الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
455

و معه الخلع ليطمئنّ و يأتيه و هو غير محتاط و لا مستعدّ للامتناع منه، فلمّا وصل الرسول علم أنّ ذلك مكيدة عليه لما يعرفه من عادته، فأخذ ما يعزّ عليه، و صعد إلى قلعة منيعة فتحصّن بها، و جعل من يثق به‏[1]من أصحابه في الحصون يمتنعون بها، و أرسل إلى جلال الدين يقول: إنّني أنا العبد و المملوك، و لمّا سمعت بمسيرك إلى هذه البلاد أخليتها لك لأنّها بلادك، و لو علمت أنّك تبقي عليّ لحضرت بابك، و لكنّي أخاف هذا جميعه، و الرسول‏يحلف له‏ (1)

أنّ جلال الدين بتفليس، و هو لا يلتفت إلى قوله، فعاد الرسول، فعلم جلال الدين أنّه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون لأنّه يحتاج‏[أن‏]يحصرها مدّة طويلة، فوقف بالقرب من أصفهان، و أرسل إليه الخلع، و أقرّه على ولايته.

فبينما الرسل تتردّد إذ وصل رسول من وزير جلال الدين إليه من تفليس يعرّفه أنّ عسكر الملك الأشرف الّذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره و أوقعوا بهم، و يحثّه على العود إلى تفليس، فعاد إليها مسرعا.

ذكر الحرب بين عسكر الأشرف و عسكر جلال الدين‏

لمّا سار جلال الدين إلى كرمان ترك بمدينة تفليس عسكرا مع وزيره شرف الملك، فقلّت عليهم الميرة، فساروا إلى أعمال أرزن الروم، فوصلوا إليها، و نهبوها، و سبوا النساء، و أخذوا من الغنائم شيئا كثيرا لا يحصى، و عادوا فكان طريقهم على أطراف ولاية خلاط، فسمع النائب عن الأشرف [1] إليه.

____________

(1) nitseeD (1) .

456

بخلاط، و هو الحاجب حسام الدين على الموصل، فجمع العسكر و سار إليهم، فأوقع بهم، و استنقذ ما معهم من الغنائم، و غنم كثيرا ممّا معهم، و عاد هو و عساكره سالمين.

فلمّا فعل ذلك خاف وزير جلال الدين منهم، فأرسل إلى صاحبه بكرمان يعرّفه الحال، و يحثّه على العود إليه، و يخوّفه عاقبة التواني و الإهمال، فرجع فكان ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر وفاة الخليفة الظاهر بأمر اللََّه‏

في هذه السنة، في الرابع عشر من رجب، توفّي الإمام الظاهر بأمر اللََّه أمير المؤمنين أبو نصر محمّد بن الناصر لدين اللََّه أبي العبّاس أحمد بن المستضي‏ء بأمر اللََّه، و قد تقدّم نسبه عند وفاة أبيه، رضي اللََّه عنهما، فكانت خلافته تسعة أشهر و أربعة و عشرين يوما، و كان نعم الخليفة، جمع الخشوع مع الخضوع لربّه، و العدل و الإحسان إلى رعيّته، و قد تقدّم عند ذكر ولايته الخلافة من أفعاله ما فيه كفاية، و لم يزل كلّ يوم يزداد من الخير و الإحسان إلى الرعيّة، فرضي اللََّه عنه و أرضاه، و أحسن منقلبه و مثواه، فلقد جدّد من العدل ما كان دارسا، و أذكر من الإحسان ما كان منسيّا.

و كان قبل وفاته أخرج توقيعا إلى الوزير بخطّه ليقرأه على أرباب الدولة، و قال الرسول: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم، أو نفّذ مناك، ثمّ لا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، فقرءوه، فإذا في أوّله بعد البسملة:

اعلموا أنّه ليس إمهالنا إهمالا، و لا إغضاؤنا إغفالا، و لكن لنبلوكم‏

457

أيّكم أحسن عملا، و قد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد، و تشريد الرّعايا، و تقبيح السّمعة، و إظهار الباطل الجليّ في صورة الحقّ الخفيّ حيلة و مكيدة، و تسمية الاستئصال و الاجتياح‏[1]استيفاء و استدراكا لأغراض انتهزتم فرصتهامختلسة من براثن ليث باسل، و أنياب أسد مهيب، تتّفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد و أنتم أمناؤه و ثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم، و تمرجون باطلكم بحقّه، فيطيعكم و أنتم له عاصون، و يوافقكم و أنتم له مخالفون، و الآن قد بدّل اللََّه سبحانه بخوفكم أمنا، و بفقركم غنى‏[2]، و بباطلكم حقّا، و رزقكم سلطانا يقيل العثرة و يقبل المعذرة، و لا يؤاخذ إلاّ من أصرّ، و لا ينتقم إلاّ ممّن استمرّ، يأمركم بالعدل و هو يريده منكم، و ينهاكم عن الجور و هو يكرهه لكم، يخاف اللََّه تعالى، فيخوّفكم مكره، و يرجو اللََّه تعالى، و يرغّبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء اللََّه في أرضه و أمنائه على خلقه و إلاّ هلكتم، و السلام.

و لمّا توفّي وجدوا في بيت، في داره، ألوف رقاع كلّها مختومة لم يفتحها، فقيل له ليفتحها، فقال: لا حاجة لنا فيها، كلّها سعايات.

و لم أزل، علم اللََّه سبحانه، مذ ولي الخلافة، أخاف عليه قصر المدّة لخبث الزمان و فساد أهله، و أقول لكثير من أصدقائنا: و ما أخوفني أن تقصر مدّة خلافته، لأنّ زماننا و أهله لا يستحقّون خلافته، فكان كذلك.

[1] و الاحتياج.

[2] غنا.

458

ذكر خلافة ابنه المستنصر باللََّه‏

لمّا توفّي الظاهر بأمر اللََّه بويع بالخلافة ابنه الأكبر أبو جعفر المنصور، و لقب المستنصر باللََّه، و سلك في الخير و الإحسان إلى الناس سيرة أبيه، رضي اللََّه عنه، و أمر فنودي ببغداد بإفاضة العدل، و إنّ من كان له حاجة، أو مظلمة يطالع بها، تقضى حاجته، و تكشف مظلمته.

فلمّا كان أوّل جمعة أتت على خلافته أراد أن يصلّي الجمعة في المقصورة التي كان يصلّي فيها الخلفاء، فقيل له إن المطبق الّذي يسلك فيه إليها خراب لا يمكن سلوكه، فركب فرسا و سار إلى الجامع، جامع القصر، ظاهرا يراه الناس بقميص أبيض و عمامة بيضاء، بسكاكين حرير، و لم يترك أحدا يمشي معه بل أمر كلّ من أراد أن يمشي معه من أصحابه بالصلاة في‏[1] الموضع الّذي كان يصلّي فيه، و سار هو و معه خادمان و ركابدار لا غير، و كذلك الجمعة الثانية حتّى أصلح له المطبق.

و كان السعر قد تحرّك بعد وفاة الظاهر بأمر اللََّه، رضي اللََّه عنه، فبلغت الكارة ثمانية عشر قيراطا، فأمر أن تابع الغلاّت التي له كلّ كارة بثلاثة عشر قيراطا، فرخصت الأسعار و استقامت الأمور.

ذكر الحرب بين كيقباذ و صاحب آمد

في هذه السنة، في شعبان، سار علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو [ابن‏]قلج أرسلان، ملك بلاد الروم، إلى بلاد الملك المسعود، صاحب آمد، [1]إلى.

459

و ملك عدّة من حصونه.

و سبب ذلك ما ذكرناه من اتّفاق صاحب آمد مع جلال الدين بن خوارزم شاه و الملك المعظّم، صاحب دمشق، و غيرهما على خلاف الأشرف، فلمّا رأى الأشرف ذلك أرسل إلى كيقباذ، ملك الروم، و كانا متّفقين، يطلب منه أن يقصد بلد صاحب آمد و يحاربه، و كان الأشرف حينئذ على ماردين، فسار ملك الروم إلى ملطية، و هي له، فنزل عندها، و سيّر العساكر إلى ولاية صاحب آمد، [ففتحوا حصن منصور و حصن سمكاراد و غيرهما، فلمّا رأى صاحب آمد] (1) ذلك راسل الأشرف، و عاد إلى موافقته، فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرّفه ذلك، و يقول له ليعيد إلى صاحب آمد ما أخذ منه، فلم يفعل، و قال: لم أكن نائبا للأشرف يأمرني و ينهاني.

فاتّفق أنّ الأشرف سار إلى دمشق ليصلح أخاه الملك المعظّم، و أمر العساكر التي له بديار الجزيرة بمساعدة صاحب آمد، إن أصرّ ملك الروم على قصده، فسارت عساكر الأشرف إلى صاحب آمد و قد جمع عسكره و من ببلاده ممّن يصلح للحرب و سار إلى عسكر ملك الروم‏و هم يحاصرون قلعة الكختا بعد الهزيمة، و هي من أمنع الحصون و المعاقل، فلمّا ملكوها عادوا إلى صاحبهم.

ذكر حصر جلال الدين مدينتي آني و قرس‏

في هذه السنة، في رمضان، عاد جلال الدين من كرمان، كما ذكرناه، إلى تفليس، و سار منها إلى مدينة آني، و هي للكرج، و بها إيواني مقدّم

____________

(1) . 740.

460

عساكر الكرج فيمن بقي معه من أعيان الكرج، [فحصره و سيّر طائفة من العسكر إلى مدينة قرس و هي للكرج‏]أيضا، و كلاهما من أحصن البلاد و أمنعها، فنازلهما و حصرهما، و قاتل من بهما، و نصب عليهما المجانيق، و جدّ في القتال عليهما، و حفظهما الكرج، و بالغوا في الحفظ و الاحتياط لخوفهم منه أن يفعل بهم ما فعل بأشياعهم من قبل بمدينة تفليس، و أقام عليهما إلى أن مضى بعض شوّال، ثمّ ترك العسكر عليهما يحصرونهما و عاد إلى تفليس.

و سار من تفليس مجدّا إلى بلاد انجاز و بقايا الكرج، فأوقع بمن فيها، فنهب، و قتل، و سبى، و خرّب البلاد و أحرقها، و غنم عساكره ما فيها، و عاد منها إلى تفليس.

ذكر حصر جلال الدين خلاط

قد ذكرنا أنّ جلال الدين عاد من مدينة آني إلى تفليس و دخل بلاد انجاز، و كان رحيله مكيدة لأنّه بلغه أنّ النائب عن الملك الأشرف، و هو الحاجب حسام الدين عليّ بمدينة خلاط، قد احتاط، و اهتمّ بالأمر و حفظ البلد لقربه منه، فعاد إلى تفليس ليطمئنّ أهل خلاط و يتركوا[1] الاحتياط و الاستظهار ثمّ يقصدهم بغتة، فكانت غيبته ببلاد انجاز عشرة أيّام، و عاد، و سار مجدّا يطوي المراحل على عادته، فلو لم يكن عنده من يراسل نوّاب الأشرف بالأخبار لفجأهم‏[2] على حين غفلة منهم، و إنّما كان عنده بعض ثقاته يعرّفهم أخباره، [1] و تركوا.

[2] لفجئهم. ـ

461

و كتب إليهم فوصل الخبر إليهم قبل وصوله بيومين.

و وصل جلال الدين فنازل مدينة ملازكرد يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة، ثمّ رحل عنها، فنازل مدينة خلاط يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة، فلم يزل حتّى زحف إليها، و قاتل أهلها قتالا شديدا، فوصل عسكره سور البلد، و قتل بينهم قتلى كثيرة، ثمّ زحف إليها مرّة ثانية، و قاتل أهل البلد قتالا عظيما، فعظمت نكاية[1] العسكر في أهل خلاط، و وصلوا إلى سور البلد، و دخلوا الربض الّذي له، و مدوّا أيديهم في النهب و سبي الحريم.

فلمّا رأى أهل خلاط ذلك تذامروا، و حرّض بعضهم بعضا، فعادوا إلى العسكر فقاتلوهم فأخرجوهم من البلد، و قتل بينهم خلق كثير، و أسر العسكر الخوارزميّ من أمراء خلاط جماعة، و قتل منهم كثير، و ترجّل الحاجب عليّ، و وقف في نحر العدوّ، و أبلى بلاء عظيما.

ثمّ إنّ جلال الدين استراح عدّة أيّام، و عاود الزحف مثل أوّل يوم، فقاتلوه حتّى أبعدوا عسكره عن البلد، و كان أهل خلاط مجدّين في القتال، حريصين على المنع عن أنفسهم، لما رأوا من سوء سيرة الخوارزميّين و نهبهم البلاد، و ما فيهم من الفساد، فهم يقاتلون قتال من يمنع عن نفسه و حريمه و ماله، ثمّ أقام عليها إلى أن اشتدّ البرد، و نزل شي‏ء من الثلج، فرحل عنها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجّة من السنة، و كان سبب رحيله مع خوف الثلج ما بلغه عن التركمان الإيوانيّة من الفساد ببلاده.

[1] فعظم نكامه.

462

ذكر إيقاع جلال الدين بالتركمان الإيوانيّة

كان التركمان الإيوانيّة قد تغلّبوا على مدينة أسنة و أرمية، من نواحي أذربيجان، و أخذوا الخراج من أهل خويّ ليكفّوا عنهم، و اغترّوا باشتغال جلال الدين بالكرج، و بعدهم بخلاط، و ازداد طمعهم، و انبسطوا بأذربيجان ينهبون، و يقطعون الطريق، و الأخبار تأتي إلى خوارزم شاه جلال الدين بن خوارزم شاه، و هو يتغافل عنهم لاشتغاله بما هو المهمّ عنده، و بلغ من طمعهم أنّهم قطعوا الطريق بالقرب من تبريز، و أخذوا من تجار أهلها شيئا كثيرا، و من جملة ذلك أنّهم‏[1] اشتروا غنما من أرزن الروم و قصدوا بها تبريز، فلقيهم الإيوانيّة قبل وصولهم إلى تبريز، فأخذوا جميع ما معهم، و من جملته عشرون ألف رأس غنم.

فلمّا اشتدّ ذلك على الناس و عظم الشرّ أرسلت زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل و نوّابه في البلاد إليه يستغيثون، و يعرّفونه أنّ البلاد قد خرّبها الإيوانيّة، و لئن لم يلحقها، و إلاّ هلكت بالمرّة.

فاتّفق هذا إلى خوف الثلج، فرحل عن خلاط، و جدّ السير إلى الإيوانيّة، و هم آمنون مطمئنّون، لعلمهم أنّ خوارزم شاه على خلاط، و ظنّوا أنّه لا يفارقها، فلو لا هذا الاعتقادلصعدوا إلى جبال لهم منيعة شاهقة لا يرتقى إليها إلاّ بمشقّة و عناء، فإنّهم كانوا إذا خافوا صعدوا إليها و امتنعوا بها، فلم يرعهم إلاّ و العساكر الجلاليّة قد أحاطت بهم، و أخذهم السيف من كلّ جانب، فأكثروا القتل فيهم، و النهب، و السبي، و استرقّوا الحريم و الأولاد، و أخذوا من عندهم ما لا يدخل تحت الحصر، فرأوا كثيرا من الأمتعة التي [1] أن منهم.

463

أخذوها من التجار بحالها في الشّذوات، هذا سوى ما كانوا قد حلّوه و فصلوه، فلمّا فرغ عاد إلى تبريز.

ذكر الصلح بين المعظّم و الأشرف‏

نبتدئ بذكر سبب الاختلاف، فنقول: لمّا توفّي الملك العادل أبو بكر ابن أيّوب، اتّفق أولاده الملوك بعده اتّفاقا حسنا، و هم: الملك الكامل محمّد، صاحب مصر، و الملك المعظّم عيسى، صاحب دمشق، و الملك الأشرف موسى، و هو صاحب ديار الجزيرة و خلاط، و اجتمعت كلمتهم على دفع الفرنج عن الديار المصريّة.

و لمّا رحل الكامل عن دمياط لمّا كان الفرنج يحصرونها، صادفه أخوه المعظّم من الغد، و قويت نفسه، و ثبت قدمه، و لو لا ذلك لكان الأمر عظيما، و قد ذكرنا ذلك مفصّلا، ثمّ إنّه عاد من مصر و سار إلى أخيه الأشرف ببلاد الجزيرة مرّتين يستنجده على الفرنج، و يحثّه على مساعدة أخيهما الكامل، و لم يزل به حتّى أخذه و سار إلى مصر، و أزالوا الفرنج عن الديار المصريّة، كما ذكرناه قبل، فكان اتّفاقهم على الفرنج سببا لحفظ بلاد الإسلام، و سرّ الناس أجمعون بذلك.

فلمّا فارق الفرنج مصر و عاد كلّ من الملوك أولاد العادل إلى بلده بقوا كذلك يسيرا، ثمّ سار الأشرف إلى أخيه الكامل بمصر، فاجتاز بأخيه المعظّم بدمشق، فلم يستصحبه معه، و أطال المقام بمصر، فلا شكّ أنّ المعظّم ساءه ذلك.

ثمّ إنّ المعظّم سار إلى مدينة حماة و حصرها، فأرسل إليه أخواه من مصر و رحّلاه عنها كارها، فازداد نفورا، و قيل: إنّه نقل إليه عنهما أنّهما اتّفقا عليه، و اللََّه أعلم بذلك.

464

ثمّ انضاف إلى ذلك أنّ الخليفة الناصر لدين اللََّه، رضي اللََّه عنه، كان قد استوحش من الكامل لما فعله ولده صاحب اليمن من الاستهانة بأمير الحاجّ العراقيّ، فأعرض عنه و عن أخيه الأشرف لاتّفاقهما، و قاطعهما، و راسل مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين عليّ، صاحب إربل، يعلمه بانحرافه عن الأشرف، و استماله، و اتّفقا على مراسلة المعظّم، و تعظيم الأمر عليه، فمال إليهما، و انحرف عن إخوته.

ثمّ اتّفق ظهور جلال الدين و كثرة ملكه، فاشتدّ الأمر على الأشرف بمجاورة جلال الدين خوارزم شاه ولاية خلاط، و لأنّ المعظّم بدمشق يمنع عنه عساكر مصر أن تصل إليه، و كذلك عساكر حلب و غيرها من الشام، فرأى الأشرف‏أن يسير إلى أخيه المعظّم بدمشق، فسار إليه في شوّال و استماله و أصلحه، فلمّا سمع الكامل بذلك عظم عليه، ثمّ إنّهما راسلاه، و أعلماه بنزول جلال الدين على خلاط، و عظّما الأمر عليه، و أعلماه أنّ هذه الحال تقتضي الاتّفاق لعمارة البيت العادليّ، و انقضت السنة و الأشرف بدمشق و الناس على مواضعهم ينتظرون خروج الشتاء ما يكون من الخوارزميّين، و سنذكر ما يكون سنة أربع و عشرين و ستّمائة إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر الفتنة بين الفرنج و الأرمن‏

في هذه السنة جمع البرنس الفرنجيّ، صاحب أنطاكية، جموعا كثيرة و قصد الأرمن الذين في الدروب بلاد ابن ليون، فكان بينهم حرب شديدة.

و سبب ذلك أنّ ابن ليون الأرمنيّ، صاحب ادروب، توفّي قبل و لم يخلّف ولدا ذكرا، إنّما خلّف بنتا، فملّكها الأرمن عليهم، ثمّ علموا أنّ الملك لا يقوم بامرأة، فزوّجوها من ولد البرنس، فتزوّجها، و انتقل إلى‏

465

بلدهم، و استقرّ في الملك نحو سنة، ثمّ ندموا على ذلك، و خافوا أن يستولي الفرنج على بلادهم، فثاروا بابن البرنس، فقبضوا عليه و سجنوه، فأرسل أبوه يطلب أن يطلق و يعاد في الملك، فلم يفعلوا، فأرسل إلى بابا ملك الفرنج برومية الكبرى يستأذنه في قصد بلادهم، و ملك رومية هذا أمره عند الفرنج لا يخالف، فمنعه عنهم، و قال: إنّهم أهل ملّتنا، و لا يجوز قصد بلادهم، فخالفه و أرسل‏[إلى‏]علاء الدين كيقباذ ملك قونية و ملطية و ما بينهما من بلاد المسلمين، و صالحه، و وافقه على قصد بلاد ابن ليون، و الاتّفاق على قصدها، فاتّفقا على ذلك، و جمع البرنس عساكره ليسير إلى بلاد الأرمن، فخالف عليه الداويّة و الاسبتاريّة، و هما جمرة الفرنج، فقالوا: إنّ ملك رومية نهانا عن ذلك، إلاّ أنّه أطاعه غيرهم، فدخل أطراف بلاد الأرمن، و هي مضايق و جبال وعرة، فلم يتمكّن من فعل ما يريد.

و أمّا كيكاوس، فإنّه قصد بلاد الأرمن من جهته، و هي أسهل من جهة الشام، فدخلها سنة اثنتين و عشرين و ستّمائة، فنهبها، و أحرقها، و حصر عدّة حصون، ففتح أربعة حصون، و أدركه الشتاء فعاد عنها.

فلمّا سمع بابا ملك الفرنج برومية أرسل إلى الفرنج بالشام يعلمهم أنّه قد حرم البرنس، فكان الداويّة و الاسبتاريّة و كثير من الفرسان لا يحضرون معه، و لا يسمعون قوله، و كان أهل بلاده، و هي أنطاكية و طرابلس، إذا جاءهم عيد يخرج من عندهم، فإذا فرغوا من عيدهم دخل البلد.

ثمّ إنّه أرسل إلى ملك رومية يشكو من الأرمن، و أنّهم لم يطلقوا ولده، و يستأذنه في أن يدخل بلادهم و يحاربهم إن لم يطلقوا ابنه، فأرسل إلى الأرمن يأمرهم بإطلاق ابنه و إعادته إلى الملك، فإن فعلوا و إلاّ فقد أذن له في قصد بلادهم، فلمّا بلغتهم الرسالة لم يطلقوا ولده، فجمع البرنس و قصد بلاد الأرمن، فأرسل الأرمن إلى الأتابك شهاب الدين بحلب يستنجدونه، و يخوّفونه‏

466

من البرنس إن استولى على بلادهم لأنّها تجاور أعمال حلب، فأمدّهم بجند و سلاح.

فلمّا سمع البرنس ذلك صمّم العزم على قصد بلادهم، فسار إليهم و حاربهم، فلم يحصل على غرض، فعاد عنهم.

حدّثني بهذا رجل من عقلاء النصارى ممّن دخل تلك البلاد و عرف حالها، و سألت غيره، فعرف البعض و أنكر البعض.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة انخسف القمر مرّتين: أولاهما ليلة رابع عشر صفر، و فيها كانت أعجوبة[1] بالقرب من الموصل حامّة تعرف بعين القيّارة، شديدة الحرارة، تسمّيها الناس عين ميمون، و يخرج مع الماء قليل من القار، فكان الناس يسبحون فيها دائما في الربيع و الخريف، لأنّها تنفع من الأمراض الباردة، كالفالج و غيره، نفعا عظيما، فكان من يسبح فيها يجد الكرب الشديد من حرارة الماء، ففي هذه السنة برد الماء فيها، حتّى كان السابح فيها يجد البرد، فتركوها و انتقلوا إلى غيرها.

و فيها كثرت الذئاب و الخنازير و الحيّات، فقتل كثير، فلقد بلغني أن ذئبا دخل الموصل فقتل فيها، و حدّثني صديق لنا له بستان بظاهر الموصل أنه قتل فيه، في سنة اثنتين و عشرين و ستّمائة، جميع الصيف حيّتين، و قتل هذه السنة إلى أوّل حزيران سبع حيّات لكثرتها.

[1]-عجوبة.

467

و فيها انقطع المطر بالموصل و أكثر البلاد الجزريّة من خامس شباط إلى ثاني عشر نيسان، و لم يجر شي‏ء يعتدّ به، لكنّه سقط اليسير منه في بعض القرى، فجاءت الغلاّت قليلة، ثمّ خرج الجراد الكثير، فازداد الناس أذى، و كانت الأسعار قد صلحت شيئا، فعادت لكثرة الجراد فغلت، و نزل أيضا في أكثر القرى برد كبير أهلك زروع أهلها و أفسدها، و اختلفت أقاويل الناس في أكبره، كان وزن بردة مائتي درهم، و قيل رطل، و قيل غير ذلك، إلاّ أنّه أهلك كثيرا من الحيوان، و انقضت هذه السنة و الغلاء باق و أشدّه بالموصل.

و فيها اصطاد صديق لنا أرنباه فرآه و له أنثيان و ذكر و فرج أنثى، فلمّا شقّوا بطنها رأوا فيها حريفين، سمعت هذا منه و من جماعة كانوا معه، و قالوا: ما زلنا نسمع أنّ الأرنب يكون سنة ذكرا و سنة أثنى، و لا نصدق ذلك، فلمّا رأينا هذا علمنا أنّه قد حمل، و هو أنثى، و انقضت السنة فصار ذكرا، فإن كان كذلك و إلاّ فيكون في الأرانب كالخنثى في بني آدم، يكون لأحدهم فرج الرجل و فرج الأنثى، كما أنّ الأرنب تحيض كما تحيض النّساء، فإنّي كنت بالجزيرة، و لنا جار له بنت اسمها صفيّة، فبقيت كذلك نحو خمس‏[1] عشرة سنة، و إذا قد طلع لها ذكر رجل، و نبتت لحيته، فكان له فرج امرأة و ذكر رجل.

و فيها ذبح إنسان عندنا رأس غنم، فوجد لحمه مرّا شديد المرارة، حتّى رأسه و أكارعه و معلاقه و جميع أجزائه، و هذا ما لم يسمع بمثله.

و فيها يوم الأربعاء الخامس و العشرين‏[2] من ذي القعدة، ضحوة النهار، زلزلت الأرض بالموصل و كثير من البلاد العربيّة و العجميّة، و كان أكثرها [1] خمسة.

[2] و العشرون.

468

بشهرزور، فإنّها خرب أكثرها، و لا سيّما القلعة، فإنّها أجحفت بها، و خرب من تلك الناحية ستّ قلاع، و بقيت الزلزلة تتردّد فيها نيّفا و ثلاثين يوما، ثمّ كشفها اللََّه عنهم، و أمّا القرى بتلك الناحية فخرب أكثرها.

و فيها، في رجب، توفّي القاضي حجّة الدين أبو منصور المظفّر بن عبد القاهر بن الحسن بن عليّ بن القاسم الشهرزوريّ، قاضي الموصل، بها، و كان قد أضرّ قبل وفاته بنحو سنتين، و كان عالما بالقضاء، عفيفا، نزها، ذا رئاسة كبيرة[1]، و له صلات دارّة للمقيم‏[2] و الوارد، رحمه اللََّه، فلقد كان من محاسن الدنيا، و لم يخلّف غير بنت توفّيت بعده بثلاثة أشهر.

[1] كثيرة.

[2] للقيم.

469

624 ثم دخلت سنة أربع و عشرين و ستمائة

ذكر دخول الكرج مدينة تفليس و إحراقها

في هذه السنة، في ربيع الأوّل، وصل الكرج مدينة تفليس، و لم يكن بها من العسكر الإسلاميّ من يقوم بحمايتها، و سبب ذلك أنّ جلال الدين لمّا عاد من خلاط، كما ذكرنا قبل، و أوقع بالإيوانيّة، فرّق عساكره إلى المواضع الحارّة الكثيرة المرعى، ليشتّوا بها، و كان عسكره قد أساءوا السيرة في رعيّة تفليس، و هم مسلمون، و عسفوهم، فكاتبوا الكرج‏يستدعونهم إليهم ليملكوهم البلد، فاغتنم الكرج ذلك لميل أهل البلد إليهم، و خلوّه من العسكر، فاجتمعوا، و كانوا بمدينتي قرس و آني و غيرهما من الحصون، و ساروا إلى تفليس، و كانت خالية كما ذكرناه، و لأنّ جلال الدين استضعف الكرج لكثرة من قتل منهم، و لم يظنّ فيهم حركة، فملكوا البلد، و وضعوا السيف فيمن بقي من أهله، و علموا أنّهم لا يقدرون على حفظ البلد من جلال الدين، فأحرقوه جميعه‏[1].

و أمّا جلال الدين فإنّه لمّا بلغه الخبر سار فيمن عنده من العساكر ليدركهم، فلم ير منهم أحدا، كانوا قد فارقوا تفليس لمّا أحرقوها.

[1]-فأحرقوها جميعها.

470

ذكر نهب جلال الدين بلد الإسماعيليّة

في هذه السنة قتل الإسماعيليّة أميرا كبيرا من أمراء جلال الدين‏ (1) ، و كان قد أقطعه جلال الدين مدينة كنجة و أعمالها، و كان نعم الأمير، كثير الخير، حسن السيرة، ينكر على جلال الدين ما يفعله عسكره من النهب و غيره من الشرّ.

فلمّا قتل ذلك الأمير عظم قتله على جلال الدين، و اشتدّ عليه، فسار في عساكره إلى بلاد الإسماعيليّة، من حدود ألموت إلى كردكوه، بخراسان، فخرّب الجميع، و قتل أهلها، و نهب الأموال، و سبى الحريم، و استرقّ الأولاد، و قتل الرجال، و عمل بهم الأعمال العظيمة، و انتقم منهم، و كانوا قد عظم شرّهم و ازداد ضرّهم، و طمعوا مذ خرج التتر إلى بلاد الإسلام إلى الآن، فكفّ عاديتهم و قمعهم، و لقّاهم اللََّه ما عملوا بالمسلمين.

ذكر الحرب بين جلال الدين و التتر

لمّا فرغ جلال الدين من الإسماعيليّة بلغه الخبر أنّ طائفة من التتر عظيمة قد بلغوا إلى دامغان. بالقرب من الرّيّ، عازمين على قصد بلاد الإسلام، فسار إليهم و حاربهم، و اشتدّ القتال بينهم، فانهزموا منه، فأوسعهم قتلا، و تبع المنهزمين عدّة أيّام يقتل و يأسر، فبينما هو كذلك قد أقام بنواحي الرّيّ خوفا من جمع آخر للتتر، إذ أتاه الخبر بأنّ كثيرا منهم واصلون إليه، فأقام ينتظرهم، و سنذكر خبرهم سنة خمس و عشرين و ستّمائة.

ـ

____________

(1) اسمه: tiddA. spU (1) .

471

ذكر دخول العساكر الأشرفيّة إلى أذربيجان و ملك بعضها

في هذه السنة، في شعبان، سار الحاجب عليّ حسام الدين، و هو النائب عن الملك الأشرف بخلاط، و المقدّم على عساكرها، إلى بلاد أذربيجان فيمن عنده من العساكر.

و سبب ذلك أنّ سيرة جلال الدين كانت جائرة، و عساكره طامعة في الرعايا، و كانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقيّ، و هي التي كانت زوجة أوزبك بن البهلوان، صاحب أذربيجان، فتزوّجها جلال الدين، كما ذكرناه قبل، و كانت مع أوزبك تحكم في البلاد جميعها، ليس له و لا لغيره معها حكم.

فلمّا تزوّجها جلال الدين أهملها و لم يلتفت إليها، فخافته مع ما حرمته من الحكم و الأمر و النهي، فأرسلت هي و أهل خويّ إلى حسام الدين الحاجب يستدعونه ليسلّموا البلاد، فسار و دخل البلاد، بلاد أذربيجان، فملك مدينة خويّ و ما يجاورها من الحصون التي بيد امرأة جلال الدين، و ملك مرند، و كاتبه أهل مدينة نقجوان، فمضى إليهم، فسلّموها إليه، و قويت شوكتهم بتلك البلاد، و لو داموا لملكوها جميعها، و إنّما عادوا إلى خلاط، و استصحبوا معهم زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل إلى خلاط، و سنذكر باقي خبرهم سنة خمس و عشرين‏[و ستّمائة]إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر وفاة المعظّم صاحب دمشق و ملك ولده‏

في هذه السنة توفّي الملك المعظّم عيسى ابن الملك العادل يوم الجمعة سلخ ذي القعدة، و كان مرضه دوسنطاريا، و كان ملكه لمدينة دمشق، من حين‏

472

وفاة والده الملك العادل، عشر سنين و خمسة أشهر و ثلاثة[1] و عشرين يوما.

و كان عالما بعدّة علوم، فاضلا فيها، منها الفقه على مذهب أبي حنيفة، فإنّه كان قد اشتغل به كثيرا، و صار من المتميّزين فيه، و منها علم النحو، فإنّه اشتغل به أيضا اشتغالا زائدا، و صار فيه فاضلا، و كذلك اللغة و غيرها، و كان قد أمرأن يجمع له كتاب في اللغة جامع كبير، فيه كتاب الصحاح للجوهريّ، و يضاف إليه ما فات الصحاح من التهذيب للأرمويّ و الجمهرة لابن دريد و غيرهما، و كذلك أيضا أمر بأن يرتب مسند أحمد بن حنبل على الأبواب، و يردّ كلّ حديث إلى الباب الّذي يقتضيه معناه، مثاله: أن يجمع أحاديث الطهارة، و كذلك يفعل في الصلاة و غيرها من الرقائق، و التفسير، و الغزوات، فيكون كتابا جامعا.

و كان قد سمع المسند من بعض أصحاب ابن الحصين، و نفق العلم في سوقه، و قصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، و أجرى عليهم الجرايات الوافرة، و قرّبهم، و[كان‏]يجالسهم، و يستفيد منهم، و يفيدهم، و كان يرجع إلى علم و صبر على سماع ما يكره، لم يسمع أحد ممّن يصحبه منه كلمة تسوؤه.

و كان حسن الاعتقاد يقول كثيرا: إنّ اعتقادي في الأصول ما سطّره أبو جعفر الطحاويّ، و وصّى عند موته بأن يكفن في البياض، و لا يجعل في أكفانه ثوب فيه ذهب، و أن يدفن في لحد، و لا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراءتحت السماء، و يقول في مرضه: لي عند اللََّه تعالى في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به.

و لمّا توفّي ولي بعده ابنه داود و يلقّب الملك الناصر، و كان عمره قد قارب عشرين سنة.

[1] و ثلاثا.

473

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة دام الغلاء في ديار الجزيرة، و دامت الأسعار تزيد قليلا و تنقص قليلا، و انقطع المطر جميع سباط و عشرة أيّام من آذار، فازداد الغلاء، فبلغت الحنطة كلّ مكوكين بدينار و قيراطين بالموصل، و الشعير كلّ ثلاثة مكاكيك بالموصليّ بدينار و قيراطين أيضا، و كلّ شي‏ء بهذه السنة في الغلاء.

و فيها، في الربيع، قلّ لحم الغنم بالموصل، و غلا سعره، حتّى بيع كلّ رطل لحم بالبغداديّ بحبّتين بالصّنجة، و ربّما زاد في بعض الأيّام على هذا الثمن.

و حكى لي من يتولّى بيع الغنم بالموصل أنّهم‏باعوا يوما خروفا واحدا لا غير، و في بعضها خمسة أرؤس، و في بعضها ستّة، و أقلّ و أكثر، و هذا ما لم يسمع بمثله، و لا رأيناه في جميع أعمارنا، و لا حكي لنا مثله لأنّ الربيع مظنّة رخص اللحم بها، لأنّ التركمان و الأكراد و الكيلكان ينتقلون من الأمكنة التي شتّوا بها إلى الزوزان فيبيعون الغنم رخيصا.

و كان اللحم كلّ سنة في هذا الفصل كلّ ستّة أرطال و سبعة بقيراط، صار هذه السنة الرطل بحبّتين.

و فيها عاشر آذار، و هو العشرون من ربيع الأوّل، سقط الثلج بالموصل مرّتين، و هذا غريب جدّا لم يسمع بمثله، فأهلك الأزهار التي خرجت كزهر اللوز، و المشمش، و الإجاص، و السفرجل و غيرها، و وصلت الأخبار من العراق جميعه مثل ذلك، فهلكت به أزهارها و الثمار، و هذا أعجب من حال ديار الجزيرة و الشام فإنّه أشدّ حرّا من جميعها.

و فيها ظفر جمع من التركمان، كانوا بأطراف أعمال حلب، بفارس مشهور من الفرنج الداويّة بأنطاكيّة فقتلوه، فعلم الداويّة بذلك فساروا

474

و كسبوا التركمان، فقتلوا منهم و أسروا، و غنموا من أموالهم، فبلغ إلى أتابك شهاب الدين المتولّي لأمور حلب، فراسل الفرنج، و تهدّدهم بقصد بلادهم، و اتّفق أنّ عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداويّة أيضا، فأذعنوا بالصلح، و ردّوا إلى التركمان كثيرا من أموالهم و حريمهم و أسراهم.

و فيها، في رجب، اجتمع طائفة كثيرة من ديار بكر، و أرادوا الإغارة على جزيرة ابن عمر، و كان صاحب الجزيرة قد قتل، فلمّا قصدوا بلد الجزيرة اجتمع أهل قرية كبيرة من بلد الجزيرة اسمها سلكون، و لقوهم من ضحوة النهار إلى العصر، و طال القتال بينهم، ثمّ حمل أهل القرية على الأكراد فهزموهم و قتلوا فيهم، و خرجوا و نهبوا ما معهم و عادوا سالمين.

475

625 ثم دخلت سنة خمس و عشرين و ستمائة

ذكر الخلف بين جلال الدين و أخيه‏

في هذه السنة خاف غياث الدين بن خوارزم شاه، و هو أخو جلال الدين من أبيه‏ (1) ، [أخاه‏]، و خافه معه جماعة من الأمراء، و استشعروا منه، و أرادوا الخلاص منه، فلم يتمكّنوا من ذلك إلى أن خرجت التتر، و اشتغل بهم جلال الدين، فهرب غياث الدين و من معه، و قصدوا خوزستان، و هي من بلاد الخليفة، و أرادوا الدخول في طاعة الخليفة، فلم يمكنهم النائب بها من الدخول إلى البلد، مخافة أن تكون هذه مكيدة، فبقي هناك، فلمّا طال عليه الأمر فارق خوزستان و قصد بلاد الإسماعيليّة، فوصل إليهم، و احتمى بهم و استجار بهم.

و كان جلال الدين قد فرغ من أمر التتر و عاد إلى تبريز، فأتاه الخبر و هو بالميدان يلعب بالكرة أنّ أخاه قد قصد أصفهان، فألقى الجوكان من يده، و سار مجدّا، فسمع أنّ أخاه قد قصد الإسماعيليّة ملتجئا إليهم، و لم يقصد أصفهان، فعاد إلى بلاد الإسماعيليّة لينهب بلادهم إن لم يسلّموا إليه أخاه، و أرسل يطلبه من مقدّم الإسماعيليّة، فأعاد الجواب يقول: إنّ أخاك قد قصدنا، و هو سلطان ابن سلطان، و لا يجوز لنا أن نسلمه، لكن نحن نتركه عندنا و لا نمكّنه أن يأخذ شيئا من بلادك، و نسألك أن تشفّعني فيه و الضمان

____________

(1) . من‏ tittimo

476

علينا بما قلنا، و متى كان منه ما تكره في بلادك، فبلادنا حينئذ بين يديك تفعل فيها ما تختار. فأجابهم إلى ذلك، و استحلفهم على الوفاء بذلك، و عاد عنهم و قصد خلاط، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر الحرب بين جلال الدين و التتر

في هذه السنة عاود التتر الخروج إلى الرّيّ، و جرى بينهم و بين جلال الدين حروب كثيرة اختلف الناس علينا في عددها، كان أكثرها عليه، و في الأخير كان الظفر له.

و كانت أوّل حرب بينهم عجائب غريبة، و كان هؤلاء التتر قد سخط ملكهم جنكزخان على مقدّمهم، و أبعده عنه، و أخرجه من بلاده، فقصد خراسان، فرآها خرابا، فقصد الرّيّ ليتغلّب على تلك النواحي و البلاد، فلقيه بها جلال الدين، فاقتتلوا أشدّ قتال، ثمّ انهزم جلال الدين‏و عاد ثمّ انهزم، و قصد أصفهان، و أقام بينها و بين الرّيّ، و جمع عساكره و من في طاعته، فكان فيمن أتاه صاحب بلاد فارس، و هو ابن أتابك سعد ملك بعد وفاة أبيه، كما ذكرناه، و عاد جلال الدين إلى التتر فلقيهم.

فبينما هم مصطفون كلّ طائفة مقابل الأخرى انعزل غياث الدين أخو جلال الدين فيمن وافقه من الأمراء على مفارقة جلال الدين، و اعتزلوا، و قصدوا جهة ساروا إليها، فلمّا رآهم التتر قد فارقوا العسكر ظنّوهم يريدون أن يأتوهم من وراء ظهورهم و يقاتلوهم من جهتين، فانهزم التتر لهذا الظنّ و تبعهم صاحب بلاد فارس.

و أمّا جلال الدين فإنّه لمّا رأى مفارقة أخيه إيّاه و من معه من الأمراء ظنّ‏

477

أنّ التتر قد رجعوا خديعة ليستدرجوه، فعاد منهزما، و لم يجسر[أن‏]يدخل أصفهان لئلاّ يحصره التتر، فمضى إلى سميرم.

و أمّا صاحب فارس فلمّا أبعد في أثر التتر، و لم ير جلال الدين و لا عسكره معه، خاف التتر فعاد عنهم.

و أمّا التتر فلمّا لم يروا في آثارهم أحدا يطلبهم وقفوا، ثمّ عادوا إلى أصفهان، فلم يجدوا في طريقهم من يمنعهم، فوصلوا إلى أصفهان فحصروها، و أهلها يظنّون أنّ جلال الدين قد عدم، فبينما هم كذلك و التتر يحصرونهم إذ وصل قاصد من جلال الدين إليهم يعرّفهم سلامته، و يقول: إنّي أدور حتى يجتمع إليّ من سلم من العسكر و أقصدكم و نتّفق أنا و أنتم على إزعاج التتر و ترحيلهم عنكم.

فأرسلوا إليه يستدعونه إليهم، و يعدونه النصرة و الخروج معه إلى عدوّه، و فيهم شجاعة عظيمة، فسار إليهم، و اجتمع بهم، و خرج أهل أصفهان معه، فقاتلوا التتر، فانهزم التتر أقبح هزيمة، و تبعهم جلال الدين إلى الرّيّ يقتل و يأسر، فلمّا أبعدوا عن الرّيّ أقام بها، و أرسل إليه ابن جنكزخان يقول: إنّ هؤلاء ليسوا من أصحابنا، إنّما نحن أبعدناهم عنّا، فلمّا أمن جانب جنكزخان أمن و عاد إلى أذربيجان.

ذكر خروج الفرنج إلى الشام و عمارة صيدا

و في هذه السنة خرج كثير من الفرنج من بلادهم، التي هي في الغرب من صقلّيّة و ما وراءها من البلاد، إلى بلادهم التي بالشام: عكّا و صور و غيرهما من ساحل الشام، فكثر جمعهم، و كان قد خرج قبل هؤلاء جمع آخر

478

أيضا إلاّ أنّهم لم تمكنهم‏ (1) الحركة و الشروع في أمر الحرب لأجل أنّ ملكهم الّذي هو المقدّم عليهم هو ملك الألمان، و لقبه أنبرور، قيل: معناه ملك الأمراء، و لأنّ المعظّم كان حيّا، و كان شهما شجاعا مقداما، فلمّا توفّي المعظّم، كما ذكرناه، و ولي بعده ابنه و ملك دمشق طمع الفرنج، و ظهروا من عكّا و صور و بيروت إلى مدينة صيدا، و كانت مناصفة بينهم و بين المسلمين، و سورها خراب، فعمروها، و استولوا عليها.

و إنّما تمّ لهم ذلك بسبب تخريب الحصون القريبة منها، تبنين و هونين و غيرهما. و قد تقدّم ذكر ذلك قبل مستقصى، فعظمت شوكة الفرنج، و قوي طمعهم، و استولى في طريقه على جزيرة قبرس، و ملكها، و سار منها إلى عكّا، فارتاع المسلمون لذلك، و اللََّه تعالى يخذله و ينصر المسلمين بمحمّد و آله، ثمّ إنّ ملكهم أنبرور وصل إلى الشام.

ذكر ملك كيقباذ أرزنكان‏

و في هذه السنة ملك علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، و هو صاحب قونية، و أقصروا، و ملطية، و غيرها من بلاد الروم، أرزنكان.

و سبب ملكه إيّاها أنّ صاحبها بهرام شاه كان قد طال ملكه لها، و جاوز ستّين سنة، توفّي و لم يزل في طاعة قلج أرسلان و أولاده بعده، فلمّا توفّي ملك بعده ولده علاء الدين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلب منه عسكرا ليسير معه إلى مدينة أرزن الروم ليحصرها، و يكون هو مع العسكر، ففعل ذلك، و سار في عسكره إليه، فلمّا وصل قبض عليه، و أخذ مدينة أرزنكان

____________

(1) . يمكنهم: 740 (1) .

479

منه، و له حصن من أمنع الحصون اسمه كماخ، و فيه مستحفظ لداود شاه، فأرسل إليه ملك الروم يحصره، فلم يقدر العسكر على القرب منه لعلوّه و ارتفاعه و امتناعه، فتهدّد داود شاه إن لم يسلّم كماخ، فأرسل إلى نائبة في التسليم، فسلّم القلعة إلى كيقباذ.

و أراد كيقباذ المسير إلى أرزن الروم ليأخذها و بها صاحبها ابن عمّه طغرل شاه بن قلج أرسلان، فلمّا سمع صاحبها بذلك أرسل إلى الأمير حسام الدين عليّ، النائب عن الملك الأشرف بخلاط، يستنجده، و أظهر طاعة الأشرف، فسار حسام الدين فيمن عنده من العساكر، و كان قد جمعها من الشام، و ديار الجزيرة، خوفا من ملك الروم، خافوا أنّه إذا ملك أرزن الروم يتعدّى‏[1]، و يقصد خلاط، فسار الحاجب حسام الدين إلى الروم و منع عنها.

و لمّا سمع كيقباذ بوصول العساكر إليها لم يقدم على قصدها، فسار من أرزنكان إلى بلاده، و كان قد أتاه الخبر أنّ الروم الكفّار المجاورين لبلاده قد ملكوا منه حصنا يسمّى صنوب، و هو من أحصن القلاع، مطلّ على البحر السياه بحر الخزر، فلمّا وصل إلى بلاده سيّر العسكر إليه و حصره برّا و بحرا، فاستعاده من الروم، و سار إلى أنطاكية ليشتّي بها على عادته.

ذكر خروج الملك الكامل‏

في هذه السنة، في شوّال، سار الملك الكامل محمّد ابن الملك العادل، صاحب مصر، إلى الشام، فوصل إلى البيت المقدّس، حرسه اللََّه تعالى، و جعله دار الإسلام أبدا، ثمّ سار عنه، و تولّى بمدينة نابلس، و شحّن على تلك البلاد [1] يتعدا.

480

جميعها، و كانت من أعمال دمشق، فلما سمع صاحبها، و هو ابن الملك المعظّم، خاف أن يقصده و يأخذ دمشق منه، فأرسل إلى عمّه الملك الأشرف يستنجده، و يطلبه ليحضر عنده بدمشق، فسار إليه جريدة، فدخل دمشق.

فلمّا سمع الكامل بذلك لم يتقدّم لعلمه أنّ البلد منيع، و قد صار به من يمنعه و يحميه، و أرسل إليه الملك الأشرف يستعطفه، و يعرّفه أنّه ما جاء إلى دمشق إلاّ طاعة له، و موافقة لأغراضه، و الاتّفاق معه على منع الفرنج عن البلاد، فأعاد الكامل الجواب يقول: إنّني ما جئت إلى هذه البلاد إلاّ بسبب الفرنج، فإنّهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عمّا يريدونه، و قد عمروا صيدا، و بعض قيساريّة، و لم يمنعوا، و أنت تعلم أنّ عمّنا السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدّس، فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضّي الأعصار و ممرّ الأيّام، فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر و قبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر الجميل الّذي ادّخره عمّنا، و أيّ وجه يبقى لنا عند الناس و عند اللََّه تعالى؟ ثمّ إنّهم ما يقنعون حينئذ بما أخذوه، و يتعدّون إلى غيره، و حيث قد حضرت أنت فأنا أعود إلى مصر، و احفظ أنت البلاد، و لست بالذي يقال عنّي إنّي قاتلت أخي، و حصرته، حاشا للََّه تعالى.

و تأخّر عن نابلس نحو الديار المصريّة، و نزل تلّ العجول، فخاف الأشرف و الناس قاطبة بالشام، و علموا أنّه إن عاد استولى الفرنج على البيت المقدّس و غيره ممّا يجاوره، لا مانع دونه، فتردّدت الرسل، و سار الأشرف بنفسه إلى الكامل أخيه، فحضر عنده، و كان وصوله ليلة عيد الأضحى، و منعه من العود إلى مصر، فأقاما بمكانهما.

481

ذكر نهب جلال الدين بلاد أرمينية

في هذه السنة وصل جلال الدين خوارزم شاه إلى بلاد خلاط، و تعدّى خلاط إلى صحراء موش، و جبل جور، و نهب الجميع، و سبى الحريم، و استرقّ الأولاد، و قتل الرجال، و خرّب القرى، و عاد إلى بلاده.

و لمّا وصل الخبر إلى البلاد الجزريّة: حرّان و سروج و غيرهما، أنّه قد جاز خلاط إلى جور، و أنّه قد قرب منهم، خاف أهل البلاد أن يجي‏ء إليهم، لأنّ الزمان كان شتاء، و ظنّوا أنّه يقصد الجزيرة ليشتّي بها، لأنّ البرد بها ليس بالشديد، و عزموا على الانتقال من بلادهم إلى الشام، و وصل بعض أهل سروج إلى منبج من أرض الشام، فأتاهم الخبر أنّه قد نهب البلاد و عاد، فأقاموا، و كان سبب عوده أنّ الثلج سقط ببلاد خلاط كثيرا، لم يعهد مثله، فأسرع العود.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة رخصت الأسعار بديار الجزيرة جميعها، و جاءت الغلاّت التي لهم من الحنطة و الشعير جيّدا، إلاّ أنّ الرخص لم يبلغ الأوّل الّذي كان قبل الغلاء، إنّما صارت الحنطة كلّ خمسة[1] مكاكيك بدينار، و الشعير كلّ سبعة عشر مكوكا بالموصليّ بدينار.

[1] خمس.

482

626 ثم دخلت سنة ست و عشرين و ستمائة

ذكر تسليم البيت المقدّس إلى الفرنج‏

في هذه السنة، أوّل ربيع الآخر، تسلّم الفرنج، لعنهم اللََّه، البيت المقدّس صلحا، أعاده اللََّه إلى الإسلام سريعا.

و سبب ذلك ما ذكرناه سنة خمس و عشرين و ستّمائة من خروج الأنبرور، ملك الفرنج، في البحر من داخل بلاد الفرنج إلى ساحل الشام، و كانت عساكره قد سبقته، و نزلوا بالساحل، و أفسدوا فيما يجاورهم من بلاد المسلمين، و مضى إليهم، و هم بمدينة صور، طائفة من المسلمين يسكنون الجبال المجاورة لمدينة صور و أطاعوهم، و صاروا معهم، و قوي طمع الفرنج بموت الملك المعظّم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، صاحب دمشق.

و لمّا وصل الأنبرور إلى الساحل نزل بمدينة عكّا، و كان الملك الكامل، رحمه اللََّه تعالى، ابن الملك العادل، صاحب مصر، قد خرج من الديار المصريّة يريد الشام بعد وفاة أخيه المعظّم، و هو نازل بتلّ العجول، يريد أن يملك دمشق من الناصر داود ابن أخيه المعظّم، و هو صاحبها يومئذ، و كان داود لمّا سمع بقصد عمّه الملك الكامل له قد أرسل إلى عمّه الملك الأشرف، صاحب البلاد الجزريّة، يستنجده، و يطلب منه المساعدة على دفع عمّه عنه، فسار إلى دمشق، و تردّدت الرسل بينه و بين أخيه الملك الكامل في الصلح، فاصطلحا، و اتّفقا، و سار الملك الأشرف إلى الملك الكامل و اجتمع به.

483

فلمّا اجتمعا تردّدت الرسل بينهما و بين الأنبرور، ملك الفرنج، دفعات كثيرة، فاستقرّت القاعدة على أن يسلّموا إليه البيت المقدّس و معه مواضع يسيرة من بلاده، و يكون باقي البلاد مثل الخليل، و نابلس، و الغور، و ملطية، و غير ذلك بيد المسلمين، و لا يسلّم إلى الفرنج إلاّ البيت المقدّس و المواضع التي استقرّت معه.

و كان سور البيت المقدّس خرابا[قد] (1) خرّبه الملك المعظّم، و قد [ذكرنا] (2) ذلك، و تسلّم الفرنج البيت المقدّس، و استعظم المسلمون ذلك و أكبروه، و وجدوا له من الوهن و التألم ما لا يمكن وصفه، يسرّ اللََّه فتحه و عوده إلى المسلمين بمنّه و كرمه، أمين.

ذكر ملك الملك الأشرف مدينة دمشق‏

و في هذه السنة يوم الاثنين ثاني شعبان ملك الملك الأشرف ابن الملك العادل مدينة دمشق من ابن أخيه صلاح الدين داود بن المعظّم.

و سبب ذلك ما ذكرناه أنّ صاحب دمشق لمّا خاف من عمّه الملك الكامل أرسل إلى عمّه الأشرف يستنجده، و يستعين به على دفع الكامل عنه، فسار إليه من البلاد الجزريّة، و دخل دمشق، و فرح به صاحبها و أهل البلد، و كانوا قد احتاطوا، و هم يتجهّزون للحصار، فأمر بإزالة ذلك، و ترك ما عزموا عليه من الاحتياط، و حلف لصاحبها على المساعدة و الحفظ له و لبلاده عليه، و راسل الملك الكامل و اصطلحا و ظنّ صاحب دمشق أنّه معهما في الصلح.

و سار الأشرف إلى أخيه الكامل، و اجتمعا في ذي الحجّة من سنة خمس

____________

(1) .

(2) .

484

و عشرين، يوم العيد، و سار صاحب دمشق إلى بيسان و أقام بها، و عاد الملك الأشرف من عند أخيه، و اجتمع هو و صاحب دمشق، و لم يكن الأشرف في كثرة من العسكر، فبينما هما جالسان في خيمة لهما إذ قد دخل عزّ الدين أيبك، مملوك المعظّم الّذي كان صاحب دمشق، و هو أكبر أمير مع ولده، فقال لصاحبه داود: قم اخرج و إلاّ قبضت الساعة، فأخرجه، و لم يمكن الأشرف منعه لأنّ أيبك كان قد أركب العسكر الّذي لهم جميعه، و كانوا أكثر من الذين مع الأشرف، فخرج داود و سار هو و عسكره إلى دمشق.

و كان سبب ذلك أنّ أيبك قيل له: إنّ الأشرف يريد القبض على صاحبه و أخذ دمشق منه، ففعل ذلك، فلمّا عادوا وصلت العساكر من الكامل إلى الأشرف، و سار فنازل دمشق و حصرها، و أقام محاصرا لها إلى أن وصل إليه الملك الكامل، فحينئذ اشتدّ الحصار، و عظم الخطب على أهل البلد، و بلغت القلوب الحناجر.

و كان من أشدّ الأمور على صاحبها أنّ المال عنده قليل لأنّ أمواله بالكرك، و لوثوقه بعمّه الأشرف لم يحضر منها شيئا، فاحتاج إلى أن باع حلى نسائه و ملبوسهن‏[1]، و ضاقت الأمور عليه، فخرج إلى عمّه الكامل و بذل له تسليم دمشق و قلعة الشّوبك على أن يكون له الكرك و الغور و بيسان و نابلس، و أن يبقى على أيبك قلعة صرخد و أعمالها.

و تسلّم الكامل دمشق، و جعل نائبة بالقلعة إلى أن سلّم إليه أخوه الأشرف حرّان و الرّها و الرّقة و سروج‏و رأس عين من الجزيرة، فلمّا تسلّم ذلك سلّم قلعة دمشق إلى أخيه الأشرف، فدخلها، و أقام بها، و سار الكامل إلى الديار الجزريّة فأقام بها إلى أن استدعى أخاه الأشرف بسبب حصر جلال الدين [1]-و ملبوسهم.

485

ابن خوارزم شاه مدينة خلاط، فلمّا حضر عنده بالرقة عاد الكامل إلى ديار مصر، و أمّا الأشرف فكان منه ما نذكره، إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر القبض على الحاجب عليّ و قتله‏

و في هذه السنة أرسل الملك الأشرف مملوكه عزّ الدين أيبك، و هو أمير كبير في دولته، إلى مدينة خلاط، و أمره بالقبض على الحاجب حسام الدين عليّ بن حمّاد، و هو المتولّي لبلاد خلاط و الحاكم فيها من قبل الأشرف.

و لم نعلم شيئا يوجب القبض عليه، لأنّه كان مشفقا عليه، ناصحا له، حافظا لبلاده، و حسن السيرة مع الرعيّة، و لقد وقف هذه المدّة الطويلة في وجه خوارزم شاه جلال الدين، و حفظ خلاط حفظا يعجز غيره عنه، و كان مهتمّا بحفظ بلاده، و ذابّا عنها، و قد تقدّم من ذكر قصده بلاد جلال الدين و الاستيلاء على بعضها ما يدلّ على همّة عالية، و شجاعة تامّة، و صار لصاحبه به منزلة عظيمة، فإنّ الناس يقولون: بعض غلمان الملك الأشرف يقاوم خوارزم شاه.

و كان، رحمه اللََّه، كثير الخير و الإحسان لا يمكّن أحدا من ظلم، و عمل كثيرا من أعمال البرّ، من الخانات في الطرق، و المساجد في البلاد، و بنى بخلاط بيمارستانا و جامعا، و عمل كثيرا من الطرق، و أصلحها كان يشقّ سلوكها.

فلمّا وصل أيبك إلى خلاط قبض عليه، ثمّ قتله غيلة، لأنّه كان عدوّه، و لمّا قتل ظهر أثره كفايته، فإن جلال الدين حصر خلاط بعد قبضه و ملكها، على ما نذكره إن شاء اللََّه، و لم يمهل اللََّه أيبك بل انتقم منه سريعا، فإنّ جلال‏

486

الدين أخذ أيبك أسيرا لمّا ملك خلاط مع غيره من الأمراء، فلمّا اصطلح الأشرف و جلال الدين أطلق الجميع، و ذكر أنّ أيبك قتل.

و كان سبب قتله أنّ مملوكا للحاجب عليّ كان قد هرب إلى جلال الدين، فلمّا أسر أيبك طلبه ذلك المملوك من جلال الدين ليقتله بصاحبه الحاجب عليّ، فسلّمه إليه فقتله، و بلغني أنّ الملك الأشرف رأى في المنام كأنّ الحاجب عليّا قد دخل إلى مجلس فيه أيبك فأخذ منديلا و جعله‏[1] في رقبة أيبك و أخذه و خرج، فأصبح الملك الأشرف و قال: قد مات أيبك، فإنّي رأيت في المنام كذا و كذا.

ذكر ملك الكامل مدينة حماة

و في هذه السنة، أواخر شهر رمضان، ملك الملك الكامل مدينة حماة. و سبب ذلك أنّ الملك المنصور محمّد بن تقيّ الدين عمر، و هو صاحب حماة، توفّي، على ما نذكره، و لمّا حضرته الوفاة حلّف الجند و أكابر البلد لولده الأكبر، و يلقّب بالملك المظفّر، و كان قد سيّره أبوه إلى الملك الكامل، صاحب مصر، لأنّه كان قد تزوّج بابنته، و كان لمحمّد ولد آخر اسمه قلج أرسلان، و لقبه صلاح الدين، و هو بدمشق، فحضر إلى مدينة حماة فسلّمت إليه، و استولى على المدينة و على قلعتها، فأرسل الملك‏[الكامل‏]يأمره أن يسلّم البلد إلى أخيه الأكبر، فإنّ أباه أوصى له به، فلم يفعل، و تردّدت الرسل في ذلك إلى الملك المعظّم، صاحب دمشق، فلم تقع الإجابة.

فلمّا توفّي المعظّم، و خرج الكامل إلى الشام و ملك دمشق، سيّر جيشا [1]-و جعلها.

487

إلى حماة فحصرها ثالث شهر رمضان، و كان المقدّم على هذا الجيش أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، و أمير كبير من عسكره يقال له فخر الدين عثمان، و معهما ولد محمّد بن تقيّ الدين محمّد الّذي كان عند الكامل، فبقي الحصار على البلد عدّة أيّام.

و كان الملك الكامل قد سار عن دمشق و نزل على سلميّة يريد العبور إلى البلاد الجزريّة، حرّان و غيرها، فلمّا نازلها قصده صاحب حماة صلاح الدين، و نزل إليه من قلعته، و لم يكن لذلك سبب إلاّ أمر اللََّه تعالى، فإنّ صلاح الدين قال لأصحابه: أريد النزول إلى الملك الكامل، فقالوا له: ليس بالشام أحصن من قلعتك، و قد جمعت من الذخائر ما لا حدّ له، فلأيّ شي‏ء تنزل إليه؟ليس هذا برأي، فأصرّ على النزول، و أصرّوا على منعه، فقال في آخر الأمر:

اتركوني أنزل، و إلاّ ألقيت نفسي من القلعة، فحينئذ سكتوا عنه، فنزل في نفر يسير، و وصل إلى الكامل، فاعتقله إلى أن سلّم مدينة حماة و قلعتها إلى أخيه الأكبر الملك المظفّر، و بقي بيده قلعة بارين، فإنّها كانت له، و كان هو كالباحث عن حتفه بظلفه.

ذكر حصر جلال الدين خلاط و ملكها

و في هذه السنة، أوائل شوّال، حصر جلال الدين خوارزم شاه مدينة خلاط، و هي للملك الأشرف، و بها عسكره، فامتنعوا بها، و أعانهم أهل البلد خوفا من جلال الدين لسوء سيرته، و أسرفوا في الشتم و السفه، فأخذه اللجاج معهم، و أقام عليهم جميع الشتاء محاصرا، و فرّق كثيرا من عساكره في القرى و البلاد القريبة من شدّة البرد و كثرة الثلج، فإنّ خلاط من أشدّ البلاد بردا و أكثرها ثلجا.

و أبان جلال الدين عن عزم قوي، و صبر تحار العقول منه، و نصب‏

488

عليها عدّة مجانيق، و لم يزل يرميها بالحجارة حتّى خرّبت بعض سورها، فأعاد أهل البلد عمارته، و لم يزل مصابرهم و ملازمهم إلى أواخر جمادى الأولى من سنة سبع و عشرين‏[و ستّمائة]، فزحف إليها زحفا متتابعا و ملكها عنوة و قهرا يوم الأحد الثامن و العشرين من جمادى الأولى، سلّمها إليه بعض الأمراء غدرا.

فلمّا ملك البلد صعد من فيه من الأمراء إلى القلعة التي لها و امتنعوا بها، و هو منازلهم، و وضع السيف في أهل‏[البلد]، و قتل من وجد به منهم، و كانوا قد قلّوا، فإنّ بعضهم فارقوه خوفا، و بعضهم خرج منه من شدّة الجوع، و بعضهم مات من القلّة و عدم القوت، فإنّ الناس في خلاط أكلوا الغنم، ثمّ البقر، ثمّ الجواميس، ثمّ الخيل، ثمّ الحمير، ثمّ البغال و الكلاب و السنانير، و سمعنا أنّهم كانوا يصطادون الفأر و يأكلونه، و صبروا صبرا لم يلحقهم فيه أحد.

و لم يملك من بلاد خلاط غيرها، و ما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه، و خرّبوا (1) خلاط، و أكثروا القتل فيها، و من سلم هرب في البلاد، و سبوا الحريم، و استرقّوا الأولاد، و باعوا الجميع، فتمزّقوا كلّ ممزّق، و تفرّقوا في البلاد، و نهبوا الأموال، و جرى على أهلها ما لم يسمع بمثله أحد، لا جرم لم يمهله اللََّه تعالى، و جرى عليه من الهزيمة بين المسلمين و التتر ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر عدّة حوادث‏

في أواخر هذه السنة قصد الفرنج حصن بارين بالشام، و نهبوا بلاده، و أعماله، و أسروا و سبوا، و من جملة من ظفروا به طائفة كثيرة من التركمان، فأخذوا الجميع، و لم يسلم منهم إلاّ النادر الشاذّ، و اللََّه أعلم.

____________

(1) . و جزيرة: spU .

489

627 ثم دخلت سنة سبع و عشرين و ستمائة

ذكر انهزام جلال الدين من كيقباذ و الأشرف‏

في هذه السنة، يوم السبت الثامن و العشرين من رمضان، انهزم جلال الدين ابن خوارزم شاه من عبد اللََّه بن كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، قونية، و أقصروا، و سيواس، و ملطية، و غيرها، و من الملك الأشرف، صاحب دمشق و ديار الجزيرة و خلاط.

و سبب ذلك أنّ جلال الدين كان قد أطاعه صاحب أرزن الروم، و هو ابن عمّ علاء الدين، ملك الروم، و بينه و بين ملك الروم عداوة مستحكمة، و حضر صاحب أرزن الروم عند جلال الدين على خلاط، و أعانه على حصرها، فخافهما علاء الدين، فأرسل إلى الملك الكامل، و هو حينئذ بحرّان، يطلب منه أن يحضر أخاه الأشرف من دمشق، فإنّه كان مقيما بها بعد أن ملكها، و تابع علاء الدين الرسل بذلك خوفا من جلال الدين، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف من دمشق، فحضر عنده، و رسل علاء الدين إليهما متتابعة، يحثّ الأشرف على المجي‏ء إليه و الاجتماع به، حتّى قيل إنّه في يوم واحد وصل إلى الكامل و الأشرف من علاء الدين خمسة رسل، و يطلب‏[1] مع الجميع وصول الأشرف إليه و لو وحده، فجمع عساكر الجزيرة و الشام و سار إلى علاء الدين، فاجتمعا بسيواس، و سارا نحو خلاط، فسمع جلال [1]-و يطلب.

490

الدين بهما، فسار إليهما مجدّا في السير، فوصل إليهما بمكان يعرف بباسي حمار (1) ، و هو من أعمال أرزنجان، فالتقوا هناك.

و كان مع علاء الدين خلق كثير، قيل: كانوا عشرين ألف فارس، و كان مع الأشرف نحو خمسة آلاف فارس، إلاّ أنّهم من العساكر الجيّدة الشجعان، لهم السلاح الكثير، و الدوابّ الفارهة من العربيّات، و كلّ منهم قد جرّب الحرب. و كان المقدّم عليهم أمير من أمراء عساكر حلب يقال له عزّ الدين عمر بن عليّ، و هو من الأكراد الهكّاريّة، و من الشجاعة في الدرجة العليا، و له الأوصاف الجميلة و الأخلاق الكريمة.

فلمّا التقوا بهت جلال الدين لما رأى من كثرة العساكر، و لا سيّما لمّا رأى عسكر الشام، فإنّه شاهد من تجمّلهم، و سلاحهم، و دوابّهم ما ملأ صدره رعبا، فأنشب عزّ الدين بن عليّ القتال، و معه عسكر حلب، فلم يقم لهم جلال الدين و لا صبر، و مضى منهزما هو و عسكره و تمزّقوا لا يلوي الأخ على أخيه، و عادوا إلى خلاط فاستصحبوا معهم من فيها من أصحابهم، و عادوا إلى أذربيجان فنزلوا عند مدينة خويّ، و لم يكونوا قد استولوا على شي‏ء من أعمال خلاط سوى خلاط، و وصل الملك الأشرف إلى خلاط و قد استصحبوا معهم من فيها فبقيت خاوية على عروشها، خالية من الأهل و السكّان، قد جرى عليهم ما ذكرناه قبل.

ذكر ملك علاء الدين أرزن الروم‏

قد ذكرنا أنّ صاحب أرزن الروم كان مع جلال الدين على خلاط، و لم يزل معه، و شهد معه المصافّ المذكور، فلمّا انهزم جلال الدين أخذ صاحب ـ

____________

(1) بباسي حماك. 740 (1) .

491

أرزن الروم أسيرا، فأحضر عند علاء الدين كيقباذ ابن عمّه، فأخذه، و قصد أرزن الروم، فسلّمها صاحبها إليه هي و ما يتبعها من القلاع و الخزائن و غيرها، فكان كما قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين.

و هكذا هذا المسكين جاء إلى جلال الدين يطلب الزيادة، فوعده بشي‏ء من بلاد علاء الدين، فأخذ ماله و ما بيديه من البلاد و بقي أسيرا، فسبحان من لا يزول ملكه.

ذكر الصّلح بين الأشرف و علاء الدين و بين جلال الدين‏

لما عاد الأشرف إلى خلاط، و مضى جلال الدين منهزما إلى خويّ، تردّدت الرسل بينهما، فاصطلحوا كلّ منهم على ما بيده، و استقرّت القواعد على ذلك، و تحالفوا، فلمّا استقرّ الصلح و جرت الأيمان عاد الأشرف إلى سنجار، و سار منها إلى دمشق، فأقام جلال الدين ببلاده من أذربيجان إلى أن خرج عليه التتر، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر ملك شهاب الدين غازي مدينة أرزن‏

كان حسام الدين صاحب مدينة أرزن من ديار بكر لم يزل مصاحبا للملك الأشرف، مشاهدا جميع حروبه و حوادثه، و ينفق أمواله في طاعته، و يبذل نفسه و عساكره في مساعدته، فهو يعادي أعداءه، و يوالي أولياءه.

و من جملة موافقته أنّه كان في خلاط لمّا حصرها جلال الدين، فأسره‏

492

جلال الدين، و أراد أن يأخذ منه مدينة أرزن، فقيل له: إنّ هذا من بيت قديم‏عريق في الملك، و إنّه ورث أرزن هذه من أسلافه، و كان لهم سواها من البلاد فخرج الجميع من أيديهم، فعطف عليه و رقّ له، و أبقى عليه مدينته، و أخذ عليه العهود و المواثيق أنّه لا يقاتله.

فلمّا جاء الملك الأشرف و علاء الدين محاربين لجلال الدين لم يحضر معهم في الحرب، فلمّا انهزم جلال الدين سار شهاب الدين غازي ابن الملك العادل، و هو أخو الأشرف، و له مدينة ميّافارقين، و مدينة حاني، و هو بمدينة أرزن، فحصره بها، ثمّ ملكها صلحا، و عوّضه عنها بمدينة حاني من ديار بكر.

و حسام الدين هذا نعم الرجل، حسن السيرة، كريم، جواد، لا يخلو بابه من جماعة يردون إليه يستمنحونه، و سيرته جميلة في ولايته و رعيّته، و هو من بيت قديم يقال له‏[1] بيت طغان أرسلان، كان له مع أرزن بدليس و وسطان و غيرهما، و يقال لهم بيت الأحدب، و هذه‏[2] البلاد معهم من أيّام ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقيّ، فأخذ بكتمر صاحب خلاط منهم بدليس، أخذها من عمّ حسام الدين هذا، لأنّه كان موافقا لصلاح الدين يوسف بن أيّوب، فقصده بكتمر لذلك، و بقيت أرزن بيد هذا إلى الآن، فأخذت منه، و لكلّ أوّل آخر، فسبحان من لا أوّل له و لا آخر لبقائه.

[1]-لهم.

[2]و لهذه.

493

ذكر ملك سونج قشيالوا قلعة رويندز

و في هذه السنة ظهر أمير من أمراء التركمان اسمه سونج، و لقبه شمس الدين، و اسم قبيلته قشيالوا، و قوي أمره، و قطع الطريق، و كثر جمعه، و كان بين إربل و همذان، و هو و من معه يقطعون الطريق، و يفسدون في الأرض، ثمّ إنّه تعدّى إلى قلعة منيعة اسمها سارو، و هي لمظفّر الدين، من أعمال إربل، فأخذهاو قتل عندها أميرا كبيرا من أمراء مظفّر الدين، فجمع مظفّر الدين، و أراد استعادتها منه، فلم يمكنه لحصانتها، و لكثرة الجموع مع هذا الرجل، فاصطلحا على ترك القلعة بيده.

و كان عسكر لجلال الدين بن خوارزم شاه يحصرون قلعة رويندز، و هي من قلاع أذربيجان، من أحصن القلاع و أمنعها، لا يوجد مثلها، و قد طال الحصار على من بها فأذعنوا بالتسليم، فأرسل جلال الدين بعض خواصّ أصحابه و ثقاته ليتسلّمها، و أرسل معه الخلع و المال لمن بها، فلمّا صعد ذلك القاصد إلى القلعة و تسلّمها أعطى بعض من بالقلعة، و لم يعط البعض و استذلّهم و طمع فيهم حيث استولى على الحصن، فلمّا رأى من لم يأخذ شيئا من الخلع و المال ما فعل بهم أرسلوا إلى سونج يطلبونه ليسلّموا إليه القلعة، فسار إليهم في أصحابه‏فسلّموها إليه، فسبحان من إذا أراد أمرا سهّله.

قلعة رويندز هذه لم تزل تتقاصر عنها قدرة أكابر الملوك و عظمائهم من قديم الزمان و حديثه، و تضرب الأمثال بحصانتها، لمّا أراد اللََّه سبحانه و تعالى أن يملكها هذا الرجل الضعيف سهّل له الأمور، فملكها بغير قتال و لا تعب، و أزال عنها أصحاب مثل جلال الدين الّذي كلّ ملوك الأرض تهابه و تخافه، و كان أصحابه جلال الدين، كما قيل: ربّ ساع لقاعد.

494

فلمّا ملكها سونج طمع في غيرها، و لا سيّما مع اشتغال جلال الدين بما أصابه من الهزيمة و مجي‏ء التتر، فنزل من القلعة إلى مراغة، و هي قريب منها، فحصرها، فأتاه سهم غرب فقتله، فلمّا قتل ملك‏[قلعة]رويندز أخوه، ثمّ إنّ هذا الأخ الثاني نزل من القلعة، و قصد أعمال تبريز و نهبها، و عاد إلى القلعة ليجعل فيها من ذلك النهب و الغنيمة ذخيرة خوفا من التتر، و كانوا قد خرجوا، فصادفه طائفة من التتر، فقتلوه و أخذوا ما معه من النهب، و لمّا قتل ملك القلعة ابن أخت له، و كان هذا جميعه في مدّة سنتين، فأفّ لدنيا لا تزال تتبع فرحة بترحة، و كلّ حسنة بسيّئة.

495

628 ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و ستمائة

ذكر خروج التتر إلى أذربيجان و ما كان منهم‏

في هذه السنة وصل التتر من بلاد ما وراء النهر إلى أذربيجان، و قد ذكرنا قبل كيف ملكوا ما وراء النهر، و ما صنعوه بخراسان و غيرها من البلاد، من النهب، و التخريب، و القتل، و استقرّ ملكهم بما وراء النهر، و عادت بلاد ما وراء النهر فانعمرت، و عمروا مدينة تقارب مدينة خوارزم عظيمة، و بقيت مدن خراسان خرابا لا يجسر أحد من المسلمين‏[أن‏]يسكنها.

و أمّا التتر فكانوا تغير كلّ قليل طائفة منهم ينهبون ما يرونه بها، فالبلاد خاوية على عروشها، فلم يزالوا كذلك إلى أن ظهر منهم طائفة سنة خمس و عشرين‏[و ستّمائة]، فكان بينهم و بين جلال الدين ما ذكرناه، و بقوا كذلك، فلمّا كان الآن، و انهزم جلال الدين من علاء الدين كيقباذ و من الأشرف، كما ذكرناه سنة سبع و عشرين‏[و ستّمائة]، أرسل مقدّم الإسماعيليّة الملاحدة إلى التتر يعرّفهم ضعف جلال الدين بالهزيمة الكائنة عليه، و يحثّهم على قصده عقيب الضعف، و يضمن لهم الظفر به للوهن الّذي صار إليه.

و كان جلال الدين سيّئ السيرة، قبيح التدبير لملكه، لم يترك أحدا من الملوك المجاورين له إلاّ عاداه، و نازعه الملك، و أساء مجاورته، فمن ذلك أنّه أوّل ما ظهر في أصفهان و جمع العساكر قصد خوزستان، فحصر مدينة ششتر، و هي للخليفة، و سار إلى دقوقا فنهبها، و قتل فيها فأكثر، و هي للخليفة أيضا،

496

ثمّ ملك أذربيجان، و هي لأوزبك، و قصد الكرج و هزمهم و عاداهم، ثمّ عادى الملك الأشرف، صاحب خلاط، ثمّ عادى علاء الدين، صاحب بلاد الروم، و عادى الإسماعيليّة، و نهب بلادهم، و قتل فيهم فأكثر، و قرّر عليهم وظيفة من المال كلّ سنة، و كذلك غيرهم، فكلّ من الملوك تخلّى عنه، و لم يأخذ بيده.

فلمّا وصلت كتب مقدّم الإسماعيليّة إلى التتر يستدعيهم إلى قصد جلال الدين بادر طائفة منهم فدخلوا بلادهم و استولوا على الرّيّ و همذان و ما بينهما من البلاد، ثمّ قصدوا أذربيجان فخرّبوا و نهبوا و قتلوا من ظفروا به من أهلها، و جلال الدين لا يقدم على أن يلقاهم، و لا يقدرأن يمنعهم عن البلاد، قد ملي‏ء رعبا و خوفا، و انضاف إلى ذلك أنّ عسكره اختلفوا عليه، و خرج وزيره عن طاعته في طائفة كثيرة من العسكر.

و كان السبب غريبا أظهر من قلّة عقل جلال الدين ما لم يسمع بمثله، و ذلك أنّه كان له خادم خصيّ، و كان جلال الدين يهواه، و اسمه قلج، فاتّفق أنّ الخادم مات، فأظهر من الهلع و الجزع عليه ما لم يسمع بمثله، و لا لمجنون ليلى، و أمر الجند و الأمراء أن يمشوا في جنازته رجّالة، و كان موته بموضع بينه و بين تبريز عدّة فراسخ، فمشى الناس رجّالة، و مشى بعض الطريق راجلا، فألزمه أمراؤه و وزيره بالركوب، فلمّا وصل إلى تبريز أرسل إلى أهل البلد، فأمرهم بالخروج عن البلد لتلقّي تابوت الخادم، ففعلوا، فأنكر عليهم حيث لم يبعدوا، و لم يظهروا من الحزن و البكاء أكثر ممّا فعلوا، و أراد معاقبتهم على ذلك‏فشفع فيهم أمراؤه فتركهم.

ثمّ لم يدفن ذلك الخصيّ، و إنّما يستصحبه معه حيث سار، و هو يلطم و يبكي، فامتنع من الأكل و الشرب، و كان إذا قدّم له طعام يقول: احملوا من هذا إلى فلان، يعني الخادم، و لا يتجاسر أحد[أن‏]يقول إنّه مات، فإنّه قيل له مرّة

497

إنّه مات، فقتل القائل له ذلك، إنّما كانوا يحملون إليه الطعام، و يعودون فيقولون: إنّه يقبّل الأرض و يقول: إنّني الآن أصلح ممّا كنت، فلحق أمراءه من الغيظ و الأنفة من هذه الحالة ما حملهم على مفارقة طاعته و الانحياز عنه مع وزيره، فبقي حيران لا يدري ما يصنع، و لا سيّما لمّا خرج التتر، فحينئذ دفن اغلام الخصيّ، و راسل الوزير و استماله و خدعه إلى أن حضر عنده، فلمّا وصل إليه بقي أيّاما و قتله جلال الدين، و هذه نادرة غريبة لم يسمع بمثلها.

ذكر ملك التتر مراغة

و في هذه السنة حصر التتر مراغة من أذربيجان، فامتنع أهلها، ثمّ أذعن أهلها بالتسليم على أمان طلبوه، فبذلوا لهم الأمان، و تسلّموا البلد و قتلوا فيه إلاّ أنّهم لم يكثروا القتل و جعلوا في البلد شحنة، و عظم حينئذ شأن التتر، و اشتدّ خوف الناس منهم بأذربيجان، فاللََّه تعالى ينصر الإسلام و المسلمين نصرا من عنده، فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد، و لا في نصرة الدين، بل كلّ منهم‏مقبل على لهوه و لعبة و ظلم رعيّته، و هذا أخوف عندي من العدوّ، و قال اللََّه تعالى: وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (1) .

ذكر وصول جلال الدين إلى آمد و انهزامه عندها و ما كان منه‏

لمّا رأى جلال الدين ما يفعله التتر في بلاد أذربيجان، و أنّهم مقيمون بها يقتلون، و ينهبون، و يأسرون، و يخرّبون البلاد، و يجبون الأموال، و هم

____________

(1) . 25، 8. roC .

498

عازمون على قصده، و رأى ما هو عليه من الوهن و الضعف، فارق أذربيجان إلى بلاد خلاط، و أرسل إلى النائب بها عن الملك الأشرف يقول له: ما جئنا للحرب و لا للأذى، إنّما خوف هذا العدوّ حملنا على قصد بلادكم.

و كان عازما على أن يقصد ديار بكر و الجزيرة، و يقصد باب الخليفة يستنجده و جميع الملوك على التتر، و يطلب منهم المساعدة على دفعهم، و يحذرهم عاقبة إهمالهم، فوصل إلى خلاط، فبلغه أنّ التتر يطلبونه، و هم مجدّون في أثره، فسار إلى آمد، و جعل له اليزك في عدّة مواضع خوفا من البيات، فجاءت طائفة من التتر يقصّون أثره، فوصلوا إليه و هم على غير الطريق الّذي فيه اليزك، فأوقعوا به ليلا و هو بظاهر مدينة آمد، فمضى منهزما على وجهه، و تفرّق من معه من العسكر و تمزّقوا في كلّ وجه، فقصد طائفة من عسكره حرّان، فأوقع بهم الأمير صواب و من معه من عسكر الكامل بحرّان، فأخذوا ما معهم من مال، و سلاح، و دوابّ، و قصد طائفة منهم نصيبين، و الموصل، و سنجار، و إربل و غير ذلك من البلاد، فتخطّفهم الملوك و الرعايا، و طمع فيهم كلّ أحد، حتّى الفلاّح، و الكردي، و البدويّ، و غيرهم، و انتقم منهم‏و جازاهم على سوء صنيعهم، و قبيح فعلهم في خلاط و غيرها، و بما سعوا في الأرض من الفساد، وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ ، فازداد جلال الدين ضعفا إلى ضعفه، و وهنا إلى وهنه بمن تفرّق من عسكره، و بما جرى عليهم.

فلمّا فعل التتر بهم ذلك، و مضى منهزما منهم، دخلوا ديار بكر في طلبه، لأنّهم لم يعلموا أين قصد، و لا أيّ طريق سلك، فسبحان من بدّل أمنهم خوفا، و عزّهم ذلاّ، و كثرتهم قلّة، فتبارك اللََّه ربّ العالمين الفعّال لما يشاء.

499

ذكر دخول التتر ديار بكر و الجزيرة و ما فعلوه في البلاد من الفساد

لمّا انهزم جلال الدين من التتر على آمد نهب التتر سواد آمد و أرزن و ميّافارقين، و قصدوا مدينة أسعرد، فقاتلهم أهلها، فبذل لهم التتر الأمان، فوثقوا منهم و استسلموا، فلمّا تمكّن التتر منهم وضعوا فيهم السيف و قتلوهم حتّى كادوا يأتون عليهم، فلم يسلم منهم إلاّ من اختفى، و قليل ما هم.

حكى لي بعض التجار، و كان قد وصل آمد، أنّهم حزروا[1] القتلى ما يزيد على خمسة عشر ألف قتيل، و كان مع هذا التاجر جارية من أسعرد، فذكرت أنّ سيدها خرج ليقاتل، و كان له أمّ، فمنعته، و لم يكن لها ولد سواه، فلم يصغ إلى قولها، فمشت معه، فقتلا جميعا، و ورثها ابن أخ للأمّ فباعها من هذا التاجر، و ذكرت من كثرة القتلى أمرا عظيما، و أنّ مدّة الحصار كانت خمسة أيّام.

ثمّ ساروا منها إلى مدينة طنزة ففعلوا فيها كذلك، و ساروا من طنزة إلى واد بالقرب من طنزة يقال له وادي القريشيّة، فيه مياه جارية، و بساتين كثيرة، و الطريق إليه ضيّق، فقاتلهم أهل القريشيّة فمنعوهم عنه، و امتنعوا عليهم، و قتل بينهم كثير، فعاد التتر و لم يبلغوا منهم غرضا، و ساروا في البلاد لا مانع يمنعهم، و لا أحد يقف بين أيديهم، فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما وجدوا من بلدها، و احتمى صاحب ماردين و أهل دنيسر بقلعة ماردين، و غيرهم ممّن جاور القلعة احتمى بها أيضا.

ثمّ وصلوا إلى نصيبين الجزيرة، فأقاموا عليها بعض نهار، و نهبوا سوادها [1]-حرزوا.

500

و قتلوا من ظفروا به، و غلقت أبوابها، فعادوا عنها، و مضوا إلى بلد سنجار، و وصلوا إلى الجبال من أعمال سنجار، فنهبوها و دخلوا إلى الخابور، فوصلوا إلى عرابان، فنهبوا، و قتلوا، و عادوا.

و مضى طائفة منهم على طريق الموصل، فوصل القوم إلى قرية تسمّى المؤنسة، و هي على مرحلة من نصيبين، بينها و بين الموصل، فنهبوها و احتمى أهلها و غيرهم بخان فيها، فقتلوا كلّ من فيه.

و حكي لي عن رجل منهم أنّه قال: اختفيت منهم ببيت فيه تبن، فلم يظفروا بي، و كنت أراهم من نافذة في البيت، فكانوا إذا أرادوا قتل إنسان، فيقول، لا باللََّه، فيقتلونه، فلمّا فرغوا من القرية، و نهبوا ما فيها، و سبوا الحريم، رأيتهم و هم يلعبون على الخيل، و يضحكون، و يغنون بلغتهم بقول:

لا باللََّه.

و مضى طائفة منهم إلى نصيبين الروم، و هي على الفرات، و هي من أعمال آمد، فنهبوها، و قتلوا فيها، ثمّ عادوا إلى آمد، ثمّ إلى بلد بدليس، فتحصّن أهلها بالقلعة و بالجبال، فقتلوا فيها يسيرا، و أحرقوا المدينة.

و حكى إنسان من أهلها قال: لو كان عندنا خمس مائة فارس لم يسلم من التتر أحد لأنّ الطريق ضيّق بين الجبال، و القليل يقدر على منع الكثير.

ثم ساروا من بدليس إلى خلاط، فحصروا مدينة من أعمال خلاط يقال لها: باكرى، و هي من أحصن البلاد، فملكوها عنوة، و قتلوا كلّ من بها، و قصدوا مدينة أرجيش من أعمال خلاط، و هي مدينة كبيرة عظيمة، ففعلوا كذلك، و كان هذا في ذي الحجّة.

و لقد حكي لي عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الّذي ألقى اللََّه سبحانه و تعالى في قلوب الناس منهم، حتّى قيل إنّ الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب و به جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم

501

واحدا بعد واحد، لا يتجاسر أحد[أن‏]يمدّ يده إلى ذلك الفارس.

و لقد بلغني أنّ إنسانا منهم أخذ رجلا، و لم يكن مع التتريّ ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض و لا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، و مضى التتريّ فأحضر سيفا و قتله به.

و حكى لي رجل قال: كنت أنا و معي سبعة عشر رجلا في طريق، فجاءنا فارس من التتر و قال لنا حتّى يكتف بعضنا بعضا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله و نهرب؟فقالوا: نخاف.

فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعلّ اللََّه يخلّصنا، فو اللََّه ما جسر أحد[أن‏]يفعل، فأخذت سكينا و قتلته و هربنا فنجونا، و أمثال هذا كثير.

ذكر وصول طائفة من التتر إلى إربل و دقوقا

في هذه السنة، في ذي الحجّة، وصل طائفة من التتر من أذربيجان إلى أعمال إربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوانيّة و الأكراد الجوزقان‏[1] و غيرهم إلى أن دخلوا بلد إربل، فنهبوا القرى، و قتلوا من ظفروا به من أهل تلك الأعمال، و عملوا الأعمال الشنيعة التي لم يسمع بمثلها من غيرهم.

و برز مظفّر الدين، صاحب إربل، في عساكره، و استمدّ عساكر الموصل فساروا إليه، فلمّا بلغه عود التتر إلى أذربيجان أقام في بلاده‏[و لم يتبعهم‏] (1) ، فوصلوا إلى بلد الكرخيني‏ (2) ، و بلد دقوقا، و غير ذلك، و عادوا سالمين لم [1]-الخوزقان.

____________

(1) . 740. doC

(2) . الكرجيني: spU . الكرخني: 740.

502

يذعرهم أحد، و لا وقف في وجوههم فارس.

و هذه مصائب و حوادث لم ير الناس من قديم الزمان و حديثه ما يقاربها، فاللََّه سبحانه و تعالى يلطف بالمسلمين، و يرحمهم، و يردّ هذا العدوّ عنهم، و خرجت هذه السنة و لم نتحقّق لجلال الدين خبرا، و لا نعلم هل قتل، أو اختفى، لم يظهر نفسه خوفا من التتر، أو فارق البلاد إلى غيرها، و اللََّه أعلم.

ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتر

في أواخر هذه السنة أطاع أهل بلاد أذربيجان جميعها للتتر، و حملوا إليهم الأموال و الثياب الخطائيّ، و الخويّيّ، و العتابيّ، و غير ذلك، و سبب طاعتهم أنّ جلال الدين لمّا انهزم على آمد من التتر، و تفرّقت عساكره، و تمزّقوا كلّ ممزّق، و تخطّفهم الناس، و فعل التتر بديار بكر و الجزيرة و إربل و خلاط ما فعلوا، و لم يمنعهم أحد، و لا وقف في وجوههم واقف، و ملوك الإسلام منجحرون في الأثقاب، و انضاف إلى هذا انقطاع أخبار جلال الدين، فإنّه لم يظهر له خبر، و لا علموا له حالة، سقط في أيديهم، و أذعنوا للتتر بالطاعة، و حملوا إليهم ما طلبوا منهم من الأموال و الثياب.

من ذلك مدينة تبريز التي هي أصل بلاد أذربيجان، و مرجع الجميع إليها و إلى من بها، فإنّ ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها، و أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، و يتهدّدهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه المال الكثير، و التّحف من أنواع الثياب الإبريسم و غيرها، و كلّ شي‏ء حتّى الخمر، و بذلوا له الطاعة، فأعاد الجواب يشكرهم، و يطلب منهم أن يحضر مقدّموهم عنده، فقصده قاضي البلد و رئيسه، و جماعة من أعيان أهله، و تخلّف عنهم‏

503

شمس الدين الطغرائي، و هو الّذي يرجع الجميع إليه، إلاّ أنّه لا يظهر شيئا من ذلك.

فلمّا حضروا عنده سألهم عن امتناع الطغرائيّ من الحضور فقالوا: إنّه رجل منقطع، ما له بالملوك تعلّق، و نحن الأصل، فسكت ثمّ طلب أن يحضروا عنده من صنّاع الثياب الخطائيّ و غيرها، ليستعمل لملكهم الأعظم، فإنّ هذا هو من أتباع ذلك الملك، فأحضروا الصّناع، فاستعملهم في الّذي أرادوا، و وزن أهل تبريز الثمن، و طلب منهم خركاة لملكه أيضا، فعملوا له خركاة لم يعمل مثلها، و عملوا غشاءها من الأطلس الجيّد المزركش، و عملوا من داخلها السّمّور و القندر، فجاءت عليهم بجملة كثيرة، و قرّر عليهم شيئا من المال كلّ سنة، و تردّدت رسلهم إلى ديوان الخلافة و إلى جماعة من الملوك يطلبون منهم أنّهم لا ينصرون خوارزم شاه.

و لقد وقفت على كتاب وصل من تاجر من أهل الرّيّ في العام الماضي، قبل خروج التتر، فلمّا وصل التتر إلى الرّيّ و أطاعهم أهلها، و ساروا إلى أذربيجان، سار هو معهم إلى تبريز، فكتب إلى أصحابه بالموصل يقول: إنّ الكافر، لعنه اللََّه، ما نقدر[أن‏]نصفه، و لا نذكر جموعه حتّى لا تنقطع قلوب المسلمين، فإنّ الأمر عظيم، و لا تظنّوا[1] أنّ هذه الطائفة التي وصلت إلى نصيبين و الخابور، و الطائفة الأخرى التي وصلت إلى إربل و دقوقا، كان قصدهم النهب، إنّما أرادوا أن يعلموا هل في البلاد من يردّهم أم لا، فلمّا عادوا أخبروا ملكهم بخلوّ البلاد من مانع و مدافع، و أن البلاد خالية من ملك و عساكر، فقوي‏[2] طمعهم، و هم في الربيع يقصدونكم، و ما يبقى عندكم مقام، إلاّ إن كان في بلد الغرب، فإنّ عزمهم على قصد البلاد جميعها، فانظروا لأنفسكم.

[1]-تظنون.

[2]-قوي.

504

هذا مضمون الكتاب، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللََّه العليّ العظيم، و أمّا جلال الدين فإلى آخر سنة ثمان و عشرين‏[و ستّمائة] لم يطهر له خبر، و كذلك إلى سلخ صفر سنة تسع لم نقف له على حال، و اللََّه المستعان.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة قلّت الأمطار بديار الجزيرة و الشام، و لا سيّما حلب و أعمالها فإنّها كانت قليلة بالمرّة، و غلت الأسعار بالبلاد، و كان أشدّها غلاء حلب، إلا أنّه لم يكن بالشديد مثل ما تقدّم في السنين الماضية، فأخرج أتابك شهاب الدين، و هو والي الأمر بحلب، و المرجع إلى أمره و نهيه، و هو المدبّر لدولة سلطانها الملك العزيز ابن الملك الظاهر، و المربّي له، من المال و الغلات كثيرا، و تصدّق صدقات دارّة، و ساس البلاد سياسة حسنة بحيث لم يظهر للغلاء أثر، فجزاه اللََّه خيرا.

و فيها بنى أسد الدين شيركوه، صاحب حمص و الرحبة، قلعة عند سلميّة، و سمّاها سميمس، و كان الملك الكامل لمّا خرج من مصر إلى الشام قد خدمه أسد الدين، و نصح له، و له أثر عظيم في طاعته، و المقاتلة بين يديه، فأقطعه مدينة سلميّة، فبنى هذه القلعة بالقرب من سلميّة، و هي على تلّ عال.

و فيها قصد الفرنج الذين بالشام مدينة جبلة، و هي بين جملة المدن المضافة إلى حلب، و دخلوا إليها، و أخذوا منها غنيمة و أسرى، فسيّر أتابك شهاب الدين إليهم العساكر مع أمير كان أقطعها، فقاتل الفرنج، و قتل منهم كثيرا، و استردّ الأسرى و الغنيمة.