الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
305

بالقرب من ماء السّند، قتلوه و هربوا، ثمّ إنّهم ظفر بهم خوارزم شاه محمّد فقتلهم.

و فيها، في رجب، توفّي الركن أبو منصور عبد السلام بن عبد الوهّاب بن عبد القادر الجيليّ، البغداديّ، ببغداد، و كان قد ولي عدّة ولايات، و كان يتّهم بمذهب الفلاسفة، حتّى إنّه رأى أبوه يوما عليه قميصا بخاريّا، فقال:

ما هذا القميص؟فقال: بخاريّ، فقال أبوه: هذا عجب!ما زلنا نسمع:

مسلم و البخاريّ، و أمّا كافر و البخاريّ فما سمعنا.

و أخذت كتبه قبل موته بعدّة سنين، و أظهرت في ملإ من الناس، و رئي فيها من تبخير النجوم و مخاطبة زحل بالإلهيّة، و غير ذلك من الكفريات، ثمّ أحرقت بباب العامّة، و حبس، ثمّ أفرج عنه بشفاعة أبيه، و استعمل بعد ذلك.

و فيها أيضا توفّي أبو العبّاس أحمد بن هبة اللََّه بن العلاء المعروف بابن الزاهد ببغداد، و كان عالما بالنحو و اللغة.

و في شعبان منها توفّي أبو المظفّر محمّد بن عليّ بن البلّ‏ (1) اللوريّ‏ (2) الواعظ، و دفن برباط على نهر عيسى، و مولده سنة عشر و خمسمائة.

و في شوّال منها توفّي عبد العزيز بن محمود (3) بن الأخضر، و كان من فضلاء المحدّثين، و له سبع و ثمانون سنة.

____________

(1) البل: spU . اللنل:

(2) . اللوزي: 740. الدوري: P. C

(3) . محمد. B

306

612 ثم دخلت سنة اثنتي عشرة و ستمائة

ذكر قتل منكلي و ولاية أغلمش ما كان بيده من الممالك‏

في هذه السنة، في جمادى الأولى، انهزم منكلي، صاحب همذان و أصفهان و الرّيّ و ما بينها من البلاد، و مضى هاربا، فقتل.

و سبب ذلك أنّه كان قد ملك البلاد، كما ذكرناه، و قتل إيدغمش فأرسل إليه من الديوان الخليفيّ رسول ينكر ذلك عليه، و كان قد أوحش الأمير أوزبك ابن البهلوان، صاحب أذربيجان، و هو صاحبه و مخدومه، فأرسل الخليفة إليه يحرضه على منكلي و يعده النصرة، و أرسل أيضا إلى جلال الدين الإسماعيليّ، صاحب قلاع الإسماعيليّة ببلاد العجم، ألموت و غيرها، يأمره بمساعدة أوزبك على قتال منكلي، و استقرّت القواعد بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد، و لأوزبك بعضها، و يعطى جلال الدين بعضها، فلمّا استقرّت القواعد على ذلك جهّز الخليفة عسكرا كثيرا، و جعل مقدّمهم مملوكه مظفّر الدين سنقر، الملقّب بوجه السبع، و أرسل إلى مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين عليّ كوجك، و هو إذ ذاك صاحب إربل و شهرزور و أعمالها، يأمره أن يحضر بعساكره، و يكون مقدّم العساكر جميعها، و إليه المرجع في الحرب.

فحضر، و حضر معه عسكر الموصل و ديار الجزيرة، و عسكر حلب‏ (1) ، فاجتمعت عساكر كثيرة و ساروا إلى همذان، فاجتمعت العساكر كلّها فانزاح

____________

(1) . و عسكر حلب. mo. A

307

منكلي من بين أيديهم و تعلّق بالجبال، و تبعوه، فنزلوا بسفح جبل هو في أعلاه بالقرب من مدينة كرج، و ضاقت الميرة و الأقوات على العسكر الخليفيّ جميعه و من معهم، فلو أقام منكلي بموضعه لم يمكنهم المقام عليه أكثر من عشرة أيّام، لكنّه طمع فنزل ببعض عسكره من الجبل مقابل الأمير أوزبك، فحملوا عليه، فلم يثبت أوزبك، و مضى منهزما، فعاد أصحاب منكلي و صعدوا الجبل، و عاد أوزبك إلى خيامه، فطمع منكلي حينئذ، و نزل من الغد في جميع عسكره، و اصطفّت العساكر للحرب، و اقتتلوا أشدّ قتال يكون، فانهزم منكلي و صعد الجبل، فلو أقام بمكانه لم يقدر أحد على الصعود إليه، و كان قصاراهم العود عنه، لكنّه اتّخذ الليل جملا، و فارق موضعه و مضى منهزما، فتبعه نفر يسير من عسكره، و فارقه الباقون و تفرّقوا أيدي سبا.

و استولى عسكر الخليفة و أوزبك على البلاد، فأعطى جلال الدين، ملك الإسماعيليّة، من البلاد ما كان استقرّ له، و أخذ (1) الباقي أوزبك، فسلّمه إلى أغلمش مملوك أخيه، و كان قد توجّه إلى خوارزم شاه علاء الدين محمّد، و بقي عنده، ثمّ عاد عنه، و شهد الحرب و أبلى فيها، فولاّه أوزبك البلاد (2) ، و عاد كلّ طائفة من العسكر إلى بلادهم.

و أمّا منكلي فإنّه مضى منهزما إلى مدينة ساوة، و بها شحنة هو صديق له، فأرسل إليه يستأذنه في الدخول إلى البلد، فأذن له، و خرج إليه فلقيه، و قبّل الأرض بين يديه، و أدخله البلد، و أنزله في داره، ثمّ أخذ سلاحه، و أراد أن يقيّده و يرسله إلى أغلمش، فسأله أن يقتله هو و لا يرسله، فقتله، و أرسل رأسه إلى أوزبك، و أرسله أوزبك إلى بغداد، و كان يوم دخولها يوما مشهودا إلاّ أنّه لم تتمّ المسرّة للخليفة بذلك، فإنّه وصل و مات ولده في تلك الحال، فأعيد و دفن.

____________

(1) . الإسماعيلية بعض البلاد و أخذ. A

(2) . فولاه... البلاد. mo. B

308

ذكر وفاة ابن الخليفة

في هذه السنة، في العشرين من ذي القعدة، توفّي ولد الخليفة، و هو الأصغر، و كان يلقّب الملك المعظّم، و اسمه أبو الحسن عليّ، و كان أحبّ ولدي الخليفة إليه، و قد رشّحه لولاية العهد بعده، و عزل ولده الأكبر عن ولاية العهد و اطّرحه لأجل هذا الولد.

و كان، رحمه اللََّه، كريما، كثير الصدقة و المعروف، حسن السيرة، محبوبا إلى الخاصّ و العامّ، و كان سبب موته أنّه أصابه إسهال فتوفّي، و حزن عليه الخليفة حزنا لم يسمع بمثله، حتّى إنّه أرسل إلى أصحاب الأطراف ينهاهم عن إنفاذ رسول إليه يعزّيه بولده، و لم يقرأ كتابا، و لا سمع رسالة، و انقطع، و خلا بهمومه و أحزانه، و رئي عليه من الحزن و الجزع ما لم يسمع بمثله.

و لمّا توفّي أخرج نهارا، و مشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدّته عند قبر معروف الكرخيّ، فدفن عندها، و لمّا أدخل التابوت أغلقت الأبواب، و سمع الصراخ العظيم من داخل التربة، فقيل إنّ ذلك صوت الخليفة (1) .

و أمّا العامة ببغداد فإنّهم وجدوا عليه وجدا شديدا، و دامت المناحات عليه في أقطار بغداد ليلا و نهارا، و لم يبق ببغداد محلّة إلاّ و فيها النّوح، و لم تبق امرأة إلاّ و أظهرت الحزن، و ما سمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزّمان و حديثه.

و كان موته وقت وصول رأس منكلي إلى بغداد، فإنّ الموكب أمر بالخروج إلى لقاء الرأس، فخرج الناس كافّة، فلمّا دخلوا بالرأس إلى رأس درب

____________

(1) . فقيل... الخليفة. mo. A

309

حبيب‏وقع الصوت بموت ابن الخليفة، فأعيد الرأس، و هذا دأب الدنيا، لا يصفو (1) أبدا فرحها من ترح، و قد تخلص مصائبها من شائبة الفرح.

ذكر ملك خوارزم شاه غزنة و أعمالها

في هذه السنة، في شعبان، ملك خوارزم شاه محمّد بن تكش مدينة غزنة و أعمالها.

و سبب ذلك أنّ خوارزم شاه لمّا استولى على عامّة خراسان و ملك باميان و غيرها، أرسل إلى تاج الدين‏ (2) ، صاحب غزنة، و قد تقدّمت أخباره حتّى ملكها (3) ، يطلب منه أن يخطب له، و يضرب السكّة باسمه، و يرسل إليه فيلا واحدا ليصالحه و يقرّ بيده غزنة، و لا يعارضه فيها، فأحضر الأمراء و أعيان دولته و استشارهم.

و كان فيهم أكبر أمير اسمه قتلغ تكين، و هو من مماليك شهاب الدين الغوريّ أيضا، و إليه الحكم في دولة الدز، و هو النائب عنه بغزنة، فقال:

أرى أن تخطب له، و تعطيه ما طلب، و تستريح من الحرب و القتال، و ليس لنا بهذا السلطان قوّة.

فقال الجماعة مثل قوله، فأجاب إلى ما طلب منه، و خطب لخوارزم شاه، و ضرب السكّة باسمه، و أرسل إليه فيلا، و أعاد رسوله إليه، و مضى إلى الصيد.

فأرسل قتلغ تكين، والي غزنة، إلى خوارزم شاه يطلبه ليسلّم إليه غزنة،

____________

(1) . لا يخلص. A

(2) . الدين الدز. B

(3) . حين ملكها. A

310

فسار مجدّا، و سبق خبره، فسلّم إليه قتلغ تكين غزنة و قلعتها، فلمّا دخل إليها قتل من بها من عسكر الغوريّة لا سيما الأتراك، فوصل الخبر إلى الدز بذلك، فقال: ما فعل قتلغ تكين، و كيف ملك القلعة مع وجوده فيها؟فقيل:

هو الّذي‏أحضره و سلّم إليه، فمضى هاربا هو و من معه إلى لهاوور، و أقام خوارزم شاه بغزنة، فلمّا تمكّن منها أحضر قتلغ تكين فقال له: كيف حالك مع الدز؟و كان عالما به، و إنّما أراد أن تكون له الحجّة عليه. فقال:

كلانا مماليك شهاب الدين، و لم يكن الدز يقيم بغزنة إلاّ أربعة أشهر الصيف، و أنا الحاكم فيها، و المرجع، إليّ في كلّ الأمور[1].

فقال له خوارزم شاه: إذا كنت لا ترعى لرفيقك‏ (1) و من أحسن إليك صحبته و إحسانه، فكيف يكون حالي أنا معك، و ما الّذي تصنع مع ولدي إذا تركته عندك؟ فقبض عليه، و أخذ منه أموالا جمّة حملها ثلاثون دابّة من أصناف الأموال و الأمتعة، و أحضر أربع مائة مملوك، فلمّا أخذ ماله قتله‏و ترك ولده جلال الدين بغزنة مع جماعة من عسكره و أمرائه. و قيل إنّ ملك خوارزم شاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة و ستّمائة (2) .

[1] أمور. ـ

____________

(1) . ترعى لرفقتك. A

(2) . و قيل... ستمائة. mo. A

311

ذكر استيلاء الدز على لهاوور و قتله‏

لمّا هرب الدز من غزنة إلى لهاوور لقيه صاحبها ناصر الدين قباجة (1) ، و هو من مماليك شهاب الدين الغوريّ أيضا (2) ، و له من البلاد لهاوور، و ملتان، و أوجة، و ديبل‏ (3) ، و غير ذلك، إلى ساحل البحر، و معه نحو خمسة عشر ألف فارس، و كان قد بقي مع الدز نحو ألف و خمسمائة فارس، فوقع بينهما مصافّ، و اقتتلوا، فانهزمت ميمنة الدز و ميسرته، و أخذت الفيلة التي معه، و لم يبق له غير فيلين معه في القلب.

فقال الفيّال: إذا أخاطر بسعادتك، و أمر أحد الفيلين أن يحمل على العلم الّذي لقباجة يأخذه، و أمر الفيل الآخر (4) الّذي له أيضا أن يأخذ الجتر الّذي له، فأخذه أيضا، و الفيلة المعلّمة تفهم ما يقال لها، هذا رأيناه، فحمل‏[1] الفيلان، و حمل معهما الدز فيمن بقي عنده من العسكر، و كشف رأسه، و قال بالعجميّة ما معناه: إمّا ملك، و إمّا هلك!و اختلط الناس بعضهم ببعض، و فعل الفيلان ما أمرهما الفيّال من أخذ العلم و الجتر، فانهزم قباجة و عسكره، و ملك الدز مدينة لهاوور.

ثمّ سار إلى بلاد الهند ليملك مدينة دهلة و غيرها ممّا بيد المسلمين، و كان صاحب دهلة أمير اسمه الترمش، و لقبه شمس الدين، و هو من مماليك قطب الدين أيبك، مملوك شهاب الدين أيضا، كان قد ملك الهند بعد سيّده، [1]-فحملت.

____________

(1) . قراجة. P. C

(2) . أيضا و حاربه فانهزم قراجة و مضى هاربا و استولى الدز على لهاوور. A

(3) . ملتان واحة و الديبل: 740. و ملتا واجر و الرمل: spU

(4) . الآخر أن يحمل على الجتر الّذي له و يأخذه أيضا. B

312

فلمّا سمع به الترمش سار إليه في عساكره كلّها، فلقيه عند مدينة سماتا، فاقتتلوا، فانهزم الدز و عسكره، و أخذ و قتل.

و كان الدز محمود السيرة في ولايته، كثير العدل و الإحسان إلى الرعيّة، لا سيّما التجار و الغرباء، و من محاسن أعماله أنّه كان له أولاد، و لهم معلّم يعلّمهم، فضرب المعلّم أحدهم فمات، فأحضره الدز و قال له: يا مسكين!ما حملك على هذا؟فقال: و اللََّه ما أردت إلاّ تأديبه، فاتّفق أن مات. فقال: صدقت، و أعطاه نفقة، و قال له: تغيّب، فإنّ أمّه لا تقدر على الصبر، فربّما أهلكتك، و لا أقدر أمنع عنك. فلمّا سمعت أمّ الصبيّ بموته طلبت الأستاذ لتقتله، فلم تجده، فسلم، و كان هذا من أحسن ما يحكى عن أحد من الناس.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة توفّي الوجيه المبارك بن أبي الأزهر سعيد (1) بن الدّهّان الواسطيّ النحويّ، الضرير، كان نحريرا فاضلا، قرأ على الكمال بن الأنباريّ و على غيره، و كان حنبليّا، فصار حنفيّا، ثمّ صار شافعيّا، فقال فيه أبو البركات بن زيد التكريتيّ:

ألا مبلغا (2) عنّي الوجيه رسالة # و إن كان لا تجدي لديه الرسائل‏

تمذهبت للنّعمان من بعد حنبل # و فارقته إذ غوّرتك المآكل‏

و ما اخترت رأي الشافعيّ تديّنا # و لكنّما تهوى الّذي هو حاصل‏

و عمّا قليل أنت لا شكّ صائر # إلى مالك، فافطن لما أنا قائل‏

____________

(1) . أبي طالب المبارك بن أبي الأريم سعيد. B

(2) . ألا من مبلغ. B

313

613 ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و ستمائة

ذكر وفاة الملك الظاهر صاحب حلب‏

في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفّي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيّوب، و هو صاحب مدينة حلب و منبج و غيرهما من بلاد الشام، و كان مرضه إسهالا، و كان شديد السيرة، و ضابطا لأموره كلّها، كثير الجمع للأموال من غير جهاتها المعتادة، عظيم العقوبة على الذنب، لا يرى الصفح، و له مقصد يقصده كثير من أهل البيوتات من أطراف البلاد (1) ، و الشعراء، و أهل الدين و غيرهم، فيكرمهم، و يجري عليهم الجاري الحسن.

و لمّا اشتدّت علّته عهدبالملك بعده لولد له صغير اسمه محمّد، و لقبه الملك العزيز غياث الدين‏ (2) ، عمره ثلاث سنين، و عدل عن ولد كبير لأنّ الصغير كانت أمّه ابنة عمّه الملك العادل أبي بكر بن أيّوب‏ (3) ، صاحب مصر و دمشق و غيرهما من البلاد، فعهد بالملك له ليبقي عمّه البلاد عليه، و لا ينازعه فيها.

و من أعجب ما يحكى أنّ الملك الظاهر، قبل مرضه، أرسل رسولا إلى عمّه العادل بمصر، يطلب منه أن يحلف لولده الصغير، فقال العادل: سبحان اللََّه!أيّ حاجة إلى هذه اليمين؟الملك الظاهر مثل بعض أولادي. فقال الرسول:

____________

(1) . من أهل البلاد. A

(2) . اسمه... الدين. mo. A

(3) . أبي... أيوب. mo. A

314

قد طلب هذا و اختاره، و لا بدّ من إجابته إليه. فقال العادل: كم من كبش في المرعى و خروف عند القصّاب‏ (1) ، و حلف.

فاتّفق في تلك الأيّام أن‏توفّي الملك الظاهر و الرسول في الطريق، و لمّا (2)

عهد الظاهر إلى ولده بالملك جعل أتابكه و مربّيه خادما (3) روميّا، اسمه طغرل، و لقبه شهاب الدين، و هو من خيار عباد اللََّه، كثير الصدقة و المعروف.

و لمّا توفّي الظاهر أحسن شهاب الدين هذا السيرة في الناس، و عدل فيهم، و أزال كثيرا من السنن الجارية، و أعاد أملاكا كانت قد أخذت من أربابها، و قام بتربية الطفل أحسن قيام، و حفظ بلاده، و استقامت الأمور بحسن سيرته و عدله، و ملك ما كان يتعذّر على الظاهر ملكه، فمن ذلك تلّ باشر، كان الملك الظاهر لا يقدر[أن‏]يتعرّض إليه، فلمّا توفّي ملكها (4) كيكاوس، ملك الروم، كما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، انتقلت إلى شهاب الدين، و ما أقبح بالملوك و أبناء الملوك أن يكون هذا الرجل الغريب المنفرد أحسن سيرة، و أعفّ عن أموال الرعيّة، و أقرب إلى الخير منهم، و لا أعلم اليوم في ولاة أمور المسلمين أحسن سيرة منه، فاللََّه يبقيه، و يدفع عنه، فلقد بلغني عنه كلّ حسن و جميل.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في المحرّم، وقع بالبصرة برد كثير، و هو مع كثرته عظيم القدر، قيل: كان أصغره مثل النارنجة الكبيرة، و قيل في أكبره ما يستحي

____________

(1) . عند الشوا. B

(2) . و الرسول عند الملك العادل و لما. A

(3) . خادم خصي. A

(4) . ملكها الروم و أخذها. B

315

الإنسان‏[أن‏]يذكره، فكسر كثيرا من رءوس النخيل.

و في المحرّم أيضا سيّر الخليفة الناصر لدين اللََّه ولدي ابنه المعظّم عليّ إلى تستر، و هما المؤيّد و الموفّق، و سار معهما مؤيّد الدين النائب عن الوزارة، و عزّ الدين الشرابيّ، فأقاما بها يسيرا، ثمّ عاد الموفّق مع الوزير و الشرابيّ إلى بغداد أواخر ربيع الآخر.

و فيها، في صفر، هبّت ببغداد ريح سوداء شديدة، كثيرة الغبار و القتام، و ألقت رملا كثيرا، و قلعت كثيرا من الشجر، فخاف الناس و تضرّعوا، و دامت من العشاء الآخرة إلى ثلث الليل و انكشفت.

و فيها توفّي التاج زيد بن الحسن بن زيد الكنديّ أبو اليمن، البغداديّ المولد و المنشإ، انتقل إلى الشام فأقام بدمشق، و كان إماما في النحو و اللغة، و له الإسناد العالي في الحديث، و كان ذا فنون كثيرة من أنواع العلوم، رحمه اللََّه.

316

614 ثم دخلت سنة أربع عشرة و ستمائة

ذكر ملك خوارزم شاه بلد الجبل‏

في هذه السنة سار خوارزم شاه علاء الدين محمّد بن تكش إلى بلاد الجبل فملكها.

و كان سبب حركته، في هذا الوقت، أشياء، أحدها: أنّه كان قد استولى على ما وراء النهر، و ظفر بالخطا، و عظم أمره، و علا شأنه، و أطاعه القريب و البعيد، و منها: أنّه كان يهوى أن يخطب له ببغداد، و يلقّب بالسلطان، و كان الأمر بالضدّ لأنّه كان‏ (1) لا يجد من ديوان الخلافة قبولا، و كان سبيله إذا ورد إلى بغداد[أن‏]يقدّم غيره عليه، و لعلّ في عسكره مائة مثل الّذي يقدّم سبيله عليه، فكان إذا سمع ذلك يغضبه، و منها: أنّ أغلمش لمّا ملك بلاد الجبل خطب له فيها جميعها، كما ذكرناه، فلمّا قتله الباطنيّة غضب له، و خرج لئلاّ تخرج البلاد عن طاعته، فسار مجدّا في عساكر تطبّق الأرض، فوصل إلى الرّيّ فملكها.

و كان أتابك سعد بن دكلا، صاحب بلاد فارس، لمّا بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره و سار نحو بلاد الجبل طمعا في تملّكها لخلوّها عن حام و ممانع، فوصل إلى أصفهان، فأطاعه أهلها، و سار منها يريد الرّيّ، و لم يعلم بقدوم خوارزم شاه، فلقيه مقدّمة خوارزم شاه فظنّها عساكر تلك الديار قد اجتمعت

____________

(1) . لأنه كان. mo. B

317

لقتاله و منعه عن البلاد، فقاتلهم، و جدّ في محاربتهم حتّى كاد يهزمهم‏[1].

فبينما هو كذلك إذ هوقد ظهر له جتر خوارزم شاه، فسأل عنه، فأخبر به فاستسلم، و انهزمت عساكره، و أخذ أسيرا، و حمل إلى بين يدي خوارزم شاه، فأكرمه، و وعده الإحسان و الجميل، و أمّنه على نفسه، و استحلفه على طاعته، و استقرّت القاعدة بينهما على أن يسلّم بعض البلاد إليه، و يبقى بعضها (1) ، و أطلقه و سيّر معه جيشا إلى بلاد فارس ليسلّم إليهم ما استقرّت القاعدة عليه، فلمّا قدم على ولده الأكبر رآه قد تغلّب على بلاد فارس، فامتنع من التسليم إلى أبيه.

ثمّ إنّه ملك البلاد، كما نذكره، و خطب فيها لخوارزم شاه، و سار خوارزم شاه إلى ساوة فملكها، و أقطعها لعماد الملك عارض جيشه، و هو من أهلها، ثمّ سار إلى قزوين و زنجان و أبهر، فملكها كلّها بغير ممانع و لا مدافع، ثمّ سار إلى همذان فملكها، و أقطع البلاد لأصحابه، و ملك أصفهان، و كذلك قمّ و قاشان، و استوعب ملك جميع البلاد، و استقرّت القاعدة بينه و بين أوزبك بن البهلوان، صاحب أذربيجان و أرّان‏ (2) ، بأن يخطب له أوزبك في بلاده و يدخل في طاعته.

ثمّ إنّه عزم على المسير إلى بغداد، فقدّم بين يديه أميرا كبيرا في خمسة عشر ألف فارس، و أقطعه حلوان، فسار حتّى وصل إليها، ثمّ أتبعه بأمير آخر، فلمّا سار عن همذان يومين أو ثلاثة سقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله، فهلكت دوابّهم، و مات كثير منهم، و طمع فيمن بقي بنو ترجم الأتراك، و بنو هكّار الأكراد، فتخطّفوهم، فلم يرجع منهم إلى خوارزم [1]-يهزمنهم.

____________

(1) . و يبقى معه. B

(2) . أذربيجان و أراد أن. B

318

شاه إلاّ اليسير، فتطيّر خوارزم شاه من ذلك الطريق، و عزم على العود إلى خراسان خوفا من التتر، لأنّه ظنّ أنّه يقضي حاجته، و يفرغ من إرادته في المدّة اليسيرة، فخاب ظنّه، و رأى البيكار بين يديه طويلا، فعزم على العود، فولّى همذان أميرا من أقاربه من جهة والدته، يقال له طائيسي‏ (1) ، و جعل في البلاد جميعها ابنه ركن الدين، و جعل معه متولّيا لأمر دولته عماد الملك الساويّ، و كان عظيم القدر عنده، و كان يحرص على قصد العراق.

و عاد خوارزم شاه إلى خراسان، فوصل إلى مرو في المحرّم سنة خمس عشرة و ستّمائة، و سار من وجّهه إلى ما وراء النهر، و لمّا قدم إلى نيسابور جلس يوم الجمعة عند المنبر، و أمر الخطيب بترك الخطبة للخليفة الناصر لدين اللََّه، و قال: إنّه قد مات، و كان ذلك في ذي القعدة سنة أربع عشرة و ستّمائة، و لمّا قدم مرو قطع الخطبة بها، و كذلك ببلخ و بخارى و سرخس، و بقي خوارزم و سمرقند (2) و هراة لم تقطع الخطبة فيها إلاّ عن قصد لتركها، لأنّ البلاد كانت لا تعارض من أشباه هذا، إن أحبّوا (3) خطبوا، و إن أرادوا قطعوا، فبقيت كذلك إلى أن كان منه ما كان.

و هذه من جملة سعادات هذا البيت الشريف العبّاسيّ لم يقصده أحد بأذى إلاّ لقيه فعله، و خبث نيّته، لا جرم لم يمهل خوارزم شاه هذا حتّى جرى له ما نذكره ممّا لم يسمع‏ (4) بمثله في الدنيا قديما و لا حديثا.

____________

(1) . طالشين: spU . طانسي:

(2) . و سمرقند. mo. B

(3) . أحبوا و ان. B

(4) . جرى ما جرى ما لم يسمع. B

319

ذكر ما جرى لأتابك سعد مع أولاده‏

لمّا قتل أغلمش، صاحب بلاد الجبل، همذان و أصفهان‏ (1) و ما بينهما من البلاد، جمع أتابك سعد بن دكلا، صاحب فارس، عساكره و سار عن بلاده إلى أصفهان فملكها و أطاعه أهلها، فطمع في تلك البلاد (2) جميعها، فسار عن أصفهان إلى الرّيّ، فلمّا وصل إليها لقي عساكر خوارزم شاه قد وصلت، كما ذكرناه، فعزم على محاربة مقدّمة العسكر، فقاتلها حتّى كاد يهزمها، فظهرت عساكر خوارزم شاه، و رأى الجتر، فسقط في يده، و ألقى نفسه، و ضعفت قوّته و قوّة عسكره، فولّوا الأدبار، و أخذ أتابك سعد أسيرا، و أحضر بين يدي خوارزم شاه، فأكرمه، و طيّب نفسه، و وعده الإحسان و استصحبه‏[1] معه، إلى أن وصل إلى أصفهان، فسيّره منها إلى بلاده، و هي تجاورها، و سيّر معه عسكرا مع أمير كبير ليتسلّم منه ما كان استقرّ بينهما، فإنّهما اتّفقا على أن يكون لخوارزم شاه بعض البلاد و لأتابك سعد بعضها، و تكون الخطبة لخوارزم شاه في البلاد جميعها.

و كان أتابك سعد قد استخلف ابنا له على البلاد، فلمّا سمع الابن بأسر أبيه خطب لنفسه بالمملكة و قطع خطبة أبيه، فلمّا وصل أبوه و معه عسكر خوارزم شاه امتنع الابن من تسليم البلاد إلى أبيه، و جمع العساكر و خرج يقاتله، فلمّا تراءى الجمعان انحازت عساكر فارس إلى صاحبهم أتابك سعد، و تركوا ابنه في خاصّته، فحمل على أبيه، فلمّا رآه أبوه ظنّ أنّه لم يعرفه، فقال له: أنا [1]-و استصحب

____________

(1) . و أصفهان و غيرهما و جمع. B

(2) . فطمع أن يملك البلاد B

320

فلان: فقال: إيّاك أردت، فحينئذ امتنع منه و ولى الابن منهزما.

و وصل أتابك سعد إلى البلاد فدخلها مالكا لها و أخذ ابنه أسيرا، فسجنه إلى الآن، إلاّ أنّني سمعت الآن، و هو سنة عشرين و ستّمائة، أنّه قد خفّف حبسه و وسّع عليه.

و لمّا عاد خوارزم شاه إلى خراسان غدر سعد بالأمير الّذي عنده فقتله، و رجع عن طاعة خوارزم شاه، و اشتغل خوارزم شاه بالحادثة العظمى التي شغلته عن هذا و غيره، و لكنّ اللََّه انتقم له بابنه غياث الدين، كما ذكرناه سنة عشرين و ستّمائة، لأنّ سعدا كفر إحسان خوارزم شاه و كفر الإحسان‏[1] عظيم العقوبة (1) .

مدينة دمياط و عودها إلى المسلمين‏

كان من أوّل هذه الحادثة إلى آخرها أربع سنين غير شهر (2) ، و إنّما ذكرناها هاهنا لأنّ ظهورهم كان فيها، و سقناها سياقة متتابعة ليتلو بعضها بعضا، فنقول: في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر من رومية الكبرى و غيرها من بلاد الفرنج في الغرب و الشمال، إلاّ أنّ المتولّي لها كان صاحب رومية (3) ، لأنّه يتنزّل عند الفرنج بمنزلة عظيمة، لا يرون مخالفة أمره و لا العدول عن حكمه فيما سرّهم و ساءهم، فجهّز العساكر من عنده مع جماعة من مقدّمي الفرنج، و أمر غيره من ملوك الفرنج إمّا أن يسير بنفسه، أو يرسل جيشا، ففعلوا ما [1]-الأحسن. ـ

____________

(1) . و العقوبة عليه لازمة. B

(2) سنين و شهور. A-Ani. caI أربع‏ orp

(3) . Ani. caI رومية ocoI

321

أمرهم، فاجتمعوا بعكّا من ساحل الشام.

و كان الملك العادل أبو بكر بن أيّوب بمصر، فسار منها إلى الشام، فوصل إلى الرملة، و منها إلى لدّ، و برز (1) الفرنج من عكّا ليقصدوه، فسار العادل نحوهم‏ (2) ، فوصل إلى نابلس عازما على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد ممّا يلي عكّا ليحميها منهم، فساروا هم فسبقوه‏ (3) ، فنزل على بيسان من الأردنّ، فتقدّم الفرنج إليه في شعبان عازمين على محاربته لعلمهم أنّه في قلّة من العسكر، لأنّ العساكر كانت متفرّقة في البلاد.

فلمّا رأى العادل قربهم منه لم ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه، خوفا من هزيمة تكون عليه، و كان حازما، كثير الحذر، ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم بالقرب‏ (4) منها، و يرسل إلى البلاد و يجمع العساكر، فوصل إلى مرج الصّفّر فنزل فيه.

و كان أهل بيسان، و تلك الأعمال، لمّا رأوا الملك العادل عندهم اطمأنّوا، فلم يفارقوا بلادهم ظنّا منهم أنّ الفرنج لا يقدمون عليه، فلمّا أقدموا سار على غفلة من الناس، فلم يقدر على النجاة إلاّ القليل، فأخذ الفرنج كلّ ما في بيسان من ذخائر قد جمعت، و كانت كثيرة، و غنموا شيئا كثيرا، و نهبوا البلاد من بيسان إلى بانياس، و بثّوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين، و نوى و أطراف البلاد، و نازلوا بانياس، و أقاموا عليها ثلاثة أيّام، ثمّ عادوا عنها إلى مرج عكّا و معهم من الغنائم و السبي و الأسرى ما لا يحصى كثرة، سوى ما قتلوا، و أحرقوا، و أهلكوا، فأقاموا أيّاما استراحوا[خلالها].

ثمّ جاءوا إلى صور، و قصدوا بلد الشقيف، و نزلوا بينهم‏ (5) و بين بانياس

____________

(1) . إلى البيت المقدس و برز. A

(2) . فسار من القدس نحوهم. A

(3) . إلى الماء بمكان يعرف بخربة اللصوص فسبقوه‏ A

(4) . ليلقاهم بالقرب. A

(5) . و بقي بينهم. B

322

مقدار فرسخين‏ (1) ، فنهبوا البلاد: صيدا و الشقيف، و عادوا إلى عكّا، و كان هذا من نصف رمضان إلى العيد، و الّذي سلم من تلك البلاد كان مخفّا حتّى قدر على النجاة.

و لقد بلغني أنّ العادل لمّا سار إلى مرج الصّفّر رأى في طريقه رجلا يحمل شيئا، و هو يمشي تارة، و تارة يقعد ليستريح، فعدل العادل إليه وحده، فقال له:

يا شيخ لا تعجل، و ارفق بنفسك!فعرفه الرجل، فقال: يا سلطان المسلمين! أنت لا تعجل، فإنّا (2) إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك و تركتنا مع الأعداء كيف لا نعجل! و بالجملة الّذي فعله العادل هو الحزم و المصلحة لئلاّ يخاطر باللقاء على حال تفرّق من العساكر (3) ، و لمّا نزل العادل على مرج الصّفّر سيّر ولده الملك المعظّم عيسى، و هو صاحب دمشق، في قطعة صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنع الفرنج عن البيت المقدّس.

ذكر حصر الفرنج قلعة الطّور و تخريبها

لمّا نزل الفرنج بمرج عكّا تجهّزوا، و أخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق و غيرها، و قصدوا قلعة الطّور، و هي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكّا كان العادل قد بناها عن قريب، فتقدّموا إليها و حصروها و زحفوا إليها، و صعدوا في جبلها حتّى وصلوا إلى سورها و كادوا يملكونه.

فاتّفق أنّ بعض المسلمين ممّن فيها قتل بعض ملوكهم، فعادوا عن القلعة فتركوها، و قصدوا عكّا، و كانت مدّة مقامهم على الطّور سبعة عشر يوما.

____________

(1) . قريب فرسخين. B

(2) . أوانا. A

(3) . و بالجملة... العساكر. mo. A

323

و لمّا فارقوا الطّور أقاموا قريبا، ثمّ ساروا في البحر إلى ديار مصر، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، فتوجّه الملك المعظّم إلى قلعة الطّور فخرّبها إلى أن ألحقها بالأرض لأنّها بالقرب من عكّا و يتعذّر حفظها.

ذكر حصر الفرنج دمياط إلى أن ملكوها

لمّا عاد الفرنج من حصار الطّور أقاموا بعكّا إلى أن دخلت سنة خمس عشرة و ستّمائة، فساروا في البحر إلى دمياط، فوصلوا في صفر، فأرسوا على برّ الجيزة، بينهم و بين دمياط النيل، فإنّ بعض‏ (1) النيل يصبّ في البحر المالح عند دمياط، [و قد بني في النيل برج كبير منيع، و جعلوا فيه سلاسل من حديد غلاظ، و مدّوها في النيل إلى سور دمياط] (2) لتمنع‏ (3) المراكب الواصلة في البحر المالح أن تصعد في النيل إلى ديار مصر، و لو لا هذا البرج و هذه السلاسل لكانت‏مراكب العدوّ لا يقدر أحد على منعها عن أقاصي ديار مصر و أدانيها.

فلمّا نزل الفرنج على برّ الجيزة، و بينهم و بين دمياط النيل، بنوا عليه‏[1] سورا، و جعلوا خندقا يمنعهم ممّن يريدهم، و شرعوا في قتال من بدمياط، و عملوا آلات، و مرمّات، و أبراجا يزحفون بها في المراكب إلى هذا البرج ليقاتلوه و يملكوه.

و كان البرج مشحونا بالرجال، و قد نزل الملك الكامل ابن الملك العادل، [1]-عليهم.

____________

(1) . بحر: spU . 740 te. P. C

(2) . P. C

(3) . ليمنع. P. C

324

و هو صاحب ديار مصر، بمنزلة تعرف بالعادلية، بالقرب من دمياط، و العساكر متّصلة من عنده إلى دمياط، ليمنع العدوّ من العبور إلى أرضها.

و أدام الفرنج قتال البرج و تابعوه، فلم يظفروا منه بشي‏ء، و كسّرت مرمّاتهم و آلاتهم، و مع هذا فهم ملازمون لقتاله، فبقوا كذلك أربعة أشهر و لم يقدروا على أخذه، فلمّا ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح في النيل و يتحكّموا في البرّ، فنصب الملك الكامل عوض السلاسل جسرا عظيما امتنعوا به من سلوك النيل، ثمّ إنّهم قاتلوا عليه أيضا قتالا شديدا، كثيرا، متتابعا حتّى قطعوه، فلمّا قطع أخذ الملك الكامل عدّة مراكب كبار و ملأها و خرقها و غرّقها في النيل، فمنعت المراكب من سلوكه.

فلمّا رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هناك يعرف بالأزرق، كان النيل يجري فيه قديما، فحفروا ذلك الخليج و عمّقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل، و أجروا الماء فيه إلى البحر المالح، و أصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يقال له بورة، على أرض الجيزة أيضا، مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه من هناك، فإنّهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلونه فيها، كانت دمياط تحجز بينهم و بينه، فلمّا صاروا في بورة حاذوه فقاتلوه في الماء، و زحفوا غير مرّة، فلم يظفروا بطائل.

و لم يتغيّر على أهل دمياط شي‏ء لأنّ الميرة و الأمداد متّصلة بهم، و النيل يحجز بينهم و بين الفرنج، فهم ممتنعون لا يصل إليهم أذى، و أبوابها مفتّحة، و ليس عليها من الحصر ضيق و لا ضرر.

فاتّفق، كما يريد اللََّه عزّ و جلّ، أنّ الملك العادل توفّي في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة و ستّمائة، على ما نذكره إن شاء اللََّه، فضعفت نفوس الناس لأنّه السلطان حقيقة، و أولاده، و إن كانوا ملوكا إلاّ أنّهم بحكمه، و الأمر إليه، و هو ملّكهم البلاد، فاتّفق موته و الحال هكذا من مقاتلة العدوّ.

325

و كان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين أحمد بن عليّ، و يعرف بابن المشطوب، و هو من الأكراد الهكّاريّة، و هو أكبر أمير بمصر، و له لفيف كثير، و جميع الأمراء ينقادون إليه و يطيعونه لا سيّما الأكراد، فاتّفق هذا الأمير مع غيره من الأمراء، و أرادوا أن يخلعوا الملك الكامل من الملك و يملّكوا أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم إليهم عليه و على البلاد، فبلغ الخبر إلى الكامل، ففارق المنزلة ليلا جريدة، و سار إلى قرية يقال لها أشموم طنّاح، فنزل عندها، و أصبح العسكر و قد فقدوا سلطانهم، فركب كلّ إنسان منهم هواه، و لم يقف الأخ على أخيه، و لم يقدروا على أخذ شي‏ء من خيامهم و ذخائرهم و أموالهم و أسلحتهم إلاّ اليسير الّذي يخفّ حمله، و تركوا الباقي بحاله من ميرة، و سلاح، و دوابّ، و خيام و غير ذلك، و لحقوا بالكامل.

و أمّا الفرنج فإنّهم أصبحوا من الغد، فلم يروا من المسلمين أحدا على شاطئ النيل كجاري عادتهم، فبقوا لا يدرون ما الخبر، و إذ قد أتاهم من أخبرهم الخبر على حقيقته، فعبروا حينئذ النيل إلى برّ دمياط آمنين بغير منازع و لا ممانع، و كان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة خمس عشرة و ستّمائة، فغنموا ما في معسكر المسلمين، فكان عظيما يعجز العادّين.

و كان الملك الكامل يفارق الديار المصريّة لأنّه لم يثق بأحد من عسكره، و كان‏[1] الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب و لا مشقّة، فاتّفق من لطف اللََّه تعالى بالمسلمين أنّ الملك المعظّم عيسى بن الملك العادل وصل إلى أخيه الكامل بعد هذه الحركة بيومين، و الناس في أمر مريج، فقوي به قلبه، و اشتدّ ظهره، و ثبت جنانه، و أقام بمنزلته، و أخرجوا ابن المشطوب إلى الشام، فاتّصل بالملك الأشرف و صار من جنده.

[1] و كانوا.

326

فلمّا عبر الفرنج إلى ارض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها، و نهبوا البلاد المجاورة لدمياط، و قطعوا الطريق، و أفسدوا، و بالغوا في الإفساد، فكانوا أشدّ على المسلمين من الفرنج، و كان أضرّ شي‏ء على أهل دمياط أنّها لم يكن بها من العسكر أحد لأنّ السلطان و من معه من العساكر كانوا عندها يمنعون العدوّ عنها، فأتتهم هذه الحركة بغتة، فلم يدخلها أحد من العسكر، و كان ذلك من فعل ابن المشطوب، لا جرم لا يمهله اللََّه، و أخذه أخذة رابية، على ما نذكره إن شاء اللََّه.

و أحاط الفرنج بدمياط، و قاتلوها برّا و بحرا، و عملوا عليهم خندقا يمنعهم ممّن يريدهم من المسلمين، و هذه كانت عادتهم، و أداموا القتال، و اشتدّ الأمر على أهلها، و تعذّرت عليهم الأقوات و غيرها، و سئموا القتال و ملازمته، لأنّ الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم، و ليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال بينهم مناوبة، و مع هذا فقد صبروا صبرا لم يسمع بمثله، و كثر القتل فيهم و الجراح و الموت و الأمراض، و دام الحصار عليهم إلى السابع و العشرين من شعبان سنة ستّ عشرة و ستّمائة، فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلّتهم، و تعذّر القوت عندهم، فسلّموا البلد إلى الفرنج، في هذا التاريخ، بالأمان، فخرج منهم قوم و أقام آخرون لعجزهم عن الحركة، فتفرّقوا أيدي سبا.

ذكر ملك المسلمين دمياط من الفرنج‏

لمّا ملك الفرنج دمياط أقاموا بها، و بثّوا سراياهم في كلّ ما جاورهم من البلاد، ينهبون و يقتلون، فجلا أهلها عنها، و شرعوا في عمارتها و تحصينها، و بالغوا في ذلك حتّى إنّها بقيت لا ترام.

327

و أمّا الملك الكامل فإنّه أقام بالقرب منهم في أطراف بلاده يحميها منهم.

و لمّا سمع الفرنج في بلادهم بفتح دمياط على أصحابهم أقبلوا إليهم يهرعون من كلّ فجّ عميق، و أصبحت دار هجرتهم، و عاد الملك المعظّم صاحب دمشق إلى الشام فخرّب البيت المقدّس، و إنّما فعل ذلك لأنّ الناس كافّة خافوا الفرنج، و أشرف الإسلام و جميع أهله و بلاده على خطّة خسف في شرق الأرض و غربها: أقبل التتر من المشرق حتّى وصلوا إلى نواحي العراق و أذربيجان و أرّان و غيرها، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى، و أقبل الفرنج من المغرب فملكوا مثل دمياط في الديار المصريّة، مع عدم الحصون المانعة بها من الأعداء، و أشرف سائر البلاد بمصر و الشام على أن تملك، و خافهم الناس كافّة، و صاروا يتوقّعون البلاء صباحا و مساء.

و أراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا من العدوّ، وَ لاََتَ حِينَ مَنََاصٍ (1) ، و العدوّ قد أحاط بهم من كلّ جانب، و لو مكّنهم الكامل من ذلك لتركوا البلاد خاوية على عروشها، و إنّما منعوا منه فثبتوا.

و تابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه المعظّم صاحب دمشق، و الملك الأشرف موسى بن العادل، صاحب ديار الجزيرة (2) و أرمينية و غيرهما، يستنجدهما، و يحثّهما على الحضور بأنفسهما، فإن لم يكن فيرسلان العساكر إليه، فسار صاحب دمشق إلى‏ (3) الأشرف بنفسه بحرّان فرآه مشغولا عن إنجادهم بما دهمه من اختلاف الكلمة عليه، و زوال الطاعة عن كثير ممّن كان يطيعه، و نحن نذكر ذلك سنة خمس عشرة و ستّمائة إن شاء اللََّه عند وفاة الملك القاهر، صاحب الموصل، فليطلب من هناك، فعذره، و عاد عنه، و بقي الأمر كذلك مع الفرنج.

____________

(1) . 2`38. roc

(2) . ديار مصر. B

(3) . فسار المعظم إلى. A

328

فأمّا الملك الأشرف فزال الخلف من بلاده، و رجع الملوك الخارجون عن طاعته إليه، و استقامت له الأمور إلى سنة ثماني عشرة و ستّمائة، و الملك الكامل مقابل الفرنج.

فلمّا دخلت سنة ثماني عشرة و ستّمائة علم بزوال مانع الملك الأشرف عن إنجاده، فأرسل يستنجده و أخاه، صاحب دمشق، فسار صاحب دمشق المعظّم إلى الأشرف يحثّه على المسير، ففعل، و سار إلى دمشق فيمن معه من العساكر، و أمر الباقين باللحاق به إلى دمشق و أقام بها ينتظرهم، فأشار عليه بعض أمرائه و خواصّه بإنفاذ العساكر و العود إلى بلاده خوفا من اختلاف يحدث بعده، فلم يقبل قولهم، و قال: قد خرجت للجهاد، و لا بدّ من إتمام ذلك العزم، فسار إلى مصر.

و كان الفرنج قد ساروا عن دمياط في الفارس و الراجل، و قصدوا الملك الكامل، و نزلوا مقابله، بينهما خليج من النيل‏يسمّى بحر أشموم، و هم يرمون بالمنجنيق و الجرخ إلى عسكر المسلمين، و قد تيقّنوا هم و كلّ الناس أنّهم يملكون الديار المصريّة.

و أمّا الأشرف فإنّه سار حتّى وصل مصر، فلمّا سمع أخوه الكامل بقربة منهم توجّه إليه، فلقيه، و استبشر هو و سائر المسلمين باجتماعهما، لعلّ اللََّه يحدث بذلك نصبا و ظفرا.

و أمّا الملك المعظّم، صاحب دمشق، فإنّه سار أيضا إلى ديار مصر، و قصد دمياط ظنّا منه أنّ أخويه و عسكريهما (1) قد نازلوها، و قيل بل أخبر في الطريق أنّ الفرنج قد توجّهوا إلى دمياط، فسابقهم إليها ليلقاهم من بين أيديهم، و أخواه من خلفهم، و اللََّه أعلم.

____________

(1) . و عسكريهما. mo. A

329

و لمّا اجتمع الأشرف بالكامل استقرّ الأمر بينهما على التقدّم إلى خليج من النيل يعرف ببحر المحلّة، فتقدّموا إليه، فقاتلوا الفرنج، و ازدادوا قربا، و تقدّمت شواني المسلمين من النيل، و قاتلوا شواني الفرنج، فأخذوا منها ثلاث قطع بمن فيها من الرجال، و ما فيها من الأموال و السلاح، ففرح المسلمون بذلك، و استبشروا، و تفاءلوا، و قويت نفوسهم، و استطالوا على عدوّهم.

هذا يجري و الرسل متردّدة بينهم في تقرير قاعدة الصلح، و بذل المسلمون لهم تسليم البيت المقدّس، و عسقلان، و طبريّة، و صيدا، و جبلة، و اللاذقيّة، و جميع ما فتحه صلاح الدين من الفرنج بالسّاحل و قد تقدّم ذكره ما عدا الكرك، ليسلّموا دمياط، فلم يرضوا و طلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب القدس ليعمروه بها، فلم يتمّ بينهم أمر و قالوا: لا بدّ من الكرك.

فبينما الأمر في هذا، و هم يمتنعون، اضطر المسلمون إلى قتالهم، و كان الفرنج لاعتدادهم بنفوسهم‏[1] لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدّة أيّام، ظنّا منهم أنّ العساكر الإسلاميّة لا تقوم لهم، و أنّ القرى و السواد جميعه يبقى بأيديهم، يأخذون منه ما أرادوا من الميرة، لأمر يريده اللََّه تعالى بهم، فعبر طائفة من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج، ففجروا النيل، فركب الماء أكثر تلك الأرض، و لم يبق للفرنج جهة يسلكون‏[2] منها غير جهة واحدة فيها ضيق، فنصب الكامل حينئذ الجسور على النيل، عند أشموم، و عبرت العساكر عليها، فملك الطريق الّذي يسلكه الفرنج إن أرادوا العود إلى دمياط، فلم يبق لهم خلاص.

و اتّفق في تلك الحال أنّه وصل إليهم مركب كبير للفرنج‏من أعظم المراكب يسمّى مرمّة، و حوله عدّة حرّاقات تحميه، و الجميع مملوء من الميرة و السلاح، [1] لاقتدارهم في نفوسهم.

[2] يسلكوا.

330

و ما يحتاجون إليه، فوقع عليها شواني المسلمين، و قاتلوهم، فظفروا بالمرمّة و بما معها من الحرّاقات و أخذوها، فلمّا رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم، و رأوا أنّهم قد ضلّوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض يجهلونها.

هذا و عساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب، و يحملون على أطرافهم، فلمّا اشتدّ الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم، و مجانيقهم، و أثقالهم، و أرادوا الزحف إلى المسلمين و مقاتلتهم، لعلّهم يقدرون على العود إلى دمياط، فرأوا ما أمّلوه بعيدا، و حيل بينهم و بين ما يشتهون، لكثرة الوحل و المياه حولهم، و الوجه الّذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون.

فلمّا تيقّنوا أنّهم قد أحيط بهم من سائر جهاتهم، و أنّ ميرتهم قد تعذّر عليهم وصولها، و أنّ المنايا قد كثّرت لهم عن أنيابها، ذلّت نفوسهم، و تكسّرت صلبانهم، و ضلّ عنهم شيطانهم، فراسلوا الملك الكامل و الأشرف يطلبون الأمان ليسلّموا دمياط بغير عوض، فبينما المراسلات متردّدة إذ أقبل جمع كبير، لهم رهج شديد، و جبلة عظيمة، من جهة دمياط، فظنّه المسلمون نجدة أتت للفرنج، فاستشعروا، و إذا هو الملك المعظّم، صاحب دمشق، قد وصل إليهم، و كان قد جعل طريقه على دمياط، لما ذكرناه، فاشتدّت ظهور المسلمين، و ازداد الفرنج خذلانا و وهنا، و تمّموا الصلح على تسليم دمياط، و استقرّت القاعدة و الأيمان سابع رجب من سنة ثماني عشرة و ستّمائة، و انتقل ملوك الفرنج، و كنودهم، و قمامصتهم إلى الملك الكامل و الأشرف‏ (1) رهائن على تسليم دمياط ملك عكّا، و نائب باب صاحب روميّة، و كندريش، و غيرهم، و عدّتهم عشرون ملكا، و راسلوا قسوسهم و رهبانهم إلى دمياط في التّسليم، فلم يمتنع من بها، و سلّموها إلى المسلمين تاسع رجب المذكور، و كان يوما مشهودا.

ـ

____________

(1) . و الأشرف. mo. A

331

و من العجب ان المسلمين لما تسلموها وصلت للفرنج بجدة في البحر، فلو سبقوا المسلمين إليها لامتنعوا من تسليمها، و لكن سبقهم المسلمون ليقضي اللََّه أمرا كان مفعولا، و لم يبق بها من أهلها إلاّ آحاد، و تفرّقوا أيدي سبا، بعضهم سار عنها باختياره، و بعضهم مات، و بعضهم أخذه‏ (1) الفرنج.

و لمّا دخلها المسلمون رأوها و قد حصّنها الفرنج تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام، و لا يوصل إليها، و أعاد اللََّه، سبحانه و تعالى، الحقّ إلى نصابه، و ردّه إلى أربابه، و أعطى المسلمين ظفرا لم يكن في حسابهم، فإنّهم كانت غاية أمانيهم أن يسلّموا البلاد التي أخذت منهم بالشام ليعيدوا دمياط، فرزقهم اللََّه إعادة دمياط، و بقيت البلاد بأيديهم على حالها، فاللََّه المحمود المشكور على ما أنعم به على الإسلام و المسلمين من كفّ عادية هذا العدوّ، و كفاهم شرّ التتر، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى‏ (2) .

ذكر عدّة حوادث‏ (3)

في هذه السنة، في المحرّم، كانت ببغداد فتنة بين أهل المأمونيّة و بين أهل باب الأزج بسبب قتل سبع، و زاد الشرّ بينهم، و اقتتلوا، فجرح بينهم كثير، فحضر نائب الباب و كفّهم عن ذلك، فلم يقبلوا ذلك، و أسمعوه ما يكره، فأرسل من الديوان أمير من مماليك الخليفة، فردّ أهل كلّ محلّة إلى محلّتهم، و سكنت الفتنة.

و فيها كثر الفأر ببلدة دجيل من أعمال بغداد، فكان الإنسان لا يقدر

____________

(1) أخذهم. A

(2) . و كفاهم... تعالى. mo. A

(3) . menifinnadaeuqsu. mo. A

332

[أن‏]يجلس إلاّ و معه عصا (1) يردّ الفأر عنه، و كان يرى الكثير منه ظاهرا يتبع بعضه بعضا.

و فيها زادت دجلة زيادة عظيمة لم يشاهد في قديم الزمان مثلها، و أشرفت بغداد على الغرق، فركب الوزير و الأمراء و الأعيان كافّة، و جمعوا الخلق العظيم من العامّة و غيرهم لعمل القورج حول البلد، و قلق الناس لذلك، و انزعجوا، و عاينوا الهلاك، و أعدّوا السفن لينجوا فيها، و ظهر الخليفة للناس و حثّهم على العمل، و كان ممّا قال لهم: لو كان يفدى ما أرى بمال أو غيره لفعلت، و لو دفع بحرب لفعلت، و لكنّ أمر اللََّه لا يردّ.

و نبع الماء من البلاليع و الآبار من الجانب الشرقيّ، و غرق كثير منه، و غرق مشهد أبي حنيفة، و بعض الرّصافة، و جامع المهدي، و قرية الملكيّة، و الكشك، و انقطعت الصلاة بجامع السلطان. و أمّا الجانب‏[1] الغربيّ، فتهدّم أكثر القريّة، و نهر عيسى، و الشطيات، و خربت البساتين، و مشهد باب التبن، و مقبرة أحمد ابن حنبل، و الحريم الطاهريّ، و بعض باب البصرة و الدور التي على نهر عيسى، و أكثر محلّة قطفتا.

و فيها توفّي أحمد بن أبي الفضائل عبد المنعم بن أبي البركات محمّد بن طاهر ابن سعيد بن فضل اللََّه بن سعيد بن أبي الخير (2) الميهنيّ‏ (3) ، الصوفيّ، أبو الفضل شيخ رباط الخليفة ببغداد، و كان صالحا من بيت التصوّف و الصلاح.

[1] جانب.

____________

(1) . عصاه. B

(2) . الحبر: spU

(3) . المهي: spU . المنهي:

333

615 ثم دخلت سنة خمس عشرة و ستمائة

ذكر وفاة الملك القاهر و ولاية ابنه نور الدين و ما كان من الفتن بسبب موته إلى أن استقرّت الأمور (1)

في هذه السنة توفّي الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأوّل، و كانت ولايته سبع سنين و تسعة أشهر.

و كان سبب موته أنّه أخذته حمّى، ثمّ فارقته الغد، و بقي يومين موعوكا، ثمّ عاودته الحمّى مع في‏ء كثير، و كرب شديد، و قلق متتابع، ثمّ برد بدنه، و عرق، و بقي كذلك إلى وسط الليل، ثمّ توفّي.

و كان كريما، حليما، قليل الطمع في أموال الرعيّة، كافّا عن أذى يوصله إليهم، مقبلا[1] على لذّاته كأنّما ينهبها و يبادر بها الموت، و كان عنده رقّة شديدة، و يكثر ذكر الموت.

حكى لي بعض من كان يلازمه قال: كنّا ليلة، قبل وفاته بنصف شهر، عنده، فقال لي: قد وجدت ضجرا من القعود، فقم بنا نتمشّى إلى الباب العماديّ، قال: فقمنا، فخرج من داره نحو الباب العماديّ، فوصل التربة التي عملها لنفسه عند داره‏ (2) ، فوقف عندها مفكرا لا يتكلّم، ثمّ قال لي:

[1]مقبلا.

____________

(1) . بسبب... الأمور. mo. A

(2) . عند داره. mo. A

334

و اللََّه ما نحن في شي‏ء!أ ليس مصيرنا إلى هاهنا، و ندفن تحت الأرض؟و أطال الحديث في هذا و نحوه، ثمّ عاد إلى الدار، فقلت له: ألا نمشي إلى الباب العماديّ؟فقال: ما بقي عندي نشاط إلى هذا و لا إلى غيره، و دخل داره و توفّي بعد أيّام.

و أصيب أهل بلاده بموته، و عظم عليهم فقده، و كان محبوبا إليهم، قريبا من قلوبهم، ففي كلّ دار لأجله رنّة و عويل، و لمّا حضرته الوفاة أوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه، و عمره حينئذ نحو عشر سنين، و جعل الوصيّ عليه و المدبّر لدولته بدر الدين لؤلؤ، و هو الّذي كان يتولّى دولة القاهر و دولة أبيه نور الدين قبله، و قد تقدّم من أخباره ما يعرف به محلّه، و سيرد منها أيضا ما يزيد الناظر بصيرة فيه.

فلمّا قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين، و أجلسه في مملكة أبيه، و أرسل إلى الخليفة يطلب له التقليد و التشريف، و أرسل إلى الملوك، و أصحاب الأطراف المجاورين لهم، يطلب‏[منهم‏]تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم و بين أبيه، فلم يصبح إلاّ و قد فرغ من كلّ ما يحتاج إليه، و جلس للعزاء، و حلّف الجند و الرعايا، و ضبط المملكة من التزلزل و التغيّر مع صغر السلطان و كثرة الطامعين في الملك، فإنّه كان معه في البلد أعمام أبيه، و كان عمّه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بولايته، و هي قلعة عقر الحميديّة، يحدّث نفسه بالملك، لا يشكّ في أنّ الملك يصير إليه بعد أخيه، فرقع بدر الدين ذلك الخرق، و رتق ذلك الفتق، و تابع الإحسان و الخلع على الناس كافّة، و غيّر ثياب الحداد عنهم، فلم يخصّ بذلك شريفا دون مشروف، و لا كبيرا دون صغير، و أحسن السيرة، و جلس لكشف ظلامات الناس، و إنصاف بعضهم من بعض.

و بعد أيّام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية، و لبدر الدين بالنظر

335

في امر دولته، و التشريفات لهما أيضا، و أتتهما رسل الملوك بالتعزية، و بذل ما طلب منهم من العهود، و استقرّت القواعد لهما.

ذكر ملك عماد الدين زنكي قلاع الهكّاريّة و الزوزان‏

قد ذكرنا عند وفاة نور الدين سنة سبع و ستّمائة أنّه أعطى ولده الأصغر زنكي قلعتي العقر و شوش، و هما بالقرب من الموصل، فكان تارة يكون بالموصل، و تارة بولايته، متجنّيا لكثرة تلوّنه، و كان بقلعة العماديّة مستحفظ من مماليك جدّه عزّ الدين مسعود بن مودود، قيل إنّه جرى له مع زنكي مراسلات في معنى تسليم العماديّة إليه، فنمى الخبر بذلك إلى بدر الدين، فبادره بالعزل مع أمير كبيرو جماعة من الجند لم يمكنه الامتناع، و سلّم القلعة إلى نائب بدر الدين كذلك، و جعل بدر الدين في غير العماديّة من القلاع نوّابا له.

و كان نور الدين بن القاهر لا يزال مريضا من جروح‏[1] كانت به، و غيرها من الأمراض، و كان يبقى المدّة الطويلة لا يركب، و لا يظهر للناس، فأرسل زنكي إلى من بالعماديّة من الجند يقول: إنّ ابن أخي توفّي، و يريد بدر الدين‏[أن‏]يملك البلاد، و أنا أحقّ بملك آبائي و أجدادي، فلم يزل حتّى استدعاه‏[2] الجند منها، و سلّموا (1) إليه، ثامن عشر رمضان سنة خمس عشرة و ستّمائة (2) ، و قبضوا على النائب البدريّ و على من معه.

[1] خروج.

[2] يستدعاه.

____________

(1) . و سلموها. B

(2) . ثامن... و ستمائة. mo. A

336

فوصل الخبر إلى بدر الدين ليلا فجدّ في الأمر، و نادى في العسكر لوقته بالرحيل، فساروا مجدين إلى العماديّة و بها زنكي ليحصروه فيها، فلم يطلع الصبح إلاّ و قد فرغ من تسيير العساكر، فساروا إلى العماديّة و حصروها، و كان الزمان شتاء، و البرد شديد، و الثلج هناك كثير، فلم يتمكّنوا من قتال من بها، لكنّهم أقاموا يحصرونها، و قام مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين، صاحب إربل، في نصر عماد الدين، و تجرّد لمساعدته، فراسله بدر الدين يذكّره الأيمان و العهود التي من جملتها أنّه لا يتعرّض إلى شي‏ء من أعمال الموصل، و منها قلاع الهكّاريّة و الزوزان بأسمائها، و متى تعرّض إليها أحد من الناس، من كان، منعه بنفسه و عساكره، و أعان نور الدين و بدر الدين على منعه، و يطالبه بالوفاء بها.

ثمّ نزل عن هذا، و رضي منه بالسكوت لا لهم و لا عليهم، فلم يفعل، و أظهر معاضدة عماد الدين زنكي، فحينئذ لم يمكن مكاثرة زنكي بالرجال و العساكر لقرب هذا الخصم من الموصل و أعمالها، إلاّ أنّ العسكر البدريّ محاصر للعماديّة و بها زنكي.

ثمّ إنّ بعض الأمراء من عسكر الموصل، ممّن لا علم له بالحرب، و كان شجاعا و هو جديد الإمارة أراد أن يظهر شجاعته ليزداد بها تقدّما، أشار على من هناك من العسكر بالتقدّم إليها و مباشرتها بالقتال، و كانوا قد تأخّروا عنها شيئا يسيرا لشدّة البرد و الثلج، فلم يوافقوه، و قبّحوا رأيه، فتركهم و رحل متقدّما إليهم ليلا، فاضطرّوا إلى اتّباعه خوفا عليه من أذى يصيبه و من معه، فساروا إليه على غير تعبئة لضيق المسلك، و لأنّه أعجلهم عن ذلك، و حكم الثلج عليهم أيضا.

فسمع زنكي و من معه، فنزلوا، و لقوا أوائل الناس، و أهل مكّة أخبر بشعابها، فلم يثبتوا لهم، و انهزموا و عادوا إلى منزلتهم، و لم يقف العسكر

337

عليهم، فاضطروا إلى العود، فلمّا عادوا راسل زنكي باقي قلاع الهكّارية و الزوزان، و استدعاهم إلى طاعته، فأجابوه، و سلّموا إليه، فجعل فيها الولاة، و تسلّمها و حكم فيها.

ذكر اتّفاق بدر الدين مع الملك الأشرف‏

لمّا رأى بدر الدين خروج القلاع عن يده، و اتّفاق مظفّر الدين و عماد الدين عليه، و لم ينفع معهما اللين و لا الشدّة، و أنّهما لا يزالان يسعيان في أخذ بلاده، و يتعرّضان إلى أطرافها بالنهب و الأذى، أرسل إلى الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل، و هو صاحب ديار الجزيرة كلّها، إلاّ القليل، و صاحب خلاط و بلادها، يطلب منه الموافقة و المعاضدة، و انتمى إليه، و صار في طاعته منخرطا في سلك موافقته، فأجابه الأشرف بالقبول لذلك و الفرح به و الاستبشار، و بذل له المساعدة و المعاضدة، و المحاربة دونه، و استعادة ما أخذ من القلاع التي كانت له.

و كان الملك الأشرف حينئذ بحلب، نازلا بظاهرها، لما ذكرناه من تعرّض كيكاوس، ملك بلاد الروم التي بيد المسلمين، قونية و غيرها، إلى أعمالها، و ملكه بعض قلاعها، فأرسل إلى مظفّر الدين يقبّح هذه الحالة، و يقول له: إنّ هذه القاعدة تقرّرت بين جميعنا بحضور رسلك، و إنّنا نكون على الناكث إلى أن يرجع الحقّ، و لا بدّ من إعادة ما أخذ من بلد الموصل لندوم على اليمين التي استقرّت بيننا، فإن امتنعت، و أصررت على معاضدة زنكي و نصرته، فأنا أجي‏ء بنفسي و عساكري، و أقصد بلادك و غيرها، و أستردّ ما أخذتموه و أعيده إلى أصحابه، و المصلحة أنّك توافق، و تعود إلى الحقّ، لنجعل شغلنا جمع العساكر، و قصد الديار المصريّة، و إجلاء الفرنج‏

338

عنها قبل أن يعظم خطبهم و يستطير شرّهم‏ (1) .

فلم تحصل الإجابة منه إلى شي‏ء من ذلك، و كان ناصر الدين محمود، صاحب الحصن و آمد، قد امتنع عن موافقة الأشرف، و قصد بعض بلاده و نهبها، و كذلك صاحب ماردين، و اتّفقا مع مظفّر الدين، فلمّا رأى الأشرف ذلك جهّز عسكرا و سيّره إلى نصيبين نجدة لبدر الدين إن احتاج إليهم.

ذكر انهزام عماد الدين زنكي من العسكر البدريّ‏

لمّا عاد العسكر البدريّ من حصار العماديّة و بها زنكي، كما ذكرناه، قويت نفسه، و فارقها، و عاد إلى قلعة العقر التي له ليتسلّط على أعمال الموصل بالصحراء، فإنّ بلد الجبل كان قد فرغ منه، و أمدّه مظفّر الدين بطائفة كثيرة من العسكر.

فلمّا اتّصل الخبر ببدر الدين سيّر طائفة من عسكره إلى أطراف بلد الموصل يحمونها، فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثمّ إنّهم اتّفقوا بينهم على المسير إلى زنكي، و هو عند العقر في عسكره و محاربته، ففعلوا ذلك، و لم يأخذوا أمر بدر الدين‏بل أعلموه بمسيرهم جريدة ليس معهم إلاّ سلاحهم، و دوابّ يقاتلون عليها، فساروا ليلتهم، و صبّحوا زنكي بكرة الأحد لأربع بقين من المحرّم من سنة ستّ عشرة و ستّمائة، فالتقوا و اقتتلوا تحت العقر، و عظم الخطب بينهم، فأنزل اللََّه نصره على العسكر البدريّ، فانهزم عماد الدين و عسكره، و سار إلى إربل منهزما، و عاد العسكر البدريّ إلى منزلته التي كان بها، و حضرت الرسل من الخليفة الناصر لدين اللََّه و من الملك الأشرف في تجديد الصلح، فاصطلحوا، و تحالفوا بحضور الرسل.

____________

(1) . شررهم. A

339

ذكر وفاة نور الدين صاحب الموصل و ملك أخيه‏

و لمّا تقرّر الصلح توفّي نور الدين أرسلان شاه ابن الملك القاهر، صاحب الموصل، و كان لا يزال مريضا بعدّة أمراض، فرتّب بدر الدين في الملك بعده أخاه ناصر الدين محمودا و له من العمر نحو ثلاث سنين، و لم يكن للقاهر ولد غيره، و حلف له الجند، و ركّبه، فطابت نفوس الناس، لأنّ نور الدين كان لا يقدر على الركوب لمرضه، فلمّا ركّبوا هذا علمواأنّ لهم سلطانا من البيت الأتابكيّ، فاستقرّوا و اطمأنّوا، و سكن كثير من الشغب بسببه.

ذكر انهزام بدر الدين من مظفّر الدين‏

لمّا توفّي نور الدين، و ملك أخوه ناصر الدين، تجدّد لمظفّر الدين و لعماد الدين طمع لصغر سنّ ناصر الدين، فجمعا الرجال، و تجهّزا للحركة، فظهر ذلك، و قصد بعض أصحابهم طرف ولاية الموصل بالنهب و الفساد.

و كان بدر الدين قد سيّر ولده الأكبر في جمع صالح من العسكر إلى الملك الأشرف بحلب، نجدة له بسبب اجتماع الفرنج بمصر، و هو يريد أن يدخل بلاد الفرنج التي بساحل الشام ينهبها، و يخربها، ليعود بعض من بدمياط إلى بلادهم، فيخفّ الأمر على الملك الكامل، صاحب مصر، فلمّا رأى بدر الدين تحرّك مظفّر الدين و عماد الدين، و أنّ بعض عسكره بالشام، أرسل إلى عسكر الملك الأشرف الّذي بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم، و كان المقدّم عليهم مملوك الأشرف، اسمه أيبك، فساروا إلى الموصل رابع رجب سنة ستّ عشرة.

فلمّا رآهم بدر الدين استقلّهم لأنّهم كانوا أقلّ من العسكر الّذي له‏

340

بالشام، أو مثلهم، فألح ايبك على عبور دجلة و قصد بلاد إربل، فمنعه بدر الدين من ذلك، و أمره بالاستراحة، فنزل بظاهر الموصل أيّاما، و أصرّ على عبور دجلة، فعبرها بدر الدين موافقة له، و نزلوا على فرسخ من الموصل، شرقيّ دجلة، فلمّا سمع مظفّر الدين ذلك جمع عسكره و سار إليهم‏و معه زنكي، فعبر الزاب و سبق خبره، فسمع به بدر الدين فعبّأ أصحابه، و جعل أيبك في الجالشية، و معه شجعان أصحابه، و أكثر معه منهم، بحيث إنّه لم يبق معه إلاّ اليسير، و جعل في ميسرته أميرا كبيرا، و طلب الانتقال عنها إلى الميمنة، فنقله.

فلمّا كان وقت العشاء الآخرة أعاد ذلك الأمير الطلب بالانتقال من الميمنة إلى الميسرة، و الخصم بالقرب منهم، فمنعه بدر الدين، و قال: متى انتقلت أنت و من معك في هذا الليل، ربّما ظنّه الناس هزيمة فلا يقف أحد، فأقام بمكانه، و هو في جمع كبير من العسكر، فلمّا انتصف الليل سار أيبك، فأمره بدر الدين بالمقام إلى الصبح لقرب العدوّ منهم، فلم يقبل لجهله بالحرب، فاضطرّ الناس لاتّباعه، فتقطّعوا في الليل و الظلمة، و التقوا هم و الخصم في العشرين من رجب على ثلاثة فراسخ من الموصل، فأمّا عزّ الدين فإنّه تيامن و التحق بالميمنة، و حمل في اطّلابه هو و الميمنة على ميسرة مظفّر الدين، فهزمها و بها زنكي.

و كان الأمير الّذي انتقل إلى الميمنة قد أبعد عنها، فلم يقاتل، فلمّا رأى أيبك قد هزم الميسرة تبعه و التحق به و انهزمت ميسرة بدر الدين فبقي هو في النّفر الذين معه، و تقدّم إليه مظفّر الدين فيمن معه في القلب لم يتفرّقوا، فلم يمكنه الوقوف، فعاد إلى الموصل، و عبر دجلة إلى القلعة، و نزل منها إلى البلد، فلمّا رآه الناس فرحوا به، و ساروا معه، و قصد باب الجسر، و العدوّ بإزائه، بينهما دجلة، فنزل مظفّر الدين فيمن سلم معه من عسكره

341

وراء تلّ حصن نينوى، فأقام ثلاثة أيّام.

فلمّا رأى اجتماع العسكر البدريّ بالموصل، و أنّهم لم يفقد منهم إلاّ اليسير، و بلغه الخبر أنّ بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس و الراجل، على الجسور و في السفن، و يكبسه، رحل‏[1] ليلا من غير أن يضرب كوسا أو بوقا، و عادوا نحو إربل، فلمّا عبروا الزاب نزلوا، ثمّ جاءت الرسل وسعوا في الصلح، فاصطلحوا على أنّ كلّ من بيده شي‏ء هو له، و تقرّرت العهود و الأيمان على ذلك.

ذكر ملك عماد الدين قلعة كواشى و ملك بدر الدين تلّ يعفر و ملك الملك الأشرف سنجار

كواشى هذه من أحصن قلاع الموصل و أعلاها و أمنعها، و كان الجند الذين بها، لمّا رأوا ما فعل أهل العماديّة و غيرها من التسليم إلى زنكي، و أنّهم قد تحكّموا في القلاع، لا يقدر أحد على الحكم عليهم، أحبّوا أن يكونوا كذلك، فأخرجوا نوّاب بدر الدين عنهم، و امتنعوا بها، و كانت رهائنهم بالموصل، و هم يظهرون طاعة بدر الدين، و يبطنون المخالفة، فتردّدت الرسل في عودهم إلى الطاعة، فلم يفعلوا، و راسلوا زنكي في المجي‏ء إليهم، فسار إليهم و تسلّم القلعة، و أقام عندهم، فروسل مظفّر الدين يذكّر بالأيمان القريبة العهد، و يطلب منه إعادة كواشى، فلم تقع الإجابة إلى ذلك، فأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف، و هو بحلب، يستنجده، فسار و عبر الفرات‏[2] إلى حرّان، و اختلفت عليه الأمور من عدّة جهات منعته من سرعة السير.

[1] فرحل.

[2] الفراة.

342

و سبب هذا الاختلاف أنّ مظفّر الدين كان يراسل الملوك أصحاب الأطراف ليستميلهم، و يحسّن لهم الخروج على الأشرف، و يخوّفهم منه‏، إن خلا وجهه، فأجابه إلى ذلك عزّ الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، [و صاحب آمد]، و حصن كيفا، و صاحب ماردين، و اتّفقوا كلّهم على طاعة كيكاوس، و خطبوا له في بلادهم، و نحن نذكر ما (1) كان بينه و بين الأشرف عند منبج لمّا قصد بلاد حلب، فهو موغر الصدر عليه.

فاتّفق أنّ كيكاوس مات في ذلك الوقت، و كفي الأشرف و بدر الدين شرّه، و لا جدّ إلاّ ما أقعص عنك الرجال، و كان مظفّر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين مع الأشرف، و استمالهم، فأجابوه، منهم: أحمد بن عليّ بن المشطوب، الّذي ذكرنا أنّه فعل على دمياط ما فعل، و هو أكبر أمير معه، وافقه غيره، منهم: عزّ الدين محمّد بن بدر الحميديّ و غيرهما، و فارقوا الأشرف، و نزلوا بدنيسر، تحت ماردين، ليجتمعوا مع صاحب آمد، و يمنعوا الأشرف من العبور إلى الموصل لمساعدة بدر الدين.

فلمّا اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف، و فارقهم، و استقرّ الصلح بينهما، و سلّم إليه الأشرف مدينة حاني، و جبل جور، و ضمن له أخذ دارا و تسليمها إليه، فلمّا فارقهم صاحب آمد انحلّ أمرهم، فاضطرّ بعض أولئك الأمراء إلى العود إلى طاعة الأشرف، و بقي ابن المشطوب وحده، فسار إلى نصيبين ليسير إلى إربل، فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند، فاقتتلوا، فانهزم ابن المشطوب، و تفرّق من معه من الجمع، و مضى منهزما، فاجتاز بطرف بلد سنجار، فسيّر إليه صاحبها فروخ شاه بن زنكي ابن مودود بن زنكي عسكرافهزموه و أخذوه أسيرا و حملوه إلى سنجار، و كان صاحبها موافقا للأشرف و بدر الدين.

____________

(1) . قد ذكرنا ما. A

343

فلمّا صار عنده ابن المشطوب حسّن عنده مخالفة الأشرف، فأجابه إلى ذلك و أطلقه، فاجتمع معه من يريد الفساد، فقصدوا البقعاء من أعمال الموصل، و نهبوا فيها عدّة قرى، و عادوا إلى سنجار، ثمّ ساروا و هو معهم إلى تلّ يعفر، و هي لصاحب سنجار، ليقصدوا بلد الموصل و ينهبوا في تلك الناحية، فلمّا سمع بدر الدين بذلك سيّر إليه عسكرا، فقاتلوهم، فمضى منهزما، و صعد إلى تلّ يعفر، و احتمى بها منهم، و نازلوه و حصروه فيها، فسار بدر الدين من الموصل إليه يوم الثلاثاء لتسع بقين من ربيع الأوّل سنة سبع عشرة و ستّمائة، و جدّ في حصره، و زحف إليها مرّة بعد أخرى، فملكها سابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة، و أخذ ابن المشطوب معه إلى الموصل فسجنه بها، ثمّ أخذه منه الأشرف فسجنه بحرّان إلى أن توفّي في ربيع الآخر سنة تسع عشرة و ستّمائة، و لقّاه اللََّه عقوبة ما صنع بالمسلمين بدمياط.

و أمّا الملك الأشرف، فإنّه لمّا أطاعه صاحب الحصن و آمد، و تفرّق الأمراء[عنه‏]كما ذكرناه، رحل من حرّان إلى دنيسر، فنزل عليها، و استولى على بلد ماردين، و شحّن عليه، و أقطعه، و منع الميرة عن ماردين، و حضر معه صاحب‏ (1) آمد و تردّدت الرسل بينه و بين صاحب ماردين في الصلح، فاصطلحوا على أن يأخذ الأشرف رأس عين، و كان هوقد أقطعها لصاحب ماردين، و يأخذ منه أيضا ثلاثين ألف دينار، و يأخذ منه صاحب آمد الموزّر، من بلد[شبختان‏] (2) .

فلمّا تمّ الصلح سار الأشرف من دنيسر إلى نصيبين يريد الموصل‏ (3) ، فبينما هو في الطريق لقيه رسل صاحب سنجار يبذل تسليمها إليه، و يطلب العوض عنها مدينة الرّقّة.

____________

(1) . و حضره صاحب. A

(2) سحثان: 740. P. C

(3) . يريد الموصل. mo. A

344

و كان السبب في ذلك أخذ تلّ يعفر منه، فانخلع قلبه، و؟انضاف إلى ذلك أنّ ثقاته و نصحاءه خانوه، و زادوه رعبا و خوفا، لأنّه تهدّدهم، فتغدّوا به قبل أن يتعشّى بهم، و لأنّه قطع رحمه، و قتل أخاه الّذي ملك سنجار بعد أبيه‏ (1) ، قتله كما نذكره إن شاء اللََّه‏ (2) ، و ملكها، فلقّاه اللََّه سوء فعله، و لم يمتّعه بها، فلمّا تيقّن رحيل الأشرف تحيّر في أمره، فأرسل في التسليم إليه، فأجابه الأشرف إلى العوض، و سلّم إليه الرّقّة، و تسلّم سنجار مستهلّ جمادى الأولى سنة سبع عشرة و ستّمائة، و فارقها صاحبها و إخوته بأهليهم و أموالهم، و كان هذا آخر ملوك البيت الأتابكيّ بسنجار، فسبحان الحيّ الدائم الّذي ليس لملكه آخر. و كان مدّة ملكهم لها أربعا و تسعين سنة، و هذا دأب الدنيا بأبنائها، فتعسا[1] لها من دار ما أغدرها بأهلها!

ذكر وصول الأشرف إلى الموصل و الصلح مع مظفّر الدين‏

لمّا ملك الملك الأشرف سنجار سار يريد الموصل ليجتاز منها، فقدّم بين يديه عساكره، فكان يصل كلّ يوم منهم جمع كثير، ثمّ وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة، و كان يوم وصوله مشهودا، و أتاه رسل الخليفة و مظفّر الدين في الصلح، و بذل تسليم القلاع المأخوذة جميعها إلى بدر الدين، ما عدا قلعة العماديّة فإنّها تبقى بيد زنكي، و إنّ المصلحة قبول هذا لتزول الفتن، و يقع‏الاشتغال بجهاد الفرنج.

و طال الحديث في ذلك نحو شهرين، ثمّ رحل الأشرف يريد مظفّر الدين

____________

(1) . بعد أخيه. A

(2) . قتله... اللََّه. mo. A

345

صاحب إربل، فوصل إلى قرية السّلاميّة، بالقرب من نهر الزّاب، و كان مظفّر الدين نازلا عليه من جانب إربل، فأعاد الرسل، و كان العسكر قد طال بيكاره، و الناس قد ضجروا، و ناصر الدين صاحب آمد يميل إلى مظفّر الدين، فأشار بالإجابة إلى ما بذل، و أعانه عليه غيره، فوقعت الإجابة إليه، و اصطلحوا على ذلك، و جعل لتسليمها أجل، و حمل زنكي إلى الملك الأشرف يكون عنده‏ (1) رهينة إلى حين تسليم القلاع.

و سلّمت قلعة العقر، و قلعة شوش أيضا، و هما لزنكي، إلى نوّاب الأشرف‏، رهنا على تسليم ما استقرّ من القلاع، فإذا سلّمت أطلق زنكي، و أعيد عليه قلعة العقر، و قلعة شوش، و حلفوا على هذا، و سلّم الأشرف زنكي القلعتين و عاد إلى سنجار، و كان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان من سنة سبع عشرة و ستّمائة، فأرسلوا إلى القلاع لتسلّم إلى نوّاب بدر الدين، فلم يسلّم إليه غير قلعة جلّ صورا، من أعمال الهكّاريّة، و أمّا باقي القلاع فإنّ جندها أظهروا الامتناع من ذلك، و مضى الأجل و لم يسلّم غير جلّ صورا.

و لزم عماد الدين زنكي لشهاب الدين غازي ابن الملك العادل، و خدمه، و تقرّب إليه، فاستعطف له‏[1] أخاه الملك الأشرف، فمال إليه و أطلقه، و أزال نوّابه من قلعة العقر و قلعة شوش، و سلّمهما إليه.

و بلغ بدر الدين عن الملك الأشرف ميل إلى قلعة تلّ يعفر، و إنّها كانت لسنجار من قديم الزمان و حديثه، و طال الحديث في ذلك‏ (2) ، فسلّمها إليه بدر الدين.

[1] اللََّه.

____________

(1) . يكون عنده. mo. B

(2) . ذلك و قصر. A

346

ذكر عود قلاع الهكّاريّة و الزوزان إلى بدر الدين‏

لمّا ملك زنكي قلاع الهكّاريّة و الزوزان لم يفعل مع أهلها ما ظنّوه من الإحسان و الإنعام، بل فعل ضدّه، و ضيّق عليهم، و كان يبلغهم أفعال بدر الدين مع جنده و رعاياه، و إحسانه إليهم، و بذله الأموال لهم، و كانوا يريدون العود إليه، و يمنعهم الخوف منه لما أسلفوه من ذلك‏ (1) ، فلمّا كان الآن أعلنوا[1] بما فعل معهم، فأرسلوا إلى بدر الدين في المحرّم سنة ثماني عشرة و ستّمائة في التسليم إليه، و طلبوا منه اليمين، و العفو عنهم، و ذكروا شيئا من إقطاع يكون لهم، فأجابهم إلى ذلك، و أرسل إلى الملك الأشرف يستأذنه في ذلك، فلم يأذن له.

و عاد زنكي من عند الأشرف، فجمع جموعا، و حصر قلعة العماديّة، فلم يبلغ منهم غرضا، و أعادوا مراسلة بدر الدين في التسليم إليه، فكتب إلى الملك الأشرف في المعنى، و بذل له قلعة جديدة نصيبين، و ولاية بين النهرين ليأذن له في أخذها، فأذن له، فأرسل إليها كلّها النّواب و تسلّموها، و أحسن إلى أهلها، و رحل زنكي عنها، و وفى له بدر الدين بما بذله لهم.

فلمّا سمع جند باقي القلاع بما فعلوا و ما وصلهم من الإحسان و الزيادة، رغبوا كلّهم في التسليم إليه، فسيّر إليهم النّوّاب، و اتّفقت كلمة أهلها على طاعته و الانقياد إليه، و العجب أنّ العساكر اجتمعت من الشام، و الجزيرة، و ديار بكر، و خلاط، و غيرها، في استعادة هذه القلاع، فلم يقدروا على [1]-علبوا.

____________

(1) . و كانوا... من ذلك. mo. B

347

ذلك، فلمّا تفرّقوا حضر أهلها و سألوا أن تؤخذ منهم، فعادت صفوا عفوا بغير منّة، و لقد أحسن من قال:

لا سهل إلاّ ما جعلت سهلا # و إن تشأ تجعل بحزن وحلا

فتبارك اللََّه الفعّال لما يريد، لا مانع لما أعطى، و لا معطي لما منع، و هو على كلّ شي‏ء قدير.

ذكر قصد كيكاوس ولاية حلب و طاعة صاحبها للأشرف و انهزام كيكاوس‏

في هذه السنة سار عزّ الدين كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم إلى ولاية حلب، قصدا للتغلّب عليها، و معه الأفضل بن صلاح الدين يوسف.

و سبب ذلك أنّه كان بحلب رجلان فيهما شرّ كثير و سعاية بالناس، فكانا ينقلان إلى صاحبها الملك الظاهر بن صلاح الدين عن رعيّته، فأوغرا صدره‏ (1) ، فلقي الناس منهما شدّة، فلمّا توفّي الظاهرو ولي الأمر شهاب الدين طغرل‏ (2)

أبعدهما و غيرهما ممّن يفعل مثل فعلهما، و سدّ هذا الباب على فاعله، و لم يطرّق إليه أحدا من أهله، فلمّا رأى الرجلان كساد سوقهما لزما بيوتهما، و ثار بهما الناس، و آذوهما، و تهدّدوهما لما كانا أسلفاه من الشرّ، فخافا، ففارقا حلب، و قصدا كيكاوس فأطمعاه‏[1] فيها، و قرّرا في نفسه أنّه متى قصدها لا تثبت بين يديه، و أنّه يملكها، و يهون عليه ملك ما بعدها.

[1] فأطعماه.

____________

(1) . صدورهم. A

(2) . طغرل الخادم. A

348

فلمّا عزم على ذلك أشار عليه ذوو الرأي من أصحابه، و قالوا له: لا يتمّ لك هذا إلاّ بأن يكون معك أحد من بيت أيّوب ليسهل على أهل البلاد و جندها الانقياد إليه، و هذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك، و المصلحة أنّك تستصحبه معك، و تقرّر بينكما قاعدة فيما تفتحانه من البلاد، فمتى كان معك أطاعك الناس و سهل عليك ما تريد.

فأحضر الأفضل من سميساط إليه، و أكرمه، و حمل إليه شيئا كثيرا من الخيل و الخيام و السلاح و غير ذلك، و استقرّت القواعد بينهما أن يكون ما يفتحه من حلب و أعمالها للأفضل، و هو في طاعة كيكاوس، و الخطبة له في ذلك أجمع، ثمّ يقصدون ديار الجزيرة، فما يفتحونه ممّا بيد الملك الأشرف مثل: حرّان و الرّها من البلاد الجزريّة، تكون لكيكاوس. و جرت الأيمان على ذلك، و جمعوا العساكر و ساروا، فملكوا قلعة رعبان، فتسلّمها الأفضل، فمال الناس حينئذ إليهما.

ثمّ سارا إلى قلعة تلّ باشر، و فيها صاحبها (1) ولد بدر الدين دلدرم الياروقيّ، فحصروه، و ضيّقوا عليه، و ملكوها منه، فأخذها كيكاوس لنفسه، و لم يسلّمها إلى الأفضل، فاستشعر الأفضل من ذلك، و قال: هذا أوّل الغدر، و خاف أنّه إن ملك حلب يفعل به هكذا، فلا يحصل إلاّ أن يكون قد قلع بيته لغيره، ففترت نيّته، و أعرض عمّا كان يفعله، و كذلك أيضا أهل البلاد، فكانوا يظنّون أنّ الأفضل يملكها، فيسهل عليهم الأمر، فلمّا رأوا ضدّ ذلك وقفوا.

و أمّا شهاب الدين أتابك ولد الظاهر، صاحب حلب، فإنّه ملازم قلعة حلب لا ينزل منها، و لا يفارقها البتّة، و هذه كانت عادته مذ مات الظاهر، خوفا من ثائر يثور به، فلمّا حدث هذا الأمر خاف أن يحصروه، و ربّما سلّم

____________

(1) . صاحبها فتح الدين. B

349

أهل البلد و الجند المدينة إلى الأفضل لميلهم إليه، فأرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل، صاحب الديار الجزريّة و خلاط و غيرها، يستدعيه إليه لتكون طاعتهم له، و يخطبون له، و يجعل السكّة باسمه، و يأخذ من أعمال حلب ما اختار، و لأنّ ولد الظاهر هو ابن أخته، فأجاب إلى ذلك، و سار إليهم في عساكره التي عنده، و أرسل إلى الباقين يطلبهم إليه، و سرّه ذلك للمصلحة العامّة لجميعهم، و أحضر إليه العرب من طيِّئ و غيرهم، و نزل بظاهر حلب.

و لمّا أخذ كيكاوس تلّ باشر كان الأفضل يشير بمعاجلة حلب قبل اجتماع العساكر بها، و قبل أن يحتاطوا و يتجهّزوا، فعاد عن ذلك، و صار يقول: الرأي أنّنا نقصد منبج و غيرها لئلاّ يبقى لهم وراء ظهورنا شي‏ء، قصدا للتمادي و مرور الزمان في لا شي‏ء، فتوجّهوا من تلّ باشر إلى جهة منبج، و تقدّم الأشرف نحوهم، و سارت العرب في مقدّمته، و كان طائفة من عسكر كيكاوس، نحو ألف فارس، قد سبقت مقدّمته له، و فالتقوا هم و العرب و من معهم من العسكر الأشرفيّ، فاقتتلوا، فانهزم عسكر كيكاوس، و عادوا إليه منهزمين، و أكثر العرب الأسر منهم و النهب لجودة خيلهم و دبر خيل الروم.

فلمّا وصل إليه أصحابه منهزمين لم يثبت، بل ولّى على أعقابه يطوي المراحل إلى بلاده خائفا يترقّب، فلمّا وصل إلى أطرافها (1) أقام.

و إنّما فعل هذا لأنّه صبيّ غرّ لا معرفة له بالحرب، و إلاّ، فالعساكر ما برحت تقع مقدّماتها بعضها على بعض، فسار حينئذ الأشرف، فملك رعبان، و حصر تلّ‏ (2) باشر، و بها جمع من عسكر كيكاوس، فقاتلوه حتّى غلبوا، فأخذت القلعة منهم، و أطلقهم الأشرف، فلمّا وصلوا إلى كيكاوس جعلهم في دار و أحرقها عليهم، فهلكوا، فعظم ذلك على الناس

____________

(1) . طرفها. A

(2) و قصد تل. A

350

كافّة، و استقبحوه، و استضعفوه، لا جرم لم يمهله اللََّه تعالى لعدم الرحمة في قلبه، و مات عقيب هذه الحادثة.

و سلّم الأشرف تلّ باشر و غيرها من بلد حلب إلى شهاب الدين أتابك، صاحب حلب، و كان عازما على اتّباع كيكاوس، و دخول‏[1] بلاده، فأتاه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل، فاقتضت المصلحة العود إلى حلب، لأنّ الفرنج بديار مصر، و مثل ذلك السلطان العظيم إذا توفّي ربّما جرى خلل في البلاد لا تعرف العاقبة فيه، فعاد إليها، و كفي كلّ منهما أذى صاحبه.

ذكر وفاة الملك العادل و ملك أولاده بعده‏

(1) توفّي الملك العادل أبو بكر بن أيّوب سابع جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة و ستّمائة، و قد ذكرنا ابتداء دولتهم عند ملك عمّه أسد الدين شيركوه ديار مصر سنة أربع و ستّين و خمسمائة، و لمّا ملك أخوه صلاح الدين يوسف بن أيّوب ديار مصر، بعد عمّه، و سار إلى الشام استخلفه‏[2] بمصر ثقة به، و اعتمادا عليه، و علما بما هو عليه من توفّر العقل و حسن السيرة.

فلمّا توفّي أخوه صلاح الدين ملك دمشق و ديار مصر، كما ذكرناه، و بقي مالكا للبلاد إلى الآن، فلمّا ظهر الفرنج، كما ذكرناه سنة أربع عشرة و ستّمائة، قصد هو مرج الصّفّر، فلمّا سار الفرنج إلى ديار مصر انتقل هو [1] و يدخل.

[2] يستخلفه. ـ

____________

(1) . لما. dda. spu

351

إلى عالقين، فأقام به، و مرض، و توفّي، و حمل إلى دمشق، فدفن بالتربة التي له بها.

و كان عاقلا، ذا رأي سديد، و مكر شديد، و خديعة، صبورا، حليما، ذا أناة، يسمع ما يكره، و يغضي عليه حتّى كأنّه لم يسمعه، كثيرا الحرج‏ (1)

وقت الحاجة لا يقف في شي‏ء و إذا لم تكن حاجة فلا.

و كان عمره خمسا و سبعين سنة و شهورا لأنّ مولده كان في المحرّم من سنة أربعين و خمسمائة، و ملك دمشق في شعبان سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة [من الأفضل ابن أخيه، و ملك مصر في ربيع الآخر من سنة ستّ و تسعين‏] (2)

منه أيضا.

و من أعجب ما رأيت من منافاة الطوالع أنّه لم يملك الأفضل مملكة قطّ إلاّ و أخذها منه عمّه العادل، فأوّل ذلك أنّ صلاح الدين‏ أقطع ابنه الأفضل حرّان، و الرّها، و ميّافارقين، سنة ستّ و ثمانين، بعد وفاة تقيّ الدين، فسار إليها، فلمّا وصل إلى حلب أرسل أبوه الملك العادل بعده، فردّه من حلب، و أخذ هذه البلاد منه.

ثمّ ملك الأفضل بعد وفاة أبيه مدينة دمشق فأخذها منه، ثمّ ملك مصر بعد وفاة أخيه الملك العزيز فأخذها أيضا منه، ثمّ ملك صرخد فأخذها منه.

و أعجب من هذا أنّني رأيت بالبيت المقدّس سارية من الرخام ملقاة في بيعة صهيون، ليس مثلها، فقال القسّ الّذي بالبيعة: هذه كان قد أخذها الملك الأفضل لينقلها إلى دمشق، ثمّ إنّ العادل أخذها بعد ذلك من الأفضل، طلبها منه فأخذها. و هذا غاية (3) ، و هو من أعجب ما يحكى.

و كان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده، فجعل بمصر الملك الكامل

____________

(1) . كثير الخرج. A

(2) . P. C

(3) . غاية في الطوالع. B

352

محمّدا، و بدمشق، و القدس، و طبريّة، و الأردنّ و الكرك و غيرها من الحصون المجاورة لها، ابنه المعظّم عيسى، و جعل بعض ديار الجزيرة و ميّافارقين و خلاط و أعمالها لابنه الملك الأشرف موسى، و أعطى الرّها لولده شهاب الدين غازي، و أعطى قلعة جعبر لولده الحافظ أرسلان شاه، فلمّا توفّي ثبت كلّ منهم في المملكة التي أعطاه‏ (1) أبوه، و اتّفقوا اتّفاقا حسنا لم يجر بينهم من الاختلاف ما جرت العادة أن يجري بين أولاد الملوك بعد آبائهم، بل كانوا كالنفس الواحدة، كلّ منهم يثق بالآخر[1] بحيث يحضر عنده منفردا من عسكره و لا يخافه، فلا جرم زاد ملكهم، و رأوا من نفاذ الأمر و الحكم ما لم يره أبوهم.

و لعمري إنّهم نعم الملوك، فيهم الحلم، و الجهاد، و الذبّ عن الإسلام، و في نوبة دمياط كفاية، و أمّا الملك الأشرف‏ (2) فليس للمال عنده محلّ، بل يمطره مطرا كثيرا لعفّته عن أموال الرعيّة، دائم الإحسان، لا يسمع سعاية ساع.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ذي القعدة، رحل الملك الكامل بن العادل عن أرض دمياط، لأنّه بلغه أنّ جماعة من الأمراء قد اجتمعوا على تمليك أخيه الفائز عوضه، فخافهم، ففارق منزلته، فانتقل الفرنج إليها، و حصروا حينئذ دمياط [1] إلى الآخر.

____________

(1) . أعطاها له. B

(2) . الأشرف فإنه كريم. A

353

برا و بحرا، و تمكّنوا من ذلك، و قد تقدّم مستقصى سنة أربع عشرة و ستّمائة.

و فيها (1) ، في المحرّم، توفّي شرف الدين محمّد بن علوان بن مهاجر، الفقيه الشافعيّ، و كان مدرّسا في عدّة مدارس بالموصل، و كان صالحا كثير الخير و الدين، سليم القلب، رحمه اللََّه.

و فيها توفّي عزّ الدين نجاح الشرابيّ خاصّ الخليفة، و أقرب الناس إليه، و كان الحاكم في دولته، كثير العدل و الإحسان و المعروف و العصبيّة للناس، و أمّا عقله و تدبيره فإليه كانت النهاية و به يضرب المثل.

و فيها توفّي عليّ بن نصر بن هارون أبو الحسن الحلّيّ، النحويّ، الملقّب بالحجّة، قرأ على ابن الخشاب و غيره.

____________

(1) . menifsitipacda و فيها a. mo. A

354

616 ثم دخلت سنة ست عشرة و ستمائة

ذكر وفاة كيكاوس و ملك كيقباذ أخيه‏

في هذه السنة توفّي الملك الغالب عزّ الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب قونية، و أقصرا و ملطية و ما بينهما من بلد الروم، و كان قد جمع عساكره، و حشد، و سار إلى ملطية على قصد بلاد الملك الأشرف لقاعدة استقرّت بينه و بين ناصر الدين، صاحب آمد، و مظفّر الدين، صاحب إربل، و كانوا قد خطبوا له، و ضربوا اسمه على السكّة في بلادهم، و اتّفقوا على الملك الأشرف و بدر الدين بالموصل.

فسار كيكاوس إلى ملطية ليمنع الملك الأشرف بها[1] عن المسير إلى الموصل نجدة لصاحبها بدر الدين، لعلّ مظفّر الدين يبلغ من الموصل غرضا، و كان قد علق به السلّ، فلمّا اشتدّ مرضه عاد عنها، فتوفّي و ملك بعده أخوه كيقباذ، و كان محبوسا، قد حبسه أخوه كيكاوس لمّا أخذ البلاد منه، و أشار عليه بعض أصحابه بقتله، فلم يفعل، فلمّا توفّي لم يخلّف ولدا يصلح للملك لصغرهم، فأخرج الجند كيقباذ و ملّكوه. و من‏ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ (1) .

و قيل بل أرسل كيكاوس لمّا اشتدّ مرضه، فأحضره عنده من السجن، [1]-به.

____________

(1) . 59`22. roc