أعيان الشيعة - ج4

- السيد محسن الأمين المزيد...
634 /
405

إذا مقرم منا ذرا (1) حد نابه # تخمط فينا ناب آخر مقرم‏

و هذا كما قال أبو الطمحان القيني

و إني من القوم الذين هم هم # إذا مات منهم سيد قام صاحبه

كواكب دجن كلما غاب كوكب # بدا كوكب تاوي إليه كواكبه‏

و قال آخر

خلافة أهل الأرض فينا وراثة # إذا مات منا سيد قام سيد

و قال طفيل الغنوي

كواكب دجن كلما انقض كوكب # بدا و انجلت عنه الدجنة كوكب‏

و قال آخر

إذا سيد منا مضى لسبيله # أقام عمود المجد آخر سيد

فهذا الذي أراد الخريمي . و في هذا كفاية لمن خلع ثوب العصبية و أنصف من نفسه و نظر بعين عقله و تأمل ما قلت بفكره فان القلب بذكره و تخيله انظر من العين لما فقدته و رأته (اه) . 5- قال الصولي : و شبيه بهذا في الشناعة عيبهم قوله

لو خر سيف من العيوق منصلتا # ما كان إلا على هاماتهم يقع‏

و إنما أراد أبو تمام أن كل حرب عليهم و معهم، و في مثل ذلك يقول رجل من بني أبي بكر بن كلاب أنشدناه محمد بن يزيد النحوي

و كل حي من الأحياء يطلبنا # و كل حي له في قتلنا أرب

و القتل ميتتنا و الصبر شيمتنا # و لا نراع إذا ما احمرت الشهب‏

و أراد مع ذلك أنهم لا يموتون على الفرش-و العرب تعير بذلك-و أن السيوف تقع في وجوههم و رؤوسهم لاقبالهم و لا تقع في أقفيتهم و ظهورهم لأنهم لا ينهزمون، كما قال كعب بن زهير :

لا يقع الطعن إلا في نحورهم # و ما لهم عن حياض الموت تهليل‏

ثم ذكر شواهد كثيرة للفخر بالقتل في الحرب و التعيير بالموت على الفراش.

6-و قال الصولي حدثني أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن عمرو قال ابن الخثعم الشاعر جن أبو تمام في قوله:

تروح علينا كل يوم و تغتدي # خطوب يكاد الدهر منهن يصرع‏

أ يصرع الدهر؟فقلت له هذا بشار يقول:

و ما كنت إلا كالزمان إذا صحا # صحوت و إن مات الزمان أموت‏

فسكت، فقلت له و أبوك يقول:

و لين لي دهري باتباع جوده # فكدت للين الدهر أن أعقد الدهرا

الدهر يعقد؟فسكت .

7- حكى الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام عن الصولي أنه قال: عابوا عليه قوله‏

(كذا فليجل الخطب و ليفدح الأمر)

فقالوا لا يكون كذا إلا في تعظيم السرور. و ما علمت أن شيئا في تعظيم الفرح إلا قيل في 405 تعظيم الحزن مثله، و قد جرت البشارة في كلام العرب بما يسوء قال الله تعالى‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* (اه) .

8- مما أنكره أبو العباس أحمد بن عبيد الله على أبي تمام برواية الآمدي قوله:

هاديه جذع من الأراك و ما # تحت الصلا منه صخرة جلس‏

قال شبه عنق الفرس بالجذع ثم قال جذع من الأراك، و من رأى عيدان الأراك تكون جذوعا و تشبه أعناق الخيل. و قال الآمدي أخطا في إنكاره تشبيه عنق الفرس بالجذع لأن ذلك في أشعار العرب أكثر من أن يحصى، و أصاب في إنكاره أن تكون عيدان الأراك جذوعا و إن عظمت شجرته حتى تصير دوحة، لأن قائم الشجرة و عيدانها لا تغلظ لتشبه بالجذوع.

9-قال الآمدي : و أنكر أبو العباس قول أبي تمام :

رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه # بكفيك ما ماريت في أنه برد

و قال: هذا الذي أضحك الناس منذ سمعوه إلى هذا الوقت. و لم يزد على هذا شيئا، و الخطا في هذا ظاهر لأني ما علمت أحدا من شعراء الجاهلية و الإسلام وصف الحلم بالرقة، و إنما يوصف بالعظم و الرجحان و الثقل و الرزانة، قال النابغة :

و أعظم أحلاما و أكبر سيدا # و أفضل مشفوعا إليه و شافعا

و قال الأخطل :

شمس العداوة حتى يستقاد لهم # و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا

و قال أبو ذؤيب :

و صبر على حدث النائبات # و حلم رزين و قلب ذكي‏

و قال عدي بن الرقاع :

في شدة العقد و الحلم الرزين و في القول # الثبيت إذا ما استنصت الكلم‏

و قال أيضا:

أبت لكم مواطن طيبات # و أحلام لكم تزن الجبالا

و قال أيضا:

قرم له مع دينه و تمامه # حلم إذا وزن الحلوم ثقيل‏

و قال الفرزدق :

أحلامنا تزن الجبال رزانة # و تخالنا جنا إذا ما نجهل‏

و قال أيضا:

إنا لتوزن الجبال حلومنا # و يزيد جاهلنا على الجهال‏

و قال الآخر:

و عظيم الحلم لو وازنته # بثبير أو برضوى لرجح‏

كما أنهم إذا ذموا الحلم وصفوه بالخفة، قال عياض بن كثير الضبي :

قبائله سود خفاف حلومهم # ذوو نيرب في الحي يغدو و يطرق‏

و قال علقمة بن هبيرة الأسدي :

كان جرادة صفراء طارت # بأحلام الغواضر أجمعينا

____________

(1) ذرا ناب الجمل: انكسر حده . -المؤلف-

406

جعلها صفراء لأنها ذكر و هي أسرع من الأنثى و أخف. قال ابن قيس الرقيات أو أبو العباس الأعمى :

بحلوم إذا الحلوم استخفت # و وجوه مثل الدنانير ملس‏

و قال قيس بن عمير الكناني :

كمثل الحصى بكر و لكن خيانة # و غدر و أحلام خفاف عوازب‏

و أيضا فان البرد لا يوصف بالرقة و إنما يوصف بالمتانة و الصفاقة.

و إني لأعجب من اتباع البحتري إياه في البرد، مع شدة تجنبه الأشياء المنكرة عليه حيث يقول:

و ليال كسين من رقة الصيف # فخيلن أنهن برود

و لكن الجيد في وصف الحلم قوله متبعا للمذهب الصحيح المعروف:

خفت إلى السؤدد المجفو نهضته # و لو يوازن رضوى حلمه رجحا

و قوله:

فلو وزنت أركان رضوى و يذبل # و قيس بها في الحلم خف ثقيلها

قال و أبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم و يعلم أن الشعراء إليه يقصدون و إياه يعتمدون، و لعله قد أورد مثله، و لكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطا (اه) . (أقول) لعل الذي قاد أبا تمام إلى ذكر البرد إرادة التجنيس، فإنه ذكر في قافية البيت الذي قبله لفظة البرد بفتح ألباء فقال:

لدى ملك من أيكة الجود لم يزل # على كبد المعروف من فعله برد

و الذي في الديوان

(رقيق حواشي الحلم لو أن خلقه)

و يمكن أن يقال إن الحلم هنا ليس بمعنى العقل فان الحلم أصل معناه التأني و التدبر و ما إلى ذلك، و إنما استعمل في العقل من باب استعمال اسم المسبب في السبب، و حينئذ فيمكن وصفه برقة الحواشي باعتبار ما يصدر عنه من العطف و الشفقة، و باب المجاز يتسع لأشياء كثيرة، و يرشد إليه ما في الديوان من ذكر خلقه بدل حلمه، و وصف البرد بالرقة غير مستنكر، فان من صفات الثياب الممدوحة الرقة.

10- قال الآمدي و أنكر أبو العباس على أبي تمام قوله:

من الهيف لو أن الخلاخل صيرت # لها وشحا جالت عليها الخلاخل‏

قال و لم يذكر موضع العيب فيه و لا أراه علمه. و الوشاح للمرأة في موضع حمائل السيف، و من شان الخلاخيل ان توصف بأنها تضيق في الأسواق، فإذا جعل خلاخيلها وشحا تجول عليها فقد أخطا الوصف، لأنه إذا كان الخلخال-و هو حلقة مستديرة -وشاحا للمرأة فقد مسخت إلى غاية الصغر، و لو قال حقبا أو نطقا لصح المعنى، لأن الحقاب ما تديره المرأة على خصرها ، و كذلك النطاق و المراد بالهيف دقة الخصر، فإذا بولغ فيه قيل إن خصرها لو وضع في خلخالها لجال فيه كما قال منصور النميري :

فلو قست يوما حجلها بحقابها # لكانا سواء لا بل الحجل أوسع‏

و كما قال أبو العتاهية :

نغج روادفهن يلبسن # الخواتم في الخصور

قال الآمدي : فهذا ما أنكره أبو العباس مما أبو تمام فيه غالط و هو ثلاثة أبيات (اه) . 406 11- قال الآمدي و مما أخطا فيه أبو تمام قوله.

مها الوحش إلا ان هاتا أوانس # قنا الخط إلا أن تلك ذوابل‏

و إنما قيل للقنا ذوابل للينها و تثنيها، فنفى ذلك عن قدود النساء و هو من أكمل صفاتها.

12-قال الآمدي : و مما أخطا فيه الطائي أقبح خطا قوله.

قسم الزمان ربوعها بين الصبا # و قبولها و دبورها أثلاثا

و الصبا هي القبول باتفاق أهل اللغة، و الجيد قول البحتري :

متروكة للريح بين شمالها # و جنوبها و دبورها و قبولها

13-قال الآمدي : و من خطائه قوله

و صنيعة لك ثيب أهديتها # و هي الكعاب لعائذ بك مصرم

حلت محل البكر من معطى و قد # زفت من المعطي زفاف الأيم‏

أي هذه الصنيعة ثيب عندك أي قد اصطنعت مثلها مرارا و بكر عند هذا العائذ بك لأنها أول ما اصطنعته عنده أو أكبر ما اصطنعته عنده، و المصرم القليل المال ، فأراد بالكعاب البكر و الكعاب التي كعب ثديها ، و هي تكون بكرا و تكون ثيبا، فليست ضدا للثيب، فهذا الخطا في البيت الأول، و أجاب عنه الآمدي بان مقابلة الكعاب بالثيب صحيح، و قد جاء مثله في أشعار العرب قال قدامة بن ضرار الحنفي :

غداة خطبنا البيض بالبيض عنوة # و أبن إلينا ثيبات و كعبا

أراد بالكعب الأبكار، و قال جرير يهجو امرأة:

و قد حملت ثمانية و تمت # لتاسعة و تحسبها كعابا

فأقام الكعاب مقام البكر، و إنما فعلوا ذلك و إن كانت الكاعب قد تكون بكرا و تكون ثيبا لأن الغالب في الكواعب البكارة. و أما الخطا في البيت الثاني فمقابلة الأيم بالبكر، و الأيم التي لا زوج لها بكرا أو ثيبا .

قال و قد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر فقال:

ذكرت صنيعة لك ألبستني # أثيث المال و النعم الرغاب

و ليست بالعوان العنس عندي # و لا هي منك بالبكر الكعاب‏

(العوان) بين المسنة و الصغيرة السن، و هي التي قد عرفت الأمور و جرت عليها التجربة، و منه قيل حرب عوان، و هي التي قوتل فيها مرة بعد مرة، أستعير لها اسم المرأة في هذه الحال كما أستعير لها اسم الفتاة في قوله‏

(الحرب أعظم ما تكون فتية)

و أراد أبو تمام بهذين البيتين ما أراده بالبيتين السابقين، إلا انه جعل العنس هنا في موضع العانس فغلط، و العانس هي التي حبسها أهلها عن التزويج حتى تجاوزت حد الفتاة . و لا يجوز ان يريد بالعنس المصدر ليكون من إقامة المصدر مقام الصفة، لأن مصدر عنس عنوس و عناس و لم يسمع العنس.

14-قال الآمدي : و من خطائه قوله:

الود للقربى و لكن عرفه # للأبعد الأوطان دون الأقرب‏

فجعل وده لذوي قرابته و منعهم عرفه، و جعله في الأبعدين مع أن الأقربين أولى به، فهو بان يكون ذما أولى من أن يكون مدحا. ـ

407

-قال الآمدي : و من خطائه قوله:

يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا # من راحتيك درى ما الصاب و العسل‏

فهذا البيت مبني على فساد لكثرة ما فيه من الحذف، و تقديره يدي رهن لمن شاء إن كان لم يذق جرعا من راحتيك درى ما الصاب و العسل.

16-قال و من خطائه قوله:

شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي # و محت كما محت وشائع من برد

( محت بليت . جعل الوشائع حواشي البرد أو شيئا منها، و ليس الأمر كذلك، إنما الوشائع غزل من اللحمة ملفوف يجره الناسج بين طاقات السدي عند النساجة.

17-قال: و من خطائه قوله

لو كان في عاجل من آجل بدل # لكان في وعده من رفده بدل‏

و لم لا يكون في عاجل من آجل بدل و الناس كلهم على اختيار العاجل و إيثاره على الآجل، و كان وجه الكلام الذي يصح به المعنى و يستقيم أن يقول: لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعل لكان في وعده من رفده بدل.

18-قال: و من خطائه قوله

بيوم كطول الدهر في عرض مثله # و وجدي من هذا و هذاك أطول‏

فجعل للدهر و هو الزمان عرضا، و ذلك محض المحال، على أنه ما كانت اليه حاجة لأنه استوفى المعنى بقوله كطول الدهر فاتى على العرض في المبالغة. فان قيل فلم لا يكون سعة و مجازا قيل هذه الألفاظ صنعتها صنعة الحقيقة، و هي بعيدة من المجاز لأن المجاز في هذا له صورة معروفة و ألفاظ مالوفة معتادة، و هي قول الناس عشنا في خفض و دعة زمانا طويلا عريضا، و ما زلنا في رخاء و نعمة الزمان الطويل العريض، و إنما أرادوا تمامه و كماله و سعته نحو قولهم ثوب طويل عريض أي تام واسع، و أرض طويلة عريضة أي تامة في الطول و السعة ، و كذلك إذا وصفوا ما ليس له طول و لا عرض على الحقيقة فإنما يريدون التمام و الكمال كقول الراعي :

إذا ابتدر الناس المكارم بذهم # عراضة أخلاق ابن ليلى و طولها

و أكثر ما يراد بالعرض إذا جاء مفردا عن الطول السعة نحو قولهم فلان في نعمة عريضة، و له جاه عريض، و قوله تعالى‏ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ أي سعتها. فذو دعاء عريض، و قال تميم بن أبي مقبل .

يقطعن عرض الأرض غير لواغب # و كان بحريها لهن صحاري‏

أي سعة الأرض، و قال الآخر.

سأجعل عرض الأرض بيني و بينهم # و أجعل بيتي في غني و أعصر

فهذا إذا جرى على هذا اللفظ المستعمل حسن، و إذا عدل به إلى ما يشبه الحقائق أو يقاربها كان خطا، فإذا قلت مضى لنا في الخفض و الدعة دهر طويل طوله كعرضه لم يجز كقول الطائي

(بيوم كطول الدهر في عرض مثله)

لأن هذا الترتيب كان وصفا لأشياء مجسمة فكان هذا اللفظ، كأنه يذرع ثوبا أو يمسح أرضا أو يصف بالقصر رجلا، كما قال تميم بن أبي مقبل : 407

و كل يمان طوله مثل عرضه # فليس له أصل و لا طرفان‏

و الزمان يوصف بالطول فيقال: طال ليلي و طال نهاري، فما كانت حاجة إلى العرض كما يوصف الوجد بذلك لا بالعرض، أ لا تراه قال

(و وجدي من هذا و هذاك أطول)

.

19-و قال أبو تمام

و رحب صدر لو ان الأرض واسعة # كوسعه لم يضق عن أهله بلد

قال الآمدي : و هذا أيضا غلط لأن كل بلد يضيق بأهله ليس ضيقه من جهة ضيق الأرض. و يمكن الجواب بأنه أراد بالأرض كل بقعة و كل بلد منها، و الشعر لا يبتني على تدقيق‏الفلسفة.

20- قال الآمدي : و من خطائه قوله.

لو لم تصادف شياة البهم أكثر ما # في الخيل لم تحمد الأوضاح و الغرر

قال و هذا فساد في ترتيب البيت لأنه ليس إذا وجدت شياة البهم- و هي صغار الغنم -أكثر ما في الخيل، و وجدت شياة الخيل أكثر ما في البهم كان ذلك موجبا لحمد الأوضاح و الغرر، و إنما كان يصح نظم الكلام لو لم توجد الأوضاح و الغرر في البهم حتى تكون مخصوصة بالخيل فيقول لو لم تعدم الأوضاح و الغرر في البهم لما حمدت في الخيل، فاما أن توجد شياة البهم في الخيل كثيرا أو شياة الخيل في البهم دائما فليس هذا بموجب حمد الأوضاح و الغرر في الخيل لأن الأوضاح و الغرر موجودة في الغنم (اه) . (و أقول) هذا البيت أخطا الآمدي في فهمه فأوجب ذلك اعتراضه على أبي تمام (فالشيات) جمع شية و هي كل لون يخالف معظم لون الفرس أو غيره، قال الله تعالى‏ مُسَلَّمَةٌ لاََ شِيَةَ فِيهََا : أي ليس في جلدها لون يخالف باقي لونه (و البهم) جمع بهيم كرغف و رغيف (و الأوضاح) جمع وضح و هو البياض يقال بالفرس وضح إذا كان به شية كالغرة و التحجيل (و الغرر) جمع غرة و هي بياض في الجبهة (و معنى البيت) ان الشيات التي تخالف معظم لون الفرس كالغرر و الحجول لو لم تكن مع اللون الذي هو أكثر ما في الخيل الدهم لم تكن محمودة، فالأوضاح و الغرر إنما حمدت لقلتها في جنب بقية اللون و لو كانت كثيرة في الفرس كالذي أكثر لونه أو كله ابيض لم يكن ذلك البياض محمودا كما تحمد الغرر و الحجول، و الآمدي حيث فسر البهم بصغار الغنم وقع في الخطا و اعترض بما اعترض على ما لم يقصد أبو تمام شيئا منه و لا خطر له ببال، و هذا البيت كالحجة للأبيات التي قبله و هي قوله:

إن الكرام كثير في البلاد و إن # قلوا كما غيرهم قل و إن كثروا

لا يدهمنك من دهمائهم عدد # فان كلهم أو جلهم بقر

فكلما أمست الأخطار بينهم # هلكى تبين من أمسى له خطر

لو لم تصادف شياة البهم‏

(البيت) فهو يقول الأوضاح و الغرر إنما حمدت لقلتها كما أن الكرام إنما يحمدون لقلتهم في جنب غيرهم-كما فصلناه في الجزء الأول من معادن الجواهر .

21- قال الآمدي : و من خطا المدح قوله

ساحمد نصرا ما حييت و إنني # لأعلم أن قد جل نصر عن الحمد

فإنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله اليه عباده بان يذكروه به و ينسبوه اليه و افتتح فرقانه في أول سورة بذكره و حث عليه و لو قال: لو جل‏

408

أحد عن الحمد لجللت عنه كان أعذر، كما قال البحتري :

لو جل خلق قط عن أكرومة # تبنى جللت عن الندى و البأس‏

22- قال الآمدي : و من خطائه قوله.

أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها # بالدمع أن تزداد طول وقود

و هذا خلاف ما عليه العرب لأن من شان الدمع أن يبرد الغليل، و هو في أشعارهم كثير، و اتبعهم أبو تمام في غير هذا البيت مكررا ذلك في شعره كقوله:

نثرت فريد مدامع لم تنظم # و الدمع يحمل بعض ثقل المغرم‏

و قال:

واقعا بالخدود و البرد منه # واقع بالقلوب و الأكباد

و قال:

فلعل عبرة ساعة أذريتها # تشفيك من إرباب و جد محول‏

و جعل الآمدي من شواهد ذلك قول أبي تمام .

فلعل عينك أن تجود بمائها # و الدمع منه خاذل و مواسي‏

و الصواب انه خارج عن معنى ما استشهد به إذ مواساة الدمع لا ربط لها بتخفيف الحزن (و الحق) إن أبا تمام لا نقد عليه فيما ذكره لأن أساليب الكلام تختلف فمرة يجعل الدمع مخففا للوجد و مرة يقصد إلى زيادة المبالغة فيقال إن جمرة الوجد إذا أريد إطفاؤها بالدمع تزداد توقدا.

23- قال: و من خطائه قوله

رضيت و هل أرضى إذا كان مسخطي # من الأمر ما فيه رضى من له الأمر

فقوله (و هل أرضى) إنكار و نفي للرضا و هذا خطا فاحش، فإنه إذا كان مسخطه ما فيه رضى من له الأمر-و هو الله-فعليه أن يرضى، فكان الواجب أن يقول و كيف لا أرضى (و أقول) ليس هذا مما يخفى على أبي تمام و لا الأقل منه، فيوشك أن يكون في رواية البيت خطا و صوابه (بلى أرضى) أو نحوه.

24- قال: و من خطائه قوله في البكاء على الدار:

دار أجل الهوى عن أن ألم بها # في الركب إلا و عيني من منائحها

قال: و هذا لفظ محال عن وجهه لأن إلا هنا تحقيق و إيجاب، فكيف يجوز أن تكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها (اه) . و الصواب أن الخطا من الامدي لا من أبي تمام ، فان قوله‏

أجل الهوى عن أن ألم بها

في معنى النفي و هو لم ينف الإلمام بها مطلقا بل الإلمام الذي لا تكون عينه فيه من منائحها، فحاصل المعنى أنه كلما ألم بها كانت عينه من منائحها، و هذا لا غبار عليه.

25- قال. و من أخطائه في وصف الربع و ساكنه قوله.

قد كنت معهودا بأحسن ساكن # ثاو و أحسن دمنة و رسوم‏

و الربع لا يكون رسما إلا إذا فارقه ساكنوه لأن الرسم هو الأثر الباقي بعد سكانه ، و الصواب قول البحتري :

يا مغاني الأحباب صرت رسوما # و غدا الدهر فيك عندي ملوما

26-قال: و من خطائه قوله. 408

طلل الجميع لقد عفوت حميدا # و كفى على رزئي بذاك شهيدا

أراد كفى بمضيه حميدا شاهدا على رزئي، و كان الوجه أن يقول:

و كفى برزئي شاهدا على مضيه حميدا لأن حمد أمر الطلل قد مضى و ليس بشاهد و لا معلوم و رزؤه بما ظهر من تفجعه شاهد معلوم، فلأن يكون الحاضر شاهدا على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهدا على الحاضر (اه) (و أقول) قوله كفى راجع إلى قوله عفوت أي و كفى بعفوك شهيدا على رزئي، و العفو حاضر مشاهد، و الاعتراض ساقط.

27-قال: و من خطائه قوله في الفراق.

دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة # فلباه طل الدمع يجري و وابله‏

و تلبية الدمع مضرة للمشتاق على الشوق لأنه يخففه و يطفئ حرارته فهو حرب للشوق لا ناصر له كما قال البحتري .

و بكاء الديار مما يرد الشوق # ذكرا و الحب نضوا ضئيلا

و قد تبعه البحتري في هذا الخطا فقال يذكر الديار.

نصرت لها الشوق اللجوج بادمع # تلاحقن في أعقاب وصل تصرما

(أقول) الصواب أنه لا خطا منه و لا من البحتري فصاحب الشوق إذا أراد البكاء فأجابه الدمع صح أن يقال إن دمعة نصر الشوق أي أجابه و لم يستعص عليه، و لا يلزم أن يزيده و يقويه فهو كقول أبي تمام المتقدم:

فلعل عينك أن تجود بمائها # و الدمع منه خاذل و مواسي‏

28- قال الآمدي : و من خطائه في معنى الشوق قوله:

يكفيكه شوق يطيل ظماءه # فإذا سقاه سقاه سم الأسود

فقوله‏

شوق يطيل ظماءه

غلط لأن الشوق هو الظما نفسه، أ لا ترى أنك تقول أنا عطشان إلى رؤيتك و ظمآن و مشتاق بمعنى واحد فكيف يكون هو المطيل للظمإ و الساقي و المحبوب هو الذي يظمئ و يسقي أو البعد أو الهجر (و أقول) الظما العطش و هو غير الشوق لغة و عرفا، و استعمال أنا ظمآن إلى رؤيتك و أنا مشتاق إليها لا يجعلهما واحدا، فان ظمآن في هذا الاستعمال مجاز و نسبة السقي إلى الشوق مجاز.

29- قال: و من خطائه قوله.

أمر التجلد بالتلدد حرقة # أمرت جمود دموعه بسجوم‏

جعل الحرقة آمرة التجلد بالتلدد و الحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد البتة و تذهب به فاما أن تجعله متلددا، فهذا من أحق المعاني و أولاها بالاستحالة، و أيضا فاي لفظ أسخف من أن يجعل الحرقة آمرة، و إنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة أو جالبة (اه) . (و أقول) التلدد التحير و قوله إن الحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ساقط، فان معنى أمرها التجلد بالتلدد أن تجعل المتجلد متلددا متحيرا فسواء أسقط التجلد أم لا فالمعنى صحيح لا استحالة فيه و إذا كانت الحرقة باعثة و جالبة للتلدد و سجوم الدمع فما أجدرها بان تجعل آمرة به، فجعل ذلك سخافة نوع من السخافة.

30- قال: و من خطائه قوله.

من حرقة أطلقتها فرقة أسرت # قلبا و من غزل في نحره عذل‏ (1)

قال الآمدي و إنما قال أطلقتها من أجل قوله أسرت ليطابق بين

____________

(1) هكذا في الديوان و في نسخة من الموازنة لا يعتمد على صحتها

و من عذل في نحره غزل

و المعنى غير ظاهر و يمكن أن يكون الصواب‏

و من غزل في نحره غزل

-المؤلف-

409

الإطلاق و الأسر، و قوله أسرت معنى ردي‏ء لأن القلب إنما يأسره و يملكه شدة الحب لا الفراق، فان لم يكن مأسورا قبل الفراق فما كان هناك حب فلم حضر للتوديع و ما كان وجه البكاء و الاستهلال و الوجل الذي ذكره في البيت السابق بقوله:

و لو تراهم و إيانا و موقفنا # في موقف البين لاستهلالنا زجل‏

(و أقول) نسبة الأسر إلى القلب مجاز، و كما يقال أسره الحب يقال أسره البين و الفراق، بل لعل الثاني أكثر، و هو عبارة عن تعلق القلب بالظاعن و شدة الشوق للقياه، و لا شك أن هذه الحالة تكون عند الفراق أشد منها قبله، فيناسب كثيرا نسبة الأسر إلى الفرق فاعتراض الآمدي ساقط بارد.

31- قال: و من خطائه قوله.

ما لامرئ خاض في بحر الهوى عمر # إلا و للبين منه السهل و الجلد

قال الامدي : و هذا عندي خطا إن كان أراد بالعمر مدة الحياة لأنه اسم واحد للمدة بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه عمر، كما لا يقال ما لزيد رأس إلا و فيه شجة و ما له لسان إلا و هو فصيح و كذلك لا يقال: ما له عمر إلا و هو قصير، و إنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد مثل:

ما له ضلع إلا مكسورة. (و أقول) فرق بين قولنا

ما لامرئ خاض في بحر الهوى عمر

و قولنا ما لزيد عمر أو رأس، فالأول ليس مخصوصا بشخص خاص بل هو عام بمنزلة قولنا ما عمر من الأعمار، فسقط الاعتراض.

32- قال الامدي : و قال في علي بن الجهم .

هي فرقة من صاحب لك ماجد # فغدا إذابة كل دمع جامد

فافزع إلى ذخر الشؤون و غربه # فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد

و إذا فقدت أخا و لم تفقد له # دمعا و لا صبرا فلست بفاقد

بعض جهد الجاهد أي بعض جهد الحزن الذي جهدك (يقال جهد دابته أي بلغ جهدها) و لو كان استقام له بعض جهد المجهود لكان أحسن، و قد جاء فاعل بمعنى مفعول كعيشة راضية بمعنى مرضية و لمح باصر أي مبصر فيه لكنه ليس بقياسي (و أقول) يجوز أن يكون الجاهد من جهد بمعنى جد حتى بلغ أقصى جهده و طاقته و استعمل فيمن بلغ أقصى جهده في الحب. قال و قوله: فلم تفقد له دمعا و لا صبرا من أفحش الخطا لأن الصابر لا يكون باكيا و الباكي لا يكون صابرا، و معناه إذا فقدت أخا فادام البكاء عليك فلست بفاقد وده و إخوته و هو محصل لك غير مفقود و إن كان غائبا عنك و هذا أراد إلا انه أفسده بذكر الصبر مع البكاء، و ذلك خطا ظاهر، ثم قال: و ذلك غفلة منه عجيبة، و أطال في ذكر توجيهات متسعفة و ردها (و أقول) الخطا من الآمدي و الغفلة منه فابو تمام يقول:

و إذا فقدت أخا فلم تفقد له دمعا

أي لم تبك لفقده فان الباكي يفقد دمعة فيخرجه من عينيه و ينثره على خديه و غيرهما، و لذلك عبروا عن ترك البكاء بصيانة الدمع كما قال أبو تمام على مثلها من أربع و ملاعب أذيلت مصونات الدموع السواكب و عبر عن الحزن بفقدان الدمع ليطابق قوله و إذا فقدت أخا و لا صبرا أي لم تفقد صبرك فتحزن لفقده. فاي غفلة من الامدي أعجب من هذه، و صدق فيه: أساء فهما فأساء إجابة. 409 33- قال الآمدي و قال أبو تمام

لما استحر الوداع المحض و انصرمت # أواخر السير إلا كاظما و جما

رأيت أحسن مرئي و أقبحه # مستجمعين لي التوديع و العنما

(العنم) شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية الواحدة عنمة كأنه استحسن إصبعها و استقبح إشارتها اليه بالوداع، و هذا خطا في المعنى، أ تراه ما سمع قول جرير .

أ تنسى إذ تودعنا سليمى # بفرع بشامة سقي البشام

فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعته به فسر بتوديعها، و أبو تمام استحسن إصبعها و استقبح إشارتها، و لعمري إن منظر الفراق منظر قبيح، و لكن إشارة المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب و أقلهم معرفة بالغزل و أغلظهم طبعا و أبعدهم فهما (اه) (و أقول) أراد بأقبح مرئي منظر الفراق الذي اعترف الامدي بأنه منظر قبيح، و الذي قال أبو تمام في البيت الأول أنه أوجب الكظم و الوجوم. و لم يرد به إشارتها ببنانها إليه بالوداع، و جرير دعا للبشام لشبهه باناملها إذ ودعته، و هذا الذي قال عنه أبو تمام انه أحسن مرئي. فقوله لا يستقبحه إلا أجهل الناس بالحب إلى آخره، لا يصدر إلا من أجهل الناس بمعاني الشعر.

34- قال الآمدي : و قال أبو تمام .

فلويت بالمعروف أعناق الورى # و حطمت بالانجاز ظهر الموعد

حطم ظهر الموعد بالانجاز استعارة قبيحة جدا، و المعنى في غاية الرداءة لأن إنجاز الموعد هو تصحيحه و تحقيقه، و حطم ظهره انما يكون إذا أخلف الوعد و قال أبو تمام :

إذا وعد انهلت يداه فاهدتا # لك النجح محمولا على كاهل الوعد

فهذه استعارة صحيحة و ان كان كاهل الوعد قبيحا، قال و مثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله:

إذا ما رحى دارت أدرت سماحة # رحى كل إنجاز على كل موعد

و المعنى الصحيح قوله:

أ بلهم ريقا و كفا لسائل # و أنضرهم وعدا إذا صوح الوعد

و مثله في الصحة قوله:

تزكو مواعده إذا وعد امرأ # أنساك أحلام الكرى الأضغاثا

أما قوله:

نؤم أبا الحسين و كان قدما # فتى أعمار موعده قصار

و قول البحتري :

و جعلت فعلك تلو قولك قاصرا # عمر العدو به و عمر الموعد

فان عمر الموعد مدة وقته فإذا أنجز صار مالا فنفاد وقته ليس بمبطل له بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى، أ لا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا المعنى و جاء بالأمر من فصه فقال:

يوليك صدر اليوم ما فيه الغنى # بمواهب قد كن أمس مواعدا

ثم اتبع البحتري هذا البيت بقوله:

شيم السحائب ما بدأن بوارقا # في عارض إلا انثنين رواعدا

ـ

410

(أقول) تقصير عمر الوعد إنجازه قبل مجي‏ء وقته و لم يقل أبو تمام إن ذلك إبطال له.

35- قال: و من خطائه قوله.

فلو ذهبت سنات الدهر عنه # و ألقي عن مناكبه الدثار

لعدل قسمة الأرزاق فينا # و لكن دهرنا هذا حمار

صدر البيت لائق بالمعنى لأن من كان فيه سنة أو نوم لا يبصر الرشد، فاما دثار المناكب فليس من هذا الباب في شي‏ء، إذ قد يبصر الإنسان رشده و على مناكبه دثار و على ظهره أيضا حمل، و لفظة الدثار أيضا إنما تستعمل لمنع الهواء و البرد لا لمنع الفهم و الرشد (اه) . (أقول) يمكن أن يكنى بإلقاء الدثار عن المناكب عن فراغ البال الموجب لاستجماع الفهم و صفاء الذهن.

36- قال: و من خطائه قوله:

و أرى الأمور المشكلات تمزقت # ظلماتها عن رأيك المتوقد

عن مثل نصل السيف إلا أنه # مذ سل أول سلة لم يغمد

فبسطت أزهرها بوجه أزهر # و قبضت أربدها بوجه أربد

فقال الأمور المشكلات و جعل لها ظلمات فكيف يقول فبسطت أزهرها و الزهر هي النيرات و المشكلات لا يكون شي‏ء منها نيرا و كأنه يريد أن الأمور المشكلة منها جيد قد أشكل الطريق إليه و منها ردي‏ء قد جهلت أيضا حاله فهي كلها مظلمة فيمزق ظلماتها برأيه و يكشف عن الجيد منها و يبسطه أي يستعمله و يكشف عن رديها و يقبضه أي يكفه و يطرحه ، و لكن ما كان ينبغي له أن يقول بوجه أزهر و بوجه أربد إذ لا صنع هنا للوجه إنما هو الرأي و العقل و الرأي على الأحوال كلها أزهر مسفر و الوجه أبيض (اه) (و أقول) الردي‏ء من الأمور من شانه أن يربد له وجه الإنسان، فلا مانع من أن يقول أبو تمام

و قبضت أربدها بوجه أربد

.

37- قال و من أخطائه قوله

كالأرحبي المذكي سيره المرطا # و الوخد و اللمع و التقريب و الخبب‏

(فالأرحبي) من الإبل منسوب إلى أرحب حي من همدان تنسب إليهم النجائب (و المذكي) الذي قد انتهى في سنه و قوته (و المرطا) من عدو الخيل فوق التقريب و دون الاهذاب (و الوخد) الاهتزاز في السير مثل وخد النعام (و اللمع) من سير الإبل السريع (و التقريب) من عدو الخيل معروف (و الخبب) دونه، و ليس التقريب و المرطا من عدو الإبل، بل هو من عدو الخيل لم أره في أوصاف الإبل و لا سيرها.

38- قال و من أخطائه قوله:

و مشهد بين حكم الذل منقطع # صاليه أو بحبال الموت متصل

جليت و الموت مبد حر صفحته # و قد تفرعن في أفعاله الأجل‏

لو كان حكم الذل أشياء متفرقة لصحت فيها بين غير أن حكم الذل و الذل بمنزلة واحدة و جعل قوله منقطع في موضع محجم و متصل في موضع مقدم و ليس هذا من مواضع متصل و لا منقطع و جاء به من أجل الطباق و التجنيس الذين بهما فسد شعره (و قوله) تفرعن من ألفاظ العامة و ما زال الناس يعيبونه و يقولون اشتق للأجل الذي هو مطل على كل النفوس فعلا من اسم فرعون ، و قد أتى الأجل على نفس فرعون و على نفس كل فرعون 410 كان في الدنيا (و أقول) جاز أن يريد بحكم الذل الجنس أي بين أحكام الذل. و وضع لفظة مكان لفظة إذا أردت معناها لغرض الطباق أو غيره ليس معيبا كما أن استعمال العامة لكلمة لا يوجب ان يكون استعمال غيرهم لها معيبا و مناحي الكلام متسعة، فكون الأجل أتى على نفس كل فرعون لا يمنع أن نعبر عن تسلط الأجل بقولنا تفرعن عن الأجل.

39- قال: و من أخطائه قوله:

سعى فاستنزل الشرف اقتسارا # و لو لا السعي لم تكن المساعي‏

قوله‏

سعى فاستنزل الشرف اقتسارا

ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف (اه) ملخصه. (و أقول) ليس معنى استنزال الشرف حطه عن رتبته بل معنى استنزاله أخذه من مكان عال، فان من شان الشرف أن يوصف بعلو المكان، فهو قد أخذه من مكانه العالي بجدة و اجتهاده و بسعيه و لم يعطه إياه أحد.

40- قال: و من أخطائه قوله:

يقظ و هو أكثر الناس إغضاءا # على نائل له مسروق‏

قوله‏

على نائل له مسروق

خطا لأن نائله و هو ما ينيله كيف يكون مسروقا (اه) ملخصه و باب المجاز واسع يسع أن يسمى المسروق منه نائلا باعتبار إغضائه عنه.

41- قال: و من أخطائه قوله:

لو يعلم العافون كم لك في الندى # من لذة و قريحة لم تحمد

و هذا عندي غلط لأن الوصف الذي وصفه به داعية أن يتناهى الحامد له في الحمد.

42-قال: و من أخطائه قوله:

تناول الفوت أيدي الموت قادرة # إذا تناول سيفا منهم بطل‏

قوله‏

تناول الفوت أيدي الموت

عويص من عويصاته و إنما سمع قول سعد بن مالك :

هيهات حال الموت دون # الفوت و انتضي السلاح‏

و الفوت هو النجاة أي حال الموت دون النجاة، و هذا صحيح مستقيم فقال هو تناول الفوت أي الموت و هذا محال لأن النجاة لا تتناولها يد الموت و لا تصل إليها، و إلا لم تكن نجاة. و هذا من تعقده الذي يخرجه إلى الخطا و إنما قصد إلى ازدواج الكلام في الفوت و الموت و لم يتأمل المعنى (اه) (و أقول) هذا عجيب من الآمدي فان تناول أيدي الموت للفوت هو حيلولتها دونه الذي هو في بيت سعد بن مالك ، فالذي لم يتأمل المعنى هو الآمدي لا أبو تمام .

43- قال: و من أخطائه قوله:

و اكتست ضمر الجياد المذاكي # من لباس الهيجا دما و حميما

في مكر تلوكها الحرب فيه # و هي مقورة تلوك الشكيما

(مقورة) ضامرة . قال الآمدي : فهذا معنى قبيح جدا أن جعل الحرب تلوك الخيل من أجل قوله تلوك الشكيما، و تلوك الشكيم أيضا هاهنا خطا لأن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر و إنما تلوكه واقفة، و إنما طرح‏

411

أبو تمام قلة خبرته بامر الخيل، أ لا ترى إلى قول النابغة :

خيل صيام و خيل غير صائمة # تحت العجاج و خيل تعلك اللجما

خيل صيام: أي واقفة مستغنى عنها لكثرة خيلهم ، و خيل تحت العجاج في الحرب، و خيل تعلك اللجم قد أسرجت و ألجمت و أعدت للحرب (اه) . (و أقول) تلوكها الحرب معنى لا قبح فيه، فلوك الحرب لها مجاز عما يصيبها في الحرب كما يقال: أكلتهم الحرب و ضرستهم بأنيابها و نحو ذلك. و كون الخيل لا تلوك الشكيم في المكر غير مسلم، فهي في المكر توقف فتعلك الشكيم، لأن المراد بالمكر مكان الكر لا ساعة الكر فهو كقول أنس بن الريان :

أقود الجياد إلى عامر # عوالك لجم تمج الدماء

الذي اعتذر عنه الآمدي بان القود قد يكون في خلاله تلبث و توقف.

44- قال: و من أخطائه قوله:

و الحرب تركب رأسها في مشهد # عدل السفيه به بالف حليم

في ساعة لو أن لقمانا بها # و هو الحكيم لكان غير حكيم

جثمت طيور الموت في أوكارها # فتركن طير العقل غير جثوم‏

جعل طير الموت في أوكارها جاثمة أي ساكنة لا ينفرها شي‏ء و طير العقل غير جثوم يعني أنها نفرت فطارت يريد طيران عقولهم من شدة الروع، و ما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوما في أوكارها بل جاثمة على رؤوسهم أو واقعة عليهم، فإنها في السلم و الأمن جاثمة في أوكارها، و طير العقل ليست ضدا لطير الموت بل ضد لطير الجهل، و طير الحياة هي ضد لطير الموت، و قوله غير جثوم لا ينوب مناب طائرة لأن الطير يكون جاثما و يكون قائما على رجليه ساكنا مطمئنا (اه) (و أقول) جثوم طير الموت في أوكارها كناية عن حضورها و استقرارها في محل المعركة و في ساعة الحرب، و لعل المراد باوكارها آلات القتال فان ساعة الحرب لما كانت مظنة الموت و الخطر صح أن يقال إن طير الموت جاثمة في أوكارها فيها في السيوف و الرماح و النبال، أما في ساعة السلم فلو قيل إن طير الموت جاثمة فيها في أوكارها لكان المراد به معنى آخر و هو بعدها عن الأحياء، و غير الجاثم يصح أن يعبر به عن غير المستقر، باعتبار أن الغالب على غير الجاثم عدم الاستقرار.

45- قال و من أخطائه قوله في وصف الفرس.

ما مقرب يختال في أشطانه # ملئان من صلف يه و تلهوق‏

يقال أقرب المهر إذا دنا من أن يصير ثنيا قال الآمدي ملئان من صلف يريد التيه و الكبر، و هذا مذهب العامة في هذه اللفظة، فاما العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى و إنما تقول صلفت المرأة عند زوجها إذا لم تحظ عنده و صلف الرجل إذا كانت زوجته تكرهه و الصلف الذي لا خير عنده فقد ذم الفرس من حيث يريد أن يمدحه و قد ذكر أبو عبيدة القاسم في الغريب المصنف في أول نوادر الأسماء التلهوق و قال و هو مثل التملق و ما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين إلا غالطا (اه) (أقول) ذكر في القاموس من معاني الصلف مجاوزة قدر الظرف و الادعاء فوق ذلك تكبرا فهو إذا يقارب معنى التيه و الكبر، و قال الزمخشري في الفائق : التلهوق أن 411 يتزين بما ليس فيه من خلق و مروة و يدعي الكرم و السخاء بغير بينة، و عندي أنه تفعول من اللهق و هو الأبيض فقد استعملوا الأبيض في موضع الكريم لنقاء عرضه مما يدنسه من ملامات اللئام (اه) . و في القاموس رجل لهوق كجرول مطر مذ فياش (اه) . مطر مذ ملق و فياش متكبر فلا مانع من استعمال التلهوق في إظهار أكثر مما فيه تيها و تكبرا، و كان أبا تمام أخذ بيته من قول الكميت :

أجزيهم يد مخلد و جزاؤها # عندي بلا صلف و لا بتلهوق‏

46-و قال أبو تمام :

و ثنوا على وشي الخدود صيانة # وشي البرود بمسجف و ممهد

قال الآمدي : المسجف المرخى و الممهد . الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة فكيف يكون مشركا مع المسجف الذي ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود، و الممهد ليس حاله هذه فيعطفه عليه.

47-قال: و من اخطائه قوله:

بقاعية تجري علينا كئوسها # فتبدي الذي نخفي و تخفي الذي نبدي‏

أي إن الخمر تخفي الذي نبديه في حال الصحو من الحلم و الوقار و الكف عن الهزل، و تبدي الذي نخفي أي الذي نعتقده و نكتمه من ضد ذلك لأنه في الطبيعة و الغريزة، و الذي كنا نظهره إنما هو تصنع و تكلف، فكل شي‏ء يظهره الإنسان و ليس في اعتقاده فان الذي يضمره و يكتمه هو ضده فإذا أظهر السكر اعتقاد المعتقد الذي هو الصحيح فان ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل و يتلاشي لا أن الشراب يخفيه و يكتمه كما كانت الحقيقة مكتومة، هذا محال لأن القلب هو محل المعتقدات فلا يجوز أن يجتمع فيه الشي‏ء و ضده، و الاعتقادات لا تكون باللسان لأن اللسان يكذب و القلب لا يتضمن إلا الحقيقية، و قول أبي تمام فتبدي الذي نخفي صحيح، و قوله و تخفي الذي نبدي فاسد، لأن نخفي معناه نكتم و نستر، و الذي قد أبطلته و أزلته لا يجوز ان يعبر عنه بانك أخفيته و كتمته (اه) (و أقول) هذا استقصاء على أبي تمام بارد، فالتعبير عما أزالته بأنها أخفته ليس بالأمر الصعب و لا المستهجن.

48- قال: و من أخطائه قوله في وصف فرس.

و بشعلة نبذ كان فليلها (فلولها) # في صهوتيه بدو شيب المفرق‏

(فليلها) ما تفرق منها (و الصهوة) موضع اللبد و هو مقعد الفارس من الفرس ، و ذلك الموضع أبدا ينحت شعره لغمز السرج إياه، فينبت أبيض لأن الجلد هنا يرق، و أنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، و ليس بالبياض المحمود و لا الحسن و لا الجميل (أقول) و لا بالبياض المذموم، و أبو تمام شبهه ببدء شيب المفرق، و لم يدع حمده و لا حسنه ليكون مخطئا. قال: و هو خطا من وجه آخر و هو أنه جعله شعلة، و الشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب و هو أن يبيض عرضها و ناحية منها فيقال:

فرس أشعل و شعلاء، و ذلك عيب من عيوب الخيل، فان كان ظهر الفرس أبيض خلقة فهو أرحل و لا يقال أشعل.

49-قال: و من قبيح وصف شياة الخيل قول أبي تمام في هذا الفرس أيضا:

مسود شطر مثل ما اسود الدجى # مبيض شطر كابيضاض المهرق‏

412

شطر الشي‏ء: جانبه و ناحيته ، و قد يراد بالشطر نصف الشي‏ء كشاطرتك مالي، و ذلك من أقبح شياة الأبلق، و لم يرده أبو تمام و إنما أراد بالشطر هنا البعض أو الجزء، و قد جعله أبو تمام في أول الأبيات أشعل ثم جعله هنا أبلق، فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه، و لا ينكر مثل هذا من ابتداعاته (اه) . (و أقول) صرح صاحب القاموس بان الشطر يطلق على الجزء، قال و منه حديث الأسراء فوضع شطرها أي بعضها (اه) يعني الصلاة.

50-و مما يمكن أن يعاب على أبي تمام قوله في غزل قصيدة يمدح بها محمد بن الهيثم بن شبابة :

و قالوا نكاح الحب يفسد شكله # و كم نكحوا حبا و ليس بفاسد

فان ذكر مثل ذلك زيادة على كونه من المجون السخيف في مدح رجل عظيم، غير لائق و لا مناسب. و مما يعاب عليه أيضا قوله في هذه القصيدة يذكر الممدوح:

فوا كبدي الحرى و وا كبد الندى # لأيامه لو كن غير بوائد

و هيهات ما ريب الزمان بمخلد # غريبا و لا ريب الزمان بخالد

فمثل هذا مما يتشاءم به و لا يليق ذكره في المدائح.

اللحن‏

الثاني-من الأمور التي عيبت على أبي تمام وقوع اللحن في كلامه في مواضع (أحدها) قوله:

ثانيه في كبد السماء و لم يكن # لاثنين ثان إذ هما في الغار

أي أن بابك ثاني مازيار في كبد السماء حين صلب إلى جانبه و لم يكن ثانيا لاثنين إذ هما في الغار بل ثانيا لمازيار فقال ثان و الصواب ثانيا لأنه خبر يكن (و الجواب) إن تسكين المنقوص المنصوب جائز في الشعر.

(ثانيها) قوله:

شامت بروقك آمالي بمصر و لو # أضحت على الطوس لم تستبعد الطوسا

فادخل آل على طوس و هي اسم بلدة معروفة. و الذي في الديوان :

شامت بروقك آمالي بمصر و لو # أضحت بطوس لما قصرت عن طوسا

و يخشى أن تكون رواية البيت على الوجه الأول تحريفا من الرواة فبنوا اعتراضهم على التحريف كما أشار إليه الصولي في بعض ما نقلناه عنه من الكلام، و لم يكن ليخفى على أبي تمام أن طوس علم لا تدخله ال و هو يعد من علماءالعربيةكما مر.

(ثالثها) قوله:

إحدى بني بكر بن عبد مناه # بين الكثيب الفرد و الأمواه‏

و إنما هي مناة في الادراج كما في قوله تعالى‏ وَ مَنََاةَ اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرى‏ََ و إنما تكون بالهاء في الوقف لا في الحركة و الدرج.

(رابعها) قوله:

لم يجتمع أمثالها في موطن # لو لا صفات في كتاب الباه‏

و إنما هي الباءة بالمد بوزن الباعة، و إن كان قد حكي الباه في بعض 412 اللغات الرديئة، و الردي‏ء لا يعتد به. و يرده قول صاحب القاموس الباه كالجاه النكاح .

(خامسها) قوله:

فكم لي من هواء فيك صاف # عذي جوه و هوى و بي‏

فقال عذي و هو عذ بالتخفيف.

(سادسها) قوله‏

على الأعادي ميكال و جبريل

فأوقع الاعراب على الأعادي و ذلك غير جائز. و هذا البيت لم أجده في الديوان .

(سابعها) قوله:

ستين ألفا و سبعينا و مثلهما # كتائب الخيل تحميها الأراجيل‏

فنون النون من سبعين و هذا لا يسوغه محدث و هذا البيت أيضا لم أجده في ديوانه .

(ثامنها) قوله:

صلتان أعداؤه حيث كانوا # في حديث من ذكره مستفاض‏

فقال: مستفاض و إنما هو مستفيض. و أجيب عنه بان المراد مستفاض فيه.

المعاظلة

الثالث-مما عيب على أبي تمام المعاظلة و هي مداخلة الكلام بعضه في بعض و ركوب بعضه لبعض كقولهم: تعاظل الجراد و تعاظلت الكلاب، قال الآمدي و من المعاظلة شدة تعليق الشاعر ألفاظ البيت بعضها ببعض و أن يداخل لفظة من أجل لفظة تشبهها و إن اختل المعنى بعض الاختلال كقول أبي تمام :

خان الصفاء أخ خان الزمان أخا # عنه فلم يتخون جسمه الكمد

يريد خان الصفاء أخ خان الزمان أخا من أجله إن لم يتخون جسمه الكمد. و قوله:

يا يوم شرد يوم لهوي لهوه # بصبابتي و أذل عز تجلدي‏

و قوله:

يوم أفاض جوى أغاض تعزيا # خاض الهوى بحري حجاه المزبد

حوشي الكلام‏

الرابع-مما عيب على أبي تمام تتبعه حوشي الكلام أي غريبه و إدخاله في شعره. و هذا كثير في شعره يطلع عليه المتتبع. و أبو تمام لالفه طريقة العرب الأول و حفظه و مطالعته أكثر شعرهم سلك مسالكهم في كثير من تراكيبه و أتى بألفاظهم الغريبة، و كان لالفه لها و سعة اطلاعه لا يراها غريبة و إن كانت غريبة عندنا، فاستعمال أكثرها لا يعاب عليه كما لا يعاب على العرب الأول ، كما نبهنا عليه مرارا. و نحن نذكر هنا نماذج كثيرة من تراكيبه التي سلك فيها مسلك العرب و بعض ألفاظه الغريبة بدون استقصاء فهو يقول في مطلع قصيدته التي يمدح بها أهل البيت ع :

أ ظبية حيث استنت الكثب العفر # رويدك لا يغتالك اللوم و الزجر

أسري حذارا أن تعيدك ردة # و يحسر ماء من محاسنك الهذر

أراك خلال الأمر و النهي بوة # عداك الردى ما أنت و النهي و الأمر

413

فهذا التركيب في هذه الأبيات يمت إلى تراكيب العرب بصلة ظاهرة، و يقول فيها:

هم الناس ساد الذم و الحرب بينهم # و حمران يغشاهم الحمد و الأجر

في القاموس حمر الرجل كفرح تحرق غضبا (اه) و كان حمر بالتشديد تضعيف حمر بالتخفيف للمبالغة، و هو من الألفاظ الغريبة، و كان يمكنه ان يقول بدلها و جانب ، و بعده.

صديقك منهم مضمر عنجهية # فقائده تيه و سائقه كبر

فالعنجهية و هي الكبر من الألفاظ المستثقلة ثم قال:

سئمتم عبور الضحل خوضا فاية # تعدونها لو قد طغى بكم البحر

و الضحل لفظ متنافر، ثم قال في أمير المؤمنين ع .

هو السيف سيف الله في كل مشهد # و سيف الرسول لا ددان و لا دثر

فددان من الألفاظ الغريبة المستثقلة!، و كرر لفظة ددان في شعره فقال.

و صارم الشفرتين عضبا # غير ددان و لا أنيث‏

و لكنه ما كان يرى هذه الألفاظ غريبة و لا وحشية لالفه ألفاظ العرب . ثم قال يذكر ما جرى على أهل البيت ع من الظلم و يشبه حال الأمة معهم بناقة تركت ولدها في روضة ثم غيبه عنها مسيل ماء فجنت لفقده ثم أبصرته خارجا من الروضة فرغا لما رآها فأسرعت إليه فلما أراد رضاعها ركلته برجلها و دفعته و رمت به فخر صريعا، و استمرت بقسوتها عليه تذهب إلى هنا و هنا و تستقرئ أمكنة العشب، فقال و كل أبياته هذه لا تعدو طريقة العرب الأول :

كام الحوار استودعته خميلة # ترأد فيها النبت و ازدوج الزهر

فهذا البيت في تركيبه البديع و ألفاظه الجميلة العذبة كام الحوار و الخميلة و ترأد النبت و ازدواج الزهر عربي قح قليل الشبه بشعر المولدين:

فغيبه عنها قري بوهدة # أحل بها أعباء أحماله القطر

القري كغني مسيل الماء و هو من الألفاظ العربية القحة التي لا تخلو من غرابة. و ما أجمل قوله‏

أحل به أعباء أحماله القطر

.

فجنت جنونا و استعاضت من الربى # فنونا و ما تغني المزلة و الذكر

و هذا البيت كغيره في تركيبه كأنه من تراكيب عرب الجاهلية

كلا و كلا ثم استحالته فاصلا # من الروض تزهاه حقوف نقى عفر

(كلا و كلا) أي مدة قليلة (و استحالته) نظرته (و فاصلا) خارجا (و تزهاه) تجعله يزهو في مشيه ، و هذا البيت لا يعدو شعر عرب الجاهلية .

رغا إذ رآها فاستجابت مشيحة # عليه و منها الركل و الزبن و الطحر

فالركل و الزبن و الطحر ألفاظ حوشية غير عذبة لا سيما مجتمعة و فيها ركل و زبن و طحر للقلب كما في معانيها للجسم و لا يكاد يستعمل مثلها المولدون، و إن استعملوها لم تكن محمودة منهم، لكن العرب الأول لا يتحاشون استعمالها. 413

فخر صريعا و استمرت بقسوة # ترود و تقرو الأمكنات التي تقرو

و يقول من قصيدة يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني :

نعم لواء الخميس أبت به # يوم خميس عالي الضحى أفده (1)

خلت عقابا بيضاء في حجرات # الملك طارت منه و في سدده (2)

فشاغب الجو و هو مسكنه # و قاتل الريح و هو من مدده

و مر تهفو ذؤابتاه على # أسمر متن يوم الوغى جسده (3)

تخفق أفياؤه على ملك # يرى طراد الأبطال من طرده (4)

و يقول في مطلع قصيدة:

قدك اتئب أربيت في الغلواء # كم تعذلون و أنتم سجرائي‏

قدك: حسبك . اتئب: استح . و أربيت: زدت . و الغلواء من الغلو و سجرائي أصدقائي ، فهذا البيت باسلوبه و ألفاظه و وحشية أقرب إلى شعر العرب . و يقول.

نوار في صواحبها نوار # كما فاجاك سرب أو صوار

و يقول:

هل آثر من ديارهم دعس # حيث تلاقى الأجزاع و الوعس‏

إلى آخر القصيدة. و قوله.

تصدت و حبل البين مستحصد شزر # و قد سهل التوديع ما أوعر الهجر

و من استعماله لألفاظ العرب الغريبة التي لم تكن عنده غريبة استعماله الوسج الرواتك في قوله:

ما على الوسج الرواتك من عتب # إذا ما أتت أبا أيوب

و قوله في هذه القصيدة:

سدك الكف بالندى عائر السمع # إلى حيث دعوة المكروب‏

و منه قوله.

قد قلت لما اطلخم الأمر و انبعثت # عشواء تالية غبسا دهاريسا

و من هذه القصيدة:

أهيس أليس لجاء إلى همم # تغرق الأسد في آذيها الليسا

الواردين حياض الموت متاقة # ثباثبا و كراديسا كراديسا

نموك قنعاس دهر حين يحزنه # أمر يشاكه آباء قناعيسا

و قدموا منك إن هم خاطبوا ذربا # أو رادسوا حضرمي الفخر رديسا

(اطلخم) اسود (غبسا) سودا (دهاريسا) دواهي (أهيس) جاد (شجاع بطل غاية في الشجاعة و هو الذي لا يكاد يبرح موضعه في الحرب حتى يظفر أو يهلك (الأذى) الموج (القنعاس) الرجل الشديد المنيع (يشاكه) يشابه (المرادسة) المراماة (و الليس) جمع أليس . و قوله

و إن بجرية نابت جارت لها # إلى ذرى جلدي فاستوهل الجلد

قال الآمدي فبجرية و جارت و إن كانت معروفة مستعملة فإنها إذا اجتمعت استقبحت و ثقلت، و كذلك قوله (هن البجاري يا بجير البجاري جمع بجرية و هي الداهية . و قوله.

غرض الحوادث ما تزال ملمة # ترميه عن شزن بام حبوكر

بنداك يوسى كل جرح يعتلى # رأب الأساة بدردبيس قنطر

أم حبوكر و الدردبيس و القنطر من أسماء الدواهي . و قوله

____________

(1) أصل الأفد العجل و يقال أفد الرجل إذا أشرف و أراد هنا قرب انقضائه. -المؤلف-

(2) جمع سدة و هي ساحة باب الدار أو كالظلة تكون على الباب . -المؤلف-

(3) بفتح الجيم و كسر المهملة أي قد لصق به الجسد و هو الدم اليابس. -المؤلف-

(4) الطرد الصيد أي مقاتلة الشجعان عنده صيد و لهو. -المؤلف-

414

لقد طلعت في وجه مصر بوجهه # بلا طالع سعد و لا طائر كهل‏

قال الآمدي و إنما سمع قول بعض الهذليين :

فلو كان سلمى حازه و أجازه # رياح ابن سعد رده طائر كهل‏

فوجدت في تفسير أشعار هذيل أن الأصمعي لم يعرف قوله طائر كهل. و قال بعضهم كهل ضخم، و ما أظن أحدا قال طائر كهل غير هذا الهذلي، فاستغرب أبو تمام معنى الكلمة فاتى بها و أحب أن لا تفوته (اه) و الذي في الديوان و لا طائر سهل . و مما يندرج في ذلك قوله في وصف النوق:

خوانف يظلمن الظليم إذا عدا # وسيج أبيه و هو للبرق شائم‏

(الخوانف) التي تمر على شق من نشاطها (و الظليم) ذكر النعام (و الوسيج) سيره السريع . يقول إذا سارت هذه الإبل فكأنما غصبت الظليم سير أبيه إذا عدا شائما للبرق و خشي على بيضه و فراخه المطر فأسرع نحوها. و لا يخفى أن هذا البيت مع اشتماله على الغريب من أعالي الشعر و معناه من أبدع المعاني. و قال:

أغشيت بارقة الأغماد هامهم # ضربا طلخفا ينسي الجانف الجنفا

و قال:

أقول لقرحان من البين لم يضف # رسيس الهوى بين الحشا و الترائب‏

و قال:

فكم جزع واد جب ذروة غارب # و بالأمس كانت أنمكته (1) مذانبه

إليك جزعنا مغرب الملك كلما # وسطنا ملا صلت عليك سباسبه

و أي مرام عنه يعدو نباطه # غدا أو تفل الناعجات أخاشبه‏

و قال:

أ ما ترى الأرض غضبى و الحصى قلقا # و الجو بالحرجف (2) النكباء يقتتل‏

و من شعره الذي ينحو به منحى العرب الأولى و يستعمل غريب ألفاظهم قوله:

يا ظبية الجزع التي بمحجر # ترعى الكباث مصيفة و العلفا

تقر و بأسفله ربولا غضة # و تقيل أعلاه كناسا فولفا

أتبعت قلبي حسرة كانت أسى # تبعت أماني فيك كانت زخرفا

هبت رياحك لي جنوبا سهوة # حتى إذا أورقت عادت حرجفا

و قال في وصف الفرس.

صهصلق في الصهيل تحسبه # أشرج حلقومه على جرس‏

فان صهصلق مع كونه غريبا حوشيا فهو متنافر الحروف، و كأنه استعذب هذه اللفظة و استملحها فكررها في شعره و قال:

مزمجر المنكبين صهصلق # يطرق أزل الزمان من صخبه‏

و قال في وصف الفرو

يراه الشفيف المرثعن فينثني # حسيرا و تغشاه الصبا فتنكب‏

414 و قال

كالرشا العوهج اطباه # روع إلى مغزل رغوث

ذو ميعة مشيه الدفقي # و ذات لوث بها ملوث‏

و قال

تخب بنا أدم المهاري و شيمها # على كل نشز مثلئب و فدفد

و قال

أهلا و سهلا بالإمام و مرحبا # سهلت حزونة كل أمر قرقد

و قال

و مزحزحاتي عن ذراك عوائق # أصحرن بي للعنقفير المؤيد (3)

و قال:

و صفراء أحدقنا بها في حدائق # تجود من الاثمار بالثعد و المعد (4)

و قال:

هو كوكب الإسلام أية ظلمة # يخرق فمخ الكفر فيها رار (5)

و قوله:

كم فتى ذل للزمان و قد ألقى # مقاليده إليه القبيض

لوذعي يهلل المشرفي العضب # عنه و الزاعبي النخيض

و بساط كأنما الآل فيه # و عليه سحق الملاء الرحيض

يصبح الداعري ذو الميعة المرجم # فيه كأنه مابوض

فاشمعلوا يلجلجون دؤوبا # مضغا للكلال فيها أنيض‏

و قال يهجو:

أبى لك أن تأبى المخازي كلها # أب أندرهلي و جد معلم

فلما بدا لي منك لؤم تحفه # حرمية يستن فيها تبظرم‏

و قال:

و رجوت نائلكم رجاءكم العلى # بتذكر العلجان و البعضيد

و نسيت سوء فعالكم نسيانكم # أنسابكم في كورة البشرود

و قال:

كان في الأجفلي و في النقرى عرفك # نظر القموم نضر الوحاد

و من استعماله الغريب في كلامه استعماله أروية و اللبب و غيرها في قوله:

قد نابت الجزع من أروية النوب # و استحقبت جدة من دارها الحقب

ألوى بصبرك إخلاق اللوى و هفا # بلبك الشوق لما أخفق اللبب

كالأرحبي المذكى سيره المرطا # و الوخد و اللمع و التقريب و الخبب‏

و قوله:

منع الزيارة و الوصال سحائب # شم الغوارب جابة الأكتاف

و كأنما آثارها من مزنة # بالميث و الوهدات و الأخياف‏

فان جابة و الميث من الألفاظ الغريبة عندنا و لم تكن غريبة عند أبي تمام الذي كان اطلاعه واسعا على لغة العرب . و قوله.

و إذا مشى يمشي الدفقى أو سرى # وصل السري أو سار سار وجيفا

و من الألفاظ الحوشية التي استعملها (الخفقيق) و (القيذوق)

____________

(1) أتمكته أسمنته . -المؤلف-

(2) الحرجف الريح الباردة الشديدة الهبوب -المؤلف-

(3) العنقفير: الداهية ، و المؤيد كمؤمن من صفات الداهية -المؤلف-

(4) الثعد الرطب من التمر و الغض من البقل (و المعد) البقل الرخص و الغض من الثمر . -المؤلف-

(5) الرار الذائب من المخ -المؤلف-

415

و (الناطلون) و (البقلار) و غيرها في قصيدة قافية مدح بها محمد بن يوسف الثغري ، فمن أبياتها قوله:

رميت من أبي سعيد صفاة الروم # جمعا بالصيلم الخنفقيق‏

و منها قوله يصف خيلا:

وطئت هامة الضواحي فلما # أن قضت نحبها من القيذوق

ألهبتها السياط حتى إذا استفت # بإطلاقها على الناطلوق

شنها شزبا فلما استباحت # بالبقلار كل سهب و نيق‏

في معجم البلدان : الناطلوق بفتح الطاء المهملة و ضم اللام موضع في الشعر ذكره أبو تمام و ذكر البيت. و الموجود في الديوان الباطلوق بالباء الموحدة. و قوله.

عطفت ملامتها على ابن ملمة # كالسيف جاب الصبر شخت الآل‏

و قوله:

مهلا بني مالك لا تجلبن إلى # حي الأراقم دؤلول ابنة الرقم

و قوله:

و بالخدلة الساق المخدمة الشوى # قلائص يتبعن العبنى المخدما

و قوله:

و مؤيه بي كي أفيق و إنني # لأصم عن ياه و عن يهياه

كالسيف ليس بزمل شهذارة # يوما و لا بغضبة جباه‏

و قوله:

حماد من نوء له حماد # في ناجرات الشهر لا الدآدي‏

الزحاف و اضطراب الوزن‏

الخامس-مما عيب على أبي تمام الزحاف و اضطراب الوزن و إليه أشار دعبل بقوله إن شعر أبي تمام بالخطب و الكلام المنثور أشبه منه بالكلام المنظوم فمن ذلك قوله.

و أنت بمصر غايتي و قرابتي # بها و بنو أبيك فيها بنو أبي‏

و قوله:

كساك من الأنوار أبيض ناصع # و أصفر فأقع و أحمر ساطع‏

و قوله:

يقول فيسمع و يمضي فيسرع # و يضرب في ذات الاله فيوجع‏

و كذلك حكاه الثعالبي في ترجمة السلامي محمد بن عبد الله ، و الذي في الديوان ثم يمضي و قوله.

لم تنتقض عروة منه و لا قوة # لكن أمر بني الآمال ينتقض‏

و الذي في الديوان و لا سبب بدل و لا قوة. و قوله.

إلى المفدي أبي يزيد الذي # يظل غمر الملوك في ثمده‏

و قوله في هذه القصيدة.

جلة أنماره و همدانه # و الشم من أزده و من أدده

و قوله

و لم تغير وجهي عن الصبغة الأولى # بمسفوع اللون ملتمعه‏

قال الآمدي إن هذا الزحاف مغتفر في الشعر، و لكنه حيث كثر في 415 شعر أبي تمام صار معيبا (اه) . و الحق إنه معيب قل أو كثر لكن الكثير أكثر عيبا.

السرقة

السادس-مما عيب على أبي تمام السرقة، و اعلم ان نسبة السرقة في الشعر لم يسلم منها أحد من الشعراء لا سيما المحدثين، و لا يبعد أن يكون أبو تمام أوفر الناس نصيبا في هذه النسبة لا لأنه أكثرهم سرقة بل لأنه أشيعهم ذكرا و أكثرهم حاسدا، فقد أحصى ابن أبي طاهر فيما حكاه عنه الآمدي في الموازنة -كما ستعرف-سرقاته و أطال فيها، و قد كان دعبل ينسبه إلى السرقة و يبالغ في ذلك حتى زعم أن ثلث شعره سرقة، و لكن هذا محض تحامل كما ياتي. و قال الآمدي -الذي ليس بسالم من التعصب على أبي تمام -إنه كثير السرقة، ثم قال سمعت أبا علي محمد بن العلاء السجستاني يقول: إنه ليس لأبي تمام معنى انفرد به فاخترعه إلا ثلاثة معان و هي قوله:

تأبى على التصريد إلا نائلا # إلا يكن ماء قراحا يمذق

نررا كما استكرهت عائر نفخة # من فارة المسك التي لم تفتق‏

و قوله:

بني مالك قد نبهت خامل الثرى # قبور لكم مستشرفات المعالم

رواكد قيد الشبر من متناول # و فيها علا لا ترتقى بالسلالم‏

و قوله:

و إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود

لو لا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود

(اه) . و هذا تحامل ليس فوقه تحامل، و لهذا تعقبه الآمدي بقوله: و لست أرى الأمر على ما ذكره أبو علي ، بل أرى انه على كثرة مأخذه من أشعار الناس و معانيهم مخترعات كثيرة و بدائع مشهورة (اه) . ثم ان العادة جارية في أن الشاعرين إذا تعاورا معنى واحدا ان يقال إن اللاحق أخذ من السابق، و لكن هذا على إطلاقه ليس بصحيح، فقد يكون اللاحق لم يطلع على شعر السابق، و هذا ما يسمونه بتوارد الخاطر، و مر في ترجمة المتنبي انه قيل له في بيت شعر: معنى بيتك هذا أخذته من الطائي . فقال الشعر جادة و ربما وقع حافر على حافر (اه) . فمجرد توافق الشاعرين لا يدل على أخذ أحدهما من الآخر، على أن السرقة إنما تكون في المعاني الغريبة المخترعة، أما المعاني المبذولة المتعارفة فلا يتحقق فيها السرقة لمعرفة الجميع بها. و قال الآمدي في الموازنة : وجدت ابن أبي طاهر خرج سرقات أبي تمام فأصاب في بعضها و أخطا في البعض، لأنه خلط الخاص من المعاني بالمشترك بين الناس مما لا يكون مثله مسروقا (اه) . و في أخبار أبي تمام للصولي : لو جاز أن يصرف عن أحد من الشعراء سرقة لوجب أن يصرف عن أبي تمام لكثرة بديعه و اختراعه و اتكائه على نفسه، و لكن حكم النقاد للشعر العلماء به قد مضى بان الشاعرين إذا تعاورا معنى و لفظا أو جمعاهما أن يجعل السبق لأقدمهما سنا و أولهما موتا، و ينسب الأخذ إلى المتأخر، لأن الأكثر كذا يقع، و إن كانا في عصر ألحق باشبههما به كلاما، فان أشكل ذلك تركوه لهما (اه) . و قال المرتضى في الشهاب : ليس ينبغي لأحد ان يقدم على أن يقول أخذ فلان الشاعر هذا المعنى من فلان و ان كان أحدهما متقدما و الآخر متأخرا، لأنهما ربما تواردا من غير قصد و لا

416

وقوف من أحدهما على ما تقدمه الآخر إليه، و إنما الإنصاف أن يقال هذا المعنى نظير المعنى و يشبهه و يوافقه فاما أخذه و سرقه فمما لا سبيل إلى العلم به لأنهما قد يتواردان على ما ذكرناه و لم يسمع أحدهما بكلام الآخر و ربما سمعه فنسيه ثم اتفق له مثله من غير قصد (اه) ثم إن أخذ شاعر من شاعر و ان كان معيبا في نفسه إلا أنه لا يعد قدحا في شاعرية الآخذ، نعم يكون الفضل للمأخوذ منه لا للآخذ. فالصائغ الحاذق إذا صاغ حليا و أتقنه و سرق حليا من صائغ آخر و ضمه إلى مصوغه تعاب عليه السرقة و لا يقال إن ذلك قصور في معرفته بالصياغة، على أن من أخذ معنى من غيره فتصرف فيه و حسنه و أحسن وضعه في موضعه، كان أحق به من صاحبه.

و قد ذكر الصولي في أخبار أبي تمام أشياء قال إن أبا تمام أخذها من غيره و نحن نوردها فيما ياتي: قال أبو تمام

يستنزل الأمل البعيد ببشره

البيتين المتقدمين أخذه من قول أبي نواس :

بشرهم قبل السؤال اللاحق # كالبرق يبدو قبل جود دافق

و الغيث يخفى وقعه للرامق # ما لم تجده بدليل البارق‏

و قال أبو تمام :

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا # عذب تحدر من غمام واحد

أخذه من قول الفرزدق .

يا بشر أنت فتى قريش كلها # ريشي و ريشك من جناح واحد

و قال أبو تمام :

ثوى بالمشرقين لهم ضجاج # أطار قلوب أهل المغربين‏

أخذه من قول مسلم

لما نزلت على أدنى بلادهم # ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد

و قال أبو تمام

شهدت جسيمات العلى و هو غائب # و لو كان أيضا شاهدا كان غائبا

أخذه من قول محمد بن عبيد الله العتبي

قوم حضور غائبي أذهان # ليس لها قفول‏

و قال أبو تمام

البيد و العيس و الليل التمام معا # ثلاثة أبدا يقرن في قرن‏

أخذه من قول ذي الرمة

و ليل كجلباب العروس أدرعته # باربعة و الشخص في العين واحد

أحم علافي و أبيض صارم # و أعيس مهري و أروع ماجد

و قال أبو تمام

و قد كان فوت الموت سهلا فرده # إليه الحفاظ المر و الخلق الوعر

أخذه من قول الآخر

و لو أنهم فروا لكانوا أعزة # و لكن رأوا صبرا على الموت أكرما

و قال أبو تمام

فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة # فقطعها ثم انثنى فتقطعا

أخذه من قول البعيث

و إنا لنعطي المشرفية حقها # فتقطع في أيماننا و تقطع‏

416 و من قوله أيضا

أوفى به الدهر من أحداثه شرفا # و السيف يمضي مرارا ثم ينقصد

و قال أبو تمام

و ركب كاطراف الأسنة عرسوا # على مثلها و الليل داج (تسطو) غياهبه

لأمر عليهم أن تتم صدوره # و ليس عليهم أن تتم عواقبه‏

أخذ البيت الأول من قول البعيث

أطافت بشعث كالأسنة هجد # بخاشعة الأضواء غبر صحونها

و أخذ البيتين من قول الشاعر

غلام وغى تقحمها فأبلى # فخان بلاءه دهر خؤون

فكان على الفتى الاقدام فيها # و ليس عليه ما جنت المنون‏

و قال أبو تمام

علمني جودك السماح فما أبقيت # شيئا لدي من صلتك‏

أخذه من قول ابن الخياط المديني و قد امتدح المهدي فأمر له بجائزة ففرقها في دار المهدي و قال

لمست بكفي كفه أبتغي الغنى # و لم أدر أن الجود من كفه يعدي‏

و قال أبو تمام

و قد ظللت عقبان راياته ضحى # بعقبان طير في الدماء نواهل

أقامت مع الرايات حتى كأنها # من الجيش إلا أنها لم تقاتل‏

و قد قال مسلم قبله

قد عود الطير عادات وثقن بها # فهن يتبعنه في كل مرتحل‏

و قال أبو نواس

تتآيى الطير غزوته # ثقة بالشبع من جزره‏

و قال النابغة :

إذا ما غدوا بالجيش حلق فوقهم # عصائب طير تهتدي بعصائب

جوانح قد أيقن أن قبيله # إذا ما التقى الجمعان أول غالب‏

و قال الأفوه الأودي

فترى الطير على آثارنا # رأي عين ثقة أن ستمار

و قال أبو تمام

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحب إلا للحبيب الأول‏

أخذه من قول كثير

إذا وصلتنا خلة لتزيلها # أبينا و قلنا الحاجبية أول‏

ما ذكره الآمدي في الموازنة من ماخذ أبي تمام مما لم يذكره الصولي قال أبو تمام

السيف أصدق أنباء من الكتب

أخذه من قول الكميت الأكبر و هو الكميت بن ثعلبة :

و لا تكثروا فيها المجاج فإنه # محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

و قال أبو تمام يصف الحريق في عمورية

ضوء من النار و الظلماء عاكفه # و ظلمة من دخان في ضحى شحب

فالشمس طالعة من ذا و قد أفلت # و الشمس واجبة من ذا و لم تجب‏

417

أخذه من قول النابغة يصف يوم الحرب

تبدو كواكبه و الشمس طالعة # لا النور نور و لا الاظلام إظلام‏

و قال أبو تمام

من القلاص اللواتي في حقائبها # بضاعة غير مزجاة من الكلم‏

أخذه من قول الأعشى

و إن صدور العيس سوف يزوركم # ثناء على أعجازهن معلق‏

و قال أبو تمام

إذا اليد نالتها بوتر توفرت # على ضغنها ثم استقادت من الرجل‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد في صفة الخمر و أحسن الأخذ

قتلت و عاجلها المدير و لم يئد # فإذا به قد صيرته قتيلا

قال: و ان كان قد اخذه من ديك الجن فلا إحسان له لأنه أتى بالمعنى بعينه قال ديك الجن

تظل بأيدينا تقعقع روحها # و تأخذ من أقدامنا الراح ثارها

و ليس ينبغي ان يقطع على أن أيهما أخذ من صاحبه لأنهما كانا في عصر واحد. و قال أبو تمام

أحلى الرجال من النساء مواقعا # من كان أشبههم بهن خدودا

أخذه من قول الأعشى

و أرى الغواني لا يواصلن امرأ # فقد الشباب و قد يصلن الأمردا

و قال أبو تمام

زار الخيال لها لا بل أزاركه # فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم‏

و قال أبو تمام أيضا

ثم فما زارك الخيال و لكنك # بالفكر زرت طيف الخيال‏

أخذه من قول جران العود

سقيا لزورك من زور أتاك به # حديث نفسك عنه و هو مشغول‏

و قال العباس بن الأحنف

خيالك حين أرقد نصب عيني # إلى وقت انتباهي لا يزول

و ليس يزورني صلة و لكن # حديث النفس عنك هو الوصول‏

و قال أبو تمام

أما الهجاء فدق عرضك دونه # و المدح فيك كما علمت جليل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنه # عرض عززت به و أنت ذليل‏

أخذه من قول هشام المعروف بالحلو أحد الشعراء البصريين يهجو بشار بن برد

بذلة والديك كسبت عزا # و باللؤم اجترأت على الجواب‏

و قال أبو تمام

و الشيب إن طرد الشباب بياضه # كالصبح أحدث للظلام أفولا

أخذه من قول الفرزدق

و الشيب ينهض في الشباب كأنه # ليل يصيح بجانبيه نهار

417 و قال أبو تمام

لم تنكرين مع الفراق تبلدي # و براعة المشتاق أن يتبلدا

أخذه من قول قيس بن ذريج

بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى # و ان هو لاقاها فغير بليغ‏

و قال أبو تمام

عداك حر الثغور المستضامة عن # برد الثغور و عن سلسالها الحصب‏

أخذه من قول الحطيئة

إذا هم بالأعداء لم يثن همه # حصان عليها لؤلؤ و شنوف‏

و أخذه قبله كثير فقال:

إذا هم بالأعداء لم يثن همه # حصان عليها عقد در يزينها

و قال أبو تمام :

أطل على كلا الآفاق حتى # كان الأرض في عينيه دار

أخذه من قول منصور النميري

و عين محيط بالبرية طرفها # سواء عليه قربها و بعيدها

و قال أبو تمام :

حطت على قبة (1) الإسلام أرحله # و الشمس قد نشرت ورسا على الأصل‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

فلما انتضى الليل الصباح وصلته # بحاشية من لونه المتورد

قال الآمدي : هذا ما ذكره ابن المنجم ، و الذي أظنه أنه أخذه من قول الآخر

و الشمس صفراء كلون الورس

. و قال أبو تمام :

أثاف كالخدود لطمن حزنا # و نؤي مثل ما انفصم السوار

أخذه من قول مرار الفقعمي في وصف الأثافي:

أثر الوقود على جوانبها # بخدودهن كأنه لطم‏

و قال أبو تمام :

أو درة بيضاء بكر أطبقت # حملا على ياقوتة حمراء

أخذه من قول أبي نواس :

فالخمر ياقوتة و الكأس لؤلؤة # من كف جارية ممشوقة القد

و قال أبو تمام :

ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا # إن السماء ترجى حين تحتجب‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد في الحجاب

كذلك الغيث يرجى في تحجبه # حتى يرى مسفرا عن وابل المطر

و قال أبو تمام :

لما رأى الحرب رأي العين توفلس # و الحرب مشتقة المعنى من الحرب‏

أخذه من قول النابغة الجعدي :

و تستلب الدهم التي كان ربها # ضنينا بها و الحرب فيها الحرائب‏

أو من قول إبراهيم بن المهدي :

و مسعر الحرب و اسم الحرب قد علموا # لو ينفع العلم مشتق من الحرب‏

____________

(1) إلى عمدة. خ ل‏

418

و قال أبو تمام :

كان بني نبهان يوم وفاته # نجوم سماء خر من بينها البدر

أخذه من قول مريم بنت طارق ترثي أخاها:

كنا كانجم ليل بينها قمر # يجلو الدجى فهوى من بينها القمر

أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك :

أمسى بنوه و قد جلت مصيبتهم # مثل النجوم هوى من بينها القمر

و قال أبو تمام :

وقفنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى # به ما يقال في السحابة تقلع‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة # أثنى عليها السهل و الأجبال‏

و قال أبو تمام :

أ آلفة النحيب كم افتراق # أظل فكان داعية اجتماع‏

أخذه من قول العباس بن الأحنف :

ساطلب بعد الدار عنكم لتقربوا # و تسكب عيناي الدموع لتجمدا

و قال عروة بن الورد و بيته أجود من بيتهما:

تقول سليمى لو أقمت بأرضنا # و لم تدر أني للمقام أطوف‏

و قال أبو تمام :

أسربل هجو القول من لو هجوته # إذا لهجاني عنه معروفه عندي‏

أخذه من قول بعض الخوارج لما سامه قطري بن الفجاءة قتال الحجاج فأبى لأن الحجاج كان قد من عليه فقال:

أ أقاتل الحجاج عن سلطانه # بيد تقر بأنها مولاته

إني إذن لأخو الدناءة و الذي # غطت على إحسانه جهلاته

ما ذا أقول إذا وقفت إزاءه # في الصف فاحتجت له فعلاته

و تحدث الأقوام أن صنائعا # غرست لدي فحنظلت نخلاته‏

و قال أبو تمام :

فعجبت من شمس إذا حجبت بدت # من نورها فكأنها لم تحجب‏

أخذه من قول قيس بن الخطيم :

و قضى الله حين صورها الخالق # أن لا يكنها سدف‏

أو من قول أبي نواس :

ترى ضوءها من ظاهر الكأس ظاهرا # عليك و لو غطيتها بغطاء

و قال أبو تمام :

نرمي باشباحنا إلى ملك # نأخذ من ماله و من أدبه‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

يصيب منك مع الآمال طالبها # حلما و علما و معروفا و إسلاما

و قال أبو تمام :

كل يوم له و كل أوان # خلق ضاحك و مال كئيب‏

أخذه من قول أبي نواس :

تبكي البدور لضحكه # و السيف يضحك إن عبس‏

418 (البدور) جمع بدرة . و قال أبو تمام في الخمر:

و ضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء

أخذه من قول جرير :

يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به # و هن أضعف خلق الله أركانا

و قال أبو تمام :

فاني رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

أخذه من قول بعض بني أسد :

تغيبت كي لا تحتويني دياركم # و لو لم تغب شمس النهار لملت‏

و أخذه الأيادي من أبي تمام لأنه متأخر عنه فقال:

فاني رأيت القطر يسأم دائبا # و يسال بالأيدي إذا هو أمسكا

و قال أبو تمام :

رآه العلج مقتحما عليه # كما اقتحم الفناء على الخلود

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

موف على منهج و اليوم ذو رهج # كأنه أجل يسعى إلى أمل‏

و قال أبو تمام :

و مجربون سقاهم من بأسه # فإذا لقوه فكلهم أغمار

و قال أيضا:

كهل الأناة فتى الشذاة إذا غدا # للحرب كان الماجد الغطريفا

أخذه من قول قطري بن الفجاءة :

ثم انثنيت و قد أصبت و لم أصب # جذع البصيرة قارح الاقدام‏

و قال أبو تمام :

لقط لأخلاق التجار و إنهم # لغدا بما اتخذوا له التجار

أخذه من قول الشاعر:

يبيع و يشتري لهم سواهم # و لكن بالطعان هم تجار

و قال أبو تمام :

حيران يحسب سجف النقع من دهش # نقى يحاذر أن ينقض أو جرفا

أخذه من قول جرير :

ما زلت تحسب كل شي‏ء بعدهم # خيلا تكر عليهم و رجالا

و قال أبو تمام :

توفيت الآمال بعد محمد # فأصبح مشغولا عن السفر السفر

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

نقضت بك الآمال أحلاس المنى # و استرجعت نزاعها الأمصار

أو من قول عصام الجرجاني :

ألا في سبيل الله آمالك التي # توفين لما اغتالك الحدثان‏

و قال أبو تمام :

لا شي‏ء ضائر عاشق فإذا ناى # عنه الحبيب فكل شي‏ء ضائر

أخذه من قول توبة بن الحمير و زاد فيه:

يقول أناس لا يضرك نايها # بل كل ما شف النفوس يضيرها

419

و قال أبو تمام

يحملن كل مدحج سمر القنا # باهابه أولى من السربال‏

أخذه من قول عنترة :

فشككت بالرمح الطويل ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم‏

قال الآمدي قال ذلك لأنه ظن أن عنترة أراد الثياب نفسها و إنما أراد عنترة بقوله ثيابه نفسه. و قال أبو تمام :

أبدلت روسهم يوم الكريهة من # قنا الظهور قنا الخطي مدعما

اخذه من قول مسلم بن الوليد :

يكسو السيوف نفوس الناكثين به # و يجعل الهام تيجان القنا الذبل‏

و أخذا جميعا من قول جرير :

كان رؤوس القوم فوق رماحنا # غداة الوغى تيجان كسرى و قيصر

و قال أبو تمام .

سما للعلا من جانبيه كليهما # سمو حباب الماء جاشت غواربه‏

أخذه من قول امرئ القيس :

سموت إليها بعد ما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال‏

و قال أبو تمام :

و كانت لوعة ثم اطمأنت # كذاك لكل سائلة قرار

اخذه من قول الفرزدق يهجو جريرا .

أنتم قرارة كل مدفع سوأة # و لكل سائلة تسيل قرار

و قال أبو تمام .

و لو أبصرتهم و الزائريهم # لما مزت الحميم من البعيد

أخذه من قول محمد بن بشير الخارجي من خارجة عدوان:

و إذا رأيت صديقه و شقيقه # لم تدر أيهما أولو الأرحام‏

و قال أبو تمام في المصلوبين.

لا يبرحون و من رآهم خالهم # أبدا على سفر من الأسفار

أخذه من قول بعض الأعراب يصف المصلوب:

قام و لما يستعن بساقه # ألف مثواه على فراقه‏

و قال أبو تمام

تعود بسط الكف حتى لو انه # دعاها لقبض لم تجبه أنامله‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

لا يستطيع يزيد من طبيعته # عن المروءة و المعروف إحجاما

و قال أبو تمام :

خضعوا لصولتك التي هي عندهم # كالموت ياتي ليس فيه عار

أخذه من قول النابغة الذبياني :

و عيرتني بنو ذبيان خشيته # و هل علي بان أخشاك من عار

و قال أبو تمام .

تخفق أثناؤها على ملك # يرى طراد الأبطال من طرده‏

أخذه من قول أبي نواس : 419

تعد عين الوحش من أقواتها

. و قال أبو تمام يستهدي نبيذا:

و هي نزر لو انها من دموع الصب # لم يشف منه حر الغليل‏

أخذه من قول الآخر أو أخذه الآخر منه:

لو كان ما أهديته أثمدا # لم يكف إلا مقلة واحدة

و قال أبو تمام يصف مغنية تغني بالفارسية:

فلم أفهم معانيها و لكن # شجت كبدي فلم أجهل شجاها

اخذه من قول الحسين بن الضحاك المعروف بالخليع على ما فيه من المناقضة:

و لا أفهم ما يعني # مغنينا إذا غنى

سوى أني من حبي # له أستحسن المعنى‏

و وجه المناقضة أنه قال‏

لا أفهم ما يعني

ثم قال أستحسن المعنى و إنما أراد بالمعنى اللحن لا معنى القول. و قال حميد بن ثور يصف الحمامة:

و لم أر مثلي شاقه صوت مثلها # و لا عربيا شاقه صوت أعجما

و قال أبو تمام يرثي ابنين صغيرين ماتا لعبد الله بن طاهر :

لهفي على تلك المخايل فيهما # لو أمهلت حتى تكون شمائلا

أخذه من قول الفرزدق يرثي امرأة له ماتت حاملا:

و في جوفه من دارم ذو حفيظة # لو ان المنايا أخطاته لياليا

و قال أبو تمام :

صلتان أعداؤه حيث كانوا (حلوا) # في حديث من عزمه مستفاض‏

(الصلتان) النشيط الحديد الفؤاد (من عزمه) هكذا في الديوان ، و في الموازنة من ذكره . أراد أن أعداءه لشدة خوفهم منه هم دائما على حال و جل و احتراس من إيقاعه بهم فهم لا يقطعون ذكره حيث حلوا أي قريبين منه أو بعيدين. و قيل أراد أن أعداءه تقر بفضله و تفيض في ذكر مناقبه. أخذه من قول أعشى باهلة يرثي أخاه لأمه:

لا يأمن القوم ممساه و مصبحه # في كل فج و إن لم يغز ينتظر

أو من قول عروة الصعاليك :

و إن بعدوا لا يأمنون اقترابه # تشوف أهل الغائب المنتظر

و قال أبو تمام :

غدت و هي أولى من فؤادي بعزمتي # و رحت بما في الدن أولى من الدن‏

أخذه من قول بشار :

شربنا من فؤاد الدن حتى # تركنا الدن ليس له فؤادا

و قال أبو تمام :

إذا الراح دبت فيه تحسب جسمه # لما دب فيه قرية من قرى النمل‏

أخذه من قول الأخطل .

تدب دبيبا في العظام كأنها # دبيب نمال في نقى يتهيل‏

و قال أبو تمام في الغزل:

مستحيل ان تحتويك الظنون # كيف يحوى ما لا تراه العيون

غير أنا نقول إنك خلق # حركات مفعولة و سكون‏

420

أخذه من قول أبي نواس :

سبحان من خلق الخلق # من ضعيف مهين

يسوقه من قرار # إلى قرار مكين

حتى بدت حركات # مخلوقة من سكون‏

و قال أبو تمام :

قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت # و يبتلي الله بعض القوم بالنعم‏

اخذه من قول أبي العتاهية :

كم نعمة لا يستقل بشكرها # لله في طي المكاره كامنه‏

و قال أبو تمام :

و كيف احتمالي للسحاب صنيعة # باسقائها قبرا و في لحده بحر

أخذه من قول الشاعر أو الشاعر أخذ منه:

ما كنت أحسب أن بحرا زاخرا # عم البرية كلها إرواء

أضحى دفينا في ذراع واحد # من بعد ما عم الفضاء فضاء

و قال أبو تمام :

أثاف كالخدود لطمن حزنا # و نؤي مثلما انفصم السوار

اخذه من قول الشاعر:

نؤي كما نقص الهلال نحافة # أو مثلما فصم السوار المعصم‏

و قال أبو تمام :

كان الغمام الغر غيبن تحتها # حبيبا فما ترقا لهن مدامع‏

أخذه من قول الشاعر يصف السحاب:

كان عينين باتا طول ليلهما # يستمريان على غدرانه المقلا

و قال أبو تمام :

و ليست بالعوان العنس عندي # و لا هي منك بالبكر الكعاب‏

أخذه من قول الفرزدق

قعود لدى الأبواب طالب حاجة # عوان من الحاجات أو حاجة بكرا

و قال أبو تمام :

كان لها دينا على كل مشرق # من الأرض أو ثارا لدى كل مغرب‏

أخذه من قول معبد الهذلي :

كل فج من البلاد كاني # طالب بعض اهله بذحول‏

و قال أبو تمام :

ما اليوم أول توديعي و لا الثاني # البين أكثر من شوقي و أحزاني

و ما أظن النوى ترضى بما صنعت # حتى تبلغني أقصى خراسان

أخذه من قول الأرقط بن دعبل

نهنه دموعك من سح و تسجام # البين أكثر من شوقي و أسقامي

و ما أظن دموع العين راضية # حتى تسح دما هطلا بتسجام‏

و قال أبو تمام :

و إني لأرجو عاجلا ان تردني # مواهبه بحرا ترجى مواهبي‏

اخذه من قول دعبل . 420

إن جاءه مرتغبا سائل # آلت عليه رغبة السائل‏

و قال أبو تمام .

كالغيث إن جئته وافاك ريقه # و إن تحملت عنه كان في الطلب‏

أخذه من قول أبي العتاهية :

و إن نحن لم نبغ معروفه # فمعروفه أبدا يبتغينا

و قال أبو تمام :

فان كان ذنبي أن أحسن مطلبي # أساء ففي سوء القضاء لي العذر

اخذه من قول مسلم بن الوليد :

و ما كان مثلي يعتريك رجاؤه # و لكن أساءت شيمة من فتى محض‏

و قال أبو تمام .

ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا # حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا

اخذه من قول أمية بن أبي الصلت :

عطاؤك زين لامرئ إن حبوته # بخير و ما كل العطاء يزين‏

و قال أبو تمام

تغاير الشعر فيه إذ سهرت له # حتى ظننت قوافيه ستقتتل‏

أخذه من قول كثير :

و نازعني إلى مدح ابن ليلى # قوافيها منازعة الغراب‏

و قال أبو تمام :

لا تنكري عطل الكريم من الغنى # فالسيل حرب للمكان العالي‏

أخذه من قول حسان بن ثابت :

و المال يغثى رجالا لا طباع لهم # كالسيل يغثى أصول الدندن البالي‏

و قال أبو تمام يصف الشعر:

و لكنه صوب العقول إذا انجلت # سحائب منه أعقبت بسحائب‏

أخذه من قول أوس :

أقول بما صبت علي غمامتي # و دهري و في حبل العشيرة أحطب‏

و قال أبو تمام :

أصم بك الناعي و إن كان أسمعا # و أصبح مغنى الجود بعدك بلقعا

أخذه من قول محيا بنت طليق من بني تيم اللات بن ثعلبة :

نعى ابني محل صوت ناع أصمني # فلا آب محمودا بريد نعاهما

و قال أبو تمام :

و إني ما حورفت في طلب الغنى # و لكنما حورفتم في المكارم‏

اخذه من قول الشجاع الفائق :

لا تزهدن في اصطناع العرف من أحد # إن الذي يحرم المعروف محروم‏

و قال أبو تمام :

ليس الغبي بسيد في قومه # لكن سيد قومه المتغابي‏

أخذه من قول أبي العارم الطائي :

غبي العين أو فهم تغابى # عن الشدات و الفكر القواصي‏

421

و قول دعبل :

تخال أحيانا به غفلة # من كرم النفس و ما أعلمه‏

و قال أبو تمام :

عادت له أيامه مسودة # حتى توهم أنهن ليالي‏

أخذه مما تمثلت به فاطمة بنت رسول الله ص عند وفاته:

صبت علي مصائب لو أنها # صبت على الأيام عدن لياليا

و قال أبو تمام :

الرزق لا تكمد عليه فإنه # ياتي و لم تبعث إليه رسولا

اخذه من قول أبي أذينة :

أسعى إليه فيعنيني تطلبه # و لو قعدت أتاني لا يعنيني‏

و قال أبو تمام

وجه العيس و هي عيس إلى الله # فاضت من الهواجر شما

أخذه من قول ابن هرمة :

بدأت عليها و هي عيس فأصبحت # من السير جونا لاحقات الغوارب‏

و قال أبو تمام :

فكم جزع واد جب ذروة غارب # و بالأمس كانت أنهكته مذانبه‏

أخذه من قول الشاعر:

ردت عواري غيطان الفلا و نجت # بمثل أمثاله من حائل العشر

و قال أبو تمام :

لو أصخنا من بعده لسمعنا # لقلوب الأيام منك وجيبا

أخذه من قول أبي نواس :

و حتى الذي في الرحم لم يك نطفة # لعواده من خوفه خفقان‏

و قال أبو تمام :

أرسى بناديك الندى و تنفست # نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا

أخذه من قول الشاعر:

يا حبذا ريح الجنوب إذا غدت # بالفجر و هي ضعيفة الأنفاس‏

و قال أبو تمام :

كانت مجاورة الطلول و أهلها # زمنا عذاب الورد فهي بحار

أخذه من قول نصيب :

و قد عاد ماء الأرض ملحا فزادني # على ظماي أن أبحر المشرب العذب‏

و قال أبو تمام :

صهصلق في الصهيل تحسبه # أشرج حلقومه على جرس‏

أخذه من قول غيلان بن سلمة الثقفي يصف فرسا:

نهد كتيس أقب معتدل # كأنما في صهيله جرس‏

و قال أبو تمام :

رمقوا أعالي جذعه فكأنما # رمقوا الهلال عشية الإفطار

أخذه من قول الفرزدق :

قيام ينظرون إلى سعيد # كأنهم يرون به الهلالا

421 و قال أبو تمام :

حين عفى مقام إبليس سامي # بالمطايا مقام إبراهيما

أخذه من قول ابن منادر في البرامكة :

إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت # بيحيى و بالفضل بن يحيى و جعفر

لهم رحلة في كل يوم إلى العدي # و أخرى إلى البيت العتيق المستر

و قال أبو تمام :

فحيوا بالأسنة ثم ثنوا # مصافحة بأطراف الرماح‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

فحيوا بأطراف القنا و تعانقوا # معانقة البغضاء غير التودد

و من قول أبي إسحاق التغلبي .

دنوت له بأبيض مشرفي # كما يدنو المصافح للسلام‏

و قال أبو تمام .

من البأس و المعروف و الجود و التقى # عيال عليه رزقهن شمائله‏

أخذه من قول دعبل :

تنافس فيه الحزم و البأس و التقى # و بذل اللهى حتى اصطحبن ضرائرا

و قال أبو تمام :

و هو إذا ما ناجاه فارسه # يفهم عنه ما تفهم الأنس‏

أخذه من قول الكميت يصف الخيل:

يفقهن عنهم إذا قالوا و يفقههم # مستطعم صاهل منها و منتحم‏

و قال أبو تمام :

وثنوا على وشي الخدود صيانة # وشي البرود بمسجف و ممهد

أخذه من قول الكميت :

و ألقين البرود على خدود # يزين الفداغم بالأسيل‏

الفداغم جمع فدغم و هو الوجه الممتلئ الحسن . و قال أبو تمام :

الموت عندي و الفراق # كلاهما ما لا يطاق‏

أخذه من قول الأبيرد الرياحي

و كنت أرى هجرا فراقك ساعة # ألا لا بل الموت التفرق و الهجر

و قال أبو تمام :

و قد كان يدعى لابس الصبر حازما # فأصبح يدعى حازما حين يجزع‏

أخذه من قول العتبي :

و الصبر يحسن في المواطن كلها # إلا عليك فإنه مذموم‏

و قال أبو تمام :

حتى تعمم صلع هامات الربى # من نوره و تازر الأهضام‏

أخذه من قول الراجز :

قد أضحت العقدة صلعاء اللمم # و أصبح الأسود مخضوبا بدم‏

(العقدة) موضع ذو شجر ، و ( صلعاء اللمم) الجماجم جعله مثلا لرءوس النبت أكلته الإبل فصارت لممه صلعا و (الأسود) الحية تطاه الإبل فتقتله. و قال أبو تمام :

422

كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى # و لكن أملته عليه الحمائم‏

أخذه من قول العتابي :

بكى و استمل الشوق من في (1) حمامة # أبت في غضون الأيك إلا الترنما

و قال أبو تمام :

مثقفات سلبن الروم زرقتها # و العرب أدمتها و العاشق القضفا

أخذه من قول دعبل

و أسمر في رأسه أزرق # مثل لسان الحية الصادي‏

و قال أبو تمام :

فنول حتى لم يجد من ينيله # و حارب حتى لم يجد من يحاربه‏

أخذه من قول أبي نواس :

و أطعم حتى ما بمكة آكل # و أعطى عطاء لم يكن بضمان‏

و قول علي بن جبلة :

أعطيت حتى لم تجد لك سائلا # و بدأت إذ قطع العفاة سؤالا

و قال أبو تمام :

لا يحسب الإقلال عدما بل يرى # أن المقل من المروءة معدم‏

أخذه من قول أبي داود الأيادي

لا أعد الإقلال عدما و لكن # فقد من قد فقدته الاعدام‏

و قال أبو تمام :

أراعي من كواكبه هجانا # سواما لا تريع إلى المسيم‏

أخذه من قول أبي الهندي :

و ترى سهيلا في السماء كأنه # ثور يعارضه هجان الربرب‏

و قال أبو تمام :

ألذ مصافاة من الظل في الضحى # و أكرم في اللأواء عودا من الكرم‏

أخذه من قول أبي نواس :

شققت من الصبا و اشتق مني # كما اشتقت من الكرم الكروم‏

و قال أبو تمام :

فتى من يديه البأس يضحك و الندى # و في سرجه بدر و ليث غضنفر

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

تمضي المنايا كما تمضي أسنته # كان في سرجه بدرا و ضرغاما

و قال أبو تمام :

ليس الشؤون و ان جادت بباقية # و لا الجفون على هذا و لا الحدق‏

و قال أيضا:

و لا يبقى على إدمان هذا # و لا هذا العيون و لا القلوب‏

أخذه من قول ابن هرمة :

استبق عينيك لا يودي البكاء بهما # و اكفف بوادر من عينيك تستبق‏

422 و قال أبو تمام :

يا ابن الخبيثة لم تعرض صخرة # صماء من مجدي بعرض زجاج‏

أخذه من قول الشاعر:

ارفق بعمرو إذا حركت نسبته # فإنه عربي من قوارير

و قال أبو تمام :

و بساط كأنما الآل فيه # و عليه سحق الملاء الرحيض‏

أخذه من قول الشاعر:

مهامه أشباه كان سرابها # ملاء بايدي الغاسلات رحيض‏

و قال أبو تمام :

فاشمعلوا يلجلجون دؤوبا # مضغا للكلال فيها أنيض‏

أخذه من قول زهير :

تلجلج مضغة فيها أنيض # أصلت فهي تحت الكشح داء

و قال أبو تمام :

مضوا و كان المكرمات لديهم # لكثرة ما أوصوا بهن شرائع‏

أخذه من قول أبي نواس :

سن للناس الندى فندوا # فكان البخل لم يكن‏

و قال أبو تمام :

أبن مع السباع الماء حتى # لخالته السباع من السباع‏

أخذه من قول الحماسي :

ترد السباع معي فالفى # كالمدل من السباع‏

و قال أبو تمام :

يعيش المرء ما استحيا بخير # و يبقى العود ما بقي اللحاء

فلا و الله ما في العيش خير # و لا الدنيا إذا ذهب الحياء

أخذه من قول النظار بن هاشم الأزدي :

يعف المرء ما استحيا و يبقى # نبات العود ما بقي اللحاء

و ما في أن يعيش المرء خير # إذا ما المرء زايله الحياء

و قال أبو تمام :

إليك هتكنا جنح ليل كأنه # قد اكتحلت منه البلاد باثمد

أخذه من قول أبي نواس :

أبن لي كيف صرت إلى حريمي # و نجم الليل مكتحل بقار

و قال أبو تمام :

ملطومه للورد (بالورد) أطلق طرفها # في الخلق فهو مع المنون محكم‏

أخذه من قول أبي نواس :

تبكي فتذري الدمع من نرجس # و تلطم الورد بعناب‏

و قال أبو تمام :

و مما كانت الحكماء قالت # لسان المرء من خدم الفؤاد

أخذه من الجعد بن صمصام أحد بني عامر بن سنان ذكره أبو تمام في اختيارات القبائل:

____________

(1) من الغريب قول الآمدي هنا: أظن قوله من في حمامة أراد من صوت حمامة دعته إليه الضرورة، و ليس هذا موضع في (اه) . و ظاهر أن في هنا بمعنى الفم، فهو في موضعه. -المؤلف-

423

إن البيان مع الفؤاد و إنما # جعل اللسان بما يقول رسولا

و قال أبو تمام :

من لم يعاين أبا نصر و قاتله # فما رأى ضبعا في شدقها سبع‏

أخذه من قول طريح الثقفي :

فلله عينا من رأى قط حادثا # كفرس الكلاب الأسد يوم المشلل‏

و قال أبو تمام :

لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف # و ذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع‏

أخذه من قول مروان بن أبي حفصة :

ما ضرني حسد اللئام و لم يزل # ذو الفضل يحسده ذوو التقصير

و قال أبو تمام :

و تكفل الأيتام عن آبائهم # حتى وددنا أننا أيتام‏

أخذه من قول أبي دهبل الجمحي :

ما زلت في العفو للذنوب و إطلاق # لعان بجرمه غلق

حتى تمنى البراة أنهم # عندك أمسوا في القيد و الحلق‏

و قال أبو تمام :

من كل أسمر نظار بلا نظر # إلى المقاتل ما في متنه أود

أخذه من قول زيد الخيل الطائي :

و أسمر مربوع يرى ما رأيته # بصير إذا صوبته بالمقاتل‏

و قال أبو تمام :

لقد زدت أوضاحي امتدادا و لم أكن # بهيما و لا أرضي من الأرض مجهلا

و لكن أياد صادفتني جسامها # أغر فوافت بي أغر محجلا

أخذه من قول نخيلة في مسلمة بن عبد الملك :

و نوهت من ذكري و ما كان خاملا # و لكن بعض الذكر أنبه من بعض‏

و قال أبو تمام :

إذا ما دعوناه باجلح أيمن # دعاه و لم يظلم باصلع أنكد

أخذه من قول المسيب بن علس :

هم الربيع على من كان حلهم # و في العدو منا كيد مشائيم‏

و قول غلاقة بن عركي التميمي :

و كنتم قديما في الحروب و غيرها # ميامين للأدنى لأعدائكم نكدا

و قول كعب بن الجزم :

بنو رافع قوم مشائيم للعدى # ميامين للمولى و للمتحرم‏

و قال أبو تمام :

تجدد كلما لبست و تبقى # إذا ابتذلت و تخلق في الحجاب‏

أخذه من قول دكين الراجز :

عاري الحصى يدرس ما لم يلبس

و قول الراجز يصف طريقا:

عود على عود من الفدم الأول # يميته الترك و يحييه العمل‏

و قال أبو تمام :

كنت أرعى الخدود حتى إذا ما # فارقوني بقيت أرعى النجوما

423 أخذه من قول تميم بن أبي مقبل :

قد كنت راعي أبكار منعمة # فاليوم أصبحت أرعى جلة شرفا

و قال أبو تمام :

يكاد حين يلاقي القرن من حنق # قبل السنان على حوبائه يرد

أخذه من قول عنترة

و الطعن مني سابق الآجال

و إنما أراد الآجال سابقة طعني. و قال أبو تمام :

يحميه لألاؤه و لوذعيته # عن أن يذال بمن أو ممن الرجل‏

أخذه من قول عدي بن الرقاع :

و إذا رأيت جماعة هو فيهم # نبئت سؤدده و لما تسأل‏

أو من قول حسان :

إذا ما ترعرع فينا الغلام # فما إن يقال له من هوه‏

و قال أبو تمام :

طلب المجد يورث المرء خبلا # و هموما تقضقض الحيزوما

فتراه و هو الخلي شجيا # و تراه و هو الصحيح سقيما

أخذه من قول لقيط الأيادي :

لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه # هم يكاد حشاه يحطم الضلعا

و قال أبو تمام :

ولهته العلى فليس يعد البؤس # بؤسا و لا النعيم نعيما

أخذه من قول لقيط الأيادي أيضا:

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده # و لا إذا عض مكروه به خشعا

و قال أبو تمام :

استنزل الأمل البعيد ببشره # بشر الخميلة بالربيع المغدق

و كذا السحائب قل ما تدعو إلى # معروفها الرواد ما لم تبرق‏

أخذه من قول أبي نواس :

يسكرهم قبل النوال اللاحق # كالبرق يبدو قبل جود دافق

و الغيث يخفى وقعه للرامق # ان لم يجده بدليل البارق‏

و قال أبو تمام :

و رأيتني فسالت نفسك سيبها # لي ثم جدت و ما انتظرت سؤالي‏

اخذه من قول أبي العتاهية :

و انا إذا ما تركنا السؤال # منه فلم نبغه يبتدينا

و قول مسلم بن الوليد :

أخ لي يعطيني إذا ما سالته # و لو لم اعرض بالسؤال ابتدانيا

و قول منصور النمري :

رأيت المصطفى هارون يعطي # عطاء ليس ينتظر السؤالا

و قول سلم الخاسر

أعطاك قبل سؤاله # فكفاك مكروه السؤال‏

و قال أبو تمام :

لا تشجين لها فان بكاءها # ضحك و بكاءك ان استغرام‏

424

اخذه من قول الآخر:

فاني ان بكيت بكيت حقا # و انك في بكائك تكذيبنا

و قال أبو تمام :

فلا تطلبوا أسيافهم في جفونها # فقد أسكنت بيت الطلي و الجماجم‏

اخذه من قول عنترة :

و لم يعلم جزية ان نبلي # يكون جفيرها البطل النجيد

و قال أبو تمام :

يتجنب الآثام ثم يخافها # فكأنما حسناته آثام‏

أخذه من قول أبي العتاهية :

لم تنتقصني إذ أسات و زدتني # حتى كان اساءتي إحسان‏

و قال أبو تمام :

لا تذيلن مصون همك و انظر # كم بذي الأيك دوحة من قضيب‏

أخذه من قول الأشهب :

عل بني يشد الله ازرهم # و الدوح ينبت عيدانا فيكتمل‏

و قال أبو تمام :

اظله البين حتى انه رجل # لو مات من شغله بالبين ما علما

أخذه من قول أبي الشيص :

و كم من ميتة قدمت فيه # و لكن كان ذاك و ما شعرت‏

و قال أبو تمام في الرماح:

كأنما و هي في الأكباد والغة # و في الكلى تجد الغيظ الذي تجد

اخذه من قول النمري :

و مصلتات كان حقدا # منها على الهام و الرقاب‏

و قال أبو تمام :

إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر # أغارت عليهم فاحتوته الصنائع‏

اخذه من قول الآخر:

إذا اسلفتهن الملاحم مغنما # دعاهن من كسب المكارم مغرم‏

و قال أبو تمام :

بسواهم لحق الأياطل شزب # تعليقها الاسراج و الإلجام‏

اخذه من قول جرير :

حراجيج يعلفن الذميل كأنها # معاطف ظبي أو جني الشراجع‏

و قال أبو تمام :

ذاك الذي كان لو ان الأنام له # نسل لما عابهم جبن و لا بخل‏

اخذه من قول أبي السمط :

لو كان جدكم شريك والدا # للناس لم تلد النساء بخيلا

و قال أبو تمام :

حمراء من حلب العصير كسوتها # بيضاء من حلب الغمام الرقرق‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

صفراء من حلب العصير كسوتها # بيضاء من حلب الغيوم البجس‏

424 و قال أبو تمام :

و أحسن من نور تفتحه الصبا # بياض العطايا في سواد المطالب‏

أخذه من قول الأخطل :

و إن بياضا في سواد كأنه # بياض العطايا في سواد المطالب‏

و قال أبو تمام :

ناجيت ذكرك و الظلماء عاكفه # فكان يا سيدي أحلى من الشهد

أخذه من قول ابن أمية :

كم ليلة نادمني ذكره # يسعدني المثلث و الزير

و قال أبو تمام :

و لقد أراك فهل أراك بغبطة # و العيش غض و الزمان غلام‏

أخذه من قول الأخطل :

سعيت شباب الدهر لم تستطعهم # أ فلآن لما أصبح الدهر فانيا

و قال أبو تمام :

ذاك الذي أحصى الشهور و عدها # طمعا لينتج سقبة من حائل‏

أخذه من قول أعرابي:

و عدة العام و عام قابل # ملقوحة في بطن ناب حائل‏

و قال أبو تمام :

يعلون حتى ما يشك عدوهم # ان المنايا الحمر حي منهم‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

لو أن قوما يخلقون منية # من بأسهم كانوا بني جبريلا

و قال أبو تمام :

لو كان في الدنيا قبيل آخر # بازائهم ما كان فيها معدم‏

أخذه من قول بشار :

لو كان مثلك آخر # ما كان في الدنيا فقير

و قال أبو تمام :

ذقنا الصدود فلما اقتاد أرسننا # حنت حنين عجول بيننا الرحم‏

اخذه من قول الأسود بن يعفر :

سما بصري لما رأيت مكانه # و أطت إلي الواشجات أطيطا

و قال أبو تمام :

صفراء صفرة صحة قد ركبت # جثمانه في ثوب سقم أصفر

أخذه من قول علي بن رزين الكوفي :

و بضة رعبوبة # صفراء من غير غير

و قال أبو تمام :

كشف الغطاء فاوقدي أو أخمدي # لم تكمدي فظننت إن لم تكمدي‏

اخذه من قول بعضهم:

لا تنكري جزع المحب فإنه # يطوي على الزفرات غير حشاك‏

و قال أبو تمام :

سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه # و ان لم يكن فيه سحاب و لا قطر

425

أخذه من قول عقيق بن سليك العامري

سقاك الغيث إنك كنت غيثا

و قال أبو تمام :

أ من بعد طي الحادثات محمدا # يكون لأثواب العلى أبدا نشر

اخذه من قول أبي نواس :

طوى الموت ما بيني و بين محمد # و ليس لما تطوي المنية ناشر

و قال أبو تمام :

عمري لقد نصح الزمان و إنه # لمن العجائب ناصح لا يشفق‏

اخذه من قول المخبل :

و لا يعدم الغاوي على الغي لائما # و إن هو لم يشفق عليه يلوم‏

و قال أبو تمام :

من شرد الاعدام عن أوطانه # بالبذل حتى استطرف الاعدام‏

اخذه من قول الأعشى :

هم يطردون الفقر عن جارهم # حتى يرى كالغصن الناضر

و قال أبو تمام :

حلفت إن لم تثبت أن حافره # من صخر تدمر أو من وجه عثمان

أخذه من قول الآخر:

لو كان حافر برذوني كاوجهكم # بني بديل لما أنعلته أبدا

انتهى ما أورده الآمدي من ماخذ أبي تمام .

ما نسب فيه السرقة لأبي تمام و نفاها الآمدي

قال الآمدي : و مما نسبه فيه ابن أبي طاهر إلى السرقة و ليس بمسروق لأنه مما يشترك فيه الناس و المعنيان مختلفان قول أبي تمام :

أ لم تمت يا شقيق الجود من زمن # فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه‏

فقال: أخذه من قول العتابي :

ردت صنائعه إليه حياته # فكأنه من نشرها منشور

قال الآمدي : و هذا لا يقال له مسروق، لأنه قد جرى في عادات الناس إذا مات الرجل من أهل الخير و الفضل أن يقولوا: ما مات من خلف الثناء و ذلك شائع في كل أمة و في كل لسان. و قال أبو تمام

إذا عنيت بشي‏ء خلت أني قد # أدركته أدركتني حرفة الأدب‏

و قال: أخذه من الجريمي حيث يقول:

أدركتني بذاك أول دائي # بسجستان حرفة الآداب‏

قال الآمدي : و حرفة الأدب لفظة قد اشترك الناس فيها و كثرت على الأفواه حتى أن واحدا يستعملها من آخر، و لم يقل أبو تمام أدركتني حرفة الأدب ، إنما قال: أدركتني حرفة العرب . (أقول) الموجود في الديوان :

أدركتني حرفة الأدب

. و قال ابن طاهر في قوله:

لو يعلم العافون كم لك في الندى # من لذة و قريحة لم تحمد

أخذه من قول بشار :

ليس يعطيك للرجاء و لا الخوف # و لكن يلذ طعم العطاء

قال الآمدي : و ما إخاله احتذى في هذا البيت على قول بشار لأن 425 بشارا قال ليس يعطيك رغبة في جزاء يرجوه و لا خوفا من مكروه و لكن لالتذاذه العطية، و أراد أبو تمام أن الطالبين لو علموا التذاذه الندى لم يحمدوه، و المعنيان إنما اتفقا في طريق التذاذ الممدوح بعطائه فقط، و هذا ليس من بديع المعاني الذي يختص بها شاعر، فيقال إن واحدا أخذ من الآخر (اه) (و أقول) الذي يلوح لي أن البيت منتقد من وجه آخر في قوله لم تحمد فان كون العطاء يقع منه عن لذة و قريحة لا يوجب عدم الحمد عليه.

و قال-أي ابن أبي طاهر -في قوله يمدح مالك بن طوق :

لم يالكم مالك صفحا و مغفرة # لو كان ينفخ قين الحي في فحم‏

أخذه من قول الأغلب :

قد قاتلوا لو ينفخون في فحم # ما جبنوا و لا تولوا من أمم‏

و هذا معنى شائع من معاني العرب يقولون قد فعلت كذا لو اجتهدت في كذا أو لو كنت تنفخ في فحم لأن النفخ في فحم ليس كالنفخ في الحطب و الصواب أن يقال ليس كالنفخ في الرماد و قال أي ابن أبي طاهر في قوله

و الموت خير من سؤال سئول

أخذه من قول محمود :

و ارغب إلى ملك الملوك و لا تكن # بادي الضراعة طالبا من طالب‏

قال الآمدي : و مثل هذا لا يكون مسروقا، لأنه جار على الألسن أن يقال وقع سائل على سائل و مجتهد على مجتهد و وقع البائس على الفقير و أمثاله. و قال في قوله:

همة تنطح النجوم وجد # آلف للحضيض فهو حضيض‏

أخذه من قول أعرابي:

همة قد علت و قدرته # في اللحد بين الثرى مع الكفن‏

قال الآمدي : و هذا أيضا من المعاني المشتركة الجارية في العادة أن يقولوا: همته في علا و جده في سفال و همته ناطقة و جده أخرس و همته ذات حراك و جده ساكن و همة فلان ترفعه و جده يضعه و ما أشبهه. و قال في قوله.

يقبل الركن ركن البيت نافلة # و ظهر كفك معمور من القبل‏

أخذه من قول عبد الله بن طاهر :

أ علت له ذكره مكافاة # بان توالى في ظهرها القبل‏

قال الآمدي : و ليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر قبل الكف، و هذا ليس من المعاني المبتدعة، لأن الناس أبدا يقولون: ما خلق وجهه إلا للتحية و كفه إلا للقبل كما قال دعبل :

فباطنها للندى # و ظاهرها للقبل‏

و قال في قوله:

نظرت فالتفت منها إلى أحلى # سواد رأيته في بياض‏

أخذه من قول كثير :

و عن نجلاء تدمع في بياض # إذا دمعت و تنظر في سواد

قال الآمدي و ليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر البياض و السواد، و الألفاظ غير محظورة. و أبو تمام أراد بالسواد و البياض سواد العين و بياضها، و كثير أراد بالبياض بياض الخد، و هذا غير ذاك، و قال في قوله:

كم من يد لك لو لا ما أخففها # به من الشكر لم تحمل و لم تطق

426

بالله أدفع عني ثقل فادحها # فانني خائف منها على عنقي‏

أخذه من قول أبي نواس :

لا تسدين إلي عارفة # حتى أقوم بشكر ما سلفا

أنت امرؤ جللتني نعما # أوهت قوى شكري فقد ضعفا

قال الآمدي : و المعنيان مختلفان لأن أبا نواس استعفاه من نعمة حتى يقوم بشكر ما قبلها، و أبو تمام قال لو لا ما أخففها به من الشكر لم أطق حملها. و قال في قوله يهجو:

أعمل التف و الطلا و قديما # كان صعبا إن تشعب القارورة

أخذه من قول الأعشى :

كصدع الزجاجة ما تستطيع # كف الصناع لها أن تحيرا

قال الآمدي : و وقع في شعر الأعشى أيضا:

فباتت و في الصدر صدع لها # كصدع الزجاجة لا يلتئم‏

ثم قال: و هذا معنى متداول مشهور مبذول، فلا يقال إن أبا تمام أخذه من الأعشى . ثم ذكر له شواهد كثيرة. و قال في قوله:

إذا سيفه أضحى على الهام حاكما # غدا العفو منه و هو في السيف حاكم‏

أخذه من قول مسلم بن الوليد :

يغدو عدوك خائفا فإذا رأى # أن قد قدرت على العقاب رجاكا

قال الآمدي : و المعنيان مختلفان، فابو تمام قال: إذا حكم سيفه على الهام حكم عفوه على السيف، و مسلم قال: إن عدوه يخافه فإذا رأى أن قد قدر على العقاب رجاه (اه) ، و ما جعله فارقا لا يمنع الأخذ و قال في قوله:

فان هزئتم سللناها و قد غنيت # دهرا و هام بني بكر لها غمد

أخذه من قول سعيد بن ناشب :

فان أسيافنا بيض مهندة # عتق و آثارها في هامهم جدد

قال الآمدي : و المعنيان مختلفان فابو تمام قال: و هام بني بكر لها غمد و هذا قال و آثارها في هامهم جدد. و قال في قوله:

فلو كانت الأرزاق تأتي على الحجى # هلكن إذا من جهلهن البهائم‏

اخذه من قول أبي العتاهية :

إنما الناس كالبهائم في الرزق # سواء جهولهم و الحليم‏

قال الآمدي : و بين المعنيين خلاف، و أبو تمام زاد في المعنى فحسنه و إن كان إلى مذهب أبي العتاهية يؤول. و قال في قوله:

فاشجيت أيامي بصبر حلون لي # عواقبه و الصبر مثل اسمه صبر

أخذه من قول أبي الشيص :

يصبرني قوم براء من الهوى # و للصبر تارات أمر من الصبر

قال الامدي : فقول الناس الصبر مر و الصبر كاسمه صبر و الصبر محمود العاقبة و إن كان مرا لا يكون مسروقا فيقال إن واحدا أخذه من آخر. و قال في قوله.

لئن ذمت الأعداء سوء صباحها # فليس يؤدي شكرها الذئب و النسر

426 أخذه من قول مسلم بن الوليد

لو حاكمتك فطالبتك بذحلها # شهدت عليك ثعالب و نسور

قال الآمدي ذكر وقوع الذئاب و غيرها و النسور و سواها على القتلى معنى متداول معروف، و هو في بيت أبي تمام غيره في بيت مسلم (اه) ما أورده الامدي مما نسب فيه أبو تمام إلى الأخذ و ليس كذلك. و مما يلحق بالسرقة.

التوليد

و هو معدود في أنواع البديع، و من أقسامه أن يستحسن الشاعر ألفاظا من شعر غيره فيوردها في شعره لمعنى آخر. في أنوار الربيع ، و لا يعد من المحاسن بل هو إلى السرقة أقرب كقول امرئ القيس في وصف الفرس:

و قد اغتدي و الطير في وكناتها # بمنجرد قيد الأوابد هيكل‏

(الأوابد) الوحوش من أبدت إذا نفرت من الإنس ، و جعل الفرس قيدها لأنه يدركها و يمنعها المضي و الخلاص من الطالب كما يمنعها القيد.

أخذه أبو تمام فنقله إلى الغزل فقال:

لها منظر قيد النواظر لم يزل # يروح و يغدو في خفارته الحب‏

الاستعارة و أنواع البديع‏

السابع-مما عيب على أبي تمام إسرافه في طلب الاستعارة و أنواع البديع، فقد أكثر في شعره من أنواع البديع و الاستعارة حتى قيل إنه اخترع هذا المذهب و صار فيه أولا و إماما متبوعا، و شهر به حتى قيل هذا مذهب أبي تمام و طريقة أبي تمام ، و سلك الناس نهجه و اقتفوا اثره. و لكن الحق أنه لم يخترع ذلك و إنما أكثر منه، لأن مسلم بن الوليد سبقه اليه، و وجد قبل مسلم في القرآن الكريم ، و في أشعار الجاهليين و الإسلاميين .

فمن الاستعارة في القرآن المجيد وَ اِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً . وَ آيَةٌ لَهُمُ اَللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ اَلنَّهََارَ . وَ اِخْفِضْ لَهُمََا جَنََاحَ اَلذُّلِّ . و في الشعر المتقدم قول امرئ القيس :

فقلت له لما تمطى بجوزه # و أردف أعجازا و ناء بكلكل‏

و قول زهير :

صحا القلب عن سامي و أقصر باطلة # و عري أفراس الصبا و رواحله‏

و قول لبيد الجعفي :

و غداة ريح قد كشفت و قرة # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

و من التجنيس في الكتاب العزيز وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمََانَ . فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اَلْقَيِّمِ . و

في الحديث النبوي عصية عصت الله و غفار غفر الله لها و أسلم سالمها الله .

و في الشعر المتقدم قول القطامي

و لما ردها في الشول شالت

و قوله‏

مستحقين فؤادا ما له فادي

و قول جرير :

و ما زال معقولا عقال عن الندى # و ما زال محبوسا عن المجد حابس‏

و قول امرئ القيس

لقد طمح الطماح من بعد أرضه # ليلبسه من دائه ما تلبسا

و قول الفرزدق

خفاف أخف الله عنه سحابه # و أوسعه من كل ساف و حاصب‏

حكى ذلك الآمدي في الموازنة عن عبد الله بن المعتز في كتاب البديع ـ

427

و قال ابن المعتز فيه و من الطباق قوله تعالى‏ وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ و

قال النبي ص إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع‏

. و قال زهير .

ليث بعثر يصطاد الرجال إذا # ما كذب الليث عن أقرانه صدقا

(عثر) ماسدة (و كذب) بمعنى أحجم فطابق بين الصدق و الكذب و قال طفيل الغنوي :

بساهم الوجه لم تقطع أباجله # يصان و هو ليوم الروع مبذول‏

(الأباجل) جمع أبجل اسم عرق و هو من الفرس و البعير بمنزلة الأكحل من الإنسان ، فطابق بين يصان و مبذول. قال الآمدي : فتتبع مسلم بن الوليد هذه الأنواع و اعتدها و وشح شعره بها و وضعها في موضعها، ثم لم يسلم مع ذلك من الطعن حتى قيل إنه أول من أفسد الشعر روى ذلك أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح قال ابن الجراح و حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال سمعت أبي يقول أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد ثم اتبعه أبو تمام و استحسن مذهبه و أحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقا وعرا و استكره الألفاظ و المعاني ففسد شعره و ذهبت طلاوته و نشف ماؤه. و حكى عبد الله بن المعتز في كتابه الذي لقبه البديع أن بشارا و أبا نواس و مسلم بن الوليد و من تقيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، و لكنه كثر في أشعارهم فعرف من زمانهم، ثم إن الطائي تفرغ فيه و أكثر منه و أحسن في بعض ذلك و أساء في بعض و تلك عقبى الإفراط، و إنما كان الشاعر يقول من هذا الفن البيت و البيتين في القصيدة، و ربما قرئ في شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت واحد بديع، و كان يستحسن ذلك منهم إذا أتى عفوا، و قد كان بعضهم يشبه الطائي في البديع بصالح بن عبد القدوس في الأمثال و يقول لو كان صالح نثر أمثاله في تضاعيف شعره و جعل منها فصولا في أبياته لسبق أهل زمانه. قال ابن المعتز و هذا أعدل كلام سمعته، و حكى الآمدي في الموازنة عن أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن أحمد أن أبا تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال، قال: و هذا نحو ما قاله أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتابه الذي ذكر فيه البديع، و كذلك ما رواه محمد بن داود عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن أبيه أن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد و أن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحير فيه كأنهم يريدون إسرافه في طلب الطباق و التجنيس و الاستعارات و توشيح شعره بها حتى صار كثير مما اتى به من المعاني لا يعرف و لا يعلم غرضه فيها إلا مع الكد و طول التأمل و منه ما لا يعرف معناه إلا بالظن و الحدس و لو كان أخذ عفو هذه الأشياء و لم يوغل فيها و لم يجاذب الألفاظ و المعاني مجاذبة و يقسرها مكارهة و تناول ما يسمح به خاطره غير متعب و لا مكدود و أورد من الاستعارات ما قرب و حسن و اقتصر من القول على ما كان محذوا حذو الشعراء المحسنين ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر و تذهب ماءه و رونقه، و لعل ذلك أن يكون ثلث شعره أو أكثر منه، لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر على أكثر الشعراء المتأخرين و كان قليله حينئذ يقوم مقام كثير غيره لما فيه من لطيف المعاني و مستغرب الألفاظ، لكنه شره إلى كل ما جاش به خاطره فخلط الجيد بالردئ و العين النادر بالرذل الساقط و الصواب بالخطأ (اه) (و أقول) لا شك أن أبا تمام أكثر في شعره من ذكر الاستعارات و التجنيس و كأنه كان يتعمد ذلك و يعانيه 427 و لا يقتصر على ما يجي‏ء عفو الطبع. و أنواع البديع و الاستعارة و إن كانت من محسنات الكلام إلا أنها إذا كانت متكلفة قد تورث الكلام قبحا لا حسنا، و لهذا رأينا قصائد أصحاب البديعيات التي نظموها على وزن البردة و قافيتها جلها ينبو عنه السمع و يبعد عن البلاغة لما أن تكلف أصحابها أنواع البديع و ذكر أسمائها تكلفا، و شعر أبي تمام لما كان فيه كثير من الاستعارات و التجنيس و غيره أتى به تعمدا و تكلفه تكلفا، فقد يجي‏ء منه ما لا يكون مستحسنا. و يكون السمع و الطبع عنه نابيا و لا شك انه لو ترك تكلف ذلك و اقتصر على ما ياتي عفو الطبع لزاد شعره حسنا و رونقا، و لكننا مع ذلك نرى ان من عابه بهذا قد أفرط في التشنيع و لم يقتصد فجل تلك الاستعارات و أكثر ذلك التجنيس جيد مستحسن و إن وقع منها ما هو بخلاف ذلك فهو قليل لا يكاد يخلو عنه شعر شاعر و لو سلم انه أكثر مما في شعر غيره فهو لم يبلغ الدرجة التي عابوه بها. و حيث انساق الكلام إلى أنواع البديع و عيب الناس لأبي تمام بإكثاره منها، فلنذكر كثيرا مما وقع في شعره. منها:

1-حسن المطلع‏

و يسمى أيضا براعة المطلع و براعة الاستهلال و حسن الابتداء و هو أن يتانق المتكلم في أول كلامه و ياتي باعذب الألفاظ و أجزلها و أرقها و أسلسها و أحسنها نظما و سبكا و أصحها مبنى و أوضحها معنى و أخلاها من الحشو و الركة و التعقيد و التقديم و التأخير و الذي لا يناسب و هو من أنواع البديع. و المطلع للقصيدة بمنزلة الوجه للإنسان، فإنه أول ما يستقبل الإنسان من القصيدة، فينبغي للشاعر أن يجتهد في تحسين المطلع، لأنه أول ما يقرع الأذن و يصافح الذهن، فان كان حسنا أقبل السامع على الكلام فوعى جميعه، و إن كان على الضد من ذلك مجه السمع و نبت عنه النفس، إن كان الباقي في غاية الحسن. و لأبي تمام في قصائده مطالع بارعة، و قد يجي‏ء نادرا بمطالع باردة. فمن مطالعه البارعة قوله

يا موضع الشدنية الوجناء # و مصارع الإدلاج و الإسراء

و قوله

هتكت يد الأحزان شر عزائي # هتك الصباح دجنة الظلماء

و قوله:

السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد و اللعب‏

قال الآمدي : هو أحسن ابتداءاته . و قوله:

من سجايا الطلول أن لا تجيبا # فصواب من مقلتي أن تصوبا

و قوله:

على مثلها من أربع و ملاعب # أذيلت مصونات الدموع السواكب‏

و قوله:

أ أيامنا ما كنت إلا مواهبا # و كنت باسعاف الحبيب حبائبا

و قوله:

ديمة سمحة القياد سكوب # مستغيث بها الثرى المكروب‏

و قوله:

نسائلها أي المواطن حلت # و أي بلاد أوطنتها و أية

428

و قوله:

قف بالطلول الدارسات علاثا # أضحت حبال قطينهن رثاثا

و قوله:

أبى فلا شنبا يهوى و لا فلجا # و لا احورارا يراعيه و لا دعجا

و قوله:

يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا # هي الصبابة طول الدهر و السهد

و قوله:

أظن دموعها سنن الفريد # و هي سلكاه من نحر وجيد

و قوله:

سقى عهد الحمى سبل العهاد # و روض حاضر منه و بادي‏

و قوله:

حمته فاحتمى طعم الهجود # غداة رمته بالطرف الصيود

و قوله:

أ رأيت أي سوالف و خدود # عنت لنا بين اللوى فزرود

و قوله:

قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد # و ان هي لم تسمع لنشدان ناشد

و قوله:

لا أنت أنت و لا الديار ديار # خف الهوى و تولت الأوطار

و قوله:

الحق أبلج و السيوف عواري # فحذار من أسد العرين حذار

و قوله:

كذا فليجل الخطب و ليفدح الأمر # فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

و قوله:

أ تأمل في الدنيا تجد و تعمر # و أنت غدا فيها تموت و تقبر

و قوله:

أ قشيب ربعهم أراك دريسا # و قرى ضيوفك لوعة و رسيسا

و قوله:

أهلوك أمسوا شاخصا و مقوضا # و مزمما يصف النوى و مغرضا

و قوله:

و ثناياك إنها إغريض # و لآل تؤم و برق وميض‏

و قوله:

خذي عبرات عينك عن زماع # و صوني ما أذلت من القناع‏

و قوله:

أصم بك الناعي و إن كان أسمعا # و أصبح مغنى الجود بعدك بلقعا

و قوله:

أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا # فلا تكفن عن شانيك أو يكفا

و قوله:

أطلالهم سلبت دماها الهيفا # و استبدلت وحشا بهن عكوفا

428 و قوله:

يا برق طالع منزلا بالأبرق # و أحد السحاب له حداء الأينق‏

و قوله:

الدار ناطقة و ليست تنطق # بدثورها أن الجديد سيخلق‏

و قوله:

قرى دارهم مني الدموع السوافك # و إن عاد صبحي بعدهم و هو حالك‏

و قوله:

فحواك عين على نجواك يا مذل # حتام لا يتقضى قولك الخطل‏

و قوله:

غدا الملك معمور الحرا و المنازل # منور و حف الروض عذب المناهل‏

و قوله:

أجل أيها الربع الذي خف آهله # لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله‏

و قوله:

يوم الفراق لقد خلقت طويلا # لم تبق لي جلدا و لا معقولا

و قوله:

تحمل عنه الصبر يوم تحملوا # و عادت صباه في الصبا و هي شمال‏

و قوله:

متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل # و قلبك منها مدة الدهر آهل‏

و قوله:

سلم على الربع من سلمى بذي سلم # عليه و سم من الأيام و القدم‏

و قوله:

أسقى طلولهم أجش هزيم # و غدت عليهم نضرة و نعيم‏

و قوله:

أرامة كنت مالف كل ريم # لو استمتعت بالأنس المقيم‏

و قوله:

عسى وطن يدنو بهم و لعلما # و إن تعتب الأيام فيهم فربما

و قوله:

متى كان سمعي خلسة للوائم # و كيف صغت للعاذلات عزائمي‏

و قوله:

أصغى إلى البين مغترا فلا جرما # أن النوى أسارت في عقله لمما

و قوله:

يا ربع لو ربعوا على ابن هموم # مستسلم لجوى الفراق سقيم‏

و قوله:

نثرت فريد مدامع لم تنظم # و الدمع يحمل بعض شجو المغرم‏

و قوله:

دمن ألم بها فقال سلام # كم حل عقدة صبره الإلمام‏

و قوله:

لا اليوم أول توديعي و لا الثاني # البين أكثر من شوقي و أحزاني‏

429

و قوله:

كف الندى أضحت بغير بنان # و قناته أمست بغير سنان‏

و قوله:

أراك أكبرت إدماني على الدمن # و حملي الشوق من باد و مكتمن‏

و قوله:

حتام دمعك مسفوح على الدمن # بانوا و شوقك لم يظعن و لم يبن‏

و قوله:

إحدى بني بكر بن عبد مناه # بين الكثيب الفرد فالأمواه‏

مطالعه الغير المستحسنة

قدك اتئب أربيت في الغلواء # كم تعذلون و أنتم سجرائي‏

و قوله:

هن عوادي يوسف و صواحبه # فعزما فقد ما أدرك السؤل طالبه‏

و سياتي أن أبا العميثل و أبا سعيد الضرير لما سمعا هذا الابتداء أسقطا القصيدة فلما سمعا باقيها استحسناه. و في معاهد التنصيص أنه لما أنشد أول القصيدة أنكر عليه أبو العميثل و قال له لم لا تقول ما يفهم فقال له لم لا تفهم ما يقال؟فاستحسن منه هذا الجواب على البديهة. و قوله

قد نابت الجزع من أروية النوب # و استحقبت جدة من دارها الحقب‏

و قوله:

صرف النوى ليس بالمكيث # ينبث ما ليس بالنبيث‏

و قوله

كشف الغطاء فاوقدي أو أخمدي # لم تكمدي فظننت أن لم تكمدي‏

و قوله:

أرض مصردة و أخرى تثجم # تلك التي رزقت و أخرى تحرم‏

و قوله:

أ زعمت أن الربع ليس يتيم # و الدمع في دمن عفت لا يسجم‏

و قوله و هو من المطالع التي استهجنها المتنبي :

خشنت عليه أخت بني خشين # و أنجح فيك قول العاذلين‏

و قوله:

تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي # و ليس جنيبي إن عذلت بمصحبي‏

و قوله‏

هن البجاري يا بجير # أهدى لها الأبؤس الغوير

و قوله:

أقرم بكر تباهي أيها الخفض # و نجمها أي هذا الهالك الجرض‏

(الخفض) الجمل الضعيف (و الجرض) الغصص. و من شروط حسن المطلع أن لا يكون متعلقا بما بعده من الأبيات، و لذلك جعل من المطالع الغير المستحسنة قول أبي تمام .

أما إنه لو لا الخليط المودع # و ربع عفا منه مصيف و مربع‏

لتعلقه بالبيت الذي بعده و هو قوله:

لردت على أعقابها أريحية # من الشوق واديها من الدمع مترع‏

429 و قوله أيضا:

لو أن دهرا رد رجع جواب # أو كف من شاويه طول عتاب‏

لتعلقه بما بعده أيضا و هو قوله:

لعذلته في دمنتين بامرة # ممحوتين لزينب و رباب

2-الجناس‏

و هو تشابه الكلمتين في اللفظ مشتق من الجنس، و هو من أنواع البديع و من محسنات الكلام، لأن تجانس الأشياء و تشابهها يحدث في النفس ميلا إليها، و لكنه قد يكون متكلفا مستهجنا، فيورث الكلام قبحا، و هو على أنواع. و قد أكثر أبو تمام في شعره من التجنيس إكثارا مفرطا، حتى أنك لا تكاد تجد قصيدة لا يكون في كثير من أبياتها جناس. و استقصاء ذلك يطول به الكلام، لكننا نذكر طرفا مقنعا منه، و بسبب إكثاره من الجناس و تعمده له وقع له بعض الجناسات المستقبحة-كما ياتي-و قد جرت العادة بمثل ذلك لكل من تعمد أنواع البديع و تكلفها و لم يقتصر على ما يجي‏ء عفو الطبع. و نذكر لك مثالا واحدا من تجنيسه في قصيدة واحدة لتقيس ما بقي عليه. فهو يقول من قصيدة يمدح بها محمد بن عبد الملك الزيات :

متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل # و قلبك منها مدة الدهر آهل

تطل الطلول الدمع في كل موقف # و تمثل بالصبر الديار المواثل

دوارس لم يجف الربيع ربوعها # و لامر في أغفالها و هو غافل

فقد سحبت فيها السحائب ذيلها # و قد أخملت بالنور منها الحمائل

تعفين من زاد العفاة إذا انتحى # على الحي صرف الأزمة المتحامل

لهم سلف سمر العوالي و سالف # و فيهم جمال لا يغيض و جامل

ليالي أضللت العزاء و خذلت # بعقلك آرام الظباء العقائل‏

فهذه سبعة أبيات متتالية من قصيدة واحدة في كل منها تجنيس أو تجنيسان، و يقول فيها:

و لم تنظم العقد الكعاب لزينة # كما تنظم الشمل الشتيت الشمائل‏

و يقول في الممدوح:

من البيض لم تنض الأكف كنصله # و لا حملت مثلا إليه الحمائل

ترى حبله عريان عن كل غدرة # إذا نصبت تحت الحبال الحبائل‏

و يقول في وصف القصيدة:

ترد قوافيها إذا هي أرسلت # هوامل مجد القوم و هي هوامل‏

الجناس التام‏

و هو ما تماثل ركناه لفظا و اختلفا معنى، منه قوله:

ما مات من كرم الزمان فإنه # يحيا لدى يحيى بن عبد الله

و قوله:

فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم # فرط الصبابة مسعد و حزين‏

(النضو) بالكسر المهزول من الإبل و يستعار للرجل النحيل و أراد بنضو الدار الثاني و بنضوك الأول، و الحزين هو نضو الدار و المسعد المخاطب بهذا الكلام، و قوله:

ترد قوافيها إذا هي أرسلت # هوامل مجد القوم و هي هوامل‏

430

و قوله:

تفاحة جرت بالدر من فيها # أشهى إلي من الدنيا و ما فيها

و قوله:

و مهى من مهى الخدور و آجال # ظباء يسرعن في الآجال‏

و قوله:

ضمنت له أعجاسها و تكلفت # أوتارها أن تنقض الأوتار

و قوله:

جدد كلما غدا يوم فخر # بعضهم في أخلاقه الأخلاق‏

و قوله:

حتى أغادر كل يوم بالفلا # للطير عيدا من بنات العيد

و قوله:

أضحت أياد في معد كلها # و هم أياد بنائها الممدود

و قوله و فيه الجناس المطلق و التام:

هو الربع من أسماء و العام رابع # له بلوى خبت فهل أنت رابع

أ صارت لهم أرض العدو قطائعا # نفوس لحد المرهفات قطائع‏

و قوله:

بذ الجلاد البذ فهو دفين # ما إن به إلا الوحوش قطين‏

بذ: غلب ، و البذكورة بين أران و أذربيجان . و قوله:

و صليب القناة و الرأي و الإسلام # سائل بذاك عنه الصليبا

و قوله:

من كل فرج للعدو كأنه # فرج حمي إلا من الاكفاء

الفرج الأول الثغر و الثاني العورة . و قوله:

أذكت عليه شهاب نار في الحشى # بالعذل و هنا أخت آل شهاب

و قوله و فيه الجناس التام و الجناس المطلق:

حزن غداة الحزن هاج غليله # في أبرق الحنان منك حنين‏

و قوله:

كم نيل تحت سناها من سنا قمر # و تحت عارضها من عارض شنب

كم كان في قطع أسباب الرقاب بها # إلى المخدرة العذراء من سبب

كم أحرزت قضب الهندي مصلة # تهتز من قضب تهتز في كثب

بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت # أحق بالبيض أبدانا من الحجب‏

و قوله:

فأجل القذى عن مقلتي بأسطر # يكشفن من كربات بال بالي‏

الجناس المطلق‏

و هو أن يوجد في كل من اللفظين جميع ما في الآخر من الحروف أو أكثر و لا يرجعان في المعنى إلى أصل واحد كقوله:

في مصعبيين ما لاقوا مريد ردى

و قوله:

أرامة كنت مالف كل ريم # لو استمتعت بالأنس المقيم‏

و قوله:

و مصيب شواكل الأمر فيه # مشكلات يلكن لب اللبيب‏

و قوله:

ضربت به أفق السماء ضرائب # كالمسك يفتق بالندى و يطيب‏

430 الضرائب جمع ضريبة و هي الطبيعة ، و قوله:

أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا # فلا تكفن عن شانيك أو يكفا

و قوله:

و له إذا خلق التخلق أو نبا # خلق كروض الحزن أو هو أخصب‏

و قوله:

في يوم أرشق و الهيجاء قد رشقت # من المنية رشقا وابلا قصفا

ولوا و أغشيتهم شمسا غطارفة # لغمرة الموت كشافين لا كشفا

و قوله:

أراك كبرت إدماني على الدمن # و حملي الشوق من باد و مكتمن‏

و قوله:

غدا يمنع المعروف بعدك درة # و تغدر غدران الأكف الروافد

فجللن قحطا آل قحطان و انثنت # نزار بمنزور من العيش جامد

و قوله:

أ ترى الفراق يظن أني ذاهل # عنه و قد لمست يداه لميسا

و قوله:

و دلال مخيم في ذرى الخيم # و حجل معذب في الحجال‏

و قوله:

خان الصفاء أخ خان الزمان له # أخا فلم يتخون جسمه الكمد

و قوله:

أن لا تفر فقد أقمت و قد رأت # عيناك قدر الحرب كيف تفار

و قوله:

و قد كانت البيض القواضب في الوغى # بواتر فهي الآن من بعده بتر

و قوله:

إن تبرحا و تباريحي على كبد # ما تستقر فدمعي غير بارحها

إذا وصفت لنفسي هجرها جنحت # ودائع الشوق في أقصى جوانحها

و إن خطبت إليها صبرها جعلت # جراحة الوجد تدمى في جوارحها

حتى تئوب كان الطلح معترض # بشوكة في المآقي من طلائحها

و قوله:

و أهل موقان إذ ماقوا فلا وزر # أنجاهم منك في الهيجا و لا سند

و قوله:

و قد خزمت بالذل أنف ابن خازم # و أعيت صياصيها يزيد بن مزيد

و قوله:

بحوافر حفر و صلب صلب # و أشاعر شعر و خلق أخلق‏

و قوله:

سلم على الربع من سلمى بذي سلم # عليه و سم من الأيام و القدم‏

و قوله:

تغزو فتغلب مثل اسمها # و تسيح غنم في البلاد فتغنم‏

و قوله:

تتكلف الجلي و من هذا له # بيتاك في جشم و لا يتجشم‏

و قوله:

لا تخلفن خلقي فيهم و قد سطعت # ناري و جدد من حالي الجديدان‏

431

و قوله:

أي مناد إلى الندى و إلى الهيجاء # ناداهم فلم يجب‏

و قوله:

بضرب ترقص الأحشاء منه # و يبطل مهجة البطل النجيد

و قوله:

و مقدودة رود تكاد تقدها # إصابتها بالعين من حسن القد

تعصفر خديها العيون بحمرة # إذا وردت كانت وبالا على الورد

و قوله:

جادت معاهدهم عهاد سحابة # ما عهدها عند الطلول ذميم‏

و قوله:

أيام تدمي عينه تلك الدمى # فيها و تقمر لبه الأقمار

و قوله:

بيض فهن إذا رمقن سوافرا # صوروهن إذا رمقن صوار

و قوله و فيه الجناس المطلق و التام:

ريم أبت أن يريم الحزن لي جلدا # فالعين عين بماء الشوق تنهمر

و قوله:

يا برق طالع منزلا بالأبرق # واحد السحاب له حداء الأينق‏

و قوله:

لا شوق ما لم تصل وجدا بالتي # تأبى وصالك كالاباء المحرق‏

الاباء: القصب ، و قوله و فيه المقابلة أيضا:

يا بوم أرشق كنت رشق منية # للخرمية صائب الآجال

قد كان حزن الخطب في أحزانه # فدعاه داعي الحين بالاسهال‏

و قوله و فيه المقابلة أيضا:

لما قضى رمضان فيه قضاءه # شالت به الأيام في شوال‏

و قوله:

مضت خيلاء الخيل و انصرف الردى # بأنفس نفس من معد و والد

و ما كثرت في بلدة قصد القنا # فتقلع إلا عن رقاب قواصد

و قوله:

إذا طيئ لم تطو منشور بأسها # فانف الذي يهدي لها السخط جادع‏

و قوله:

ضرب كاشداق المخاض و تحته # طعن كان وحاءه طاعون‏

و قوله:

بين البين فقدها قل ما تعرف # فقدا للشمس حتى تغيبا

و قوله من قصيدة يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني :

أقر السلام معرفا و محصبا # من خالد المعروف و الهيجاء

سيل همى لو لم يذده ذائد # لتبطحت أولاه بالبطحاء

و تعرفت عرفات زاخره و لم # يخصص كداء (1) منه بالأكداء

و لطاب مرتبع بطيبة و اكتست # بردين برد ثرى و برد ثراء (2)

431 في الشطر الأول الجناس المطلق و في الثاني المذيل.

لا يحرم الحرمان خيرا أنهم # حرموا به نوءا من الأنواء

و قوله:

من كل ريم لم ترم سوءا و لم # تخلط صبا أيامها بتصابي‏

و قوله:

ألوى بصبرك إخلاق اللوى وهفا # بلبك الشوق لما أفقر اللبب‏

و قوله:

و أنجدتم من بعد اتهام داركم # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد

و قوله:

من سجايا الطلول أن لا تجيبا # فصواب من مقلتي أن تصوبا

بين البين ففدها قل ما تعرف # فقدا للشمس حتى تغيبا

لعب الشيب بالمفارق بل جد # فابكى تماضرا و لعوبا

و قوله:

تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد # و دع حسي عين يحتلب ماءه الوجد

و قوله:

فلعل عينك أن تعين بمائها # و الدمع منه خاذل و مواسي

بدر أطاعت فيك بادرة النوى # ولعا و شمس أولعت بشماس‏

و قوله:

خوانف يظلمن الظليم إذا عدا # وسيج أبيه و هو للبرق شائم‏

و مر تفسيره عند الكلام على وجود الغريب في شعره.

جناس الاشتقاق‏

و هو ما يكون اللفظان مشتقان من أصل واحد كقوله:

يا ربع لو ربعوا على ابن هموم # مستسلم لجوى الفراق سقيم‏

و قوله:

قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد # و إن هي لم تسمع لنشدان ناشد

و قوله:

يا بعد غاية دمع العين ان بعدوا # هي الصبابة طول الدهر و السهد

و قوله:

اي مرعى عين و واد قشيب # لحبته الأيام في ملحوب‏

(لحبته) سلكته (و ملحوب ) اسم مكان بمعنى مسلوك .

الجناس المحرف‏

و هو ما تماثل ركناه في الحروف و تغايرا في الحركات و منه قوله:

هن الحمام فان كسرت عيافه # من حائهن فإنهن حمام

جادت له نفحات من مواهبه # اقلعن عن زمن عن جاره زمن‏

و قوله:

اي حسن في الذاهبين تولى # و جمال على ظهور الجمال‏

و قوله:

عكف بجزل للطعان لقاؤه # خطر إذا خطر القنا الخطار

____________

(1) كداء كغراب جبل‏

(2) الثرى الندى و الثراء كثرة المال ، و يمكن ان يريد بالثرى التراب و ببرد الثرى نبات الأرض.

432

فان قرئ خطر بكسر الطاء كان من المحرف و ان قرئ بفتحها كان من التام و قوله:

بدرة حفها من حولها درر # ارضى غرامي فيها دمعي الدرر

و قوله:

و غدت بطون منى منى من سيبه # و غدت حرا منه ظهور حراء

( منى ) الأولى بكسر الميم الموضع المعروف بقرب مكة المكرمة و (منى) الثانية بضم الميم جمع منية كمدية و مدى (و الحرا) بالكسر و القصر جناب الرجل و ما حوله (و حراء ) ككتاب جبل بمكة ففي الشطر الأول الجناس المحرف و في الشطر الثاني الجناس المذيل و قوله:

مواهب لو تولى عدها هرم # لم يحصها هرم حتى يرى هرما

و قوله:

قوم تراهم حين يطرق حادث # يسمون للخطب الجليل فيطرق‏

و قوله:

حزن غداة الحزن هاج غليله # في أبرق الحنان منك حنين‏

الجناس المصحف‏

و هو ما تماثل ركناه في الحروف و تخالفا في النقط و منه قوله:

(في حده الحد بين الجد و اللعب)

و قوله:

ايه فدتك مغارسي و منابتي # اطرح غناءك في نحور عنائي‏

و قوله:

رب خفض تحت السري و غناء # من عناء و نضرة من شحوب‏

الجناس اللاحق‏

و هو ما أبدل من أحد ركنيه حرف بحرف فمنه قوله:

و كنت عونا إذا دهر تخوننا # بالمال عينا فأنت العون بالعين‏

و قوله:

كم بين جدرانها من فارس بطل # قاني الذوائب من آني دم سرب‏

و قوله:

لما حللت الثغر أصبح عاليا # للروم من ذاك الجوار جؤار

و استيقنوا إذ جاش بحرك و ارتقى # ذاك الزئير و عز ذاك الزار

الجناس المطرف‏

و هو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف في طرفه الأول فمنه قوله:

لها اعارتي و لها # و أبصر حرقتي فزها

الجناس المذيل‏

و هو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف في آخره و منه قوله:

عادك الزور ليلة الرمل من رملة # بين الحمى و بين المطالي‏

و قوله:

يمدون من أيد عواص عواصم # تصول بأسياف قواض قواضب‏

و قوله:

ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى # من كيمياء المجد تغن و تغنم‏

432 و قوله:

طلبت ربيع ربيعة الممهى لها # فتفيات ظلا لها ممدودا

و قوله: و فيه الجناس المذيل و اللاحق.

يحيى بن ثابت الذي سن الندى # و حوى المكارم من حيا و حياء

الجناس المقلوب‏

و هو ما تساوت حروف ركنيه عددا و تخالفت ترتيبا و منه قوله:

بيض الصفائح لأسود الصحائف في # متونهن جلاء الشك و الريب‏

و قوله:

ابدا يفيد غرائبا من ظرفه # و رغائبا من جوده و نواله‏

التجنيس المستقبح في شعر أبي تمام

أورد الامدي من ذلك قوله (من الجناس المطلق) :

قرت بقران عين الدين و انشترت (و اشتترت) # بالاشترين عيون الشرك فاصطلما

و قوله:

ان من عق والديه لملعون # و من عق منزلا بالعقيق

و قوله:

خشنت عليه أخت بني خشين # و انجح فيك قول العاذلين‏

و قوله:

فأسلم سلمت من الآفات ما سلمت # سلام سلمى و مهما أورق السلم‏

و قوله: (من الجناس المطلق و المحرف) :

ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت # فيه الظنون أ مذهب أم مذهب‏

3-الاستعارة

و هي تشبيه شي‏ء بشي‏ء و ذكر المشبه به فقط و الدلالة على التشبيه بذكر شي‏ء من لوازم المشبه و قد أكثر أبو تمام من الاستعارات البعيدة و غير البعيدة في شعره اكثارا مفرطا فلا تكاد تجد بيتا من قصائده خاليا من استعارة أو استعارات و استقصاء ذلك يفضي إلى التطويل بذكر جل شعره و يكفيك النظر في قصيدتين من شعره هما بين يدينا الآن (إحداهما) يمدح بها موسى بن إبراهيم الرافقي و يعتذر اليه مما بلغه عنه انه هجاه أولها:

شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي # و محت كما محت و شائع من برد

و يقول فيها:

لعمري لقد اخلقتم جدة البكاء # علي و جددتم به خلق الوجد

و كم أحرزت منكم على قبح قدها # صروف الردى من مرهف حسن القد

فكم مذهب سبط المنادح قد سعت # إليك به الأيام من أمل جعد

إذا وعد انهلت يداه فاهدتا # لك النجح محمولا على كاهل الوعد

إليك ثغرنا ما بنت في ظهورها # ظهور الثرى الربعي من فدن نهد

سرت تحمل العتبى إلى العتب و الرضا # إلى السخط و العذر المبين إلى الحقد

اتاني مع الركبات ظن ظننته # لففت له رأسي حياء من المجد

لقد نكب الغدر الوفاء بساحتي # إذا و سرحت الذم في مسرح الحمد

نسيت إذا كم من يدلك شاكلت # يد القرب أعدت مستهاما على البعد

و من زمن ألبستنيه مكانه # إذا ذكرت أيامه زمن الورد

433

و انك أحكمت الذي بين فكرتي # و بين الليالي من ذمام و من عهد

واصلت شعري فاعتلى رونق الضحى # و لولاك لم يظهر زمانا من الغمد

فكيف و ما أخللت بعدك بالحجى # و أنت فلم تخلل بمكرمة بعدي

أ سربل هجر القول من لو هجرته # إذا لهجاني عنه معروفه عندي

كريم متى امدحه و الورى # معي و إذا ما لمته لمته وحدي

و لو لم يزعني عنك للحلم وازع # لاعديتني بالحلم ان العلا تعدي

و اني رأيت الوشم في خلق الفتى # هو الوشم لا ما كان في الشعر و الجلد

فجعل للبكاء و الوجد جدة و إخلاقا. و لصروف الردى قدا و للمذهب سبوطة و للامل جعودة و للوعد كاهلا و لعشب الربيع بناء و للحمد و الذم مسرحا و للقرب يدا و جعل الزمن لباسا و جعل لليالي عهدا و ذماما و للشعر غمدا و إصلاتا و جعل هجر القول سربالا و الحلم وازعا و جعل للخلق وشما إلى غير ذلك (و الاخرى) يمدح بها المأمون يقول فيها:

جارى اليه البين وصل خريدة # ماشت اليه المطل مشي الأكبد (1)

عبث الفراق بدمعه و بقلبه # عبثا يروح الجد فيه و يغتدي

يا يوم شرد يوم لهوي لهوه # بصبابتي و أذل عز تجلدي

يوم أفاض جوى أغاض تعزيا # خاض الهوى بحري حجاه المزبد

يقول فيها في وصف المأمون :

متجردا ثبت المواطئ عزمه # متجرد للحادث المتجرد

في دولة لحظ الزمان شعاعها # فارتد منقلبا بعيني ارمد

اما الهدى فقد اقتدحت بزنده # في العالمين فويل من لم يهتد

صدمت مواهبه النوائب صدمة # شغبت على شغب الزمان الأنكد

وطئت حزون الجود حتى خلتها # فجرت عيونا في متون الجلمد

و أرى الأمور المشكلات تمزقت # ظلماتها عن رأيك المتوقد

فإذا ابتنيت بجود يومك مفخرا # عصفت به أرواح جودك في غد

فلويت بالموعود أعناق المنى # و حطمت بالانجاز ظهر الموعد

هذا أمين الله آخر مصدر # شجي الظماء به و أول مورد

(نيطت قلائد ظرفه بمحير) # (فعناؤها يطوي المراحل باليد)

فجعل المطل مماشيا و الفراق عابثا و الجد رائحا غاديا و اليوم لاهيا و جعل للتجلد عزا و للجوى بحرا و للحادث تجردا و للزمان لحظا و رمدا و للهدى زندا و للنوائب صدمة و للزمان شغبا و للجود حزونة و للمشكلات ظلما و للرأي توقدا و للجود رياحا و للمنى أعناقا و للموعد ظهرا و للظماء شجى و للظرف قلائد و للعناء يدا تطوي المراحل إلى غير ذلك هذا في قصيدتين قصيرتين فما ظنك باستقصاء شعره أو بقصائده الطوال و هذا مما عيب به على أبي تمام .

الاستعارات القبيحة في شعر أبي تمام

و قد عقد الآمدي لذلك بابا مخصوصا ذكر فيه جملة منها و حكى عن ابن المعتز في كتاب سرقات الشعراء انه ذكر استعارة قبيحة لسلم الخاسر و قال هذا ردي‏ء كأنه من شعر أبي تمام الطائي و لو لم يكن لأبي تمام من ردي‏ء الاستعارة إلا مثل استعارة سلم هذه أو نحوها لكفاه و نعوذ بالله من حرمان التوفيق (اه) قال الآمدي فمن مرذول ألفاظه و قبيح استعاراته قوله:

يا دهر قوم من اخدعيك فقد # اضججت هذا الأنام من خرقك‏

433 و قوله:

ساشكر فرجة اللبب الرخي # و لين أخادع الدهر الآبي‏

و قوله:

فضربت الشتاء في اخدعيه # ضربة غادرته عودا ركوبا

و قوله:

تروح علينا كل يوم و تغتدي # خطوب كان الدهر منهن يصرع‏

و قوله:

الا لا يمد الدهر كفا لسيئ # إلى مجتدي نصر فتقطع من الزند

و قوله:

و الدهر ألأم من شرقت بلؤمه # الا إذا أشرقته بكريم‏

و قوله:

تحملت ما لو حمل الدهر شطره # لفكر دهر اي عبايه أثقل‏

و قوله يصف قصيدة:

لها بين أبواب الملوك مزامر # من الذكر لم تنفخ و لا هي تزمر

و قوله:

يحل يفاع المجد حتى كأنه # على كل رأس من يد المجد مغفر

اما و أبي احداثه ان حادثا # حدا بي عنك العيس للحادث الوغد

لدى ملك من ايكة الجود لم يزل # على كبد المعروف من فعله برد

به أسلم المعروف بالشام بعد ما # ثوى منذ اودى خالد و هو مرتد

و قوله:

جذبت نداه غدوة السبت جذبة # فخر صريعا بين ايدي القصائد

و قوله:

لو لم تفت مسن المجد مذ زمن # بالجود و البأس كان الجود قد خرفا

و قوله:

في علة أوقدت على كبد النائل # نارا اخنت على كبده‏

و قوله:

حتى إذا اسود الزمان توضحوا # فيه فغودر و هو فيهم أبلق‏

و قوله:

إيثار شذر القوى رأى جسد المعروف # اولى‏بالطب‏من جسده‏

و قوله:

فما ذكر الدهر العبوس بأنه # له ابن كيوم السبت إلا تبسما

و قوله:

و كم أحرزت منكم على قبح قدها # صروف النوى من مرهف حسن القد

و قوله يصف الأرض

إذا الغيث غادي نسجها خلت انه # مضت حقبة حرس له و هو حائك

إذا للبستم عار دهر كأنما # لياليه من بين الليالي عوارك

و لا اجتذبت فرش من الأمن تحتكم # هي المثل في لين بها و الأرائك‏

____________

(1) الاكبد الذي يشتكي كبده -المؤلف-.

434

و قوله يرثى غالبا :

أنزلته الأيام عن ظهرها من # بعد إثبات رجله في الركاب

كأنني حين جردت الرجاء له # غضا صببت لها ماء على الزمن‏

و قوله يصف فرسا:

فكان فارسه يصرف إذ بدا # في متنه ابنا للصباح الأبلق

لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى # من ماء قافية يسقيكه فهم

مقصرا خطوات البث في بدني # علما باني ما قصرت في الطلب

جارى اليه البين وصل خريدة # ماشت اليه و الوصل مشي الاكبد

و قد تحامل الامدي على أبي تمام في هذا المقام كتحامله في كثير من المقامات فقال بعد إيراد هذه الأبيات فجعل كما ترى من غثاثة هذه الألفاظ للدهر اخدع و يدا تقطع من الزند و كأنه يصرع و يحل و يشرق بالكرام و يتبسم و ان الأيام تنزله و الزمان أبلق و جعل للمجد يدا و لقصائده مزامر الا انها لا تنفخ و لا تزمر و جعل المعروف مسلما تارة و مرتدا اخرى و الحادث و غدا و جذب ندى الممدوح بزعمه جذبة حتى خر صريعا بين يدي قصائده و جعل المجد مما يبعد عنه الخرف و ان له جسدا و كبدا و جعل لصروف النوى قدا و للامن فرشا و ظن ان الغيث كان دهرا حائكا و جعل للأيام ظهرا يركب و الليالي كأنها عوارك و الزمان كأنه صب عليه ماء و الفرس كأنه ابن الزمان الأبلق و هذه استعارات في غاية القباحة و الهجانة (اه) . و لا نراه في تقبح هذه الاستعارات إلا مبالغا متحاملا فقد ورد أمثالها في الكلام الفصيح حتى في القرآن المجيد قال امرؤ القيس في استطالة الليل:

فقلت له لما تمطى بجوزه # و اردف اعجازا و ناء بكلكل‏

و قال طفيل الغنوي :

و جعلت كوري فوق ناجية # يقتات شحم سنامها الرحل‏

و قال عمرو بن كلثوم يهجو النعمان :

الا أبلغ النعمان عني رسالة # فمجدك حولي و لؤمك قارح‏

و قال حسان :

لو يدب الحولي من ولد الذر # عليها لاندبتها الكلوم‏

و قال أبو ذؤيب :

و إذا المنية انشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع‏

و قال امرؤ القيس :

أ يقتلني و المشرفي مضاجعي # و مسنونة زرق كأنياب أغوال‏

و قال ذو الرمة :

تيممن يا فوخ الدجى فصد عنه # و جوز الفلا صدع السيوف القواطع‏

و قال تابط شرا :

نحز رقابهم حتى نزعنا # و انف الموت منخره رئيم‏

و قال ذو الرمة :

يعز ضعاف القوم عزة نفسه # و يقطع انف الكبرياء عن الكبر

و قال آخر:

تخاصم قوما لا تلقى جوابهم # و قد أخذت من انف لحيتك اليد

434 و قال آخر يذم رجلا:

ما زال مذموما على است الدهر # ذا حسد ينمى و عقل يجري‏

و قال أحد شعراء عبد القيس :

و لما رأيت الدهر وعرا سبيله # و ابدى لنا ظهرا أجب مسلعا

و معرفة حصاء غير مفاضة # عليه و لونا ذا عثاثين اجمعا

و جبهة قرد كالشراك ضئيلة # و صعر خديه و انفا مجدعا

و في القرآن المجيد : وَ اِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً ، وَ آيَةٌ لَهُمُ اَللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ اَلنَّهََارَ ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذََابٍ ، طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيََاطِينِ أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشََاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ . و حاول الآمدي ان يفرق بين استعارات أبي تمام و ما في هذه من الاستعارات فلم يأت بشي‏ء، و لم ننقل كلامه خوف التطويل.

مما استحسنه الآمدي من استعارات أبي تمام

قوله:

ليالي نحن في و سنان عيش # كان الدهر عنا في وثاق

و أيام لنا و له لدان # غنينا في حواشيها الرقاق‏

و قوله:

أيامنا مصقولة أطرافها # بك و الليالي كلها اسحار

و قوله:

سكن الزمان فلا يد مذمومة # للحادثات و لا سوام تذعر

و من استعاراته قوله:

قلا فلا تجعل جوابك في يدي لا # فاكتب ما رجوت على الجليد

رماني بخلف بعد ما عاش حقبة # له رسفان في قيود المواعد

فجعل للخلف قيودا يرسف فيها.

4-المقابلة و الطباق‏

و هما من أنواع البديع (فالمقابلة) هي الإتيان بشيئين فما فوق ثم مقابلتهما باضدادهما أو بغيرها (و الطباق) الإتيان بشي‏ء ثم مقابلته بضده و قد فرقوا بينهما بوجهين (أحدهما) أن الطباق لا يكون إلا بالأضداد، و المقابلة تكون بالأضداد و بغيرها (ثانيهما) أن الطباق لا يكون إلا بين ضدين، و المقابلة لا تكون إلا بين اثنين و اثنين فما زاد و لو بلغت العشرة. (و المقابلة) كثيرة في شعره كثرة مفرطة كقوله:

فبسطت أزهرها بوجه أزهر # و قبضت أربدها بوجه أربد

أ في الحق أن يضحي بقلبي ماتم # من الحب و البلوى و عيناي في عرس

أ بقيت جد بني الإسلام في صعد # و المشركين و دار الشرك في صبب

فاما عيون العاشقين فاسخنت # و أما عيون الكاشحين فقرت

و كانت و ليس الصبح فيها بأبيض # فأمست و ليس الليل فيها بأسود

يا أمة كان قبح الجور يسخطها # دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها

(و الطباق) كثير أيضا في شعره كثرة مفرطة كقوله:

ببعيد المدى قريب المعاني # و ثقيل الحجى خفيف الروح‏

و قوله:

فما زالت تجد أسى و شوقا # له و عليه إخلاق الطلول

أسكن قلبا هائما فيه ماتم # من الشوق إلا أن عيني في عرس

و مغضب رجعت بيض السيوف به # حي الرضا عن رداهم ميت الغضب

ـ

435

رأى بابك منك التي طلعت له # بنحس و للدين الحنيف بأسعد

يضحى على المجد مأمونا إذا اشتجرت # سمر القنا و على الأرواح متهما

فقيدت بالاقدام مطلق بأسهم # و أطلقت فيهم كل حتف مقيد

إنسية إن حصلت أنسابها # جنية الأبوين ما لم تنسب

و ليس ببان للعلى خلق امرئ # و ان جل إلا و هو للمال هادم

غادرت فيهم بهيم الليل و هو ضحى # يشله وسطها صبح من اللهب

فالشمس طالعة من ذا و قد أفلت # و الشمس واجبة من ذا و لم تجب

بصرت بالراحة العظمى فلم ترها # تنال إلا على جسر من التعب‏

و قوله-و فيه الجناس أيضا:

له كل يوم شمل مجد مؤلف # و شمل ندى بين العفاة مشتت

و غدت بطون منى منى من سيبه # و غدت حرا منه ظهور حراء

ألبست فوق بياض مجدك نعمة # بيضاء تسرع في سواد الحاسد

قربت نازحة القلوب من الجوى # و تركت شاو الدمع فيك بعيدا

و قوله:

لئن عمت بني حواء نفعا # لقد خصت بني عبد الحميد

و قوله:

بمصعد من نعته و مصوب # و مجمع من حسنه و مفرق

و ضل بك المرتاد من حيث يهتدي # و ضرت بك الأيام من حيث تنفع

ضوء من النار و الظلماء عاكفه # و ظلمة من دخان في ضحى شجب

صعب فان سومحت كنت مسامحا # سلسا جريرك في يمين القائد

سفه الفراق عليك يوم رحيلهم # و بما أراه و هو عنك حليم

مسود شطر مثل ما اسود الدجى # مبيض شطر كابيضاض المهرق

كم في العلا لهم و المجد من بدع # إذا تصفحت اختيرت على السنن

دموع أجابت داعي الحزن همع # توصل منا عن قلوب تقطع

عفاء على الدنيا طويل فإنها # تفرق من حيث ابتدت تتجمع

و لقد خشيت بان تكون غنيمتي # حر الزمان بها و برد المطلب

من ذا يعظم مقدار السرور بمن # يهوى إذا لم يعظم موقع الحزن

يعطي عطاء المحسن الخضل الندى # عفوا و يعتذر اعتذار المذنب

ترضى السيوف به في الروع منتصرا # و يغضب الدين و الدنيا إذا غضبا

أفادت صديقا من عدو و صيرت # أقارب دنيا من رجال أباعد

و من مستحسن قول أبي تمام في الطباق قوله:

نثرت فريد مدامع لم تنظم # و الدمع يحمل بعض شجو المغرم

جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب # و خطب الردى و الموت أبرحت من خطب‏

و من مستقبح قول أبي تمام فيه على ما في الموازنة قوله:

قد لان أكثر ما نريد و بعضه # خشن و إني بالنجاح لواثق

لعمري لقد حررت يوم لقيته # لو ان القضاء وحده لم يبرد

5-الاستدراك‏

و هو دفع توهم يتولد من الكلام السابق، و لا بد لعده من أنواع البديع من اشتماله على نكتة طريفة كقوله:

له خلق سهل و نفس طباعها # ليان و لكن عزمه من صفا صلد

بلوناك أما كعب عرضك في العلا # فعال و لكن جد مالك أسفل‏

6-الاعتراض‏

و هو الإتيان في أثناء الكلام بجملة لنكتة سوى دفع الإيهام كقوله 435

دأب عيني البكاء و الحزن دابي # فاتركيني، وقيت ما بي، لما بي‏

7-الافتنان‏

و هو الإتيان بفنين مختلفين في بيت واحد مثل النسيب و الحماسة و التهنئة و التعزية فمنه قوله يرثي المعتصم و يهنئ الواثق من قصيدة:

لله أي حياة انبعثت لنا # يوم الخميس و بعد أي حمام

أودى بخير إمام اضطربت به # شعب الرحال و قام خير إمام

تلك الرزية لا رزية مثلها # و القسم ليس كسائر الأقسام

إن أصبحت هضبات قدس رابها # قدر فما زالت هضاب شمام

أو يفتقد ذو النون في الهيجا فقد # دفع الاله لنا عن الصمصام

أوجب منا غارب غدرا فقد # رحنا باسمك ذروة و سنام

هل غير بؤسى ساعة ألبستها # بنداك ما لبست من الإنعام

نقض كرجع الطرف قد أبرمته # يا ابن الخلائف أيما إبرام

ما أن رأى الأقوام شمسا قبلها # أفلت و لم تعقبهم بظلام‏

و قوله:

خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا # كالحسن شيب لمغرم بدلال‏

و قوله:

لا و الذي هو عالم أن النوى # صبر و أن أبا الحسين كريم‏

8-التهكم‏

و هو الخطاب بلفظ الإجلال في موضع التحقير و نحو ذلك، فمنه قوله:

لا خلق أربط جاشا منك يوم ترى # أبا سعيد و لم يبطش بك الزؤد

أما و قد عشت يوما بعد رؤيته # فافخر فانك أنت الفارس النجد

و قوله:

أ ترى أنني ظننتك كلبا # أنت عندي من أبعد الناس همه‏

9-الهجو في موضع المدح‏

و هو الإتيان بكلام ظاهره المدح و باطنه القدح، هكذا عرفوه و هو ان لم يكن عين التهكم فقريب منه، و فرق بينهما السيد علي خان بان التهكم يفهم من لفظه أو فحواه أو أسلوبه أو مقامه ان المقصود السخرية و الاستهزاء بخلاف الهجو في معرض المدح، فان ظاهره لا يدل إلى على المدح حتى يقترن به ما يفهم منه أن المقصود الهجو كقوله يهجو المطلب الخزاعي :

أول عدل منك فيما أرى # أنك لا تقبل قول الكذب

مدحتكم كذبا فجازيتني # بخلا لقد أنصفت يا مطلب

10-الكلام الجامع‏

و هو أن يكون فيه حكمة أو موعظة أو شكاية من الزمان أو نحو ذلك، مثل قوله:

لا يمنعنك خفض العيش في دعة # نزوع نفس إلى أهل و أوطان

تلقى بكل بلاد إن حللت بها # أهلا بأهل و جيرانا بجيران

و إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود

436

لو لا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود

11-التذييل‏

و هو تعقيب الجملة التامة بجملة تشتمل على معناها لتوكيدها، نحو قوله:

أصمني سرهم أيام فرقتهم # هل كنت تعرف سرا يورث الصمما

مشت خببا سيوفك في طلاهم # و لم يك مشيها مشي الوئيد

12-اللف و النشر

و هو أن تذكر متعددا ثم تذكر أشياء على عدد ذلك، فالأول اللف و الثاني النشر كقوله:

جرت له أسماء حبل الشموس # و الهجر و الوصل نعيم و بوس

كم فرحة أهدى و كم من ترحة # لمؤمل راج و لاح ناهي

أخا الفلوات قد أحيا و أردى # ركابا في صحاصحها و ركبا

و كان لهم غيثا و علما لمعدم # فيسأله أو باحث فيسائله

يفيد و يستفيد غنى و حمدا # فأكرم بالمفيد المستفيد

13-الجمع‏

و هو أن يجمع بين شيئين مختلفين أو أكثر فيثبت لهما جهة جامعة يتحدان بها كقوله:

الجو أكلف و الجناب لفقده # محل و ذاك الشق شق مظلم‏

و قوله:

فسقى طيئا و كلبا و ذودان # و قيسا و وائلا و تميما

و قوله:

يسمو بك السفاح و المنصور و المهدي # و المعصوم و المأمون

فيهم سكينة ربهم و كتابه # و إمامتاه و اسمه المخزون

العيس و الهم و الليل التمام معا # ثلاثة أبدا يقرن في قرن

حسد تمكن ذله من بعضكم # في أعين و معاطس و شفاه‏

و قوله:

بصفحته و فقحته جميعا # و خادمه و بغلته جذام

فستعلمن هن أم من و إهاب من # و قديم من و حديث من يتمزق‏

14-التفريق‏

و هو إيقاع تباين بين أمرين من نوع واحد ادعاء مثل قوله:

كالليث ليث الغاب إلا أن ذا # في الروع بسام و ذاك شتيم

غيث حوى كرم الطبائع دهره # و الغيث يكرم مرة و يلوم

مها الوحش إلا أن هاتا أوانس # قنا الخط إلا ان تلك ذوابل‏

15-مراعاة النظر

و هو الجمع بين لفظين أو ألفاظ متناسبة المعاني حقيقة أو ظاهرا كقوله:

يا عصمتي و معولي و ثمالي # بل يا جنوبي غضة و شمالي

بل لامتي ألقى بها حد القنا # بل كوكبي أسري به و هلالي

رزء على طيئ ألقى كلاكله # لا بل على أدد لا بل على اليمن

المجد أعنق و الديار فسيحة # و العز أقعس و العديد عرمرم‏

436

16-الاطراد

و هو الإتيان باسم الممدوح و لقبه و كنيته و صفته و أبيه و جده و قبيلته أو ما أمكن من ذلك في بيت واحد بغير فصل كقوله:

عبد المليك بن صالح بن علي بن # قسيم النبي في حسبه

عمرو بن كلثوم بن مالك الذي # ترك العلى لبني أبيه تراثا

بنصر بن منصور بن بسام انفرى # لنا شظف الأيام في عيشة رغد

و قوله:

لمحمد بن الهيثم بن شبابة # مجد إلى جنب السماك مقيم

نوح بن عمرو بن حوى بن عمرو بن حوى بن الفتى # ماتع عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد

سهمكم لا يسهم‏

17-حسن النسق‏

و هو الإتيان بصفات متتالية، و يسمى تنسيق الصفات، أو بجمل متتاليات متلاحمات كقوله:

خلعة من أغر أروع رحب الصدر # رحب الفؤاد رحب الذراع‏

و قوله:

بمحمد و مكند و محسد # و مسود و ممدح و معذل‏

و قوله‏

فوجدتها في همتي و رأيتها # في مطلبي و عرفتها في مالي‏

و قوله-و فيه السجع أيضا:

ذوي الهمم الهوامد و الأكف الجوامد # و المروءات النيام‏

و قوله:

لحياضها متورد و لخطبها # متعمد و بثديها ملبون

فرسان مملكة أسود خلافة # ظل الهدى غاب لهم و عرين

بفارس دعمي و هضبة وائل # و كوكب عتاب و جمرة هاشم

و قوله:

فتى فتاء و فتيانية و أخو # نوائب و ملمات و أزمان‏

و قوله:

أ ذهل بن شيبان ذهل الفخار # و ذهل الفعال و ذهل العلاء

و قوله-و فيه السجع:

ورث الندى و حوى النهى و منى العلى # و جلى الدجى و رمى الفضا بهداء

خولته عيشا أغن و جاملا # دثرا و مالا صامتا و أثاثا

و قوله:

بدور ليل التمام حسنا # عين حتوف ظباء ميث

بين الأسارير و الخلاخيل # و الدماليج و الرعوث‏

و قوله:

فيا جولة لا تجحديه وقاره # و يا سيف لا تكفر و يا ظلمة اشهدي

و يا ليل لو أني مكانك بعدها # لما بت في الدنيا بنوم مسهد

و قال-و فيه حسن النسق و التجنيس:

بسلمى سلامات و عمرة عامر # و هند بني هند و سعد بني سعد

هو الهمام هو الموت المريح هو الحتف # الوحي هو الصمصامة الذكر

أنا الحسام أنا الموت الزؤام أنا الحرب # الضرام أنا الضرعامة العتد

أبى فلا شنبا يهوى و لا فلجا # و لا احورارا يراعيه و لا دعجا

فالمشي همس و النداء إشارة # خوف انتقامك و الحديث سرار

البيت حيث النجم و الكف حيث # الغيث في الأزمة و الدار خيس

حزن الصفات روادفا و سوالفا # و محاجرا و نواظرا و أنوفا

في الروض قراض و في سيل الربى # كدر و في بعض الغيوث صواعق

من منة مشهورة و صنيعة # بكر و إحسان أغر محجل‏

437

18-تجاهل العارف‏

و هو سوق المعلوم مساق المجهول لنكتة إيهام ان شدة الشبه بين الشيئين أحدث التباس أحدهما بالآخر كقوله:

أعيا علي، و ما أعيا بمشكلة، # بسندبايا و يوم الروع محتشد

من كان أنكا حدا في كتائبهم # أ أنت أم سيفك الماضي أم الأحد

تالله أدري أ الإسلام يشكرها # من وقعة أم بنو العباس أم أدد

فما ندري أ حدك كان أمضى # غداة البين أم حد الحديد

فو الله ما أدري أ أحلام نائم # ألمت بنا أم كان في الركب يوشع

فلا أدري من الأعلى فعالا # و من يبني العلا عرضا و طولا

أ من يعطي الجزيل بلا امتنان # به أم من أفدت به الجزيلا

دعواك في كلب أعم فضيحة # و أخس أم دعواك في الشعراء

يا ليت شعري ضل عقلك كله # أم هذه أيام ثقب الجوهر

فما أدري عماي عن ارتيادي # دهاني أم عماك عن الجميل‏

و قوله:

أ طوقه أحسن أم طرفه # أم وجهه أحسن أم عقله‏

19-السلب و الإيجاب‏

و هو أن يبتني الكلام على نفي الشي‏ء من جهة و إثباته من جهة أخرى كقوله:

فتى برحت هماته و فعاله # به فهو في جهد و ما هو في جهد

إن الكرام كثير في البلاد و إن # قلوا كما غيرهم قل و إن كثروا

20-التسهيم‏

و هو أن يذكر في الكلام ما يدل على ما بعده كقوله:

بقاعية تجري علينا كئوسها # فتبدي الذي نخفي و تخفي الذي نبدي

و كان عرضك في السهولة وجهه # و كان وجهك في الصلابة عرضه

و مودة لا زهدت في راغب # يوما و لا هي رغبت في زاهد

قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت # و يبتلي الله بعض القوم بالنعم

لما رأى أدبا في غير ذي كرم # قد ضاع أو كرما في غير ذي أدب

فما تترك الأيام من هو آخذ # و لا تأخذ الأيام من هو تارك‏

21-العكس‏

و هو أن تقدم في الكلام جزء ثم تعكس فتقدم ما أخرت و تؤخر ما قدمت كقوله:

فثقلت بالتخفيف عنك و بعضهم # يخفف في الحاجات حتى يثقله‏

22-العقد

و هو أن ينظم آية أو حديثا أو كلام صحابي أو حكيم بلفظه و معناه أو معظم لفظه كقوله:

و قال علي في التعازي لأشعث # و خاف عليه بعض تلك العظائم

أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة # فتؤجر أم تسلو سلو البهائم‏

عقد فيه‏

قول أمير المؤمنين ع الذي عزى به الأشعث بن قيس إن صبرت صبر الأحرار و إلا سلوت سلو البهائم‏

. 437

23-التسجيع‏

و هو الإتيان بكلمات مقفات كقوله:

عطفوا الخدور على البدور و كللوا # ظلم الستور بنور حور نهد

و قال:

تجلى به رشدي و أثرت به يدي # و فاض به ثمدي و أورى به زندي

يغلي إذا لم يضطرم و يري إذا # لم يحتدم و يفص إن لم يشرق

و من كان بالبيض الكواعب مغرما # فما زلت بالبيض القواضب مغرما

و من تيمت سمر الغواني و أدمها # فما زلت بالسمر العوالي متيما

يحصن بها سندي أو يمتنع عضدي # أو يدن لي أمدي أو يعتدل أودي

أيام سيفك مشهور و بحرك مسجور # و قرنك مقصور له الطول

يعطي فيجزل أو يدعي فينزل أو # يؤتى لمحمل أعباء فيحتمل

من أشتكي و إلى من أعتزي و ندى # من أجتدي كل أمر فيك منتقض‏

و قوله:

في مطلب أو مهرب أو رغبة # أو رهبة أو موكب أو فيلق

يوم أفاض جوى أغاض تغربا # خاض الهوى بحري حجاه المزبد

أتت النوى دون الهوى و أتى الأسى # دون الأسى بحرارة لم تبرد

و في الثاني مع السجع الجناس. و من تسجيعه الغير المستحسن قوله:

جعلوا القنا الدرجات للكذجات ذات # الغيل و الحرجات و الأدحال‏

24-التقسيم‏

و هو أن يذكر قسمة ذات جزءين أو أكثر ثم يضيف إلى كل واحد ما يليق به أو يفصل ما ابتدأ به فيذكر جميع أقسامه كقوله:

صلى لها حيا و كان وقودها # ميتا و يدخلها مع الفجار

أيها الغيث حي أهلا بمغداك # و عند السري و حين تئوب

قسم الزمان ربوعها بين الصبا # و قبولها و دبورها أثلاثا

وزير حق و والي شرطة و رجا # ديوان ملك و شيعي و محتسب

تقاسمنا بها الجرد المذاكي # سجال الكره و الدأب العتيد

فنمسي في سوابغ محكمات # و تمسي في السروج و في اللبود

قسمناهم فشطر للعوالي # و شطر في لظى حر الوقود

و قوله:

مارومة للمجتلي موسومة # للمهتدي مظلومة للمصطلي

فصنيعة في يومها و صنيعة # قد أحولت و صنيعة لم تحول

كالمزن من ماء الرباب فمقبل # متنظر و مخيم متهلل‏

و قوله:

و كنت لناشيهم أبا و لكهلهم # أخا و لذي التقويس و الكبرة ابنما

هو للوفي العهد ظل أراكة # و لمضمر الشنآن شوك عضاه

هو في الغنى غرسي و غرسك في العلى # أنى انصرفت و أنت غرس الله‏

و قوله:

و إنك إن تساجلني تجدني # لرأسك جندلا و لفيك تربا

أصبحت حاتمها جودا و أحنفها # حلما و كيسها علما و دغفلها

25-رد العجز على الصدر

و هو أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت و الآخر في صدر المصراع الأول أو حشوه أو عجزه أو صدر المصراع الثاني كقوله. ـ

438

و من كان بالبيض الكواعب مغرما # فانك بالبيض القواضب مغرما

ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى # و يغمر صرف الدهر نائله الغمر

وجوه لو ان الأرض فيها كواكب # توقد للساري لكانت كواكبا

أ عاذلتا ما أحسن الليل مركبا # و أحسن منه في الملمات راكبه‏

26-التشطير

و هو تقسيم كل من صدر البيت و عجزه شطرين ثم تسجيع كل منهما مع مخالفة الصدر للعجز في التسجيع كقوله:

تدبير معتصم بالله منتقم # لله مرتقب في الله مرتهب

فما أرى خلفا لما مضوا سلفا # يرجى لعان و لا يخشى على جاني

و من بدور خدور تستقل بها # أغصان بان كاغصان من البان‏

27-التوشيح‏

و هو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأول كقوله:

إن الحمامين من بيض و من سمر # دلوا الحياتين من ماء و من عشب

فتى أحيت يداه بعيد يأس # لنا الميتين من بأس و جود

لو لا مناشدة القربى لغادركم # حصائد المرهفين السيف و القلم‏

28-التسليم‏

و هو فرض المحال أو غير الواقع ثم تسليم وقوعه تسليما جدليا و الدلالة على عدم الفائدة فيه على فرض وقوعه كقوله:

ما دام عيش لبسناه بساكنه # لدنا و لو أن عيشا دام لم يدم‏

29-المشاكلة

و هي ذكر الشي‏ء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا كقوله:

من مبلغ أفناء يعرب كلها # أنى بنيت الجار قبل المنزل‏

و في أنوار الربيع : أحسن ما اعتذر به عن قول أبي تمام :

لا تسقني ماء الملام فانني # صب قد استعذبت ماء بكائي‏

أنه من هذا الباب و أن إثبات ماء الملام بمشاكلة ماء البكاء المتأخر عنه.

30-حسن التعليل‏

و هو أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي كقوله:

ربي شفعت ريح الصبا بنسيمها # إلى المزن حتى جادها و هو هامع

كان السحاب الغر غيين تحتها # حبيبا فما ترقى لهن مدامع‏

31-التطريز

و هو أن يؤتى بمواضع متقابلة كأنها طراز و الطراز علم الثوب كقوله

أعوام وصل كاد ينسي طولها # ذكر النوى فكأنها أيام

ثم انبرت أيام هجر أعقبت # باسى فخلنا أنها أعوام

ثم انقضت تلك السنون و أهلها # فكأنها و كأنهم أحلام

متبذل في القوم و هو مبجل # متواضع في الحي و هو معظم‏

438

32-التكرار

و هو تكرير كلمة فأكثر باللفظ و المعنى لنكتة، كالتوكيد و غيره كقوله:

بالصريح الصريح و الأروع الأروع # منهم و باللباب اللباب‏

33-المبالغة

و هي ما يستحيل عادة أو عقلا، و هي من أنواع البديع، و لذلك قيل: الشعر أعذبه أكذبه: في معجم الأدباء في ترجمة الحسن بن بشر الآمدي عن أبي نصر قال: قلت لأبي الفرج الببغا الشاعر: للناس عادات في المبالغات، فقال لي: كان الآمدي النحوي صاحب كتاب الموازنة يدعي هذه المبالغات على أبي تمام و يجعلها استطرادا لعيبه إذا ضاق عليه المجال في ذمه، و أورد في كتابه من قصيدته التي أولها

من سجايا الطلول أن لا تجيبا

:

خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد # دما أن رأت شواتي خضيبا

كل داء يرجى الدواء له إلا # الفظيعين ميتة و مشيبا

ثم قال هذه من مبالغاته المسرفة، ثم قال أبو الفرج ، هذه و الله المبالغة التي يبلغ بها السماء (اه) ، فمنها في شعر أبي تمام قوله:

و أبعد عن جوارك ألف يوم # مسيرة كل يوم ألف ميل

و لو كانت يمينك ألف بحر # يغيض لكل بحر ألف نيل

و قوله:

و يصعد حتى لظن الجهول # أن له منزلا في السماء

و قوله

أ لم يهززك قول فتى يصلي # لما يثني عليك به الثناء

دنف يجود بنفسه حتى لقد # أمسى ضعيفا ان يجود بنفسه

يكاد حين يلاقي القرن من حنق # قبل السنان على حوبائه يرد

لو عاين الأسد الضرغام صورته # ما ليم أن ظن رعبا أنه الأسد

وقائع عذبت أنباؤها و حلت # حتى لقد صار مهجورا لها الشهد

قلائص شوقهن يزيد شوقا # و يمنعن الرقاد من الرقود

و كأنما نافست قدرك حظه # و حسدت نفسك حين أن لم تحسد

ساحمد نصرا ما حييت و إنني # لأعلم ان قد جل نصر عن الحمد

و هذه مبالغة معيبة فالله تعالى قد حمد و أمر بان يحمد.

و ما زال منشورا علي نواله # و عندي حتى قد بقيت بلا عند

أفنيت منه الشعر في متمدح # قد ساد حتى كاد بفنى السؤددا

و طلعت في درج العلى حتى إذا # جئت النجوم نزلت فوق الفرقد

و قوله‏

هذب في جنسه و نال المدى # بنفسه فهو وحده جنس‏

و قوله

فكأنما احتالت عليه نفسه # إذ لم تنله حيلة المحتال‏

و قوله

ملأ الفضا عصبا فكاد بان يرى # لا خلف فيه و لا له قدام‏

و قوله

فكاد بان يرى للشرق شرقا # و كاد بان يرى للغرب غربا

و قوله

لو كان للجبل المقطم ريشة # ما شك خلق انه سيطير

و أرى نكيرا صد عنك و منكرا # ظنا بانك منكر و نكير

و تضور القبر الذي أسكنته # حتى ظننا أنه المقبور

و قوله

تكاد عطاياه يجن جنونها # إذا لم يعوذها بنعمة طالب

تكاد مغانيه تهش عراصها # و تركب من شوق إلى كل راكب‏

و قوله‏

فروحي عنده و الجسم خال # بلا روح و قلبي في يديه‏

و قوله

حللت محلا فاضلا متقادما # من الفضل و الفخر القديم فخور

تفاخرت الدنيا بأيام ماجد # به الملك مبهى و المفاخر تفخر

439

و قوله‏

كل سقام تراه في أحد # فذاك فرع و الأصل في بدني

كوائن الحب قبل كونك في # أفئدة العاشقين لم تكن‏

و قوله

و غربت لم أجد ذكر مشرق # و شرقت حتى قد نسيت المغاربا

عطايا هي الأنواء إلا علامة # دعت تلك أنواء و هذي مواهبا

يطول استشارات التجارب رأيه # إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا

و قوله‏

أظله البين حتى أنه رجل # لو مات من شغل بالبين ما علما

قالوا الرحيل غدا لا شك قلت لهم # الآن أيقنت أن اسم الحمام غد

و قال في الخمر:

و قديمه قبل الزمان حديثه # جاءت و ما نسبت إلى آناء

و قال

فأقسم لو أفرطت في الوصف عامدا # لأكذب في مدحيه لم أك كاذبا

و ما زلت ألقى ذاك بالصبر لابسا # رداءيه حتى خفت أن يجزع الصبر

فترقرقت عيني دما فيها إلى # أن خلت مهجتي التي تترقرق‏

و قال يهجو:

و فسوق والدة حست جرع الردى # و أظنها في اللحد أيضا تفسق

انحفت جسمك حتى لو هممت بان # ألهو بصفعك يوما لم تجدك يدي

كادت لعرفان النوى ألفاظها # من رقة الشكوى تكون دموعا

و قال:

تروح علينا كل يوم و تغتدي # خطوب يكاد الدهر منهن يصرع

كم من يدلك لو لا ما أخففها # به من الشكر لم تحمل و لم تطق

بالله أدفع عني ثقل فادحها # فانني خائف منها على عنقي

فقد بث عبد الله خوف انتقامه # على الليل حتى ما تدب عقاربه‏

و قال:

غير أني لو تعشقت نفسي # لتنغصت عشقها بالرقيب‏

و قال:

تحملت ما لو حمل الدهر شطره # لفكر دهر أي عبئيه أثقل‏

و قال:

و ذاك له إذا العنقاء صارت # مربية و شب ابن الخصي‏

و قال

و مودتي لك لا تعار بلى إذا # ما كان تامور الفؤاد يعار

التامور: حياة القلب و حبته. و قال:

لو عاين الدجال بعض فعاله # لانهل دمع الأعور الدجال

و قال:

لو لا تناهي كل مخلوق لقد # خلنا نوالك ليس بالمتناهي‏

و قال:

فلو أبقى الندا و البأس حيا # لخص أبو سعيد بالخلود

34-الإغراق‏

و هو ان تدعي لشي‏ء وصفا بالغا حد الإمكان عقلا و الاستحالة عادة، فمنه قوله:

تركتهم سيرا لو أنها كتبت # لم تبق في الأرض قرطاسا و لا قلما

مواهب لو تولى عدها هرم # لم يحصها هرم حتى يرى هرما

ما أراني أراك نصب خيال # طارق أو يصير جسمي خلالا

فلو كان ما يعطيه غيثا لأمطرت # سحائبه من غير برق و لا رعد

فنول حتى لم يجد من ينيله # و حارب حتى لم يجد من يحاربه

الله أكبر جاء أكبر من جرت # فتحيرت في كنهه الأوهام

من لا يحيط الواصفون بوصفه # حتى يقولوا وصفه إلهام

من شرد الاعدام عن أوطانه # بالجود حتى استطرف الاعدام

و تكفل الأيتام عن آبائهم # حتى وددنا أننا أيتام‏

و قال:

تعود بسط الكف حتى لو انه # ثناها لقبض لم تطعه أنامله

و لو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فليتق الله سائله

أمطرتهم عزمات لو رميت بها # يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما

439 و اري الفؤاد فلو كانت بعزمته # تذكى المصابيح لم تخب المصابيح

وجوه لو ان الأرض فيها كواكب # توقد للساري لكانت كواكبا

لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد # معيبا و لا خلقا من الناس عائبا

و قال:

مساو لو قسمن على الغواني # لما جهرن إلا بالطلاق‏

35-الغلو

و هو ادعاء وصف بالغ حد الاستحالة عقلا و عادة، و منه قوله

لو لم يزاحفهم لزاحفهم له # ما في صدورهم من الأوجال‏

و قوله: :

أفضى إليك بسره قلم # لو كان يعقله بكى قلمه‏

و قوله

فكاد شوقي يتلو الدمع منسجما # إن كان في الأرض شوق فاض فانسجما

36-التمثيل‏

و هو تشبيه حال بحال على سبيل الكناية بان تقصد الإشارة إلى معنى فتضع الألفاظ على معنى آخر، و يكون ذلك المعنى مثالا للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه كقوله:

أخرجتموه بكره عن سجيته # و النار قد تنتضى من ناظر السلم

أو طاتموه على جمر العقوق و لو # لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم‏

37-الاقتباس‏

و هو تضمين الكلام بعض القرآن و الحديث لا على أنه منه بان لا يقال فيه قال الله أو قال رسول الله أو نحو ذلك، فان هذا لا يكون اقتباسا بل استشهادا بالقرآن كقول أبي تمام :

و بين الله هذا من بريته # بقوله خلق الإنسان من عجل‏

فمن الاقتباس من القرآن في شعر أبي تمام قوله:

قلبي رهين بكفي شادن غنج # يميته فإذا ما شاء أنشره

فاعذلوا فيه كيف شئتم و قولوا # قد كفى الله المؤمنين القتالا

و قوله:

كان الذي خفت أن يكونا # إنا إلى الله راجعونا

و من الاقتباس من الحديث قوله:

أصبحت عنك لعظم جرمك ممسكا # و كذا إذا ذكر القضاء فأمسكوا

38-التوجيه‏

و هو توجيه بعض الكلام إلى شي‏ء من أسماء الأعلام أو قواعد العلوم أو غيرها.

التوجيه بعلم التوحيد والكلام‏والحكمةوالفلسفة

بكر إذا جردت في حسنها # فكرك دلتك على الصانع

مودة ذهب أثمارها شبه # و همة جوهر معروفها عرض‏

و قال:

قمر ألقت جواهره # في فؤادي جوهر الحزن

كل جزء من محاسنه # فيه أجزاء من الفتن‏

و قال:

فان الفتى في كل ضرب مناسب # مناسب روحانية من يشاكل

صاغهم ذو الجلال من جوهر المجد # و صاغ الأنام من عرضه‏

و قوله في الخمر:

جهمية الأوصاف إلا أنهم # قد لقبوها جوهر الأشياء

و قديمة قبل الزمان حديثة # جاءت و ما نسبت إلى آناء

440
التوجيه بعلم‏الأصول‏

ما كان يخبرني القياس بباطل # عنكم و لكن حرت بالتقليد

هدأت على تأميل احمد همتي # و أطاف تقليدي به و قياسي

لو ان إجماعنا في وصف سؤدده # في الدين لم يختلف في الأمة اثنان‏

التوجيه بمسائل‏الفقه‏و الدين‏

لبست سواه أقواما فكانوا # كما أغنى التيمم بالصعيد

و محلفة لما ترد أذن سامع # فتصدر إلا عن يمين و شاهد

و مردودا صفاؤهم عليهم # كما رد النكاح بلا ولي‏

و قال:

لي في تركيبه بدع # شغلت قلبي عن السنن‏

و قال:

ما كنت كالسائل الأيام مجتهدا # عن ليلة القدر في شعبان أو رجب‏

التوجيه‏بالنحو

أ مقران كم قرن لقيت بمشهد # فكان به رفعا و كنت به نصبا

ينبيك عن رفع الكلام و خفضه # و النصب منه لحاله و المصدر

خرقاء يلعب بالعقول حبابها # كتلاعب الأفعال بالأسماء

و يد يظل المال يسقط كيده # فيها سقوط الهاء في الترخيم‏

التوجيه بعلم‏المعاني‏

بخديه دقائق لو تراها # إذا لسالت عنها في المعاني‏

التوجيه بعلم‏البيان‏

لقد تركتني كاسها و حقيقتي # مجاز و صبح من يقيني كالظن

لأبي الغريب غرائبا من مدحه # في غير تعقيد و لا استكراه‏

التوجيه بعلم‏العروض‏

لو كان يكره أن تبدو فضائحه # ما كان أكثر ما في شعره العمد

التوجيه بالشطرنج‏

أ فعشت حتى عبتهم قل لي متى # فرزنت ساعة ما أرى يا بيدق‏

التوجيه بعلم‏النجوم‏

مناسب تحسب اضواءها # منازلا للقمر الطالع

كالدلو و الحوت و أشراطه # و البطن و النجم إلى البالع

أبو النجوم التي ما ضر ثاقبها # أن لم يكن برجه ثور و لا حمل

من كل مشتهر في كل معترك # لم يعرف المشتري فيه و لا زحل

من كل أظمى الثرى و الأرض قد نهلت # و مقشعر الربى و الشمس في الحمل

سقى السرطان جزعك و الثريا # ثراك بمسبل خضل روي

ألوى بتيجانهم يوم أتيح له # نحس و أثقب فيه ناره زحل

أو كنت يومابالنجوم‏مصدقا # لزعمت أنك أنت بكر عطارد

و قد كرر أبو تمام في شعره ذكر أبطال‏التنجيم‏فذكره في أول قصيدته في المعتصم حين فتح عمورية الآتية في اخباره معه في عشرة أبيات في أولها يقول فيها:

و صيروا الأبرج العليا مرتبة # ما كان منقلبا أو غير منقلب‏

440 و قال من قصيدة:

ما في‏النجوم‏سوى تعلة باطل # قدمت و أسس إفكها تأسيسا

إن الملوك هم كواكبنا التي # تخفي و تطلع اسعدا و نحوسا

46-التلميح‏

و هو الإشارة إلى آية أو حديث مشهور أو شعر مشهور أو مثل سائر أو قصة من غير ذكر شي‏ء من ذلك صريحا كقوله:

يا سمي النبي في سورة الجن # و يا ثاني العزير بمصر

عنى بقوله‏

(يا سمي النبي في سورة الجن)

قوله تعالى‏ (وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ يَدْعُوهُ) و بقوله:

(يا ثاني العزير بمصر )

عبد الله بن سعد بن أبي سرح والي مصر ، فلمح بذلك إلى أن اسم المتغزل به عبد الله . قال الصولي في أخبار أبي تمام : حدثني علي بن الحسن الكاتب قال الذي يقول فيه أبو تمام هذا البيت هو عبد الله بن يزيد بن المهلب الطرهباني من أهل الأنبار كاتب أبي سعيد الثغري ثم كتب بعده لابنه يوسف . و قال الخطيب التبريزي في شرح ديوان أبي تمام : إن صح أن هذا الشعر للطائي فهو يعني عبد الله الكاتب الذي ذكره في قوله‏

(جعلت فداك عبد الله عندي)

(اه) . و قال:

رهط النبي الذي تقطع أسباب # البرايا غدا سوى سببه‏

لمح فيه إلى‏

الحديث الوارد عنه ص (كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي) .

و قال:

و إنما الفتك لذي لؤمة # شعبان أو ذي كرم جائع‏

إشارة إلى ما قيل و

لعله حديث (اتقوا صولة اللئيم إذا شبع و الكريم إذا جاع)

. و قال:

و قديما ما استنبطت طاعة الخالق # الا من طاعة المخلوق‏

إشارة إلى‏

حديث: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.

فانك لو ترى المعروف وجها # إذا لرأيته حسنا جميلا

إشارة إلى‏

قول الحسين ع : لو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين.

ذاك الذي إن كان خلك لم تقل # يا ليتني لم اتخذه خليلا

و قال يخاطب الحسن بن رجاء :

أضحى سمي أبيك فيك مصدقا # بأجل فائدة و أصدق قال

مثل الصلاة إذا أقيمت أصلحت # ما بعدها من سائر الأعمال‏

إشارة إلى‏

حديث: الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها و إن ردت رد ما سواها.

و قال في مدح الواثق :

فلسورة الأنفال في ميراثه # آثارها و لسورة الأنعام‏

يشير إلى قوله تعالى في سورة الأنفال‏ (وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ) * و إلى قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ اَلْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ) .

و إذا تشاغل بالحديث فقل له # دع ذا أ تعرف درب عبد الواحد

441

لعله إشارة إلى عبد الواحد بن قيس السلمي الذي قيل عنه إنه يروي عن أبي هريرة و لم يره.

غرير الصبا في وجنتيه ملاحة # بها فنيت أيام يوسف في السجن

ملاحم من لباب الشعر تنسي # قراة أبيك كتب أبي قبيل

أبو قبيل . في تهذيب التهذيب : هو حي بن هانئ بن ناضر بن يمنع المعافري المصري ، قال يعقوب بن شيبة كان له علم بالملاحم و الفتن.

قتلته سرا ثم قالت جهرة # قول الفرزدق لا بظبي أعفر

يشير إلى قول الفرزدق

(به لا بظبي بالصريمة أعفرا)

. و قوله:

صمصامتي اتهموني في صيانتها # كان عمرا على الصمصام يتهم‏

الصمصامة: سيف مشهور كان لعمرو بن معد يكرب .

لعمرو مع الرمضاء و النار تلتظي # أرق و أحمى منك في ساعة الكرب‏

يشير إلى قول الشاعر:

المستجير بعمرو عند كربته # كالمستجير من الرمضاء بالنار

يا سمي الذي تبهل يدعو # ربه مخلصا له في قل اوحي

و شبيه الذي استقلت به العير # من الجب خاضعا كالطليح

و مكنى تتوق نفسي إليه # بالرسول الكريم بعد المسيح

كملت ملاحة و كملت ظرفا # فأنت مهذب لا عيب فيه‏

البيت الأول إشارة إلى قوله تعالى في سورة الجن‏ (وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ يَدْعُوهُ) فدل على ان اسمه عبد الله أو محمد . و البيت الثاني إشارة إلى أنه شبيه يوسف في الحسن و البيت الثالث إشارة إلى ان كنيته أبو القاسم .

كملت ملاحة و كملت ظرفا # فأنت مهذب لا عيب فيه

تريد مهذبا لا عيب فيه # و هل عود يكون بلا دخان‏

47-العنوان‏

و هو الإتيان بألفاظ تكون عنوانا لاخبار متقدمة و قصص سالفة لتكميل قصده و تأكيده كقوله:

فما أقمت بأرض ليس تلفظني # أكنافها لفظ عمران بن حطان

كان عمران بن حطان من الخوارج و كان الحجاج يطلبه ليقتله من أجل المذهب فيهرب منه. و قال يخاطب علي بن مر و يستهديه فروا من أبيات:

و لا بد من فرو إذا اجتابه (1) امرؤ # غدا و هو سام في الصنابر (2) أغلب

إذا البدن المقرور ألبسه غدا # له راشح من تحته يتصبب

إذا اليوم أمسى و هو غضبان لم يكن # طويل مبالاة به حين يعضب

فهل أنت مهديه بمثل شكيره (3) # من الشكر يعلو مصعدا و يصوب

له زئبر (4) يحمي من الذم كلما # تجلببه في محفل متجلبب

فأنت العليم الطب أي وصية # بها كان أوصى في الثياب المهلب

441 هو المهلب بن أبي صفرة كان يقول لبنيه: يا بني أحسن ثيابكم ما كان على غيركم-أي ما وهبتموه لغيركم فلبسه. و قوله:

مضيئة نطقت فينا كما نطقت # ذبيحة المصطفى موسى لذابحها

فان موسى صلى على روحه الرب # صلاة كثيرة القدس

صار نبيا و عظم بغيته # في جذوة للصلاء أو قبس

يلزمن عرض قفاك رسم خزاية # لم يخزها بأبي عيينة خالد

يا كعب في بذل العطايا و يا # أصفق وجها من أبي شاس‏

كعب بن مامة يضرب به المثل في الجود خص رفيقه بماء كان معه و هلك عطشا.

و زعمت أني ذاهل فمن الذي # يدعى خليفة عروة و مرقش

فلقد أفاق متمم عن مالك # و سلا لبيد قبله عن خالد

هو متمم بن نويرة . و قال يذكر النبي ص :

و اختار من سعد لعين بني أبي سرح # لوحي الله غير خيار

هو عبد الله بن أبي سعد بن أبي سرح العامري كتب لرسول الله ص بمكة ثم ارتد و صار يقول: كنت أصرف محمدا حيث أريد كان يملي علي عزيز حكيم فأقول أو عليم فيقول نعم كل صواب، و نزل فيه‏ (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً) * . و قال من هذه القصيدة يذكر تقريب المعتصم للأفشين :

و رأى به ما لم يكن يوما يرى # عمرو بن شاس قبله بعرار

فإذا ابن كافرة يسر بكفره # وجدا كوجد فرزدق بنوار

و إذا تذكره بكاه كما بكى # كعب زمان رثى أبا المغوار

هذا الوليد رأى التثبت بعد ما # قالوا يزيد بن المهلب مودي

و تمكن ابن أبي سعيد من حجى # ملك بشكر بني الملوك سعيد

ما خالد لي دون أيوب و لا # عبد العزيز و لست دون وليد

من بعد ما ظنوا بان سيكون لي # يوم ببغيهم كيوم عبيد

و ياتي خبر هذه الأبيات في أخباره مع أحمد بن أبي دؤاد . و قال:

كم وقعة لي في الهوى مشهورة # ما كنت فيها الحارث بن عباد

الحارث بن عباد له ذكر في‏و شجاعة فائقة. و قال يهجو يوسف السراج :

يا أغير الثقلين غير مدافع # أ قرأت نسخة غيرة الحجاج

لعله يشير إلى ما ذكره ابن الأثير في الكامل قال: مر الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية و الحجاج يخطر في مشيته فقال رجل لخالد من هذا؟قال: بخ بخ هذا عمرو بن العاص فسمعها الحجاج فرجع و قال:

و الله ما يسرني أن العاص ولدني!و لكني ابن الأشياخ من ثقيف و العقائل من قريش !و أنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلهم يشهد ان أباك كان يشرب الخمر و يضمر الكفر!. ثم ولى و هو يقول بخ بخ عمرو بن العاص . و قال في عمورية :

ما ربع مية معمورا يطيف به # غيلان أبهى ربي من ربعها الخرب‏

غيلان : هو ذو الرمة و كثر وصفه لربع مية. و قال يخاطب ابن أبي دؤاد لما غضب عليه:

____________

(1) اجتابه لبسه -المؤلف-

(2) الصنابر جمع صنبر و صنابر الشتاء شدة برده -المؤلف-

(3) الشكير كامير من الشعر و الريش صغاره بين كباره -المؤلف-

(4) الزئبر كزبرج ما يظهر من درز الثوب . -المؤلف-

442

تثبت إن قولا كان زورا # أتى النعمان قبلك عن زياد

النعمان هو ابن المنذر ملك الحيرة و زياد هو النابغة الذبياني و كان بلغه عنه أنه يشبب بامرأته المتجردة أو غير ذلك فاعتذر إليه في شعر له مشهور فقبل عذره. و قال:

غربة تقتدي بغربة قيس بن زهير # و الحارث بن مضاض

قيس بن زهير العبسي كان لما حارب ذبيان انتقل في البلاد و يقال إنه ترهب و يقال انه لقيه رجل فسأله عن خبره فلما علم أنه قاتل حذيفة و حمل ابني بدر قتله (و الحارث بن مضاض الجرهمي ) كان رئيسا في مكة أيام كان قومه بها و أجلتهم عنها خزاعة و هو القائل:

كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا # نيس و لم يسمر بمكة سامر

و غربة هذين أشد غربة و أطولها. و قال:

ظعنوا فكان بكاي حولا بعدهم # ثم ارعويت و ذاك حكم لبيد

لبيد بن ربيعة العامري أبو عقيل وفد على النبي ص ، و هو الذي

قال فيه النبي ص أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد

، يريد قوله:

ألا كل شي‏ء ما خلا الله باطل # و كل نعيم لا محالة زائل‏

و لما حضرته الوفاة قال:

تمنى ابنتاي ان يعيش أبوهما # و هل أنا إلا من ربيعة أو مضر

442 فقوما و قولا بالذي قد علمتما # و لا تخمشا وجها و لا تحلقا شعر

و قولا هو المرء الذي لا خليله # أضاع و لا خان العهود و لا غدر

إلى الحول ثم اسم أسلم السلام عليكما # و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر

و قال أبو تمام :

و كنت هناك الأحنف الطب في # بني تميم بن مر و المهلب في الأزد

و كنت أبا غسان مالك وائل # عشية داني حلفه الحلف بالعقد

كل يوم له بصرف الليالي # فتكة مثل فتكة البراض

هو البراض بن قيس الكناني أحد فتاكهم سال النعمان أن يجعله على لطيمة يريد ان يبعث بها إلى عكاظ فلم يلتفت إليه و جعل أمرها إلى عروة الرحال فسار معه البراض حتى وجد منه خلوة فقتله و استاق العير و لحق بالحرم .

يثير عجاجة في كل ثغر # يهيم به عدي بن الرقاع

ان كان بالورع ابتنى القوم العلى # أو بالتقى صار الشريف شريفا

فعلا م قدم و هو زان عامر # و أميط علقمة و كان عفيفا

(1) و بنى المكارم حاتم في شركه # و سواه يهدمها و كان حنيفا

و تأتي في اخباره مع محمد بن يوسف الثغري أن هذه الأبيات محل الانتقاد و قال:

يوم بكر بن وائل بقضات # (2) دون‏الزنديق

(3) يوم حلق اللمات (4) ذاك و هذا اليوم # في الروم يوم حلق الحلوق

هو الحارث الناعي بجيرا (5) و ان يدن # له فهو إشفاقا زهير و مالك

و قال يخاطب أحمد بن أبي دؤاد :

إن يعجب الأقوام أني عندكم # من دون ذي رحم بها متوسل

فبنو أمية و الفرزدق صنوهم # نسبا و كان ودادهم للأخطل

و قال:

وقائع أشرقت منهن جمع # إلى خيفي منى فالموقفين

محوت بها وقائع من ملوك # و كن و قد ملأن الخافقين

صبيحة خازر أمست و مهوى # عبيد الله فيها و الحصين (6)

و فيف الريح إذ دلفت معد # بأجمعها و أسرة ذي رعين (7)

و أيام الذنائب زعزعتها # و يوم مهلهل و الشعثمين (8)

و أيام الكلاب غداة هرت # مراريين فيها مترفين

أخ تركت أسنته أخاه # كليلا للجبين و لليدين (9)

و من ساتيدما (10) براون فلت # شبا فخر فسيح الطائفين

بلا فيها إياس كل لدن # و كل مصمم في العظم لين (11)

و حجرا و امرأ القيس بن حجر # ليالي كاهل و بني قعين

و يوم البشر أنسته و هدت # وقائع راهط و بنات قين

و يوم المصدفية حين ساموا # أنوشروان خطبا غير هين

فغاداهم هريت الشدق جهم # لدى أشباله ذو لبدتين

فاضحوا بعد عز و اختيال # و هم عبر لأهل المشرقين‏

و قوله:

كم قد طلبت بثار الدين مجتهدا # تنسي بسعيك في الثار ابن ذي يزن (12)

و هل من جاء بعد الفتح يسعى # كصاحب هجرتين مع النبي (13)

____________

(1) عامر هو ابن الطفيل بن مالك بن جعفر (و علقمة ) هو ابن علاثة بن عوف بن الأحوص ، تنافرا فكان من جملة قول علقمة لعامر إنك وثاب على جاراتك بالسحر ( الأغاني 15/ 51) و هذا معنى كون عامر زانيا. و أما تقديم عامر على علقمة فهو أن أعشى قيس مدح الأسود العنسي فأجازه فلما مر ببلاد بني عامر خافهم على ما معه فاتى علقمة بن علاثة فقال أجرني فقال أجرتك من الجن و الأنس!قال و من الموت؟قال لا فاتى عامر بن الطفيل فقال: -اجرني من الجن و الأنس!قال و من الموت؟قال نعم!فقال كيف تجيرني من الموت؟ و قال إن مت و أنت في جواري بعثت إلى أهلك بالدية. فهجا الأعشى علقمة و مدح عامرا بعدة قصائد يقول في بعضها:

تبيتون في المشتى ملاء بطونكم # و جاراتكم عرثى يبتن خمائصا

و يقول في آخر:

علقم ما أنت إلى عامر # الناقض الأوتار و الواتر

الأغاني 8/80 و 15/50) -المؤلف-

(2) قضات بكسر القاف جمع قضية بكسرها موضع كانت به الوقعة العظمى بين بكر و تغلب في و بيت أبي تمام يبطل قول من قال انها بتشديد الضاد. -المؤلف-

(3) إشارة إلى وقعة للمدوح مع الروم

(4) حلق اللمات كان في بعض وقائع. -المؤلف-

(5) الحارث هو ابن عباد (و بجير ) ابن أخيه قتله مهلهل فطلب الحارث بثاره. -المؤلف-

(6) خازر اسم نهر بالموصل كانت عليه وقعة بين إبراهيم بن مالك الأشتر و عبيد الله بن زياد قتل فيها عبيد الله (و الحصين ) هو ابن نمير السكوني كان مع عبيد الله بن زياد فقتل أيضا. -المؤلف-

(7) فيف الريح موضع في اعالي نجد كانت به وقعة في يوم من أيام العرب (و ذو رعين ) من ملوك اليمن .

(8) الذنائب موضع كانت فيه وقعة من وقائع (و مهلهل ) هو أخو كليب الذي كانت بسببه (و الشعثمان ) شعثم و عبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة قتلا في. -المؤلف-

(9) أيام الكلاب هي من أيام العرب و هما الكلاب الأول و الكلاب الثاني و أراد بالمراريين شرحبيل و مسلمة ابني الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي اختلفا بعد أبيهما فقتل مسلمة شرحبيل . -المؤلف-

(10) ساتيدما جبل بنواحي ميافارقين اجتاز به امرؤ القيس و هو ذاهب إلى ملك الروم . -المؤلف-

(11) هو اياس بن قبيصة الطائي أرسله كسرى لقتال الروم بساتيدما فهزمهم. -المؤلف-

(12) هو سيف بن ذي يزن استنجد بكسرى و طلب بثار أبيه حتى أدركه. -المؤلف-

(13) كأنه إشارة إلى العباس (رض) و علي بن أبي طالب ع ) -المؤلف-

443

لو كان كلفها عبيد حاجة # يوما لأنسى شدقما و جديلا (1)

تخذ الفرار أخا و أيقن أنه # صري عزم من أبي سمال (2)

لا تجعلوا البغي ظهرا إنه جمل # من القطيعة يرعى وادي النقم

نظرت في السير اللائي خلت فإذا # أيامه أكلت باكورة الأمم

فنى جديسا و طسما (3) كلها وسطا # بالأنجم الزهر من عاد و من إرم

أردى كليبا و هماما و هاج به # وللمم (4)

سقى شرحبيلا (5) السم الذعاف على # أيديكم غير رعديد و لا برم

بز التحية من لخم (6) فلا ملك # متوج في نمارات و لا عمم

لقد أذكر انا بأس عمرو و مسهر # و ما كان من إسفنديار و رستما (7)

ما جاد جودك إذ تعطي بلا عدة # ما يرتجى منك لا كعب و لا هرم (8)

و خبر قيس يا لجلية في ابنه # فلم يتغير وجه قيس بن عاصم (9)

و قال علي في التعازير لاشعث # و خاف عليه بعض تلك المآثم

أ تصبر للبلوى عزاء و حسبة # فتؤجر أم تسلو سلو البهائم

و للطرفات‏لم يمت # خفاتا و لا حزنا عدي بن حاتم (10)

بل كان كالضحاك في سطواته # بالعالمين و أنت أفريدون (11)

و الجعفريون استقلت ظعنهم # عن قومهم و هم نجوم كلاب (12)

حتى إذا أخذ الفراق بقسطه # منهم و شط بهم عن الأحباب

و رأوا بلاد الله قد لفظتهم # أكنافها رجعوا إلى جواب (13)

443 كانت بنات نصيب حين ضن بها # على الموالي و لم تحفل بها العرب

لم ينتدب عمر للإبل يجعل من # جلودها النقد حتى عزه الذهب (14)

بلى لقد سلفت في جاهليتهم # للحق ليس كحقي نصرة عجب

ان تعلق الدلو بالدلو الغريبة أو # يلابس الطنب المستحصد الطنب

أذل بالقفر و أهواله # من الدعيميص‏ (15) و من رافع

تثبت ان قولا كان زورا # اتى النعمان قبلك عن زياد (16)

و إرث بين حي بني جلاح # شبا حرب و حي بني مصاد (17)

و غادر في صدور الدهر قتلى # بنى بدر على ذات الآصاد (18)

48-إرسال المثل‏

و هو من انوع البديع حكى السيد علي خان الشيرازي المدني في كتابه أنوار الربيع في أنواع البديع عن ابن أبي الإصبع انه ذكر في كتابه المسمى بتحرير التحبير انه استخرج أمثال أبي تمام من شعره فوجدها تسعين نصيفا و ثلاثمائة و اربعة و خمسين بيتا و استوعب أمثال أبي الطيب المتنبي فوجدها مائة و ثلاثة و سبعين نصيفا و اربعمائة بيت و لكنه اخرج من أمثال أبي الطيب ما ولده من أمثال أبي تمام (اه) و مر عن مروج الذهب عن عبد الله بن الحسن بن سعدان انه قال وجدت ما يتمثل به و يجري على السنة العامة و كثير من الخاصة من شعر أبي تمام مائة و خمسين بيتا و لا اعرف شاعرا جاهليا و لا اسلاميا يتمثل له بهذا المقدار فمن الأمثال في شعر أبي تمام قوله:

نسب كان عليه من شمس الضحى # نورا و من فلق الصباح عمودا

ما أضيع العقل ان لم يرع ضيعته # و فر و أي رحى دارت بلا قطب

باي وخد قلاص و اجتياب فلا # ادراك رزق إذا مالج في الهرب

إذا عنيت بشاو قلت اني قد # أدركته أدركتني حرفه الأدب

السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد و اللعب

ان الحمامين من بيض و من سمر # دلو الحياتين من ماء و من عشب

كالغيث ان جئته وافاك ريقه # و ان تأخرت عنه لج في الطلب

ان الأسود اسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

ان ابتداء العرف مجد سامق # و المجد كل المجد في استتمامه

هذا الهلال يروق ابصار الورى # حسنا و ليس كحسنه لتمامه

و طول مقام المرء في الحي مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدد

أ لم تر ان الشمس زيدت محبة # إلى الناس ان ليست عليهم بسرمد

ما كل من شاء استمرت بالندى # يده و لا استوطا فراش الجود

و ان اولى البرايا ان تواسيه # وقت السرور لمن واساك في الحزن

ان الكرام إذا ما اسهلوا ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن

و إذا امرؤ اسدى إليك صنيعة # من جاهه فكأنها من ماله

ينال الفتى من عيشه و هو جاهل # و يكدي الفتى في دهره و هو عالم

و لو كانت الأرزاق تجري على الحجى # هلكن إذا من جهلن البهائم

و لو لا خلال سنها الشعر ما درى # بغاة العلا من اين تؤتى المكارم

كانت مساءلة الركبان تخبرني # عن احمد بن سعيد أطيب الخبر

حتى التقينا فلا و الله ما سمعت # أذني بأحسن مما قد رأى بصري

كم بين قوم انما إنفاقهم # مال و قوم ينفقون نفوسا

اعط الرئاسة من يديك فلم تزل # من قبل ان تدعى الرئيس رئيسا

لو ان أسباب العفاف بلا تقى # نفعت لقد نفعت إذا

ابليسا و أقل الأشياء محصول نفع # صحة القول و الفعال مريض‏

____________

(1) شدقم و جديل فحلان من الإبل كانا للنعمان بن المنذر . -المؤلف-

(2) أبو سمال أبو قبيسلة قبيلة لطم رجلا فسمل عينه اي فقأها فسمي أبا سمال . -المؤلف-

(3) جديس و طسم قبيلتان بغت طسم على جديس فاحتالت جديس على طسم بان دعتها إلى وليمة و دفنت السيوف في الرمل فلما شرعت طسم في الاكل حملت عليها فقتلتها. -المؤلف-

(4) كليب أخو مهلهل قتله جساس لبغيه فهاجت بسبب ذلك (و همام ) هو ابن مرة قتل في تلك الحرب (و) من أيام‏المشهورة و كذلك () لأن أحد الفريقين حلقوا فيه لممهم-المؤلف-

(5) شرحبيل هو ابن الحارث بن عمرو و الكندي و مر خبره. -المؤلف-

(6) اللخميون هم ملوك الحيرة . -المؤلف-

(7) عمرو هو ابن معد يكرب (و مسهر ) هو ابن يزيد الحارثي من شجعان العرب (و إسفنديار و رستم ) من قواد الفرس -المؤلف-

(8) كعب هو ابن مامة جاد بالماء على رفيقه و مات هو عطشا فضرب بجوده المثل (و هرم ) هو ابن سنان ممدوح زهير بن أبي سلمى . -المؤلف-

(9) قيس بن عاصم هو الذي قال فيه النبي (ص) لما وفد عليه: هذا سيد أهل الوير قيل للأحنف ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم جي‏ء اليه بابن عم له قد قتل ابنه فما حل حبوته و قال للقائل يا بني بئس ما صنعت انقصت عددك و قتلت ابن عمك خلوا عنه ثم قال ان أم الغلام ليست من عشيرتنا فسوقوا إليها الدية من مالي. -المؤلف-

(10) هو عدي بن حاتم الطائي قتل له مع علي ثلاثة أولاد يسمون الطرفات و هم طريف و مطرف و طراف . -المؤلف-

(11) الضحاك ملك من ملوك الفرس اسمه بيوراسب و العرب يسمونه الضحاك كان ظالما كان على منكبيه لحمتان طويلتان كل منهما كرأس الثعبان كانتا تضربانه فإذا طلاهما بدماغ إنسان سكنتا و قيل كان يقول ذلك عن طريق التهويل فكان يذبح كل يوم رجلين فوثب رجل اسمه كأبي ذبح له الضحاك ابنين و نصب علما من جراب كان له و اجتمع عليه الناس و هرب الضحاك فملكوا أفريدون من أهل بيت المملكة و صاروا يتبركون بذلك العلم و سموه درفش كابيان. -المؤلف-

(12) هم أولاد جعفر بن كلاب -المؤلف-

(13) هو لقب مالك بن كعب الكلابي . -المؤلف-

(14) هو ملك صار يجمع الذهب حتى فقد فاتخذ نقودا من جلود الإبل. -المؤلف-

(15) الدعميص تصعير دعموص و هو دويبة تكون في الغدران إذا قل ماؤها. -المؤلف-

(16) ياتي شرحه في اخباره مع احمد بن أبي فؤاد . -المؤلف-

(17) إرث النار حركها و يستعار للحرب (و جلاح و مصاد ) حيان من اليمن كانت بينهما حروب. -المؤلف-

(18) ذات الآصاد الموضع الذي اجري فيه داحس و الغبراء و جرت بسببه الحرب المسماةو قتل فيها حمد بن بدر و أخواته على حفر الهباءة-المؤلف-.

444

و لم أر نفعا عند من ليس ضائرا # و لم أر ضرا عند من ليس ينفع

و كل كسوف في الدراري شنعة # و لكنه في الشمس و البدر أشنع

هو الصنع ان يعجل فنفع و ان يرث # فللريث في بعض المواطن أسرع

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحب الا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى # و حنينه ابدا لأول منزل

أنت المعنى بالغواني تبتغي # أقصى مودتها برأس أشيب

يعطي عطاء المحسن الخضل الندى # عفوا و يعتذر اعتذار المذنب

تعب الخلائق و النوال و لم يكن # بالمستريح العرض من لم يتعب

و الشول ما حلبت تدفق رسلها # و تجف درتها إذا لم تحلب

و الحر يسلبه جميل عزائه # ضيق المحل فكيف ضيق المذهب

لا يطرد الهم الا الهم من رجل # مقلقل لبنات القفرة النجب

ماض إذا الهمم التفت رأيت له # بوخدهن استطالات على النوب

كالغيث ان جئته وافاك ريقه # و ان تأخرت عنه لج في الطلب

كأنما هو من أخلاقه ابدا # و ان ثوى وحده في جحفل لجب

صيغت له شيمة غراء من ذهب # لكنها أهلك الأشياء للذهب

و كنت امرأ القى الزمان مسالما # فآليت لا القاه الا محاربا

ليس الغبي بسيد في قومه # لكن سيد قومه المتغابي

و السهم بالريش اللؤام و لن ترى # بيتا بلا عمد و لا أطناب

و ربما عدلت كف الكريم عن القوم # الحضور و نالت معشرا غيبا

و لذاك كانوا لا يخشون الوغى # الا و قد عرفوا طريق المهرب

لا يكرم الظفر المعطى و ان أخذت # به الرغائب حتى يكرم الطلب

لانجم من معشر الا و همته # عليك دائرة يا أيها القطب

ما لي ارى جلبا فعما و لست ارى # سوقا و ما لي ارى سوقا و لا جلب

ارض بها عشب جرف و ليس بها # ماء و اخرى بها ماء و لا عشب

و الحظ يعطاه غير طالبه # و يحرز الدر غير مجتلبه

تلك بنات المخاض راتعة # و العود في كوره و في قتبه

غير ان الرامي المسدد يحتاط # مع العلم انه سيصيب

و فاره المسك لا يخفي تضوعها # طول الحجاب و لا يزري بفائحها

أو يفترق نسب يؤلف بيننا # أدب أقمناه مقام الوالد

و ما شي‏ء من الأشياء اقضى # على المهجات من رأي سديد

فقد يأجر الله الفتى و هو كاره # و ما الأجر الا اجره و هو طائع

ان الهلال إذا رأيت نموه # أيقنت ان سيكون بدرا كاملا

ان المنون إذا استمر مريرها # كانت لها جنن الأنام مقاتلا

ما ان ترى شيئا لشي‏ء محييا # حتى تلاقيه لآخر قاتلا

ان الفجيعة بالرياض نواضرا # لأجل منها بالرياض ذوابلا

و قد يكهم السيف المسمى منية # و قد يرجع السهم المظفر خائبا

فافة ذا ان لا يصادف راميا # و آفة ذا ان لا يصادف ضاربا

ان الأسود اسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

و أحسن من نور يفتحه الندى # بياض العطايا في سواد المطالب

احلى الرجال من النساء مواقعا # من كان أشبههم بهن خدودا

نسب كان عليه من شمس الضحى # نورا و من فلق الصباح عمودا

شرف على اولى الزمان و انما # خلق المناسب ما يكون جديدا

ما ان ترى الأحساب بيضا و ضحا # الا بحيث ثرى المنايا سودا

أيقنت ان من السماح شجاعة # تدمى و ان من الشجاعة جودا

444 و إذا سرحت الطرف نحو قبابه # لم تلق الا نعمة و حسودا

اوطاتموه على جمر العقوق و لو # لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم

و إذا الفتى المأمول انجح عزمه # في نفسه و نداه انجح شاعره

و ليست رغوتي من فوق مذق # و لا جمر كمين في الرماد

و من يأذن إلى الواشين تسلق # مسامعه بالسنة حداد

(نقل فؤادك حيث شئت من الهوى)

البيتين و مرا في اخباره

لو رأى الله ان في الشيب خيرا # جاورته الأبرار في الخلد شيبا

عادت له أيامه مسودة # حتى توهم انهن ليالي

لا تنكري عطل الكريم من الغني # فالسيل حرب للمكان العالي

كالغيث ليس له أريد نواله # أ و لم يرد بد من التهطال

فسواء اجابتي غير داع # و دعائي بالقاع غير مجيب

لا تصيب الصديق قارعة التأنيب # الا من الصديق الرغيب

غير ان العليل ليس بمذموم # على شرح ما به للطبيب

لو رأينا التأكيد خطة عجز # ما شفعنا الأذان بالتثويب

هي البدر يغنيها تودد وجها # إلى كل الناس من لاقت و ان لم تودد

و لكنني لم احو وفرا مجمعا # ففزت به الا بشمل مبدد

و لم تعطني الأيام نوما مسكنا # ألذ به الا بنوم مشرد

و طول مقام المرء في الحي مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدد

فاني رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

و ليس يجلي الكرب رمح مسدد # إذا هو لم يونس برأي مسدد

و كان بعيد القعر من كل ماتح # فغادرته يسقى و يشرب باليد

محاسن أصناف المغنين جمة # و ما قصبات السبق الا لمعبد

فلا دمع ما لم يجر في اثره دم # و لا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد

غدا قاصدا للمجد حتى أصابه # و كم من مصيب قصده غير قاصد

هم حسدوه لا ملومين مجده # و ما حاسد في المكرمات بحاسد

إذا المرء لم يزهد و قد صبغت له # بزبرجها الدنيا فليس بزاهد

فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها # سجية نفس كل غانية هند

اساءة دهرا ذكرت حسن فعله # إلي و لو لا الشري لم يعرف الشهد

و من شك إن الجود و البأس فيهم # كمن شك في ان الفصاحة في نجد

و هل أسد العريس الا الذي له # فضيلته في حيث مجتمع الأسد

نسيب البخل مذ كانا و الا # يكن نسب فبينهما جوار

لذلك قيل بعض المنع أدنى # إلى مجد و بعض الجود عار

و كان المدح في عود و بدء # دخانا للصنيعة و هي نار

فدع ذكر الضياع فلي شماس # إذا ذكرت و بي عنها نفار

و ما لي ضيعة الا المطايا # و شعر لا يباع و لا يعار

لا يدهمنك من دهمائهم عدد # فاذن جلهم أو كلهم بقر

لو لم تصادف شياة البهم أكثر ما # في الخيل لم تحمد الأوضاح و الغرر

تتلى وصايا المعالي بين أظهرهم # حتى لقد ظن قوم انها سور

يا ليت شعري من هاتا ماثره # ما ذا الذي ببلوغ النجم ينتظر

لو لا أحاديث ابقتها اوائلنا # من السدي و الندى لم يعرف السمر

أ و لا ترى الأشياء ان هي غيرت # سمجت و حسن الأرض حين تغير

فلا شي‏ء ابهى من رجاء مصدق # و لا شي‏ء أبقى من ثناء يحبر

همة تنطح النجوم و حظ # آلف للحضيض فهو حضيض

لن يهز التصرح للمجد و السؤدد # من لم يهزه التعريض

445

انما صارت البحار بحورا # انها كلما استفيضت تفيض

و أقل الأشياء محصول نفع # صحة القول و الفعال مريض

عندي من الأيام مالوا أنه # اضحى بشارب مرقد ما غمضا

أحببته و لخلت اني لا أرى # شيئا يعود إلى الحياة و قد قضى

فو الله ما أدري أ أحلام نائم # المت بنا أم كان في الراكب يوشع

هو السيل ان واجهته انقدت طوعه # و تقتاده من جانبيه فيتبع

و لم أر نفعا عند من ليس ضائرا # و لم أر ضرا عند من ليس ينفع

و كل كسوف في الدراري شنعة # و لكنه في الشمس و البدر أشنع

هو الصنع ان يعجل فنفع و ان يرث # فللريث في بعض المواطن أسرع

و ما السيف الا زبرة لو تركته # على الحالة الأولى لما كان يقطع

و ليست فرحة الأوبات الا # لموقوف على ترح الوداع

توجع ان رأت جسمي نحيلا # كان المجد يدرك بالصراع

فللت الحزم ان حاولت يوما # بان تستطيع غير المستطاع

فلم ترحل كناجية المهارى # و لم ترحل همومك كالزماع

و نغمة معتف يرجوه أحلى # على أذنيه من نغم السماع

و لم يحفظ مضاع المجد شي‏ء # من الأشياء كالمال المضاع

فلو صورت نفسك لم تزدها # على ما فيك من كرم الطباع

إياك و الغيل ان تطيف به # أني أخشى عليك من سبعه

لو انها جللت اويس لقد # أسرعت الكبرياء في ورعه

فلا تلوما ذا هوى انها # ليست ببدع حنة النازع

ما أول السامين بالعالي و لا # كل الجياد لدى التسابق سابق

و أخف ما جشم امرؤ أو راضه # يوما لذي النعمى الثناء الصادق

إذا مارق بالغدر حاول غدرة # فذاك حري أن تئيم حلائله

و الحمد شهد لا ترى مشتاره # يجنيه الا من نقيع الحنظل

فانك لو ترى المعروف وجها # إذا لرأيته حسنا جميلا

من زاحف الأيام ثم عبى لها # غير القناعة لم يزل مفلولا

من كان مرعى عزمه و همومه # روض الاماني لم يزل مهزولا

يقال ان عضد الدولة كان يكثر إنشاد هذا البيت و لذلك استشهد به أبو علي الفارسي في باب كان من الإيضاح .

لو جاز سلطان القنوع و حكمه # في الأرض ما كان القليل قليلا

رد الجموح الصعب أسهل مطلبا # من رد دمع قد أصاب مسيلا

الرزق لا تكمد عليه فإنه # ياتي و لم تبعث اليه رسولا

و لا ترين ان العلى لك عند ما # تقول و لكن العلا حين تفعل

فهذا دواء الداء من كل عالم # و هذا دواء الداء من كل جاهل

و ان صريح الحزم و الرأي لامرئ # إذا بلغته الشمس أن يتحولا

كذلك لا يلقي المسافر رحله # إلى منقل حتى يخلف منقلا

و لا صاحب التطواف يعمر منهلا # و ربعا إذا لم يخل ربعا و منهلا

فسيان عندي صادفوا لي مطعما # أعاب به أو صادفوا لي مقتلا

سمجت و نبهنا على استسماجها # ما حولها من نضرة و جمال

و كذاك لم تفرط كابة عاطل # حتى يجاورها الزمان بحالي

و كذاك من قصد اللئام بعاجل # في المدح سود وجهه في الآجل

ما طال بغي قط إلا غادرت # غلواؤه الأعمار غير طوال

ان الرماح إذا غرسن بمشهد # فجنا العوالي في ذراه معالي

445 و النحر أصلح للشرود و ما شفى # منه كنحر بعد طول كلال

و السيف ما لم يلف فيه صيقل # من سنخه لم ينتفع بصقال

بناء بأس و جود صادق و متى # تبنى العلى بسوى هذين تنهدم

لا جارهم للرزايا في جوارهم # و لا عهودهم مذمومة الذمم

لا شاهد أخزى لجاحد لؤمه # من أن تراه زاهدا في راغب

و إذا تاملت البلاد رأيتها # تثرى كما تثرى الرجال و تعدم

لولاه لم تكن النبوة ترتقي # شرف الحجاز و لا الرسالة تتهم

و به رأينا كعبة الله التي # هي كوكب الدنيا تحل و تحرم

حسد العشيرة للعشيرة قرحة # تلدت و سائلها و جرح أقدم

حتى إذا أجنت لكم داوتكم # من دائكم (إن الثقاف يقوم)

علما طلبت رسومه فوجدتها # في الظن (إن الالمعي منجم)

مجد تلوح حجوله و فضيلة # لك سافر (و الحق لا يتلثم)

و وفيت إن من الوفاء تجارة # و شكرت إن الشكر حرث مطعم

و عبادة الأهواء في تطويحها # بالدين فوق عبادة الأصنام

فالصبح مشهور بغير دلائل # من غيره انبعثت و لا أعلام

و الصبر بالأرواح يعرف فضله # صبر الملوك و ليس بالأجسام

لا تدهنوا في حلمه (فالبحر قد # تردي غواربه و ليس بطامي)

و في شرف الحديث دليل صدق # لمختبر على الشرف القديم

لكل من بني حواء عذر # و لا عذر لطائي لئيم

أحق الناس بالكرم امرؤ لم # يزل ياوي إلى أصل كريم

إذا المرء أبقى بين رأييه ثلمة # تسد بتعنيف فليس بحازم

لن ينال العلى خصوصا من الفتيان # من لم يكن نداه عموما

و أحق الأقوام أن يقضي الدين # امرؤ كان للآله غريما

فعلمنا ان ليس الا بشق النفس # صار الكريم يدعى كريما

طلب المجد يورث المرء خبلا # و هموما تقضقض الحيزوما

إن ابتداء العرف مجد باسق # و المجد كل المجد في استتمامه

هذا الهلال يروق أبصار الورى # حسنا و ليس كحسنه لتمامه

خدم العلى فخدمنه و هي التي # لا تخدم الأقوام ما لم تخدم

و من شر المياه إذا استميحت # أواجنها على طول المقام

إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت # عيدان نجد و لم يعبان بالرتم

بنات نعش و نعش لا كسوف لها # و الشمس و البدر منه الدهر في الرقم

و الحادثات عداة الأكرمين فما # تعتام إلا امرأ يشفي من القرم

قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت # و يبتلي الله بعض القوم بالنعم

لانت مهزته فعز و انما # يشتد بأس الرمح حين يلين

و ترى الكريم يعز حين يهون # و ترى اللئيم يهون حين يهون

لو تستطيع الحج يوما بلدة # حجت إليها كعبة و حجون

ولى و لم يظلم و هل ظلم امرؤ # حث النجاء و خلفه التنين

و لذاك قيل من الظنون جلية # صدق و في بعض القلوب عيون

مسلط حيث لا سلطان لي و يدي # مغلولة النفع و السلطان سلطاني

كالنار باردة في عودها و لها # إن فارقته اشتعال ليس بالواني

و كل شي‏ء له شي‏ء يكون به # فساده و فساد الكلب في السمن

إن الكرام إذا ما اسهلوا ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن

في فرقة الأحباب شغل شاغل # و الثكل صرفا فرقة الاخوان

إن الجياد على علاتها صبر # ما إن تشكى الوجى في حالة الأين

446

و النصل يعمل إخلاصا بجوهره # لا باتكال على شحذ من القين‏

و قال يعرض ببعض بني حميد :

لئيم الفعل من قوم كرام # له من بينهم أبدا عواء

و ما من شدة إلا سياتي # لها من بعد شدتها رخاء

إلى آخر الأبيات المذكورة في الحكم و الآداب فكلها أمثال.

إن البلاد إذا السيول تعاورت # ساحاتها غمر الفضاء نباتها

و قائل ما لهم يغضون عنك إذا # أربات قلت له اني أنا الرمد

كذا الكريم إذا ما # أراد أن يتغدى

ترك اللئيم و لم يمزق عرضه # نقص على الرجل الكريم و عار

اثنان ليسا يؤمران بحدة # أناحين تحرق سطوتي و النار

و هل يبقى لثوب الصدق ماء # إذا أدمنت فيه على القصارة

عير رأى أسد العرين فراعه # حتى إذا ولى تولى ينهق

مثل الذي ينبش القبور و لا # يدنو إلى ظلها من الفرق

مثل الصلاة إذا أقيمت أصلحت # ما بعدها من سائر الأعمال

قد زعمنا أن السلو حظوظ # مذ زعمتم أن الهوى أرزاق

أيما حرة من الناس جادت # لخليل بالمهر بعد الطلاق

ما خلفت حواء أحمق لحية # من سائل يرجو الغنى من سائل

ذاك الذي أحصى الشهور و عدها # طمعا لينتج صقبة من حائل

متى طابت جنى و زكت فروع # إذا كانت خبيثات الأصول

ما أضيق الغمد بغير نصله # و الشعر ما لم يك عند أهله

كمن جعل الحضيض له مهادا # و يزعم أن اخوته النجوم

و إساءات ذي الاساءة يذكرنك # يوما إحسان ذي الإحسان

و من يكن طيبا فلا عجب # أن يأكل الناس من أطايبه

إذا ما رماح القوم في الروع أكرمت # مشاربها عاشوا كرام المطاعم

فالماء ليس عجيبا ان أعذبه # يفنى و يمتد عمر الآجن الأسن

و هل يستعيض المرء من عشر كفه # و لو صاغ من حر اللجين بنانها

كان الذي خفت أن يكونا # إنا إلى الله راجعونا

فالمرء رهن بحالتيه # فشدة مرة و لينا

فان المدح في الأقوام ما لم # يشيع بالجزاء هو الهجاء

ما كع عن حرب الزمان و رميه # بالصبر إلا انه لم ينصر

حول و لم ينتج نداك و انما # تتوقع الحبلى لتسعة أشهر

شر الأوائل و الأواخر ذمة # لم تصطنع و صنيعة لم تشكر

ليس يدري إلا اللطيف الخبير # أي شي‏ء تطوى عليه الصدور

إنما البشر روضة فإذا كان # يبذل فروضة و غدير

فان الايادي الصالحات كبارها # إذا وقعت تحت المطال صغارها

و بعده ثلاثة أبيات هي أمثال تأتي في أخباره مع أحمد بن أبي دؤاد .

ذل السؤال شجى في الحلق معترض # من دونه شرق من تحته جرض

ما كان يخطر قبل ذا في فكره # في البدر قبل تمامه أن يكسفا

و ان امرأ ضنت يداه على امرئ # بنيل يد من غيره لبخيل

إن اصطناع المرء ما لم توله # مستكملا كالبرد ليس بمعلم

و الشكر ما لم يستثر بصنيعة # كالخط تقرؤه و ليس بمعجم

446 و في الجواهر أشباه مشاكلة # و ليس تمتزج الأنوار و الظلم

كوارد الخمس شهر القيض جادله # حسي و مد عليه ظله السلم

دنيا و لكنها دنيا ستنصرم # و آخر الحيوان الموت و الهرم

و ما خير حلم لم تشبه شراسة # و ما خير لحم لا يكون على عظم

ربما خاب رجاء # و أتى ما ليس يرجى

لا خير في قربى بغير مودة # و لرب منتفع يود أباعد

إياك تستضعف ذا فاقة # جرت عليه بالذي تقضي

لو لم يكن هذا كذا # ما قيل موت أو فراق

انما يعرف السهاد و طول الليل # من كان حبله مصروم

إن لله في العباد منايا # سلطتها على القلوب العيون

إذا غاظ وصف الناس بالحسن اهله # فلم لم يمزق ثوبه يوسف الحسن

و حسبك حسرة لك من صديق # رأيت زمامه بيدي عدو

لا كانت الآمال يكفل نجحها # كرم يريك تجهما و قطوبا

و ليس يعرف طيب الوصل صاحبه # حتى يصاب بناي أو بهجران

و الحادثات و ان أصابك بؤسها # فهو الذي أنباك كيف نعيمها

و قد تألف العين الدجى و هو قيدها # و يرجى شفاء السم و السم قاتل

و ان المعالي يسترم بناؤها # وشيكا كما قد تسترم المنازل

و لو حاردت شول عذرت لقاحها # و لكن حرمت الدر و الضرع حافل

وفر جاها علي فان جاها # إذا ما غب يوما صار مالا

اوطاتموه على جمر العقوق و لو # لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم

حومته ريح الجنوب و لن يحمد # صيد العقاب حتى تحوما

ثلمتهم بالمشرفي و قلما # تثلم عز القوم إلا تهدما

تجشم حمل الفادحات و قلما # أقيمت صدور المجد الا تجشما

قل ما بدا لك يا ابن ترني فالصدا # بمهذب العقيان لا يتعلق

أ فعشت حتى عبتهم قل لي متى # فرزنت ساعة ما أرى بابيدق

و خذهم بالرقى ان المهارى # يهيجها على السير الحداء

فتطلق مع العناية ان البشر # في أكثر الأمور بشير

فأقسم اللحظ بيننا ان في اللحظ # لعنوان ما يجن الضمير

صلب إذا أعوج الزمان و لم يكن # ليلين صلب الخطب من لم يصلب

اولى المديح بان يكون مهذبا # ما كان منه في أغر مهذب

و ما ابالي و خير القول أصدقه # حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي

ليس الصديق بمن يعيرك ظاهرا # متبسما عن باطن متجهم‏

الأمثال في شطر بيت‏

و الحرب مشتقة المعنى من الحرب # كتضاؤل الحسناء في الاطمار

و كفى برب الثار مدرك ثار # و صد الأساس على شفير هار

ما كل عود ناضر بنضار # كل امرئ لاجئ إلى سنده

و للخطوب إذا سامحتها عقب # ان السماء ترجى حين تحتجب

قد يقدم العير من ذعر على الأسد # كم بذي الأثل دوحة من قضيب

فقلت اطماني أنضر الروض عازبه # ان التجارب للعقول شجون

ما الدهر في فعله إلا أبو العجب # و العقل عار إذا لم يكس بالنشب

و انف الفتى من وجهه و هو أجدع # و ذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع

لسان المرء من خدم الفؤاد # و النار تنبع من حصى المعزاء (1)

و لو رمى بك غير الله لم يصب # و الله مفتاح باب المعقل الاشب‏

____________

(1) المعزاء بوزن حمراء الأرض الصلبة . المؤلف-

447

لا خير في الصهباء ما لم تقطب # لا يستنير فعال من لم يشحب

و ربة معقب لم يعقب # السيف لا يزدري إن كان ذا شطب

كثير ذكر الرضى في ساعة الغضب # و لو كان أيضا شاهدا كان غائبا

ان السماحة صيقل الاحساب # لا يزخر الوادي بغير شعاب

و ليس كل فضاء ينبت العشبا # و قد ينفس عن جد الفتى اللعب

الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب # لا القلب يهفو و لا الأحشاء تضطرب

و ترك الشكر أثقل للرقاب # و قد يشبه النجيب النجيب

و إذا أبو الاشبال أحرج عاثا # مثل الصقور إذا لقين بغاثا

وقائع حدثوا عنها و لا حرجا # من القح الرأي في يوم الوغى نتجا

ابرحت أيسر ما في العرق أن يشجا # هل كنت تعرف سرا يورث الصمما

يلذ لباس البرد و هو جديد # الدمع يذهب بعض جهد الجاهد

إن العلى حسن في مثلها الحسد # و كان مقيما بين نسر و فرقد

و عادات البروق مع الرعود # و الظلم من ذي قدرة مذموم

ان الكريم لمعتفيه غريم # و كم من مصيب قصده غير قاصد

و شر السجايا قدرة معها حقد # و لا يقطع الصمصام ليس له حد

و براعة المشتاق أن يتبلدا # فليس الوجد إلا من الوجد

فاكتب ما رجوت على الجليد # لا خير في شرف إذا لم احمد

و أي النار ليس لها شرار # تمادت في سجيتها البحار

و كافر النعمة كالكافر # كم ترك الأول للآخر

كالموت ياتي ليس فيه عار # إن المقام بحيث كنت فرار

من فاته العين أدنى شوقه الأثر # خير أمر باكره

و الدمع منه خاذل و مواسي # سميت إنسانا لأنك ناسي

فان حرب الهم حرب ضروس # برد لعمري يصطفيه الرئيس

و ما كل خاتم مفضوض و هل # يفرس الليث الطلي و هو رابض

و السيف لا يكفيك حتى ينتضى # و قد تستقيد الراح حين تشعشع

يروقك بيت الشعر حين يصرع # و لو لا السعي لم تكن المساعي

لقد حكت الملام لغير واعي # و هل شمس تكون بلا شعاع

الدمع قرن للجوى الرادع # أمر مطاع الأمر في طائع

رب حزم في بغضة الموموق # و هل دافع أمرا و ذو العرش قابله

و السم يقتل و هو غير مثمل # و الماء زرق جمامه للأول

و الرمح يناد حينا ثم يعتدل # و النجم يخمد شيئا ثم يشتعل

وعك المقيم على توحيده عمل # و لكن خير الخير عندي المعجل

و الفجع بالمجد غير الفجع بالغزل # و لم نكن نستحل الصيد في الحرم

عذر النسي خلاف عذر السالي # يردي الجمال تعسف الجمال

ان السيور التي قدت من الأدم # سيموا نداه إذا ما البرق لم يشم

لو كان ينفخ قين الحي في فحم # و النار قد تنتضى من ناضر السلم

و زلة الرأي تنسي زلة القدم # إن الدم المعتز يحرسه الدم

و رمى فقرطس فيك غير الرامي # كذاك يحسن مشي الخيل في اللجم

و البحر يسقيك من مستكره أسن # ان الدموع هي الوداع الثاني

ان المكارم للكريم ملاهي # ألا ويل الشجي من الخلي

و الدمع يحمل بعض شجو المغرم # و أخو الكرى لو لم ينم لم يحلم

نودي بك الوادي و ليس بمفعم # لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم

و الغزو قبل المغنم # سمح و لا جد لمن يلعب

ان الضنين بدمعه لضنين # ان الشقي بكل حبل يخنق

447 و كذا إذا ذكر القضاء فأمسكوا # أرتعت ظني في رياض الباطل

ان الزمان بأهله متنقل # ما كل جود الفتى يدني من الكرم

يعرف فقد الشمس عند المغيب # و الزرع ينبت فذا ثم يكتهل

و الشبل من ليثه اما مضى بدل # و المرء لا يدفع المنونا

فتسبيب العطاء هو العطاء # لا يحمد السجل حتى يحمد الوذم

فان المجد يفعل ما يشاء # ما ذا يريبك من جواد مضمر

و في عواقب حال القاطع الندم # و دواعي النفس تتهم

كما أنار بنار الموقد العلم # اني امرؤ ليس يرضى الضيم لي همم

ذم من كان خاملا إطراء # الله أكبر انى استاسد النقد

قد ذل من ليس له ناصر # و الجهل في بعض الهناة عقار

أسد الشري ليس تنميها الخنازير # أيد صخور و أعراض قوارير

ما كنت أول وارد لم يصدر # كم من جوهر لا ينفق

و أكثر آمال النفوس كواذب # بل الموت لا شك الذي هو غالب

فقلت نعم ان الشكول أقارب # ما كنت أول من جنى من غرسه

و الصدود الفراق قبل الفراق # ليس بهذا تجاور النعم

و الصبر الا على الهوى كرم # أحسن الحب ما يكون معمى

حب هذا الزمان ليس يدوم # من شكا حب حبيب ظلما

أحسن كما أحسنك الله # و آخر آمال العباد إلى الياس‏

هذا ما سنح لنا ذكره من أمثاله و لعل المتتبع لشعره يقف على أكثر من هذا و ياتي له أمثال في الحكم.

49-حسن المخلص‏

و هو انتقال الشاعر مما ابتدأ به الكلام من غزل أو نسيب أو حماسة أو غيرها إلى المقصود على وجه سهل برابطة ملائمة يختلس به المقصود اختلاسا كقوله:

و تنظري خبب الركاب ينصها # محيي القريض إلى مميت المال

أ مطلع الشمس تبعني أن تؤم بنا # فقلت كلا و لكن مطلع الجود

لم يجتمع قط في مصر و لا طرف # محمد بن أبي مروان و النوب

أ يسلبني ثراء المال ربي # و اطلب ذاك من كف جماد

زعمت إذا بان الجود أمسى # له رب سوى ابن أبي دؤاد

أبين فما يزرن سوى كريم # و حسبك أن يزرن أبا سعيد

لا و الذي هو عالم أن النوى # صبر و ان أبا الحسين كريم

شكوت إلى الزمان نحول حالي # فارشدني إلى عبد الحميد

خلق أطل من الربيع كأنه # خلق الامام و هديه المتنشر

حلفت بمستن المنى تسترشه # سحابة كف بالرغائب تمطر

إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها # و قام يباريها أبو الفضل جعفر

فالأرض معروف السماء قرى لها # و بنو الرجاء لهم بنو العباس

ما يحسن الدهر أن يسطو على رجل # إذا تعلق حبلا من أبي حسن

50-حسن الختام‏

و هو أن يكون آخر الكلام مستعذبا حسنا و أحسنه ما آذن بانتهاء الكلام كقوله:

إن كان بين صروف الدهر من رحم # موصولة أو ذمام غير منقضب

فبين أيامك اللاتي نصرت بها # و بين أيام بدر أقرب النسب

448

أبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم # صفر الوجوه و جلت أوجه العرب

و قوله:

اني امتدحتك لا لفائدة و لا # همي جزاء مدائحي بجزاء

لكن أروم به احتياطك إنه # فيما لديك لبغيتي و غنائي‏

و قوله:

غربت خلائقة و أغرب شاعر # فيه فأحسن مغرب في مغرب

لما كرمت نظمت فيك بمنطق # حق فلم آثم و لم أتحوب‏

و قوله:

فقومت لي ما أعوج من قصد همتي # و بيضت لي ما اسود من وجه مطلبي

و هاك ثياب المدح فاجرر ذيولها # عليك و هذا مركب الحمد فاركب‏

و قوله:

أقول لاصحابي هو القاسم الذي # به شرح الجود التباس المذاهب

و إني لأرجو عاجلا ان تردني # مواهبه بحرا ترجى مواهبي‏

و قوله:

و يا أيها الساعي ليدرك شاوه # تزحزح قصيا أسوأ الظن كاذبه

فحسبك من نيل المراتب ان ترى # عليما بان ليست تنال مناقبه

إذا ما امرؤ ألقى بربعك رحله # فقد طالبته بالنجاح مطالبه‏

و قوله:

كتبت و لو قدرت هوى و شوقا # إليك لكنت سطرا في الكتاب‏

و قوله:

يأخذ المعتفين قسرا و لو كفف # دعاهم اليه واد خصيب

غير ان الرامي المسدد يحتاط # مع العلم انه سيصيب‏

و قوله:

إذا القصائد كانت من مدائحهم # يوما فأنت لعمري من مدائحها

و ان غرائبها اجدبن من بلد # كانت عطاياك من اندى مسارحها

و قوله:

فافخر فما من سماء للعلا رفعت # إلا و أفعالك الحسنى لها عمد

و قوله في ختام قصيدة في أبي سعيد محمد بن يوسف الطائي :

أتيتك لم أفزع إلى غير مفزع # و لم انشد الحاجات في غير منشد

و من يرج معروف البعيد فإنما # يدي عولت في النائبات على يدي‏

و قوله:

لبست سواه أقواما فكانوا # كما أغنى التيمم بالصعيد

فتى احيت يداه بعد يأس # لنا الميتين من بأس و جود

و قوله:

فلو أبقى الندى و البأس حيا # لخص أبو سعيد بالخلود

و قوله:

و لكن رأى شكري قلادة سؤدد # فصاغ لها سلكا بهيا من الرفد

فما فاتني ما عنده من حبائه # و لا فاته من فاخر الشعر ما عندي

و كم من كريم قد تخضر قلبه # بذاك الثناء الغض في طرق المجد

448 و قوله:

و مفاوز الآمال يبعد شاوها # ان لم تكن جدواك فيها زادي

و من العجائب شاعر قعدت به # هماته أو ضاع عند جواد

و قوله:

فلو لا ان آمالي أرتني # لديك سحابتي كرم و جود

لأصبح حبل شعري طوق غل # من الأيام في عنقي و جيدي

و قد حررت في مدحيك جهدي # فحرر بالندى صلة القصيد

و قوله:

نفسوك فالتمسوا مداك فحاولوا # جبلا يزل صفيحه بالمصعد

درست صفائح كيدهم فكأنما # أذكرن اطلالا ببرقة ثهمد

و قوله:

فأسلم و لا تنفك يخطوك الردى # فينا و تسقط دونك الأقدار

و قوله:

سافر بطرفك في أقصى مكارمنا # إذ لم يكن لك في تاثيلها سفر

هل أورق المجد الا في بني أدد # أو أجتني قط لو لا طيئ ثمر

لو لا أحاديث بقتها أوائلنا # من السدي و الندى لم يعرف السمر

و قوله:

فالأرض دار اتفرت ما لم يكن # من هاشم رب لتلك الدار

سور القرآن الغر فيكم أنزلت # و لكم تصاغ محاسن الاشعار

و قوله:

لا شي‏ء أحسن من ثنائي سائرا # و نداك في أفق البلاد يسايره

و إذا الفتى المأمول انجح عزمه # في نفسه و نداه انجح شاعره‏

و قوله:

ملك يضل الفكر في أيامه # و يقل في نفحاته ما يكثر

فليعسرن على الليالي بعده # أن يبتلي بصروفهن المعسر

و قوله:

كن كيف شئت فان فيك خلائقا # أضحى إليك بها الرجاء مفوضا

المجد لا يرضى بان ترضى بان # يرضى امرؤ يرجوك الا بالرضا

و قوله:

و رأيك مثل رأي السيف صحت # سبورة حده عند المصاع

فلو صورت نفسك لم تزدها # على ما فيك من كرم الطباع‏

و قوله في ختام قصيدة في ذكر خلعة:

خلعة من أغر أروع رحب الصدر # رحب الفناء رحب الذراع

سوف أكسوك ما يعفي عليها # من ثناء كالبرد برد الصناع

حسن هاتيك في العيون و هذا # حسنه في القلوب و الأسماع‏

و قوله:

نامت همومي عني حين قلت لها # هذا أبو دلف حسبي به و كفى‏

و قوله:

حتم عليك إذا حللت مغانهم # أن لا تراه عافيا من عاف

و كأنهم من برهم و حفائهم # بالمجتدي الأضياف للاضياف‏

449

و قوله:

اشدد يديك بحبل بوح معصما # تلقاه حبلا بالندى موصولا

ذاك الذي إن كان خلك لم تقل # يا ليتني لم اتخذه خليلا

و قوله:

و لا ترين ان العلا لك عند ما # تقول و لكن العلا حين تفعل

و لا شك ان الخير منك سجية # و لكن خير الخير عندي المعجل‏

و قوله:

أكابرنا عطفا علينا فاننا # بنا ظما برح و أنتم مناهل‏

و قوله:

لا توقظوا الشر من نوم فقد غنيت # دياركم و هي تدعى زهرة النعم

هذا ابن خالكم يهدي نصيحته # من يتهم فهو فيكم غير متهم‏

و قوله في ختام قصيدة في المأمون :

فبنو أبيك على نفاسة قدرهم # فيهم و انهم هم الأعلام

متواطئو عقبيك في طلب العلا # و المجد ثمت تستوي الأقدام‏

و قوله:

لم يذعر الأيام عنك كمرتد # بالعقل يفهم عن أخيه و يفهم

ممن إذا ما الشعر صافح سمعه # يوما رأيت ضميره يتبسم‏

و قوله:

فقد هز عطفيه القريض توقعا # لعدلك مذ صارت إليك المظالم

و لو لا خلال سنها الشعر ما درى # بغاة الندى من أين تؤتى المكارم‏

و قوله:

لكل من بني حواء عذر # و لا عذر لطائي لئيم

أحق الناس بالكرم امرؤ لم # يزل ياوي إلى أصل كريم‏

و قوله:

أساءت يداه عشرة المال بالندى # و احسنتا فينا خلافة حاتم

و قوله:

قل للخطوب إليك عني انني # جار لإسحاق بن إبراهيم

و قوله في مالك بن طوق :

فأنت و صنواك الكريمان اخوة # خلقتم سعوطا للانوف الرواغم

ثلاثة أركان و ما انهد سؤدد # إذا ثبتت فيه ثلاث دعائم‏

و قوله:

نوالك رد حسادي فلو لا # و أصلح بين أيامي و بيني

فأصبح و هولي طوق و امسى # مديحك نقل أهل العسكرين‏

و قوله:

يا ابن الأكارم و المرجو من مضر # إذا الزمان جلا عن وجه خوان

إليك ساقتني الأيام تجنبها # سحاب جودك من أهلي و اوطاني‏

449 و قوله:

فليشكر الإسلام ما أوليته # و الله عنه بالوفاء ضمين‏

و قوله:

فأسلم فما سلم الأعداء منك و لا # فاتوك في الدهر بالأوتار و الدمن‏

و قوله:

جنى لك فيك من ثمرات مدحي # لسان الشكر أبياتا جنيه

و قد أهديتها لك و هي عندي # على الأيام من أزكى هديه‏

و قوله:

هو في الغنى غرسي و غرسك في العلا # اني انصرفت و أنت غرس الله‏

اخباره‏

لأبي تمام أخبار حسان متفرقة في كتب‏التاريخ‏والأدب‏نجمع ما وصل إلينا منها هنا. و قد صنف أبو بكر محمد بن يحيى الصولي الأديب المؤرخ الواسع الرواية الكثير الحفظ كتابا سماه (اخبار أبي تمام) طبع بمصر و يظهر من الرسالة الموضوعة في مقدمته و هي من الصولي إلى أبي الليث مزاحم بن فاتك انه ألفه لمزاحم المذكور و مر عند الكلام على شاعريته جملة مما يحتويه الكتاب المذكور و في مروج الذهب : و قد صنف أبو بكر الصولي كتابا جمع فيه أخبار أبي تمام و شعره و تصرفه في أنواع علومه و مذاهبه و استدل الصولي على ما وصف عن أبي تمام بما يوجد من شعره من ذلك قوله في صفة الخمر.

جهمية الأوصاف إلا انهم # قد لقبوها جوهر الأشياء

و من طريف أخبار أبي تمام ما ذكره الصولي قال حدثني عبد الله بن المعتز حدثني أبو سعيد النحوي المعروف بصعوداء عن أبي تمام الطائي و ذكره المسعودي في مروج الذهب مرسلا عن أبي تمام قال خرجت إلى سر من رأى حين ولي الواثق فلما قربت منها لقيني اعرابي فأردت أن أساله عن شي‏ء من اخبار الناس بها فخاطبته فإذا أفصح الناس و أفطنهم فقلت ممن الرجل قال من بني عامر قلت كيف علمك بأمير المؤمنين قال قتل أرضا عالمها قلت فما تقول فيه (و في مروج الذهب كيف علمك بعسكر أمير المؤمنين قال قتل أرضا عالمها قلت ما تقول في أمير المؤمنين) قال وثق بالله فكفاه أشجى العاصية و قمع العادية و عدل في الرعية و أرغم كل ذي خيانة (و في مروج الذهب اشجى القاصية و قصم العادية و رغب عن كل ذي جناية) قلت فما تقول في احمد بن أبي دؤاد (1) قال هضبة لا ترام و جندلة لا تضام (و جبل لا يضام) تشحذ له المدى و تحبل له الإشراك (و تنصب له الحبائل) حتى إذا قيل كان قد وثب وثبة الذئب و ختل ختل الضب قلت فما تقول في محمد بن عبد الملك الزيات (2) قال وسع الداني شره و قتل البعيد (و وصل إلى البعيد) ضره له في كل يوم صريع لا يرى فيه أثر ناب و لا ندب مخلب قلت فما تقول في عمرو بن فرج (3) قال ضخم نهم مستعذب للذم (استعذب الدم) ينصبه القوم ترسا للدعاء قلت فما تقول في الفضل بن مروان -و استعذبت خطابه-قال ذاك رجل نشر (نبش) بعد ما قبر فعليه حياة الأحياء و خفتة الموتى (ليس تعد له حياة في الأحياء و عليه خفتة الموتى) قلت فما تقول في أبي الوزير قال كبش الزنادقة أ لا ترى ان الخليفة إذا أهمله (أخمله) سنح (سمن) و رتع فإذا هزه أمطر فامرع قلت فما تقول في احمد بن الخصيب قال ذاك أكل أكلة نهم فذرق ذرقة بشم قلت

____________

(1) هو قاضي الواثق -المؤلف-

(2) هو الوزير-المؤلف-

(3) هو عمرو بن فرج الرجحي من علية الكتاب-المؤلف-

450

فما تقول في إبراهيم أخيه قال‏ (أَمْوََاتٌ غَيْرُ أَحْيََاءٍ وَ مََا يَشْعُرُونَ أَيََّانَ يُبْعَثُونَ) قلت فما تقول في احمد بن إسرائيل قال لله درة اي قلقل (أي فاعل) هو و أي صابر هو أعد الصبر دثارا و الجود شعارا و أهون عليه بهم قلت فما تقول في المعلى بن أيوب قال ذاك رجل خير نصيح السلطان عفيف اللسان سلم من القوم و سلموا منه قلت فما تقول في إبراهيم بن رباح قال ذاك رجل أوثقه (أوبقه) كرمه و أسلمه فضله (حسبه) و له معروف (دعاء) لا يسلمه و رب لا يخذله و خليفة (و فوقه خليفة) لا يظلمه قلت فما تقول في الحسن ابنه قال ذاك عود نضار غرس في منابت الكرم حتى إذا اهتز حصدوه قلت فما تقول في نجاح ابن سلمة قال لله درة اي طالب وتر و مدرك ثار يلتهب كأنه شعلة نار له من الخليفة في الأحيان جلسة تزيل نعما و تحل نقما قلت يا اعرابي أين منزلك حتى آتيك قال اللهم غفرا ما لي منزل إذا اشتمل الظلام (انا اشتمل النهار و التحف الليل) فحيثما أدركني الرقاد رقدت قلت فكيف رضاك عن أهل العسكر (1) قال لا أخلق وجهي بمسألتهم (قال إن أعطوني لم احمدهم و ان ضيعوني لم أذمهم أ و ما سمعت قول هذا الفتى الطائي (كما قال هذا الغلام الطائي ) .

و ما ابالي و خير القول أصدقه # حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي‏

قلت فانا الطائي قائل هذا الشعر قال أ إنك أنت الطائي قلت نعم فدنا مبادرا فعانقني و قال لله أبوك و أنت القائل.

ما جود كفك ان جادت و ان بخلت # من ماء وجهي إذا أخلفته عوض‏

قلت نعم!قال و الله أنت أشعر أهل الزمان. (و في مروج الذهب ) ما لفظه: و في رواية أخرى-ليست في الكتاب-قلت أنشدني شيئا من شعرك فانشدني:

أقول و جنح الدجى ملبد # و لليل في كل فج يد

و نحن ضجيعان في مسجد # فلله ما ضمن المجسد

فيا غد إن كنت لي محسنا # فلا تدن من ليلتي يا غد

و يا ليلة الوصل لا تنفدي # كما ليلة الهجر لا تنفد

(اه) فرجعت بالأعرابي معي إلى ابن أبي دؤاد و حدثته بخبره فادخله إلى الواثق فسأله عن خبره معي فأخبره به فأمر له بمال (بالف دينار) و أحسن اليه و وهب له احمد بن أبي دؤاد ، فكان يقول لي قد عظم الله بركتك علي (و أخذ له من سائر الكتاب و أهل الدولة ما أغناه به و أغنى عقبه بعده) . و عقب المسعودي على هذا الخبر بقوله: و هذا الخبر فمخرجه عن أبي تمام فان كان صادقا فيما قال-و لا أراه-فقد أحسن الأعرابي في الوصف و ان كان أبو تمام هو الذي صنعه و عزاه إلى هذا الأعرابي فقد قصر في نظمه إذ كانت منزلته أكبر من هذا (اه) . و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني محمد بن سعيد أبو بكر الأصم حدثني أحمد بن أبي فنن قال: حضرت أبا تمام و قد وصل بمائتي دينار فدفع إلى رجل عنده منها مائة و قال خذها ثم قيل 450 لي إنه صديق له و استنبت منه خلة فعذلته على إعطائه ما أعطى و قلت لو كان شقيقك ما عذرتك مع اضطراب حالك فقال:

ذو الود عندي و ذو القربى بمنزلة # و إخوتي أسوة عندي و إخواني

عصابة جاورت آدابهم أدبي # فهم و إن فرقوا في الأرض جيراني

أرواحنا في مكان واحد و غدت # أجسامنا لشام أو خراسان

و هذا يدل على كرم و سخاء كان في طبع أبي تمام -و لا غرو فهو طائي-عكس ما كان عليه المتنبي ، فقد مر في ترجمته ان الخوارزمي قال فيه إنما أعرب عن طريقته و عادته بقوله:

بليت بلى الاطلال إن لم أقف بها # وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه‏

و أنه قال إنه أحضر مالا بين يديه من صلات سيف الدولة و تخللت قطعة كأصغر ما يكون بين خلال الحصير فأكب عليها حتى توصل إلى إظهارها و أنشد:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة # بدا حاجب منها و ضنت بحاجب‏

فقال بعض جلسائه أ ما يكفيك هذه الأكياس حتى أدميت إصبعك لأجل هذه القطعة فقال إنها تخضر المائدة. و في الأغاني : اخبرني جحظة حدثني ميمون بن هارون قال: مر أبو تمام بمخنث يقول لآخر جئتك أمس فاحتجبت عني فقال له السماء إذا احتجبت بالغيم رجي خيرها فتبينت في وجه أبي تمام أنه قد أخذ المعنى ليضمنه في شعره فما لبثنا إلا أياما حتى أنشدت قوله:

ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا # إن السماء ترجى حين تحتجب‏

و قال الصولي في أخبار أبي تمام : قيل لأبي تمام مدحت دينار بن يزيد فقال ما أردت بمدحه إلا أن أكشف شعر علي بن جبلة فيه فقلت:

مهاة النقا لو لا الشوى و المابض (2) # (تمامه) و إن محض الاعراض لي منك ماحض‏

و لم يمدحه بغيرها. و في الكتاب المذكور: حدثنا عبد الله بن الحسين حدثني البحتري : سمعت أبا تمام يقول: أول شعر قلته.

تقي (3) جمحاتي لست طوع مؤنبي # و ليس جنيبي إن عذلت بمصحبي‏

و مدحت بها عياش بن لهيعة فاعطاني خمسة آلاف درهم. و فيه:

حدثني أبو جعفر أحمد بن يزيد المهلبي حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه :

سمعت أبا تمام يقول أنا كقولي.

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى # و حنينه أبدا لأول منزل‏

و فيه حدثني أحمد بن موسى : أخبرني أبو الغمر الأنصاري عن عمرو بن أبي قطيفة قال رأيت أبا تمام في النوم فقلت له لم ابتدأت بقولك

كذا فليجل الخطب و ليفدح الأمر

فقال لي ترك الناس بيتا قبل هذا إنما قلت:

حرام لعين أن تجف لها شفر # و أن تطعم التغميض ما أمتع الدهر

كذا فليجل الخطب و عن شرح التبريزي أن القصيدة مبدوءة فيه بالبيتين.

حرام لعيني أن يجف لها قطر # و أن تطعم التغميض ما بقي العمر

____________

(1) العسكر اسم سامراء المؤلف-

(2) الشوى القوائم ، و المآبض جمع مأبض يقال لباطن المرفق و باطن الركبة مأبض ، يقول:

يا شبيهة المهى لو لا أنك # تخالفينها في الشوى و المابض‏

. -المؤلف-

(3) تقي بمعنى اتقي (و الجنيب) الفرس الذي يقاد بدون أن يركب و أراد به هنا هواه أو قلبه (و المصحب) المنقاد التابع -المؤلف-

451
اخباره مع ملوك بني العباس و وزرائهم و أمرائهم‏

أدرك أبو تمام خلافة المأمون ، كلها و هي عشرون سنة و كسر، و خلافة أخيه المعتصم ، و خلافة الواثق بن المعتصم كلها و وفاته و وفاة الواثق متقارنتان أو متقاربتان، و له مدائح في الثلاثة و في وزرائهم و أمرائهم و كتابهم و في ابن أبي دؤاد قاضي المعتصم ، و أخباره مع الجميع شائقة.

أخبارة اخباره مع المأمون

يظهر ان اتصاله بالمأمون كان قليلا، و لذلك لم يوجد في ديوانه في مدحه إلا قصيدتان و الأولى منهما قال جامع ديوانه إنها في المأمون ، ثم قال و الأولى أن تكون في المعتصم (أقول) بل الظاهر إنها في المأمون ، و جعلها في المعتصم لا وجه له بل لا يبعد ان يكون قوله فيها (الله يشهد) البيت و البيتان بعده إشارة إلى تشيع المأمون و بيعته للرضا و قد صرح فيها بان وسيلته حب آل محمد و أنه قد ظن به تجسم روح السيد الحميري فهو يتوسل إلى المأمون بتشيعه و الذي كان معروفا بالتشيع هو المأمون لا المعتصم ، و من هذه القصيدة قوله.

عذلت غروب دموعه عذاله # بسواكب فندن كل مفند

أتت النوى دون الهوى فانى الاسى # دون الأسى بحرارة لم تبرد

عبث الفراق بدمعه و بقلبه # عبثا يروح الجد فيه و يغتدي

يا يوم شرد يوم لهوي لهوه # بصبابتي و أذل عز تجلدي

يوم أفاض جوى أغاض تعزيا # خاض الهوى بحري حجاه المزبد

عطفوا الخدور على البدور و وكلوا # ظلم الستور بنور حور نهد

و ثنوا على وشي الخدود صيانة # وشي البرود بمسجف و ممهد

إلى أن قال في مديحها

فانتاش مصر من اللتيا و التي # بتجاوز و تعطف و تغمد

في دولة لحظ الزمان شعاعها # فارتد منقلبا بعيني أرمد

من كان مولده تقدم قبلها # أو بعدها فكأنه لم يولد

الله يشهد أن هديك للرضا # فينا و يلعن كل من لم يشهد

أ ولي أمة أحمد ما أحمد # بمضيع ما أوليت أمة أحمد

أما الهدى فقد افتتحت بزنده # في العالمين فويل من لم يهتد

نحن الفداء من الردى لخليفة # برضاه من سخط الليالي نفتدي

هدمت مساعيه المساعي فابتنت # خطط المكارم في عراص الفرقد

و أرى الأمور المشكلات تمزقت # ظلماتها عن رأيك المتوقد

و وسيلتي فيها إليك طريفة # شام يدين بحب آل محمد

نيطت قلائد ظرفه بمحير # متدمشق متكوف متبغدد

حتى لقد ظن الغواة و باطل # اني تجسم في روح السيد

و القصيدة الثانية هذا أكثرها.

دمن ألم بها فقال سلام # كم حل عقدة صبره الإلمام

نحرت ركاب القوم حتى يعبروا # رجلا لقد عنفوا علي و لاموا

وقفوا علي اللوم حتى خيلوا # أن الوقوف على الديار حرام

و لقد أراك فهل أراك بغبطة # و العيش غض و الزمان غلام

أعوام وصل كان ينسي طولها # ذكر النوى فكأنها أيام

ثم انبرت أيام هجر أردفت # نحوي أسى فكأنها أعوام

ثم انقضت تلك السنون و أهلها # فكأنها و كأنهم أحلام

451 أ تحدرت عبرات عينك ان دعت # ورقاء حين تضعضع الاظلام

لا تشجين لها فان بكاءها # ضحك و إن بكاءك استغرام

هن الحمام فان كسرت عيافة # من حائهن فإنهن حمام

الله أكبر جاء أكبر من جرت # فتعثرت في كنهه الأوهام

من لا يحيط الواصفون بوصفه # حتى يقولوا وصفه إلهام

من شرد الاعدام عن أوطانه # بالبذل حتى استطرف الاعدام

و تكفل الأيتام عن آبائهم # حتى وددنا أننا أيتام

يتجنب الآثام ثم يخافها # فكأنما حسناته آثام

يا أيها الملك الهمام و عدله # ملك عليه في القضاء همام

ما زال حكم الله يشرق وجهه # في الأرض مذ نيطت بك الأحكام

الشرق غرب حين تلحظ قصده # و مخالف اليمن القصي شام

بالشدقميات العتاق كأنما # أشباحها بين الآكام إكام

و الاعوجيات الجياد كأنها # تهوي و قد ونت الرياح سهام

لما رأيت الدين يخفق قلبه # و الكفر فيه تغطرس و عرام

أوريت زند عزائم تحت الدجى # أسرجن فكرك و البلاد ظلام

فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه # حسن اليقين و قاده الاقدام

ملأ الملا عصبا فكاد بان يرى # لا خلف فيه و لا له قدام

بسواهم لحق الأياطل شزب # تعليقها الاسراج و الإلجام

و مقابلين إذا انتموا لم تخزهم # في نصرك الأخوال و الأعمام

سفع الدئوب وجوههم فكأنهم # و أبوهم سام أبوه حام

تخذوا الحديد من الحديد معاقلا # سكانها الأرواح و الأجسام

مسترسلين إلى الحتوف كأنما # بين الحتوف و بينهم أرحام

آساد موت مخدرات مالها # إلا الصوارم و القنا آجام

حتى نقضت الروم منك بوقعة # شنعاء ليس لنقضها إبرام

في معرك أما الحمام فمفطر # في هبوتيه و الكماة صيام

و الضرب يقعد قرم كل كتيبة # شرس الضريبة و الحتوف قيام

ففصمت عروة جمعهم فيها و قد # جعلت تفصم من عراها الهام

ما كان للاشراك فورة مشهد # و الله فيه و أنت و الإسلام

لما رأيتهم تساق ملوكهم # خرقا (1) إليك كأنهم أنعام

متساقطي و رق الثياب كأنهم # دانوا فأحدث فيهم الإحرام

أكرمت سيفك غربه و ذبابه # عنهم و حق لسيفك الإكرام

أيقظت هاجعهم و هل يغنيهم # سهر النواظر و العقول نيام

جحدتك منهم ألسن لجلاجة # أقررن أنك في القلوب إمام

فأسلم أمير المؤمنين لأمة # نتجت رجاءك و الرجاء عقام

قضى النبي ذمامها مذ حطها # عنه فليس لها عليه ذمام

إن المكارم للخليفة لم تزل # و الله يعلم ذاك و الأقوام

كتبت له و لاوليه قبله # في اللوح حتى جفت الأقلام

فبنو أبيك على نفاسة قدرهم # فيهم و إنهم هم الاعلام

متواطئو عقبيك في طلب العلى # و المجد ثمة تستوي الاقدام‏

خبره مع الحسن بن سهل السرخسي وزير المأمون

كما أدرك أبو تمام عصر المأمون أدرك عصر وزيره الحسن بن سهل بعد أخيه الفضل ، و وجدنا في ديوانه قصيدتين في مدح الحسن بن سهل ، و لم نعثر له على خبر معه غير ذلك، فيظهر ان اتصاله به كان قليلا كاتصاله

____________

(1) خرق جمع خرقة و هي الجماعة . -المؤلف-

452

بالمأمون على ما مر، و قد صرح في الأولى منهما بان عمره يومئذ كان ستا و عشرين سنة ، و كان ذلك بعد اشتهار صيته، فلا بد أن يكون تعاطى نظم الشعر و عمره عشرون سنة أو أقل منها. قال يمدحه من قصيدة:

أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب # و آل ما كان من عجب إلى عجب‏

(القصب) جمع قصبة و هي الخصلة من الشعر ، و مخلس بوزن اسم المفعول أي فيه سواد و بياض أصله من أخلس النبات أي اختلط رطبة بيابسه فينبت الرطب في أصل اليابس، فشبه به الشعر الذي فيه سواد و بياض ، و المعنى أنها حزنت لما رأت شيبي، و عاد ما كان منها من عجب بشبابي إلى عجب من مشيبي.

ست و عشرون تدعوني فاتبعها # إلى المشيب و لم تظلم و لم تحب‏

(لم تحب) من الحوبة و هي الذنب. لما كان سن ست و عشرين هو من ريعان الشباب و كان الشيب فيه على خلاف العادة كان مظنة أن يقال ظلمته الأيام و أذنبت إليه فشيبته في غير أوان الشيب فدفع ذلك بقوله و لم تظلم و لم تحب و فسر ذلك بقوله بعده.

يومي من الدهر مثل الدهر مشتهر # عزما و حزما و ساعي منه كالحقب

فاصغري أن شيبا لاح بي حدثا # و اكبري أنني في المهد لم أشب‏

ثم قال:

لا يطرد الهم إلا الهم من رجل # مقلقل لبنات القفرة النجب

ماض إذا الهمم التفت رأيت له # بوخدهن استطالات على النوب

ستصبح العيس بي و الليل عند فتى # كثير ذكر الرضى في ساعة الغضب

صدفت عنه و لم تصدف مواهبه # عني و عاوده ظني و لم يخب

كالغيث إن جئته وافاك ريقه # و إن ترحلت عنه لج في الطلب

خلائق الحسن استوفي البقاء فقد # أصبحت قرة عين المجد و الحسب

كأنما هو من أخلاقه أبدا # و إن ثوى وحده في جحفل لجب

صيغت له شيمة غراء من ذهب # لكنها أهلك الأشياء للذهب

لما رأى أدبا في غير ذي كرم # قد ضاع أو كرما في غير ذي أدب

سما إلى السورة العلياء فاجتمعا # في فعله كاجتماع النور و العشب

بلوت منه و أيامي مذممة # مودة وجدت أحلى من الشنب

من غير ما سبب ماض كفى سببا # للحر أن يعتفي حرا بلا سبب‏

و قال يمدحه أيضا من قصيدة:

أ أيامنا ما كنت إلا مواهبا # و كنت باسعاف الحبيب حبائبا

سنغرب تجديدا لعهدك في البكاء # فما كنت في الأيام إلا غرائبا

و معترك للشوق أهدى به الهوى # إلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا

كواعب زارت في ليال قصيرة # تخيلهن لي من حسنهن كواعبا

وجوه لو ان الأرض فيها كواكب # توقد للساري لكانت كواكبا

سلى هل عمرت القفر و هي سباسب # و غادرت ربعي من ركابي سباسبا

و غربت حتى لم أجد ذكر مشرق # و شرقت حتى قد نسيت المغاربا

و من لم يسلم للنوائب أصبحت # خلائقه طرا عليه نوائبا

و قد يكهم السيف المسمى منية # و قد يرجع السهم المظفر خائبا

فافة ذا ان لا يصادف راميا # و آفة ذا أن لا يصادف ضاربا

452 إلى الحسن اقتدنا ركائب صيرت # لها الحزن من أرض الفلاة ركائبا

و كنت امرأ ألقى الزمان مسالما # فآليت لا ألقاه إلا محاربا

لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد # معيبا و لا خلقا من الناس عائبا

عطايا هي الأنواء إلا علامة # دعت تلك انواء و هذي مواهبا

خدين العلى أبقى له البذل و النهى # عواقب من عرف كفته العواقبا

يطول استشارات التجارب رأيه # إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا

و هل كنت إلا مذنبا يوم أنتحي # سواك بامالي فجئتك تائبا

و له في الحسن بن سهل من أبيات يعاتب بها محمد بن سعيد كاتب الحسن بن سهل .

و لابن سهل أكف كلما اجتديت # فعلن في المحل ما لا تفعل الديم

قوم تراهم غيارى دون مجدهم # حتى كان المعالي عندهم حرم‏

أخباره مع المعتصم .

قد عرفت أنه لما بلغ المعتصم خبر أبي تمام حين شاع ذكره و سار شعره حمله إليه و هو بسر من رأى فعمل فيه أبو تمام عدة قصائد، و أجازه المعتصم و قدمه على شعراء وقته، و له فيه قصائد لا تباري كالبائية التي مدحه بها لما فتح عمورية ، و الرائية التي مدحه بها حين قتل مازيار و بابك الخرمي و الأفشين . و قال الطقطقي في الفخري إن أبا تمام كان قد صحب المعتصم لما فتح عمورية . و في أخبار أبي تمام للصولي حدثني محمد بن البربري حدثني الحسن بن وهب قلت لأبي تمام أ فهم المعتصم بالله من شعرك شيئا قال استعادني ثلاث مرات.

و إن أسمح من تشكو إليه هوى # من كان أحسن شي‏ء عنده العذل‏

و استحسنه ثم قال لابن أبي دؤاد : يا أبا عبد الله ! الطائي بالبصريين أشبه منه بالشاميين (اه) . و في هذه دلالة على أن المعتصم لم يكن بصيرا بالشعر. في النجوم الزاهرة كان المعتصم أميا عاريا من كل علم. و عن محمد الهاشمي : كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام فقال له الرشيد أبوه يا محمد مات غلامك!قال نعم يا سيدي و استراح من الكتاب. قال و إن الكتاب ليبلغ منك هذا؟دعوه لا تعلموه. فكان يكتب و يقرأ قراءة ضعيفة (اه) . و كان أحمد بن عمار وزير المعتصم فورد على المعتصم كتاب فقرأه الوزير فيه ذكر الكلأ فقال المعتصم ما الكلأ؟فقال الوزير لا أعلم فقال المعتصم خليفة أمي و وزير عامي ثم سال ابن الزيات عنه-و كان يومئذ من الكتاب-ففسره فقلده الوزارة و من مختار شعر أبي تمام في المعتصم قوله يمدحه و يذكر قتل بابك الخرمي و مازيار بن قارن بن وندان هرمز الديلمي (1) : و باطس أو ناطس بطريق عمورية الأكبر و الأفشين و اسمه خيذر بن كاوس و صلبهم و كان بابك مجوسيا و الخرم الفرح و المجوس يسمون دينهم دين الفرح و يسمون الخرمية و كان بابك تحرك أيام المأمون فلما ولي المعتصم بعث إليه الأفشين و هو من قواده فأسر بابك و قدم به إلى سامراء و قتل و صلب، و مازيار هو ملك الديلم بطبرستان و كان منافرا لعبد الله بن طاهر والي خراسان و كان عبد الله يكتب إلى المعتصم حتى استوحش من مازيار ، فلما ظفر الأفشين ببابك طمع الأفشين في ولاية خراسان ، فكتب إلى مازيار يستميله، و رجا أنه إذا خالف مازيار سيره المعتصم إلى حربه و ولاه خراسان ، فعصى مازيار على المعتصم فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربته فحاربه حتى أسر مازيار و بعث به إلى المعتصم فقتله و صلبه إلى جنب بابك ، و غضب المعتصم على الأفشين و اتهمه بالخيانة

____________

(1) في مروج الذهب : المازيار بن مازن بن بندار هرمس صاحب جبال طبرستان و لا شك أنه قد صحف كل من هذه الأسماء الثلاثة بالآخر . -المؤلف-

453

و نسب إلى الكفر و عبادة الأصنام، فقبض عليه قبل قدوم مازيار إلى سامراء بيوم، فأقر مازيار على الأفشين أنه بعثه على العصيان لمذهب كانوا اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية و المجوس ، فقتل الأفشين و قيل مات في الحبس و صلب ثم أحرق. و قد ذكر أبو تمام الأفشين في غير موضع من شعره فمنه قوله:

كانت لنا صنما نحنو عليه و لم # نسجد كما سجد الأفشين للصنم‏

و قصيدة أبي تمام في قتل الأفشين و مازيار و بابك و باطس و صلبهم هي هذه.

الحق أبلج و السيوف عواري # فحذار من أسد العرين حذار

جالت بخيذر جولة المقدار # فأحله الطغيان دار بوار

كم نعمة لله كانت عنده # فكأنها في غربة و إسار

كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت # كتضاؤل الحسناء في الأطمار

موتورة طلب الإلاه بثارها # و كفى برب الثار مدرك ثار

صادى أمير المؤمنين بزبرج # في طيه حمة الشجاع الضاري

مكرا بنى ركنيه إلا أنه # وطد الأساس على شفير هار

حتى إذا ما الله شق غباره # عن مستكن الكفر و الإصرار

و نحا لهذا الدين شفرته انثنى # و الحق منه قانئ الأظفار

ثم اعتذر عن تقريب المعتصم له مع نفاقه بقوله:

هذا النبي و كان صفوة ربه # من بين باد في الأنام و قاري

قد خص من أهل النفاق عصابة # و هم أشد أذى من الكفار

و اختار من سعد لعين بني أبي سرح # لوحي الله غير خيار

هو سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ص ثم ارتد.

حتى استضاء بشعلة السور التي # رفعت له سجفا عن الأسرار

و الهاشميون استقلت عيرهم # من كربلاء بأوثق الأوتار

فشفاهم المختار منه و لم يكن # في دينه المختار بالمختار

حتى إذا انكشفت سرائره اغتدوا # منه براء السمع و الأبصار

ثم عاد إلى ذكر الأفشين فقال:

ما زال سر الكفر بين ضلوعه # حتى اصطلى سر الزناد الواري (1)

نارا يساور جسمه من حرها # لهب كما عصفرت نصف (شق) إزار (2)

طارت لها شعل يهدم لفحها # أركانه هدما بغير غبار

فصلن منه كل مجمع مفصل # و فعلن فاقرة بكل فقار

قال أبو بكر الصولي في كتاب أخبار أبي تمام إنما قال و فعلن فخص هذه اللفظة لقول الله جل و عز تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ و لقول الناس فعل به الفواقر أي الدواهي .

مشبوبة رفعت لأعظم مشرك # ما كان يرفع ضوؤها للساري

صلى لها حيا و كان وقودها # ميتا و يدخلها مع الفجار

رمقوا أعالي جذعه فكأنما # وجدوا الهلال عشية الإفطار

و تحدثوا عن هلكه كحديث من # بالبدو عن متتابع الأمطار

و تباشروا كتباشر الحرمين في # قحم السنين بأرخص الأسعار

453 قد كان بوأه الخليفة جانبا # من قلبه حرما على الأقدار

و رأى به ما لم يكن يوما رأى # عمرو بن شاس قبله بعرار

فإذا ابن كافرة يسر بكفره # وجدا كوجد فرزدق بنوار

و إذا تذكره بكاه كما بكى # كعب زمان رثى أبا المغوار

يا قابضا يد آل كاوس عادلا # أتبع يمينا منهم بيسار

و اعلم بانك إنما تلقيهم # في بعض ما حفروا من الآبار

لو لم يكد للسامري قبيله # ما خار عجلهم بغير خوار

قال المسعودي صلب مازيار إلى جانب بابك و مالت خشبة مازيار إلى خشبة بابك فتدانت أجسامهما، و قد كان صلب في ذلك الموضع باطس أو ناطس بطريق عمورية و قد انحنت نحوهما خشبته ففي ذلك يقول أبو تمام .

و لقد شفى الأحشاء من برحائها # أن صار بابك جار مازيار

ثانيه في كبد السماء و لم يكن # لاثنين ثالثا إذ هما في الغار

فكأنما انحنيا لكيما يطويا # عن باطس خبرا من الاخبار

سود اللباس كأنما نسجت لهم # أيدي السموم مدارعا من قار

بكروا و أسروا في متون ضوامر # قيدت لهم من مربط النجار

لا يبرحون و من رآهم خالهم # أبدا على سفر من الاسفار

ثم حثه على البيعة للواثق و جعله ختام القصيدة فقال:

فاشدد بهارون الخلافة إنه # سكن لوحشتها و دار قرار

بفتى بني العباس و القمر الذي # حفته أنجم يعرب و نزار

كرم الخئولة و العمومة مجه # سلفا قريش فيه و الأنصار

هو نوء يمن فيهم و سعادة # و سراج ليل فيهم و نهار

فاقمع شياطين النفاق بمهتد # ترضى البرية هديه و الباري

ليسير في الآفاق سيرة رأفة # و يسوسها بسكينة و وقار

فالصين منظوم باندلس إلى # حيطان رومية فملك ذمار

و لقد علمت بان ذلك معصم # ما كنت تتركه بغير سوار

فالأرض دار أقفرت ما لم يكن # من هاشم رب لتلك الدار

سور القرآن الغر فيكم أنزلت # و لكم تصاغ محاسن الاشعار

و قال يمدح المعتصم و يذكر قتل بابك و صلبه من قصيدة أولها:

آلت أمور الشرك شر مال # و أقر بعد تخمط و صيال

غضب الخليفة للخلافة غضبة # رخصت لها المهجات و هي غوالي

فلأذربيجان اختيال بعد ما # كانت معرس عبرة و نكال

أطلقتها من كيده و كأنما # كانت له معقولة بعقال

يا يوم أرشق كنت رشق منية # للخرمية صائب الآجال

أسرى بنو الإسلام فيه و أدلجوا # بقلوب أسد في صدور رجال

يحملن كل مدجج سمر القنا # باهابه أولى من السربال

خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا # كالحسن شيب لمغرم بدلال

يوم أضاء به الزمان و فتحت # فيه الأسنة زهرة الآمال‏

منها في بابك :

لما قضى رمضان فيه قضاءه # شالت به الأيام في شوال

ما زال مفلول العزائم سادرا # حتى غدا في القيد و الاغلال

متلبسا للموت طوقا من دم # لما استبان فظاظة الخلخال

أهدى لمتن الجذع متنيه كذا # من عاف متن الأسمر العسال‏

____________

(1) أراد بالزناد النار الكامنة فيه فقابله بسر الكفر. -المؤلف-

(2) ياتي تفسيره في الصفات و التشبيهات. -المؤلف-

454

لا كعب أسفل موضعا من كعبه # مع أنه عن كل كعب عالي

سام كان العز يجذب ضبعه # و سموه من ذلة و سفال

متفرغ أبدا و ليس بفارغ # من لا سبيل له إلى الاشغال‏

منها و هو يذكر الإسلام :

ألبسته أيامك الغر التي # أيام غيرك عندهن ليالي‏

قال الشريف المرتضى رضي الله عنه في الغرر و الدرر المعروف بالامالي بعد ذكر الأبيات السبعة التي أولها (لما قضى) و آخرها (متفرغ) من عجيب الأمور ان أبا العباس أحمد بن عبد الله بن عمار ينشد هذه الأبيات المفرطة في الحس في جملة مقابح أبي تمام و ما خرجه بزعمه من سقطه و غلطه و يقول في عقبها و لم نسمع في شعر وصف فيه مصلوب باغث من هذا الوصف، و أين كان عن مثل قول إبراهيم بن المهدي يصف صلب بابك في قصيدة يمدح بها المعتصم :

ما زال يعنف بالنعمى فنفرها # عند الغموط و وافته الاراصيد

حتى علا حيث لا ينحط مجتمعا # كما علا أبدا ما أورق العود

يا بقعة ضربت فيها علاوته # و عنقه و ذوت أغصانه الميد

بوركت أرضا و أوطانا مباركة # ما عنك في الأرض للتقديس تعميد

لو تقدر الأرض حجتك البلاد فلا # يبقى على الأرض إلا حج جلمود

لم يبك إبليس الا حين أبصره # في زيه و هو فوق الفيل مصفود

كناقة النحر تزهى تحت زينتها # و حد شفرتها للنحر محدود

ما كان أحسن قول الناس يومئذ # أ يوم بابك هذا أم هو العيد

صيرت جثته جيدا لباسقة # جرداء و الرأس منه ما له جيد

فاض يلعب هوج العاصفات به # على الطريق صليبا طرفه عود

كأنه شلو كبش و الهواء له # تنور شاوية و الجذع سفود

قال المرتضى : و هكذا ينبغي ان يطعن على أبيات أبي تمام من يستجيد هذه الأبيات و يفرط في تقريظها و ليت من جهل شيئا عدل عن الخوض فيه و الكلام عليه، فكان ذلك أستر عليه و أولى به و أبيات أبي تمام في نهاية القوة و جودة المعاني و الألفاظ و سلامة السبك و اطراد النسج و أبيات ابن المهدي مضطربة الألفاظ مختلفة النسج متفاوتة الكلام و ما فيها شي‏ء يجوز ان توضع اليد عليه الا قوله.

حتى علا حيث لا ينحط مجتمعا # كما علا أبدا ما أورق العود

و بعده البيت الأخير و ان كان بارد الألفاظ (اه) و من مختار شعره قصيدته التي مدح بها المعتصم عندو هي مدينة ببلاد الروم و كان أخبره المنجمون انها لا تفتح فغزاها و فتحها و أسر باطسا أو ناطسا بطريقها الأكبر. و كان السبب في ذلك على ما ذكره ابن الأثير ان بابك لما ضيق عليه الأفشين كتب إلى ملك الروم ان المعتصم وجه عساكره اليه و يطمعه بالخروج اليه فخرج ملك الروم في مائة ألف فبلغ زبطرة فقتل الرجال و سبى الذرية فبلغ المعتصم ذلك فاستعظمه و بلغه ان امرأة هاشمية 454 صاحت و هي اسيرة في أيدي الروم وا معتصماه فأجابها و هو جالس على سريره لبيك لبيك و نهض من ساعته و سال أي بلاد الروم امنع و أحصن فقيل عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام فسار حتى فتحها فقال أبو تمام قصيدة يمدحه و يذكر كذب المنجمين و فتح عمورية و هي نحو من سبعين بيتا و يقال انه اجازه على كل بيت منها بالف درهم و أولها

السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد و اللعب

بيض الصفائح لاسود الصحائف في # متونهن جلاء الشك و الريب

و العلم في شهب الأرماح لامعة # بين الخميسين لا في السبعة الشهب

أين الرواية بل اين النجوم و ما # صاغوه من زخرف فيها و من كذب

تخرصا و أحاديثا ملفقة # ليست بنبع إذا عدت و لا غرب (1)

عجائبا زعموا الأيام مجفلة # عنهن في صفر الاصفار أو رجب

و خوفوا الناس من دهياء مظلمة # إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب

و صيروا الابرج العليا مرتبة # ما كان منقلبا أو غير منقلب

يقضون بالأمر عنها و هي غافلة # ما دار في فلك منها و في قطب

لو بينت قط امرا قبل موقعه # لم يخف ما حل بالأوثان و الصلب

فتح الفتوح تعالى ان يحيط به # نظم من الشعر أو نثر من الخطب

فتح تفتح أبواب السماء له # و تبرز الأرض في أثوابها (ابرادها) القشب

يا يوم‏انصرفت # عنك المنى حفلا معسولة الحلب

أبقيت جد بني الإسلام في صعد # و المشركين و دار الشرك في صبب

أم لهم لو رجوا ان تفتدى جعلوا # فداءها كل أم برة (منهم) و أب

و برزة الوجه قد أعيت رياضتها # كسرى و صدت صدودا عن أبي كرب (2)

من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد # شابت نواصي الليالي و هي لم تشب

بكر فما افترعتها كف حادثة # و لا ترقت إليها همة النوب

جرى لها الفال نحسا يوم انقرة # إذ غودرت وحشة الساحات و الرحب

لما رأت أختها بالأمس قد خربت # كان الخراب لها أعدى من الجرب

لقد تركت أمير المؤمنين بها # للنار يوما وكيل الصخر و الخشب

فالشمس طالعة من ذا و قد أفلت # و الشمس واجبة من ذا و لم تجب

غادرت فيها بهيم الليل و هو ضحى # يشله وسطها صبح من اللهب

حتى كان جلابيب الدجى رغبت # عن لونها و كان الشمس لم تغب

ضوء من النار و الظلماء عاكفه # و ظلمة من دخان في ضحى شجب

ما ربع ميتة معمورا يطيف به # غيلان أبهى ربي من ربعها الخرب (3)

و لا الخدود و لو أدمين من خجل # أشهى إلى ناظر من خدها الترب

سماجة غنيت منها العيون بها # عن كل حسن بدا أو منظر عجب

و حسن منقلب تبدو (تبقي) عواقبه # جاءت بشاشته عن سوء منقلب

تدبير معتصم بالله منتقم # لله مرتقب في الله مرتهب (مرتغب)

و مطعم النصل لم تسكن اسنته # يوما و لا حجبت عن روح محتجب

لم يغز (يرم) قوما و لم ينهض (ينهد) إلى بلد # الا تقدمه جيش من الرعب

لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدا # من نفسه وحدها في جحفل لجب

رمى بك الله برجيها فهدمها # و لو رمى بك غير الله لم يصب

أمانيا سلبتهم نجح هاجسها # ظبي السيوف و أطراف القنا السلب

ان الحمامين من بيض و من سمر # دلو الحياتين من ماء و من عشب

لبيت صوتا زبطريا (4) هرقت له # كاس الكرى و رضاب الخرد العرب

أجبته معلنا بالسيف منصلتا # و لو أجبت بغير السيف لم تجب

لما رأى الحرب رأى العين توفلس # و الحرب مشتقة المعنى من الحرب‏

____________

(1) النبع شجر الرماح و الغرب شجر القي -المؤلف-

(2) أبو كرب أحد ملوك اليمن -المؤلف-

(3) غيلان هو ذو الرمة و قد أحسن في وصف ربع مية في شعره. -المؤلف-

(4) إشارة إلى صوت الهاشمية التي نادت في زبرطة و هي اسيرة في يد الروم وا معتصماه فلما بلغه قال لبيك لبيك-المؤلف-