الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
205

الكرج، و قتل زكري الصغير، و هو من أكابر مقدّميهم، و هو الّذي كان مقدّم هذا العسكر من الكرج و المقاتل بهم، و غنم المسلمون ما معهم من الأموال و السلاح و الكراع و غير ذلك، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و أسروا كذلك، و عاد إلى بلاده.

ذكر الحرب بين أمير مكّة و أمير المدينة

و في هذه السنة أيضا كانت الحرب بين الأمير قتادة الحسني، أمير مكّة، و بين الأمير سالم بن قاسم الحسينيّ، أمير المدينة، و مع كلّ واحد منهما جمع كثير، فاقتتلوا قتالا شديدا، و كانت الحرب بذي الحليفة، بالقرب من المدينة، و كان قتادة قد قصد المدينة ليحصرها و يأخذها، فلقيه سالم بعد أن قصد الحجرة، على ساكنها الصلاة و السلام، فصلّى عندها، و دعا و سار فلقيه، فانهزم قتادة، و تبعه سالم إلى مكّة فحصره بها، فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء، فأفسدهم عليه، فمالوا إليه و حالفوه، فلمّا رأى سالم ذلك رحل عنه عائدا إلى المدينة و عاد أمر قتادة قويّا[1].

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة، قطعت خطبة وليّ العهد، و أظهر خطّ قرئ بدار الوزير نصير الدين ناصر بن مهدي الرازيّ، و إذا هو خطّ وليّ العهد الأمير أبي نصر ابن الخليفة إلى أبيه الناصر [1] قويّ.

206

لدين اللََّه أمير المؤمنين، يتضمّن العجز عن القيام بولاية العهد، و يطلب الإقالة، و شهد عدلان أنّه خطّه، و أنّ الخليفة أقاله، و عمل بذلك محضر شهد فيه القضاة و العدول و الفقهاء.

و في هذه السنة ولدت امرأة ببغداد ولدا له رأسان و أربع أرجل و يدان، و مات في يومه.

و فيها أيضا وقع الحريق في خزانة السلاح التي للخليفة، فاحترق فيها منه شي‏ء كثير، و بقيت النار يومين، و سار ذكر هذا الحريق في البلدان، فحمل الملوك من السلاح إلى بغداد شيئا كثيرا.

و في هذه السنة وقع الثلج بمدينة هراة أسبوعا كاملا، فلمّا سكن جاء بعده سيل من الجبل من باب سرا، خرّب كثيرا من البلد، و رمى من حصنه قطعة عظيمة، و جاء بعده برد شديد أهلك الثمار، فلم يكن بها تلك السنة شي‏ء إلاّ اليسير.

و فيها، في شعبان، خرج عسكر من الغوريّة مقدّمهم الأمير زنكي بن مسعود إلى مدينة مرو، فلقيهم نائب خوارزم شاه بمدينة سرخس، و هو الأمير جقر، و كمّن لهم كمينا، فلمّا وصلوا إليه هزمهم، و أخذ وجوه الغوريّة أسرى، فلم يفلت منهم إلاّ القليل، و أخذ أميرهم زنكي أسيرا، فقتل صبرا، و علقت رءوسهم بمرو أيّاما.

و فيها، في ذي القعدة، سار الأمير عماد الدين عمر بن الحسين الغوريّ، صاحب بلخ، إلى مدينة ترمذ، و هي للأتراك الخطا، فافتتحها عنوة، و جعل بها ولده الأكبر، و قتل من بها من الخطا، و نقل العلويّين منها إلى‏[بلخ‏] (1) ، و صارت ترمذ دار إسلام، و هي من أمنع الحصون و أقواها.

و فيها توفّي صدر الدين السجزيّ شيخ خانكاه السلطان بهراة.

____________

(1) . P. C

207

و فيها، في صفر، توفّي أبو عليّ الحسن بن محمّد بن عبدوس الشاعر القفطيّ، و هو من الشعراء المجيدين، و اجتمعت به بالموصل، و ردها مادحا لصاحبها نور الدين أرسلان شاه و غيره من المقدّمين، و كان نعم الرجل، حسن الصحبة و العشرة.

و فيها اجتمع ببغداد رجلان أعميان على رجل أعمى أيضا، و قتلاه بمسجد طمعا في أن يأخذا منه شيئا، فلم يجدا معه ما يأخذانه، و أدركهما الصباح، فهربا من الخوف يريدان الموصل، و رئي الرجل مقتولا، و لم يعلم قاتله، فاتّفق أنّ بعض أصحاب الشحنة اجتاز من الحريم في خصومة جرت، فرأى الرجلين الضريرين، فقال لمن معه: هؤلاء الذين قتلوا الأعمى، يقوله مزحا، فقال أحدهما: هذا و اللََّه قتله، فقال الآخر: بل أنت قتلته، فأخذا إلى صاحب الباب، فأقرّا، فقتل أحدهما، و صلب الآخر على باب المسجد الّذي قتلا فيه الرجل.

208

602 ثم دخلت سنة اثنتين و ستمائة

ذكر الفتنة بهراة

في هذه السنة، في المحرّم، ثار العامّة بهراة، و جرت فيه فتنة عظيمة بين أهل السوقين: الحدّادين و الصفّارين، قتل فيها جماعة، و نهبت الأموال، و خرّبت الديار، فخرج أمير البلد ليكفّهم، فضربه بعض العامّة بحجر ناله منه ألم شديد، و اجتمع الغوغاء عليه، فرفع إلى القصر الفيروزيّ، و اختفى أيّاما إلى أن سكنت الفتنة ثمّ ظهر.

ذكر قتال شهاب الدين الغوريّ بني كوكر

قد ذكرنا انهزام شهاب الدين محمّد بن سام الغوريّ، صاحب غزنة، من الخطا الكفّار، و أنّ الخبر ظهر ببلاده أنّه عدم من المعركة و لم يقف أصحابه له على خبر، فلمّا اشتهر هذا الخبر ثار المفسدون في أطراف البلاد، و كان ممّن أفسد دانيال، صاحب جبل الجودي، فإنّه كان قد أسلم، فلمّا بلغه الخبر ارتدّ عن الإسلام، و تابع بني كوكر، و كان في جملة الخارجين عليه بنو كوكر و مساكنهم في جبال بين لهاوور و المولتان حصينة منيعة، و كانوا قد أطاعوا شهاب الدين، و حملوا له الخراج، فلمّا بلغهم خبر عدمه ثاروا فيمن معهم من قبائلهم و عشائرهم، و أطاعهم صاحب‏

209

جبل الجودي و غيره من القاطنين بتلك الجبال، و منعوا الطريق من لهاوور و غيرها إلى غزنة.

فلمّا فرغ شهاب الدين من قتل مملوكه أيبك باك، و قد ذكرناه، أرسل إلى نائبة بلهاوور و المولتان، و هو محمّد بن أبي عليّ، يأمره بحمل المال لسنة ستّمائة، و سنة إحدى و ستّمائة، ليتجهّز به لحرب الخطا، فأجاب أنّ أولاد كوكر قد قطعوا الطريق، و لا يمكنه إرسال المال، و حضر جماعة من التجار، و ذكروا أنّ قفلا كبيرا أخذه أولاد كوكر، و لم ينج منه إلاّ القليل، فأمر شهاب الدين مملوكه أيبك، مقدّم عساكر الهند، أن يراسل بني كوكر يدعوهم إلى الطاعة، و يتهدّدهم إن لم يجيبوا إلى ذلك، ففعل ذلك، فقال ابن كوكر: لأيّ معنى لم يرسل السلطان إلينا رسولا؟فقال له الرسول: و ما قدركم أنتم‏حتّى يرسل إليكم، و إنّما مملوكه يبصّركم رشدكم، و يهدّدكم.

فقال ابن كوكر: لو كان شهاب الدين حيّا لراسلنا، و قد كنّا ندفع الأموال إليه، فحيث عدم فقل لأيبك يترك لنا لهاوور و ما والاها، و فرشابور، و نحن نصالحه، فقال الرسول: أنفذ أنت جاسوسا تثق به فيأتيك‏[1] بخبر شهاب الدين من فرشابور، فلم يصغ إلى قوله، فردّه، فعاد و أخبر بما سمع و رأى، فأمر شهاب الدين مملوكه قطب الدين أيبك بالعود إلى بلاده، و جمع العساكر، و قتال بني كوكر، فعاد إلى دهلي، و أمر عساكره بالاستعداد، فأقام شهاب الدين في فرشابور إلى نصف شعبان من سنة إحدى و ستّمائة، ثمّ عاد إلى غزنة فوصلها أوّل رمضان، و أمر بالنداء في العساكر بالتجهّز لقتال الخطا، و أنّ المسير يكون أوّل شوّال، فتجهّزوا لذلك.

فاتّفق أنّ الشكايات كثرت من بني كوكر و ما يتعهدونه‏[2] من إخافة السبل [1] إليه يأتيك.

[2] يعتهدونه.

210

و أنّهم قد أنفذوا شحنة إلى البلاد، و وافقهم إلى البلاد، و وافقهم أكثر الهنود، و خرجوا من طاعة أمير لهاوور و المولتان و غيرهما.

و وصل كتاب الوالي يذكر ما قد دهمه منهم، و أنّ عمّاله قد أخرجهم بنو كوكر، و جبوا الخراج، و أنّ ابن كوكر مقدّمهم أرسل إليه ليترك له لهاوور و البلاد و الفيلة و يقول أن يحضر شهاب و إلاّ قتله، و يقول: إن لم يحضر السلطان شهاب الدين بنفسه و معه العساكر و إلاّ خرجت البلاد من يده.

و تحدّث الناس بكثرة من معهم من الجموع، و ما لهم من القوّة، فتغير عزم شهاب الدين حينئذ عن غزو الخطا، و أخرج خيامه و سار عن غزنة خامس ربيع الأوّل سنة اثنتين و ستّمائة، فلمّا سار و أبعد انقطعت أخباره عن الناس بغزنة و فرشابور، حتّى أرجف الناس بانهزامه.

و كان شهاب الدين لمّا سار عن فرشابور أتاه خبر ابن كوكر أنّه نازل في عساكره ما بين جيلم و سودرة، فجدّ السير إليه، فدهمه قبل الوقت الّذي كان يقدّر وصوله فيه، فاقتتلوا قتالا شديدا يوم الخميس لخمس بقين من ربيع الآخر، من بكرة إلى العصر، و اشتدّ القتال، فبينما هم في القتال أقبل قطب الدين أيبك في عساكره، فنادوا بشعار الإسلام، و حملوا حملة صادقة، فانهزم الكوكريّة و من انضمّ إليهم، و قتلوا بكلّ مكان، و قصدوا أجمة هناك، فاجتمعوا بها، و أضرموا نارا، فكان أحدهم يقول لصاحبه:

لا تترك المسلمين يقتلونك، ثمّ يلقي نفسه في النار فيلقي صاحبه نفسه بعده فيها، فعمّهم الفناء قتلا و حرقا، ف بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ (1) .

و كان أهلهم و أموالهم معهم لم يفارقوها، فغنم المسلمون منهم ما لم يسمع بمثله، حتّى إنّ المماليك كانوا يباعون كلّ خمسة بدينار ركنيّ و نحوه، و هرب

____________

(1) . 14`11. roc

211

ابن كوكر بعد أن قتل إخوته و أهله.

و أمّا ابن دانيال، صاحب جبل الجودي، فإنّه جاء ليلا إلى قطب الدين أيبك، فاستجار به، فأجاره، و شفع فيه إلى شهاب الدين، فشفّعه فيه، و أخذ منه قلعة الجودي، فلمّا فرغ منهم سار نحو لهاوور ليأمن أهلها و يسكن روعهم، و أمر الناس بالرجوع إلى بلادهم و التجهّز لحرب بلاد الخطا، و أقام شهاب الدين بلهاوور إلى سادس عشر رجب، و عاد نحو غزنة، و أرسل إلى بهاء الدين سام، صاحب باميان، ليتجهّز للمسير إلى سمرقند، و يعمل جسرا ليعبر هو و عساكره عليه.

ذكر الظفر بالتيراهيّة

كان من جملة الخارجين المفسدين أيضا على شهاب الدين التيراهيّة، فإنّهم خرجوا إلى حدود سوران و مكرهان للغارة على المسلمين، فأوقع بهم نائب تاج الدين الدز، مملوك شهاب الدين بتلك الناحية، و يعرف بالحلحي، و قتل منهم خلقا كثيرا، و حمل رءوس المعروفين فعلّقت ببلاد الإسلام.

و كانت فتنة هؤلاء التيراهيّة على بلاد الإسلام عظيمة قديما و حديثا، و كانوا إذا وقع بأيديهم أسير من المسلمين عذّبوه بأنواع العذاب.

و كان أهل فرشابور معهم في ضرّ شديد لأنّهم يحيطون بتلك الولاية من جوانبها، لا سيّما آخر أيّام بيت سبكتكين، فإنّ الملوك ضعفواو قوي هؤلاء عليهم، و كانوا يغيرون على أطراف البلاد، و كانوا كفّارا لا دين لهم يرجعون إليه، و لا مذهب يعتمدون عليه، إلاّ أنّهم كانوا إذا ولد لأحدهم بنت وقف على باب داره و نادى: من يتزوّج هذه؟من يقبلها؟فإن أجابه‏

212

أحد تركها، و إلاّ قتلها، و يكون للمرأة عدّة أزواج، فإذا كان أحدهم عندها جعل مداسه على الباب، فإذا جاء غيره من أزواجها و رأى مداسه عاد.

و لم يزالوا كذلك حتّى أسلم طائفة منهم آخر أيّام شهاب الدين الغوريّ، فكفّوا عن البلاد.

و سبب إسلامهم أنّهم أسروا إنسانا من فرشابور، فعذّبوه فلم يمت، و دامت أيّامه عندهم، فأحضره يوما مقدّمهم و سأله عن بلاد الإسلام، و قال له: لو حضرت أنا عند شهاب الدين ما ذا كان يعطيني؟فقال له المعلّم: كان يعطيك الأموال و الأقطاع و يردّ إليك حكم جميع البلاد التي لكم، فأرسله إلى شهاب الدين في الدخول في الإسلام، فأعاده و معه رسول بالخلع و المنشور بالأقطاع، فلمّا وصل إليه الرسول سار هو و جماعة من أهله إلى شهاب الدين، فأسلموا و عادوا، و كان للناس بهم راحة، فلمّا كانت هذه الفتنة و اختلفت البلاد نزل أكثرهم من الجبال، فلم يكن لهذه الطائفة بهم قدرة ليمنعوهم، فأفسدوا و عملوا[1] ما ذكرناه.

ذكر قتل شهاب الدين الغوريّ‏

في هذه السنة، أوّل ليلة من شعبان، قتل شهاب الدين أبو المظفّر محمّد ابن سام الغوريّ، ملك غزنة و بعض خراسان، بعد عوده من لهاوور، بمنزل يقال له دميل، وقت صلاة العشاء.

و كان سبب قتله أنّ نفرا من الكفّار الكوكريّة لزموا عسكره عازمين على قتله، لما فعل بهم من القتل و الأسر و السبي، فلمّا كان هذه الليلة تفرّق عنه [1] و أعملوا.

213

أصحابه، و كان قد عاد و معه من الأموال ما لا يحدّ، فإنّه كان عازما على قصد الخطا، و الاستكثار من العساكر، و تفريق المال فيهم، و قد أمر عساكره بالهند باللحاق به، و أمر عساكره الخراسانيّة بالتجهّز إلى أن يصل إليهم، فأتاه اللََّه من حيث لم يحتسب، و لم يغن عنه ما جمع من مال و سلاح و رجال، لكن كان على نيّة صالحة من قتال الكفّار.

فلمّا تفرّق عنه أصحابه، و بقي وحده في خركاه، ثار أولئك النفر، فقتل أحدهم بعض الحراس بباب سرادق شهاب الدين، فلمّا قتلوه صاح، فثار أصحابه من حول السرادق لينظروا ما بصاحبهم، فأخلوا مواقفهم‏[1]، و كثر الزحام، فاغتنم الكوكريّة غفلتهم عن الحفظ، فدخلوا على شهاب الدين و هو في الخركاه، فضربوه بالسكاكين اثنتين و عشرين ضربة فقتلوه، فدخل عليه أصحابه، فوجدوه على مصلاّه قتيلا و هو ساجد، فأخذوا أولئك الكفّار فقتلوهم، و كان فيهم اثنان مختونان.

و قيل إنّما قتله الإسماعيليّة لأنّهم خافوا خروجه إلى خراسان، و كان له عسكر يحاصر بعض قلاعهم على ما ذكرناه.

فلمّا قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيّد الملك بن خوجا سجستان، فتحالفوا على حفظ الخزانة و الملك، و لزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولاّه، و أجلسوا شهاب الدين و خيّطوا جراحة و جعلوه في المحفّة و ساروا به، و رتّب الوزير الأمور، و سكّن الناس بحيث لم ترق محجمة دم، و لم يوجد في أحد شي‏ء.

و كانت المحفّة محفوفة بالحشم، و الوزير، و العسكر، و الشمسة، على حاله في حياته، و تقدّم الوزير إلى أمير داذالعسكر بإقامة السياسة، و ضبط [1] موافقهم. ـ

214

العسكر، و كانت الخزانة التي في صحبته ألفي حمل و مائتي حمل، و شغب الغلمان الأتراك الصغار لينهبوا المال، فمنعهم الوزير و الأمراء الكبار من المماليك، و هو صونج صهر الدز و غيره، و أمروا كلّ من له إقطاع عند قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين ببلاد الهند بالعود إليه، و فرّقوا فيهم أموالا كثيرة فعادوا.

و سار الوزير و معه من له إقطاع و أهل بغزنة، و علموا أنّه يكون بين غياث الدين محمود بن غياث الدين أخي شهاب الدين الأكبر، و بين بهاء الدين صاحب باميان، و هو ابن أخت شهاب الدين، حروب شديدة، و كان ميل الوزير و الأتراك و غيرهم إلى غياث الدين محمود، و كان الأمراء الغوريّة يميلون إلى بهاء الدين سام، صاحب باميان، فأرسل كلّ طائفة إلى من يميلون إليه يعرّفونه قتل شهاب الدين و جليّة الأمور، و جاء بعض المفسدين من أهل غزنة، فقال للمماليك: إنّ فخر الدين الرازيّ قتل مولاكم لأنّه هو أوصل من قتله، بوضع من خوارزم شاه، فثاروا به ليقتلوه، فهرب، و قصد مؤيّد الملك الوزير، فأعلمه الحال فسيّره سرّا إلى مأمنه.

و لمّا وصل العسكر و الوزير إلى فرشابور اختلفوا، فالغوريّة يقولون نسير إلى غزنة على طريق مكرهان، و كان غرضهم أن يقربوا من باميان ليخرج صاحبها بهاء الدين سام فيملك الخزانة، و قال الأتراك بل نسير على طريق سوران، و كان مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين، و هو صاحب كرمان، مدينة بين غزنة و لهاوور، و ليست بكرمان التي تجاور بلاد فارس، ليحفظ الدز الخزانة، و يرسلوا من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة و يملّكونه.

و كثر بينهم الاختلاف، حتّى‏كادوا يقتتلون‏[1]، فتوصّل مؤيّد الملك مع [1] يختلفون.

215

الغوريّة حتّى أذنوا له و للأتراك بأخذ الخزانة و المحفّة التي فيها شهاب الدين و المسير على كرمان، و ساروا هم على طريق مكرهان، و لقي الوزير و من معه مشقّة عظيمة، و خرج عليهم الأمم الذين في تلك الجبال التيراهيّة و أوغان و غيرهم، فنالوا من أطراف العسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان، فخرج إليهم تاج الدين الدز يستقبلهم، فلمّا عاين المحفّة، و فيها شهاب الدين ميّتا، نزل و قبّل الأرض على عادته في حياة شهاب الدين، و كشف عنه، فلمّا رآه ميّتا مزّق ثيابه و صاح و بكى فأبكى الناس، و كان يوما مشهودا.

ذكر ما فعله الدز

كان الدز من أوّل مماليك شهاب الدين و أكبرهم و أقدمهم، و أكبرهم محلاّ عنده، بحيث إنّ أهل شهاب الدين كانوا يخدمونه و يقصدونه في أشغالهم، فلمّا قتل صاحبه طمع أن يملك غزنة، فأوّل ما عمل أنّه سأل الوزير مؤيّد الملك عن الأموال و السلاح و الدوابّ، فأخبره بما خرج من ذلك و بالباقي معه، فأنكر الحال، و أساء أدبه في الجواب، و قال: إنّ الغوريّة قد كاتبوا بهاء الدين سام صاحب باميان ليملكوه غزنة، و قد كتب إليّ غياث الدين محمود، و هو مولاي، يأمرني أنّني لا أترك أحدا يقرب من غزنة، و قد جعلني نائبة فيها و في سائر الولاية المجاورة لها لأنّه مشتغل بأمر خراسان.

و قال للوزير: إنّه قد أمرني أيضا أن أتسلّم الخزانة منك، فلم يقدر على الامتناع لميل الأتراك إليه، فسلّمها إليه، و سار بالمحفّة و المماليك و الوزير إلى غزنة، فدفن شهاب الدين في التربة بالمدرسة التي أنشأها و دفن ابنته فيها، و كان وصوله إليها في الثاني و العشرين من شعبان من السنة.

216

ذكر بعض سيرة شهاب الدين‏

كان، رحمه اللََّه، شجاعا مقداما، كثير الغزو إلى بلاد الهند، عادلا في رعيّته، حسن السيرة فيهم، حاكما بينهم بما يوجبه الشرع المطهّر، و كان القاضي بغزنة يحضر داره كلّ أسبوع السبت و الأحد و الاثنين و الثلاثاء، و يحضر معه أمير حاجب، و أمير داذ، و صاحب البريد، فيحكم القاضي، و أصحاب السلطان ينفّذون أحكامه على الصغير و الكبير، و الشريف و الوضيع، و إن طلب أحد الخصوم الحضور عنده أحضره و سمع كلامه، و أمضى عليه، أو له، حكم الشرع، فكانت الأمور جارية على أحسن نظام.

حكي لي عنه أنّه لقيه صبيّ علويّ، عمره نحو خمس سنين، فدعا له، و قال: لي خمسة أيّام ما أكلت شيئا، فعاد من الركوب لوقته، و معه الصبيّ، فنزل في داره، و أطعم العلويّ أطيب الطعام بحضرته، ثمّ أعطاه مالا، بعد أن أخضر أباه و سلّمه إليه، و فرّق في سائر العلويّين مالا عظيما.

و حكي عنه أنّ تاجرا من مراغة كان بغزنة، و له على بعض مماليك شهاب الدين دين مبلغه عشرة آلاف دينار، فقتل المملوك في حرب كانت له، فرفع التاجر حاله، فأمر بأن يقرّ إقطاع المملوك بيد التاجر إلى أن يستوفي دينه، ففعل ذلك.

و حكي عنه أنّه كان يحضر العلماء بحضرته، فيتكلّمون في المسائل الفقهيّة و غيرها، و كان فخر الدين الرازيّ يعظ في داره، فحضر يوما فوعظ، و قال في آخر كلامه: يا سلطان، لا سلطانك يبقى و لا تلبيس الرازيّ، و إنّ مردّنا إلى اللََّه!فبكى شهاب الدين حتّى رحمه الناس لكثرة بكائه.

و كان رقيق القلب، و كان شافعيّ المذهب مثل أخيه، قيل: و كان حنفيّا، و اللََّه أعلم.

217

ذكر مسير بهاء الدين سام إلى غزنة و موته‏

لمّا ملك غياث الدين باميان أقطعها ابن عمّه شمس الدين محمّد بن مسعود، و زوّجه أخته، فأتاه منها ولد اسمه سام، فبقي فيها إلى أن توفّي، و ملك بعده ابنه الأكبر، و اسمه عبّاس، و أمّه تركيّة، فغضب غياث الدين و أخوه شهاب الدين من ذلك، و أرسلا من أحضر عبّاسا عندهما، فأخذا الملك منه، و جعلا ابن أختهما سام ملكا على باميان، و تلقّب بهاء الدين، و عظم شأنه و محلّه، و جمع الأموال ليملك البلاد بعد خاليه، و أحبّه الغوريّة حبّا شديدا و عظّموه.

فلمّا قتل خاله شهاب الدين سار بعض الأمراء الغوريّة إلى بهاء الدين سام فأخبره بذلك، فلمّا بلغه قتله كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغوريّة يأمرهم بحفظ البلد، و يعرّفهم أنّه على الطريق سائر إليهم.

و كان والي قلعة غزنة، و يعرف بأمير داذ، قد أرسل ولده إلى بهاء الدين سام يستدعيه إلى غزنة، فأعاد جوابه أنّه تجهّز، و يصل إليه، و يعده الجميل و الإحسان.

و كتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمّد بن أبي عليّ ملك الغور يستدعيه إليه، و إلى غياث الدين محمود بن غياث الدين، و إلى ابن خرميل، و إلي هراة، يأمرهما بإقامة الخطبة له، و حفظ ما بأيديهما من الأعمال، و لم يظنّ أنّ أحدا يخالفه، فأقام أهل غزنة ينتظرون وصوله، أو وصول غياث الدين محمود، و الأتراك، و يقولون: لا نترك غير ابن سيدنا، يعنون غياث الدين، يدخل غزنة.

و الغوريّة يتظاهرون بالميل إلى بهاء الدين و منع غيره، فسار من باميان إلى‏

218

غزنة في عساكره، و معه ولداه علاء الدين محمّد و جلال الدين، فلمّا سار عن باميان مرحلتين وجد صداعا، فنزل يستريح، ينتظر خفّته عنه، فازداد الصداع، و عظم الأمر عليه، فأيقن بالموت، فأحضر ولديه، و عهد إلى علاء الدين، و أمرهما بقصد غزنة، و حفظ مشايخ الغوريّة، و ضبط الملك، و بالرفق بالرعايا، و بذل الأموال، و أمرهما أن يصالحا غياث الدين على أن يكون له خراسان و بلاد الغور، و يكون لهما غزنة و بلاد الهند.

ذكر ملك علاء الدين غزنة و أخذها منه‏

لمّا فرغ بهاء الدين من وصيّته توفّي، فسار[1] ولداه إلى غزنة، فخرج أمراء الغوريّة و أهل البلد فلقوهما، و خرج الأتراك معهم على كره منهم، و دخلوا البلد و ملكوه، و نزل علاء الدين و جلال الدين دار السلطنة مستهلّ رمضان، و كانوا قد وصلوا في ضرّ و قلّة من العسكر، و أراد الأتراك منعهم، فنهاهم مؤيّد الملك وزير شهاب الدين لقلّتهم، و لاشتغال غياث الدين بابن خرميل، و إلي هراة، على ما نذكره، فلم يرجعوا عن ذلك.

و لمّا استقرّا بالقلعة، و نزلا بدار السلطانيّة، راسلهما الأتراك بأن يخرجا من الدار و إلاّ قاتلوهما، ففرّقا فيهم أموالا كثيرة، و استحلفاهم فحلفوا، و استثنوا غياث الدين محمودا[2]، و أنفذا خلعا إلى تاج الدين الدز، و هو بإقطاعه، مع رسول، و طلباه إلى طاعتهما، و وعداه بالأموال و الزيادة في الإقطاع، و إمارة الجيش، و الحكم في جميع الممالك، فأتاه الرسول فلقيه و قد سار عن [1] فسارا.

[2] محمود.

219

كرمان في جيش كثير من الترك و الخلج و الغزّو غيرهم يريد غزنة، فأبلغه الرسالة، فلم يلتفت إليه، و قال له: قل لهما أن يعودا إلى باميان، و فيها كفاية، فإنّي قد أمرني مولاي غياث الدين أن أسير إلى غزنة و أمنعهما عنها، فإن عادا إلى بلدهما، و إلاّ فعلت بهما و بمن معهما ما يكرهون.

و ردّ ما معهما من الهدايا و الخلع، و لم يكن قصد الدز بهذا حفظ بيت صاحبه، و إنّما أراد أن يجعل هذا طريقا إلى ملك غزنة لنفسه.

فعاد الرسول و أبلغ علاء الدين رسالة الدز، فأرسل وزيره، و كان قبله وزير أبيه، إلى باميان و بلخ و ترمذ و غيرها من بلادهم، ليجمع العساكر و يعود إليه، فأرسل الدز إلى الأتراك الذين بغزنة يعرّفهم أنّ غياث الدين أمره أن يقصد غزنة و يخرج علاء الدين و أخاه منها، فحضروا عند ابن وزير علاء الدين، و طلبوا منه سلاحا، ففتح خزانة السلاح، و هرب ابن الوزير إلى علاء الدين و قال له: قد كان كذا و كذا، فلم يقدر[أن‏]يفعل شيئا.

و سمع مؤيّد الملك، وزير شهاب الدين، فركب و أنكر على الخازن تسليم المفاتيح، و أمره فاستردّ[1] ما نهبه الترك جميعه، لأنّه كان مطاعا فيهم.

و وصل الدز إلى غزنة، فأخرج إليه علاء الدين جماعة من الغوريّة و من الأتراك، و فيهم صونج صهر الدز، فأشار عليه أصحابه أن لا يفعل، و ينتظر العسكر مع وزيره، فلم يقبل منهم، و سيّر العساكر، فالتقوا خامس رمضان، فلمّا لقوة خدمه الأتراك و عادوا معه على عسكر علاء الدين فقاتلوهم فهزموهم و أسروا مقدّمهم، و هو محمّد بن عليّ بن حردون‏ (1) ، و دخل عسكر الدز المدينة فنهبوا بيوت الغوريّة و الباميانيّة، و حصر الدز القلعة، فخرج جلال الدين منها [1] و استردّ.

____________

(1) . خررون. A

220

في عشرين فارسا، و سار عن غزنة، فقالت له امرأة تستهزئ به: إلى أين تمضي؟خذ الجتر و الشمسة معك!ما أقبح خروج السلاطين هكذا!فقال لها:

إنّك سترين ذلك اليوم، و أفعل بكم ما تقرّون به بالسلطنة لي.

و كان قد قال لأخيه: احفظ القلعة إلى أن آتيك بالعساكر، فبقي الدز يحاصرها، و أراد من مع الدز نهب البلد، فنهاهم عن ذلك، و أرسل إلى علاء الدين يأمره بالخروج من القلعة، و يتهدّده إن لم يخرج منها، و تردّدت الرسل بينهما في ذلك، فأجاب إلى مفارقتها و العود إلى بلده، و أرسل من حلّف له الدز أن لا يؤذيه، و لا يتعرّض له، و لا لأحد ممّن يحلف له.

و سار عن غزنة، فلمّا رآه الدز و قد نزل من القلعة عدل إلى تربة شهاب الدين مولاه، و نزل إليها، و نهب الأتراك ما كان مع علاء الدين، و ألقوه عن فرسه، و أخذوا ثيابه، و تركوه عريانا بسراويله‏[1].

فلمّا سمع الدز ذلك أرسل إليه بدوابّ و ثياب و مال، و اعتذر إليه، فأخذ ما لبسه و ردّ الباقي، فلمّا وصل إلى باميان لبس ثياب سوادي، و ركب حمارا، فأخرجوا له مراكب ملوكيّة، و ملابس جميلة، فلم يركب، و لم يلبس، و قال: أريد[أن‏]يراني الناس و ما صنع بي أهل غزنة، حتّى إذا عدت إليها و خرّبتها و نهبتها لا يلومني أحد. و دخل دار الإمارة و شرع في جمع العساكر.

ذكر ملك الدز غزنة

قد ذكرنا استيلاء الدز على الأموال و السلاح و الدوابّ و غير ذلك ممّا كان صحبة شهاب الدين و أخذه من الوزير مؤيّد الملك، فجمع به العساكر [1] بسرويله.

221

من أنواع الناس، الأتراك و الخلج و الغزّ و غيرهم، و سار إلى غزنة و جرى له مع علاء الدين ما ذكرنا.

فلمّا خرج علاء الدين من غزنة أقام الدز بداره أربعة أيّام يظهر طاعة غياث الدين، إلاّ أنّه لم يأمر الخطيب بالخطبة له و لا لغيره، و إنّما يخطب للخليفة، و يترحّم على شهاب الدين الشهيد حسب.

فلمّا كان في اليوم الرابع‏أحضر مقدّمي الغوريّة و الأتراك، و ذمّ من كاتب علاء الدين و أخاه‏ (1) ، و قبض على أمير داذ والي غزنة، فلمّا كان الغد، و هو سادس عشر رمضان، أحضر القضاة و الفقهاء و المقدّمين، و أحضر أيضا رسول الخليفة، و هو الشيخ مجد الدين أبو عليّ‏ (2) بن الربيع، الفقيه الشافعيّ مدرّس النظاميّة ببغداد، و كان قد ورد إلى غزنة رسولا إلى شهاب الدين، فقتل شهاب الدين و هو بغزنة، فأرسل إليه و إلى قاضي غزنة يقول له: إنّني أريد[أن‏]أنتقل إلى دار السلطانيّة، و أن أخاطب بالملك، و لا بدّ من حضورك، و المقصود من هذا أن تستقرّ أمور الناس، فحضر عنده، فركب الدز، و الناس في خدمته، و عليه ثياب الحزن، و جلس في الدار في غير المجلس‏[1] الّذي كان يجلس فيه شهاب الدين، فتغيّرت لذلك نيّات كثير من الأتراك، لأنّهم كانوا يطيعونه ظنّا منهم أنّه يريد الملك لغياث الدين، فحيث رأوه يريد الانفراد تغيّروا عن طاعته، حتّى إنّ بعضهم بكى غيظا من فعله، و أقطع الإقطاعات‏[2] الكثيرة، و فرّق الأموال الجليلة.

و كان عند شهاب الدين جماعة من أولاد ملوك الغور و سمرقند و غيرهم، [1]-مجلس.

[2]-الإقطعات.

____________

(1) . الدين و أباه. A

(2) . أبو علي يحيى. A

222

فأنفوا من خدمة الدز، و طلبوا منه أن يقصد خدمة غياث الدين، فأذن لهم و فارقه كثير من أصحابه إلى غياث الدين و إلى علاء الدين و أخيه صاحبي باميان، و أرسل غياث الدين إلى الدز يشكره، و يثني عليه لإخراج أولاد بهاء الدين من غزنة، و سيّر له الخلع، و طلب منه الخطبة و السكّة، فلم يفعل، و أعاد الجواب فغالطه، و طلب منه أن يخاطبه بالملك، و أن يعتقه من الرقّ لأنّ غياث الدين ابن أخي سيده لا وارث له سواه، و أن يزوّج ابنه بابنة الدز، فلم يجبه إلى ذلك.

و اتّفق أنّ جماعة من الغوريّين، من عسكر صاحب باميان، أغاروا على أعمال كرمان و سوران، و هي أقطاع الدز القديمة، فغنموا، و قتلوا، فأرسل صهره صونج في عسكر، فلقوا عسكر الباميان فظفر بهم، و قتل منهم كثيرا، و أنفذ رءوسهم إلى غزنة فنصبت بها.

و أجرى الدز في غزنة رسوم شهاب الدين، و فرّق في أهلها أموالا جليلة المقدار، و ألزم مؤيّد الملك أن يكون وزيرا له، فامتنع من ذلك، فألحّ عليه، فأجابه على كره منه، فدخل على مؤيّد الملك، صديق له يهنّئه، فقال: بما ذا تهنّئني؟من بعد ركوب الجواد بالحمار؟و أنشد:

و من ركب الثّور بعد الجوا # د أنكر إطلاقه و الغبب‏

بينا الدز يأتي إلى بابي ألف مرّة حتّى آذن له في الدخول أصبح على بابه! و لو لا حفظ النفس مع هؤلاء الأتراك لكان لي حكم آخر.

ذكر حال غياث الدين بعد قتل عمّه‏

و أمّا غياث الدين محمود بن غياث الدين فإنّه كان في إقطاعه، و هو بست و أسفزار، لمّا قتل عمّه شهاب الدين، و كان الملك علاء الدين بن محمّد بن

223

أبي علي قد ولاه شهاب الدين بلاد الغور و غيرها من أرض الراون‏ (1) ، فلمّا بلغه قتله سار إلى فيروزكوه خوفا أن يسبقه إليها غياث الدين فيملك البلد و يأخذ الخزائن التي بها.

و كان علاء الدين حسن السيرة من أكابر بيوت الغوريّة، إلاّ أنّ الناس كرهوه لميلهم إلى غياث الدين، و أنف الأمراء من خدمته مع وجود ولد غياث الدين سلطانهم، و لأنّه كان كراميّا مغاليّا في مذهبه، و أهل فيروزكوه شافعيّة، و ألزمهم أن يجعلوا الإقامة مثنى، فلمّا وصل إلى فيروزكوه أحضر جماعة من الأمراء منهم: محمّد المرغنيّ و أخوه، و محمّد بن عثمان، و هم من أكابر الأمراء، و حلّفهم على مساعدته على قتال خوارزم شاه و بهاء الدين، صاحب باميان، و لم يذكر غياث الدين احتقارا له، فحلفوا له و لولده من بعده.

و كان غياث الدين بمدينة بست لم يتحرّك في شي‏ء انتظارا لما يكون من صاحب باميان، لأنّهما كانا قد تعاهدا أيّام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين و غزنة و الهند لبهاء الدين، و كان بهاء الدين صاحب باميان بعد موت شهاب الدين أقوى منه، فلهذا لم يفعل شيئا، فلمّا بلغه خبر موت بهاء الدين جلس على التخت، و خطب لنفسه بالسلطنة عاشر رمضان، و حلّف الأمراء الذين قصدوه، و هم إسماعيل الخلجيّ، و سونج أمير أشكار (2) ، و زنكي بن خرجوم‏ (3) ، و حسين الغوريّ صاحب تكياباذ (4) و غيرهم، و تلقّب بألقاب أبيه غياث الدنيا و الدين، و كتب إلى علاء الدين محمّد بن أبي عليّ و هو بفيروزكوه يستدعيه إليه، و يستعطفه ليصدر عن رأيه، و يسلّم مملكته إليه، و كتب إلى الحسين بن خرميل، و إلي هراة، مثل ذلك أيضا، و وعده الزيادة في الإقطاع.

____________

(1) . الدوان. B . أرض الداون. A

(2) . شكار. A . سكار: 740. شكا: P. C

(3) حرحوم: spU . بن مرحوم: 740. P. C

(4) نكباباد. yremerfeD ` ddoc

224

فأمّا علاء الدين فأغلظ له في الجواب، و كتب إلى الأمراء الذين معه يتهدّدهم، فرحل غياث الدين إلى فيروزكوه، فأرسل علاء الدين عسكرا مع ولده، و فرّق فيهم مالا كثيرا، و خلع عليهم ليمنعوا غياث الدين، فلقوه قريبا من فيروزكوه، فلمّا تراءى الجمعان كشف إسماعيل الخلجيّ المغفر عن وجهه و قال: الحمد للََّه إذ الأتراك الذين لا يعرفون آباءهم لم يضيّعوا حقّ التربية، و ردّوا ابن ملك باميان، و أنتم مشايخ الغوريّة الذين أنعم عليكم والد هذا السلطان، و ربّاكم، و أحسن إليكم كفرتم الإحسان، و جئتم تقاتلون ولده، أ هذا فعل الأحرار؟ فقال محمّد المرغنيّ، و هو مقدّم العسكر الذين يصدرون عن رأيه: لا و اللََّه!ثمّ ترجّل عن فرسه، و ألقى سلاحه، و قصد غياث الدين، و قبّل الأرض بين يديه، و بكى بصوت عال، و فعل سائر الأمراء كذلك، فانهزم أصحاب علاء الدين مع ولده.

فلمّا بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور، و هو يقول: أنا أمشي أجاور بمكّة، فأنفذ غياث الدين خلفه من ردّه إليه، فأخذه و حبسه، و ملك فيروزكوه، و فرح به أهل البلد، و قبض غياث الدين على جماعة من أصحاب علاء الدين الكراميّة، و قتل بعضهم.

و لمّا دخل غياث الدين فيروزكوه ابتدأ بالجامع‏فصلّى فيه، ثمّ ركب إلى دار أبيه فسكنها، و أعاد رسوم أبيه، و استخدم حاشيته، و قدم عليه عبد الجبّار بن محمّد الكيرانيّ، وزير أبيه، و استوزره، و سلك طريق أبيه في الإحسان و العدل.

و لمّا فرغ غياث الدين من علاء الدين لم يكن له همّة إلاّ ابن خرميل بهراة و اجتذابه إلى طاعته، فكاتبه و راسله، و اتّخذه أبا، و استدعاه إليه و كان ابن خرميل قد بلغه موت شهاب الدين ثامن رمضان، فجمع أعيان‏

225

الناس، منهم: قاضي هراة صاعد بن الفضل السياري، و عليّ بن عبد الخلاّق بن زياد مدرّس النظاميّة بهراة، و شيخ الإسلام رئيس هراة، و نقيب العلويّين، و مقدّمي المحالّ، و قال لهم: قد بلغني وفاة السلطان شهاب الدين و أنا في نحر خوارزم شاه، و أخاف الحصار، و أريد أن تحلفوا لي على‏المساعدة على كلّ من نازعني. فأجابه القاضي و ابن زياد: إنّنا نحلف على كلّ الناس إلاّ ولد غياث الدين، فحقدها عليهما، فلمّا وصل كتاب غياث الدين خاف ميل الناس إليه، فغالطه في الجواب.

و كان ابن خرميل قد كاتب خوارزم شاه يطلب منه أن يرسل إليه عسكرا ليصير في طاعته و يمتنع به على الغوريّة، فطلب منه خوارزم شاه إنفاذ ولده رهينة، و يرسل إليه عسكرا، فسيّر ولده إلى خوارزم شاه، فكتب خوارزم شاه إلى عسكره الذين بنيسابور و غيرها من بلاد خراسان يأمرهم بالتوجّه إلى هراة، و أن يكونوا يتصرّفون بأمر ابن خرميل و يمتثلون أمره.

هذا و غياث الدين يتابع الرّسل إلى ابن خرميل، و هو يحتجّ بشي‏ء بعد شي‏ء انتظارا لعسكر خوارزم شاه، و لا يؤيسه من طاعته، و لا يخطب له و يطيعه طاعة غير مستوية.

ثمّ إنّ الأمير عليّ بن أبي عليّ، صاحب كالوين، أطلع غياث الدين على حال ابن خرميل، فعزم غياث الدين على التوجّه إلى هراة، فثبّطه بعض الأمراء الذين معه، و أشاروا عليه بانتظار آخر أمره و ترك محاقّته.

و استشار ابن خرميل النّاس في أمر غياث الدين، فقال له عليّ بن عبد الخلاّق بن زياد، مدرّس النظاميّة بهراة، و هو متولّي وقوف خراسان التي بيد الغوريّة جميعها: ينبغي أن تخطب للسلطان غياث الدين، و تترك المغالطة، [فأجابه‏]: إنّني أخافه على نفسي، فامض أنت و توثّق لي منه.

و كان قصده أن يبعده عن نفسه، فمضى برسالته إلى غياث الدين، و أطلعه‏

226

على ما يريد ابن خرميل بفعله من الغدر به، و الميل إلى خوارزم شاه. و حثّه على قصد هراة، و قال له: أنا أسلّمها إليك ساعة تصل إليها، و وافقه بعض الأمراء، و خالفه غيرهم، و قال: ينبغي أن لا تترك له حجّة، فترسل إليه تقليدا بولاية هراة، ففعل ذلك، و سيّره مع ابن زياد و بعض أصحابه.

ثمّ إنّ غياث الدين كاتب أميران بن قيصر، صاحب الطالقان، يستدعيه إليه، فتوقّف، و أرسل إلى صاحب مرو ليسير إليه، فتوقّف أيضا، فقال له أهل البلد: إن لم تسلم البلد إلى غياث الدين، و تتوجّه إليه، و إلاّ سلّمناك، و قيّدناك، و أرسلناك إليه، فاضطرّ إلى المجي‏ء إلى فيروزكوه، فخلع عليه غياث الدين، و أقطعه إقطاعا، و أقطع الطالقان سونج مملوك أبيه المعروف بأمير أشكار.

ذكر استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغوريّة بخراسان‏

قد ذكرنا مكاتبة الحسين بن خرميل، والي هراة، خوارزم شاه، و مراسلته في الانتماء إليه و الطاعة له، و ترك طاعة الغوريّة، و خداعه لغياث الدين، و مغالطته له بالخطبة له و الطاعة، انتظارا لوصول عسكر خوارزم شاه، و وصول رسول غياث الدين و ابن زياد بالخلع إلى ابن خرميل، فلمّا وصلت الخلع إليه لبسها هو و أصحابه، و طالبه رسول غياث الدين‏بالخطبة، فقال:

يوم الجمعة نخطب له.

فاتّفق قرب عسكر خوارزم شاه منهم، فلمّا كان يوم الجمعة قيل له في معنى الخطبة، فقال: نحن في شغل أهمّ منها بوصول هذا العدوّ، فطالت المجادلات بينهم في ذلك، و هو مصرّ على الامتناع منها، و وصل عسكر خوارزم شاه، فلقيهم ابن خرميل. و أنزلهم على باب البلد، فقالوا له: قد

227

أمرنا خوارزم شاه أن لا نخالف لك أمرا، فشكرهم على ذلك، و كان يخرج إليهم كلّ يوم، و أقام لهم الوظائف الكثيرة.

و أتاه الخبر أنّ خوارزم شاه نزل على بلخ فحاصرها، فلقيه صاحبها، و قاتله بظاهر البلد، فلم ينزل بالقرب منها، فنزل على أربعة فراسخ، فندم ابن خرميل على طاعة خوارزم شاه، و قال لخواصّه: لقد أخطأنا حيث صرنا مع هذا الرجل، فإنّني أراه عاجزا.

و شرع في إعادة العسكر، فقال للأمراء: إنّ خوارزم شاه قد أرسل إلى غياث الدين يقول له: إنّني على العهد الّذي بيننا، و أنا أترك ما كان لأبيك بخراسان، و المصلحة أن ترجعوا حتّى ننظر ما يكون. فعادوا، و أرسل إليهم الهدايا الكثيرة.

و كان غياث الدين حيث اتّصل به وصول عسكر خوارزم شاه إلى هراة، فأخذ إقطاع ابن خرميل و أرسل إلى كرزبان و أخذ كلّ ما له بها من مال، و أولاد، و دوابّ، و غير ذلك، و أخذ أصحابه في القيود، و أتاه كتب من يميل إليه من الغوريّة يقولون له: إن رآك غياث الدين قتلك.

و لمّا سمع أهل هراة بما فعل غياث الدين بأهل ابن خرميل و ماله عزموا على قبضه و المكاتبة إلى غياث الدين‏بإنفاذ من يتسلّم البلد، و كتب القاضي صاعد، قاضي هراة، و ابن زياد إلى غياث الدين بذلك، فلمّا سمع ابن خرميل بما فعله غياث الدين بأهله، و بما عزم عليه أهل هراة، خاف أن يعاجلوه بالقبض، فحضر عند القاضي، و أحضر أعيان البلد، و ألان لهم القول، و تقرّب إليهم، و أظهر طاعة غياث الدين، و قال: قد رددت عسكر (1) خوارزم شاه، و أريد[أن‏]أرسل رسولا إلى غياث الدين بطاعتي‏ (2) ، و الّذي أوثره منكم أن

____________

(1) . قد وردت عساكر. A

(2) . الدين بطاعتي. mo. B

228

تكتبوا معه كتابا بطاعتي. فاستحسنوا قوله، و كتبوا له بما طلب، و سيّر رسوله إلى فيروزكوه، و أمره، إذا جنّه الليل، أن يرجع على طريق نيسابور يلحق عسكر خوارزم شاه و يجدّ السير فإذا لحقهم ردّهم إليه.

ففعل الرسول ما أمره، و لحق العسكر على يومين من هراة، فأمرهم بالعود، فعادوا، فلمّا كان اليوم الرابع من سير الرسول و صلوا إلى هراة و الرسول بين أيديهم، فلقيهم ابن خرميل، و أدخلهم البلد و الطبول تضرب بين أيديهم، فلمّا دخلوا أخذ ابن زياد الفقيه فسمله، و أخرج القاضي صاعدا من البلد، فسار إلى غياث الدين بفيروزكوه، و أخرج من عنده من الغوريّة، و كلّ من يعلم أنّه يريدهم، و سلّم أبواب البلد إلى الخوارزميّة.

و أمّا غياث الدين فإنّه برز عن فيروزكوه نحو هراة، و أرسل عسكرا، فأخذوا حشيرا كان لأهل هراة، فخرج الخوارزميّة، فشنّوا الغارة على هراة الروذ و غيرها، فأمر غياث الدين عسكره بالتقدّم إلى هراة، و جعل المقدّم عليهم عليّ بن أبي عليّ، و أقام هو بفيروزكوه لمّا بلغه أنّ خوارزم شاه على بلخ، فسار العسكر و على يزكه الأمير أميران بن قيصر الّذي كان صاحب الطالقان، و كان منحرفا عن غياث الدين حيث أخذ منه الطالقان، فأرسل إلى ابن خرميل يعرّفه أنّه على اليزك، و يأمره بالمجي‏ء إليه، فإنّه لا يمنعه، و حلف له على ذلك.

فسار ابن خرميل في عسكره، فكبس عسكر غياث الدين، فلم يلحقوا يركبون خيولهم حتّى خالطوهم، فقتلوا فيهم، فكفّ ابن خرميل أصحابه عن الغوريّة خوفا أن يهلكوا، و غنم أموالهم و أسر إسماعيل الخلجيّ، و أقام بمكانه، و أرسل عسكره فشنّوا الغارة على البلاد باذغيس‏[1] و غيرها.

[1] بادغيس.

229

و عظم الأمر على غياث الدين، فعزم على المسير إلى هراة بنفسه، فآتاه الخبر أنّ علاء الدين، صاحب باميان، قد عاد إلى غزنة على ما نذكره، فأقام ينتظر ما يكون منهم و من الدز.

و أمّا بلخ فإنّ خوارزم شاه لمّا بلغه قتل شهاب الدين أخرج من كان عنده من الغوريّين الذين كان أسرهم في المصافّ على باب خوارزم، فخلع عليهم، و أحسن إليهم، و أعطاهم الأموال، و قال: إنّ غياث الدين أخي، و لا فرق بيني و بينه، فمن أحبّ منكم المقام عندي فليقم، و من أحبّ أن يسير إليه فإنّني أسيّره، و لو أراد منّي مهما أراد نزلت له عنه.

و عهد إلى محمّد بن عليّ بن بشير، و هو من أكابر الأمراء الغوريّة، فأحسن إليه، و أقطعه استمالة للغوريّة، و جعله سفيرا بينه و بين صاحب بلخ، فسيّر أخاه عليّ شاه بين يديه في عسكره إلى بلخ، فلمّا قاربها خرج إليه عماد الدين عمر بن الحسين الغوريّ أميرها، فدفعه عن النزول عليها، فنزل على أربعة فراسخ عنها، فأرسل إلى أخيه خوارزم شاه‏يعلمه قوّتهم، فسار إليها في ذي القعدة من السنة، فلمّا وصل إلى بلخ خرج صاحبها فقاتلهم، فلم يقو بهم لكثرتهم، فنزلوا فصار يوقع بهم ليلا، فكانوا معه على أقبح صورة، فأقام صاحب بلخ محاصرا، و هو ينتظر المدد من أصحابه أولاد بهاء الدين، صاحب باميان، و كانوا قد اشتغلوا عنه بغزنة على ما نذكره.

فأقام خوارزم شاه على بلخ أربعين يوما، كلّ يوم يركب إلى الحرب، فيقتل من أصحابه كثير، و لا يظفر بشي‏ء، فراسل صاحبها عماد الدين مع محمّد بن عليّ بن بشير الغوريّ في بذل بذله له ليسلم إليه البلد، فلم يجبه إلى ذلك، و قال: لا أسلم البلد إلاّ إلى أصحابه، فعزم على المسير إلى هراة، فلمّا سار أصحابه أولاد بهاء الدين، صاحب باميان، إلى غزنة، المرّة الثانية، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، و أسرهم تاج الدين الدز، عاد عن ذلك‏

230

العزم، و أرسل محمّد بن عليّ بن بشير إلى عماد الدين نائبة معرّفه حال أصحابه و أسرهم، و أنّه لم يبق عليه حجّة، و لا له في التأخّر عنه عذر، فدخل إليه، و لم يزل يخدعه تارة يرغّبه، و تارة يرهبه، حتّى أجاب إلى طاعة خوارزم شاه و الخطبة له، و ذكر اسمه على السكّة، و قال: أنا أعلم أنّه لا يفي لي، فأرسل من يستحلفه‏ (1) على ما أراد، فتمّ الصلح، و خرج إلى خوارزم شاه، فخلع عليه، و أعاده إلى بلده، و كان سلخ ربيع الأوّل سنة ثلاث و ستّمائة.

ثمّ سار خوارزم شاه إلى كرزبان ليحاصرها، و بها عليّ بن أبي عليّ، و أرسل إلى غياث الدين يقول: إنّ هذه كان قد أقطعها عمّك لابن خرميل، فتنزل عنها، فامتنع، و قال: بيني و بينكم السيف، فأرسل إليه خوارزم شاه مع محمّد بن عليّ بن بشير فرغّبه، و آيسة من نجدة غياث الدين، و لم يزل به حتّى نزل عنها و سلّمها، و عاد إلى فيروزكوه، فأمر غياث الدين بقتله، فشفع فيه الأمراء، فتركه، و سلّم خوارزم شاه كرزبان إلى ابن خرميل، ثمّ أرسل إلى عماد الدين، صاحب بلخ، يطلبه إليه، و يقول: قد حضر مهمّ و لا غنى عن حضورك، فأنت اليوم من أخصّ أوليائنا، فحضر عنده، فقبض عليه و سيّره إلى خوارزم، و مضى هو إلى بلخ، فأخذها و استناب بها جعفرا (2) [1] التركيّ.

[1]-جعفر. ـ

____________

(1) . استحلفه‏ A

(2) . حفر. B . جفر. A

231

ذكر ملك خوارزم شاه ترمذ و تسليمها إلى الخطا

لمّا أخذ خوارزم شاه مدينة بلخ سار عنها إلى مدينة ترمذ مجدّا، و بها ولد عماد الدين كان صاحب بلخ، فأرسل إليه محمّد بن علي بن بشير يقول له: إنّ أباك قد صار من أخصّ أصحابي و أكابر أمراء دولتي، و قد سلّم إليّ بلخ، و إنّما ظهر لي منه ما أنكرته، فسيّرته إلى خوارزم مكرّما محترما، و أمّا أنت فتكون عندي أخا.

و وعده، و أقطعه الكثير، فخدعه محمّد بن عليّ، فرأى صاحبها أنّ خوارزم شاه قد حصره من جانب و الخطا قد حصروه من جانب آخر، و أصحابه قد أسرهم الدز بغزنة، فضعفت نفسه، و أرسل من يستحلف له خوارزم شاه، فحلف له، و تسلّم منه ترمذ و سلّمها إلى الخطا، فلقد اكتسب بها خوارزم شاه سبّة عظيمة، و ذكرا قبيحا (1) في عاجل الأمر، ثمّ ظهر للناس، بعد ذلك، أنّه إنّما سلّمها إليهم ليتمكّن بذلك من ملك خراسان، ثمّ يعود إليهم فيأخذها و غيرها منهم، لأنّه لمّا ملك خراسان و قصد بلاد الخطا و أخذها و أفناهم علم الناس أنّه فعل ذلك خديعة و مكرا، غفر اللََّه له.

ذكر عود أولاد صاحب باميان إلى غزنة

قد ذكرنا قبل وصول الدز التركيّ إلى غزنة، و إخراجه علاء الدين و جلال الدين ولدي بهاء الدين سام، صاحب باميان، منها، بعد أن ملكها، و أقام هو في غزنة من عاشر رمضان سنة اثنتين و ستّمائة إلى خامس ذي القعدة من

____________

(1) . قبيحا و عقابا عظيما. A

232

السنة، يحسن السيرة، و يعدل في الرعيّة، و أقطع البلاد للأجناد، فبعضهم أقام، و بعضهم سار إلى غياث الدين بفيروزكوه، و بعضهم سار إلى علاء الدين، صاحب باميان، و لم يخطب لأحد، و لا لنفسه، و كان يعد الناس بأنّ رسولي عند مولاي‏غياث الدين، فإذا عاد خطبت له، ففرح الناس بقوله.

و كان يفعل ذلك مكرا و خديعة بهم و بغياث الدين، لأنّه لو لم يظهر ذلك لفارقه أكثر الأتراك و سائر الرعايا، و كان حينئذ يضعف عن مقاومة صاحب باميان، فكان يستخدم الأتراك و غيرهم بهذا القول و أشباهه.

فلمّا ظفر بصاحب باميان، على ما نذكره، أظهر ما كان يصمره، فبينما هو في هذا أتاه الخبر بقرب علاء الدين و جلال الدين ولدي بهاء الدين، صاحب باميان، في العساكر الكثيرة، و أنّهم قد عزموا على نهب غزنة، و استباحة الأموال و الأنفس، فخاف الناس خوفا شديدا، و جهّز الدز كثيرا من عسكره و سيّرهم إلى طريقهم، فلقوا أوائل العسكر، فقتل من الأتراك‏[جماعة]، و أدركهم العسكر، فلم يكن لهم قوّة بهم، فانهزموا، و تبعهم عسكر علاء الدين يقتلون و يأسرون، فوصل المنهزمون إلى غزنة، فخرج عنها الدز منهزما يطلب بلده كرمان، فأدركه بعض عسكر باميان، نحو ثلاثة آلاف فارس، فقاتلهم قتالا شديدا، فردّهم عنه، و أحضر من كرمان مالا كثيرا، و سلاحا، ففرّقه في العسكر.

و أمّا علاء الدين و أخوه فإنّهما تركا غزنة لم يدخلاها، و سارا في أثر الدز، فسمع بهم، فسار عن كرمان، فنهب الناس بعضهم بعضا، و ملك علاء الدين كرمان، و أمّنوا أهلها، و عزموا على العود إلى غزنة و نهبها، فسمع أهلها بذلك، فقصدوا القاضي سعيد بن مسعود و شكوا إليه حالهم، فمشى إلى وزير علاء الدين المعروف بالصاحب، و أخبره بحال الناس، فطيّب قلوبهم،

233

و أخبرهم غيره ممّن يثقون به أنّهم مجمعون على النهب، فاستعدّوا، و ضيّقوا أبواب الدروب و الشوارع، و أعدّوا العرّادات‏[1] و الأحجار، و جاءت التجار من العراق، و الموصل، و الشام، و غيرها، و شكوا إلى أصحاب السلطان، فلم يشكهم أحد، فقصدوا دار مجد الدين بن الربيع، رسول الخليفة، و استغاثوا به، فسكّنهم، و وعدهم الشفاعة فيهم و في أهل البلد، فأرسل إلى أمير كبير من الغوريّة يقال له سليمان بن سيس، و كان شيخا كبيرا يرجعون إلى قوله، يعرّفه الحال، و يقول له ليكتب إلى علاء الدين و أخيه يتشفّع في الناس، ففعل، و بالغ في الشفاعة، و خوّفهم من أهل البلد إن أصرّوا على النهب، فأجابوه إلى العفو عن الناس بعد مراجعات كثيرة.

و كانوا قد وعدوا من معهم من العساكر بنهب غزنة، فعوّضوهم من الخزانة، فسكن الناس، و عاد العسكر إلى غزنة أواخر ذي القعدة و معهم الخزانة التي أخذها الدز من مؤيّد الملك لمّا عاد و معه شهاب الدين قتيلا، فكانت مع ما أضيف إليها من الثياب و العين تسع مائة حمل، و من جملة ما كان فيها من الثياب الممزّج، المنسوج بالذهب، اثنا عشر ألف ثوب.

و عزم علاء الدين‏[أن‏]يستوزر مؤيّد الملك، فسمع أخوه جلال الدين، فأحضره و خلع عليه، على كراهة منه للخلعة، و استوزره، فلمّا سمع علاء الدين بذلك قبض على مؤيّد الملك، و قيّده، و حبسه، فتغيّرت نيّات الناس، و اختلفوا، ثمّ إنّ علاء الدين و جلال الدين اقتسما الخزانة، و جرى بينهما من المشاحنة في القسمة ما لا يجري بين التجار، فاستدلّ بذلك الناس على أنّهما لا يستقيم لهما حال لبخلهما، و اختلافهما، و ندم الأمراء على ميلهم إليهما، و تركهم غياث الدين مع ما ظهر من كرمه و إحسانه.

[1] الغرادات.

234

ثمّ إنّ جلال الدين و عمّه عبّاسا سارا في بعض العسكر إلى باميان، و بقي علاء الدين بغزنة، فأساء وزيره عماد الملك السيرة مع الأجناد و الرعيّة، و نهبت أموال الأتراك، حتّى إنّهم باعوا أمّهات أولادهم و هنّ يبكين و يصرخن و لا يلتفت إليهنّ.

ذكر عود الدز إلى غزنة

لمّا سار جلال الدين عن غزنة، و أقام بها أخوه علاء الدين، جمع الدز و من معه من الأتراك عسكرا كثيرا و عادوا إلى غزنة، فوصلوا إلى كلوا فملكوها و قتلوا جماعة من الغوريّة، و وصل المنهزمون منها إلى كرمان، فسار الدز إليهم، و جعل على مقدّمته مملوكا كبيرا من مماليك شهاب الدين، اسمه أي دكز التتر (1) ، في ألفي فارس من الخلج و الأتراك و الغزّ و الغوريّة و غيرهم.

و كان بكرمان عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيّد، و معه جماعة من الأمراء، منهم أبو عليّ بن سليمان بن سيس، و هو و أبوه من أعيان الغوريّة، و كانا مشتغلين باللعب و اللهو و الشرب، لا يفتران عن ذلك، فقيل لهما: إنّ عسكر الأتراك قد قربوا منكم، فلم يلتفتا إلى ذلك، و لا تركا ما كانا عليه، فهجم عليهم أي دكز التتر (2) و من معه من الأتراك، فلم يمهلهم يركبون خيولهم، فقتلوا عن آخرهم، منهم من قتل في المعركة، و منهم من قتل صبرا، و لم ينج إلاّ من تركه الأتراك عمدا.

و لمّا وصل الدز فرأى أمراء الغوريّة كلّهم قتلى قال: كلّ هؤلاء قاتلونا؟

____________

(1-2) . أي دكن البثر: spU . 740 te. P. C

235

فقال أي دكز التتر: لا بل قتلناهم صبرا، فلامه على ذلك، و وبّخه، و أحضر رأس ابن المؤيّد بين يديه، فسجد شكرا للََّه تعالى، و أمر بالمقتولين فغسّلوا و دفنوا، و كان في جملة القتلى أبو عليّ بن سليمان بن سيس.

و وصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجّة من هذه السنة، فصلب علاء الدين الّذي جاء بالخبر، فتغيّمت السماء (1) ، و جاء مطر شديد خرّب بعض غزنة، و جاء بعده برد كبار مثل بيض الدجاج، فضجّ الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب، فأنزله آخر النهار، فانكشفت الظلمة، و سكن ما كانوا فيه و ملك الدز كرمان، و أحسن إلى أهلها، و كانوا في ضرّ شديد مع أولئك.

و لمّا صحّ الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره الصاحب إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال الدز، و يستنجده، و كان قد أعدّ العساكر ليسير إلى بلخ يرحل عنها خوارزم شاه، فلمّا أتاه هذا الخبر ترك بلخ و سار إلى غزنة، و كان أكثر عسكره من الغوريّة قد فارقوه، و فارقوا أخاه، و قصدوا غياث الدين، فلمّا كان أواخر ذي الحجّة وصل الدز إلى غزنة، و نزل هو و عسكره بإزاء قلعة غزنة، و حصر علاء الدين، و جرى بينهم قتال شديد، و أمر الدز فنودي في البلد بالأمان، و تسكين الناس من أهل البلد، و الغوريّة، و عسكر باميان، و أقام الدز محاصرا للقلعة، فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان و غيرهم، فرحل الدز إلى طريقهم، و كان مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يوما، فلمّا سار الدز سيّر علاء الدين من كان عنده من العسكر، و أمرهم أن يأتوا الدز من خلفه، و يكون أخوه من بين يديه، فلا يسلم من عسكره أحد. فلمّا خرجوا من القلعة سار سليمان بن سيس الغوريّ إلى غياث الدين بفيروزكوه، فلمّا وصل إليه أكرمه و عظّمه، و جعله أمير داذ فيروزكوه، و كان ذلك في صفر سنة ثلاث و ستّمائة.

____________

(1) . السماء و أمطرت. B

236

و أما الدز فإنه سار إلى طريق جلال الدين، فالتقوا (1) بقرية بلق، فاقتتلوا قتالا صبروا فيه، فانهزم جلال الدين و عسكره، و أخذ جلال الدين أسيرا، و أتي به إلى الدز، فلمّا رآه ترجّل و قبّل يده، و أمر بالاحتياط عليه، و عاد إلى غزنة و جلال الدين معه و ألف أسير من الباميانيّة، و غنم أصحابه أموالهم.

و لمّا عاد إلى غزنة أرسل إلى علاء الدين يقول له ليسلّم القلعة إليه، و إلاّ قتل من عنده من الأسرى، فلم يسلّمها، فقتل منهم أربع مائة أسير بإزاء القلعة، فلمّا رأى علاء الدين ذلك أرسل مؤيّد الملك يطلب الأمان، فأمّنه الدز، فلمّا خرج قبض عليه و وكّل به و بأخيه من يحفظهما، و قبض على وزيره عماد الملك لسوء سيرته، و كان هندوخان بن ملك شاه بن خوارزم شاه تكش مع علاء الدين بقلعة غزنة، فلمّا خرج منها قبض عليه أيضا، و كتب إلى غياث الدين بالفتح، و أرسل إليه الأعلام و بعض الأسرى.

ذكر قصد صاحب مراغة و صاحب إربل أذربيجان‏

في هذه السنة اتّفق صاحب مراغة، و هو علاء الدين، و هو و مظفّر الدين كوكبري‏ (2) ، صاحب إربل، على قصد أذربيجان و أخذها من صاحبها أبي بكر بن البهلوان، لاشتغاله بالشرب ليلا و نهارا، و تركه النظر في أحوال المملكة، و حفظ العساكر و الرعايا، فسار صاحب إربل إلى مراغة، و اجتمع هو و صاحبها علاء الدين، و تقدّما نحو تبريز، فلمّا علم صاحبها أبو بكر

____________

(1) . الدين. daeuqsu فالتقوا aedni. mo. A

(2) . كوكبري بن علي. B

237

أرسل إلى إيدغمش، صاحب بلاد الجبل، همذان و أصفهان و الرّيّ و ما (1)

بينها من البلاد، و هو مملوك أبيه البهلوان، و هو في طاعة أبي بكر، إلاّ أنّه قد غلب على البلاد، فلا يلتفت إلى أبي بكر، فأرسل إليه أبو بكر يستنجده، و يعرّفه الحال، و كان حينئذ ببلد الإسماعيليّة، فلمّا أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة.

فلمّا حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل يقول له: إنّنا كنّا نسمع عنك أنّك تحبّ أهل العلم و الخير و تحسن إليهم، فكنّا نعتقد فيك الخير و الدين، فلمّا كان الآن ظهر لنا منك ضدّ ذلك لقصدك بلاد الإسلام، و قتال المسلمين، و نهب أموالهم، و إثارة الفتنة، فإذا كنت كذلك فما لك عقل، تجي‏ء إلينا، و أنت صاحب قرية، و نحن لنا من باب خراسان إلى خلاط (2) و إلى إربل‏ (3) ، و أحسب أنّك هزمت هذا، أ ما تعلم أن له مماليك، أنا أحدهم، و لو أخذ من كلّ قرية شحنة، أو من كلّ مدينة عشرة رجال، لاجتمع له أضعاف عسكرك، فالمصلحة أنّك ترجع إلى بلدك، و إنّما أقول‏ (4) لك هذا إبقاء عليك.

ثمّ سار نحوه عقيب هذه الرسالة، فلمّا سمعها مظفّر الدين و بلغه مسير إيدغمش عزم على العود، فاجتهد به صاحب مراغة ليقيم بمكانه، و يسلّم عسكره إليه، و قال له: إنّني قد كاتبني جميع أمرائه ليكونوا معي إذا قصدتهم، فلم يقبل مظفّر الدين من قوله، و عاد إلى بلده، و سلك الطريق الشاقّة، و المضايق الصعبة، و العقاب الشاهقة، خوفا من الطلب.

ثمّ إنّ أبا بكر و إيدغمش قصدا مراغة و حصراها، فصالحهما صاحبها على تسليم قلعة من حصونه إلى أبي بكر، هي كانت سبب الاختلاف، و أقطعه أبو بكر مدينتي أستوا (5) و أرمية و عاد عنه.

____________

(1) . و أصفهان و الّذي ما. B

(2) . إلى بلاد خلاط. B

(3) . إلى باب إربل. B

(4) . بلدك و أنا أقول. B

(5) . 460. p. J . 1847. taisA. nruojrfC. musnegel اشنه‏ essatroF -أسنوا. B

238

ذكر إيقاع إيدغمش بالإسماعيليّة

و في هذه السنة سار إيدغمش إلى بلاد الإسماعيليّة المجاورة لقزوين، فقتل منهم مقتلة كبيرة، و نهب و سبى و حصر قلاعهم، ففتح منها خمس قلاع، و صمّم العزم على حصر ألموت، و استئصال‏ (1) أهلها، فاتّفق ما ذكرنا من حركة صاحب مراغة و صاحب إربل، و استدعاه الأمير أبو بكر، ففارق بلادهم و سار إلى أبي بكر كما ذكرناه.

ذكر وصول عسكر من خوارزم إلى بلد الجبل و ما كان منهم‏

و في هذه السنة سار من عسكر خوارزم طائفة كبيرة نحو عشرة آلاف فارس بأهليهم و أولادهم إلى بلد الجبل، فوصلوا إلى زنكان، و كان إيدغمش صاحبها مشغولا مع صاحب إربل و صاحب مراغة، و اغتنموا خلّوا البلاد، فلمّا عاد مظفّر الدين إلى بلده و انفصل الحال بين إيدغمش و صاحب مراغة سار إيدغمش نحو الخوارزميّة فلقيهم و قاتلهم فاشتدّ القتال بين الطائفتين ثم انهزم الخوارزميّون و أخذهم السيف فقتل منهم و أسر خلق كثيرو لم ينج منهم إلاّ الشريد و سبي سباؤهم و غنمت أموالهم، و كانوا قد أفسدوا في البلاد بالنهب و القتل فلقوا عاقبة فعلهم.

ذكر الغارة من ابن ليون على أعمال حلب‏

و في هذه السنة توالت الغارة من ابن ليون الأرمنيّ، صاحب الدروب، على ولاية حلب، فنهب، و حرّق، و أسر، و سبى، فجمع الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، عساكره، و استنجد غيره‏ (2)

____________

(1) . و استئصال الإسماعيليّة فاتفق. B

(2) . حلب و استمجد غيره. B

239

من الملوك، فجمع كثيرا من الفارس و الراجل، و سار عن حلب نحو ابن ليون.

و كان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده ممّا يلي بلد حلب، فليس إليه طريق، لأنّ جميع بلاده لا طريق إليها إلاّ من حبال و عرق، و مضايق صعبة، فلا يقدر غيره على الدخول إليها (1) ، لا سيّما من ناحية حلب، فإن الطريق منها متعذّر جدّا، فنزل الظاهر على خمسة فراسخ من حلب، و جعل على مقدّمته جماعة من عسكره مع أمير كبير من مماليك أبيه، يعرف بميمون القصريّ، ينسب إلى قصر الخلفاء العلويّين بمصر، لأنّ أباه منهم أخذه، فأنفذ الظاهر ميرة و سلاحا إلى حصن له مجاور لبلاد ابن ليون، اسمه دربساك، و أنفذ إلى ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذين عنده إلى طريق هذه الذخيرة ليسيروا معها إلى دربساك، ففعل ذلك، و سيّر جماعة كثيرة من عسكره، و بقي في قلّة، فبلغ الخبر إلى ابن ليون، فجدّ، فوافاه و هو مخفّ من العسكر، فقاتله، و اشتدّ القتال بينهم، فأرسل ميمون إلى الظاهر يعرّفه‏ (2) ، و كان بعيدا عنه، فطالت الحرب بينهم، و حمى ميمون نفسه و أثقاله على قلّة من المسلمين و كثرة من الأرمن، فانهزم المسلمون، و نال العدوّ منهم، فقتل و أسر، و كذلك أيضا فعل المسلمون بالأرمن من كثرة القتل.

و ظفر الأرمن بأثقال المسلمين فغنموها (3) و ساروا بها، فصادفهم المسلمون الذين كانوا قد ساروا مع الذخائر إلى دربساك‏ (4) ، فلم يشعروا بالحال، فلم يرعهم إلاّ العدوّ و قد خالطهم و وضع السيف فيهم، فاقتتلوا أشدّ قتال، ثمّ انهزم المسلمون أيضا، و عاد الأرمن إلى بلادهم بما غنموا و اعتصموا بجبالهم و حصونهم.

ـ

____________

(1) . دخول الطريق إليها. B

(2) . يعرفه الحال. B

(3) . فنهبوها و غنموها. B

(4) . إلى دربساك. mo. B

240

ذكر نهب الكرج أرمينية

في هذه السنة قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرمينية، و نهبوا، و قتلوا، و أسروا و سبوا (1) أهلها كثيرا، و جاسوا خلال الديار (2) آمنين، و لم يخرج إليهم من خلاط من يمنعهم، فبقوا متصرّفين في النهب و السبي، و البلاد شاغرة لا مانع لها، لأنّ صاحبها صبيّ‏ (3) ، و المدبّر لدولته ليست له تلك الطاعة على الجند.

فلمّا اشتدّ البلاء على الناس تذامروا، و حرّض بعضهم بعضا، و اجتمعت العساكر الإسلاميّة التي بتلك الولاية جميعها، و انضاف إليهم من المتطوّعة كثير، فساروا جميعهم نحو الكرج و هم خائفون، فرأى بعض الصوفيّة الأخيار الشيخ محمّدا[1] البستيّ، و هو من الصالحين، و كان قد مات، فقال له الصوفيّ: أراك هاهنا؟فقال: جئت لمساعدة المسلمين على عدوّهم. فاستيقظ فرحا بمحلّ البستيّ من الإسلام، و أتى إلى مدبّر العسكر، و القيّم بأمره، و قصّ عليه رؤياه، ففرح بذلك، و قوي عزمه على قصد الكرج، و سار بالعساكر إليهم فنزل منزلا.

فوصلت الأخبار إلى الكرج، فعزموا على كبس المسلمين، فانتقلوا من موضعهم بالوادي إلى أعلاه، فنزلوا فيه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل، فأتى المسلمين الخبر، فقصدوا الكرج و أمسكوا عليهم رأس الوادي و أسفله، و هو واد ليس إليه غير هذين‏[2] الطريقين، فلمّا رأى الكرج ذلك [1]-محمّد.

[2]-هذه.

____________

(1-2) . خلال تلك الديار. B . و سبوا من. B

(3) . و لا مدبر له: tidda :

241

أيقنوا بالهلاك، و سقط في أيديهم، و طمع المسلمون فيهم، و ضايقوهم، و قاتلوهم، فقتلوا منهم كثيرا، و أسروا مثلهم، و لم يفلت من الكرج إلاّ القليل، و كفى اللََّه المسلمين شرّهم بعد أن كانوا أشرفوا على الهلاك.

ذكر عدّة حوادث‏ (1)

في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفّي الأمير طاشتكين مجير الدين، أمير الحاجّ، بتستر[1]، و كان قد ولاّه الخليفة على جميع خوزستان، و كان أمير الحاجّ سنين كثيرة، و كان خيّرا صالحا، حسن السيرة، كثير العبادة، يتشيّع.

و لمّا مات ولّى الخليفة على خوزستان مملوكه سنجر، و هو صهر طاشتكين زوج ابنته.

و فيها (2) قتل سنجر بن مقلد بن سليمان بن مهارش، أمير عبادة، بالعراق.

و كان سبب قتله‏أنّه سعى‏ (3) بأبيه مقلد إلى الخليفة الناصر لدين اللََّه، فأمر بالتوكيل على أبيه، فبقي مدّة (4) ثمّ أطلقه الخليفة، ثمّ إنّ سنجر قتل أخا له اسمه‏ (5) ...

فأوغر بهذه الأسباب صدور أهله و إخوته، فلمّا كان هذه السنة في شعبان نزل بأرض المعشوق، و ركب في بعض الأيّام، و معه إخوته و غيرهم من أصحابه، فلمّا انفرد عن أصحابه ضربه أخوه عليّ بن مقلد بالسيف فسقط إلى الأرض، فنزل إخوته إليه فقتلوه.

[1] بتستر.

____________

(1) . ذكر وفاة صاحب مازندران و الخلف بين أولاده‏ mutpircsni: tatxe 166. egapnidouqtupactidda. AmusrevcnuhetnA

(2) . العجائب‏ daeuqsu فيها aedni .

(3) . أنه كان قد سعى. B

(4) . فبقي مدة. mo. B

(5) . 740 nieuqouqsiS

242

و فيها تجهّز غياث الدين خسرو شاه، صاحب مدينة الروم‏ (1) ، إلى مدينة طرابزون، و حصر صاحبها لأنّه كان قد خرج عن طاعته، فضيّق عليه، فانقطعت لذلك الطرق من بلاد الروم، و الروس، و قفجاق و غيرها، برّا و بحرا، و لم يخرج منهم أحد إلى بلاد غياث الدين، فدخل بذلك ضرر عظيم على الناس، لأنّهم كانوا يتّجرون معهم، و يدخلون بلادهم، و يقصدهم التجار من الشام، و العراق، و الموصل، و الجزيرة و غيرها، فاجتمع منهم بمدينة سيواس خلق كثير، فحيث لم ينفتح الطريق تأذّوا أذى كثيرا، فكان السّعيد منهم من عاد إلى رأس ماله.

و فيها تزوّج أبو بكر بن البهلوان، صاحب أذربيجان و أرّان، بابنة ملك الكرج، و سبب ذلك أنّ الكرج تابعت الغارات منهم على بلاده لما رأوا من عجزه و انهماكه كان في الشرب و اللعب و ما جانسهما، و إعراضه عن تدبير الملك و حفظ البلاد، فلمّا رأى هو أيضا ذلك، و لم يكن عنده من الحميّة و الأنفة من هذه المناحس ما يترك ما هو مصرّ عليه، و أنّه لا يقدر على الذبّ عن البلاد[بالسيف‏]، عدل إلى الذبّ عنها بأيره، فخطب ابنة ملكهم، فتزوّجها، فكفّ الكرج عن النهب و الإغارة و القتل، فكان كما قيل: أغمد سيفه، و سلّ أيره.

و فيها حمل إلى أزبك‏ (2) خروف وجهه صورة آدميّ، و بدنه بدن خروف، و كان هذا من العجائب.

و فيها توفّي القاضي أبو حامد محمّد بن محمّد المانداي الواسطيّ بها.

و فيها، في شوّال، توفّي فخر الدين مبارك شاه بن الحسن المروروذيّ، و كان حسن الشعر بالفارسيّة و العربيّة، و له منزلة عظيمة عند غياث الدين الكبير،

____________

(1) . بلاد الروم. B

(2) . إلى إربل. B

243

صاحب غزنة و هراة و غيرهما، و كان له دار ضيافة، فيها كتب و شطرنج، فالعلماء يطالعون الكتب، و الجهّال يلعبون بالشطرنج.

و فيها، في ذي الحجّة، توفّي أبو الحسن عليّ بن عليّ بن سعادة الفارقيّ، الفقيه الشافعيّ، ببغداد، و بقي مدّة طويلة معيدا بالنظاميّة، و صار مدرّسا بالمدرسة التي أحدثتها (1) أمّ الخليفة الناصر لدين اللََّه، و كان مع علمه صالحا، طلب للنيابة في القضاء ببغداد، فامتنع، فألزم بذلك، فوليه يسيرا، ثمّ في بعض الأيّام مشى إلى جامع ابن المطّلب، فنزل، و لبس مئزر صوف غليظ، و غيّر ثيابه، و أمر الوكلاء و غيرهم بالانصراف عنه، و أقام به حتّى سكن الطلب عنه، و عاد إلى منزله بغير ولاية.

و فيها وقع الشيخ أبو موسى المكّيّ، المقيم بمقصورة جامع السلطان ببغداد، من سطح الجامع، فمات، و كان رجلا صالحا كثير العبادة.

و فيها أيضا توفّي العفيف أبو المكارم عرفة بن عليّ بن بصلا البندنيجيّ ببغداد، و كان رجلا صالحا، منقطعا إلى العبادة، رحمه اللََّه.

____________

(1) . التي أنشأتها. A

244

603 ثم دخلت سنة ثلاث و ستمائة

ذكر ملك عبّاس باميان و عودها إلى ابن أخيه‏

في هذه السنة ملك عبّاس باميان من علاء الدين و جلال الدين ولدي أخيه بهاء الدين.

و سبب ذلك أنّ عسكر باميان لمّا انهزموا من الدز، و عادوا إليها، أخبروا أنّ علاء الدين و جلال الدين أسرا[1]، و أنّ الدز و من معه غنموا ما في العسكر فأخذ وزير أبيهما، المعروف بالصاحب، من الأموال كثيرا، و من الجواهر و غيرها من التحف، و أخذ فيلا، و سار إلى خوارزم شاه يستنجده على الدز ليسيّر معه عسكرا يستخلص به صاحبيه.

فلمّا فارق باميان، و رأى عمّهما عبّاس خلوّ البلد منه و من ابني أخيه، جمع أصحابه و قام في البلد فملكه، و صعد إلى القلعة فملكها، و أخرج أصحاب ابني أخيه علاء الدين و جلال الدين منها، فبلغ الخبر إلى الوزير السائر إلى خوارزم شاه، فعاد إلى باميان، و جمع الجموع الكثيرة، و حصر عبّاسا في القلعة، و كان مطاعا في جميع ممالك بهاء الدين و ولديه من بعده، و أقام عليه محاصرا، إلاّ أنّه لم يكن معه من المال ما يقوم بما يحتاج إليه، إنّما كان معه ما أخذه ليحمله إلى خوارزم شاه.

فلمّا خلص جلال الدين من أسر الدز، على ما نذكره، سار إلى باميان، [1] أسروا.

245

فوصل إلى أرصف، و هي مدينة باميان، و جاء إليه وزير أبيه الصاحب، و اجتمع به، و ساروا إلى القلاع، و راسلوا عبّاسا المتغلّب عليها، و لاطفوه، فسلّم الجميع إلى جلال الدين و قال: إنّما حفظتها خوفا أن يأخذها خوارزم شاه، فاستحسن فعله، و عاد إلى ملكه.

ذكر ملك خوارزم شاه الطالقان‏

لمّا سلّم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة (1) و أندخوي [و كتب‏] (2) إلى سونج أمير أشكار (3) ، نائب غياث الدين محمود بالطالقان، يستميله، فعاد الرسول خائبا لم يجبه سونج إلى ما أراد منه، و جمع عسكره و خرج يحارب خوارزم شاه، فالتقوا بالقرب من الطالقان.

فلمّا تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدّا، حتّى قارب عسكر خوارزم شاه، فألقى نفسه إلى الأرض، و رمى سلاحه عنه، و قبّل الأرض، و سأل العفو، فظنّ خوارزم شاه أنّه سكران، فلمّا علم أنّه صاح ذمّه و سبّه، و قال: من يثق بهذا[1] و أشباهه!و لم يلتفت إليه، و أخذ ما بالطالقان من مال و سلاح و دوابّ و أنفذه إلى غياث الدين مع رسول، و حمّله رسالة تتضمّن التقرّب إليه و الملاطفة له، و استناب بالطالقان بعض أصحابه، و سار إلى قلاع كالوين و بيوار، فخرج إليه حسام الدين عليّ بن أبي عليّ، صاحب كالوين، و قاتله على رءوس الجبال، فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدّده إن لم يسلّم إليه، [1]-إلى هذا.

____________

(1) ميمنه: 740. ميمند. P. C

(2) . 740 te. P. C

(3) . شكار: P. C

246

فقال: أمّا أنا فمملوك، و أمّا هذه الحصون فهي أمانة بيدي، و لا أسلّمها إلاّ إلى صاحبها، فاستحسن خوارزم شاه منه هذا، و أثنى عليه، و ذمّ سونج.

و لمّا بلغ غياث الدين خبر سونج، و تسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه، عظم عنده و شقّ عليه، فسلاّه أصحابه، و هوّنوا الأمر.

و لمّا فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة، فنزل بظاهرها، و لم يمكن ابن خرميل أحدا من الخوارزميّين أن يتطرّق بالأذى إلى أهلها، و إنّما كانوا يجتمع منهم الجماعة بعد الجماعة، فيقطعون الطريق، و هذه عادة الخوارزميّين.

و وصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا، و رأى الناس عجبا، و ذلك أنّ الخوارزميّين لا يذكرون غياث الدين الكبير والد غياث الدين هذا، و لا يذكرون أيضا شهاب الدين أخاه، و هما حيّان، إلاّ بالغوريّ، و صاحب غزنة، و كان وزير خوارزم شاه الآن، مع عظم شأنه و قلّة شأن غياث الدين هذا، لا يذكره إلاّ بمولانا السلطان مع ضعفه و عجزه و قلّة بلاده.

و أمّا ابن خرميل فإنّه‏سار من هراة في جمع من عسكره خوارزم شاه، فنزل على أسفزار في صفر، و كان صاحبها قد توجّه إلى غياث الدين فحصرها و أرسل إلى من بها يقسم باللََّه لئن سلّموها أن يؤمّنهم، و إن امتنعوا أقام عليهم إلى أن يأخذهم، فإذا أخذهم قهرا لا يبقى على كبير و لا صغير، فخافوا، فسلّموها في ربيع الأوّل، فأمّنهم و لم يتعرّض إلى أهلها بسوء، فلمّا أخذها أرسل إلى حرب بن محمّد، صاحب سجستان، يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه و الخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك، و كان غياث الدين قد راسله قبل ذلك في الخطبة و الدخول في طاعته، فغالطه و لم يجبه إلى ما طلب.

247

و لمّا كان خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الّذي كان ابن خرميل قد أخرجه من هراة في العام الماضي، و سار إلى غياث الدين، فعاد الآن من عنده، فلمّا وصل قال ابن خرميل لخوارزم شاه: إنّ هذا يميل إلى الغوريّة، و يريد دولتهم، و وقع فيه، فسجنه خوارزم شاه بقلعة زوزن، و ولّى القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمّد السرخسيّ، و كان ينوب عن صاعد و ابنه في القضاء بهراة.

ذكر حال غياث الدين مع الدز و أيبك‏

لمّا عاد الدز إلى غزنة، و أسر علاء الدين و أخاه جلال الدين، كما ذكرناه، كتب إليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له، فأجابه جواب مدافع، و كان جوابه في هذه المرّة أشدّ منه فيما تقدّم، فأعاد غياث الدين إليه يقول: إمّا أن تخطب لنا، و إمّا أن تعرّفنا ما في نفسك، فلمّا وصل الرسول بهذا أحضر خطيب غزنة و أمره‏[أن‏]يخطب لنفسه بعد الترحّم على شهاب الدين، فخطب لتاج الدين الدز بغزنة.

فلمّا سمع الناس ذلك ساءهم، و تغيّرت نيّاتهم، و نيّات الأتراك الذين معه، و لم يروه أهلا أن يخدموه، و إنّما كانوا يطيعونه ظنّا منهم أنّه ينصر دولة غياث الدين، فلمّا خطب له أرسل إلى غياث الدين يقول له: بما ذا تشتطّ عليّ، و تتحكّم في هذه الخزانة؟نحن جمعناها بأسيافنا، و هذا الملك قد أخذته، و أنت قد اجتمع عندك الذين هم أساس الفتنة، و أقطعتهم الإقطاعات، و وعدتني بأمور (1) لم تقف عليها، فإن أنت أعتقتني‏ (2) خطبت لك و حضرت خدمتك.

____________

(1-2) . تعتقني. A . و أمرتني بأمور. A

248

فلمّا وصل الرسول اجابه غياث الدين إلى عتق الدز، بعد الامتناع الشديد، و العزم على مصالحة خوارزم شاه على ما يريد، و قصد غزنة و محاربته بها، فلمّا أجابه إلى العتق أشهد عليه به، و أشهد عليه أيضا بعتق قطب الدين أيبك، مملوك شهاب الدين و نائبة ببلاد الهند، و أرسل إلى كلّ واحد منهما ألف قباء، و ألف قلنسوة، و مناطق الذهب، و سيوفا كثيرة و جترين، و مائة رأس من الخيل، و أرسل إلى كلّ واحد منهما رسولا، فقبل الدز الخلع، و ردّ الجتر، و قال:

نحن عبيد و مماليك، و الجتر له أصحاب.

و سار رسول أيبك إليه، و كان بفرشابور قد ضبط المملكة و حفظ البلاد، و منع المفسدين من الفساد و الأذى، و الناس معه في أمن، فلمّا قرب الرسول منه لقيه على بعد، و ترجّل و قبّل حافر الفرس، و لبس الخلعة، و قال: أمّا الجتر فلا يصلح للمماليك، و أمّا العتق فمقبول، و سوف أجازيه بعبوديّة الأبد.

و أمّا خوارزم شاه فإنّه أرسل إلى غياث الدين يطلب منه أن يتصاهرا، و يطلب منه ابن خرميل صاحب هراة إلى طاعته، و يسير معه في العساكر إلى غزنة، فإذا ملكها من الدز اقتسموا المال أثلاثا: ثلث لخوارزم شاه، و ثلث لغياث الدين، و ثلث للعسكر، فأجابه إلى ذلك، و لم يبق إلاّ الصلح، فوصل الخبر إلى خوارزم شاه بموت صاحب مازندران، فسار عن هراة إلى مرو، و سمع الدز بالصلح، فجزع لذلك جزعا عظيما ظهر أثره‏[1] عليه، و أرسل إلى غياث الدين: ما حملك على هذا؟فقال: حملني عليه عصيانك و خلافك عليّ.

فسار الدز إلى تكياباذ (1) فأخذها، و إلى بست و تلك الأعمال فملكها، و قطع خطبة غياث الدين منها، و أرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحّم [1]-أثر.

____________

(1) . gap. div بكناباذ

249

على شهاب الدين، و قطع خطبة خوارزم شاه، و أرسل إلى ابن خرميل، صاحب هراة، بمثل ذلك، و تهدّدهما بقصد بلادهما، فخافهما الناس.

ثمّ إنّ الدز أخرج جلال الدين، صاحب باميان، من أسره، و سيّر معه خمسة آلاف فارس مع أي دكز التتر، مملوك شهاب الدين، إلى باميان ليعيدوه إلى ملكه‏و يزيلوا[1] ابن عمّه عنه، و زوّجه ابنته، و سار و معه أي دكز، فلمّا خلا به وبّخه على لبسه خلعة الدز و قال له: أنتم ما رضيتم‏[أن‏] تلبسوا خلعة غياث الدين، و هو أكبر سنّا منكم، و أشرف بيتا، تلبس خلعة هذا المأبون!يعني الدز، و دعاه إلى العود معه إلى غزنة، و أعلمه أنّ الأتراك كلّهم مجمعون على خلاف الدز.

فلم يجبه إلى ذلك، فقال أي دكز: فإنّني لا أسير معك، و عاد إلى كابل، و هي إقطاعه، فلمّا وصل أي دكز إلى كابل لقيه رسول من قطب الدين أيبك إلى الدز يقبّح له فعله، و يأمره بإقامة خطبة غياث الدين، و يخبره أنّه قد خطب له في بلاده، و يقول له إن لم يخطب له هو أيضا بغزنة و يعود إلى طاعته، و إلاّ قصده و حاربه.

فلمّا علم أي دكز ذلك قويت نفسه على مخالفة الدز، و صمّم العزم على قصد غزنة. و وصل أيضا رسول أيبك إلى غياث الدين بالهدايا و التحف، و يشير عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب الآن، و عند الفراغ من أمر غزنة تسهل أمور خوارزم شاه و غيره، و أنفذ له ذهبا عليه اسمه، فكتب أي دكز إلى أيبك يعرّفه عصيان الدز على غياث الدين و ما فعله في البلاد، و أنّه على عزم مشاقّة[2] الدز، و هو ينتظر أمره، فأعاد أيبك جوابه يأمره بقصد غزنة، فإن حصلت له القلعة أقام بها إلى أن يأتيه، و إن لم تحصل له القلعة [1] و يزيلون.

[2] مشاققة.

250

و قصده الدز انحاز إليه، أو إلى غياث الدين، أو يعود إلى كابل.

فسار إلى غزنة، و كان جلال الدين قد كتب إلى الدز يخبره خبر أي دكز (1)

و ما عزم عليه، فكتب الدز إلى نوّابه بقلعة غزنة يأمرهم بالاحتياط منه، فوصلها أي دكز أوّل رجب من السنة، و قد حذروه فلم يسلّموا إليه القلعة، و منعوه عنها، فأمر أصحابه بنهب البلد، فنهبوا عدّة مواضع منه، فتوسّط القاضي الحال بأن سلّم إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنيّة، و أخذ له من التجار شيئا آخر، و خطب أي دكز بغزنة لغياث الدين، و قطع خطبة الدز، ففرح الناس بذلك.

و كان مؤيّد الملك ينوب عن الدز بالقلعة، و وصل الخبر إلى الدز بوصول أي دكز إلى غزنة، و وصول رسول أيبك إليه، ففتّ في عضده، و خطب لغياث الدين في تكياباذ، و أسقط اسمه من الخطبة، فخطب له، و رحل إلى غزنة، فلمّا قاربها رحل أي دكز عنها إلى بلد الغور، فأقام في تمران، و كتب إلى غياث الدين يخبره بحاله، و أنفذ إليه المال الّذي أخذه من الخزانة و من أموال الناس، فأرسل إليه خلعا و أعتقه، و خاطبه بملك الأمراء، و ردّ عليه المال الّذي كان أخذه من الخزانة، و قال له: أمّا مال الخزانة فقد أعدناه إليك لتخرجه، و أمّا أموال التجار و أهل البلد فقد أرسلته مع رسولي ليعاد (2)

إلى أربابه لئلاّ نفتتح دولتنا بالظلم، و قد عوّضتك عنه ضعفه‏ (3) .

و أرسل أموال الناس إلى غزنة، إلى قاضي غزنة، و أمره أن يردّ المال المنفذ (4) على أربابه، فأنهى القاضي الحال إلى الدز، و أشار عليه بالخطبة لغياث الدين، و قال: أنا أسعى في الوصلة بينكما و الصّهر و الصلح، فأمره بذلك، فبلغ الخبر إلى غياث الدين، فأرسل إلى القاضي ينهاه عن المجي‏ء إليه، و قال: لا

____________

(1) . qs. v دكز daeuqsu و ما aedni. mo. A

(2) . مع رسولي ليعاد. mo. A

(3) . ضعفيه. A

(4) . المنفذ. mo. A

251

تسأل في عبد أبق قد بان فساده و اتّضح عنادة، فأقام بغزنة هو و الدز، و سيّر غياث الدين عسكرا إلى أي دكز التتر، فأقاموا معه، و سيّر الدز عسكرا إلى روين كان‏ (1) ، و هي لغياث الدين، و قد أقطعها لبعض الأمراء، فهجموا على صاحبها، فنهبوا ماله، و أخذوا أولاده، فنجا وحده إلى غياث الدين، فاقتضى الحال أن سار غياث الدين إلى بست و تلك الولاية، فاستردّها و أحسن إلى أهلها، و أطلق لهم خراج سنة لما نالهم من الدز من الأذى.

ذكر وفاة صاحب مازندران و الخلف بين أولاده‏

في هذه السنة توفّي حسام الدين أردشير (2) ، صاحب مازندران، و خلّف ثلاثة أولاد، فملك بعده ابنه الأكبر، و أخرج أخاه الأوسط من البلاد، فقصد جرجان، و بها الملك عليّ شاه بن خوارزم شاه تكش، أخو خوارزم شاه محمّد، و هو ينوب عن أخيه فيها، فشكا إليه ما صنع به أخوه من إخراجه من البلاد، و طلب منه أن ينجده عليه، و يأخذ له البلاد ليكون في طاعته‏ (3) ، فكتب عليّ شاه إلى أخيه خوارزم شاه في ذلك، فأمره بالمسير معه إلى مازندران، و أخذ البلاد له، و إقامة الخطبة لخوارزم شاه فيها.

فساروا عن جرجان، فاتّفق أنّ حسام الدين، صاحب مازندران، مات في ذلك الوقت، و ملك البلاد بعده أخوه الأصغر، و استولى على القلاع و الأموال، فدخل عليّ شاه البلاد، و معه صاحب‏ (4) مازندران، فنهبوها و خرّبوها، و امتنع منهم الأخ الصغير (5) بالقلاع، و أقام بقلعة كورا، و هي ـ

____________

(1) . روبركان: spU . رومن‏كان: 740. روركان: P. C

(2) أردشير. mo. A

(3) . و؟ب... طاعته. mo. A

(4-5) . الأخ الأصغر. A . ولد صاحب. A

252

التي فيها الأموال و الذخائر، و حصروه فيها بعد أن ملّكوا أسامة البلاد مثل:

سارية و أمل و غيرهما من البلاد و الحصون، و خطب لخوارزم شاه فيها جميعها، فصارت في طاعته، و عاد عليّ شاه إلى جرجان، و أقام ابن ملك مازندران في البلاد مالكا لها جميعها، سوى القلعة التي‏فيها أخوه الأصغر، و هو يراسله، و يستميله، و يستعطفه، و أخوه لا يردّ جوابا، و لا ينزل عن حصنه.

ذكر ملك غياث الدين كيخسرو مدينة انطاكية

في هذه السنة، ثالث شعبان، ملك غياث الدين كيخسرو، صاحب قونية و بلد الروم، مدينة أنطاكية بالأمان، و هي للروم على ساحل البحر.

و سبب ذلك أنّه كان حصرها قبل هذا التاريخ، و أطال المقام عليها، و هدم عدّة أبراج من سورها، و لم يبق إلاّ فتحها عنوة، فأرسل من‏[بها من‏]الروم إلى الفرنج الذين بجزيرة قبرس، و هي قريبة منها، فاستنجدوهم، فوصل إليها جماعة منهم، فعند ذلك يئس غياث الدين منها، و رحل عنها، و ترك طائفة من عسكره بالقرب منها، بالجبال التي بينها و بين بلاده، و أمرهم بقطع الميرة منها.

فاستمرّ الحال على ذلك مدّة حتّى ضاق بأهل البلد، و اشتدّ الأمر عليهم، فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم، فظنّ الفرنج أنّ الروم يريدون إخراجهم من المدينة بهذا السبب، فوقع الخلف بينهم، فاقتتلوا، فأرسل الروم إلى المسلمين، و طلبوهم ليسلّموا إليهم البلد، فوصلوا إليهم، و اجتمعوا على قتال الفرنج، فانهزم الفرنج و دخلوا الحصن فاعتصموا به، فأرسل المسلمون يطلبون غياث الدين، و هو بمدينة قونية، فسار إليهم مجدّا في طائفة من‏

253

عسكره، فوصلها ثاني شعبان، و تقرّر الحال بينه و بين الروم، و تسلّم المدينة ثالثة (1) ، و حصر الحصن الّذي فيه الفرنج، و تسلّمه و قتل كلّ من كان به من الفرنج.

ذكر عزل ولد بكتمر صاحب خلاط و ملك بلبان و مسير صاحب ماردين إلى خلاط و عوده‏

و في هذه السنة قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر، و ملكها بلبان مملوك شاه أرمن بن سكمان، و كتب أهل خلاط إلى ناصر الدين أرتق ابن إيلغازي بن البي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق يستدعونه إليها.

و سبب ذلك أنّ ولد بكتمر كان صبيّا جاهلا، فقبض على الأمير شجاع الدين قتلغ، مملوك من مماليك شاه أرمن‏ (2) ، و هو كان أتابكه، و مدبّر بلاده، و كان حسن السيرة مع الجند و الرعيّة، فلمّا قتله‏اختلفت الكلمة عليه من الجند و العامّة، و اشتغل هو باللهو و اللعب و إدمان الشرب، فكاتب جماعة من عامّة خلاط، و جماعة من جند[1] ناصر الدين، صاحب ماردين، يستدعونه إليهم، و إنّما كاتبوه دون غيره من الملوك لأنّ أباه قطب الدين إيلغازي كان ابن أخت شاه أرمن بن سكمان، و كان شاه أرمن قد حلّف له الناس في حياته لأنّه لم يكن له ولد، فلمّا تجدّدت بعده هذه الحادثة تذاكروا تلك الأيمان، و قالوا: نستدعيه و نملّكه، فإنّه من أهل بيت شاه أرمن، فكاتبوه و طلبوه إليهم.

[1] الجند.

____________

(1) . ثالثة. mo. A

(2) . شجاع... أرمن. mo. A

254

ثمّ إنّ بعض مماليك شاه أرمن، اسمه بلبان، و كان قد جاهر ولد بكتمر بالعداوة و العصيان، سار من خلاط إلى ملازكرد و ملكها، و اجتمع الأجناد عليه، و كثر جمعه، و سار إلى خلاط فحصرها، و اتّفق وصول صاحب ماردين إليها، و هو يظنّ أنّ أحدا لا يمتنع عليه، و يسلمون إليه المدينة، فنزل قريبا من خلاط عدّة أيّام، فأرسل إليه بلبان يقول له:

إنّ أهل خلاط قد اتّهموني بالميل إليك، و هم ينفرون من العرب، و الرأي أنّك ترحل عائدا مرحلة واحدة و تقيم، فإذا تسلّمت البلد سلّمته إليك، لأنّني لا يمكنني أن أملكه أنا.

ففعل صاحب ماردين ذلك، فلمّا أبعد عن خلاط أرسل إليه يقول له:

تعود إلى بلدك، و إلاّ جئت إليك و أوقعت بك و بمن معك. و كان في قلّة من الجيش، فعاد إلى ماردين.

و كان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيّوب، صاحب حرّان و ديار الجزيرة، قد أرسل إلى صاحب ماردين، لمّا سمع أنّه يريد قصد خلاط، يقول له: إن سرت إلى خلاط قصدت بلدك، و إنّما خاف‏أن يملك خلاط فيقوى عليهم، فلمّا سار إلى خلاط جمع الأشرف العساكر و سار إلى ولاية ماردين، فأخذ دخلها، و أقام بدنيسر يجبي الأموال إليه، فلمّا فرغ منه عاد إلى حرّان، فكان مثل صاحب ماردين كما قيل: خرجت النّعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.

و أمّا بلبان فإنّه جمع العسكر و حشد، و حصر خلاط و ضيّق على أهلها، و بها ولد بكتمر، فجمع من عنده بالبلد من الأجناد و العامّة، و خرج إليه، فالتقوا، فانهزم بلبان و من معه من بين يديه، و عاد إلى الّذي بيده من البلاد، و هو: ملازكرد و أرجيش و غيرهما من الحصون، و جمع العساكر، و استكثر منها، و عاود حصار خلاط و ضيّق على أهلها، فاضطرّهم إلى خذلان‏