الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
255

ولد بكتمرلصغره، و جهله بالملك، و اشتغاله بلهوه و لعبة، ثمّ قبضوا عليه في القلعة، و أرسلوا إلى بلبان و حلّفوه على ما أرادوا، و سلّموا إليه البلد و ابن بكتمر، و استولى على جميع أعمال خلاط، و سجن ابن بكتمر في قلعة هناك، و استقرّ ملكه، فسبحان من إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه، بالأمس يقصدها شمس الدين محمّد البهلوان و صلاح الدين يوسف بن أيّوب، فلم يقدر أحدهما عليها، و الآن يظهر هذا المملوك العاجز، القاصر عن الرجال و البلاد و الأموال، فيملكها صفوا عفوا.

ثمّ إنّ نجم الدين أيّوب بن العادل، صاحب ميّافارقين، سار نحو ولاية خلاط، و كان قد استولى‏[على‏]عدّة حصون من أعمالها منها: حصن موسى‏ (1)

و مدينته، فلمّا قارب خلاط أظهر له بلبان العجز عن مقابلته، فطمع، و أوغل في القرب، فأخذ عليه بلبان الطريق و قاتله فهزمه، و لم يفلت من أصحابه إلاّ القليل و هم جرحى، و عاد إلى ميّافارقين.

ذكر ملك الكرج مدينة قرس و موت ملك الكرج‏

في هذه السنة ملك الكرج حصن قرس، من أعمال خلاط، و كانوا قد حصروه مدّة طويلة، و ضيّقوا على من فيه، و أخذوا دخل الولاية عدة سنين، و كلّ من يتولّى خلاط لا ينجدهم، و لا يسعى في راحة تصل إليهم.

و كان الوالي بها يواصل رسله في طلب النجدة، و إزاحة من عليه من الكرج، فلا يجاب‏ (2) له دعاء، فلمّا طال الأمر عليه، و رأى أن لا ناصر له، صالح الكرج على تسليم القلعة على‏مال كثير و إقطاع يأخذه منهم، و صارت دار

____________

(1) . حصن موس. B . حصن موش. A

(2) . فلا يخاف. A

256

شرك بعد أن كانت دار توحيد، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و نسأل اللََّه أن يسهل للإسلام و أهله نصرا من عنده، فإنّ ملوك زماننا قد اشتغلوا بلهوهم و لعبهم و ظلمهم عن سدّ الثغور و حفظ البلاد.

ثمّ إنّ اللََّه تعالى نظر إلى قلّة ناصر الإسلام، فتولاّه هو، فأمات ملكة الكرج، و اختلفوا فيما بينهم و كفى اللََّه شرّهم إلى آخر السنة.

ذكر الحرب بين عسكر الخليفة و صاحب لرستان‏

في هذه السنة، في رمضان، سار عسكر الخليفة من خوزستان مع مملوكه سنجر، و هو كان المتولّي لتلك الأعمال، وليها بعد موت طاشتكين أمير الحاجّ، لأنّه زوج ابنة طاشتكين، إلى جبال لرستان، و صاحبها يعرف بأبي طاهر، و هي جبال منيعة بين فارس و أصبهان و خوزستان، فقاتلوا أهلها و عادوا منهزمين.

و سبب ذلك أنّ مملوكا للخليفة الناصر لدين اللََّه اسمه قشتمر من أكابر مماليكه‏كان قد فارق الخدمة لتقصير رآه من الوزير نصير الدين العلويّ الرازيّ، و اجتاز بخوزستان، و أخذ منها ما أمكنه‏ (1) و لحق بأبي طاهر صاحب لرستان، فأكرمه و عظّمه و زوّجه ابنته، ثمّ توفّي أبو طاهر فقوي أمر قشتمر، و أطاعه أهل تلك الولاية.

فأمر سنجر بجمع العساكر و قصده و قتاله، ففعل سنجر ما أمر به، و جمع العساكر و سار إليه، فأرسل قشتمر يعتذر، و يسأل أن لا يقصد و لا يخرج عن العبوديّة، فلم يقبل عذره، فجمع أهل تلك الأعمال، و نزل إلى

____________

(1) . العلويّ... أمكنه. mo. B

257

العسكر، فلقيهم، فهزمهم، و أرسل إلى صاحب فارس بن دكلا و شمس الدين إيدغمش، صاحب أصبهان و همذان و الرّيّ، يعرّفهما الحال، و يقول: إنّني لا قوة لي بعسكر الخليفة، و ربّما أضيف إليهم عساكر أخرى من بغدادو عادوا إلى حربي، و حينئذ لا أقدر بهم، و طلب منهما النجدة، و خوّفهما من عسكر الخليفة إن ملك تلك الجبال، فأجاباه إلى ما طلب، فقوي جنانه، و استمرّ على حاله.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة قتل صبي صبيّا آخر ببغداد، و كانا يتعاشران، و عمر كل واحد منهما يقارب عشرين سنة، فقال أحدهما للآخر: الساعة أضربك بهذه السكين، يمازحه بذلك أهوى نحوه بها، فدخلت في جوفه فمات، فهرب القاتل ثمّ أخذ و؟أمر؟ به ليقتل، فلمّا أرادوا قتله طلب دواة و[ورقة]بيضاء، و كتب فيها من دوله؟

قدمت على الكريم بغير زاد # من الأعمال بالقلب السّليم‏[1]

و سوء الظّنّ أن تشتدّ زادا # إذا كان القدوم على كريم‏

و فيها حجّ برهان الدين صدر جهان محمّد بن أحمد بن عبد العزيز بن مارة (1) البخاريّ رأس الحنفيّة ببخارى، و هو كان صاحبها على الحقيقة، يؤدي الخراج إلى الخطا، و ينوب عنهم في البلد، فلمّا حجّ لم تحمد سيرته في الطريق، [1]-بل قلب سليم.

____________

(1) . مازة: P. C

258

و لم يصنع معروفا، و كان قد أكرم ببغداد عند قدومه من بخارى، فلمّا عاد لم يلتفت إليه لسوء سيرته مع الحاجّ، و سمّاه الحجاج صدر جهنّم.

و فيها، في شوّال، مات شيخنا أبو الحرم مكي بن ريان‏ (1) بن شبة النحويّ المقري بالموصل، و كان عارفا بالنحو و اللغة و القراءات، لم يكن في زمانه مثله، و كان ضريرا، و كان يعرف سوى هذه العلوم من الفقه و الحساب و غير ذلك معرفة حسنة، و كان من خيار عباد اللََّه و صالحيهم، كثير التواضع، لا يزال الناس يشتغلون عليه من بكرة إلى الليل.

و فيها فارق أمير الحاجّ مظفّر الدين سنقر مملوك الخليفة المعروف بوجه السبع الحاجّ بموضع يقال له المرجوم، و مضى في طائفة من أصحابه إلى الشام، و سار الحاجّ و معهم الجند، فوصلوا سالمين، و وصل هو إلى الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، فأقطعه إقطاعا كثيرا بمصر، و أقام عنده إلى أن عاد إلى بغداد سنة ثمان و ستّمائة في جمادى الأولى، فإنّه لمّا قبض الوزير أمن على نفسه، و أرسل يطلب العود، فأجيب إليه، فلمّا وصل أكرمه الخليفةو أقطعه الكوفة.

و فيها، في جمادى الآخرة، توفّي أبو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز الإسكندرانيّ، المعروف بابن النطرونيّ، في مارستان بغداد، و كان قد مضى إلى المايورقيّ في رسالة بإفريقية، فحصل له منه عشرة آلاف دينار مغربيّة، فرّقها جميعها في بلده على معارفه و أصدقائه، و كان فاضلا خيّرا، نعم الرجل، رحمه اللََّه، و له شعر حسن، و كان قيّما بعلم الأدب، و أقام بالموصل مدّة، و اشتغل على الشيخ أبي الحرم، و اجتمعت به كثيرا عنده.

____________

(1) . سكى بن ريان: spU . ملي بن ريان: 740. P. C

259

604 ثم دخلت سنة أربع و ستمائة

ذكر ملك خوارزم شاه ما وراء النهر و ما كان بخراسان من الفتن و إصلاحها

في هذه السنة عبر علاء الدين محمّد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا.

و سبب ذلك أنّ الخطا كانوا قد طالت أيّامهم ببلاد تركستان، و ما وراء النهر، و ثقلت وطأتهم على أهلها، و لهم في كلّ مدينة نائب يجبي إليهم الأموال، و هم يسكنون الخركاهات على عادتهم قبل أن يملكوا، و كان مقامهم بنواحي أوزكند، و بلاساغون، و كاشغر، و تلك النواحي، فاتّفق أنّ سلطان سمرقند و بخارى، و يلقّب خان خانان، يعني سلطان السلاطين، و هو من أولاد الخانيّة، عريق النسب في الإسلام و الملك، أنف و ضجر من تحكّم الكفّار على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: إنّ اللََّه، عزّ و جلّ، قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك و كثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين و بلادهم من أيدي الكفّار، و تخلّصهم ممّا يجري عليهم من التحكّم في الأموال و الأبشار، و نحن نتّفق معك على محاربة الخطا، و نحمل إليك ما نحمله إليهم، و نذكر اسمك في الخطبة و على السكّة، فأجابه إلى ذلك، و قال: أخاف أنّكم لا تفون لي.

فسيّر إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخارى و سمرقند، بعد أن حلّفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمّنه، و ضمنوا عنه الصدق و الثبات على ما

260

بذل، و جعلوا عنده رهائن، فشرع في إصلاح أمر خراسان، و تقرير قواعدها.

فولّى أخاه عليّ شاه طبرستان مضافة إلى جرجان، و أمره بالحفظ و الاحتياط، و ولّى الأمير كزلك خان، و هو من أقارب أمّه و أعيان دولته، بنيسابور، و جعل معه عسكرا، و ولّى الأمير جلدك مدينة الخام، و ولّى الأمير أمين الدين أبا بكر مدينة زوزن.

و كان أمين الدين هذا حمّالا، ثمّ صار أكبر الأمراء، و هو الّذي ملك كرمان، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، و أقرّ الأمير الحسين‏ (1) على هراة، و جعل معه فيها ألف فارس من الخوارزميّة، و صالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور، و كرمسير، و استناب في مرو و سرخس و غيرهما من خراسان‏نوّابا، و أمرهم بحسن السياسة، و الحفظ، و الاحتياط، و جمع عساكره جميعها، و سار إلى خوارزم، و تجهّز منها، و عبّر جيحون، و اجتمع بسلطان سمرقند، و سمع الخطا، فحشدوا، و جمعوا، و جاءوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة و مغاورات، فتارة له و تارة عليه.

ذكر قتل ابن خرميل و حصر هراة

ثمّ إنّ ابن خرميل، صاحب هراة، رأى سوء معاملة عسكر خوارزم شاه للرعيّة، و تعدّيهم إلى الأموال، فقبض عليهم و حبسهم، و بعث رسولا إلى خوارزم شاه يعتذر، و يعرّفه ما صنعوا، فعظم عليه، و لم يمكنه محاقّته‏[1] لاشتغاله.

[1] محاققة. ـ

____________

(1) الحسين بن خرميل. B .

261

بقتال الخطا (1) ، فكتب إليه يستحسن فعله، و يأمره بإنفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجته إليهم، و قال له: إنّني قد أمرت عزّ الدين جلدك بن طغرل، صاحب الخام، أن يكون عندك لما أعلمه من عقله، و حسن سيرته، و أرسل إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة و أسرّ إليه أن يحتاج في القبض على حسين بن خرميل و لو أوّل ساعة يلقاه.

فسار جلدك في ألفي فارس، و كان أبوه طغرل، أيّام السلطان سنجر، واليا بهراة، فهوى‏[1] إليها بالأشواق يختارها على جميع خراسان، فلمّا قارب هراة أمر ابن خرميل الناس بالخروج لتلقيّه‏[2]، و كان للحسين وزير يعرف بخواجه الصاحب، و كان كبيرا[3] قد حنّكته التجارب، فقال لابن خرميل: لا تخرج إلى لقائه، و دعه يدخل إليك منفردا، فإنّني أخاف أن يغدر بك، و أن يكون خوارزم شاه أمر بذلك. فقال: لا يجوز أن يقدم مثل هذا الأمير و لا ألتقيه، و أخاف أن يضطغن ذلك عليّ‏ (2) خوارزم شاه، و ما أظنّه يتجاسر عليّ.

فخرج إليه الحسين بن خرميل، فلمّا بصر كلّ واحد منهما[4] بصاحبه ترجّل للالتقاء، و كان جلدك قد أمر أصحابه بالقبض عليه، فاختلطوا بهما، و حالوا بين ابن خرميل و أصحابه، و قبضوا عليه، فانهزم أصحابه و دخلوا المدينة و أخبروا الوزير بالحال، فأمر بإغلاق الباب و الطلوع إلى الأسوار، و استعدّ للحصار، و نزل جلدك على البلد، و أرسل إلى الوزير يتهدّده، إن لم يسلّم [1]-فهو.

[2]-بتلقيه.

[3]-كثيرا.

[4]-منها.

____________

(1) . لاشتغاله بالخطا. B

(2) . يصعب ذلك على. B

262

البلد، بقتل ابن خرميل، فنادى الوزير بشعار غياث الدين محمود (1) الغوريّ، و قال لجلدك: لا أسلّم البلد إليك، و لا إلى‏الغادر ابن خرميل، و إنّما هو لغياث الدين، و لأبيه قبله.

فقدّموا ابن خرميل إلى السور، فخاطب الوزير، و أمره بالتسليم، فلم يفعل، فقتل ابن خرميل، و هذه عاقبة الغدر، فقد تقدّم من أخباره عند شهاب الدين الغوريّ ما يدلّ على غدره، و كفرانه الإحسان ممّن أحسن إليه.

فلمّا قتل ابن خرميل كتب جلدك إلى خوارزم شاه بجليّة الحال، فأنفذ خوارزم شاه إلى كزلك خان، والي نيسابور، و إلى أمين الدين أبي بكر، صاحب زوزن، يأمرهما بالمسير إلى هراة و حصارها و أخذها، فسارا في عشرة آلاف فارس، فنزلوا على هراة، و راسلوا الوزير بالتسليم، فلم يلتفت إليهم، و قال: ليس لكم من المحلّ‏ما يسلم إليكم مثل هراة، لكن إذا وصل السلطان خوارزم شاه سلّمتها إليه. فقاتلوه، و جدّوا في قتاله، فلم يقدروا عليه.

و كان ابن خرميل قد حصّن هراة، و عمل لها أربعة أسوار محكمة، و حفر خندقها، و شحنها بالميرة، فلمّا فرغ من كلّ ما أراد قال: بقيت أخاف على هذه المدينة شيئا واحدا، و هو أن تسكّر المياه التي لها أيّاما كثيرة (2) ، ثمّ ترسل دفعة واحدة فتخرق أسوارها. فلمّا حصرها هؤلاء سمعوا قول ابن خرميل، فسكروا المياه حتّى اجتمعت كثيرا، ثمّ أطلقوها على هراة فأحاطت بها و لم تصل إلى السور لأنّ أرض المدينة مرتفعة، فامتلأ الخندق ماء، و صار حولها وحلا، فانتقل العسكر عنهم، و لم يمكنهم القتال لبعدهم عن المدينة. و هذا كان قصد ابن خرميل: أن يمتلئ الخندق ماء، و يمنع الوحل‏ (3)

من القرب من المدينة، فأقاموا مدّة حتّى نشف الماء، فكان قول ابن خرميل

____________

(1) . محمود بن غياث الدين. B

(2) . كثيرة حتى تجتمع. B

(3) . و يمتلي الوحل. B

263

من أحسن الحيل.

و نعود إلى قتال خوارزم شاه الخطا و أسره، و أمّا خوارزم شاه فإنّه دام القتال بينه و بين الخطا، ففي بعض الأيّام اقتتلوا، و اشتدّ القتال، و دام بينهم، ثمّ انهزم المسلمون هزيمة قبيحة، و أسر كثير منهم، و قتل كثير. و كان من جملة الأسرى خوارزم شاه، و أسر معه أمير كبير يقال له فلان بن شهاب الدين‏[مسعود]أسرهما رجل واحد.

و وصلت العساكر الإسلاميّة إلى خوارزم، و لم يروا السلطان معهم، فأرسلت أخت كزلك خان، صاحب نيسابور (1) ، و هو يحاصر هراة، و أعلمته الحال، فلمّا أتاه الخبر سار عن هراة ليلا إلى نيسابور، و أحسّ به الأمير أمين الدين أبو بكر، صاحب زوزن، فأراد هو و من عنده من الأمراء منعه، مخافة أن‏ (2) يجري بينهم حرب يطمع بسببها أهل هراة فيهم، فيخرجون إليهم فيبلغون منهم ما يريدونه، فأمسكوا عن معارضته.

و كان خوارزم شاه قد خرّب سور نيسابور لمّا ملكها من الغوريّة، فشرع كزلك خان يعمره، و أدخل إليها الميرة، و استكثر من الجند، و عزم على الاستيلاء على خراسان إن صحّ فقد السلطان.

و بلغ خبر عدم السلطان إلى أخيه عليّ شاه و هو بطبرستان، فدعا إلى نفسه، و قطع خطبة أخيه و استعدّلطلب السلطنة، و اختلطت خراسان اختلاطا عظيما.

و أمّا السلطان خوارزم شاه، فإنّه لمّا أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود:

يجب أن تدع السلطنة في هذه الأيّام، و تصير خادما لعلّي أحتال في خلاصك، فشرع يخدم ابن مسعود، و يقدّم له الطعام، و يخلعه ثيابه و خفّه، و يعظّمه،

____________

(1) . نيسابور إلى أخيه و هو. B

(2) . فخافوا أن. B

264

فقال الرجل الّذي أسرهما لابن مسعود: أرى هذا الرجل يعظمك، فمن أنت؟فقال: أنا فلان، و هذا غلامي، فقام إليه و أكرمه، و قال: لو لا أنّ القوم عرفوا بمكانك عندي لأطلقتك، ثمّ تركه أيّاما، فقال له ابن مسعود:

إني أخاف أن‏يرجع المنهزمون، فلا يراني أهلي معهم، فيظنّون أني قتلت، فيعملون العزاء و المأتم، و تضيق صدورهم لذلك، ثمّ يقتسمون مالي فأهلك، و أحبّ أن تقرّر عليّ شيئا من المال حتّى أحمله إليك، فقرّر عليه مالا، و قال له: أريد أن تأمر رجلا عاقلا يذهب بكتابي إلى أهلي و يخبرهم بعافيتي، و يحضر معه من يحمل المال.

ثمّ قال: إنّ أصحابكم لا يعرفون أهلنا، و لكن هذا غلامي أثق به، و يصدّقه أهلي‏ (1) ، فأذن له الخطائي بإنفاذه، فسيّره و أرسل معه الخطائي فرسا، و عدّة من الفرسان يحمونه، فساروا حتّى قاربوا خوارزم، و عاد الفرسان عن خوارزم شاه، و وصل خوارزم شاه إلى خوارزم، فاستبشر به الناس و ضربت البشائر، و زيّنوا البلد، و أتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور، و بما صنع أخوه عليّ شاه بطبرستان.

ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان‏

لمّا وصل خوارزم شاه إلى خوارزم أتته الأخبار بما فعله كزلك خان و أخوه عليّ شاه و غيرهما (2) [1]، فسار إلى خراسان، و تبعته العساكر، فتقطّعت، و وصل هو إليها في اليوم السادس و معه ستّة فرسان، و بلغ كزلك خان وصوله، [1]-و غيرهم

____________

(1) . أهلي بسلامتي. B

(2) . و غيرهم فعاد إلى نيسابور و تبعته. B

265

فآخذ أمواله و عساكره و هرب نحو العراق، و بلغ أخاه علي شاه، فخافه، و سار على طريق قهستان ملتجئا إلى غياث الدين محمود الغوريّ، صاحب فيروزكوه، فتلقاه، و أكرمه‏ (1) ، و أنزله عنده.

و أمّا خوارزم شاه فإنّه دخل نيسابور، و أصلح أمرها، و جعل فيها نائبا و سار إلى هراة، فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه، و أحسن إلى أولئك الأمراء، و وثق بهم لأنّهم صبروا على امتثال أمره في تلك الحال و لم يتغيّروا، و لم يبلغوا من هراة غرضا بحسن تدبير ذلك الوزير، فأرسل خوارزم شاه إلى الوزير يقول له: إنّك وعدت عسكري أنّك تسلّم المدينة إذا حضرت، و قد حضرت فسلّم. فقال: لا أفعل، لأنّي أعرف أنّكم غدّارون، لا تبقون على أحد، و لا أسلّم البلد إلاّ إلى غياث الدين محمود.

فغضب خوارزم شاه من ذلك، و زحف إليه بعساكره، فلم يكن فيه حيلة، فاتّفق جماعة من أهل هراة و قالوا: هلك الناس من الجوع و القلّة، و قد تعطّلت علينا معايشنا، و قد مضى سنة و شهر، و كان الوزير يعد بتسليم البلد إلى خوارزم شاه إذا وصل إليه، و قد حضر خوارزم شاه و لم يسلّم، و يجب أن نحتال في تسليم البلد و الخلاص من هذه الشدّة التي نحن فيها.

فانتهى ذلك إلى الوزير، فبعث إليهم جماعة من عسكره، و أمرهم بالقبض عليهم، فمضى الجند إليهم، فثارت فتنة في البلد عظم خطبها، فاحتاج الوزير إلى تداركها بنفسه، فمضى لذلك، فكتب من البلد إلى خوارزم شاه بالخبر، و زحف إلى البلد و أهله مختلطون، فخربوا برجين من السور، و دخلوا البلد فملكوه، و قبضوا على الوزير، فقتله خوارزم شاه، و ملك البلد، و ذلك سنة خمس و ستّمائة، و أصلح حاله، و سلّمه إلى خاله أمير ملك، و هو من

____________

(1) . فتلقاه غياث الدين و أكرمه. B

266

أعيان أمرائه، فلم يزل‏[1] بيده حتّى هلك خوارزم شاه.

و أمّا ابن شهاب الدين مسعود فإنّه أقام عند الخطا مديدة، فقال له الّذي استأسره يوما: إنّ خوارزم شاه قد عدم فأيش عندك من خبره؟فقال له: أما تعرفه؟قال: لا!قال: هو أسيرك الّذي كان عندك. فقال‏ (1) :

لم لم تعرّفني‏[2] حتّى كنت أخدمه، و أسير بين يديه إلى مملكته؟قال:

خفتكم عليه. فقال الخطائي: سر بنا إليه، فسارا إليه، فأكرمهما، و أحسن إليهما، و بالغ في ذلك.

ذكر قتل غياث الدين محمود

لمّا سلّم خوارزم شاه هراة إلى خاله أمير ملك و سار إلى خوارزم، أمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمّد بن سام الغوريّ، صاحب الغور و فيروزكوه، و أن يقبض عليه و على أخيه عليّ شاه بن خوارزم شاه، و يأخذ فيروزكوه من غياث الدين.

فسار أمير ملك إلى فيروزكوه، و بلغ ذلك إلى محمود، فأرسل يبذل الطاعة و يطلب الأمان، فأعطاه ذلك، فنزل إليه محمود (2) ، فقبض عليه أمير ملك، و على عليّ شاه أخي خوارزم شاه، فسألاه أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيه، فأرسل إلى خوارزم شاه يعرّفه الخبر، فأمره بقتلهما، فقتلا في [1]-تزل.

[2]-لا عرّفتني.

____________

(1) .

(2) . محمود من فيروزكوه. B

267

يوم واحد، و استقامت خراسان كلّها لخوارزم شاه، و ذلك سنة خمس و ستّمائة أيضا.

و غياث الدين هذا هو آخر ملوك الغوريّة، و لقد كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة، و أعدلها و أكثرها جهادا، و كان محمود هذا عادلا، حليما كريما، من أحسن الملوك سيرة و أكرمهم أخلاقا، رحمه اللََّه تعالى.

ذكر عود خوارزم شاه إلى الخطا

لمّا استقرّ أمر خراسان لخوارزم شاه و عبر نهر جيحون، جمع له الخطا جمعا عظيما و ساروا إليه، و المقدّم عليهم شيخ دولتهم، القائم مقام الملك فيهم، المعروف بطاينكوه‏ (1) ، و كان عمره قد جاوز مائة سنة، و لقي حروبا كثيرة، و كان مظفّرا، حسن التدبير و العقل، و اجتمع خوارزم شاه و صاحب سمرقند، و تصافّوا هم و الخطا سنة ستّ و ستّمائة، فجرت حروب لم يكن مثلها شدّة و صبرا، فانهزم الخطا هزيمة منكرة، و قتل منهم و أسر خلق لا يحصى.

و كان فيمن أسر طاينكوه‏ (2) مقدّمهم، و جي‏ء به إلى خوارزم شاه، فأكرمه، و أجلسه على سريره، و سيّره إلى خوارزم، ثم قصد خوارزم شاه إلى بلاد ما وراء النهر، فملكها مدينة مدينة، و ناحية ناحية، حتّى بلغ إلى مدينة أوزكند، و جعل نوّابه فيها و عاد إلى خوارزم و معه سلطان سمرقند، و كان من أحسن الناس صورة، فكان أهل خوارزم يجتمعون حتّى ينظروا[1] إليه، فزوّجه [1]-ينظرون.

____________

(1-2) . طاينكوا. B

268

خوارزم شاه بابنته، و ردّه إلى سمرقند، و بعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان رسم الخطا.

ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميّين‏

لمّا عاد صاحب سمرقند إليها، و معه شحنة لخوارزم شاه، أقام معه نحو سنة، فرأى‏[من‏]سوء سيرة الخوارزميّين، و قبح معاملتهم، ما ندم‏[معه‏]على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلّمها إليه، و يعود إلى طاعته، و أمر بقتل كلّ من في سمرقند من الخوارزميّة ممّن سكنها قديما و حديثا، و أخذ أصحاب خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين و يعلقهم في الأسواق كما يعلق القصّاب اللحم، و أساء غاية الإساءة، و مضى إلى القلعة ليقتل زوجته ابنة خوارزم شاه، فأغلقت الأبواب، و وقفت بجواريها تمنعه، و أرسلت إليه تقول: أنا امرأة و قتل مثلي قبيح و لم يكن منّي إليك ما أستوجب به هذا منك، و لعلّ تركي أحمد عاقبة، فاتّق اللََّه فيّ!فتركها و وكل بها من يمنعها التصرّف في نفسها.

و وصل الخبر إلى خوارزم شاه فقامت قيامته، و غضب غضبا شديدا، و أمر بقتل كلّ من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمّه عن ذلك، و قالت: إنّ هذا البلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض، و لم يرض كلّهم بما كان من هذا الرجل، فأمر بقتل أهل سمرقند، فنهته أمّه، فانتهى، و أمر عساكره بالتجهّز إلى ما وراء النهر، و سيّرهم أرسالا، كلّما تجهّز جماعة عبروا جيحون، فعبر منهم خلق كثير لا يحصى، ثمّ عبر هو بنفسه في آخرهم، و نزل على سمرقند، و أنفذ إلى صاحبها يقول له: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، و استحللت‏

269

من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم و لا كافر، و قد عفا[1] اللََّه عمّا سلف، فاخرج من البلاد و امض حيث شئت، فقال: لا أخرج و افعل ما بدا لك.

فأمر عساكره بالزحف، فأشار عليه بعض من معه بأن يأمر بعض الأمراء، إذا فتحوا البلد، أن يقصدوا الدرب الّذي يسكنه التجار، فيمنع من نهبه و التطرّق إليهم بسوء، فإنّهم غرباء، و كلّهم كارهون لهذا الفعل. فأمر بعض الأمراء بذلك، و زحف، و نصب السلاليم على السور، فلم يكن بأسرع من أن أخذوا البلد، و أذن لعسكره بالنهب، و قتل من يجدونه من أهل سمرقند، فنهب البلد، و قتل أهله، ثلاثة أيّام، فيقال إنّهم قتلوا منهم مائتي ألف إنسان، و سلم ذلك الدرب الّذي فيه الغرباء، فلم يعدم منهم الفرد و لا (1) الآدمي الواحد.

ثمّ أمر بالكفّ عن النهب و القتل، ثمّ زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ قلبه هيبة و خوفا، فأرسل يطلب الأمان، فقال: لا أمان لك عندي، فزحفوا عليها فملكوها، و أسروا صاحبها، و أحضروه عند خوارزم شاه، فقبّل الأرض و طلب العفو، فلم يعف عنه، و أمر بقتله، فقتل صبرا، و قتل معه جماعة من أقاربه، و لم يترك أحدا ممّن ينسب إلى الخانيّة، و رتّب فيها و في سائر البلاد نوّابه، و لم يبق لأحد معه في البلاد حكم.

ذكر الواقعة التي أفنت الخطا

لمّا فعل خوارزم شاه بالخطا ما ذكرناه مضى من سلم منهم إلى ملكهم، فإنّه لم يحضر الحرب، فاجتمعوا عنده، و كان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا [1]-عفى.

____________

(1) . منه الحبة و لا. B

270

من بلادهم، حدود الصين قديما، و نزلوا وراء بلاد تركستان، و كان بينهم و بين الخطا عداوة و حروب، فلمّا سمعوا بما فعله خوارزم شاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشلي خان، فلمّا رأى ملك الخطا ذلك أرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أمّا ما كان منك من أخذ بلادنا و قتل رجالنا فعفو عنه، و قد أتى‏[1] من هذا العدوّ من لا قبل لنا به، و إنّهم إن انتصروا علينا، و ملكونا، فلا دافع لهم عنك، و المصلحة أن تسير إلينا بعساكرك و تنصرنا على قتالهم، و نحن نحلف لك أنّنا إذا ظفرنا بهم لا نتعرّض‏[2] إلى ما أخذت من البلد، و نقنع بما في أيدينا.

و أرسل إليه كشلي خان ملك التتر[يقول‏]: إنّ هؤلاء الخطا أعداؤك و أعداء آبائك و أعداؤنا، فساعدنا عليهم، و نحلف أنّنا إذا انتصرنا عليهم لا نقرب بلادك، و نقنع بالمواضع التي ينزلونها (1) ، فأجاب كلاّ منهما: إنّني معك، و معاضدك على خصمك.

و سار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الّذي تصافّوا فيه، فلم يخالطهم مخالطة يعلم بها أنّه من أحدهما، فكانت كلّ طائفة منهم تظنّ أنّه معها (2) ، و تواقع الخطا و التتر، فانهزم الخطا هزيمة عظيمة، فمال حينئذ خوارزم شاه، و جعل يقتل، و يأسر، و ينهب، و لم يترك أحدا ينجو منهم، فلم يسلم منهم إلاّ طائفة يسيرة مع ملكهم في موضع من نواحي الترك يحيط به جبل‏[3] ليس إليه طريق إلاّ من جهة واحدة، تحصّنوا فيه، و انضمّ إلى خوارزم شاه منهم طائفة، و ساروا في عسكره، و أنفذ خوارزم شاه إلى كشلي خان ملك التتر [1] أتا.

[2] نعترض.

[3] جبال. ـ

____________

(1) . ينزلونها و المراعي التي ترعونها. B

(2) . أنه مع. B

271

يمنّ‏[1] عليه بأنّه حضر لمساعدته، و لولاه لما تمكّن من الخطا، فاعترف له كشلي خان بذلك مدّة، ثمّ أرسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا، و قال:

كما أنّنا اتّفقنا على إبادتهم ينبغي أن نقتسم بلادهم، فقال: ليس لك عندي غير السيف، و لستم بأقوى من الخطا شوكة، و لا أعزّ ملكا، فإن قنعت بالمساكتة، و إلاّ سرت إليك، و فعلت بك شرّا ممّا فعلت بهم.

و تجهّز و سار حتّى نزل قريبا منهم، و علم خوارزم شاه أنّه لا طاقة له به، فكان يراوغه، فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله و أثقالهم فينهبها، و إذا سمع أنّ طائفة سارت عن موطنهم سار إليها فأوقع بها، فأرسل إليه كشلي خان يقول له: ليس هذا فعل الملوك!هذا فعل اللصوص، و إلاّ إن كنت سلطانا، كما تقول، فيجب أن نلتقي، فإمّا أن تهزمني و تملك البلاد التي بيدي، و إمّا أن أفعل أنا بك ذلك.

فكان يغالطه و لا يجيبه إلى ما طلب، لكنّه أمر أهل الشاش و فرغانة و أسفيجاب و كاسان، و ما حولها من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها، و لا أحسن عمارة، بالجلاء منها، و اللحاق ببلاد الإسلام، ثمّ خرّبها جميعها خوفا من التتر أن يملكوها.

ثمّ اتّفق خروج هؤلاء التتر الآخر الذين خرّبوا الدنيا و ملكهم جنكزخان النّهرجي على كشلي خان‏[ملك‏]التتر الأوّل، فاشتغل بهم كشلي خان عن خوارزم شاه، فخلا وجهه، فعبر النهر إلى خراسان.

[1]يمتّ.

272

ذكر ملك نجم الدين ابن الملك العادل خلاط

في هذه السنة ملك الملك الأوحد نجم الدين أيّوب ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيّوب مدينة خلاط.

و سبب ذلك أنّه كان بمدينة ميّافارقين من أبيه، فلمّا كان من ملك بلبان خلاط ما ذكرناه، قصد هو (1) مدينة موش، و حصرها، و أخذها، و أخذ معها ما يجاورها. و كان بلبان لم تثبت قدمه حتّى يمنعه، فلمّا ملكها طمع في خلاط، فسار إليها، فهزمه بلبان، كما ذكرناه أيضا، فعاد إلى بلده، و جمع و حشد، و سيّر إليه أبوه جيشا، فقصد خلاط، فسار إليه بلبان، فتصافّا و اقتتلا، فانهزم بلبان، و تمكّن نجم الدين من البلاد، و ازداد منها.

و دخل بلبان خلاط و اعتصم بها، و أرسل رسولا إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان، و هو صاحب أرزن الروم، يستنجده على نجم الدين، فحضر بنفسه و معه عسكره، فاجتمعا، و هزما نجم الدين، و حصرا موش، فأشرف الحصن على أن يملك، فغدر ابن قلج أرسلان بصاحب خلاط و قتله طمعا في البلاد، فلمّا قتله سار إلى خلاط، فمنعه أهلها عنها، فسار إلى ملازكرد، فردّه أهلها أيضا، و امتنعوا عليه، فلمّا لم يجد في شي‏ء من البلاد مطمعاعاد إلى بلده.

فأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين يستدعونه إليهم ليملّكوه، فحضر عندهم، و ملك خلاط و أعمالها سوى اليسير منها، و كره الملوك المجاورون له ملكه لها خوفا من أبيه، و كذلك أيضا خافه الكرج و كرهوه، فتابعوا الغارات على أعمال

____________

(1) . حصر هو. A

273

خلاط و بلادها، و نجم الدّين مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها، فلقي المسلمون من ذلك أذى شديدا.

و اعتزل جماعة من عسكر خلاط، و استولوا على حصن و ان، و هو من أعظم الحصون و أمنعها، و عصوا على نجم الدين، و اجتمع إليهم جمع كثير، و ملكوا مدينة أرجيش، فأرسل نجم الدين إلى أبيه الملك العادل يعرّفه الحال، و يطلب منه أن يمدّه بعسكر، فسيّر إليه أخاه الملك الأشرف موسى بن العادل في عسكر، فاجتمعا في عسكر كثير، و حصرا قلعة و ان و بها الخلاطيّة، و جدّوا في قتالهم، فضعف أولئك عن مقاومتهم، فسلّموها صلحا و خرجوا منها، و تسلّمها نجم الدين، و استقرّ ملكه بخلاط و أعمالها، و عاد أخوه الأشرف إلى بلده حرّان و الرّها.

ذكر غارات الفرنج بالشام‏

و في هذه السنة كثر الفرنج الذين بطرابلس و حصن الأكراد، و أكثروا الإغارة على بلد حمص و ولاياتها، و نازلوا مدينة حمص، و كان جمعهم كثيرا فلم يكن لصاحبها أسد الدين شيركوه بن محمّد بن شيركوه بهم قوّة و لا يقدر على دفعهم و منعهم، فاستنجد الظاهر غازي، صاحب حلب، و غيره من ملوك الشام، فلم ينجده إلاّ الظاهر، فإنّه سيّر له عسكرا أقاموا عنده، و منعوا الفرنج عن ولايته.

ثمّ إنّ الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة، و قصد مدينة عكّا، فصالحه صاحبها الفرنجي على قاعدة استقرّت من إطلاق أسرى من المسلمين و غير ذلك، ثمّ سار إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس، و جاءته عساكر الشرق و ديار الجزيرة، و دخل إلى بلاد طرابلس، و حاصر موضعا

274

يسمّى القليعات، و أخذه صلحا، و أطلق صاحبه، و غنم ما فيه من دوابّ و سلاح، و خرّبه، و تقدّم إلى طرابلس، فنهب، و أحرق، و سبى، و غنم و عاد، و كانت مدّة مقامه في بلد الفرنج اثني عشر يوما، و عاد إلى بحيرة قدس.

و تردّدت الرسل بينه و بين الفرنج في الصلح، فلم تستقرّ قاعدة، و دخل الشتاء، و طلبت العساكر الشرقيّة العود إلى بلادهم قبل البرد الشّديد، فنزل طائفة من العسكر بحمص عند صاحبها، و عاد إلى دمشق فشتّى بها، و عادت عساكر ديار الجزيرة إلى أماكنها.

و كان سبب خروجه من مصر بالعساكر أنّ أهل قبرس من الفرنج أخذوا عدّة قطع من أسطول مصر، و أسروا من فيها، فأرسل العادل إلى صاحب عكّا في ردّ ما أخذ، و يقول: نحن صلح، فلم غدرتم بأصحابنا؟ فاعتذر بأنّ أهل قبرس ليس لي عليهم حكم، و أنّ مرجعهم إلى الفرنج الذين بالقسطنطينيّة، ثمّ إنّ أهل قبرس ساروا إلى القسطنطينيّة بسبب غلاء كان عندهم و تعذّرت عليهم الأقوات، و عاد حكم قبرس إلى صاحب عكّا، و أعاد العادل مراسلته فلم ينفصل حال، فخرج بالعساكر، و فعل بعكّا ما ذكرنا، فأجابه حينئذ صاحبها إلى ما طلب و أطلق الأسرى.

ذكر الفتنة بخلاط و قتل كثير من أهلها

لمّا تمّ ملك خلاط و أعمالها للملك الأوحد بن العادل سار عنها إلى ملازكرد ليقرّر قواعدها أيضا، و يفعل ما ينبغي أن يفعله فيها، فلمّا فارق خلاط وثب أهلها على من بها من العسكر فأخرجوه من عندهم، و عصوا، و حصروا القلعة و بها أصحاب الأوحد، و نادوا بشعار شعار أرمن، و إن كان ميّتا، يعنون بذلك ردّ الملك إلى أصحابه و مماليكه.

275

فبلغ الخبر إلى الملك الأوحد، فعاد إليهم و قد وافاه عسكر من الجزيرة فقوي بهم، و حصر خلاط، فاختلف أهلها، فمال إليه بعضهم حسدا للآخرين، فملكها، و قتل بها خلقا كثيرا من أهلها، و أسر جماعة من الأعيان، فسيّرهم إلى ميّافارقين، و كان كلّ يوم يرسل إليهم يقتل منهم جماعة، فلم يسلم إلاّ القليل، و ذلّ أهل خلاط بعد هذه الواقعة، و تفرّقت كلمة الفتيان و كان الحكم إليهم، و كفي الناس شرّهم، فإنّهم كانوا قد صاروا يقيمون ملكا و يقتلون آخر، و السلطنة عندهم لا حكم لها و إنّما الحكم لهم و إليهم.

ذكر ملك أبي بكر بن البهلوان مراغة

في هذه السنة ملك الأمير نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان، صاحب أذربيجان، مدينة مراغة.

و سبب ذلك أنّ صاحبها علاء الدين قراسنقر مات هذه السنة، و ولي بعده ابن له طفل، و قام بتدبير دولته و تربيته خادم كان لأبيه، فعصى عليه أمير كان مع أبيه و جمع جمعا كثيرا، فأرسل إليه الخادم من عنده من العسكر، فقاتلهم ذلك الأمير، فانهزموا، و استقرّ ملك ولد علاء الدين، إلاّ أنّه لم تطل أيّامه حتّى توفّي في أوّل‏ (1) سنة خمس و ستّمائة، و انقرض أهل بيته، و لم يبق منهم أحد.

فلمّا توفّي سار نصرة الدين أبو بكر من تبريز إلى مراغة فملكها، و استولى على جميع مملكة آل قراسنقر، ما عدا قلعة رويين‏دز (2) فإنّها اعتصم بها الخادم، و عنده الخزائن و الذخائر، فامتنع بها على الأمير أبي بكر.

____________

(1) في أوائل. B

(2) . زوقدر: spU . رويدر: 740. P. C

276

ذكر عزل نصير الدين وزير الخليفة

كان نصير الدين ناصر بن مهدي العلويّ هذا من أهل الرّيّ، من بيت كبير (1) ، فقدم بغداد لمّا ملك مؤيّد الدين بن القصّاب وزير الخليفة الرّيّ‏ (2) ، و لقي من الخليفة قبولا، فجعله نائب الوزارة، ثمّ جعله وزيرا، و حكّمه و جعل ابنه صاحب المخزن.

فلمّا كان في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة عزل، و أغلق بابه، و كان سبب عزله أنّه أساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة، فمنهم أمير الحاجّ مظفّر الدين سنقر المعروف بوجه السبع‏ (3) ، فإنّه هرب من يده إلى الشام سنة ثلاث و ستمائة، فارق الحاجّ بالمرخوم‏ (4) ، و أرسل يعتذر من هربه و يقول: إنّني هربت من يد الوزير، ثمّ أتبعه الأمير جمال الدين قشتمر، و هو أخص المماليك و آثرهم عنده، و مضى إلى لرستان و أرسل يعتذر و يقول: إنّ الوزير يريد أن لا يبقى في خدمة الخليفة أحدا من مماليكه، و لا شكّ‏[أنّه‏]يريد[أن‏]يدّعي الخلافة، و قال الناس في ذلك فأكثروا، و قالوا الشعر، فمن ذلك قول بعضهم:

ألا مبلغ عنّي الخليفة أحمدا # توقّ‏[1] وقيت السّوء ما أنت صانع‏

وزيرك هذا بين أمرين فيهما # فعالك، يا خير البريّة، ضائع‏

فإن كان حقّا من سلالة أحمد # فهذا وزير في الخلافة طامع‏

[1]-أتوقّ.

____________

(1) . من بيت كبير. mo. A

(2) . لما ملك... الري. mo. A

(3) . السبع أمير الحاج. B

(4) . بالمرجوم. P. C

277

و إن كان فيما يدّعي غير صادق # فأضيع ما كانت لديه الصّنائع‏

فعزله، و قيل في سبب ذلك غيره، و لمّا عزل أرسل إلى الخليفة يقول:

إنّني قدمت إلى هاهنا و ليس لي دينار و لا درهم، و قد حصل لي من الأموال و الأعلاق النفيسة و غير ذلك ما يزيد على خمسة آلاف‏ (1) دينار، و يسأل أن يؤخذ منه الجميع و يفرج عنه و يمكّن من المقام بالمشهد أسوة ببعض العلويّين.

فأجابه: إنّنا ما أنعمنا عليك بشي‏ء فنوينا استعادته منك، و لو كان مل‏ء الأرض ذهبا، و نفسك في أمان اللََّه و أماننا، و لم يبلغنا عنك ما تستوجب به ذلك، غير أنّ الأعداء قد أكثروا فيك، فاختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موفورا محترما.

فاختار أن يكون تحت الاستظهار من جانب الخليفة لئلاّ يتمكّن منه العدوّ فتذهب نفسه، ففعل به ذلك.

و كان حسن السيرة، قريبا إلى الناس، حسن اللقاء لهم و الانبساط معهم، عفيفا عن أموالهم غير ظالم لهم، فلمّا قبض عاد أمير الحاجّ من مصر و كان في الخدمة العادليّة، و عاد أيضا قشتمر، و أقيم في النيابة في الوزارة فخر الدين أبو البدر محمّد بن أحمد بن أمسينا الواسطيّ إلاّ أنّه لم يكن متحكّما.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب زلزلت الأرض وقت السّحر، و كنت حينئذ بالموصل، و لم تكن بها شديدة، و جاءت الأخبار من كثير من البلاد بأنّها زلزلت و لم تكن بالقويّة.

____________

(1) . خمسمائة ألف. B

278

و فيها أطلق الخليفة الناصر لدين اللََّه جميع حقّ البيع و ما يؤخذ من أرباب الأمتعة من المكوس من سائر المبيعات، و كان مبلغا كثيرا. و كان سبب ذلك أنّ بنتا لعزّ الدين نجاح شرابيّ الخليفة توفّيت، فاشتري لها بقر لتذبح و يتصدّق بلحمها عنها، فرفعوا في حساب ثمنها مئونة البقر، فكانت كثيرة، فوقف الخليفة على ذلك‏ (1) ، و أمر بإطلاق المئونة جميعها.

و فيها، في شهر رمضان، أمر الخليفة ببناء دور في المحالّ ببغداد ليفطر فيها الفقراء، و سمّيت دور الضيافة، يطبخ فيها اللحم الضأن، و الخبز الجيّد، عمل ذلك في جانبي بغداد، و جعل في كلّ دار من يوثق بأمانته، و كان يعطي كلّ إنسان قدحا مملوءا من الطبيخ و اللحم، و منّا من الخبز، فكان يفطر كلّ ليلة على طعامه خلق لا يحصون كثرة.

و فيها زادت دجلة زيادة كثيرة، و دخل الماء في خندق بغداد من ناحية باب كلواذى، فخيف على البلد من الغرق، فاهتم الخليفة بسدّ الخندق، و ركب فخر الدين نائب الوزارة و عزّ الدين الشرابيّ و وقفا ظاهر البلد، فلم يبرحا حتّى سدّ الخندق.

و فيها توفّي الشيخ حنبل بن عبد اللََّه بن الفرج المكبّر بجامع الرّصافة، و كان عالي الإسناد، روى عن ابن الحصين مسند أحمد بن حنبل، و له إسناد حسن، و قدم الموصل، و حدّث بها و بغيرها.

____________

(1) . فوقف... ذلك. mo. A

279

605 ثم دخلت سنة خمس و ستمائة

ذكر ملك الكرج أرجيش و عودهم عنها

في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى ولاية خلاط، و قصدوا مدينة أرجيش، فحصروها و ملكوها عنوة، و نهبوا جميع ما بها من الأموال و الأمتعة و غيرها، و أسروا و سبوا أهلها، و أحرقوها، و خرّبوها بالكلّية، و لم يبق بها من أهلها أحد، فأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس.

و كان نجم الدين أيّوب، صاحب أرمينية، بمدينة خلاط، و عنده كثير من العساكر، فلم يقدم على الكرج لأسباب: منها كثرتهم، و خوفه من أهل خلاط لما كان أسلف إليهم من القتل و الأذى، خاف أن يخرج منها فلا يمكّن من العود إليها، فلمّا لم يخرج إلى قتال الكرج، عادوا إلى بلادهم سالمين، لم يذعرهم ذاعر، و هذا جميعه، و إن كان عظيما شديدا على الإسلام و أهله، فإنّه يسير بالنسبة إلى ما كان ممّا نذكره سنة أربع عشرة إلى سنة سبع عشرة و ستّمائة.

ذكر قتل سنجر شاه و ملك ابنه محمود

في هذه السنة قتل سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب جزيرة ابن عمر، و هو ابن عمّ نور الدين، صاحب الموصل، قتله ابنه‏

280

غازي، و لقد سلك ابنه في قتله طريقا عجيبا يدلّ على مكر و دهاء.

و سبب ذلك أنّ سنجر كان سي‏ء السيرة مع الناس كلّهم من الرعيّة و الجند و الحريم و الأولاد، و بلغ‏ (1) من قبح فعله مع أولاده أنّه سيّر ابنيه محمودا و مودودا إلى قلعة فرح من بلد الزّوزان، و أخرج ابنه هذا إلى دار بالمدينة أسكنه فيها، و وكّل به من يمنعه من الخروج.

و كانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعيّة، فكان يدخل إليه منها الحيات، و العقارب، و غيرهما من الحيوان المؤذي‏ (2) ، ففي بعض الأيّام اصطاد حيّة و سيّرها في منديل إلى أبيه لعلّه يرقّ له، فلم يعطف عليه، فأعمل الحيلة حتّى نزل من الدار التي كان بها و اختفى، و وضع إنسانا كان يخدمه، فخرج من الجزيرة و قصد الموصل، و أظهر أنّه غازي بن سنجر، فلمّا سمع نور الدين بقربة منها أرسل نفقة، و ثيابا، و خيلا، و أمره بالعود، و قال: إنّ أباك يتجنّى لنا الذنوب التي لم نعملها، و يقبّح ذكرنا، فإذا صرت عندنا جعل ذلك ذريعة للشناعات و البشاعات‏[1]، و نقع معه في صراع لا ينادى وليده، فسار إلى الشام.

و أمّا غازي بن سنجر فإنّه تسلّق إلى دار أبيه، و اختفى عند بعض سراريه، و علم به أكثر من بالدار، فسترت‏ (3) عليه بغضا لأبيه، و توقّعا للخلاص منه لشدّته عليهنّ، فبقي كذلك، و ترك أبوه الطلب له ظنّا منه أنّه بالشام، [فاتّفق‏]أنّ أباه، في بعض الأيّام، شرب الخمر بظاهر البلد مع ندمائه، فكان يقترح على المغنّين أن يغنّوا في الفراق و ما شاكل ذلك، و يبكي، و يظهر في قوله قرب الأجل، و دنوّ الموت، و زوال ما هو فيه، فلم يزل [1]-و الشفاعات. ـ

____________

(1) . و الحريم و الأموال و بلغ. B

(2) . من الحيوانات المؤذية. B

(3) . فسترن. B

281

كذلك إلى آخر النهار، و عاد إلى داره، و سكر عند بعض حظاياه، ففي الليل دخل الخلاء، و كان ابنه عند تلك الحظيّة، فدخل إليه داره فضربه بالسكّين أربع عشرة ضربة، ثمّ ذبحه، و تركه ملقى، و دخل الحمّام‏ (1) و قعد يلعب مع الجواري، فلو فتح باب الدار و أحضر الجند و استحلفهم لملك البلد، لكنّه أمن و اطمأنّ، و لم يشكّ في الملك.

فاتّفق أنّ بعض الخدم الصغار خرج إلى الباب و أعلم أستاذ دار سنجر (2)

الخبر، فأحضر أعيان الدولة و عرّفهم ذلك، و أغلق الأبواب على غازي، و استحلف الناس لمحمود بن سنجر شاه، و أرسل إليه فأحضره من فرح و معه أخوه مودود، فلمّا حلف الناس و سكنوا فتحوا باب الدار على غازي، و دخلوا عليه ليأخذوه، فمانعهم عن نفسه، فقتلوه و ألقوه‏ (3) على باب الدار، فأكلت الكلاب بعض لحمه، ثمّ دفن باقيه.

و وصل محمود إلى البلد و ملكه، و لقّب بمعزّ الدين، لقب أبيه، فلمّا استقرّ أخذ كثيرا من الجواري اللواتي لأبيه فغرّقهنّ في دجلة.

و لقد حدّثني صديق لنا أنّه رأى بدجلة في مقدار غلوة سهم سبع جوار[1] مغرّقات، منهنّ ثلاث قد أحرقت وجوههنّ بالنار، فلم أعلم سبب ذلك الحريق حتّى حدّثني‏[2] جارية اشتريتها بالموصل من جواريه، أنّ محمودا كان يأخذ الجارية فيجعل وجهها في النار، فإذا احترقت ألقاها في دجلة، و باع من لم يغرّقه منهنّ، فتفرّق أهل تلك الدار أيدي سبا.

و كان سنجر شاه قبيح السيرة، ظالما، غاشما، كثير المخاتلة و المواربة، [1]-جواري.

[2]-حدّثني.

____________

(1) . و دخل الحمام. mo. B

(2) . سنجر شاه. B

(3) . فقتل و ألقي. B

282

و النظر في دقيق الأمور و جليلها، لا يمتنع من قبيح يفعله مع رعيّته و غيرهم، من أخذ الأموال و الأملاك، و القتل، و الإهانة، و سلك معهم طريقا وعرا من قطع الألسنة و الأنوف و الآذان، و أمّا اللّحى‏[1] فإنّه حلق منها ما لا يحصى.

و كان جلّ فكره في ظلم يفعله.

و بلغ من شدّة ظلمه أنّه كان إذا استدعى إنسانا ليحسن إليه لا يصل إلاّ و قد قارب الموت من شدّة الخوف، و استعلى في أيّامه السفهاء، و نفقت سوق الأشرار و الساعين بالناس، فخرب البلد، و تفرّق أهله، لا جرم سلّط اللََّه عليه أقرب الخلق إليه فقتله ثمّ قتل ولده غازي، و بعد قليل قتل ولده محمود أخاه مودودا، و جرى في داره من التحريق و التغريق و التفريق ما ذكرنا بعضه، و لو رمنا شرح قبح سيرته لطال‏ (1) ، و اللََّه تعالى بالمرصاد لكلّ‏[2] ظالم.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، ثاني المحرّم، توفّي أبو الحسن‏ (2) ورام بن أبي فراس الزاهد بالحلّة السيفيّة، و هو منها، و كان صالحا.

و في صفر توفّي الشيخ مصدق بن شبيب النحويّ، و هو من أهل واسط.

و في شعبان توفّي القاضي محمّد بن أحمد بن المندائي، الواسطيّ، بها، و كان كثير الرواية للحديث، و له إسناد عال، و هو آخر من‏حدّث بمسند [1] اللحا.

[2] كلّ.

____________

(1) . لطال الأمر. B

(2) . الحسين. P. C

283

أحمد بن حنبل عن ابن الحصين.

و فيه توفّي القوام أبو الفوارس نصر بن ناصر بن مكي المدائنيّ، صاحب المخزن ببغداد، و كان أديبا، فاضلا، كامل المروءة، يحبّ الأدب و أهله، و يحبّ الشعر، و يحسن الجوائز عليه، و لمّا توفّي ولي بعده أبو الفتوح المبارك ابن الوزير عضد الدين أبي الفرج بن رئيس الرؤساء، و أكرم، و أعلي محلّه، فبقي متولّيا إلى سابع ذي القعدة و عزل لعجزه.

و فيها كانت زلزلة عظيمة بنيسابور و خراسان، و كان أشدّها بنيسابور و خرج أهلها إلى الصحراء، أيّاما حتّى سكنت و عادوا إلى مساكنهم.

284

606 ثم دخلت سنة ست و ستمائة

ذكر ملك العادل الخابور و نصيبين و حصره سنجار و عوده عنها و اتّفاق نور الدين أرسلان شاه و مظفر الدين‏

في هذه السنة ملك العادل أبو بكر بن أيّوب بلد الخابور و نصيبين، و حصر مدينة سنجار، و الجميع من أعمال الجزيرة، و هو بيد قطب الدين محمّد بن زنكي بن مودود.

و سبب ذلك أنّ قطب الدين المذكور كان بينه و بين ابن عمّه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، عداوة مستحكمة، و قد تقدّم ذكر ذلك، فلمّا كان سنة خمس و ستّمائة حصلت‏مصاهرة بين نور الدين و العادل، فإنّ ولدا للعادل تزوّج بابنة لنور الدين، و كان لنور الدين وزراء يحبّون أن يشتغل عنهم‏ (1) ، فحسّنوا له مراسلة العادل و الاتّفاق معه على أن يقتسما بالبلاد التي لقطب الدين، و بالولاية التي لولد سنجر شاه‏ (2) بن غازي بن مودود، و هي جزيرة ابن عمر و أعمالها، فيكون ملك قطب الدين للعادل، و تكون الجزيرة لنور الدين.

فوافق هذا القول هوى نور الدين، فأرسل إلى العادل في المعنى، فأجابه إلى ذلك مستبشرا، و جاءه ما لم يكن يرجوه لأنّه علم أنّه متى ملك هذه البلاد

____________

(1) . و كان... عنهم. mo. A

(2) . التي لسنجر شاه. A

285

أخذ الموصل و غيرها، و أطمع نور الدين أيضا في أن يعطي هذه البلاد، إذا ملكها، لولده الّذي هو زوج ابنة نور الدين، و يكون مقامه في خدمته بالموصل، و استقرّت القاعدة على ذلك، و تحالفا عليها، فبادر العادل إلى المسير من دمشق إلى الفرات‏[1] في عساكره، و قصد الخابور فأخذه.

فلمّا سمع نور الدين بوصوله كأنّه خاف و استشعر، فأحضر من يرجع إلى رأيهم و قولهم، و عرّفهم وصول العادل، و استشارهم فيما يفعله، فأمّا من أشاروا عليه بذلك فسكتوا، و كان فيهم من لم يعلم هذه الحال، فعظّم الأمر و أشار بالاستعداد للحصار، و جمع الرجال، و تحصيل الذخائر و ما يحتاج إليه.

فقال نور الدين: نحن فعلنا ذلك، و خبّره الخبر. فقال: بأيّ رأي تجي‏ء إلى عدوّ لك هو أقوى منك، و أكثر جمعا، و هو بعيد منك، متى تحرّك لقصدك تعلم به، فلا يصل إلاّ و قد فرغت من جميع ما تريده، تسعى حتّى يصير قريبا منك، و يزداد قوّة إلى قوّته.

ثمّ إنّ الّذي استقرّ بينكما أنّه له يملكه أوّلا بغير تعب و لا مشقّة، وتبقى أنت لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة و تحصرها و العادل هاهنا، هذا إن وفى لك بما استقرّت القاعدة عليه لا يجوز أن تفارق الموصل، و إن عاد إلى الشام، لأنّه قد صار له ملك خلاط و بعض ديار بكر و ديار الجزيرة جميعها و الجميع بيد أولاده، متى سرت عن الموصل أمكنهم أن يحولوا بينك و بينها، فما زدت على أن آذيت نفسك و ابن عمّك، و قوّيت عدوّك، و جعلته شعارك، و قد فات الأمر، و ليس يجوز إلاّ أن تقف معه على ما استقرّ بينكما لئلاّ يجعل لك حجّة و يبتدئ بك.

هذا و العادل قد ملك الخابور و نصيبين، و سار إلى سنجار فحصرها.

[1] الفراة.

286

و كان في عزم صاحبها قطب الدين أن يسلّمها إلى العادل بعوض يأخذه عنها، فمنعه من ذلك أمير كان معه، اسمه أحمد بن يرنقش، مملوك أبيه زنكي، و قام بحفظ المدينة و الذبّ عنها، و جهّز نور الدين عسكرا مع ولده الملك القاهر ليسيروا إلى الملك العادل.

فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم أمر لم يكن لهم في حساب، و هو أنّ مظفّر الدين كوكبري، صاحب إربل، أرسل وزيره‏[إلى‏]نور الدين يبذل من نفسه المساعدة على منع العادل عن سنجار، و أنّ الاتّفاق معه على ما يريده، فوصل الرسول ليلا فوقف‏[1] مقابل دار (1) نور الدين و صاح، فعبر إليه سفينة عبر فيها، و اجتمع بنور الدين ليلا و أبلغه الرسالة، فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة، و حلف له على ذلك، و عاد الوزير من ليلته، فسار مظفّر الدين، و اجتمع هو و نور الدين، و نزلا بعساكرهما بظاهر الموصل.

و كان سبب ما فعله مظفّر الدين أنّ صاحب سنجار أرسل ولده إلى مظفّر الدين يستشفع به إلى العادل ليبقي عليه سنجار[2]، و كان مظفّر الدين يظنّ أنّه لو شفع في نصف ملك العادل لشفّعه، لأثره الجميل في خدمته، و قيامه في الذبّ عن ملكه غير مرّة كما تقدّم، فشفع‏ (2) إليه فلم يشفّعه العادل، ظنّا منه أنّه بعد اتّفاقه مع نور الدين لا يبالي بمظفّر الدين، فلمّا ردّ العادل شفاعته راسل نور الدين في الموافقة عليه.

و لمّا وصل إلى الموصل، و اجتمع بنور الدين‏ (3) ، أرسلا إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، و هو صاحب حلب، و إلى كيخسرو بن قلج [1]-فوقب.

[2]-سنجارا.

____________

(1) . دار. mo. A

(2) . فشفع فيه. A

(3) . بنور الدين أرسلان و راسلا الملك. B

287

أرسلان، صاحب بلاد الروم، بالاتفاق معهما، فكلاهما أجاب إلى ذلك، فتواعدوا على الحركة و قصد بلاد العادل إن امتنع من الصلح و الإبقاء على صاحب سنجار، و أرسلا أيضا إلى الخليفة الناصر لدين اللََّه ليرسل رسولا إلى العادل في الصلح أيضا، فقويت حينئذ نفس صاحب سنجار على الامتناع، و وصلت رسل الخليفة، و هو هبة اللََّه بن المبارك بن الضحّاك، أستاذ الدار، و الأمير آق باش، و هو من خواصّ مماليك الخليفة و كبارهم، فوصلا إلى الموصل، و سارا منها إلى العادل و هو يحاصر سنجار، و كان من معه لا يناصحونه في القتال لا سيّما أسد الدين شيركوه، صاحب حمص و الرحبة، فإنّه كان يدخل إليها الأغنام و غيرها من الأقوات ظاهرا، و لا يقاتل عليها، و كذلك غيره.

فلمّا وصلت رسل الخليفة إلى العادل أجاب أوّلا إلى الرحيل، ثمّ امتنع عن ذلك، و غالط، و أطال الأمر لعلّه يبلغ منها غرضا، فلم ينل منها ما أمّله، و أجاب إلى الصلح على أن يكون له ما أخذ و تبقى سنجار لصاحبها.

و استقرّت القاعدة على ذلك، و تحالفوا على هذا كلّهم، و على أن يكونوا يدا واحدة على الناكث منهم، و رحل العادل عن سنجار إلى حرّان، و عاد مظفّر الدين إلى إربل، و بقي كلّ واحد من الملوك في بلده، و كان مظفّر الدين عند مقامه بالموصل قد زوّج ابنتين له بولدين لنور الدين، و هما عز الدين مسعود، و عماد الدين زنكي.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ربيع الأوّل، عزل فخر الدين بن أمسينا عن نيابة الوزارة للخليفة، و ألزم بيته، ثمّ نقل إلى المخزن على سبيل الاستظهار عليه، و ولي‏

288

بعده نيابة الوزارة مكين الدين محمّد بن محمّد بن برز (1) القميّ، كاتب الإنشاء، و لقّب مؤيّد الدين، و نقل إلى دار الوزارة مقابل باب النوبي.

و فيها، في شوّال، توفّي مجد الدين يحيى بن الربيع، الفقيه الشافعيّ، مدرّس النظامية ببغداد.

و فيها توفّي فخر الدين أبو الفضل محمّد بن عمر ابن خطيب الرّيّ، الفقيه الشافعيّ، صاحب التصانيف المشهورة في الفقه و الأصولين و غيرهما، و كان إمام الدنيا في عصره، و بلغني أنّ مولده سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة.

و فيها، سلخ ذي الحجّة، توفّي أخي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمّد بن عبد الكريم الكاتب، مولده في أحد الربيعين سنة أربع و أربعين [و خمسمائة]، و كان عالما في عدّة علوم مبرّزا فيها، منها: الفقه، و الأصولان‏[1]، و النحو، و الحديث، و اللغة، و له تصانيف مشهورة في التفسير و الحديث، و النحو، و الحساب، و غريب الحديث، و له رسائل مدوّنة، و كان كاتبا مفلقا يضرب به المثل، ذا دين متين، و لزوم طريق مستقيم، رحمه اللََّه و رضي عنه، فلقد كان من محاسن الزمان، و لعلّ‏ (2) من يقف على ما ذكرته يتّهمني في قولي، و من عرفه من أهل عصرنا يعلم أنّي مقصر.

و فيها (3) توفّي المجد المطرّزيّ، النحويّ الخوارزميّ، و كان إماما في النحو، له فيه تصانيف حسنة.

و فيها توفّي المؤيّد بن عبد الرحيم بن الإخوة بأصفهان، و هو من أهل الحديث، رحمه اللََّه.

[1]-و الأصولين.

____________

(1) . برر: spUte . 740. P. C

(2) . sitipacmenifdaeuqsu و لعل‏ aedni. mo. A

(3) . و فيها في ذي الحجة. B

289

607 ثم دخلت سنة سبع و ستمائة

ذكر عصيان سنجر مملوك الخليفة بخوزستان و مسير العساكر إليه‏ (1)

كان قطب الدين سنجر، مملوك الخليفة الناصر لدين اللََّه، قد ولاّه الخليفة خوزستان، بعد طاشتكين أمير الحاجّ كما ذكرناه، فلمّا كان سنة ستّ و ستّمائة بدا منه تغيّر عن الطاعة، فروسل في القدوم إلى بغداد، فغالط و لم يحضر، و كان يظهر الطاعة، و يبطن التغلّب على البلاد، فبقي الأمر كذلك إلى ربيع الأوّل من هذه السنة، فتقدّم الخليفة إلى مؤيّد الدين، نائب الوزارة، و إلى عزّ الدين بن نجاح الشرابيّ، خاصّ الخليفة، بالمسير بالعساكر إليه بخوزستان و إخراجه عنها، فسارا في عساكر كثيرة إلى خوزستان، فلمّا تحقّق سنجر قصدهم إليه فارق البلاد، و لحق بصاحب شيراز، و هو أتابك عزّ الدين سعد ابن دكلا (2) ، ملتجئا إليه، فأكرمه و قام دونه.

و وصل عسكر الخليفة إلى خوزستان في ربيع الآخر (3) بغير ممانعة، فلمّا استقرّوا في البلاد راسلوا سنجر يدعونه إلى الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فساروا إلى أرّجان عازمين على قصد صاحب شيراز، فأدركهم الشتاء، فأقاموا شهورا و الرسل متردّدة بينهم و بين صاحب شيراز (4) ، فلم يجبهم

____________

(1) . و تسئير. A

(2) . و هو... دكلا. mo. A

(3) . في ربيع الآخر. mo. A

(4) . فأدركهم الشتاء فأقاموا شهورا: rutnutepeR

290

إلى تسليمه، فلمّا دخل شوّال رحلوا يريدون شيراز، فحينئذ أرسل صاحبها إلى الوزير و الشرابيّ يشفع فيه، و يطلب العهد له على أن لا يؤذى، فأجيب إلى ذلك، و سلّمه إليهم هو و ماله و أهله، فعادوا إلى بغداد و سنجر معهم تحت الاستظهار، و ولّى الخليفة بلاد خوزستان مملوكه ياقوتا[1] أمير الحاجّ.

و وصل الوزير إلى بغداد في المحرّم سنة ثمان و ستّمائة هو و الشرابيّ و العساكر، و خرج أهل بغداد إلى تلقّيهم، فدخلوها و سنجر معهم راكبا على بغل بإكاف، و في رجله سلسلتان، في يد كل جنديّ سلسلة، و بقي محبوسا إلى أن دخل صفر، فجمع الخلق الكثير من الأمراء و الأعيان إلى دار مؤيّد الدين نائب الوزارة، فأحضر سنجر، و قرّر بأمور نسبت إليه منكرة، فأقرّ بها، فقال مؤيّد الدين للناس: قد عرفتم‏ما تقتضيه‏[2] السياسة من عقوبة هذا الرجل، و قد عفا أمير المؤمنين عنه، و أمر بالخلع عليه، فلبسها و عاد إلى داره، فعجب الناس من ذلك.

و قيل‏ (1) إنّ أتابك سعد نهب مال سنجر و خزانته و دوابّه، و كلّ ما له و لأصحابه، و سيّرهم، فلمّا وصل سنجر إلى الوزير و الشرابيّ طلبوا المال، فأرسل شيئا يسيرا، و اللََّه أعلم.

[1] ياقوت.

[2] يقتضيه. ـ

____________

(1) . menifsitipacdaeuqsu و قيل‏ aedni. mo. A

291

ذكر وفاة نور الدين أرسلان شاه و شي‏ء من سيرته‏

في هذه السنة، أواخر رجب، توفّي نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، و كان مرضه قد طال، و مزاجه قد فسد، و كانت مدّة ملكه سبع عشرة سنة و أحد عشر شهرا، و كان شهما شجاعا، ذا سياسة للرعايا، شديدا على أصحابه، فكانوا يخافونه خوفا شديدا، و كان ذلك مانعا من تعدّي‏ (1) بعضهم على بعض، و كان له همّة عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكيّ و جاهه، و حرمته، بعد أن كانت قد ذهبت، و خافه الملوك، و كان سريع الحركة في طلب الملك إلاّ أنّه لم يكن له صبر، فلهذا لم يتّسع ملكه، و لو لم يكن له من الفضيلة إلاّ أنّه لمّا رحل الكامل بن العادل عن ماردين، كما ذكرناه سنة خمس و تسعين و خمسمائة، عفّ عنها (2) ، و أبقاها على صاحبها، و لو قصدها و حصرها لم يكن فيها قوّة الامتناع، لأنّ من كانوا بها كانوا قد هلكوا و ضجروا، و لم يبق لهم رمق، فأبقاها على صاحبها.

و لمّا ملك استغاث به‏[1] إنسان من التجار، فسأل عن حاله، فقيل إنّه قد أدخل قماشه إلى البلد ليبيعه، فلم يتمّ له البيع، و يريد إخراجه، و قد منع من ذلك، فقال: من منعه؟فقيل: ضامن البزّ يريد منه ما جرت به العادة من المكس، و كان القيّم بتدبير مملكته مجاهد الدين قايماز، و هو إلى جانبه، فسأله عن العادة كيف هي؟[فقال‏] (3) : إن اشترط (4) صاحبه‏ (5) إخراج متاعه‏ (6)

مكّن من إخراجه، و إن لم يشترط ذلك لم يخرج حتّى يؤخذ ما جرت العادة [1] إليه.

____________

(1) . ذلك سبب تعدي. A

(2) . عف عنها. mo. A

(3) . te. P. C .

(4) . شرط: spU . 740 te. P. C

(5) . صاحبه. mo. A

(6) . ان: tidda. spU

292

بأخذه. فقال: و اللََّه إنّ هذه العادة مدبّرة، إنسان لا يبيع متاعه لأيّ شي‏ء يؤخذ منه ماله؟فقال مجاهد الدين: لا شكّ في فساد هذه العادة، فقال: إذا قلت أنا و أنت إنّها عادة فاسدة، فما المانع من تركها؟و تقدّم بإخراج مال الرجل، و أن لا يؤخذ إلاّ ممّن باع.

و سمعت أخي مجد الدين أبا السعادات، رحمه اللََّه، و كان من أكثر الناس اختصاصا به، يقول: ما قلت له يوما في فعل خير فامتنع منه بل بادر إليه بفرح و استبشار، و استدعى في بعض الأيّام أخي المذكور، فركب إلى داره، فلمّا كان بباب الدار لقيته امرأة و بيدها رقعة، و هي تشكو، و تطلب عرضها على نور الدين، فأخذها، فلمّا دخل إليه جاراه في مهمّ له، فقال: قبل كلّ شي‏ء تقف على هذه الرقعة، و تقضي شغل صاحبتها، فقال: لا حاجة إلى الوقوف عليها، عرّفنا أيش فيها. فقال: و اللََّه لا أعلم إلاّ أنّني رأيت امرأة بباب الدار، و هي متظلّمة، شاكية.

فقال: نعم عرفت حالها، ثمّ انزعج فظهر منه الغيظ و الغضب، و عنده رجلان هما القيّمان‏[1] بأمور دولته، فقال لأخي: أبصر إلى أيّ شي‏ء قد دفعت مع هذين. هذه المرأة كان لها ابن، و قد مات من مدّة في الموصل، و هو غريب، و خلّف قماشا و مملوكين، فاحتاط نوّاب بيت المال على القماش، و أحضروا المملوكين إلينا، فبقيا عندنا ننتظر حضورمن يستحقّ التركة ليأخذها، فحضرت هذه المرأة و معها كتاب حكميّ بأنّ المال الّذي مع ولدها لها، فتقدّمنا بتسليم مالها إليها، و قلت لهذين: اشتريا المملوكين منها، و أنصفاها في الثمن، فعادا و قالا: لم يتمّ بيننا بيع، لأنّها طلبت ثمنا كثيرا، فأمرتهما بإعادة المملوكين إليها من مدّة شهرين و أكثر، و إلى الآن ما عدت‏ (1) سمعت لها حديثا، [1] المقيمان.

____________

(1) . عدت. mo. B

293

و ظننت أنّها أخذت مالها، و لا شكّ أنّهما لم يسلّما المملوكين إليها، و قد استغاثت بهما[1]، فلم ينصفاها، فجاءت إليك، و كلّ من رأى هذه المرأة تشكو و تستغيث يظنّ أنّي أنا منعتها عن مالها، فيذمّني، و ينسبني إلى الظلم، و ليس لي علم، و كلّ هذا فعل هذين، أشتهي أن تتسلّم أنت المملوكين و تسلّمهما إليها، فأخذت المرأة مالها، و عادت شاكرة داعية، و له من هذا الجنس كثير لا نطوّل بذكره.

ذكر ولاية ابنه الملك القاهر

لمّا حضر نور الدين الموت أمر أن يرتّب في الملك بعده ولده الملك القاهر عزّ الدين مسعود، و حلّف له الجند و أعيان الناس، و كان قد عهد إليه قبل موته بمدّة، فجدّد العهد له عند وفاته، و أعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة عقر الحميديّة، و قلعة شوش، و ولايتهما، و سيّره إلى العقر، و أمر أن يتولّى تدبير مملكتهما، و يقوم بحفظهما، و النظر في مصالحهما، فتاه الأمير بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله و سداده، و حسن سياسته‏ (1) و تدبيره، و كمال خلال السيادة فيه، و كان عمر القاهر حينئذ[عشر سنين‏].

و لمّا اشتدّ مرضه و أيس من نفسه أمره الأطبّاء بالانحدار إلى الحامّة المعروفة بعين القيّارة، و هي بالقرب من الموصل، فانحدر إليها، فلم يجد بها راحة، و ازداد ضعفا، فأخذه بدر الدين و أصعده في الشبّارة إلى الموصل، فتوفّي في الطريق ليلا و معه الملاّحون و الأطبّاء، بينه و بينهم ستر.

[1] إليهما.

____________

(1) . و حسن سيرته. A

294

و كان مع بدر الدين، عند نور الدين، مملوكان، فلمّا توفّي نور الدين قال لهما: لا يسمع أحد بموته، و قال للأطبّاء و الملاّحين: لا يتكلّم أحد، فقد نام السلطان، فسكتوا، و وصلوا إلى الموصل في الليل، فأمر الأطبّاء و الملاّحين بمفارقة الشبّارة لئلاّ يروه ميّتا، و أبعدوا، فحمله هو و المملوكان، و أدخله الدار، و تركه في الموضع الّذي كان فيه و معه المملوكان، و نزل على‏ (1)

بابه من يثق به‏[1] لا يمكن أحدا من الدخول و الخروج، و قعد مع الناس يمضي أمورا كان يحتاج إلى إتمامها.

فلمّا فرغ من جميع ما يريده أظهر موته وقت العصر، و دفن ليلا بالمدرسة التي أنشأها مقابل داره، و ضبط البلد تلك الليلة ضبطا جيّدا بحيث إنّ النّاس في الليل لم يزالوا متردّدين لم يعدم من أحد ما مقداره الحبّة الفرد، و استقرّ الملك لولده، و قام بدر الدين بتدبير الدولة و النظر في مصالحها.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في شهر ربيع الآخر، درّس القاضي أبو زكريا يحيى بن القاسم ابن المفرّج، قاضي تكريت، بالمدرسة النظاميّة ببغداد، استدعي من تكريت إليها.

و فيها (2) نقصت دجلة بالعراق نقصا كثيرا، حتّى كان الماء يجري ببغداد في نحو خمسة أذرع، و أمر الخليفة أن يكرى دجلة، فجمع الخلق الكثير، [1]-إليه.

____________

(1) . و ترك على. A

(2) . مثله‏ daeuqsu و فيها aedni

295

و كانوا كلّما حفروا شيئا عاد الرمل فغطّاه، و كان الناس يخوضون دجلة فوق بغداد، و هذا لم يعهد مثله.

و حجّ بالناس هذه السنة علاء (1) الدين محمّد ولد الأمير مجاهد الدين ياقوت أمير الحاجّ، و كان أبوه قد ولاّه الخليفة خوزستان، و جعله هو أمير الحاجّ، و جعل معه من يدبّر الحاجّ، لأنّه كان صبيّا.

و فيها، في العشرين من ربيع الآخر، توفّي ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهّاب ابن عليّ بن عبد اللََّه الأمير البغداديّ ببغداد، و هو سبط صدر الدين إسماعيل شيخ الشيوخ، و عمره سبع و ثمانون سنة و شهور، و كان صوفيّا، فقيها، محدّثا، سمعنا منه الكثير (2) ، رحمه اللََّه، و كان من عباد اللََّه الصالحين كثير العبادة و الصلاح.

و فيها (3) توفّي شيخنا أبو حفص عمر بن محمّد بن المعمّر بن طبرزد البغداديّ، و كان عالي الإسناد.

____________

(1) . علاء... الأمير. mo. A

(2) . منه الحديث. B

(3) . في الحديث سمعنا منه كثيرا: tidda. B الإسناد tsop . و فيها... الإسناد. mo. A

296

608 ثم دخلت سنة ثمان و ستمائة

ذكر استيلاء منكلي على بلاد الجبل و أصفهان و غيرها و هرب إيدغمش‏

في هذه السنة، في شعبان، قدم إيدغمش، صاحب همذان و أصفهان و الرّيّ و ما بينها[1] من البلاد، إلى بغداد، هاربا من منكلي.

و سبب ذلك أنّ إيدغمش كان قد تمكّن في البلاد، و عظم شأنه، و انتشر صيته، و كثر عسكره، حتّى إنّه حصر صاحبه أبا بكر بن البهلوان، صاحب هذه البلاد: أذربيجان و أرّان، كما ذكرناه.

فلمّا كان الآن خرج عليه مملوك اسمه منكلي، و نازعه‏ (1) في البلاد، و كثر أتباعه، و أطاعه المماليك البهلوانيّة، فاستولى عليها، و هرب منه شمس الدين إيدغمش إلى بغداد، فلمّا وصل إليها أمر الخليفة بالاحتفال له في اللقاء، فخرج الناس كافّة، و كان يوم وصوله مشهودا، ثمّ قدمت زوجته في رمضان في محمل، فأكرمت و أنزلت عند زوجها، و أقام ببغداد إلى سنة عشر و ستّمائة، فسار عنها، فكان من أمره ما نذكره.

[1]-بينهما.

____________

(1) . menifsitipacdaeuqsu و نازعه‏ aedni. mo. A

297

ذكر نهب الحاجّ بمنى‏

و في هذه السنة نهب الحاجّ بمنى، و سبب ذلك أنّ باطنيّا وثب على بعض أهل الأمير قتادة، صاحب مكّة، فقتله بمنى ظنّا منه أنّه قتادة، فلمّا سمع قتادة ذلك جمع الأشراف و العرب و العبيد و أهل مكّة، و قصدوا الحاجّ، و نزلوا عليهم من الجبل، و رموهم بالحجارة و النّبل و غير ذلك، و كان أمير الحاجّ ولد الأمير ياقوت المقدّم ذكره، و هو صبيّ لا يعرف كيف يفعل، فخاف و تحيّر، و تمكّن أمير مكّة من نهب الحاج، فنهبوا منهم من كان في الأطراف، و أقاموا على حالهم إلى الليل.

فاضطرب الحاجّ، و باتوا بأسوإ حال من شدّة الخوف من القتل و النهب.

فقال بعض الناس لأمير الحاجّ لينتقل بالحجّاج إلى منزلة حجّاج الشام، فأمر بالرحيل، فرفعوا أثقالهم على الجمال، و اشتغل الناس بذلك، فطمع العدوّ فيهم، و تمكّن من النهب كيف أراد، فكانت الجمال تؤخذ بأحمالها، و التحق من سلم بحجّاج الشام، فاجتمعوا بهم، ثمّ رحلوا إلى الزاهر، و منعوا من دخول مكّة، ثمّ أذن لهم في ذلك، فدخلوها و تمّموا حجّهم و عادوا.

ثمّ أرسل قتادة ولده و جماعة من أصحابه إلى بغداد، فدخلوها و معهم السيوف مسلولة و الأكفان، فقبّلوا العتبة، و اعتذروا ممّا[1] جرى على الحجّاج.

[1] بما.

298

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة أظهر الإسماعيليّة، و مقدّمهم الجلال بن الصباح، الانتقال عن فعل المحرّمات و استحلالها، و أمر بإقامة الصلوات و شرائع الإسلام ببلادهم من خراسان و الشام، و أرسل مقدّمهم رسلا إلى الخليفة، و غيره من ملوك الإسلام، يخبرهم بذلك، و أرسل والدته إلى الحجّ، فأكرمت ببغداد إكراما عظيما، و كذلك بطريق مكّة.

و فيها، سلخ جمادى‏ (1) الآخرة، توفّي أبو حامد محمّد بن يونس بن ميعة، الفقيه الشافعيّ، بمدينة الموصل، و كان إماما فاضلا، إليه انتهت رياسة الشافعيّة، لم يكن في زمانه مثله، و كان حسن الأخلاق، كثير التجاوز عن الفقهاء و الإحسان إليهم، رحمه اللََّه.

و في شهر ربيع الأوّل توفّي القاضي أبو الفضائل عليّ بن يوسف بن أحمد بن الآمديّ الواسطيّ، قاضيها، و كان نعم الرجل.

و في شعبان توفّي المعين أبو الفتوح عبد الواحد بن أبي أحمد بن عليّ الأمين، شيخ الشيوخ ببغداد، و كان موته بجزيرة كاس‏ (2) ، مضى إليها رسولا من الخليفة، و كان من أصدقائنا، و بيننا و بينه مودّة متأكّدة، و صحبة كثيرة، و كان من عباد اللََّه الصالحين، رحمه اللََّه و رضي عنه، و له كتابة حسنة، و شعر جيّد، و كان عالما بالفقه و غيره، و لمّا توفّي رتب أخوه زين الدين عبد الرزّاق ابن أبي أحمد، و كان ناظرا على المارستان العضديّ، فتركه و اقتصر على الرباط.

و في ذي الحجّة توفّي محمّد بن يوسف بن محمّد بن عبيد اللََّه النيسابوريّ

____________

(1) و فيها في جمادى. B

(2) . بجزيرة قيس. A

299

الكاتب الحسن الخطّ، و كان يؤدّي طريقة ابن البوّاب، و كان فقيها، حاسبا، متكلّما.

و توفّي عمر بن مسعود أبي العزّ أبو القاسم البزّاز البغداديّ بها، و كان من الصالحين، يجتمع إليه الفقراء كثيرا، و يحسن إليهم.

و توفّي أيضا أبو سعيد الحسن بن محمّد بن الحسن بن حمدون الثعلبيّ العدويّ، و هو ولد مصنّف التذكرة، و كان عالما.

300

609 ثم دخلت سنة تسع و ستمائة

ذكر قدوم ابن منكلي بغداد (1)

في هذه السنة، في المحرّم، قدم محمّد بن منكلي المستولي على بلاد الجبل إلى بغداد. و سبب ذلك أنّ أباه منكلي لمّا استولى على بلاد الجبل و هرب إيدغمش صاحبها منها إلى بغداد خاف أن يساعده الخليفة، و يرسل معه العساكر، فيعظم الأمر عليه، لأنّه لم يكن قد تمكّن في البلاد، فأرسل ولده محمّدا و معه جماعة من العسكر، فخرج الناس ببغداد على طبقاتهم يلتقونه، و أنزل و أكرم، و بقي ببغداد إلى أن قتل إيدغمش، فخلع عليه و على من معه، و أكرموا، و سيّرهم إلى أبيه.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة قبض الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، صاحب مصر و الشام، على أمير اسمه أسامة، كان له إقطاع كثير من جملته حصن كوكب من أعمال الأردنّ بالشام‏ (2) ، و أخذ منه حصن كوكب و خرّبه و عفّى أثره، و من بعده بنى حصنا بالقرب من عكّا على جبل يسمّى الطّور، و هو معروف هناك، و شحنه بالرجال و الذخائر و السلاح. و فيها (3) توفّي الفقيه محمّد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمنيّ، فقيه الحرم الشريف بمكّة (4) .

ـ

____________

(1) . mo. B

(2) . و الشام. A

(3) . فيها... بمكة. mo. A

(4) . و كان شافعيا توفّي في ذي الحجة. Bda بمكة tsop. B

301

610 ثم دخلت سنة عشر و ستمائة

ذكر قتل إيدغمش‏

في هذه السنة، في المحرّم، قتل إيدغمش الّذي كان صاحب همذان، و قد ذكرنا سنة ثمان أنّه قدم إلى بغداد و أقام بها، فأنعم عليه الخليفة، و شرّفه بالخلع، و أعطاه الكوسات و ما يحتاج إليه، و سيّره إلى همذان، فسار في جمادى الآخرة (1) عن بغداد قاصدا إلى همذان، فوصل إلى بلاد ابن ترجم‏ (2)

و اجتمعا، و أقام ينتظر وصول عساكر بغداد إليه ليسير معه على قاعدة استقرّت بينهم.

و كان الخليفة قد عزل سليمان بن ترجم‏ (3) عن الإمارة على عشيرته من التركمان الإيوانيّة (4) ، و ولّى أخاه الأصغر، فأرسل سليمان إلى منكلي يعرّفه بحال إيدغمش، و مضى هو على وجهه، فأخذوه فقتلوه، و حملوا رأسه إلى منكلي، و تفرّق من معه من أصحابه في البلاد لا يلوي أخ على أخيه.

و وصل الخبر بقتله إلى بغداد، فعظم على الخليفة ذلك، و أرسل إلى منكلي ينكر عليه ما فعل، فأجاب جوابا شديدا، و تمكّن من البلاد، و قوي أمره، و كثرت جموع عساكره، و كان من أمره ما نذكره إن شاء اللََّه.

____________

(1) . في... الآخرة. mo. A

(2-3) . برجم. tcnupenis. B;. A -. 178. p. I `1847. taisA. nruoj. div برجم‏ ues

(4) . الإيوانية. tcnupenis. mo. B;. A

302

ذكر عدّة حوادث‏

حجّ بالناس في هذه السنة أبو فراس بن جعفر بن فراس الحلّيّ، نيابة عن أمير الحاجّ ياقوت، و منع ابن ياقوت عن الحج لما جرى للحاجّ في ولايته‏ (1) .

و فيها، في المحرّم، توفّي الحكيم المهذّب عليّ بن أحمد بن هبل، الطبيب المشهور، كان أعلم أهل زمانه بالطبّ، روى الحديث، و كان مقيما بالموصل، و بها مات، و كان كثير الصدقة، حسن الأخلاق، و له تصنيف حسن في الطبّ‏ (2) .

و فيه توفّي الضّياء أحمد بن عليّ البغداديّ، الفقيه الحنبليّ، صاحب ابن المنّي‏ (3) .

و فيه توفّي أيضا أحمد بن مسعود التركستانيّ، الفقيه الحنفيّ ببغداد، و هو مدرّس مشهد أبي حنيفة.

و فيها، في جمادى الأولى، توفّي معزّ الدين أبو المعاني سعد بن عليّ المعروف بابن حديد (4) الّذي كان وزير الخليفة الناصر لدين اللََّه، و كان قد ألزم بيته، و لمّا توفّي حمل تابوته إلى مشهد أمير المؤمنين عليّ، عليه السّلام، بالكوفة، و كان حسن السيرة في وزارته، كثير الخير و النفع للناس.

____________

(1) . لما... ولايته. mo. A

(2) . و له... بالطب. mo. A

(3) . المني: spU. P. C

(4) . حديدة. A

303

611 ثم دخلت سنة إحدى عشرة و ستمائة

ذكر ملك خوارزم شاه علاء الدين كرمان و مكران و السّند

هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أيّ سنة كانت، إنّما هي إمّا هذه السنة، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، لأنّ الّذي أخبر بها كان من أجناد الموصل، و سافر إلى تلك البلاد و أقام بها عدّة سنين، و سار (1) مع الأمير أبي بكر الّذي فتح كرمان ثمّ عاد فأخبرني بها على شكّ من وقتها، و قد حضرها فقال: خوارزم شاه محمّد بن تكش كان من جملة أمراء أبيه أمير اسمه أبو بكر، و لقبه تاج الدين‏ (2) .

و كان في ابتداء أمره جمّالا يكري الجمال في الأسفار، ثمّ جاءته السعادة، فاتّصل بخوارزم شاه، و صار سيروان جماله، فرأى منه جلدا و أمانة، فقدّمه إلى أن صار من أعيان أمراء عسكره، فولاّه مدينة زوزن، و كان عاقلا ذا رأي، و حزم، و شجاعة، فتقدّم عند خوارزم شاه تقدّما كثيرا، فوثق به أكثر من جميع أمراء دولته، فقال أبو بكر لخوارزم شاه: إنّ بلاد كرمان مجاورة لبلدي، فلو أضاف السلطان إليّ عسكرا لملكتها في أسرع وقت. فسيّر معه عسكرا كثيرا فمضى إلى كرمان، و صاحبها اسمه حرب بن محمّد بن أبي الفضل الّذي كان صاحب سجستان أيّام السلطان سنجر، فقاتله، فلم يكن له به قوّة، و ضعف، فملك أبو بكر بلاده في أسرع وقت، و سار منها إلى نواحي مكران فملكها كلّها إلى السند، من حدود كابل، و سار إلى هرمز، مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها، و اسمه ملنك، و خطب بها لخوارزم شاه، و حمل

____________

(1) . و صار. B

(2) . أمين الدين. B

304

عنها مالا، و خطب له بقلهات، و بعض عمان، لأنّ أصحابها كانوا يطيعون صاحب هرمز.

و سبب طاعتهم له، مع بعد الشقّة، و البحر يقطع بينهم، أنّهم يتقرّبون إليه بالطاعة ليأمن أصحاب المراكب التي تسير إليهم عنده، فإنّ هرمز مرسى عظيم، و مجمع للتجار من أقاصي الهند و الصين‏ (1) و اليمن، و غيرها من البلاد، و كان بين صاحب هرمز و بين صاحب كيش‏ (2) حروب و مغاورات، و كلّ منهما ينهى أصحاب المراكب أن ترسي ببلد خصمه، و هم كذلك إلى الآن، و كان خوارزم شاه يصيف‏ (3) بنواحي سمرقند لأجل التتر أصحاب كشلي خان، لئلاّ يقصد بلاده، و كان سريع السير، إذا قصد جهة سبق خبره إليها.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة قتل مؤيّد الملك الشّحريّ‏ (4) ، و كان قد وزر لشهاب الدين الغوريّ، و لتاج الدين الدز بعده، و كان حسن السيرة، جميل الاعتقاد، محسنا إلى العلماء، و أهل الخير و غيرهم، يزورهم و يبرّهم، و يحضر الجمعة ماشيا وحده.

و كان سبب قتله أنّ بعض عسكر الدز كرهوه، و كان كلّ سنة يتقدّم إلى البلاد الحارّة بين يدي الدز، أوّل الشتاء، فسار هذه السنة كعادته، فجاء أربعون نفرا أتراكا و قالوا له: السلطان يقول لك تحضر جريدة في عشرة نفر لمهمّ تجدّد، فسار معهم جريدة في عشرة مماليك، فلمّا وصلوا إلى نهوند (5) ،

____________

(1) . و اليمن و الحبش. B . و الصين. mo. B

(2) . كيش الجزيرة المعروفة. B

(3) . يصيف. mo. B

(4) الملك محمد السجري. B

(5) . إلى مهوبد. B