أعيان الشيعة - ج4

- السيد محسن الأمين المزيد...
634 /
305

و لا تطلبن ان تكون رأسا فتكون ذنبا و لا تستأكل الناس بنا فتفتقر فانك موقوف لا محالة و مسئول فان صدقت صدقناك و ان كذبت كذبناك‏

، و في ميزان الاعتدال

عباد بن يعقوب الرواجني حدثنا عبد الله بن عبد الملك المسعودي عن الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب سمعت عليا يقول انا عبد الله و أخو رسوله لا يقولها بعدي الا كذاب‏

و

روى الحارث عن أبي سعيد عقيصا عن علي عن النبي ص قال مهما ضيعتم فلا تضيعوا الصلاة

اه. في ميزان الاعتدال و تهذيب التهذيب : روى عن زيد بن وهب و زاد الأول و عن عكرمة و طائفة و زاد الثاني عن أبي صادق الأزدي و جابر الجعفي و سعيد بن عمرو بن أشوع و غيرهم اه. و عن جامع الرواة انه نقل روايته عن الأصبغ .

تلاميذه‏

في طبقات ابن سعد روى عن سفيان الثوري و في ميزان الاعتدال عنه مالك بن مغول و عبد الله بن نمير و طائفة. و زاد في تهذيب التهذيب عنه عبد الواحد بن زياد و عبد السلام بن حرب و جماعة اه. و عن جامع الرواة انه نقل رواية صباح المزني عنه عن الأصبغ و رواية سفيان بن إبراهيم الجريري عنه عن أبي جعفر (ع) و رواية عمرو بن أبي المقدام عنه اه. و زاد في المستدركات رواية اسحق بن عمار عنه.

{- 8139 -}

الحارث بن خزمة الخزرجي الأنصاري

توفي سنة 40 بالمدينة في خلافة علي (ع) و هو ابن 67 سنة. ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرسول ص و في الاصابة خزمة بفتح المعجمة و الزاي اه. و مر ان مقتضى ما في منهج المقال و النقد و غيرهما ان الشيخ ذكره بالحاء المهملة و الزاي لأنهم ذكروه نقلا عن رجال الشيخ بين الحارث بن حاطب و الحارث بن حسان و لكن المذكور في كتب أسماء الصحابة ابن خزمة بالمعجمة و الزاي فذكروه بعد الحارث بن خالد و هم اضبط و اعرف بهذا الشأن فذكره بالحاء المهملة تصحيف. و في الاستيعاب

هو الذي جاء بناقة النبي ص حين ضلت في‏حين قال المنافقون هو لا يعلم موضع ناقته فكيف يعلم خبر السماء فقال رسول الله ص حين بلغه قولهم فاني لا اعلم الا ما علمني الله و قد اعلمني بمكانها و دلني عليها و هي في الوادي في شعب كذا حبستها شجرة فانطلقوا فجاءوا بها و كان الذي جاء بها من الشعب الحارث بن خزيمة وجد زمامها قد علق بشجرة هكذا

جاء في هذا الخبر خزيمة اه .

{- 8140 -}

الحارث بن دلهاث

مولى الرضا ع في التعليقة كذا في الخصال عن سهل عنه و لكن في الكافي عن سهل ابن الحارث عن دلهاث مولى الرضا (ع) اه.

{- 8141 -}

الحارث بن ربعي أبو قتادة الأنصاري

توفي بالكوفة سنة 38 أو 40 في خلافة علي (ع) و صلى عليه و قيل توفي بالمدينة سنة 54 و هو ابن 70 أو 72 سنة .

ذكرنا في ج 7 من هذا الكتاب في باب ما بدئ باب ان أبا قتادة الأنصاري التابعي اسمه الحارث بن ربعي و A1G أبا قتادة الأنصاري الصحابي اسمه عمرو بن ربعي و لا اعلم من اين أخذت ذلك. و ان صح هذا أمكن 305 ان يكون التابعي هو المتوفى بالكوفة في خلافة علي (ع) سنة 38 أو 40 و الصحابي هو المتوفى A1G بالمدينة A1G سنة 54 أو بالعكس و قد يومئ إلى التعدد ما ياتي عن الشيخ من انه ذكر أحدهما باسمه في أصحاب الرسول ص و الآخر بكنيته في أصحاب علي (ع) لكنني لم أجد الآن من جعلهما اثنين و الله اعلم ثم قد ترجمناه بعنوان أبو قتادة بن ربعي الأنصاري و ذلك لاشتهاره بكنيته و الخلاف الشديد في اسمه و نذكر هنا ما لم نذكره هناك.

وفاته‏

في الطبقات لابن سعد : كان قد نزل الكوفة و مات بها و علي بها و هو صلى عليه و اما محمد بن عمر-الواقدي -فأنكر ذلك و قال حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة ان أبا قتادة توفي بالمدينة سنة 54 و هو ابن 70 سنة اه. و في الاستيعاب قيل توفي أبو قتادة في المدينة سنة 54 و الصحيح انه توفي بالكوفة في خلافة علي و هو صلى عليه اه. و قال الحاكم في المستدرك قال ابن عمر-الواقدي -حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال توفي أبو قتادة بالمدينة سنة 54 و هو ابن 70 قال ابن عمر و لم أر بين أهل العلم عندنا اختلافا ان أبا قتادة توفي بالمدينة و قد روى أهل الكوفة ان أبا قتادة مات بالكوفة ثم روى بسنده عن إبراهيم بن المنذر ان أبا قتادة بن ربعي أحد بني سلمة توفي بالمدينة سنة 54 و هو ابن 70 اه. و روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده عن حنبل بن اسحق انه قال بلغني انه توفي أبو قتادة الحارث بن ربعي سنة 38 في خلافة علي و صلى عليه علي بالكوفة .

و بسنده عن موسى بن عبد الله بن يزيد ان عليا صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعا. و بسنده عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة قال توفي أبو قتادة بالمدينة سنة 54 و هو ابن 70 سنة . و بسنده عن سعيد بن عفير انه في سنة 54 مات أبو قتادة الحارث بن ربعي و يقال النعمان بن ربعي و هو ابن 70 بالمدينة و بسنده عن ابن بكير انه في سنة 54 مات أبو قتادة الحارث بن ربعي بن النعمان الأنصاري اه. و في تهذيب التهذيب : قال الواقدي توفي بالمدينة سنة 54 و هو ابن 70 سنة و لم أر بين علمائنا اختلافا في ذاك.

قال و روى أهل الكوفة انه مات بالكوفة و علي بها و صلى عليه و حكى خليفة ان ذاك كان سنة 38 و هو شاذ و الأكثر على انه مات سنة 54 اه. و التعدد ممكن كما مرت الإشارة اليه.

نسبه‏

مر بعض الأقوال في نسبه في ج 10، و روى الحاكم في المستدرك بسنده عن محمد بن عمر -الظاهر انه الواقدي -قال أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الجراح اه. و روى الخطيب البغدادي بسنده إلى خليفة بن خياط قال أبو قتادة اسمه النعمان بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن منان -مر عن المستدرك ابن سنان -و ساق نسبه كما مر إلى جشم ثم قال ابن الخزرج الأكبر بدل ابن الجراح ابن حارثة بن امرئ القيس اه. و بلدمة في أجداده بالميم و ما يوجد من رسمه بالهاء فهو تصحيف.

الخلاف في اسمه‏

في طبقات ابن سعد اسمه فيما قال محمد بن اسحق الحارث بن ربعي و قال عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري و محمد بن عمر-الواقدي -

306

اسمه النعمان بن ربعي و قال غيرهما عمرو بن ربعي و في الاستيعاب في باب الأسماء الحارث بن ربعي بن بلدمة أبو قتادة الأنصاري السلمي من بني غنم بن كعب بن سلمة بن يزيد بن جشم بن الخزرج هكذا يقول ابن شهاب و جماعة أهل الحديث ان اسم أبي قتادة الحارث بن ربعي و قال ابن اسحق : و اهله يقولون اسمه النعمان بن عمرو بن بلدمة قال أبو عمر (صاحب الاستيعاب ) يقولون بلدمة بالفتح و بلدمة بالضم و بلذمة بالذال المنقوطة و الضم أيضا و في الدرجات الرفيعة : أبو قتادة الأنصاري اسمه الحارث و قيل عمرو و قيل النعمان اه. و في تهذيب التهذيب أبو قتادة الأنصاري السلمي المدني اسمه الحارث بن ربعي و قيل النعمان و قيل عمرو و قيل عون و قيل مراوح و المشهور الحارث اه. و في تاريخ بغداد للخطيب اسمه الحارث بن ربعي هكذا سماه غير واحد من العلماء و قال الواقدي اسمه النعمان بن ربعي و قال الهيثم بن عدي اسمه عمرو بن ربعي ثم روى بسنده عن أبي بكر البرقي انه قال أبو قتادة الحارث بن ربعي و يقال النعمان بن ربعي بن بلدمة اه .

أقوال العلماء فيه‏

ذكره الشيخ في رجاله في باب الأسماء في أصحاب الرسول ص فقال الحارث بن ربعي أبو قتادة الأنصاري . و ذكره في باب الكنى في أصحاب علي (ع) ، فقال: أبو قتادة الأنصاري اه. و في الطبقات الكبيرة لابن سعد أبو قتادة بن ربعي الأنصاري ثم أحد بني سلمة من الخزرج شهد اه. و في الاستيعاب يقال لأبي قتادة فارس رسول الله ص و

روينا عن النبي ص انه قال خير فرساننا أبو قتادة ، و خير رجالتنا سلمة بن الأكوع

و قد ذكرناه في باب الكنى لأنه ممن غلبت عليه كنيته اه. و قال في باب الكنى أبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله ص و كان يعرف بذلك ثم ذكر الخلاف في اسمه كما مر في ج 10 و ذكرنا هناك الحديث الذي فيه انه تفل على الجرح الذي بوجهه فما ضرب عليه و لا قاح و رسمت كلمة (قاح) بالفاء و صوابها بالقاف اي لم يحصل فيه قيح بعد ذلك . و في أسد الغابة قال الحسن بن عثمان شهد مع علي مشاهده كلها اه. و في الدرجات الرفيعة أبو قتادة الأنصاري و ذكر الخلاف في اسمه و قال ابن ربعي بكسر الراء و سكون الموحدة بعدها مهملة ابن بلدمة بضم الموحدة و المهملة بينهما لام ساكنة السلمي بفتحتين المدني فارس رسول الله ص شهدو لم يصح شهوده قاله ابن حجر في التقريب و اخرج أبو داود عن أبي قتادة ان النبي ص كان في سفر له فانطلق سرعان الناس فتعطشوا فلزمت رسول الله ص تلك الليلة فقال حفظك الله بما حفظت به نبيه و هو طرف من حديث طويل أخرجه مسلم . و روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال لما قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة و نكح امرأته كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري فركب فرسه و التحق بأبي بكر و حلف ان لا يسير في جيش تحت لواء خالد ابدا فقص على أبي بكر القصة فقال أبو بكر لقد فتنت الغنائم العرب و ترك خالد ما أمرته قال أبو عمر في الاستيعاب شهد أبو قتادة مع علي مشاهدة كلها في خلافته و قال ابن الأثير شهد أبو قتادة مع علي حروبه كلها اه. و في تهذيب قال أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري اخبرني من هو خير مني أبو قتادة اه. و ذكره الخطيب في تاريخ بغداد فيمن ورد المدائن من الصحابة فقال و أبو قتادة الأنصاري أحد بني سلمة بن سعد بن الخزج الخزرج . و كان من أفاضل الصحابة 306 لم يشهدو شهد ما بعدها و عاش إلى خلافة علي بن أبي طالب و حضر معه قتال الخوارج بالنهروان -مر عن الاستيعاب و غيره و انه شهد معه مشاهده كلها-و ورد المدائن في صحبته و مات في خلافته و قيل بل بقي بعده زمنا زمانا طويلا. ثم روى بسنده عن نبيط بن شريط الأشجعي انه قال لما فرغ علي بن أبي طالب من قتال أهل النهروان قفل أبو قتادة الأنصاري و معه ستون أو سبعون من الأنصار فبدأ بعائشة قال أبو قتادة فلما دخلت عليها قالت: ما وراءك؟فأخبرتها انه لما تفرقت المحكمة من عسكر أمير المؤمنين لحقناهم فقتلناهم. فقالت ما كان معك من الوفد غيرك؟قلت بلى ستون أو سبعون. قالت: أ فكلهم يقول مثل الذي تقول؟قلت: نعم، قالت: قص علي القصة. فقلت: يا أم المؤمنين تفرقت الفرقة و هم نحو من اثني عشر ألفا ينادون لا حكم الا لله. فقال علي : كلمة حق يراد بها باطل. فقاتلناهم بعد ان ناشدناهم الله و كتابه. فقالوا كفر عثمان و علي و عائشة و معاوية . فلم نزل نحاربهم و هم يتلون القرآن فقاتلناهم و قاتلونا قتلونا و ولى منهم من ولى. فقال علي لا تتبعوا موليا فأقمنا ندور على القتلى حتى وقفت بغلة رسول الله ص و علي راكبها. فقال: اقلبوا القتلى، فأتيناه و هو على نهر فيه القتلى فقلبناهم، حتى خرج في اخرهم رجل اسود على كتفه مثل حلمة الثدي. فقال علي : الله أكبر!و الله ما كذبت و لا كذبت، كنت مع النبي ص و قد قسم فيئا فجاء هذا. فقال: يا محمد اعدل! فو الله ما عدلت منذ اليوم. فقال النبي ص ثكلتك أمك و من يعدل عليك إذا لم اعدل؟ فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله الا أقتله؟فقال النبي ص لا دعه فان له من يقتله و قال صدق الله و رسوله. قال: فقالت عائشة :

ما يمنعني ما بيني و بين علي ان أقول الحق،

سمعت النبي ص يقول :

تفترق امتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم محفون شواربهم، ازرهم إلى انصاف سوقهم يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يقتلهم أحبهم إلي و أحبهم إلى الله تعالى

: قال فقلت يا أم المؤمنين فأنت تعلمين هذا، فلم كان الذي كان منك؟قالت: يا أبا قتادة و كان امر الله قدرا مقدورا، و للقدر أسباب و ذكره ذكر بقية الحديث اه. ثم روى بسنده عن موسى بن عبد الله بن يزيد ان أبا قتادة كان بدريا. قال الشيخ أبو بكر-الخطيب صاحب تاريخ بغداد -قوله و كان بدريا خطا لا شبهة فيه لأن أبا قتادة لم يشهد و لا نعلم أهل المغازي اختلفوا في ذلك اه.

من روى عنهم و من رووا عنه‏

مر ذلك في ج 10 و لكن فيما نذكره هنا زيادة في تهذيب التهذيب :

روى عن النبي ص و عن معاذ بن جبل و عمر بن الخطاب و عنه ولداه ثابت و عبد الله و مولاه أبو محمد نافع بن عباس بن الأقرع و انس بن مالك و جابر بن عبد الله و عبد الله بن رباح الأنصاري و معبد بن كعب بن مالك و أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف و عمرو بن سليم الزرقي و عبد الله بن معبد الزماني و محمد بن سيرين و نبهان مولى التوأمة و كبشة بنت كعب بن مالك و عطاء بن يسار و ابن المنكدر و آخرون.

{- 8142 -}

الحارث بن الربيع

يكنى أبا زياد أحد بني مازن بن النجار ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب علي (ع) و قال كان عامله على المدينة اه. و في أسد الغابة : الحارث بن الربيع بن ناشب بن هدم بن عود بن غالب بن زياد بن سفيان بن عبد الله بن قطيعة بن عبس فاني‏

307

العبسي الحارث بن الربيع بن زياد بن سفيان بن عبد الله بن ناشب بن هدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس الغطفاني العبسي روى هشام الكلبي عن أبي الشغب العبسي قال وفد على النبي ص تسعة رهط من بني عبس و كانوا من المهاجرين الأولين منهم الحارث بن الربيع بن زياد فأسلموا فدعا لهم النبي ص قال ابن مأكولا الربيع الكامل و عمارة الوهاب و انس الفوارس و قيس الحفاظ بنو زياد أخرجه أبو موسى اه. و في الاصابة الحارث بن الربيع و ساق نسبه كما مر العبسي بالموحدة قال و والد هذا هو صاحب القصة مع لبيد بن ربيعة عند النعمان بن المنذر و له اخبار غيرها و هو من أشراف العرب في الجاهلية اه .

{- 8143 -}

الحارث بن زهير الأزدي

استشهد مع علي (ع) يوم الجمل سنة 36. كان من أصحاب علي (ع) و حضر معه‏و اختلف هو و عمرو بن الأشرف ضربتين فقتل كل منهما صاحبه. و في الاصابة الحارث بن زهير بن عبد السارف (الشارق) بن لمط بن مطة بن عامر بن كثير بن الدئل الأزدي قال ابن الكلبي كان شريفا و شهد مع علي فالتقى هو و عمرو بن الأشرف فاقتتلا فقتل كل واحد منهما صاحبه اه. و في شرح النهج قال أبو مخنف : انتهى الحارث بن زهير الأزدي من أصحاب علي (ع) إلى‏و رجل آخذ بخطامه لا يدنو منه أحد الا قتله فلما رآه الحارث بن زهير مشى اليه بالسيف و ارتجز فقال لعائشة :

يا امنا اعق أم تعلم # و الأم تغذو ولدها و ترحم

أ ما ترين كم شجاع يكلم # و تختلي هامته و المعصم‏

فاختلف هو و الرجل ضربتين فكلاهما أثخن صاحبه، قال جندب بن عبد الله الأزدي فجئت حتى وقفت عليهما و هما يفحصان بأرجلهما حتى ماتا قال فأتيت عائشة بعد ذلك أسلم عليها بالمدينة فقالت من أنت قلت رجل من أهل الكوفة قالت: هل شهدتناقلت نعم قالت مع اي الفريقين قلت مع علي قالت هل سمعت مقالة الذي قال‏

يا امنا اعق أم تعلم‏

قلت نعم و أعرفه قالت و من هو قلت ابن عم لي قالت و ما فعل قلت قتل عندو قتل قاتله قال فبكت حتى ظننت و الله انها لا تسكت ثم قالت لوددت و الله انني كنت مت قبل ذلك اليوم بعشرين سنة اه. و روى الطبري عن عمر بن شبه حدثنا أبو الحسن عن أبي مخنف عن ابن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه عن جده قال كان عمرو بن الأشرف أخذ بخطام الجمل لا يدنو منه أحد الا خطبه بسيفه إذ اقبل الحارث بن زهير الأزدي و هو يقول:

يا امنا يا خير أم تعلم # أ ما ترين كم شجاع يكلم

و تختلي هامته و المعصم‏

فاختلفا ضربتين فرأيتهما يفحصان الأرض بأرجلهما حتى ماتا فدخلت على عائشة بالمدينة و ذكر نحوا مما مر إلى قوله حتى ظننت انها لا تسكت اه. و مع كون الرواية في كل من شرح النهج و تاريخ الطبري عن أبي مخنف فبينهما اختلاف فشارح النهج ذكر الرجز اربعة شطور مع كون الأول

(يا امنا اعق أم تعلم)

و الطبري ذكر الشطور ثلاثة مع كون الأول‏

(يا امنا يا خير أم تعلم‏

و كذلك ابن الأثير ذكر الشطور ثلاثة و الشطر الأول كما ذكره الطبري فإنه تابع له. و المظنون ان الصواب ما ذكره شارح النهج و ان 307 الطبري أو الطابعين غير الشطر الأول و حذف الثاني تحاشيا عما فيهما و الله اعلم.

{- 8144 -}

الحارث بن زياد الساعدي الأنصاري

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرسول ص و قال سكن المدينة له حديث واحد اه.

{- 8145 -}

الحارث بن زياد الشيباني الكوفي أبو العلاء

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق (ع) و قال أسند عنه.

التمييز

في مشتركات الكاظمي باب الحارث بن زياد شيخنا مشترك بين الساعدي الأنصاري من أصحاب الرسول ص له حديث واحد و بين أبي العلاء الشيباني الكوفي من أصحاب الصادق (ع) .

{- 8146 -}

الحارث بن سراقة

ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب علي (ع) . و في لسان الميزان ذكره الطوسي في رجال الشيعة و قال انه كان من أصحاب علي اه.

{- 8147 -}

الأمير أبو فراس الحارث بن سعيد الحمداني العدوي التغلبي

نسبه‏

هو أبو فراس الحارث بن أبي المعالي سعيد بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن عطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن اسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب الحمداني العدوي التغلبي. و أبو فراس بكسر الفاء و تخفيف الراء من أسماء الأسد. و في شعره ما يدل على ان أمه أو احدى جداته رومية حيث يقول:

إذا خفت من اخوالي الروم خطة # تخوفت من اعمامي العرب أربعا

و يقول أيضا:

لإسماعيل بي و بينه فخر # و في اسحق بي و بينه بينه عجب‏

(1)

و يقول أيضا:

و اعمامي ربيعة و هي صيد # و اخوالي بلصفر (2) و هي غلب‏

مولده و وفاته‏

ولد بمنبج سنة 320 و قيل سنة 321 و مقتضى ما حكاه ابن خالويه عن أبي فراس انه قال له انه في سنة 339 كان سني 19 سنة أو ولادته كانت سنة 320 و قتل يوم الأربعاء لثمان خلون من ربيع الآخر أو يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى في حرب كانت بينه و بين قرعويه أو فرغويه غلام سيف الدولة سنة 357 هكذا في جميع كتب التاريخ و الأدب.

فما في تاريخ دمشق لابن عساكر المطبوع من انه قتل سنة 350 غلط من الطابع. و مقتضى تاريخ ولادته و وفاته ان يكون عمره 37 سنة و هو المناسب لقوله قرب وفاته:

زين الشباب أبو فراس # لم يمتع بالشباب‏

و لكنه يقول في بعض قصائده:

أبعد الأربعين محرمات # تماد في الصبابة و اغترار

____________

(1) إسماعيل أبو العرب و اسحق أبو الروم -المؤلف-

(2) بلصفر أصله بنو الأصفر فخفف و هو كثير في كلام العرب يقولون بلعنبر و بلحارث اي بنو العنبر و بنو الحارث و غير ذلك. -المؤلف-

308

و هو يدل على انه بلغ الأربعين و الله اعلم ما ذا عمر بعد ذلك و في ديوان الشريف الرضي المطبوع ان A1G أبا الهيجاء حرب بن سعيد بن حمدان توفي A1G سنة 382 قال و كان أخوه أبو فراس الحارث بن سعيد قد مات قبله بقليل اه. و هذا لا يناسب تاريخ وفاته المتقدم فان بينه و بين تاريخ وفاة أخيه على هذا 25 سنة و هذا لا يقال عنه انه توفي بقليل فان القليل نحو سنة أو أشهر أو نحو ذلك فلا بد ان يكون أحد التاريخين غلطا و الله اعلم.

على ان A2G سيف الدولة مات A2G سنة 356 و استيلاء أبي فراس على حمص الذي كان قتله بسببه كان بعد وفاة سيف الدولة بيسير فلا بد اما من كون تاريخ وفاة أبي الهيجاء غلطا أو قول جامع الديوان ان أخاه أبا فراس مات قبله بقليل غلط و الله اعلم.

عشيرته‏

نشا أبو فراس في عشيرة عربية صميمة تقلب أفرادها في الملك و الامارة قرونا عديدة و كانت لهم أحسن سيرة مملوءة بمحاسن الأفعال و جميل الصفات من كرم و سخاء و عز و إباء و صولة و شجاعة و فصاحة و براعة و حلم و صفح و تدبير و غيرة و حماية للجار و حفظ للذمار و رأي رصين و عقل رزين إلى غير ذلك. و كلهم أو جلهم شعراء مجيدون أهل شجاعة و اقدام تعودوا ممارسة الحروب و قيادة الجيوش و يندر أو ليس بموجود ان يكون فيهم من ليس بشاعر و لا شجاع فارس و سيف الدولة المتقدم في الرئاسة و الامارة و الشجاعة و الكرم و أبو فراس الفائق بشعره فيهم و المتميز بشجاعته و فروسيته. عن كتاب اعلام الكلام للقشيري : كان كشاجم من المعجبين بال حمدان و نظم قصيدة بليغة في جعفر بن عبد الله الحمداني . و قال الثعالبي في اليتيمة : كان بنو حمدان ملوكا و أمراء أوجههم للصباحة و ألسنهم للفصاحة و أيديهم للسماحة و عقولهم للرجاحة. و انا أزيد فأقول: و نفوسهم للطماحة و قلوبهم للشجاعة و أقوالهم للبراعة و أوامرهم للإطاعة و حماهم للمناعة وصيتهم للاذاهة. تجلت الأخلاق و الشيم العربية الفاضلة و الغيرة على العروبة و الإسلام في أفعالهم و أقوالهم و قد اختاروا أحسن الكنى و الألقاب المشعرة بشغفهم بالعز و العلياء و الشجاعة و تمسكهم بالعروبة فمن كناهم: أبو المعالي و أبو العلاء و أبو الأغر و أبو العشائر و أبو الهيجاء و أبو السرايا و أبو المرجى و أبو فراس -و هي كنية الأسد-و أبو العطاف و أبو عدنان و أبو الغطريف و من اسمائهم الغضنفر. و فيهم يقول أبو فراس :

فلم يخلق بنو حمدان الا # لمجد أو لباس أو لجود

و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

أيها المبتغي محل بني حمدان # مهلا أ تبلغ الجوزاء

فضلوا الناس رفعة و سناء # و علوهم تكرما و وفاء

يا محيل الأفكار فيهم إلى كم # تتعب الفكر هل تنال السماء

و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

و أنا الذي علم الأنام بأنه # لم ينمه الا كريم سيد

و فيهم يقوم أبو فراس أيضا:

و نحن أناس يعلم الله اننا # إذا جمع الدهر الغشوم شكائمه

إذا ولد المولود منا فإنما الأسنة # و البيض الرقاق تمائمه‏

308 و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

و إذا افتخرت فخرت بالشم الأولى # شادوا المكارم من بني حمدان

نحن الملوك بنو الملوك اولي العلا # و معادن السادات من عدنان

و المجد يعلم اننا أركانه # و البيت مرتكز على الأركان

قومي متى تخبرهم لم يحسنوا # غير اصطناع العرف و الإحسان

كم معدم أغنوا بفضل سماحهم # كرما و فكوا من أسير عاني

و هم أحق ببيت شعر قد مضى # في الناس ممن ضمه الثقلان

(و إذا دعوتهم ليوم كريهة # سدوا شعاع الشمس بالمران)

و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

إذا كان منا واحد في عشيرة # علاها و ان ضاق الخناق حماها

و لا اشتورت الا و أصبح شيخها # و لا اختبرت الا و كان فتاها

و لا ضربت بين القباب قبابه # و أصبح مأوى الطارقين سواها

و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

و اني لمن قوم كرام أصولهم # بها ليل إبطال كرام المناسب

و لو لا رسول الله كان اعتزاؤنا # لأشرف بيت من لؤي بن غالب

و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

و أنا ابن من شاد المكارم و ابتنى # خطط المعالي حيث حل الفرقد

و انا الذي علم الأنام بأنه # لم ينمه الا كريم سيد

حمدان جدي خير من وطئ الحصى # و أبي سعيد في المكارم أوحد

أعلى لنا لقمان أبيات العلا # و أناف حمدون و شيد احمد

يعطي إذا ضن السحاب تكرما # و يجير ان جار الزمان الأنكد

و المجد يوجد عندنا بارومة # و العار و الفحشاء ما لا يوجد

و الفخر يقسم اننا ابناؤه # دون البرية و المكارم شهد

و يقود فيهم أبو فراس أيضا:

و نحن أناس لا توسط بيننا # لنا الصدر دون العالمين أو القبر

و يقول فيهم أبو فراس أيضا:

و لقومي الشرف الرفيع محله # فوق المجرة و السماك المرزم

ورثوا الرئاسة كابرا عن كابر # من عهد عاد في الزمان و جرهم

ظفروا بها بالسيف أول مرة # و بقاؤها بالسيف أصبح فيهم

نحن البحار بل البحار مياهها # ملح و موردنا لذيذ المطعم‏

و فيهم يقول أبو فراس أيضا:

و من لم يشاهد كر قومي في الوغى # فها فليشاهد كرهم في المكارم‏

و يقول أبو فراس أيضا و قد اتى عسكر ناصر الدولة و فيه اخوته و بنو أخيه و قد طال عهده بلقائهم لأنه كان خلفهم صبية فعرفهم بالشبه:

يلوح بسيماه الفتى من بني أبي # و تعرفه من غيره بالشمائل

مفدى مرجى يكثر الناس حوله # طويل نجاد السيف سبط الأنامل‏

و فيهم يقول السري الرفا من قصيدة يمدح بها أبا البركات لطف الله بن ناصر الدولة الحمداني :

و الحمد حلي بني حمدان تعرفه # و الصبح أبلج لا يلقى بإنكار

قوم إذا نزل الزوار ساحتهم # تفيئوا ظل جنات و انهار

309

و فيهم يقول السري أيضا من قصيدة يمدح بها سيف الدولة :

آل حمدان غرة الكرم المحض # و صفو الصريح منه اللباب

أشرق الشرق منهم و خلا الغرب # و لم يخل من ندى و ضراب

ينجلي السلم عن بدور رواض # فيه و الحرب عن اسود غضاب‏

و فيهم يقول هارون الكناني من قصيدة:

يبرزون الوجوه تحت ظلام الموت # و الموت فيهم يستظل

كرماء إذا الظبا غشيتهم # منعتهم أحسابهم ان يولوا

و فيهم يقول جعفر بن محمد الموصلي :

بأبناء حمدان الذين كأنهم # مصابيح لاحت في ليال حوالك

لهم نعم لا استقل بشكرها # و ان كنت قد سيرته في المسالك‏

و فيهم يقول المتنبي في مدح سيف الدولة :

و أنت أبو الهيجاء بن حمدان يا ابنه # تشابه مولود كريم و والد

و حمدان حمدون و حمدون حارث # و حارث لقمن و لقمن راشد

و فيهم يقول المتنبي أيضا من قصيدة يمدح بها أبا العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان :

يا بني الحارث بن لقمان لا تعدمكم # في الوغى متون العتاق

بعثوا الرعب في قلوب الأعادي # فكان القتال قبل التلاقي

و تكاد الظبي لما عودوها # تنتضي نفسها إلى الأعناق

و إذا أشفق الفوارس من وقع # القنا أشفقوا من الإشفاق

كرم خشن الجوانب منهم # فهو كالماء في الشفار الرقاق

و معال إذا ادعاها سواهم # لزمته جناية السراق‏

و فيهم يقول الشريف الرضي من قصيدة يرثي بها أبا الهيجاء حرب بن سعيد بن حمدان أخا أبي فراس و أولها:

رجونا أبا الهيجاء إذ مات حارث # فمذ مضيا لم يبق للمجد وارث‏

يقول فيها:

و سرب بنو حمدان كانت حماته # رعت فيه ذؤبان الليالي العوائث

فأين كفاة القطر في كل ازمة # و اين الملاجي منهم و المغاوث

إذا ما دعا الداعون للباس و الندى # فلا الجود منزور و لا الغوث رائث

من المطعمين المجد بالبيض و القنا # ملاء المقاري و العريب غوارث

إذا طرحوا عماتهم وضحت لهم # مفارق لم يعصب بها العار لائث

بكتهم صدور المرهفات و بشرت # هجان المتالي و المطي الرواغث

يخلى لهم من كل ورد جمامه # إذا وردوا و المعشبات الاثائث

مضوا لا الأيادي مخدجات نواقص # و لا مرر العلياء منهم رثائث‏

و قد نبغ منهم جماعة كثيرة بل جلهم نوابغ فكان فيهم الأمراء و الشعراء و الشجعان و الأسخياء ذكر أكثرهم أبو فراس في قصيدته الرائية العصماء التي يفتخر فيها بقومه في الإسلام و يذكر وقائعهم و مفاخرهم و أولها: 309

لعل خيال العامرية زائر # فيسعد مهجور و يسعد هاجر

و سنورد طرفا مقنعا منها.

فمن نوابغهم جدهم الأعلى (الحارث) بن لقمان بن راشد الذي يشير اليه أبو فراس بقوله في القصيدة المذكورة:

انا الحارث المختار من نسل حارث # إذا لم يسد في القوم الا الأخاير

و جدهم الأدنى الذي يتفرعون منه و ينسبون اليه أبو العباس حمدان بن حمدون و يقال احمد بن حمدون . و الظاهر ان أصل اسمه احمد و حمدان تغيير منه. و أولاد حمدان بن حمدون و هم تسعة 1- علي بن حمدان بن حمدون و كان أسن ولد حمدان مات حدثا. و ولده أبو الغطريف يحيى بن علي بن حمدان 2- أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون والد سيف الدولة و له ثلاثة أولاد (أولهم) أبو محمد ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون و هو أسن من سيف الدولة و لناصر الدولة عدة أولاد منهم. أبو تغلب الغضنفر . و أبو المظفر حمدان . و إبراهيم . و أبو البركات لطف الله .

و أبو المرجى جابر . و أبو القاسم هبة الله . و الحسين ، و أبو المطاع ذو القرنين (الثاني) من أولاده عبد الله بن حمدان سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون و له من الأولاد أبو المكارم مات في حياته و أبو المعالي شريف ملك بعده (الثالث) من أولاد عبد الله بن حمدان أبو العطاف جبر بن عبد الله بن حمدان 3- أبو الوليد سليمان بن حمدان بن حمدون الملقب بالحرون 4- أبو العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون والد أبي فراس و له خمسة أولاد و هم. أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان . و أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان . و أبو الهيجاء حرب بن سعيد ابن حمدان . و أبو الأغر أحمد بن سعيد بن حمدان و أبو الفضل ابن سعيد بن حمدان 5- أبو سليمان داود بن حمدان بن حمدون الملقب بالمزرفن و له ولدان و هما. أبو وائل تغلب . و أبو اليقظان عمار و يظهر ان لعمار ولدا اسمه داود أيضا 6- أبو علي الحسين بن حمدان. بن حمدون . و حفيده أبو العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان 7- أبو السرايا نصر بن حمدان بن حمدون و له خمسة أولاد و هم. أبو العباس احمد . و أبو اليقظان عمار . و أبو الحسن علي . و أبو زهير مهلهل و أبو عدنان محمد 8- أبو إسحاق إبراهيم بن حمدان ابن حمدون 9- أبو جعفر محمد الغمر بن حمدان بن حمدون (1) و من بني حمدان جعفر بن عبد الله الحمداني لكشاجم فيه قصيدة بليغة.

أقوال العلماء فيه‏

عده ابن شهرآشوب في معالم العلماء من شعراء أهل البيت المجاهرين و قال أبو عبد الله الحسين بن محمد بن احمد بن خالويه النحوي اللغوي جامع ديوان أبي فراس و شارحه في مقدمة الديوان ما لفظه: من حل من الشرف السامي و الحسب النامي و الفضل الرائع و الكرم الذائع و الأدب البارع و الشجاعة المشهورة و السماحة المأثورة محل أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون بن الحارث العدوي رحمه الله و كان سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان رضي الله تعالى عنه و هو ابن عمه و منبته و مثقفه و مخرجه و موقفه يجري على سنته العادلة و آثاره الفاضلة شهدت له شواهد الفضل و دعت اليه دواعي النبل اه. و في اليتيمة : أبو فراس الحارث بن سعيد حمدان . كان فرد دهره و شمس عصره أدبا و فضلا و كرما و نبلا و مجدا و بلاغة و براعة و فروسية و شجاعة و كان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس و يميزه بالإكرام عن سائر قومه

____________

(1) في بعض المواضع انه أبو جعفر محمد بن احمد بن حمدون و في بعضها انه أبو جعفر محمد بن الغمر بن احمد بن حمدون و علي ما استظهرناه من ان حمدان هو احمد يكون الصواب ما ذكرناه. -المؤلف-

310

و يصطنعه لنفسه و يستصحبه في غزواته و يستخلصه في اعماله و أبو فراس ينثر الدرر الثمينة في مكاتباته إياه و يوفيه حق سؤدده و يجمع بين ادبي السيف و القلم في خدمته اه. و قال ابن عساكر في تاريخ دمشق : الحارث بن سعيد بن حمدان أبو فراس بن أبي العلاء التغلبي الحمداني الأمير الشاعر الفارس كان يسكن منبج و يتنقل في بلاد الشام في دولة أبي الحسن علي بن حمدان المعروف بسيف الدولة اه. و في النجوم الزاهرة أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن-حمدان التغلبي العدوي الأمير الشاعر الفصيح و كان يتنقل في بلاد الشام في دولة ابن عمه سيف الدولة بن حمدان و كان من الشجعان و الشعراء المفلقين و ديوان شعره موجود اه. و في نسمة السحر : أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون التغلبي الشامي الأمير الكبير الشاعر المشهور (إلى ان قال) فهو المنزل الموت الأحمر ببني الأصفر و المورد السنان الأشهب في نحر العدو الأزرق تحت النقع الأسود في اليوم الأغبر اه. و في أبي فراس يقول الأمير أبو احمد عبد الله بن ورقاء الشيباني من قصيدة تأتي:

أمدره تغلب لسنا و علما # و مصقع نطقها عند التلاحي

لقد أوتيت علما و اطلاعا # بآداب و ألفاظ فصاح

لمقولك المضاء إذا انتضاه القصيد # على المهند الصفاح‏

شخصيته‏

هو أمير جليل و قائد عظيم أكبر قواد سيف الدولة و شجاع مدرة و شاعر مفلق و عربي صميم تجلت فيه الأخلاق و الشيم العربية السامية باجلى مظاهرها في شجاعته و ولوعه بالحرب و كراهته الإخلاد إلى الدعة و الراحة و في إباء نفسه و فخره و حماسته و اعتزازه بعشيرته و علو همته و ارتفاعه عن الدنايا و سخائه و فصاحته و حبه للعفو و الصفح و حفظ الحرم و ارتياحه إلى الكرم و البذل و حبه فعل الخير و المساواة بنفسه و عدم ايثارها على المسلمين و رقة طبعه و سجاحة خلقه و حبه للوطن و رعايته لحقوق الاخوان و محافظته على لم شعث العشيرة إلى دين متين و اعتقاد ثابت رصين و خوف من الله تعالى و غيرة على الإسلام و العروبة و أشعاره الكثيرة الحماسية و اخباره الآتية شاهدة شهادة صادقة بما اتصفت به نفسه من الشمم و الإباء و علو الهمة و الطموح إلى العلياء و الغرام بالمجد و ما يكسب الثناء و الحمد. و الأمير أبو فراس هو أمير السيف و القلم. كان شاعرا مجيدا و بطلا مقداما إذا قال فعل فهو إذا قال:

و اني لنزال بكل مخوفة # كثير إلى نزالها النظر الشزر

و اني لجرار لكل كتيبة # معودة ان لا يخل بها النصر

سيذكرني قومي إذا جد جدهم # و في الليلة الظلماء يفتقد البدر

فهو حقيقة نزال بكل مخوفة جرار لكل كتيبة و إذا غاب يترك فراغا لا 310 يسده غيره فيذكره قومه لا كمن يقول و لا يفعل.

قضى الحمدانيون ايامهم في حروب متواصلة مع جيرانهم و أعدائهم الروم و كانت لأبي فراس اليد الطولى في قيادة الجيوش الحمدانية و تسييرها و كان له الفضل الأكبر في إحراز الفلج لها و كان إذا مشى الجيش مشى أبو فراس في الطليعة فيجندل بسيفه الأبطال و يردي غلب الرجال. و كان ذا نفس طماحة و روح تواقة لا ترضى بالدنيات من الأمور و الصغائر من الأفعال بل تنهض به إلى اسمى المنازل و أعلى الرتب باشر أبو فراس قيادة الحروب و قيادة الجيوش و ما أخضر عارضاه كما يدل عليه بعض أشعار اهله (1) . و حكى عنه ابن خالويه انه قال غزونا مع سيف الدولة و فتحنا حصن العيون و أوغلنا في بلاد الروم و فتحنا حصن الصفصاف و سني إذ ذاك 19 سنة و هو القائل:

فلا تصفن الحرب عندي فإنها # طعامي مذ ذقت الصبا و شرابي‏

و هو عارف بتواريخ العرب في الجاهلية و الإسلام و غيرهم و هو عالم بصناعةالكلام‏و الاحتجاج و إيراد الأدلة و النقص و الإبرام كما تدل عليه قصيدته الميمية التي يرد بها على ابن سكرة العباسي مشارك في العلوم عارف باللغةوالعربيةتخرج على ابن خالويه العالم اللغوي النحوي الشهير و غيره.

جمع أبو فراس إلى مكانة بيته و شرف محتده شخصية قوية فذة فأهله ذلك لأن يكون الأمير الجليل و ان يكون أكبر قواد سيف الدولة و ان يكون من أحب الشخصيات العربية إلى النفوس على مر الأزمان. و لا شك ان نشاته في حجر سيف الدولة و وراثته مزايا عرف بها آل حمدان و تفردوا بمحاسنها قد كونا شخصيته تلك. يضاف إلى ذلك ظروف حياته التي قضاها في ممارسة الحرب و الغزو و مكابدة الأسر. فقد اجتمعت تلك العوامل و المؤثرات فأخرجت شخصية صافية واضحة لا ارتباك فيها و لا تعقيد شان أكثر الشعراء بعيدة كل البعد عن ان تربكها الخطوب و ترهقها الحوادث أو ان تخرج بها دفائن الأهواء عن الخلق المتفائل السمح مع عزم و صلابة و وضوح.

لا شك في ان الوراثة و حياة المرء الاجتماعية منذ نشاته لهما الأثر العظيم في تكوين شخصيته. و تنمية صفاته الغريزية و تقويتها و إبرازها.

و قد ورث شاعرنا الأمير عن أجداده و آبائه الشي‏ء الكثير مما عرف به هذا البيت العربي الكريم فكان مطبوع الفطرة على مثل الأخلاق العربية العليا.

ثم تداولت ظروف حياته هذه الفطرة السليمة الصافية فاتسقت معها تنميها و تغذيها فكانت رغباته قيد إرادة قوية و مجال واسع في الامارة و الرئاسة، لتحقيق ما تصبو اليه نفسه العظيمة لقد تيسر له-و هو الطامح إلى معالي الأمور-ان يباشر الحروب و قيادة الجيوش و يتقلب في ذرى الامارة و هو ابن تسع عشرة سنة فنمت فيه غريزة الشجاعة و قويت و عظمت و هو إلى ذلك يجر وراءه ماضيا ضخما و صيتا عريضا من تراث الآباء و الأجداد و يحمل في قرارة نفسه عقيدة دينية صلبة تعرف معها نفسه ما لها و ما عليها فأهله ذلك لأن يكون الأمير الجليل و لان يكون أكبر قواد سيف الدولة و لأن يتبوأ اسمى مقام بين العظماء و لأن يكون خالد الذكر ما بقي الدهر و وجد مجالا واسعا في الحماسة و الفخر الصادق و ساعدته الحالات التي كان يمارسها من نصر و ظفر و أسر طال و استمر على ان تخرج قريحته الفياضة شعرا مطبوعا بطابع كل حسن و رقة و عذوبة و فخامة و انسجام و هو إذا افتخر و تحمس و ذكر

____________

(1) و هو ابن زهير مهلهل بن نصر بن حمدان فإنه كتب إلى أبي فراس بعد بعض الوقائع التي نصره الله فيها بهذه الأبيات:

يا خير منتجب ينميه أب # مخيلتي فيك لم تكذب و لم تخب

ان كان وجهك لم تخطط عوارضه # فأنت كهل الحجى و الفضل و الأدب

وقفت يا ابن سعيد وقفة شهرت # لا زلت أدعوك فيها فارس العرب

311

الحروب يقول قولا صادقا يطابق الفعل و لا يكون كمن يقول ما لا يفعل و يفخر بما ليس فيه. فنمت شخصيته و اطمأنت خطوطها العامة في وضوح و صفاء، لذلك كان بعيدا كل البعد عن ان يحمل الحقد و النقمة على الحياة و بنى البشر فلم يقل كما قال المتنبي المنكوب في صميم نفسه بما لم ينكب به أبو فراس :

و من عرف الأيام معرفتي بها # و بالناس روى رمحه غير راحم‏

نعم لقد قال:

(إذ مت ظمانا فلا نزل القطر)

. و لكنه لم يمت ظمآن بل شرب حتى ارتوى رحمه الله. و تبرم بالزمان و الاخوان شان أمثاله لكنه لم يخرج في ذلك إلى ما خرج اليه المتنبي . و يظهر تبرمه بالزمان و الإخوان في كثير من شعره كقوله:

تناساني الأصحاب الا عصابة # ستلحق بالأخرى غدا و تحول

و من ذا الذي يبقى على العهد انهم # و ان كثرت دعواهم لقليل

اقلب طرفي لا ارى غير صاحب # يميل مع النعماء حيث تميل

و صرنا نرى ان المتارك محسن # و ان صديقا لا يضر وصول

تصفحت أحوال الزمان فلم يكن # إلى غير شاك للزمان وصول

و ليس زماني وحده بي غادر # و لا صاحبي دون الرجال ملول

أ كل خليل هكذا غير منصف # و كل زمان بالكرام بخيل

نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة # أجاب إليها عالم و جهول

و قبلي كان الغدر في الناس شيمة # و ذم زمان و استلام خليل‏

تلك شخصية أبي فراس . قل وجودها في غير بني حمدان في ذلك العصر الذي عاش فيه أبو فراس و الذي توالت فيه الفتن و الخطوب على الإسلام و العرب متسلسلة منذ اليوم الذي بدا فيه فساد الدين و الدنيا في بلاد العرب و الإسلام فقل اليقين و الامان و عصفت بالنفوس عواصف المحن و الخطوب الخارجية و الداخلية. فلم يكن غريبا ان يتفوق أبو فراس و يتبوأ مركز الامارة و القيادة عن جدارة و استحقاق لأن شخصية تستطيع ان تخرج من خلال هذه الغمرات النفسية خالصة الجوهر صافية السجايا و الخلايا ممثلة روح التضحية و اليقين و الفروسية كما كانت في صدر الإسلام لهي شخصية عبقرية.

و قد جمع أبو فراس ألوانا صادقة من رسوم شخصيته تلك فكانت صورة واضحة رائعة له في احدى قصائده التي أرسلها إلى ابن عمه سيف الدولة من أسر القسطنطينية : و قد بلغه عن سيف الدولة ما أنكره كما في الديوان و قال ابن خالويه امتنع الأمير سيف الدولة من إخراج ابن أخت الملك الا بفداء عام و حمل الأمير أبو فراس إلى القسطنطينية فقال يعاتب سيف الدولة . و هذه القصيدة من غرر شعر أبي فراس و لذلك أوردناها بتمامها و هي:

اما لجميل عندكن ثواب # و لا لمسي‏ء عندكن متاب

311 لقد ضل من تحوي هواه خريدة # و قد ذل من تقضي عليه كعاب

و لكنني و الحمد لله حازم # أعز إذا ذلت لهن رقاب

و لا تملك الحسناء قلبي كله # و ان ملكتها روقة و شباب

و اجري و لا اعطي الهوى فضل مقودي # و اهفو و لا يخفى علي صواب

إذا الخل لم يهجرك الا ملالة # فليس له الا الفراق عتاب

إذا لم أجد في بلدة ما أريده # فعندي لأخرى عزمة و ركاب

و ليس فراق ما استطعت فان يكن # فراق على حال فليس إياب

صبور و لو لم تبق مني بقية # قئول و لو ان السيوف جواب

وقور و أحوال الزمان تنوشني # و للموت حولي جيئة و ذهاب

و الحظ أهوال الزمان بمقلة # بها الصدق صدق و الكذاب كذاب

بمن يثق الإنسان فيما ينوبه # و من اين للحر الكريم صحاب

و قد صار هذا الناس الا أقلهم # ذئابا على أجسادهن ثياب

تغابيت عن قومي فظنوا غباوتي # بمفرق أغبانا حصى و تراب

و لو عرفوني حق معرفتي بهم # إذا علموا اني شهدت و عابوا

و ما كل فعال يجازى بفعله # و لا كل قوال لدي يجاب

و رب كلام مر فوق مسامعي # كما طن في لوح الهجير ذباب

إلى الله أشكو اننا بمنازل # تحكم في آسادهن كلاب

تمر الليالي ليس للنفع موضع # لدي و لا للمعتفين جناب

و لا شد لي سرج على ظهر سابح # و لا ضربت لي بالعراء قباب

و لا برقت لي في اللقاء قواطع # و لا لمعت لي في الحروب حراب

ستذكر ايامي نمير و عارم # و كعب على علاتها و كلاب

انا الجار لا زادي بطي‏ء عليهم # و لا دون مالي في الحوادث باب

و لا اطلب العوراء منهم أصيبها # و لا عورتي للطالبين تصاب

و اسطو و حبي ثابت في قلوبهم # و أحلم عن جهالهم و اهاب

بني عمنا (1) لا تنكروا الود اننا # شداد على غير الهوان صلاب

بني عمنا ما يصنع السيف في الوغى # إذا فل منه مضرب و ذباب

بني عمنا نحن السواعد و الظبا # و يوشك يوما ان يكون ضراب

و ان رجالا ما ابنهم كابن أختهم # حريون ان يقضي لهم و يهابوا

(2)

فعن اي عذر ان دعوا و دعيتم # أبيتم بني أعمامنا و أجابوا

(3)

و ما أدعي ما يعلم الله غيره # رحاب علي للعفاة رحاب

و أفعاله بالراغبين كريمة # و أمواله للطالبين نهاب

و لكن نبا منه بكفي صارم # و أظلم في عيني منه شهاب

و ابطا عني و المنايا سريعة # و للموت ظفر قد اطل و ناب

فان لم يكن ود قريب نعده # و لا نسب دون الرجال قراب

فاحوط للإسلام ان لا يضيعني # ولي عنه فيه حوطة و مناب

و لكنني راض على كل حالة # ليعلم اي الحالتين صواب

و ما زلت ارضى بالقليل محبة # لديه و ما دون الكثير حجاب

و اطلب إبقاء على الود أرضه # و ذكري مني في غيرها و طلاب

كذاك الوداد المحض لا يرتجى له # ثواب و لا يخشى عليه عقاب

و قد كنت أخشى الهجر و الشمل جامع # و في كل يوم لقية و خطاب

فكيف و فيما بيننا ملك قيصر # و للبحر حولي زخرة و عباب

أ من بعد بذل النفس فيما تريده # أثاب بمر العتب حين أثاب

فليتك تحلو و الحياة مريرة # و ليتك ترضى و الأنام غضاب

و ليت الذي بيني و بينك عامر # و بيني و بين العالمين خراب‏

____________

(1) المعني بهم سيف الدولة .

(2) كأنه يريد ان يحثهم على فدائه فيقول ان القوم الذين يعتنون بابنهم و لا يجعلونه كابن أختهم الذي هو من قوم أجانب هؤلاء حريون ان يكونوا أعزاء فيقضي لهم و يهابوا فعليكم ان تكونوا كذلك.

(3) كأنه يشير إلى ما مر في رواية ابن خالويه من ان الروم طلبوا إخراج ابن أخت الملك فامتنع سيف الدولة من إخراجه الا بفداء عام فكأنه يقول لسيف الدولة ان الروم أجابوا ابن أخت الملك لما دعاهم لفدائه و انا دعوتكم فلم تجيبوني و انا ابنكم فاي عذر لكم.

312

إذا صح منك الود فالكل هين # و كل الذي فوق التراب تراب‏

في هذه القصيدة ترى شخصية أبي فراس واضحة حتى في غزلها الذي كان فيه صادقا لا جاريا في استهلال القصيدة به على سنة الشعراء الأقدمين فحسب. فهو يمثل غزل الرجل الكبير و الأمير الأبي الذي‏

(لا تملك الحسناء كل قلبه)

و الذي‏

(يهفو و لكن لا يخفى عليه صواب)

و لا شك بان ما ينتابه فيها من حس الألم و التبرم بالإخوان و عتاب سيف الدولة لا ينتاب الا نفسا كالتي وصفناها.

و قد اولع أبو فراس في شعره بذكر الحرب و الطعن و الضرب في سبيل العز و المجد فمن بديع شعره في ذلك قوله:

لا عز الا بالحسام المخذم # و ضراب كل مدجج مستلئم

و قراع كل كتيبة بكتيبة # و لقاء كل عرموم بعرموم

و لقد رضعت من الزمان لبانه # و عرفت كل معوج و مقوم

و قطعت كل تنوفة لم يلقها # قدم و لم تقرع بباطن منسم

و اهنت نفسي للرماح و انه # من لم يهن بين القنا لم يكرم

و رأيت عمري لا يزيد تاخري # فيه و لا يفنيه فضل تقدمي‏

لا تكاد تقرأ خبرا من اخبار أبي فراس و لا قصيدة من شعره فلا تجد أثرا يروعك من فروسيته و فتوته. و في كل حادثة من حوادث أيامه اثر من ذلك. قال ابن خالويه غدا أبو فراس يتصيد في خيل يسيرة فأحدقت به الخيل (يعني خيل الروم ) من كل جانب في عدد كثير فلم يزل يقاتل حتى كشفهم و اعتنق فارسهم و أسر عدة منهم فكتب إلى سيف الدولة :

الا من مبلغ سروات قومي # و سيف الدولة الملك الهماما

باني لم أدع فتيات قومي # إذا حدثن جمجمن الكلاما

شرت ثناءهن ببذل نفسي # و نار الحرب تضطرم اضطراما

و لما لم أجد الا فرارا # أشد من الحمام أو الحماما

حملت على ورود الموت نفسي # و قلت لصحبتي موتوا كراما

و عدت بصارم و يد و قلب # حمتني ان اضام و ان الاما

آلفهم و انشرهم كاني # بها نعما اطرد أو نعاما

و مدعو إلى المران لما # رأى ان قد تذمم و استلاما

عقدت على مقلده يميني # و أعفيت المثقف و الحساما

و هل عذر و سيف الدين ركني # إذا لم اركب الخطط العظاما

و أقفو فعله في كل امر # و اجعل فضله ابدا اماما

و قد أصبحت منتسبا اليه # و حسبي ان أكون له غلاما

اراني كيف اكتسب المعالي # و اعطاني على الدهر الذماما

و رباني ففقت به البرايا # و انشاني فسدت به الأناما

فابقاه الإله لنا طويلا # و زاد الله نعمته دواما

و ما أجمل ما يتمدح به الفارس الفتى و هو في عنفوان الشباب يحارب و يخاطر بنفسه حتى لا يدع فتيات قومه إذا حدثن عنه أخذهن الخجل من فراره فجمجمن الكلام بل يدعهن يتباهين بمقامه. ثبت أبو فراس في هذه المرة فلم يقدر عليه و ثبت في المرة الثانية الآتية فأسر و لكنه في المرتين لم يكن نادما على الفرار. و كان الروم كانوا يترصدونه و يغتنمون فرصة خروجه للصيد ليغتالوه.

و هو إذا ظفر باعدائه من قبائل العرب هزه مرأى احدى مخدراتهم 312 و هي تتوسل اليه ان يصفح و يعفو فلقيها بالجميل و وهب لها ما حازه الجيش و ترك نساء الحي مصونات محجبات كما قال:

و ساحبة الأذيال نحوي لقيتها # فلم يلقها جافي اللقاء و لا وعر

وهبت لها ما حازه الجيش كله # و رحت و لم يكشف لأبياتها ستر

و هو في إيقاعه ببني جعفر حين رماه النساء بأنفسهن هزته اريحية الفتوة فكان عند ظن (بنيات عمه) به في الصفح و العفو و حفظ الحرم فأطلق لهن الأموال و الأسرى و لم يكتف بذلك بل كلف نفسه غرم ما فقد من المال، و أرسل هذه الأبيات الجميلة التي تمثل روح الفتوة عند أبي فراس أصدق تمثيل و أروعه. قال من قصيدة:

و لما أطعت الجهل و الغيظ ساعة # دعوت بحلمي أيها الحلم اقبل

بنيات عمي هن ليس يرينني # بعيد التجافي أو قليل التفضل

شفيع النزاريات غير مخيب # و داعي النزاريات غير مخذل

فأصبحت في الأعداء اي ممدح # و ان كنت في الأصحاب اي معذل‏

ففي هذا الشعور تجاه النساء اللائذات به و في هذا الاعتزاز يجبر كسرهن و حمايتهن اريحية الرجولة و الفتوة.

و في قصيدته هذه يقول أيضا في إيقاعه ببني جعفر ذاكرا في قتلهما من بني جعفر :

مضى فارس الحيين زيد بن زمعة # و من يدن من نار الوقيعة يصطل

و قرم بني البنا تميم بن عامر # فتيان طعانان في كل جحفل

و لو لم تفتني سورة الحرب فيهما # جريت على رسم من الصفح أول

و عدت كريم العفو و البطش فيهما # أحدث عن يوم أغر محجل‏

و تراه قد اعترف بشجاعتهما و فضلهما اعتراف الخصم الشريف و بتاسف لحيلولة سورة الحرب دون كريم العفو عنهما فاصطليا بنار الوقيعة.

و صفح عن بني كلاب فقال معربا عن أخلاقه الفاضلة و حبه العفو و متمدحا بذلك و كرره في شعره مرارا:

أفر من السوء لا أفعله # و من موقف الضيم لا أقبله

و قرب القرابة أرعى له # و فضل أخي الفضل لا أجهله

و ابذل عدلي للاضعفين # و للشامخ الأنف لا أبذله

و أحسن ما كنت بقيا إذا # انالني الله ما آمله

و قد علم الحي حي الضباب # و أصدق قيل الفتى أفضله

باني كففت و اني عففت # و ان كره الجيش ما أفعله‏

و قال في إيقاعه ببني كلاب و صفحه عنه من قصيدة:

لي منة في رقاب الضباب # و اخرى تخص بني جعفر

فلما سمعت ضجيج النساء # ناديت حار الا اقصر

أ حارث من صافح غافر # لهن إذا أنت لم تغفر

و قال في مثل ذلك:

تسمع في بيوت بني كلاب # بني البنا تنوح علي تميم

بكرهي ان حملت بني أبيه # و أسرته على الناي العظيم

رجعت و قد ملكتهم جميعا # إلى الأعراق و الأصل الكريم‏

313

و قال في إيقاعه ببني كلاب أيضا و صفحه عن الحرم:

تخف إذا نطاردها كلاب # فكيف بها إذا قلنا نزال

تركناها و لم يتركن الا # لأبناء العمومة و الخوال

فلم ينهضن عن تلك الحشايا # و لم يبرزن عن تلك الحجال‏

و قال في مثل ذلك:

سلي عني سراة بني معد # ببالس عند مشتجر العوالي

لقيناهم بأسياف قصار # كفين مئونة الأسل الطوال

و عادوا سامعين لنا فعدنا # إلى المعهود من شرف الفعال

و نحن متى رضينا بعد سخط # اسونا ما جرحنا بالنوال‏

و هو القائل:

ينال اختيار الصفح عن كل مذنب # له عندنا ملا لا تنال الوسائل‏

و قال يتمدح بالحلم و العفو:

يقولون لا تخرق بحلمك هيبة # و أحسن شي‏ء زين الهيبة الحلم

فلا تتركن العفو عن كل زلة # فما العفو مذموما و ان عظم الجرم‏

و لما أسرت بنو كلاب سيد بني قطن خرج أبو فراس حتى انتزعه منهم و قال:

رددت على بني قطن بسيفي # أسيرا غير مرجو الإياب

سررت بفكه حيي نمير # و سؤت بني سبيعة و الضباب

و ما ابغي سوى شكري ثوابا # و ان الشكر من خير الثواب

فهل يثني علي فتى نمير # بحلي عنه قيد بني كلاب

و قال و قد أوقع ببني كلاب و أسر مصعبا الطائي و سالته أم بسام فصفح عن الأموال من أبيات:

جار نزعناه قسرا في بيوتكم # و الخيل تعصب فرسانا بفرسان

بالمرج إذ أم بسام تناشدني # بنات عمك يا حار بن حمدان

فظلت اثني صدور الخيل ساهمة # بكل مضطغن بالحقد ملئان

و نحن قوم إذا عدنا بسيئة # على العشيرة عقبنا بإحسان‏

و أي مثال للأخلاق السامية يحتذيه المرء و يقتدي به اسمى من قوله في البائية السالفة:

انا الجار لا زادي بطي‏ء عليهم # و لا دون مالي في الحوادث باب

و لا اطلب العوراء منهم أصيبها # و لا عورتي للطالبين تصاب‏

و لما حصل محمد بن رائق بالموصل دبر على ناصر الدولة ليقتله فسبقه ناصر الدولة بالفتكة و قد كان ابن رائق قتل عمارة العقيلي و جماعة من بني نمير فقال أبو فراس و هو صبي:

لقد علمت قيس بن عيلان اننا # بنا يدرك الثار الذي قل طالبه

و انا نزور الملك في عقر داره # و نفتك بالقرم الممنع جانبه

313 و انا فتكنا بالاغر ابن رائق # عشية دبت بالفساد عقاربه

أخذنا لكم بالثار ثار عمارة # و قد نام لم ينهض إلى الثار صاحبه‏

و ما أحسن ما وصف به نفسه وصفا صدق فيه و أبان عن أخلاقه الفاضلة التي هي أحسن قدوة بقوله:

لئن ألفيتني ملكا مطاعا # فانك واجدي عبد الصديق

أقيم مع الذمام على ابن امي # و احمل للصديق على الشقيق

أفرق بين اموالي و بيني # و اجمع بين مالي و الحقوق

أخو الغمرات في جد و هزل # أخو النفقات في سعة و ضيق

جري‏ء في الحروب على المنايا # جبان عن ملاحاة الرفيق‏

شخصية أبي فراس شخصية غنية بالحيوية. فالأمل و الطموح و الفتوة و الزعامة و استسهال الصعاب حتى الموت في سبيل مثل أعلى للرجولة و القومية و الدين كانت كنوزا ثمينة في شخصية أبي فراس و قد تدفقت تلك الحيوية الفياضة في وجوه الحياة العامة فبهرت الأبصار و راعت النفوس.

و انك لتجد دلائل هذه الحيوية جليلة رائعة في جميع اخباره و أشعاره. و إذا لم يكن عجيبا ان تظهر دلائل تلك الحيوية في اخباره و أشعاره و هو الأمير المبجل في سلمه و القائد المنتصر في غزواته و حروبه فان من الرائع العجيب ان يكون في أسر الروم ثم لا تشعره نفسه الأبية شيئا من اللين و المداراة تجاه أعدائه الذين يحكمونه كما يريدون فيناظره الدمستق مناظرة لا يلين فيها (و الدمستق) بضم الدال و الميم و التاء لقب عظيم من عظماء الروم قيل معناه الرئيس الأكبر للجيش و البطارقة قواده. في اليتيمة و غيرها: احفظ أبو فراس الدمستق في مناظرة جرت بينهما فقال له الدمستق : انما أنتم كتاب و لا تعرفون الحرب فقال له أبو فراس نحن نطا أرضك منذ ستين سنة بالسيوف أم بالأقلام. يغضب أبو فراس الدمستق و يحفظه فيجيبه هذا جوابا فيه كثير من المكر و البراعة إذ يقول لأبي فراس القائل:

و صناعتي ضرب السيوف و انني # متعرض في الشعر بالشعراء

إنما أنتم كتاب و لا تعرفون الحرب فقد عرف الدمستق كيف يغيظ أبا فراس و يطعن عزته و قوميته ظنا منه بان أبا فراس الأسير الذي لا حول له و لا قوة سوف يسكت على هذا التحدي و لكن الفارس الأبي يجيبه جواب الغالب للمغلوب لا جواب الأسير لمن هو في أسره فيقوله له: نحن نطا أرضك منذ ستين سنة بالسيوف أم بالأقلام ثم يقول متحمسا مفتخرا:

أ تزعم يا ضخم اللغاديد اننا # و نحن ليوث الحر لا نعرف الحربا

فويلك من للحرب ان لم نكن لها # و من ذا الذي يضحي و يسمي لها تربا

و من ذا يكف الجيش من جنباته # و من ذا يقود القلب أو يصدم القلبا

و ويلك من أردى أخاك بمرعش # و جلل ضربا وجه والدك العضبا

و ويلك من خلى ابن أختك موثقا # و خلاك باللقان (1) تبتدر الشعبا

لقد جمعتنا الحرب من قبل هذه # فكنا بها أسدا و كنت بها كلبا

فسل بردسا (2) عنا أباك و صهره # و سل أهل ( برد أ ليس أعظمهم خطبا

باقلامنا أ حجرت أم بسيوفنا # و أسد الشري قدنا إليك أم الكتبا

تركناك في وسط الفلاة تجوبها # كما انتفق اليربوع يلتثم التربا

تفاخرنا بالضرب و الطعن في الوغى # لقد اوسعتك النفس يا ابن استها كذبا

رعى الله اوفانا إذا قال ذمة # و أنفذنا طعنا و أثبتنا ضربا

____________

(1) اللقان بلد بالروم وراء خرشنة بيومين خففه المتنبي في قوله:

(يذري اللقان عجاجا في مناخرها)

و شدده أبو فراس هنا و في الرائية الطويلة. -المؤلف-

(2) بردس في بعض المواضع بالباء و في بعضها بالفاء و لم تتيسر لنا معرفة الصواب منهما و لعله كان يستعمل بالباء الفارسية القريبة المخرج من الفاء فلذلك كتب تارة بالباء و تارة بالفاء. -المؤلف-

314

و يناظره الدمستق في أمور الدين فيقول:

اما من أعجب الأشياء علج # يعرفني الحلال من الحرام‏

و قال في بعض ما قاله و هو في الأسر:

و ان فتى لم يكسر الأسر قلبه # و خوض المنايا حده لعجيب‏

أما سائر اخباره فكلها تدل على ما في شخصيته من ذلك الغنى النفسي.

عرض سيف الدولة يوما خيوله و بنو أخيه حضور فاختار كل واحد منهم فرسا منها و أمسك أبو فراس ، و سيف الدولة يريد منه ان يفعل مثل فعلهم فلا يفعل و تأبى نفسه من ذلك و يجده حطا من قدره و يرى نفسه أجل من ان يطمع في أخذ جواد من خيل سيف الدولة هذا و سيف الدولة ابن عمه و مربيه و صهره و اتصاله به أشد من اتصال بني أخيه فيحدث ذلك وجدا في نفس سيف الدولة عليه و يعاتبه فلا يعتذر و يجيبه بالترفع عن ذلك و يقول:

غيري يغيره الفعال الجافي # و يحول عن شيم الكريم الوافي

لا ارتضي ودا إذا هو لم يدم # عند الجفاء و قلة الإنصاف

تعس الحريص و قل ما ياتي به # عوضا عن الإلحاح و الالحاف

ان الغني هو الغني بنفسه # و لو انه عاري المناكب حافي

ما كل ما فوق البسيطة كافيا # و إذا قنعت فكل شي‏ء كافي

و يعاف لي طمع الحريص فتوتي # و مروتي و قناعتي و عفافي

ما كثرة الخيل الجياد بزائدي # شرفا و لا عدد السوام الضافي

خيلي و ان قلت كثير نفعها # بين الصوارم و القنا الرعاف

و مكارمي عدد النجوم و منزلي # مأوى الكرام و منزل الأضياف

لا اقتني لصروف دهري عدة # حتى كان صروفه احلافي

شيم عرفت بهن مذ انا يافع # و لقد عرفت بمثلها اسلافي‏

و بذل ملك الروم المفاداة لأبي فراس مفردا فكره الأمير النبيل ان يختار نفسه على المسلمين و شرع في مفاداة جميع الأسرى و ضمن المال و خرج بهم كما ياتي عند ذكر اسره. و لقي الروم و هم ألف بسبعين من أصحابه لا يرتضيهم لأنهم كانوا من الخدم و الأتباع خرج بهم إلى الصيد فأسر كما يدل عليه قوله من قصيدة أرسلها إلى سيف الدولة أول ما أسر و لا يعلم ان هذا هو الأسر الأول أو الثاني:

و لو لم تثق نفسي بمولاي لم أكن # لأوردها في نصره كل مورد

و لا كنت القى الألف زرقا عيونها # بسبعين فيها كل اشام انكد

(1)

و يدل شعره في تلك القصيدة و غيرها على انه كان يمكنه الهرب أو الانحياز عن الروم فلم يفعل حيث يقول:

يقولون جانب. عادة ما عرفتها # شديد على الإنسان ما لم يعود

فقلت اما و الله لا قال قائل # شهدت له في الخيل الأم مشهد

314 و لكن سالقاها فاما منية # هي الظن أو بنيان عز مؤبد

و لم أر ان الدهر من عدد العدي # و ان المنايا السود ترمين عن يد

فهو يأنف من الفرار حتى في ساعة الخطر التي لا يتردد كثير من الشجعان و الأشراف في الفرار عندها كما فعل الحارث بن هشام فإنه فرو كان مع المشركين و اعتذر عن فراره فقال:

الله يعلم ما تركت قتالهم # حتى علوا فرسي باشقر مزبد

و علمت اني ان أقاتل مفردا # اقتل و لا يضرر عدوي مشهدي

ففرت عنهم و الأحبة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مرصد

و كأنما كان لهذا الموقف الذي وقفه أبو فراس و عرض نفسه فيه للأسر مع إمكان الفرار في شعره أكثر من مرة و أشار إلى كثرة تحدث الناس به و لومهم إياه و تفنن بالاعتذار عنه. قال من قصيدة:

ألام على التعرض للمنايا # و لي سمع أصم عن الملام‏

و قال من قصيدة و كأنما ازدهاه و ابهجه تكاثر اللوام عليه لوما يشعر بحرص الناس عليه و ضنهم به:

يقولون لي أقدمت في غير مقدم # و أنت امرؤ ما حنكته التجارب

فقلت لهم لو لم الاق صدورها # تناولني بالذم منهم عصائب

تكاثر لوامي على ما أصابني # كان لم تنب الا باسري النوائب

يقولون لم ينظر عواقب امره # و من لم يعن تجري عليه العواقب

أ لم يعلم الذلان (2) ان بني الوغى # كذاك سليب بالرماح و سالب

و ان وراء الحزم فيها و دونه # مواقف تنسى عندهن التجارب

ارى مل‏ء عيني الردى و اخوضه # إذ الموت قدامي و خلفي المقانب‏

و قوله:

تجشمت خوف العار أعظم خطة # و أملت نصرا كان غير قريب

رضيت لنفسي: كان غير موفق # و لم ترض نفسي كان غير نجيب‏

أي رضيت ان يقال عني كان غير موفق في رأيهم و لم ترض نفسي ان يقال عني كان غير نجيب. و قال من قصيدة:

و قال اصيحابي الفرار أو الردى # فقلت هما أمران احلاهما المر

و لكنني امضي لما لا يعيبني # و حسبك من أمرين خيرهما الأسر

يقولون لي بعت السلامة بالردي # فقلت اما و الله ما نالني خسر

و حكى ابن خالويه عن أبي فراس انه قال: طلب ملك الروم قسطنطين بن لاون الهدنة من سيف الدولة لما كثرت وقائعه بالروم و اتصلت غزواته فأبى الا بشروط قد بعد عهد الروم بمثلها فعند ذلك أراد ملك الروم ان يظهر لسيف الدولة قوته فهادن ملك الغرب و صرف من كان في جهته من العساكر لأن نصارى الغرب و ملوكهم لم يكونوا مع ملك القسطنطينية على وفاق و هادن أيضا ملك البلغار و الروس و الترك و الإفرنجة و سائر الأجناس و استنجدهم على حرب سيف الدولة و بعث عسكرا عظيما بينهم رجل يسمى البركمونس و هو أخو الملكة زوجته و ابن رومانوس الملك قبله و أنفق من الأموال ما يعظم قدره حتى قيل انه اخرج اثني عشر ألف عامل لحفر الخندق حول عسكره يريد بذلك ان يقهر سيف الدولة أو يحمله على قبول الهدنة بالشروط التي يريدها ملك الروم و سار القائد متوجها إلى ديار بكر و بلغ سيف الدولة خبره فجهز العساكر إلى ديار بكر و اقام هو في غلمانه

____________

(1) زرقة العيون توصف بها الروم . و من الطبيعي ان يكون أكثر السبعين الذين خرجوا معه للصيد من الاتباع و الخدم فلذلك قال،

بسبعين فيها كل اشام نكد

. -المؤلف-

(2) الذلان بالضم الذليل. -المؤلف-

315

و اتفق ان الفرات زاد فمنع البركمونس من العبور فعدل إلى الشام و نزل على سميساط فافتتحها في بعض يوم و نزل على رعبان و نفر اليه سيف الدولة فيمن بقي معه و امر أبا فراس بالتقدم فكان أبو فراس أول من لحق العسكر و أحسن البلاء و ثبت يقاتل حتى استحر القتل و كثر الأسر في أصحابه ثم انصرف بباقيهم حتى خلصهم و أسر في هذه الوقعة أخواه و دق رمحين في تريبق الجزري رئيس الحرزيم و أسر تريبق بعض أصحاب أبي فراس فأرى تريبق ذلك الأسير الجراح التي فيه من أبي فراس و قال له أكتب إلى صاحبك (أبي فراس) و قل له مثلك لا يتسمى في مثل ذلك اليوم و يعرفه الناس و ذلك لأن أبا فراس كان حينما يطعن أو يضرب تريبق يتكنى و يتسمى و يقول خذها و انا فلان على عادة العرب في الحروب فأراد تريبق نصحه و ان كان عدوه بان من كان مثله رئيسا شجاعا واترا لا يتسمى في مثل ذلك اليوم الذي هو فيه في عدد قليل و عدوه في عدد كثير فيعرفه الناس و يجتهدوا في قتله أو اسره متى عرفوه فقال أبو فراس في ذلك بيتين جميلين و كان اعتذاره فيهما عن تسمية اعتذار شعريا طريفا:

يعيب علي ان سميت نفسي # و قد أخذ القنا منهم و منا

فقل للعلج لو لم اسم نفسي # لسماني السنان لهم و كنى‏

أي لو لم أتكن لعرفوني بطعني و ضربي.

و سار سيف الدولة لغزو الروم و استخلفه على الشام فيما ذكره ابن خالويه فلم ترض نفس أبي فراس بالاخلاد إلى الراحة و الدعة و أراد ان يكون شريك سيف الدولة في كل غزواته و مواسيا له بنفسه في السراء و الضراء و غلظ عليه القعود عن المسير معه فكتب اليه من قصيدة يتألم من تاخره عنه يسأله الاذن له في صحبته في ذلك الغزو فقال:

تضن بالحرب عنا ضن ذي بخل # و منك في كل حال يعرف الكرم

لا تبخلن على قوم إذا قتلوا # اثنى عليك بنو الهيجاء دونهم‏

يقول فيها طالبا من سيف الدولة ان يأذن له في المسير معه و مبينا له ان الشام محروس بهيبته من العدو غاب عنه أو حضر:

قالوا المسير فهز الرمح عامله # و ارتاح في جفنه الصمصامة الخذم

و طالبتني بما ساء العداة-و قد # عودتها ما تشاء-الذنب و الرخم

حقا لقد ساءني امر ذكرت له # لو لا فراقك لم يوجد له الم

لا تشغلني بامر الشام احرسه # ان الشام على من حله حرم

و ان للثغر سورا من مهابته # صخوره من اعادي اهله القمم

لا يحرمني سيف الدين صحبته # فهي الحياة التي تحيا بها النسم

و ما اعترضت عليه في أوامره # لكن سالت و من عاداته نعم‏

و كتب اليه و قد آلمه التأخر عن الغزو من قصيدة:

أ تطفأ حسرتي و تقر عيني # و لم أوقد مع الغازين نارا

أظن الصبر أبعد ما يرجى # إذا ما الجيش بالسارين سارا

و كان أبو فراس يعتز بعشيرته و تهز أمجاد بني حمدان صميم تقدمه فيكثر من المباهاة بهم و بوقائعهم و كلهم أمير فارس أديب و قد ذكرنا شيئا من ذلك عند ذكر أسرته. فهو لذلك يحرص على لم شعث العشيرة و دوام صلة 315 الرحم. و قد كانت بين أبي تغلب بن ناصر الدولة و أخيه حمدان شحناء و حرب فحاصر الأول الثاني بالجزيرة . فاجتمع لذلك الأمراء في الجزيرة فقال أبو فراس من قصيدة تعبر عن شعور صادق و رحم بر. هذا مع ان ناصر الدولة كان قد قتل أباه و الأحقاد تورث كما تورث المحبة قال:

المجد بالرقة مجموع # و الفضل مرئي و مسموع

ان بها كل عميم الندى # يداه للجود ينابيع

و كل مبذول القرى بيته # بيت على العلياء مرفوع

لكن اتاني خبر رائع # يضيق عنه السمع و الروع

(1)

ان بني عمي و حاشاهم # شعبهم بالخلف مصدوع

بنواب فرق ما بينهم # واش على الشحناء مطبوع

عودوا إلى أحسن ما بينكم # سقتكم الغر المرابيع

لا يكمل السؤدد في ماجد # ليس له عود و مرجوع

انبذل الود لأعدائنا # و هو عن الإخوة ممنوع

و نصل الأبعد من غيرنا # و النسب الأقرب مقطوع

لا يثبت العز على فرقه # غيرك بالباطل مخدوع‏

و من قوله في لم شعث العشيرة و الحنو عليها:

عطفت على غنم بن تغلب بعد ما # تعرض مني جانب لهم صلد

أفضت عليها الجود من قبل هذه # و أفضل منه ما تؤمله بعد

و لا خير في هجر العشيرة لامرئ # يروح على لم العشيرة أو يغدو

و لكن دنو لا يولد جرأة # و هجر رفيق لا يصاحبه زهد

نباعدهم طورا كما نبعد العدي # و نكرمهم حينا كما يكرم الوفد

و سائر أشعاره لا تكاد تخلو قصيدة منها من ذكر الحرب و التغني بذكر المواقع تغني القائد المقدام و من أحب شيئا أكثر ذكره. فقد كان الطعن و الضرب و إعزاز قومه و نفسه حاجة نفسية في شخصيته تقتضيها حيويته في رجولته و فروسيته و كان يزدهيه و يبهجه ما في غزواته المظفرة من أجر الدنيا و الدين لأن أبا فراس كان يحمل مع فروسيته و رجولته عقيدة دينية ثابتة واضحة لا شائبة فيها. و حتى في أغراضه الشعرية الخاصة كان خاطر الحرب يأخذ عليه حسه فلا يتمالك ان يستطرد إلى ذلك من خلال الغزل و النسيب و نحوهما. فهو عند ذكره بعض اهله و قد شيعها إلى الحج يذكر الحرب و الطعن و الضرب مع عدم المناسبة بينها و بين ما قصد له. فبينما هو يبتدئ بالغزل حسب العادة المتبعة فيقول:

أ يحلو لمن لا صبر ينجده صبر # إذا ما انقضى فكر الم به فكر

أ معنية بالعذل رفقا بقلبه # أ يحمل ذا قلب و لو انه صخر

عذيري من اللائي يلمن على الهوى # أ ما في الهوى لو ذقن طعم الهوى عذر

اطلن عليه النوم حتى تركنه # و ساعته شهر و ليلته دهر

و منكرة ما عاينت من شجونه # و لا عجب ما عاينته و لا نكر

و يحمد في الغضب البلى و هو قاطع # و يحسن في الخيل المسومة الضمر

تذكرني نجدا و من حل أرضها # فيا صاحبي نجواي هل ينفع الذكر

إذا به يذكر الحرب و يفتخر بالشجاعة و علو الهمة فيقول:

تطاولت الكثبان بيني و بينه # و باعد فيما بيننا البلد القفر

مفاوز لا يعجزن صاحب همة # و ان عجزت عنها الغريرية (2) الصبر

كان سفينا بين فيد و حاجز # يحف به من آل قيعانه بحر

____________

(1) الروع بالضم القلب و الذهن و العقل.

(2) الغريرية منسوبة إلى غرير كزبير فحل من الإبل.

316

عداني عنه ذود أعداء منهل # كثير إلى وراده النظر الشزر

و سمر أعاد تلمع البيض بينها # و بيض أعاد في اكفهم السمر

و قوم متى ما ألقهم روي القنا # و ارض متى ما أغزها شبع النسر

و خيل يلوح الخير بين عيونها # و نصل متى شمته نزل النصر

إذا ما الفتى أذكى مغاورة العدي # فكل بلاد حل ساحتها ثغر

و يوم كان الأرض شابت لهوله # قطعت بخيل حشو فرسانها صبر

تسير على مثل الملاء منشرا # و آثارنا طرز لأطرافها عمر

ثم يصف المشيعة إلى الحج فيقول و يبدع:

و فيمن حوى ذاك الحجيج خريدة # لها دون عطف الستر من دونها ستر

و في الكم كف ما يراها عديلها # و في الخدر وجه ليس يعرفه الخدر

أشيعها و الدمع من شدة الأسى # على خدها نظم و في نحرها نثر

رجعت و قلبي في سجاف غبيطها # و لي لفتات نحو هودجها كثر

فهل عرفات عارفات بزورها # و هل شعرت تلك المشاعر و الحجر

اما أخضر من بطنان مكة ما ذوى # اما اعشب الوادي اما نبت الصخر

سقى الله قوما حل رحلك بينهم # سحائب لا قل نداها و لا نزر

و هو في خطابه للمحبوب و غزله به لا يجد الا الحرب و غزو الروم أعداء بلاده و قومه موضوعا يتمثل به فيقول:

أيها الغازي الذي يغزو # بجيش الحب جسمي

ما يقوم الأجر في غزوك # للروم باثمي‏

كما أنه يجد صوت قراع السيوف بين الصفوف أشهى اليه من شرب السلاف من كف ظبي ذي شنوف حيث يقول:

أحسن من قهوة معتقة # بكف ظبي مقرطق غنج

صوت قراع في وسط معمعة # قد صبغ الأرض من دم المهج‏

و بينا هو يراسل أبا احمد عبد الله بن محمد بن ورقاء الشيباني يعتذر اليه مما ظنه من التعريض به في آخر قصيدته الرائية الطويلة إذا به تجيش نفسه بما تعوده من الفخر و الحماسة فيقول بعد النسيب:

لاملاك البلاد علي ضرب # يحل عزيمة الدرع الوقاح

و يوم للكماة به عناق # و لكن التصافح بالصفاح‏

و لم تفعل مرارة الأسر و وحشة الغربة عن اهله و صحبه و وطنه في نفسه ما فعله قعوده في هذا الأسر عن الحرب و تدبير أمور القيادة و الرئاسة فقال من قصيدته العصماء البائية المتقدم ذكرها:

تمر الليالي ليس للنفع موضع # لدي و لا للمعتفين جناب

و لا شد لي سرج على ظهر سابح # و لا ضربت لي بالعراء قباب

و لا برقت لي في اللقاء قواطع # و لا لمعت لي في الحروب حراب‏

و جميع قصائده الروميات تعرب عما كان ينتابه في الأسر من الم الشوق إلى الحرب و منازلة الفرسان.

لم تكن أشعار أبي فراس خيال تمنيات و أحلام فان اخباره تدل على ان أشعاره صور صادقة من حياته الواقعية و مثله العليا التي كان يعيش بها.

و ما أحسن ما ابان به عن نفسيته و ما أدق ما أشار به إشارة غير مباشرة إلى 316 ناحية من نفسه هي تحكمه في رغباته و اباؤه ان ترغمه تلك الرغبات على إجابتها لا ان يسعى إليها مختارا، في هذه الأبيات:

و ما انا من كل المطاعم طاعم # و لا انا من كل المشارب شارب

و لا انا راض ان كثرن مكاسبي # إذا لم تكن بالعز تلك المكاسب

و لا السيد القمقام عندي بسيد # إذا استنزلته من علاه الرغائب

علي طلاب العز من مستقره # و لا ذنب لي ان حاربتني المطالب

و عندي صدق الضرب في كل معرك # و ليس عليه ان نبون المضارب

عتادي لدفع الهم نفس أبية # و قلب على ما شئت منه مصاحب

و جرد كأمثال السعالي سلاهب # و خوص كأمثال القسي نجائب‏

و في قوله:

و من أبقى الذي أبقيت هانت # عليه موارد الموت الزؤام

ثناء طيب لا خلف فيه # و آثار كآثار الغمام

و علم فوارس الحيين اني # قليل من يقوم لهم مقامي‏

لقد حقق ما كان يطمح اليه فأبقى الثناء الطيب و الآثار الحميدة و أقام سيفه الحجة لدى فرسان قومه بان من يقوم مقامه نادر قليل لذلك هو بعد ان أدى رسالته يرد موارد الموت الزؤام غير متردد لأنه قد شفى طموح نفسه و بعد همته و حقق الغاية من حياته كما قال:

علينا ان نغاور كل يوم # رخيص الموت بالمهج الغوالي

فان عشنا ذخرناها لأخرى # و ان متنا فموتات الرجال‏

و يجد نفسه سعيدا مغتبطا بما يعانيه في حروبه من وعورة المنازل و النزول في القفار بين الافاعي و العقارب لان ورود العذب الزلال لا يجلبه الا ورود الرنق الأجاج حيث يقول من قصيدة:

اوينا بين أطراف العوالي # إلى بلد من النصار خالي

تمد بيوتنا في كل فج # به بين الاراقم و الصلال

نعاف قطونه و نمل منه # و يمنعنا الاباء من الزيال

مخافة ان يقال بكل ارض # بنو حمدان كفوا عن قتال

و من عرف الخطوب و مارسته # أطاب النفس بالحرب السجال

فان يك اخوتي و ردوا شباها # بأكرم موقف و أجل حال

فمن ورد المهالك لم ترعه # رزايا الدهر في أهل و مال

و ذا الورد المكدر جانباه # بما أوردت من عذب زلال

إذا ما لم تخنك يد و قلب # فليس عليك خائنة الليالي

ضربت فلم أدع للسيف حدا # و جلت بحيث ضاق عن المجال

الأهل منكر ببني نزار # مقامي يوم ذلك أو مقالي

أ لم اثبت لها و الخيل فوضى # بحيث تخف أحلام الرجال

تركت ذوابل المران فيها # مخضبة محطمة الاعالي

وعدت أجر رمحي عن مقام # تحدث عنه ربات الحجال‏

و كان للدين و الأخلاق في شخصية أبي فراس أثر بالغ صادق زاد في نقاء تلك الشخصية و صفائها و أعانه في الصعاب التي لاقاها-و هو لما يزل في عنفوان الشباب-على ان يقف من الحياة موقف الحكيم الزاهد المستهين بالمكاره و ما أجمل و أصدق عاطفته الدينية و أشجى عتابه لسيف الدولة في خطابه له من بعض الروميات بقوله:

317

فان لم يكن ود قريب نعده # و لا نسب دون الرجال قراب

فاحوط للإسلام ان لا يضيعني # ولي عنه فيه حوطة و مناب‏

و ما بالك بذلك الفارس المغوار بينما هو يفتخر بآبائه و بحروبه إلى أقصى ما يتصور إذا بعاطفة الدين تميل به إلى مناجاة الله تعالى فكأنه عابد في محراب لا أسد في مجال الضراب فيقول:

انظر لضعفي يا قوي # و كن لفقري يا غني

أحسن إلي فانني # عبد إلى نفسي مسي‏

و يقول و ليسا في الديوان المطبوع:

انا ان عللت نفسي # بطبيب أو دواء

عالم ان ليس الا # بيد الله شفائي‏

و يسلي نفسه و هو في الأسر و يعظها بأبلغ مواعظ أهل العرفان فيقول:

ما لي جزعت من الخطوب و انما # أخذ المهيمن بعض ما اعطاني‏

و يقول مظهرا حسن ظنه و ثقته بالله تعالى:

و من لم يوق الله فهو ممزق # و من لم يعز الله فهو ذليل

إذا لم يعنك الله فيما تريده # فليس لمخلوق اليه سبيل

و ان هو لم يدللك في كل مسلك # ضللت و لو ان السماك دليل

و ان هو لم ينصرك لم تلق ناصرا # و ان عز أنصار و جل قبيل‏

و يتمدح بالكرم و السخاء و بذل الزاد و اقراء الضيف في كثير من شعره كقوله:

و لا و الله ما بخلت يميني # و لا أصبحت أشقاكم بمالي

و لا امسي احكم فيه بعدي # قليل الحمد مذموم الفعال

و لكني سافنيه و اقني # ذخائر من ثواب أو جمال

و للوراث إرث أبي و جدي # جياد الخيل و الأسل الطوال

و ما تجني سراة بني أبينا # سوى ثمرات أطراف العوالي‏

و قوله من قصيدة:

و لست بجهم الوجه في وجه صاحبي # و لا قائل للضيف هل أنت راحل

و لكن قراه ما تشهي و رفده # و لو سال الأعمار ما هو سائل‏

و قوله من أبيات:

إذا مررت بواد جاش غاربه # فاعقل قلوصك و انزل ذاك وادينا

و ان عبرت بناد لا تطيف به # أهل السفاهة فاجلس فهو نادينا

نغير في الهجمة (1) الغراء ننحرها # حتى ليعطش في الأحياء راعينا

تجفل الشول بعد الخمس صادية # إذا سمعن عن الأمواه حادينا

و تغتدي الكوم أشتاتا مروعة # لا تأمن الدهر الا من أعادينا

و يصبح الضيف أولانا بمنزلنا # نرضى بذاك و يمضي حكمه فينا

و قوله من أبيات:

سلي عني نساء بني معد # يقلن بما رأين و ما سمعنه

أ لست أمدهم لذرى ظلال # و أوسعهم لدى الأضياف جفنه‏

317 و قوله:

احمي حريمي ان يباح # و لست احمي ماليه

و تخافني كوم اللقاح # و قد امن عذابيه

تمسي إذا طرق الضيوف # فناؤها بفنائيه

ناري على ترف تأجج # للضيوف السارية

يا نار ان لم تجلبي # ضيفا فلست بناريه‏

و يرتاح إلى الكرم و المعروف مع من يشكر و من يكفر فإنه ان فاته الشكر لم يفته الأجر فيقول:

و ما نعمة مكفورة قد صنعتها # إلى غير ذي شكر بما نعتي اخرى

ساتي جميلا ما حييت فانني # إذا لم أفد شكرا أفدت به اجرا

و يقول:

و أقسم ان فوت جميل فعل # أشد علي من حز المواسي‏

و ما أغناه حين تنظر إلى ملكه بقايا ما وهب إذ يقول في ابدع معنى و أبلغ لفظ تعرض فيه هذه الصورة الشعرية للشجاعة و الكرم:

بخلت بنفسي ان يقال مبخل # و أقدمت جبنا ان يقال جبان

و ملكي بقايا ما وهبت مفاضة # و رمح و سيف صارم و حصان‏

و بلغ التحمس و الفخر بالعشيرة في نفس أبي فراس مدى بعيدا فهو يقول في قصيدته الرائية التي يفتخر فيها بقومه و عشيرته و التي بلغ فيها الغاية في الحماسة و الفخر و التي زادت أبياتها العامرة على (240) بيتا:

لنا في بني عمي و احياء اخوتي # علا حيث سار النيران سوائر

و انهم السادات و الغرر التي # أطول على خصمي بها و أكاثر

و لو لا اجتناب العتب من غير منصف # لما عزني قول و لا خان خاطر

فكأنه لم يكفه هذا القول الكثير و هذا الفخر العريض الطويل و رأى نفسه قد اختصر و لم يطنب و أقل و لم يطل اجتنابا للعتب من غير منصف و لو لا ذلك لما عزه قول و لا خانه خاطر و أي قول يعزه و خاطر يخونه بعد (240) بيتا تصرف فيها بأنواع الفخر و الحماسة و استقصى ذكر عشيرته و ايامهم و وقائعهم و مفاخرهم و هو يرى نفسه مقصرا قد منعه خوف العتب من غير منصف من الاطالة و الاستيفاء

اخباره‏

له اخبار كثيرة شائقة منها مع سيف الدولة و منها في الأسر و منها مع المتنبي و بني ورقاء و منها غير ذلك.

أخباره مع سيف الدولة عدى ما تقدم و عدى الروميات‏

كان سيف الدولة الأمير المقدم في آل حمدان و كان هو مربي أبي فراس فان A1G أبا العلاء سعيد بن حمدان والد أبي فراس و عم سيف الدولة كان قد قتل. قتله ابن أخيه ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان حين جاء اليه إلى الموصل و خاف ان يتغلب عليها فقتله غيلة A1G سنة (323) و أبو فراس يومئذ طفل صغير عمره سنتان أو ثلاث سنين فرباه ابن عمه سيف الدولة و نشا في حجره و كان أبو فراس يعرف له ذلك و ينزله منزلة والده و يعترف بجميله و ينوه بذلك في أشعاره و يعامله في أكثر حالاته معاملة التابع للمتبوع

____________

(1) الهجمة من الإبل أقلها أربعون إلى ما زادت أو ما بين السبعين إلى المائة.

318

و المأمور للآمر بل الخادم للمخدوم و يتواضع له في مخاطباته بشعره فهو يقول في بعض قصائده مخاطبا له:

هيهات لا أجحد النعماء منعمها # خلفت يا ابن أبي الهيجاء في أبي‏

و يقول مخاطبا له أيضا من أبيات:

إذ أنت سيدي الذي # ربيتني و أبي سعيد

و يقول من قصيدة:

و كيف ينتصف الأعداء من رجل # العز أوله و المجد آخره

فمن سعيد بن حمدان ولادته # و من علي بن عبد الله سائره

لقد فقدت أبي طفلا فكان أبي # من الرجال كريم العود ناضره

هو ابن عمي دنيا حين أنسبه # لكنه لي مولى لا اناكره‏

و يقول من قصيدة:

و رباني ففقت به البرايا # و انشاني فسدت به الأناما

و يقول أيضا:

أب بر و مولى و ابن عم # و مستند إذا ما الخطب جالا

و لما هرب ناصر الدولة من معز الدولة البويهي حين طرده إلى الشام من ديار ربيعة A0G سنة (347) و التجأ إلى أخيه سيف الدولة و كان ناصر الدولة أسن منه قال أبو فراس قصيدة يمدح بها سيف الدولة و يعرض فيها بذم ناصر الدولة الذي قتل أباه و لا توجد في الديوان المطبوع و هي:

لمثلها يستعد البأس و الكرم # و في نظائرها تستنفد النعم

هي الرئاسة لا تقنى جواهرها # حتى يخاض إليها الموت و العدم

تقاعس الناس عنها و انتدبت لها # كالسيف لا نكل فيه و لا سام

ما زال يجحدها قوم و تنظرهم # حتى أقروا و في آنافهم رغم

شكرا فقد وفت الأيام ما وعدت # أقر ممتنع و انقاد معتصم

و ما الرئاسة الا ما تقر به # شمس الملوك و تعنو تحته الأمم

هذي شيوخ بني حمدان قاطبة # لاذوا بدارك عند الخوف و اعتصموا

حلوا بأكرم من حل القباب بها # بحيث حل الندى و استوسق الكرم

مغارم المجد يعتد الملوك بها # مغانما في العلا في طيها نعم

فكنت منهم و ان أصبحت سيدهم # تواضع الملك في أصحابه عظم

شيوخهم سبقت لا فضل ينعتها # و ليس يفضل فينا الفاضل الهرم

و لم يفضل عقيلا في ولادته # على علي أخيه السن و القدم

و كيف يفضل من ازرى به بخل # و صد اليد و الرجلان و الصمم

لا تنكروا يا بنية ما أقول فلن # تنسى التراث و لا إذ حال شيخكم

كادت مخازيه ترديه فأنقذه # منها بحسن دفاع عنه عمكم‏

ثم تعود اليه عاطفة الرحم و يتجلى فيه كرم النفس فيقول:

استودع الله قوما لا أفسرهم # بالظالمين و لو شئنا لما ظلموا

و القائلين و نغضي عن جوابهم # و الجائرين و نرضى بالذي حكموا

اني على كل حال لست أذكرهم # الا و للشوق دمع و أكف سجم

318 الأنفس اجتمعت يوما أو افترقت # إذا تاملت نفس و الدماء دم

رعاهم الله ما ناحت مطوقة # و حاطهم ابدا ما أورق السلم‏

و غيظه من ناصر الدولة لم يمنعه ان يقول عنه‏

(و منا لدين الله سيف و ناصر )

.

و من مطالعة اخباره مع سيف الدولة يظهر عظيم تقدير سيف الدولة له و اعتماده عليه و شدة تعلقه به و محبته له و معرفته مزاياه و سجاياه العالية.

و في اليتيمة : كان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس و يميزه بالإكرام عن سائر قومه و يصطفيه لنفسه و يستصحبه في غزواته و يستخلفه على اعماله و أبو فراس ينثر الدر الثمين في مكاتباته إياه و يوفيه حق سؤدده و يجمع بين ادبي السيف و القلم في خدمته اه. و كان أبو فراس يعلم منزلته هذه عند سيف الدولة و حاجة سيف الدولة إلى مواهبه و كفاءته فلا جرم ان خاطبه متحمسا معتزا بشجاعته و بابن عمه فقال:

يا ابن الذوائب من نزار و الأولى # شادوا بيوت مناقب لم تهدم

انا سيف سيف الدولة الماضي (1) إذا # نبت السيوف و خان كل مصمم

ارم الكتائب بي فانك عالم # اني أخو الهيجاء غير مذمم

و علا م لا القى الفوارس معلما # و علو جدك عدتي و عرمرمي

انا سيفك الماضي و ليس بقاطع # سيف إذا ما لم يشد بمعصم‏

و كان سيف الدولة يعده لكل مهم فهو قائد جيوشه و نائبه فيها في حضوره و غيبته و شريكه في أكثر غزواته الروم و غيرها و الفاعل كفعله و له في كل تلك الغزوات الأثر المحمود فقد سار معه إلى بلاد الروم حتى افتتحوها و أمره بالتقدم فتقدم و افتتح حصن عرقة و كمن لهم سيف الدولة في موضع و أبو فراس في موضع آخر فقتلا منهم مقتلة عظيمة و سار معه إلى حرب الدمستق لما خرج إلى الشام فهرب الدمستق و أسر ابنه قسطنطين و لما نزل ملك الروم على رعبان و نفر اليه سيف الدولة امر أبا فراس بالتقدم فتقدم و أحسن البلاء. و أرسله سيف الدولة لبناء قلعة رعبان و قد خربتها الزلزلة و هي من الغور و بقيت خرابا خمس سنين و أراد سيف الدولة عمارتها و هي مجاورة للروم يخافون من تعميرها و يمنعون منه بكل جهدهم فلم ير أهلا لذلك غير أبي فراس فأرسله في قطعة من الجيش فعمرها في 37 يوما و رد قسطنطين بن الدمستق الذي جاء بجيشه ليمنعه عنها خائبا.

و لما طلب ملك الروم الهدنة من سيف الدولة فأبى الا بشروط توافقه و جهز ملك الروم الجيوش لغزو الشام نفر اليه سيف الدولة و أمر أبا فراس بالتقدم فتقدم و ابلى بلاء حسنا كما مر.

أخلص أبو فراس لابن عمه سيف الدولة أمير الحمدانيين و وقف بطولته على خدمة العرش الحمداني فبادله سيف الدولة الإخلاص و أكبر فيه الخدمة.

و بعد ما اسره الروم كان مع ما هو عليه من مضاضة الأسر لا يني عن تعرف اخبار الروم و البعث بها إلى سيف الدولة و الإشارة عليه و النصح له مع ما عرض بينهما من الوحشة و هو في الأسر فقد كتب اليه يعرفه خروج الدمستق في جموع الروم و يحثه على الاستعداد. و هو شريكه في قيادة الجيوش لتاديب قبائل العرب إذا أرادت العيث و الخروج عن الطاعة. فقد اجتمعت

____________

(1) في بعض النسخ يا سيف سيف الدولة و في بعضها انا سيف سيف الدولة و الأولى لها وجه صحيح فهي نظير قول الشاعر:

يا زيد زيد اليعملات الذبل # تطاول الليل عليك فانزل‏

319

مرة و اتفقت على حربه فسار إليهم و معه أبو فراس حتى أوقع بهم و هزمهم و قتل فيهم و قدمه مرة في قطعة من الجيش ليتبعهم فأتبعهم يقتل و ياسر و أنفذه إلى بني عقيل و بني نمير و بني كلاب حيث عاثوا في عمله فظفر و نصر.

و سار معه مرة إلى قبائل كعب بديار مضر لما شمخت و استفحل أمرها فهربت فأمره باللحاق بهم و ردهم إلى الطاعة ففعل و أخذ رهائنهم و انتدبه مرة لقتال بني كلاب فقاتلهم و أوقع بهم و أفسدوا مرة أخرى فاسرى إليهم سيف الدولة من حلب و أمر أبا فراس ان يعارضه من منبج ففعل و اجتمعا بالجسر فاوقعا بهم و لما أكثرت بنو كعب و بنو كلاب الغارات على بني نمير و ضيقوا عليهم انهض سيف الدولة أبا فراس لمعاونتهم فلما نزل بهم انكشفت بنو كعب و تنحت بنو كلاب .

و هو خليفته على بلاد الشام عند غيبة سيف الدولة عنها لما يعلم من كفاءته و نصحه و قيامه بحفظ الثغر و لم يكن ليثق في ذلك بأحد غيره من عشيرته و لا غيرهم وقع ذلك عدة مرات تقدمت الإشارة إليها (و منها) لما سار سيف الدولة لبناء عين زربة و حصونها. قال ابن خالويه سار الأمير A2G سيف الدولة A2G سنة 351 إلى الثغور الشامية لبناء عين زربة و حصونها و استخلف على الشام الأمير أبا فراس فسار نقفور بن بردس ملك الروم في جمع النصرانية إلى الشام فلقيه الأمير أبو فراس في ألف فارس من العرب فوقع بينهم ست وقائع في كلهن يظهره الله حتى دخل دلوك و لم يتجاوزها و في ذلك يقول أبو فراس من قصيدة يخاطب بها الدمستق :

و اني إذ نزلت على دلوك # تركتك غير متصل النظام

و لما ان عقدت صليب رأيي # تحلل عقد رأيك في المقام

و كنت ترى الأناة و تدعيها # فاعجلك الطعان عن الكلام

و بث مؤرقا من غير سقم # حمى جفنيك طيب النوم حامي‏

و لكن ذلك لم يمنعه من أن يرى غاية النعمة ان يكون غلاما لسيف الدولة فكيف به و هو نسيبه و ابن عمه فقال:

و قد أصبحت منتسبا اليه # و حسبي ان أكون له غلاما

و يقول له أيضا:

ان تقدمت فحاجب # أو تأخرت فكاتب

أو تسايرنا جميعا # فكلا الحالين واجب‏

و يقول لسيف الدولة أيضا:

و أنت اريتني خوض المنايا # و صبري تحت هبوات النزال

فصبري في قتالك لا قتالي # و فعلي في فعالك لا فعالي

و في أرضاك إغضاب العوالي # و إكراه المناصل و النصال‏

و كتب إلى سيف الدولة في علة وجدها:

و علة لم تدع قلبا بلا ألم # سرت إلى ذروة العليا و غاربها

هل تقبل النفس عن نفس فأفديه # الله يعلم ما تغلو علي بها

لئن وهبتك نفسا لا نظير لها # فما سمحت بها الا لواهبها

و كتب اليه كما في اليتيمة : 319

و ما لي لا اثني عليك و طالما # وفيت بعهدي و الوفاء قليل

و اوعدتني حتى إذا ما ملكتني # صفحت و صفح المالكين جميل‏

و كذلك لم يمنع سيف الدولة كون أبي فراس تابعا له و ناشئا في حجره بمنزلة الابن من ان يعبر عنه بكلمة (سيدي) في احدى المناسبات الادبية.

و في هذا دلالة لا تخفى على سمو أخلاق الأميرين و منزلة كل منهما عند الأخر لذلك ليس غريبا ان يخاطب أبو فراس ابن عمه في موضع آخر مخاطبة الند للند و يجعل مفاخر بني حمدان و طولهم به كما بسيف الدولة فيقول:

بنا و بكم يا سيف دولة هاشم # تطول بنو أعمامنا و تفاخر

فإذا و إياكم ذراها و هامها # إذ الناس أعناق لها و كراكر

و يقول:

و لو لم يكن فخري و فخرك واحدا # لما سار عني بالمدائح سائر

و ان يطلب في احدى قصائده من سيف الدولة الفداء و يتضرع اليه ثم يقول:

فلا و أبي ما ساعدان كساعد # و لا و أبي ما سيدان كسيد

فجعل لنفسه من السيادة و غيرها مثل ما لسيف الدولة و كذلك ليس غريبا ان يعود بعد هذا مخاطبا له خطاب التابع للمتبوع فيقول:

و انك للمولى الذي بك اقتدي # و انك للمولى الذي بك اهتدي

و أنت الذي علمتني طرق العلا # و أنت الذي اهديتني كل مقصد

و ان ينحو هذا النحو في موضع آخر فيقول:

و لما ثار سيف الدين ثرنا # كما هيجت آسادا غضابا

اسنته إذا لاقى طعانا # صوارمه إذا لاقى ضرابا

صنائع فاق صانعها ففاقت # و غرس طاب غارسه فطابا

و كنا كالسهام إذا أصابت # مراميها فراميها أصابا

و من اخباره مع سيف الدولة ما ذكره الثعالبي في اليتيمة في ترجمة سيف الدولة قال: كان أبو فراس يوما بين يديه في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة أيكم يجيز قولي و ليس له الا سيدي يعني أبا فراس :

لك جسمي تعله # فدمي لم تحله‏

فارتجل أبو فراس و قال:

انا ان كنت مالكا # فلي الأمر كله‏

فاستحسنه و أعطاه ضيعة بمنبج تغل ألف دينار اه. و في اليتيمة : حكى ابن خالويه قال كتب أبو فراس إلى سيف الدولة و قد شخص من حضرته إلى منزله بمنبج كتابي أطال الله بقاء مولانا الأمير سيف الدولة من المنزل و قد وردته ورود السالم الغانم مثقل الظهر و الظهر (1) وفرا و شكرا فاستحسن سيف الدولة بلاغته في ذلك و وصف براعته و بلغ أبا فراس ذلك فكتب اليه:

هل للفصاحة و السماحة # و العلا عني محيد

إذ أنت سيدي الذي # ربيتني و أبي سعيد

في كل يوم استفيد # من العلاء و استزيد

____________

(1) الظهر الأول بمعنى الركاب و الثاني خلاف البطن و يوجد في بعض المواضع مثقل الظهر موقر الضمير و الصواب ما ذكرناه لأنه الموجود في خاص الخاص للثعالبي و نسخة من اليتيمة مخطوطة.

320

و في اليتيمة : كان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش و ملابسة الخطوب و ممارسة الحروب فوافت حضرته احدى المحسنات من قيان بغداد فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها و لم ير ان يبدأ باستدعائها قبل سيف الدولة فكتب اليه يحثه على استحضارها فقال:

محلك الجوزاء بل ارفع # و صدرك الدهناء بل أوسع

و قلبك الرحب الذي لم يزل # للجد و الهزل به موضع

و فضلك المشهور لا ينقضي # و فخرك الذائع لا يدفع

رفه بقرع العود سمعا غدا # قرع العوالي جل ما يسمع‏

و كان سيف الدولة وعد أبا فراس بإحضار أبي عبد الله بن المنجم و بالاجتماع به ليلة فكتب اليه أبو فراس :

قد تقدم وعد سيدنا سيف الدولة بإحضار أبي عبد الله ابن المنجم و الغناء بحضوره و انا سائل في ذلك. فان رأى سيف الدولة ان يتطول بإنجاز ما وعد فعل إنشاء الله و كتب اليه معها بهذين البيتين:

أيا سيدا عمني جوده # بفضلك حزت السنا و الثناء

قدي ان أتيتك في ليلة # فنلت الغنى و سمعت الغناء

فأجابه سيف الدولة :

انا مشغول بقرع الحوافر عن المزاهر. قال العلوي :

اسمعاني الصياح بالآمبيس # و صريف العيرانة العيطموس

و اتركاني من قرع مزهرريا # و اختلاف الكؤوس بالخندريس

ليس يبني العلا بذاك و لا يوجد # كالصبر عند أم ضروس‏

و إذا كنا لا نفعل ما قاله اسود بني عبس :

و لقد أبيت على الطوي و اظله # حتى أنال به كريم المأكل‏

فعلى كل حال يقع الانتظار ان شاء الله تعالى .

فكتب اليه أبو فراس :

يبني الرجال و غيره يبني القرى # شتان بين قرى و بين رجال

قلق بكثرة ماله و سلاحه # حتى يفرقه على الابطال‏

(1)

(قلت) : كنت اربا بأبي فراس عن سماع الغناء و هو الذي يقول:

لئن خلق الأنام لحسو كاس # و مزمار و طنبور و عود

فلم يخلق بنو حمدان الا # لمجد أو لباس أو لجود

و في اليتيمة كتب أبو فراس إلى سيف الدولة -و لا توجد في الديوان المطبوع:

يا أيها الملك الذي # اضحت له جمل المناقب

نتج الربيع محاسنا # القحنها غرر السحائب

320 راقت ورق نسيمها # فحكت لنا صور الحبائب

حضر الشراب فلم يطب # شرب الشراب و أنت غائب‏

و ما كان أجدر أبا فراس بالتنزه عن ذكر الشرب و الشراب في شعره و لعله كان يجري في ذلك على سنن الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون و يصفون ما لا يتعاطون. قال و تأخر عن مجلس سيف الدولة لعلة وجدها فكتب اليه:

لقد نافسني الدهر # بتاخيري عن الحضرة

فما ألقى من العلة # ما ألقى من الحسرة

و في الديوان اهدى الناس إلى سيف الدولة في بعض الأعياد فأكثروا فاستشار أبو فراس فيما يهديه فكل أشار بشي‏ء فخالفهم و كتب اليه. و اقتصر في اليتيمة على قوله اهدى الناس إلى سيف الدولة فأكثروا فكتب اليه أبو فراس :

نفسي فداؤك قد بعثت # بعهدتي بيد الرسول

أهديت نفسي انما # يهدى الجليل إلى الجليل

و جعلت ما ملكت يدي # صلة المبشر بالقبول

لما رأيتك في الأنام # بلا مثيل أو عديل‏

و وقع بين أبي فراس و بعض بني عمه و هو صبي قتال فخرج معه سيف الدولة بالتعتب فقال أبو فراس و في اليتيمة انه كتب إلى سيف الدولة يعاتبه:

اني منعت من المسير إليكم # و لو استطعت لكنت أول وارد

أشكو و هل أشكو جناية منعم # غيظ العدو به و كبت الحاسد

قد كنت عدتي التي اسطو بها # و يدي إذا اشتد الزمان و ساعدي

فرميت منك بغير ما أملته # و المرء يشرق بالزلال البارد

لكن أتت بين السرور مساءة # و صلت لها كف القبول بساعد

فصبرت كالولد التقي لبره # يغضي على ألم لضرب الوالد

و نقضت عهدا كيف لي بوفائه # و من المحال صلاح قلب فاسد

و كان لسيف الدولة غلام اسمه نجا قد اصطنعه و نوه باسمه و قلده طرسوس و أخذ يقرع باب العصيان و الكفران و زاد تبسطه و سوء عشرته لرفقائه فبطش به ثلاثة نفر منهم و قتلوه فشق ذلك على سيف الدولة و أمر بقتل قاتليه فكتب اليه أبو فراس :

ترى لنفسك امرا # و ما يرى الله أفضل

ما زلت تسعى بجد # برغم شانيك مقبل‏

و وجد سيف الدولة على بعض بني عمه فكتب اليه أبو فراس يستعطفه:

ان لم تجاف عن الذنوب # وجدتها فينا كثيره

لكن عادتك الجميلة # ان تغض على بصيرة

و قال لسيف الدولة و لا يوجدان في الديوان المطبوع:

و ما لي (2) لا اثني عليك و طالما # وفيت بعهدي و الوفاء قليل

و اوعدتني حتى إذا ما ملكتني # صفحت و صفح المالكين جميل‏

قال ابن خالويه : في شرح ديوان أبي فراس لما قتل الصباح مولى

____________

(1) في نسخة الديوان المطبوعة خلط الطابع بين قصة المغنية البغدادية و قصة أبي عبد الله ابن المنجم فجعلهما واقعة واحدة و هما واقعتان كما ذكرنا.

(2) ابتداء الكلام بالواو غير صحيح لعدم تقدم معطوف عليه و وقع ذلك في شعر أبي فراس كثيرا و عادة العرب في مثله حذف الواو و ان نقص الوزن قال الحماسي :

اني لمهد من ثنائي فقاصد # به لابن عمي الصدق شمس بن مالك

و مثله في ديوان الحماسة كثير و يسمى عند أهل‏العروض‏مخروما.

321

عمارة الحرفي و كان سيف الدولة قلده قنسرين فقصد قاتليه مطالبا لهم بدمه ثم كف عنهم عن قدرة و قررهم بالجزيرة بتوسط أبي فراس فقال أبو فراس :

(و ما نعمة مكفورة قد صنعتها)

البيتين المتقدمين.

قال و قد تأخر عن سيف الدولة في بعض غزواته و لا توجد في المطبوع:

دع العبرات تهمر انهمارا # و نار الشوق تستعر استعارا

أ تطفأ حسرتي و تقر عيني # و لم أوقد مع الغازين نارا

أظن الصبر أبعد ما يرجى # إذا ما الجيش بالسارين سارا

أ قمت عن الأمير و كنت ممن # يعز عليه فرقته اختيارا

و قد ثقفت للهيجاء رمحي # و أضمرت المهاري و المهارى

و كان إذ دعا للأمر حفت # به الفتيان تبتدر ابتدارا

بخيل لا تعاند من عليها # و قوم لا يرون الموت عارا

إذا سار الأمير فلا هدوا # لنفسي أو يؤوب و لا قرارا

أكابد بعده هما و غما # و نوما لا اكابده غرارا

و كنت به أشد ذرى و بطشا # و ابعدهم إذا ركبوا مغارا

أشق وراءه الجيش المعنى # و أخرق خلفه الرهج المثارا

ستذكرني إذا اطردت رجال # دققت الرمح بينهم مرارا

و ارض كنت املؤها خيولا # و جو كنت ارهجه غبارا

فاشفي من طعان الخيل صدري # و أدرك من صروف الدهر ثارا

لعل الله يعقبني صلاحا # قديما أو يقيلني العثارا

إذا بقي الأمير قرير عين # فديناه اختيارا لا اضطرارا

أب بر و مولى و ابن عم # و مستند إذا ما الخطب جارا

يمد على أكابرنا جناحا # و يكفل عند حاجتها الصغارا

اراني الله طلعته سريعا # و أصحبه السلامة حيث سارا

و بلغه أمانيه جميعا # و كان له من الحدثان جارا

و قال يهنئ سيف الدولة بولديه أبي المعالي شريف و أبي المكارم و ليست في الديوان المطبوع:

يهني الأمير بشارة # قرت بها عين المكارم

أعلى الورى قدرا و خيرهم # يسر بخير قادم

اني و ان كنت المشارك # في الابوة و المساهم

لأقول قولا لا يرد # و لا يرى لي فيه لائم

لابي المعالي في العلا # و أبي المكارم في المكارم

بيت رفيع سمكه # عالي الذري ثبت الدعائم‏

و كتب إلى سيف الدولة و قد بلغه نزول العدو على الحدث فسار سيف الدولة مسرعا حتى سبقه إليها و قد كان سيف الدولة بعيدا عنها موغلا في 321 بلاد الروم فقال أبو فراس هذه القصيدة:

دعوناك و البحران (1) دونك دعوة # أتاك بها يقظان فكرك لا البرد

فأصبحت ما بين العدو و بيننا # (2) تجاري بك الخيل المسومة الجرد

أتيناك أدنى ما يجيبك جهدنا # و أهون سير الخيل من تحتنا الشد

بكل نزاري أتتك بشخصه # عوادي من حاليك ليس لها رد

و حمر سيوف لا تجف لها ظبي # بايدي رجال لا يحط لهم لبد

و زرق تشق السرد عن مهج العدي # و تسكن منهم أية سكن الحقد

و مصطحبات قارب الركض بينها # و لكن بها عن غيرها ابدا بعد

نشردهم ضربا كما شرد القطا # و ينظمهم طعنا كما نظم العقد

لئن خانك المقدور فيما بنيته # (3) فما خانك الركض المواصل و الجهد

تعاد كما عودت و الهام صخرها # و يبنى بها المجد المؤثل و الحمد

ففي كفك الدنيا و شيمتك العلا # و طائرك الأعلى و كوكبك السعد

قال ابن خالويه كان بنو عقيل و نمير و كلاب قد عاثوا في عمل سيف الدولة و اشتدوا فأنفذ أبا فراس في بعض السرايا فظفر و نصر فكتب إلى سيف الدولة :

أ ضارب الجيش بي في وسط مفرقه # لقد ضربت بعين الصارم القضب

لا تحرز الدرع مني نفس صاحبها # و لا أجيز ذمام البيض و اليلب

و لا أعود برمحي غير منحطم # و لا أروح بسيفي غير مختضب

حتى تقول لك الأعداء راغمة # هذا ابن عمك اضحى فارس العرب

هيهات لا أجحد النعماء منعهما # خلفت يا ابن أبي الهيجاء في أبي

يا من يحاذر ان تمضي علي يد # ما لي أراك لبيض الهند تسمح بي

و أنت بي من أضن الناس كلهم # فكيف تبذلني للسمر و القضب

ما زلت أجهله فضلا و أنكره # و أوسع النفس من عجب و من عجب

حتى رأيتك بين الناس محتفيا # تثني علي بوجه غير متئب (4) .

فعندها و عيون الناس ترمقني # علمت انك لم تخطئ و لم أصب‏

و قال ابن خالويه أيضا في شرح ديوان أبي فراس : ندب سيف الدولة أبا فراس في سنة 345 لبناء رعبان (5) و قد اخربتها الزلازل. و ياقوت يقول خربتها الزلزلة A0G سنة 340 فأنفذ سيف الدولة أبا فراس في قطعة من الجيش فأعاد عمارتها فيكون قد عمرها بعد خرابها بخمس سنين فبناها في 37 يوما و وافى قسطنطين ابن الدمستق ليزيله عنها فرده الله بغيظه و في ذلك يقول الشاعر (أحد شعراء سيف الدولة :

أرضيت ربك و ابن عمك و القنا # و بذلت نفسا لم تزل بذالها

و بنيت مجدا في ذؤابة وائل # لو طاولته بنات نعش طالها

رد الجيوش و قد ظنتك ذليلة # طعن ينكب بينها أبطالها

و تركت رعبانا بما أوليتها # تثني عليك سهولها و جبالها

و في ذلك يقول أبو فراس في رائيته الطويلة مشيرا إلى سيف الدولة :

و ان معاليه لكثر غوالب # و ان أياديه لغر غزائر

و لكن قولي ليس يغفل (يعضل) عن فتى # على كل قول من معانيه خاطر

الا قل لسيف الدولة القرم انني # على كل شي‏ء غير وصفك قادر

فلا تلزمني خطة لا أطيقها # فمجدك غلاب و فضلك باهر

و لو لم يكن فخري و فخرك واحدا # لما سار عني بالمدايح سائر

و لكنني لا أغفل (لا أعضل) القول عن فتى # اساهم في عليائه و اشاطر

____________

(1) في بعض النسخ و الهجران و الظاهر انه تصحيف و البحران لا يبعد ان يكون المراد بهما نهران من الأنهار العظيمة.

(2) لعل معناه انك تقدمت نحونا حتى صرت بين العدو و بيننا و قد كان العدو بيننا و بينك لانه كان موغلا في بلاد الروم .

(3) يشير إلى الحدث التي كان قد بناها سيف الدولة .

(4) غير مستح و لا منقبض‏

(5) رعبان بفتح الراء و سكون العين المهملة و بالباء الموحدة و آخره نون مدينة بين حلب و سميساط قرب الفرات و بها قلعة تحت الجبل.

322

و عن ذكر أيام مضت و مواقف # مكاني منها بين الفضل ظاهر

مساع يضل القول فيهن كله # و تهلك في اوصافهن الخواطر

بناهن باني الثغر و الثغر دارس # و عامر دين الله و الدين داثر

و اين أبو فراس في شجاعته و اقدامه من احمد بن عبد الله التنوخي في جبنه و تاخره عن المسير مع أبي فراس إلى رعبان جبنا و خوفا.

قال ابن خالويه كان أبو فراس أنكر على أحمد بن عبد الله التنوخي الشاعر تاخره عن المسير معه إلى رعبان و كان جبانا فكتب التنوخي إلى أبي فراس قصيدة منها:

أيا بدر السماء بلا محاق # و يا بحر السماح بغير شاطي

أ أترك ان أبيت قرير عين # لقى بين الدساكر و البواطي

و اخرج نحو رعبان كاني # بمنبج قد دعيت إلى سماط

أحاذر من دواه مؤبدات # هنالك ان يقعن على قماطي

و اكتب ان كتبت إليك يوما # كتبت إليك من دار العلاطي

(1)

الوحشة بين أبي فراس و سيف الدولة

لا يعرف بين أبي فراس و سيف الدولة شي‏ء من الوحشة قبل أسر أبي فراس في المرة الثانية بل سيف الدولة يعبر عنه بسيدي كما مر و هو الأمير المربي لابي فراس و أبو فراس يخاطبه خطاب التابع للمتبوع و يتواضع له غاية التواضع كما مر و لا يوجد شي‏ء يمكن ان يفهم منه حصول وحشة بينهما قبل أسر أبي فراس للمرة الثانية الا ما مر عن اليتيمة من أنه كتب إلى سيف الدولة يعاتبه بقوله من أبيات:

قد كنت عدتي التي اسطو بها # و يدي إذا اشتد الزمان و ساعدي

فرميت منك بغير ما أملته # و المرء يشرق بالزلال البارد

لكن جامع ديوان أبي فراس يقول كما مر ان ذلك القتال وقع بينه و بين بني عمه و هو صبي و يظهر للمتأمل في مجاري الأحوال انه كان قد حصل بينهما شي‏ء من الوحشة بعد وقوع أبي فراس في الأسر و لم يشر أحد من المؤرخين إلى ذلك صريحا و لكن يمكن فهمه ضمنا من بعض ما نقلوه قال ابن خالويه تأخرت كتب سيف الدولة عن أبي فراس و هو في الأسر و ذلك انه بلغه ان بعض الأسراء قال ان ثقل على الأمير هذا المال كاتبنا فيه صاحب خراسان و غيره من الملوك و ذلك انهم قرروا مع ملك الروم اطلاق أسراء المسلمين بما يحملونه من المال فاتهم سيف الدولة أبا فراس بهذا القول لضمانه المال للروم و قال من اين يعرفه صاحب خراسان من القصيدة التي أولها

(أ سيف الهدى و قريع العرب )

و تأتي في الروميات. فالظاهر ان هذا هو السبب في استيحاش سيف الدولة منه و تأخيره فداءه و هذا السبب كاف في حصول الوحشة و النفرة و يدل عليه قول أبي فراس من قصيدة:

أ مثلي تقبل الأقوال فيه # و مثلك يستمر عليه كذب‏

و لكن صاحب اليتيمة يقول ان أبا فراس كتب إلى سيف الدولة :

مفاداتي ان تعذرت عليك فائذن لي في مكاتبة أهل خراسان و مراسلتهم ليفادوني و ينوبوا عنك في امري فأجابه سيف الدولة بكلام خشن و قال و من يعرفك بخراسان فكتب اليه أبو فراس

(أ سيف الهدى و قريع العرب )

الا ان 322 ابن خالويه اعرف بأخبار الأميرين من الثعالبي لوجوده في بلاط سيف الدولة و مزيد خلطته به و بأبي فراس و يمكن ان يكون أحد الوشاة أبلغ سيف الدولة شيئا عن أبي فراس حقا أو باطلا و الله اعلم.

و الذي يدل على حصول شي‏ء من الوحشة بينهما ان أبا فراس أسرته الروم كما مر سنة 351 من منبج و حملته إلى القسطنطينية فبقي مأسورا فيها اربع سنين و هو يخاطب سيف الدولة في أشعاره و يتوسل اليه في الفداء و يرسل اليه القصيدة تلو القصيدة و يخاطبه في قصائده بما يلين الجلمود فلا يرق له و لا يفديه. و تحضر أمه من منبج إلى حلب تتوسل اليه و تتضرع في فداء ولدها فلا يبذله لها و لا يجيبها اليه و يردها خائبة فتموت و هو في الأسر فيرثيها بمرثية تقطع القلوب و يرسل إلى ولدي سيف الدولة و هو خالهما يتضرع إليهما بكلام يرقق قلوب الأجانب فضلا عن الأقارب و يسالهما ان يسألا أباهما في فدائه فلم يجد ذلك و يستاذنه أبو فراس على رواية اليتيمة لما طال عليه الأمر في ان يراسل ملوك خراسان في فدائه فيقول سيف الدولة و من يعرفه في خراسان و يجيبه بجواب خشن و من يعرفك بخراسان فهل كان سيف الدولة عاجزا عن فدائه في كل هذه المدة و هو يقطعه منبج التي تغل ألف دينار لبيت يقوله أو ان أبا فراس ليس أهلا لان يفدى. أو ان سيف الدولة لا تعطفه عليه عاطفة رحم و لا غيره و هو ابن عمه و خال أولاده و بمنزلة ولده و قائد جيوشه و من أسر في سبيل تشييد ملكه و الذب عن الوطن و الإسلام و هو يعبر عنه بالأمس بقوله سيدي. كل هذا يدلنا على ان في الأمر شيئا. و كتب إلى سيف الدولة من الأسر:

أيا عاتبا لا احمل الدهر عتبه # علي و لا عندي لأنعمه جحد

سأسكت إجلالا لعلمك انني # إذا لم تكن خصمي لي الحجج اللد

فهل كان يا ترى ذلك العتب في بعض هذه الأمور و قصيدته البائية المتقدمة التي أرسلها إلى سيف الدولة من الاسار و قد بلغ أبا فراس عن سيف الدولة ما أنكره مملوءة بالعتاب الدال على تهاون سيف الدولة بامره كقوله فيها:

بمن يثق الإنسان فيما ينوبه # و من اين للحر الكريم صحاب

و ما أدعي ما يعلم الله غيره # رحاب علي للعفاة رحاب

و لكن نبا منه بكفي صارم # و أظلم في عيني منه شهاب

فان لم يكن ود قديم نعده # و لا نسب دون الرجال قراب

فاحوط للإسلام ان لا تضيعني # و لي عنك فيه حوطة و مناب

أ من بعد بذل النفس فيما تريده # أثاب بمر العتب حين أثاب‏

و قال في بعض ما أرسله إلى سيف الدولة من الأسر:

و ان اوجعتني من اعادي شيمة # لقيت من الأحباب أدهى و اوجعا

تنكر سيف الدين لما عتبته # و عرض بي تحت الكلام و قرعا

و هو يقول في داليته التي قال جامع ديوانه انه يعرض فيها ببعض اهله:

و هل نافعي ان عضني الدهر مفردا # إذا كان لي قوم طوال السواعد

و هل انا مسرور بقرب اقاربي # إذا كان لي منهم قلوب الأباعد

و فيما كتبه اليه من الأسر قوله:

لكن لم يتعين ان ذلك البعض هو سيف الدولة بل الظاهر انه غيره.

____________

(1) لعل دار العلاطي هي بأرض الروم فخاف ان يؤسر فيكتب اليه منها.

323

و عيش العالمين لديك سهل # و عيشي وحده بفناك صعب

و أنت أنت دافع كل خطب # مع الخطب الملم علي خطب‏

و يقول في أبياته التي أرسلها لغلاميه منصور و صاف من الأسر مخاطبا سيف الدولة :

بلى ان لي سيدا # مواهبه أكثر

بذنبي اوردتني # و من فضلك المصدر

فقد اعترف بذنب له اليه جازاه به و كتب اليه من الأسر أبياتا أولها:

جنى جان و أنت عليه جان # و عاد فعدت بالكرم الغزير

و آخرها:

و مثل أبي فراس من تجافى # له عن فعله مثل الأمير

فما هو الذنب و ما هي هذه الجناية؟ليس في يدنا من التواريخ ما يفصلها و لا ما يدل على ذنب و جناية له غير قوله: مفاداتي ان تعذرت عليك فائذن لي في مكاتبة أهل خراسان ليفادوني-ان صح ان يسمى ذلك ذنبا و جناية.

و مما يلفت النظر ان سيف الدولة كتب اليه يعتذر من تأخير امره و بتشوقه و كأنه أراد أن يحفظ خط الرجعة فيؤخر فداءه و يعتذر اليه و لكن هذا العذر بظاهر الحال غير مقبول فما كان سيف الدولة عاجزا عن تقديم فدائه و اي عذر له في تأخير امره و لذلك لم يقبل أبو فراس هذا العذر و كتب اليه:

بالكرة مني و اختيارك # ان لا أكون خليف دارك

يا تاركي اني لشكرك # ما حييت لغير تارك

كن كيف شئت فانني # ذاك المواسي و المشارك‏

و الذي يغلب على الظن ان تأخير سيف الدولة مفاداة أبي فراس كان لامر سياسي خطير هان معه أمر تأخير فدائه مع كونه من أهم المهمات و لكن أبا فراس لضيق صدره من الأسر و طول مدته فيه كان يلح على سيف الدولة في مفاداته و ينسبه إلى التهاون في ذلك فان الحالة التي كان فيها أبو فراس في اسره لا يمتنع معها ان يصدر منه العتب و اللوم لسيف الدولة و يظن ان ذلك لذنب نسبه سيف الدولة اليه مع كون سيف الدولة معذورا في امره و ربما دل على ذلك ما مر عن ابن خالويه ان سيف الدولة امتنع من إخراج ابن أخت الملك الا بفداء عام و حمل أبو فراس إلى القسطنطينية فقال قصيدة يعاتب بها سيف الدولة . فهذا يدل على ان تأخير الفداء كان لطلب فداء عام نجهل تفصيله. كما نجهل تفصيل هذه الأمور من جميع نواحيها.

و يدل على ما قلناه ما في معجم البلدان من ان A3G سيف الدولة جمع في A3G سنة 355 الأموال و فدى اسرى المسلمين من الروم و كان فيهم أبو فراس بن حمدان و غيره من اهله و ابى ان يفديهم و يترك غيرهم من المسلمين اه. لكن الأمر الذي لا يخلو من استغراب ان سيف الدولة مات بعد خلاص أبي فراس من الأسر بسنة فلم يرثه أبو فراس و لو رثاه لوجد ذلك في ديوانه فهل يا ترى بقي اثر هذه الوحشة في نفس الأميرين أو أحدهما 323

اخباره في الأسر

قال ابن خلكان قال ابن الحسن علي بن الزراد الديلمي : كانت الروم قد أسرت أبا فراس في بعض وقائعها و هو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه و نقلته إلى خرشنة بلدة بالروم على الساحل ثم منها إلى قسطنطينية و ذلك في سنة 348 و فداه سيف الدولة في سنة 355 قال ابن خلكان قلت هكذا قال و قد نسبوه في ذلك إلى الغلط و قالوا أسر أبو فراس مرتين فالمرة الأولى سنة 348 و ما تعدوا به خرشنة و هي قلعة ببلاد الروم و الفرات يجري من تحتها و فيها يقال انه ركب فرسه و ركضه برجله فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات (1) و الله اعلم و المرة الثانية اسره الروم على منبج في شوال سنة 351 و حملوه إلى قسطنطينية و اقام في الأسر اربع سنين و له في الأسر أشعار كثيرة اه. و قال ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 351 فيها في شوال أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج و كان متقلدا لها و قال في حوادث سنة 355 فيها تم الفداء بين سيف الدولة و الروم و تسلم سيف الدولة ابن عمه أبا فراس بن حمدان و أبا الهيثم ابن القاضي أبي الحصين اه. فيكون أبو فراس اقام في الأسر في المرة الثانية اربع سنين اما في المرة الأولى فلم تطل مدته و تخلص من خرشنة . و يدل شعره الذي أرسله إلى سيف الدولة أول ما أسر انه لقي الروم و هم ألف بسبعين من أصحابه لا يرتضيهم فأسر و يدل شعره في تلك القصيدة و غيرها على انه كان يمكنه الهرب أو الانحياز عن الروم فلم يفعل كما مر تفصيله عند ذكر شخصيته، و بذلك صرح ابن خالويه فقال خرج بردس البطريق و هو ابن أخت الملك في ألف فارس من الروم إلى نواحي منبج -و كانت اقطاعا لابي فراس -فصادف الأمير أبا فراس يتصيد في سبعين فارسا فاراده أصحابه على الهزيمة فأبى و ثبت حتى أثخن بالجراح فأسر اه. اشتد على أبي فراس ألمه من الأسر و ضاقت به نفسه و حزن لذلك فكانت دموعه تلك القوافي الخالدة التي تبكي المنشد و تشجي السامع و التي هي غرة في جبين الشعر و قلادة في جيد الدهر. و من الطبيعي ان يعرض مثل ذلك لمثله فبينما هو أمير إذا هو أسير و بينما هو حاكم إذا به محكوم عليه و زاد صدره حراجة ان البطارقة قيدوا بميافارقين فقيد هو بخرشنة و هو يسار به إلى القسطنطينية أسيرا و كيف يطيق الليث ان يصفد و يحتمل ان يحبس و يذل و يمتهن فلا بد له من ان يزأر ان لم يستطع الفتك بخصمه و لعمري ليست نفس الأسد بأكبر من نفس أبي فراس و لا شمم الليث و آباؤه بأعظم من شمم الحارث و آبائه و أبو فراس الحارث هو الليث أفعالا و نفسا و اسما و كنية و طال بأبي فراس إساره و اعتل في أثناء ذلك حتى يئس من نفسه و إذا كان في مثل هذه الحال فبمن يستنجد و ممن يطلب الفداء و تفريج الكرب ليس الا من أمير أسرته و من يمت اليه بالقرابة القريبة و بالنصرة في الحروب و المواساة في السراء و الضراء و هو ابن عمه سيف الدولة أمير بني حمدان فيكتب اليه أول ما أسر بقوله:

دعوتك للجفن القريح المسهد لدي # و للنوم القليل المشرد

ثم لا يلبث ان يستدرك بعد هذا البيت بلا فاصل فيبين ان ذلك ليس لحب الحياة و خوف الموت بل ذلك لامر يعود إلى عزة النفس فيقول:

و ما ذاك بخلا بالحياة و انها # لاول مبذول لاول مجتدي

و لكنني اختار موت بني أبي # على صهوات الخيل غير موسد

____________

(1) هذا مستبعد بل ممتنع عادة فما الذي اصعد الفرس إلى أعلى الحصن و الأسير لا يكون معه فرس ليركبه و المشهور على الالسنة انه استعصى على الروم فرس فطلبوا اليه ان يروضه و يمكن ان يكون ذلك في أسفل الحصن و هو مكشوف من جهة الفرات فاقحمه فيه و الله اعلم.

324

و يطلب من سيف الدولة ان يفديه لكن لا يطلب ذلك بذلة و ضراعة بل يطلبه بكل انفة و حمية فإنه أهل لأن يفدى و حق على سيف الدولة ان يفديه و فداؤه يعود بالعز و الفخر و النصر عليه و على بني حمدان فيقول:

فان تفتدوني تفتدوا لعلاكم # فتى غير مردود اللسان و لا اليد

يطاعن عن أحسابكم بلسانه # و يضرب عنكم بالحسام المهند

و تثور بأبي فراس ثائرة الأسف من تحكم آسريه به فيقول فيما كتب به إلى سيف الدولة

إلى الله أشكو اننا في منازل # تحكم في آسادهن كلاب‏

و يتاس لما فاته بسبب الأسر من أفعال الخير و بذل الجود و مقارعة الفرسان فيقول:

تمر الليالي ليس للنفع موضع # لدي و لا للمعتفين جناب

و لا شد لي سرج على ظهر سابح # و لا ضربت لي بالعراء قباب

و لا برقت لي في اللقاء قواطع # و لا لمعت لي في الحروب حراب‏

و تشتد به العلة فيكتب إلى سيف الدولة من درب الروم و هو يسار به أسيرا إلى القسطنطينية فيقول متحزنا متفجعا:

هل تعطفان على العليل # لا بالأسير و لا القتيل

باتت تقلبه الأكف # سحابة الليل الطويل‏

ثم تعود به عاطفة الكرم و الشجاعة إلى ان يقول:

فقد الضيوف مكانه # و بكته أبناء السبيل

و تقطعت سمر الرماح # و أغمدت بيض النصول‏

و مر أبو فراس و هو أسير بالبلاد التي كان يحل فيها غازيا و هو أمير و من الطبيعي أن يتألم لذلك و هذه عادة الزمان في أهله فقال مشيرا إلى ذلك:

ان زرت خرشنة أسيرا # فلكم حللت بها مغيرا

و لقد رأيت النار تخترق # المنازل و القصورا

و لقد رأيت السبي يجلب # نحونا حوا و حورا

نختار منه الغادة # الحسناء و الظبي الغريرا

ان طال ليلي في ذراك # فقد نعمت به قصيرا

و لئن لقيت الحزن فيك # فككم فكم لقيت بك السرورا

و لئن رميت بحادث # فلألفين له صبورا

من كان مثلي لم يبت # الا أميرا أو أسيرا

ليست تحل سراتنا # الا الصدور أو القبورا

قال ابن خالويه قال أبو فراس أخذته من كلام عمي الحسين بن حمدان و قد بنى أخوه إبراهيم بن حمدان منزلا بخمسين ألف دينار فقال له في بناء منزل تصرف خمسين ألف دينار لأنزلته ابدا و لا نزلت الا دار الامارة.

و كرر أبو فراس ذكر هذا المعنى فقال:

و انا أناس لا توسط بيننا # لنا الصدر دون العالمين أو القبر

قال ابن خالويه : بلغ أبا فراس ان الروم قالوا ما أسرنا أحدا و لم نسلبه سلاحه غير أبي فراس و قولهم هذا مع ان فيه إظهار الميزة و الاحترام لابي فراس لم ترض به نفسه و عده منة عليه و نفسه لا تقبل منة أحد فقال من قصيدة: 324

يمنون ان خلوا ثيابي و انما # علي ثياب من دمائهم حمر

و قائم سيف فيهم دق نصله # و أعقاب رمح فيهم حطم الصدر

ثم وصل أبو فراس إلى القسطنطينية و بعد وصوله و لقائه ملك الروم قرر معه الفداء و كتب بذلك إلى سيف الدولة فتأخرت اجوبة كتبه فكتب اليه أبو فراس يعتب عليه و يستبطئ امره فوجد سيف الدولة من ذلك و قرعه في كتابه اليه و إلى غيره، و عند ذلك ضاقت بأبي فراس نفسه فهو أسير بعيد عن وطنه و اهله و قد قرر امرا مع ملك يجله و يحترمه و يرى ان بيده إنفاذ ما قرره معه ثم يجد انه لم يقدر على إنفاذه فما يكون موقفه مع ملك الروم و بما ذا يعتذر اليه عن تأخير إنفاذ ما قرره ثم يكتب إلى سيف الدولة يعاتبه و يستبطؤه كما يعاتب ابن العم ابن عمه و كما يستبطؤ القائد رئيسه و يطلب منه التعجيل و يتوقع الجواب بالإيجاب ساعة فساعة و إذا بالجواب يرد عليه بالتقريع فكم يكون ألمه عندئذ و زاد في ألمه الكتاب إلى غيره بتقريعه و سواء أ كان تأخير إنفاذ ذلك من سيف الدولة لامر سياسي و مصلحة مهمة اقتضت التأخير أم لأمر آخر أوجب غضب سيف الدولة مما فعله أبو فراس فذلك لا يدفع تألم أبي فراس الشديد مما حصل فكتب إلى سيف الدولة قصيدة ملؤها التألم و الحزن و غير خفي حراجة مثل هذا الموقف على الشاعر فما في نفسه من الألم يبعثه على الشكوى الشديدة من سيف الدولة و خوف ازدياد غضبه يحمله على لين القول و حسن الاعتذار فهو بين داعيين يتجاذبانه و يقف حائرا إلى أيهما يميل يقول فيها مشيرا إلى سيف الدولة و إلى ما مضى من أيام شبابه في خدمته:

وهبت شبابي و الشباب مضنة # لابلج من أبناء عمي اروعا

أبيت معنى من مخافة عتبه # و أصبح محزونا و امسي مروعا

ثم يبث ما يجده في نفسه من الحزن و الألم فيقول:

أ ما ليلة تمضي و لا بعض ليلة # أسر بها هذا الفؤاد المفجعا

ثم يعرض بالشكاية من سيف الدولة بما يقرب من التصريح فيقول:

أ ما صاحب فرد يدوم وفاؤه # فيصفي لمن اصفى و يرعى لمن رعى

أ في كل دار لي صديق اوده # إذا ما تفرقنا حفظت وضيعا

أقمت بأرض الروم عامين لا أرى # من الناس محزونا و لا متصنعا

ثم يصرح فيقول:

تنكر سيف الدين لما عتبته # و عرض بي تحت الكلام و قرعا

ثم يعتذر و يتوسل فيحسن التوسل فيقول:

فقولا له من صادق الود انني # جعلتك مما رابني منك مفرغا

و يظهر ان من الناس من اوعز إلى سيف الدولة بالاستغناء عن أبي فراس و انه يوجد من يقوم مقامه و انه استعاض عنه بغيره أو شي‏ء مما هو من هذا القبيل فقال يرد ذلك و يفنده:

لقد قنعوا بعدي عن القطر بالندى # و من لم يجد الا القنوع تقنعا

و ما مر إنسان فاخلف مثله # و لكن يرجي الناس امرا مرقعا

فلا تغترر بالناس ما كل من ترى # أخوك إذا أوضعت في الأمر اوضعا

و لا تتقلد ما يروقك حلية # تقلد إذا حاربت ما كان اقطعا

و لا تقبلن القول من كل قائل # سارضيك مرأى لست أرضيك مسمعا

325

ثم يذكر استبداله به ذكر الآسف المغبون الذي يبرز أسفه بعبارة الدعاء و إظهار الرضا التي ظاهرها ذلك و ملؤها الأسف و الوجد فيقول:

و ان يستجد الناس بعدي فلا يزل # بذاك البديل المستجد ممتعا

ثم يبدي عذر سيف الدولة بكلام من لا يسعه الا إبداء العذر و نفسه منطوية على خلاف ذلك فيقول:

فان يك بطء مرة فلطالما # تعجل نحوي بالجميل و اسرعا

و ان يجف في بعض الأمور فانني # لاشكره النعمى التي كان اوزعا

و لما كان في أسر الروم امر الملك ان الأسرى يتزاورون يوم السبت فقال أبو فراس :

جعلوا الالتقاء في كل سبت # فجعلناه للزيارة عيدا

و شركنا اليهود فيه فكدنا # رغبة ان نزيل عنه اليهودا

يرقبون المسيح فيه و ما نرقب # الا أخا جليلا ودودا

لو قدرنا و عل ذاك قريب # ما عدمنا بالقرب عيدا جديدا

أراد بقوله و ما نرقب الا أخا إلخ أخاه أبا الفضل فإنه كان من جملة الأسرى و في نسخة مخطوطة من الديوان انه لم يتركه مع الأسرى إكراما له اي أفرده بمكان وحده و كان أبا الفضل كان قد ابطا عن زيارة أبي فراس فكتب اليه أبو فراس يعاتبه و يذكر ان له مانعا من زيارته و الا لما تركها فقال:

أ تترك إتيان الزيارة عامدا # و أنت عليها لو تشاء قدير

و عيشك لو لا ما علمت لما ونت # إلى الدار مني روحة و بكور

فلم كان رأيي في لقائك نافذا # و رأيك فيه و نية و فتور

يضيق علي الحبس حتى تزورني # فما هو الا روضة و غدير

صبرت على هذي فما انا بعدها # على غيرها مما كرهت صبور

و لما حصل بالقسطنطينية أكرمه ملك الروم و بجله و عرف له حق الفضل و الامارة فأفرده بدار و أخدمه و لم يعامله معاملة باقي الأسرى و كذلك أكابر دولته كانوا إذا رأوه أو مر عليهم قابلوه بالتعظيم فكفروا له اي تكتفوا كما يفعلون مع عظمائهم و عرض عليه لذلك الفداء منفردا فلم يقبل حتى فادى جميع اسرى المسلمين و ضمن الفداء عنهم و جاء بهم معه. قال ابن خالويه قال أبو فراس لما حصلت بالقسطنطينية اكرمني ملك الروم إكراما لم يكرمه أسيرا من قبلي و ذلك ان من رسومهم ان لا يركب أسير في المدينة دابة قبل لقاه للملك و ان يمشي في ملعب لهم يعرف بالبطوم مكشوف الرأس و يسجد فيه ثلاث ساعات أو نحوها و يدوس الملك رقبته في مجمع لهم يعرف بالنوري فاعفاني من جميع ذلك و نقلني لوقتي إلى دار و جعل لي برطنان يخدمانني و امر باكرامي و نقل إلي من أردته من أسارى المسلمين و بذل لي المفاداة مفردا فكرهت بعد ما وهبه الله لي من العافية و رزقنيه من الكرامة و الجاه ان اختار نفسي على المسلمين و شرعت مع ملك الروم بالفداء و لم يكن الأمير سيف الدولة يستبقي أسارى الروم فكان في أيديهم فضلة ثلاثة آلاف أسير ممن أخذ من الأعمال و العساكر أي انه في ذلك الوقت كان في أسر الروم ثلاثة آلاف من المسلمين و لم يكن عند سيف الدولة أحد من أسارى الروم لأنه لم يكن يستبقي أسارى الروم عنده بل إذا كان عند الروم أسارى بعددهم فاداهم بهم و الا أخذ الفداء و اطلقهم فلما أسر الروم هؤلاء 325 الثلاثة الآلاف لم يكن عند المسلمين مقابلهم قال أبو فراس فابتعتهم بمائتي ألف دينار رومية و في رواية عن ابن خالويه بمائتين و أربعين ألفا و مائتي دينار رومية على ان يوقع الفداء و اشتري هذه الفضلة فضمنت المال و المسلمين و خرجت بهم من القسطنطينية و تقدمت بوجوههم إلى خرشنة و لم يعقد قبلها قط فداء مع أسير و لا هدنة فقال:

و لله عندي في الاسار و غيره # مواهب لم يخصص بها أحد قبلي

حللت عقودا أعجز الناس حلها # و ما زلت لا عقدي يذم و لا حلي

إذا عاينتني الروم كفر صيدها # كأنهم اسرى لدي و في كبلي

و أوسع أيا ما حللت كرامة # كاني من اهلي نقلت إلى اهلي

فأبلغ بني عمي و قل لبني أبي # باني في نعماء يشكرها مثلي

و ما شاء ربي غير نشر محاسني # و ان يعرفوا ما قد عرفتم من الفضل‏

و يظهر من هذا الخبر انه عقد الهدنة و المفاداة بنفسه مع ملك الروم و ضمن له المال و جاء بالأسرى معه فهل كان ذلك يا ترى بامر سيف الدولة و بعلمه بعد ما استاذنه فاذن له في المفاداة و هل دفع المال سيف الدولة و أرسله اليه أو رضي ملك الروم بضمانه و بقي في عهدته حتى رجع و اخذه من سيف الدولة و أرسله أو دفعه أبو فراس من ماله لم يصرح المؤرخون بشي‏ء من ذلك لكن ظاهر الحال يدل على ان الفداء بامر سيف الدولة و باذنه و انه هو الذي دفع المال معجلا أو مؤجلا و لو كان لابي فراس مال لفدى نفسه من أول الأمر و ينبغي ان يكون ذلك بعد ما ابطا عليه سيف الدولة بالجواب و وقعت بينهما الوحشة كما مر ثم عاد فبذل الفداء و لم تطل مدة سيف الدولة بعد هذا الفداء فتوفي بعده بسنة.

اخباره مع المتنبي

في اليتيمة كان المتنبي يشهد له بالتقدم و التبريز و يتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته و لا يجترى‏ء على مجاراته و انما لم يمدحه و مدح من دونه من آل حمدان تهيبا له و إجلالا لا إغفالا و اخلالا اهـ. (أقول) اما انه كان يشهد له بالتقدم فربما يساعد عليه ما في الصبح المنبي من ان أحسن قصائد أبي الطيب هو في سيف الدولة و تراجع شعره بعد مفارقته و سئل عن السبب في ذلك فقال قد تجوزت في قولي و أعفيت طبعي و اغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان و فيهم من يقول:

تسائلني من أنت و هي عليمة # و هل بفتى مثلي على حاله نكر

إلى نهاية عشرة أبيات من هذه القصيدة و فيهم من يقول:

صبور و لو لم تبق مني بقية # قئول و لو ان السيوف جواب‏

إلى نهاية اربعة أبيات من هذه القصيدة يعني أبا فراس و لعل هذا كان منه بعد مفارقة سيف الدولة حيث خفت دواعي الحسد و المزاحمة منه لابي فراس . و اما انه كان لا يمدحه تهيبا و إجلالا فغير صواب و العجب صدور مثله من الثعالبي مع معرفته و فضله فانا لم نر و لم نسمع ان شاعرا ترك مدح أحد تهيبا و إجلالا و الصواب انه تركه إغفالا و اخلالا فإنه مما لا ريب فيه انه كان بين المتنبي و أبي فراس منافسة و مباعدة و لا نستطيع ان نقول ان سببها المتنبي وحده أو أبو فراس وحده أو هما لا نستطيع الجزم بشي‏ء منها لكننا نعلم ان المتنبي كان بجبلته متعاظما معجبا بنفسه يدلنا على ذلك تعاظمه عن مدح الوزير المهلبي و الصاحب بن عباد الذي بذل له مشاطرة ما يملك‏

326

و قصته مع الحاتمي مشهورة (1) و كان معجبا بشعره لا يرى لشاعر عليه فضلا بل لا يرى ان أحدا يستطيع ان يجري معه في حلبة الشعر فهو يقول بمسمع من أبي فراس :

خليلي ما لي لا ارى غير شاعر # فكم منهم الدعوى و مني القصائد

و يقول:

أ في كل يوم تحت ضبني (2) شويعر # ضعيف يقاويني قصير يطاول‏

و من كانت هذه صفته و هذه حاله لا يمكن ان يرى لأبي فراس حقا و لا يرعى له مكانة و لا يوفيه ما يستحقه من إجلال و تكريم. مع ما ينضاف إلى ذلك من كون أبي فراس شاعرا مفلقا يزاحم المتنبي في المكانة عند سيف الدولة و في مدح سيف الدولة و وصف حروبه و وقائعه-و عدو المرء من يعمل عمله-و من كونه مقربا عند سيف الدولة بشعره الفائق و شجاعته و بطولته و قيادته لجيوش سيف الدولة مع كونه ابن عمه و خال أولاده و كل ذلك مما يبعث الحسد و الكراهة لابي فراس في نفس المتنبي و يؤدي إلى شي‏ء من التقصير في حقه و ما كان في الجنان لا بد ان يظهر منه شي‏ء على صفحات الوجه و اللسان و أبو فراس مع ما فيه من الامارة و البطولة و الشجاعة و قيادة الجيوش و القرب من سيف الدولة و هو في ريعان الشباب و لشعره المكانة السامية في نفس سيف الدولة و شعراء عصره لم يكن مع اجتماع هذه الخلال فيه ليحتمل من المتنبي تقصيرا في حقه و اخلالا بمكانته رغما عما طبع عليه من مكارم الأخلاق فلا جرم ان يقع في نفسه من النفرة من المتنبي و العداوة أكثر مما وقع في نفس المتنبي منه و يؤدي ذلك إلى ان يذمه أبو فراس و يقع فيه عند سيف الدولة و لا بد ان يبلغ ذلك المتنبي فيزيد ما في نفسه على أبي فراس فمع كل هذه الأحوال كيف يمكن ان يمدحه المتنبي بل لو امكنه لجاهر بذمة. هذا هو السبب لعدم مدح المتنبي له مع مدحه من دونه من بني حمدان الذين لم تكن فيهم هذه المزاحمة و المنافسة للمتنبي لا بالشاعرية و لا بغيرها لا ما ذكره الثعالبي . و لو لم يرد في هذا السبب شي‏ء من المؤرخين لكفي فيه ما مر سواء أصح ما ذكره المؤرخون أم لم يصح فلسنا بحاجة اليه و الذي ذكرناه كاف في بيان السبب في عدم مدح المتنبي له. اما الذي يدل على وقوع النفرة بينهما من كلام المؤرخين فهو ما ذكره صاحب الصبح المنبي عن حيثية المتنبي قال: قال ابن الدهان في المآخذ الكندية قال أبو فراس لسيف الدولة ان هذا المتشدق كثير الإدلال عليك و أنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار على ثلاث قصائد و يمكن ان تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام و عمل فيه و كان المتنبي غائبا و بلغته القصة فدخل على سيف الدولة و انشد: 326

ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا # فداه الورى امضى السيوف مضاربا

إلى تمام ستة أبيات فأطرق سيف الدولة و لم ينظر اليه كعادته فخرج المتنبي من عنده متغيرا و حضر أبو فراس و جماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة بحق المتنبي و انقطع أبو الطيب بعد ذلك و نظم القصيدة التي أولها:

و أحر قلباه ممن قلبه شبم # و من بجسمي و حالي عنده سقم‏

و أنشدها و جعل يتظلم فيها من التقصير في حقه بقوله:

ما لي اكتم حبا قد برى جسدي # و تدعي حب سيف الدولة الأمم

ان كان يجمعنا حب لغرته # فليت انا بقدر الحب نقتسم

قد زرته و سيوف الهند مغمدة # و قد نظرت اليه و السيوف دم‏

فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة لشدة إدلاله و أعراض سيف الدولة عنه فلما وصل في إنشاده إلى قوله:

يا اعدل الناس الا في معاملتي # فيك الخصام و أنت الخصم و الحكم‏

(3)

قال أبو فراس مسخت قول دعبل و أدعيته و هو:

و لست أرجو انتصافا منك ما ذرفت # عيني دموعا و أنت الخصم و الحكم‏

فقال المتنبي :

أعيذها نظرات منك صادقة # ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم‏

فعلم أبو فراس انه يعنيه فقال و من أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض الأمير في مجلسه و استمر المتنبي في إنشاده و لم يرد عليه إلى ان قال:

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا # بانني خير من تسعى به قدم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي # و أسمعت كلماتي من به صمم‏

فزاد ذلك أبا فراس غيظا و قال له سرقت هذا من قول عمرو بن مرة بن العبد :

أوضحت من طرق الآداب ما اشتكلت # دهرا و أظهرت أغرابا و ابداعا

حتى فتحت باعجاز خصصت به # للعمي و الصم ابصارا و اسماعا

و لما وصل إلى قوله:

الخيل و الليل و البيداء تعرفني # و السيف و الرمح و القرطاس و القلم‏

قال أبو فراس و ما ذا أبقيت للأمير إذا وصفت نفسك بالشجاعة و الفصاحة و الرئاسة و السماحة تمدح نفسك بما سرقته من كلام غيرك و تأخذ جوائز الأمير أ ما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بابن عريان العثماني :

أ عاذلتي كم مهمه قد قطعته # أليف وحوش ساكنا غير هائب

أنا ابن العلى و الطعن و الضرب و السري # و جرد المذاكي و القنا و القواضب

حليم وقوره في البلاد و هيبتي # لها في قلوب الناس بطش الكتائب‏

فقال المتنبي :

و ما انتفاع أخي الدنيا بناظره # إذا استوت عنده الأنوار و الظلم‏

فقال أبو فراس و هذا سرقته من قول معقل العجلي :

إذا لم أميز بين نور و ظلمة # بعيني فالعينان زور و باطل‏

و غضب سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة و كثرة دعاويه

____________

(1) الحاتمي هو أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي (نسبة إلى أحد أجداده) الكاتب اللغوي البغدادي مذكور في أنساب السمعاني و اليتيمة و معجم الأدباء و تاريخ ابن خلكان و غيرها بكل وصف جميل و ملخص القصة كما حكا الحاتمي ان المتنبي لما ورد مدينة السلام منصرفا من مصر التحف رداء الكبر و أذال ذيول التيه و صعر خده و ناى بجانبه ثم ذكر انه ورد عليه فلما رآه المتنبي دخل بيتا لئلا يقوم له ثم جاء اليه فقام الحاتمي و سلم عليه و جلسا و اعرض عن الحاتمي و اقبل على قوم يقرءون عليه شعره ثم وبخه الحاتمي و انتقد عليه أشياء في شعره لم يكن له عنها جواب و قد اوردنا القصة مفصلة في الجزء الثالث من كتابنا معادن الجواهر ص 79-90.

(2) الضبن يقرب من الإبط.

(3) سياتي ان هذا المعنى الذي قال أبو فراس ان المتنبي أخذه من دعبل عاد هو فنظمه.

327

فيها فضربه بالدواة التي بين يديه فقال المتنبي في الحال:

ان كان سركم ما قال حاسدنا # فما لجرح إذا أرضاكم الم‏

فقال أبو فراس هذا أخذته من قول بشار :

إذا رضيتم بان نجفى و سركم # قول الوشاة فلا شكوى و لا ضجر

فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قال أبو فراس و أعجبه بيت المتنبي و رضي عنه في الحال و قبل رأسه و اجازه بالف دينار ثم بالف اخرى. فهذه القصة تدلنا على ما كان يتداخل المتنبي من الكبرياء و التعاظم و ما كان يعتمده من الاستخفاف بحق أبي فراس و ان هذا و أمثاله كان يصده عن مدح أبي فراس لا ما قاله الثعالبي . كما انه يدلنا على ما لابي فراس من الرواية الواسعة في الشعر

اخباره مع بني ورقاء

في اليتيمة أبو محمد جعفر و أبو أحمد عبد الله أبناء ورقاء الشيباني من رؤساء عرب الشام و قوادها و المختصين بسيف الدولة و ما منهما الا أديب شاعر جواد ممدح و بينهما و بين أبي فراس مجاوبات.

قال ابن خالويه : لما سمع أبو أحمد عبد الله بن محمد بن ورقاء الشيباني ظفر سيف الدولة بقاتلي الصباح مولى عمارة الحرفي عامل سيف الدولة على قنسرين و عفوه عنهم بتوسط أبي فراس قال قصيدة يهنئ بها سيف الدولة بغزوته هذه و يفاخر مضر بأيام بكر و تغلب في الجاهلية و الإسلام أولها.

أ رسما بسابروج (1) أبصرت عافيا # فأذكرك العهد الذي كنت ناسيا

ألا ليت شعري و الحوادث جمة # و ما كنت في دهري إلى الناس شاكيا

أ مخترمي ريب المنون بحسرة # تبلغ نفسي من شجاها التراقيا

إلى الله أشكو ان في الصدر حاجة # تمر بها الأيام و هي كما هيا

و منها في ذكر بني كعب و إيحاشهم سيف الدولة حتى اضربهم:

و انهم لما استهاجوا صيالة # و ما كان عن مستوجب البطش وانيا

كمن شب نارا في شعار ثيابه # و هيج ليثا للفريسة ضاريا

و هي طويلة جدا فلما سمع أبو فراس ما عمل فيها عمل قصيدة على هذا الشرح يذكر فيها أسلافهم و مناقبهم في الإسلام دون الجاهلية و يرد على أبي أحمد في افتخاره بأيامهم في الجاهلية و بأيام من بعد منهم في الإسلام و تركه الفخر بمن قرب منهم في الإسلام و هي قصيدة تزيد على 240 بيتا أولها:

لعل خيال العامرية زائر # فيسعد مهجور و يسعد هاجر

إلى ان يقول:

أ يشغلكم وصف القديم و دونه # مفاخر فيها شاغل و ماثر

فقل لبني ورقاء ان شط منزل # فلا العهد منسي و لا الود داثر

و كيف يرث الحبل أو تضعف القوى # و قد قربت قربى و شدت أواصر

327 أبا احمد مهلا إذا الفرع لم يطب # فلا طبن يوم الافتخار العناصر

أ تسمو بما شادت أوائل وائل # و قد غمرت تلك الأوالي الأواخر

و تطلب العز الذي هو غائب # و تترك العز الذي هو حاضر

و ختمها بهذين البيتين:

يسر صديقي ان أكثر واصفي # عدوي و ان ساءته تلك المفاخر

و هل تجحد الشمس المنيرة ضوءها # و يستر نور البدر و البدر ظاهر

قال ابن خالويه قال لي أبو فراس لما وصلت هذه القصيدة إلى أبي احمد عبد الله بن محمد بن ورقاء الشيباني ظن أني عرضت به في البيتين اللذين ختمت بهما القصيدة فكتب إلي قصيدة تصرف فيها بالتشبيب يقول فيها:

أ شاقك بالخال (2) الديار الدواثر # روائح مجت آلها (3) و بواكر

عمرن بعمار من الإنس برهة # فهاهن صفر ليس فيهن صافر

اخلت بمغناها دمي و خرائد # و حلت باقصاها مهى و جاذر

اهن عيون باللحاظ دوائر # على عاشقيها أم سيوف بواتر

ضعائف يقهرن الأشداء قدرة # عليهم و سلطان الصبابة قاهر

الا يا ابن عم يستزيد ابن عمه # رويدك اني لانبساطك شاكر

تصفحت ما أنفذته فوجدته # كما استودعت نظم العقود الجواهر

و ذكرني روضا بكته سماؤه # فضاحكه مستأسد و هو زاهر

عرائس يجلوها عليك خدورها # و لكنما تلك الخدور دفاتر

فعدلا فان العدل في الحكم سيرة # بها سار في الناس الملوك الأساور

فكتب أبو فراس إلى أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء و جعله حكما بينه و بين عمه أبي أحمد عبد الله بن ورقاء و ابتدأ فيها بالحماسة و هي في الديوان المطبوع ناقصة فقال:

انا إذا اشتد الزمان # و ناب خطب و أدلهم

ألفيت حول بيوتنا # عدد الشجاعة و الكرم

للقا العدا بيض السيوف # و للندى حمر النعم

هذا و هذا دأبنا # يودى دم و يراق دم

قل لابن ورقا جعفر # حتى يقول بما علم

اني و ان شط المزار # و لم تكن داري أمم

أصبو إلى تلك الخلال # و اصطفي تلك الشيم

و ألوم عادية الفراق # و بين احشائي ألم

و لعل دهرا ينثني # و لعل شعبا يلتئم

هل أنت يوما منصفي # من ظلم عمك يا ابن عم

أ بلغه عني ما أقول # فأنت من لا يتهم

اني رضيت و ان كرهت # أبا محمد الحكم‏

فكتب أبو محمد جعفر بن محمد بن ورقاء مجيبا له:

أنتم كما قد قلت بل # أعلى و أشرف يا ابن عم

و لكم سوابق كل فخر # و السوابق من أمم

لم يعل منكم شاهق # فوق الشوامخ و القمم

الا و لاحقه يلوح # على ذراه كالعلم

و دعوت شيخك و ابن عمك # جعفرا فيما أهم

من عدل قولك حين قلت # و جور ما قد قال عم‏

____________

(1) سابروج بسين مهملة و ألف و باء موحدة و راء مشددة مضمومة و واو ساكنة و جيم موضع بنواحي بغداد .

(2) الخال اسم مكان.

(3) الآل السراب .

328

فقضى عليه و قد قضى # في الحق لما ان حكم

ان الذي ابدى الفخار # لسادة ملكوا الأمم

في دهرهم و زمانهم # و لهم قديم في القدم

ليسوا كمن لم يبلغوا # العلياء الا بالرمم

هذا قضائي ان نحا # للحق عمي و التزم

أحسنت و الله العظيم # نظام بيتك حين تم

فيما ذكرت به السيوف # و ما ذكرت به النعم

حتى كان بنظمه # للحسن درا منتظم

و شكوت أشواقا إلي # تمس قلبك بالألم

أفديه قلبا عاليا # فوق الفضائل و الهمم

قد فاض فيضا بالسماح # و قد تدفق بالكرم

فسيول جدواه # تدفقها الشهامة عن ضرم

و قد انبرى لي منعما # يا طيب ذلك في النعم

و أزل لي من بره # ازكى و أطيب ما قسم

فلأشكرن صنيعه # حتى تغيبني الرجم‏

و أرسل أبو فراس إلى أبي محمد جعفر و أبي أحمد عبد الله ابني ورقاء بقوله من قصيدة:

اتاني من بني ورقاء قول # ألذ جنى من الماء القراح

و أطيب من نسيم الروض حفت # به اللذات من روح و راح

تبكي في نواحيه الغوادي # بادمعها فتبتسم الاقاحي

عتابك يا ابن عم بغير جرم # أشد علي من وخز الرماح

و ما ارضى انتصافا من سواكم # و أغضي منك عن ظم صراح

أ ظنا ان بعض الظن اثم # أ مزحا رب جد من مزاح

أريتك يا ابن عم باي عذر # عدوت عن الصواب و أنت لاحي

أ أجعل في الأوائل من نزار # كفعلك أم باسرتنا افتتاحي

أ من كعب نشا بحر العطايا # و أكرم مستغاث مستراح

و صاحب كل عضب مستبيح # أعاديه و مال مستباح

و هذا السيل من تلك الغوادي # و هذي السحب من تلك الرياح

و كيف أعيب مدح شموس قومي # و من اضحى امتداحهم امتداحي

و لو شئت الجواب أجبت لكن # خفضت لكم على علم جناحي

و لست و ان صبرت على الاسايا # الاحي اسرتي و بهم الاحي

و لو اني اقترحت على زماني # لكنتم يا بني ورقا اقتراحي‏

فأجابه أبو أحمد بقوله من قصيدة:

أ صاح قلبه أم غير صاحي # و قد عنت لنا عفر البطاح

ظباء الوحش تحكي ماثلات # ظباء الإنس بالصور الملاح

يدرن مراض أجفان صحاح # فيا عجبي من المرضى الصحاح

و ما زالت عيون العين فينا # تؤثر فوق تأثير السلاح

أ مطلعة الهلال على قضيب # و مسدلة الظلام على الصباح

عدتني عن زيارتك العوادي # و دهر للاكارم ذو اطراح

امدره (1) تغلب لسنا و علما # و مصقع نطقها عند التلاحي

لقد أوتيت علما و اطلاعا # بآداب و ألفاظ فصاح

328 لمقولك المضاء إذا انتضاه القصيد # على المهندة الصفاح‏

و قال أبو فراس في بني ورقاء من قصيدة يذكر فيها وده لهم و قوة اتصاله بهم و يفضلهم على سواه:

يا قوم اني امرؤ كتوم # تصحبني مقلة نموم

نديمي النجم طول ليلي # حتى إذا غارت النجوم

اسلمني الصبح للرزايا # فلا حبيب و لا نديم

برملتي عالج رسوم # يطول من دونها الرسيم

انخت فيهن يعملات # ما عهد ارقالها ذميم

اجدبها قطع كل واد # اخصبه نبته العميم

تلك سجايا من الليالي # للبؤس ما يخلق النعيم

بين ضلوعي هوى مقيم # لآل ورقاء لا يريم

يغير الدهر كل شي‏ء # و هو صحيح لهم سليم

امنع من رامه سواهم # منه كما يمنع الحريم

و نحن من عصبة و أهل # يضم أغصاننا أروم

و هل يساويهم قريب # أم هل يدانيهم حميم

لم تتفرق لنا خؤول # في العز منا و لا عموم

سمت بنا وائل و فازت # بالعز أخوالنا تميم

ودادهم خالص صحيح # و عهدهم ثابت مقيم

ذاك لنا منهم حديث # و هو لاجدادنا قديم

ندني بني عمنا إلينا # فضلا كما يفعل الكريم

أيد لهم عند كل خطب # يثني بها الحادث الجسيم

و السن دونهم حداد # لد إذا قامت الخصوم

لم تنا عنا لهم قلوب # و ان نات منهم جسوم

فلا عدمنا لهم ثناء # كأنه اللؤلؤ النظيم

لقد نمتنا لهم أصول # ما مس اعراقهن لوم

نبقى و يبقون في نعيم # ما بقي الركن و الحطيم

حياته السياسية

كان عصر الحمدانيين عصرا قد انقسمت فيه المملكة الإسلامية المترامية الأطراف إلى ممالك و امارات جلها غير عربية فكانت خراسان و ما والاها بيد السامانيين و ما وراء النهر بيد الغزنويين و كلتا الدولتين غير عربية و بغداد و فارس بيد البويهيين و هم من الفرس و الخلافة العباسية في بغداد لا حول لها و لا طول و انما لها الخطبة و المشاركة في السكة في البلاد الإسلامية.

و الشام و مصر بيد الاخشيديين و هم أتراك و شمال إفريقيا بيد الفاطميين و الأندلس بيد الأمويين فأنشأ الحمدانيون مملكة اسلامية عربية في الموصل و ديار بكر و ديار ربيعة و الجزيرة و حلب و العواصم إلى منتهى البحر المتوسط شمالا و إلى مملكة الروم و قاعدتها القسطنطينية شرقا و إلى فلسطين و دمشق غربا فردوا غارات الروم و أغاروا على بلادهم و فتحوا كثيرا منها و الروم يومئذ في قوتهم و قهروا القرامطة و الخوارج الشراة كهارون الشاري و غيرهم و تسلطوا على الأكراد و اخضعوهم و اخضعوا قبائل العرب المنتشرة في الجزيرة و بادية الشام صاحبة العدد الكثير و القوة و ادخلوها في طاعتهم و حاربوا الاخشيديين في الشام و أخذوا منهم دمشق ثم عادوا إليها بمخامرة أهلها و كانت هذه المملكة منقسمة بين ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان و أخيه سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان و كان لناصر الدولة الموصل

____________

(1) المدرة بالميم المكسورة و الدال المهملة الساكنة و الراء المفتوحة و الهاء السيد الشريف و المقدم في اللسان و اليد عند الخصومة و القتال .

329

و الجزيرة و لسيف الدولة حلب و العواصم و ما إليها و كان ناصر الدولة لا يخلو من منازعة البويهيين له و سيف الدولة يحارب الروم غالبا و سيد بني حمدان و رئيسهم سيف الدولة و وزيره و قائده الأول و محل اعتماده في الحروب و قيادة الجيوش و حماية المملكة أبو فراس لم يكن سيف الدولة و أبو فراس طالبي ملك صرف و امارة محضة بل كان لهما باعث ديني و غيرة وطنية يبعثهما على حماية المملكة و حفظها فسيف الدولة يجمع من غبار غزواته للروم التي كان يقصد منها رد عاديتهم عن بلاده لبنة و يوصي ان توضع تحت رأسه في قبره و أبو فراس يقول لسيف الدولة :

فاحوط للإسلام ان لا يضيعني # و لي عنك فيه حوطة و مناب‏

و ان رجلا كسيف الدولة و ابن عمه أبي فراس يستطيعان إنشاء دولة قوية عربية اسلامية نمت في ظلهاالعلوم العربية و الإسلاميةوالأدب العربي‏ نموا فائقا في عصر تفككت فيه عرى الإسلام و العروبة و في بقعة محاطة بالروم من جهة و بالاخشيديين و البويهيين الأقوياء من جهات اخرى و مشحونة في داخلها بدعايات القرامطة و الخوارج و فتنهم و بغزوات الأكراد و القبائل العربية و فسادهم لرجلان فريدان عظيمان خلد التاريخ ذكرهما في صفحاته بالعز و الفخر.

و مما يلفت النظر ان جميع ملوك الإسلام كانوا في ذلك الوقت مشغولين بلذاتهم أو بالحروب بينهم. و بنو حمدان وحدهم هم الحامون للثغور و الواقفون في وجه الروم يصدونهم عن غزو بلاد الإسلام و لم يجسر الاجنبي على اقتحام تلك الثغور الا بعد انقضاء دولتهم و إلى ذلك يشير بعض شعراء ذلك العصر بقوله يمدح سيف الدولة و أبا فراس :

طلعت لهم فوق الدروب سحابة # تهمي بصوبي عثير و قتام

و المسلمون بمعزل منهم سوى # من أفردوه لنصرة الإسلام

و أبو فراس في الهياج أمامه # مثل الحسام بدا امام حسام‏

عصره العلمي و الأدبي‏

كان أبو فراس في عصر ملئ باعاظم العلماء و مشاهير الكتاب و أكابر الشعراء و كانت حضرة سيف الدولة التي نشا فيها أبو فراس و تربى و ترعرع تعج بالمشاهير الفحول من هؤلاء فمن الشعراء المتنبي و السري بن أحمد الرفا الموصلي و أبو العباس أحمد بن محمد النامي و الزاهي علي بن إسحاق البغدادي و الناشي الأصغر علي بن عبد الله بن وصيف و الخالديان أبو بكر و أبو عثمان . و أبو الفرج الببغا عبد الواحد بن نصر الشامي . و أبو نصر بن نباتة التميمي من شعراء العراق و الوأواء الدمشقي و أبو بكر الخوارزمي و أبو الحسن علي بن محمد الشمشماطي و القاضي الجرجاني أبو الحسن علي بن عبد العزيز . و أبو القاسم الشيظمي و أبو الحسن محمد بن سامي الشعباني المعروف بالمغنم المصري و أبو محمد الفياضي الكاتب و أبو إسحاق الصابي و سلامة بن الحسين الموصلي . و القاضي أبي الحصين علي بن عبد العزيز الرقي و غيرهم ذكر أكثرهم ابن النديم في الفهرست و الثعالبي في اليتيمة و قال الثعالبي يقال انه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر و نجوم الدهر. و من العلماء الفارابي و ابن خالويه النحوي الأديب اللغوي و أبو الفرج الاصبهاني و غيرهم فنشأ أبو فراس في هذا المجتمع الأدبي العلمي فاقتبس من نوره. و استضاء بهديه و صحب ابن خالويه و تلمذ عليه و استفاد منه و لا شك في ان للصحبة و العشرة أثرها في مثل ذلك لا سيما إذا انضاف إليها فكر وقاد و فهم حاذق 329 و نفس شديدة الانطباع كفكر أبي فراس و فهمه و نفسه فلا جرم ان نشا أبو فراس بهذه المنزلة المتميزة في الشعر و الأدب و العلم و المعرفة.

أدبه و شعره و أسلوبه‏

أبو فراس شاعر مفلق من فحول الشعراء المتميزين و كاتب بليغ أحرز قصب السبق في ميدان‏الأدب‏بشعره و نثره و ان كان المأثور عنه من النثر شيئا يسيرا و هو شاعر وجداني قوي العاطفة رقيق الاحساس فياض الشعور غزير المواهب مصقول الألفاظ بديع المعاني سابق في الاجادة تهتز بشعره النفوس و تفيض من جوانبه الرقة و الانسجام و تعلوه الفخامة و المتانة. و هو طويل النفس و قصيدته الرائية التي يفتخر فيها بقومه تزيد على 240 بيتا كلها في غاية المتانة و القوة و الانسجام لم يزدها طولها الا حسنا و قوة و متانة مع انه استوفى فيها ذكر عشيرته و مفاخرهم و ايامهم فاشتمل بسبب ذلك أكثرها على القصص التي تحتاج الاجادة في نظمها إلى قوة شعرية قوية و مادة غزيرة.

و في اليتيمة : شعره مشهور سائر بين الحسن و الجودة و السهولة و الجزالة و العذوبة و الفخامة و الحلاوة و المتانة و معه رواء الطبع و سمة الظرف و عزة الملك و لم تجتمع هذه الخلال قبله الا في شعر عبد الله بن المعتز و أبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة و نقدة الكلام و كان الصاحب يقول بدئ الشعر بملك و ختم بملك يعني امرأ القيس و أبا فراس اهـ. و أنت إذا تاملت شعره في جميع الفنون في جزالته و متانته و عذوبته و سلاسته و انسجامه و أخذه بمجامع القلوب و جمعه لانواع المحاسن التي تطلب من الشعراء علمت انه ليس في شي‏ء من المبالغة اقترانه إلى ملك الشعراء امرئ القيس بل من يفضله على المتنبي ليس مبالغا فان المتنبي و ان ساواه أو فضله في ابعاض من شعر المتنبي الا انه لا يكاد يساويه في مجموع شعريهما فانك لا تكاد تجد في شعر أبي فراس ما يعاب أو ينتقد بل جله أو كله مهذب مصفى في غاية الانسجام و البلاغة و الرقة و المتانة سلم من السقطات مع ما في شعر المتنبي من السقطات الكثيرة و حسب أبي فراس قول سيف الدولة الشاعر الملك لما طلب إجازة بيت قاله ليس لها الا سيدي كما مر.

و شعر أبي فراس صور صادقة لشخصيته. و قد كان في شخصيته القوة و الصفاء و الوضوح و هي كذلك ظاهرة في شعره، و كما كانت شخصية أبي فراس تتدفق بالحيوية كذلك شعره يفيض بالرجولة و الحياة، و قد مر بنا ان حياة أبي فراس كانت مجالا ممتازا لتحقيق أغراضه و مطامح نفسه لذلك بعد شعره كل البعد عن ان يحمل صورا من التشاؤم و النقمة كالذي نراه في شعر المتنبي ، و انما كانت صوره الشعرية مشرقة نابضة بالحياة و الفتوة. و اما أسلوبه فعنصر متمم لشعره الذي يمثل شخصيته، هو أسلوبه في الحياة:

سهولة و متانة و رقة، ينسجم مع معانيه و أغراضه الشعرية لفظا و تركيبا انسجاما جميلا رائعا.

و قد ابان أبو فراس رأيه في الشعر و أشار إلى ميزة في شعره هي انه مقصور على الفخر و مدح عشيرته و مقطعات تحلى بها كتبه و رسائله خال من المديح و الهجاء و المجون في أبياته التي افتتح بها ابن خالويه ديوانه الذي جمعه حيث يقول:

الشعر ديوان العرب # ابدا و عنوان الأدب

ـ

330

لم أعد فيه مفاخري # و مديح آبائي النجب

و مقطعات ربما # حليت منهن الكتب

لا في المديح و لا الهجاء # و لا المجون و لا اللعب‏

و من البديهي ان لا يعدو أبو فراس و هو الشاعر المطبوع في شعره مفاخره و مديح آبائه و تلك المقطعات التي حلى بها كتبه و رسائله لأن المديح الذي كان شائعا في ذلك العصر لم يكن يمت إلى شعور صادق و انما كان من أجل حاجات خاصة تحمل الشعراء على اصطناع شعور مزيف و لو لا تلك الحاجات لما وجدوا دافعا نفسيا لمدح من مدحوا اما أبو فراس فقد كان غنيا عن ان يقضي حاجة من مال أو جاه بالشعر. لذلك يقول الشعر للشعر مدحا و غيره و كذلك ترفعه عن الهجاء كان طبيعيا لأن الطبقة التي كانت تتهاجى من الشعراء و التي كانت تهجو من منعها سيبه من الملوك و الأمراء كان أبو فراس بعيدا عنها و لم يكن له بينها قرين تدعو المنافسة بينهما إلى التهاجي و انما كان اقرانه من النبلاء الأمراء الذين عرفت و لم يكن يرجو سيب أحد ليهجوه إذا منعه بل كان يرى نفسه أعلى و ارفع من ان يهجو أحدا. و هو نفسه لم يكن يرضى ان يحشر في زمرة الشعراء، لما أخذت الأذهان في ذلك العصر عنهم من أخلاق لا ترضاها النفوس الكبيرة فهم مداحون اليوم لمن هجوه بالأمس و هجاؤون غدا لمن مدحوه اليوم في سبيل الدرهم و الدينار إلى غير ذلك من الأخلاق التي نعرفها اليوم من اخبار أكثرهم و أشعارهم قال:

فحم الغبي و قلت غير ملجلج # اني لمشتاق إلى العلياء

و صناعتي ضرب السيوف و انني # متعرض في الشعر بالشعراء

و قال:

نطقت بفضلي و امتدحت عشيرتي # فما انا مداح و لا انا شاعر

و الحقيقة انه كان هو وحده الشاعر الذي يحق له ان يفخر بشعره و يتباهى بشاعريته إذا غض غيره من الشعراء من أبصارهم الا نادرا منهم و كذلك خلو شعره من المجون و اللعب كان امرا بديهيا و قد عرفت من أخلاقه و رجولته ما عرفت. و حسب الشعر العربي بل القومية العربية من أبي فراس تلك الأغراض التي ذكرها في أبياته المتقدمة و التي قصر عليها شعره ففيها المجال كل المجال لإظهار شاعريته الفياضة. و فيها دروس العزة و الرجولة و القومية لمن يريدون حياة عزيزة و كرامة موفورة.

و قد نظم أبو فراس في جل أبواب الشعر و أنواعه المتعارفة و مقاصد الشعراء و تصرف في مناحي الشعر ما شاء فجاء في جميعها بالمعاني البديعة في التراكيب البليغة و جاء في جميع ذلك سابقا مجليا.

نظم في الغزل و النسيب فكان غزله و نسيبه يكاد يسيل رقة مع احتشام و محافظة على الأدب. و نظم في المديح فلم يتعد مدح قومه و عشيرته و خاصة ابن عمه الأمير سيف الدولة و مدح أهل البيت النبوي و ما تضمنته مراسلة إخوانه و اصدقائه فجاء مدحه مع تفوقه في صياغته و معانيه الجليلة بعيدا عن الدعاوي الباطلة و المبالغات الشائنة مخلدا بخلود الدهر.

لقد أحسنت حياة أبي فراس إلى الأدب العربي أيما إحسان لأنه و هو الأمير المبجل و الفارس المقدم و الابي المترفع قد بعد عن ان يلتجئ إلى المدائح الكاذبة المصطنعة الشعور فكان مديحه صادقا لا يقوله الا بدافع 330 الشعور الصادق الصميم لانه لم تلجئه حاجة إلى اصطناع شعور مزيف كالتي ألجأت المتنبي إلى مدح كافور. و مدائح أبي فراس تكاد تكون وحدها في الأدب العربي شعرا صحيحا لأنها قيلت لوجه الشعور الصادق و الوداد الحق. فكل مدائحه في ذلك لأهل البيت النبوي و في آل حمدان و مراسلة إخوانه. اما مدائحه في أهل البيت ع فإنها تشعر بولاء صادق و عصبية شديدة و ايمان راسخ تجلت فيها عقيدته الدينية واضحة راسخة و اما مدائحه في آل حمدان فمصدرها الفخر و الاعتزاز و أكثرها في سيف الدولة و قد علمت اي صلة من نسب و أدب و مكانة كانت تجمع بينهما. فما كان ليمجد اعمال سيف الدولة و يفخر بها الا لأن مجده هو مجده و فخره هو فخره كما قال:

و لو لم يكن فخري و فخرك واحدا # لما سار عني بالمدائح سائر

و ما كان ليتواضع في مدحه له و يضع نفسه في منزلة التابع الأقل الا لان سيف الدولة صاحب الفضل عليه في كفالته و تربيته له و تقديمه إياه تقديرا لمزاياه فهو في هذا التواضع الشديد يساير خلقه العالي في الوفاء و عرفان الجميل فلا تذلل و لا استكانة. و لهذا رأيناه في مواضع كثيرة عند ما كان الموقف يستلزم فخرا و استشهادا بحقائق. يخاطب سيف الدولة خطاب الند للند. و لم يكن في ذلك مجترئا على مقام سيف الدولة و لا متعديا حدوده و اما مراسلته لإخوانه و اصدقائه فلا تنم الا عن حسن الوفاء و كرم الأخلاق.

و نظم في الرثاء قليلا لم يعد به رثاء بعض أئمة أهل البيت و رثاء أمه و بعض عشيرته فكان دافعه إلى ذلك عاطفة دينية أو رحم ماسة لا غرض آخر من أغراض الدنيا التي يتوخاها الشعراء.

و نظم في الفخر و الحماسة و ذكر الحرب و التمدح بالشجاعة و أكثر فكان الشاعر الوحيد الذي جمع إلى متانة الشعر و حصافته صدق الدعوى في حماسته فلم يفخر الا بما فيه و لم يقل قولا لم يصدقه الفعل فهو إذا افتخر بقومه و عشيرته و بحروبه و شجاعته و بحلمه و صفحه و كرمه و بذله و تحمسه لا يفخر الا بما فيه و يقول قولا صادقا يطابق الفعل و لا يكون كأكثر الشعراء في حماستهم و كثير من أقوالهم في انهم يقولون ما لا يفعلون و ان كان ربما تجاوز في بعض ذلك كقوله:

إذا امست نزار لنا عبيدا # فان الناس كلهم نزار

و قوله:

حمدان جدي خير من وطئ الحصى # و أبي سعيد في المكارم أوحد

و نظم في الاحتجاج و المناظرة فكان المتكلم الفريد الذي لا يفوقه الكميت في شعره الكلامي و لا علماءالكلام‏و الجدل فيما دونوه في كتبهم الكلامية أبانت عن ذلك ميميته المشهورة المسماة بالشافية التي رد فيها على محمد بن سكرة العباسي باقوى رد و برهان و أوضح حجة و بيان و شحنها بالاحتجاجات و الردود و الإشارة إلى الوقائع و أطال فيها فكانت آية في البلاغة و المتانة و الرصانة مع ان ذلك كما مر تحتاج الاجادة فيه إلى قوة فائقة و الا غلبت على الشعر الركة. و نظم في الصفات فابدع و منظومته في وصف الطرد و القنص مع طولها أجاد فيها و ابدع. و نظم في الزهد و المواعظ و الحكم فكان كازهد زاهد و أكبر واعظ و أعظم حكيم و هو الفارس البطل الشجاع الفاتك الذي تغلب على مثله قساوة القلب و البعد عن الزهد و المواعظ

331

و الحكم. و نظم في المراسلات لإخوانه فكان عنوان الوفاء و طراز حفظ المودة و الإخاء. و نظم الروميات فكانت فريدة في بابها في رقتها و كشفها عن طبع رقيق و عاطفة شديدة و نفس كبيرة و همة عالية. و نظم في شكوى الزمان و عتاب الاخوان و الشوق إلى الأهل و الأوطان فابدع و لم يعد الحقيقة و نظم في الإشارة إلى القصص و الاخبار و التواريخ فكشف نظمه فيها عن خبرة واسعة. و في شعره الأمثال السائرة الكثيرة التي يتمثل بها الأدباء في محافلهم و الخطباء على منابرهم. و نظم في الالغاز و غير ذلك من فنون الشعر التي تجدها فيما سنتلوه عليك من شعره و أجاد و بلغ الغاية في كل ما عاناه من ضروب الشعر و لم تقتصر اجادته على ما مارسه أو اتصف به من وصف الحروب و الشجاعة و الفخر. و قلما يوجد كتاب‏أدب‏أوتاريخ‏أو نحوها ليس فيه استشهادات من شعره.

نكتة طريفة

في اليتيمة : حكى بديع الزمان أبو الفضل الهمداني ان الصاحب أبا القاسم قال يوما لجلسائه و انا فيهم و قد جرى ذكر أبي فراس : لا يقدر أحد ان يزور على أبي فراس شعرا فقلت و من يقدر على ذلك و هو الذي يقول:

رويدك لا تصل يدها بباعك # و لا تعز السباع إلى رباعك

و لا تعن العدو علي اني # يمين ان قطعت فمن ذراعك‏

فقال الصاحب : صدقت، قلت أيد الله مولانا قد فعلت!. قال صاحب اليتيمة : و لعمري انه قد أحسن و لم يشق غبار أبي فراس اه.

ديوان شعره‏

و ديوان شعره قد جمعه أبو عبد الله الحسين بن محمد بن خالويه النحوي اللغوي و شرح الوقائع التي أشار إليها أبو فراس في شعره و ذكر جملة من اخباره، و الموجود بايدي الناس هو برواية ابن خالويه جمعه غير مرتب على الحروف و قال في مقدمته بعد كلامه المتقدم في مدح أبي فراس :

و ما زال رحمه الله تعالى إيجابا لحق الأدب في رعاية الصحابة و العلم بأهل المخالصة يلقي إلي دون الناس شعره و يحظر علي نشره حتى سبقتني به الركبان فجمعت منه ما القاه إلي و شرحت من زبدة اخباره رضي الله عنه و الأيام المذكورة فيه ما أرجو ان يقرنه الله عز و جل بالصواب و الرشاد بمنه و لطفه و طوله و قوته و حوله اه. و هذا الديوان طبع في بيروت لأول مرة سنة 1873 م و حذف منه شروح ابن خالويه الا أقلها و نقص منه جملة من القصائد بتمامها و نقص من القصائد المذكورة فيه عدة أبيات و كان مشحونا بالاغلاط لعدم معرفة الواقفين على طبعه فجاء كثير من كلماته محرفا أو ناقصا أو غير ذلك من الاغلاط. و هو بهذه الطبعة أول ديوان شعر قرأته و سني بين السبع و العشر و علق بذهني منه شي‏ء كثير لا أزال احفظه حتى اليوم و قد بلغت الثمانين من أعوام عمري. ثم طبع للمرة الثانية في بيروت سنة 1910 م و غير ترتيبه عما في الطبعة الأولى بالتقديم و التأخير و شاركت الطبعة الثانية الأولى في نقصان القصائد و الأبيات و في الاغلاط و زادت عليها في الغلط كثيرا و أفسده طابعه زيادة على الغلط بما علقه عليه من الشروح التي لا يكاد يمت شي‏ء منها إلى صواب. فمن طريق ما جاء فيها نذكره تفكهة للمطالع و نموذجا لتلك الشروح: ما ذكره في شرح قوله:

(و خلى أمير المؤمنين عقيل )

، 331 فقال: اي خلى أمير المؤمنين سيف الدولة قبيلة عقيل الذين قادهم ندى بن جعفر . و في شرح:

(منكم علية أم منهم)

ان علية اسم امام من كبار المحدثين. و أدرج الأبيات الثلاثة التي قيلت في عبد الله بن طاهر و أولها

(له يوم بؤس فيه للناس أبؤس)

في ضمن قصيدة لأبي فراس . إلى غير ذلك مما يجده المطالع.

و كم كنت متألما ان لا يكون ديوان هذا الشاعر العربي العظيم الفذ مطبوعا طبعا متقنا صحيحا كاملا فبحثت عن نسخه المخطوطة حتى وقع بيدي بتوفيقه تعالى منها اربع نسخ منها نسختان رتبهما كاتبهما على حروف المعجم و الباقي غير مرتب و إحداها ناقصة و اشتركت ثلاث منها في ذكر الوقائع التي ذكرها ابن خالويه في الشرح كما اشتركت في الغلط و التحريف الذي يصعب معه معرفة الصواب الا انني استطعت بعد مزيد التأمل و التعب الشديد و مقابلة النسخ بعضها ببعض و مراجعة الكتب ان استخرج منها نسخة صحيحة كاملة مرتبة على حروف المعجم سالمة من الغلط و التحريف الا في مواضع يسيرة بقيت مستغلقة و شرحت ما استغلق من ألفاظه اللغوية و ما أشير اليه من الحوادث و الوقائع الا قليلا منها لم يتيسر لي الاطلاع عليه كما انني عثرت أثناء بحثي و تنقيبي في كتب‏الأدب‏والتاريخ‏ و غيرها على شعر له غير يسير خلت عنه هذه النسخ الأربع و النسخة المطبوعة فكانت هذه النسخة التي جمعتها نسخة فريدة في بابها خدمت بها الأدب العربي‏و حاميت عن شعر هذا الشاعر العظيم ان تعبث به ايدي التحريف و التصحيف و النقصان و مثلتها للطبع فكان مجموع أبيات النسخة التي جمعتها (3430) بيتا أو أزيد بزيادة (1156) بيتا عن النسخة المطبوعة البالغ عدد أبياتها 2274 بيتا و أرجو ان لا يكون فاتني شي‏ء من شعره بعد هذا التفتيش الطويل و التنقيب الكثير.

و مما يلاحظ في ديوان أبي فراس كثرة اختلاف نسخه كثرة مفرطة جدا حسبما رأيناه في النسخ التي عثرنا عليها و في كتب‏الأدب‏ (أولا) في اللفظة الواحدة أو الجملة الواحدة أو البيت الواحد فتجدها مغيرة بما يرادفها أو يقارب معناها (ثانيا) في ترتيب الأبيات بالتقديم و التأخير (ثالثا) في القصائد بالزيادة و النقصان (رابعا) في بعض القصائد المتحدة الوزن و القافية ففي نسخة جعلت القصيدتان أو أكثر قصيدة واحدة و في اخرى قصيدتين إلى غير ذلك مما يتعسر حصره. و يمكن كون سبب ذلك انه القى شعره إلى ابن خالويه فجمعه و رتبه و غير بعض ألفاظه إلى ما رآه أحسن و أسقط بعض الأبيات التي لم يرتضها و غير ترتيب بعضها بعد ان رخص له أبو فراس في جميع ذلك و يمكن ان يكون أبو فراس نفسه قد وقع منه هذا أو بعضه و كانت هذه القصائد قد انتشرت و رواها الرواة على حالها الأول فوقع الاختلاف من جراء اجراء ذلك و يمكن ان يكون وقع تغيير في الديوان من ابن خالويه أو من أبي فراس بعد انتشار نسخة فقد كان أبو فراس في عصر قد راج فيه سوق الشعر و الأدب رواجا عظيما و كان لابي فراس و عشيرته من الصيت ما يحمل الكثيرين على نسخ ديوانه و رواية شعره. و ربما يرشد إلى هذا قول ابن خالويه السابق: و يحظر علي نشره حتى سبقتني به الركبان. و يمكن ان يكون ما القاه أبو فراس إلى ابن خالويه من شعره قد نقص منه بعض القصائد أو المقطعات التي ذهل عنها أبو فراس و رواها الرواة فألحقها الناس ببعض نسخ الديوان و بقي البعض الآخر خاليا عنها اما جعل القصيدتين واحدة فمن جهل الرواة. ـ

332

و بعد فراغي من جمع ديوان أبي فراس و ترجمته زارني الشاب النابة الأديب الدكتور سامي الدهان الحلبي ، و استعاره مني فبقي عنده أياما و اخبرني انه بذل جهودا عظيمة في جمع ديوان أبي فراس و شرح ابن خالويه له فوقف على نحو خمسين نسخة منه في فرنسا و ألمانيا و انكلترة و المدينة المنورة و مصر و إستانبول و دمشق و حلب و غيرها من العواصم و البلدان الأوروبية و الإسلامية و صرف في سبيل ذلك أموالا طائلة و أوقاتا نفيسة و عانى أسفارا إلى هذه البلدان و مشقات في سبيل تحصيل نسخ الديوان حتى اخرج من مجموعها نسخة كاملة صحيحة و جمع بين الألفاظ المتعددة نسخها و راجع في أسماء الأماكن و الأشخاص الرومية التي وجدت في شعره و لم تضبط في الكتب العربية الأصول اليونانية و شرع في طبعه و اراني مما طبعه 171 صفحة و هو جاد في إكمال طبعه فأعجبت بهمته و جهوده و شكرت له صنيعه. و علمت ان الله تعالى بعد مرور أكثر من ألف سنة من وفاة أبي فراس شاء ان لا يبقى ديوان أبي فراس على ما كان عليه فسخرني و سخر هذا الشاب النبيل لإحياء ديوان أبي فراس و نشره من رمسه. و قد كتب إلي عن اعماله في جمع هذا الديوان ما صورته:

طفت عواصم اوروبا و حواضرها باحثا منقبا في مكتباتها عن مخطوطات العصر الحمداني بصورة عامة و نسخ ديوان أبي فراس بصورة خاصة فوفقت بعد سياحة ثلاث سنوات إلى اكتشاف نسخ من ديوانه لا تعرف عنها فهارس المكتبات العامة الا انها مخطوطات عربية لشاعر مجهول.

و قد نوهت عن ذلك في احدى مجلات اوروبا و في مؤتمر المستشرقين ببلجيكا و لفت النظر إلى العناية بها و الحفظ عليها و قد وقعت على نسخة الأم في برلين فأخذت عنها الديوان رواية ابن خالويه ، و قابلت عليها نسخ انكلترا و ايطاليا و فرنسا و هولندا و هي مع نسخ ألمانيا تبلغ العشرين، و قد كاتبت الأستاذ المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في الحصول على نسخ ليننغراد فتفضل علي بما طلبت و استجلبت نسختي فاس و الرباط و زرت مصر فوجدت في الأزهر و في التيمورية و دار الكتب المصرية خمس عشرة نسخة و اكتشفت في الكنيسة المارونية بحلب نسخة ديوانه و اما نسخ إستانبول فقد حصلت على ما أريد منها.

و لقد ترجمت كتاب دفورجاك التشيكي عن أبي فراس في مقدمته بطبعة يتيمة الدهر إلى الفرنسية و حصلت على أكثر من ستين مرجعا من روسي و ألماني و انكليزي و ايطالي و إفرنسي و ترجمتها إلى العربية جميعا.

و تفضلت علي الجمعيات العلمية في اوروبا بمخطوطات المستشرقين الذين حاولوا طبع ديوان أبي فراس فحالت دون إتمامه المنية. كل ذلك إلى مخطوطات تاريخية عن العصر الحمداني صورتها و نقلتها حتى تم لدي من ذلك كله شبه تمام المعلومات التي تهم عصر الشاعر الخالد.

و لقد بلغ عدد نسخ الديوان الخمسين و المخطوطات التاريخية الثلاثين و الدراسات و المصادر ما يقرب من المائة. هذا و الله يعلم اني اعتقد بنقص المصادر و فساد أكثر النسخ و قصور عملي هذا و فقري في العلم لا أدعي الكمال و تمام المعرفة و لم اقصد الا نشر النسخ كما هي.

و قد قدمت بين يدي الطبعة بوصف النسخ بالفرنسية و تعداد الدراسات عن الشاعر و قيمتها و تحليل ما في الديوان و قدمت الدراسة الفرنسية هذه إلى (السوربون) فكلفت الأستاذ بلانشير مؤلف المتنبى‏ء 332 ان ينقدها و كان من حظي ان اثنى عليها و وقعت من نفسه و فرح بصدورها لأنها تفتح أمامه آفاقا جديدة للعصر الذي كرس له شبابه حين درس المتنبى‏ء اه.

مقتله‏

لم تطل مدة أبي فراس بعد خلاصة من الأسر بل بقي نحو سنتين و قتل و قد ذكر أبو فراس في بعض قصائده ان موته سيكون قتلا فهو يقول:

و قد علمت امي بان منيتي # بحد سنان أو بحد قضيب

كما علمت من قبل ان يغرق ابنها # بمهلكه في الماء أم شبيب

و قوله هذا اما من باب أقوال الشجعان انهم لا يموتون حتف الأنف أو ان أمه رأت رؤيا علمت منها ذلك كالرؤيا التي رأتها أم شبيب . و كان سيف الدولة قد مات بعد خلاص أبي فراس بنحو سنة و اتفقت الروايات على ان سبب قتله خلاف حصل بينه و بين أبي المعالي شريف بن سيف الدولة خليفة أبيه و اختلفت الروايات في انه هل قتل في المعركة أو بعد اختلاطه بالمستامنة أو في الطريق بعد ما ضرب ضربات و أسر.

في اليتيمة : دلت قصيدة قرأتها لأبي إسحاق الصابي في رثائه على انه قتل في وقعة كانت بينه و بين بعض موالي أسرته اه. و رثاء الصابي له محض وفاء و قضاء لحرمة المشاركة في‏الأدب‏.

و قال ابن الأثير في حوادث سنة 357 : في هذه السنة في ربيع الآخر قتل أبو فراس ابن أبي العلاء سعيد بن حمدان و سبب ذلك انه كان مقيما بحمص فجرى بينه و بين أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان وحشة فطلبه أبو المعالي فانحاز أبو فراس إلى صدد و هي قرية في طرف البرية عند حمص فجمع أبو المعالي الاعراب من بني كلاب و غيرهم و سيرهم في طلبه مع قرعويه فأدركه بصدد فكبسوه فاستامن جمع من أصحابه و اختلط هو بمن استامن منهم فقال قرعويه لغلام له اقتله فقتله و أخذ رأسه و تركت جثته في البرية حتى دفنها بعض الاعراب ، و أبو فراس هو خال أبي المعالي بن سيف الدولة و لقد صدق من قال ان الملك عقيم اه. و قال ابن خالويه في شرح ديوان أبي فراس : لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة و غلام أبيه قرعويه فأنفذ اليه من قاتله فاخذ و قد ضرب ضربات فمات في الطريق فقال قبل موته:

إذا لم يعنك الله فيما تريده # فليس لمخلوق اليه سبيل

و ان هو لم ينصرك لم تلق ناصرا # و ان عز أنصار و جل قبيل

و ان هو لم يرشدك في كل مسلك # ضللت و لو ان السماك دليل‏

قال: و بلغني ان أبا فراس رضي الله عنه أصبح يوم مقتله حزينا كئيبا و كان قلقا في تلك الليلة و رأته ابنته امرأة أبي العشائر و هو على تلك الحال فأحزنها حزنا شديدا، ثم ركب و هي على تلك الحال فأنشأ يقول و رجله في الركاب و الخادم يضبط السير عليها و انما قال ذلك كالذي ينعي نفسه و ان لم يكن من قصده ذلك فقال رحمه الله:

ابنيتي لا تحزني # كل الأنام إلى ذهاب

ابنيتي صبرا جميلا # للجليل من المصاب

333

نوحي علي بحسرة # من خلف سترك و الحجاب

قولي إذا ناديتني # فعييت عن رد الجواب

زين الشباب أبو فراس # لم يمتع بالشباب‏

ثم سار فلقي قرعويه فكان من امره ما كان و هذا آخر ما قاله من الشعر فيما بلغني فسبحان من لا يحول و لا يزول اه. و في نسمة السحر قيل انه قتل في المعركة على باب حمص اه. و قال ابن خلكان : رأيت في ديوانه انه لما حضرته الوفاة كان ينشد مخاطبا ابنته و ذكر الأبيات الخمسة المتقدمة، ثم قال: و هذا يدل على انه لم يقتل أو يكون قد جرح و تأخر موته ثم مات من الجراحة اه. و لكن قد سمعت فيما مر عن ابن خالويه انه أنشدها و رجله في الركاب يوم قتله قبل ان يلقى قرعويه ثم قتل فما في الديوان ان صح يمكن ان يراد بقوله لما حضرته الوفاة اي يوم قتل فلا منافاة. ثم قال ابن خلكان : ذكر ثابت بن قرة الصابي في تاريخه قال: جرت حرب بين أبي فراس و كان مقيما بحمص و بين أبي المعالي شريف بن سيف الدولة و استظهر عليه أبو المعالي و قتله في الحرب و أخذ رأسه و بقيت جثته مطروحة في البرية إلى ان جاء بعض الاعراب فكفنه و دفنه. قال غيره: و كان أبو فراس خال أبي المعالي و قلعت أمه سخينة عينها لما بلغها وفاته و قيل انها لطمت وجهها فقلعت عينها و قيل لما قتله قرعويه لم يعلم به أبو المعالي فلما بلغه الخبر شق عليه اه. و سخينة هي أم أبي المعالي أخت أبي فراس لا أم أبي فراس لأن أمه ماتت و هو في أسر الروم . فقوله: و قلعت أمه عينها اي أم أبي المعالي .

و في تاريخ دمشق لابن عساكر المطبوع ما لفظه: في سنة 350 قتل أبو فراس قتله أبو قرعونة غلام سيف الدولة و لما بلغ قتله أمه قلعت عينها و كان قتله عند ضيعة تعرف بصدد في حرب كانت بين شريف بن سيف الدولة و بين أبي فراس اه. و فيه ثلاث مخالفات للمعروف في كتب التاريخ (إحداها) تاريخ قتله سنة 350 و قد أجمعت كتب التاريخ انه سنة 357 (ثانيتها) تسمية غلام سيف الدولة أبو قرعونة و المذكور في اسمه قرعويه أو فرغويه (ثالثتها) قوله و لما بلغ أمه إلخ الدال على انها أم أبي فراس مع ان أم أبي فراس ماتت و هو في الأسر كما مر فالصواب انها أم أبي المعالي و لما كانت النسخة المطبوعة فاشية الغلط لم يعلم ان ذلك من كلام ابن عساكر .

و الصواب ان الذي قتله قرعويه و ان أبا المعالي لم يعلم بقتله الا بعد وقوعه.

و هؤلاء المماليك أمثال قرعويه لم تكن لهم نفوس شريفة تدعوهم إلى العفو عند المقدرة و كانوا كثيرا ما يكفرون النعمة بعد ما اجادوا الخدمة في أول أمرهم فيرغب فيهم مواليهم فإذا ترقت حالهم بطروا و ربما فتكوا بمواليهم. و قرعويه هذا عصى على أبي المعالي بعد سيف الدولة في خبر معروف ثم سلط الله عليه مولى له فقبض عليه مع بكجور و حبسه في قلعة حلب ست سنين ثم قتله أبو المعالي شريف بن سيف الدولة فجازاه الله تعالى بمثل فعله.

و من المؤسف ان يكون أبو فراس الأمير الشجاع الكبير النفس العالي 333 الهمة العربي الصميم يقتل بيد غلام مملوك لغلام مملوك و ما أحسن و أصدق قول المتنبي كما في اليتيمة :

فلا تنلك الليالي ان أيديها # إذا ضربن كسرن النبع بالغرب

و لا يعن عدوا أنت قاهره # فإنهن يصدن الصقر بالخرب (1)

و لله أمر هو بالغة. و أولى بان يستشهد لذلك بقول أبي فراس نفسه:

ذدت الأسود عن الفرائس # ثم تفرسني الضباع‏

و في تاريخ أبي الفدا : و في مقتله في صدد يقول بعضهم.

و علمني الصد من بعده # عن النوم مصرعه في صدد

فسقيا لها إذ حوت شخصه # و بعد لها حيث فيها ابتعد

مختارات من شعره الغزل و النسيب‏

قال و لا توجد في الديوان المطبوع:

أيا من وجهه بدر # و في الحاظه سحر

و يا من جسمه ماء # و يا من قلبه صخر

لقد قام لدى العاذل # من وجهك لي عذر

فكاشفتك عن وجدي # لما عزني الصبر

و ما بحت بما القاه # حتى انهتك الستر

و قال:

لبسنا رداء الليل و الليل راضع # إلى ان تردى رأسه بمشيب

و بتنا كغصني بانة عابثتهما # مع الصبح ريحا شمال و جنوب

بحال ترد الحاسدين بغيظهم # و تطرف عنا طرف كل رقيب

إلى ان بدا ضوء الصباح كأنه # مبادي نصول في عذار خضيب

فيا ليل قد فارقت غير مذمم # و يا صبح قد أقبلت غير حبيب‏

و قال و لا توجد في الديوان المطبوع:

تبسم إذ تبسم عن اقاح # و أسفر حين أسفر عن صباح

و اتحفني براح من رضاب # و راح من جنا خد و راح

فمن لألاء غرته صباحي # و من صهباء ريقته اصطباحي‏

و له:

و ظبي غرير في فؤادي كناسه # إذا اكتنست عين الفلاة و حورها

فمن خلقه أجيادها و عيونها # و من خلقه عصيانها و نفورها

و له و ليست في الديوان المطبوع:

و بيض بالحاظ العيون كأنما # هززن سيوفا و استللن محاجرا

تصدين لي يوما بمنعرج اللوى # فغادرن قلبي بالتصبر غادرا

سفرن بدورا و انتقبن اهلة # و مسن غصونا و التفتن جاذرا

و له:

مسي‏ء محسن طورا و طورا # فما أدري عدوي أم حبيبي

يقلب مقلة و يدير لحظا # به عرف البري‏ء من المريب

و بعض الظالمين و ان تناهى # شهي الظلم مغتفر الذنوب‏

و له:

الزمني ذنبا بلا ذنب # و لج في الهجران و العتب

أحاول الصبر على هجره # و الصبر محظور على الصب‏

____________

(1) الخرب ذكر الحبارى و هو أيضا يضرب به المثل في البلاهة .

334

و أكتم الوجد و قد أصبحت # عيناي عينيه على قلبي‏

و قال من قصيدة:

عم صباحا و ان غدوت خلاء # من ظباء فضحن فيك الظباء

كنت استصعب الجفاء فلما # بعدوا سهل البعاد الجفا

كلما ابلت الديار الليالي # عاد ذاك البلى علي بلاء

و قال في غلام نبت عذاره:

قد كان بدر السماء حسنا # و الناس في حبه سواء

فزاده ربه عذارا # تم به الحسن و البهاء

لا تعجبوا ربنا قدير # يزيد في الخلق ما يشاء

و قال من قصيدة:

انا في حالتي وصال و هجر # من أذى الحب في عذاب مذيب

بين قرب منغص بصدود # و وصال منغص برقيب‏

و له:

أساء فزادته الاساءة حظوة # حبيب على ما كان منه حبيب

يعد علي الواشيان ذنوبه # و من اين للوجه الجميل ذنوب

ألا أيها الجاني و نسأله الرضا # و يا أيها المخطئ و نحن نتوب

لحا الله من يرعاك في القرب وحده # و يترك عهد الغيب حين تغيب‏

و له و ليسا في الديوان المطبوع:

و شادن قال لي لما رأى سقمي # و ضعف جسمي و الدمع الذي انسجما

أخذت دمعك من خدي و جسمك من # خصري و سقمك من طرفي الذي انسقما

و قال و ليسا في الديوان المطبوع:

أيا معافى من رسيس الهوى # يهنيك حال السالم الغانم

أعانك الله بخير أ ما # تكون لي عونا على ظالمي‏

و قال و ليسا في الديوان المطبوع:

لما تبينت باني له # ازداد حبا كلما لاموا

وددت إذ ذاك بان الورى # فيك مدى الأيام لوام‏

و قال و ليسا في الديوان المطبوع:

و دعوا خشية الرقيب بايماء # فودعت خشية اللوام

لم أبح بالوداع جهرا و لكن # كان جفني فمي و دمي كلامي‏

و قال:

من أين للرشا الغرير الأحور # في الخد مثل عذارك المتحدر

قمر كان بعارضيه كليهما # مسكا تساقط فوق ورد أحمر

و قال:

عدتني عن زيارته عواد # أقل مخوفها سمر الرماح

و لو اني أطعت رسيس شوقي # ركبت اليه أعناق الرياح‏

و قال:

قمر دون حسنه الأقمار # و كثيب من النقا مستعار

و غزال فيه نفار و ما # ينكر من شيمة الظباء النفار

و قال:

أتتني منك اخبار # و بانت منك اسرار

334 من السلوة في عينيك # آيات و آثار

أراها منك بالقلب # و للأحشاء أبصار

إذا ما برد الحب # فما تسخنه النار

و قال:

و عارضني السحاب فقلت مهلا # فاني من دموعي في سحاب

و أنت إذا سكبت سكبت وقتا # و دمعي كل وقت في انسكاب

فهبك صدقت دمعك مثل دمعي # فهل بك في الجوانح مثل ما بي‏

و قال:

فديت من أصبح أحبابه # تخاف منه ما يخاف العدا

سبحان من حبب الحاظه # إلى محبيه و فيها الردى‏

و قال:

نبوة الإدلال ليست # عندنا ذنبا يعد

قل لمن ليس له عهد # لنا عهد و عقد

جملة تغني عن التفصيل # ما لي عنك بد

ان تغيرت فما غير # منا لك عهد

و قال:

أهدى إلي صبابة و كابة # فاعادني كلف الفؤاد عميدا

ان الغزالة و الغزالة اهدتا # وجها إليك إذا طلعت وجيدا

و قال:

و لقد علمت و ما علمت # و ان أقمت على صدوده

ان الغزالة و الغزالة # في ثناياه وجيده‏

و قال:

يا معشر الناس هل لي # مما لقيت مجير

أصاب غرة قلبي # هذا الغزال الغرير

فعمر ليلي طويل # و عمر نومي قصير

أسرت مني فؤادي # يفديك ذاك الأسير

و قال:

ما ان تجدد لي يأس فيسليني # الا تجدد لي في وصله طمع

لا احمل اللوم فيه و الغرام معا # ما كلف الله نفسا فوق ما تسع‏

و قال:

غلام فوق ما أصف # كان قوامه ألف

إذا ما ماس يرعبني # أخاف عليه ينقصف

سروري عنده طمع # و دهري كله أسف‏

و قال:

الحزن مجتمع و الصبر مفترق # و الحب مختلف عندي و متفق

و لي إذا كل عين نام صاحبها # عين تحالف فيها الدمع و الأرق

لولاك يا ظبية الإنس التي نظرت # لما وصلن إلى مكروهي الحدق

لكن نظرت و قد سار الخليط ضحى # بناظر كل حسن منه مسترق‏

و قال:

يا من رضيت بفرط ظلمه # و دخلت طوعا تحت حكمه

335

الله يعلم ما لقيت # من الهوى و كفى بعلمه

هب للمقر ذنوبه # و اصفح له عن عظم جرمه

اني أعيذك ان تبوء # بقتله و بحمل إثمه‏

و قال:

هبه أساء كما ذكرت فهب له # و ارحم تضرعه و ذل مقامه

بالله ربك لم فتكت بصبره # و نصرت بالهجران جيش سقامه

فرقت بين جفونه و منامه # و جمعت بين نحوله و عظامه‏

و قال:

لا غرو ان فتنتك # باللحظات فاترة الجفون

فمصارع العشاق ما # بين الفتور إلى الفتون

اصبر فمن سنن الهوى # صبر الظنين على الضنين (1) .

و قال:

أشفقت من هجري فغابت # الظنون على اليقين

و ظننت بي فضننت لي # و الظن من شيم الضنين‏

و قال:

ما كنت تصبر بالقديم # فلم صبرت اليوم عنا

و لقد أسات بك الظنون # لانه من ضن ظنا

و قال:

الورد ما ينبت خداه # و السحر ما تفعل عيناه

حل رداء الحسن في وجهه # تطريزه منه عذاراه‏

و قال:

قلبي يحن اليه # نعم و يحنو عليه

و ما جنى أو تجنى # الا اعتذرت اليه

فكيف أملك قلبي # و القلب رهن لديه‏

و قال:

الورد في وجنتيه # و السحر من مقلتيه

و ان عصاني لساني # فالقلب طوع يديه‏

و قال:

و لما أصبح الدمع # و قد باح بكتمان

و للناس على سري # من عيني عينان

تسامحت فلا اكتم # الا بعض اشجاني

و بالدارين إنسان # له بالقلب داران

إذا ما ماس بالقرطق # يسعى بين-أخدان

رأيت البدر قد بان # على غصن من البان

الا يا صاحبي رحلي # بالله اجيباني

ترى من لست أنساه # على الحالات ينساني‏

و هذا الذي قاله من ان عيني العاشق عينان عليه قد اولع به و كرره في شعره فقال:

علي من عيني عينان # تبوح للناس بكتماني

335 وجهك و البدر إذا أبرزا # لا عين العالم بدران‏

و قال من قصيدة ليست في الديوان المطبوع و تأتي:

فعلا م اكتم أو أسر صبابتي # و علي من عيني لي عينان‏

و قال:

من لي بكتمان هوى شادن # عيني له عين على قلبي

عرضت صبري و سلوي له # فاستشهدا في طاعة الحب‏

و قال من أبيات مرت:

و اكتم الوجد و قد أصبحت # عيناي عينيه على قلبي‏

و قال:

و إذا يئست من الدنو # رغبت في فرط البعاد

أرجو الشهادة في هواك # لان روحي في جهاد

و قال:

و كنى الرسول عن الجواب تظرفا # و لئن كنى فلقد علمنا ما عنى

قل يا رسول و لا تحاش فإنه # لا بد منه أساء بي أم أحسنا

الذنب لي فيما جناه لأنني # مكنته من مهجتي فتمكنا

و قال و فيه إشارة إلى‏علم النجوم‏:

و شادن من بني كسرى شغفت به # لو كان انصفني في الحب ما جارا

كأنما الشمس لي في القوس نازلة # ان لم يزرني و في الجوزاء ان زارا

و قال:

فو الله ما أحدثت في الحب سلوة # و و الله ما حدثت نفسي بالصبر

و انك في عيني لابهى من الغنى # و انك في قلبي لاحلى من النصر

و قال:

صبرت على اختيارك و اضطراري # و قل مع الهوى منك انتصاري

و كان يعاف حمل الضيم قلبي # فقر على تحمله قراري‏

و قال:

فديتك طال ظلمك و احتمالي # كما كثرت ذنوبك و اعتذاري

و كم أبصرت من حسن و لكن # عليك لشقوتي وقع اختياري‏

و قال:

و لي في كل يوم منك عتب # أقوم به مقام الاعتذار

حملت هواك لا جلدا و لكن # صبرت على اختيارك و اضطراري‏

الفخر و الحماسة

و قد أكثر في شعره من الفخر و الحماسة و ذكر الحرب حتى انه لشدة ولوعه بذلك يمزجه بالغزل و النسيب و بكثير من فنون الشعر و الشريف الرضي في شعره هذه المزية فابو فراس يقول و هو يتغزل:

اجملي يا أم عمرو # زادك الله جمالا

لا تبيعيني برخص # ان في مثلي يغالى

انا ان جدت بوصل # أحسن العالم حالا

قال ابن خالويه : كثرت وقائع سيف الدولة بالعرب في كل ارض فتجمعت نزاريها و يمانيها و تشاكت ما لحقها و تراسلت و اتفقت على الاجتماع بسلمية لمقاتلته و قتلت عامله بقنسرين الصباح عبد عمارة الحارفي

____________

(1) الأول المتهم و الثاني البخيل‏

336

فنهض سيف الدولة و معه ابن عمه أبو فراس حتى أوقع بهم و عليهم يومئذ الندى بن جعفر و محمد بن يزيع بزيع العقيليان، من آل المهنا فهزمهم و قتل وجوههم و اتبع فلولهم و قدم أبا فراس في قطعة من الجيش يتبعهم و يقتل و ياسر فلم ينج منهم الا من سبق به فرسه و اتبعهم سيف الدولة و أبو فراس حتى ألحقوهم بالسماوة . و انكفأ سيف الدولة إلى بني نمير و هي بالجزيرة فوجدها خاضعة ذليلة تعطي الرضا و تنزل على الحكم فصفح عنهم و أحلهم بالجزيرة فقال أبو فراس من قصيدة يذكر الحال و المنازل و يصف مواقفه فيها و كان قد حسن بلاؤه في تلك الوقعة. و هي من غرر شعره:

أبت عبراته الا انسكابا # و نار ضلوعه الا التهابا

و من حق الطلول علي ان لا # أغب من الدموع لها سحابا

و ما قصرت عن تسأل ربع # و لكني سالت فما أجابا

رأيت الشيب لاح فقلت أهلا # و ودعت الغواية و الشبابا

و ما ان شبت من كبر و لكن # لقيت من الاحبة ما أشابا

بعثن من الهموم إلي ركبا # و صيرن الصدود له ركابا

أ لم ترنا أعز الناس جارا # و أمنعهم و امرعهم جنابا

لنا الجبل المطل على نزار # حللنا النجد منه و الهضابا

يفضلنا الأنام و لا نحاشى # و نوصف بالجميل و لا نحابى

و قد علمت ربيعة بل نزار # بانا الرأس و الناس الذنابي

و لما ان طغت سفهاء كعب # فتحنا بيننا للحرب بابا

منحناها الحرائب (1) غير أنا # إذا جارت منحناها الحرابا

و لما ثار سيف الدين ثرنا # كما هيجت آسادا غضابا

اسنته إذا لاقى طعانا # صوارمه إذا لاقى ضرابا

دعانا و الاسنة مشرعات # فكنا عند دعوته الجوابا

صنائع فاق صانعها ففاقت # و غرس طاب غارسه فطابا

و كنا كالسهام إذا أصابت # مراميها فراميها أصابا

عبرن بماسح و الليل طفل # و جئن إلى سلمية حين شابا (2)

تناهبن الثناء بصبر يوم # به الأرواح تنتهب انتهابا

و قاد ندى بن جعفر من عقيل # شعوبا قد اسلن بها الشعابا

فما كانوا لنا الا أسارى # و ما كانت لنا الا نهابا

كان ندى بن جعفر قاد منهم # هدايا لم يرغ عنها ثوابا (3)

و شدوا رأيهم ببني (4) بزيع # فخابوا لا أبا لهم و خابا

فلما اشتدت الهيجاء كنا # أشد مخالبا و أحد نابا

و امنع جانبا و أعز جارا # و اوفى ذمة و أقل عابا

قرينا بالسماوة من عقيل # سباع الأرض و الطير السغابا

و بالصباح و الصباح عبد # قتلنا من لبابهم اللبابا

تركنا في بيوت بني المهنا # نوادب ينتحبن بها انتحابا

336 و ابعدنا لسوء الفعل كعبا # و أدنينا لطاعتها كلابا

و سرنا بالخيول إلى نمير # تجاذبنا أعنتها جذابا

امام مشيع سمح بنفس # يعز على العشيرة ان يصابا

و ما ضاقت مذاهبه و لكن # يهاب من الحمية ان يهابا

و يأمرنا فنكفيه الاعادي # همام لو يشأ لكفى و نابا

فلما أيقنوا ان لا غياث # دعوه للمغوثة فاستجابا

و عاد إلى الجميل لهم فعادوا # و قد مدوا لما يهوى الرقابا

امر عليهم خوفا و أمنا # أذاقهم به اريا و صابا

أحلهم الجزيرة بعد بأس # أخو حلم إذا ملك العقابا

و لو شئنا حميناها البوادي # كما تحمي اسود الغاب غابا

إذا ما انفذ الأمراء جيشا # إلى الأعداء أنفذنا كتابا

انا ابن الضاربين الهام قدما # إذا كره المحامون الضرابا

أ لم تعلم و مثلك قال حقا # باني كنت اثقبها شهابا

و قال يفتخر من قصيدة:

انخت و صاحباي بذي طلوح # طلائح شفها و خد القفار

و لا ماء سوى نطف الروايا # و لا زاد سوى القنص المثار

فلما لاح بعد الأين سلع # ذكرت منازلي و عرفت داري

الم بنا و جنح الليل داج # خيال زار و هنا من نوار

أ باخلة علي و أنت جار # و واصلة على بعد المزار

تلاعب بي على بزل المطايا # خلائق لا تقر على الصغار

و نفس دون مطلبها الثريا # و كف دونها فيض البحار

ارى نفسي تطالبني بامر # قليل دون غايته اقتصاري

و ما يغنيك من همم طوال # إذا اقترنت بأحوال قصار

علي لكل هم كل عنس # امون الرحل موخدة القفار

و خراج من الغمرات خرق # أبو شبلين محمي الذمار

شديد تحيف الأيام واف # على علاته عف الإزار

فلا نزلت بي الجيران ان لم # اجاورها مجاورة البحار

و لا صحبتني الفرسان ان لم # أصاحبها بمأمون الفرار

و لا خافتني الأملاك ان لم # أصبحها بملتف الغبار

بجيش لا يخل بهم مغير # و رأي لا يغبهم مغار

شددت على الحمامة كور رحل # بعيد حله دون اليسار

تحف بي الاسنة و العوالي # و مضمرة المهاري و المهار (5)

و تخفق حولي الرايات حمرا # و تتبعني الخضارم من نزار

عزيز حيث حط السير رحلي # تداريني الأنام و لا اداري

و اهلي من انخت اليه عيسي # و داري حيث كنت من الديار

و قال يفتخر من قصيدة و لا توجد في الديوان المطبوع:

لقد نزحت بالغيد خوص الركائب # و قد غادرتني فرصة للنوائب

و ما كنت أدري ما جناية بينهم # على القلب حتى جد سير الركائب

و من كان مشغولا بود خريدة # و حث كئوس أو وصال حبائب

فما لي الا البيض و البيض و القنا # و جرد كرام محضرات الجوانب

و لا انا و ان عند مختلف القنا # و لا بجبان عند زحف الكتائب

و قد ألبستني كل حال لباسها # و احكمني طول السري بالتجارب

و عرفني عرف الخطوب و نكرها # تصرف أيام أتت بالعجائب‏

____________

(1) الحرائب جمع حربية. في الصحاح حربية الرجل ماله الذي يعيش به .

(2) (عبرن) الضمير راجع إلى الخيل المفهومة من سوق الكلام (و تل ماسح ) قرية من نواحي حلب (و سلمية ) بليدة بناحية البرية من اعمال حماه .

(3) الهدايا جمع هدي و هو ما يساق لينحر بمكة أو بمنى (و لم يرغ) اي لم يطلب شبه قيادة رئيسهم لهم إلى الحرب بقود الهدايا و لكن الهدايا يطلب بها الثواب اما هؤلاء فلم يطلب قائدهم عنهم ثوابا.

(4) بني تصغير ابن خففت الياء لضرورة الشعر هكذا في أكثر النسخ و في بعضها بابني و هو خطا لان الذي شدوا رأيهم به هو محمد بن بزيع و هو واحد.

(5) المهاري جمع مهرية نوع من الإبل منسوبة إلى مهر بن حيدان بالفتح حي من العرب و المهار جمع مهر و هو ولد الفرس.

337

و لو رضيت نفسي المقام لاقصرت # و لكنها معقودة بالكواكب

و لو انها لانت لخفض معيشة # أطاعت مقالات الغواني الكواعب

و لكن نفسي لا تجيب إلى الرضا # بغير الرضا من عاليات المناصب

و اني لمن قوم كرام أصولهم # بها ليل إبطال كرام المناسب

و لو لا رسول الله كان اعتزاؤنا # لأشرف بيت من لؤي بن غالب

و قال يفتخر:

و معود للكر في حمس الوغى # غادرته و الفر من عاداته

حمل القناة على أغر سميدع # دخال ما بين الفتى و قناته

لا اطلب الرزق الدني‏ء مناله # قوت الهوان أقل من مقتاته

علقت بنات الدهر (1) تطلب ساحتي # لما فضلت بنية في حالاته

فالبيض ترميني ببيض رجالها # و الدهر يطرقني بسود بناته (2) .

و قال:

ألا ليت قومي و الاماني كثيرة # شهودي و الأرواح غير لوابث

غداة تناديني الفوارس و القنا # ترد إلى حد الظبا كل ناكث

احارث ان لم تصدر الرمح قانيا # و لم تدفع الجلي فلست بحارث‏

و قال:

أحسن من قهوة معتقة # بكف ظبي مقرطق غنج

صوت قراع في وسط معمعة # قد صبغ الأرض من دم المهج‏

و قال:

اما الخليط فمتهم أو منجد # فاذرف فهل لك غير دمعك منجد

عرج على ربع بمنعرج اللوى # و اساله ما فعل الظباء الخرد

أيام يدعوني الهوى فأجيبه # و مغازلي فيها الغزال الأغيد

رحلوا فاخلق ربعهم و صبابتي # ابدا لأخلاق الربوع تجدد

من كل شمس في الخدور إذا بدت # كادت لها الشمس المنيرة تسجد

و تحالفاني حين زمت عيسهم # دمع يفيض و حسرة تتردد

يا عاذلي كف الملام فإنه # لا يستطاع على الفراق تجلد

و إذا الهموم تناصرت لم يفنها # الا العذافرة الأمون الجلعد

و أخو ملمات تسدد فعله # همم مثقفة و عزم محصد (3)

خرق إذا اقتحم الغبار رأيته # كالسيف الا انه لا يغمد

337 و كان أبو احمد عبد الله بن محمد بن ورقاء الشيباني قال قصيدة يهنئ بها سيف الدولة بظفره في بعض وقائعه و يفاخر فيها مضر ببكر و تغلب و ذكر أيامها في الجاهلية و الإسلام فعمل أبو فراس قصيدة يذكر فيها آباءه و اسلافه و اهله الأقربين في الإسلام و يرد على أبي احمد في افتخاره بآبائه و اسلافه و اهله الأقربين في الإسلام و هي تزيد على 240 بيتا فانتخبنا شيئا منها في الغزل و وصف الناقة و الآداب و الحكم و الحماسة و غيرها قال:

لعل خيال العامرية زائر # فيسعد مهجور و يسعد هاجر

و اني على طول الشماس عن الصبا # احن و تصبيني إليها الجاذر

و في كلتي ذاك الخباء خريدة # لها من طعان الدارعين ستائر

تقول إذا ما جئتها متدرعا # أ زائر شوق أنت أم أنت ثائر

تثنت فغصن ناعم أم شمائل # و ولت فليل فاحم أم غدائر

و قد كنت لا ارضى من الوصل بالرضى # ليالي ما بيني و بينك عامر

فاما و قد طال الصدود فإنه # يقر بعيني الخيال المزاور

تنام فتاة الحي عني خلية # و قد كثرت حولي البواكي السواهر

و ما هي الا نظرة ما احتسبتها # بعدان (4) صارت بي إليها المصاير

ظللت بها و الركب و الحي كله # حيارى إلى وجه به الحسن حائر

و ما سفرت عن ريق الحسن انما # نممن على ما تحتهن المعاجر

و يا عفتي ما لي و ما لك كلما # هممت بامر هم لي منك زاجر

فيا نفس ما لاقيت من ألم الجوى # و يا قلب ما جرت عليك النواظر

كان الحجى و الصون و العقل و التقى # لدي لربات الحجال ضرائر

وهن و ان جانبت ما يبتغيه # حبائب عندي منذ كن اثاير

و كم ليلة خضت الاسنة نحوها # و ما هدأت عين و لا نام سامر

فلما خلونا يعلم الله وحده # لقد كرمت نجوى و عفت سرائر

و بت يظن الناس في ظنونهم # و ثوبي مما يرجم الناس طاهر

و لا ريبة الا الحديث كأنه # جمان و هي أو لؤلؤ متناثر

و كم ليلة ماشيت بدر تمامها # إلى الصبح لم يشعر بامري شاعر

أقول و قد ضج الحلي و أشرفت # -و لم أرو منها-للصباح بشائر

أيا رب حتى الحلي مما نخافه # و حتى بياض الصبح مما نحاذر

و لي فيك من فرط الصبابة آمر # و دونك من حسن التصون زاجر

وراءك عني انما عفة الفتى # إذا عف عن لذاته و هو قادر

نفى الهم عني همة عدوية # و قلب على ما شئت منه مؤازر

و أسمر مما ينبت الخط ذابل # و ابيض مما تطبع الهند باتر

و قلب تقر الحرب و هو محارب # و عزم يقيم الجسم و هو مسافر

و نفس لها في كل ارض لبانة # و في كل حي اسرة و معاشر

إذا لم أجد في كل ارض عشيرة # فان الكرام للكرام عشائر

و لاحقة الاطلين من نسل لاحق # امينة ما نيطت عليه الحوافر (5)

من اللاء تأبى ان تعاند ربها # إذا حسرت عند المغار المآزر (6)

و خرقاء ورقاء بطي‏ء كلالها # تكلف بي ما لا تطيق الأباعر (7)

غريرية صافت شقائق دابق # مدى قيظها حتى تصرم ناجر (8)

و حمضها الراعي بميثاء برهة # تناول من خضرافه و تغادر (9)

أقامت به شيبان ثمة ضمنت # بقية صفوان قراها المناضر (10)

و خوضها بطن السلوطح ريئما # أديرت بملحان الشهور الدوائر (11)

فجاء بكوماء إذا هي أقبلت # ظننت عليها رحلها و هي حاسر

____________

(1) بنات الدهر مصائبه .

(2) اي بمصائبه‏

(3) محصد أي محكم من قولهم حبل محصد اي مفتول محكم الفتل.

(4) عدان في معجم البلدان مدينة كانت على الفرات لاخت الزباء .

(5) الاطلين تثنية اطل بالكسر و هي الخاصرة لاحقة الاطلين أي ضامرتهما و لاحق اسم فرس و نيطت أي علقت

(6) حسرت المأزرة أي ألقيت و هي كناية عن اشتداد الأمر.

(7) الخرقاء من النوق التي لا تتعاهد مواضع قوائمها لنشاطها (و الورقاء) التي في لونها بياض إلى السواد.

(8) الغريرية بالغين المعجمة المضمومة منسوبة إلى غرير كزبير فحل من الإبل و صافت شقائق دابق أقامت فيها الصيف و يمكن أن تكون ضافت بالضاد. (و دابق ) بلدة بحلب (و ناجر) كل شهر من أشهر الصيف من النجر و هو الحر .

(9) حمضها أطعمها و الحمض و هو كل نبت مالح (و ميثاء ) ناحية بالشام (و الخضراف) نبت .

(10) شيبان أحد الشهرين اللذين هما أشد الشهور بردا سمي بذلك لابيضاض الأرض بما فيه من الثلج (و صفوان) ثاني أيام البرد سمي بذلك لصفاء السماء فيه عن الغيم .

(11) السلوطح موضع بالجزيرة (و ملحان) أحد الشهرين اللذين هما أشد الشهور بردا.

338

فيا بعد ما بين الكلال و بينها # و يا قرب ما يرجو عليها المسافر

دع الوطن المألوف رابك اهله # و عد عن الأهل الذين تكاشروا

فأهلك من اصفى و ودك ما صفا # و ان نزجت دار و قلت نواصر

تبوأت من قرمي معد كليهما # مكانا اراني كيف تبنى المفاخر

لئن كان اصلي من سعيد نجاره # ففرعي بسيف الدولة القرم ناضر

و ما كان لولاه لينفع أول # إذا لم يزين أول المجد آخر

لعمرك ما الابصار تنفع أهلها # إذا لم يكن للمبصرين بصائر

و هل ينفع الخطي غير مثقف # و تظهر الا بالصقال الجواهر

و كيف ينال المجد و الجسم وادع # و كيف يحاز الحمد و الوفر وافر

أناضل عن احساب قومي بفضله # و أفخر حتى لا ارى من يفاخر

علي لابكار الكلام و عونه # مفاخر تفنيه و تبقى مفاخر

انا الحارث المختار من نسل حارث # إذا لم يسد في القوم الا الأخاير

فان تمض أشياخي فلم يمض مجدها # و لا دثرت تلك العلا و المآثر

نشيد كما شادوا و نبني كما بنوا # لنا شرف ماض و آخر غابر

و فينا لدين الله عز و منعة # و منا لدين الله سيف و ناصر (1)

إذا ذكرت يوما غطاريف وائل # فنحن أعاليها و نحن الجماهر

و قال:

سلي عني سراة بني معد # ببالس عند مشتجر العوالي

لقيناهم بأسياف قصار # كفين مئونة الأسل الطوال

و عادوا سامعين لنا فعدنا # إلى المعهود من شرف الفعال

و نحن متى رضينا بعد سخط # اسونا ما جرحنا بالنوال‏

و قال:

لنا بيت على عنق الثريا # بعيد مذاهب الاطناب سامي

تظلله الفوارس بالعوالي # و تفرشه الولائد بالطعام‏

و قال:

بأطراف المثقفة العوالي # تفردنا باوساط المعالي

و ما تحلو مجاني العز يوما # إذا لم تجنها سمر العوالي

ممالكنا مكاسبنا إذا ما # توارثها رجال عن رجال‏

و قال من قصيدة:

و ما كل طلاب من الناس بالغ # و لا كل سيار إلى المجد واصل

و ما المرء الا حيث يجعل نفسه # و اني لها فوق السماكين جاعل

و للوفر متلاف و للحمد جامع # و للشر تراك و للخير فاعل‏

و قال:

إذا مررت بواد جاش غاربه # فاعقل قلوصك و انزل ذاك وادينا

و ان عبرت بناد لا تطيف به # أهل السفاهة فاجلس فهو نادينا

تجفل الشول بعد الخمس صادية # إذا سمعن على الأمواه حادينا

و يصبح الضيف أولانا بمنزلنا # نرضى بذاك و يمضي حكمه فينا

و قال:

اطرح الأمر إلينا # و احمل الكل علينا

اننا قوم إذا ما # صعب الأمر كفينا

338 و إذا ما ريم منا # موضع الذل أبينا

و إذا ما هدم العز # بنو العز بنينا

و قال و قد أوقع ببني كلاب :

أبلغ بني حمدان في بلدانها # كهولها و الغر من شبانها

يوم طردت الخيل عن اظعانها # و سقت من قيس و من جيرانها

ذوي علاها و ذوي طعانها # حتى إذا قل غنى شجعانها

طاردني عنها و عن إتيانها # حرائر رغبت في صيانها

استعمل الشدة في أوانها # و أغفر الزلة في أبانها

و قال من أبيات:

سلي عني نساء بني معد # يقلن بما رأين و ما سمعنه

أ لست أمدهم لذرى ظلال # و أوسعهم لدى الأضياف جفنه

و اثبتهم لدى الحدثان جاشا # و اسرعهم إلى الفرسان طعنه

متى ما يدن من أجل كتابي # أمت بين الاسنة و الاعنة

و قال:

لقد علمت سراة الحي انا # لنا الجبل الممنع جانباه

يفي‏ء الراغبون إلى ذراه # و ياوي الخائفون إلى حماه‏

و قال و قد أوقع ببني كلاب و أسر مصعبا الطائي و سالته أم بسام فصفح عن الأموال من أبيات:

جار نزعناه قسرا في بيوتكم # و الخيل تعصب فرسانا بفرسان

بالمرج إذ أم بسام تناشدني # بنات عمك يا حار بن حمدان

فظلت اثني صدور الخيل ساهمة # بكل مضطغن بالحقد ملئان

و نحن قوم إذا عدنا بسيئة # على العشيرة عقبنا بإحسان‏

قال ابن خالويه : غزا الأمير سيف الدولة في سنة 339 و اوغل في بلد الروم و فتح صارخة و أحرقها (و هي مدينة بالروم بينها و بين القسطنطينية سبعة أيام) و أوقع بالدمستق فهزمه و أسر عدة من البطارقة و غيرهم و عاد ظافرا غانما فتبعه العدو فاخذ عليه الدرب فتخلى عن بعض السواد و قتل البطارقة و عاد فقال أبو فراس يصف الغزوة و يفتخر و يذكر غزواته بالروم من قصيدة و ليست في الديوان المطبوع:

لا عز الا بالحسام المخذم # و ضراب كل مدجج مستلئم

و قراع كل كتيبة بكتيبة # و لقاء كل عرمرم بعرمرم

و لقد رضعت من الزمان لبانه # و عرفت كل معوج و مقوم

و قطعت كل تنوفة لم يلقها # قدم و لم تقرع بباطن منسم

واهنت نفسي للرماح و انه # من لم يهن بين القنا لم يكرم

و رأيت عمري لا يزيد تاخري # فيه و لا يفنيه فضل تقدمي

و لقومي الشرف المنيع محله # فوق المجرة و السماك المرزم

ورثوا الرئاسة كابرا عن كابر # من عهد عاد في الزمان و جرهم

ظفروا بها بالسيف أول مرة # و بقاؤها بالسيف أصبح فيهم

نحن البحار بل البحار مياهها # ملح و موردنا لذيذ المطعم

لما برزنا للدمستق مرة # و رأى بوادر خيلنا كالاسهم

طلب النجاة بنفسه فتحكمت # في جيشه الأسياف اي تحكم

ما كان بعض قلوبنا في جسمه # فيكون اثبت من هضاب يلملم

لو لا الجواد الأدهم الناجي به # اضحت قوائم رجله في الأدهم‏

____________

(1) أراد بهما ابني عمه سيف الدولة و أخاه ناصر الدولة -المؤلف-.

339

و لئن نجا فرجاله و حماته # ما بين مصفود و بين مكلم

لبسوا الحديد بزعمهم و بودهم # ان لم يكن ذاك الحلي عليهم

سل أهل خرشنة تجبك نساؤهم # كم ثاكل منها و كم من أيم

عهدي بها و النار في جنباتها # و كأنها صدر المشوق المغرم

كم ذات حجل ما رآها الناس قد # برزت لاعينهم بانف مرغم‏

و يقول فيها في مدح سيف الدولة :

يا ابن الذوائب من نزار و الأولى # شادوا بيوت مناقب لم تهدم

عز الأنام و أنت تعلم انه # ما ان ينال العز من لم يعزم

وازرت صارخة (1) الخيول فيا لها # من زورة طلعت بطير اشام

أحرقت أهليها بها فتركتهم # في جمرها المتلهب المتضرم

فكأنما عجلت ما قد أوعدوا # يوم القيامة من عذاب جهنم

و ملكت حصن عيون جيحان و قد # أعيا الورى في دهره المتقدم

فكأنما امتدت يمينك صاعدا # في الجو حتى حزت بعض الأنجم

حتى إذا ما آب جيشك قافلا # ضل الدليل عن الطريق الأقوم (2)

فتطرقوا بعض السواد تلصصا # و الليل يسترهم بثوب مظلم

ما قابلوك و لو رأوك تجاههم # أشبعت منهم كل نسر قشعهم

و العود احمد و الليالي بيننا # و غدا نروح معقبين إليهم

يا سيف سيف الدولة الماضي إذا # نبت السيوف و خان كل مصمم

ارم الكتائب بي فانك عالم # اني أخو الهيجاء غير مذمم

و علي ان القى الفوارس معلما # و علو جدك عدتي و عرمرمي

انا سيفك الماضي و ليس بقاطع # سيف إذا ما لم يشد بمعصم‏

و يقول فيها في أسر داود بن عمار بن داود بن حمدان :

قل لابن عمار بن داود (3) و ما # قول العليم كقول من لم يعلم

ان بت ترسف في الحديد فطالما # أمسيت توضع بالحديد إلى الكمي

و لئن أصبت لقد أصبت من العدي # عدد الحصى و عفوت عفو المنعم

قالوا الفداء و لا فداء بيننا # الا بحكم المشرفي المخذم

هيهات لا صلح و قد بقيت لنا # بيض رقيقات الظبي لم تثلم

عزما بنا ان الحسام لكافل # بنفوسهم و شبا الأصم اللهذم

صبرا أبا العباس انا معشر # صبر على صرف الزمان المجرم

339 يا سيف دين الله غير مدافع # أغضب لدين الله ربك و اعزم

فإذا سلمت فكل شي‏ء سالم # و إذا بقيت فاننا في أنعم

أعطيت من غنم الغنيمة غنمه # و جعلت مالك مال من لم يغنم‏

و قال مفتخرا من قصيدة:

وقوفك في الديار عليك عار # و قد رد الشباب المستعار

أ بعد الأربعين محرمات # تماد في الصبابة و اغترار

و طال الليل بي و لرب دهر # نعمت به لياليه قصار

و قال الغانيات سلا غلاما # فكيف به و قد شاب العذار

و كم من ليلة لم أرو منها # حننت لها و ارقني ادكار

قضاني الدين ماطله و وافى # إلي بها الفؤاد المستطار

إلى ان رق ثوب الليل عنا # و قالت قم فقد برد السوار

و ولت تسرق اللحظات نحوي # بملتفت كما التفت الصوار (4)

و قد عاديت ضوء الصبح حتى # لطرفي عن مطالعه ازورار

و مضطغن يراود في عيبا # سيلقاه إذا سكنت وبار (5)

إذا ما العز أصبح في مكان # سموت له و ان بعد المزار

مقامي حيث لا أهوى قليل # و نومي عند من اقلي غرار

أبت لي همتي و غرار سيفي # و عزمي و المطية و القفار

و نفس لا تجاورها الدنايا # و عرض لا يرف عليه عار

و قوم مثل من صحبوا كرام # و خيل مثل من حملت خيار

و خيل خف جانبها فلما # ذكرنا بينها نسي الفرار

و كم ملك نزعنا الملك عنه # و جبار بها دمه جبار

فقد أصبحن و الدنيا جميعا # لنا دار و من تحويه جار

إذا امست نزار لنا عبيدا # فان الناس كلهم نزار

و قال من قصيدة:

نعم تلك بين الواديين الخواتل # و ذلك شاء دونهن و جامل‏ (6)

فما كنت إذ بانوا بنفسك فاعلا # فدونكه ان الخليط لزائل

كان ابنة القيسي في أخواتها # خذول تراعيها الظباء الخواذل (7)

قشيرية (8) قترية (9) بدوية # لها بين أثناء الضلوع منازل

هوانا غريب شزب الخيل و القنا # لنا كتب و الباترات رسائل

أغرن على قلبي بخيل من الهوى # فطارد عنهن الغزال المغازل

بأسهم لفظ لم تركب نصالها # و أسياف لحظ ما جلتها الصياقل

وقائع قتلى الحب فيها كثيرة # و لم يشتهر سيف و لا هز ذابل

أ راميتي كل السهام مصيبة # و أنت لي الرامي فكلي مقاتل

و اني لمقدام و عندك هائب # و في الحي سحبان و عندك بأقل

يضل علي القول ان زرت دارها # و يعزب عني وجه ما انا فاعل

و حجتها العليا على كل حالة # فباطلها حق و حقي باطل

تطالبني بيض الصوارم و القنا # بما وعدت جدي في المخايل

و لا ذنب لي ان الفؤاد لصارم # و ان الحسام المشرفي لفاصل

و ان الحصان الوالقي (10) لضامر # و ان الأصم السمهري لعاسل

و لكن دهرا دافعتني خطوبه # كما دفع الدين الغريم المماطل

و أخلاف أيام إذا ما انتجعتها # حلبت بكيات و هن حوافل (11)

و لو نيلت الدنيا بفضل منحتها # فضائل تحويها و تبقى فضائل

و لكنها الأيام تجري كما جرت # فيسفل أعلاها و تعلو الأسافل‏

____________

(1) صارخة مدينة بالروم بينها و بين القسطنطينية سبعة أيام.

(2) يشير بهذا البيت و الأبيات الثلاثة بعده إلى ما حصل لجيش سيف الدولة و هو عائد من غزو الروم من ان دليله ضل الطريق فدخل في مضق صعب و اغتنمت الروم فرصة غيابه فعاثوا في بعض السواد.

(3) الذي ظهر لنا ان ابن عمار هذا اسمه داود بن عمار بن داود بن حمدان كما أوضحناه عند ذكر الروميات عند قوله:

أ و ما كشفت عن ابن داود # ثقيلات الكبول‏

(4) الصوار ككتاب و غراب القطيع من بقر الوحش.

(5) وبار بفتح الواو ارض بين اليمن و رمال يبرين و هي ارض عاد لا يسكنها أحد.

(6) الخواتل جمع خاتلة من الختل و هو الخدع (و الشاء) الشياة الكثيرة (و الجامل) القطيع من الجمال .

(7) الخذول الظبية تخلفت عن صواحبها و انفردت .

(8) قشيرية منسوبة إلى بني قشير .

(9) قترية منسوبة إلى قثيرة كجهينة أبو قبيلة.

(10) الوالقي فرس لخزاعة .

(11) الأخلاف جمع خلف بالكسر و هو حلمة الضرع (و البكيات) القليلة اللبن (و الحوافل) الملأى من اللبن .

340

لقد قل ان تلقى من الناس مجملا # و أخشى قريبا ان يقل المجامل

و لست بجهم الوجه في وجه صاحبي # و لا قائل للضيف هل أنت راحل

و لكن قراه ما تشهي و رفده # و لو سال الأعمار ما هو سائل

ينال اختيار الصفح عن كل مذنب # له عندنا ما لا تنال الوسائل

لنا عقب الأمر الذي في صدوره # تطاول أعناق العدي و الكواهل

أصاغرنا في المكرمات أكابر # و آخرنا في المأثرات أوائل

إذا صلت صولا لم أجد لي مصاولا # و ان قلت قولا لم أجد من يقاول‏

و قال من قصيدة و ليست في الديوان المطبوع:

البين بين ما يجن جناني # و البعد جدد بعدكم احزاني

و بلى الرسوم الدارسات بذي الغضا # أغرى بي الكمد الذي ابلاني

قل للديار بجانب الصمان # بلسان دمع لا بلفظ لسان

آسي بان أبكيت عيني لا بكت # عين عليك بغير دمع قاني

و لئن جزعت فلست أول جازع # لما فنيت و كل شي‏ء فان

أ و ما رأيت غداة محنية اللوى # ما بي من البرحاء و الأشجان

ألوي اللوى بجميل صبري في اللوى # و دعا حنيني أبرق الحنان

و لقد سالت الربع عن سكانه # لو كان يخبرني عن السكان

و سؤال ما لا يستطيع جوابه # لمسائل ضرب من الهذيان

ما بحت بالكتمان حتى عزني # فيض الدموع فبحت بالكتمان

فعلا م أكتم أو أسر صبابتي # و علي من عيني لي عينان

ان الغواني يوم منعرج اللوى # شردن طيب النوم عن اجفاني

بيض كأمثال الدمى فتخالها # أقمار ليل في ذرى أغصان

خالفت قول العاذلين على الهوى # و نهى غرام الحب من ينهاني

و لئن سلوت عن الاحبة نائبا # ما غرد القمري في الأفنان

فهراق فيك دمي حسام مكذب (1) # عن قرنه و شبا سنان جبان

و تنوفة قذف يحار بها القطا # جاوزتها بجلالة مذعان (2)

تطوي الفلاة بأربع مجدولة # و تنال شاو الريح بالذملان

هذا و كم من غمة كشفتها # بشبا الظبا و نوافذ الخرصان

متجردا فيها بغير مساعد # غير الجواد و مرهف و سنان

فإذا بطشت بطشت ليثا باسلا # و إذا نطقت نطقت عن تبيان

و إذا قصدت لحاجة لم يثنني # خوف الردى و تصرف الأزمان

و إذا فخرت فخرت بالشم الأولى # شادوا المكارم من بني حمدان

نحن الملوك بنو الملوك اولي العلا # و معادن السادات من عدنان

و المجد يعلم اننا أركانه # و البيت معتدل على الأركان

قومي متى تخبرهم لم يحسنوا # غير اصطناع العرف و الإحسان

كم معدم أغنوا بفضل سماحهم # كرما و فكوا من أسير عاني‏

و قال يفتخر و قد ظفر ببني نمير من أبيات:

لنا الدنيا فما شئنا حلال # لساكنها و ما شئنا حرام

و ينفذ أمرنا في كل حي # فيقصيه و يدنيه الكلام

أ لم تخبرك خيلك عن مقامي # ببالس يوم ضاق بها المقام

340 و ولت تلتقي بعضا ببعض # لهم-و الأرض واسعة-زحام

أحلكم بدار الضيم قسرا # همام لا يقاس به همام‏

و قال يفتخر من قصيدة و ليست في الديوان المطبوع:

أما و دموعي بين تلك المعالم # و شوقي إلى تلك الخدود النواعم

لقد اورثوني يوم بانوا صبابة # و ناموا و جفني بعدهم غير نائم

و انى ينام الليل من بات همه # طلاب المعالي في شدوق الاراقم

أ دار الالى شطت بهم غربة النوى # سقتك الغوادي من متون الغمائم

ابيني لنا اين الذين عهدتهم # ليالي ريب الدهر ليس بظالمي

كفى حزنا ان غالني الدهر فيهم # برغمي و ما هذا الزمان براغم

غشوم فلا ذو الفضل ينجيه فضله # لديه و لا ذو النقص منه بسالم

و اني إذا ما غالني بصروفه # صبور على روعاته غير حائم

و ان امرأ لم يجعل الطرف حصنه # و سمر القنا أعوانه غير حازم

و من لم يشاهد كر قومي في الوغى # فها فليشاهد كرهم في المكارم

متى ترمني الأيام منها بنكبة # تمزق فتسفر عن هزبر ضبارم

و يوم تخال الرعد في جنباته # لشدة أصوات القنا و الهماهم

شفيت بعزم صادق غير كاذب # و رمح رديني و ابيض صارم

و فتيان صدق كالنجوم طوالع # على شزب جرد كرام سواهم

و من شاء فليفخر يجد فخر فاخر # و من شاء فلينطق يجد نطق عالم‏

و قال يفتخر:

ما كنت بالربع قبل اليوم وقافا # و لا لدار عفتها الريح وصافا

حتى تولى الخليط المستقل بمن # كانوا و كنا أخلاء و ألافا

فمن يجير معنى القلب مكتئبا # سلت عليه عيون العين أسيافا

ما ذا على من جفا من غير ما سبب # لو أن طيف خيال منه بي طافا

يا أيها الركب حثوا الناجيات بنا # طال التعلل إغذاذا و ايجافا

ليس الكريم الذي يرضى بعيشته # و يستكين لريب الدهر ان وافى

اني امرؤ ببني حمدان مفتخري # خير البرية أجدادا و اسلافا

ان حالفتنا المعالي فهي قد علمت # كانت لآبائنا من قبل احلافا

من كل مشتهر بالصبر مدرع # ما هاب قط و لا ولى و لا خافا

مستقبلا لوجوه القوم يطعنهم # حتى يبيحوه أصلابا و أكتافا

كان آدم وصى قبل ميتته # بان تكون عليه الناس اضيافا

و قال يفتخر و قد قتل زيد بن منيع سيد بني جعفر و رماه النساء بأنفسهن فأطلق لهن الأموال و الأسرى:

إباء إباء البكر غير مذلل # و عزم كحد السيف غير مفلل

أ أغضي على الأمر الذي لا أريده # و لما يقم بالعذر رمحي و مفصلي

ابى اله و المهر المنيعي (3) و القنا # و ابيض وقاع على كل مفصل

و فتيان صدق من غطاريف وائل # إذا قيل ركب الموت قالوا له انزل

يسومهم بالخير و الشر ماجد # جرور لاذيال الخميس المذيل

له بطش قاس تحته قلب راحم # و منع بخيل تحته بذل مفضل

و عزمة خراج من الضيم فاتك # و في أبي يأخذ الأمر من عل

عزوف انوف ليس يرغم انفه # جري متى يعزم على الأمر يفعل

شديد على طي المنازل صبره # إذا هو لم يظفر أكرم منزل

و كل محلاة السراة بضيغم # و كل معلاة الرحال باجدل‏

____________

(1) مكذب محجم .

(2) التنوفة الفلاة و قذف بضمتين أو فتحتين بعيدة (و الجلالة) بضم الجيم الناقة العظيمة (و مذعان) منقادة سلسلة.

(3) منيع كزبير أبو قبيلة و كان النسبة اليه.

341

تواصت بمر الصبر دون حريمها # فلما رأتنا أجفلت كل مجفل

فبين قتيل بالدماء مضرج # و بين أسير في الحديد مكبل‏

و مضى باقيها عند ذكر شخصيته و قال:

لمن الجدود الأكرمون # من الورى الألية

من ذا يعد كما أعد # من الجدود العالية

من ذا يقوم لقومه # بين الصفوف مقاميه

احمي حريمي ان يباح # و لست احمي ماليه

ناري على شرف تأجج # للضيوف السارية

يا نار ان لم تجلبي # ضيفا فلست بناريه

و العز مضروب السرادق # و القباب لجاريه

يجني و لا يجني عليه # و يتقي الجلى بيه‏

المديح‏

قال في أهل البيت ع و ليست في الديوان المطبوع: 341

شافعي احمد النبي و مولاي # علي و البنت و السبطان

و علي و باقر العلم و الصادق # ثم الأمين ذو التبيان

و علي و الخيران علي # أبوه و العسكري الداني

و الامام المهدي في يوم لا ينفع # الا غفران دي ذي الغفران‏

و كان محمد بن سكرة الهاشمي العباسي -من شعراء اليتيمة -عمل قصيدة يفاخر بها الطالبيين و ينتقص بها ولد علي ع و يتحامل فيها أولها.

بني علي دعوا مقالتكم # لا ينقص الدر وضع من وضعه‏

فلما وقف عليها أبو فراس لم يجبه تنزها عن مناقضته و لسفاهة شعره فقال هذه القصيدة في أهل البيت ع و سماها الشافية .

الدين مخترم و الحق مهتضم # و في‏ء آل رسول الله مقتسم

و الناس عندك لا ناس فيحفظهم # سوء الرعاء و لا شاء و لا نعم (1)

اني أبيت قليل النوم ارقني # قلب تصارع فيه الهم و الهمم

و عزمة لا ينام الدهر صاحبها # الا على ظفر في طيه كرم

يصان مهري لأمر لا ابوح به # و الدرع و الرمح و الصمصامة الخذم

و كل مائرة الضبعين مسرحها # رمث الجزيرة و الخضراف و العذم (2)

و فتية قلبهم قلب إذا ركبوا (3) # يوما و رأيهم رأي إذا عزموا

يا للرجال اما لله منتصر # من الطغاة و لا لله منتقم

بنو علي رعايا في ديارهم # و الأمر تملكه النسوان و الخدم (4)

محلئون فأصفى وردهم و شل # عند الورود و أوفى وردهم لمم (5)

فالأرض الا على ملاكها سعة # و المال الا على أربابه ديم

و ما السعيد بها الا الذي ظلموا # و ما الغني بها الا الذي حرموا (6)

للمتقين من الدنيا عواقبها # و ان تعجل منها الظالم الآثم (7)

لا يطغين بني العباس ملكهم # بنو علي مواليهم و ان رغموا

أ تفخرون عليهم لا أبا لكم # حتى كان رسول الله جدكم

و ما توازن يوما بينكم شرف # و لا تساوت بكم في موطن قدم

و لا لجدكم مسعاة جدهم # و لا نثيلتكم من أمهم أمم (8)

ليس الرشيد كموسى في القياس و لا # مامونكم كالرضا ان أنصف الحكم

قام النبي بهالهم # و الله يشهد و الأملاك و الأمم

حتى إذا أصبحت في غير صاحبها # باتت تنازعها الذؤبان و الرخم

و صيرت بينهم شورى كأنهم # لا يعلمون ولاة الحق اين هم

تالله ما جهل الأقوام موضعها # لكنهم ستروا وجه الذي علموا

ثم ادعاها بنو العباس ملكهم # و ما لهم قدم فيها و لا قدم

لا يذكرون إذا ما معشر ذكروا # و لا يحكم في امر لهم حكم

و لا رآهم أبو بكر و صاحبه # أهلا لما طلبوا منها و ما زعموا

فهل هم مدعوها غير واجبة # أم هل أئمتهم في أخذها ظلموا

اما علي فقد أدنى قرابتكم # عند الولاية إن لم تكفر النعم

أ ينكر الحبر عبد الله نعمته # أبوكم أم عبيد الله أم قثم (9)

بئس الجزاء جزيتم في بني حسن # أباهم العلم الهادي و أمهم

لا بيعة ردعتكم عن دمائهم # و لا يمين و لا قربى و لا ذمم (10)

ألا صفحتم عن الأسر بلا سبب # للصافحين‏عن أسيركم‏ (11)

____________

(1) أي ليسوا بناس كاملين فيحفظهم أي يغضبهم و يثير حفيظتهم و حميتهم سوء الرعاء لهم من الحكام و الأمراء و لا هم شاء و لا نعم لأنهم من بني آدم و الغرض ذم الحكام الرعاة و تحريك حمية الرعية و القاضي ابن أبي جرادة حرف البيت و أبدل سوء بسوم فتكلف في شرحه و الصواب ما ذكرناه.

(2) الضبع كفرخ العضد و ماثرة مائرة الضبعين أي سمينة و مار بمعنى تحرك ذاهبا و جائيا فضبعاها يموران لسمنهما (و الرمث و الخضراف) بالكسر فيهما (و العذم) نباتات ترعاها الإبل .

(3) أي قلبهم كامل و رأيهم كامل و ذلك لأنهم قد ينفون الشي‏ء و يريدون نفي الكمال كما يقال هذا ليس برجل أي ليس كاملا في الرجولة فإذا حملوا الشي‏ء على نفسه أرادوا إثبات الكمال له.

(4) كانت أم المقتدر لها كاتب و لها قهرمانة بمنزلة الوزير قال عريب القرطبي في صلة تاريخ الطبري : في A0G سنة 295 قلد المقتدر أحمد بن العباس كتابة السيدة أمه ثم قال و لو لا التحكم عليه لكان الناس معه في عيش رغد لكن أمه و غيرها من حاشيته كانوا يفسدون كثيرا من امره قال و في A0G سنة 306 أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بمثل أن تجلس بالرصافة للمظالم يوما في كل جمعة اه. و غير أم المقتدر كان لها شبه ذلك.

(5) محلئون مطرودون و الوشل الماء القليل و اللمم مصدر لم به لمما أي أتاه في أوقات قليلة. و اعترض عليه ابن أبي جرادة بأنه جعل إزاء الصفو الوشل مع أن مقابله الكدر لأن الوشل الماء القليل . و يمكن الجواب بان الماء القليل تغلب عليه الكدورة لأنه يتكدر بأقل شي‏ء و اعترض أيضا باستعمال لمم مصدر لم و هي شاذة و قد أنكرها الاصمعي و لم يجزها لئلا يشتبه بمعنى الجنون و الوسوسة و صغائر الذنوب و اللغة الفصيحة المستعملة الم به يلم إلماما .

(6) أراد بالذي الفريق فصح التعبير عنه بالذي باعتبار اللفظ و اعادة ضمير الجمع عليه باعتبار المعنى.

(7) قال ابن أبي جرادة ما كان ماضيه على فعل بكسر العين إذا كان من اكتساب الأعمال فاسم فاعله على فعيل أو فاعل كرحم و علم و اثم و سلم و قد جاءت منه أحرف نادرة يسيرة على فعل و هي حذر و بطر و أشر فلا يقاس عليها و الذي جاء من اثم اثيم و آثم بالمد و قد جاء في القرآن الكريم .

(8) أمم أي قريبة (و نثيلة ) أم العباس و ضرار ابني عبد المطلب بن هاشم و هي نثيلة ابنة كليب بن مالك بن جناب بن النمر بن قاسط . و أم عبد الله أبي النبي (ص) فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومية شريفة في قومها.

(9) لما ولي علي ع الخلافة ولي عبد الله بن العباس البصرة و أخاه عبيد الله اليمن و اخاهما قثما المدينة أو مكة أو هما.

(10) كان المنصور و جماعة من بني هاشم قد بايعوا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في آخر دولة بني امية فلما أفضى الأمر إلى المنصور طلب محمدا فاختفى فحبس أباه عبد الله بالمدينة و أهل بيته ثم حملهم إلى العراق فحبسهم بالهاشمية و لما خرج عليه محمد و إبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن هدم عليهم الحبس فماتوا.

(11) المراد بالأسرى بلا سبب أي بلا ذنب عبد الله بن الحسن و أهل بيته و باسيرهم العباس بن عبد المطلب و لما جي‏ء بعبد الله و أهل بيته إلى الربذة مغلولين مكبلين عليهم المسوح و خرج المنصور ناداه عبد الله يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا باسراكم‏فاخساه المنصور و لم يعرج عليه.

342

ألا كففتم عن الديباج ألسنكم # و عن بنات رسول الله شتمكم (1)

ما نزهت لرسول الله مهجته # عن السياط السباب فالانزه الحرم (2)

ما نال منهم بنو حرب و ان عظمت # تلك الجرائم الا دون نيلكم

كم غدرة لكم في الدين واضحة # و كم دم لرسول الله عندكم

أ أنتم آله فيما ترون و في # أظفاركم من بنيه الطاهرين دم

هيهات لا قربت قربى و لا رحم # يوما إذا اقصت الأخلاق و الشيم

كانت مودة سلمان له رحما # و لم يكن بين نوح و ابنه رحم

يا جاهدا في مساويهم يكتمها # غدر الرشيد بيحيى كيف ينكتم (3)

ذاق الزبيري غب الحنث و انكشفت # عن ابن فاطمة الأقوال و التهم (4)

باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته # و أبصروا بعض يوم رشدهم فعموا

(5)

يا عصبة شقيت من بعد ما سعدت # و معشرا اهلكوا من بعد ما سلموا

لبئسما لقيت منهم و ان بليت # بجانب الطف تلك الأعظم الرمم (6)

لا عن أبي مسلم في نصحه صفحوا # و لا الهبيري نجى الحلف و القسم (7)

و لا الأمان لأهل الموصل اعتمدوا # فيه الوفاء و لا عن عمهم حلموا (8)

أبلغ لديك بني العباس مالكة # لا يدعوا ملكها ملاكها العجم

(9) 342 اي المفاخر اضحت في منابركم # و غيركم آمر فيهن محتكم

و هل يزيدكم من مفخر علم # و بالخلاف عليكم يخفق العلم

خلوا الفخار لعلامين إن سئلوا # يوم السؤال و عمالين إذ علموا

لا يغضبون لغير الله إن غضبوا # و لا يضيعون حكم الله إن حكموا

تبدو التلاوة من أبياتهم ابدا # و من بيوتهم الأوتار و النغم

يا باعة الخمر خلوا عن مفاخرة # لمعشر بيعهم يوم الفخار دم

منكم علية أم منهم و كان لكم # شيخ المغنين إبراهيم أم لهم (10) .

أم من تشاد له الألحان سائرة # عليهم ذو المعالي أم عليكم (11)

إذا تلوا سورة غنى خطيبكم # قف بالديار التي لم يعفها القدم (12)

ما في منازلهم للخمر معتصر # و لا بيوتهم للشر معتصم

و لا تبيت لهم خنثى تنادمهم # و لا يرى لهم قرد له حشم (13)

الركن و البيت و الأستار منزلهم # و زمزم و الصفا و الحجر و الحرم

صلى الإله عليهم كلما سجعت # ورق فهم للورى ذخر و معتصم‏

و قال يمدح ابني سيف الدولة و هو خالهما و يذكر اخاهما الآخر و ليست في الديوان المطبوع:

ابنان أم شبلان ذان فانني # لأرى دماء الدارعين حلاهما

____________

(1) الظاهر أن المراد بالديباج محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان و هو أخو بني حسن لامهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب فإنه كان يلقب بالديباج لحسنه اخذه المنصور مع بني حسن و كانت ابنته رقية تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن فلما ادخل على المنصور قال أيها يا ديوث مم حملت ابنتك و قد اعطيتني الايمان أن لا تغشني فأنت بين أن تكون خائنا أو ديوثا و ايم الله اني لاهم برجمها فقال له محمد اما ما رميت به الجارية فان الله قد أكرمها و طهرها بولادة رسول الله (ص) و لكنني ظننت حين ظهر حملها أن زوجها الم بها على حين غفلة فاحفظه كلامه فأمر بشق ثيابه فشق قميصه عن إزاره فاشف فاكشف عن عورته ثم امر به فضرب مائتين و خمسين سوطا و المنصور يفتري عليه لا يكني فأصاب سوط منها وجهه فقال ويحك اكفف عن وجهي فان له حرمة برسول الله فقال للجلاد الرأس الرأس فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا و أصاب سوط منها احدى عينيه فسالت قال ابن الأثير و احضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن و كان أحسن الناس صورة فقال له أنت الديباج الأصفر قال نعم قال لأقتلنك قتلة لم اقتلها أحدا ثم امر فبني عليه اسطوانة و هو حي فمات فيها.

اه. و لكن الظاهر أن المراد بالديباج في البيت هو العثماني لأنه هو الذي لم يكف المنصور لسانه عنه.

(2) يشير بذلك إلى ضرب محمد بن عبد الله العثماني بالسياط مع اتصال نسبه برسول الله (ص) من قبل أمه فاطمة بنت الحسين ع و إلى الافتراء على ابنته رقية زوجة إبراهيم و إلى الافتراء عليه من المنصور و لا يكنى و قول المنصور له يا ابن اللخناء فقال له محمد باي امهاتي تعيرني أ بفاطمة بنت الحسين أم بفاطمة الزهراء أم برقية .

(3) هو يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن خرج ببلاد الديلم A0G سنة 176 فامنه الرشيد ثم غدر به احضر نسخة الامان و قال لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ما تقول فيه قال صحيح فحاجه فيه الرشيد فقال له محمد ما تصنع بالأمان لو كان محاربا ثم أعطيته الأمان هل كان آمنا ثم سال أبا البختري فقال هذا منتقض قال الرشيد : فمزقه، فمزقه أبو البختري و حبس الرشيد يحيى فبقي محبوسا شهرا و مات.

(4) الزبيري هو عبد الله بن مصعب بن عبد الله بن الزبير ادعى عند الرشيد أن يحيى بن عبد الله بن حسن دعاه إلى بيعته فباهله يحيى بعد ما صلى كل منهما ركعتين و شبك يحيى يمينه في يمين الزبيري و قال اللهم إن كنت تعلم أني دعوت عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا فاسحتني بعذاب من عندك و كلني إلى حولي و قوتي و الا فكله إلى حوله و قوته و أسحته بعذاب من عندك و تفرقا فما وصل الزبيري إلى داره حتى جعل يصيح بطني بطني و مات.

(5) كان المأمون بايع A4G للرضا ع بولاية العهد ثم ندم لما انتقضت عليه البلاد فسمه في عنب فتوفي A4G بطوس A4G سنة 202 .

(6) يشير إلى ما فعله جعفر المتوكل بقبر الحسين ع فإنه امر مناديه فنادى عند قبره من وجد به بعد ثلاث برئت منه الذمة و امر بهدم قبته و خراب الدور التي حوله و حرث الأرض و اجرى إليها الماء و ذلك A0G سنة 236 .

(7) المراد بأبي مسلم أبو مسلم الخراساني مؤسس دولة بني العباس قتله المنصور بعد مسيره إلى لقاء عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس لما دعا إلى نفسه بعد موت السفاح و بايعه أهل الشام فندب اليه المنصور أبا مسلم فخذله الجند لما رأوا أبا مسلم و فر عبد الله و احتوى أبو مسلم على ما في عسكره فأرسل المنصور من يحصي ذلك فقال A5G أبو مسلم أمين على الدماء خائن في الأموال و سار قاصدا خراسان فاحتال عليه المنصور حتى رده و قتله A5G سنة 139 و الهبيري هو يزيد بن عمر بن هبيرة كان الوالي على العراقين و خراسان و غيرها من قبل بني امية حاربه بنو العباس في خلافة السفاح ثم امنوه فخرج إلى المنصور بعد استيثاقه بالايمان و شروط الصلح و مشاورة العلماء و الفقهاء فيها أربعين يوما و أجازها السفاح و أمضاها ثم غدروا به و قتلوه و قتلوا قواده و الأكابر من أولاده و عشائره و ذلك A0G سنة 132 .

(8) قال ابن الأثير في حوادث A0G سنة 132 فيها استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل بدل محمد بن صول لأن أهل الموصل امتنعوا من طاعته و أخرجوه فسار يحيى إليها في اثني عشر ألفا فقتل منهم اثني عشر رجلا فنفروا منه و حملوا السلاح فامنهم و نادى من دخل الجامع فهو آمن و اقام الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلا ذريعا قيل انه قتل فيه أحد عشر ألفا ممن له خاتم و ممن ليس له خاتم خلقا كثيرا فسمع في الليل صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن فأمر بقتل النساء و الصبيان ثلاثة أيام و كان معه قائد معه اربعة الاف زنجي فأخذوا النساء قهرا اه. (و المراد) بعمهم عبد الله بن علي فإنه لما فر من أبي مسلم قدم على اخوته بالبصرة و اختفى عند سليمان بن علي فكتب المنصور أتى سليمان بإحضاره فحضر مع إخوته و كان وعدهم بالصفح عنه فخادعهم و حبسه و أغفله مدة و قتله هدم عليه البيت.

(9) أراد بهم ملوك ال بويه في العراق و فارس و السامانية بخراسان و ما وراء النهر و الاخشيدية بمصر و الشام .

(10) قال ابن أبي جرادة : (إبراهيم) هو إبراهيم بن المهدي بن المنصور كان مغنيا مجيدا و عوادا بارعا و علية أخته و كانت عوادة محسنة اه‏

(11) علي آل أبي طالب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) و علي بني العباس هو المكتفي بالله علي بن المعتضد بالله احمد و لم يذكر ابن أبي جرادة هذا البيت.

(12) هذا شطر بيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة أولها:

قف بالديار التي لم يعفها القدم # بلى و غيرها الأرواح و الديم‏

(13) قال ابن أبي جرادة روى محمد بن عمر الشيباني : حدثني أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري قال كنا ليلة في مجلس المتوكل و هو يشرب و قد دخلت سندانة الضراطة و قد لبست لحيتها التي كانت تلبسها و تعممت عليها فقال المتوكل للفتح من هذا قال يا سيدي هذه سندانة قال من تشبه قال لا أدري قال تشبه ابن أبي حفصة تحمل اليه عشرة الاف دينار الساعة اه. و اما القرد الذي له حشم فقد رأيت في بعض المواضع و غاب عني الآن انه كان لبعض نسائهم و كانت تلبسه الديباج و قيل الخنثى عبادة نديم المتوكل و القرد كان لزبيدة حتى طالبت الناس بالسلام عليه إلى أن قتله يزيد بن مزيد الشيباني كذا في حاشية بعض نسخ الديوان.

343

تنبي الفراسة إن في ثوبيهما # ليثين تجتنب الليوث حماهما

لم لا يفوقان الكرام مكارما # و السيدان كلاهما جداهما

تلقى أبا الهيجاء في هيجاهما # و يزيد فضل أبي العلاء علاهما (1)

زدناهما شرفا رفيعا سمكه # ثبت الدعائم إذ تخولناهما

ميزت بينهما فلم يتفاضلا # كالفرقدين تشاكلت حالاهما

اني و إن كان التعصب شيمتي # لا أدفع الشرف الرفيع اخاهما

انى يقصر عن مكان في العلا # و المجد من اضحى أبوه أباهما

لكن لذين بنا مكانا باذخا # لا يدعيه من الأنام سواهما

طابا و طاب أخو الكرام أخوهما # و الوالدان و طاب من رباهما

و قال مادحا:

لله درك من قرم أخي كرم # لا ينطق المال الا في تشكيه

فالخيل يمسحها و البيض يثلمها # و السمر يحطمها و القرن يرديه‏

و قال من قصيدة يظهر انها في مدح ابن عم له و لعله سيف الدولة و ليست في الديوان المطبوع:

قدك يا أيها الملح اللجوج # ليس من حكمها علي خروج

عللينا بطيب ريقك يا من # بجني النحل ريقها ممزوج

لم يزدك الخلخال حسنا و لكن # بك زين الخلخال و الدملوج

عج بوادي الأراك نبك رسوما # دارسات و ناد بالركب عوجوا

يا بني العم قد اتانا ابن عم # في طلاب العلا صعود لجوج

حازم عازم حروب سروب # طاعن ضارب خروج ولوج

و خيول و غلمة و دروع # و سيوف و ضمر و وشيج

لك بحر من الندى كل بحر # من مجاري الندى لديه خليج

فكفاك المحذور جمعا و وقاك # الذي بيته يؤم الحجيج‏

و كتب إلى سيف الدولة :

قد ضج جيشك من طول القتال به # و قد شكتك إلينا الخيل و الإبل

و قد درى الروم مذ حاورت أرضهم # إن ليس يعصمهم سهل و لا جبل

في كل يوم تزور الثغر لا ضجر # يثنيك عنه و لا شغل و لا ملل

فالنفس جاهدة و العين ساهدة # و الجيش منهمك و المال مبتذل

توهمتك كلاب غير قاصدها # و قد تكنفك الأعداء و الشغل

حتى رأوك امام الجيش تقدمه # و قد طلعت عليهم دون ما أملوا

فاستقبلوك بفرسان أسنتها # سود البراقع و الأكوار و الكلل

فكنت أكرم مسئول و أفضله # إذا وهبت فلا من و لا بخل‏

و قال يفتخر و يمدح سيف الدولة عقيب بعض الوقائع و قد أسر فيها أخواه:

ضلال ما رأيت من الضلال # معاتبة الكريم على النوال

و إن مسامعي عن كل عذل # لفي شغل بحمد أو سؤال

و لا و الله ما بخلت يميني # و لا أصبحت أشقاكم بمالي

و لا امسي احكم فيه بعدي # قليل الحمد مذموم الفعال

343 و لكني سافنيه و اقني # ذخائر من ثواب أو جمال

و للوارث إرث أبي و جدي # جياد الخيل و الأسل الطوال

و ما تجني سراة بني أبينا # سوى ثمرات أطراف العوالي

اوينا بين أطناب الاعادي # إلى بلد من النصار خالي

تمد بيوتنا في كل فج # به بين الأراقم و الصلال

نعاف قطونه و نمل منه # و يمنعنا الإباء من الزيال

مخافة أن يقال بكل ارض # بنو حمدان كفوا عن قتال

و من عرف الخطوب و مارسته # أطاب النفس بالحرب السجال

فان يك اخوتي وردوا شباها # بأكرم موقف و أجل حال

فمن ورد المهالك لم ترعه # رزايا الدهر في أهل و مال

و ذا الورد المكدر جانباه # بما أوردت من عذب زلال

أ سيف الدولة المأمول اني # عن الدنيا إذا ما عشت سالي

إذا قضي الحمام علي يوما # ففي نصر الهدى بيد الضلال

إذا ما لم تخنك يد و قلب # فليس عليك خائنة الليالي

و أنت أشد هذا الناس بأسا # و أصبرهم على نوب القتال

و اهجمهم على جيش كثيف # و أغورهم على حي حلال

و أنت اريتني خوض المنايا # و صبري تحت هبوات النزال

فصبري في قتالك لا قتالي # و فعلي في فعالك لا فعالي

و في أرضاك إغضاب العوالي # و إكراه المناصل و النصال

ضربت فلم أدع للسيف حدا # و جلت بحيث ضاق عن المجال

و قلت-و قد أظل الموت-صبرا # و إن الموت عند سواك غالي

ألا هل منكر ببني نزار # مقامي يوم ذلك أو مقالي

أ لم اثبت لها و الخيل فوضى # بحيث تخف أحلام الرجال

تركت ذوابل المران فيها # مخضبة محطمة الأعالي

وعدت أجر رمحي عن مقام # تحدث عنه ربات الحجال

فقائلة تقول أبا فراس # لقد حاميت عن حرم المعالي

و قائلة تقول جزيت خيرا # أعيذ علاك من عين الكمال

و مهري لا يمس الأرض زهوا # كان ترابها قطب النبال

كان الخيل تعرف من عليها # ففي بعض على بعض تعالي

علينا أن نغاور كل يوم # رخيص الموت بالمهج الغوالي

فان عشنا ذخرناها لأخرى # و إن متنا فموتات الرجال‏

الرثاء

قال يرثي الحسين و يمدح أمير المؤمنين عليا ع من قصيدة كما في نسختين مخطوطتين من رواية ابن خالويه و أورد ابن شهرآشوب في المناقب أبياتا منها و خلا عنها الديوان المطبوع:

يوم بسفح الدير لا أنساه # أرعى له دهري الذي أولاه

يوم عمرت العمر فيه بفتية # من نورهم أخذ الزمان بهاه

فكان غرتهم ضياء نهاره # و كان أوجههم نجوم دجاه

و مهفهف للغصن حسن قوامه # و الظبي منه إذا رنا عيناه

نازعته كأسا كان ضياءها # لما تبدت في الظلام ضياه

و البدر منتصف الضياء كأنه # متبسم بالكف يستر فاه

ظبي لو أن الفكر مر بخده # من دون لحظة ناظر أدماه‏

____________

(1) أبو الهيجاء هو عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة و هو جدهما من قبل الأب و أبو العلاء هو سعيد بن حمدان والد أبي فراس و هو جدهما من قبل الأم.

344

و يقول في الرثاء:

و احتز رأسا طالما من حجره # ادته كفا جده و يداه

يوم بعين الله كان و انما # يملي لظلم الظالمين الله

يوم عليه تغيرت شمس الضحى # و بكت دما مما رأته سماه

لا عذر فيه لمهجة لم تنفطر # أو ذي بكاء لم تفض عيناه

تبا لقوم تابعوا أهواءهم # فيما يسوءهم غدا عقباه

أ تراهم لم يسمعوا ما خصه # منه النبي من المقال أباه

إذ قال‏معلنا # من كنت مولاه فذا مولاه

لو لم تنزل فيه الأهل اتى # من دون كل منزل لكفاه

من كان أول من حوى القرآن من # لفظ النبي و نطقه و تلاه

من كان صاحب‏من رمى # بالكف منه بابه و دحاه

من عاضد المختار من دون الورى # من آزر المختار من آخاه

من خصه جبريل من رب العلا # بتحية من ربه و حباه

أ ظننتم أن تقتلوا أولاده # و يظلكم يوم المعاد لواه

أو تشربوا من حوضه بيمينه # كأسا و قد شرب الحسين دماه

أ نسيتم‏و انه # ممن حواه مع النبي كساه

يا رب اني مهتد بهداهم # لا اهتدي يوم الهدى بسواه

أهوى الذي يهوى النبي و آله # ابدا و أشنأ كل من يشناه‏

و قال يرثي أمه و قد توفيت و هو في الأسر و لا توجد في الديوان المطبوع و وجدت في نسختين في برلين و اخرى في اكسفورد و أخذت عن المستشرق دفوراك و لكننا وجدناها في نسختين عندنا مخطوطتين و فيهما زيادة عن نسخ برلين و اكسفورد الأبيات الثلاثة الأولى:

أيا أم الأسير سقاك غيث # بكره منك ما لقي الأسير

أيا أم الأسير سقاك غيث # إلى من بالفدا ياتي البشير

أيا أم الأسير سقاك غيث # تحير لا يقيم و لا يسير

أيا أم الأسير لمن تربى # و قدمت الذوائب و الشعور

إذا ابنك سار في بر و بحر # فمن يدعو له أو يستجير

حرام أن يبيت قرير عين # و لؤم أن يلم به السرور

و قد ذقت الرزايا و المنايا # و لا ولد لديك و لا عشير

و غاب حبيب قلبك عن مكان # ملائكة السماء له حضور

ليبكك كل ليل قمت فيه # إلى أن يبتدي الفجر المنير

ليبكك كل مضطهد مخوف # اجرتيه و قد قل المجير

ليبكك كل يوم صمت فيه # مصابرة و قد حمي الهجير

ليبكك كل مسكين فقير # أغثتيه و ما في العظم رير (1)

أيا أماه كم هول طويل # مضى بك لم يكن منه نصير

أيا أماه كم سر مصون # بقلبك مات ليس له ظهور

أيا أماه كم بشرى بقربي # أتتك و دونها الأجل القصير

إلى من اشتكي و لمن اناجي # إذا ضاقت بما فيها الصدور

باي دعاء داعية اوقى # باي ضياء وجه استنير

بمن يستدفع القدر الموخى # بمن يستفتح الأمر العسير

344 يسلي عنك انا عن قليل # إلى ما صرت في الأخرى نصير

و قال يرثي أبا المرجى جابر بن ناصر الدولة :

الفكر فيك مقصر الآمال # و الحرص بعدك غاية الجهال

لو كان يخلد بالفضائل فاضل # وصلت لك الآجال بالآجال

أو كنت تفدى لافتدتك سراتنا # بنفائس الأرواح و الأموال

اعزز على سادات قومك أن ترى # فوق الفراش مقلب الأوصال

و السمر عندك لم تدك صدورها # و الخيل واقفة على الأطوال (2)

و السابغات مصونة لم تبتذل # و البيض سالمة مع الابطال

و إذا المنية أقبلت لم يثنها # حرص الحريص و حيلة المحتال

ما للخطوب و ما لأحداث النوى # اعجلن جابر غاية الإعجال

و فجعن بالدر الثمين المنتقى # و فتكن بالعلق النفيس الغالي

لما تسربل بالفضائل و ارتدى # برد العلا و اعتم بالإقبال

و تشاهدت صيد الملوك بفضله # واري المكارم من مكان عالي

أ أبا المرجى غير حزني دارس # ابدا عليك و غير قلبي سالي

و لئن هلكت فما الوفاء بهالك # و لئن بليت فما الوداد ببالي

لا زلت مغدوق الثرى مطروقه # بسحابة مجرورة الأذيال

و حجبن عنك السيئات و لم يزل # لك صاحب من صالح الأعمال‏

و قال يرثي A6G أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان و قد توفي A6G سنة 338 و ليست في الديوان المطبوع:

اي اصطبار ليس بالزائل # و اي دمع ليس بالهامل

انا فجعنا بفتى وائل # لما فجعنا بأبي وائل

المشتري الحمد بأمواله # و البائع النائل بالنائل

ما ذا أرادت سطوات الردى # في الأسد ابن الأسد الباسل

كأنما دمعي من بعده # صوب عطايا كفه الهاطل

ما انا أبكيه و لكنما # تبكيه أطراف القنا الذابل

دان إلى سبل العلى و الندى # ناء عن الفحشاء و الباطل

ارى المعالي إذ قضى نحبه # تبكي بكاء الواله الثاكل

الأسد الباسل و العارض الهاطل # عند الزمن الماحل

سقى ثرى ضم أبا وائل # صوب سحاب و أكف هامل

لا در در الدهر ما باله # حملني ما لست بالحامل

كان ابن عمي إن عرى حادث # كالليث أو كالصارم الفاصل

عمري لقد وكلني فقده # بالحزن في العاجل و الآجل‏

و كتب إلى سيف الدولة من الأسر يعزيه بأخته من أبيات:

هي الرزية إن ضنت بما ملكت # فيها الجفون فما تسخو على أحد

ابكي بدمع له من حسرتي مدد # و استريح إلى صبر بلا مدد

هذا الأسير المبقي لا فداء له # يفديك بالنفس و الأهلين و الولد

و كتب إلى سيف الدولة من الأسر يعزيه بابنه أبي المكارم من أبيات:

هل تبلغ القمر المدفون رائعة # من المقال عليها للأسى حلل

ما بعد فقدك في أهل و لا ولد # و لا حياة من الدنيا لنا أمل

يا من أتته المنايا غير حافلة # اين العبيد و اين الخيل و الخول

اين الليوث التي حوليك رابضة # اين الصنائع اين الأهل ما فعلوا

____________

(1) الرير مخ العظام الذي ذاب و فسد و صار ماء اسود رقيقا من الهزال .

(2) الأطوال جمع طول كقول و هو حبل تشد به الدابة . -المؤلف-

345

اين السيوف التي قد كنت أقطعها # اين السوابق اين البيض و الأسل

يا ويح خالك بل يا ويح كل فتى # مع كل هذا تخطى نحوك الأجل‏

الروميات‏

قد عرفت أن أبا فراس أسر مرتين و لبث في الأسر الثاني اربع سنين و قد نظم في الأسر عدة قصائد هي من غرر شعره. و لا ريب أن الأسر اثر في نفس أبي فراس رقة زيادة على ما فيها. و أسر و هو جريح بسهم بقي نصله في فخذه فاجتمع عليه مع الأسر و الجراح طول المدة و تأخير سيف الدولة مفاداته و فرط الحنين إلى اهله و إخوانه فلا جرم أن تصدر قصائده و هو أسير عن قلب شجي و نفس رقيقة متالمة فتزداد رقة و لطافة و سلاسة و تؤثر في النفوس تأثيرا محزنا يكاد يبكي سامعها و تعلق بالحفظ لسلاستها و ربما هاجت به عاطفة الحماسة في هذه الحال فيخرج بشعره إلى التحمس الفائق فان ما هو فيه لم يكن لينسيه سوابقه في الامارة و الحروب و لم يكن ليفقده كبر النفس و علو الهمة و الصفات الغريزية التي فيه من هذا القبيل لذلك كانت رومياته مطبوعة بطابع يميزها عن باقي شعره. في اليتيمة قد أطلت عنان الاختيار من محاسن شعر أبي فراس (و ما محاسن شي‏ء كله حسن) و ذلك لتناسبها و عذوبة مشاعرها و لا سيما الروميات التي رمى بها هدف الإحسان و أصاب شاكلة الصواب و لعمري انها كما قرأته لبعض البلغاء لو سمعتها الوحش لانست أو خوطبت بها الخرس لنطقت أو استدعي بها الطير لنزلت اه. و نحن نورد هنا رومياته كلها عدا ما مر منها في تضاعيف ما تقدم.

مراسلته سيف الدولة من الأسر

و قال أول ما أسر يسال سيف الدولة المفاداة:

دعوتك للجفن القريح المسهد # لدي و للنوم القليل المشرد

و ما ذاك بخلا بالحياة و انها # لأول مبذول لأول مجتدي

و ما الأمر مما ضقت ذرعا بحمله # و ما الخطب الا أن أقول له ازدد

و ما زال عني ان شخصا معرضا # لنيل الردى إن لم يصب فكان قد

و لكنني اختار موت بني أبي # على سروات الخيل غير موسد

نضوت على الأيام ثوب جلادتي # و لكنني لم انض ثوب التجلد

و ما انا الا بين امر و ضده # يجدد لي في كل يوم مجدد

فمن حسن صبر بالسلامة واعد # و من ريب دهر بالردي متوعد

اقلب طرفي بين خل مكبل # و بين صفي بالحديد مصفد

دعوتك و الأبواب ترتج دوننا # فكن خير مدعو لأكرم مجتدي

و مثلك من يدعى لكل عظيمة # و مثلي من يفدي بكل مسود

345 أناديك لا اني أخاف من الردى # و لا ارتجي تأخير يوم إلى غد

و قد حطم الخطي و اخترم العدي # و فلل حد المشرفي المهند

و آنفت موت الذل في دار غربة # بايدي النصارى الغلف ميتة اكمد

فلا تقعدن عني و قد سيم فديتي # فلست عن الفعل الكريم بمقعد

و كم لك عندي من اياد و أنعم # رفعت بها قدري و أكثرت حسدي

تشبث بها اكرومة قبل فوتها # و قم في خلاصي صادق العزم و اقعد

فان مت بعد اليوم عابك مهلكي # معاب الزراريين مهلك معبد (1)

هم عضلوا عنه الفداء و أصبحوا # يهزون أطراف القريض المقصد

و لم يك بدعا هلكه غير انهم # يعابون إذ سيم الفداء فما فدي

فلا كان كلب الروم أرأف منكم # و ارغب في كسب الثناء المخلد

و لا بلغ الأعداء أن يتناهضوا # و تقعد عن هذا العلاء المشيد

أ أضحوا على اسراهم بي عودا # و أنتم على اسراكم غير عود

متى تخلف الأيام مثلي لكم فتى # شديدا على البأساء غير ملهد (2)

متى تخلف الأيام مثلي لكم فتى # طويل نجاد السلف رحب المقلد

فما كل من شاء المعالي ينالها # و لا كل سيار إلى المجد يهتدي

فان تفقدوني تفقدوا شرق العدا # و أسرع عواد إليهم معود

و إن تفقدوني تفقدوا لعلاكم # فتى غير مردود السنان و لا اليد

يدافع عن أحسابكم بلسانه # و يضرب عنكم بالحسام المهند

أقلني اقلني عثرة الدهر انه # رماني بسهم صائب النصل مقصد

و لو لم تثق نفسي بمولاي لم أكن # لأوردها في نصره كل مورد

و لا كنت القى الألف زرقا عيونها # بسبعين فيها كل اشام انكد

و لا و أبي ما ساعدان كساعد # و لا و أبي ما سيدان كسيد

و انك للمولى الذي بك اقتدي # و أنت الذي اهديتني كل مقصد

و أنت الذي بلغتني كل غاية # مشيت إليها فوق أعناق حسدي

فيا ملبسي النعمى التي جل قدرها # لقد أخلقت تلك الثياب فجدد

أ لم تر اني فيك صافحت حدها # و فيك شربت الموت غير مصرد

يقولون جانب. عادة ما عرفتها # شديد على الإنسان ما لم يعود

فقلت اما و الله لا قال قائل # شهدت له في الخيل الأم مشهد

و لكن سالقاها فاما منية # هي الظن أو بنيان عز مؤبد

و لم أدر أن الدهر من عدد العدا # و إن المنايا السود ترمين عن يد

بقيت على الأيام تحمي بنا الردى # و يفديك منا سيد بعد سيد

بقيت ابن عبد الله ما ذر شارق # تروح إلى العز المبين و تغتدي

بعيشة مسعود و أيام سالم # و نعمة مغبوط و مال مجدد

و لا يحرمني الله قربك انه # مرادي من الدنيا و حظي و مقصدي‏

و من رومياته هذه القصيدة التي جمعت الغزل و الحماسة و الحكم و صفة اسره و تعليم الاباء و عزة النفس و غير ذلك مع كونها من غرر الشعر و هي ناقصة في الديوان المطبوع فلذلك أوردناها بتمامها، و قد قالها حينما بلغه أن الروم قالوا ما أسرنا أحدا و لم نسلب سلاحه غير أبي فراس و هي:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر # اما للهوى نهي عليك و لا امر

بلى انا مشتاق و عندي لوعة # و لكن مثلي لا يذاع له سر

إذا الليل اضواني بسطت يد الهوى # و أذللت دمعا من خلائقه الكبر

تكاد تضي‏ء النار بين جوانحي # إذا هي أذكتها الصبابة و الفكر

معللتي بالوصل و الموت دونه # إذا مت عطشانا فلا نزل القطر

____________

(1) هو معبد بن زرارة كان اسره عامر و الطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب في بعض الوقائع فوفد عليهما أخوه لقيط بن زرارة فبذل لهما مائتي بعير في فدائه فقال له أنت سيد الناس و أخوك سيد مضر فلا نقبل الا دية ملك فقال ان أبانا أوصانا أن لا نزيد في الدية على مائتي بعير فقال له معبد لا تدعني فلئن تركتني لا تراني بعدها ابدا قال صبرا فأين وصاة أبينا و رحل فمنعوا معبدا الماء و ضاروه حتى هلك و قيل بل هو امتنع عن الطعام و الشراب حتى مات ذكره في العقد الفريد . و في أنوار الربيع ان معبدا اسره بنو عامر بن صعصعة فاشترى نفسه باربعمائة بعير فأبى أخوه لقيط ان يبذلها فيه و اعتذر بان أباه أوصاه أن لا تطعموا العرب أثمان بني زرارة فحبسه بنو عامر بن صعصعة حتى مات في الأسر فندم أخوه لقيط و انشد فيه المراثي . -المؤلف-

(2) ملهد بوزن معظم مستضعف ذليل . -المؤلف-

346

حفظت و ضيعت المودة بيننا # و أحسن من بعض الوفا ذلك الغدر

بنفسي من الغادين في الحي غادة # هواي لها ذنب و بهجتها عذر

تزيغ (1) إلى الواشين في و لن لي # لأذنابها عن كل واشية وقر

بدوت و اهلي حاضرون لأنني # ارى أن دارا لست من أهلها قفر

و حاربت قومي في هواك و انهم # و اياي لو لا حبك الماء و الخمر

فان كان ما قال الوشاة و لم يكن # فقد يهدم الايمان ما شيد الكفر

وفيت و في بعض الوفاء مذلة # لانسانة في الحي شيمتها الغدر

وقور و ريعان الصبا يستفزها # فتارن أحيانا كما يارن المهر

تسائلني من أنت و هي عليمة # بحالي و هل حالي على مثلها نكر

فقلت كما شاءت و شاء لها الهوى # قتيلك قالت أيهم فهم كثر

فقلت لها لو شئت لم تتعنتي # و لم تسالي عني و عندك بي خبر

فقالت لقد ازرى بك الدهر بعدنا # فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر

و ما كان للأحزان لولاك مسلك # إلى القلب لكن الهوى للبلا جسر

فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق # و أن يدي مما علقت به صفر

و قلبت امري لا أرى لي راحة # إذا البين انساني ألح بي الهجر

فعدت إلى حكم الزمان و حكمها # لها الذنب لا تجزي به و لي العذر

كاني انادي دون ميثاء ظبية # على شرف ظمياء حلأها الذعر

تجفل حينا ثم تدنو كأنما # تراعي طلى بالواد أعجزه الحصر

و اني لنزال بكل مخوفة # كثير إلى نزالها النظر الشزر

و اني لجرار لكل كتيبة # معودة ان لا يخل بها النصر

فاصدي إلى أن ترتوي البيض و القنا # و اسغب حتى يشبع الذئب و النسر

و لا أصبح الحي الخلوف بغارة # أو الجيش ما لم تأته قبلي النذر

و يا رب دار لم تخفني منيعة # طلعت عليها بالردي انا و الفجر

و حي رددت الخيل حتى تركته # هزيما وردتني البراقع و الخمر

و ساحبة الأذيال نحوي لقيتها # فلم يلقها جافي اللقاء و لا وعر

وهبت لها ما حازه الجيش كله # و أبت و لم يكشف لابياتها ستر

346 و ما راح يطغيني بأثوابه الغنى # و لا بات يثنيني عن الكرم الفقر

و ما حاجتي في المال ابغي وفوره # إذ لم يفر عرضي فلا وفر الوفر

أسرت و ما صحبي بعزل لدى الوغى # و لا فرسي مهر و لا ربه غمر

و لكن إذا حم القضاء على امرئ # فليس له بر يقيه و لا بحر

و قال اصيحابي الفرار أو الردى # فقلت هما أمران احلاهما المر

و لكنني امضي لما لا يعيبني # و حسبك من أمرين خيرهما الأسر

يقولون لي بعت السلامة بالردي # فقلت اما و الله ما نالني خسر

و هل يتجافى الموت عني ساعة # إذا ما تجافى عني الأسر و الصبر

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره # فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر

و لا خير في دفع الردى بمذلة # كما ردها يوما بسوءته عمرو

يمنون ان خلوا ثيابي (2) و انما # علي ثياب من دمائهم حمر

و قائم سيف فيهم دق نصله # و أعقاب رمح فيهم حطم الصدر

سيذكرني قومي إذا جد جدهم # و في الليلة الظلماء يفتقد البدر

فان عشت فالطعن الذي تعرفونه # و تلك القنا و البيض و الضمر الشقر

و إن مت فالإنسان لا بد ميت # و إن طالت الأيام و انفسخ العمر

و لو سد غيري ما سددت اكتفوا به # و ما كان يغلو التبر لو نفق الصفر

و نحن أناس لا توسط بيننا # لنا الصدر دون العالمين أو القبر

تهون علينا في المعالي نفوسنا # و من يخطب الحسناء لم يغلها المهر

اعزبني الدنيا و أعلى ذوي العلا # و أكرم من فوق التراب و لا فخر

و كتب إلى سيف الدولة من الدرب و قد اشتدت عليه علته:

هل تعطفان على العليل # لا بالأسير و لا القتيل

باتت تقلبه الأكف # سحابة الليل الطويل

يرعى النجوم السائرات # من الطلوع إلى الأفول

فقد الضيوف مكانه # و بكته أبناء السبيل

و استوحشت لفراقه # يوم الوغى سرب الخيول

و تعطلت سمر الرماح # و أغمدت بيض النصول

يا فارج الكرب العظيم # و كاشف الخطب الجليل

كن يا قوي لذا الضعيف # و يا عزيز لذا الذليل

قربه من سيف الهدى # في ظل دولته الظليل

أ و ما كشفت عن ابن داود

(3)

ثقيلات الكبول # اما المحب فليس يصغي

في هواه إلى عذول # يمضي بحال وفائه

و يصد عن قال و قيل # لم أرو منه و لا شفيت

بطول خدمته غليلي # الله يعلم انه

املي من الدنيا و سولي # و لئن حننت إلى ذراه

لقد حننت إلى وصول # لا بالقطوب و لا الغضوب

و لا المطول و لا الملول # يا عدتي في النائبات

و ظلتي عند المقيل # اين المحبة و الذمام

و ما وعدت من الجميل # احمل على النفس الكريمة

في و القلب الحمول‏

و كتب إلى سيف الدولة من الأسر:

و ما كنت أخشى ان أبيت و بيننا # خليجان و الدرب الأصم و آلس

(4)

و لا انني استصحب الصبر ساعة # و لي عنك مناع و دونك حابس

ينافسني هذا الزمان و اهله # و كل زمان لي عليك منافس‏

____________

(1) تزيغ تميل .

(2) يشير إلى ما بلغه عن الروم انهم قالوا ما أسرنا أحدا و لم نسلبه سلاحه غير أبي فراس .

(3) في نسخة:

أ و ليس عن داود قد # فككت أثقال الكبول‏

و يمكن أن يستفاد من الجمع بين النسختين و بين قوله‏

ان ابن عمار بن داود

و قوله بعده‏

صبرا أبا العباس

المار ذكره في ص 177 ان ابن عمار هذا اسمه داود بن عمار بن داود بن حمدان بن حمدون و انه يكنى أبا العباس و انه أسر و فك اسره سيف الدولة و الظاهر أن الروم أسرته و هو المراد بابن داود في النسخة الأخرى فان قوله‏

قل لابن عمار بن داود

و قوله‏

ان بت ترسف في الحديد

و قوله‏

صبرا أبا العباس

يدل على أن لعمار ولدا يكنى أبا العباس و انه أسر، و قوله‏

أ و ما كشفت عن ابن داود

و قوله‏

أ و ليس عن داود

على النسخة الأخرى يراد بداود و ابن داود منهما رجل واحد و قد استنقذه سيف الدولة من الأسر و هو داود بن عمار بن داود بن حمدان لأن أحد البيتين بدل من الآخر فلا يجوز أن يكون المراد بهما مختلفا و قد سماه في أحدهما ابن داود و في الآخر داود و في السابق ابن عمار بن داود فحين جعله ابن داود نسبه إلى جده و النسبة إلى الجد شائعة و حين جعله ابن عمار بن داود نسبه إلى أبيه و حين قال‏

أ و ليس عن داود

ذكره باسمه و لا يبعد أن البيت كان أولا

أ و ما كشفت عن ابن داود

فغير إلى قوله‏

أ و ليس عن داود

فان فيه تصريحا باسمه فهو أولى من التعبير عنه بالابن فقوله‏

أ و ليس عن داود

لم يرد به داود بن حمدان لأنه متقدم و لأن النسخة الثانية التي أريد بها عين ما في النسخة الأولى جعلته ابن داود لا داود فالجمع بين هذه الأبيات يدلنا على أن المسمى بداود اثنان أحدهما داود بن حمدان و الثاني حفيده داود بن عمار بن داود بن حمدان . -المؤلف-

(4) الخليجان خليجا القسطنطينية و الدرب الأصم هو درب الروم المشهور المذكور في شعر امرئ القيس بقوله (

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه) # (و آلس ) بكسر اللام اسم نهر في بلاد الروم -المؤلف-

.

347

شريتك من دهري بذي الناس كلهم # فلا انا مبخوس و لا الدهر بأخس

و ملكتك النفس النفيسة طائعا # و تبذل للمولى النفيس النفائس

تشوقني الأهل الكرام و أوحشت # مواكب بعدي عندهم و مجالس

و ربتما ساد الأماجد ماجد # و ربتما زان الفوارس فارس

رفعت عن الحساد نفسي و هل هم # لمن حسدوا لو شئت الا فرائس

أ يدرك ما أدركت الا ابن همة # يمارس في كسب العلى ما يمارس

يضيق مكاني عن سواي لأنني # على قمة المجد المؤثل جالس

سبقت و قومي بالمكارم و العلا # و ان رغمت من آخرين المعاطس‏

و كتب اليه سيف الدولة كتابا فيه كلام خشن و هو في الأسر لما بلغه ان بعض الأسرى قال ان ثقل هذا المال على الأمير كاتبنا فيه صاحب خراسان و غيره من الملوك و ذلك حين قرروا مع ملك الروم اطلاق اسرى المسلمين بمال يحملونه فاتهم سيف الدولة أبا فراس بهذا القول لضمانه المال فكتب اليه: و من يعرفك بخراسان فكتب اليه أبو فراس :

أ سيف الهدى و قريع العرب # إلا م الجفاء و فيما الغضب

و ما بال كتبك قد أصبحت # تنكبني مع هذي النكب

و أنت الحليم و أنت الكريم # و أنت العطوف و أنت الحدب

و ما زلت تسعفني بالجميل # و تنزلني بالجناب الخصب

و تدفع عن عاتقي الخطوب # و تكشف عن ناظري الكرب

و انك للجبل المشمخر # لي بل لقومك بل للعرب

علا يستفاد و عاف يفاد # و عز يشاد و نعمى ترب

و ما غض مني هذا الاسار # و لكن خلصت خلوص الذهب

ففيم يقرعني بالخمول # مولى به نلت أعلى الرتب

و كان عتيدا لدي الجواب # و لكن لهيبته لم أجب

أ تنكر اني شكوت الزمان # و أني عتبتك فيمن عتب

فلا تنسبن إلي الخمول # عليك أقمت فلم اغترب

فالا رجعت فاعتبتني # و صيرت لي و لقولي الغلب

و أصبحت منك فان كان فضل # و ان كان نقص فأنت السبب

فما شككتني فيك الخطوب # و لا غيرتني عليك النوب

و أشكر ما كنت في ضجرتي # و أحلم ما كنت عند الغضب

و ان خراسان ان أنكرت # علاي فقد عرفتها حلب

و من اين ينكرني الأبعدون # أ من نقص جد أ من نقص أب

أ لست و إياك من اسرة # و بيني و بينك فوق النسب

وداد تناسب فيه الكرام # و تربية و محل أشب (1)

و نفس تكبر الا عليك # و ترغب إلاك عمن رعب

فلا تعدلن فداك ابن عمك # لا بل غلامك عما يجب

و أنصف فتاك فانصافه # من الفضل و الشرف المكتسب

لكنت الحبيب و كنت القريب # ليالي أدعوك من عن كثب

347 فلما بعدت بدت جفوة # و لاح من الأمر ما لا أحب

فلو لم أكن فيك ذا خبرة # لقلت صديقك من لم يغب‏

و كتب إلى سيف الدولة من الأسر يعاتبه:

زماني كله غضب و عتب # و أنت علي و الأيام ألب

و عيش العالمين لديك سهل # و عيشي وحده بفناك صعب

و أنت و أنت دافع كل خطب # مع الخطب الملم علي خطب

إلى كم ذا العتاب و ليس جرم # و كم ذا الاعتذار و ليس ذنب

فلا بالشام لذ بفي شرب # و لا في الأسر رق علي قلب

فلا تحمل على قلب جريح # به لحوادث الأيام ندب (2) .

امثلي تقبل الأقوال فيه # و مثلك يستمر عليه كذب

جناني ما علمت و لي لسان # -يقد الدرع و الإنسان-عضب

و زندي و هو زندك ليس يكبو # و ناري و هي نارك ليس تخبو

و فرعي فرعك السامي المعلا # و اصلي أصلك الزاكي و حسب

لإسماعيل بي و بينه فخر # و في إسحاق بي و بينه عجب‏

(3)

و اعمامي ربيعة و هي صيد # و اخوالي بلصفر (4) و هي غلب

فدت نفسي الأمير أ كان حظي # و قربي عنده ما دام قرب

فلما حالت الأعداء دوني # و أصبح بيننا بحر و درب

ظللت تبدل الأقوال بعدي # و تبلغني اغتيابا ما يغب

فقل ما شئت في فلي لسان # ملئ بالثناء عليك رطب

و قابلني بانصاف و ظلم # تجدني في الجميع كما تحب‏

و كتب إلى سيف الدولة من الأسر و قد مضى عليه سنتان و هو مأسور من قصيدة:

أبي غرب هذا الدمع الا تسرعا # و مكنون هذا الحب الا تضوعا

فحزني حزن الهائمين مبرحا # و سري سر العاشقين مضيعا

وهبت شبابي و الشباب مضنة # لابلج من أبناء عمي اروعا

أبيت معنى من مخافة عتبه # و أصبح محزونا و امسي مروعا

فلما مضى عصر الشبيبة كله # و فارقني شرخ الشباب فودعا

تطلبت بين الهجر و ألعب فرجة # فحاولت امرا لا يرام ممنعا

و صرت إذا ما رمت في الحي لذة # تتبعتها بين الهموم تتبعا

و ها انا قد حلى الزمان مفارقي # و توجني بالشيب تاجا مرصعا

فلو ان اسري بين عيش نعمته # حملت لذاك الشهد ذا السم منقعا

و لكن أصاب الجرح جسما مجرحا # و صادف هذا الصدع قلبا مصدعا

فلو انني ملكت مما أريده # من العيش يوما لم أجد في موضعا

أ ما ليلة تمضي و لا بعض ليلة # أسر بها هذا الفؤاد المفجعا

أ ما صاحب فرد يدوم وفاؤه # فيصفي لمن اصفى و يرعى لمن رعى

أ في كل دار لي صديق اوده # إذا ما تفرقنا حفظت وضيعا

أقمت بأرض الروم عامين لا ارى # من الناس محزونا و لا متصنعا

إذا خفت من اخوالي الروم خطة # تخوفت من اعمامي العرب أربعا

و ان اوجعتني من اعادي شيمة # لقيت من الأحباب أدهى و اوجعا

و لو قد أملت الله لا رب غيره # رجعت إلى أعلى و أملت اوسعا

لقد قنعوا بعدي من القطر بالندى # و من لم يجد الا القنوع تقنعا

و ما مر إنسان فاخلف مثله # و لكن يرجي الناس امرا مرقعا

تنكر سيف الدين لما عتبته # و عرض بي تحت الكلام و قرعا

____________

(1) من قولهم أشب الشجر كفرح فهو أشب اي ملتف و تاشبوا اليه اي اجتمعوا و انضموا .

(2) الندب اثر الجرح الباقي بعد اندماله

(3) إسماعيل هو أبو العرب و اسحق أبو الروم يشير إلى ان أباه عربي و أمه أو احدى جداته رومية و فسر ذلك بالبيت الذي بعده و بما ياتي في القصيدة الآتية و هو قوله:

إذا خفت من اخوالي الروم خطة # تخوفت من اعمامي العرب أربعا

(4) بلصفر مخفف بنو الأصفر و هو كثير في كلام العرب كقولهم بلعنبر و بلقين اي بنو العنبر و بنو القين و غير ذلك. -المؤلف-

348

فقولا له من صادق الود انني # جعلتك مما رابني منك مفزعا

و لو انني أكننته في جوانحي # لاورق ما بين الضلوع و فرعا

فلا تغترر بالناس ما كل من ترى # أخوك إذا وضعت في الأمر اوضعا

و لا تتقلد ما يروقك حلية # تقلد إذا حاربت ما كان اقطعا

و لا تقبلن القول من كل قائل # سارضيك مرأى لست أرضيك مسمعا

فلله إحسان علي و نعمة # و لله صنع قد كفاني التصنعا

اراني طرق المكرمات كما ارى # علي و اسعاني علي كما سعى

فان يك بطء مرة فلطالما # تعجل نحوي بالجميل و اسرعا

و ان يجف في بعض الأمور فانني # لاشكره النعمى التي كان اوزعا

و ان يستجد الناس بعدي فلا يزل # بذاك البديل المستجد ممتعا

و كتب إلى سيف الدولة من الأسر يعرفه خروج الدمستق إلى الشام في جموع الروم و يحثه على الاستعداد و يذكره امره و يسأله تقديم فدائه:

أ تعز أنت على رسوم مغاني # فأقيم للعبرات سوق هوان

فرض علي لكل دار وقفة # تقضي حقوق الدار بالاجفان

لو لا تذكر من هويت بحاجز # لم ابك فيه مواقد النيران

و لقد أراه قبل طارقة النوى # مأوى الحسان و منزل الضيفان

و مكان كل مهند و مجر كل # مثقف و مجال كل حصان

نشر الزمان عليه بعد انيسه # حلل الفناء و كل شي‏ء فاني

ربما وقفت فسرني ما ساءني # منه و اضحكني الذي ابكاني

و رأيت في عرصاته مجموعة # أسد الشري و ربارب الغزلان

يا واقفان معي على الدار اطلبا # غيري لها ان كنتما تجدان

منع الوقوف على المنازل طارق # امر الدموع بمقلتي و نهاني

فله إذا ونت المدامع أو جرت # عصيان دمعي فيه أو عصياني

و لقد جعلت الحب سر مدامعي # و لغيره عيناي تنهملان

ابكي الاحبة بالشام و بيننا # تلك الدروب و شاطئا جيحان

و تحب نفسي العاشقين لأنهم # مثلي إلى كنف من الأحزان

فضلت لدي مدامع فبكيت للباكي # بها و ولهت للولهان

ما لي جزعت من الخطوب و انما # أخذ المهيمن بعض ما اعطاني

و لقد سررت كما هممت عشائري # زمنا و هناني الذي عزاني

و أسرت في مجرى خيولي غازيا # و حبست فيما أشعلت نيراني

يرمي بنا شطر البلاد مشيع # عنده الكريهة فائض الإحسان

بلد لعمرك لم نزل زواره # مع سيد قرن أغر هجان

و انا الذي ملأ البسيطة كلها # ناري و طنب في السماء دخاني

كان القضاء فلم تكن لي حيلة # غلب القضاء شجاعة الشجعان

ان لم تكن طالت سني فان لي # رأي الكهول و نجدة الشبان

قمن بما ساء الاعادي موقفي # و الدهر يبرز لي مع الاقران

يمضي الزمان و ما عمدت لصاحب # الا ظفرت بصاحب خوان

يا دهر خنت مع الاصادق خلتي # و غدرت بي في جملة الاخوان

لكن سيف الدولة القرم الذي # لم انسه و أراه لا ينساني

أ يضيعني من لم يزل لي حافظا # كرما و يخفضني الذي اعلاني

اني أغار على مكاني ان ارى # فيه رجالا لا تسد مكاني

أو ان تكون وقيعة أو غارة # ما لي بها اثر مع الفتيان

سيف الهدى من حد سيفك يرتجى # يوم يذل الكفر للايمان

348 و لقد علمت و قد دعوتك انني # ان نمت عنك أنام عن يقظان

هذي الجيوش تجيش نحو بلادكم # محفوفة بالكفر و الصلبان

هذي الجيوش تجيش نحو بلادكم # من كل أروع ضيغم سرحان

هذي الجيوش يفر منها الموت في # يوم الوغى و اثارة الشجعان

ليسوا ينون فلا تنوا و تيقظوا # لا ينهض الواني بغير الواني

قد أغضبوكم فانهضوا و تأهبوا # للحرب اهبة ثائر غضبان

غضبا لدين الله ان لا تغضبوا # لا يشتهر في نصره سيفان

حتى كان الوحي فيكم منزل # و لكم تخص فرائض القرآن

ثم أشار إلى كثير من الوقائع ثم قال:

انا لنلقى الخطب فيك و غيره # بموفق عند الحروب معان

أصبحت ممتنع الحراك و ربما # أصبحت ممتنعا على الاقران

و لطالما حطمت صدر مثقف # و لطالما ارعفت انف سنان

و لطالما قدت الجياد إلى الوغى # قب البطون طويلة الأرسان

اعزز علي بان يخلى موقفي # و يخل ما بين الصفوف مكاني

ما زلت أكلأ كل صدر موحش # ابدا بمقلة ساهر يقظان

شلال كل عظيمة ذوادها # ضراب هامات العدي طعان

ان يمنع الأعداء حد صوارمي # لا يمنع الأعداء حد لساني

يا راكبا يرمي الشام بجسرة # موارة شدنية مذعان

أقر السلام من الأسير العاني # أقر السلام على بني حمدان

أقر السلام على الذين بيوتهم # مأوى الكرام و منزل الضيفان

أقر السلام على الذين سيوفهم # يوم الوغى مهجورة الأجفان

الصافحين عن المسي‏ء تكرما # و المحسنين إلى ذوي الإحسان‏

و قال و قد بلغه علة والدته بعد ما قصدت حضرة سيف الدولة من منبج إلى حلب تكلمه في المفاداة و تتضرع اليه فلم يكن عنده ما رجت و لعله كان لسيف الدولة عذر سياسي في تأخير فدائه فان ما يغيب عن الإنسان لا يجوز الحكم عليه من جميع نواحيه و وافق ذلك ان البطارقة قيدوا بميافارقين فقيد هو بخرشنة و رأت الأمر قد عظم فاعتلت من الحسرة فبلغ ذلك أبا فراس فكتب إلى سيف الدولة :

يا حسرة ما أكاد احملها # آخرها مزعج و أولها

عليلة بالشام مفردة # بات بايدي العدي معللها

تمسك احشاءها على حرق # تطفئها و الهموم تشعلها

إذا اطمأنت و اين أو هدأت # عن لها ذكره يقلقها

تسأل عنه الركبان جاهدة # بادمع ما تكاد تمهلها

يا من رأى لي بحصن خرشنة # أسد شرى في القيود ارجلها

يا من رأى لي الدروب شامخة # دون لقاء الحبيب أطولها

يا من رأى لي القيود موثقة # على حبيب الفؤاد أثقلها

يا أيها الراكبان هل لكما # في حمل نجوى يخف محملها

قولا لها ان وعت مقالكما # فان ذكري لها ليذهلها

يا امتا هذه منازلنا # نتركها تارة و ننزلها

يا امتا هذه مواردنا # نعلها تارة و ننهلها

أسلمنا قومنا إلى نوب # أيسرها في القلوب اقتلها

و استبدلوا بعدنا رجال وغى # يود أدنى علاي امثلها

يا سيدا ما تعد مكرمة # الا و في راحتيك أكملها

ـ

349

ليست تنال القيود من قدمي # و في اتباعي رضاك احملها

لا تتيمم و الماء تدركه # غيرك يرضى الصغرى و يقبلها

ان بني العم لست تخلفهم # ان غابت الأسد عاد اشبلها

أنت سماء و نحن أنجمها # أنت بلاد و نحن اجبلها

أنت سحاب و نحن وابله # أنت يمين و نحن انملها

باي عذر رددت والهة # عليك دون الورى معولها

جاءتك تمتاح رد واحدها # فانتظر الناس كيف تقفلها

سمحت مني بمهجة كرمت # أنت على ياسها مؤملها

ان كنت لم تبذل الفداء لها # فلم أزل في رضاك ابذلها

تلك المودات كيف تهملها # تلك المواعيد كيف تغفلها

تلك العقود التي عقدت لنا # كيف و قد أحكمت تحللها

أرحامنا منك لم تقطعها # و لم تزل جاهدا توصلها

اين المعالي التي عرفت بها # تقولها دائبا و تفعلها

يا واسع الدار كيف توسعها # و نحن في صخرة نزلزلها

يا ناعم الثوب كيف تبدله # ثيابنا الصوف ما نبدلها

يا راكب الخيل لو بصرت بنا # نحمل اقيادنا و ننقلها

رأيت في الضر أوجها كرمت # فارق فيك الجمال أجملها

قد اثر الدهر في محاسنها # تعرفها تارة و تجهلها

فلا تكلنا فيها إلى أحد # معلها محسن يعللها

لا يفتح الناس باب مكرمة # صاحبها المستغاث يقفلها

أ ينبري دونك الأنام لها # و أنت قمقامها و معقلها

و أنت ان جل حادث جلل # قلبها المرتجى و حولها

منك تردى بالفضل أفضلها # منك أفاد النوال انولها

فان سألنا سواك عارفة # فبعد قطع الرجاء نسألها

إذ رأينا اولى الأنام بها # يضيعها جاهدا و يهملها

لم يبق في الأرض امة عرفت # الا و فضل الأمير يشملها

نحن أحق الورى برأفته # فأين عنا و كيف معدلها

يا منفق المال لا يريد به # الا المعالي التي يؤثلها

أصبحت تشري مكارما فضلا # فداؤنا قد علمت أفضلها

لا يقبل الله قبل فرضك ذا # نافلة عنده تنفلها

و كتب معها بهذين البيتين:

قد عذب الموت بأفواهنا # و الموت خير من مقام الذليل

انا إلى الله لما نابنا # و في سبيل الله خير السبيل‏

349

مراسلة والدته من الأسر

كتب إلى والدته بمنبج من أسر الروم :

لو لا العجوز بمنبج # ما عفت أسباب المنية

و لكان لي عما سالت # من الفدى نفس أبيه

لكن أردت مرادها # و لو انجذبت إلى الدنية

وارى محاماتي عليها # ان تضام من الحمية

امست بمنبج حرة # بالحزن من بعدي حريه

لو كان يدفع حادث # أو طارق بجميل نية

لم تطرق نوب الحوادث # ارض هاتيك التقية

لكن قضاء الله و # الأحكام تنفذ في البرية

و الصبر ياتي كل ذي # رزء على قدر الرزية

لا زال يطرق منبجا # في كل غادية تحية

فيها التقى و الدين مجموعان # في نفس زكيه

يا أمتا لا تيأسي # لله ألطاف خفيه

كم حادث عنا جلاه # و كم كفانا من بليه

أوصيك بالصبر الجميل # فإنه خير الوصيه‏

و كتب إلى والدته من الأسر يعزيها و يصبرها و قد ثقل من الجراح التي نالته و يئس من نفسه:

مصابي جليل و العزاء جميل # و ظني ان الله سوف يديل

و ما زاد مني الأسر ما تريانه # و لكنني دامي الجراح عليل

جراح و أسر و اشتياق و غربة # أ أحمل اني بعد ذا لحمول

جراح تحاماها الاساة مخافة # و سقمان باد منهما و دخيل

و أسر اقاسيه و ليل نجومه # ارى كل شي‏ء غيرهن يزول

تطول بي الساعات و هي قصيرة # و في كل دهر لا يسرك طول

تناساني الأصحاب الا عصابة # ستلحق بالأخرى غدا و تحول

و من ذا الذي يبقى على العهد انهم # و ان كثرت دعواهم لقليل

اقلب طرفي لا ارى غير صاحب # يميل مع النعماء حيث تميل

و صرنا نرى ان المتارك محسن # و ان صديقا لا يضر وصول

تصفحت أقوال الرجال فلم يكن # إلى غير شاك للزمان وصول

أ كل خليل هكذا غير منصف # و كل زمان بالكرام بخيل

نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة # أجاب إليها عالم و جهول

و فارق عمرو بن الزبير شقيقه # و خلى أمير المؤمنين عقيل (1)

فيا حسرتي من لي بخل موافق # أقول بشجوي مرة و يقول

و ان وراء الستر اما بكاؤها # علي و ان طال الزمان طويل

فيا امتا لا تعدمي الصبر انه # إلى الخير و النجح القريب رسول

و يا امتا لا تعدمي الصبر انه # على قدر الرزء الجليل جميل

و يا امتا لا تحبطي الأجر انه # على قدر الصبر الجميل جزيل

و يا امتا صبرا فكل ملمة # تجلى على علاتها و تزول

تاسي كفاك الله ما تحذرينه # فقد غال هذا الناس قبلك غول

اما لك في ذات النطاقين اسوة # بمكة و الحرب العوان تجول

أراد ابنها أخذ الامان فلم تجب # و تعلم علما انه لقتيل (2)

و كوني كما كانت صفية # و لم يشف منها بالبكاء غليل

و لو رد يوما حمزة الخير حزنها # إذا لعلتها رنة و عويل‏

(3)

____________

(1) هو عمرو بن الزبير بن العوام كان بينه و بين أخيه عبد الله بن الزبير بغضاء استعمله عمرو بن سعيد الأشدق على شرطته لما ولي المدينة ثم جهزه في نحو ألفين لقتال أخيه عبد الله بمكة فأرسل اليه أخوه من فرق جماعته ثم قبض عليه و كان عمرو قد ضرب أهل المدينة ضربا شديدا لهواهم في أخيه فأمر أخوه ان يقتصوا منه فمات تحت السياط كذا في شذرات الذهب ، و في مروج الذهب ان أصحاب عمرو انهزموا عنه و أسلموه فظفر به أخوه عبد الله فأقامه للناس بباب المسجد الحرام مجردا و لم يزل يضربه بالسياط حتى مات و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و عقيل أخوه. -المؤلف-

(2) ذات النطاقين هي أسماء بنت أبي بكر يقال سميت بذلك لأنها شقت نطاقها لسفرة الرسول ص و ابنها عبد الله بن الزبير كان الحجاج يحاربه بمكة من قبل عبد الملك فبذل له الامان فاستشار أمه و هي عجوز عمياء فقالت عش عزيزا أو مت كريما فقاتل حتى قتل. -المؤلف-

(3) هي صفية بنت عبد المطلب و حمزة أخوها قتل‏و مثل به فلما جاءت لتنظر اليه قال النبي ص لابنها الزبير دونك أمك فلقيها و أخبرها فصبرت. -المؤلف-

350

و ما اثري يوم اللقاء مذمم # و لا موقفي عند الاسار ذليل

لقيت نجوم الليل و هي صوارم # و خضت سواد الليل و هو خيول

و لم ارع للنفس الكريمة خلة # عشية لم يعطف علي خليل

و لكن لقيت الموت حتى تركتها # و فيها و في حد الحسام فلول

و من لم يوق الله فهو ممزق # و من لم يعز الله فهو ذليل

و من لم يرده الله في الأمر كله # فليس لمخلوق اليه سبيل

و ان رجائيه و ظني بفضله # على قبح ما قدمته لجميل‏

مراسلته أخاه أبا الهيجاء من الأسر

لما أسر أبو فراس لحق أخاه أبا الهيجاء حرب بن سعيد بن حمدان جزع لاسره كما يلحق الأخ الوفي عند أسر أخيه السري فكتب اليه أبو فراس من الأسر هذه القصيدة العصماء يعذله على هذا الجزع و يفتخر و يذكر قوما عجزوا رأيه في الثبات فقد عرفت انه كان يمكنه الفرار فثبت تجنبا عن سوء الاحدوثة و هذه القصيدة فيها في الديوان المطبوع نقص كثير و نحن نذكر هنا أكثرها مع ما مر و ياتي منها و ان لزم بعض التكرار لنفاسة مضامينها و فيها مقاصد متنوعة:

النسيب‏

ابثك اني للصبابة صاحب # و للنوم مذ بان الخليط مجانب

علي لربع العامرية وقفة # فيملي علي الشوق و الدمع كاتب

و من مذهبي حب الديار و أهلها # و للناس فيما يعشقون مذاهب‏

الفخر

عنادي لدفع الهم نفس ابية # و قلب على ما شئت منه مصاحب

و جرد كأمثال السعالي سلاهب # و خوص كأمثال القسي نجائب‏

الاتكال على الله‏

إذا الله لم يحرزك فيما تخافه # فلا الدرع مناع و لا السيف قاضب

و لا سابق مما تنخلت (1) . سابق # و لا صاحب مما تخيرت صاحب‏

جوابه لمن لامه على الثبات‏

يقولون لي أقدمت في غير مقدم # و أنت امرؤ ما حنكته التجارب

فقلت لهم لو لم ألاق صدورها # تناولني بالذم منهم عصائب

رجال يذيعون العيوب و عندنا # أمور لهم مخزونة و معائب

تكاثر لوامي على ما أصابني # كان لم تنب الا باسري النوائب

يقولون لم ينظر عواقب امره # و من لم يعن تجري عليه العواقب

أ لم يعلم الذلان (2) ان بني الوغى # كذاك سليب بالرماح و سالب

و ان وراء الحزم فيها و دونه # مواقف تنسى عندهن التجارب

ارى مل‏ء عيني الردى و اخوضه # إذ الموت قدامي و خلفي المقانب‏

الحساد و الأعداء

رمتني عيون الناس حتى أظنها # ستحسدني في الحاسدين الكواكب

350 فلست ارى الا عدوا محاربا # و آخر خير منه عندي المحارب

فكم يطفئون المجد و الله موقد # و كم ينقصون الفضل و الله واهب

و يرجون ادراك العلا بنفوسهم # و لم يعلموا ان المعالي مواهب

و مضطغن لم يحمل السر قلبه # تلفت ثم اغتابني و هو هائب

تردى رداء الذل لما لقيته # كما يتردى بالغبار العناكب

و من شرفي ان لا يزال يعيبني # حسود على الأمر الذي هو عائب‏

القضاء و القدر

و هل يدفع الإنسان ما هو واقع # و هل يعلم الإنسان ما هو كاسب

و هل لقضاء الله في الناس غالب # و هل من قضاء الله في الناس هارب‏

العذر عن الأسر

علي طلاب العز من مستقره # و لا ذنب لي ان حاربتني المطالب

و عندي صدق الضرب في كل معرك # و ليس عليه ان نبون المضارب‏

مدح سيف الدولة

إذا كان سيف الدولة الملك كافلا # فلا الحزم مغلوب و لا الحزن غالب

و هل يرتجى للأمر الا رجاله # و يسال صوب المزن الا السحائب‏

التنزه عن الدنايا

فلا تخش سيف الدولة القرم انني # سواك إلى خلق من الناس راغب

فما تلبس النعمى و غيرك ملبس # و لا تقبل الدنيا و غيرك واهب

و ما انا من كل المطاعم طاعم # و لا انا من كل المشارب شارب

و لا انا راض ان كثرن مكاسبي # إذا لم تكن بالعز تلك المكاسب

و لا السيد القمقام عندي بسيد # إذا استنزلته من علاه الرغائب‏

الاعتراف بانعام سيف الدولة

علي لسيف الدولة القرم أنعم # اوانس لا ينفرن عني ربائب

أ أجحده إحسانه بي انني # لكافر نعمي ان أردت موارب

و ما شك قلبي ساعة في وداده # و لا شاب ظني قط فيه الشوائب

يؤرقني ذكرى له و صبابة # و تجذبني شوقا اليه الجواذب‏

الحنين إلى أخيه‏

أ يعلم ما ألقى نعم يعلمونه # علي الناي احباب لنا و حبائب

أ أبقى أخي دمعا أذاق أخي عزا # أ آب أخي بعدي من الصبر آئب

سقى الله أرض الموصل المزن انها # لمن حلها فرض له الحب لازب

بنفسي و ان لم ارض نفسي راكب # يسائل عني كلما لاح راكب

فما ذاق بعدي لذة العيش ساعة # و لا ناب جفنيه من النوم نائب

قريح مجاري الدمع مستلب الكرى # يقلقله هم من الشوق ناصب

أخ لا يذقني الله فقدان مثله # و أين له مثل و أين المقارب

تجاوزت القربى المودة بيننا # فأصبح أدنى ما يعد التناسب‏

شكوى الزمان‏

رمتني الليالي بالفراق حسادة # و هن الليالي راميات صوائب

و ما كنت أخشى ان ارى الدهر حاسدي # كان لياليه لدى الأقارب

و لكنني في ذا الزمان و اهله # غريب و أفعالي لديه غرائب‏

____________

(1) اي اخترت‏

(2) الذلان بالضم الذليل كما مر و في شعر حسان

لئام العبيد و ذلانها

. -المؤلف-

351
شرط الاخوة و حسن الرجاء

و أنت أخ تصفو و تصفي و انما # الأقارب في هذا الزمان العقارب

لعل الليالي ان يعدن فربما # تجلين اجلاء الغيوم المصائب

ألا ليتني حملت همي و همه # و ان أخي ناء عن الهم عازب

فمن لم يجد بالنفس دون حبيبه # فما هو الا ماذق الحب كاذب‏

تسليته لأخيه‏

أتاني مع الركبان انك جازع # و غيرك يخفى عنه لله واجب

و ما أنت ممن يسخط الله فعله # و ان أخذت منه الخطوب السوالب

و اني لمجزاع و لكن همتي # تدافع عني حسرتي و تغالب

و رقبة حساد صبرت اتقاءها # لها جانب مني و للحزن جانب

و لست ملوما لو بكيتك من دمي # إذا قعدت عني الدموع السواكب‏

حسن الرجاء

ألا ليت شعري هل تبيت مغذة # تناقل بي يوما إليك الركائب

فتعتذر الأيام من طول ذنبها # إلي و ياتي الدهر و الدهر تائب‏

و كتب أيضا إلى أخيه حرب بن سعيد من القسطنطينية :

لقد كنت أشكو البعد منك و بيننا # بلاد إذا ما شئت قربها الوخد

فكيف و فيما بيننا ملك قيصر # و لا أمل يحيي النفوس و لا وعد

مراسلته ابني سيف الدولة

كتب إلى أبي المكارم و أبي المعالي ابني سيف الدولة من الأسر يسالهما ان يكلما أباهما في فدائه:

يا سيدي أراكما # لا تذكران اخاكما

اوجدتما بدلا به # يبني سماء علاكما

اوجدتما بدلا به # يفري نحور عداكما

ما كان بالفعل الجميل # بمثله اولاكما

من ذا يعاب بما لقيت # من الورى الا كما

لا تقعدا بي بعدها # و سلا الأمير أباكما

و خذا فداي جعلت من # ريب المنون فداكما

مراسلته محمد بن الأسمر من الأسر

كتب اليه أبو الحسن محمد بن الأسمر و هو في الأسر يوصيه بالصبر فأجابه بهذه الأبيات:

ندبت لحسن الصبر قلب نجيب # و ناديت بالتسليم خير مجيب

و لم يبق مني غير قلب مشيع # و عود على ناب الزمان صليب

و قد علمت امي بان منيتي # بحد سنان أو بحد قضيب

كما علمت من قبل ان يغرق ابنها # بمهلكه في الماء أم شبيب (1)

لقيت من الأيام كل عجيبة # و قابلني دهري بوجه قطوب

351 تجشمت خوف العار أعظم خطة # و أملت نصرا كان غير قريب

رضيت لنفسي كان غير موفق # و لم ترض نفسي كان غير نجيب (2)

مراسلته غلاميه منصورا و صافيا من الأسر

كتب إلى غلامه منصور و هو في أسر الروم :

مغرم مؤلم جريح أسير # ان قلبا يطيق ذا لصبور

و كثير من الرجال حديد # و كثير من القلوب صخور

قل لمن حل بالشام طليقا # يفتدي قلبك الطليق الأسير

أنا أصبحت لا أطيق حراكا # كيف أصبحت أنت يا منصور

و كتب اليه أيضا:

إرث لصب بك قد زدته # على بلايا اسره اسرا

قد عدم الدنيا و لذاتها # لكنه ما عدم الصبرا

فهو أسير الجسم في بلدة # و هو أسير القلب في اخرى‏

و كتب إلى غلاميه صاف و منصور من الأسر و فيها دلالة على شدة بره بوالدته و شوقه لأصحابه و انه كان له أولاد صغار و ان سيف الدولة أسند اليه ذنبا:

لايكم أذكر # و في أيكم أفكر

و كم لي على بلدة # بكاء و مستعبر

ففي حلب عدتي # و عزي و المفخر

و في منبج من رضاه # أنفس ما أذخر

و من حبها زلفة # بها يكرم المحشر

و أصبية كالفراخ # أكبرهم أصغر

يخيل لي أمرهم # كأنهم حضر

و قوم ألفناهم # و غصن الصبا أخضر

فحزني ما ينقضي # و دمعي ما يفتر

و لا هذه أدمعي # و لا ذا الذي انشر

و لكن اداري الدموع # و أضمر ما أضمر

مخافة قول الوشاة # مثلك ما يصبر

فيا غفلتا كيف لا # ارجي كما احذر

و ما ذا القنوط الذي # أراه و استشعر

اما من بلاني به # على كشفه اقدر

بلى ان لي سيدا # مواهبه أكبر

فيا من غزر الدمع # و إحسانه أغزر

بذنبي اوردتني # و من فضلك المصدر

و كتب إليهما في الأسر أيضا يستجفيهما:

هل تحسان لي رفيقا رفيقا # مخلص الود أو صديقا صدوقا

لا رعى الله يا حبيبي دهرا # فرقتنا صروفه تفريقا

كنت مولاكما و ما كنت الا # والدا محسنا و عما شفيقا

فاذكراني و كيف لا تذكراني # كلما استخون الصديق الصديقا

بت أبكيكما و ان عجيبا # ان يبيت الأسير يبكي الطليقا

____________

(1) شبيب الخارجي كانت أمه رأت و هي حامل به كان نارا خرجت منها فاشتعلت في الآفاق ثم وقعت في الماء فانطفات فلما خرج كان كلما قيل لها انه قتل لا تصدق حتى قيل لها انه غرق فأقامت عليه مناحة. -المؤلف-

(2) اي رضيت ان يقال عني كان غير موفق و لم ترض نفسي ان يقال عني كان غير نجيب.

352

بقية أشعاره في الأسر

و قال يذكر اسره و يصف مناظرة جرت بينه و بين الدمستق في الدين:

يعز على الاحبة بالشام # حبيب بات ممنوع المنام

تبيت همومه و الليل داج # تقلبه على وخز السهام

يؤول به الصباح إلى ظلام # و يسلمه الظلام إلى الظلام

و اني للصبور على الرزايا # و لكن الكلام على الكلام

جروح ما يزلن يردن مني # على جرح قريب العهد دامي

تاملني الدمستق إذ رآني # فأبصر صبغة الليث الهمام

أ تنكرني كأنك لست تدري # باني ذلك البطل المحامي

و اني إذ نزلت على دلوك (1) # تركتك غير متصل النظام

و كنت ترى الأناة و تدعيها # فاعجلك الطعان عن الكلام

و بت مؤرقا من غير سقم # حمى جفنيك طيب النوم حامي

و لا ارضى الفتى ما لم يكمل # برأي الكهل اقدام الغلام

فلا هنئتها نعمى باخذي # و لا وصلت سعودك بالتمام

اما من أعجب الأشياء علج # يعرفني الحلال من الحرام

و تكنفه بطارقة تيوس # تباري بالعثانين الضخام

لهم خلق الحمير فلست تلقى # فتى منهم يسير بلا حزام

و أصعب خطة و أجل امر # مجالسة اللئام على الكرام

يريغون (2) . العيوب و أعجزتهم # و اي العيب يوجد في الحسام

أبيت مبرأ من كل عيب # و أصبح سالما من كل ذام

و من أبقى الذي أبقيت هانت # عليه موارد الموت الزؤام

ثناء طيب لا خلف فيه # و آثار كآثار الغمام

و علم فوارس الحيين اني # قليل من يقوم لهم مقامي

و في طلب الثناء مضى بجير (3) # و جاد بنفسه كعب بن مام (4)

ألام على التعرض للمنايا # و لي سمع أصم عن الملام

بنو الدنيا إذا ماتوا سواء # و لو عمر المعمر ألف عام

ألا يا صاحبي تذكراني # إذا ما شمتما البرق الشامي

إذا ما لاح لي لمعان برق # بعثت إلى الاحبة بالسلام‏

352 و قال و هو في الأسر بعد علة عوفي منها و كان في فخذه نصل سهم له شعبتان اقام فيها ثلاثين شهرا فشقت فخذه حتى اخرج منها:

فلا تصفن الحرب عندي فإنها # طعامي مذ ذقت الصبا و شرابي

و قد عرفت وقع المسامير مهجتي # و شقق عن زرق النصول اهابي

و لججت في حلو الزمان و مره # و أنفقت من عمري بغير حساب‏

و قال و هو في الأسر:

يا ليل ما أغفل عما بي # حبائبي فيك و احبابي

يا ليل نام الناس عن موجع # آب على مضجعه نابي

هبت له ريح شامية # متت إلى القلب بأسباب

أدت رسالات حبيب لنا # فهمتها من دون أصحابي‏

و قال و هو في الأسر:

قناتي على ما تعلمين صليبة # و عودي على ما تعهدين صليب

صبور على طي الزمان و نشره # و ان ظهرت للدهر في ندوب (5)

و ان فتى لم يكسر الأسر قلبه # و خوض المنايا حده لنجيب‏

و قال و هو في الأسر:

ان في الأسر لصبا # دمعة في الخد صب

هو بالروم مقيم # و له بالشام قلب

مستجدا لم يصادف # عوضا عمن يحب‏

و قال و هو في الأسر:

ما للعبيد من الذي # يقضي به الله امتناع

ذدت الأسود عن الفرائس # ثم تفرسني الضباع‏

و قال و هو في الأسر و قد سمع حمامة تنوح على شجرة عالية:

أقول و قد ناحت بقربي حمامة # أيا جارتا هل بات حالك حالي

معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى # و لا خطرت منك الهموم ببال

أ تحمل محزون الفؤاد قوادم # إلى غصن نائي المسافة عالي

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا # تعالي أقاسمك الهموم تعالي

تعالي تري روحا لدي ضعيفة # تردد في جسم يعذب بالي

أ يضحك مأسور و تبكي طليقة # و يسكت محزون و يندب سالي

و ما كل عين لا تفيض قريرة # و لا كل قلب لا ينوح بخالي

لقد كنت اولى منك بالدمع مقلة # و لكن دمعي في الحوادث غالي‏

و قال لما طال اسره يحمل على الشامتين و يصف منازله بمنبج و يتشوقها و كانت ولايته و اقطاعه و داره:

قف في رسوم المستجاب # وحي أكناف المصلى

فالجوسق الميمون فالساقيا # بها فالنهر الأعلى

تلك المنازل و الملاعب # لا أراها الله محلا

اوطنتها زمن الصبا # و جعلت منبج لي محلا

حرم الوقوف بها علي # و كان قبل اليوم حلا

حيث التفت رأيت ماء # سائحا و وجدت ظلا

و تحل بالجسر الجنان # و تسكن الحصن المعلى

يجلو عرائسه لنا # هزج الرياح إذا تجلى

و إذا نزلنا بالسواجير # اجتنينا العيش سهلا

و الماء يفصل بين زهر # الروض في الشطين فصلا

____________

(1) دلوك بالضم بلدة من نواحي حلب بالعواصم كانت بها وقعة لابي فراس مع الروم .

(2) يطلبون‏

(3) بجير هو ابن عمرو بن عباد كان عمه الحارث بن عباد قد اعتزل في‏فلما قتل جساس و همام ابنا مرة أرسل الحارث بجيرا ابن أخيه إلى مهلهل و كتب اليه انك قد أدركت ثارك و قد أرسلت ابني إليك فاما قتلته بأخيك و اما أطلقته فقتله مهلهل و قال يؤبشسع بؤ بشسع نعل كليب ، قال ابن خالويه في شرح هذا البيت ان الحارث بن عباد اعتزل حرب بكر و تغلب فلما طال الحرب و كثر القتال انفذ ابنه بجيرا باذلا نفسه في طلب حسن الذكر و صلح العشيرة فقتله المهلهل و جعله في خرج على ناقته و كتب رقعة في أذنه بؤ بشسع نعل كليب فجرى ذلك اليوم التحالق (اه) فهنا جعله ابن خالويه ابنه و قال انه أرسله في طلب الصلح و في شرح قوله في النونية

(و بنو عباد حين احرج اخرج حارث )

جعله ابن أخيه و قال انه خرج في طلب إبل ضلت له كما ياتي ذلك كله عند ذكر شعره القصصي و الصواب انه ابن أخيه و سماه ابنه لان ابن الأخ بمنزلة الابن فابن الأثير صرح بأنه ابن أخيه و مع ذلك سماه ابنه اما انه أرسل في طلب الصلح أو خرج في طلب إبل له فالظاهر انهما روايتان. -المؤلف-

(4) كعب بن مام هو كعب بن مامة الايادي صاحب رجلا من النمر بن قاسط و معهما ماء يسير فاقتسماه و شرب النمري ماءه ثم استسقاه فاثره كعب بمائه فنجا النمري و مات كعب عطشا.

(5) الندوب بضم النون جمع ندبة بفتحها و هي أثر الجرح الباقي على الجلد -المؤلف-

353

كبساط وشي جردت # ايدي القيون عليه نصلا

من كان سر بما عراني # فليمت ضرا و هزلا

ما غض مني حادث # و القرم قرم حيث حلا

انى حللت فإنما # يدعونني السيف المحلى

مثلي إذا لقي الاسار # فلن يضام و لن يذلا

لم اخل فيما نابني # من ان أعز و ان أجلا

رعت القلوب مهابة # و ملأتها فضلا و نبلا

فلئن خلصت فانني # شرق العدي طفلا و كهلا

ما كنت الا السيف زاد # على صروف الدهر صقلا

و لئن قتلت فإنما # موت الكرام الصيد قتلا

لا يشمتن بموتنا # الا فتى يفنى و يبلى

يغتر بالدنيا الجهول # و ليس في الدنيا مملى‏

و قال يذكر اسره و بعض حساده من قصيدة:

لمن جاهد الأعداء أجر المجاهد # و أعجز ما حاولت إرضاء حاسد

و لم أر مثلي اليوم أكثر حاسدا # كان قلوب الخلق لي قلب واحد

أ لم ير هذا الناس قبلي فاضلا # و لم يظفر الحساد مثلي بماجد

ارى الغل من تحت النفاق فاجتني # من العسل الماذي سم الأساود

و اصبر ما لم يلبس الصبر ذلة # و ألبس للمذموم حلة حامد

و أعلم ان فارقت خلا عرفته # و حاولت خلا انني غير واجد

و هل نافعي ان عضني الدهر مفردا # إذا كان لي قوم طوال السواعد

و هل انا مسرور بقرب اقاربي # إذا كان لي منهم قلوب الأباعد

لعمرك ما طرق المعالي خفية # و لكن بعض السير ليس بقاصد

صبرت على اللأواء صبر ابن حرة # كثير العدا فيها قليل المساعد

و طاردت حتى ابهر الجري أشقري # و ضاربت حتى اوهن الضرب ساعدي

خليلي ما اعددتما لمتيم # أسير لدى الأعداء جافي المراقد

فريد عن الأحباب لكن دموعه # مثان على الخدين غير فرائد

إذا كان غير الله للمرء عدة # أتته الرزايا من وجوه الفوائد

فقد جرت الحنفاء قتل حذيفة # و كان يراها عدة للشدائد (1)

و جرت منايا مالك بن نويرة # عقيلته الحسناء أيام خالد (2)

عسى الله ان ياتي بخير فان لي # عوائد من نعماه خير عوائد

فكم شال بي من قعر ظلماء لم يكن # لينقذني من قعرها حشد حاشد

فان عدت يوما عاد للحرب و العلا # و بذل الندى و المجد أكرم عائد

مرير على الأعداء لكن جاره # إلى خصب الأكناف عذب الموارد

منعت حمى قومي و سدت عشيرتي # و قلدت اهلي غر هذي القلائد

خلائق لا يوجدن في كل ماجد # و لكنها في الماجد ابن الأماجد

الاخوانيات‏

منها المراسلة بينه و بين بني ورقاء
و مرت في اخباره معهم‏

المراسلة بينه و بين أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان
353 قال أبو فراس و هو أول بيت قاله في صباه:

بكيت فلما لم أر الدمع نافعي # رجعت إلى صبر امر من الصبر

فاتصل هذا البيت بأبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان فكتب اليه بأبيات أولها

(أيا ابن الكرام الصيد و السادة الغر)

فأجابه أبو فراس بقوله من أبيات:

ألا ما لمن امسى يراك و للبدر # و ما لمكان أنت فيه و للقطر

تجللت بالتقوى و أفردت بالعلا # و أهلت للجلى و حليت بالفخر

لقلدتني لما ابتدأت بمدحتي # يدا لا أؤدي شكرها آخر العمر

فان انا لم أمنحك صدق مودتي # فما لي إلى المجد المؤثل من عذر

أيا ابن الكرام الصيد جاءت كريمة # (أيا ابن الكرام الصيد و السادة الغر)

و انك في عذب الكلام و جزله # لتغرف من بحر و تنحت من صخر

و مثلك معدوم النظير من الورى # و شعرك معدوم النظير من الشعر

كان على ألفاظه و نظامه # بدائع ما حاك الربيع من الزهر

تنفس فيه الروض و اخضل بالندى # و هب نسيم الفجر يخبر بالفجر

إلى الله أشكو من فراقك لوعة # طويت لها مني الضلوع على جمر

فعد يا زمان القرب في خير عيشة # و أنعم بال ما بدا كوكب دري

و عش يا ابن نصر ما استهلت غمامة # تروح إلى عز و تغدو على نصر

و كتب اليه أبو زهير أيضا قصيدة أولها

(بان صبري ببين ظبي ربيب)

فأجابه أبو فراس بقوله:

وقفتني على الاسى و النحيب # مقلتا ذلك الغزال الربيب

كلما عادني السلو رماني # غنج الحاظه بسهم مصيب

فاترات قواتل فاتنات # فاتكات سهاما بالقلوب

أيها المذنب المعاتب حتى # خلت ان الذنوب كانت ذنوبي

كن كما شئت من وصال و هجر # غير قلبي عليك غير كئيب

لك جسم الهوى و ثغر الاقاحي # و نسيم الصبا و قد القضيب

أنا في حالتي وصال و هجر # من جوى الحب في عذاب مذيب

بين قرب منغص بصدود # و وصال منغص برقيب

هل من الظاعنين مهد سلامي # للفتى الماجد الحصيف الأديب

ابن عمي الداني على شحط دار # و القريب المحل غير القريب

خالص الود صادق العهد انس # في حضور محافظ في مغيب

كل يوم يهدي إلى رياضا # جادها فكره بغيث سكوب

بان صبري لما تأمل طرفي # (بان صبري ببين ظبي ربيب)

فأجابه أبو زهير بقصيدة أولها

(هاج شوق المتيم المهجور)

فأجابه أبو فراس بقوله:

مستجير الهوى بغير مجير # و مضام النوى بغير نصير

ما لمن وكل النوى مقلتيه # بانسكاب و قلبه بالزفير

فهو ما بين عمر ليل طويل # يتلظى و عمر يوم قصير

يا كثيبا من تحت غصن نضير # يتثنى من تحت بدر منير

قد منحت الرقاد عين خلي # بات خلوا مما يجن ضميري

ان لي مذ نايت جسم مريض # و بكا ثاكل و ذل أسير

وردت منك يا ابن عمي هدايا # تتهادى في سندس و حرير

بقواف ألذ من بارد الماء # و لفظ كاللؤلؤ المنثور

محكم قصر الفرزدق و الأخطل # عنه وفاق شعر جرير

____________

(1) الحنفاء فرس حذيفة بن بدر الفزاري تراهن هو و قيس بن زهير العبسي على فرسين لقيس اسمهما داحس و الغبراء و فرسين لحذيفة اسمهما الخطار و الحنفاء و جر ذلك إلى حرب داحس و الغبراء المشهورة قتل فيها حذيفة بن بدر و أخوه حمل بن بدر و قيل كان الرهان على داحس فرس قيس و الغبراء فرس حذيفة و الأول أصح و يدل عليه هذا البيت. -المؤلف-

(2) هو خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة من بني حنيفة و دخل بامرأته-المؤلف-

354

أنت ليث الوغى و حتف الاعادي # و غياث الملهوف و المستجير

كم تحديتني و أنت كبير السن # طب بكل امر كبير

و إذا كنت يا ابن عمي قد امتنحت # جوابي قنعت بالميسور

هاج شوقي إليك لما أتتني # (هاج شوق المتيم المهجور)

و كتب اليه أبو زهير قصيدة أولها:

(كتابي عن شوق إليك و وحشة)

فأجابه أبو فراس بقوله:

أيا ظالما اضحى يعاتب منصفا # أ تلزمني ذنب المسي‏ء تعجرفا

بدأت بتنميق العتاب مخافة العتاب # و ذكرى بالجفا خيفة الجفا

فوافى على علات عتبك صابرا # و الفى على حالات ظلمك منصفا

و كنت متى صافيت خلا منحته # بهجرانه وصلا و من غدره وفا

فهيج لي هذا الكتاب صبابة # و جدد لي هذا العتاب تأسفا

فان أدنت الأيام دارا بعيدة # شفى القلب مظلوم من العتب و اشتفى

فان كنت أقررت بالذنب تائبا # و ان لم أكن أمسكت عنه تألفا

و كتب إلى أبي زهير بقوله من أبيات:

هو الطلل العافي و هاتا معالمه # فبح بهوى من أنت في القلب كاتمه

و ما الغادة الحسناء صينت و انما # اذيل من الدمع المصون كرائمه

و ما العيس سارت بالجاذر غدوة # الا انما صبري استقلت عزائمه

و ليس بذي وجد فتى كتم الهوى # و ليس بصب من ثنته لوائمه

وقفنا فسقينا المنازل أدمعا # هي الوبل و الأجفان منها غمائمه

و ما الدمع يوما نافعا من صبابة # و لو فاض حتى يملأ الأرض ساجمه

و كان عظيما عندي الهجر مرة # فلما رأيت البين هانت عظائمه

و ما لجمال الحي يوم تحملوا # تولت بمن زان الحلي معاصمه

لقد جارت الأيام فينا بحكمها # و من ينصف المظلوم و الخصم حاكمه

سل الدهر عني هل خضعت لحكمه # و هل راعني اصلاله و اراقمه

و هل موضع في البر ما جئت أرضه # و لا وطئته من بعيري مناسمه

و لا شعب الا قد وردت نجوده # و ان بعدت أغواره و تهائمه

و ما صحبتني قط الا مطيتي # و عضب حساب مخذم الحد صارمه

و ان انفراد المرء في كل مشهد # لخير من استصحاب من لا يلائمه

إذا نزل الخطب الجليل فاننا # نصابره حتى تضيق حيازمه

و ان جاءنا عاف فانا معاشر # نشاطره أموالنا و نقاسمه

بنينا من العلياء مجدا مشيدا # و ما شائد مجدا كمن هو هادمه

سل المجد عنا يعلم المجد اننا # بنا اطدت أركانه و دعائمه

أخي و ابن عمي يا ابن نصر نداء من # أقيمت لطول الهجر منك ماتمه

أودك ودا لا الزمان يبيده و لا الناي # يفنيه و لا الهجر صارمه (ثالمه)

فوا عجبا للسيف لما انتضيته # من الجفن لم يورق بكفك قائمه

بليث إذا ما الليث حاد عن الوغى # و غيث إذا ما الغيث أكدت سواجمه

تعلم اقيك السوء ان مدامعي # لبعدك مثل العقد أوهاه ناظمه

و اني مذ زمت ركابك للنوى # شديد اشتياق عازب القلب هائمه‏

و كتب اليه على هذا الوزن و هذه القافية من أبيات: 354

اما انه ربع الصبا و معالمه # فلا عذر ان لم يسفح الدمع ساجمه

و نحن أناس يعلم الله اننا # إذا جمع الدهر الغشوم شكائمه

إذا ولد المولود منا فإنما # الأسنة و البيض الرقاق تمائمه

الا مبلغ عني ابن عمي رسالة # يبث بها بعض الذي انا كاتمه

فيا جافيا ما كنت أخشى جفاءه # و لو كثرت عذاله و لوائمه

كذلك حظي من زماني و اهله # يصارمني الخل الذي لا أصارمه

و أنت وفي لا يذم وفاؤه # و أنت كريم ليس تحصى كرائمه

أقيم به أصل الفخار و فرعه # و شد به ركن العلا و دعائمه

أخو السيف يعديه نداوة كفه # فيحمر خداه و يخضر قائمه

أ عندك لي عتبى فاحمد ما مضى # و ابني رواق الود إذ أنت هادمه

فلا تحبسن عني الجواب موشحا # بعقد من الدر الذي أنت ناظمه‏

المراسلة بينه و بين أخيه أبي الهيجاء

و كتب إلى أخيه أبي الهيجاء حرب بن سعيد :

حللت من المجد أعلى مكان # و بلغك الله أقصى الاماني

فانك لا عدمتك العلا # أخ لا كاخوة هذا الزمان

صفاؤك في البعد مثل الدنو # و ودك في القلب مثل اللسان

كسونا إخوتنا بالصفا # كما كسيت بالكلام المعاني‏

المراسلة بينه و بين أبي العشائر

و كتب إلى أبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان و هو أبو زوجة أبي فراس عند اسره إلى بلد الروم من قصيدة:

أ أبا العشائر ان أسرت فطالما # أسرت لك البيض الخفاف رجالا

لما أجلت المهر فوق رؤوسهم # نسجت له حمر الشعور عقالا (1)

يا من إذا حمل الحصان على الوجى # قال اتخذ حبك التريك (2) نعالا

ما كنت نهزة آخذ يوم الوغى # لو كنت أوجدت الكميت مجالا

حملتك نفس حرة و عزائم # قصرن من قلل الجبال طوالا

اخذوك في كبد المضائق غيلة # مثل النساء تربب الرئبالا (3)

ألا دعوت أبا فراس انه # ممن إذا طلب الممنع نالا

وردت بعيد الفوت أرضك خيله # سرعا كأمثال القطا إرسالا

زلل من الأيام فيك يقيله # ملك إذا عثر الزمان اقالا

و معود فك العناة مداوم # قتل العداة ان استغار أطالا

ما زال سيف الدولة القرم الذي # يكفي الجسيم و يحمل الاثقالا

بالخيل ضمرا و السيوف قواضبا # و السمر لدنا و الرجال عجالا

و غدا تزورك بالفكاك خيوله # متناقلات تنقل الأبطالا

ان ابن عمك ليس يغفل انه اجتاح # الملوك و فكك الاغلالا

و كتب إلى أبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان أيضا و هو أسير بأرض الروم يذكر طلبه له و وصوله إلى مرعش في اثره و لم يلحقه:

نفى النوم عن عيني خيال مسلم # تأوب من أسماء و الركب نوم‏

و مر جملة منها عند الكلام على شعره و أدبه و أسلوبه يقول فيها:

و اترك ان ابكي عليك تطيرا # و قلبي يبكي و الجوانح تلطم

و ان جفوني ان ونت للئيمة # و ان فؤادي ان سلوت لالأم

سأبكيك ما أبقى لي الدهر مقلة # فان عزني دمع فما عزني دم‏

____________

(1) في اليتيمة ما أحسن ما اعتذر له مع إحسانه التشيية . -المؤلف-

(2) التريك جمع تريكة و هي بيضة الحديد . -المؤلف-

(3) الرئبال الأسد . -المؤلف-