الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
355

و وصّى له بالملك و حلّف الناس له، فلمّا ملك خالفه عمّه صاحب أرزن الروم، و خاف أيضا من الروم المجاورين لبلاده، فأرسل إلى الملك الأشرف و صالحه، و تعاهدا على المصافاة و التعاضد، و تصاهرا، و كفي الأشرف شرّ تلك الجهة، و تفرّغ باله لإصلاح ما بين يديه، و لقد صدق القائل: لا جدّ إلاّ ما أقعص عنك الرجال، و كأنّه بقوله أراد: و جدّك طعّان‏ (1) بغير سنان.

و هذا ثمرة حسن النيّة، فإنّه حسن النيّة لرعيّته و أصحابه، كافّ عن أذى يتطرّق إليهم منه، غير قاصد إلى البلاد المجاورة لبلاده بأذى وملك مع ضعف أصحابها و قوّته، لا جرم تأتيه البلاد صفوا عفوا.

ذكر موت صاحب سنجار و ملك ابنه ثمّ قتل ابنه و ملك أخيه‏

و في هذه السنة، ثامن صفر، توفّي قطب الدين محمّد بن زنكي بن مودود ابن زنكي، صاحب سنجار، و كان كريما، حسن السيرة في رعيّته، حسن المعاملة مع التجار، كثير الإحسان إليهم، و أمّا أصحابه فكانوا معه في أرغد عيش يعمّهم بإحسانه، و لا يخافون أذاه، و كان عاجزا عن حفظ بلده، مسلّما الأمور إلى نوّابه.

و لمّا توفّي ملك بعده ابنه عماد الدين شاهنشاه، و ركب الناس معه، و بقي مالكا لسنجار عدّة شهور، و سار إلى تلّ أعفر و هي له، فدخل عليه أخوه عمر بن محمّد بن زنكي، و معه جماعة، فقتلوه، و ملك أخوه عمر بعده فبقي كذلك إلى أن سلّم سنجار إلى الملك الأشرف، على ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى،

____________

(1) . وجد كطعان. A

356

و لم يمتّع بملكه الّذي قطع رحمه، و أراق الدم الحرام لأجله.

و لمّا سلّم سنجار أخذ عوضها الرّقّة، ثمّ أخذت منه عن قريب، و توفّي بعد أخذها منه بقليل، و عدم روحه و شبابه. و هذه عاقبة قطيعة الرحم، فإنّ صلتها تزيد في العمر و قطيعتها تهدم العمر.

ذكر إجلاء بني معروف عن البطائح و قتلهم‏

في هذه السنة، في ذي القعدة، أمر الخليفة الناصر لدين اللََّه الشريف معدّا[1]، متولّي بلاد واسط، أن يسير إلى قتال بني معروف، فتجهّز، و جمع معه من الرجّالة من تكريت، و هيت، و الحديثة، و الأنبار، و الحلّة، و الكوفة، و واسط، و البصرة، و غيرها، خلقا كثيرا، و سار إليهم، و مقدّمهم حينئذ معلّى بن معروف، و هم قوم من ربيعة.

و كانت بيوتهم غربيّ الفرات‏[2]، تحت سوراء، و ما يتّصل بذلك من البطائح‏ (1) ، و كثر فسادهم و أذاهم لما يقاربهم من القرى، و قطعوا الطريق، و أفسدوا في‏ (2) النواحي المقاربة لبطيحة العرّاق، فشكا أهل تلك البلاد إلى الديوان منهم، فأمر معدّا أن يسير إليهم في الجموع، فسار إليهم، فاستعدّ بنو معروف لقتاله، فاقتتلوا بموضع يعرف بالمقبر، و هو تلّ كبير بالبطيحة بقرب العرّاق، و كثر القتل بينهم، ثمّ انهزم بنو معروف، و كثر القتل فيهم، [1] معد.

[2] الفراة.

____________

(1) . إلى البطائح. B

(2) . في. mo. B

357

و الأسر، و الغرق، و أخذت أموالهم، و حملت رءوس كثيرة من‏ (1) القتلى إلى بغداد في ذي الحجّة من السنة.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في المحرّم، انهزم عماد الدين زنكي من عسكر بدر الدين.

و فيها، في العشرين من رجب، انهزم بدر الدين من مظفّر الدين، صاحب إربل، و عاد مظفّر الدين إلى بلده، و قد تقدّم ذلك مستوفى في سنة خمس عشرة و ستّمائة.

و فيها، ثامن صفر، توفّي قطب الدين محمّد بن زنكي بن مودود ابن زنكي، صاحب سنجار، و ملك بعده ابنه شاهنشاه.

و فيها، في التاسع و العشرين من شعبان، ملك الفرنج مدينة دمياط، و قد ذكر سنة أربع عشرة[و ستّمائة]مشروحا.

و فيها توفّي افتخار الدين عبد المطّلب بن الفضل الهاشميّ العبّاسيّ، الفقيه الحنفيّ، رئيس الحنفيّة بحلب، روى الحديث عن عمر البسطاميّ نزيل بلخ، و عن أبي سعد السمعانيّ و غيرهما.

و فيها توفّي أبو البقاء عبد اللََّه بن الحسين بن عبد اللََّه العكبريّ، الضرير، النحويّ و غيره.

و فيها توفّي أبو الحسن عليّ بن أبي محمّد القاسم بن عليّ بن الحسن بن عبد اللََّه الدمشقيّ، الحافظ ابن الحافظ، المعروف بابن عساكر، و كان قد قصد خراسان و سمع بها الحديث فأكثر، و عاد إلى بغداد، فوقع على القفل حراميّة، فجرح، و بقي ببغداد، و توفّي في جمادى الأولى، رحمه اللََّه.

____________

(1) . كثيرة من. mo. B

358

617 ثم دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة

ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام‏

لقد بقيت عدّة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدّم إليه‏[رجلا]و أؤخّر أخرى، فمن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيّ الإسلام و المسلمين، و من الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟فيا ليت أمّي لم تلدني، و يا ليتني متّ قبل حدوثها و كنت نسيا منسيّا، إلا أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها و أنا متوقّف، ثمّ رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: هذا (1) الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، و المصيبة الكبرى التي عقّت الأيّام‏ (2) و الليالي عن مثلها، عمّت الخلائق، و خصّت المسلمين، فلو قال قائل: إنّ العالم مذ خلق اللََّه سبحانه و تعالى آدم، و إلى الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقا، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها و لا ما يدانيها.

و من أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت‏نصّر ببني إسرائيل من القتل، و تخريب البيت المقدّس، و ما البيت المقدّس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كلّ مدينة منها أضعاف البيت المقدّس، و ما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا، فإنّ أهل مدينة واحدة ممّن قتلوا أكثر

____________

(1) . إن هذا. B

(2) عقمت الأيام. A

359

من بني إسرائيل، و لعلّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض‏[1] العالم، و تفنى الدنيا، إلاّ يأجوج‏و مأجوج.

و أمّا الدجّال فإنّه يبقى على من اتّبعه، و يهلك من خالفه، و هؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء و الرجال و الأطفال، و شقّوا بطون الحوامل، و قتلوا الأجنّة، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللََّه العلي العظيم.

لهذه الحادثة التي استطار شررها، و عمّ ضررها، و سارت في البلاد كالسحاب استدبته الرّيح، فإنّ قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر و بلاساغون، ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند و بخارى و غيرهما، فيملكونها، و يفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها ملكا، و تخريبا، و قتلا، و نهبا، ثمّ يتجاوزونها إلى الرّيّ، و همذان، و بلد الجبل و ما فيه من البلاد (1)

إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون بلاد أذربيجان و أرّانيّة، ويخرّبونها، و يقتلون أكثر أهلها، و لم ينج إلاّ الشريد النادر في‏ (2) أقلّ من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله.

ثمّ لمّا فرغوا من أذربيجان و أرّانيّة ساروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه، و لم يسلم غير القلعة التي بها ملكهم، و عبروا عندها إلى بلد اللاّن، و اللكز، و من في ذلك الصّقع من الأمم المختلفة، فأوسعوهم‏[2] قتلا، و نهبا، و تخريبا، ثمّ قصدوا بلاد قفجاق، و هم من أكثر الترك عددا، فقتلوا [1] يتعرّض.

[2] فأوسعهم.

____________

(1) . و ما... البلاد. mo. A

(2) . النافر في. A

360

كل من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض و رءوس الجبال، و فارقوا بلادهم، و استولى هؤلاء التتر عليها، فعلوا هذا في أسرع زمان، لم يلبثوا إلاّ بمقدار مسيرهم لا غير.

و مضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة و أعمالها، و ما يجاورها من بلاد الهند و سجستان و كرمان، ففعلوا فيه مثل فعل هؤلاء و أشدّ.

هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فإنّ الإسكندر الّذي اتّفق المؤرّخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنّما ملكها في نحو عشر سنين، و لم يقتل أحدا، إنّما رضي من الناس بالطاعة، و هؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض و أحسنه، و أكثره عمارة و أهلا، و أعدل أهل الأرض أخلاقا و سيرة، في نحو سنة، و لم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلاّ و هو خائف يتوقّعهم، و يترقّب وصولهم إليه.

ثمّ إنّهم لا يحتاجون إلى ميرة و مدد يأتيهم، فإنّهم معهم الأغنام، و البقر، و الخليل، و غير ذلك من الدوابّ، يأكلون لحومها لا غير، و أمّا دوابّهم التي يركبونها فإنّها تحفر الأرض بحوافرها، و تأكل عروق النبات لا تعرف الشعير، فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شي‏ء من خارج.

و أمّا ديانتهم، فإنّهم يسجدون للشمس عند طلوعها، و لا يحرّمون شيئا، فإنّهم يأكلون جميع الدوابّ، حتّى الكلاب، و الخنازير، و غيرها، و لا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه.

و لقد بلي الإسلام و المسلمون في هذه المدّة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر، قبّحهم اللََّه، أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كلّ من سمع بها، و ستراها مشروحة متّصلة، إن شاء اللََّه تعالى.

و منها خروج الفرنج، لعنهم اللََّه، من المغرب إلى الشام، و قصدهم ديار

361

مصر، و ملكهم ثغر دمياط منها، و أشرفت ديار مصر و الشام و غيرها على أن يملكوها لو لا لطف اللََّه تعالى و نصره عليهم، و قد ذكرناه سنة أربع عشرة و ستّمائة.

و منها أنّ الّذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول، و الفتنة قائمة على ساق، و قد ذكرناه أيضا، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، نسأل اللََّه أن ييسّر للإسلام و المسلمين نصرا من عنده، فإنّ الناصر، و المعين، و الذابّ عن الإسلام معدوم، وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ ، فإنّ هؤلاء التتر إنّما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع.

و سبب عدمه أنّ خوارزم شاه محمّدا كان قد استولى على البلاد، و قتل ملوكها، و أفناهم، و بقي هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلمّا انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم، و لا من يحميها لِيَقْضِيَ اَللََّهُ أَمْراً كََانَ مَفْعُولاً ، و هذا حين‏نذكر ابتداء خروجهم إلى البلاد.

ذكر خروج التتر إلى تركستان و ما وراء النهر و ما فعلوه‏

في هذه السنة ظهر التتر إلى بلاد الإسلام، و هم نوع كثير من الترك، و مساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين، و بينها و بين بلاد الإسلام ما يزيد على ستّة أشهر.

و كان السبب في ظهورهم أنّ ملكهم، و يسمّى بجنكزخان، المعروف بتموجين، كان قد فارق بلاده و سار إلى نواحي تركستان، و سيّر جماعة من التجار و الأتراك، و معهم شي‏ء كثير من النّقرة و القندر و غيرهما،

362

إلى بلاد ما وراء النهر سمرقند و بخارى ليشتروا له‏ (1) ثيابا للكسوة.

فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمّى أوترار، و هي آخر ولاية خوارزم شاه، و كان له نائب هناك، فلمّا ورد عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم و يذكر له ما معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم و أخذ ما معهم من الأموال و إنفاذه إليه، فقتلهم، و سيّر ما معهم، و كان شيئا كثيرا، فلمّا وصل إلى خوارزم شاه فرّقه على تجار بخارى، و سمرقند، و أخذ ثمنه منهم.

و كان بعد أن ملك ما وراء النهر من الخطا قد سدّ الطرق عن بلاد تركستان و ما بعدها من البلاد، و إنّ طائفة من التتر أيضا كانوا قد خرجوا قديما و البلاد للخطأ، فلمّا ملك خوارزم شاه البلاد بما وراء النهر من الخطا، و قتلهم، و استولى هؤلاء التتر على تركستان: كاشغار، و بلاساغون و غيرهما، و صاروا يحاربون عساكر خوارزم شاه، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات و غيرها.

و قيل في سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ذلك ممّا لا يذكر في بطون الدفاتر (2) :

فكان ما كان ممّا لست أذكره # فظنّ خيرا و لا تسأل عن الخبر

فلمّا قتل نائب خوارزم شاه أصحاب جنكزخان أرسل جواسيس إلى جنكزخان لينظر ما هو، و كم مقدار ما معه من التّرك، و ما يريد أن يعمل، فمضى الجواسيس، و سلكوا المفازة و الجبال التي على طريقهم، حتّى وصلوا إليه، فعادوا بعد مدّة طويلة و أخبروه بكثرة عددهم، و أنّهم يخرجون عن الإحصاء، و أنّهم من أصبر خلق اللََّه على القتال لا يعرفون هزيمة، و أنّهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم، فندم خوارزم شاه على قتل أصحابهم و أخذ أموالهم، و حصل عنده فكر زائد، فأحضر الشهاب الخيوفيّ، و هو فقيه

____________

(1) . به. A

(2) . الدفاتر و الأوراق. B

363

فاضل، كبير المحلّ عنده، لا يخالف ما يشير به، فحضر عنده، فقال له:

قد حدث أمر عظيم لا بدّ من الفكر فيه و أخذ[1] رأيك في الّذي نفعله، و ذاك أنّه قد تحرّك إلينا خصم من ناحية الترك في كثرة لا تحصى.

فقال له: في عساكرك كثرة و نكاتب الأطراف، و نجمع العساكر، و يكون النفير عامّا، فإنّه يجب على المسلمين كافّة مساعدتك بالمال و النفس، ثمّ نذهب بجميع العساكر إلى جانب سيحون، و هو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك و بلاد الإسلام، فنكون هناك، فإذا جاء العدوّ، و قد سار مسافة بعيدة، لقيناه و نحن مستريحون، و هو و عساكره قد مسّهم النّصب و التعب.

فجمع خوارزم شاه أمراءه و من عنده من أرباب المشورة، فاستشارهم، فلم يوافقوه على رأيه، بل قالوا: الرأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا، و يسلكون هذه الجبال و المضايق، فإنّهم جاهلون بطرقهم، و نحن عارفون بها، فنقوى حينئذ عليهم، و نهلكهم فلا ينجو منهم أحد.

فبينما هم كذلك إذ ورد رسول من هذا اللعين جنكزخان معه جماعة يتهدّد خوارزم شاه، و يقول: تقتلون أصحابي و تجّاري و تأخذون مالي منهم! استعدّوا للحرب فإنّي واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به.

و كان جنكزخان قد سار إلى تركستان، فملك كاشغار، و بلاساغون، و جميع تلك البلاد، و أزال عنها التتر الأولى، فلم يظهر لهم خبر، و لا بقي لهم أثر، بل بادوا كما أصاب الخطا، و أرسل الرسالة المذكورة إلى خوارزم شاه، فلمّا سمعها خوارزم شاه أمر بقتل رسوله، فقتل، و أمر بحلق لحي‏[2] الجماعة الذين كانوا معه، و أعادهم إلى صاحبهم جنكزخان يخبرونه بما فعل [1] فأخذ.

[2] لحا.

364

بالرسول، و يقولون له: إن خوارزم شاه يقول لك: انا (1) سائر إليك و لو أنّك في آخر الدنيا، حتّى أنتقم، و أفعل بك كما فعلت بأصحابك.

و تجهّز خوارزم شاه، و سار بعد الرسول مبادرا ليسبق خبره و يكبسهم، فأدمن السير، فمضى، و قطع مسيرة أربعة أشهر، فوصل إلى بيوتهم، فلم ير فيها إلاّ النساء و الصبيان و الأثقال، فأوقع بهم و غنم الجميع، و سبى النساء و الذريّة.

و كان سبب غيبة الكفّار عن‏ (2) بيوتهم أنّهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك يقال له كشلوخان‏ (3) ، فقاتلوه، و هزموه، و غنموا أمواله و عادوا، فلقيهم في الطريق الخبر بما فعل خوارزم شاه بمخلّفيهم، فجدّوا السير، فأدركوه قبل أن يخرج عن بيوتهم، و تصافّوا للحرب، و اقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله، فبقوا في الحرب ثلاثة أيّام بلياليها، فقتل من الطائفتين ما لا يعدّ، و لم ينهزم أحد منهم.

أمّا المسلمون فإنّهم صبروا حميّة للدين، و علموا أنّهم إن انهزموالم يبق للمسلمين باقية، و أنّهم يؤخذون لبعدهم عن بلادهم.

و أمّا الكفّار فصبروا لاستنقاذ أهليهم و أموالهم، و اشتدّ بهم الأمر، حتّى إنّ أحدهم كان ينزل عن فرسه و يقاتل قرنه راجلا، و يتضاربون بالسكالين، و جرى الدم على الأرض، حتّى صارت الخيل تزلق من كثرته، و استنفد الطائفتان وسعهم في الصبر و القتال. هذا القتال جميعه مع ابن جنكزخان و لم يحضر أبوه الوقعة، و لم يشعر بها، فأحصي من قتل من المسلمين في هذه الوقعة فكانوا عشرين ألفا، و أمّا من الكفّار فلا يحصى من قتل منهم.

فلمّا كان الليلة الرابعة افترقوا، فنزل بعضهم مقابل بعضهم، فلمّا أظلم

____________

(1) . يقول لك أنا. mo. B

(2) التتر عن. A

(3) . كشلي خان. p. s. B;. A

365

الليل أوقد الكفّار نيرانهم و تركوها بحالها و ساروا، و كذلك فعل المسلمون أيضا، كلّ منهم سئم القتال، فأمّا الكفّار فعادوا إلى ملكهم جنكزخان، و أمّا المسلمون فرجعوا إلى بخارى، فاستعدّ للحصار لعلمه بعجزه، لأنّ طائفة عسكره لم يقدر خوارزم شاه على أن يظفر بهم، فكيف إذا جاءوا جميعهم مع ملكهم؟فأمر أهل بخارى و سمرقند بالاستعداد[1] للحصار، و جمع الذخائر للامتناع، و جعل في بخارى عشرين ألف فارس من العسكر يحمونها، و في سمرقند خمسين ألفا، و قال لهم: احفظوا البلد حتّى أعود إلى خوارزم و خراسان و أجمع العساكر و أستنجد بالمسلمين و أعود إليكم.

فلمّا فرغ من ذلك رحل عائدا إلى خراسان، فعبر جيحون، و نزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك.

و أمّا الكفّار فإنّهم رحلوا بعد أن استعدّوا يطلبون ما وراء النهر، فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزم شاه، و حصروها، و قاتلوها ثلاثة أيّام قتالا شديدا (1) متتابعا، فلم يكن للعسكر الخوارزميّ بهم قوّة، ففارقوا البلد عائدين إلى خراسان، فلمّا أصبح أهل البلد و ليس عندهم من العسكر أحد ضعفت نفوسهم، فأرسلوا القاضي، و هو بدر الدين‏ (2) قاضي خان، ليطلب الأمان للناس، فأعطوهم الأمان.

و كان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم، فاعتصموا بالقلعة، فلمّا أجابهم جنكزخان إلى الأمان فتحت أبواب المدينة يوم الثلاثاء رابع ذي الحجّة من سنة ستّ عشرة و ستّمائة، فدخل الكفّار (3)

بخارى، و لم يتعرّضوا لأحد (4) بل قالوا لهم: كلّ ما هو للسلطان عندكم [1] بالستعداد.

____________

(1) . شديدا. mo. A

(2) . الدين بن. A

(3-4) . فدخل التتر. A

366

من ذخيرة و غيره أخرجوه إلينا، و ساعدونا على قتال من بالقلعة، و أظهروا عندهم العدل و حسن السيرة، و دخل جنكزخان بنفسه و أحاط بالقلعة، و نادى في البلد بأن لا يتخلّف أحد و من تخلّف‏قتل، فحضروا جميعهم، فأمرهم بطمّ الخندق، فطمّوه بالأخشاب و التراب و غير ذلك، حتّى إنّ الكفّار كانوا يأخذون المنابر و ربعات القرآن فيلقونها في الخندق، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و بحقّ سمّى اللََّه نفسه صبورا حليما، و إلاّ كان خسف بهم الأرض عند فعل مثل هذا.

ثمّ تابعوا الزحف إلى القلعة و بها نحو أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم، و منعوا القلعة اثني عشر يوما يقاتلون جمع الكفّار و أهل البلد، فقتل بعضهم، و لم يزالوا كذلك حتّى زحفوا إليهم، و وصل النقّابون إلى سور القلعة فنقبوه، و اشتدّ حينئذ القتال، و من بها من المسلمين يرمون ما يجدون من حجارة و نار و سهام، فغضب اللعين، و ردّ أصحابه ذلك اليوم، و باكرهم من الغد، فجدّوا في القتال، و قد تعب من بالقلعة و نصبوا، و جاءهم ما لا قبل لهم به، فقهرهم الكفّار و دخلوا القلعة، و قاتلهم المسلمون الذين فيها حتّى قتلوا عن آخرهم، فلمّا فرغ من القلعة نادى أن يكتب له وجوه النّاس و رؤساؤهم، ففعلوا ذلك، فلمّا عرضوا عليه أمر بإحضارهم فحضروا، فقال: أريد منكم النّقرة التي باعكم خوارزم شاه، فإنّها لي، و من أصحابي أخذت، و هي عندكم.

فأحضر كلّ من كان عنده شي‏ء منها بين يديه، ثمّ أمرهم بالخروج من البلد، فخرجوا من البلد مجرّدين من أموالهم، ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه، و دخل الكفّار البلد فنهبوه و قتلوا من وجدوا فيه، و أحاط بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، فاقتسموهم.

و كان يوما عظيما من كثرة البكاء من الرجال و النساء و الولدان، و تفرّقوا

367

أيدي سبا، و تمزّقوا كلّ ممزّق، و اقتسموا النساء أيضا، و أصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس، و ارتكبوا من النساء العظيم، و الناس ينظرون و يبكون، و لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا ممّا نزل بهم، فمنهم من لم يرض بذلك، و اختار الموت على ذلك، فقاتل حتّى قتل، و ممّن فعل ذلك و اختار أن يقتل و لا يرى ما نزل بالمسلمين، الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده و ولده، فإنّهما لمّا رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتّى قتلا.

و كذلك فعل القاضي صدر الدين خان، و من استسلم أخذ أسيرا، و ألقوا النار في البلد، و المدارس، و المساجد، و عذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال، ثمّ رحلوا نحو سمرقند و قد تحقّقوا عجز خوارزم شاه عنهم، و هم بمكانه بين ترمذ و بلخ، و استصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى، فساروا بهم مشاة على أقبح صورة، فكلّ من أعيا و عجز عن المشي قتلوه، فلمّا قاربوا سمرقند قدّموا الخيالة، و تركوا الرّجّالة و الأسارى و الأثقال وراءهم، حتّى تقدّموا شيئا فشيئا، ليكون أرعب لقلوب المسلمين، فلمّا رأى أهل البلد سوادهم استعظموه.

فلمّا كان اليوم الثاني وصل الأسارى و الرّجّالة و الأثقال، و مع كلّ عشرة من الأسارى علم، فظنّ أهل البلد أنّ الجميع عساكر مقاتلة، و أحاطوا بالبلد و فيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزميّة، و أمّا عامّة البلد فلا يحصون كثرة، فخرج إليهم شجعان أهله، و أهل الجلد و القوّة رجّالة، و لم يخرج معهم من العسكر الخوارزميّ أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين، فقاتلهم الرّجّالة بظاهر البلد، فلم يزل التتر يتأخّرون، و أهل البلد يتبعونهم، و يطمعون فيهم، و كان الكفّار قد كمّنوا لهم كمينا، فلمّا جاوزوا الكمين خرج عليهم و حال بينهم و بين البلد، و رجع الباقون الذين أنشبوا القتال أولا، فبقوا في الوسط، و أخذهم السيف من كلّ جانب، فلم يسلم منهم‏

368

أحد، قتلوا عن آخرهم شهداء، رضي اللََّه عنهم‏[1]، و كانوا سبعين ألفا على ما قيل.

فلمّا رأى الباقون من الجند و العامّة ذلك‏ضعفت نفوسهم و أيقنوا بالهلاك، فقال الجند، و كانوا أتراكا: نحن من جنس هؤلاء و لا يقتلوننا، فطلبوا الأمان، فأجابوهم إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، و لم يقدر العامّة على منعهم، و خرجوا إلى الكفّار بأهلهم و أموالهم، فقال لهم الكفّار: ادفعوا إلينا سلاحكم و أموالكم و دوابّكم و نحن نسيّركم إلى مأمنكم، ففعلوا ذلك، فلمّا أخذوا أسلحتهم و دوابهم وضعوا السيف فيهم و قتلوهم عن آخرهم، و أخذوا أموالهم و دوابهم و نساءهم.

فلمّا كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم، و من تأخّر قتلوه، فخرج جميع‏ (1) الرجال و النساء و الصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند مثل فعلهم مع أهل بخارى من النهب، و القتل، و السبي، و الفساد، و دخلوا البلد فنهبوا ما فيه، و أحرقوا الجامع و تركوا باقي البلد على حاله، و افتضّوا الأبكار، و عذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال، و قتلوا من لم يصلح للسبي، و كان ذلك في المحرّم سنة سبع عشرة و ستّمائة.

و كان خوارزم شاه بمنزلته كلّما اجتمع إليه عسكر سيّره إلى سمرقند، فيرجعون و لا يقدرون على الوصول إليها، نعوذ باللََّه من الخذلان، سيّر مرّة عشرة آلاف فارس فعادوا كالمنهزمين من غير قتال، و سيّر عشرين الفا فعادوا أيضا.

[1] منهم.

____________

(1) . الجميع. B . جميع. mo. A

369

ذكر مسير التتر الكفّار إلى خوارزم شاه و انهزامه و موته‏

لمّا ملك الكفّار سمرقند عمد جنكزخان، لعنه اللََّه، و سيّر عشرين ألف فارس، و قال لهم: اطلبوا خوارزم شاه أين كان، و لو تعلّق بالسماء، حتّى تدركوه و تأخذوه.

و هذه الطائفة تسمّيها التتر المغربة (1) لأنّها سارت نحو غرب خراسان ليقع الفرق بينهم و بين غيرهم منهم، لأنّهم هم الذين أوغلوا في البلاد، فلمّا أمرهم جنكزخان بالمسير سارواو قصدوا موضعا يسمّى بنج‏[1] آب، و معناه خمسة[2] مياه، فوصلوا إليه، فلم يجدوا هناك سفينة، فعملوا من الخشب مثل الأحواض‏ (2)

الكبار و ألبسوها جلود البقر لئلاّ يدخلها[3] الماء، و وضعوا فيها سلاحهم و أمتعتهم و ألقوا الخيل في الماء، و أمسكوا أذنابها، و تلك الحياض التي من الخشب مشدودة إليهم، فكان الفرس يجذب الرجل و الرجل يجذب الحوض المملوء من السلاح و غيره، فعبروا كلّهم دفعة واحدة، فلم يشعر خوارزم شاه إلاّ و قد صاروا معه على أرض واحدة.

و كان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا و خوفا، و قد اختلفوا فيما بينهم، إلاّ أنّهم كانوا يتماسكون بسبب أنّ نهر جيحون بينهم، فلمّا عبروه إليهم لم يقدروا على الثبات، و لا على المسير مجتمعين، بل تفرّقوا أيدي سبا، و طلب [1]-فنج.

[2]-خمس.

[3]-يدخاها.

____________

(1) . المغربية. A

(2) . مثل الحياض. A

370

كلّ طائفة منهم جهة، و رحل خوارزم شاه لا يلوي على شي‏ء في نفر من خاصّته، و قصدوا نيسابور (1) ، فلمّا دخلها اجتمع عليه بعض العسكر، فلم يستقرّ حتّى وصل أولئك التتر إليها.

و كانوا لا يتعرّضون في مسيرهم لشي‏ء لا بنهب و لا قتل بل يجدّون السير في طلبه لا يمهلونه حتّى يجمع لهم، فلمّا سمع بقربهم منه رحل إلى مازندران، و هي له أيضا، فرحل التتر المغرّبون في أثره، و لم يعرّجوا على نيسابور بل تبعوه، فكان كلّما رحل عن منزلة نزلوها، فوصل إلى مرسى من بحر طبرستان يعرف بباب سكون، و له هناك قلعة في البحر، فلمّا نزل هو و أصحابه في السفن وصلت التتر، فلمّا رأوا خوارزم شاه و قد دخل البحر وقفوا على ساحل البحر، فلمّا أيسوا من لحاق خوارزم شاه رجعوا، فهم الذين‏قصدوا الرّيّ و ما بعدها، على ما نذكره إن شاء اللََّه.

هكذا ذكر لي بعض الفقهاء ممّن كان ببخارى و أسروه معهم إلى سمرقند، ثمّ نجا منهم و وصل إلينا، و ذكر غيره من التجار أنّ خوارزم شاه سار من مازندران حتّى وصل إلى الرّيّ، ثمّ منها إلى همذان، و التتر في أثره، ففارق همذان في نفر يسير، جريدة، ليستر نفسه و يكتم خبره، و عاد إلى مازندران و ركب في البحر إلى هذه القلعة.

و كان هذا هو الصحيح، فإنّ الفقيه كان حينئذ مأسورا، و هؤلاء التجار أخبروا أنّهم كانوا بهمذان، و وصل خوارزم شاه، ثمّ وصل بعده من أخبره بوصول التتر، ففارق همذان، و كذلك أيضا هؤلاء التجار فارقوها، و وصل التتر (2) إليها بعدهم ببعض نهار، فهم يخبرون عن مشاهدة، و لمّا وصل خوارزم شاه إلى هذه القلعة المذكورة توفّي فيها.

ـ

____________

(1) . و قصد نشاور. A

(2) . ففارق... و وصل التتر. mo. B

371

ذكر صفة خوارزم شاه و شي‏ء من سيرته‏

هو علاء الدين محمّد بن علاء الدين تكش، و كان مدّة ملكه إحدى‏[1] و عشرين سنة و شهورا تقريبا، و اتّسع ملكه، و عظم محلّه، و أطاعه العالم بأسره، و لم يملك بعد السلجوقيّة أحد مثل ملكه، فإنّه ملك من حدّ العراق إلى تركستان، و ملك بلاد غزنة و بعض الهند، و ملك سجستان و كرمان و طبرستان و جرجان و بلاد الجبال و خراسان و بعض فارس، و فعل بالخطا الأفاعيل العظيمة، و ملك بلادهم.

و كان فاضلا، عالما بالفقه و الأصول و غيرهما، و كان مكرما للعلماء محبّا لهم محسنا إليهم، يكثر مجالستهم و مناظراتهم بين يديه، و كان صبورا على التعب و إدمان السير، غير متنعّم، و لا مقبل على اللذات، إنّما همّه في الملك و تدبيره، و حفظه و حفظ رعاياه، و كان معظّما لأهل الدين، مقبلا عليهم، متبرّكا بهم.

حكى لي بعض خدم حجرة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و قد عاد من خراسان، قال: وصلت إلى خوارزم، فنزلت و دخلت الحمّام، ثمّ قصدت باب السلطان علاء الدين، فحين حضرت لقيني إنسان، فقال: ما حاجتك؟ فقلت له: أنا من خدم حجرة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، فأمرني بالجلوس، و انصرف عنّي‏[قليلا]، ثمّ عاد إليّ و أخذني و أدخلني إلى دار السلطان، فتسلّمني منه حاجب‏ (1) من حجّاب السلطان‏ (2) ، و قال لي: قد أعلمت السلطان [1]-واحدا.

____________

(1) . فتسلّمني منه حاجب. mo. B

(2) . من... السلطان. mo. B

372

خبرك فأمر بإحضارك عنده، فدخلت إليه و هو جالس في صدر إيوان كبير، فحين توسّطت صحن الدار قام قائما، و مشى إلى بين يديّ، فأسرعت السير فلقيته في وسط الإيوان، فأردت أن أقبّل يده، فمنعني، و اعتنقني، و جلس و أجلسني إلى جانبه، و قال لي: أنت تخدم حجرة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم؟فقلت: نعم، فأخذ يدي و أمرّها على وجهه‏ (1) ، و سألني عن حالنا و عيشنا، و صفة المدينة، و مقدارها، و أطال الحديث معي، فلمّا خرجت من عنده قال: لو لا أنّنا على عزم السفر هذه الساعة لما ودّعتك، إنّما نريد[أن‏] نعبر جيحون إلى الخطا، و هذا طريق مبارك حيث رأينا من يخدم حجرة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، ثمّ ودّعني‏ (2) و أرسل إليّ جملة كثيرة من النفقة، و مضى، و كان منه و من الخطا ما ذكرناه، و بالجملة فاجتمع فيه ما تفرّق في غيره من ملوك العالم، رحمه اللََّه، و لو أردنا ذكر مناقبه لطال‏[ذلك‏].

ذكر استيلاء التتر المغرّبة على مازندران‏

لمّا أيس التتر المغرّبة من إدراك خوارزم شاه، عادوا[1] فقصدوا بلاد مازندران، فملكوها في أسرع وقت، مع حصانتها و صعوبة الدخول إليها، و امتناع قلاعها، فإنّها لم تزل ممتنعة قديم الزمان و حديثه، حتّى إنّ المسلمين لمّا ملكوا بلاد الأكاسرة جميعها، من العراق إلى أقاصي خراسان، بقيت أعمال مازندران يؤخذ منهم‏ (3) الخراج، و لا يقدرون على دخول البلاد، إلى أن ملكت [1] فعادوا.

____________

(1) . على جسده و وجهه. B

(2) . من يخدم ملك الحجرة الشريفة ثم و دعني. B

(3) . منها. A

373

أيّام سليمان بن عبد الملك سنة تسعين، و هؤلاء الملاعين ملكوها صفوا عفوا لأمر يريده اللََّه تعالى.

و لمّا ملكوا بلد مازندران قتلوا، و سبوا، و نهبوا، و أحرقوا البلاد، و لمّا فرغوا من مازندران سلكوا نحو الرّيّ، فرأوا في الطريق والدة خوارزم شاه و نساءه، و أموالهم، و ذخائرهم التي لم يسمع بمثلها من الأعلاق النفيسة، و كان سبب ذلك أنّ والدة خوارزم شاه لمّا سمعت بما جرى على ولدها خافت، ففارقت خوارزم و قصدت نحو الرّيّ لتصل إلى أصفهان و همذان و بلد الجبل تمتنع فيها، فصادفوها في الطريق، فأخذوها و ما معها قبل وصولهم إلى الرّيّ، فكان فيه ما ملأ عيونهم و قلوبهم، و ما لم يشاهد الناس مثله من كل غريب من المتاع، و نفيس من الجوهر، و غير ذلك، و سيّروا الجميع إلى جنكزخان بسمرقند.

ذكر وصول التتر إلى الرّيّ و همذان‏

في سنة سبع عشرة و ستّمائة وصل التتر، لعنهم اللََّه، إلى الرّيّ في طلب خوارزم شاه محمّد، لأنّهم بلغهم أنّه مضى منهزما منهم نحو الرّيّ، فجدّوا السير في أثره، و قد انضاف إليهم كثير من عساكر المسلمين و الكفّار، و كذلك أيضا من المفسدين من يريد النهب و الشرّ، فوصلوا إلى الرّيّ على حين غفلة من أهلها، فلم يشعروا بهم إلاّ و قد وصلوا إليها، و ملكوها، و نهبوها، و سبوا الحريم، و استرقّوا الأطفال، و فعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها، و لم يقيموا، و مضوا مسرعين في طلب خوارزم شاه، فنهبوا في طريقهم كلّ مدينة و قرية مرّوا عليها، و فعلوا في الجميع أضعاف ما فعلوا في الرّيّ، و أحرقوا، و خرّبوا و وضعوا السيف في الرجال و النساء و الأطفال، فلم يبقوا على شي‏ء.

374

و تمّوا على حالهم إلى همذان، و كان خوارزم شاه قد وصل إليها في نفر من أصحابه، ففارقها و كان آخر العهد به، فلا يدرى ما كان منه فيما حكاه بعضهم عنه، و قيل غير ذلك، و قد ذكرناه‏ (1) .

فلمّا قاربوا همذان خرج رئيسها و معه الحمل من الأموال و الثياب و الدوابّ و غير ذلك، يطلب الأمان لأهل البلد، فأمّنوهم‏ (2) ، ثمّ فارقوها و ساروا إلى زنجان ففعلوا أضعاف ذلك، و ساروا و وصلوا إلى قزوين، فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم، فقاتلوهم، و جدّوا في قتالهم، و دخلوها عنوة بالسيف، فاقتتلوا هم و أهل البلد في باطنه، حتّى صاروايقتتلون بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثمّ فارقوا قزوين، فعدّ القتلى من أهل قزوين، فزادوا على أربعين ألف قتيل.

ذكر وصول التتر إلى أذربيجان‏

لمّا هجم الشتاء على التتر في همذان، و بلد الجبل، رأوا بردا شديدا، و ثلجا متراكما، فساروا إلى أذربيجان، ففعلوا في طريقهم بالقرى و المدن الصغار من القتل و النهب مثل ما تقدّم منهم، و خرّبوا و أحرقوا، و وصلوا إلى تبريز و بها صاحب أذربيجان أوزبك بن البهلوان، فلم يخرج إليهم، و لا حدّث نفسه بقتالهم لاشتغاله بما هو بصدده من إدمان الشّرب ليلا و نهارا لا يفيق، و إنّما أرسل إليهم و صالحهم على مال، و ثياب، و دوابّ، و حمل الجميع إليهم، فساروا من عنده يريدون ساحل البحر، لأنّه يكون قليل البرد، ليشتوا عليه و المراعي به‏كثيرة لأجل دوابّهم، فوصلوا إلى موقان، و تطرّقوا

____________

(1) . فيما... ذكرناه. mo. A

(2) . فأمنوهم و حيث لم يعلموا خبر خوارزم شاه فارقوها. A

375

في طريقهم إلى بلاد الكرج، فجاء إليهم من الكرج جمع كثير من العسكر، نحو عشرة آلاف مقاتل، فقاتلوهم، فانهزمت الكرج، و قتل أكثرهم.

و أرسل الكرج إلى أوزبك، صاحب أذربيجان، يطلبون منه الصلح و الاتّفاق معهم على دفع التتر، فاصطلحوا ليجتمعوا إذا انحسر الشتاء، و كذلك أرسلوا إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل، صاحب خلاط و ديار الجزيرة، يطلبون منه الموافقة عليهم، و ظنّوا جميعهم أنّ التتر يصبرون في الشتاء إلى الربيع، فلم يفعلوا كذلك، بل تحرّكوا و ساروا نحو بلاد الكرج، و انضاف إليهم مملوك تركيّ من مماليك أوزبك، اسمه أقوش، و جمع أهل تلك الجبال و الصحراء من التركمان و الأكراد و غيرهم، فاجتمع معه خلق كثير، و راسل التتر في الانضمام إليهم، فأجابوه إلى ذلك، و مالوا إليه للجنسيّة، فاجتمعوا و ساروا في مقدّمة التتر إلى الكرج، فملكوا حصنا من حصونهم و خرّبوه، و نهبوا البلاد و خرّبوها، و قتلوا أهلها، و نهبوا أموالهم، حتّى وصلوا إلى قرب تفليس.

فاجتمعت الكرج و خرجت بحدّها و حديدها إليهم، فلقيهم أقوش أوّلا فيمن اجتمع إليه، فاقتتلوا قتالا شديدا صبروا فيه كلّهم، فقتل من أصحاب أقوش خلق كثير، و أدركهم التتر و قد تعب الكرج من القتال، و قتل منهم أيضا كثير، فلم يثبتوا للتتر، و انهزموا أقبح هزيمة، و ركبهم السيف من كلّ جانب، فقتل منهم ما لا يحصى كثرة، و كانت الوقعة في ذي القعدة من هذه السنة و نهبوا من البلاد ما كان سلم منهم.

و لقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان و حديثه: طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم سنة حتّى يصل بعضهم إلى بلاد أرمينية من هذه الناحية، و يجاوزوا العراق من ناحية همذان، و تاللََّه لا شكّ أنّ من يجي‏ء بعدنا، إذا بعد العهد، و يرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها،

376

و يستبعدها، و الحقّ بيده، فمتى استبعد ذلك فلينظر أنّنا سطّرنا نحن، و كلّ من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كلّ من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم و الجاهل لشهر بها، يسر اللََّه للمسلمين و الإسلام من يحفظهم و يحوطهم، فلقد دفعوا من العدوّ إلى عظيم، و من الملوك المسلمين إلى من لا تتعدّى همّته بطنه و فرجه، و لم ينل المسلمين أذى و شدّة مذ جاء النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، إلى هذا الوقت مثل ما دفعوا إليه الآن.

هذا العدوّ الكافر التتر قد وطئوا بلاد ما وراء النهر و ملكوها و خرّبوها، و ناهيك به‏[سعة]بلاد، و تعدّت هذه الطائفة منهم النهر إلى خراسان فملكوها و فعلوا مثل ذلك، ثمّ إلى الرّيّ و بلد الجبل و أذربيجان، و قد اتّصلوا بالكرج فغلبوهم على بلادهم‏ (1) .

و العدوّ الآخر الفرنج قد ظهروا من بلادهم في أقصى بلاد الروم، بين الغرب و الشمال، و وصلوا إلى مصر فملكوا مثل دمياط، و أقاموا فيها، و لم يقدر المسلمون على إزعاجهم عنها، و لا إخراجهم منها، و باقي ديار مصر على خطر، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللََّه العليّ العظيم.

و من أعظم الأمور على المسلمين أنّ سلطانهم خوارزم شاه محمّدا قد عدم لا يعرف حقيقة خبره، فتارة يقال مات عند همذان و أخفي موته، و تارة دخل أطراف بلاد فارس و مات هناك و أخفي موته لئلاّ يقصدها التتر في أثره، و تارة يقال عاد إلى طبرستان و ركب البحر، فتوفّي في جزيرة هناك، و بالجملة فقد عدم، ثمّ صحّ موته ببحر طبرستان، و هذا عظيم، إنّ مثل خراسان و عراق العجم أصبح سائبا لا مانع له، و لا سلطان يدفع عنه، و العدوّ يجوس البلاد، يأخذ ما أراد و يترك ما أراد، على أنّهم لم يبقوا على مدينة

____________

(1) . عن بلادهم. A

377

إلاّ خرّبوا كلّ ما مرّوا عليه، و أحرقوه، و نهبوه، و ما لا يصلح لهم أحرقوه، فكانوا يجمعون الإبريسم تلالا و يلقون فيه النار، و كذلك غيره من الأمتعة.

ذكر ملك التتر مراغة

في صفر سنة ثماني عشرة و ستّمائة ملك التتر مدينة مراغة من أذربيجان.

و سبب ذلك أنّنا ذكرنا سنة سبع عشرة و ستّمائة ما فعله التتر بالكرج، و انقضت تلك السنة و هم في بلاد الكرج، فلمّا دخلت سنة ثماني عشرة و ستّمائة ساروا من ناحية الكرج لأنّهم رأوا أنّ بين أيديهم شوكة قوية، و مضايق تحتاج إلى قتال و صراع، فعدلوا عنهم، و هذه كانت عادتهم، إذا قصدوا مدينة و رأوا عندها امتناعا عدلوا عنها، فوصلوا إلى تبريز، و صانعهم صاحبها بمال و ثياب و دوابّ، فساروا عنه إلى مدينة مراغة، فحصروهاو ليس بها صاحب يمنعها، لأنّ صاحبها كانت امرأة، و هي مقيمة بقلعة رويندز، و قد

قال النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.

فلمّا حصروها قاتلهم أهلها، فنصبوا عليها المجانيق، و زحفوا إليها، و كانت عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدّموا من معهم من أسارى المسلمين بين أيديهم يزحفون و يقاتلون، فإن عادوا قتلوهم، فكانوا يقاتلون كرها، و هم المساكين، كما قيل: كالأشقر إن تقدّم ينحر و إن تأخّر يعقر، و كانوا هم يقاتلون وراء المسلمين، فيكون القتل في المسلمين الأسارى، و هم بنجوة منه.

فأقاموا عليها عدّة أيّام، ثمّ ملكوا المدينة عنوة و قهرا رابع صفر، و وضعوا السيف في أهلها، فقتل منهم ما يخرج عن الحدّ و الإحصاء، و نهبوا كلّ ما

378

يصلح لهم، و ما لا يصلح لهم أحرقوه، و اختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون الأسارى و يقولون لهم: نادوا في الدروب أنّ التتر قد رحلوا. فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيؤخذ و يقتل.

و بلغني أنّ امرأة من التتر دخلت دارا و قتلت جماعة من أهلها و هم يظنّونها رجلا، فوضعت السلاح و إذا هي امرأة، فقتلها رجل أخذته أسيرا، و سمعت من بعض أهلها أنّ رجلا من التتر دخل دربا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتّى أفناهم، و لم يمدّ أحد يده إليه بسوء، و وضعت الذلّة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا و لا كثيرا، نعوذ باللََّه من الخذلان.

ثمّ رحلوا عنها نحو مدينة إربل، و وصل الخبر إلينا بذلك بالموصل، فخفنا، حتّى إنّ بعض الناس همّ بالجلاء خوفا من السيف، و جاءت كتب مظفّر الدين، صاحب إربل، إلى بدر الدين، صاحب الموصل، يطلب منه نجدة من العساكر، فسيّر إليه جمعا صالحا من عسكره، و أراد أن يمضي إلى طرف بلاده من جهة التتر، و يحفظ المضايق لئلاّ يجوزها أحد، فإنّها جميعها جبال وعرة و مضايق لا يقدر [أن‏]يجوزها إلاّ الفارس بعد الفارس، و يمنعهم من الجواز إليه.

و وصلت كتب الخليفة و رسله إلى الموصل و إلى مظفّر الدين يأمر الجميع بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا ليمنعوا التتر، فإنّهم ربّما عدلوا عن جبال إربل، لصعوبتها، إلى هذه الناحية، و يطرقون العراق، فسار مظفّر الدين من إربل في صفر، و سار إليهم جمع من عسكر الموصل، و تبعهم من المتطوّعة كثير.

و أرسل الخليفة أيضا إلى الملك الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عساكره ليجتمع الجميع على قصد التتر و قتالهم، فاتّفق أنّ الملك المعظّم ابن الملك العادل وصل من دمشق إلى أخيه الأشرف و هو بحرّان يستنجده على الفرنج الذين‏

379

بمصر، و طلب منه أن يحضر بنفسه ليسيروا كلّهم إلى مصر ليستنقذوا دمياط من الفرنج، فاعتذر إلى الخليفة بأخيه، و قوّة الفرنج، و إن لم يتداركها، و إلاّ خرجت هي و غيرها، و شرع يتجهّز للمسيرإلى الشام ليدخل مصر. و كان ما ذكرناه من استنقاذ دمياط.

فلمّا اجتمع مظفّر الدين و العساكر بدقوقا سيّر الخليفة إليهم مملوكه قشتمر، و هو أكبر أمير بالعراق، و معه غيره من الأمراء، في نحو ثماني مائة فارس، فاجتمعوا هناك ليتّصل بهم باقي عسكر الخليفة (1) ، و كان المقدّم على الجميع مظفّر الدين، فلمّا رأى قلّة العسكر لم يقدم على قصد التتر.

و حكى مظفّر الدين قال: لمّا أرسل إليّ الخليفة في معنى قصد التتر قلت له: إنّ العدوّ قويّ، و ليس لي من العسكر ما ألقاه به، فإن اجتمع معي‏[1] عشرة آلاف فارس استنقذت ما أخذ من‏ (2) البلاد، فأمرني بالمسير، و وعدني بوصول العسكر، فلمّا سرت لم يحضر عندي غير عدد لم يبلغوا ثماني مائة طواشي، فأقمت، و ما رأيت المخاطرة بنفسي و بالمسلمين.

و لمّا سمع التتر باجتماع العساكر لهم رجعوا القهقرى ظنّا منهم أنّ العسكر يتبعهم، فلمّا لم يروا أحدا يطلبهم أقاموا، و أقام العسكر الإسلاميّ عند دقوقا، فلمّا لم يروا العدوّ يقصدهم، و لا المدد يأتيهم، تفرّقوا، و عادوا إلى بلادهم.

[1]مع

____________

(1) . ليتصل... الخليفة. mo. A

(2) . أخذوه من. A

380

ذكر ملك التتر همذان و قتل أهلها

لمّا تفرّق العسكر الإسلاميّ عاد التتر إلى همذان، فنزلوا بالقرب منها، و كان لهم بها شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه ليطلب من أهلها مالا و ثيابا، و كانوا قد استنقذوا أموالهم في طول المدّة، و كان رئيس همذان شريفا علويّا، و هو من بيت رئاسة قديمة لهذه المدينة، هو الّذي يسعى في أمور أهل البلد مع التتر، و يوصل إليهم ما يجمعه من الأموال، فلمّا طلبوا الآن منهم المال‏لم يجد أهل همذان ما يحملونه إليهم، فحضروا عند الرئيس و معه إنسان فقيه قد قام في اجتماع الكلمة على الكفّار قياما مرضيّا، فقالوا لهما:

هؤلاء الكفّار قد أفنوا أموالنا، و لم يبق لنا ما نعطيهم، و قد هلكنا من أخذهم أموالنا، و ما يفعله النائب عنهم بنا من الهوان.

و كانوا قد جعلوا بهمذان شحنة لهم يحكم في أهلها بما يختاره، فقال الشريف:

إذا كنّا نعجز عنهم فكيف الحيلة؟فليس لنا إلاّ مصانعتهم بالأموال، فقالوا له: أنت أشدّ علينا من الكفّار!و أغلظوا له في القول، فقال: أنا واحد منكم، فاصنعوا ما شئتم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتر من البلد و الامتناع فيه، و مقاتلة التتر، فوثب العامّة على الشحنة فقتلوه و امتنعوا في البلد، فتقدّم التتر إليهم و حصروهم، و كانت الأقوات متعذّرة في تلك البلاد جميعها، لخرابها، و قتل أهلها، و جلاء من سلم منهم، فلا يقدر أحد على الطعام إلاّ قليلا، و أمّا التتر فلا يبالون بعدم الأقوات لأنّهم لا يأكلون إلاّ اللحم، و لا تأكل دوابّهم إلاّ نبات الأرض، حتّى إنّها تحفر بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها.

فلمّا حصروا همذان قاتلهم أهلها و الرئيس و الفقيه في أوائلهم، فقتل من

381

التتر خلق كثير، و جرح الفقيه عدّة جراحات، و افترقوا، ثمّ خرجوا (1) من الغد فاقتتلوا أشدّ من القتال الأوّل، و قتل أيضا من التتر أكثر من اليوم الأوّل، و جرح الفقيه أيضا عدّة جراحات و هو صابر، و أرادوا أيضا الخروج، اليوم الثالث، فلم يطق الفقيه الركوب، و طلب الناس الرئيس العلويّ فلم يجدوه، كان قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلد هو و أهله إلى قلعة هناك على جبل عال فامتنع فيها.

فلمّا فقده الناس بقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، إلاّ أنّهم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا، فأقاموا في البلد و لم يخرجوا منه.

و كان التتر قد عزموا على الرحيل عنهم لكثرة من قتل منهم، فلمّا لم يروا أحدا خرج إليهم من البلد طمعوا و استدلّوا على ضعف أهله، فقصدوهم و قاتلوهم في رجب من سنة ثماني عشرة و ستّمائة، و دخلوا المدينة بالسيف، و قاتلهم الناس في الدروب، فبطل السلاح للزحمة، و اقتتلوا بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا يحصيه إلاّ اللََّه تعالى، و قوي التتر على المسلمين‏فأفنوهم قتلا، و لم يسلم إلاّ من كان عمل له نفقا يختفي فيه، و بقي القتل في المسلمين عدّة أيّام، ثمّ ألقوا النار في البلد فأحرقوه و رحلوا عنه إلى مدينة أردويل‏ (2) .

و قيل كان السبب في ملكها أنّ أهل البلد لمّا شكوا إلى الرئيس الشريف ما يفعل بهم الكفّار، أشار عليهم بمكاتبة الخليفة لينفذ إليهم عسكرا مع أمير يجمع كلمتهم، فاتّفقوا على ذلك، فكتب إلى الخليفة ينهي إليه ما هم عليه من الخوف و الذلّ، و ما يركبهم به العدوّ من الصّغار و الخزي، و يطلب نجدة و لو ألف فارس مع أمير يقاتلون معه و يجتمعون عليه، فلمّا سار القصّاد بالكتب أرسل بعض من علم بالحال إلى التتر يعلمهم ذلك، فأرسلوا إلى الطريق فأخذوهم و أخذوا الكتب منهم، و أرسلوا إلى الرئيس ينكرون عليه الحال، فجحد،

____________

(1) . ثم خرجوا. mo. A

(2) . أردبيل. A

382

فأرسلوا إليه كتبه و كتب الجماعة، فسقط في أيديهم، و تقدّم إليهم التتر حينئذ و قاتلوهم، و جرى في القتال كما ذكرنا.

ذكر مسير التتر إلى أذربيجان و ملكهم أردويل و غيرها

لمّا فرغ التتر من همذان ساروا إلى أذربيجان، فوصلوا إلى أردويل فملكوها و قتلوا فيها و أكثروا، و خربوا أكثرها، و ساروا منها إلى تبريز، و كان قد قام بأمرها شمس الدين الطّغرائي‏ (1) ، و جمع كلمة أهلها، و قد فارقها صاحبها أوزبك بن البهلوان، و كان أميرا متخلّفا، لا يزال منهمكا في الخمر ليلا و نهارا، يبقى الشهر و الشهرين لا يظهر، و إذا سمع هيعةطار مجفلا لها، و له جميع أذربيجان و أرّان، و هو أعجز خلق اللََّه عن حفظ البلاد من عدوّ يريدها و يقصدها.

فلمّا سمع بمسير التتر من همذان فارق هو تبريز و قصد نقجوان، و سيّر أهله و نساءه إلى خويّ ليبعد عنهم، فقام هذا الطّغرائي بأمر البلد، و جمع الكلمة و قوّى نفوس الناس على الامتناع، و حذرهم عاقبة التخاذل و التواني، و حصّن البلد بجهده و طاقته، فلمّا قاربه التتر، و سمعوا بما أهل البلد عليه من اجتماع الكلمة على قتالهم، و أنّهم قد حصّنوا المدينة، و أصلحوا أسوارها و خندقها، أرسلوا يطلبون منهم مالا و ثيابا، فاستقرّ الأمر بينهم على قدر معلوم من ذلك، فسيّروه إليهم، فأخذوه و رحلوا إلى مدينة سراو (2)

فنهبوها، و قتلوا كلّ من فيها.

و رحلوا منها إلى بيلقان، من بلاد أرّان، فنهبوا كلّ ما مرّوا به من البلاد

____________

(1) . عثمان الطغراي. A

(2) . سراة. A

383

و القرى، و خرّبوا، و قتلوا من ظفروا به من أهلها، فلمّا وصلوا إلى بيلقان حصروها، فاستدعى أهلها منهم رسولا يقرّون معه‏[1] الصلح، فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم و مقدّميهم، فقتله أهل البلد، فزحف التتر إليهم و قاتلوهم، ثمّ إنّهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثماني عشرة[و ستمائة] و وضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على صغير و لا كبير، و لا امرأة، حتّى إنّهم كانوا يشقّون بطون الحبالى، و يقتلون الأجنّة، و كانوا يفجرون بالمرأة ثمّ يقتلونها، و كان الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة، فيقتلهم واحدا بعد واحد حتّى يفرغ من الجميع لا يمدّ أحد منهم إليه يدا.

فلمّا فرغوا منها استقصوا ما حولها بالنهب و التخريب، و ساروا إلى مدينة كنجة، و هي أمّ بلاد أرّان، فعلموا بكثرة أهلها و شجاعتهم لكثرة ذريتهم بقتال الكرج، و حصانتها، فلم يقدموا عليها، فأرسلوا إلى أهلها يطلبون منهم المال و الثياب، فحملوا إليهم ما طلبوا، فساروا عنهم.

ذكر قصد التتر بلاد الكرج‏

لمّا فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان و أرّان، بعضه بالملك، و بعضه بالصلح، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا، و كان الكرج قد أعدّوا لهم، و استعدّوا، و سيّروا جيشا كثيرا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها، فوصل إليهم التتر، فالتقوا، فلم يثبت الكرج بل ولّوا منهزمين، فأخذهم السيف، فلم يسلم منهم إلاّ الشريد.

و لقد بلغني أنّهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفا، و نهبوا ما وصلوا إليه من [1] يقررون معهم.

384

بلادهم، و خرّبوها، و فعلوا بها ما هو عادتهم، فلمّا وصل المنهزمون إلى تفليس و بها ملكهم‏ (1) جمعوا جموعا أخرى و سيّرهم إلى التتر أيضا ليمنعوهم من توسط بلادهم، فرأوا التتر و قد دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل و لا مضيق و لا غير ذلك، فلمّا رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس، فأخلوا البلاد، ففعل التتر فيها ما أرادوا من النهب، و القتل، و التخريب، و رأوا بلادا كثيرة المضايق و الدّربندات، فلم يتجاسروا على الوغول فيها، فعادوا عنها.

و داخل الكرج منهم خوف عظيم، حتّى سمعت عن بعض أكابر الكرج، قدم رسولا، أنّه قال: من حدّثكم أنّ التتر انهزموا و أسروا فلا تصدّقوه، و إذا حدّثتم أنّهم قتلوا فصدّقوا، فإنّ القوم لا يفرّون أبدا، و لقد أخذنا أسيرا منهم، فألقى نفسه من الدابّة و ضرب رأسه بالحجر إلى أن مات، و لم يسلّم نفسه للأسر.

ذكر وصولهم إلى دربند شروان و ما فعلوه فيه‏

لمّا عاد التتر من بلد الكرج قصدوا دربند شروان، فحصروا مدينة شماخي و قاتلوا أهلها، فصبروا على الحصر، ثمّ إنّ التتر صعدوا سورها بالسلاليم، و قيل بل جمعوا كثيرا من الجمال و البقر و الغنم و غير ذلك، و من قتلى الناس منهم و من غيرهم، و ألقوا بعضه فوق بعض، فصار مثل التلّ، و صعدوا عليه فأشرفوا على المدينة و قاتلوا أهلها، فصبروا، و اشتدّ القتال ثلاثة أيّام، فأشرفوا على أن يؤخذوا، فقالوا: السيف لا بدّ منه، فالصبر أولى بنا نموت كراما.

____________

(1) . ملكهم و القيم بدولتها إيواني فجمع جموعا. B

385

فصبروا تلك الليلة، فأنتنت تلك الجيف و انهضمت، فلم يبق للتتر على السور استعلاء، و لا تسلّط على الحرب، فعاودوا الزحف و ملازمة القتال، فضجر أهلها، و مسّهم التعب و الكلال و الإعياء، فضعفوا، فملك التتر البلد، و قتلوا فيه فأكثروا، و نهبوا الأموال فاحتازوها.

فلمّا فرغوا منه أرادوا عبور الدّربند، فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا إلى شروان‏[شاه‏] (1) ملك دربند شروان يقولون له ليرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في الصلح، فأرسل عشرة رجال من أعيان أصحابه، فأخذوا أحدهم فقتلوه، ثمّ قالوا للباقين: إن أنتم عرّفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الأمان، و إن لم تفعلوا قتلناكم كما قتلنا هذا. فقالوا لهم: إنّ هذا الدّربند ليس فيه طريق البتّة، و لكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق، فساروا معهم إلى ذلك الطريق، فعبروا فيه، و خلّفوه وراء ظهورهم.

ذكر ما فعلوه باللان و قفجاق‏

لمّا عبر التتر دربند شروان ساروا في تلك الأعمال، و فيها أمم كثيرة منهم: اللاّن و اللّكز، و طوائف من الترك، فنهبوا، و قتلوا من اللّكز كثيرا، و هم مسلمون و كفّار، و أوقعوا بمن عداهم‏ (2) من أهل تلك البلاد، و وصلوا إلى اللاّن، و هم أمم كثيرة، و قد بلغهم خبرهم، فحذروا، و جمعوا عندهم جمعا من قفجاق، فقاتلوهم، فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى، فأرسل التتر إلى قفجاق يقولون: نحن و أنتم جنس واحد، و هؤلاء اللان ليسوا منكم حتّى تنصروهم، و لا دينكم مثل دينهم، و نحن نعاهدكم

____________

(1) . 454, II ,1849. sA.

(2) . من اللكز... عداهم. mo. B

386

أنّنا لا نتعرّض لكم، و نحمل إليكم من الأموال و الثياب ما شئتم و تتركون بيننا و بينهم.

فاستقرّ الأمر بينهم على مال حملوه و ثياب و غير ذلك، فحملوا إليهم ما استقرّ و فارقهم قفجاق فأوقع التتر باللاّن، فقتلوا منهم و أكثروا و نهبوا، و سبوا، و ساروا إلى قفجاق و هم آمنون متفرّقون لما استقرّ بينهم من الصلح، فلم يسمعوا بهم إلاّ و قد طرقوهم و دخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأوّل فالأوّل، و أخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم.

و سمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر، ففرّوا من غير قتال، و أبعدوا، فبعضهم اعتصم بالغياض، و بعضهم بالجبال، و بعضهم لحق ببلاد الروس.

و أقام التتر في بلاد قفجاق، و هي أرض كثيرة المراعي في الشتاء و الصيف، و فيها أماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى، و أماكن حارّة في الشتاء كثيرة المرعى، و هي غياض على ساحل البحر، و وصلوا إلى مدينة سوداق، و هي مدينة قفجاق التي منها مادّتهم، فإنّها على بحر الخزر، و المراكب تصل إليها و فيها الثياب، فيشتري قفجاق منهم و يبيعون عليهم الجواري، و المماليك، و البرطاسي، و القندر، و السنجاب، و غير ذلك ممّا هو في بلادهم، و بحر الخزر هذا هو بحر متّصل بخليج القسطنطينيّة.

و لمّا وصل التتر إلى سوداق ملكوها، و تفرّق أهلها منها، فبعضهم صعد الجبال بأهله و ماله، و بعضهم ركب البحر و سار إلى بلاد الروم التي بيد المسلمين من أولاد قلج أرسلان.

387

ذكر ما فعله التتر بقفجاق و الروس‏

لمّا استولى التتر على أرض قفجاق، و تفرّق قفجاق، كما ذكرنا، سار طائفة كثيرة منهم إلى بلاد الروس، و هي بلاد كثيرة، طويلة عريضة، تجاورهم، و أهلها يدينون بالنصرانيّة، فلمّا وصلوا إليهم اجتمعوا كلّهم، و اتّفقت كلمتهم على قتال التتر إن قصدوهم، و أقام التتر بأرض قفجاق مدّة، ثمّ إنّهم ساروا سنة عشرين و ستّمائة إلى بلاد الروس، فسمع الروس و قفجاق خبرهم، و كانوا مستعدّين لقتالهم، فساروا (1) إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى بلادهم‏ليمنعوهم عنها، فبلغ مسيرهم إلى التتر، فعادوا على أعقابهم راجعين، فطمع الروس و قفجاق فيهم، و ظنّوا أنّهم عادوا خوفا منهم و عجزا عن قتالهم، فجدّوا في اتّباعهم، و لم يزل التتر راجعين، و أولئك يقفون أثرهم، اثني عشر يوما.

ثمّ إنّ التتر عطفوا على الروس‏ (2) و قفجاق، فلم يشعروا بهم إلاّ و قد لقوهم على غرّة منهم، لأنّهم كانوا قد أمنوا التتر، و استشعروا القدرة عليهم، فلم تتكامل عدّتهم للقتال إلاّ و قد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما، فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله.

و دام القتال بينهم عدّة أيّام، ثمّ إنّ التتر ظفروا و استظهروا، فانهزم قفجاق و الروس هزيمة عظيمة بعد أن أثخن فيهم التتر، و كثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم إلاّ القليل، و نهب جميع ما معهم، و من سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق و الهزيمة، و تبعهم التتر يقتلون و ينهبون

____________

(1) . فساروا في خلق لا يحصى يطلبون التتر ليقاتلوهم و يمنعوهم عن بلادهم، فبلغ خبرهم إلى التتر. A

(2) . التتر رجعوا نحو الروس. A

388

و يخربون البلاد، حتّى خلا أكثرها، فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس و أغنيائهم و حملوا ما يعزّ عليهم، و ساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام في عدّة مراكب.

فلمّا قاربوا المرسي الّذي يريدونه انكسر مركب من مراكبهم، فغرق إلاّ أنّ الناس نجوا، و كانت العادة جارية أنّ السلطان له كلّ مركب ينكسر، فأخذ من ذلك شيئا كثيرا، و سلم باقي المراكب، و أخبر من بها بهذه الحال‏ (1) .

ذكر عود التتر من بلاد الروس و قفجاق إلى ملكهم‏ (2)

لمّا فعل التتر بالروس ما ذكرناه، و نهبوا بلادهم، عادوا عنها و قصدوا بلغار أواخر سنة عشرين و ستّمائة، فلمّا سمع أهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدّة مواضع، و خرجوا إليهم فلقوهم‏ (3) ، و استجرّوهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء، فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم، فبقوا في الوسط، و أخذهم السيف من كلّ ناحية، فقتل أكثرهم، و لم ينج منهم إلا القليل.

قيل: كانوا نحو أربعة آلاف رجل، فساروا إلى سقسين عائدين إلى ملكهم جنكزخان، و خلت أرض قفجاق منهم، فعاد من سلم منهم إلى بلادهم،

____________

(1) نسأل اللََّه أن يخلص الناس من شر هذه الطائفة التي عم ضررها و استطار شررها حتى ملأ الأرض، إنما أوردنا حوادث التتر المغربة متتابعة و لم نفصل بينها بما فعله ملكهم جنكزخان و باقي عسكره و إن كان أولى لئلا تنقطع أخبار هؤلاء فإن تتابعها يوضحها، و نذكر ما فعله جنكزخان ملكهم بخراسان متتابعا أيضا إن شاء اللََّه تعالى. : dda. A

(2) . tupaccohmutoT. mo. A

(3) . فلقوهم و قاتلوهم. B

389

و كان الطريق منقطعا مذ دخلها التتر، فلم يصل منهم شي‏ء من البرطاسي و السّنجاب و القندر و غيرها ممّا يحمل من تلك البلاد، فلمّا فارقوها عادوا إلى بلادهم، و اتّصلت الطريق، و حملت الأمتعة كما كانت.

هذه أخبار (1) التتر المغرّبة قد ذكرناها سياقة واحدة لئلاّ تنقطع.

ذكر ما فعله التتر بما وراء النهر بعد بخارى و سمرقند

قد ذكرنا ما فعله التتر المغرّبة التي سيّرها ملكهم جنكزخان، لعنه اللََّه، إلى خوارزم شاه، و أمّا جنكزخان فإنّه بعد أن سيّر هذه الطائفة إلى خوارزم شاه و بلغه انهزام خوارزم شاه من خراسان، قسم أصحابه عدّة أقسام، فسيّر قسما منها إلى بلاد فرغانة ليملكوها، و سيّر قسما آخر منها إلى ترمذ، و سيّر قسما منها إلى كلانة، و هي قلعة حصينة على جانب جيحون، من أحصن القلاع و أمنع الحصون، فسارت كلّ طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها، و نازلتها، و استولت عليها، و فعلت من القتل، و الأسر، و السبي، و النهب، و التخريب، و أنواع الفساد (2) ، مثل ما فعل أصحابهم.

فلمّا فرغوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان و هو بسمرقند، فجهّز جيشا عظيما مع أحد أولاده و سيّرهم إلى خوارزم، و سيّر جيشا آخر فعبروا جيحون إلى خراسان.

____________

(1) . هذا جرى و هو آخر أخبار. B

(2) . و أنواع الفساد. mo. A

390

ذكر ملك التتر خراسان‏

لمّا سار الجيش المنفذ إلى خراسان عبروا جيحون، و قصدوا مدينة بلخ، فطلب أهلها الأمان، فأمّنوهم، فسلّم البلد سنة (1) سبع عشرة و ستّمائة، و لم يتعرّضوا له بنهب و لا قتل، بل جعلوا فيه شحنة و ساروا و قصدوا الزّوزان‏ (2) ، و ميمند، و أندخوي، و قاريات، فملكوا الجميع و جعلوا فيه ولاة، و لم يتعرّضوا لأهلها بسوء و لا أذى‏ (3) ، سوى أنّهم كانوا يأخذون الرجال‏ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم، حتّى وصلوا إلى الطالقان، و هي ولاية تشتمل على عدّة بلاد، و فيها قلعة حصينة يقال لها منصور كوه، لا ترام علوّا و ارتفاعا، و بها رجال يقاتلون، شجعان، فحصروها[1] مدّة ستّة أشهر يقاتلون أهلها ليلا و نهارا و لا يظفرون منها بشي‏ء.

فأرسلوا إلى جنكزخان يعرّفونه عجزهم عن ملك هذه القلعة، لكثرة من فيها من المقاتلة، و لامتناعها بحصانتها (4) ، فسار بنفسه و بمن عنده من جموعه إليهم، و حصرها، و معه خلق كثير من المسلمين أسرى، فأمرهم بمباشرة القتال و إلاّ قتلهم، فقاتلوا معه‏ (5) ، و أقام عليها أربعة أشهر أخرى فقتل من التتر عليها خلق كثير، فلمّا رأى ملكهم ذلك أمر أن يجمع له من الحطب و الأخشاب ما أمكن جمعه، ففعلوا ذلك‏ (6) ، و صاروا يعملون صفّا من خشب‏ (7) ، و فوقه صفّا من تراب، فلم يزالوا كذلك حتّى صار تلاّ عاليا [1]-فحصروه. ـ

____________

(1) . و تسلموها منهم سنة. B . و تسلموا. A

(2) . الرروان. A

(3) . أهلها بشي‏ء من الأذى. A

(4) . و لامتناعها بحصانتها. mo. A

(5) . يعينونه على حصر القلعة. A . فأمرهم... معه‏ orp

(6) . أمر أن... ذلك. mo. B

(7) . من الحطب. A

391

يوازي القلعة، و صعد الرّجّالة فوقه و نصبوا عليه منجنيقا فصار يرمي إلى وسط القلعة و حملوا على التتر حملة واحدة فسلم الخيّالة منهم و نجوا، و سلكوا تلك الجبال و الشعاب.

و أمّا الرّجّالة فقتلوا، و دخل التتر القلعة، و سبوا النساء و الأطفال، و نهبوا الأموال و الأمتعة.

ثمّ إنّ جنكزخان جمع أهل البلاد الذين‏[1] أعطاهم الأمان ببلخ و غيرها (1) ، و سيّرهم مع بعض أولاده إلى مدينة مرو، فوصلوا إليها و قد اجتمع بها من الأعراب و الأتراك و غيرهم ممّن نجا من المسلمين ما يزيد على مائتي ألف رجل‏ (2) ، و هم معسكرون بظاهر مرو، و هم عازمون على لقاء التتر، و يحدّثون نفوسهم بالغلبة لهم، و الاستيلاء عليهم، فلمّا وصل التتر إليهم التقوا و اقتتلوا، فصبر المسلمون، و أمّا التتر فلا يعرفون الهزيمة، حتّى إنّ بعضهم أسر، فقال و هو عند المسلمين: إن قيل إنّ التتر يقتلون‏ (3) فصدّقوا، و إن قيل إنّهم انهزموا فلا تصدّقوا.

فلمّا رأى المسلمون صبر التتر و إقدامهم، ولّوا منهزمين، فقتل التتر منهم و أسروا الكثير، و لم يسلم إلاّ القليل، و نهبت أموالهم، و سلاحهم، و دوابّهم، و أرسل التتر إلى ما حولهم من البلاد يجمعون الرجال لحصار مرو، فلمّا اجتمع لهم ما أرادوا تقدّموا إلى مرو و حصروها، و جدّوا في حصرها، و لازموا القتال.

[1]-التي.

____________

(1) . ببلخ و غيرها. mo. A

(2) . رجل و قد عسكروا بظاهر مرو و يقولون إنهم يلقون التتر و يفنونهم قتلا و أسرا فلما وصل. A

(3) . التتر قد قتلوا. A . و هو... المسلمين. mo. A

392

و كان أهل البلد قد ضعفوا بانهزام ذلك العسكر، و كثرة القتل و الأسرّ فيهم، فلمّا كان اليوم الخامس من نزولهم أرسل التتر إلى الأمير الّذي بها متقدّما على من فيها (1) يقولون له: لا تهلك نفسك و أهل البلد، و اخرج إلينا فنحن نجعلك أمير هذه البلدة و نرحل عنك، فأرسل يطلب الأمان لنفسه و لأهل البلد، فأمّنهم، فخرج إليهم، فخلع عليه ابن جنكزخان، و احترمه، و قال له: أريد أن تعرض عليّ أصحابك حتّى ننظر[1] من يصلح لخدمتنا استخدمناه، و أعطيناه إقطاعا، و يكون معنا.

فلمّا حضروا عنده، و تمكّن منهم، قبض عليهم و على أميرهم، و كتفوهم، فلمّا فرغ منهم قال لهم: اكتبوا إلى تجار البلد و رؤسائه، و أرباب الأموال في جريدة، و اكتبوا إلى أرباب الصناعات و الحرف في نسخة أخرى، و اعرضوا ذلك علينا، ففعلوا ما أمرهم، فلمّا وقف على النسخ‏ (2) أمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم، فخرجوا كلّهم، و لم يبق فيه أحد، فجلس على كرسي من ذهب و أمرأن يحضر أولئك الأجناد الذين قبض عليهم، فأحضروا، و ضربت رقابهم صبرا و الناس ينظرون إليهم و يبكون.

و أمّا العامّة فإنّهم قسموا الرجال و النساء و الأطفال و الأموال، فكان يوما مشهودا من كثرة الصراخ و البكاء و العويل، و أخذوا أرباب الأموال فضربوهم، و عذّبوهم بأنواع العقوبات في طلب الأموال، فربما مات أحدهم من شدّة الضرب، و لم يكن بقي له‏[ما]يفتدي به نفسه، ثمّ إنّهم أحرقوا البلد، و أحرقوا تربة السلطان سنجر، و نبشوا القبر طلبا المال، فبقوا كذلك ثلاثة أيّام، فلمّا كان اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافّة، و قال: هؤلاء عصوا [1] تنظر.

____________

(1) . بها... فيها. mo. A

(2) . فلما... النسخ. mo. A

393

علينا، فقتّلوهم أجمعين، و أمر (1) بإحصاء القتلى، فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل، ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ممّا جرى على المسلمين ذلك اليوم.

ثمّ ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيّام، و بها جمع صالح من العسكر الإسلاميّ، فلم يكن لهم بالتتر قوّة، فملكوا المدينة، و أخرجوا أهلها إلى الصحراء (2) فقتلوهم، و سبوا حريمهم، و عاقبوا من اتّهموه بالمال، كما فعلوا بمرو، و أقاموا خمسة عشر يوما يخرّبون، و يفتشون المنازل‏ (3) عن الأموال.

و كانوا لمّا قتلوا أهل مرو قيل لهم‏ (4) إنّ قتلاهم سلم منهم كثير، و نجوا إلى بلاد الإسلام، فأمروا بأهل نيسابور أن تقطع رءوسهم‏ (5) لئلاّ يسلم من القتل أحد، فلمّا فرغوا من ذلك سيّروا[1] طائفة منهم إلى طوس، ففعلوا بها كذلك أيضا، و خرّبوها (6) و خرّبوا المشهد الّذي فيه عليّ بن موسى الرضى، و الرشيد، حتّى جعلوا الجميع خرابا.

ثمّ ساروا إلى هراة، و هي من أحصن البلاد، فحصروها عشرة أيّام فملكوها و أمّنوا أهلها، و قتلوا منهم البعض، و جعلوا عند من سلم منهم شحنة، و ساروا إلى غزنة، فلقيهم جلال الدين بن خوارزم شاه فقاتلهم و هزمهم على ما نذكره إن شاء اللََّه، فوثب أهل هراة على الشحنة فقتلوه، فلمّا عاد المنهزمون إليهم دخلوا البلد قهرا و عنوة، و قتلوا كلّ من فيه، و نهبوا الأموال و سبوا الحريم، و نهبوا السواد (7) و خرّبوا المدينة جميعها و أحرقوها، و عادوا إلى ملكهم جنكزخان و هو بالطالقان يرسل السرايا إلى جميع بلاد خراسان، [1] و سيروا.

____________

(1) . فقتلوا عامة ذلك اليوم و أمر. A

(2) . إلى ظاهر البلد. A

(3) . و ينبشون المنازل. B

(4) . لهم إنه قد سلم من أولئك القتل جمع و لجوا. A

(5) رءوسهم و وكلوا أسارى المسلمين بقطع الرءوس. A

(6) . و خربوها و في جملة ما خربوا. A

(7) . أجمع. B . السواد و جميع القرى. A

394

ففعلوا بها كذلك، و لم يسلم من شرهم و فسادهم شي‏ء من البلاد، و كان جميع ما فعلوه بخراسان سنة سبع عشرة[و ستّمائة].

ذكر ملكهم خوارزم و تخريبها

و أمّا الطائفة من الجيش التي سيّرها جنكزخان إلى خوارزم‏ (1) ، فإنّها كانت أكثر السرايا جميعها لعظم البلد، فساروا حتّى وصلوا إلى خوارزم و فيها عسكر كبير، و أهل البلد معروفون بالشجاعة و الكثرة، فقاتلوهم أشدّ قتال سمع به الناس، و دام الحصر لهم خمسة أشهر، فقتل من الفريقين خلق كثير، إلاّ أنّ القتلى من التتر كانوا أكثر لأنّ المسلمين كان يحميهم السور.

فأرسل التتر إلى ملكهم جنكزخان‏يطلبون المدد، فأمدّهم بخلق كثير، فلمّا (2) وصلوا إلى البلد زحفوا زحفا متتابعا، فملكوا طرفا منه، فاجتمع أهل البلد (3) و قاتلوهم في طرف الموضع الّذي ملكوا، فلم يقدروا على إخراجهم، و لم يزالوا يقاتلونهم، و التتر يملكون منهم محلّة بعد محلّة، و كلّما ملكوا محلّة قاتلهم المسلمون في المحلّة التي تليهم، فكان الرجال و النساء و الصبيان يقاتلون، فلم يزالوا كذلك حتّى ملكوا البلد جميعه، و قتلوا كلّ من فيه، و نهبوا كلّ ما فيه، ثمّ إنّهم فتحوا السكر الّذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء، فغرق البلد جميعه، و تهدّمت الأبنية، و بقي موضعه ماء، و لم يسلم من أهله أحد البتّة، فإنّ غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله، منهم من يختفي، و منهم من يهرب، و منهم من يخرج ثمّ يسلم، و منهم من يلقي نفسه بين القتلى

____________

(1) . إلى خوارزم و كان فيهم كثرة فوصلوا إليها و فيها عسكر. A

(2) . فأمدهم بطائفة كثيرة من الجند فلما. A

(3) . زحفا... البلد. mo. B

395

فينجو، و أمّا[أهل‏]خوارزم فمن اختفى من التتر غرّقه الماء، أو قتله الهدم، فأصبحت خرابا يبابا[1]:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكّة سامر

و هذا لم يسمع بمثله في قديم الزمان و حديثه، نعوذ باللََّه من الحور بعد الكور، و من الخذلان بعد النصر، فلقد عمّت هذه المصيبة الإسلام و أهله، فكم من قتيل من أهل خراسان و غيرها، لأنّ القاصدين من التجار و غيرهم كانوا كثيرا، مضى الجميع تحت السيف.

و لمّا فرغوا من خراسان و خوارزم عادوا إلى ملكهم بالطالقان.

ذكر ملك التتر غزنة و بلاد الغور

لمّا فرغ التتر من خراسان و عادوا إلى ملكهم جهّز جيشا كثيفا و سيّره [إلى‏]غزنة و بها جلال الدين بن خوارزم شاه مالكا لها، و قد اجتمع إليه من سلم من عسكر أبيه، قيل: كانوا ستّين ألفا، فلمّا وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع ابن خوارزم شاه إلى موضع يقال له بلق‏ (1) ، فالتقوا هناك و اقتتلوا قتالا شديدا، و بقوا كذلك ثلاثة أيّام، ثمّ أنزل اللََّه نصره على المسلمين، فانهزم التترو قتلهم المسلمون كيف شاءوا، و من سلم منهم عاد إلى ملكهم بالطالقان، فلمّا سمع أهل هراة بذلك ثاروا بالوالي [1] أبابا.

____________

(1) . بلف: spUte. P. C . بلف:

396

الّذي عندهم للتتر فقتلوه، فسيّر إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد و خرّبوه كما ذكرناه.

فلمّا انهزم التتر أرسل جلال الدين رسولا إلى جنكزخان يقول له.

في أيّ موضع تريد[أن‏]يكون الحرب حتّى نأتي إليه؟فجهّز جنكزخان عسكرا كثيرا، أكثر من الأوّل مع بعض أولاده، و سيّره إليه، فوصل إلى كابل، فتوجّه العسكر الإسلاميّ إليهم، و تصافّوا هناك، و جرى بينهم قتال عظيم، فانهزم الكفّار ثانيا، فقتل‏[1] كثير منهم، و غنم المسلمون ما معهم، و كان عظيما، و كان معهم من أسارى المسلمين خلق كثير، فاستنقذوهم و خلّصوهم.

ثمّ إنّ المسلمين جرى بينهم فتنة لأجل الغنيمة، و سبب ذلك أنّ أميرا منهم يقال له سيف الدين بغراق، أصله من الأتراك الخلج، كان شجاعا مقداما، ذا رأي في الحرب و مكيدة، و اصطلى الحرب مع التتر بنفسه، و قال لعسكر جلال الدين: تأخّروا أنتم فقد ملئتم منهم رعبا، و هو الّذي كسر التتر على الحقيقة.

و كان من المسلمين أيضا أمير كبير يقال له ملك خان، بينه و بين خوارزم شاه نسب، و هو صاحب هراة، فاختلف هذان الأميران في الغنيمة، فاقتتلوا، فقتل بينهم أخ لبغراق. فقال بغراق: أنا أهزم الكفّار و يقتل أخي لأجل هذا السّحت!فغضب و فارق العسكر و سار إلى الهند، فتبعه من العسكر ثلاثون ألفا كلّهم يريدونه، فاستعطفه جلال الدين بكلّ طريق، و سار بنفسه إليه، و ذكّره الجهاد، و خوّفه من اللََّه تعالى‏ (1) ، و بكى بين يديه، فلم يرجع، و سار [1] فقيل.

____________

(1) . تعالى بتركه. A

397

مفارقا، فانكسر لذلك المسلمون و ضعفوا.

فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر أنّ جنكزخان قد وصل في جموعه و جيوشه، فلمّا رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر، و لم يقدر على المقام، سار[1] نحو بلاد الهند، فوصل إلى ماء السّند، و هو نهر كبير، فلم يجد من السفن ما يعبر فيه.

و كان جنكزخان يقصّ أثره مسرعا، فلم يتمكّن جلال الدين من العبور، حتّى أدركه جنكزخان في التتر، فاضطرّ المسلمون حينئذ إلى القتال و الصبر لتعذّر العبور عليهم، و كانوا في ذلك كالأشقر إن تأخّر يقتل و إن تقدّم يعقر، فتصافّوا و اقتتلوا أشدّ قتال، اعترفوا كلّهم أنّ كلّ ما مضى من الحروب كان لعبا بالنسبة إلى هذا القتال، فبقوا (1) كذلك ثلاثة أيّام، فقتل الأمير ملك خان المقدّم ذكره و خلق كثير، و كان القتل في الكفّار أكثر (2) ، و الجراح أعظم، فرجع الكفّار عنهم، فأبعدوا، و نزلوا على بعد، فلمّا رأى المسلمون أنّهم لا مدد لهم، و قد ازدادوا ضعفا بمن قتل منهم و جرح، و لم يعلموا بما أصاب الكفّار من ذلك، أرسلوا يطلبون السفن، فوصلت، و عبر المسلمون ليقضي اللََّه أمرا كان مفعولا.

فلمّا كان الغد عاد الكفّار إلى غزنة، و قد قويت نفوسهم بعبور المسلمين الماء إلى جهة الهند و بعدهم، فلمّا وصلوا إليها (3) ملكوها لوقتها لخلوّها من العساكر و المحامي، فقتلوا أهلها، و نهبوا الأموال، و سبوا الحريم، و لم يبق أحد، و خرّبوها و أحرقوها، و فعلوا بسوادها كذلك، و نهبوا و قتلوا و أحرقوا، [1] فسار.

____________

(1) . قتال مضى لهم فبقوا. A

(2) . كثير و كذلك من الكفار بل كان القتل فيهم أكثر. A

(3) . الماء... إليها. mo. A

398

فأصبحت تلك الأعمال جميعها خالية من الأنيس، خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس‏ (1) .

ذكر تسليم الأشرف خلاط إلى أخيه شهاب الدين غازي‏

أواخر هذه السنة أقطع الملك‏ (2) الأشرف موسى بن العادل مدينة خلاط و جميع‏ (3) الأعمال: أرمينية، و مدينة ميّافارقين من ديار بكر، و مدينة حاني‏ (4) ، أخاه‏ (5) شهاب الدين غازي بن العادل‏ (6) ، و أخذ منه‏ (7) مدينة الرّها، و مدينة سروج من بلاد الجزيرة، و سيّره إلى خلاط أوّل سنة ثماني عشرة و ستّمائة.

و سبب ذلك أنّ الكرج لمّا قصد التتر بلادهم و هزموهم، و نهبوها، و قتلوا كثيرا من أهلها، أرسلوا إلى أوزبك، صاحب أذربيجان و أرّان، يطلبون منه المهادنة و الموافقة على دفع التتر، و أرسلوا إلى الملك الأشرف في هذا المعنى، و قالوا للجميع: إن لم توافقونا على قتال هؤلاء القوم و دفعهم عن بلادنا، و تحضروا[1] بنفوسكم و عساكركم لهذا المهمّ، و إلاّ صالحناهم عليكم.

فوصلت رسلهم إلى الأشرف و هو يتجهّز (8) إلى الديار المصريّة لأجل الفرنج، و كانوا عنده أهمّ الوجوه‏ (9) ، لأسباب: أوّلها أنّ الفرنج كانوا قد ملكوا دمياط، و قد أشرفت الديار المصريّة على أن تملك، فلو (10) ملكوها [1] و تحضرون.

____________

(1) . خاوية... بالأمس. mo. A

(2) . سلم الملك. A

(3-4) و مديدة حاني. mo. A -جميع. mo. A

(5-6-7) . منه عوض ذلك مدينة الرها و أعمال الجزيرة. A -العادل و أضاف إليها ميافارقين. A -إلى أخيه. A

(8) . يتجهز المسير. A

(9) . الوجوه منها أنهم قد. A

(10) . فلو أخذوا مصر لم. A

399

لم يبق بالشام و لا غيره معهم ملك لأحد.

و ثانيها أنّ الفرنج أشدّ شكيمة، و طالبو ملك، فإذا ملكوا قرية لا يفارقونها إلا بعد أن يعجزوا عن حفظها يوما واحدا.

و ثالثها أنّ الفرنج قد طمعوا (1) في كرسي مملكة البيت العادليّ، و هي مصر، و التتر لم يصلوا إليها، و لم يجاوزوا شيئا من بلادهم‏ (2) ، و ليسوا أيضا ممّن يريد المنازعة في‏ (3) الملك، و ما غرضهم إلاّ النهب و القتل، و تخريب البلاد، و الانتقال من بلد إلى آخر.

فلمّا أتاه رسل الكرج بما ذكرناه، أجابهم‏ (4) يعتذر بالمسير إلى مصر لدفع الفرنج، و يقول لهم: إنّني قد أقطعت ولاية خلاط (5) لأخي، و سيّرته إليها ليكون بالقرب منكم‏ (6) ، و تركت عنده العساكر، فمتى احتجتم إلى نصرته حضر لدفع التتر، و سار هو إلى مصر كما ذكرناه.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك بدر الدين قلعة تلّ أعفر.

و فيها، في جمادى الأولى، ملك الأشرف مدينة سنجار.

و فيها أيضا وصل الموصل، و أقام بظاهرها، ثمّ سار يريد إربل لقصد صاحبها، فتردّدت الرسل بينهم في الصلح، فاصطلحوا في شعبان، و قد تقدّم هذا جميعه مفصّلا سنة خمس عشرة و ستّمائة.

و فيها وصل التتر الرّيّ فملكوهاو قتلوا كلّ من فيها، و نهبوها،

____________

(1) . قد طمعوا. mo. A

(2) . و لم... بلادهم. mo. A

(3) . المنازعة في. mo. A

(4) . ذكرناه أرسل إليهم. A

(5-6) . و سيرته... منكم. mo -خلاط جميعها. A . ; iuq

400

و ساروا عنها، فوصلوا إلى همذان، فلقيهم رئيسها بالطاعة و الحمل، فأبقوا على أهلها و ساروا إلى أذربيجان، فخرّبوا، و حرّقوا البلاد، و قتلوا، و سبوا، و عملوا ما لم يسمع بمثله، و قد تقدّم أيضا مفصّلا.

و فيها توفّي نصير الدين ناصر بن مهدي العلويّ الّذي كان وزير الخليفة، و صلّي عليه بجامع القصر، و حضره أرباب الدولة و دفن بالمشهد.

و فيها توفّي صدر الدين أبو الحسن محمّد بن حمويه الجوينيّ، شيخ الشيوخ بمصر و الشام، و كان موته بالموصل و ردها رسولا، و كان فقيها فاضلا، و صوفيّا صالحا، من بيت كبير من خراسان، رحمه اللََّه، كان نعم الرجل.

و فيها عاد جمع بني معروف إلى مواضعهم من البطيحة، و كانوا قد ساروا إلى الأجنا (1) و القطيف، فلم يمكنهم المقام لكثرة أعدائهم، فقصدوا شحنة البصرة، و طلبوا منه أن يكاتب الديوان ببغداد بالرضى عنهم، فكتب معهم بذلك و سيّرهم مع أصحابه إلى بغداد، فلمّا قاربوا واسط لقيهم قاصد من الديوان بقتلهم، فقتلوا.

ـ

____________

(1) . إلى الأحسا. B

401

618 ثم دخلت سنة ثماني عشرة و ستمائة

ذكر وفاة قتادة أمير مكّة و ملك ابنه الحسن و قتل أمير الحاجّ‏

في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفّي قتادة بن إدريس العلويّ، ثمّ الحسنيّ، أمير مكّة، حرسها اللََّه، بها، و كان عمره نحو تسعين سنة، و كانت ولايته قد اتّسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبيّ، صلّى اللََّه عليه و سلّم، و له‏ (1) قلعة ينبع بنواحي المدينة، و كثر عسكره، و استكثر من المماليك، و خافه العرب في تلك البلاد خوفا عظيما.

و كان، في أوّل ملكه، لمّا ملك مكّة، حرسها اللََّه، حسن السيرة (2) أزال عنها العبيد المفسدين، و حمى البلاد، و أحسن إلى الحجاج، و أكرمهم، و بقي كذلك مدّة، ثمّ إنّه بعد ذلك أساء السيرة، و جدّد المكوس بمكّة، و فعل أفعالا شنيعة، و نهب الحاجّ في بعض السنين كما ذكرناه.

و لمّا مات ملك بعده ابنه الحسن‏ (3) ، و كان له ابن آخر اسمه راجح، مقيم‏ (4)

في العرب بظاهر مكّة، يفسد، و ينازع أخاه في ملك مكّة، فلمّا سار حاجّ العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين اللََّه اسمه أقباش، و كان حسن السيرة مع الحاجّ في الطريق، كثير الحماية، فقصده راجح ابن قتادة، و بذل له و للخليفة مالا ليساعده على ملك مكّة (5) ، فأجابه إلى ذلك،

____________

(1) . إلى مكة و له. A

(2) . أحسن السيرة. و. A

(3-4) . مقيم. mo. A -الحسن مكة و بقي ابن آخر له. A

(5) . مالا ليوليه مكة. A

402

و وصلوا إلى مكّة، و نزلوا بالزاهر (1) ، و تقدّم إلى مكّة مقاتلا لصاحبها حسن.

و كان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب و غيرها، فخرج إليه من مكّة و قاتله، و تقدّم أمير الحاجّ من بين يدي عسكره منفردا، و صعد الجبل إدلالا بنفسه، و أنّه لا يقدم أحد عليه، فأحاط به أصحاب حسن، و قتلوه، و علّقوا رأسه، فانهزم‏ (2) عسكر أمير المؤمنين، و أحاط أصحاب حسن بالحاجّ لينهبوهم، فأرسل إليهم حسن عمامته‏أمانا للحجاج، فعاد أصحابه و لم ينهبوا منهم شيئا، و سكن الناس، و أذن لهم حسن في دخول مكّة و فعل ما يريدونه من الحجّ و البيع و غير ذلك، و أقاموا بمكّة عشرة أيّام، و عادوا، فوصلوا إلى العراق سالمين، و عظم الأمر على الخليفة، فوصلت رسل حسن يعتذرون، و يطلبون‏[1] العفو عنه، فأجيب إلى ذلك.

و قيل في موت قتادة: إنّ ابنه حسنا خنقه فمات، و سبب ذلك أنّ قتادة جمع جموعا كثيرة و سار عن مكّة يريد المدينة، فنزل بوادي الفرع و هو مريض، و سيّر أخاه على الجيش و معه ابنه الحسن بن قتادة، فلمّا أبعدوا بلغ الحسن أنّ عمّه قال لبعض الجند: إنّ أخي مريض، و هو ميّت لا محالة، و طلب منهم أن يحلفوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة، فحضر الحسن عند عمّه، و اجتمع إليه كثير من الأجناد و المماليك الذين لأبيه، فقال الحسن لعمّه: قد فعلت كذا و كذا، فقال: لم‏ (3) أفعل، فأمر حسن الحاضرين بقتله، فلم يفعلوا، و قالوا: أنت أمير و هذا أمير، و لا نمدّ أيدينا إلى أحدكما.

فقال له غلامان لقتادة: نحن عبيدك، فمرنا بما شئت، فأمرهما أن يجعلا عمامة [1] و يطلب.

____________

(1) . بالزاهر و قصد أمير الحاج مكة. A

(2) . فانهزم أصحاب أمير الحاج. A

(3) . له: spU .

403

عمّه في عنقه، ففعلا، ثمّ قتله.

فسمع قتادة الخبر، فبلغ منه الغيظ كلّ مبلغ، و حلف ليقتلنّ ابنه، و كان على ما ذكرناه من المرض، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرّفه الحال، و يقول له: ابدأ به قبل أن يقتلك، فعاد الحسن إلى مكّة، فلمّا وصلهاقصد دار أبيه في نفر يسير، فوجد على‏ (1) باب الدار جمعا كثيرا، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، ففارقوا الدار و عادوا إلى مساكنهم، و دخل الحسن إلى أبيه، فلمّا رآه أبوه شتمه، و بالغ في ذمّه و تهديده، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته، و خرج إلى الحرم الشريف، و أحضر الأشراف، و قال: إنّ أبي قد اشتدّ مرضه، و قد أمركم أن تحلفوا لي أن أكون أنا أميركم، فحلفوا له، ثمّ إنّه أظهر تابوتا و دفنه ليظنّ الناس أنّه مات، و كان قد دفنه سرّا.

فلمّا استقرّت الإمارة بمكّة له أرسل إلى أخيه الّذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه، و كتم موت أبيه عنه، فلمّا حضر أخوه قتله أيضا، و استقرّ أمره، و ثبت قدمه، و فعل بأمير الحاجّ ما تقدّم ذكره، فارتكب عظيما: قتل أباه و عمّه و أخاه في أيّام يسيرة، لا جرم لم يمهله اللََّه، سبحانه و تعالى، نزع ملكه، و جعله طريدا شريدا خائفا يترقّب.

و قيل إنّ قتادة كان يقول شعرا، فمن ذلك أنّه طلب ليحضر عند أمير الحاجّ، كما جرت عادة أمراء مكّة، فامتنع، فعوتب من بغداد، فأجاب بأبيات شعر منها:

و لي كفّ ضرغام أدلّ ببطشها # و أشري بها بين الورى و أبيع‏

تظلّ‏[1] ملوك الأرض تلثم ظهرها # و في وسطها للمجد بين ربيع‏

[1] تظنّ.

____________

(1) . يسير فرأى على. B

404

أ أجعلها تحت الرّحا ثمّ أبتغي # خلاصا لها؟إني إذا لرقيع‏

و ما أنا إلاّ المسك في كلّ بلدة # يضوع، و أمّا عندكم فيضيع‏

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة استعاد المسلمون مدينة دمياط بالديار المصريّة من الفرنج، و قد تقدّم ذكرها مشروحا مفصّلا.

و فيها، في صفر، ملك التتر مراغة و خرّبوها و أحرقوها و قتلوا أكثر أهلها و نهبوا أموالهم و سبوا حريمهم.

و سار التتر منها إلى همذان و حصروها، فقاتلهم أهلها و ظفر بهم التتر و قتلوا منهم ما لا يحصى، و نهبوا البلد.

و ساروا إلى أذربيجان فأعادوا النهب، و نهبوا ما بقي من البلاد، و لم ينهبوه أوّلا.

و وصلوا إلى بيلقان من بلاد أرّان، فحصروها و ملكوها[1] و قتلوا أهلها حتّى كادوا يفنونهم و نهبوا أموالهم، و ساروا إلى بلاد الكرج من أذربيجان و أرّان، فلقيهم خلق كثير من الكرج فقاتلوهم و انهزم الكرج و كثر القتل فيهم و نهب أكثر بلادهم و قتل أهلها، و ساروا من هناك إلى دربند شروان، فحصروا مدينة شماخي و ملكوها، و قتلوا كثيرا من أهلها.

و ساروا إلى بلد اللاّن و اللّكز (1) و من عندهم من الأمم، فأوقعوا، [1] و ملكوا.

____________

(1) . و اللكز... و رحلوا عن. mo. A