الاربد الأسد و بعض الحيات . -المؤلف-

(2) ياتي في المبالغات ان هذا معيب. -المؤلف-

486

و كأنما أهدى شقائقه إلى # وجناتهن ضحى أبو قابوسا

ايه دمشق فقد حويت مكارما # بأبي المغيث و سؤددا قدموسا (1)

و أرى الزمان غدا عليه بوجهه # جذلان بساما و كان عبوسا

فصنيعة تسدى و خطب يعتلى # و عظيمة تكفى و جرح يوسى

لم يشعروا حتى طلعت عليهم # بدرا يشق الظلمة الحنديسا

ما في النجوم سوى تعلة باطل # قدمت و أسس إفكها تأسيسا

ان الملوك هم كواكبنا التي # تخفى و تطلع اسعدا و نحوسا

فتن جلوت ظلامها من بعد ما # مدوا عيونا نحوها و رؤوسا

كم بين قوم انما إنفاقهم # مال و قوم ينفقون نفوسا

سار ابن إبراهيم موسى سيرة # سكن الزمان بها و كان شموسا

فأقر واسطة الشام و أنشرت # كفاه جودا لم يزل مرموسا

كانت مدينة عسقلان عروسها # فغدت بسيرته دمشق عروسا

فكأنهم بالعجل ضلوا حقبة # و كان موسى إذ أتاهم موسى

ألوى يذل الصعب إن هو ساسه # و تلين صعبته إذا ما سيسا

و لذاك كانوا لا يرأس منهم # من لم يجرب حزمه مرءوسا

من لم يقد فيطير في خيشومه # رهج الخميس فلن يقود خميسا

أعط الرئاسة من يديك فلم تزل # من قبل أن تدعى الرئيس رئيسا

تلك القوافي قد أتينك نزعا # تتجشم التهجير و التغليسا

من كل شاردة تغادر بعدها # حظ الرجال من القريض خسيسا

تلهو بعاجل حسنها و تعدها # علقا لأعجاز الزمان نفيسا

و جديدة المعنى إذا معنى التي # تشقى بها الأسماع كان لبيسا

من دوحة الكلم التي لم ينفك # وقفا عليك رصينها محبوسا

كالنجم ان سافرت كان موازيا # و إذا حططت الرحل جليسا

انا بعثنا الشعر نحوك مفردا # فإذا أذنت لنا بعثنا العيسا

و قال يمدحه أيضا من قصيدة أخرى:

و لا حب مشكل النواحي # منخرق السهل و الوعوث

لم تزجر العيس في قراه # مذ عصر نوح و عصر شيث

كان صوت النعام فيه # إذا دعا صوت مستغيث

قلصته بالقلاص تهوي # بالوخد من سيرها الحثيث

يطلبن من عقد و عد موسى # غير سحيل و لا نكيث

بنان موسى إذا استهلت # للناس نابت عن الغيوث

حيث الندى و السدي جميعا # و ملجا الخائف الكريث

و المجد من تالد قديم # ثم و من طارف حديث

خذها فما نالها بنقص # موت جرير و لا البعيث

و كن كريما تجد كريما # في مدحه يا أبا المغيث

و قال يمدحه أيضا من قصيدة:

لا تنكري أن يشتكي ثقل الهوى # بدني فما أنا من بقية عاد

كم وقعة لي في الهوى مشهورة # ما كنت فيها الحارث بن عباد

الآن جردت المدائح و انتهى # فيض القريض إلى عباب الوادي

و تبجست للجود من نفحاته # قلب يكدن يقلن هل من صاد

اضحت معاطن روضه و مياهه # وقفا على الوراد و الرواد

486 عذنا بموسى من زمان انشرت # سطواته فرعون ذا الأوتاد

جبل من المعروف معروف له # تقييد عادية الزمان العادي

ما لامرئ أسر القضاء رجاءه # إلا رجاؤك أو عطاؤك فاد

ما للخطوب طغت علي كأنها # جهلت بان نداك بالمرصاد

سل مخبرات الشعر عني هل بلت # في قدح نار المجد مثل زنادي

لم تبق حلبة منطق الا و قد # سبقت سوابقها إليك جيادي

ابقين في أعناق جودك جوهرا # أبقى من الأطواق في الأجياد

و في آخر هذه القصيدة يلوح له بالهجاء و يبعثه على العطاء فيقول

و غدا تبين كيف غب مدائحي # ان ملن بي هممي إلى بغداد

و مفاوز الآمال يبعد شاوها # إن لم يكن جدواك فيها زادي

و من العجائب شاعر قعدت به # هماته أوضاع عند جواد

و مكث أبو تمام مدة ينتظر معروف أبي المغيث فلم يكن من ذلك شي‏ء فقال قصيدة يمدحه في أولها ثم يعاتبه و يستبطئه و يكثر عتابه و يقارب الهجو و لا يلج بابه و ما في الديوان من أنها في عياش ابن لهيعة و قيل في أبي المغيث ليس بصواب للتصريح فيها بأنها في أبي المغيث و أولها:

نسج المشيب له قناعا مغدفا # يققا فقنع مذرويه و نصفا

ثم ابتدأ بمدح أبي المغيث و وصفه بالشجاعة فقال:

لله در أبي المغيث إذا رحى # للحرب دارت ما أعز و أشرفا

ثم أكثر من وصفه بالكرم الذي هو بيت القصيد فقال:

يتعرف المعروف في لحظاته # بإزاء صرف الدهر حيث تصرفا

عكفت يداه على السماح فأصبحت # آمالنا وقفا عليه عكفا

كم وقعة لك في الندى مشهورة # تركت جبال المال قاعا صفصفا

ثم استثاره على بذل الجود بوعده بالمدائح الكثيرة و بالشكر الذي ينسي متلفا ما أتلف فقال:

ثقف قني الجود تلق قصائدا # لاقت أو ابدهن فيك مثقفا

ثم أخذ في عتابه و استبطائه بافافين الكلام فقال:

لا تنس تسعة أشهر أنضيتها # دأبا و أضنتني إليك و نيفا

بقصائد لم يرو بحرك وردها # و لو الصفا وردت لفجرت الصفا

لله أي وسيلة في أول # أقوى و لكن آخرا ما أضعفا

اني أخاف و أرتجي عقباك أن # تدعى المطول و أن اسمى الملحفا

قد كان أصغر همتي مستغرقا # كرم الربيع فصرت أرضى الصيفا

ما عذر من كان النوال مطيعه # و الطبع منه أن يجود تكلفا

ان أنت لم تفضل و لم تر انني # أهل له فانا أرى (فاقلها) ان تنصفا

أسرفت في منعي و عادتك التي # ملكت عنانك أن تجود فتسرفا

الله جارك و هو جارك أن يهي (2) # ما سلف التأميل فيك و خلفا

لا تصرفن نداك عمن لم يدع # للقول عنك إلى سواك تصرفا

ثم خاطبه بما يشبه التهديد و يلوح إلى الهجاء فقال:

كم ماجد سمح ألظ بجوده # مطل فأصبح وجه نائله قفا

لم آل فيك تعسفا و تعجرفا # و تألفا و تلطفا و تطرفا

و أراك تدفع حرمتي فلعلني # ثقلت غير مؤنب فاخففا

ثم قال يمدحه و يعرض له بالهجاء و ما في هبة الأيام من أنها في

____________

(1) قدموس قديم . -المؤلف-

(2) الله جارك أن تحول و أن يهي خ.

487

عياش بن لهيعة الحضرمي اشتباه فقد صرح فيها بأنها في أبي المغيث قال:

و ثناياك أنها إغريض (1) # و لآل تؤم و برق وميض

و أقاح منور في بطاح # هزه في الصباح روض أريض

و ارتكاض الكرى بعينيك في النوم # فنونا و ما لعيني غموض

لتكادنني غمار من الأحادث # لم أدر أيهن أخوض

أثارتني الأيام بالنظر الشزر # و كانت و طرفها لي غضيض

كيف يمسي برأس علياء مضح # و جناح السمو منه مهيض

همة تنطح النجوم وجد # آلف للحضيض فهو حضيض

و بساط كأنما الآل فيه # و عليه سحق الملاء الرحيض (2)

قد فضضنا من بيده خاتم الخوف # و ما كل خاتم مفضوض

بالمهارى يجلن فيه و قد جالت # على مسنماتهن الغروض

جازعات سود المرورات تهديها # وجوه لمكرماتك بيض

لن يهز التصريح للمجد و السؤدد # من لم يهزه التعريض

كن مآبا أبا المغيث فما زلت # مآبا ياوي إليك الجريض

كل يوم نوع يقفيه نوع # و عروض تتلوه فيك عروض

و قواف قد ضج منها لما استعمل # فيها المرفوع و المخفوض

المديح الجزيل و الشكر و الصدق # و مر العتاب و التحريض

و حياة القريض إحياؤك الجود # فان مات الجود مات القريض

كن طويل الندى عريضا فقد سار # ثنائي فيك الطويل العريض

إنما صارت البحار بحارا # انها كلما استفيضت تفيض

يا محب الإحسان في زمن أصبح # فيه الإحسان و هو بغيض

قل لعا لابن عثرة ما له منها # بشي‏ء سوى نداك نهوض

لا تكن لي و لن تكون كقوم # عودهم حين يعجمون رضيض

عندهم محضر من البشر مبسوط # لعاف و نائل مقبوض

و أقل الأشياء محصول نفع # صحة القول و الفعال مريض‏

و قال يعاتبه في ضنه عليه بحاجة و يحوم حول هجوه

اني لاستحيي يقيني أن يرى # لشكي في شي‏ء عليه دليل

و ما زال لي علم إذا ما نصصته # كثير بان الظرف فيك قليل

و إن يك عدا عن سواك إليك بي # رحيل فلي في الأرض عنك رحيل

أبى الحزم لي مكثا بدار مضيعة # و عيس أبوها شدقم و جديل

أ بعد التي ما بعدها متلوم # عليك لحر قلت أنت عجول

ساقطع أرسان العتاب بمنطق # قصير عناء الفكر فيه طويل

و إن امر أضننت يداه على امرئ # بنيل يد من غيره لبخيل‏

فلما لم تند صفاة أبي المغيث بعد كل هذا العتاب هجاه أبو تمام عدة أهاج فمن هجائه فيه قوله من أبيات:

غاب الهجاء فآب فيك بديعه # فتهن يا موسى قدوم الغائب

لا تكلفن و أرض وجهك صخرة # في غير منفعة مئونة حاجب

خذ من غدي الجائي بخزيك ضعف ما # اعطيتني في صدر املي الذاهب

فلا تحفن الركب فيك بشرد # انس يقمن مقام زاد الراكب‏

487 و قوله من أبيات:

هب من له شي‏ء يريد حجابه # ما بال لا شي‏ء عليه حجاب

ما ان سمعت و لا أراني سامعا # ابدا بصحراء عليها باب

من كان مفقود الحياء فوجهه # من غير بواب له بواب‏

و قوله من أبيات:

يا حرونا في البخل قد و أبي بخلك # عوقبت بالأصم الجموح

ببعيد المدى قريب المعاني # و ثقيل الحجى خفيف الروح

سجرت كفه بحور القوافي # لك عند التعريض و التصريح

لججا لست سالما من تقاليها # و لو كنت في سفينة نوح

و قوله و لا يوجد في ديوانه

أ مويس قل لي اين أنت من الورى # لا أنت معلوم و لا مجهول

أما الهجاء فدق عرضك دونه # و المدح فيك كما علمت جليل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنه # عرض عززت به و أنت ذليل‏

قال البديعي و البيتان الأخيران ينسبان لغير أبي تمام و قال فبلغ أبا المغيث شي‏ء من هذه الأهاجي فاعتذر اليه أبو تمام بالقصيدة الآتية و تبرأ من هجوه (أقول) و كيف يرجو بره بعد ما هجاه فيعتذر اليه و قد منعه بره قبل أن يهجوه فكيف بعد هجوه الا أن يكون أبو تمام ظن أنه بعد الهجو يخاف من الزيادة فيجود فلذلك اعتذر اليه و مدحه فقال من قصيدة:

شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي # و محت كما محت وشائع من برد

و أنجدتم من بعد اتهام داركم # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد

لعمري لقد اخلقتم جدة البكاء # علي و جددتم به خلق الوجد

و من زفرة تعطي الصبابة حقها # و توري زناد الشوق تحت الحشى الصلد

و من كل غيداء التثني كأنما # أتتك بليتيها من الرشا الفرد

كان عليها كل عقد ملاحة # و حسنا و إن أمست و أضحت بلا عقد

و من فاحم جعد و من قمر سعد # و من كفل نهد و من نائل ثمد

سأجهد نفسي و المطايا فانني # أرى العفو لا يمتاح الا من الجهد

سرين بنا رهوا و وخدا و إنما # يبيت و يمسي النجح في ذمة الوخد

قواصد بالسير الحثيث إلى أبي المغيث # فما تنفك ترقل أو تخدي

إلى مشرق الأخلاق للجود ما حوى # و يحوي و ما يخفي من الأمر أو يبدي

إذا وعد انهلت يداه فاهدتا # لك النجح محمولا على كاهل الوعد

دلو حان تفتر المكارم عنهما # كما الغيث مفتر عن البرق و الرعد

سرت تحمل العتبى إلى العتب و الرضى # إلى السخط و العفو المبين إلى الحقد

أ موسى بن إبراهيم دعوة خامس # به ظما التثريب لا ظما الورد

جليد على ريب الخطوب و عتبها # و ليس على عتب الأخلاء بالجلد

أتاني مع الركبان ظن ظننته # لففت له رأسي حياء من المجد

لقد نكب الغدر الوفاء بساحتي # إذا و سرحت الذم في مسرج الحمد

و هتكت بالقول الخنا حرمة العلى # و أسلكت حر الشعر في مسلك العبد

نسيت إذا كم من يدلك شاكلت # يد القرب أعدت مستهاما على البعد

و من زمن ألبستنيه كأنه # إذا ذكرت أيامه زمن الورد

و انك أحكمت الذي بين فكرتي # و بين القوافي من ذمام و من عقد

و اصلت شعري فاعتلى رونق الضحى # و لولاك لم يظهر زمانا من الغمد

فكيف و ما أخللت بعدك بالحجى # و أنت فلم تخلل بمكرمة بعدي

أ سربل هجر القول من لو هجوته # إذا لهجاني عنه معروفه عندي‏

____________

(1) الإغريض الطلع -المؤلف-

(2) البساط ما اتسع من الأرض (و الآل) السراب (و السحق) الخلق (و الرحيض) المغسول الأبيض -المؤلف-

488

كريم متى امدحه امدحه و الورى # معي و إذا ما لمته لمته وحدي

فان يك جرم عن اوتك هفوة # على خطا مني فعذري على عمد

أخباره مع عياش بن لهيعة الحضرمي

و هو عياش بن لهيعة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرمي ثم الأعدولي نسبة إلى أعدول بطن من الحضارمة و يقال الغافقي المصري و الذي في الديوان الاقتصار على عياش بن لهيعة الحضرمي و باقي آبائه أخذناه من تهذيب التهذيب في ترجمة لهيعة و ابنه عبد الله حيث رجحنا ان لهيعة المترجم في تهذيب التهذيب هو والد عياش هذا بدليل وصف كل منهما بالحضرمي و كون كليهما مصريا و هم من أهل بيوتات مصر فأبوه لهيعة كان من الرواة و أخوه عبد الله بن لهيعة كان قاضيا فقيها راويا مكثرا لقي 72 تابعيا و حفيد أخيه أحمد بن عيسى بن عبد الله بن لهيعة و ابن أخيه لهيعة بن عيسى بن لهيعة كانا من الرواة و أصلهم من اليمن أما عياش هذا فلم يتيسر لنا الآن مع الفحص معرفة شي‏ء من أحواله سوى أنه كان بمصر و له نباهة بامارة و نحوها بدليل قصد أبي تمام له إلى مصر و مدحه كما ياتي. في هبة الأيام سار أبو تمام إلى مصر قاصدا عياش بن لهيعة الحضرمي و مدحه اه فمن مدائحه فيه قوله من قصيدة:

لي حرمة بك أضحى حق نازلها # وقفا عليك فدتك النفس محبوسا

لله أفعال عياش و شيمته # تزيده كرما ان ساس أو سيسا

ما شاهد اللبس الا كان متضحا # و لا رأى الحق إلا كان ملموسا

فاضت سحائب من أنعامه فطمت # نعماه بالبوس حتى اجتثت البوسا

فرع علا في سماء العز متخذا # أصلا ثوى في قرار المجد مغروسا

و من مدائحه فيه قصيدة هذا مختارها

رضيت الهوى و الشوق خدنا و صاحبا # فان أنت لم ترضي بذلك فاغضبي

و لي بدن ياوي إذا الحب ضافه # إلى كبد حرى و قلب معذب

تصدع شمل القلب من كل وجهة # و تشعبه بالبث من كل مشعب

بمختبل ساج من الطرف احور # و مقتبل صاف من الثغر أشنب

من المعطيات الحسن و المؤتياته # مجلببة أو عاطلا لم تجلبب

لو أن امرأ القيس بن حجر بدت له # لما قال (مر أبي علي أم جندب )

أ حاولت ارشادي فعقلي مرشدي # أم استمت تاديبي فدهري مؤدبي

هما أظلما حالي ثمت أجليا # ظلاميهما عن وجه امرد أشيب

كان له دينا على كل مشرق # من الأرض أو ثارا لدى كل مغرب

رأيت لعياش خلائق لم تكن # لتكمل الا في اللباب المهذب

له كرم لو كان في الماء لم يغض # و في البرق ما شام امرؤ برق خلب

أخو أزمات بذله بذل محسن # إلينا و لكن عذره عذر مذنب

إذا أمه العافون الفوا حياضه # ملاء و الفوا روضه غير مجدب

إذا قال أهلا مرحبا نبعث لهم # مياه الندى من تحت أهل و مرحب

يهولك أن تلقاه صدرا لمحفل # و نحرا لأعداء و قلبا لموكب

باروع مضاء على كل أروع # و أغلب مقدام على كل أغلب

همام كنصل السيف كيف هززته # وجدت المنايا منه في كل مضرب

و ما ضيق أقطار البلاد أضافني # إليك و لكن مذهبي فيك مذهبي

و أنت بمصر غايتي و قرابتي # بها و بنو أبيك فيها بنو أبي

فقومت لي ما أعوج من قصد همتي # و بيضت لي ما اسود من وجه مطلبي

و هاك ثياب المدح فاجرر ذيولها # عليك و هذا مركب الحمد فاركب‏

488 و لكنه لم يقل لأبي تمام أهلا و مرحبا فلم تنبع له مياه الندى من تحتهما فلذلك قال يستبطئه من قصيدة:

غابت نجوم السعد يوم صدودهم # و أساءت الأيام فيها محضري

قتلته سرا ثم قالت جهرة # قول الفرزدق لا بظبي أعفر

و رأت شحوبا رابها في جسمه # ما ذا يريبك من جواد مضمر

ما كع عن حرب الزمان و رميه # بالصبر الا أنه لم ينصر

ما ان يزال مجد حزم مقبل # متوطئا أعقاب رزق مدبر

كم ظهر مرت مقفر جاوزته # فحللت ربعا منك ليس بمقفر

جودا كجود السيل الا أن ذا # كدر و ان نداك غير مكدر

الفطر و الأضحى قد انسلخا و لي # أمل ببابك صائم لم يفطر

حول و لم ينتج نداك و انما # تتوقع الحبلى لتسعة أشهر

قصر ببذلك عمر مطلك تحولي # حمدا يعمر عمر سبعة أنسر

كم من كثير البذل قد جازيته # شكرا بأطيب من نداه و أكثر

شر الأوائل و الأواخر ذمة # لم تصطنع و صنيعة لم تشكر

أفديك مورق موعد لم يفدني # من قول باغ انه لم يثمر

و لما لم ينجع فيه ذلك قال يعاتبه عتابا شبيها بالهجاء و ينسب إعراضه إلى قوم أفسدوه عليه من أبيات.

ذل السؤال شبحي في الحلق معترض # من دونه شرق من تحته جرض

ما ماء كفك ان جادت و ان بخلت # من ماء وجهي إذ أفنيته عوض

من أشتكي و إلى من اعتزى و ندى # من أجتدي كل أمر فيك منتقض

مودة ذهب أثمارها شبه # و همة جوهر معروفها عرض

أظن عندك أقواما و احسبهم # لم ياتلوا في ما أعدوا و ما ركضوا

يرمونني بعيون حشوها شزر # نواطق عن قلوب حشوها مرض

لو لا صيانة عرضي و انتظار غد # و الكظم حتم علي الدهر مفترض

لما فككت رقاب الشعر عن فكري # و لا رقابهم الاوهم حيض

أصبحت يرمي نباهاتي بخاملة # من كله لنبالي كلها غرض‏

هجاؤه في عياش

فلما لم ينجع ذلك تدرج إلى الهجو فقال فيه من أبيات فيها هجو فيه احتشام و تهديد بالزيادة و يظهر منها انه لم يكن قد انقطع امله منه بالكلية و ان غلب على ظنه الياس.

حضرمت دهري و أشكالي بكم و لكم # حتى بقيت كاني لست من أدد

ثم اطرحتم قراباتي و آصرتي # حتى توهمت اني من بني أسد

ثم انصرفت إلى نفسي لأظارها # إلى سواكم فلم تهشش إلى أحد

و مدح من ليس أهل المدح أحسبه # نفسي تفصل من قلبي و من كبدي

قوم إذا أعين الآمال جلنهم # رجعن مكتحلات عائر الرمد

و طلعة الشعر اقلى في عيونهم # و في قلوبهم من طلعة الأسد

قل قولة فيصلا تمضي حكومتها # في المنع ان عن لي منع أو الصفد

يحصن بها سندي أو يمتنع عضدي # أو يدن لي امدى أو يعتدل اودي

ان كنت في المطل ذا صبر و ذا جلد # فلست في الذم ذا صبر و ذا جلد

و حين أيقن باليأس و علم ان رجاءه من الوسواس خرج من الاحتشام إلى الأقذاع فقال فيه من أبيات:

ستعلم يا عياش ان كنت تعلم # فتندم ان خلاك جهلك تندم

وقفت عليك الظن حتى كأنما # لديك الغنى أو ليس في الأرض درهم

489

و كفكفت عنك الذم حتى كأنما # أجارك مجد أو كأنني مفحم

تركتك ما ان في أديمك ظاهر # و لا باطن إلا و لي فيه ميسم

و انك من مال و جود و محتد # لأعدم من ان يستريشك معدم

و ما لي اهجو حضر موت كأنهم # أضاعوا ذمامي أو كأنك منهم‏

و قال يهجوه أيضا و يعرض بان أصله ليس بعربي.

عياش انك للئيم و انني # إذ صرت موضع مطلبي للئيم

دنس تدبر أمره شيم له # شكس يدبر أمرهن اللوم

و منازل لم تبق فيها ساحة # إلا و فيها سائل محروم

عرصات سوء لم يكن لسيد # وطنا و لم يربع بهن كريم

جردت في ذميك خيل قصائدي # جالت بك الدنيا و أنت مقيم

الحقن بالجميز (1) أصلك صاغرا # و الشيح يضحك منك و القيصوم (2)

طبقات شحمك ليس يخفى انها # لم يبنها آء (3) و لا تنوم (4)

يا شاربا لبن اللقاح (5) تعربا # الصير (6) من يفنيه و الحالوم (7)

و المدعي صوران (8) منزل جده # قل لي لمن أهناس و الفيوم (9)

و قال فيه أيضا من قصيدة.

فقدتك من زمان كل فقد # و غالت حادثاتك كل غول

محت نكباته سبل المعالي # و أطفا ليله سرج العقول

فما حيل الأديب بمدركات # عجائبه و لا فكر الأصيل

أ عياش ارع أو لا ترع حقي # و صل أو لا تصل أبدا وسيلي

أراك-و من أراك الغي رشدا- # ستلبس حلتي قال و قيل

ملاحم من لباب الشعر تنسي # قراة أبيك كتب أبي قبيل (10)

فاجدى موقفي بذراك جدوى # وقوف الصب في الطلل المحيل

فصرت أذل من معنى دقيق # به فقر إلى فهم جليل

فما أدري عماي عن ارتيادي # دهاني أم عماك عن الجميل

متى طابت جنى و زكت فروع # إذا كانت خبيثات الأصول

ندبتك للجزيل و أنت لغو # ظلمتك لست من أهل الجزيل

كلا أبويك من يمن و لكن # كلا أبوي نوالك من سلول

489 رويدك ان جهلك سوف يجلو # لك الظلماء عن خزي طويل

شاظعن عالما ان ليس برء # لسقمي كالوسيج و كالذميل (11)

و قال فيه من أبيات:

ليسودن بقاع وجهك منطقي # أضعاف ما سودت وجه قصيدي

و ليفضحنك في المحافل كلها # صدري كما فضحت يداك و رودي

ما كان يخبرني القياس بباطل # عنكم و لكن حرت (عشت بالتقليد

ما كل من شاء استمرت بالندى # يده و لا استوطا فراش الجود

و قال فيه من أبيات:

ألف الهجاء فما يبالي عرضه # أ هجاه ألف أم هجاه واحد

سمجت بك الدنيا فما لك حامد # و سمجت بالدنيا فما لك حاسد

فلأشهرن عليك شنع أوابد # يحسبن أسيافا و هن قصائد

فيها لأعناق اللئام جوامع # تبقى و أعناق الكرام قلائد

يلزمن عرض قفاك و سم خزاية # لم يخزها بأبي عيينة خالد (12)

و الله يعلم أن شعرا شابه # فيك الهجاء أو المديح لكاسد

و قال في عياش بن لهيعة من أبيات.

كذبتم ليس يزهى من له حسب # و من له أدب عمن له أدب

يا أكثر الناس وعدا حشوه خلف # و أكثر الناس قولا كله كذب‏

اخباره مع الشعراء

كان في عصر أبي تمام جماعة من الشعراء و فيهم شعراء مفلقون بعضهم موال له و بعضهم معاد و له معهم أخبار طريفة.

اخباره مع عبد الصمد بن المعذل (13) العبدي

كان عبد الصمد هذا شاعرا فصيحا من شعراء الدولة العباسية بصري المولد و المنشأ و كان هجاء خبيث اللسان شديد العارضة كذا في الأغاني قال ابن خلكان : قصد أبو تمام البصرة و بها عبد الصمد ابن المعذل الشاعر فلما سمع بوصوله و كان في جماعة من غلمانه و أتباعه خاف من قدومه أن يميل الناس اليه و يعرضوا عنه فكتب اليه قبل دخول البلد:

أنت بين اثنتين تبرز للناس (14) # و كلتاهما بوجه مذال

لست تنفك راجيا لوصال # من حبيب أو طالبا لنوال

أي ماء يبقى لوجهك هذا (15) # بين ذل الهوى و ذل السؤال‏

فلما وقف عليها أضرب عن مقصده و رجع و قال قد شغل هذا ما يليه فلا حاجة لنا فيه و لما قال ابن المعذل هذه الأبيات في أبي تمام كتبها و دفعها إلى وراق كان هو و أبو تمام يجلسان اليه و لا يعرف أحدهما الآخر و أمره أن يدفعها إلى أبي تمام فلما وافى أبو تمام و قرأها قلبها و كتب.

أ في تنظم قول الزور و الفند # و أنت انقص من لا شي‏ء في العدد

أشرجت قلبك من غيظ على حرق # كأنها حركات الروح في الجسد

أقدمت ويلك من هجوي على خطر # كالعير يقدم من خوف على الأسد

و حضر عبد الصمد فلما قرأ البيت الأول قال ما أحسن علمه بالجدل أوجب زيادة و نقصا على معدوم و لما نظر إلى البيت الثاني قال الاشراج من عمل الفراشين و لا مدخل له هاهنا فلما قرأ البيت الثالث عض على شفته.

و قال الصولي قد ذكر ذلك أبو الفتح محمود بن الحسين المعروف بكشاجم في كتاب المصايد و المطارد عند قوله و أغفل الجاحظ في باب ذكر انقياد بعض

____________

(1) الجميز بضم الجيم و تشديد الميم المفتوحة التين الذاكر .

(2) الشيخ و القيصوم من نبات العرب .

(3) الآء ثمر شجر تأكله النعام .

(4) التنوم كتنور شجر له ثمر تأكله النعام حبه كحب الخروع تأكله أهل البادية .

(5) اللقاح بالكسر جمع لقوح كصبور و هي الناقة الحلوب .

(6) الصير بالكسر السميكات المملوحة تعمل منها الصحناء و هو ادام يتخذ من السمك الصغار .

(7) الحالوم ضرب من الأقط أو لبن يغلظ فيصير شبيها بالجبن الطري و هي لغة مصرية و الصير و الحالوم يكثر اتخاذهما بمصر فلذلك عيره بهما و لا بد أن يكون أبو تمام اقتاتهما أيام كان يسقي الماء بالجرة في المسجد الجامع بمصر ثم صار يعير عياشا بهما فسبحان المغير.

(8) صوران بالفتح بلدة باليمن .

(9) أهناس و الفيوم بلدتان بمصر -المؤلف-.

(10) أبو قبيل حي بن هانئ المعافري المصري من الرواة كان يخطئ و لهيعة أبو عياش لما كان من الرواة قال عنه أبو تمام هذا القول.

(11) نوعان من السير-المؤلف-

(12) هو خالد بن عبد الله بن أسيد ولاه عبد الملك بن مروان العراق و أمره بحرب الخوارج فهزموه و أبو عيينة هو ابن المهلب بن أبي صفرة كان له بلاء في حربهم.

(13) المعذل بالذال المعجمة و رسمه بالدال المهملة كما في بعض المواضع تصحيف-المؤلف-.

(14) في رواية الصولي (تغدو مع الناس)

(15) هكذا رواه ابن خلكان و الصواب رواية الصولي

(أي ماء لماء وجهك يبقى)

كما ياتي-المؤلف-.

490

المأكولات لبعض الآكلات ذكر الحمار الذي يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه (اه) ابن خلكان (و قد) اختلفت كلماتهم في هذه القصة التي جرت بين أبي تمام و ابن المعذل فرواها ابن خلكان كما سمعت و روايته لا تخلو من تناف فما ذكره أولا يدل على انه أرسل اليه الأبيات قبل أن يدخل البصرة و انه لما قرأها رجع و لم يدخلها و ما ذكره ثانيا يدل على انه أرسلها اليه بواسطة وراق فان كان هذا الوراق بالبصرة -كما هو الظاهر-فقد دخلها أبو تمام و وصلته الأبيات و هو فيها و اجتمع بابن المعذل فنافى ما ذكره أولا و ان كان الوراق خارج البصرة فقد وصلت أبا تمام لما أراد دخول البصرة فما وجه إرسالها اليه ثانيا. و روى الصولي في أخبار أبي تمام انه عزم على الانحدار إلى البصرة و الأهواز لمدح من بها فبلغ ذلك ابن المعذل فكتب اليه بالأبيات الثلاثة فلما قرأها قال قد شغل هذا ما يليه فلا أرب لنا فيه و اضرب عن عزمه (اه) و لم يذكر غير ذلك سوى انه روى البيت الأخير في غير موضع

(أي ماء لماء وجهك يبقى)

و صرح بأنه جعل للماء ماء. و في الأغاني عن ابن مهرويه عن عبد الله بن يزيد الكاتب قال جمع بين أبي تمام الطائي و بين عبد الصمد بن المعذل مجلس و كان عبد الصمد سريعا في قول الشعر و كان في أبي تمام إبطاء فاخذ عبد الصمد القرطاس و كتب فيه و ذكر الأبيات الثلاثة سوى انه ذكر البيت الأخير هكذا

(أي ماء لحر وجهك يبقى)

قال فاخذ أبو تمام القرطاس و خلا طويلا و جاء و قد كتب فيه:

أ في تنظم قول الزور و الفند # و أنت أنزر من لا شي‏ء في العدد

أشرجت قلبك من بغضي على حرق # كأنها حركات الروح في الجسد

فقال له عبد الصمد و ذكر شتما قبيحا أعرضنا عن ذكره و مما قال يا غث أخبرني عن قولك انزر من لا شي‏ء و قولك أشرجت قلبك قلبي مفرش أو عيبة أو خرج فاشرجه فما رأيت أغث منك فانقطع أبو تمام انقطاعا ما يرى أقبح منه و قام فانصرف و ما راجعه بحرف قال أبو الفرج : كان في ابن مهرويه تحامل على أبي تمام لا يضر أبا تمام هذا منه و ما أقل ما يقدح مثل هذا في مثل أبي تمام (اه) و منافاة هذا لما مر عن ابن خلكان ظاهرة فهو مناف لما ذكره أولا و لما ذكره ثانيا ثم ان في هذه الحكاية التي ذكرها أبو الفرج ما يستلفت النظر (أولا) قوله و كان في أبي تمام إبطاء و قوله و خلا طويلا فابو تمام الذي قال بديها في أثناء الإنشاد لما قيل له الأمير فوق من وصفت.

لا تعجبوا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى و البأس

فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة و النبراس‏

لا يعجزه أن يجيب على البداهة ابن المعذل عن شعره السخيف هذا حتى يحتاج إلى الإبطاء و الخلوة طويلا (ثانيا) قوله فانقطع أبو تمام انقطاعا ما يرى أقبح منه يصعب تصديقه فان هذه السخافة التي أوردها عبد الصمد لا توجب انقطاع أبي تمام و لا عجزه عن جوابها و ان صح ما ذكره من الشتم القبيح لأبي تمام فالأصوب أن يكون أبو تمام صان نفسه عن جوابه و قام و انصرف و اولى بالصواب ما مر عن ابن خلكان من انه قرأ البيت الثالث عض ابن المعذل على شفته ثم ان الذي في الديوان انه قال هذه الأبيات في هجو محمد بن يزيد لكن مع تغيير و زيادة.

أ في تنظم قول الزور و الفند # و أنت أنزر من لا شي‏ء في العدد

أسرجت قلبك من بغضي على حرق # أضر من حرقات الهجر للجسد

490 أنحفت جسمك حتى لو هممت بان # ألهو بصفعك يوما لم تجدك يدي

لا تنتسب قد حويت الفخر مجتمعا # و لذكر إذ صرت منسوبا إلى حسدي

أضللت روعك حتى صرت لي غرضا # قد يقدم العير من ذعر على الأسد

فهذا ما وقفنا عليه من اختلاف كلماتهم في هذه القصة

اخباره مع أبي الهيثم خالد بن يزيد الكاتب البغدادي

و أصله من خراسان و كان أحد كتاب الجيش و وسوس في آخر عمره كذا في الأغاني و فيه أيضا ان خالدا هذا هجا أبا تمام بأبيات ثلاثة أعرضنا عن ذكرها لما فيها من الفحش فبلغ أبا تمام ذلك فقال فيه أبياتا منها قوله.

شعرك هذا كله مفرط # في برده يا خالد البارد

فعلقها الصبيان و لم يزالوا يصيحون به يا خالد يا بارد حتى وسوس و حكى ذلك صاحب معاهد التنصيص عن الرياشي و لم أجد الأبيات التي هذا البيت منها في ديوان أبي تمام .

اخباره مع أبي إسحاق إبراهيم المدبر

و هو A12G إبراهيم بن محمد بن عبيد الله بن المدبر المتوفى A12G 279 في الأغاني إبراهيم هذا شاعر كاتب متقدم من وجوه كتاب أهل العراق و متقدميهم و ذوي الجاه و المتصرف في كبار الأعمال و مذكور الولايات و كان المتوكل يقدمه و يؤثره و يفضله (اه) (و المدبر) الذي يقول له مولاه أنت حر بعد وفاتي و كان أبوه أو أحد أجداده كذلك و كان ابن المدبر يعادي أبا تمام و يتعصب عليه و لا يوفيه حقه قال الصولي في أخبار أبي تمام حدثني عبد الله بن المعتز قال كان إبراهيم بن المدبر يتعصب على أبي تمام و يحطه عن رتبته فلا حاني فيه يوما فقلت له أ تقول هذا لمن يقول‏

(غدا الشيب مختطا بفودي خطة)

الأبيات الآتية عند ذكر أشعاره في الشيب و فيمن يقول-في رثاء محمد بن حميد الطائي -.

فان ترم عن عمر تدانى به المدى # فخانك حتى لم تجد فيه منزعا

فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة # فقطعها ثم انثنى فتقطعا

و لمن يقول:

خشعوا لصولتك (1) التي عودتهم # كالموت ياتي ليس فيه عار

فالمشي همس و النداء إشارة # خوف انتقامك و الحديث سرار

أيامنا مصقولة أطرافها # بك و الليالي كلها أسحار

تندى عفاتك للعفاة و تغتدي # رفقا إلى زوارك الزوار

قال و أنشدته أيضا غير ذلك فكاني و الله ألقمته حجرا. ثم قال الصولي في موضع آخر من كتاب اخبار أبي تمام : و من الإفراط في عصبيتهم عليه ما حدثني به أبو العباس عبد الله بن المعتز قال حدثني إبراهيم بن المدبر - و رأيته يستجيد شعر أبي تمام و لا يوفيه حقه-بحديث حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي و جعلته مثلا له قال وجه بي أبي إلى ابن الاعرابي لأقرأ عليه أشعارا و كنت معجبا بشعر أبي تمام فقرأت عليه من أشعار هذيل ثم قرأت عليه ارجوزة أبي تمام على انها لبعض شعراء هذيل .

و عاذل عذلته في عذله # فظن أني جاهل لجهله‏

حتى أتممتها فقال اكتب لي هذه فكتبتها له ثم قلت أ حسنة هي قال ما سمعت بأحسن منها قلت انها لأبي تمام قال خرق خرق. ثم قال الصولي .

قال ابن المعتز و هذا الفعل من العلماء مفرط القبح لأنه يجب أن لا يدفع

____________

(1) هي عندهم خ‏

491

إحسان محسن عدوا كان أو صديقا و أن تؤخذ الفائدة من الرفيع و الوضيع فإنه‏

يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص أنه قال الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك و لو من أهل الشرك‏

و يروى عن بزر جمهر (1) أنه قال أخذت من كل شي‏ء أحسن ما فيه حتى انتهيت إلى الكلب و الهرة و الخنزير و الغراب قيل و ما أخذت من الكلب قال إلفه لأهله و ذبه عن حريمه قيل فمن الغراب قال شدة حذره قيل فمن الخنزير قال بكورة في ارادته قيل فمن الهرة قال حسن رفقها عند المسألة و لين صياحها ثم قال الصولي : قال أبو العباس -يعني عبد الله بن المعتز -: و من عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب و تجذل و تحرك بها النفوس و تصغي إليها الأسماع و تشحذ بها الأذهان (و يعلم كل من له قريحة و فضل معرفة ان قائلها قد بلغ في الاجادة أبعد غاية و أقصى نهاية) فإنما غض من نفسه و طعن على معرفته و اختياره. و قد روي عن عبد الله بن العباس رحمه الله أنه قال: الهوى إله معبود و احتج بقول الله عز و جل‏ (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ) انقضى كلام عبد الله اه. و روى الخطيب في تاريخ بغداد هذا الخبر عن علي بن أيوب عن المرزباني محمد بن عمران عن أبي بكر الصولي عن ابن المعتز مثلما مر بعينه إلى قوله و لين صياحها. و روى المسعودي في مروج الذهب هذا الخبر ببعض اختلاف فقال كان إبراهيم بن المدبر مع محله في العلم و الأدب و المعرفة يسي‏ء الرأي في أبي تمام و يحلف انه لا يحسن شيئا قط فقلت له يوما ما تقول في قوله‏

(غدا الشيب مختطا)

و ذكر الأبيات المتقدمة و فيمن يقول (فان ترم عن عمر البيتين. و فيمن يقول:

شرف على أولى الزمان و انما # خلق المناسب ما يكون جديدا (2)

و فيمن يقول:

إذا أحسن الأقوام ان يتطاولوا # بلا نعمة أحسنت ان تتطولا

و فيمن يقول:

ممطر لي الحياة و المال لا ألقاك # الا مستوهبا أو وهوبا

و إذا ما أردت كنت رشاء # و إذا ما أردت كنت قليبا

و القائل (خشعوا) لصولتك) الأبيات المتقدمة و فيمن يقول:

إذا أوهدت أرضا كان فيها # رضاك فلا نحن إلى رباها

قال فو الله لكاني أغريت ابن المدبر بأبي تمام حتى سبه و لعنه فقلت إذا فعلت ذلك لقد حدثني عمر بن أبي الحسين الطوسي الراوية أن أباه وجه به إلى ابن الأعرابي يقرأ عليه أشعار هذيل فمرت بنا اراجيز فأنشدته أرجوزة لأبي تمام لم أنسبها اليه-و هي أكثر من هذا في الديوان -و هي في هجاء صالح بن عبد الله الهاشمي .

و عاذل عذلته في عذله # فظن اني جاهل من جهله

لبست ريعاني فدعني ابله # و ملك في كبره و نبله

و سوقة في قوله و فعله # بذلت مدحي فيه باغي بذله

فجذ حبل املي من أصله # من بعد ما استعبدني بمطله

ثم أتى معتذرا بجهله # ذا عنق في المجد لم يحله

491 يلحظني في جده و هزله # يعجب من تعجبي من بخله

لحظ الأسير حلقات كبله # حتى كاني جئته بعزله‏

فقال لابنه أكتبها فكتبها على ظهر كتاب من كتبه فقلت له جعلت فداك إنها لأبي تمام فقال خرق خرق ثم قال و هذا من ابن المدبر قبيح مع علمه لأن الواجب أن لا يدفع إحسان محسن إلى آخر ما مر سوى أنه قال عن بزر جمهر و كان من حكماء الفرس و قال في الكلب و ذبه عن صاحبه و قال في الخنزير بكوره في حوائجه و في الهرة حسن نغمتها و تملقها لأهلها عند المسألة اه و قال ابن عساكر قال عبد الله بن المعتز ، حدثت إبراهيم بن المدبر و رأيته يستجيد شعر أبي تمام و لا يوفيه حقه فتذكرت حديثا حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي جعلته مثلا له قال بعثني أبي إلى ابن الاعرابي إلى آخر ما مر عن الصولي و قد وقع بين الروايتين اختلاف فالمسعودي روى أن القصة كانت لابن أبي الأزهر مع ابن المدبر و أنه هو الذي ذكر لابن المدبر قصة الطوسي مع ابن الاعرابي ليجعلها عبرة له و أن الذي كتب الأبيات لابن الاعرابي هو ابنه و الصولي جعل القصة لابن المعتز مع ابن المدبر و أن ابن المعتز هو الذي حدث ابن المدبر بحديث الطوسي مع ابن الاعرابي و جعله مثلا له و أن الذي كتب الأبيات لابن الاعرابي هو ابن الطوسي و يمكن ان تكونا واقعتين وقعتا لابن أبي الأزهر و لابن المعتز مع ابن المدبر و الله أعلم. ثم ان قول المسعودي و هذا من ابن المدبر قبيح إلخ ظاهره أن هذا الكلام للمسعودي و صريح الصولي و ابن عساكر أنه لابن المعتز ، ثم ان المسعودي روى الحكاية عن عمر بن أبي الحسين الطوسي و الخطيب البغدادي و ابن عساكر حكوها عن أبي عمرو بن أبي الحسن الطوسي و الظاهر أن هذا هو الصواب و ما في مروج الذهب تحريف من النساخ أن في بعض المواضع ابن أبي الحسن و في بعضها ابن أبي الحسين.

اخباره مع ابن الاعرابي

و اسمه محمد بن زياد مولى بني هاشم كان من أكابر أئمةاللغةالمشار إليهم في معرفتها و بالغ المترجمون في وصفه بمعرفةاللغةو الحفظ و غيرهما و لم نجد من ذكر وجه تسميته بابن الاعرابي مع أنه مولى الا ما يمكن أن يستفاد مما حكاه ابن خلكان في آخر ترجمته عن العزيزي في كتابه (غريب القرآن أنه يقال رجل أعجم و أعجمي إذا كان في لسانه عجمة و إن كان من العرب و رجل عجمي منسوب إلى العجم و إن كان فصيحا و رجل اعرابي إذا كان بدويا و إن لم يكن من العرب و رجل عربي منسوب إلى العرب و إن لم يكن بدويا اه فكأنه سمي بابن الاعرابي لأن أباه كان من أهل البوادي و إن لم يكن عربيا. و قد عرفت مما مر في اخباره مع ابن المدبر ان ابن الاعرابي كان يعادي أبا تمام و يعيبه كابن المدبر و إنه لما أنشد أبياتا لأبي تمام استحسنها قبل أن يعلم انها له فلما علم انها له قال خرق خرق. و في اخبار أبي تمام للصولي حكي ان ابن الاعرابي قال و قد انشد شعرا لأبي تمام ان كان هذا شعرا فما قاله العرب باطل.

و حكى الصولي في اخبار أبي تمام ان ابن الاعرابي تمثل بشعر أبي تمام و هو لا يدري قال حدثني علي بن محمد الأسدي حدثني احمد بن يحيى ثعلب قال وقف ابن الاعرابي على المدائني فقال له إلى اين يا أبا عبد الله قال إلى الذي هو كما قال الشاعر.

تحمل أشباحنا إلى ملك # نأخذ من ماله و من أدبه‏

____________

(1) بضم ألباء و الزاي و سكون الراء و ضم الجيم و كسر الميم و سكون الهاء-المؤلف-

(2) في النسخة المطبوعة

(و إنما الشرف المناسب ما يكون كريما)

و هو تحريف قبيح و لا شك أنه من النساخ. و معنى البيت ان شرفهم قديم موجود على أولى الزمان و إنما الخلق اي البالي من المناسب اي الأنساب ما يكون جديدا حادثا و البيت من قصيدة دالية سياتي جملة منها في اخبار أبي تمام مع البحتري -المؤلف-

492

قال الصولي فتمثل بشعر أبي تمام و هو لا يدري و لعله لو درى ما تمثل به و كذلك فعل في النوادر جاء فيها بكثير من أشعار المحدثين و لعله لو علم بذلك ما فعله اه قال الآمدي في الموازنة حكاية عن صاحب أبي تمام :

و أما ابن الاعرابي فكان شديد التعصب على أبي تمام بغرابة مذهبه و لأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه و لا يعلمه فكان إذا سئل عن شي‏ء منها يأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه و الدليل على ذلك أنه أنشد يوما أبياتا من شعره و هو لا يعلم قائلها فاستحسنها و أمر بكتبها فلما عرف انه قائلها قال خرقوا و كان ابن الاعرابي على علمه و تقدمه قد حمل نفسه على هذا الظلم القبيح و التعصب الظاهر.

اخباره مع علي بن الجهم

كان علي بن الجهم شاعرا مجيدا و كان صديقا لأبي تمام و رثى أبا تمام بعد موته كما ياتي و أراد علي بن الجهم سفرا فكتب اليه أبو تمام الأبيات الآتية يمدحه بها و يتألم لفراقه كما في ديوان أبي تمام و من الغريب مصادقة ناصبي و شيعي A13G فابن الجهم كان A13G ناصبيا حتى بلغ من نصبه أنه هجا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع فهجاه البحتري لأجل ذلك بهجاء مقذع من جملته:

بآية حالة تهجو عليا # بما لفقت من كذب و زور

في أبيات اخر اقذع فيها البحتري كما ان دعبلا الخزاعي كان يعادي أبا تمام و هو على مذهبه في التشيع و البحتري كان صديق أبي تمام و دعبل و رثاهما بعد موتهما كما ياتي فهو صديق العدوين و كذلك محمد بن وهيب الحميري كان بينه و بين أبي تمام عداوة و هجاه أبو تمام بأبيات موجودة في ديوانه و كلاهما شيعي . روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده عن محمد بن يحيى الصولي حدثنا محمد بن موسى بن حماد و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني محمد بن موسى قال سمعت علي بن الجهم ذكر دعبلا فكفره و لعنه و طعن على أشياء من شعره و قال كان يكذب على أبي تمام و يضع عليه الاخبار و و الله ما كان اليه و لا مقاربا له و أخذ في وصف أبي تمام هكذا في أخبار أبي تمام للصولي و في تاريخ بغداد بعد قوله و لعنه: و قال كان قد أغري بالطعن على أبي تمام و هو خير منه دينا و شعرا ثم قالا فقال له رجل و الله لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على كثرة وصفك له (على مدحك له) فقال ان لا يكن أخا بالنسب فإنه أخ‏بالأدب‏و الدين و المروءة (و المودة) أ و ما سمعت قوله في (ما خاطبني به) .

إن يكد مطرف الإخاء فاننا # نغدو و نسري في إخاء تالد

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا # عذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننا # أدب أقمناه مقام الوالد

و في الأغاني أخبرني محمد بن يحيى الصولي حدثني محمد بن موسى ابن حماد قال علي بن الجهم يصف أبا تمام و يفضله فقال و الله لو كان أبو تمام أخاك ما زدت على كثرة وصفك له إلى آخر ما مر ثم قال أ و ما سمعت ما خاطبني به و ذكر الأبيات الثلاثة المتقدمة (أقول) و إلى البيت الأخير ينظر قول الشريف الرضي في رثاء أبي إسحاق الصابي

الفضل ناسب بيننا إن لم يكن # شرفي يناسبه و لا ميلادي‏

و هذه من جملة الأبيات التي مر أنه كتب بها اليه لما أراد سفرا و أولها:

هي فرقة من صاحب لك ماجد # فغدا إذابة كل دمع جامد

492 و إذا فقدت أخا فلم تفقد له # دمعا و لا صبرا فلست بفاقد

إن يكد مطرف الإخاء

(الأبيات الثلاثة) و منها:

صعب فان سومحت كنت مسامحا # سلسا جريرك في يمين القائد

ألبست فوق بياض مجدك نعمة # بيضاء تسرع في سواد الحاسد

و مودة لازهدت في راغب # يوما و لا هي رغبت في زاهد

غناء ليس بمنكر أن يغتدي # في روضها الراعي أمام الرائد

ما ادعي لك جانبا من سؤدد # إلا و أنت عليه أعدل شاهد

و لكن ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: ذكر دعبل عند علي بن الجهم فكفره و لعنه ثم ذكر ما مر عن تاريخ بغداد إلى قوله و الدين و المروءة ثم قال أ و ما سمعت قوله:

ذو الود مني و ذو القربى بمنزلة # و اخوتي اسوة عندي و اخواني

عصابة جاورت آدابهم ادبي # فهم و إن ضربوا في الأرض جيراني

أرواحنا في مكان واحد و غدت # أبداننا بشام أو خراسان

و رب نائي المغاني روحه أبدا # لصيق روحي و دان ليس بالداني‏

(أقول) و هذه الأبيات النونية هي من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب و يشفع في رجل يقال له سليمان بن رزين هكذا في الديوان المطبوع و سليمان بن رزين هو عم دعبل بن علي بن رزين الخزاعي و وقع في الديوان المطبوع بعد رزين تحريف. و الخطيب قال ان ابن الجهم انشد الأبيات الدالية و ابن عساكر قال انه أنشد النونية و لعله أنشد كليهما و الله أعلم.

و قال أبو تمام يعاتب علي بن الجهم من أبيات:

باي نجوم وجهك يستضاء # أبا حسن و شيمتك الاباء

أ تترك حاجتي غرض التواني # و أنت الدلو فيها و الرشاء

أخباره مع دعبل بن علي الخزاعي

و شهرته تغني عن وصفه يظهر مما ذكره المؤرخون أن دعبلا كان يعادي أبا تمام و يثلبه و يتحامل عليه و ينسبه إلى السرقة في شعره و قد مر في أخباره مع ابن الجهم ما يدل على عداوته له و لا غرو فعدو المرء من يعمل عمله و هو ظالم له في ذلك.

ففي أخبار أبي تمام للصولي : حدثني هارون بن عبد الله المهلبي قال سئل دعبل عن أبي تمام فقال ثلث شعره سرقة و ثلثه غث و ثلثه صالح و قال محمد بن داود حدثني ابن أبي خيثمة : سمعت دعبلا يقول لم يكن أبو تمام شاعرا إنما كان خطيبا و شعره بالكلام أشبه منه بالشعر قال و كان يميل عليه و لم يدخله في كتابه كتاب الشعراء اه و قوله لم يكن شاعرا إنما كان خطيبا إلخ تحامل بارد و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني أبو بكر هارون بن عبد الله المهلبي و رواه في الأغاني عن الصولي عن المهلبي قال كنا في حلقة دعبل فجرى ذكر أبي تمام فقال دعبل كان يتتبع معاني فيأخذها فقال له رجل في مجلسه و أي شي‏ء من ذلك أعزك الله قال قولي:

إن امرأ أسدى إلي بشافع # اليه و يرجو الشكر مني لأحمق

شفيعك فاشكر في الحوائج إنه # يصونك عن مكروهها و هو يخلق‏

فقال الرجل فكيف قال أبو تمام فقال قال:

فلقيت بين يديك حلو عطائه # و لقيت بين يدي مر سؤاله

و إذا امرؤ أسدى إليك صنيعة # من جاهه فكأنها من ماله‏

493

فقال له الرجل أحسن و الله فقال كذبت قبحك الله فقال و الله لئن كان أخذه منك لقد أجاده فصار أولى به منك و إن كنت أخذته منه فما بلغت مبلغه فغضب دعبل و انصرف اه قال أبو بكر الصولي و شعر أبي تمام أجود فهو مبتدئا و متبعا أحق بالمعنى ثم قال و لدعبل خبر في شعره هذا مشهور أذكره بسبب ما قبله حدثني محمد بن داود حدثني يعقوب بن إسحاق الكندي قال: كانت على القاسم بن محمد الكندي وظيفة لدعبل في كل سنة فأبطأت عليه فكلمني فاذكرته بها فما برح حتى أخذها فقال دعبل

(ان امرأ اسدى إلي بشافع)

و ذكر البيتين قال و قد تبع البحتري أبا تمام فقال في هذا المعنى:

و عطاء غيرك ان بذلت # عناية فيه عطاؤك‏

و في الأغاني بإسناده عن محمد بن جابر الأزدي قال و كان يتعصب لأبي تمام قال أنشدت دعبل بن علي شعرا لأبي تمام و لم أعلمه أنه له ثم قلت له كيف تراه قال أحسن من عافيه بعد يأس فقلت أنه لأبي تمام فقال لعله سرقه. و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني عون بن محمد قال شهدت دعبلا عند الحسن بن رجاء و هو يضع من أبي تمام فاعترضه عصابة الجرجرائي فقال يا أبا علي اسمع مني مما مدح به أبا سعيد محمد بن يوسف فان رضيته فذاك و أعوذ بالله فيك من أن لا ترضاه ثم أنشده قوله:

أما أنه لو لا الخليط المودع # و مغنى عفا منه مصيف و مربع‏

فلما بلغ إلى قوله:

لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف # و ذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع

هو السيل ان واجهته انقدت طوعه # و تقتاده من جانبيه فيتبع

و لم أر نفعا عند من ليس ضائرا # و لم أر ضرا عند من ليس ينفع

معاد الورى بعد الممات و سيبه # معاد لنا قبل الممات و مرجع‏

فقال دعبل لم ندفع فضل هذا الرجل و لكنكم ترفعونه فوق قدره و تقدمونه على من يتقدمه و تنسبون اليه ما قد سرقه فقال له عصابة إحسانه صيرك له عائبا و عليه عاتبا (اه) و في الاغاني بسنده عن محمد بن موسى بن حماد : كنا عند دعبل أنا و القاسم في A0G سنة 235 بعد قدومه من الشام فذكرنا أبا تمام فثلبه و قال هو سروق للشعر ثم قال لغلامه يا ثقيف هات تلك المخلاة فجاء بمخلاة فيها دفاتر فجعل يمرها على يده حتى أخرج منها دفترا فقال اقرءوا هذا فنظرنا فإذا فيه قال مكنف أبو سلمى من ولد زهير بن أبي سلمى و كان هجا دفاقة (دفافة) العبسي ثم مات بعد ذلك و رثاه فقال:

أ بعد أبي العباس يستعذب الشعر (1)

(2) # فما بعده للدهر حسن (3) و لا عذر

و في تاريخ دمشق لابن عساكر رواية هذا البيت هكذا

أ بعد أبي العباس يستعتب الدهر # و لا بعده للدهر عتب و لا عذر

و زاد بعده:

و لو عوتب المقدار و الدهر بعده # لما أغنيا ما أورق السلم النضر

493 ألا أيها الناعي دفاقة و الندى (4) # تعست و شلت من أناملك العشر

أ تنعى لنا من قيس عيلان صخرة # تفلق عنها من جبال العدي الصخر

إذا ما أبو العباس خلى مكانه # فلا حملت أنثى و لا نالها طهر

و لا أمطرت أرضا سماء و لا جرت # نجوم و لا لذت لشاربها الخمر

كان بني القعقاع يوم مصابه (5) # نجوم سماء خر من بينها البدر

توفيت الآمال يوم وفاته (6) # و أصبح في شغل عن السفر السفر

ثم قال سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة فادخلها في قصيدته:

كذا فليجل الخطب و ليفدح الأمر # و ليس لعين لم يفض ماؤها عذر

(اه) و زاد الآمدي في الموازنة :

يعزون عن ثاو تعزى به العلى # و يبكي عليه البأس و المجد و السفر

و ما كان الآمال من قل ماله # و ذخرا لمن أمسى و ليس له ذخر

قال الآمدي قال أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراج قال أبو محمد اليزيدي أنشدني دعبل هذه القصيدة و جعل يعجبني من الطائي في أخذه إياها و تغييره بعض أبياتها (أقول) محل السرقة على رواية الاغاني في البيتين الأخيرين (كان بني القعقاع ) و البيت الذي بعده فهما موافقان لقول أبي تمام :

كان بني نبهان يوم وفاته # نجوم سماء خر من بينها البدر

توفيت الآمال بعد محمد # و أصبح في شغل عن السفر السفر

و أبو تمام في غنى عن أن يسرق من قصيدة أبي سلمى و ليس هو دون أبي سلمى في الشعر ان لم يكن أشعر منه فما الذي يدعوه إلى أن يسرق منه و قصيدته هذه من أعلى طبقات الشعر و قد تمنى أبو دلف أن تكون قيلت في رثائه و قال إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر فكون أبي تمام سرق من أبي سلمى أبياتا أدخلها في قصيدته هذه الفائقة مما لا يقبله عقل بل اما أن يكون هذا من توارد الخاطر أو أن دعبلا ادخل من شعر أبي تمام في شعر أبي سلمى قصدا للتشنيع على أبي تمام كما كان السري الرفا يشنع على الخالدين بأنهما يسرقان شعره و لم يكن الخالديان بحاجة إلى سرقة شعره و هما شاعران مفلقان و يعلمان ان السري لهما بالمرصاد و لكنها العداوة تبعث على أكثر من هذا و كان دعبل يعادي أبا تمام و لو سلمنا جدلا أن أبا تمام أو غيره ادخل بيتا أو بيتين استحسنهما في قصيدة هي من غرر شعره ... تبها مشتبها بها و لم يتميزا لم يقدح ذلك في شاعريته. و بعد كتابه ما تقدم رأينا الصولي أورد هذا الحديث فقال حدثني موسى بن حماد قال كنت عند دعبل بن علي انا و العمروي و ذكر ما تقدم لكنه قال نفنف بدل ثقيف و ذفافة بدل دفاقة ثم قال و حدثني محمد بن موسى بهذا الحديث مرة اخرى فحدثت الحسن بن وهب بذلك فقال لي اما قصيدة مكنف هذه فانا أعرفها و شعر هذا الرجل عندي و قد كان أبو تمام ينشدنيه و ما في قصيدته شي‏ء مما في قصيدة أبي تمام و لكن دعبلا خلط القصيدتين إذ كانتا في وزن واحد و كانتا مرثيتين ليكذب على أبي تمام (اه) و في الاغاني : اخبرني الصولي حدثني عبد الله بن الحسين حدثني وهب بن سعيد قال جاء دعبل إلى الحسن بن وهب في حاجة بعد موت أبي تمام فقال له رجل في المجلس يا أبا علي أنت الذي تطعن على من يقول.

شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي # و محت كما محت و شايع من برد

و انجدتم من بعد اتهام داركم # فيا دمع انجدني على ساكني نجد

.

____________

(1) شبه الممدوح بالسيل في انه لا ينال المراد منه بالعنف و انما ينال بالملاينة كما ان السيل من واجهه مدافعا له بالعنف اخذه و مر به و من أخذ منه سواقي من جانبيه جرى ماؤه منها و تبعه.

(2) يستعتب الدهر خ‏

(3) عتبى خ (3) ذا

(4) ى خ.

(5) بعد وفاته خ‏

(6) بعد ذفافة خ. -المؤلف-

494

فصاح دعبل أحسن و الله و جعل يردد في دمع انجدني على ساكني نجد ) ثم قال رحمه الله لو كان ترك لي شيئا من شعره لقلت انه أشعر الناس (اه) و ذكره الصولي في اخبار أبي تمام مثله و في هبة الأيام : قال رجل للحسن بن وهب ان أبا تمام سرق من رجل يقال له مكنف من ولد زهير بن أبي سلمى و هو رجل من الجزيرة قصيدته التي يقول فيها.

كان بني القعقاع يوم وفاته # نجوم سماء خر من بينها البدر

توفيت الآمال بعد دفاقة # و أصبح في شغل عن السفر السفر

فقال الحسن بن وهب هذا دعبل حكاه و اشاعه في الناس و قد كذب و شعر مكنف عندي ثم امر بإخراجه فأخرجت هذه القصيدة فقرأها الرجل فلم يجد فيها شيئا مما قال أبو تمام في قصيدته ثم دخل دعبل علي الحسن بن وهب فقال يا أبا علي بلغني انك قلت في أبي تمام كيت و كيت فهبه سرق هذه القصيدة كلها و قبلنا قولك أسرق شعره كله أ تحسن ان تقول كما قال

(شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي)

البيتين فانخزل دعبل و استحيا فقال له الحسن بن وهب إن الندم توبة و هذا الرجل قد توفي و لعلك كنت تعاديه في الدنيا حسدا على حظه منه و قد مات الآن و حسبك من ذكره فقال له أصدقك يا أبا علي ما كان بيني و بينه شي‏ء الا اني سالته ان ينزل لي عن شعره فبخل علي و انا الآن أمسك عن ذكره فضحك من قوله و اعترافه بما اعترف (اه) و هذا معنى ما مر من قوله لو كان ترك لي شيئا من شعره لقلت انه أشعر الناس و لكن هذا لا يقبله عقل فدعبل -و هو في طليعة الشعراء-لم يكن مفتقرا إلى ان يتنازل له أبو تمام عن شي‏ء من شعره و هبه كان مفتقرا فشعر أبي تمام كان مشهورا قد تناقلته الرواة و دعبل يعلم بذلك فلو تنازل له عن شي‏ء منه لما نسب الا إلى السرقة على اننا لم نسمع حتى اليوم بشاعر طلب إلى آخر أن يتنازل عن شي‏ء من شعره لينسبه إلى نفسه.

و في اخبار أبي تمام للصولي بعد ذكر الحديث السابق للحسن بن وهب مع دعبل ما لفظه: و لهذا الشعر خبر حدثني عبد الله بن المعتز قال جاءني محمد بن يزيد النحوي فاحتبسته فأقام عندي فجرى ذكر أبي تمام فلم يوفه حقه و كان في المجلس رجل من الكتاب نعماني ما رأيت أحدا احفظ لشعر أبي تمام منه فقال له يا أبا العباس ضع في نفسك من شئت من الشعراء ثم انظر أ يحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي يعتذر اليه‏

(شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي)

البيتين-ثم مد فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار.

اتاني مع الركبان ظن ظننته # لففت له رأسي حياء من المجد

لقد نكب الغدر الوفاء بساحتي # إذا و سرحت الذم في مسرح الحمد

جحدت إذا كم من يدلك شاكلت # يد القرب أعدت مستهاما على البعد

و من زمن ألبستنيه كأنه # إذا ذكرت أيامه زمن الورد

و كيف و ما أخللت بعدك بالحجى # و أنت فلم تخلل بمكرمة بعدي

أ سربل هجو القول من لو هجوته # إذا لهجاني عنه معروفه عندي

كريم متى امدحه امدحه و الورى # معي و متى ما لمته لمته وحدي

فان يك جرم عن اوتك هفوة # على خطا مني فعذري على عمد

فقال أبو العباس محمد بن يزيد : ما سمعت أحسن من هذا قط ما يهضم هذا الرجل حقه إلا أحد رجلين إما جاهل بعلم الشعر و معرفة 494 الكلام و إما عالم لم يتبحر شعره و لم يسمعه قال أبو العباس عبد الله بن المعتز و ما مات-أي المبرد -إلا و هو منتقل عن جميع ما كان يقوله مقر بفضل أبي تمام و إحسانه (اه) و في اخبار أبي تمام للصولي : حدثنا أبو عبد الله الآلوسي اخبرني أبو محمد الخزاعي المكي صاحب كتاب مكة عن الأزرقي قال بلغ دعبلا ان أبا تمام هجاه عند ما قال قصيدته التي رد فيها على الكميت و هي:

افيقي من ملامك يا ظعينا # كفاك اللوم مر الأربعينا

فقال أبو تمام :

نقضنا للخطيئة ألف بيت # كذاك الحي يغلب ألف ميت

و ذلك دعبل يرجو سفاها # و حمقا ان ينال مدى الكميت

إذا ما الحي ناقض جذم قبر # فذلكم ابن زانية بزيت‏

و ان دعبلا لما بلغته هذه الأبيات قال.

يا عجبا من شاعر مفلق # اباؤه في طيئ تنمي

أنبئته يشتم من جهله # امي و ما أصبح من همي

فقلت لكن حبذا أمه # طاهرة زاكية علمي

أكذب و الله على أمه # ككذبه أيضا على امي‏

قال الصولي و قد رويت هذه الأبيات التائية لأبي سعد المخزومي و رويت الأبيات الميمية لغير دعبل في أبي تمام .

اخباره مع إبراهيم بن العباس الصولي

كان إبراهيم هذا كاتبا شاعرا تنقل في الأعمال الجليلة و الولايات إلى ان مات و هو يتولى ديوان الضياع و النفقات للمتوكل و هو عم والد أبي بكر الصولي و ذكرت ترجمته في محلها من كتاب الأعيان .

في اخبار أبي تمام لابي بكر محمد بن يحيى الصولي حدثني أبو ذكوان :

حدثني عمك احمد بن عبد الله طماس قال كنت عند عمي إبراهيم بن العباس فدخل عليه رجل فرفعه حتى جلس إلى جانبه أو قريبا ثم حادثه إلى ان قال له يا أبا تمام و من بقي ممن يعتصم به و يلجا اليه فقال أنت فلا عدمت و كان إبراهيم تاما فأنشده.

يمد نجاد السيف حتى كأنه # بأعلى سنامي فالج يتطوح

و يدلج في حاجات من هو نائم # و يوري كريمات الندى حين يقدح

إذا اعتم بالبرد اليماني خلته # هلالا بدا في جانب الأفق يلمح

يزيد على فضل الرجال فضيلة # و يقصر عنه مدح من يتمدح‏

فقال له أنت تحسن قائلا و راويا و متمثلا فلما خرج تبعته فقلت أمل علي هذه الأبيات فقال هي لابي الجويرية العبدي يقولها للجنيد بن عبد الرحمن فأخرجتها من شعره و في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو الحسين بن السخي حدثني الحسن بن عبد الله سمعت إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام و قد أنشده شعرا له في المعتصم يا أمراء أبا تمام أمراء الكلام رعية لإحسانك فقال له أبو تمام ذك لأني استضي‏ء برأيك و أرد شريعتك. (أخذ إبراهيم بن العباس في نثره من شعر أبي تمام )

في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني القاسم بن إسماعيل أبو ذكوان قال سمعت عمك (1) إبراهيم بن العباس الصولي يقول ما اتكلت في مكاتبتي الا على ما يجيله خاطري و يجيش به صدري الا قولي: و صار ما كان يحرزهم يبرزهم و ما كان يعقلهم يعتقلهم و قولي في رسالة اخرى.

____________

(1) هو عم أبيه لا عمه و أطلق عليه انه عمه توسعا كما يطلق على الجد انه أب‏

495

فأنزلوه من معقل إلى عقل و بدلوه آجالا من آمال فاني ألممت في قولي آجالا من آمال بقول مسلم بن الوليد

موف على مهج في يوم ذي رهج # كأنه أجل يسعى إلى أمل‏

.

و في المعقل و العقال بقول أبي تمام -في مدح المعتصم .

فان باشر الإصحار فالبيض و القنا # قراه و أحواض المنايا مناهله

و ان بين حيطانا عليه فإنما # أولئك عقالاته (1) لا معاقله

و الا فأعلمه بانك ساخط # و دعه فان الخوف لا شك قاتله

بيمن أبي إسحاق طالت يد الهدى # و قامت قناة الدين و اشتد كاهله

هو البحر من أي النواحي أتيته # فلجته المعروف و الجود ساحله

تعود بسط الكف حتى لو انه # ثناها لقبض لم تجبه أنامله‏

ثم قال لي أ ما تسمع يا قاسم قلت بلى و الله يا سيدي قال انه اخترم و ما استمتع بخاطره و لا نزح ركي فكره حتى انقطع رشاء عمره (اه)

(اخباره مع أبي الحسن محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي ) .

كان محمدا هذا شاعرا أديبا ذكره المرزباني في معجم الشعراء و قال شاعر مشهور أديب كان ينزل قنسرين من أرض الشام بينه و بين أبي تمام الطائي و البحتري مخاطبات (اه) و قد مدحه أبو تمام بقصيدة في ديوانه من جملتها يذكر فيها النياق.

نرمي باشباحنا إلى ملك # نأخذ من ماله و من أدبه

نجم بني صالح و هم أنجم العالم # من عجمه و من عربه

رهط النبي الذي تقطع أسباب # البرايا غدا سوى سببه

مهذب قدت النبوة و الإسلام # قد الشراك من نسبه

من ذا كعباسه إذا اصطكت الأحساب # أم من كعبد مطلبه

مشمر ما يكل في طلب العلياء # و الحاسدون في طلبه

أعلاهم دونه و اسبقهم # إلى الندى و اطي‏ء على عقبه

يتلو رضاه الغني بأجمعه # و تحذر الحادثات في غضبه‏

و مع مدح أبي تمام لمحمد هذا فقد هجا هو أبا تمام و لم ندر ما سبب ذلك في اخبار أبي تمام للصولي قال محمد بن عبد الملك بن صالح يهجو أبا تمام .

قد جاءني و المقام مختلف # شعر أبي ناقض على بعده

فكان كالسهم صاف (2) عن سدد القول # و عن قصده و عن امده‏

اخباره مع مخلد بن بكار الموصلي

كان مخلد هذا شاعرا و قد هجا أبا تمام فترفع أبو تمام عن هجائه قال الصولي : حدثني أبو سليمان النابلسي قال قيل لابي تمام قد هجاك مخلد فلو هجوته قال الهجاء يرفع منه قال أ ليس هو شاعرا قال لو كان شاعرا ما كان من الموصل يعني ان الموصل لم تخرج شاعرا قال أبو سليمان و أصل مخلد من الرحبة ثم اقام بالموصل . حدثني احمد بن محمد البصري غلام خالد الحذاء الشاعر و روايته حدثني الخليع الشاعر القرشي قال كان أول شعر هجا به مخلد أبا تمام قوله. 495

أنت عندي عربي الأصل # ما فيك كلام

عربي عربي # أ جائي ما ترام

شعر فخذيك و ساقيك # خزامى و ثمام

و ضلوع الشلو من صدرك # نبع و بشام

و قذى عينيك صمغ # و نواصيك ثغام

لو تحركت كذا # لانجفلت منك نعام

و ظباء مخصبات # و يرابيع عظام

أنا ما ذنبي إن # خالفني فيك الأنام

و أتت منك سجايا # نبطيات لئام

و قفا يحلف ان ما # عرقت فيك الكرام

ثم قالوا جاسمي # من بني الأنباط خام

كذبوا ما أنت الا # عربي ما تضام

بيته ما بين سلمى # و حواليه سلام

و له من إرث آباء # قسي و سهام

و نخيل باسقات # قد دنا منها صرام

أنت عندي عربي # عربي و السلام‏

قال و انشدني أبو جعفر مولى آل سليمان بن علي لمخلد في أبي تمام .

ويلك من دلاك في نسبة # قلبك منها الدهر مذعور

لو ذكرت طاء على فرسخ # أظلم في ناظرك النور

قال و انشدني أبو سليمان الضرير لمخلد في أبي تمام .

و ذكر ارجوزة طويلة اخترنا منها هذين البيتين:

هيجت مني شاعرا ازبا # يدير في فيه حساما عضبا

مهندا مداحة مسبا # يلحب أعراض اللئام لحبا

قال و كان أبو تمام لا يجيب هاجيا له لأنه كان لا يراه نظيرا و لا يشتغل به. حدثني أبو العشائر الأزدي الشاعر حدثني أبي قال قلت لأبي تمام ويحك قد فضحنا هذا الشاعر الموصلي بهجائه فأجبه قال ان جوابي يرفع منه و استدر به سبه و إذا أمسكت عنه سكنت شقشقته و ما في فضل مع هذا عن مدح من اجتديه. و في العمدة لابن رشيق : أبو تمام هجاه دعبل و غيره من الاكفاء فجاوبهم و ابتدأ بعضهم و لم يلتفت إلى مخلد بن بكار الموصلي حين قال فيه-و كانت في حبيب حبسة شديدة إذا تكلم-

(يا نبي الله في الشعر)

البيتان المتقدمان و قال فيه أشعارا كثيرة بل رآه دون المهاجاة و الجواب و لو هجاه لشرف حاله و انتبه ذكره اه لكن مر هناك أن البيتين لابن المعذل أو أبي العميثل و الأولى أن يكونا لأبي العميثل فان أولهما من أعظم المدح بجعله نبيا في الشعر كعيسى بن مريم و ثانيهما يرجع إلى أن في لسانه حبسة و هي ليست مما يرجع إلى نقص في الفضيلة و مخلد عدوه الذي هجاه بأقبح الهجو و كذلك ابن المعذل لم يكونا ليقولا فيه هذا الشعر.

اخباره مع غلامه صالح

كان صالح هذا هو المنشد لشعر أبي تمام على ما حكاه الصولي . في أخبار أبي تمام للصولي . حدثنا ميمون بن هارون : حدثني صالح عن أبي تمام قال غضب علي أبو تمام فكتبت اليه بهذا الشعر و هو أول شعر قلته قط:

إذا عاقبتي في كل ذنب # فما فضل الكريم على اللئيم‏

____________

(1) عن شرح الخطيب التبريزي لديوان أبي تمام انه قال العقالات جمع عقال و هو داء يعرض للخيل كان الفرس في أول جربه . -المؤلف-

(2) صاف السهم عن الهدف عدل . -المؤلف-

496

فان تكن الحوادث حركتني # فان الصبر يعصف بالهموم‏

فجاءني إلى الموضع الذي كنت فيه فترضاني

اخباره مع دينار بن يزيد أو ابن عبد الله

في الديوان و في النجوم الزاهرة دينار بن عبد الله و في اخبار أبي تمام للصولي دينار بن يزيد . في النجوم الزاهرة في حوادث A0G سنة 225 فيها ولي امرة دمشق دينار بن عبد الله و عزل بعد أيام بمحمد بن الجهم اه و يظهر مما حكاه الصولي في أخبار أبي تمام أنه كان وضيعا قال قيل لأبي تمام مدحت دينار بن يزيد فقال ما أردت بمدحه إلا أن اكشف شعر علي بن جبلة فيه فقلت‏

(مهاة النقي لو لا الشوى و المابض) (1)

و لم يمدحه بغيرها و هذا الشطر من قصيدة من جملتها

مهاة النقا لو لا الشوى و المابض # و أن محض الاعراض لي منك ماحض

و اخرى لحتني حين لم امنع النوى # قيادي و لم ينقض زماعي ناقض

أرادت بان يحوي الغنى و هو وادع # و هل يفرس الليث الطلي و هو رابض‏

اخباره مع عتبة بن أبي عاصم الكلبي الحمصي الأعور

كان عتبة هذا شاعرا ذكره المرزباني في معجم الشعراء و قال انه هجا بني عبد الكريم الطائي من أهل الشام فعارضه أبو تمام الطائي و هجاه و مدحهم اه. و حق لأبي تمام أن ينتصر لعشيرته فيهجو من هجاهم و هو شاعر مفلق يهجو من هو أكبر من عتبة و أعظم على بأقل مما صدر من عتبة و قد أكثر من هجائه و ذم شعره قال يرد عليه في هجوه ببني عبد الكريم و يمدحهم من أبيات:

لو كنت من غرة الموالي إذن # لم تنث سوءا في سادة العرب

اي كريم يرضى بشتم # بني عبد الكريم الجحاجح النجب

أي فتى منهم أشاح فلم # يصب غداة الوغى و لم يصب

أي مناد إلى الندى و إلى الهيجاء # ناداهم فلم يجب

لم يهدم الناس ما بقوا ابدا # ما قد بنوه من ذلك الحسب

أولاك زهر النجوم ليس كمن # امسى دعيا في الشعر و النسب‏

و قال أيضا يهجوه على هجوه لبني عبد الكريم و يمدحهم من أبيات:

بنو عبد الكريم نجوم ليل # ترى في طيئ ابدا تلوح

فلا حسب صحيح أنت فيه # فتكثرهم و لا عقل صحيح

أ تبغض جوهر العرب المصفى # و لم يبغضهم مولى صريح

و ما لك حيلة فيهم فتجدي # عليك بلى تموت فتستريح‏

و قال يهجوه أيضا على هجوه إياهم و يمدحهم من قصيدة:

أخرست إذا عاينتني حتى إذا # ما غبت عن بصري ظللت تشدق

عير رأى أسد العرين فهاله # حتى إذا ولى تولى ينهق

و تنقل من معشر في معشر # فكان أمك أو أباك الزئبق

496 أ إلى بني عبد الكريم شاوست # عيناك ويحك خلف من تتفوق

قوم تراهم حين يطرق حادث # يسمون للخطب الجليل فيطرق

ما زال في حزم بن عمرو منهم # مفتاح باب للندى لا يغلق

ما انشئت للمكرمات سحابة # إلا و من أيديهم تتدفق

شرس إذا خفقت عقاب لو انهم # ظلت قلوب الموت منهم تخفق

يله إذا لبسوا الحديد حسبتهم # لم يحسبوا ان المنية تخلق

قل ما بدا لك يا ابن ترني (بر ما) # فالصدا بمهذب العقيان لا يتعلق

أ فعشت حتى عبتهم قل لي متى # قد زنت ساعة ما ارى يا بيدق (2)

اني أراك حلمت انك سالم # من بطشهم ما كل رؤيا تصدق

إياك يعني القائلون بقولهم # إن الشقي بكل حبل يخنق

سر حيث شئت من البلاد فلي بها # سور عليك من الهجاء و خندق

و قبيلة يدع المتوج خوفهم # و كأنما الدنيا عليه مطبق

و قصائد تسري إليك كأنها # جن تهافت أو هموم طرق

من شاعر وقف الكلام ببابه # و اكتن في كنفي ذراه المنطق

قد ثقفت منه الشام و سهلت # منه الحجاز و رققته المشرق‏

و من أبيات أخرى فيه:

فلتعلمن حرام من و اهاب من # و قديم من و حديث من يتمزق

دع معشري لا معشر لك اني # من خلفهم و أمامهم لك موبق‏

و قال من أبيات يهجوه أيضا:

دعواك في كلب أعم فضيحة # و أخس أم دعواك في الشعراء

ما شعره كف‏ء لشعري فليمت # غيظا و لا الحلقي من اكفائي

انى يفوت مخالبي في بلدة # أرضي بها مبسوطة و سمائي

و كهول كهلان و حيا حمير # كالسيل قدامي معا و ورائي

فأولاك أعمامي الذين تعمموا # بالمكرمات و هذه آبائي‏

و قال يهجوه أيضا من أبيات:

بحسب عتبة داء قد تضمنه # لو كان في أسد لم يفرس الأسد

لا تدعون على الأعداء مجتهدا # إلا بان يجدوا بعض الذي يجد

و قائل ما لهم يغضون عنك إذا # اربات قلت له أني أنا الرمد

أنا الحسام أنا الموت الزؤام انا الحرب # الضرام أنا الضرغامة العتد

و قال فيه أيضا من أبيات:

نبئت عتبة شاعر الغوغاء # قد ضج من عودي و من ابدائي

حلمي على الحلماء غير مكدر # و الحتف في سفهي على السفهاء

يا رب سلم انها لمصيبة # نزلت و لا سيما على الشعراء

و قال فيه أيضا من أبيات:

أ عتبة إن تطاولت الليالي # عليك فان شعري سم ساعة

فأقسم ما جسرت علي إلا # و زيد الخيل دونك في الشجاعة

و وجهك إذ رضيت به نديما # فأنت نسيج وحدك في القناعة

أخباره مع جماعة من الشعراء

في تاريخ بغداد بسنده عن علي بن الجهم قال كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة (3) (يتناشدون الشعر و يعرض كل واحد منهم على أصحابه ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة

____________

(1) أي أنت مهاة النقا لو لا دقة الأطراف-المؤلف-

(2) إشارة إلى المثل المشهور (متى فرزنت يا بيدق) يضرب لمن ينتقل من حال أسفل إلى حال أعلى بلا استحقاق (و الفرزان) معرب فرزين (و البيدق) من أجزاء لعب الشطرنج و الفرزان بمنزلة الوزير للسلطان و تفرزن البيدق صار فرزانا و هو معروف عند أهل اللعب بالشطرنج-المؤلف-

(3) الظاهر ان المراد بها مدينة المنصور بغداد لا المدينة المنورة -المؤلف-

497

التي قبلها فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع و دعبل و أبو الشيص و ابن أبي فنن (1) و الناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضا أبصرت شابا في أخريات الناس جالسا في زي الاعراب و هياتهم فلما قطعنا الإنشاد قال لنا قد سمعت انشادكم منذ اليوم فاسمعوا انشادي قلنا هات فانشدنا

فحواك دل (عين) على نجواك يا مذل (2) # حتام لا يتقضى قولك الخطل

فان أسمح من تشكو اليه هوى # من كان أحسن شي‏ء عنده العذل

ما أقبلت أوجه اللذات سافرة # مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول

إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبر # فانظر على أي حال أصبح الطلل

كأنما جاد مغناه فغيره # دموعنا يوم بانوا فهي تنهمل

و لو ترانا و إياهم و موقفنا # في موقف البين لاستهلالنا زجل

من حرقة أطلقتها فرقة أسرت # قلبا و من غزل في نحره غزل (3)

و قد طوى الشوق في أحشائنا بقر # عين طوتهن في أحشائها الكلل‏

ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله:

تغاير الشعر فيه إذ سهرت له # حتى ظننت قوافيه ستقتتل (4)

قال فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره ثم مر فيها إلى آخرها فقلنا زدنا فانشدنا:

دمن ألم بها فقال سلام # كم حل عقدة صبره الإلمام‏

ثم أنشدها إلى آخرها و هو يمدح فيها المأمون (5) و استزدناه فانشدنا قصيدته التي أولها:

قدك اتئب أربيت في الغلواء # كم تعذلون و أنتم سجرائي (6) .

حتى انتهى إلى آخرها فقلنا له لمن هذا الشعر فقال لمن أنشدكموه قلنا و من تكون قال أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي فقال له أبو الشيص تزعم أن هذا الشعر لك و تقول:

تغاير الشعر فيه إذ سهرت له # حتى ظننت قوافيه ستقتتل‏

497 قال نعم لأني سهرت في مدح ملك و لم أسهر في مدح سوقة (7) فعرفناه (فرفعناه) حتى صار معنا في موضعنا و لم نزل نتهاداه بيننا و جعلناه كأحدنا و اشتد إعجابنا به لدماثته و ظرفه و كرمه و حسن طبعه و جودة شعره و كان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه ثم ترقت حاله حتى كان من أمره ما كان. و هذه القصيدة من غرر مدائحه في المعتصم يقول فيها بعد ما تقدم

فرغن للشجو حتى ظل كل شج # حران في بعضه عن بعضه شغل

طلت دماء هريقت عندهن كما # طلت دماء هدايا مكة الهمل

هانت على كل شي‏ء فهو يسفكها # حتى المنازل و الاحداج و الإبل

يخزي ركام النقا ما في مازرها # و يفضح الكحل في أجفانها الكحل

تكاد تنتقل الأرواح لو تركت # من الجسوم إليها حين تنتقل

بيمن معتصم بالله لا أود # بالدين مذ ضم قطريه و لا خلل

يهني الرعية أن الله مقتدر # أعطاهم بأبي إسحاق ما سألوا

صلى الإله على العباس و انبجست # على ثرى رحله الوكافة الهطل

أبو النجوم التي ما ضر ثاقبها # ان لم يكن برجه ثور و لا حمل

و مشهد بين حكم الذل منقطع # صاليه أو بحبال الموت متصل

ضنك إذا خرست أبطاله نطقت # فيه الصوارم و الخطية الذبل

لا يطمع المرء أن يجتاب غمرته # بالقول ما لم يكن جسرا له العمل

جليت و الموت مبد حر صفحته # و قد تفرعن في أفعاله الأجل

آل النبي إذا ما ظلمة طرقت # كانوا لنا سرجا أنتم لها شعل

قوم إذا وعدوا أو أوعدوا عمروا # صدقا مذانب ما قالوا بما فعلوا

أسد العرين إذا ما الموت صبحها # أو صبحته و لكن غابها الأسل

إلى ثمال بني الدنيا الذي حليت # بحلي معروفه الأمنية العطل

يحميه حزم لحزم البخل مهتضم # جودا و عرض لعرض المال مبتذل

فكر إذا راضه راض الأمور به # رأي تفنن فيه الريث و العجل‏

أخباره مع البحتري

البحتري في الطبقة العالية من شعراء الدولة العباسية قل أن يدانيه أحد و كان طائيا كأبي تمام و يقال لهما الطائيان و قد كان أبو تمام مثقف البحتري و مربيه و معلمه طرائق الأدب و المشفق عليه و الموصي به الناس و كان البحتري يعرف له ذلك و يعترف بفضله عليه.

في كتاب المثل السائر لابن الأثير و أنوار الربيع للسيد علي خان حكي عن البحتري قال كنت في حداثتي أروم الشعر و كنت ارجع فيه إلى طبع سليم و لم أكن وقفت له على تسهيل ماخذ و وجوه اقتضاب حتى قصدت أبا تمام و انقطعت اليه و اتكلت في تعريفه عليه فكان أول ما قال لي :

وصايا أبي تمام للبحتري في نظم الشعر

يا أبا عبادة تخير الأوقات و أنت قليل الهموم صفر من الغموم و اعلم أن العادة من الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شي‏ء أو حفظه أن يختار وقت السحر و ذلك ان النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة و قسطها من النوم و خف عنها ثقل الغذاء و صفا من أكثر الأبخرة و الأدخنة جسم الهواء و سكنت الغماغم و رقت النسائم و تغنت الحمائم و إذا شرعت في نظم الشعر فتغن به فان الغناء مضماره الذي يجري فيه و اجتهد في إيضاح معانيه فان أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا و المعنى رشيقا و أكثر من بيان الصبابة و توجع الكابة و قلق الأشواق و الفراق و التعلل باستنشاق النسائم و غناء

____________

(1) في تاريخ دمشق نقلا عن تاريخ بغداد ابن أبي قيس بدل ابن أبي فنن و هو تحريف من الناسخ و الصواب ابن أبي فنن و فيه زيادة و الحاذري و لم يعلم من هو و الظاهر أنه مصحف .

(2) المذل بفتح الميم و كسر الذال المعجمة من المذل بسكون الذال حكى ابن عساكر عن المعافي ابن زكريا انه قال في قول أبي تمام يا مذل: المذل الفتور و الخدر قال الشاعر:

و إن مذلت رجلي دعوتك أشتفي # بدعواك من مذل بها فيهون‏

(3) الغزل من يتغزل به (و الغزل) مصدر فزل غزل كفرح .

(4) حكى ابن عساكر عن- القاضي المعافي بن زكريا في قول أبي تمام

حتى ظننت قوافيه ستقتتل‏

انه قال اسكن الياء و حقها النصب لضرورة الشعر و قد جاء مثله في كثير من العربية و من ذلك قول الأعشى :

فتى لو ينادي الشمس القت قناعها # أو القمر الساري لالقي المقالدا

و قال رؤبة فيه أيضا:

كان أيديهن بالقاع الفرق # أيدي جوار يتعاطين الورق‏

(5) الصواب انها في مدح المعتصم كما في الديوان و لتصريحه فيها بقوله بالقائم الثامن و الخليفة الثامن من بني العباس هو المعتصم و لتصريحه فيها باسمه أيضا بقوله‏

بيمن معتصم و بكنيته‏

بقوله بأبي إسحاق .

(6) قدك بفتح القاف و سكون الدال أي حسبك (و اتئب) استح (و أربيت) زدت (و الغلواء) قال ابن عساكر عن المعافي بن زكريا مأخوذ من الغلو و هو تجاوز الحد (و السجراء ) بالسين المهملة و الجيم جمع سجير كامير و هو الصديق و الخليط

(7) لا يخلو هذا الكلام من غموض فقد مر أن أبا الشيص عقد عند هذا البيت خنصره يعني استحسانا له و قوله تزعم أن هذا الشعر لك و تقول هذا البيت يدل على أنه انتقد قوله إذ سهرت له الدال على أنه قاله بمشقة و تعب و لذلك أجابه باني سهرت في مدح ملك لا سوقة-المؤلف-

498

الحمائم و البروق اللامعة و النجوم الطالعة و التبرم من العذال و الوقوف على الاطلال و إذا أخذت في مدح سيد فاشهر مناقبه و أظهر مناسيه و ارهف من عزائمه و رغب في مكارمه و احذر المجهول من المعاني و إياك أن تشين شعرك بالعبارة الرديئة و الألفاظ الحوشية و ناسب بين الألفاظ و المعاني في تأليف الكلام و كن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام و إذا عارضك الضجر فأرح نفسك و لا تعمل الا و أنت فارغ القلب و لا تنظم الا بشهوة فان الشهوة نعم المعين على حسن النظم (و جملة الحال) ان تعتبر بما سلف من أشعار الماضين فما استحسن العلماء فاقصده و ما استقبحوه فاجتنبه اه. و نرى أبا تمام يوصي البحتري بترك الألفاظ الحوشية و يستعملها كما مر في الأمور التي عيبت عليه و ان كان قد لا يرى ذلك حوشيا لألفه بألفاظ العرب الأولى كما مر أيضا. و في اخبار أبي تمام للصولي حدثني سوار بن أبي شراعة حدثني البحتري قال كان أول أمري في الشعر و نباهتي فيه أن صرت إلى أبي تمام و هو بحمص فعرضت عليه شعري و كان يجلس فلا يبقى شاعر الا قصده و عرض عليه شعره فلما سمع شعري اقبل علي و ترك سائر الناس فلما تفرقوا قال أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك فشكوت خلة فكتب لي إلى أهل معرة النعمان و شهد لي بالحذق و قال امتدحهم فصرت إليهم فاكرموني بكتابه و وظفوا لي أربعة آلاف درهم فكانت أول ما أصبته.

(حدثني) أبو عبد الله العباس بن عبد الرحيم الآلوسي حدثني جماعة من أهل معرة النعمان قالوا ورد علينا كتاب أبي تمام للبحتري : يصل كتابي على يدي الوليد بن عبادة و هو على بذاذته-اي سوء حاله -شاعر فأكرموه و في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو الحسن علي بن إسماعيل قال قال لي البحتري أول ما رأيت أبا تمام مرة ما كنت عرفته قبلها اني دخلت علي أبي سعيد محمد بن يوسف و قد امتدحته بقصيدتي التي أولها:

أ أفاق صب من الهوى فافيقا # أو خان عهدا أو أطاع شفيقا

فأنشدته إياها فلما أتممتها سر أبو سعيد بها و قال أحسن الله إليك يا فتى فقال له رجل في المجلس هذا أعزك الله شعر لي علقه هذا فسبقني به إليك فتغير وجه أبي سعيد و قال يا فتى قد كان في نسبك و قرابتك ما يكفيك ان تمت به إلينا و لا تحمل نفسك على هذا فقلت هذا شعر لي أعزك الله فقال الرجل سبحان الله يا فتى لا تقل هذا ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتا فقال لي أبو سعيد نحن نبلغ ما تريد و لا تحمل نفسك على هذا فخرجت متحيرا لا أدري ما أقول و نويت أن أسال عن الرجل من هو فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال جنيت عليك فاحتمل أ تدري من هذا قلت لا قال هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام فقم اليه فقمت اليه فعانقته ثم اقبل يقرظني و يصف شعري و قال انما مزحت معك فلزمته بعد ذلك و كثر عجبي من سرعة حفظه (اه) و في الاغاني رواية هذا الخبر على وجه أتم فنذكرها و ان لزم بعض التكرير قال حدثني علي بن سليمان- الأخفش -حدثني أبو الغوث بن البحتري عن أبيه و حدثني عمي حدثني علي بن العباس النوبختي عن البحتري قال أبو الفرج و قد جمعت الحكايتين و هما قريبتان قال كان أول ما رأيت أبا تمام اني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف و قد مدحته بقصيدتي التي أولها

(أ أفاق صب من هوى فافيقا)

-و عدة أبياتها ثلاثة و سبعون بيتا-فسر بها أبو سعيد و قال أحسنت و الله يا فتى و أجدت و كان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه فوق كل من حضر عنده تكاد تمس ركبته ركبته فاقبل علي و قال يا فتى أ ما تستحي هذا شعري تنتحله و تنشده بحضرتي فقال له أبو سعيد أ حقا تقول قال نعم 498 و انما علقه مني فسبقني به إليك و زاد فيه ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة حتى شككني-علم الله-في نفسي و بقيت متحيرا فاقبل علي أبو سعيد قال يا فتى لقد كان في قرابتك منا و ودك لنا ما يغنيك عن هذا فجعلت أحلف له بكل محرجة من الايمان أن الشعر لي ما سبقني اليه أحد و لا سمعته منه و لا انتحلته فلم ينفع ذلك شيئا و أطرق أبو سعيد و قطع بي حتى تمنيت أني سخت في الأرض فقمت منكسر البال أجر رجلي فخرجت فما هو الا ان بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان إلي فردوني فاقبل علي الرجل فقال الشعر لك يا بني و الله ما قلته قط و لا سمعته الا منك و لكنني ظننت انك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا تريد بذلك مضاهاتي و مكاثرتي حتى عرفني الأمير نسبك و موضعك و لوددت ان لا تلد ابدا طائية الا مثلك و جعل أبو سعيد يضحك و دعاني أبو تمام و ضمني اليه و عانقني و أقبل يقرظني و لزمته بعد ذلك و أخذت عنه و اقتديت به اه ثم قال أبو الفرج : هذه رواية من ذكرت و قد حدثني علي بن سليمان الأخفش أيضا: حدثني عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي ان البحتري حدثه انه دخل على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري و قد مدحه بقصيدة و قصده بها فالفى عنده أبا تمام و قد أنشده قصيدة له فاستاذنه البحتري في الإنشاد و هو يومئذ حديث السن فقال له يا غلام أ تنشدني بحضرة أبي تمام فقال تأذن و يستمع فقام فأنشده إياها و أبو تمام يسمع و يهتز من قرنه إلى قدمه استحسانا لها فلما فرغ منها قال أحسنت و الله يا غلام فمن أنت قال من طيئ فطرب أبو تمام و قال من طيئ الحمد لله على ذلك لوددت أن كل طائية تلد مثلك و قبل بين عينيه و ضمه اليه و قال لمحمد بن يوسف قد جعلت له جائزتي فأمر محمد بها فضمت إلى مثلها و دفعت إلى البحتري و أعطى أبا تمام مثلها (اه) و قال الآمدي في الموازنة بين أبي تمام و البحتري : اخبرني رجل من أهل الجزيرة يكنى بأبي الوضاح و كان عالما بشعر أبي تمام و البحتري و أخبارهما ان القصيدة التي سمع أبو تمام من البحتري عند محمد بن يوسف و كان اجتماعهما و تعارفهما القصيدة التي أولها

(فيما ابتداركما الملام و لوعا)

و انه لما بلغ إلى قوله فيها.

في منزل ضنك تخال به القنا # بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا

نهض اليه أبو تمام فقبل بين عينيه سرورا به و تحققا بالطائية ثم قال أبى الله إلا ان يكون الشعر يمنيا (اه) و لا مانع من تعدد الواقعة. و في هبة الأيام حدث البحتري قال أنشدت أبا تمام شيئا من شعري فتمثل ببيت أوس بن حجر .

إذا مقرم منا ذرا حد نابه # تخمط فينا ناب آخر مقرم‏

ثم قال لي نعيت و الله إلي نفسي فقلت أعيذك بالله من هذا فقال إن عمري لن يطول و قد نشا في طيئ مثلك أ ما علمت أن خالد بن صفوان رأى شبيب بن شيبة و هو بين رهط يتكلم فقال يا بني لقد نعى إلي نفسي إحسانك في كلامك لأنا أهل بيت ما نشا فينا خطيب قط الا مات من قبله فقلت بل يطيل الله بقاءك و يجعلني فداك و مات أبو تمام بعد سنة (اه) و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو الحسن علي بن محمد الأنباري :

سمعت البحتري يقول أنشدني أبو تمام لنفسه-و هو في هجاء عثمان بن إدريس السامي -.

و سابح هطل التعداء هتان # على الجراء امون غير خوان

أظمى الفصوص و لم تظمأ قوائمه # فخل عينيك في ظمآن ريان

499

فلو تراه مشيحا و الحصى زيم # بين السنابك (1) من مثنى و وحدان

أيقنت (2) ان لم تثبت ان حافره # من صخر تدمر أو من وجه عثمان

ثم قال لي ما هذا من الشعر قلت لا أدري قال هذا المستطرد أو قال الاستطراد. قلت و ما معنى ذلك قال يري انه يريد وصف الفرس و هو يريد هجاء عثمان قال الصولي : فاحتذى هذا البحتري فقال في قصيدته التي مدح فيها محمد بن علي القمي و يصف الفرس أولها.

أهلا بذلكم الخيال المقبل # فعل الذي نهواه أو لم يفعل‏

ثم وصف الفرس فقال:

و أغر في الزمن البهيم محجل # قد رحت منه على أغر محجل

كالهيكل المبني الا انه # في الحسن جاء كصورة في هيكل

يهوي كما تهوي العقاب إذا رأت # صيدا و ينتصب انتصاب الأجدل

متوجس برقيقتين كأنما # يريان من ورق عليه موصل

و كأنما نفضت عليه صبغها # صهباء للبردان أو قطربل

ملك العيون فان بدا أعطينه # نظر المحب إلى الحبيب المقبل

ما ان يعاف قذى و لو أوردته # يوما خلائق حمدويه الأحول

و كان حمدويه هذا عدوا للذي مدحه. فحدثني عبد الله بن الحسين و قد اجتمعنا بقرقيسياء قال قلت للبحتري انك احتذيت في شعرك-يعني الذي ذكرناه- أبا تمام و عملت كما عمل من المعنى و قد عاب هذا عليك قوم فقال لي أ يعاب علي أن أتبع أبا تمام و ما عملت بيتا قط حتى اخطر شعره ببالي و لكنني أسقط بيت الهجاء من شعري قال فكان بعد ذلك لا ينشده و هو ثابت في أكثر النسخ اه.

المفاضلة بين أبي تمام و البحتري .

من الطريف أن يكون أبو تمام و البحتري و كلاهما من طيئ و في عصر واحد متصافيين متالفين و البحتري يعترف لأبي تمام بالفضل عليه و الناس في عصرهما و بعده مختلفون فيهما و يتعصب لكل واحد فريق. فقد اختلف الناس في المفاضلة بينهما و صنف أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي كتابا في ذلك سماه الموازنة بين أبي تمام و البحتري و فهم منه الميل إلى تفضيل البحتري و صنف أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب كتابا في سرقات البحتري من أبي تمام و ظهر منه الميل إلى تفضيل أبي تمام حتى نسبه الآمدي في ذلك إلى الإسراف و أبو بكر الصولي صنف كتابا في اخبار أبي تمام و يظهر منه الميل إلى تفضيل أبي تمام ، و أبو العلاء المعري يظهر منه تفضيل المتنبي عليهما حيث شرح دواوين الثلاثة فسمى شرح ديوان أبي تمام ذكرى حبيب و شرح ديوان البحتري عبث الوليد و شرح ديوان المتنبي معجز احمد و ان صح ما يحكى عن المتنبي انه قال عن نفسه و عن أبي تمام نحن حكيمان و الشاعر البحتري فقد فضل البحتري على أبي تمام . و في شذرات الذهب : قال اليافعي : قد رجح كثير من المتأخرين أو أكثرهم ثلاثة متاخرين أبا تمام و البحتري و المتنبي و اختلفوا في ترجيح أيهم و رجح الفقيه حسين المؤرخ قول شرف الدين بن خلكان -يعني من ترجيحهما على المتنبي -و ذلك لأن الأولين سبقوا إلى ابتكار المعاني الجزلة بالألفاظ البليغة و أحسن حالات المتأخرين ان 499 يفهموا أغراضهم و ينسجوا على منوالهم و تبقى لهم فضيلة السبق (اه) و ما أبعد اليافعي و ابن خلكان القاضي و حسينا الفقيه عن معرفة الحكم بين فحول الشعراء أمثال هؤلاء الثلاثة على ان هذا الكلام الذي حكي عن ابن خلكان لا يرجع إلى محصل فان كان المتقدم ابتكر معاني جزلة بألفاظ بليغة فقد شاركه المتأخر في مثل ذلك أو زاد عليه و المعاني الجزلة و الألفاظ البليغة ليست وقفا على أحد و قد يأخذ المتأخر معنى من المتقدم فينصرف فيه و يزيد عليه فيكون أحق به و اما ان أحسن حالات المتأخرين أن يفهموا أغراض المتقدمين فهو ظلم للمتأخرين و كلام من لا يعرف قدر الناس و أما المنوال فلكل منوال ينسج عليه و ليس على أحد أن ينسج على منوال أحد بل قد ينسج على منواله و يكون نسجه أقوى من نسجه و قد ينسج على منوال يخترعه و يفوق فيه و الذي ينبغي أن يقال ان شعر أبي تمام أقوى و أمتن و أقرب إلى نفس العرب الأول و شعر البحتري أقرب إلى نفس المتأخرين و غزله أرق من غزل أبي تمام و شعر أبي تمام في مجموعه يفضل شعر البحتري . و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني أبو العباس عبد الله بن المعتز قال جاءني محمد بن يزيد المبرد يوما فافضنا في ذكر أبي تمام و سالته عنه و عن البحتري فقال لابي تمام استخراجات لطيفة و معان طريفة لا يقول مثلها البحتري و هو صحيح الخاطر حسن الانتزاع و شعر البحتري أحسن استواء و أبو تمام يقول النادر و البارد و هو المذهب الذي كان أعجب إلى الاصمعي و ما أشبه أبا تمام الا بغائص يخرج الدر و المخشلبة (3) ثم قال و الله ان لابي تمام و البحتري من المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجد فيه مثله. قال أبو بكر- الصولي -و قول أبي العباس المبرد : ما أشبهه الا بغائص فإنما أخذه من قول الأصمعي في النابغة الجعدي : تجد في شعره مطرفا بالاف و كساء بواف- أي بدرهم واف و الدرهم الوافي درهم و أربعة دوانيق- (أقول) و لكنه غائص لا يخرج في أكثر أوقاته إلا الدر و انما يخرج المخشلبة نادرا. و في مروج الذهب ان عبد الله بن الحسن بن سعدان قال سالت المبرد عن أبي تمام و البحتري أيهما أشعر قال لأبي تمام استخراجات لطيفة و معان ظريفة و جيده أجود من شعر البحتري و من شعر من تقدمه من المحدثين و شعر البحتري أحسن استواء من أبي تمام لأن البحتري يقول القصيدة كلها فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب و أبو تمام يقول البيت النادر و يتبعه البيت السخيف و ما أشبهه إلا بغائص البحر يخرج الدر و المخشلبة في نظام و إنما يؤتى هو و كثير من الشعراء من البخل باشعارهم و إلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه فدعاني هذا القول منه إلى ان قرأت عليه شعر أبي تمام و أسقطت خواطئه و كل ما ذم من شعره و أفردت جيده و وجدت ما يتمثل به و يجري على السنة العامة و كثير من الخاصة مائة و خمسين بيتا و لا أعرف شاعرا جاهليا و لا اسلاميا يتمثل له بهذا المقدار من الشعر (اه) و في أخبار أبي تمام للصولي قال كنا عند أبي علي الحسين بن فهم فجرى ذكر أبي تمام فقال رجل أيما أشعر البحتري أو أبو تمام فقال سمعت بعض العلماء بالشعر و لم يسمه قد سئل عن مثل هذا فقال و كيف يقاس البحتري بأبي تمام و هو به و كلامه منه و ليس أبو تمام بالبحتري و لا يلتفت إلى كلامه (اه) .

رأي البحتري في نفسه و في أبي تمام

قد اعترف البحتري بتقدم أبي تمام عليه فيما ذكره الصولي في أخبار أبي تمام قال سمعت أبا محمد عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري و قد

____________

(1) و الحصى قلق تحت السنابك-الديوان-

(2) حلفت خ ل‏

(3) المخشلبة بفتح الميم و الشين و اللام و ألباء و سكون الخاء خرز ابيض يشبه اللؤلؤ قال المتنبي

يريك الدر مخشلبا

. -المؤلف-

500

اجتمعنا في دار عبد الله بالخلد و عنده محمد بن يزيد النحوي-المبرد A0G سنة 276 -. و ذكروا معنى تعاوره البحتري و أبو تمام . أنت في هذا أشعر من أبي تمام فقال كلا و الله ذاك الرئيس الأستاذ و الله ما أكلت الخبز إلا به فقال له محمد بن يريد يزيد يا أبا الحسن تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك و في الأغاني كان البحتري يتشبه بأبي تمام و يحذو مذهبه و ينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله و يراه صاحبا و اماما و يقدمه على نفسه و يقول في الفرق بينه و بينه قول منصف ان جيد أبى تمام خير من جيده و وسطه خير من وسط أبي تمام و رديئه و كذا حكم هو على نفسه و قال الخطيب في تاريخ بغداد : اخبرني علي بن أيوب القمي أنبانا محمد بن عمران الكاتب (المرزباني) أخبرني الصولي حدثني الحسين بن إسحاق قال قلت للبحتري الناس يزعمون انك أشعر من أبي تمام فقال و الله ما ينفعني هذا القول و لا يضير أبا تمام و الله ما أكلت الخبز الا به و لوددت ان الأمر كما قالوا و لكني و الله تابع له لائذ به آخذ منه. نسيمي يركد عند هوائه و أرضي تنخفض عند سمائه (اه) هذا ان لم يحمل كلام البحتري على هضم النفس و الاعتراف بالجميل لكون أبي تمام هو الذي رباه و علمه طرائق‏الأدب‏و نظم الشعر كما مر و في أخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو بكر احمد بن سعيد الطائي قال كان ابن عبدكان و إسماعيل بن القاسم و هما علمان من أعلام الكتاب والأدب‏يقولان:

البحتري أشعر من أبي تمام فذكرت ذلك للبحتري فقال لي لا تفعل يا ابن عم فو الله ما أكلت الخبز إلا به و في اخبار أبي تمام للصولي حدثني علي بن إسماعيل قال كنت عند البحتري فأنشدته-و هو كالمفكر-في مدح خالد ابن يزيد الشيباني .

احلى الرجال من النساء مواقعا # من كان أشبههم بهن خدودا

إلى نهاية اثني عشر بيتا من هذه القصيدة فقال ما هذا و هو فزع فقلت له أ لا تعرفه هذا لأبي تمام فقال أكرتني و الله و سررتني لا يحسن هذا الإحسان أحد غيره (اه) و في اخبار أبي تمام للصولي : حدثني أبو عبد الله الحسين بن علي الباقطاني قلت للبحتري أيما أشعر أنت أو أبو تمام فقال جيده خير من جيدي و رديئي خير من رديئه قال أبو بكر الصولي : و قد صدق البحتري في هذا جيد أبي تمام لا يتعلق به أحد في زمانه و ربما اختل لفظه قليلا لا معناه و البحتري لا يختل (اه) فيكون البحتري قد اعترف بفضل أبي تمام عليه و في الموازنة الذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني و كان صديق البحتري انه سئل البحتري عن نفسه و عن أبي تمام فقال هو أغوص على المعاني و انا أقوم بعمود الشعر (اه) .

ماخذ البحتري من أبي تمام

و يناسب هنا أن نذكر ما أخذه البحتري من أبي تمام فقد أخذ منه كثيرا حتى قال ابن الرومي يهجو البحتري و يتهمه بان كل بيت له جيد مسروق من أبي تمام و قد ظلمه.

و أرى البحتري يسرق ما قال # ابن أوس في المدح و التشبيب

كل بيت له يجود معناه # فمعناه لابن أوس حبيب

و حتى ألف أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب كتابا في سرقات البحتري من أبي تمام ذكر هذا الكتاب الآمدي في الموازنة و أشار اليه الصولي في أخبار أبي تمام و قال الآمدي في الموازنة ان الذي أخذه البحتري من أبي تمام يزيد 500 على مائة بيت اه على انك قد عرفت و ستعرف أن مجرد التوافق لا يدل على الأخذ لجواز توارد الخاطر و إن الأخذ لا يكون إلا في المعاني الغريبة المخترعة دون المبذولة التي يعرفها الجميع.

ما ذكره الصولي من ماخذ البحتري من أبي تمام

ذكر الصولي في كتابه أخبار أبي تمام جملة من ماخذ البحتري من أبي تمام فذكر الأبيات السالف ذكرها قريبا التي فيها الاستطراد ثم ذكر الباقي فقال قال أبو تمام :

يتنزل الأمل البعيد ببشره # بشرى المخيلة بالربيع المغدق (1)

و كذا السحائب قلما تدعو إلى # معروفها الرواد ما لم تبرق‏

قال فحسن هذا المعنى و كمله ثم أوضحه في مكان آخر و اختصره فقال:

إنما البشر روضة فإذا أعقب # بذلا فروضة و غدير

فما زال البحتري يردد هذا المعنى في شعره و يتبع أبا تمام فيه و يقع في أكثره دونه قال في قصيدة يمدح بها رافعا.

كانت بشاشتك الأولى التي ابتدأت # بالبشر ثم اقتبلنا بعدها النعما

كالمزنة استوقفت اولى مخيلتها # ثم استهلت بغزر تابع الديما

و لفظ البحتري في أكثر هذه أسهل ثم ردد هذا المعنى البحتري فقال و استعاره للسيف

مشرق للندى و من حسب السيف # لمستله ضياء حديده

ضحكات في اثرهن العطايا # و بروق السحاب قبل رعوده‏

ثم ردد المعنى و أسقط البشر منه و صير مكانه الرعد فقال في أبي الصقر

يوليك صدر اليوم قاصية الغنى # بفوائد قد كن أمس مواعدا

سوم السحائب ما بدأن بوارقا # في عارض الا انثنين رواعدا

ثم ردد المعنى الأول بحاله فقال في المعتز بالله و أحسن

متهلل طلق إذا وعد الغنى # بالبشر اتبع بشره بالنائل

كالمزن إن سطعت لوامع برقه # أجلت لنا عن ديمة أو وابل‏

و قال أبو تمام :

فسواء اجابتي غير داع # و دعائي بالقاع غير مجيب‏

فقال البحتري نسخا له

و سالت من لا يستجيب فكنت في استخباره # كمجيب من لا يسال‏

و قال أبو تمام :

إذا القصائد كانت من مدائحهم # يوما فأنت لعمري من مدائحها

فقال البحتري :

و من يكن فاخرا بالشعر يذكر في # أصنافه فبك الاشعار تفتخر

و قال أبو تمام :

و إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود

فقال البحتري :

و لن تستبين الدهر موضع نعمة # إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد

و قال أبو تمام :

بخل تدين بحلوه و بمره # فكأنه جزء من التوحيد

____________

(1) المخيلة السحابة التي تحسبها ماطرة و الربيع المطر الذي يجي‏ء زمن الربيع و المغدق الذي يجي‏ء بالغدق و هو الماء الكثير . -المؤلف-

501

فقال البحتري :

و تدين بالبخل حتى خلته # فرضا يدان به الإله و يعبد

و قال أبو تمام :

أ و يختلف ماء الوصال فماؤنا # عذب تحدر من غمام واحد

فقال البحتري :

و أقل ما بيني و بينك اننا # نرمي القبائل عن قبيل واحد

و قال أبو تمام :

ثوى بالمشرقين لهم ضجاج # أطار قلوب أهل المغربين‏

فقال البحتري :

غدا غدوة بين المشارق إذ غدا # فبث حريقا في أقاصي المغارب‏

و قال أبو تمام :

حن إلى الموت حتى ظن جاهلة # بأنه حن مشتاقا إلى وطن‏

فقال البحتري :

تسرع حتى قال من شهد الوغى # لقاء أعاد أم لقاء حبائب‏

و قال أبو تمام :

شهدت جسيمات العلى و هو غائب # و لو كان أيضا شاهدا كان غائبا

فقال البحتري :

نصحتكم لو كان للنصح سامع # لدى شاهد عن موضع الفهم غائب‏

و قال أبو تمام :

فان أنا لم يحمدك عني صاغرا # عدوك فاعلم انني غير حامد

فقال البحتري :

ليواصلنك ذكر شعر سائر # يرويه فيك لحسنه الأعداء

و قال أبو تمام :

و نغمة معتفي جدواه أحلى # على أذنيه من نغم السماع‏

فقال البحتري :

نشوان يطرب للسؤال كأنما # غناه ما لك طيئ أو معبد

و أول من سبق إلى هذا المعنى زهير ثم أخذه الناس فولدوه قال:

تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت سائله‏

و قال أبو تمام :

و مجربون سقاهم من بأسه # فإذا لقوا فكأنهم أغمار

فقال البحتري :

ملك له في كل يوم كريهة # اقدام غر و اعتزام مجرب‏

و قال أبو تمام يصف شعره:

منزهة عن السرق المورى # مكرمة عن المعنى المعاد

فقال البحتري :

لا يعمل المعنى المكرر # فيه و اللفظ المردد

501 و قال أبو تمام :

البيد و العيس و الليل التمام (1) معا # ثلاثة أبدا يقرن في قرن‏

فقال البحتري :

اطلبا ثالثا سواي فاني # رابع العيس و الدجى و البيد

و قال أبو تمام :

تفيض سماحة و المزن مكد # و تقطع و الحسام العضب ناب‏

فقال البحتري :

يتوقدون و الكواكب مطفاة # و يقطعن و السيوف نواب‏

و قال أبو تمام :

لا تدعون نوح بن عمرو دعوة # للخطب إلا أن يكون جليلا

فقال البحتري :

يا أبا جعفر و ما أنت بالمدعو # الا لكل امر كبار

و قال أبو تمام :

و لقد أردتم مجده و جهدتم # فإذا أبان قد رسا و يلملم‏

فقال البحتري :

و لن ينقل الحساد مجدك بعد ما # تمكن رضوى و اطمان متالع

و قال أبو تمام :

و تشرف العليا و هل بك (من) مذهب # عنها و أنت على المعالي قيم‏

فقال البحتري :

متقلقل الأحشاء (العزمات) في طلب العلى # حتى يكون على المكارم (المعالي) قيما

و قال أبو تمام :

و يلبس أخلاقا كراما كأنها # على العرض من فرط الحصانة أدرع‏

فقال البحتري :

قوم إذا لبسوا الدروع لموقف # لبستهم الأخلاق فيه دروعا

و قال أبو تمام :

و قد كان فوت الموت سهلا فرده # اليه الحفاظ المر و الخلق الوعر

فقال البحتري :

و لو أنه استام الحياة لنفسه # وجد الحياة رخيصة الأسباب‏

و قال أبو تمام :

و ما العرب بالتسويف الا كخلة # تسليت عنها حين شط مزارها

فقال البحتري :

و كنت و قد أملت مدا لنائل # كطالب جدوى خلة لا تواصل‏

و قال أبو تمام :

همة تنطح النجوم و حظ # آلف للحضيض فهو حضيض‏

فقال البحتري :

متحير يغدو بعزم قائم # في كل نازلة وجد قاعد

و قال أبو تمام :

متواطئو عقبيك في طلب العلى # و المجد ثمت تستوي الأقدام‏

____________

(1) الليل التمام أطول ليالي الشتاء-المؤلف-

502

فقال البحتري :

حزت العلى سبقا و صلى ثانيا # ثم استوت من بعده الأقدام‏

و قال أبو تمام :

تندى عفاتك للعفاة و تغتدي # رفقا إلى زوارك الزوار

فقال البحتري :

ضيف لهم يقري الضيوف و نازل # متكفل فيهم ببر النزل‏

و قال أبو تمام :

عطفوا الخدور على البدور و وكلوا # ظلم الستور بنور حور نهد

فقال البحتري :

و بيض أضاءت في الخدور كأنها # بدور دجى جلت سواد الحنادس‏

فهذا ما ذكر الصولي أن البحتري أخذه من أبي تمام

ما ذكره الآمدي من ماخذ البحتري من أبي تمام نقلا عن أبي الضياء بشر بن تميم الكاتب و صححه‏

ذكر الآمدي في الموازنة أن أبا الضياء هذا ألف في ذلك كتابا و يظهر مما نقله الآمدي عن ذلك الكتاب من تلك المآخذ أن أبا الضياء استقصى فيه استقصاء عجيبا و تتبع شعر كل من الشاعرين تتبعا كاملا لا يمكن الاستدراك عليه و قد يظهر منه التعصب لأبي تمام على البحتري و لكن الآمدي الذي يلوح منه التعصب للبحتري على أبي تمام صحح أكثر تلك المآخذ و ناقش في بعضها بأنها لا تعد أخذا لأنها معان مبذولة معروفة و ترك بعضها فلم يذكره و قال الآمدي في الموازنة هذا ما اخذه البحتري من معاني أبي تمام مما نقلته من صحيح ما خرجه أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب لانه استقصى ذلك استقصاء بالغ فيه حتى تجاوز إلى ما ليس بمسروق فكفانا مئونة الطلب ثم أورد ما صححه من ذلك و نحن نورد منه هنا ما لم يذكره الصولي فيما تقدم قال الآمدي عن أبي الضياء .

و قال أبو تمام :

فكاد بان يرى للشرق شرقا # و كاد بان يرى للغرب غربا

فقال البحتري :

فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى # و طورا مغربا للمغرب الأجم‏

و قال أبو تمام :

فان يكن وصب عانيت سورته # فالورد (1) حلف لليث الغابة الأضم (2)

إن الرياح إذا ما اعصفت قصفت # عيدان نجد و لم يعبان بالرتم (3)

فقال البحتري :

فلست ترى شوك القتادة خائفا # سموم الرياح الآخذات من الرند

و لا الكلب محموما و إن طال عمره # إلا إنما الحمى على الأسد الورد

502 و قال أبو تمام :

رأيت رجائي فيك وحدك همة # و لكنه في سائر الناس مطمع‏

فقال البحتري :

ثنى أملي فاحتازه عن معاشر # يبيتون و الآمال فيهم مطامع‏

و قال أبو تمام :

بمحمد و محسد و مسود # و مكرم و ممدح و معذل (4)

فقال البحتري

ذلك المحمد و المسود # و المكرم و المحسد

و قال أبو تمام :

و قد قرب المرمى البعيد رجاؤه # و سهلت الأرض العراء ركائبه‏

فقال البحتري :

أدار رحاه فاغتدى جندل الفلا # ترابا و قد كان التراب جنادلا

و قال أبو تمام :

رافع كفه لبري فما احسبه # جاءني لغير اللطام‏

فقال البحتري :

و وعد ليس يعرف من عبوس # انقباضهم أو عدام أو وعيد

و قال أبو تمام :

لا المنطق اللغو يزكو في مقاومه # يوما و لا حجة الملهوف تستلب‏

فقال البحتري :

ان أغفلوا حجة لم يلف مسترقا # لها و أن يهموا في القول لم يهم‏

و قال أبو تمام :

مجد رعى تلعات الدهر و هو فتى # حتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم‏

فقال البحتري :

صحبوا الزمان الفرط الا انه # هرم الزمان و عزهم لم يهرم‏

و قال أبو تمام :

كريم متى أمدحه مدحه و الورى # معي فإذا ما لمته لمته وحدي‏

فقال البحتري :

أ أشكو نداه بعد أن وسع الورى # و من ذا يذم الغيث الا مذمم‏

و قال أبو تمام :

و ما نفع من قد مات بالأمس صاديا # إذا ما السماء اليوم طال انهمارها

فقال البحتري :

و اعلم بان الغيث ليس بنافع # للناس ما لم يأت في ابانه‏

(قول) أقول معناه غير معنى بيت أبي تمام ياتي أنه مأخوذ من بيت آخر و قال أبو تمام :

تكاد مغانيه تهش عراصها # فتركب من شوق إلى كل راكب‏

فقال البحتري :

و لو أن مشتاقا تكلف غير ما # في وسعه لسعى إليك المنبر

و قال أبو تمام :

و كيف احتمالي للسحاب صنيعة # باسقائها قبرا و في لحده البحر

____________

(1) الورد بالكسر من أسماء الحمى .

(2) في الديوان الاضم بالضاد المعجمة و هو من اضم كفرح فهو أضم اي غضبان و في نسخة أجم بالجيم و يمكن كونه من الأجمة لكن الظاهر انه تصحيف.

(3) الرتم نبات دقيق . -المؤلف-

(4)

بمحمد و مكند و محسد # و مسود و ممدح و معذل‏

(الديوان)

503

فقال البحتري :

ملئان من كرم فليس يضره # مر السحاب عليه و هو جهام‏

و قال أبو تمام :

فليشكروا جنح الظلام و دروذا # فهم لدروذ و الظلام موالي‏

فقال البحتري :

نجا و هو مولى الريح يشكر فضلها # عليه و من يول الصنيعة يشكر

و قال أبو تمام :

أنت المقيم فما تغدو رواحله # و عزمه أبدا منه على سفر

فقال البحتري :

مسافر و مطاياه محللة # غروضها و مقيم و هو مرتحل‏

و قال أبو تمام :

فلم يجتمع شرق و غرب لقاصد # و لا المجد في كف امرئ و الدراهم‏

فقال البحتري :

ليفر وفرك الموفى و ان أعوز # ان يجمع الندى و وفوره‏

و قال أبو تمام :

و وفرت يا فوخ الجنان عن الردى # و زدت غداة الروع في نجدة النجد

فقال البحتري :

و يغدو و نجدته في الوغى # تدرب نجدات فرسانه‏

و قال أبو تمام :

ما زال وسواسي لعقلي خادعا # حتى رجا مطرا و ليس سحاب‏

فقال البحتري :

و عجيب ان الغيوم يرجيهن # من لا يرى مكان الغيوم‏

و قال أبو تمام :

بكل صعب الذري من مصعب يقظ # اقام متئدا أم سار معتزما

فقال البحتري :

لا يبرح الحزم يستوفي صريحته # أقام متئدا أم سار معتزما

و قال أبو تمام :

لرددت تحفته عليه و إن غلت # عن ذاك و استهديت بعض خصاله‏

و قال أبو تمام أيضا:

و انفح لنا من طيب خيمك نفحة # ان كانت الأخلاق مما توهب‏

فقال البحتري :

لا تسل ربك الكثير و سله # خصلة تستفيدها من خصاله‏

و قال أبو تمام :

غريبة تؤنس الآداب وحشتها # فما تحل على قوم و ترتحل‏

فقال البحتري :

ضوارب في الآفاق ليس بنازح # بها من محل اوطنته ارتحالها

و قال أبو تمام :

كأنما خامرة اولق # أو غازلت هامته الخندريس‏

503 فقال البحتري :

و تخال ريعان الشباب يروعه # من جنة أو نشوة أو افكل‏

و قال أبو تمام :

حمد حييت به واجر حلقت # من دونه عنقاء ليل مغرب‏

فقال البحتري :

فأنت تصيب المجد حيث تلألأت # كواكبه ان أنت لم تصب الاجرا

و قال أبو تمام :

تدعى عطاياه وفرا و هي ان شهرت # كانت فخارا لمن يعفوه موتنقا

فقال البحتري :

و إذا اجتداه المجتدون فإنه # يهب العلى في سيبه الموهوب‏

و قال أبو تمام :

و تلبس أخلاقا كراما كأنها # على العرض من فرط الحصانة أدرع‏

فقال البحتري :

قوم إذا لبسوا الدروع لموقف # لبسوا من الأحشاء فيه دروعا

و قال أبو تمام :

لما اظلتني غمامك أصبحت # تلك الشهود علي و هي شهودي‏

فقال البحتري :

و معترضون ان حاولت امرا # بهم شهدوا علي و هم شهودي‏

و قال أبو تمام

انضرت ايكتي عطاياك حتى # صار ساقا عودي و كان قضيبا

فقال البحتري :

حتى يعود الذئب ليثا ضيغما # و الغصن ساقا و القرارة نيقا

و قال أبو تمام :

وحشية ترمي القلوب إذا اغتدت # و سنى فما تصطاد غير الصيد

فقال البحتري

(و تصطاد الفوارس صيدها)

:

و قال أبو تمام :

الآن حين غرست في كرم الندى # تلك المنى و بنيت فوق أساس‏

فقال البحتري :

غفل الرجال بنوا على جدد الثرى # لما بنوا و بنيت فوق أساس‏

و قال أبو تمام :

فعلا م الصدود من غير جرم # و الصدود الفراق قبل الفراق‏

فقال البحتري :

على ان هجران الحبيب هو النوى # لدي و عرفان المشيب هو العذل‏

و قال أبو تمام :

و فتى إذا جنف الزمان فما يرى # الا إلى عزماته يتظلم‏

فقال البحتري :

و لو انصفتني سر من راء لم أكن # إلى العيش من أوطانها اتظلم‏

504

و قال أبو تمام .

من دوحة الكلم التي لم ينفك # وقفا عليك رصينة محبوسا

فقال البحتري :

و لك السلامة و السلام فانني # غاد و هن على علاك حبائس‏

و قال أبو تمام :

و كذاك لم تفرط كابة عاطل # حتى يجاورها الزمان بحالي‏

فقال البحتري :

و قد زادها إفراط حسن جوارها # خلائق اصفار من المجد خلب‏

و قال أبو تمام :

و ما العرف بالتسويف الا كخلة # تسليت عنها حين شط مزارها

فقال البحتري :

و كنت و قد حاولت مدا لحاجتي # كطالب جدوى خلة لا تواصل‏

و قال أبو تمام :

آساد موت مخدرات ما لها # الا الصوارم و القنا آجام‏

فقال البحتري :

حشدت حولها سباع الموالي # و العوالي غاب لتلك السباع‏

و قال أبو تمام :

و لاذت بحقويه الخلافة و التقت # على خدرها ارماحه و مناصله‏

فقال البحتري :

لاذت بحقويه الخلافة انها # قسم لأفضل هاشم فالأفضل‏

و قال أبو تمام

و قد تألف العين الدجى و هو قيدها # و يرجى شفاء السم و السم قاتل‏

فقال البحتري :

و يحسن دلها و الموت فيه # و قد يستحسن السيف الصقيل‏

و قال أبو تمام :

أورقت لي وعدا وثقت بنجحه # بالأمس الا انه لم يثمر

فقال البحتري :

و الوعد كالورق الجني تاودت # منه الغصون و نجحه ان يثمرا

و قال أبو تمام :

ان الهلال إذا رأيت نموه # أيقنت ان سيكون بدرا كاملا

فقال البحتري :

مثل الهلال بدا فلم يبرح به # صوغ الليالي فيه حتى اقمرا

و قال أبو تمام :

نرمي باشباحنا إلى ملك # نأخذ من ماله و من أدبه‏

فقال البحتري :

نغدو فاما استمحنا من مواهبه # فضلا و اما استفدنا منه آدابا

و قال أبو تمام :

و ما خير برق لاح في غير وقته # و واد غدا ملئان قبل أوانه‏

504 فقال البحتري :

و اعلم بان الغيث ليس بنافع # للناس ما لم يأت في ابانه‏

و قال أبو تمام :

لا يكرم السائل المعطي و ان أخذت # منه الرغائب حتى يكرم الطلب‏

فقال البحتري :

علمتني الطلب الشريف و انما # كنت الوضيع من اتضاع مطالبي‏

و قال أبو تمام :

ارسى بناديك الندى و تنفست # نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا

فقال البحتري :

راحت لاربعك الرياح ضعيفة # و أصاب مغناك الغمام الصيب‏

و قال أبو تمام :

الود للقربى و لكن رفده # للابعد الأوطان دون الأقرب‏

فقال البحتري :

بل كان أقربهم من سيبه سببا # من كان ابعدهم من جذمه رحما

و قال أبو تمام :

شرخ من الشرف المنيف يهزه # هز الصفيحة شرخ عمر مقبل‏

فقال البحتري :

أدركت ما فات الكهول من الحجى # في عنفوان شبابك المستقبل‏

و قال أبو تمام :

بعثن الهوى في قلب من ليس هائما # فقل في فؤاد رعنه و هو هائم‏

فقال البحتري :

فبعثن وجدا للخلي و زدن في # برحاء وجد الهائم المستهتر

و قال أبو تمام :

غرة مرة الا انما كنت # أغرا أيام كنت بهيما

فقال البحتري :

عجبت لتفويف القذال و انما # تفويفه لو كان غير مفوف‏

و قال أبو تمام :

و ما زالت تجد اسى و شوقا # له و عليه أخلاق الرسوم‏

فقال البحتري :

فهيج وجدي ربعها و هو ساكن # و جدد شوقي رسمها و هو مخلق‏

و قال أبو تمام :

تراه يذب عن حرم المعالي # فتحسبه يدافع عن حريم‏

فقال البحتري :

حامى عن المكرمات مجتهدا # ذب المحامي عن ماله و دمه‏

و قال أبو تمام :

تنصل ربها من غير جرم # إليك سوى النصيحة و الوداد

فقال البحتري :

أقر بما لم اجنه متنصلا # إليك على اني إخالك ألوما