الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
155

596 ثم دخلت سنة ست و تسعين و خمسمائة

ذكر ملك العادل الديار المصريّة

قد ذكرنا سنة خمس و تسعين‏[و خمسمائة]حصر الأفضل و الظاهر ولدي صلاح الدين دمشق، و رحيلهما إلى رأس الماء، على عزم المقام بحوران إلى أن يخرج الشتاء، فلمّا أقاموا برأس الماء وجد العسكر بردا شديدا، لأنّ البرد في ذلك المكان في الصيف موجود، فكيف في الشتاء، فتغيّر العزم عن المقام، و اتّفقوا على أن يعود كلّ إنسان منهم إلى بلده، و يعودوا إلى الاجتماع، فتفرّقوا تاسع ربيع الأوّل، فعاد الظاهر و صاحب حمص إلى بلادهما، و سار الأفضل إلى مصر، فوصل بلبيس، فأقام بها، و وصلته الأخبار بأنّ عمّه الملك العادل قد سار من دمشق قاصدا مصر و معه المماليك الناصريّة، و قد حلّفوه على أن يكون ولد الملك العزيز هو صاحب البلاد، و هو المدبّر للملك، إلى أن يكبر، فساروا على هذا.

و كان عسكره بمصر قد تفرّق عن الأفضل من الخشبيّ، فسار كلّ منهم إلى إقطاعه ليربعوا دوابّهم، فرام الأفضل جمعهم من أطراف البلاد، فأعجله الأمر عن ذلك، و لم يجتمع منهم إلاّ طائفة يسيرة ممّن قرب إقطاعه، و وصل العادل، فأشار بعض الناس على الأفضل أن يخرّب سور بلبيس و يقيم بالقاهرة، و أشار غيرهم بالتقدّم إلى أطراف البلاد، ففعل ذلك، فسار عن بلبيس، و نزل موضعا يقال له السائح إلى طرف البلاد، و لقاء العادل قبل دخول البلاد سابع ربيع الآخر، فانهزم الأفضل، و دخل القاهرة ليلا.

156

و في تلك الليلة توفي القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ كاتب الإنشاء لصلاح الدين و وزيره، فحضر الأفضل الصلاة عليه، و سار العادل فنزل على القاهرة و حصرها، فجمع الأفضل من عنده من الأمراء و استشارهم، فرأى منهم تخاذلا، فأرسل رسولا إلى عمّه في الصلح و تسليم البلاد إليه، و أخذ العوض عنها، و طلب دمشق، فلم يجبه العادل، فنزل عنها[إلى‏]حرّان و الرّها فلم يجبه، فنزل إلى ميّافارقين و حاني و جبل جور، فأجابه إلى ذلك، و تحالفوا عليه، و خرج الأفضل من مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر، و اجتمع بالعادل، و سار إلى صرخد، و دخل العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر.

و لمّا وصل الأفضل إلى صرخد أرسل من تسلّم ميّافارقين و حاني و جبل جور، فامتنع نجم الدين أيّوب ابن الملك العادل من تسليم ميّافارقين، و سلّم ما عداها، فتردّدت الرسل بين الأفضل و العادل في ذلك، و العادل يزعم أن ابنه عصاه، فأمسك عن المراسلة في ذلك لعلمه أنّ هذا فعل بأمر العادل.

و لمّا ثبتت قدم العادل بمصر قطع خطبة الملك المنصور ابن الملك العزيز في شوّال من السنة، و خطب لنفسه، و حاقق الجند في إقطاعاتهم، و اعترضهم في أصحابهم و من عليهم من العسكر المقرّر، فتغيّرت لذلك نيّاتهم، فكان ما نذكره سنة سبع و تسعين‏[و خمسمائة]إن شاء اللََّه.

ذكر وفاة خوارزم شاه‏

في هذه السنة، في العشرين من رمضان، توفّي خوارزم شاه تكش بن ألب أرسلان، صاحب خوارزم و بعض خراسان و الرّيّ و غيرها من البلاد

157

الجباليّة، بشهرستانه بين نيسابور و خوارزم. و كان قد سار من خوارزم إلى خراسان، و كان به خوانيق، فأشار عليه الأطبّاء بترك الحركة، فامتنع، و سار، فلمّا قارب شهرستانة اشتدّ مرضه و مات، و لمّا اشتدّ مرضه أرسلوا إلى ابنه قطب الدين محمّد يستدعونه، و يعرّفونه شدّة مرض أبيه، فسار إليهم و قد مات أبوه، فولي الملك بعده، و لقّب علاء الدين، لقب أبيه، و كان لقبه قطب الدين، و أمر فحمل أبوه و دفن بخوارزم في تربة عملها في مدرسة بناها كبيرة عظيمة (1) ، و كان عادلا حسن السيرة، له معرفة حسنة و علم، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، و يعرف الأصول.

و كان ولده عليّ شاه بأصفهان، فأرسل إليه أخوه خوارزم شاه محمّد يستدعيه، فسار إليه، فنهب أهل أصفهان خزانته و رحله، فلمّا وصل إلى أخيه ولاّه حرب أهل خراسان، و التقدّم على جندها، و سلّم إليه نيسابور، و كان هندوخان‏[بن‏]ملك شاه بن خوارزم شاه تكش يخاف عمّه محمّدا، فهرب منه، و نهب كثيرا من خزائن جدّه تكش لمّا مات، و كان معه، و سار إلى مرو.

و لمّا سمع غياث الدين ملك غزنة بوفاة خوارزم شاه‏أمر أن لا تضرب نوبته ثلاثة أيّام، و جلس للعزاء على ما بينهما من العداوة و المحاربة، فعل ذلك عقلا منه و مروءة، ثمّ إنّ هندوخان جمع جمعا كثيرا بخراسان، فسيّر إليه عمّه خوارزم شاه محمّد جيشا مقدّمهم جقر التركيّ، فلمّا سمع هندوخان بمسيرهم هرب عن خراسان و سار إلى غياث الدين يستنجده على عمّه، فأكرم لقاءه و إنزاله، و أقطعه، و وعده النصرة، فأقام عنده، و دخل جقر مدينة مرو، و بها والدة هندوخان و أولاده، فاستظهر عليهم، و أعلم صاحبه، فأمره بإرسالهم إلى خوارزم مكرمين، فلمّا سمع غياث الدين ذلك أرسل إلى محمّد بن جربك،

____________

(1) في تربة... عظيمة. mo. A

158

صاحب الطالقان، يأمره أن يرسل‏[إلى‏]جقر يتهدّده، ففعل‏[ذلك‏]و سار من الطالقان، فأخذ مروالروذ (1) ، و الخمس قرى و تسمّى بالفارسيّة بنج‏ده ، و أرسل إلى جقر يأمره بإقامة الخطبة بمرو لغياث الدين، أو يفارق البلد، فأعاد الجواب يتهدّد ابن جربك و يتوعّده، و كتب إليه سرّا يسأله أن يأخذ له أمانا من غياث الدين ليحضر خدمته، فكتب إلى غياث الدين بذلك، فلمّا قرأ كتابه علم أنّ خوارزم شاه ليس له قوّة، فلهذا طلب جقر الانحياز إليه، فقوي طمعه في البلاد، و كتب إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالخروج إلى خراسان ليتّفقا على أخذ بلاد خوارزم شاه محمّد.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في جمادى الآخرة، وثب الملاحدة الإسماعيليّة على نظام الملك مسعود بن عليّ، وزير خوارزم شاه تكش، فقتلوه، و كان صالحا كثير الخير، حسن السيرة، شافعيّ المذهب، بنى للشافعيّة بمرو جامعا مشرفا على جامع الحنفيّة، فتعصّب شيخ الإسلام‏[بمرو]و هو مقدّم الحنابلة بها، قديم الرئاسة[1]، و جمع الأوباش‏[2]، فأحرقه، فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام و جماعة ممّن سعى في ذلك، فأغرمهم مالا كثيرا.

و بنى الوزير أيضا مدرسة عظيمة بخوارزم و جامعا و جعل فيها خزانة كتب، و له آثار حسنة بخراسان باقية، و لمّا مات خلف ولدا صغيرا، فاستوزره خوارزم [1] فيم و الرئاسة.

[2] الأوباس.

____________

(1) . وده: SPUte و دره‏الرود: tidds

159

شاه رعاية لحقّ أبيه، فأشير عليه أن يستعفي، فأرسل يقول: إنني صبيّ لا أصلح لهذا المنصب الجليل، فيولي السلطان فيه من يصلح له إلى أن أكبر، فإن كنت أصلح فأنا المملوك، فقال خوارزم شاه: لست أعفيك، و أنا وزيرك، فكن مراجعي‏[1] في الأمور، فإنّه لا يقف منها شي‏ء. فاستحسن الناس هذا، ثمّ إنّ الصبيّ لم تطل أيّامه، فتوفّي قبل خوارزم شاه بيسير.

و في هذه السنة، في ربيع الأوّل، توفّي شيخنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهّاب بن كليب الحرّانيّ المقيم ببغداد و له ستّ و تسعون سنة و شهران، و كان عالي الإسناد في الحديث، و كان ثقة صحيح السماع.

و في ربيع الآخر منها توفّي القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ الكاتب المشهور، لم يكن في زمانه أحسن كتابة منه، و دفن بظاهر مصر بالقرافة، و كان‏ (1) ديّنا كثير الصّدقة و العبادة، و له وقوف كثيرة على الصدقة و فكّ الأسارى، و كان يكثر الحجّ و المجاورة مع اشتغاله بخدمة السلطان، و كان السلطان صلاح الدين يعظّمه و يحترمه و يكرمه، و يرجع إلى قوله، رحمهما اللََّه.

[1] راجعني.

____________

(1) menifinnadaeuqsu و كان‏ aedni. mo. A .

160

597 ثم دخلت سنة سبع و تسعين و خمسمائة

ذكر ملك الملك الظاهر صاحب حلب منبج و غيرها من الشام و حصره هو و أخوه الأفضل مدينة دمشق و عودهما عنها

قد ذكرنا قبل ملك العادل ديار مصر، و قطعه خطبة الملك المنصور ولد الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيّوب، و أنّه لمّا فعل ذلك لم يرضه الأمراء المصريّون، و خبثت نيّاتهم في طاعته، فراسلوا أخويه‏[1]: الظاهر بحلب، و الأفضل بصرخد، و تكرّرت المكاتبات و المراسلات بينهم، يدعونهما إلى قصد دمشق و حصرها ليخرج الملك العادل إليهم، فإذا خرج إليهم‏[من‏] مصر أسلموه، و صاروا معهما، فيملكان‏[2] البلاد.

و كثر ذلك، حتّى فشا الخبر و اتّصل بالملك العادل، و انضاف إلى ذلك أنّ النّيل لم يزد بمصر الزيادة التي تركب الأرض ليزرع الناس، فكثر الغلاء فضعفت قوّة الجند، و كان فخر الدين جركس قد فارق مصر إلى الشام هو و جماعة من المماليك الناصريّة لحصار بانياس ليأخذها لنفسه بأمر العادل، و كانت لأمير كبير تركيّ اسمه بشارة، قد اتّهمه العادل، فأمر جركس بذلك.

و كان أمير من أمراء العادل يعرف بأسامة قد حجّ هذه السنة، فلمّا [1] إخوته.

[2] فيملكا.

161

عاد من الحجّ، و قارب صرخد، نزل‏الملك الأفضل، فلقيه و أكرمه، و دعاه إلى نفسه، فأجابه و حلف له، و عرّفه الأفضل جليّة الحال، و كان أسامة من بطانة العادل، و إنّما حلف لينكشف له الأمر، فلمّا فارق الأفضل أرسل إلى العادل، و هو بمصر، يعرّفه الخبر جميعه، فأرسل إلى ولده الّذي بدمشق يأمره بحصر الأفضل بصرخد، و كتب إلى إياس‏ (1) جركس و ميمون القصريّ، صاحب بلبيس، و غيرهما من الناصريّة، يأمرهم بالاجتماع مع ولده على حصر الأفضل.

و سمع الأفضل الخبر، فسار إلى أخيه الظاهر بحلب مستهلّ جمادى الأولى من السنة، و وصل إلى حلب عاشر الشهر، و كان الظاهر قد أرسل أميرا كبيرا من أمرائه إلى عمّه العادل، فمنعه العادل من الوصول إليه، و أمره بأن يكتب رسالته، فلم يفعل و عاد لوقته، فتحرّك الظاهر لذلك و جمع عسكره و قصد منبج فملكها للسادس و العشرين من رجب، و سار إلى قلعة نجم و حصرها، فتسلّمها سلخ رجب.

و أمّا ابن العادل المقيم بدمشق فإنّه سار إلى بصرى، و أرسل إلى جركس و من معه، و هم على بانياس يحصرونها، يدعوهم إليه، فلم يجيبوه إلى ذلك بل غالطه، فلمّا طال مقامه على بصرى عاد إلى دمشق، و أرسل الأمير أسامة إليهم يدعوهم إلى مساعدته، فاتّفق أنّه جرى بينه و بين البكى الفارس، بعض المماليك الكبار الناصريّة، منافرة فأغلظ له البكى القول، و تعدّى إلى الفعل باليد، و ثار العسكر جميعه على أسامة، فاستذمّ بميمون، فأمّنه و أعاده إلى دمشق، و اجتمعوا كلّهم عند الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، و أنزلوه من صرخد، و أرسلوا إلى الملك الظاهر و الأفضل يحثّونهما على الوصول إليهم، و الملك الظاهر يتربّص و يتعوّق، فوصل من منبج إلى حماة في عشرين يوما،

____________

(1) . أنار. أناس. B. A

162

و أقام على حماة يحصرها و بها صاحبها ناصر الدين محمّد بن تقيّ الدين إلى تاسع عشر شهر رمضان، فاصطلحا و حمل له ابن تقيّ الدين ثلاثين ألف ديار صوريّة، و ساروا منها إلى حمص، ثمّ ساروا منها إلى دمشق على طريق بعلبكّ، فنزلوا عليها عند مسجد القدم، فلمّا نزلوا على دمشق أتاهم المماليك الناصريّة مع الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، و كانت القاعدة استقرّت بين الظاهر و أخيه الأفضل أنّهم إذا ملكوا (1) دمشق تكون بيد الأفضل، و يسيرون إلى مصر، فإذا ملكوها تسلّم الظاهر دمشق، فيبقى الشام جميعه له، و تبقى مصر للأفضل، و سلّم الأفضل صرخد إلى زين الدين قراجة مملوك والده ليحضر[1] في خدمته، و أنزل والدته و أهله منها و سيّرهم إلى حمص، فأقاموا عند أسد (2) الدين شيركوه صاحبها (3) .

و كان الملك العادل قد سار من مصر إلى الشام، فنزل‏[على‏]مدينة نابلس و سيّر جمعا من العسكر إلى دمشق ليحفظها، فوصلوا قبل وصول الظاهر و الأفضل، و حضر فخر الدين جركس و غيره من الناصريّة عند الظاهر، و زحفوا إلى دمشق و قاتلوها رابع عشر ذي القعدة، و اشتدّ القتال عليها، فالتصق الرجال بالسور، فأدركهم الليل، فعادوا و قد قوي الطمع في أخذها، ثمّ زحفوا إليها مرّة ثانية و ثالثة، فلم يبق إلاّ ملكها، لأنّ العسكر صعد إلى سطح خان ابن المقدّم، و هو ملاصق السور، فلو لم يدركه الليل لملكوا البلد، فلمّا أدركهم الليل، و هم عازمون على الزحف بكرة، و ليس لهم عن البلدمانع، حسد الظاهر أخاه الأفضل، فأرسل إليه يقول له تكون [1]-لتحضر.

____________

(1) . أنهما إذا ملكا. B

(2) عند ناصر. A

(3) الدين محمد صاحبها. A

163

دمشق له و بيده و يسير العساكر معه إلى مصر. فقال له الأفضل: قد علمت أنّ والدتي و أهلي، و هم أهلك أيضا، على الأرض، ليس لهم موضع يأوون إليه، فاحسب أنّ هذا البلد لك تعيرناه ليسكنه أهلي هذه المدّة إلى أن يملك مصر.

فلم يجبه الظاهر إلى‏[1] ذلك، و لجّ، فلمّا رأى الأفضل ذلك الحال قال للناصريّة و كلّ من جاء إليهم من الجند: إن كنتم جئتم إليّ فقد أذنت لكم في العود إلى العادل، و إن كنتم جئتم إلى أخي الظاهر فأنتم و هو أخبر، و كان الناس كلّهم يريدون الأفضل، فقالوا: ما نريد سواك، و العادل أحبّ إلينا من أخيك، فأذن لهم في العود، فهرب فخر الدين جركس و زين الدين قراجة الّذي أعطاه الأفضل صرخد، فمنهم من دخل دمشق، و منهم من عاد إلى إقطاعه، فلمّا انفسخ الأمر عليهم عادوا إلى تجديد الصلح مع العادل، فتردّدت الرسل بينهم و استقرّ الصلح على أن يكون الظاهر منبج، و أفامية و كفرطاب، و قرى معيّنة (1) من المعرّة، و يكون للأفضل سميساط، و سروج، و رأس عين، و حملين، و رحلوا عن دمشق أوّل المحرّم سنة ثمان و تسعين‏[و خمسمائة]، فقصد الأفضل حمص فأقام بها، و سار الظاهر إلى حلب، و وصل العادل إلى دمشق تاسع المحرّم، و سار الأفضل إليه من حمص، فاجتمع به بظاهر دمشق، و عاد من عنده إلى حمص، و سار منها ليتسلّم سميساط، فتسلّمها، و تسلّم باقي ما استقرّ له: رأس عين و سروج و غيرهما[2].

[1]-في. [2]و غيرها

____________

(1) . و قرى معروفة. B

164

ذكر ملك غياث الدين و أخيه ما كان لخوارزم شاه بخراسان‏

قد ذكرنا مسير محمّد بن خرميل‏ (1) من الطالقان. و استيلاءه على مروالرّوذ و سؤال جقر التركيّ نائب علاء الدين محمّد خوارزم شاه بمرو أن يكون في جملة عسكر غياث الدين، و لمّا وصل كتاب ابن خرميل‏ (2) إلى غياث الدين في معنى جقر، علم أنّ هذا إنّما دعاه إلى الانتماء إليهم ضعف صاحبه، فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يستدعيه إلى خراسان، فسار من غزنة في عساكره و جنوده و عدّته و ما يحتاج إليه.

و كان بهراة الأمير عمر بن محمّد المرغنيّ‏ (3) نائبا عن غياث الدين، و كان يكره خروج غياث الدين إلى خراسان، فأحضره غياث الدين و استشاره، فأشار بالكفّ عن قصدها، و ترك المسير (4) إليها، فأنكر عليه ذلك، و أراد إبعاده‏[1] عنه، ثمّ تركه، و وصل شهاب الدين في عساكره و عساكر سجستان و غيرها في جمادى الأولى من هذه السنة، فلمّا وصلوا إلى ميمنة (5) و هي قرية بين الطالقان و كرزبان، وصل إلى شهاب الدين كتاب جقر مستحفظ مرو، يطلبه ليسلّمها إليه، فاستأذن أخاه غياث الدين، فأذن له، فسار إليها، فخرج أهلها مع العسكر الخوارزميّ و قاتلوه، فأمر أصحابه بالحملة عليهم و الجدّ في قتالهم، فحملوا عليهم، فأدخلوهم البلد، و زحفوا بالفيلة إلى أن قاربوا السور، فطلب أهل البلد الأمان، فأمّنهم و كفّ الناس عن التعرض إليهم، و خرج جقر إلى شهاب الدين فوعده الجميل.

[1]-إيعاده. ـ

____________

(1-2) . حرميل. A

(3) . المرعني. B

(4) . عن قصدها و المسير. A

(5) . إلى ميهنه. A

165

ثمّ حضر غياث الدين إلى مرو بعد فتحها، فأخذ جقر و سيّره إلى هراة مكرما. و سلّم مرو إلى هندوخان بن ملك شاه بن خوارزم شاه تكش، و قد ذكرنا هربه من عمّه خوارزم شاه محمّد بن تكش إلى غياث الدين، و وصّاه بالإحسان إلى أهلها.

ثمّ سار غياث الدين إلى مدينة سرخس، فأخذها صلحا، و سلّمها إلى الأمير زنكي بن مسعود، و هو من أولاد عمّه، و أقطعه معها نسا و أبيورد، ثمّ سار بالعساكر إلى طوس، فأراد الأمير الّذي بها أن يمتنع فيها و لا يسلّمها، فأغلق باب البلد ثلاثة أيّام، فبلغ الخبز ثلاثة أمناء[1] بدينار ركنيّ، فضجّ أهل البلد عليه، فأرسل إلى غياث الدين يطلب الأمان، فأمّنه، فخرج إليه، فخلع عليه و سيّره إلى هراة، و لمّا ملكها أرسل إلى عليّ شاه بن خوارزم شاه تكش، و هو نائب أخيه علاء الدين محمّد بنيسابور، يأمره بمفارقة البلد، و يحذره إن أقام سطوة أخيه شهاب الدين. و كان مع عليّ شاه عسكر من خوارزم شاه، فاتّفقوا على الامتناع من تسليم البلد، و حصّنوه، و خرّبوا ما بظاهره من العمارة، و قطعوا الأشجار. و سار غياث الدين إلى نيسابور، فوصل إليها أوائل رجب، و تقدّم عسكر أخيه شهاب الدين إلى القتال، فلمّا رأى غياث الدين ذلك قال لولده محمود: قد سبقنا عسكر غزنة بفتح مرو، و هم يريدون أن يفتحوا نيسابور، فيحصلون بالاسم، فاحمل إلى البلد، و لا ترجع حتّى تصل إلى السور.

فحمل، و حمل معه وجوه الغوريّة، فلم يردّهم أحد من السور، حتّى أصعدوا علم غياث الدين إليه، فلمّا رأى شهاب الدين علم أخيه على السور قال لأصحابه: اقصدوا بنا هذه الناحية، و اصعدوا السور من هاهنا، و أشار إلى مكان فيه، فسقط السور منهدما، فضجّ الناس بالتكبير، و ذهل الخوارزميّون و أهل البلد، و دخل الغوريّة البلد، و ملكوه عنوة، و نهبوه [1] أمنّا.

166

ساعة من نهار، فبلغ الخبر إلى غياث الدين فأمر بالنداء: من نهب مالا أو آذى أحدا فدمه حلال، فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره.

و لقد حدّثني بعض أصدقائنا من التجار، و كان بنيسابور في هذه الحادثة:

نهب من متاعي شي‏ء من جملته سكر، فلمّا سمع العسكر النداء ردّوا جميع ما أخذوا منّي، و بقي لي بساط و شي‏ء من السكر، فرأيت السكر مع جماعة، فطلبته منهم، فقالوا: أمّا السكر فأكلناه، فنسألك ألاّ يسمع أحد، و إن أردت ثمنه أعطيناك، فقلت: أنتم في حلّ منه، و لم يكن البساط مع أولئك، قال: فمشيت إلى باب البلد مع النظارة، فرأيت البساط (1) الّذي لي قد ألقي عند باب البلد لم يجسر أحد على أن يأخذه، فأخذته و قلت: هذا لي، فطلبوا منّي من يشهد به، فأحضرت من شهد لي و أخذته.

ثمّ إنّ الخوارزميّين تحصّنوا بالجامع، فأخرجهم أهل البلد، فأخذهم الغوريّة و نهبوا ما لهم، و أخذ عليّ شاه بن خوارزم شاه و أحضر عند غياث الدين راجلا، فأنكر ذلك على من أحضره، و عظم الأمر فيه، و حضرت داية كانت لعليّ شاه، و قالت لغياث الدين: أ هكذا يفعل بأولاد الملوك؟فقال:

لا!بل هكذا، و أخذ بيده، و أقعده معه على السرير، و طيّب نفسه، و سيّر جماعة الأمراء الخوارزميّة إلى هراة تحت الاستظهار، و أحضر غياث الدين ابن عمّه، و صهره على ابنته، ضياء الدين محمّد بن أبي عليّ الغوريّ و ولاّه حرب خراسان و خراجها، و لقّبه علاء الدين، و جعل معه وجوه الغوريّة، و رحل إلى هراة، و سلّم عليّ شاه إلى أخيه شهاب الدين، و أحسن‏ (2) إلى أهل نيسابور و فرّق فيهم مالا كثيرا.

ثمّ رحل بعده شهاب الدين إلى ناحية قهستان، فوصل إلى قرية، فذكر

____________

(1) . قال... البساط. mo. A

(2) . و أحسن. mo. A

167

له أنّ أهلها إسماعيليّة، فأمر بقتل المقاتلة، و نهب الأموال، و سبي الذراري، و خرّب القرية فجعلها خاوية على عروشها، ثمّ سار إلى كناباد (1) و هي من المدن التي جميع أهلها إسماعيليّة، فنزل عليها و حصرها، فأرسل صاحب قهستان إلى غياث الدين يشكو أخاه شهاب الدين، و يقول: بيننا عهد، فما الّذي بدا منّا حتّى تحاصر بلدي؟ و اشتدّ خوف الإسماعيليّة الذين بالمدينة من شهاب الدين، فطلبوا الأمان ليخرجوا منها، فأمّنهم، و أخرجهم و ملك المدينة و سلّمها إلى بعض الغوريّة، فأقام بها الصلاة، و شعار الإسلام، و رحل شهاب الدين فنزل على حصن آخر للإسماعيليّة، فوصل إليه رسول أخيه غياث الدين، فقال الرسول: معي تقدّم من السلطان، فلا يجري حرد إن فعلته؟فقال: لا. فقال: إنّه يقول لك ما لك و لرعيّتي، أرحل، قال: لا أرحل!قال: إذن أفعل ما أمرني. قال: افعل، فسلّ سيفه و قطع أطناب سرادق شهاب الدين، و قال:

أرحل بتقدّم السلطان، فرحل شهاب الدين و العسكر و هو كاره، و سار إلى بلد الهند، و لم يقم بغزنة غضبا لما فعله أخوه معه.

ذكر قصد نور الدين بلاد العادل و الصلح بينهما

في هذه السنة أيضا تجهّز نور الدين أرسلان شاه، صاحب الموصل، و جمع عساكره و سار إلى بلاد الملك العادل بالجزيرة: حرّان و الرّها، و كان سبب حركته أنّ الملك العادل لمّا ملك مصر، على ما ذكرناه قبل، اتّفق نور الدين و الملك الظاهر، صاحب حلب و صاحب ماردين و غيرهما[1]، على أن يكونوا [1]-و غيرها.

____________

(1) . كناباد: spU . كناباذ: 740. كناباد. P. C

168

يدا واحدة، متّفقين على منع العادل عن قصد أحدهم، فلمّا تجدّدت‏[1] حركة الأفضل و الظاهر أرسلا[2] إلى نور الدين ليقصد البلاد الجزريّة، فسار عن الموصل في شعبان من هذه السنة، و سار معه ابن عمّه قطب الدين محمّد بن عماد الدين زنكي، صاحب سنجار و نصيبين، و صاحب ماردين، و وصل إلى رأس عين، و كان الزمان قيظا، فكثرت الأمراض في عسكره.

و كان بحرّان ولد العادل يلقّب بالملك الفائز و معه عسكر يحفظ البلاد، فلمّا وصل نور الدين إلى رأس عين جاءته رسل الفائز و من معه من أكابر الأمراء يطلبون الصلح و يرغبون فيه، و كان نور الدين قد سمع بأنّ الصلح بدأ يتمّ‏ (1)

بين الملك العادل و الملك الظاهر و الأفضل، و انضاف إلى ذلك كثرة الأمراض في عسكره، فأجاب إليه، و حلّف الملك الفائز و من عنده من أكابر الأمراء على القاعدة التي استقرّت، و حلفوا له أنّهم يحلّفون الملك العادل له، فإن امتنع كانوا معه عليه، و حلف هو للملك العادل.

و سارت الرسل من عنده و من عند ولده في طلب اليمين من العادل، فأجاب إلى ذلك، و حلف له، و استقرّت القاعدة، و أمنت البلاد و عاد نور الدين إلى الموصل في ذي القعدة من السنة.

[1]-تجدّد.

[2]-أرسلان.

____________

(1) . الصلح اوذانتم. tcnupenis. B. A

169

ذكر ملك شهاب الدين نهرواله‏ (1)

لمّا سار شهاب الدين من خراسان، على ما ذكرناه، لم يقم بغزنة، و قصد بلاد الهند، و أرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى نهرواله‏ (2) ، فوصلها سنة ثمان و تسعين‏[و خمسمائة]، فلقيه عسكر الهنود، فقاتلوه قتالا شديدا، فهزمهم أيبك، و استباح معسكرهم، و ما لهم فيه من الدوابّ و غيرها، و تقدّم إلى نهرواله‏ (3) فملكها عنوة، و هرب ملكها، فجمع و حشد، فكثر جمعه.

و علم شهاب الدين أنّه لا يقدر على حفظها إلاّ بأن يقيم هو فيها و يخليها من أهلها، و يتعذّر عليه ذلك، فإنّ البلد عظيم، هو أعظم بلاد الهند، و أكثرهم أهلا، فصالح صاحبها على مال يؤدّيه إليه عاجلا و آجلا، و أعاد عساكره عنها و سلّمها إلى صاحبها.

ذكر ملك ركن الدين ملطية من أخيه و أرزن الروم‏

في هذه السنة، في شهر رمضان، ملك ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان مدينة ملطية، و كانت لأخيه معزّ الدين قيصر شاه، فسار إليه و حصره أيّاما و ملكها، و سار منها إلى أرزن الروم، و كانت لولد الملك ابن محمّد بن صلتق، و هم بيت قديم قد ملكوا أرزن الروم هذه المدّة طويلة، فلمّا سار إليها و قاربها خرج صاحبها إليه ثقة به ليقرّر معه الصلح على قاعدة يؤثرها ركن الدين، فقبض عليه و اعتقله عنده و أخذ البلد، و كان هذا آخر أهل بيته الذين‏[ملكوا]، فتبارك اللََّه الحيّ القيّوم الّذي لا يزول ملكه أبدا سرمدا.

____________

(1-2-3) . نهرواكه: spU . نهرواره: P. C .

170

ذكر وفاة سقمان صاحب آمد و ملك أخيه محمود

في هذه السنة توفّي قطب الدين سقمان بن محمّد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان، صاحب آمد و حصن كيفا، سقط من سطح جوسق كان له بظاهر حصن كيفا فمات، و كان شديد الكراهة لأخيه هذا[1]، و النفور عنه، قد أبعده و أنزله حصن منصور في آخر بلادهم، و اتّخذ مملوكا اسمه إياس، فزوّجه أخته، و أحبّه حبّا شديدا، و جعله وليّ عهده، فلمّا توفّي ملك بعده عدّة أيّام، و تهدّد وزيرا كان لقطب الدين، و غيره من أمراء الدولة، فأرسلوا إلى أخيه محمود سرّا يستدعونه، فسار مجدّا، فوصل إلى آمد و قد سبقه إليها إياس مملوك أخيه، فلم يقدم على الامتناع، فتسلّم محمود البلاد جميعها و ملكها، و حبس المملوك فبقي مدّة محبوسا، ثم شفع له صاحب بلاد الروم، فأطلق من الحبس، و سار إلى الروم، فصار أميرا من أمراء الدولة.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة اشتدّ الغلاء بالبلاد المصريّة لعدم زيادة النيل، و تعذّرت الأقوات حتّى أكل الناس الميتة، و أكل بعضهم بعضا، ثمّ لحقهم عليه وباء و موت كثير أفنى الناس.

و في شعبان منها تزلزلت الأرض بالموصل، و ديار الجزيرة كلّها، و الشام، و مصر، و غيرها، فأثّرت في الشام آثارا قبيحة، و خرّبت كثيرا من الدور بدمشق، و حمص، و حماة، و انخسفت قرية من قرى بصرى، و أثّرت في [1] لهذا أخيه.

171

الساحل الشاميّ أثرا كثيرا، فاستولى الخراب على طرابلس، و صور، و عكّا، و نابلس، و غيرها من القلاع، و وصلت الزلزلة إلى بلد الروم، و كانت بالعراق يسيرةلم تهدم دورا.

و فيها ولد ببغداد طفل له رأسان، و ذلك أنّ جبهته مفروقة بمقدار ما يدخل فيها ميل.

و في هذه السنة، في شهر رمضان، توفّي أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ ابن الجوزيّ الحنبليّ الواعظ ببغداد، و تصانيفه مشهورة، و كان كثير الوقيعة في الناس لا سيّما في العلماء المخالفين لمذهبه و الموافقين له، و كان مولده سنة عشر و خمسمائة.

و فيه أيضا توفّي عيسى بن نصير (1) النميريّ الشاعر، و كان حسن الشعر، و له أدب و فضل، و كان موته ببغداد.

و فيها توفّي العماد أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن حامد بن محمّد بن ألّة، أوّله باللام المشدّدة، و هو العماد الكاتب الأصفهانيّ، كتب لنور الدين محمود ابن زنكي و لصلاح الدين يوسف بن أيّوب، رضي اللََّه عنهما، و كان كاتبا مفلقا، قادرا على القول.

و فيها جمع عبد اللََّه بن حمزة العلويّ المتغلّب على جبال اليمن جموعا كثيرة فيها اثنا عشر ألف فارس، و من الرجّالة ما لا يحصى كثرة، و كان قد انضاف إليه من جند المعزّ بن إسماعيل بن سيف الإسلام طغد كين بن أيّوب، صاحب اليمن، خوفا منه، و أيقنوا بملك البلاد، و اقتسموها، و خافهم ابن سيف الإسلام خوفا عظيما، فاجتمع قوّاد عسكر ابن حمزة ليلا ليتّفقوا على رأي يكون العمل بمقتضاه، و كانوا اثني عشر قائدا فنزلت عليهم صاعقة أهلكتهم

____________

(1) . بن نصر. A

172

جميعهم، فأتى الخبر ابن سيف الإسلام في باقي الليلة بذلك، فسار إليهم مجدّا فأوقع بالعسكر المجتمع، فلم يثبتوا له، و انهزموا بين يديه، و وضع السيف فيهم، فقتل منهم‏ (1) ستّة آلاف قتيل أو أكثر من ذلك و ثبت ملكه و استقرّ بتلك الأرض.

و فيها وقع في بني عنزة بأرض الشراة، بين الحجاز و اليمن، وباء عظيم، و كانوا يسكنون في عشرين قرية، فوقع الوباء في ثماني عشرة قرية، فلم يبق منهم أحد. و كان الإنسان إذا قرب من تلك القرى يموت ساعة ما يقاربها، فتحاماها الناس، و بقيت إبلهم و أغنامهم لا مانع لها، و أمّا القريتان الأخريان‏[1] فلم يمت فيهما[2] أحد، و لا أحسّوا بشي‏ء ممّا كان فيه أولئك.

[1]-الأخريتان.

[2]-فيها.

____________

(1) . منهم أكثر من. B

173

598 ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و خمسمائة

ذكر ملك خوارزم شاه ما كان أخذه الغوريّة من بلاده‏

قد ذكرنا في سنة سبع و تسعين‏[و خمسمائة]ملك غياث الدين و أخيه شهاب الدين ما كان لخوارزم شاه محمّد بن تكش بخراسان و مرو و نيسابور و غيرها[1]، و عودهما عنها بعد أن أقطعا البلاد، و مسير شهاب الدين إلى الهند، فلمّا اتّصل بخوارزم شاه علاء الدين محمّد بن تكش عود العساكر الغوريّة عن خراسان، و دخول شهاب الدين الهند، أرسل إلى غياث الدين يعاتبه، و يقول: كنت أعتقد أن تخلف عليّ بعد أبي، و أن تنصرني على الخطا، و تردّهم عن بلادي، فحيث لم تفعل فلا أقلّ من أن لا تؤذيني و تأخذ بلادي، و الّذي أريده أن تعيد ما أخذته منّي إليّ، و إلاّ استنصرت عليك بالخطا و غيرهم من الأتراك، إن عجزت عن أخذ بلادي، فإنّني إنّما شغلني عن منعكم عنها الاشتغال بعزاء والدي و تقرير أمر بلادي، و إلاّ فما أنا عاجز عنكم و عن أخذ بلادكم بخراسان و غيرها، فغالطه غياث الدين في الجواب لتمتدّ الأيّام بالمراسلات، و يخرج أخوه شهاب الدين من الهند بالعساكر، فإنّ غياث الدين كان عاجزا باستيلاء النّقرس‏[2] عليه.

فلمّا وقف خوارزم شاه على رسالة غياث الدين أرسل إلى علاء الدين الغوريّ، [1] و غيرهما.

[2] النفرس.

174

نائب غياث الدين بخراسان، يأمره بالرحيل عن نيسابور، و يتهدّده إن لم يفعل، فكتب علاء الدين إلى غياث الدين بذلك، و يعرّفه ميل أهل البلد إلى الخوارزميّين، فأعاد غياث الدين جوابه يقوّي قلبه، و يعده النصرة و المنع عنه‏ (1) .

و جمع خوارزم شاه عساكره و سار عن خوارزم نصف ذي الحجّة سنة سبع و تسعين و خمسمائة، فلمّا قارب نسا و أبيوردهرب هندوخان ابن أخي ملك شاه من مرو إلى غياث الدين بفيروزكوه، و ملك خوارزم شاه مدينة مرو، و سار إلى نيسابور و بها علاء الدين، فحصره، و قاتله قتالا شديدا، و طال مقامه عليها، و راسله غير مرّة في تسليم البلد إليه، و هو لا يجيب إلى ذلك انتظارا للمدد من غياث الدين، فبقي نحو شهرين، فلمّا أبطأ عنه النجدة أرسل إلى خوارزم شاه يطلب الأمان لنفسه و لمن معه من الغوريّة، و أنّه لا يتعرّض إليهم بحبس و لا غيره من الأذى، فأجابه إلى ذلك، و حلف لهم، و خرجوا من البلد و أحسن خوارزم شاه إليهم، و وصلهم بمال جليل و هدايا كثيرة، و طلب من علاء الدين أن يسعى في الصلح بينه و بين غياث الدين و أخيه، فأجابه إلى ذلك.

و سار إلى هراة، و منها إلى إقطاعه، و لم يمض إلى غياث الدين تجنّيا عليه لتأخّر أمداده، و لمّا خرج الغوريّة من نيسابور أحسن خوارزم شاه إلى الحسين، ابن خرميل، و هو من أعيان أمرائهم، زيادة على غيره، و بالغ في إكرامه، فقيل إنه من ذلك اليوم استحلفه لنفسه، و أن يكون معه بعد غياث الدين و أخيه شهاب الدين.

ثمّ سار خوارزم شاه إلى سرخس، و بها الأمير زنكي، فحصره أربعين يوما، و جرى بين الفريقين حروب كثيرة، فضاقت الميرة على أهل البلد، لا سيّما الحطب، فأرسل زنكي إلى خوارزم شاه يطلب منه أن يتأخّر عن باب ـ

____________

(1) . عنه و أمره بملازمة مكانه. و جمع. B

175

البلد حتّى يخرج هو و أصحابه و يترك البلد له، فراسله خوارزم شاه في الاجتماع به ليحسن إليه و إلى من معه، فلم يجبه إلى ذلك و احتجّ بقرب نسبه من غياث الدين، فأبعد خوارزم شاه عن باب البلد بعساكره، فخرج زنكي فأخذ من الغلاّت و غيرها التي في المعسكر ما أراد لا سيّما من الحطب، و عاد إلى البلد و أخرج منه من كان قد ضاق به الأمر، و كتب إلى خوارزم شاه: العود أحمد، فندم حيث لم ينفعه الندم، و رحل عن البلد، و ترك عليه جماعة من الأمراء يحصرونه.

فلمّا أبعد خوارزم شاه سار محمّد بن جربك من الطالقان، و هو من أمراء الغوريّة، و أرسل إلى زنكي أمير سرخس يعرّفه أنّه يريد أن يكبس الخوارزميّين لئلاّ ينزعج إذا سمع الغلبة، و سمع الخوارزميّون الخبر، ففارقوا سرخس، و خرج زنكي و لقي محمّد بن جربك و عسكرا في مروالروذ، و أخذ خراجها و ما يجاورها، فسيّر إليهم خوارزم شاه عسكرا مع خاله، فلقيهم محمّد بن جربك و قاتلهم، و حمل بلتّ في يده على صاحب علم الخوارزميّة فضربه فقتله، و ألقى علمهم، و كسر كوساتهم، فانقطع صوتها عن العسكر، و لم يروا أعلامهم، فانهزموا، و ركبهم الغوريّة قتلا و أسرا نحو فرسخين فكانوا ثلاثة آلاف فارس و ابن جربك في تسع مائة فارس، و غنم جميع معسكرهم، فلمّا سمع خوارزم شاه ذلك عاد إلى خوارزم، و أرسل إلى غياث الدين في الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغوريّة يقال له الحسين بن محمّد المرغنيّ، و مرغن من قرى الغور، فقبض عليه خوارزم شاه.

176

ذكر حصر خوارزم شاه هراة و عوده عنها

لمّا أرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين في الصلح، و أجابه عن رسالته مع الحسين المرغنيّ مغالطا، قبض خوارزم شاه على الحسين، و سار إلى هراة ليحاصرها، فكتب الحسين إلى أخيه عمر بن محمّد المرغنيّ، أمير هراة، يخبره بذلك، فاستعدّ للحصار.

و كان سبب قصد خوارزم شاه حصار هراة أنّ رجلين أخوين، ممّن كان يخدم محمّدا (1) سلطان شاه، اتّصلا بغياث الدين، بعد وفاة سلطان شاه، فأكرمهما غياث الدين، و أحسن إليهما، يقال لأحدهما الأمير الحاجّي، فكاتبا خوارزم شاه، و أطمعاه‏[1] في البلد، و ضمنا له تسليمه إليه، فسار لذلك، و نازل المدينة و حصرها، فسلّم الأمير عمر المرغنيّ، أمير البلد، مفاتيح‏[2] الأبواب إليهما، و جعلهما على القتال ثقة منه بهما، و ظنّا منه أنّهما عدوّا خوارزم شاه تكش و ابنه محمّد بعده، فاتّفق أنّ بعض الخوارزميّة أخبر الحسين المرغنيّ‏ (2) المأسور عند خوارزم شاه بحال الرجلين، و أنّهما هما اللذان يدبّران خوارزم شاه و يأمرانه بما يفعل، فلم يصدّقه، و أتاه بخطّ الأمير الحاجي، فأخذه و أرسله إلى أخيه عمر أمير هراة، فأخذهما و اعتقلهما و أخذ أصحابهما.

ثمّ إنّ ألب غازي، و هو ابن أخت غياث الدين، جاء في عسكر من الغوريّة، فنزل على خمسة فراسخ من هراة، فكان يمنع الميرة عن عسكر [1]-و أطعماه.

[2]-مفاتح.

____________

(1) . يخدم عمه سلطان شاه. A

(2) . المرعني. A

177

خوارزم شاه، ثمّ إنّ خوارزم شاه سيّر عسكرا إلى أعمال الطالقان للغارة عليها، فلقيهم الحسن بن خرميل‏ (1) فقاتلهم، فظفر بهم فلم يفلت منهم أحد.

و سار غياث الدين عن فيروزكوه إلى هراة في عسكره، فنزل برباط رزين‏ (2)

بالقرب من هراة، و لم يقدم على خوارزم شاه لقلّة عسكره لأنّ أكثر عساكره كانت مع أخيه بالهند و غزنة، فأقام خوارزم شاه على هراة أربعين يوما، و عزم على الرحيل لأنّه بلغه انهزام أصحابه بالطالقان و قرب غياث الدين، و كذلك أيضا قرب ألب غازي، و سمع أيضا أنّ شهاب الدين قد خرج من الهند إلى غزنة، و كان وصوله إليها في رجب من هذه السنة، فخاف أن يصل بعساكره فلا يمكنه المقام على البلد، فأرسل إلى أمير هراة عمر المرغنيّ في الصلح فصالحه على مال حمله إليه و ارتحل عن البلد.

و أمّا شهاب الدين، فإنّه لمّا وصل إلى غزنة بلغه الخبر بما فعله خوارزم شاه بخراسان و ملكه لها، فسار إلى خراسان، فوصل إلى بلخ و منها إلى باميان ثمّ إلى مرو، عازما على حرب خوارزم شاه، و كان نازلا هناك، فالتقت أوائل عسكريهما، و اقتتلوا، فقتل من الفريقين خلق كثير، ثمّ إنّ خوارزم شاه ارتحل عن مكانه شبه المنهزم، و قطع القناطر، و قتل الأمير سنجر، صاحب نيسابور، لأنّه اتّهمه بالمخامرة عليه، و توجّه شهاب الدين إلى طوس فأقام بها تلك الشتوة على عزم المسير إلى خوارزم ليحصرها، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فقصد هراة و ترك ذلك العزم.

____________

(1) . حرميل. A

(2) . برباط. زرّين. P. C

178

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة درّس مجد الدين أبو عليّ يحيى بن الربيع، الفقيه الشافعيّ، بالنظاميّة ببغداد في ربيع الأوّل.

و فيها توفّيت‏ (1) بنفشة جارية الخليفة المستضي‏ء بأمر اللََّه، و كان كثير الميل إليها، و المحبّة لها، و كانت كثيرة المعروف و الإحسان و الصدقة.

و فيها أيضا توفّي الخطيب عبد الملك بن زيد الدّولعيّ، خطيب دمشق، و كان فقيها شافعيّا، هو من الدّولعيّة قرية من أعمال الموصل.

____________

(1) . في ربيع الأول منها توفيت ببغداد. B

179

599 ثم دخلت سنة تسع و تسعين و خمسمائة

ذكر حصر عسكر العادل ماردين و صلحه مع صاحبها

في هذه السنة، في المحرّم، سيّر الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، صاحب دمشق و مصر، عسكرا مع ولده الملك الأشرف موسى إلى ماردين، فحصروها، و شحّنوا على أعمالها، و انضاف إليه عسكر الموصل و سنجار و غيرهما، و نزلوا بخرزم‏ (1) تحت ماردين، و نزل عسكر من قلعة البارعيّة (2) ، و هي لصاحب ماردين، يقطعون الميرة عن العسكر العادليّ، فسار إليهم طائفة من العسكر العادليّ، فاقتتلوا، فانهزم عسكر البارعيّة (3) .

و ثار التركمان و قطعوا الطريق في تلك الناحية، و أكثروا الفساد، فتعذّر سلوك الطريق إلاّ لجماعة (4) من أرباب السلاح، فسار طائفة من العسكر العادليّ إلى رأس عين لإصلاح الطرق، و كفّ عادية الفساد، و أقام ولد العادل، و لم يحصل له غرض، فدخل الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، في الصلح بينهم، و أرسل إلى عمّه العادل في ذلك، فأجاب إليه على قاعدة أن يحمل له صاحب ماردين مائة و خمسين ألف دينار (5) ، فجاء صرف الدينار أحد عشر قيراطا من أميري، و يخطب له ببلاده، و يضرب اسمه على السكّة، و يكون عسكره في خدمته أيّ وقت طلبه، و أخذ الظاهر عشرين ألف

____________

(1) . محرزم. P. C

(2-3) . النارعيه: spU. P. C

(4) . الطرق إلا بجماعة. A

(5) . دينار اقجا مصارفه. A

180

دينار من النقد المذكور، و قرية القراديّ من أعمال شبختان‏ (1) ، فرحل ولد العادل عن ماردين.

ذكر وفاة غياث الدين ملك الغور و شي‏ء من سيرته‏

في هذه السنة، في جمادى الأولى، توفّي غياث الدين أبو الفتح محمّد بن سام الغوريّ، صاحب غزنة و بعض خراسان و غيرها، و أخفيت وفاته، و كان أخوه شهاب الدين بطوس، عازما على قصد خوارزم شاه، فأتاه الخبر بوفاة أخيه، فسار إلى هراة، فلمّا وصل إليها جلس للعزاء بأخيه في رجب، و أظهرت وفاته حينئذ.

و خلف غياث الدين من الولد ابنا اسمه محمود، لقّب بعد موت أبيه غياث الدين، و سنورد من أخباره كثيرا.

و لمّا سار شهاب الدين من طوس استخلف بمرو الأمير محمّد بن جربك، فسار إليه جماعة من الأمراء الخوارزميّة، فخرج إليهم محمّد ليلا، و بيّتهم، فلم ينج منهم إلاّ القليل، و أنفذ الأسرى و الرءوس إلى هراة، فأمر شهاب الدين بالاستعداد لقصد خوارزم على طريق الرمل، و جهّز خوارزم شاه جيشا و سيّرهم مع برفور التركيّ‏ (2) إلى قتال محمّد بن جربك، فسمع بهم، فخرج إليهم، و لقيهم على عشرة فراسخ من مرو، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل بين الفريقين خلق كثير، و انهزم الغوريّة و دخل محمّد بن جربك مرو في عشرة فرسان، و جاء الخوارزميّون فحصروه خمسة عشر يوما، فضعف

____________

(1) . سحار: spU . شبختان: P. C

(2) مع منقور التركي. A

181

عن الحفظ، فأرسل في طلب الأمان، فحلفوا له إن خرج إليهم على حكمهم أنّهم لا يقتلونه، فخرج إليهم، فقتلوه، و أخذوا كلّ ما معه.

و سمع شهاب الدين الخبر، فعظم عليه، و تردّدت الرسل بينه و بين خوارزم شاه، فلم يستقرّ الصلح، و أراد العود إلى غزنة، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازي، و فلك الملك‏ (1) علاء الدين محمّد بن أبي عليّ الغوريّ على مدينة فيروزكوه‏ (2) ، و جعل إليه حرب خراسان و أمر كلّ ما يتعلّق بالمملكة، و أتاه محمود ابن أخيه غياث الدين، فولاّه مدينة بست و اسفرار (3) ، و تلك الناحية، و جعله بمعزل من الملك جميعه، و لم يحسن الخلافة عليه بعد أبيه، و لا على غيره من أهله، فمن جملة فعله أنّ غياث الدين كانت له زوجة كانت مغنّية، فهويها و تزوّجها، فلمّا مات غياث الدين قبض‏ (4) عليها و ضربها ضربا مبرّحا، و ضرب ولدها (5) غياث الدين، و زوج أختها، و أخذ أموالهم و أملاكهم و سيّرهم إلى بلد الهند، فكانوا في أقبح صورة، و كانت قد بنت مدرسة، و دفنت فيها أباها و أمّها و أخاها[1]، فهدمها، و نبش قبور الموتى، و رمى بعظامهم منها.

و أمّا سيرة غياث الدين و أخلاقه، فإنّه كان مظفّرا منصورا في حروبه، لم تنهزم له راية قطّ، و كان قليل المباشرة للحروب، و إنّما كان له دهاء و مكر، و كان جوادا، حسن الاعتقاد، كثير الصدقات و الوقوف بخراسان، بنى المساجد و المدارس بخراسان لأصحاب الشافعيّ، و بنى الخانكاهات‏ (6) في الطرق، و أسقط ) [1]-و أخاهم.

____________

(1) . غازي و قلد الملك. A

(2) . و بلد الغور. dda فيروزكوه‏ tsopte على. mo. A

(3) . و أسفزار tu. P. C

(4) . الدين أخذها شهاب الدين و قبض. A

(5) . ولدها ربيب. A

(6) و بى الخانات. A

182

المكوس، و لم يتعرّض إلى مال أحد من الناس، و من مات‏[و لا وارث له تصدّق بما يخلفه، و من كان من بلد معروف و مات‏]ببلده يسلّم ماله إلى أهل بلده من التجار، فإن لم يجد أحدا، يسلّمه إلى القاضي، و يختم عليه إلى أن يصل من يأخذه بمقتضى الشرع.

و كان إذا وصل إلى بلد عمّ إحسانه أهله و الفقهاء و أهل الفضل، يخلع عليهم، و يفرض لهم الأعطيات كلّ سنة من خزانته، و يفرق الأموال في الفقراء، و كان يراعي كلّ من وصل إلى حضرته من العلويّين و الشعراء و غيرهم، و كان فيه فضل غزير، و أدب مع حسن خطّ و بلاغة، و كان، رحمه اللََّه، ينسخ المصاحف بخطّه و يقفها في المدارس التي بناها، و لم يظهر منه تعصّب على مذهب، و يقول: التعصّب في المذاهب من الملك قبيح، إلاّ أنّه كان شافعيّ المذهب، فهو يميل إلى الشافعيّة من غير أن يطمعهم في غيرهم، و لا أعطاهم ما ليس لهم.

ذكر أخذ الظاهر قلعة نجم من أخيه الأفضل‏

في هذه السنة أخذ الظاهر غازي قلعة نجم من أخيه الأفضل، و كانت في جملة ما أخذ من العادل لمّا صالحه سنة سبع و تسعين‏[و خمسمائة]، فلمّا كان هذه السنة أخذ العادل من الأفضل سروج و حملين و رأس عين، و بقي بيده سميساط، و قلعة نجم، فأرسل الظاهر إليه يطلب منه قلعة نجم، و ضمن له أنّه يشفع إلى عمّه العادل في إعادة ما أخذ منه، فلم يعطه، فتهدّده بأن يكون إلبا عليه‏ (1) ، و لم تزل الرسل تتردّد حتى سلّمها إليه في شعبان، و طلب منه

____________

(1) . عليه مع العادل. A

183

أن يعوّضه قرى أو مالا، فلم يفعل، و كان هذا من أقبح ما سمع عن ملك يزاحم أخاه في مثل قلعة نجم مع خسّتها (1) و حقارتها، و كثرة بلاده و عدمها لأخيه.

و أمّا العادل، فإنّه لمّا أخذ سروج و رأس عين من الأفضل أرسل والدته إليه لتسأل في ردّهما، فلم يشفّعها و ردّها خائبة، و لقد عوقب البيت الصلاحيّ بما فعله أبوهم مع البيت الأتابكيّ، فإنّه لمّا قصد حصار الموصل سنة ثمانين و خمسمائة أرسل صاحب الموصل والدته و ابنة عمّه نور الدين إليه يسألانه أن يعود، فلم يشفّعهما، فجرى لأولاده هذا، و ردّت زوجته خائبة، كما فعل.

و لمّا رأى الأفضل عمّه و أخاه‏قد أخذا ما كان بيده أرسل إلى ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان، صاحب ملطية و قونية، و ما بينهما من البلاد، يبذل له الطاعة، و أن يكون في خدمته، و يخطب له ببلده، و يضرب السكّة باسمه، فأجابه ركن الدين إلى ذلك، و أرسل له خلعة، فلبسها الأفضل، و خطب له بسميساط في سنة ستّمائة و صار في جملته.

ذكر ملك الكرج مدينة دوين‏ (2)

في هذه السنة استولى الكرج على مدينة دوين، من آذربايجان، و نهبوها، و استباحوها، و أكثروا القتل في أهلها، و كانت هي و جميع بلاد آذربايجان للأمير أبي بكر بن البهلوان، و كان على عادته مشغولا بالشرب ليلا و نهارا، لا يفيق، و لا يصحو، و لا ينظر في أمر مملكته و رعيّته و جنده، قد ألقى الجميع عن قلبه، و سلك طريق من ليس له علاقة، و كان أهل تلك البلاد قد أكثرت الاستغاثة به، و إعلامه بقصد الكرج بلادهم بالغارة مرّة بعد أخرى، فكأنّهم ينادون صخرة صمّاء، فلمّا حصر الكرج، هذه السنة، مدينة ـ

____________

(1) . مع بخستها. A

(2) . tseba. Animutottupac

184

دوين، سار منهم جماعة يستغيثون، فلم يغثهم و خوّفه جماعة من أمرائه عاقبة إهماله و توانيه و إصراره على ما هو فيه فلم يصغ إليهم، فلمّا طال الأمر على أهلها ضعفوا، و عجزوا، و أخذهم الكرج عنوة بالسيف، و فعلوا ما ذكرنا.

ثمّ إنّ الكرج بعد أن استقرّ أمرهم بها أحسنوا إلى من بقي من أهلها، فاللََّه تعالى ينظر إلى المسلمين، و يسهّل لثغورهم من يحفظها و يحميها، فإنّها مستباحة، لا سيّما هذه الناحية، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، فلقد بلغنا من فعل الكرج بأهل دوين من القتل و السبي و الأمر ما تقشعرّ منه الجلود.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أحضر الملك العادل محمّدا ولد العزيز صاحب مصر إلى الرّها، و سبب ذلك أنّه لمّا قطع خطبته من مصر سنة ستّ و تسعين‏[و خمسمائة]، كما ذكرناه، خاف شيعة أبيه أن يجتمعوا عليه، و يصير له معهم فتنة، فأخرجه سنة ثمان و تسعين إلى دمشق، ثمّ نقله هذه السنة إلى الرّها، فأقام بها و معه جميع إخوته و أخواته و والدته و من يخصّه.

و فيها، في رجب، توفّي الشيخ وجيه الدين محمّد بن محمود المروروذيّ، الفقيه الشافعيّ، و هذا الّذي كان السبب في أن‏صار وحيد الدين شافعيّا.

و في ربيع الأوّل منها توفّي أبو الفتوح عبيد اللََّه بن أبي المعمّر الفقيه الشافعيّ المعروف بالمستملي ببغداد، و له خطّ حسن.

و في ربيع الآخر توفّيت زمرّد خاتون أمّ الخليفة الناصر لدين اللََّه، و أخرجت جنازتها ظاهرة، و صلّى الخلق الكثير عليها، و دفنت في التربة التي بنتها لنفسها، و كانت كثيرة المعروف.

185

600 ثم دخلت سنة ستمائة

ذكر حصار خوارزم شاه هراة ثانية

في هذه السنة، أوّل رجب، وصل خوارزم شاه محمّد إلى مدينة هراة، فحصرها، و بها ألب غازي ابن أخت شهاب الدين الغوريّ ملك غزنة، بعد مراسلات جرت بينه و بين شهاب الدين في الصلح، فلم يتمّ. و كان شهاب الدين قد سار عن غزنة إلى لهاوور عازما على غزو الهند، فأقام خوارزم شاه على حصار هراة إلى سلخ شعبان.

و كان القتال دائما، و القتل بين الفريقين كثيرا، و ممّن قتل رئيس خراسان، و كان كبير القدر يقيم بمشهد طوس، و كان الحسين بن خرميل بكرزبان، و هي إقطاعه، فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أرسل إلي عسكرا لنسلم إليهم الفيلة و خزانة شهاب الدين، فأرسل إليه ألف فارس من أعيان عسكره إلى كرزبان، فخرج عليه هو و الحسين بن محمّد المرغنيّ، فقتلوهم إلاّ القليل، فبلغ الخبر إلى خوارزم شاه، فسقط في يده و ندم على إنفاذ العسكر، و أرسل إلى ألب غازي يطلب منه أن يخرج إليه من البلد و يخدمه خدمة سلطانيّة ليرحل عنه، فلم يجبه إلى ذلك، فاتّفق أن ألب غازي مرض و اشتدّ مرضه، فخاف أن يشتغل بمرضه فيملك خوارزم شاه البلد، فأجاب إلى ما طلب منه، و استحلفه على الصلح، و أهدى له هديّة جليلة، و خرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض ميّتا، و لم يشعر أحد بذلك، و ارتحل خوارزم شاه عن البلد و أحرق المجانيق و سار إلى سرخس فأقام بها.

186

ذكر عود شهاب الدين من الهند و حصره خوارزم و انهزامه من الخطا

في هذه السنة، في رمضان، عاد شهاب الدين الغوريّ إلى خراسان من قصد الهند، و سبب ذلك أنّه بلغه حصر خوارزم شاه هراة، و موت ألب غازي نائبة بها، فعاد حنقا على خوارزم شاه، فلمّا بلغ ميمند عدل على طريق أخرى قاصدا إلى خوارزم، فأرسل إليه خوارزم شاه يقول له: ارجع إليّ لأحاربك، و إلاّ سرت إلى هراة، و منها إلى غزنة.

و كان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، فأقام بظاهرها، فأعاد إليه شهاب الدين جوابه: لعلّك تنهزم كما فعلت تلك الدفعة، لكنّ خوارزم تجمعنا، ففرّق خوارزم شاه عساكره، و أحرق ما جمعه من العلف، و رحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم، فسبقه إليها، فقطع الطريق، و أجرى المياه فيها، فتعذّر على شهاب الدين سلوكها، و أقام أربعين يوما يصلحها حتّى أمكنه الوصول إلى خوارزم، و التقى العسكران بسوقرا (1) ، و معناه الماء الأسود، فجرى بينهم قتال شديد كثر القتلى فيه بين الفريقين، و ممّن قتل من الغوريّة الحسين المرغنيّ و غيره، و أسر جماعة من الخوارزميّة، فأمر شهاب الدين بقتلهم‏فقتلوا.

و أرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم، و هم حينئذ أصحاب ما وراء النهر، فاستعدّوا، و ساروا إلى بلاد الغوريّة، فلمّا بلغ شهاب الدين ذلك عاد عن خوارزم، فلقي أوائلهم في صحراء أندخوي أوّل صفر سنة إحدى و ستّمائة، فقتل فيهم و أسر كثيرا، فلمّا كان اليوم الثاني دهمه

____________

(1) . بسوى قرا. A

187

من الخطا ما لا طاقة له بهم، فانهزم المسلمون هزيمة قبيحة، و كان أوّل من انهزم الحسين بن خرميل صاحب طالقان و تبعه الناس و بقي شهاب الدين في نفر يسير، و قتل بيده أربعة أفيال لأنّها أعيت، و أخذ الكفّار فيلين، و دخل شهاب الدين أندخوي فيمن معه، و حصره الكفّار، ثمّ صالحوه على أن يعطيهم فيلا آخر، ففعل، و خلص.

و وقع الخبر في جميع بلاده بأنّه قد عدم، و كثرت الأراجيف بذلك، ثمّ وصل إلى الطالقان في سبعة نفر، و قد قتل أكثر عسكره، و نهبت خزائنه جميعها، فلم يبق منها شي‏ء، فأخرج له الحسين بن خرميل، صاحب الطالقان، خياما و جميع ما يحتاج إليه، و سار إلى غزنة، و أخذ معه الحسين بن خرميل، لأنّه قيل له عنه إنّه شديد الخوف لانهزامه، و إنّه قال: إذا سار السلطان هربت إلى خوارزم شاه، فأخذه معه، و جعله أمير حاجب.

و لمّا وقع الخبر بقتله جمع تاج الدين الدز، و هو مملوك اشتراه شهاب الدين، أصحابه و قصد قلعة غزنة ليصعد إليها، فمنعه مستحفظها، فعاد إلى داره فأقام بها، و أفسد الخلج و سائر المفسدين في البلاد، و قطعوا الطرق، و قتلوا كثيرا، فلمّا عاد شهاب الدين إلى غزنة بلغه ما فعله الدز، فأراد قتله، فشفع فيه سائر المماليك، فأطلقه، ثمّ اعتذر، و سار شهاب الدين في البلاد، فقتل من المفسدين من تلك الأمم نفرا كثيرا.

و كان له أيضا مملوك آخر اسمه أيبك بال تر (1) ، فسلم من المعركة، و لحق بالهند، و دخل المولتان، و قتل نائب السلطان بها، و ملك البلد، و أخذ الأموال السلطانيّة، و أساء السيرة في الرعيّة، و أخذ أموالهم، و قال: قتل السلطان، و أنا السلطان، و كان يحمله على ذلك، و يحسّنه له إنسان اسمه عمر ابن يزان‏ (2) ، و كان زنديقا، ففعل ما أمره، و جمع المفسدين، و أخذ الأموال،

____________

(1) ناك‏بر: P. C

(2) . مران: P. C

188

فأخاف الطريق، فبلغ خبره إلى شهاب الدين فسار إلى الهند، و أرسل إليه عسكرا، فأخذوه و معه عمر بن‏[يزان‏]فقتلهما أقبح قتلة، و قتل من وافقهما، في جمادى الآخرة من سنة إحدى و ستّمائة، و لمّا رآهم قتلى قرأ إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا الآية (1) ، و أمر شهاب الدين فنودي في جميع بلاده بالتجهّز لقتال الخطا و غزوهم و الأخذ بثأرهم.

و قيل: كان سبب انهزامه أنّه‏لمّا عاد إلى الخطا من خوارزم فرّق عسكره في المفازة التي في طريقه لقلّة الماء، و كان الخطا قد نزلوا على طريق المفازة، فكلّما خرج من أصحابه طائفة فتكوا فيهم بالقتل و الأسر، و من سلم من عسكره انهزم نحو البلاد، و لم يرجع إليه أحد يعلم الحال، و جاء شهاب الدين في ساقة العسكر في عشرين ألف فارس و لم يعلم الحال، فلمّا خرج من البرّيّة لقيه الخطا مستريحين، و هو و من معه قد تعبوا و أعيوا، و كان الخطا أضعاف أصحابه، فقاتلهم عامّة نهاره، و حمى نفسه منهم، و حصروه في أندخوي، فجرى بينهم في عدّة أيّام أربعة عشر مصافّا منها مصافّ واحد كان من العصر إلى الغد بكرة، ثمّ إنّه بعد ذلك سيّر طائفة من عسكره‏[1] ليلا سرّا، و أمرهم أن يرجعوا إليه بكرةكأنّهم قد أتوه مددا من بلاده، فلمّا فعلوا ذلك خافه الخطا، و قال لهم صاحب سمرقند، و كان مسلما، و هو في طاعة الخطا، و قد خاف على الإسلام و المسلمين إن هم ظفروا بشهاب الدين، فقال لهم: إنّ هذا الرجل لا تجدونه قطّ أضعف منه لمّا خرج من المفازة، و مع ضعفه و تعبه و قلّة من معه لم نظفر به، و الأمداد أتته، و كأنّكم بعساكره [1]-عسكر.

____________

(1) . 33`5. roc

189

و قد أقبلت من كلّ طريق، و حينئذ نطلب الخلاص منه فلا نقدر عليه، و الرأي لنا الصلح معه، فأجابوا إلى ذلك، فأرسلوا إليه في الصلح.

و كان صاحب سمرقند قد أرسل إليه و عرّفه الحال سرّا، و أمره بإظهار الامتناع من الصلح أوّلا و الإجابة إليه أخيرا، فلمّا أتته الرسل امتنع، و أظهر القوّة بانتظار الأمداد، و طال الكلام، فاصطلحوا على أنّ الخطا لا يعبرون النهر إلى بلاده، و لا هو يعبره إلى بلادهم، و رجعوا عنه، و خلص هو و عاد إلى بلاده، و الباقي نحو ما تقدّم.

ذكر قتل طائفة من الإسماعيليّة بخراسان‏

في هذه السنة وصل رسول إلى شهاب الدين الغوريّ من عند مقدّم الإسماعيليّة بخراسان برسالة أنكرها، فأمر علاء الدين محمّد بن أبي عليّ متولّي بلاد الغور بالمسير في عساكر إليهم و محاصرة بلادهم، فسار في عساكر كثيرة إلى قهستان، و سمع به صاحب زوزن، فقصده و صار معه و فارق خدمة خوارزم شاه، و نزل علاء الدين على مدينة قاين، و هي للإسماعيليّة، و حصرها، و ضيّق على أهلها، و وصل خبر قتل شهاب الدين، على ما نذكره، فصالح أهلها على ستّين ألف دينار ركنيّة، و رحل عنهم، و قصد حصن كاخك فأخذه و قتل المقاتلة، و سبى الذرّيّة، و رحل إلى هراة و منها (1) [إلى‏] (2) فيروزكوه.

____________

(1) . و فيها: spU. P. C

(2) . P. C

190

ذكر ملك القسطنطينيّة من الروم‏

في هذه السنة، في شعبان، ملك الفرنج مدينة القسطنطينيّة من الروم، و أزالوا ملك الروم عنها، و كان سبب ذلك أنّ ملك الروم بها تزوّج أخت ملك إفرنسيس، و هو من أكبر ملوك الفرنج، فرزق منها ولدا ذكرا، ثمّ وثب على الملك أخ له، فقبض عليه، و ملك البلد منه، و سمل عينيه، و سجنه، فهرب ولده و مضى إلى خاله مستنصرا به على عمّه، فاتّفق ذلك و قد اجتمع كثير من الفرنج ليخرجوا إلى بلاد الشام لاستنقاذ البيت المقدّس من المسلمين، فأخذوا ولد الملك معهم، و جعلوا طريقهم على القسطنطينيّةقصدا لإصلاح الحال بينه و بين عمّه، و لم يكن له طمع في سوى ذلك، فلمّا وصلوا خرج عمّه في عساكر الروم محاربا لهم، فوقع القتال بينهم في رجب سنة تسع و تسعين و خمسمائة، فانهزمت الروم، و دخلوا البلد، فدخله الفرنج معهم، فهرب ملك الروم إلى أطراف البلاد، و قيل إنّ ملك الروم لم يقاتل الفرنج بظاهر البلد، و إنّما حصروه فيها.

و كان بالقسطنطينيّة من الروم من يريد الصبيّ، فألقوا النار في البلد، فاشتغل الناس بذلك، ففتحوا بابا من أبواب المدينة، فدخلها الفرنج، و خرج ملكها هاربا، و جعل الفرنج الملك في ذلك الصبيّ، و ليس له من الحكم شي‏ء، و أخرجوا أباه من السجن، إنّما الفرنج هم الحكّام في البلد، فثقّلوا الوطأة على أهله، و طلبوا منهم أموالا عجزوا عنها، و أخذوا أموال البيع و ما فيها من ذهب و نقرة و غير ذلك حتّى ما على الصلبان، و ما هو على صورة المسيح، عليه السّلام، و الحواريّين، و ما على الأناجيل من ذلك أيضا، فعظم ذلك على الروم، و حملوا منه خطبا عظيما، فعمدوا إلى ذلك الصبيّ الملك فقتلوه، و أخرجوا الفرنج من البلد، و أغلقوا الأبواب، و كان ذلك في‏

191

جمادى الأولى سنة ستّمائة، فأقام الفرنج بظاهره محاصرين للروم، و قاتلوهم، و لازموا قتالهم ليلا و نهارا، و كان الروم قد ضعفوا ضعفا كثيرا، فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان، صاحب قونية و غيرها من البلاد، يستنجدونه، فلم يجد إلى ذلك سبيلا.

و كان بالمدينة كثير من الفرنج، مقيمين، يقاربون ثلاثين ألفا، و لعظم البلد لا يظهر أمرهم، فتواضعوا هم و الفرنج الذين بظاهر البلد، و وثبوا فيه، و ألقوا النار مرّة ثانية، فاحترق نحو ربع البلد، و فتحوا الأبواب فدخلوها و وضعوا السيف ثلاثة أيّام، و فتكوا بالروم قتلا و نهبا، فأصبح الروم كلّهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك شيئا، و دخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمى التي تدعى صوفيا[1]، فجاء الفرنج إليها، فخرج إليهم جماعة من القسيسين و الأساقفة و الرهبان، بأيديهم الإنجيل و الصليب يتوسّلون بهما[2] إلى الفرنج ليبقوا عليهم، فلم يلتفتوا إليهم، و قتلوهم أجمعين و نهبوا الكنيسة.

و كانوا ثلاثة ملوك: دوقس البنادقة، و هو صاحب المراكب البحريّة، و في مراكبه ركبوا إلى القسطنطينيّة، و هو شيخ أعمى، إذا ركب تقاد فرسه، و الآخر يقال له المركيس، و هو مقدّم الإفرنسيس، و الآخر يقال له كند أفلند، و هو أكثرهم عددا، فلمّا استولوا[3] على القسطنطينيّة اقترعوا على الملك، فخرجت القرعة على كند أفلند، فأعادوا القرعة ثانية و ثالثة، فخرجت عليه، فملّكوه، و اللََّه يؤتي ملكه من يشاء، و ينزعه ممّن يشاء، فلمّا خرجت القرعة عليه ملّكوه عليها و على ما يجاورها، و تكون لدوقس البنادقة الجزائر البحريّة مثل جزيرة إقريطش و جزيرة رودس و غيرهما، و يكون لمركيس [1] تدعا سوفيا.

[2] بها.

[3] استولى.

192

الإفرنسيس البلاد التي هي شرقيّ الخليج مثل أزنيق و لاذيق، فلم يحصل لأحد منهم شي‏ء غير الّذي أخذ القسطنطينيّة، و أمّا الباقي فلم يسلم من به من الروم، و أمّا البلاد التي كانت‏لملك القسطنطينيّة، شرقيّ الخليج، المجاورة لبلاد ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان، و من جملتها أزنيق و لاذيق، فإنّها تغلّب عليها بطريق كبير من بطارقة الروم، اسمه لشكري، و هي بيده إلى الآن.

ذكر انهزام نور الدين، صاحب الموصل، من العساكر العادليّة

في هذه السنة، في العشرين من شوّال، انهزم نور الدين أرسلان شاه، صاحب الموصل، من العساكر العادليّة، و سبب ذلك أنّ نور الدين كان بينه و بين عمّه قطب الدين محمّد بن زنكي، صاحب سنجار، وحشة مستحكمة أوّلا ثمّ اتّفقا، و سار معه إلى ميّافارقين سنة خمس و تسعين‏[و خمسمائة]، و قد ذكرناه، فلمّا كان الآن أرسل الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، صاحب مصر و دمشق و بلاد الجزيرة، إلى قطب الدين، و استماله، فمال إليه، و خطب له، فلمّا سمع نور الدين ذلك سار إلى مدينة نصيبين، سلخ شعبان، و هي لقطب الدين، فحصرها، و ملك المدينة، و بقيت القلعة فحصرها عدّة أيّام، فبينما هو يحاصرها و قد أشرف على أن يتسلّمها أتاه الخبر أنّ مظفّر الدين دوكبري بن زين الدين عليّ، صاحب إربل، قد قصد أعمال الموصل، فنهب نينوى، و أحرق غلاتها، فلمّا بلغه ذلك من نائبة المرتّب بالموصل يحفظها، سار عن نصيبين إلى الموصل على عزم العبور إلى بلد إربل و نهبه جزاء بما فعل صاحبها ببلده، فوصل إلى مدينة بلد، و عاد مظفّر الدين إلى بلده، و تحقّق نور الدين أنّ الّذي قيل له وقع فيه زيادة، فسار إلى تلّ أعفر من بلد و حصرها، و أخذها و رتّب أمورها، و أقام عليها سبعة عشر يوما. ـ

193

و كان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيّوب قد سار من مدينة حرّان إلى رأس عين نجدة لقطب الدين، صاحب سنجار و نصيبين، و قد اتّفق هو و مظفّر الدين، صاحب إربل، و صاحب الحصن و آمد، و صاحب جزيرة ابن عمر، و غيرهم، على ذلك، و على منع نور الدين من أخذ شي‏ء من بلاده، و كلّهم خائفون منه، و لم يمكنهم الاجتماع و هو على نصيبين، فلمّا فارقها نور الدين سار الأشرف إليها، و أتاه صاحب الحصن، و صاحب الجزيرة، و صاحب دارا، و ساروا عن نصيبين نحو بلد البقعاء قريبا من بوشرى‏ (1) ، و سار نور الدين من تلّ أعفر إلى كفر زمّار، و عزم على المطاولة ليتفرّقوا، فأتاه كتاب من بعض مماليكه، يسمّى جرديك‏ (2) ، و قد أرسله يتجسّس أخبارهم، فيقلّلهم في عينه، و يطمعه فيهم، و يقول: إن أذنت لي لقيتهم بمفردي‏ (3) ، فسار حينئذ نور الدين إلى بوشرى‏ (4) فوصل إليها من الغد الظهر و قد تعبت دوابّه و أصحابه، و لقوا شدّة من الحرّ، فنزل بالقرب منهم أقلّ من ساعة.

و أتاه الخبر أنّ عساكر الخصم قد ركبوا، فركب هو و أصحابه و ساروا نحوهم، فلم يروا لهم أثرا، فعاد إلى خيامه، و نزل هو و عساكره، و تفرّق كثير منهم في القرى لتحصيل العلوفات و ما يحتاجون إليه، فجاءه من أخبره بحركة الخصم و قصده، فركب نور الدين و عسكره، و تقدّموا إليهم، و بينهم نحو فرسخين، فنزلوا و قد ازداد تعبهم، و الخصم مستريح، فالتقوا، و اقتتلوا، فلم تطل الحرب بينهم حتّى انهزم عسكر نور الدين، و انهزم هو أيضا، و طلب الموصل، فوصل إليها في أربعة أنفس، و تلاحق الناس، و أتى الأشرف و من معه، فنزلوا في كفر زمّار، و نهبوا البلاد نهبا عظيما، و أهلكوا ما لم يصلح لهم لا سيّما مدينة بلد فإنّهم أفحشوا في نهبها.

____________

(1-4) . بوشزى. uqs. P. C

(2) . خرديك: P. C

(3) . محفر دمي: spU. P. C

194

و من أعجب ما سمعنا أنّ امرأة كانت تطبخ، فرأت‏[النهب‏] (1) ، فألقت سوارين كانا في يديها في النار و هربت، فجاء بعض الجند و نهب ما في البيت، فرأى فيه بيضا، فأخذه و جعله في النار ليأكله، فحرّكها، فرأى السوارين فيها فأخذهما.

و طال مقامهم و الرسل تتردّد في الصلح، فوقف الأمر على إعادة تلّ أعفر، و يكون الصلح على القاعدة الأولى‏[1]، و توقّف نور الدين في إعادة تلّ أعفر، فلمّا طال الأمر سلّمها إليهم، و اصطلحوا أوائل سنة إحدى و ستّمائة، و تفرّقت العساكر من البلاد.

ذكر خروج الفرنج بالشام إلى بلد الإسلام و الصلح معهم‏

في هذه السنة خرج كثير من الفرنج في البحر إلى الشام، و سهل الأمر عليهم بذلك لملكهم قسطنطينيّة، و أرسوا بعكّا، و عزموا على قصد البيت المقدّس، حرسه‏[2] اللََّه، و استنقاذه من المسلمين، فلمّا استراحوا بعكّا ساروا فنهبوا كثيرا من بلاد الإسلام بنواحي الأردنّ، و سبوا، و فتكوا في المسلمين.

و كان الملك العادل بدمشق، فأرسل في‏جمع العساكر من بلاد الشام و مصر، و سار فنزل عند الطور بالقرب من عكّا، لمنع الفرنج من قصد بلاد الإسلام، و نزل الفرنج بمرج عكّا، و أغاروا على كفركنّا، فأخذوا كلّ من بها [1]-الأوّلة.

[2]-حرسها.

____________

(1) . P. C

195

و أموالهم، و الأمراء يحثّون العادل على قصد بلادهم و نهبها، فلم يفعل، فبقوا كذلك إلى أن انقضت السنة، و ذلك سنة إحدى و ستّمائة، فاصطلح هو و الفرنج على دمشق و أعمالها، و ما بيد العادل من الشام، و نزل لهم عن جميع المناصفات في الصيدا و الرملة و غيرهما، و أعطاهم ناصرة و غيرها، و سار نحو الديار المصريّة. فقصد الفرنج مدينة حماة، فلقيهم صاحبها ناصر الدين محمّد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب، فقاتلهم، و كان في قلّة، فهزموه و تبعوه إلى البلد، فخرج العامّة إلى قتالهم، فقتل الفرنج منهم جماعة و عاد الفرنج.

ذكر قتل كوكجة ببلاد الجبل‏

قد ذكرنا قبل تغلّب كوكجة مملوك البهلوان على الرّيّ، و همذان، و بلد الجبل، و بقي إلى الآن، و كان قد اصطنع مملوكا آخر كان للبهلوان، اسمه إيدغمش، و قدّمه، و أحسن إليه، و وثق به، فجمع إيدغمش الجموع من المماليك و غيرهم، ثمّ قصد كوكجة، فتصافّا، و اقتتل الفريقان، فقتل كوكجة في الحرب، و استولى إيدغمش على البلاد، و أخذ معه أوزبك بن البهلوان، له اسم الملك، و إيدغمش هو المدبّر له و القيّم بأمر المملكة، و كان شهما، شجاعا، ظالما، و كان كوكجة عادلا حسن السيرة، رحمه اللََّه.

ذكر وفاة ركن الدين بن قلج أرسلان و ملك ابنه بعده‏

و في هذه السنة، سادس ذي القعدة، توفّي ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق، صاحب‏

196

ديار الروم، ما بين ملطية و قونية، و كان موته بمرض القولنج و سبعة أيّام، و كان قبل مرضه بخمسة أيّام قد غدر بأخيه صاحب أنكوريّة، و تسمّى أيضا أنقرة، و هي مدينة منيعة، و كان مشاقّا[1] لركن الدين، فحصره عدّة سنين حتّى ضعف و قلّت الأقوات عنده، فأذعن بالتسليم على عوض يأخذه، فعوّضه قلعة في أطراف بلده و حلف له عليها، فنزل أخوه عن مدينة أنقرة، و سلّمها، و معه ولدان له، فوضع ركن الدين عليه من أخذه، و أخذ أولاده معه، فقتله، فلم يمض غير خمسة أيّام حتّى أصابه القولنج فمات.

و اجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان، و كان صغيرا، فبقي في الملك إلى بعض سنة إحدى و ستمائة، و أخذ منه، على ما نذكره هناك.

و كان ركن الدين شديدا على الأعداء، قيّما بأمر الملك، إلاّ أنّ الناس كانوا ينسبونه إلى فساد الاعتقاد، كان يقال إنّه يعتقد أنّ مذهبه مذهب الفلاسفة، و كان كلّ من يرمى بهذا المذهب يأوي إليه، و لهذه الطائفة منه إحسان كثير، إلاّ أنّه كان عاقلا يحبّ ستر هذا المذهب لئلاّ ينفر الناس عنه.

حكي لي عنه أنّه كان عنده إنسان، و كان يرمى بالزندقة و مذهب الفلاسفة، و هو قريب منه، فحضر يوما عنده فقيه، فتناظرا، فأظهر شيئا من اعتقاد الفلاسفة، فقام الفقيه إليه و لطمه و شتمه بحضرة ركن الدين، و ركن الدين ساكت، و خرج الفقيه فقال لركن الدين: يجري عليّ مثل هذا في حضرتك و لا تنكره؟فقال: لو تكلّمت لقتلنا جميعا، و لا يمكن إظهار ما تريده أنت، ففارقه.

[1] مشاققا.

197

ذكر قتل الباطنيّة بواسط

في هذه السنة قتل الباطنيّة بواسط، و سبب كونهم بها[و قتلهم‏]أنّه ورد إليها رجل يعرف بالزّكم محمّد بن طالب بن عصيّة، و أصله من القاروب‏ (1) ، من قرى واسط، و كان باطنيّا ملحدا، و نزل مجاورا لدور بني الهروي، و غشيه الناس، و كثر أتباعه.

و كان ممّن يغشاه رجل يعرف بحسن الصابونيّ، فاتفق أنّه اجتاز بالسّويقة، فكلّمه رجل نجّار في مذهبهم، فردّ عليه الصابونيّ ردّا غليظا، فقام إليه النجّار و قتله، و تسامع الناس بذلك، فوثبوا و قتلوا من وجدوا ممّن ينتسب إلى هذا المذهب، و قصدوا دار ابن عصيّة و قد اجتمع إليه خلق من أصحابه، و أغلقوا الباب، و صعدوا إلى سطحها، و منعوا الناس عنهم، فصعدوا إليهم من بعض الدور من على السطح، و تحصّن من بقي في الدار بإغلاق الأبواب و الممارق، فكسروها، و نزلوا فقتلوا من وجدوا في الدار و أحرقوا، و قتل ابن عصيّة، و فتح الباب، و هرب منهم جماعة فقتلوا، و بلغ الخبر إلى بغداد، و انحدر فخر الدين أبو البدر بن أمسينا الواسطيّ لإصلاح الحال، و تسكين الفتنة.

ذكر استيلاء محمود على مرباط و غيرها من حضرموت‏

في هذه السنة استولى إنسان اسمه محمود بن محمّد الحميريّ على مدينة مرباط و ظفار و غيرهما من حضر موت، و إنّ ابتداء أمره أنّه له مركب يكريه

____________

(1) القاروث. P. C

198

في البحر التجار، ثم وزر لصاحب مرباط، و فيه كرم و شجاعة و حسن سيرة، فلمّا توفّي صاحب مرباط ملك المدينة بعده، و أطاعه الناس محبّة له لكرمه و سيرته، و دامت أيّامه بها، فلمّا كان سنة تسع عشرة و ستّمائة خرب مرباط و ظفار، و بنى مدينة جديدة على ساحل البحر بالقرب من مرباط، و عندها عين عذبة كبيرة أجراها إلى المدينة، و عمل عليها سورا و خندقا، و حصّنها و سمّاها الأحمديّة، و كان يحبّ الشعر، و يكثر الجائزة عليه.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة خرج أسطول من الفرنج إلى الديار المصريّة، فنهبوا مدينة فوّة، و أقاموا خمسة أيّام يسبون و ينهبون، و عساكر مصر مقابلهم، بينهم النيل، ليس لهم وصول إليهم لأنّهم لم تكن لهم سفن.

و فيها كانت زلزلة عظيمة عمّت أكثر البلاد مصر، و الشام، و الجزيرة، و بلاد الروم، و صقلّيّة، و قبرس، و وصلت إلى الموصل و العراق و غيرهما، و خرب من مدينة صور سورها و أثرت في كثير من الشام.

و فيها، في رجب، اجتمع جماعة من الصوفيّة برباط شيخ الشيوخ ببغداد و فيهم صوفيّ اسمه أحمد بن إبراهيم الداريّ من أصحاب شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل، رحمهم اللََّه، و معهم مغنّ يغنّي و يقول الشعر:

عويذلتي أقصري كفى بمشيبي عذل # شباب كأن لم يكن و شيب كأن لم يزل‏

و حقّ ليالي الوصال أواخرها و الأول # و صفرة لون المحبّ عند استماع العذل‏

لئن عاد عيشي بكم # حلا[1] العيش لي و اتّصل‏

[1] حلى.

199

فتحرّك الجماعة، عادة الصوفيّة في السماع، و طرب الشيخ المذكور، و تواجد، ثمّ سقط مغشيّا عليه، فحرّكوه فإذا[1] هو ميّت، فصلّي عليه و دفن، و كان رجلا صالحا.

و فيها توفّي أبو الفتوح أسعد بن محمود العجليّ، الفقيه الشافعيّ، بأصفهان في صفر، و كان إماما فاضلا.

و في رمضان منها توفّي قاضي هراة عمدة الدين الفضل بن محمود بن صاعد السّاويّ، و ولي بعده ابنه صاعد.

[1] فإذ.

200

601 ثم دخلت سنة إحدى و ستمائة

ذكر ملك كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم من ابن أخيه‏

في هذه السنة، في رجب، ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم التي كانت بيد أخيه ركن الدين سليمان و انتقلت بعد موته إلى ابنه قلج أرسلان بن ركن الدين.

و كان سبب ملك غياث الدين لها أنّ ركن الدين كان‏قد أخذ ما كان لأخيه غياث الدين، و هو مدينة قونية، فهرب غياث الدين منه، و قصد الشام إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، صاحب حلب، فلم يجد عنده قبولا، و قصّر به، فسار من عنده، و تقلّب في البلاد إلى أن وصل إلى القسطنطينيّة، فأحسن إليه ملك الروم و أقطعه و أكرمه، فأقام عنده، و تزوّج بابنة بعض البطارقة الكبار.

و كان لهذا البطريق قلعة من عمل القسطنطينيّة، فلمّا ملك الفرنج القسطنطينيّة هرب غياث الدين إلى حميه، و هو بقلعته، فأنزله عنده و قال له: نشترك في هذه القلعة، و نقنع بدخلها. فأقام عنده، فلمّا مات أخوه سنة ستّمائة، كما ذكرناه، اجتمع الأمراء (1) على ولده، و خالفهم الأتراك الأوج‏ (2) ، و هم كثير بتلك البلاد، و أنف من اتّباعهم، و أرسل إلى غياث الدين يستدعيه إليه

____________

(1) . الأمر: spU. P. C

(2) . و خالفهم الأمير و هو من الأتراك الأوج: spU. P. C

201

ليملّكه البلاد، فسار إليه، فوصل في جمادى الأولى، و اجتمع به، و كثر جمعه، و قصد مدينة قونية ليحصرها، و كان ولد ركن الدين و العساكر بها، فأخرجوا إليه طائفة من العسكر، فلقوه فهزموه، فبقي حيران لا يدري أين يتوجّه، فقصد بلدة صغيرة يقال لها أوكرم بالقرب من قونية.

فقدّر اللََّه تعالى أنّ أهل مدينة أقصرا وثبوا على الوالي فأخرجوه منها و نادوا بشعار غياث الدين، فلمّا سمع أهل قونية بما فعله أهل أقصراقالوا:

نحن أولى من فعل هذا، لأنّه كان حسن السيرة فيهم لما كان مالكهم، فنادوا باسمه أيضا، و أخرجوا من عندهم، و استدعوه، فحضر عندهم، و ملك المدينة و قبض على ابن أخيه و من معه، و آتاه اللََّه الملك، و جمع له البلاد جميعها في ساعة واحدة، فسبحان من إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه.

و كان أخوه قيصر شاه الّذي كان صاحب ملطيّة، لمّا أخذها ركن الدين منه سنة سبع و تسعين‏[و خمسمائة]، خرج‏[1] منها، و قصد الملك العادل أبا بكر بن أيّوب، لأنّه كان تزوج ابنته مستنصرا به، فأمره بالمقام بمدينة الرّها، فأقام بها، فلمّا سمع بملك أخيه غياث الدين سار إليه، فلم يجد عنده قبولا، إنّما أعطاه شيئا و أمره بمفارقة البلاد، فعاد إلى الرّهاو أقام بها، فلمّا استقرّ ملك‏[غياث الدين سار إليه الأفضل صاحب‏] (1) سميساط، فلقيه بمدينة قيساريّة (2) ، و قصده أيضا نظام الدين صاحب خرت برت، و صار معه، فعظم شأنه و قوي أمره.

[1]-فخرج

____________

(1) . P. C

(2) . فلقيه بمدينة قيسارية. P. CnitnuseD

202

ذكر حصر صاحب آمد خرت برت و رجوعه عنها

كانت خرت برت لعماد الدين بن قرا أرسلان، فمات، و ملكها بعده ابنه نظام الدين أبو بكر، و التجأ إلى ركن الدين بن قلج أرسلان، و بعده إلى أخيه غياث الدين ليمتنع به من ابن عمّه ناصر الدين محمود بن محمّد بن قرا أرسلان، فامتنع به.

و كان صاحب آمد ملتجئا إلى الملك العادل، و في طاعته، و حضر مع ابنه الملك الأشرف قتال صاحب الموصل على شرطأنّه يسير معه في عساكره، و يأخذ له خرت برت، و انّما طمع فيها بموت ركن الدين، فلمّا دخلت هذه السنة طلب ما كان استقرّ الأمر عليه، فسار معه الملك الأشرف و عساكر ديار الجزيرة من سنجار، و جزيرة ابن عمر، و الموصل، و غيرها، و كان نزولهم عليها في شعبان، و في رمضان تسلّموا ربضها، و كان صاحبها قد اجتمع بغياث الدين، بعد أن ملك البلاد الروميّة، و صار معه في طاعته، فلمّا نزل صاحب آمد على خرت برت خاطب صاحبها غياث‏[1] الدين ينجده بعسكر يرحّلهم عنه، فجهّز عسكرا كثيرا عدّتهم ستّة آلاف فارس، و سيّرهم [مع‏]الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين و هو صاحب سميساط، فلمّا وصل العسكر إلى ملطية فارق صاحب آمد و من معه من خرت برت، و نزلوا إلى الصحراء، و حصروا البحيرة المعروفة ببحيرة سمنين‏و بها حصنان أحدهما لصاحب خرت برت، فحصره و زاحفه، ففتحه ثاني ذي الحجّة.

و وصل صاحب خرت برت مع العسكر الروميّ إلى خرت برت، فرحل صاحب آمد عن البحيرة و قوّى الحصن الّذي فتحه فيها، فأزاح علّته، [1] لغياث.

203

و رحل إلى خلف مرحلة و نزل، و تردّدت الرسل، و العسكر الروميّ يطلب البحيرة، و صاحب آمد يمتنع من ذلك، فلمّا طال الأمر بقي الحصن بيد صاحب آمد، و انفصل العسكران، و عاد كلّ فريق إلى بلاده.

ذكر الفتن ببغداد

في سابع عشر رمضان جرت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج و أهل المأمونيّة، و سببها أنّ أهل باب الأزج قتلوا سبعا و أرادوا أن يطوفوا به، فمنعهم أهل المأمونيّة، فوقعت الفتنة بينهما عند البستان الكبير، فجرح منهم خلق كثير، و قتل جماعة، و ركب صاحب الباب لتسكين الفتنة، فجرح فرسه، فعاد.

فلمّا كان الغد سار أهل المأمونيّة إلى أهل باب الأزج، فوقعت بينهم فتنة شديدة و قتال بالسيوف و النشاب، و اشتدّ الأمر، فنهبت الدور القريبة منهم، و سعى الركن ابن عبد القادر و يوسف العقاب في تسكين الناس، و ركب الأتراك، فصاروا يبيتون تحت المنظرة، فامتنع أهل الفتنة من الاجتماع، فسكنوا.

و في العشرين منه جرت فتنة بين أهل قطفتا و القرية، من محالّ الجانب الغربيّ، بسبب قتل سبع أيضا، أراد أهل قطفتا أن يجتمعوا و يطوفوا به، فمنعهم أهل القرية أن يجوزوا به عندهم، فاقتتلوا، و قتل بينهم عدّة قتلى، فأرسل إليهم عسكر من الديوان لتلافي الأمر و منع الناس عن الفتنة، فامتنعوا.

و في تاسع رمضان كانت فتنة بين أهل سوق السلطان و الجعفريّة، منشؤها أنّ رجلين من المحلّتين اختصما و توعّد كلّ واحد منهما صاحبه، فاجتمع‏

204

أهل المحلّتين، و اقتتلوا في مقبرة الجعفريّة، فسيّر إليهم من الديوان من تلافى الأمر و سكّنه، فلمّا كثرت الفتن رتّب أمير كبير من مماليك الخليفة، و معه جماعة كثيرة، فطاف في البلد، و قتل جماعة ممّن فيه شبهة، فسكن الناس.

ذكر غارة الكرج على بلاد الإسلام‏

في هذه السنة أغارت الكرج على بلاد الإسلام من ناحية أذربيجان، فأكثروا العيث و الفساد و النهب و السبي، ثمّ أغاروا على ناحية خلاط من أرمينية، فأوغلوا في البلاد حتّى بلغوا ملازكرد، و لم يخرج إليهم أحد من المسلمين يمنعهم، فجاسوا خلال البلاد ينهبون و يأسرون و يسبون، و كلّما [تقدّموا] (1) تأخّرت عساكر المسلمين عنهم، ثمّ إنّهم رجعوا، فاللََّه تعالى ينظر إلى الإسلام و أهله، و ييسّر لهم من يحمي بلادهم، و يحفظ ثغورهم، و يغزو أعداءهم.

و فيها أغارت‏[1] الكرج‏[على‏]بلاد خلاط، فأتوا إلى أرجيش و نواحيها، فنهبوا، و سبوا، و خرّبوا البلاد، و ساروا إلى حصن التين‏ (2) ، من أعمال خلاط، و هو مجاور أرزن الروم، فجمع صاحب خلاط عسكره و سار إلى ولد قلج أرسلان، صاحب أرزن الروم، فاستنجده على الكرج، فسيّر عسكره جميعه معه، فتوجّهوا نحو الكرج، فلقوهم، و تصافّوا، و اقتتلوا، فانهزمت [1]-غارت. ـ

____________

(1) . P. C

(2) . حصن التي. A