الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
105

590 ثم دخلت سنة تسعين و خمسمائة

ذكر الحرب بين شهاب الدين و ملك بنارس الهنديّ‏

كان شهاب الدين الغوريّ، ملك غزنة، قد جهّز مملوكه قطب الدين أيبك، و سيّره إلى بلد الهند للغزاة، فدخلها فقتل فيها و سبى و غنم و عاد، فلمّا سمع به ملك بنارس، و هو أكبر ملك في الهند، ولايته من حدّ الصين إلى بلاد ملئوا طولا، و من البحر إلى مسيرة عشرة أيّام من لهاوور عرضا، و هو ملك عظيم، فعندها جميع جيوشه، و حشرها (1) ، و ساريطلب بلاد الإسلام.

و دخلت سنة تسعين‏[و خمسمائة]فسار شهاب الدين الغوريّ من غزنة بعساكره نحوه، فالتقى العسكران على ماجون، و هو نهر كبير يقارب دجلة بالموصل، و كان مع الهنديّ سبع مائة فيل، و من العسكر على ما قيل ألف ألف رجل، و من جملة عسكره‏ (2) عدّة أمراء مسلمين، كانوا في تلك البلاد أبا[1] عن جدّ، من أيّام السلطان محمود بن سبكتكين، يلازمون شريعة الإسلام، و يواظبون على الصلوات و أفعال الخير، فلمّا التقى المسلمون و الهنود اقتتلوا، فصبر الكفّار لكثرتهم، و صبر المسلمون لشجاعتهم، فانهزم الكفّار، و نصر المسلمون، [1]-أب.

____________

(1) . و حسدها. B . و حشدها. A

(2) -عسكر.

106

و كثر القتل في الهنود، حتّى امتلأت الأرض و جافت، و كانوا لا يأخذون إلاّ الصبيان و الجواري، و أمّا الرجال فيقتلون، و أخذ منهم تسعين فيلا، و باقي الفيلة قتل بعضها و انهزم بعضها، و قتل ملك الهند، و لم يعرفه أحد، إلاّ أنّه كانت أسنانه قد ضعفت أصولها، فأمسكوها بشريط الذهب، فبذلك عرفوه.

فلمّا انهزم الهنود دخل شهاب الدين بلاد بنارس، و حمل من خزائنها على ألف و أربع مائة جمل، و عاد إلى غزنة و معه الفيلة التي أخذها من جملتها فيل أبيض، حدّثني من رآه: لمّا أخذت الفيلة، و قدمت إلى شهاب الدين، أمرت بالخدمة، فخدمت جميعها إلاّ الأبيض فإنّه لم يخدم، و لا يعجب أحد من قولنا الفيلة تخدم، فإنّها تفهم ما يقال لها، و لقد شاهدت فيلا بالموصل و فيّاله يحدثه، فيفعل ما يقول له.

ذكر قتل السلطان طغرل و ملك خوارزم شاه الريّ و وفاة أخيه سلطان شاه‏

قد ذكرنا سنة ثمان و ثمانين‏[و خمسمائة]خروج السلطان طغرل بن ألب أرسلان بن طغرل بن محمّد بن ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي من الحبس، و ملكه همذان و غيرها، و كان قد جرى بينه و بين قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب البلاد، حرب انهزم فيها قتلغ إينانج، و تحصّن بالريّ.

و سار طغرل إلى همذان، و أرسل قتلغ إينانج إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش يستنجده، فسار إليه في سنة ثمان و ثمانين‏[و خمسمائة]، فلمّا تقاربا ندم قتلغ إينانج على استدعاء خوارزم شاه، و خاف على نفسه فمضى من بين يديه و تحصّن في قلعة له، فوصل خوارزم شاه إلى الريّ و ملكها،

107

و حصر قلعة طبرك ففتحها في يومين، و راسله طغرل، و اصطلحا، و بقيت الريّ في يد خوارزم شاه فرتّب فيها عسكرا يحفظها، و عاد إلى خوارزم لأنّه بلغه أنّ أخاه سلطان‏[شاه‏]قد قصد خوارزم، فجدّ في السير خوفا عليها، فأتاه الخبر، و هو في الطريق، أنّ أهل خوارزم منعوا سلطان شاه عنها، و لم يقدر على القرب منها، و عاد عنها خائبا، فشتّى خوارزم شاه بخوارزم، فلمّا انقضى الشتاء سار إلى مرو لقصد أخيه سنة تسع و ثمانين [و خمسمائة]، فتردّدت الرسل بينهما في الصلح.

فبينما هم في تقرير الصلح ورد على خوارزم شاه رسول من مستحفظ قلعة سرخس لأخيه سلطان شاه يدعوه ليسلّم إليه القلعةلأنّه قد استوحش من صاحبه سلطان شاه، فسار خوارزم شاه إليه مجدّا، فتسلّم القلعة و صار معه.

و بلغ ذلك سلطان شاه ففتّ في عضده، و تزايد كمده، فمات سلخ رمضان سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، فلمّا سمع خوارزم شاه بموته سار من ساعته إلى مرو فتسلّمها، و تسلّم مملكة أخيه سلطان شاه جميعها و خزائنه، و أرسل إلى ابنه علاء الدين محمّد، و كان يلقّب حينئذ قطب الدين، و هو بخوارزم، فأحضره فولاّه نيسابور، و ولّى ابنه الأكبر ملك شاه مرو، و ذلك في ذي الحجّة سنة تسع و ثمانين.

فلمّا دخلت سنة تسعين و خمسمائة قصد السلطان طغرل بلد الرّيّ فأغار على من به من أصحاب خوارزم شاه، [ففرّ منه قتلغ إينانج بن البهلوان‏[1]، و أرسل إلى خوارزم شاه‏]يعتذر و يسأل إنجاده مرّة ثانية، و وافق ذلك وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل، و يطلب منه قصد بلاده‏و معه منشور بإقطاعه البلاد، فسار من نيسابور إلى الرّيّ، فتلقّاه قتلغ [1] البلوان.

108

إينانج و من معه بالطاعة، و ساروا معه، فلمّا سمع السلطان طغرل بوصوله كانت عساكره متفرّقة، فلم يقف ليجمعها، بل سار إليه فيمن معه، فقيل له: إنّ الّذي تفعله‏[1] ليس برأي، و المصلحة أن تجمع العساكر، فلم يقبل، و كان فيه شجاعة، بل تمّم مسيره، فالتقى العسكران بالقرب من الرّيّ، فحمل طغرل بنفسه في وسط عسكر خوارزم شاه، فأحاطوا به و ألقوه عن فرسه و قتلوه في الرابع و العشرين من شهر ربيع الأوّل، و حمل رأسه إلى خوارزم شاه، فسيّره من يومه إلى بغداد فنصب بها بباب النّوبيّ عدّة أيّام.

و سار خوارزم شاه إلى همذان، و ملك تلك البلاد جميعها، و كان الخليفة الناصر لدين اللََّه قد سيّر عسكرا إلى نجدة خوارزم شاه، و سيّر له الخلع السلطانيّة مع وزيره مؤيّد الدين بن القصّاب، فنزل على فرسخ من همذان، فأرسل إليه خوارزم شاه يطلبه إليه، فقال مؤيّد الدين: ينبغي أن تحضر أنت و تلبس الخلعة من خيمتي، و تردّدت الرسل بينهما في ذلك، فقيل لخوارزم شاه: إنّها حيلة عليك حتّى تحضر عنده و يقبض عليك، فرحل خوارزم شاه إليه قصدا لأخذه، فاندفع من بين يديه و التجأ إلى بعض الجبال فامتنع به، فرجع خوارزم شاه إلى همذان، و لمّا ملك همذان و تلك البلاد سلّمها إلى قتلغ إينانج، و أقطع كثيرا منها لمماليكه و جعل المقدّم عليهم مياجق، و عاد إلى خوارزم.

ذكر مسير وزير الخليفة إلى خوزستان و ملكها

في هذه السنة، في شعبان، خلع الخليفة الناصر لدين اللََّه على النائب في الوزارة مؤيّد الدين أبي عبد اللّه محمّد بن عليّ المعروف بابن القصّاب، خلع [1] يفعله. ـ

109

الوزارة، و حكّم في الولاية، و برز في رمضان، و سار إلى بلاد خوزستان، [و سبب ذلك أنه كان أولا قد خدم في خوزستان‏]و ولي الأعمال بها، و صار له فيها أصحاب و أصدقاء و معارف، و عرف البلاد و من أيّ وجه يمكن الدخول إليها و الاستيلاء عليها، فلمّا ولي ببغداد نيابة الوزارة أشار على الخليفة بأن يرسله في عسكر إليها ليملكها له، و كان عزمه أنّه إذا ملك البلاد و استقرّ فيها أقام مظهرا للطاعة، مستقلاّ بالحكم فيها، ليأمن على نفسه.

فاتّفق أنّ صاحبها ابن شملة توفّي، و اختلف أولاده بعده، فراسل بعضهم مؤيّد الدين يستنجده لما بينهم من الصحبة القديمة، فقوي الطمع في البلاد، فجهّزت العساكر و سيّرت معه إلى خوزستان، فوصلها سنة إحدى و تسعين [و خمسمائة]و جرى بينه و بين أصحاب البلاد مراسلات و محاربة عجزوا عنها، و ملك مدينة تستر في المحرّم، و ملك غيرها من البلاد، و ملك القلاع منها:

قلعة الناظر، و قلعة كاكرد، و قلعة لا موج، و غيرها من الحصون و القلاع، و أنفذ بني شملة أصحاب بلاد خوزستان‏ (1) إلى بغداد، فوصلوا في ربيع الأوّل.

ذكر حصر العزيز مدينة دمشق‏

في هذه السنة وصل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، و هو صاحب مصر، إلى مدينة دمشق، فحصرها و بها أخوه الأكبر الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين. و كنت حينئذ بدمشق، فنزل بنواحي ميدان الحصى، فأرسل الأفضل إلى عمّه الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، و هو صاحب الديار الجزريّة، يستنجده، و كان الأفضل غاية الواثق به و المعتمد عليه، و قد سبق ما يدلّ على

____________

(1) . أصحاب البلاد إلى خوزستان‏ ebrevsusrevauqileriuq. mo. A

110

ذلك، فسار الملك العادل إلى دمشق هو و الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب، و ناصر الدين محمّد بن تقيّ الدين، صاحب حماة، و أسد الدين شيركوه بن محمّد بن شيركوه، صاحب حمص، و عسكر الموصل و غيرها، كلّ هؤلاء اجتمعوا بدمشق، و اتفقوا على حفظها، علما منهم أنّ العزيز إن ملكها أخذ بلادهم.

فلمّا رأى العزيز اجتماعهم علم أنّه لا قدرة له على البلد، فتردّدت الرسل حينئذ في الصلح، فاستقرّت القاعدة على أن يكون البيت المقدّس و ما جاوره من أعمال فلسطين للعزيز، و تبقى دمشق و طبريّة و أعمالها و الغور للأفضل، على ما كانت عليه، و أن يعطي الأفضل أخاه الملك الظاهر جبلة و لاذقيّة بالساحل الشامي، و أن يكون للعادل بمصر إقطاعه الأوّل، و اتّفقوا على ذلك، و عاد العزيز إلى مصر، و رجع كلّ واحد من الملوك إلى بلده.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة كانت زلزلة في ربيع الأوّل بالجزيرة و العراق و كثير من البلاد، سقطت منها الجبّانة التي عند مشهد أمير المؤمنين عليّ، عليه السلام.

و فيها، في جمادى الآخرة، اجتمعت زعب و غيرها من العرب، و قصدوا مدينة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فخرج إليهم هاشم بن قاسم، أخو أمير المدينة، فقاتلهم فقتل هاشم، و كان أمير المدينة قد توجّه إلى الشام، فلهذا طمعت العرب فيه.

و فيها توفّي القاضي أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عبد الصمد الطّرسوسيّ الحلبيّ بها، في شعبان، و كان من عباد اللّه الصالحين، رحمه اللََّه تعالى.

111

591 ثم دخلت سنة إحدى و تسعين و خمسمائة

ذكر ملك وزير الخليفة همذان و غيرها من بلاد العجم‏

قد ذكرنا ملك مؤيّد الدين بن القصّاب بلاد خوزستان، فلمّا ملكها سار منها إلى ميسان‏ (1) من أعمال خوزستان، فوصل إليه قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب البلاد، و قد تقدّم ذكر تغلّب خوارزم شاه عليها، و معه جماعة من الأمراء، فأكرمه وزير الخليفة و أحسن إليه.

و كان سبب مجيئه أنّه جرى بينه و بين عسكر خوارزم شاه و مقدّمهم مياجق مصافّ عند زنجان‏ (2) ، و اقتتلوا، فانهزم قتلغ إينانج و عسكره، و قصد عسكر الخليفة ملتجئا إلى مؤيّد الدين الوزير، فأعطاه الوزير الخيل و الخيام و غير ذلك ممّا يحتاج إليه، و خلع عليه و على من معه من الأمراء، و رحلوا إلى كرماشاهان.

و رحل منها إلى همذان، و كان بها ولد خوارزم شاه و مياجق و العسكر الّذي معهما، فلمّا قاربهم عسكر الخليفة فارقها الخوارزميّون و توجّهوا إلى الرّيّ، و استولى الوزير على همذان في شوّال من هذه السنة، ثمّ رحل هو و قتلغ إينانج خلفهم، فاستولوا على كلّ بلد جازوا به منها: خرقان، و مزدغان، و ساوة، و آوة (3) ، و ساروا إلى الرّيّ، ففارقها الخوارزميّون إلى خوار الرّيّ، فسيّر الوزير خلفهم عسكرا، ففارقها الخوارزميّون إلى

____________

(1) . ديسار: spU. P. C

(2) . لجان. 170` I `1847. sA. J. rfC

(3) . و ابة. A

112

دامغان، و بسطام، و جرجان، فعاد عسكر الخليفة إلى الرّيّ فأقاموا بها، فاتّفق قتلغ إينانج و من معه من الأمراء على الخلاف على الوزير و عسكر الخليفة لأنّهم رأوا البلاد قد خلت من عسكر خوارزم شاه، فطمعوا فيها، فدخلوا الرّيّ، فحصرها وزير الخليفة، ففارقها قتلغ إينانج، و ملكها الوزير، و نهبها العسكر، فأمر الوزير بالنداء بالكفّ عن النهب.

و سار قتلغ إينانج و من معه من الأمراء إلى مدينة آوة (1) و بها شحنة الوزير، فمنعهم من دخولها، فساروا عنها، و رحل الوزير في أثرهم نحو همذان، فبلغه و هو في الطريق أن قتلغ إينانج قد اجتمع معه عسكر، و قصد مدينة كرج، و قد نزل على دربند هناك، فطلبهم الوزير، فلمّا قاربهم التقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم قتلغ إينانج و نجا بنفسه، و رحل الوزير من موضع المصافّ إلى همذان، فنزل بظاهرها، فأقام نحو ثلاثة أشهر، فوصله رسول خوارزم شاه تكش، و كان قد قصدهم منكرا أخذه البلاد من عسكره، و يطلب إعادتها، و تقرير قواعد الصلح، فلم يجب الوزير إلى ذلك، فسار خوارزم شاه مجدّا إلى همذان.

و كان الوزير مؤيّد الدين‏[بن‏]القصّاب قد توفّي في أوائل شعبان، فوقع بينه و بين عسكر الخليفة مصافّ، نصف شعبان سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة، فقتل بينهم. كثير من العسكرين، و انهزم عسكر الخليفة، و غنم الخوارزميّون منهم شيئا كثيرا، و ملك خوارزم شاه همذان، و نبش الوزير من قبره و قطع رأسه و سيّره إلى خوارزم، و أظهر أنّه قتله في المعركة، ثمّ إنّ خوارزم شاه أتاه من خراسان ما أوجب أن يعود إليها، فترك البلاد و عاد إلى خراسان.

.

____________

(1) أبة. A

113

ذكر غزو[ابن‏]عبد المؤمن الفرنج بالأندلس‏

في هذه السنة، في شعبان، غزا أبو يوسف يعقوب‏ (1) بن عبد المؤمن، صاحب بلاد المغرب و الأندلس، و بلاد الفرنج بالأندلس، و سبب ذلك أنّ ألفنش ملك الفرنج بها، و مقرّ ملكه مدينة طليطلة، كتب إلى يعقوب كتابا نسخته: باسمك اللََّهمّ فاطر السموات و الأرض، أمّا بعد أيّها الأمير، فإنّه لا يخفى على كلّ ذي عقل لازب، و لا ذي لبّ و ذكاء ثاقب، أنّك أمير الملّة الحنيفيّة، كما أنا أمير الملّة النصرانيّة، و أنّك من لا يخفى عليه ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل و التواكل، وإهمال الرعيّة، و اشتمالهم الراحات، و أنا أسومهم الخسف و أخلي الديار، و أسبي الذراري، و أمثّل بالكهول، و أقتل الشباب‏ (2) ، و لا عذر لك في التخلّف عن نصرتهم، و قد أمكنتك يد القدرة، و أنتم تعتقدون أنّ اللََّه فرض عليكم قتال عشرة منّا بواحد منكم، و الآن خفّف اللََّه عنكم، و علم أنّ فيكم ضعفا، فقد فرض عليكم قتال اثنين منّا بواحد منكم، و نحن الآن نقاتل عددا منكم بواحد منّا، و لا تقدرون دفاعا، و لا تستطيعون امتناعا.

ثمّ حكي لي عنك أنّك أخذت في الاحتفال، و أشرفت على ربوة القتال، و تمطل نفسك عاما بعد عام، تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى، و لا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل‏[1] عليك.

ثمّ حكي لي عنك أنّك لا تجد سبيلا للحرب لعلّك ما يسوغ لك التقحّم [1]-الزل.

____________

(1) . يعقوب بن يوسف بن. B

(2) . الشبان. A

114

فيها، فها أنا أقول لك ما فيه الرّاحة، و أعتذر عنك، و لك أن توافيني‏[1] بالعهود و المواثيق و الأيمان أن تتوجّه بجملة من عندك في المراكب و الشواني، و أجوز إليك بجملتي و أبارزك في أعزّ الأماكن عندك، فإن كانت لك فغنيمة عظيمة جاءت إليك، و هديّة مثلت بين يديك، و إن كانت لي كانت يدي العليا عليك، و استحققت إمارة الملّتين، و التقدّم على الفئتين، و اللََّه يسهّل الإرادة، و يوفّق السعادة بمنّه لا ربّ غيره، و لا خير إلاّ خيره.

فلمّا وصل كتابه و قرأه يعقوب كتب في أعلاه هذه الآية اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاََ قِبَلَ لَهُمْ بِهََا وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهََا أَذِلَّةً وَ هُمْ صََاغِرُونَ (1) و أعاده إليه، و جمع العساكر العظيمة من المسلمين و عبر المجاز إلى الأندلس.

و قيل: كان سبب عبوره إلى الأندلس أنّ يعقوب لمّا قاتل الفرنج سنة ستّ و ثمانين‏[و خمسمائة]و صالحهم، بقي طائفة من الفرنج لم ترض الصلح، كما ذكرناه، فلمّا كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج، و خرجوا إلى بلاد الإسلام، فقتلوا و سبوا و غنموا و أسروا، و عاثوا فيها عيثا شديدا، فانتهى ذلك إلى‏ (2) يعقوب، فجمع العساكر، و عبر المجاز إلى الأندلس في جيش يضيق عنه الفضاء، فسمعت الفرنج بذلك، فجمعت قاصيهم و دانيهم، و أقبلوا إليه مجدّين على قتاله، واثقين بالظفر لكثرتهم، فالتقوا، تاسع شعبان، شماليّ قرطبة عند قلعة رياح‏ (3) ، بمكان يعرف بمرج الحديد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة أوّلا على المسلمين، ثمّ عادت على الفرنج، فانهزموا [1]-توفيني.

____________

(1) . 37`27. roC

(2) . و سرى ذلك إلى. A

(3) . قلعة رباح. p. s. B. A

115

أقبح هزيمة و انتصر المسلمون عليهم‏ وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلى‏ََ وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ هِيَ اَلْعُلْيََا وَ اَللََّهُ‏عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) .

و كان عدد من قتل من الفرنج مائة ألف و ستّة و أربعين ألفا، و أسر ثلاثة عشر ألفا، و غنم المسلمون منهم شيئا عظيما، فمن الخيام مائة ألف و ثلاثة و أربعون ألفا، و من الخيل ستّة و أربعون ألفا، و من البغال مائة ألف، و من الحمير مائة ألف. و كان يعقوب قد نادى في عسكره: من غنم شيئا فهو له سوى السلاح، و أحصى ما حمل إليه منه، فكان زيادة على سبعين ألف لبس، و قتل من المسلمين نحو عشرين ألفا.

و لمّا انهزم الفرنج اتّبعهم أبو يوسف، فرآهم قد أخذوا قلعة رياح‏ (2) ، و ساروا عنها من الرعب و الخوف، فملكها، و جعل فيها واليا، و جندا يحفظونها، و عاد إلى مدينة إشبيلية.

و أمّا ألفنش، فإنّه لمّا انهزم حلق رأسه، و نكس صليبه، و ركب حمارا، و أقسم أن لا يركب فرسا و لا بغلا حتّى تنصر النصرانيّة، فجمع جموعا عظيمة، و بلغ الخبر بذلك إلى يعقوب، فأرسل إلى بلاد الغرب مراكش و غيرها يستنفر الناس من غير إكراه، فأتاه من المتطوّعة و المرتزقين جمع عظيم، فالتقوا في ربيع الأوّل سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة، و غنم المسلمون ما معهم من الأموال و السلاح و الدوابّ و غيرها، و توجّه إلى مدينة طليطلة فحصرها، و قاتلها قتالا شديدا، و قطع أشجارها، و شنّ الغارة على ما حولها من البلاد، و فتح فيها عدّة حصون، فقتل رجالها، و سبى حريمها، و خرّب دورها، و هدم أسوارها، فضعفت النصرانيّة حينئذ، و عظم أمر الإسلام بالأندلس، و عاد يعقوب إلى إشبيلية فأقام بها.

____________

(1) . 40`9. roC

(2) . قد أحلوا قلعة رباح. p. s. B. A

116

فلمّا دخلت سنة ثلاث و تسعين‏[و خمسمائة]سار عنها إلى بلاد الفرنج [و فعل فيها مثل فعله الأوّل و الثاني، فضاقت الأرض على الفرنج‏] و ذلّوا، و اجتمع ملوكهم، و أرسلوا يطلبون الصلح، فأجابهم إليه بعد أن كان عازما على الامتناع مريدا لملازمة[1] الجهاد إلى أن يفرغ منهم، فأتاه خبر عليّ بن إسحاق الملثّم الميورقيّ أنّه فعل بإفريقية ما نذكره من الأفاعيل الشنيعة، فترك عزمه، و صالحهم مدّة خمس سنين، و عاد إلى مرّاكش آخر سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة.

ذكر فعلة الملثّم بإفريقية

لمّا عبر أبو يوسف يعقوب، صاحب المغرب، إلى الأندلس، كما ذكرنا، و أقام مجاهدا ثلاث سنين، انقطعت أخباره عن إفريقية، فقوي طمع عليّ بن إسحاق الملثّم الميورقيّ، و كان بالبرّيّة مع العرب، فعاود قصد إفريقية، فانبثّ جنوده في البلاد فخربوها، و أكثروا الفساد فيها، فمحيت آثار تلك البلاد و تغيّرت، و صارت خالية من الأنيس، خاوية على عروشها.

و أراد المسير إلى بجاية و محاصرتها لاشتغال يعقوب بالجهاد، و أظهر أنّه إذا استولى على بجاية سار إلى المغرب، فوصل الخبر إلى يعقوب بذلك، فصالح الفرنج على ما ذكرناه، و عاد إلى مرّاكش عازما على قصده، و إخراجه من البلاد، كما فعل سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة و قد ذكرناه.

[1] مريد الملازمة.

117

ذكر ملك عسكر الخليفة أصفهان‏

في هذه السنة جهّز الخليفة الناصر لدين اللََّه جيشا و سيّره إلى أصفهان، و مقدّمهم سيف الدين طغرل، مقطع بلد اللّحف من العراق، و كان بأصفهان عسكر لخوارزم شاه مع ولده.

و كان أهل أصفهان يكرهونهم، فكاتب صدر الدين الخجنديّ رئيس الشافعيّة بأصفهان الديوان ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل الديوان من العساكر، و كان هو الحاكم بأصفهان على جميع أهلها، فسيّرت العساكر، فوصلوا إلى أصفهان، و نزلوا بظاهر البلد، و فارقه عسكر خوارزم شاه، وعادوا إلى خراسان، و تبعهم بعض عسكر الخليفة، فتخطّفوا[1] منهم، و أخذوا من ساقة العسكر من قدروا عليه، و دخل عسكر الخليفة إلى أصفهان و ملكوها.

ذكر ابتداء حال كوكجه و ملكه بلد الرّيّ و همذان و غيرهما

لمّا عاد خوارزم شاه إلى خراسان، كما ذكرنا، اتّفق المماليك الذين للبهلوان و الأمراء، و قدّموا على أنفسهم كوكجه، و هو من أعيان المماليك البهلوانيّة، و استولوا على الرّيّ و ما جاورها من البلاد، و ساروا إلى أصفهان لإخراج الخوارزميّة منها، فلمّا قاربوها سمعوا بعسكر الخليفة عندها، فأرسل إلى مملوك الخليفة سيف الدين طغرل يعرض نفسه على خدمة الديوان، و يظهر [1] فتحفّظوا. ـ

118

العبوديّة، و أنّه إنّما قصد أصفهان في طلب العساكر الخوارزميّة، و حيث رآهم فارقوا أصفهان سار في طلبهم، فلم يدركهم، و سار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان.

و أمّا كوكجه فإنّه تبع الخوارزميّة إلى طبس، و هي من بلاد الإسماعيليّة، و عاد فقصد أصفهان و ملكها، و أرسل إلى بغداد يطلب أن يكون له الرّيّ و خوار الرّيّ و ساوة و قمّ و قاجان و ما ينضمّ إليها إلى حدّ مزدغان، و تكون أصفهان و همذان و زنجان و قزوين لديوان الخليفة، فأجيب إلى ذلك، و كتب له منشور بما طلب، و أرسلت له الخلع، فعظم شأنه، و قوي أمره، و كثرت عساكره، و تعظّم على أصحابه.

ذكر حصر العزيز دمشق ثانية و انهزامه عنها

و في هذه السنة أيضا خرج الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين من مصر في عساكره إلى دمشق يريد حصرها، فعاد عنها منهزما.

و سبب ذلك أنّ من عنده من مماليك أبيه، و هم المعروفون بالصلاحيّة:

فخر الدين جركس، و سراسنقر، و قراجا، و غيرهم كانوا منحرفين عن الأفضل عليّ بن صلاح الدين لأنّه كان قد أخرج من عنده منهم مثل: ميمون القصريّ، و سنقر الكبير، و أيبك و غيرهم، فكانوا لا يزالون يخوّفون العزيز من أخيه، و يقولون: إنّ الأكراد و المماليك الأسديّة من عسكر مصر يريدون أخاك، و نخاف أن يميلوا إليه و يخرجوك من البلاد، و المصلحة أن نأخذ دمشق، فخرج في العام الماضي و عاد، كما ذكرناه، فتجهّز هذه السنة ليخرج، فبلغ الخبر إلى الأفضل، فسار من دمشق إلى عمّه الملك العادل، فاجتمع به‏

119

بقلعة جعبر، و دعاه إلى نصرته، و سار من عنده إلى حلب، إلى أخيه الملك الظاهر غازي، فاستنجد به، و سار الملك العادل من قلعة جعبر إلى دمشق، فسبق الأفضل إليها و دخلها، و كان الأفضل لثقته به قد أمر نوّابه بإدخاله إلى القلعة، ثمّ عاد الأفضل من حلب إلى دمشق و وصل الملك العزيز إلى قرب دمشق، فأرسل مقدّم الأسديّة، و هو سيف الدين أيازكوش، و غيره منهم، و من الأكراد أبو الهيجاء السمين و غيره، إلى الأفضل و العادل بالانحياز إليهما و الكون معهما، و يأمرهما بالاتّفاق على العزيز و الخروج من دمشق ليسلّموه إليهما.

و كان سبب الانحراف عن العزيز و ميلهم إلى الأفضل أنّ العزيز لمّا ملك مصر مال إلى المماليك الناصريّة، و قدّمهم، و وثق بهم، و لم يلتفت إلى هؤلاء الأمراء، فامتعضوا[1] من ذلك، و مالوا إلى أخيه، و أرسلوا إلى الأفضل و العادل فاتّفقا على ذلك، و استقرّت القاعدة بحضور رسل الأمراء أنّ الأفضل يملك الديار المصريّة، و يسلّم دمشق إلى عمّه الملك العادل، و خرجا من دمشق، فانحاز إليهما من ذكرنا، فلم يمكن العزيز المقام، بل عاد منهزما يطوي المراحل خوف الطلب و لا يصدّق بالنجاة، و تساقط أصحابه عنه إلى أن وصل إلى مصر.

و أمّا العادل و الأفضل فإنّهما أرسلا إلى القدس، و فيه نائب العزيز، فسلّمه إليهما، و سارا فيمن معهما من الأسديّة و الأكراد إلى مصر، فرأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل، و اجتماعهم عليه، فخاف أنّه يأخذ مصر، و لا يسلّم إليه دمشق، فأرسل حينئذ سرّا إلى العزيز يأمره بالثبات، و أن يجعل بمدينة بلبيس من يحفظها، و تكفّل بأنّه يمنع الأفضل و غيره من مقاتلة من بها، فجعل العزيز الناصريّة و مقدّمهم فخر الدين جركس بها و معهم غيرهم، و وصل العادل و الأفضل إلى بلبيس، فنازلوا من بها من الناصريّة، [1] فاتّفقوا.

120

و أراد الأفضل مناجزتهم، أو تركهم بها و الرحيل إلى مصر، فمنعه العادل من الأمرين، و قال: هذه عساكر الإسلام، فإذا اقتتلوا في الحرب فمن يردّ العدوّ الكافر، و ما بها حاجة إلى هذا، فإنّ البلاد لك و بحكمك، و متى قصدت مصر و القاهرة و أخذتهما قهرا زالت هيبة البلاد، و طمع فيها الأعداء، و ليس فيها من يمنعك عنها.

و سلك معه أمثال هذا، فطالت الأيّام، و أرسل إلى العزيز سرّا يأمره بإرسال القاضي الفاضل، و كان مطاعا عند البيت الصلاحيّ لعلوّ منزلته كانت عند صلاح الدين، فحضر عندهما، و أجرى ذكر الصلح، و زاد القول و نقص، و انفسخت العزائم و استقرّ الأمر على أن يكون للأفضل القدس و جميع البلاد بفلسطين و طبريّة و الأردن و جميع ما بيده، و يكون للعادل إقطاعه الّذي كان قديما، و يكون مقيما بمصر عند العزيز، و إنّما اختار ذلك لأنّ الأسديّة و الأكراد لا يريدون العزيز، فهم يجتمعون معه، فلا يقدر العزيز على منعه عمّا يريد، فلمّا استقرّ الأمر على ذلك و تعاهدوا عاد الأفضل إلى دمشق و بقي العادل بمصر عند العزيز.

ذكر عدّة حوادث‏ (1)

في ذي القعدة، التاسع عشر منه، وقع حريق عظيم ببغداد بعقد المصطنع فاحترقت المربعة التي بين يديه، و دكان ابن البخيل الهرّاس، و قيل كان ابتداؤه‏[1] من دار ابن البخيل.

[1]-ابتداؤها.

____________

(1) . tupscmutot. mo. A

121

592 ثم دخلت سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة

ذكر ملك شهاب الدين بهنكر (1) و غيرها من بلد الهند

في هذه السنة سار شهاب الدين الغوريّ، صاحب غزنة، إلى بلد الهند، و حصر قلعة بهنكر (2) ، و هي قلعة عظيمة منيعة، فحصرها، فطلب أهلها منه الأمان على أن يسلّموا إليه، فأمّنهم و تسلّمها، وأقام عندها عشرة أيّام حتّى رتّب جندها و أحوالها و سار عنها إلى قلعة كوالير (3) ، و بينهما مسيرة خمسة أيام، و في الطريق نهر كبير، فجازه، و وصل إلى كوالير (4) ، و هي قلعة منيعة حصينة على جبل عال لا يصل إليها حجر منجنيق، و لا نشاب، و هي كبيرة، فأقام عليها صفرا جميعه يحاصرها، فلم يبلغ منها غرضا، فراسله من بها في الصلح، فأجابهم إليه على أن يقرّ القلعة بأيديهم على مال يحملونه إليه، فحملوا إليه فيلا حمله ذهب، فرحل عنها إلى بلاد آي و سور (5) ، فأغار عليها و نهبها، و سبى و أسر ما يعجز العادّ عن حصره، ثمّ عاد إلى غزنة سالما.

ذكر ملك العادل مدينة دمشق من الأفضل‏

في هذه السنة، في السابع و العشرين من رجب، ملك الملك العادل أبو بكر ابن أيّوب مدينة دمشق من ابن أخيه الأفضل عليّ بن صلاح الدين.

____________

(1-2) . نهنكر. P. C

(3-4) كواكير: spUteP. C .

(5) . الصي و صور 740. اصي و سور. P. C

122

و كان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بالعادل، و أنّه بلغ من وثوقه به أنّه أدخله بلده و هو غائب عنه، و لقد أرسل إليه أخوه الظاهر غازي، صاحب حلب، يقول له: أخرج عمّنا من بيننا فإنّه لا يجي‏ء علينا منه خير، و نحن ندخل لك تحت كلّ ما تريد، وأنا أعرف به منك، و أقرب إليه، فإنّه عمّي مثل ما هو عمّك، و أنا زوج ابنته، و لو علمت أنّه يريد لنا خيرا لكنت أولى به منك. فقال له الأفضل: أنت سيّئ الظنّ في كلّ أحد، أيّ مصلحة لعمّنا في أن يؤذينا؟و نحن إذا اجتمعت كلمتنا، و سيّرنا معه العساكر من عندنا كلّنا، ملك‏[1] من البلاد أكثر من بلادنا، و نربح سوء الذكر.

و هذا كان أبلغ الأسباب، و لا يعلمها كلّ أحد، و أمّا غير هذا، فقد ذكرنا مسير العادل و الأفضل إلى مصر و حصارهم بلبيس، و صلحهم مع الملك العزيز بن صلاح الدين، و مقام العادل معه بمصر، فلمّا أقام عنده استماله، و قرّر معه أنّه يخرج معه إلى دمشق و يأخذها من أخيه و يسلّمها إليه، فسار معه من مصر إلى دمشق، و حصروها، و استمالوا أميرا من أمراء الأفضل‏يقال له العز[بن‏]أبي غالب الحمصيّ، و كان الأفضل كثير الإحسان إليه، و الاعتماد عليه، و الوثوق به، فسلّم إليه بابا من أبواب دمشق يعرف بالباب الشرقيّ ليحفظه، فمال إلى العزيز و العادل، و وعدهما أنّه يفتح لهما الباب، و يدخل العسكر منه إلى البلد غيلة، ففتحه اليوم السابع و العشرين من رجب، وقت العصر، و أدخل الملك العادل منه و معه جماعة من أصحابه، فلم يشعر الأفضل إلاّ و عمّه معه في دمشق، و ركب الملك العزيز، و وقف بالميدان الأخضر غربيّ دمشق.

فلمّا رأى الأفضل أنّ البلد قد ملك خرج إلى أخيه، وقت المغرب، [1] فملك.

123

و اجتمع به، و دخلا كلاهما البلد، و اجتمعا بالعادل و قد نزل في دار أسد الدين شيركوه، و تحادثوا، فاتّفق العادل و العزيز على أن أوهما الأفضل أنّهما يبقيان عليه البلد خوفا أنّه ربّما جمع من عنده من العسكر و ثار بهما، و معه العامّة، فأخرجهم من البلد، لأنّ العادل لم يكن في كثرة، و أعاد الأفضل إلى القلعة، و بات العادل في دار شيركوه، و خرج العزيز إلى الخيم فبات فيها، و خرج العادل من الغد إلى جوسقه فأقام به و عساكره في البلد في كلّ يوم يخرج الأفضل إليهما، و يجتمع بهما، فبقوا كذلك أيّاما، ثمّ أرسلا إليه و أمراه بمفارقة القلعة و تسليم البلد على قاعدة أن تعطى قلعة صرخد له، و يسلّم جميع أعمال دمشق، فخرج الأفضل، و نزل في جوسق بظاهر البلد، غربيّ دمشق، و تسلّم العزيز القلعة، و دخلها، و أقام بها أيّاما، فجلس يوما في مجلس شرابه، فلمّا أخذت منه الخمر جرى على لسانه أنّه يعيد البلد إلى الأفضل، فنقل ذلك إلى العادل في وقته، فحضر المجلس في ساعته، و العزيز سكران، فلم يزل به‏حتّى سلّم البلد إليه، و خرج منه، و عاد إلى مصر، و سار الأفضل إلى صرخد، و كان‏ (1) العادل يذكر أنّ الأفضل سعى في قتله، فلهذا أخذ البلد منه، و كان الأفضل ينكر ذلك و يتبرّأ منه‏ [فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏] (2) .

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في المحرّم، هبّت ريح شديدة بالعراق، و اسودّت لها الدنيا، و وقع رمل أحمر، و استعظم الناس ذلك و كبّروا، و اشتعلت الأضواء بالنهار.

____________

(1) . eanigapmenifdaeuqsu و كان‏ aedni. mo. A

(2) . 113`2. roC

124

و فيها قتل صدر الدين محمود بن عبد اللطيف بن محمّد بن ثابت الخجنديّ، رئيس الشافعيّة بأصفهان، قتله فلك الدين سنقر الطويل، شحنة أصفهان بها (1) ، و كان قدم بغداد سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و استوطنها، و ولي النظر في المدرسة النظاميّة ببغداد، و لمّا سار مؤيّد الدين بن القصّاب إلى خوزستان سار في صحبته، فلمّا ملك الوزير أصفهان أقام ابن الخجنديّ بها في بيته و ملكه و منصبه، فجرى بينه و بين سنقر الطويل شحنة أصفهان للخليفة منافرة فقتله سنقر.

و في رمضان درّس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك البغداديّ، الفقيه الشافعيّ، بالمدرسة النظاميّة ببغداد.

و في شوّال منها استنيب نصير الدين ناصر بن مهدي العلويّ الرازيّ في الوزارة ببغداد، و كان قد توجّه إلى بغداد لمّا ملك ابن القصّاب الرّيّ.

و فيها ولي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة ديوان الإنشاء ببغداد، و كان كاتبا مفلقا، و له شعر جيّد.

و في صفر منها توفّي الفخر محمود بن عليّ القوفانيّ‏ (2) الفقيه الشافعيّ بالكوفة، عائدا من الحج، و كان من أعيان أصحابه محمّد بن يحيى.

و في رجب منها توفّي أبو الغنائم محمّد بن عليّ بن المعلّم الشاعر الهرثيّ، و الهرث بضمّ الهاء و الثاء المثلثة قرية من أعمال واسط، عن إحدى و تسعين سنة.

و في رابع شعبان منها توفّي الوزير مؤيّد الدين أبو الفضل محمّد بن عليّ بن القصّاب بهمذان، و قد ذكرنا من كفايته و نهضته ما فيه كفاية.

____________

(1) . بها في جمادى. B

(2) . التوماني. B . محمد بن النوقافي. A

125

593 ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة

ذكر إرسال الأمير أبي الهيجاء إلى همذان و ما فعله‏

في هذه السنة، في صفر، وصل إلى بغداد أمير كبير من أمراء مصر اسمه أبو الهيجاء، و يعرف بالسمين، لأنّه كان كثير السمن، و كان من أكابر أمراء مصر، و كان في إقطاعه أخيرا البيت المقدّس و غيره ممّا يجاوره، فلمّا ملك العزيز و العادل مدينة دمشق من الأفضل، أخذ القدس منه، ففارق الشام، و عبر الفرات‏[1] إلى الموصل، ثمّ انحدر إلى بغداد، لأنّه طلب من ديوان الخلافة، فلمّا وصل إليها أكرم إكراما كثيرا، ثمّ أمر بالتجهيز و المسير إلى همذان مقدّما على العساكر البغداديّة، فسار إليها و التقى عندها بالملك أوزبك بن البهلوان و أمير علم و ابنه، و ابن سطمس و غيرهم، و هم قد كاتبوا الخليفة بالطاعة، فلمّا اجتمع بهم وثقوا به‏[2] و لم يحذروه، فقبض على أوزبك و ابن سطمس و ابن قرا بموافقة من أمير علم، فلمّا وصل الخبر بذلك إلى بغداد أنكرت هذه الحال على أبي الهيجاء، و أمر بالإفراج عن الجماعة و سيّرت لهم الخلع من بغداد تطييبا لقلوبهم، فلم يسكنوا بعد هذه الحادثة و لا أمنوا، ففارقوا أبا الهيجاء السمين، فخاف الديوان، فلم يرجع إليه، و لم يمكنه أيضا المقام، فعاد يريد إربل لأنّه من بلدها هو، فتوفّي قبل وصوله إليها، و هو من الأكراد الحكميّة من بلد إربل.

[1] الفراة.

[2] إليه.

126

ذكر ملك العادل يافا من الفرنج و ملك الفرنج بيروت من المسلمين و حصر الفرنج تبنين و رحيلهم عنها

في هذه السنة، في شوّال، ملك العادل أبو بكر بن أيّوب مدينة يافا من الساحل الشامي، و هي‏[1] بيد الفرنج، لعنهم اللََّه.

و سبب ذلك‏[2] أنّ الفرنج كان قد ملكهم الكندهري، على ما ذكرناه قبل، و كان الصلح قد استقرّ بين المسلمين و الفرنج أيّام صلاح الدين يوسف بن أيّوب، رحمه اللََّه تعالى، فلمّا توفّي و ملك أولاده بعده، كما ذكرناه، جدّد الملك العزيز الهدنة مع الكندهري‏[ملك الفرنج‏]و زاد في مدّة الهدنة، و بقي ذلك إلى الآن.

و كان بمدينة بيروت أمير يعرف بأسامة، و هو مقطعها، فكان يرسل الشواني تقطع الطريق على الفرنج، فاشتكى‏[3] الفرنج من ذلك غير مرّة إلى الملك العادل بدمشق، و إلى الملك العزيز بمصر، فلم يمنعا أسامة من ذلك، فأرسلوا إلى ملوكهم الذين داخل البحر يشتكون إليهم ما يفعل بهم المسلمون، و يقولون: إن لم تنجدونا، و إلاّ أخذ المسلمون البلاد، فأمدّهم الفرنج بالعساكر الكثيرة، و كان أكثرهم من ملك الألمان، و كان المقدّم عليهم قسّيس يعرف بالخنصلير، فلمّا سمع العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب العساكر، و أرسل إلى ديار الجزيرة و الموصل يطلب العساكر، فجاءته الأمداد[4] و اجتمعوا على عين [1] هو.

[2] ذلد.

[3] فاشتكا.

[4] الأمراء.

127

الجالوت، فأقاموا شهر رمضان و بعض شوّال، و رحلوا إلى يافا، و ملكوا المدينة، و امتنع من بها بالقلعة التي لها، فخرّب المسلمون المدينة، و حصروا القلعة، فملكوها عنوة و قهرا بالسيف في يومها، و هو يوم الجمعة، و أخذ كلّ ما بها غنيمة و أسرا و سبيا، و وصل الفرنج من عكّا إلى قيساريّة ليمنعوا المسلمين عن يافا (1) ، فوصلهم الخبر بها بملكها فعادوا.

و كان سبب تأخّرهم أنّ ملكهم الكندهري سقط من موضع عال بعكّا فمات، فاختلّت‏[1] أحوالهم فتأخّروا لذلك.

و عاد المسلمون إلى عين الجالوت، فوصلهم الخبر بأنّ الفرنج على عزم قصد بيروت، فرحل العادل و العسكر في ذي القعدة إلى مرج العيون، و عزم على تخريب بيروت، فسار إليها جمع من العسكر، و هدموا سور المدينة سابع ذي الحجّة، و شرعوا في تخريب دورها و تخريب القلعة، فمنعهم أسامة من ذلك، و تكفّل بحفظها.

و رحل الفرنج من عكّا إلى صيدا، و عاد عسكر المسلمين من بيروت، فالتقوا الفرنج بنواحي صيدا، و جرى بينهم مناوشة، فقتل من الفريقين جماعة، و حجز بينهم الليل، و سار الفرنج تاسع ذي الحجّة، فوصلوا إلى بيروت، فلمّا قاربوها هرب منها أسامة و جميع من معه من المسلمين، فملكوها صفوا عفوا بغير حرب و لا قتال، فكانت غنيمة باردة، فأرسل العادل إلى صيدا من خرّب ما كان بقي منها، فإنّ صلاح الدين كان قد خرّب أكثرها، و سارت العساكر الإسلاميّة إلى صور، فقطعوا أشجارها، و خرّبوا ما لها من قرى و أبراج، فلمّا سمع الفرنج بذلك رحلوا من بيروت إلى صور، و أقاموا عليها.

[1]-فاختلفت. ـ

____________

(1) . عنها. B . من عكا. A

128

و نزل المسلمون عند قلعة هونين و أذن للعساكر الشرقيّة بالعودظنّا منه أنّ الفرنج يقيمون ببلادهم، و أراد أن يعطي العساكر المصريّة دستورا بالعود، فأتاه الخبر، منتصف المحرّم، أنّ الفرنج قد نازلوا حصن تبنين، فسيّر العادل إليه عسكرا يحمونه و يمنعون عنه، و رحل الفرنج من صور، و نازلوا تبنين أوّل صفر سنة أربع و تسعين‏[و خمسمائة]و قاتلوا من به، و جدّوا في القتال، و نقبوه من جهاتهم، فلمّا علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر هو بنفسه، و يقول له: إن حضرت، و إلاّ فلا يمكن حفظ هذا الثغر، فسار العزيز مجدّا فيمن بقي معه من العساكر.

و أمّا من بحصن تبنين فإنّهم لمّا رأوا النقوب قد خرّبت تلّ القلعة، و لم يبق إلاّ أن يملكوها بالسيف، نزل بعض من فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على أنفسهم و أموالهم ليسلّموا القلعة، و كان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان، فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام:

إن سلّمتم الحصن استأسركم هذا و قتلكم، فاحفظوا نفوسكم، فعادوا كأنّهم يراجعون من في القلعة ليسلّموا، فلمّا صعدوا إليها أصرّوا[1] على الامتناع، و قاتلوا قتال من يحمي نفسه، فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأوّل، فلمّا سمع الفرنج بوصوله و اجتماع المسلمين، و أنّ الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم، و أن أمرهم إلى امرأة، و هي الملكة، اتّفقوا[2] و أرسلوا إلى ملك قبرس و اسمه هيمري، فأحضروه، و هو أخو الملك الّذي أسر بحطّين، كما ذكرناه، فزوّجوه‏[3] بالملكة زوجة الكندهري، و كان رجلا عاقلا يحبّ السلامة و العافية، فلمّا ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن، ولا قاتله.

[1] صرّوا.

[2] فاتفقوا.

[3] فزوّجه.

129

و اتّفق وصول العزيز أوّل شهر ربيع الآخر، و رحل هو و العساكر إلى جبل الخليل الّذي يعرف بجبل عاملة، فأقاموا أيّاما، و الأمطار متداركة، فبقي إلى ثالث عشر الشهر، ثمّ سار و قارب الفرنج، و أرسل رماة النشاب، فرموهم ساعة و عادوا، و رتّب العساكر ليزحف إلى الفرنج و يجدّ في قتالهم، فرحلوا إلى صور خامس عشر الشهر المذكور ليلا، ثمّ رحلوا إلى عكّا، فسار المسلمون فنزلوا اللّجون، و تراسلوا في الصلح، و تطاول الأمر، فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال.

و سبب رحيله أنّ جماعة من الأمراء، و هم ميمون القصري، و أسامة، و سرا سنقر، و الحجاف، و ابن المشطوب، و غيرهم، قد عزموا على الفتك به و بفخر الدين جركس مدبّر دولته، و وضعهم العادل على ذلك، فلمّا سمع بذلك سار إلى مصر و بقي العادل، و تردّدت الرسل بينه و بين الفرنج في الصلح، فاصطلحوا على أن تبقى بيروت بيد الفرنج، و كان الصلح في شعبان سنة أربع و تسعين‏[و خمسمائة]، فلمّا انتظم‏[1] الصلح عاد العادل إلى دمشق، و سار منها إلى ماردين، من أرض الجزيرة، فكان ما نذكره، إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر وفاة سيف الإسلام و ملك ولده‏

في شوّال من هذه السنة توفّي سيف الإسلام طغتكين بن أيّوب، أخو صلاح الدين، و هو صاحب اليمن، بزبيد، و قد ذكرنا كيف ملك.

[1] انضمّ.

130

و كان شديد السيرة، مضيّقا على رعيّته، يشتري أموال التجار لنفسه و يبيعها كيف شاء.

و أراد ملك مكّة، حرسها اللََّه تعالى، فأرسل الخليفة الناصر لدين اللََّه إلى أخيه صلاح الدين في المعنى، فمنعه من ذلك، و جمع من الأموال ما لا يحصى، حتّى إنّه من كثرته كان يسبك الذهب و يجعله كالطاحون و يدّخره.

و لمّا توفّي ملك بعده ابنه إسماعيل، و كان أهوج، كثير التخليط بحيث إنّه ادّعى أنّه قرشيّ من بني أميّة، و خطب لنفسه بالخلافة، و تلقّب بالهادي، فلمّا سمع عمّه الملك العادل ذلك ساءه و أهمّه، و كتب إليه يلومه و يوبّخه، و يأمره بالعود إلى نسبه الصحيح، و بترك ما ارتكبه ممّا يضحك الناس منه، فلم يلتفت إليه و لم يرجع و بقي كذلك، و انضاف إلى ذلك أنّه أساء السيرة مع أجناده و أمرائه، فوثبوا عليه فقتلوه، و ملّكوا عليهم بعده أميرا من مماليك أبيه.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفّي أبو بكر عبد اللّه بن منصور بن عمران الباقلاّنيّ المقري الواسطيّ بها عن ثلاث و تسعين سنة و ثلاثة أشهر و أيّام، و هو آخر من بقي من أصحاب القلانسيّ.

و في جمادى الآخرة توفّي قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن عليّ بن البخاريّ ببغداد و دفن بتربته في مشهد باب التين.

و فيها، في ربيع الآخر، توفّي ملك شاه بن خوارزم شاه تكش بنيسابور، و كان أبوه قد جعله فيها، و أضاف إليه عساكر جميع بلاده التي بخراسان و جعله‏

131

وليّ عهده في الملك، و خلف ولدا اسمه هندوخان، فلمّا مات جعل فيها أبوه خوارزم شاه‏ (1) بعده ولده الآخر قطب الدين محمّدا، و هو الّذي ملك بعد أبيه، و كان بين الأخوين عداوة مستحكمة أفضت إلى أنّ محمّدا لمّا ملك بعد أبيه هرب هندوخان بن ملك شاه منه على ما نذكره.

و فيها (2) توفّي شيخنا أبو القاسم يعيش بن صدقة بن عليّ الفراتيّ الضرير، الفقيه الشافعيّ، كان إماما في الفقه، مدرّسا صالحا كثير الصلاح، سمعت عليه كثيرا، لم أر مثله، رحمه اللََّه تعالى.

و لقد شاهدت منه عجبا يدلّ على دينه و إرادته، بعمله، وجه اللََّه تعالى، و ذلك أنّي كنت أسمع عليه ببغداد سنن أبي عبد الرحمن النسائيّ، و هو كتاب كبير، و الوقت ضيّق لأنّي كنت مع الحجّاج قد عدنا من مكّة، حرسها اللََّه، فبينما نحن نسمع عليه مع أخي الأكبر مجد الدين أبي السعادات، إذ قد أتاه إنسان من أعيان بغداد، و قال له: قد برز الأمر لتحضر لأمر كذا، فقال:

أنا مشغول بسماع هؤلاء السادة، و وقتهم يفوت، و الّذي يراد منّي لا يفوت، فقال: أنا لا أحسن أذكر هذا في مقابل أمر الخليفة. فقال: لا عليك!قل:

قال أبو القاسم لا أحضر حتّى يفرغ السماع، فسألناه ليمشي معه، فلم يفعل ذلك، و قال: اقرأوا، فقرأنا، فلمّا كان الغد حضر غلام لنا، و ذكر أنّ أمير الحاجّ الموصليّ قد رحل، فعظم الأمر علينا فقال: و لم يعظم عليكم العود إلى أهلكم و بلدكم؟فقلنا: لأجل فراغ هذا الكتاب، فقال: إذا رحلتم أستعير دابّة و أركبها، فأسير معكم و أنتم تقرءون، فإذا فرغتم عدت.

فمضى الغلام ليتزوّد، و نحن نقرأ، فعاد و ذكر أنّ الحاجّ لم يرحلوا، ففرغنا من الكتاب، فانظر إلى هذا الدين المتين يرد أمر الخليفة و هو يخافه و يرجوه، و يريد[أن‏]يسير معنا و نحن غرباء لا يخافنا و لا يرجونا.

____________

(1) . أبوه... شاه. mo. A

(2) . qs. gapnimenifsitipacdaeuqsu و فيها aedni. mo. A

132

594 ثم دخلت سنة أربع و تسعين و خمسمائة

ذكر وفاة عماد الدين و ملك ولده قطب الدين محمّد

في هذه السنة، في المحرّم، توفّي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ابن آقسنقر، صاحب سنجار و نصيبين و الخابور و الرّقّة، و قد تقدّم ذكره كيف ملكها سنة تسع و سبعين‏[و خمسمائة]، و ملك بعده ابنه قطب الدين محمّد، و تولّى تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش مملوك أبيه، و كان ديّنا خيّرا عادلا، حسن السيرة في رعيّته، عفيفا عن أموالهم و أملاكهم، متواضعا، يحبّ أهل العلم و الدين، و يحترمهم، و يجلس معهم، و يرجع إلى أقوالهم، و كان رحمه اللََّه شديد التعصّب على مذهب الحنفيّة، كثير الذمّ للشافعيّة، فمن تعصّبه أنّه بنى مدرسة للحنفيّة بسنجار، و شرط أن يكون النظر للحنفيّة من أولاده دون الشافعيّة، و شرط أن يكون البوّاب و الفرّاش على مذهب أبي حنيفة، و شرط للفقهاء طبيخا يطبخ لهم‏[1] كلّ يوم، و هذا نظر حسن، رحمه اللََّه.

ذكر ملك نور الدين نصيبين‏

في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود، صاحب الموصل، إلى مدينة نصيبين، فملكها، و أخذها من [1] ذلك.

133

ابن عمّه قطب الدين محمّد.

و سبب ذلك أنّ عمّه عماد الدين كان له نصيبين، فتطاول نوّابه بها، و استولوا على عدّة قرى من أعمال بين النهرين من ولاية الموصل، و هي تجاور نصيبين، فبلغ الخبر مجاهد الدين قايماز القائم بتدبير مملكة نور الدين بالموصل و أعمالها و المرجوع إليه فيها، فلم يعلم مخدومه نور الدين بذلك، لما علم من قلّة صبره على احتمال مثل هذا، و خاف أن يجري خلف بينهم، فأرسل من عنده رسولا إلى عماد الدين في المعنى، و قبّح هذا الفعل الّذي فعله النوّاب بغير أمره، و قال: إنّني ما أعلمت نور الدين بالحال لئلاّ يخرج عن يدك، فإنّه ليس كوالده، و أخاف‏[أن‏]يبدو منه ما يخرج الأمر فيه عن يدي، فأعاد الجواب: إنّهم لم يفعلوا إلاّ ما أمرتهم به، و هذه القرى من أعمال نصيبين.

فتردّدت الرسل بينهما، فلم يرجع عماد الدين عن أخذها، فحينئذ أعلم مجاهد الدين نور الدين بالحال، فأرسل نور الدين رسولا من مشايخ دولته ممّن خدم جدّهم الشهيد زنكي و من بعده، و حمّله رسالة فيها بعض الخشونة، فمضى الرسول فلحق عماد الدين و قد مرض، فلمّا سمع الرسالة لم يلتفت، و قال: لا أعيد ملكي، فأشار الرسول من عنده، حيث هو من مشايخ دولتهم، بترك اللّجاج، و تسليم ما أخذه، و حذّره عاقبة ذلك، فأغلظ عليه عماد الدين القول، و عرّض بذمّ نور الدين و احتقاره، فعاد الرسول و حكى لنور الدين جليّة الحال، فغضب لذلك، و عزم على المسير إلى نصيبين و أخذها من عمّه.

فاتّفق أنّ عمّه مات، و ملك بعده ابنه، فقوي طمعه، فمنعه مجاهد الدين فلم يمتنع و تجهّز و سار إليها، فلمّا سمع قطب الدين صاحبها سار إليها من سنجار في عسكره، و نزل عليها ليمنع نور الدين عنها، فوصل نور الدين، و تقدّم إلى البلد، و كان بينهما نهر، فجازه بعض أمرائه، و قاتل من بإزائه،

134

فلم يثبتوا له، فعبر جميع العسكر النوريّ، و تمّت الهزيمة على قطب الدين، فصعد هو و نائبة مجاهد الدين يرنقش إلى قلعة نصيبين، و أدركهم الليل، فخرجوا منهاهاربين إلى حرّان، و راسلوا الملك العادل أبا بكر بن أيّوب، صاحب حرّان و غيرها، و هو بدمشق، و بذلوا له الأموال الكثيرة لينجدهم و يعيد نصيبين إليهم.

و أقام نور الدين بنصيبين مالكا لها، فتضعضع عسكره بكثرة الأمراض، و عودهم إلى الموصل، و موت كثير منهم، و وصل العادل إلى الديار الجزريّة، فحينئذ فارق نور الدين نصيبين و عاد إلى الموصل في شهر رمضان، فلمّا فارقها تسلّمها قطب الدين.

و ممّن توفّي من أمراء الموصل: عزّ الدين جورديك، و شمس الدين عبد اللََّه بن إبراهيم، و فخر الدين عبد اللََّه بن عيسى المهرانيّان، و مجاهد الدين قايماز، و ظهير الدين يولق بن بلنكري، و جمال الدين محاسن و غيرهم.

و لمّا عاد نور الدين إلى الموصل قصد العادل قلعة ماردين فحصرها، و ضيّق على أهلها، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر ملك الغوريّة مدينة بلخ من الخطا الكفرة

في هذه السنة ملك بهاء الدين سام بن محمّد بن مسعود، و هو ابن أخت غياث الدين‏[و شهاب الدين‏]صاحبي غزنة و غيرها، و له باميان، مدينة بلخ، و كان صاحبها تركيّا اسمه أزيه، و كان يحمل الخارج كلّ سنة إلى الخطا، بما وراء النهر، فتوفّي هذه السنة، فسار بهاء الدين سام إلى المدينة، فملكها، و تمكّن فيها، و قطع الحمل إلى الخطا، و خطب لغياث الدين، و صارت من جملة بلاد الإسلام بعد أن كانت في طاعة الكافر.

135

ذكر انهزام الخطا من الغورية

و في هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون إلى ناحية خراسان، فعاثوا في البلاد و أفسدوا، فلقيهم عسكر غياث الدين الغوريّ و قاتلهم فانهزم الخطا.

و كان سبب ذلك أنّ خوارزم شاه تكش كان قد سار إلى بلد الرّيّ، و همذان و أصفهان و ما بينهما من البلاد، و ملكها، و تعرّض إلى عساكر الخليفة، و أظهر طلب السلطنة و الخطبة ببغداد، فأرسل الخليفة إلى غياث الدين ملك الغور و غزنة[يأمره‏] (1) بقصد بلاد خوارزم شاه‏[ليعود عن قصد العراق، و كان خوارزم شاه‏] (2) قد عاد إلى خوارزم، فراسله غياث الدين يقبّح له فعله، و يتهدّده بقصد بلاده و أخذها، فأرسل خوارزم شاه إلى الخطا يشكو إليهم من غياث الدين، و يقول: إن لم تدركوه بإنفاذ العساكر، و إلاّ أخذ غياث الدين بلاده، كما أخذ مدينة بلخ، و قصد بعد ذلك بلادهم، و يتعذّر عليهم منعه، و يعجزون عنه، و يضعفون عن ردّه عمّا وراء النهر، فجهّز ملك الخطا جيشا كثيفا، و جعل مقدّمهم المعروف بطاينكوا، و هو كالوزير له، فساروا و عبروا جيحون في جمادى الآخرة، و كان الزمان شتاء، و كان شهاب الدين الغوريّ أخو غياث الدين ببلاد الهند، و العساكر معه، و غياث الدين به من النقرس ما يمنعه من الحركة، إنّما يحمل في محفّة، و الّذي يقود الجيش و يباشر الحروب أخوه شهاب الدين، فلمّا وصل الخطا إلى جيحون سار خوارزم شاه‏إلى طوس، عازما على قصد هراة و محاصرتها، و عبر الخطا النهر، و وصلوا إلى بلاد الغور مثل: كرزبان و سرقان و غيرهما، و قتلوا و أسروا و نهبوا و سبوا كثيرا لا يحصى، فاستغاث الناس بغياث الدين، فلم يكن عنده من

____________

(1-2) . 740 te. P. C

136

العساكر ما يلقاهم بها، فراسل الخطا بهاء الدين سام ملك باميان يأمرونه بالإفراج عن بلخ. أو أنّه يحمل ما كان من قبله يحمله من المال، فلم يجبهم إلى ذلك.

و عظمت المصيبة على المسلمين بما فعله الخطا، فانتدب الأمير محمّد بن جربك‏ (1) الغوريّ، و هو مقطع الطالقان من قبل غياث الدين، و كان شجاعا، و كاتب الحسين بن خرميل، و كان بقلعة كرزبان، و اجتمع معهما الأمير حرّوش‏ (2) الغوريّ، و ساروا بعساكرهم إلى الخطا، فبيّتوهم، و كبسوهم ليلا، و من عادة الخطا أنّهم لا يخرجون من خيامهم ليلا، و لا يفارقونها، فأتاهم هؤلاء الغوريّةو قاتلوهم، و أكثروا القتل في الخطا، و انهزم من سلم منهم من القتل، و أين ينهزمون و العسكر الغوريّ خلفهم، و جيحون بين أيديهم؟ و ظنّ الخطا أنّ غياث الدين قد قصدهم في عساكره، فلمّا أصبحوا، و عرفوا من قاتلهم، و علموا أنّ غياث الدين بمكانه، قويت قلوبهم، و ثبتوا[و اقتتلوا] عامّة نهارهم فقتل من الفريقين خلق عظيم، و لحقت المتطوّعة بالغوريّين، و أتاهم مدد من غياث الدين و هم في الحرب، فثبت المسلمون، و عظمت نكايتهم في الكفّار.

و حمل الأمير حرّوش‏ (3) على قلب الخطا، و كان شيخا كبيرا، فأصابه جراحة توفّي منها، ثمّ إنّ محمود بن جربك‏ (4) و ابن خرميل حملا في أصحابهما، و تنادوا: لا يرم أحد بقوس، و لا يطعن برمح، و أخذوا اللتوت، و حملوا على الخطا فهزموهم‏[1] و ألحقوهم بجيحون، فمن صبر قتل، و من ألقى نفسه في الماءغرق.

و وصل الخبر إلى ملك الخطا فعظم عليه و أرسل إلى خوارزم شاه يقول له:

[1]-فهزمهم.

____________

(1-4) . بن حرنك. p. s. A. ni. B

(2-3) . حروس. A

137

أنت قتلت رجالي، و أريد عن كلّ قتيل عشرة آلاف دينار، و كان القتلى اثني عشر ألفا، و أنفذ إليه من ردّه إلى خوارزم، و ألزموه بالحضور عنده، فأرسل حينئذ خوارزم شاه إلى غياث الدين يعرّفه حاله مع الخطا، و يشكو إليه و يستعطفه غير مرّة، فأعاد الجواب يأمره بطاعة الخليفة، و إعادة ما أخذه الخطا من بلاد الإسلام، فلم ينفصل بينهما حال.

ذكر ملك خوارزم شاه مدينة بخارى‏

لمّا ورد رسول ملك الخطا على خوارزم شاه بما ذكرناه، أعاد الجواب:

إنّ عسكرك إنّما قصد انتزاع بلخ، و لم يأتوا إلى نصرتي، و لا اجتمعت بهم، و لا أمرتهم بالعبور، و إن كنت فعلت ذلك، فأنا مقيم بالمال المطلوب منّي، و لكن حيث عجزتم أنتم عن الغوريّة عدتم عليّ بهذا القول و هذا المطلب، و أمّا أنا فقد أصلحت الغوريّة، و دخلت في طاعتهم، و لا طاعة لكم عندي.

فعاد الرسول بالجواب، فجهّز ملك الخطا جيشا عظيما و سيّره إلى خوارزم فحصروها، فكان خوارزم شاه يخرج إليهم كلّ ليلة، و يقتل منهم خلقا، و أتاه من المتطوّعة خلق كثير، فلم يزل هذا فعله بهم حتّى أتى على أكثرهم، فدخل‏ (1) الباقون إلى بلادهم، و رحل خوارزم شاه في آثارهم، و قصد بخارى فنازلها و حصرها، و امتنع أهلها منه، و قاتلوه مع الخطا، حتّى إنّهم أخذوا كلبا أعور و ألبسوه‏ (2) قباء و قلنسوة، و قالوا: هذا خوارزم شاه، لأنّه كان أعور، و طافوا به على السور، ثمّ ألقوه في منجنيق‏[إلى‏] (3) العسكر، ـ

____________

(1) . فانهزم. B . فرحل. A

(2) . qs. v أعور daeuqsu و ألبسوا aedni. mo. A

(3) . و رموه إلى. A

138

و قالوا: هذا سلطانكم. و كان الخوارزميّون يسبّونهم و يقولون: يا أجناد الكفّار، أنتم قد ارتددتم عن الإسلام، فلم يزل هذا دأبهم حتّى ملك خوارزم شاه البلد، بعد أيّام يسيرة، عنوة و عفا عن أهله، و أحسن إليهم، و فرّق فيهم مالا كثيرا، و أقام به مدّة ثمّ عاد إلى خوارزم.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ذي الحجّة، توفّي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة، كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، و كان عالما فاضلا، له كتابة حسنة، و كان رجلا عاقلا خيّرا، كثير النفع للناس، و له شعر جيّد.

و فيها حصر الملك العادل أبو بكر بن أيّوب قلعة ماردين في شهر رمضان، و قاتل من بها، و كان صاحبها حسام الدين يولق‏ (1) أرسلان بن إيلغازي بن ألبي ابن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، كلّ هؤلاء ملوك ماردين، و قد تقدّم من أخبارهم ما يعلم به محلّهم، و كان صبيّا و الحاكم في بلده و دولته مملوك أبيه النظام يرنقش، و ليس لصاحبه معه حكم البتّة في شي‏ء من الأمور، و لمّا حصر العادل ماردين و دام عليها سلّم إليه بعض أهلها الربض بمخامرة بينهم، فنهب العسكر أهله نهبا قبيحا، و فعلوا بهم أفعالا عظيمة لم يسمع بمثلها، فلمّا تسلّم الربض تمكّن من حصر القلعة و قطع الميرة عنها، و بقي عليها إلى أن رحل عنها سنة خمس و تسعين‏[و خمسمائة]على ما نذكره إن شاء اللََّه.

و فيها (2) توفّي الشيخ أبو عليّ الحسن بن مسلم بن أبي الحسن القادسيّ‏ (3)

____________

(1) . يولق. mo. A

(2) . menifinnadaeuqsu و فيها edni. mo. A

(3) . الفارسيّ و الفارسية. qs. vte. B

139

الزاهد، المقيم ببغداد، و القادسيّة التي ينسب إليها قرية بنهر عيسى من أعمال بغداد، و كان من عباد اللََّه الصالحين العاملين، و دفن بقريته.

و أبو المجد عليّ بن أبي الحسن عليّ بن الناصر بن محمّد الفقيه الحنفيّ مدرّس أصحاب أبي حنيفة ببغداد، و كان من أولاد محمّد بن الحنفيّة ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، رضي اللََّه عنه.

140

595 ثم دخلت سنة خمس و تسعين و خمسمائة

ذكر وفاة الملك العزيز و ملك أخيه الأفضل ديار مصر

في هذه السنة، في العشرين من المحرّم، توفّي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيّوب، صاحب ديار مصر، و كان سبب موته أنّه خرج إلى الصيد، فوصل إلى الفيّوم متصيّدا. فرأى ذئبا، فركض‏ (1) فرسه في طلبه، فعثر الفرس فسقط عنه في الأرض و لحقته حمّى، فعاد إلى القاهرة مريضا، فبقي كذلك إلى أن توفّي، فلمّا مات كان الغالب على أمره مملوك والده فخر الدين جهاركس‏ (2) ، و هو الحاكم في بلده، فأحضر إنسانا كان عندهم من أصحاب الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، و أراه العزيز ميّتا، و سيّره إلى العادل و هو يحاصر ماردين، كما ذكرناه، و يستدعيه ليملّكه البلاد، فسار القاصد مجدّا، فلمّا كان بالشام رأى بعض أصحاب الأفضل عليّ بن صلاح الدين، فقال له: قل لصاحبك إنّ أخاه العزيز توفّي، و ليس في البلاد من يمنعها، فليسر إليها فليس دونها مانع.

و كان الأفضل محبوبا إلى الناس يريدونه، فلم يلتفت الأفضل إلى هذا القول، و إذا قد وصله رسل الأمراء من مصر يدعونه‏ (3) إليهم ليملّكوه، و كان السبب في ذلك أنّ الأمير سيف الدين يازكج‏ (4) مقدّم الأسديّة، و الفرقة الأسديّة

____________

(1) . فركض خلفه فعثر. B

(2) . أنار حركس. B . إياس جركس. A

(3) . يستدعونه. B

(4) . ايازكش. B

141

و الأمراء الأكراد يريدونه و يميلون إليه، و كان المماليك الناصريّة الذين هم ملك أبيه يكرهونه، فاجتمع سيف الدين، مقدّم الأسديّة، و فخر الدين جهاركس، مقدم الناصريّة، ليتّفقوا على من يولّونه الملك، فقال‏ (1)

فخر الدين: نولّي ابن الملك العزيز، فقال سيف الدين: إنّه طفل، و هذه البلاد ثغر الإسلام، و لا بدّ من قيّم بالملك يجمع العساكر، و يقاتل‏ (2) بها، و الرأي أنّنا نجعل الملك في هذا الطفل الصغير، و نجعل معه بعض أولاد صلاح الدين يدبّره إلى أن يكبر، فإنّ العساكر لا تطيع غيرهم، و لا تنقاد لأمير، فاتّفقا على هذا، فقال جهاركس: فمن يتولّى هذا؟فأشار يازكج بغير الأفضل ممّن بينه و بين جهاركس منازعة لئلاّ يتّهم و ينفر جهاركس عنه، فامتنع من ولايته، فلم يزل يذكر من أولاد صلاح الدين واحدا بعد آخر إلى أن ذكر آخرهم الأفضل، فقال جهاركس: هو بعيد عنّا، و كان بصرخد مقيما فيها من حين أخذت منه دمشق، فقال يازكج: نرسل إليه من يطلبه مجدّا، فأخذ جهاركس يغالطه، فقال يازكج: نمضي إلى القاضي الفاضل و نأخذ رأيه، فاتّفقا على ذلك، و أرسل‏ (3) يازكج يعرّفه ذلك، و يشير بتمليك الأفضل، فلمّا اجتمعا عنده، و عرّفاه صورة الحال، أشار بالأفضل، فأرسل يازكج في الحال القصّاد وراءه، فسار عن صرخد لليلتين بقيتا من صفر، متنكّرا في تسعة عشر نفسا، لأنّ البلادكانت للعادل، و يضبط نوّابه الطرق، لئلاّ يجوز إلى مصر ليجي‏ء العادل و يملكها.

فلمّا قارب الأفضل القدس، و قد عدل عن الطريق المؤدّي إليه، لقيه فارسان قد أرسلا إليه من القدس، فأخبراه أنّ من بالقدس قد صار في طاعته، و جدّ في السير، فوصل إلى بلبيس خامس ربيع الأوّل، و لقيه إخوته،

____________

(1) . qs. v بالملك‏ daeuqsu فقال‏ aedni. mo. A

(2) . و نقاتل. A

(3) . و أرسل... إلى الفاضل. A

142

و جماعة الأمراء المصريّة، و جميع الأعيان، فاتّفق أنّ أخاه الملك المؤيّد مسعودا صنع له طعاما، و صنع له فخر الدين مملوك أبيه طعاما، فابتدأ بطعام أخيه ليمين حلفها أخوه أنّه يبدأ به، فظنّ جهاركس أنّه فعل هذا انحرافا عنه و سوء اعتقاد فيه، فتغيّرت نيّته، و عزم على الهرب، فحضر عند الأفضل و قال: إنّ طائفة من العرب قد اقتتلوا، و لئن لم تمض إليهم تصلح بينهم‏يؤدّ ذلك إلى فساد (1) ، فأذن له الأفضل في المضي إليهم، ففارقه، و سار مجدّا حتّى وصل إلى البيت المقدّس، و دخله، و تغلّب عليه، و لحقه جماعة من الناصريّة منهم قراجة الزره‏كش‏ (2) ، و سراسنقر، و أحضروا عندهم ميمونا القصري صاحب نابلس، و هو أيضا من المماليك الناصريّة، فقويت شوكتهم به، و اجتمعت كلمتهم على خلاف الأفضل، و أرسلوا إلى الملك العادل و هو على ماردين يطلبونه إليهم ليدخلوا معه إلى مصر ليملكوها، فلم يسر إليهم لأنّه كانت أطماعه قد قويت في أخذ ماردين، و قد عجز من بها عن حفظها، فظنّ أنّه يأخذها، و الّذي يريدونه منه لا يفوته.

و أمّا الأفضل فإنّه دخل إلى القاهرة سابع ربيع الأوّل، و سمع بهرب جهاركس، فأهمّه ذلك، و تردّدت الرسل بينه‏ (3) و بينهم ليعودوا إليه، فلم يزدادوا إلاّ بعدا، و لحق بهم جماعة من الناصريّة أيضا، فاستوحش الأفضل من الباقين، فقبض عليهم، و هم شقيرة (4) و أيبك‏ (5) فطيس، و البكي الفارس، و كلّ هؤلاء بطل مشهور و مقدّم مذكور، سوى من ليس مثلهم في التقدّم و علوّ القدر، و أقام الأفضل بالقاهرة و أصلح الأمور، و قرّر القواعد، و المرجع في جميع الأمور إلى سيف الدين يازكج.

____________

(1) . بينهم أدى إلى الفساد. A

(2) . الركرمش: spU . 740 te. P. C

(3) . إليه كل منهم فلم‏ B . بينه و بين الأمراء. A

(4) . سنقر: p. c . شقير:

(5) . و أيبك: titeper. spU

143

ذكر حصر الأفضل مدينة دمشق و عوده عنها

لمّا ملك الأفضل مصر، و استقرّ بها، و معه ابن أخيه الملك العزيز، اسم الملك له لصغره، و اجتمعت الكلمة على الأفضل بها، وصل إليه رسول أخيه الملك الظاهر غازي، صاحب حلب، و رسل ابن عمّه أسد الدين شيركوه بن محمّد بن شيركوه، صاحب حمص، يحثّانه على الخروج إلى دمشق، و اغتنام الفرصة بغيبة العادل عنها، و بذلا له المساعدة بالمال و النفس و الرجال، فبرز من مصر، منتصف جمادى الأولى من السنة، على عزم المسير إلى دمشق، و أقام بظاهر القاهرة إلى ثالث رجب، و رحل فيه و تعوّق في مسيره، و لو بادر و عجّل المسير لملك دمشق، لكنّه تأخّر، فوصل إلى دمشق ثالث عشر شعبان، فنزل عند جسر الخشب على فرسخ و نصف من دمشق، و كان العادل قد أرسل إليه نوّابه بدمشق يعرّفونه قصد الأفضل لهم، ففارق ماردين و خلّف ولده الملك الكامل محمّدا في جميع العساكر على حصارها، و سار جريدة فجدّ في السير، فسبق الأفضل، فدخل دمشق قبل الأفضل بيومين.

و أمّا الأفضل فإنّه تقدّم إلى دمشق من الغد، و هو رابع عشر شعبان، و دخل ذلك اليوم بعينه طائفة يسيرة من عسكره إلى عسقلان إلى دمشق من باب السلامة، و سبب دخولهم أنّ قوما من أجناده، ممّن بيوتهم مجاورة الباب، اجتمعوا بالأمير مجد الدين أخي الفقيه عيسى الهكّاريّ، و تحدّثوا معه في أن يقصد هو و العسكر باب السلامة ليفتحوه لهم، فأراد مجد الدين أن يختصّ بفتح الباب وحده‏ (1) ، فلم يعلم الأفضل، و لا أخذ معه أحدا من الأمراء، بل سار وحده بمفرده، و معه نحو خمسين فارسا من أصحابه، ففتح له الباب، فدخله

____________

(1) . يختص بالفتح وحده. B

144

هو و من معه، فلمّا رآهم عامّة البلد نادوا بشعار الأفضل و استسلم من به من الجند، و نزلوا عن الأسوار، و بلغ الخبر إلى الملك العادل، فكاد يستسلم، و تماسك.

و أمّا الذين دخلوا البلد فإنّهم وصلوا إلى باب البريد، فلمّا رأى عسكر العادل بدمشق قلّة عددهم، و انقطاع مددهم، وثبوا بهم و أخرجوهم منه، و كان الأفضل قد نصب خيمه بالميدان الأخضر، و قارب عسكره الباب الحديد، و هو من أبواب القلعة، فقدّر اللََّه تعالى أن أشير على الأفضل بالانتقال إلى ميدان الحصى، ففعل ذلك، فقويت نفوس من فيه، و ضعفت نفوس العسكر المصريّ، ثمّ إنّ الأمراء الأكراد منهم تحالفوا فصاروا يدا واحدة يغضبون لغضب أحدهم، و يرضون لرضى أحدهم، فظنّ الأفضل و باقي الأسديّة أنّهم فعلوا بقاعدة بينهم و بين الدمشقيّين، فرحلوا من موضعهم، و تأخّروا في العشرين من شعبان، و وصل أسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى الأفضل الخامس و العشرين من شعبان، و وصل بعده الملك الظاهر، صاحب حلب، ثاني عشر شهر رمضان، و أرادوا الزحف إلى دمشق، فمنعهم الملك الظاهر مكرا بأخيه و حسدا له، و لم يشعر أخوه الأفضل بذلك.

و أمّا الملك العادل فإنّه لمّا رأى كثرة العساكرو تتابع الأمداد إلى الأفضل عظم عليه، فأرسل إلى المماليك الناصريّة بالبيت المقدّس يستدعيهم إليه، فساروا سلخ شعبان، فوصل خبرهم إلى الأفضل، فسيّر أسد الدين، صاحب حمص، و معه جماعة من الأمراء إلى طريقهم ليمنعوهم، فسلكوا غير طريقهم، فجاء أولئك و دخلوا دمشق خامس رمضان، فقوي العادل بهم قوّة عظيمة، و أيس الأفضل و من معه من دمشق، و خرج عسكر دمشق في شوّال، فكبسوا العسكر المصريّ، فوجدوهم قد حذروهم، فعادوا عنهم خاسرين.

145

و أقام العسكر على دمشق ما بين قوّة و ضعف، و انتصار و تخاذل، حتّى أرسل الملك العادل خلف ولده الملك الكامل محمّد، و كان قد رحل عن ماردين، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، و هو بحرّان، فاستدعاه إليه بعسكره، فسار على طريق البرّ، فدخل إلى دمشق ثاني عشر صفر سنة ستّ و تسعين و خمسمائة، فعند ذلك رحل العسكر عن دمشق إلى ذيل جبل الكسوة سابع عشر صفر، و استقرّ أن يقيموا بحوران حتّى يخرج الشتاء، فرحلوا إلى رأس الماء، و هو موضع شديد البرد، فتغيّر العزم عن المقام، و اتّفقوا على أن يعود كلّ منهم إلى بلده، فعاد الظاهر، صاحب حلب، و أسد الدين، صاحب حمص، إلى بلادهما، و عاد الأفضل إلى مصر، فكان ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

ذكر وفاة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن و ولاية ابنه محمّد

في هذه‏[السنة]، ثامن عشر ربيع الآخر، و قيل جمادى الأولى، توفّي أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب و الأندلس، بمدينة سلا، و كان قد سار إليها من مرّاكش، و كان قد بنى مدينة محاذية لسلا، و سمّاها المهديّة، من أحسن البلاد و أنزهها، فسار إليها يشاهدها، فتوفّي بها، و كانت ولايته خمس عشرة سنة، و كان ذا جهاد للعدوّ، و دين، و حسن‏ (1) سيرة، و كان يتظاهر بمذهب الظاهريّة، و أعرض عن مذهب مالك، فعظم أمر الظاهريّة في أيّامه، و كان بالمغرب منهم خلق كثير يقال لهم الجرميّة (2)

منسوبون إلى ابن محمّد بن جرم، رئيس الظاهريّة (3) ، إلاّ أنّهم مغمورون‏[1] [1]-معمورون

____________

(1) . sitipacmenifdaeuqsu و حسن‏ aedni. mo. A

(2) . الحرمية. B

(3) . الظاهرية في زمانه. B

146

بالمالكيّة. ففي أيّامه ظهروا و انتشروا، ثمّ في آخر أيّامه استقضى الشافعيّة على بعض البلاد و مال إليهم. و لمّا مات قام ابنه أبو عبد اللّه محمّد بالملك بعده، و كان أبوه قد ولاّه عهده في حياته، فاستقام الملك له و أطاعه الناس، و جهّز جمعا من العرب و سيّرهم إلى الأندلس احتياطا من الفرنج.

ذكر عصيان أهل المهديّة على يعقوب و طاعتها لولده محمّد

كان أبو يوسف يعقوب، صاحب المغرب، لمّا عاد من إفريقية، كما ذكرناه سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة، استعمل أبا سعيد عثمان، و أبا عليّ يونس بن عمر اينتي‏ (1) ، و هما و أبوهما من أعيان الدولة، فولّى عثمان مدينة تونس، و ولّى أخاه المهديّة، و جعل قائد الجيش بالمهديّة محمّد بن عبد الكريم، و هو شجاع مشهور، فعظمت نكايته في العرب، فلم يبق منهم إلاّ من يخافه.

فاتّفق أنّه أتاه الخبر بأنّ طائفة من عوف نازلون‏[1] بمكان، فخرج إليهم، و عدل عنهم حتّى جازهم، ثمّ أقبل عائدا يطلبهم، و أتاهم الخبر بخروجه إليهم، فهربوا من بين يديه، فلقوه أمامهم، فهربوا و تركوا المال و العيال من غير قتال، فأخذ الجميع و رجع إلى المهديّة و سلّم العيال إلى الوالي، و أخذ من الأسلاب و الغنيمة ما شاء، و سلّم الباقي إلى الوالي و إلى الجند.

ثمّ إنّ العرب من بني عوف قصدوا أبا سعيد بن عمر اينتي‏ (2) ، فوحّدوا [1]-نازلين. ـ

____________

(1-2) . tenupenis. A . عمر هنتي. B

147

و صاروا من حزب الموحّدين، و استجاروا به في ردّ عيالهم و أموالهم، فأحضر محمّد بن عبد الكريم، و أمره بإعادة ما أخذ لهم من النعم، فقال: أخذه الجند، و لا أقدر على ردّه، فأغلظ له في القول، و أراد أن يبطش به، فاستمهله إلى أن يرجع إلى المهديّة و يستردّ من الجند ما يجده عندهم، و ما عدم منه‏غرم العوض عنه من ماله، فأمهله، فعاد إلى المهديّة و هو خائف، فلمّا وصلها جمع أصحابه و أعلمهم ما كان من أبي سعيد، و حالفهم على موافقته، فحلفوا له، فقبض على أبي عليّ يونس، و تغلّب على المهديّة و ملكها، فأرسل إليه أبو سعيد في معنى إطلاق أخيه يونس، فأطلقه على اثني عشر ألف دينار، فلمّا أرسلها إليه أبو سعيد فرّقها في الجند و أطلق يونس، و جمع أبو سعيد العساكر، و أراد قصده و محاصرته، فأرسل محمّد بن عبد الكريم إلى عليّ بن إسحاق الملثّم فحالفه و اعتضد به، فامتنع أبو سعيد من قصده.

و مات يعقوب، و ولي ابنه محمّد، فسيّر عسكرا مع عمّه في البحر، و عسكرا آخر في البرّ مع ابن عمّه الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن، فلمّا وصل عسكر البحر إلى بجاية، و عسكر البرّ إلى قسنطينة الهوى، هرب الملثّم و من معه من العرب من بلاد إفريقية إلى الصحراء، و وصل الأسطول إلى المهديّة، فشكا محمّد بن عبد الكريم ما لقي من أبي سعيد، و قال‏ (1) : أنا على طاعة أمير المؤمنين محمّد، و لا أسلّمها إلى أبي سعيد، و إنّما أسلّمها إلى من يصل من أمير المؤمنين، فأرسل محمّد من يتسلّمها منه، و عاد إلى الطاعة.

____________

(1) . ds. v سعيد daeuqsu و قال‏ aedni. mo. A

148

ذكر رحيل عسكر الملك العادل عن ماردين‏

في هذه السنة زال الحصار عن ماردين، و رحل عسكر الملك العادل عنها مع ولده الملك الكامل، و سبب ذلك أنّ الملك العادل لمّا حصر ماردين عظم ذلك على نور الدين، صاحب الموصل، و غيره من ملوك ديار بكر و الجزيرة، و خافوا إن ملكها أن لا يبقى عليهم، إلاّ أنّ العجز عن منعه‏[حملهم‏] (1)

على طاعته، فلمّا توفّي العزيز، صاحب مصر، و ملك الأفضل مصر، كما ذكرناه، و بينه و بين العادل اختلاف، أرسل أحد عسكر مصر من عنده، و أرسل إلى نور الدين، صاحب الموصل، و غيره من الملوك يدعوهم إلى موافقته، فأجابوه إلى ذلك، فلمّا رحل الملك العادل عن ماردين إلى دمشق، كما ذكرناه، برز نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، عنها ثاني شعبان، و سار إلى دنيسر فنزل عليها، و وافقه ابن عمّه قطب الدين محمّد ابن زنكي بن مودود، صاحب سنجار، و ابن عمّه الآخر معزّ الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود، صاحب جزيرة ابن عمر، فاجتمعوا كلّهم بدنيسر إلى أن عيّدوا عيد الفطر، ثمّ ساروا عنها سادس شوّال و نزلوا بحرزم‏ (2) ، و تقدّم العسكر إلى تحت الجبل ليرتادوا موضعا للنزول.

و كان أهل ماردين قد عدمت الأقوات عندهم، و كثرت الأرض فيهم، حتّى إنّ كثيرا منهم كان لا يطيق القيام، فلمّا رأى النظام، و هو الحاكم في دولة صاحبها، ذلك أرسل إلى ابن العادل في تسليم القلعة إليه إلى أجل معلوم ذكره على شرط أن يتركهم يدخل إليهم من الميرة ما يقوتهم، حسب، فأجابهم إلى ذلك، و تحالفوا عليه، و رفعوا أعلامهم إلى رأس القلعة، و جعل ولد العادل

____________

(1) . P. C

(2) . بحررم: spU . محررم: 740. P. C

149

بباب القلعة أميرا لا يترك يدخلها من الأطعمة إلاّ ما يكفيهم يوما بيوم، فأعطى من بالقلعة ذلك الأمير شيئا، فمكّنهم من إدخال الذخائر الكثيرة.

فبينما هم كذلك إذ أتاهم خبر وصول نور الدين، صاحب الموصل، فقويت نفوسهم، و عزموا على الامتناع، فلمّا تقدّم عسكره إلى ذيل جبل ماردين، قدّر اللََّه تعالى أنّ الملك الكامل بن العادل نزل بعسكر من ربض ماردين إلى لقاء نور الدين و قتاله، و لو أقاموا بالربض لم يمكن نور الدين و لا غيره الصعود إليهم، و لا إزالتهم، لكن نزلوا ليقضي اللََّه أمرا كان مفعولا، فلمّا أصحروا من الجبل اقتتلوا، و كان من عجيب الاتّفاق أنّ قطب الدين، صاحب سنجار، قد واعد العسكر العادليّ أن ينهزم إذا التقوا، و لم يعلم بذلك أحدا من العسكر، فقدّر اللََّه تعالى أنّه لمّا نزل العسكر العادليّ و اصطفّت العساكر للقتال ألجأت‏[1] قطب الدين الضرورة بالزحمة إلى أن وقف في سفح شعب جبل ماردين ليس إليه طريق للعسكر العادليّ، و لا يرى الحرب الواقعة بينهم و بين نور الدين، ففاته ما أراده من الانهزام، فلمّا التقى العسكران و اقتتلوا، حمل ذلك اليوم نور الدين بنفسه، و اصطلى الحرب، [فألقى‏]الناس أنفسهم بين يديه، فانهزم العسكر العادليّ، و صعدوا في الجبل إلى الربض، و أسر منهم كثير، فحملوا إلى بين يدي نور الدين، فأحسن إليهم، و وعدهم الإطلاق إذا انفصلوا، و لم يظنّ أنّ الملك الكامل و من معه يرحلون عن ماردين سريعا، فجاءهم أمر لم يكن في الحساب، فإنّ الملك الكامل لمّا صعد إلى الربض رأى أهل القلعة قد نزلوا إلى الذين جعلهم بالربض من العسكر، فقاتلوهم و نالوا منهم و نهبوا، فألقى اللََّه الرعب في قلوب الجميع، فأعملوا رأيهم على مفارقة الربض ليلا، فرحلوا ليلة الاثنين سابع شوّال، و تركوا كثيرا من أثقالهم و رحالهم و ما أعدّوه، فأخذه أهل القلعة، و لو ثبت العسكر العادلي [1] ألجت.

150

مكانه لم يمكن أحدا[1] أن يقرّب منهم.

و لمّا رحلوا نزل صاحب ماردين حسام الدين يولق بن‏ (1) إيلغازي إلى نور الدين، ثمّ عاد إلى حصنه، و عاد أتابك إلى دنيسر، و رحل عنها إلى رأس عين على عزم قصد حرّان و حصرها، فأتاه رسول من الملك الظاهر يطلب الخطبة و السكّة و غير ذلك، فتغيّرت نيّة نور الدين، و فتر عزمه عن نصرتهم، فعزم على العود إلى الموصل، فهو يقدّم إلى العرض رجلا و يؤخّر أخرى إذ أصابه مرض، فتحقّق عزم العود إلى الموصل، فعاد إليها، و أرسل رسولا إلى الملك الأفضل و الملك الظاهر يعتذر عن عوده بمرضه، فوصل الرسول ثاني ذي الحجّة إليهم و هم على دمشق.

و كان عود نور الدين من سعادة الملك العادل، فإنّه كان هو و كلّ من عنده ينتظرون ما يجي‏ء من أخباره، فإنّ من بحرّان استسلموا فقدّر اللََّه تعالى أنّه عاد، فلمّا عاد جاء الملك الكامل إلى حرّان، و كان قد سار عن‏[2] ماردين إلى ميّافارقين، فلمّا رجع نور الدين سار الكامل إلى حرّان، و سار إلى أبيه بدمشق على ما ذكرناه، فازداد به قوّة، و الأفضل و من معه ضعفا.

[1]-أحد.

[2]-على.

____________

(1) . بولو أرسلان بن. A

151

ذكر الفتنة بفيروزكوه من خراسان‏

في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين، ملك الغور و غزنة، و هو بفيروزكوه، عمّت الرعيّة و الملوك و الأمراء، و سببها أنّ الفخر محمّد ابن عمر بن الحسين الرازيّ، الإمام المشهور، الفقيه الشافعيّ، كان قدم إلى غياث الدين مفارقا لبهاء الدين سام، صاحب باميان، و هو ابن أخت غياث الدين، فأكرمه غياث الدين، و احترمه، و بالغ في إكرامه، و بنى له مدرسة بهراة بالقرب من الجامع، فقصده الفقهاء من البلاد، فعظم ذلك على الكراميّة، و هم كثيرون‏بهراة، و أمّا الغوريّة فكلّهم كراميّة، و كرهوه، و كان أشدّ الناس عليه الملك ضياء الدين، و هو ابن عمّ غياث الدين، و زوج ابنته، فاتّفق أن حضر الفقهاء من الكراميّة و الحنفيّة و الشافعيّة عند غياث الدين بفيروزكوه للمناظرة، و حضر فخر الدين الرازيّ و القاضي مجد الدين عبد المجيد ابن عمر، المعروف بابن القدوة، و هو من الكراميّة الهيصميّة، و له عندهم محلّ كبير لزهده و علمه و بيته، فتكلّم الرازيّ، فاعترض عليه ابن القدوة، و طال الكلام، فقام غياث الدين فاستطال عليه الفخر، و سبّه و شتمه، و بالغ في أذاه، و ابن القدوة لا يزيد على أن يقول لا يفعل مولانا إلاّ (1) و أخذك اللََّه، أستغفر اللََّه، فانفصلوا على هذا.

و قام ضياء الدين في هذه الحادثة و شكا إلى غياث الدين، و ذمّ الفخر، و نسبه إلى الزندقة و مذهب الفلاسفة، فلم يصغ غياث الدين إليه. فلمّا كان الغد وعظ ابن عمّ المجد بن القدوة بالجامع، فلمّا صعد المنبر قال، بعد أن حمد اللََّه و صلّى اللََّه على النبي، صلّى اللََّه عليه و سلّم: لا إله إلاّ اللََّه، رَبَّنََا آمَنََّا

____________

(1) مولانا لا يزيده. A

152

بِمََا أَنْزَلْتَ، وَ اِتَّبَعْنَا اَلرَّسُولَ، فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ ، أيّها الناس، إنّا لا نقول إلاّ ما صحّ عندنا عن رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و أمّا علم أرسطاطاليس، و كفريّات ابن سينا، و فلسفة الفارابيّ، فلا نعلمها، فلأيّ حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذبّ‏[1] عن دين اللََّه، و عن سنّة نبيّه!و بكى و ضجّ الناس، و بكى الكراميّة و استغاثوا، و أعانهم من يؤثر بعد الفخر الرازيّ عن السلطان، و ثار الناس من كلّ جانب، و امتلأ البلد فتنة، و كادوا يقتتلون، و يجري ما يهلك فيه خلق كثير، فبلغ ذلك السلطان، فأرسل جماعة من عنده إلى الناس و سكّنهم، و وعدهم بإخراج الفخر من عندهم، و تقدّم إليه بالعود إلى هراة، فعاد إليها.

ذكر مسير خوارزم شاه إلى الرّيّ‏

في هذه السنة، في ربيع الأوّل، سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الرّيّ و غيرها من بلاد الجبل، لأنّه بلغه أنّ نائبة بها مياجق قد تغيّر عن طاعته، فسار إليه، فخافه مياجق، فجعل يفرّ من بين يديه، و خوارزم شاه في طلبه يدعوه إلى الحضور عنده، و هو يمتنع، فاستأمن أكثر أصحابه إلى خوارزم شاه، و هرب هو، فحصل بقلعة من أعمال‏ (1) مازندران فامتنع بها، فسارت العساكر في طلبه‏فأخذ منها و أحضر بين يدي خوارزم شاه فأمر بحبسه بشفاعة أخيه أقجة.

و سيّرت الخلع من الخليفة لخوارزم شاه و لولده قطب الدين محمّد (2) ، [1]-و يذبّ.

____________

(1) . من قلاع. A

(2) و سيرت... محمد. mo. A

153

و تقليد بما بيده من البلاد، فلبس الخلعة، و اشتغل بقتال الملاحدة، فافتتح قلعة على باب قزوين تسمّى أرسلان كشاه‏ (1) ، و انتقل إلى حصار ألموت، فقتل عليها صدر الدين محمّد بن الوزّان رئيس الشافعيّة بالرّيّ، و كان قد تقدّم عنده تقدّما عظيما، قتله الملاحدة، و عاد خوارزم شاه إلى خوارزم، فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن عليّ فقتلوه في جمادى الآخرة سنة ست و تسعين‏[و خمسمائة]، فأمر تكش ولده قطب الدين بقصد الملاحدة، فقصد قلعة ترشيش‏ (2) و هي من قلاعهم، فحصرها فأذعنوا له بالطاعة، و صالحوه على مائة ألف دينار، ففارقها، و إنّما صالحهم لأنّه بلغه خبر مرض أبيه، و كانوا يراسلونه بالصلح فلا يفعل، فلمّا سمع بمرض أبيه لم يرحل حتّى صالحهم على المال المذكور و الطاعة و رحل.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ربيع الأوّل، توفّي مجاهد الدين قايماز، رحمه اللََّه، بقلعة الموصل، و هو الحاكم في دولة نور الدين، و المرجوع إليه فيها، و كان ابتداء ولايته قلعة الموصل في ذي الحجّة سنة إحدى و سبعين و خمسمائة، و ولي إربل سنة تسع‏[و خمسين‏]و خمسمائة، فلمّا مات زين الدين عليّ كوجك سنة ثلاث و ستّين‏[و خمسمائة]بقي هو الحاكم فيها، و معه من يختاره من أولاد زين الدين ليس لواحد منهم معه حكم.

و كان عاقلا، ديّنا، خيّرا، فاضلا، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، و يحفظ، من التاريخ و الأشعار و الحكايات، شيئا كثيرا. و كان كثير

____________

(1) . شاه: spU . كساء: 740. P. C

(2) . برشيش: spU . برسش: 740. P. C

154

الصوم، يصوم من كلّ سنة نحو سبعة أشهر، و له أوراد كثيرة حسنة كلّ ليلة، و يكثر الصدقة، و كان له فراسة حسنة فيمن يستحقّ الصدقة و يعرف الفقراء المستحقّين و يبرّهم، و بى عدّة جوامع منها الجامع الّذي بظاهر الموصل بباب الجسر (1) ، و بنى الرّبط و المدارس و الخانات في الطرق، و له من المعروف شي‏ء كثير، رحمه اللََّه، فلقد كان من محاسن الدنيا.

و فيها فارق غياث الدين، صاحب غزنة و بعض خراسان، مذهب الكراميّة، و صار شافعيّ المذهب، و كان سبب ذلك أنّه كان عنده‏[1] إنسان يعرف بالفخر مبارك شاه يقول الشعر بالفارسيّة، متفنّنا في كثير من العلوم، فأوصل إلى غياث الدين الشيخ وحيد الدين أبا الفتح محمّد بن محمود المروروذيّ الفقيه الشافعيّ، فأوضح له مذهب الشافعيّ، و بيّن له فساد مذهب الكراميّة، فصار شافعيّا، و بنى المدارس للشافعيّة، و بنى بغزنة مسجدا لهم أيضا، و أكثر مراعاتهم، فسعى الكراميّة في أذى وحيد الدين فلم يقدّرهم اللََّه تعالى على ذلك.

و قيل إنّ غياث الدين و أخاه شهاب الدين لمّا ملكا في خراسان قيل لهما:

إنّ الناس في جميع البلاد يزرون على الكراميّة و يحتقرونهم، و الرأي أن تفارقوا مذاهبهم، فصارا شافعيّين، و قيل: إنّ شهاب الدين كان حنفيّا، و اللََّه أعلم.

و في هذه السنة توفّي أبو القاسم يحيى بن عليّ بن فضلان الفقيه الشافعيّ، و كان إماما فاضلا، و درّس ببغداد، و كان من أعيان أصحاب‏[محمّد بن يحيى‏] (2) نجى‏ (3) النّيسابوريّ.

[1] عبده. ـ

____________

(1) . ببغداد و تخرج عليه جماعة من العلماء. abrevsitipacauqiler. mo. A

(2) .

(3) . نجى. mo. B