الكامل في التاريخ - ج12

- ابن الأثير الجزري المزيد...
505 /
405

و رحلوا عن قفجاق، و أجلوهم عنها، و استولوا عليها، و ساحوا في تلك الأرض حتّى وصلوا إلى بلاد الروس، و قد تقدّم ذكر جميعه مستقصى، و إنّما أوردناه‏[1] هاهنا جملة ليعلم الّذي كان في هذه السنة من حوادثهم.

و فيها توفّي صديقنا أمين الدين ياقوت الكاتب الموصليّ، و لم يكن في زمانه من يكتب ما يقاربه، و لا من يؤدّي طريقة ابن البوّاب مثله، و كان ذا فضائل جمّة من علم الأدب و غيره، و كان كثير الخير، نعم الرجل، مشهورا في الدنيا، و الناس متّفقون على الثناء الجميل عليه و المدح له، و لهم فيه أقوال كثيرة نظما و نثرا، فمن ذلك ما قاله نجيب الدين الحسين بن عليّ الواسطيّ من قصيدة يمدحه بها:

جامع شارد العلوم و لولاه # لكانت أمّ الفضائل ثكلى‏

ذو يراع تخاف سطوته الأسد # و تعنو له الكتائب ذلاّ

و إذا افترّ ثغره عن سواد # في بياض فالبيض و السّمر خجلى‏

أنت بدر و الكاتب ابن هلال # كأبيه لا فخر فيمن تولّى‏

و منها:

إن يكن أوّلا، فإنّك بالتفضيل # أولى، لقد سبقت و صلّى‏

و هي طويلة، و الكاتب ابن هلال هو ابن البوّاب الّذي هو أشهر من أن يعرّف.

و فيها توفّي جلال الدين الحسن، و هو من أولاد الحسن بن الصباح، الّذي تقدّم ذكره، صاحب الموت و كردكوه، و هو مقدّم الإسماعيليّة، و قد ذكرنا أنّه كان قد أظهر شريعة الإسلام من الأذان و الصلاة، و ولي بعد ابنه علاء الدين محمّد.

[1] أردناه.

406

619 ثم دخلت سنة تسع عشرة و ستمائة

ذكر خروج طائفة من قفجاق إلى أذربيجان و ما فعلوه بالكرج و ما كان منهم‏

في هذه السنة اجتمع طائفة كثيرة من القفجاق و فارقوا بلادهم لمّا استولى عليها التتر، و ساروا إلى دربند شروان، و أرسلوا إلى صاحبه، و اسمه رشيد، و قالوا له: إنّ التتر قد ملكوا بلادنا، و نهبوا أموالنا (1) ، و قد قصدناك لنقيم في بلادك، و نحن مماليك لك، و نفتح البلاد لك و[تكون‏]أنت سلطاننا، فمنعهم من ذلك و خافهم، فأعادوا الرسالة إليه: إنّنا نحن نرهن عندك أولادنا و نساءنا على الطاعة و الخدمة لك، و الانقياد لحكمك، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فسألوه أن يمكّنهم‏ (2) ليتزوّدوا من بلده، تدخل عشرة عشرة، فإذا اشتروا ما يحتاجون‏[1] إليه فارقوا بلاده، فأجابهم إلى ذلك، فصاروا يدخلون متفرّقين، و يشترون ما يريدون، و يخرجون.

ثمّ إنّ بعض كبرائهم و المقدّمين منهم جاء إلى رشيد و قال: إنّني كنت في خدمة السلطان خوارزم شاه، و أنا مسلم، و الدين يحملني على نصحك، اعلم أنّ قفجاق أعداؤك، و يريدون الغدر بك، فلا تمكّنهم من المقام ببلادك، [1] يحتاجوا.

____________

(1) . إن التتر... أموالنا و. mo. A

(2) . يمكنهم من دخول المدينة. A

407

فأعطني عسكرا حتّى أقاتلهم و أخرجهم من البلاد. ففعل ذلك، و سلّم إليه طائفة من عسكره، و أعطاهم ما يحتاجون إليه من سلاح و غيره، فساروا معه، فأوقعوا بطائفة من قفجاق، فقتل منهم جماعة و نهب منهم، فلم يتحرّك قفجاق لقتال بل قالوا: نحن مماليك الملك شروان شاه رشيد، و لو لا ذلك لقاتلنا عسكره، فلمّا عاد ذلك المقدّم القفجاقيّ و معه عسكر رشيد سالمين، فرح بهم.

ثمّ إنّ قفجاق فارقوا موضعهم، فساروا ثلاثة أيّام، فقال ذلك القفجاقيّ لرشيد: أريد عسكرا أتبعهم‏[به و أغنم ما معهم‏]، فأمر له من العسكر بما أراد، فسار يقفو أثر القفجاق، فأوقع بأواخرهم، و غنم منهم.

و قصده جمع كثير من قفجاق من الرجال و النساء يبكون، و قد جزّوا شعورهم، و معهم تابوت، و هم محيطون به يبكون حوله، و قالوا له: إنّ صديقك فلانا قد مات، و قد أوصى أن نحمله إليك فتدفنه‏[في‏]أيّ موضع شئت، و نكون نحن عندك، فحمله معه و الذين يبكون عليه أيضا، و عاد إلى شروان شاه رشيد، و أعلمه أنّ الميّت صديق له، و قد حمله معه، و قد طلب أهله أن يكونوا عنده في خدمته، فأمر أن يدخلوا البلد، و أنزلهم فيه.

فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدّم، و يركبون بركوبه، و يصعدون معه إلى القلعة التي لرشيد، و يقعدون عنده، و يشربون معه هم و نساؤهم، فأحبّ رشيد امرأة ذلك الرجل الّذي قيل له: إنّه ميّت، و لم يكن مات، و إنّما فعلوا هكذا مكيدة حتّى دخلوا البلد و الّذي أظهروا موته معهم في المجلس، و لا يعرفه رشيد، و هو من أكبر مقدّمي قفجاق، فبقوا كذلك عدّة أيّام، فكلّ يوم يجي‏ء جماعة من قفجاق متفرّقين، فاجتمع بالقلعة منهم جماعة، و أرادوا قبض رشيد و ملك بلاده‏ (1) ، ففطن لذلك، فخرج عن القلعة من باب السرّ، و هرب و مضى إلى شروان. و ملك قفجاق القلعة، و قالوا لأهل

____________

(1) . و ملك بلاده. mo. A

408

البلد: نحن خير لكم من رشيد، و أعادوا باقي أصحابهم إليهم، و أخذوا السلاح الّذي في البلد جميعه، و استولوا على الأموال التي كانت لرشيد في القلعة، و رحلوا عن القلعة، و قصدوا قبلة، و هي للكرج، فنزلوا عليها و حصروها.

فلمّا سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع إليها و ملكها (1) ، و قتل من بها من قفجاق، و لم يشعر القفجاق الذين عند قبلة بذلك، فأرسلوا طائفة منهم إلى القلعة، فقتلهم رشيد أيضا، فبلغ الخبر إلى القفجاق، فعادوا إلى دربند، فلم يكن لهم‏ (2) في القلعة طمع.

و كان صاحب قبلة، لمّا كانوا يحصرونه، قد أرسل‏[إليهم، و قال لهم:

أنا أرسل‏] (3) إلى ملك الكرج حتّى يرسل إليكم الخلع و الأموال، و نجتمع نحن و أنتم و نملك البلاد، فكفّوا عن نهب ولايته أيّاما، ثمّ إنّهم مدّوا أيديهم بالنهب و الفساد، و نهبوا بلاد قبلة جميعها، و ساروا إلى قرب كنجة من بلاد أرّان، و هي للمسلمين، فنزلوا هناك، فأرسل إليهم الأمير بكنجة، و هو مملوك لأوزبك صاحب أذربيجان‏ (4) اسمه كوشخرة، عسكرا فمنعهم من الوصول إلى بلاده‏ (5) ، و سيّر رسولا إليهم يقول لهم: غدرتم بصاحب شروان، و أخذتم قلعته، و غدرتم بصاحب قبلة، و نهبتم بلاده، فما يثق بكم أحد، فأجابوا: إنّنا ما جئنا إلاّ قصدا لخدمة سلطانكم، فمنعنا شروان شاه عنكم، فلهذا قصدنا بلاده، و أخذنا قلعته، ثمّ تركناها من غير خوف، و أمّا صاحب قبلة فهو عدوّكم و عدوّنا، و لو أردنا أن نكون عند الكرج لما كنّا جعلنا طريقنا على دربند شروان، فإنّه أصعب و أدقّ و أبعد، و كنّا جئنا إلى بلادهم‏ (6)

____________

(1) . رجع إلى قلعة دربند و ملكها. A

(2) . لهم فيها مطمع و أرسل إليهم صاحب قبلة يستميلهم و يقول لهم أنا أرسل. A

(3) .

(4) . أذربيجان و أران. A

(5) يمنعهم من دخول بلاده. A .

(6) . بلادهم من طريق القريب على. A

409

على عادتنا و نحن نوجّه الرهائن إليكم.

فلمّا سمع كوشخرة هذا سار إليهم، فسمع به قفجاق، فركب‏[1] أميران منهم، هما مقدّماهم، في نفر يسير، و جاءوا إليه و لقوة و خدموه، و قالوا له: قد أتيناك جريدة في قلّة من العدد لتعلم أنّنا ما قصدنا إلاّ الوفاء و الخدمة لسلطانكم، فأمرهم كوشخرة بالرحيل و النزول عند كنجة، و تزوّج ابنة أحدهم‏ (1) ، و أرسل إلى صاحبه أوزبك يعرّفه حالهم، فأمر لهم بالخلع و النزول بجبل كيلكون‏ (2) ، ففعلوا ذلك.

و خافهم الكرج، فجمعوا لهم ليكبسوهم، فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير كنجة، فأخبر قفجاق، و أمرهم بالعود و النزول عند كنجة، فعادوا و نزلوا عندها، و سار أمير من أمراء قفجاق في جمع منهم إلى الكرج، فكبسهم، و قتل كثيرا منهم، و هزمهم، و غنم ما معهم، و أكثر القتل فيهم و الأسر منهم، و تمّت الهزيمة عليهم، و رجع قفجاق إلى جبل كيلكون‏ (3) ، فنزلوا فيه كما كانوا.

فلمّا نزلوا أراد الأمير الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما فعل صاحبه، فسمع كوشخرة، فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر الكرج، فلم يقف، فسار إلى بلادهم في طائفته، و نهب و خرّب و أخذ الغنائم، فسار (4) الكرج في طريق يعرفونها و سبقوه، فلمّا وصل إليهم قاتلوه، و حملوا عليه و على من معه على غرّة و غفلة، فوضعوا السيف فيهم، و أكثروا القتل فيهم، و استنقذوا الغنائم منه، فعاد هو و من معه على أقبح حالة، و قصدوا برذعة.

[1] فركبا.

____________

(1) . أحد من مقدميهم و أرسل. A

(2-3) . كيكلون: spU . 468, II ,1849. sA .

(4) . الغنائم و عاد فسار. B

410

و أرسلوا إلى كوشخرة يطلبون أن يحضر عندهم هو بنفسه و عسكره ليقصدوا الكرج فيأخذوا بثأرهم منهم، فلم يفعل‏ (1) ، و أخافهم، و قال: أنتم خالفتموني، و عملتم برأيكم، فلا أنجدكم بفارس واحد، فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم، فلم يعطهم، فاجتمعوا و أخذوا كثيرا من المسلمين عوضا من الرهائن، فثأر بهم المسلمون من أهل‏ (2) البلاد، و قاتلوهم، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، فخافوا، و ساروا نحو شروان، و جازوا إلى بلد اللّكز، فطمع الناس فيهم، المسلمون و الكرج و اللّكز و غيرهم، فأفنوهم قتلا و نهبا و أسرا و سبيا بحيث إنّ المملوك منهم كان يباع في دربند شروان بالثمن البخس.

ذكر نهب الكرج بيلقان‏

في هذه السنة، في شهر رمضان، سار الكرج من بلادهم إلى بلاد أرّان و قصدوا مدينة بيلقان، و كان التتر قد خرّبوها، و نهبوها كما ذكرناه قبل، فلمّا سار التتر إلى بلاد قفجاق عاد من سلم من أهلها إليها، و عمروا ما أمكنهم عمارته من سورها (3) .

فبينما هم كذلك إذ أتاهم الكرج‏[و دخلوا البلد و ملكوه. و كان المسلمون في تلك البلاد ألفوا من الكرج‏] (4) أنّهم إذا ظفروا ببلد صانعوه بشي‏ء من المال فيعودون عنهم، فكانوا أحسن الأعداء مقدرة، فلمّا كانت هذه الدفعة ظنّ المسلمون أنّهم يفعلون مثل ما تقدّم، فلم يبالغوا في الامتناع‏ (5) منهم، ـ

____________

(1) . منهم فلم يفعل. mo. A

(2) . فاجتمعوا... من أهل. mo. A

(3) . عمارته من المساكن و السور. A

(4) . 740 te. P. C

(5) . الامتناع و لا فارقوا البلد مع معرفتهم بعجزهم، فلما. A

411

و لا هربوا من بين أيديهم، فلمّا ملك الكرج المدينة وضعوا السيف في أهلها، و فعلوا من القتل و النهب أكثر ممّا فعل بهم التتر.

هذا جميعه يجري، و صاحب بلاد أذربيجان أوزبك‏ (1) بن البهلوان بمدينة تبريز، و لا يتحرّك في صلاح، و لا يتّجه‏ (2) لخير بل قد قنع بالأكل و إدمان الشرب و الفساد، فقبّحه اللََّه، و يسّر للمسلمين من يقوم بنصرهم و حفظ بلادهم بمحمّد و آله‏[1].

ذكر ملك بدر الدين قلعة شوش‏

في هذه السنة ملك بدر الدين، صاحب الموصل، قلعة شوش من أعمال الحميديّة، و بينها و بين الموصل اثنا عشر فرسخا.

و سبب ذلك أنّها كانت هي و قلعة العقر متجاورتين لعماد الدين زنكي ابن أرسلان شاه‏ (3) ، و كان بينهما من الخلف‏[2] ما تقدّم ذكره.

فلمّا كان هذه السنة (4) سار زنكي إلى أذربيجان ليخدم صاحبها أوزبك ابن البهلوان، فاتّصل به، و صار معه، و أقطعه إقطاعات، و أقام عنده، فسار بدر الدين إلى قلعة شوش فحاصرها، و ضيّق عليها (5) ، و هي على رأس جبل عال، فطال مقامه عليها لحصانتها، فعاد إلى الموصل، و ترك عسكره محاصرا [1] و آلهم.

[2] الخلق.

____________

(1) . و صاحب البلاد الإسلامية أوزبك. A

(2) . نتجة: 472, II ,1849. sA. J

(3) . أرسلان شاه و هما متجاورتان. A

(4) . و كان بينهما... السنة. mo. A

(5) . عليها و نصب عليها المجانيق و هي من أمنع الحصون على رأس. A

412

سلّموها على قاعدة استقرّت بينهم، من أقطاع و خلع و غير ذلك، فتسلّمها نوّابه في التاريخ، و رتّبوا أمورها و عادوا إلى الموصل.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، في العشرين من شعبان، ظهر كوكب في السماء في الشرق، كبير له ذؤابة طويلة غليظة، و كان طلوعه وقت السّحر، فبقي كذلك عشرة أيّام، ثمّ إنّه ظهر أوّل الليل في الغرب ممّا يلي الشمال، فكان كلّ ليلة يتقدّم إلى جهة الجنوب نحو عشرة أذرع في رأي العين، فلم يزل يقرب من الجنوب حتّى صار غربا محضا، ثمّ صار غربا مائلا إلى الجنوب، بعد أن كان غربا ممّا يلي الشمال، فبقي كذلك إلى آخر شهر رمضان من السنة ثمّ غاب.

و فيها توفّي ناصر الدين محمود بن محمّد قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا و آمد، و كان ظالما قبيح السيرة في رعيّته. قيل: إنّه كان يتظاهر بمذهب الفلاسفة في أنّ الأجساد لا تحشر، كذبوا لعنهم اللََّه. و لمّا مات ملك ابنه الملك المسعود.

413

620 ثم دخلت سنة عشرين و ستمائة

ذكر ملك صاحب اليمن مكّة، حرسها اللََّه تعالى‏

في هذه السنة (1) سار الملك المسعود أتسز ابن الملك الكامل محمّد، صاحب مصر، إلى مكّة، و صاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن إدريس، العلويّ الحسينيّ، قد ملكها بعد أبيه، كما ذكرناه.

و كان حسن قد أساء إلى الأشراف و المماليك الذين كانوا لأبيه، و قد تفرّقوا عنه، و لم يبق عنده غير أخواله من غيره، فوصل صاحب اليمن إلى مكّة (2) ، و نهبها عسكره إلى العصر.

فحدّثني بعض المجاورين المتأهّلين أنّهم نهبوها، حتّى أخذوا الثياب عن الناس، و أفقروهم، و أمر صاحب اليمن أن ينبش قبر قتادة و يحرق، فنبشوه، فظهر التابوت الّذي دفنه ابنه الحسن و الناس ينظرون إليه، فلم يروا فيه شيئا، فعلموا حينئذ أنّ الحسن دفن أباه سرّا، و أنّه لم يجعل في التابوت شيئا.

و ذاق الحسن عاقبة قطيعة (3) الرحم، و عجل اللََّه مقابلته، و أزال عنه ما قتل أباه و أخاه و عمّه لأجله، خسر الدنيا و الآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

____________

(1) . السنة في أولها ملك صاحب اليمن أتسز... بن العادل صاحب مصر مكة و كان صاحبها. iuq. A

(2) . إلى مكة رابع ربيع الآخر فلقيه الحسن و قاتله بالمسعى ببطن مكة فلم يثبت و ولى منهزما ففارق مكة فيمن معه و ملك أتسز صاحب اليمن مكة و نهبها. B

(3) . عاقبة الظلم و قطيعة. B

414

ذكر حرب بين المسلمين و الكرج بأرمينية

في هذه السنة، في شعبان، سار صاحب قلعة سرمارى‏ (1) ، [و هي‏]من أعمال‏[أرمينية إلى‏]خلاط، لأنّه كان في طاعة صاحب خلاط، و هو حينئذ شهاب الدين غازي بن العادل أبي بكر بن أيّوب، فحضر عنده، و استخلف ببلده أميرا من أمرائه، فجمع هذا الأمير جمعا و سار إلى بلاد الكرج، فنهب منها عدّة قرى و عاد.

فسمعت الكرج بذلك، فجمع صاحب دوين، و اسمه شلوة (2) ، و هو من أكابر أمراء الكرج، عسكره‏[و سار]إلى سرمارى فحصرها أيّاما، و نهب بلدها و سوادها و رجع.

فسمع صاحب سرمارى الخبر، فعاد إلى سرمارى، فوصل إليها في اليوم الّذي رحل الكرج عنها، فأخذ عسكره و تبعهم، فأوقع بساقتهم، فقتل منهم و غنم، و استنقذ بعض ما أخذوا من غنائم بلاده.

ثمّ إنّ صاحب دوين جمع عسكره و سار (3) إلى سرمارى ليحصرها، فوصل الخبر إلى صاحبها بذلك، فحصّنها، و جمع الذخائر و ما يحتاج إليه، فأتاه من أخبره أن الكرج نزلوا بواد بين دوين و سرمارى، و هو واد ضيّق، فسار جميع عسكره جريدة، و جدّ السير ليكبس الكرج، فوصل إلى الوادي الّذي هم فيه وقت السّحر، ففرّق عسكره فرقتين: فرقة من أعلى الوادي، و فرقة من أسفله، و حملوا عليهم و هم غافلون، و وضعوا السيف فيهم،

____________

(1) . سرمن‏رأى‏ euqibu. spU. P. C

(2) . II. sA. J. rfC . سلوة: spU . شروة. P. C

(3) . دوين حشد الكرج و سار. A

415

فقتلوا و آسروا، فكان في جملة الأسرى شلوة أمير دوين، في جماعة كثيرة من مقدّميهم‏ (1) ، و من سلم من الكرج عاد إلى بلدهم على حال سيّئة.

ثمّ إنّ ملك الكرج أرسل إلى الملك الأشرف موسى بن العادل، صاحب ديار الجزيرة، و هو (2) الّذي أعطى خلاط و أعمالها الأمير شهاب الدين، يقول له‏ (3) : كنّا نظنّ أنّنا صلح، و الآن فقد عمل صاحب سرمارى هذا العمل، فإن كنّا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر، و إن كان الصلح قد انفسخ بيننا فتعرّفنا حتّى ندبّر أمرنا.

فأرسل الأشرف إلى صاحب سرمارى يأمره بإطلاق الأسرى و تجديد الصلح‏ (4)

مع الكرج، ففعل ذلك و استقرّت قاعدة الصلح، و أطلق الأسرى.

ذكر الحرب بين غياث الدين و بين خاله‏

في هذه السنة، في جمادى الآخرة (5) ، انهزم إيغان طائيسي، و هو خال غياث الدين بن خوارزم شاه محمّد بن تكش، و غياث الدين هذا هو صاحب بلاد الجبل و الرّيّ و أصبهان و غير ذلك، و له أيضا بلاد كرمان‏ (6) .

و كان سبب ذلك أنّ خاله إيغان طائيسي كان معه، و في خدمته، و هو أكبر أمير معه لا يصدر غياث الدين إلاّ عن رأيه، و الحكم إليه في جميع المملكة، فلمّا عظم شأنه حدّث نفسه بالاستيلاء على الملك، و حسّن له ذلك غيره، و أطمعه فيه، قيل: إنّ الخليفة الناصر لدين اللََّه أقطعه البلاد سرّا، و أمره بذلك‏ (7) ،

____________

(1) . من مقدمي الكرج و غنموا جميع ما معهم و عادوا سالمين و أما الكرج فمن سلم منهم عاد إلى بلده. A

(2-3) . الّذي استناب أخاه غازي بخلاط يقول له. A -صاحب خلاط و غيرها و هو. A

(4) . الصلح من الجانبين فأطلق الأسرى و اصطلحوا و استقرت القواعد بينهم. A

(5) . جمادى الأولى. A

(6) . و غير... كرمان. mo. A

(7) . قيل إن... بذلك. mo. A

416

فقويت نفسه على الخلاف، فاستفسد جماعة من العسكر و استمالهم.

فلمّا تمّ له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين، و خرج عن طاعة (1) أوزبك، و صار في البلاد يفسد، و يقطع الطريق، و ينهب ما أمكنه من القرى و غيرها، و انضاف إليه جمع كثير من أهل العنف و الفساد، و معه مملوك آخر اسمه أيبك الشاميّ‏ (2) ، و ساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه و يملكوا بلاده و يخرجوه منها، فجمع غياث الدين عسكره‏و التقوا بنواحي‏ (3) .....

و اقتتلوا، فانهزم خال غياث الدين و من معه، و قتل من عسكره و أسر كثير، و عاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال، و أقام غياث الدين في بلاده و ثبت قدمه.

حادثة غريبة لم يوجد مثلها

كان أهل المملكة في الكرج لم يبق منهم غير امرأة، و قد انتهى الملك إليها فوليته، و قامت بالأمر فيهم، و حكمت‏ (4) ، فطلبوا لها رجلا يتزوّجها و يقوم بالملك نيابة عنها، و يكون من أهل بيت مملكة، فلم يكن فيهم من يصلح لهذا الأمر.

و كان صاحب أرزن الروم، هذا الوقت، هو مغيث الدين طغرل شاه بن

____________

(1) . طاعته و قصد أذربيجان و كان بها مملوك (لصاحبها أوزبك. A ) اسمه بندي قد خرج عن طاعة صاحبه (و خالف عليه و نهب البلاد و أفسد فيها. A ) (أوزبك و انضاف إليه جمع كثير من . هل العيث و الفساد و صار في البلاد) . B

(2) . الشامي فكثر جمعهما و اتفقا مع خال غياث الدين و لحق بهم كل من يريد الفساد و النهب فقوي خال غياث الدين بهما و كثر حشدهم و ساروا إلى. A

(3) . بنواحي: mecovtittimo. P. C. manucaltebahmednae

(4) . و حكمت عليهم. B

417

قلج أرسلان بن مسعود قلج أرسلان‏ (1) ، و بيته مشهور من أكابر ملوك الإسلام، و هم من الملوك السلجوقيّة، و له ولد كبير، فأرسل إلى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوّجها، فامتنعوا من إجابته، و قالوا: لا نفعل هذا، لأنّنا لا يمكننا أن يملك أمرنا مسلم. فقال لهم: إنّ ابني يتنصّر و يتزوّجها، فأجابوه إلى ذلك، فأمر ابنه فتنصّر و دان بالنصرانيّة، و تزوّج الملكة، و انتقل إليها، و أقام عند الكرج حاكما في بلادهم، و استمرّ على النصرانيّة، نعوذ باللََّه من الخذلان، و نسأله أن يجعل خير أعمالنا آخرها، و خير أعمالنا خواتيمها، و خير أيّامنا يوم نلقاه.

ثمّ كانت هذه الملكة الكرجيّة تهوى مملوكا لها، فكان زوجها يسمع عنها القبائح و لا يمكنه الكلام لعجزه، ثمّ إنّه يوما دخل عليها فرآها نائمة مع مملوكها في فراش، فأنكر ذلك و واجهها بالمنع منه، فقالت: إن رضيت بهذا، و إلا أنت أخبر. فقال: إنّني لا أرضى بهذا، فنقلته إلى بلد آخر، و وكّلت به من يمنعه من الحركة، و حجرت عليه، و أرسلت إلى بلد اللاّن و أحضرت رجلين كانا قد وصفا بحسن الصورة، فتزوّجت أحدهما، فبقي معها يسيرا، ثمّ إنّها فارقته، و أحضرت إنسانا آخر من كنجة، و هو مسلم، فطلبت منه أن يتنصّر ليتزوّجها، فلم يفعل، فأرادت أن تتزوّجه و هو مسلم، فقام عليها جماعة الأمراء، و معهم إيواني‏ (2) ، و هو مقدّم العساكر الكرجيّة، فقالوا لها:

قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين ثمّ تريدين أن يتزوّجك مسلم، و هذا لا نمكّن منه أبدا، و الأمر بينهم متردّد و الرجل الكنجي عندهم لم يجبهم إلى الدخول في النصرانيّة، و هي تهواه.

____________

(1) . بن قلج أرسلان. B

(2) . أبوابي: spU . 476, II ,1849. sA. J

418

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة كان الجراد في أكثر البلاد، و أهلك كثيرا من الغلاّت و الخضر بالعراق و الجزيرة و ديار بكر و كثير من الشام و غيرها.

و فيها، في رمضان، توفّي عبد الرحمن بن هبة اللََّه بن عساكر، الفقيه الشافعيّ الدمشقيّ، بها، و كان غزير العلم، عالما بالمذهب، كثير الصلاح و الزهد و الخير، رحمه اللََّه.

و فيها خرج العرب في خلق كثير على حجاج الشام، و أرادوا قطع الطريق عليهم و أخذهم، و كان الأمير على الحجاج شرف الدين يعقوب بن محمّد، و هو من أهل الموصل، أقام بالشام، و تقدّم فيه، فمنعهم بالرغبة و الرهبة، ثمّ صانعهم بمال و ثياب و غير ذلك، فأعطى الجميع من ماله، و لم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد، و فعل فعلا جميلا. و كان عنده كثير من العلوم، و يرجع إلى دين متين.

419

621 ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و ستمائة

ذكر عود طائفة من التتر إلى الرّيّ و همذان و غيرهما

أوّل هذه السنة وصل طائفة من التتر من عند ملكهم جنكزخان، و هؤلاء غير الطائفة الغربيّة التي ذكرنا أخبارها قبل وصول هؤلاء الرّيّ، و كان من سلم من أهلها قد عادوا إليها و عمّروها، [فلم يشعروا]بالتتر إلاّ و قد وصلوا إليهم، فلم يمتنعوا عنهم، فوضعوا في أهلها السيف و قتلوهم كيف شاءوا، و نهبوا البلد و خرّبوه، و ساروا إلى ساوة ففعلوا بها كذلك، ثمّ إلى قمّ و قاشان، و كانتا قد سلمتا من التتر أوّلا، فإنّهم لم يقربوهما، و لا أصاب أهلهما[1] أذى، فأتاهما هؤلاء و ملكوهما، و قتلوا أهلهما، و خرّبوهما، و ألحقوهما بغيرهما من البلاد الخراب.

ثمّ ساروا في البلاد يخرّبون و يقتلون و ينهبون، ثمّ قصدوا همذان، و كان قد اجتمع بها كثير ممّن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلا و أسرا و نهبا، و خرّبوا البلد.

و كانوا لمّا وصلوا إلى الرّيّ رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزميّة، فكبسوهم و قتلوا منهم، و انهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا إلاّ و التتر أيضا قد كبسوهم و وضعوا السيف فيهم، فولّوا منهزمين، فوصل [1] أهلها.

420

طائفة منهم إلى تبريز (1) ، و أرسلوا إلى صاحبها أوزبك بن البهلوان يقولون:

إن كنت موافقنا فسلّم إلينا من عندك من الخوارزميّة، و إلاّ فعرّفنا أنّك غير موافق لنا، و لا في طاعتنا، فعمد إلى من عنده من الخوارزميّة فقتل بعضهم و أسر بعضهم، و حمل الأسرى و الرءوس إلى التتر، و أنفذ معها من الأموال و الثياب و الدوابّ شيئا كثيرا، فعادوا عن بلاده نحو خراسان، فعلوا هذا و ليسوا في كثرة، كانوا نحو ثلاثة آلاف فارس، و كان الخوارزميّة الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف راجل، و عسكر اوزبك أكثر من الجميع، و مع هذا فلم يحدّث نفسه و لا الخوارزميّة بالامتناع منهم.

نسأل اللََّه أن ييسّر للإسلام و المسلمين من يقوم بنصرتهم، فقد دفعوا إلى أمر عظيم من قتل النفوس، و نهب الأموال، و استرقاق الأولاد، و سبي الحريم و قتلهنّ، و تخريب البلاد.

ذكر ملك غياث الدين بلاد فارس‏

قد ذكرنا أنّ غياث الدين بن خوارزم شاه محمّد كان بالرّيّ، و له معها أصفهان و همذان و ما بينهما من البلاد، و له أيضا بلاد كرمان، فلمّا هلك أبوه، كما ذكرناه، وصل التتر إلى بلاده، و امتنع بأصفهان، و حصره التتر فيها فلم يقدروا عليها، فلمّا فارق التتر بلاده، و ساروا إلى بلاد قفجاق، عاد ملك البلاد و عمر ما أمكنه منها، و أقام بها إلى أواخر سنة عشرين و ستّمائة، و جرى له ما ذكرناه.

ففي آخر سنة عشرين و ستّمائة سار إلى بلاد فارس فلم يشعر صاحبها، و هو ـ

____________

(1) . تبريز و تفرق الباقون و وصل التتر إلى قرب تبريز. B

421

أتابك سعد بن دكلا، إذ وقد وصل غياث الدين إلى أطراف بلاده، فلم يتمكّن من الامتناع، فقصد قلعة إصطخر فاحتمى بها، و سار غياث الدين إلى مدينة شيراز، و هي كرسيّ مملكة فارس، و أكبرها و أعظمها، فملكها بغير تعب أوّل سنة إحدى و عشرين و ستّمائة، و بقي غياث الدين بها، و استولى على أكثر البلاد، و لم يبق بيد سعد إلاّ الحصون المنيعة.

فلمّا طال الأمر على سعد صالح غياث الدين على أن يكون لسعد من البلاد قسم اتّفقوا عليه، و لغياث الدين الباقي، و أقام غياث الدين بشيراز، و ازداد إقامة و عزما على ذلك لمّا سمع أنّ التتر قد عادوا إلى الرّيّ و البلاد التي له و خرّبوها.

ذكر عصيان شهاب الدين غازي على أخيه الملك الأشرف و أخذ خلاط منه‏

كان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيّوب قد أقطع أخاه شهاب الدين غازي مدينة خلاط و جميع أعمال أرمينية، و أضاف إليها ميّافارقين و حاني و جبل جور، و لم يقنع بذلك حتّى جعله وليّ عهده في البلاد التي له جميعها، و حلّف له جميع النوّاب و العساكر في البلاد.

فلمّا سلّم إليه أرمينية سار إليها، كما ذكرناه، و أقام بها إلى آخر سنة عشرين و ستّمائة، فأظهر مغاضبة أخيه الملك الأشرف، و التجنّي عليه و العصيان، و الخروج عن طاعته، فراسله الأشرف يستميله و يعاتبه على ما فعل، فلم يرعو، و لا ترك ما هو عليه، بل أصرّ على ذلك، و اتّفق هو و أخوه المعظّم عيسى، صاحب دمشق، و مظفّر الدين بن زين الدين، صاحب إربل،

422

على الخلاف للأشرف، و الاجتماع على محاربته، و أظهروا ذلك.

و علم الأشرف فأرسل إلى أخيه الكامل بمصر يعرّفه ذلك، و كانا متفقين، و طلب منه نجدة، فجهّز العساكر و أرسل إلى أخيه، صاحب دمشق، يقول له:

إن تحرّكت من بلدك سرت إليه و أخذته، و كان قد سار نحو ديار الجزيرة للميعاد الّذي بينهم، فلمّا وصلت إليه رسالة أخيه، و سمع بتجهيز العساكر، عاد إلى دمشق.

و أمّا صاحب إربل فإنّه جمع العساكر و سار إلى الموصل، فكان منه ما نذكره إن شاء اللََّه.

و أمّا الأشرف فإنّه لمّا تيقّن عصيان أخيه جمع العساكر من الشام، و الجزيرة، و الموصل، و سار إلى خلاط، فلمّا قرب منها خافه أخوه غازي، و لم يمكن له قوّة على أن يلقاه محاربا، ففرّق عسكره في البلاد ليحصّنها، و انتظر أخوه صاحب دمشق أن يسيّر صاحب إربل إلى ما يجاوره من الموصل و سنجار، و أن يسيّر أخوه إلى بلاد الأشرف عند الفرات‏[1]: الرّقّة و حرّان و غيرهما، فيضطر الأشرف حينئذ إلى العود عن خلاط.

فسار الأشرف إليه، و قصد خلاط، و كان أهلها يريدونه، و يختارون دولته لحسن سيرته، كانت فيهم، و سوء سيرة غازي، فلمّا حصرها سلّمها أهلها إليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، و بقي غازي في القلعة ممتنعا، فلمّا جنّه الليل نزل إلى أخيه معتذرا و متنصّلا، فعاتبه الأشرف و أبقى عليه و لم يعاقبه على فعله، لكن أخذ البلاد منه و أبقى عليه ميّافارقين.

[1] الفراة.

423

ذكر حصار صاحب إربل الموصل‏

قد ذكرنا اتّفاق مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين عليّ، صاحب إربل، و شهاب الدين غازي، صاحب خلاط، و المعظّم عيسى، صاحب دمشق، على قصد بلاد الملك الأشرف، فأمّا صاحب دمشق فإنّه سار عنها مراحل يسيرة و عاد إليها لأنّ أخاه صاحب مصر أرسل إليه يتهدده إن سار عن دمشق أنّه يقصدها و يحصرها، فعاد.

و أمّا غازي فإنّه استحصر في خلاط، و أخذت منه كما ذكرناه.

و أمّا صاحب إربل فإنّه جمع عسكره و سار إلى بلد الموصل و حصرها و نازلها يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ظنّا منه أنّ الملك الأشرف إذا سمع بنزوله عليها رحل عن خلاط، و يخرج غازي في طلبه، فتخبّط أحواله، و تقوى نفس صاحب دمشق على المجي‏ء إليهم، فلمّا نازل الموصل كان صاحبها بدر الدين لؤلؤ قد أحكم أمورها من استخدام الجند على الأسوار، و إظهار آلة الحصار، و إخراج الذخائر.

و إنّما قوي طمع صاحب إربل على حصر الموصل لأنّ أكثر عسكرها كان قد سار إلى الملك الأشرف إلى خلاط و قد قلّ العسكر فيها، و كان الغلاء شديدا في البلاد جميعها، و السعر في الموصل كلّ ثلاثة مكاكيك بدينار، فلهذا السبب أقدم على حصرها، فلمّا نزل عليها أقام عشرة أيام ثمّ رحل عنها يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الآخرة.

و كان سبب رحيلة أنّه رأى امتناع البلد عليه، و كثرة من فيه، و عندهم من الذخائر ما يكفيهم الزمان الكثير، و وصل إليه خبر الملك الأشرف أنّه ملك خلاط، فانفسخه عليه كلّ ما كان يؤمّله من صاحبها و من دمشق، و بقي‏

424

وحده متلبّسا بالأمر، فلمّا وصلت الأخبار إليه بذلك سقط في يده، و رأى أنّه قد أخطأ الصواب، فرحل عائدا إلى بلده، و أقام على‏[الزاب‏]، و مدّة مقامه على الموصل لم يقاتلها، إنّما كان في بعض الأوقات يجي‏ء بعض اليزك الذين له يقاتلون البلد، فيخرج إليهم بعض الفرسان، و بعض الرجّالة، فيجري بينهم قتال ليس بالكثير ثمّ يتفرّقون، و ترجع كلّ طائفة إلى صاحبها.

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة، أوّل آب، جاء ببغداد مطر برعد و برق، و جرت المياه بباب البصرة و الحربيّة، و كذلك بالمحوّل، بحيث إنّ الناس كانوا يخوضون في الماء و الوحل بالمحوّل.

و فيها سار صاحب المخزن إلى بعقوبا في ذي القعدة، فعسف أهلها، فنقل إليه عن إنسان منها أنّه يسبّه، فأحضره و أمر بمعاقبته، و قال له: لم تسبّني؟ فقال له: أنتم تسبّون أبا بكر و عمر لأجل أخذهما فدك، و هي عشر نخلات لفاطمة، عليها السّلام، و أنتم تأخذون مني ألف نخلة و لا أتكلّم؟فعفا عنه.

و فيها وقعت فتنة بواسط بين السّنّة و الشيعة على جاري عادتهم.

و فيها قلّت الأمطار في البلاد، فلم يجئ منها شي‏ء إلى سباط، ثمّ إنّها كانت تجي‏ء في الأوقات المتفرّقة مجيئا قريبا لا يحصل منه الرّيّ للزرع، فجاءت الغلاّت قليلة، ثمّ خرج عليها الجراد، و لم يكن في الأرض من النبات ما يشتغل‏[1] به عنها، فأكلها إلاّ القليل، و كان كثيرا خارجا عن الحدّ، فغلت الأسعار في العراق، و الموصل، و سائر ديار الجزيرة، و ديار بكر، و غيرها، و قلّت الأقوات، إلاّ أنّ أكثر الغلاء كان بالموصل و ديار الجزيرة.

[1] يشتمل.

425

622 ثم دخلت سنة اثنتين و عشرين و ستمائة

ذكر حصر الكرج مدينة كنجة

في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى مدينة كنجة من بلاد أرّان قصدا لحصرها، و اعتدّوا لها بما أمكنهم من القوّة لأنّ أهل كنجة كثير عددهم، قويّة شوكتهم، و عندهم شجاعة كثيرة من طول ممارستهم للحرب مع الكرج، فلمّا وصلوا إليها و نازلوها قاتلوا أهلها، عدّة أيّام، من وراء السور، لم يظهر من أهلها أحد، ثمّ في بعض الأيّام خرج أهل كنجة و من عندهم من العسكر من البلد، و قاتلوا الكرج بظاهر البلد أشدّ قتال و أعظمه، فلمّا رأى الكرج ذلك علموا أنّهم لا طاقة لهم بالبلد، فرحلوا بعد أن أثخن أهل كنجة فيهم. وَ رَدَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنََالُوا خَيْراً (1) .

ذكر وصول جلال الدين بن خوارزم شاه إلى خوزستان و العراق‏

في أوّل هذه السنة وصل جلال الدين بن خوارزم شاه محمّد بن تكش إلى بلاد خوزستان و العراق، و كان مجيئه من بلاد الهند، لأنّه كان وصل إليها

____________

(1) . 25، 33. roC

426

لمّا قصد التتر غزنة، و قد ذكرنا ذلك جميعه، فلمّا تعذّر عليه المقام ببلاد الهند سار عنها على كرمان، و وصل إلى أصفهان و هي بيد أخيه غياث الدين، و قد تقدّمت أخباره، فملكها، و سار عنها إلى بلاد فارس، و كان أخوه قد استولى على بعضها، كما ذكرناه، فأعاد ما كان أخوه أخذه منها إلى أتابك سعد صاحبها، و صالحه، و سار من عنده إلى خوزستان، فحصر مدينة تستر في المحرّم و بها الأمير مظفّر الدين المعروف بوجه السبع، مملوك الخليفة الناصر لدين اللََّه، حافظا لها، و أميرا عليها، فحصره جلال الدين، و ضيّق عليه، فحفظها وجه السبع، و بالغ في الحفظ و الاحتياط، و تفرّق الخوارزميّة ينهبون، حتّى وصلوا إلى بادرايا و باكسايا و غيرهما، و انحدر بعضهم إلى ناحية البصرة، فنهبوا هنالك، فسار إليهم شحنة البصرة، و هو الأمير ملتكين‏ (1) ، فسار إليهم فأوقع بهم، و قتل منهم جماعة، فدام الحصار نحو شهرين، ثمّ رحل عنها بغتة.

و كانت عساكر الخليفة، مع مملوكه جمال الدين قشتمر، بالقرب منه، فلمّا رحل جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه، فسار إلى أن وصل إلى بعقوبا، و هي قرية مشهورة بطريق خراسان، بينها و بين بغداد نحو سبعة فراسخ، فلمّا وصل الخبر إلى بغداد تجهّزوا للحصار، و أصلحوا السلاح من الجروخ، و القسيّ و النشاب، و النّفط، و غير ذلك، و عاد عسكر الخليفة إلى بغداد.

و أمّا عسكر[1] جلال الدين فنهب البلاد و أهلكها، و كان قد وصل هو و عسكره إلى خوزستان في ضرّ شديد و جهد جهيد، و قلّة من الدوابّ، و الّذي معهم فهو من الضعف إلى حدّ لا ينتفع به، فغنموا من البلاد جميعها، و استغنوا، [1] عساكر.

____________

(1) . نلتكين: spU . 740. A

427

و أكثروا من أخذ الخيل و البغال، فإنّهم كانوا في غاية الحاجة إليه.

و سار من يعقوبا إلى دقوقا فحصروها، فصعد أهلها إلى السور و قاتلوه، و سبّوه، و أكثروا من التكبير، فعظم ذلك عنده، و شقّ عليه، و جدّ في قتالهم، ففتحها عنوة و قهرا، و نهبتها عساكره، و قتلوا كثيرا من أهلها، فهرب من سلم منهم من القتل و تفرّقوا في البلاد.

و لمّا كان الخوارزميّون على دقوقا سارت سريّة منهم إلى البتّ و الراذان‏ (1) ، فهرب أهلها إلى تكريت، فتبعهم الخوارزميّة، فجرى بينهم و بين عسكر تكريت وقعة شديدة، فعادوا إلى العسكر.

و لقد رأيت بعض أعيان أهل دقوقا و هم بنو يعلى، و هم أغنياء، فنهبوا، و سلم أحدهم، و معه ولدان له، و شي‏ء يسير من المال، فسيّر ما سلم معه إلى الشام مع الولدين ليتّجر بما ينتفعون به و ينفقونه على نفوسهم، فمات أحد الولدين بدمشق، و احتاط الحاكم على ما معهم، فلقد رأيت أباهم على حالة شديدة لا يعلمها إلاّ اللََّه، يقول: أخذت الأموال و الأملاك، و قتل بعض الأهل، و فارق من سلم منهم الوطن بهذا القدر الحقير، أردنا[أن‏]نكفّ به وجوهنا من السؤال، و نصون أنفسنا، فقد ذهب الولد و المال.

ثمّ سار إلى دمشق ليأخذ ما سلم مع ابنه الآخر، فأخذه و عاد إلى الموصل، فلم يبق غير شهر حتّى توفّي، إنّ الشقيّ بكلّ حبل يخنق.

و أمّا جلال الدين فإنّه لمّا فعل بأهل دقوقا ما فعل خافه أهل البوازيج، و هي لصاحب الموصل، فأرسلوا إليه يطلبون منه إرسال شحنة إليهم يحميهم، و بذلوا له شيئا من المال، فأجابهم إلى ذلك، و سيّر إليهم من يحميهم، قيل:

كان بعض أولاد جنكزخان، ملك التتر، أسره جلال الدين في بعض حروبه

____________

(1) . الست و الداران: spU . البت و الرادان:

428

مع التتر، فأكرمه، فحماهم، و أقام بمكانه إلى أواخر ربيع الآخر، و الرسل متردّدة بينه و بين مظفّر الدين، صاحب إربل، فاصطلحوا، فسار جلال الدين إلى أذربيجان، و في مدّة مقام جلال الدين بخوزستان و العراق ثارت العرب في البلاد يقطعون الطريق، و ينهبون القرى، و يخيفون السبيل، فنال الخلق منهم أذى شديد، و أخذوا في طريق العراق قفلين عظيمين كانا[1] سائرين إلى الموصل، فلم يسلم منهما[2] شي‏ء البتّة.

ذكر وفاة الملك الأفضل و غيره من الملوك‏

في هذه السنة، في صفر، توفّي الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين يوسف ابن أيّوب فجأة بقلعة سميساط، و كان عمره نحو سبع و خمسين سنة، و قد ذكرنا سنة تسع و ثمانين و خمسمائة عند وفاة والده، رحمه اللََّه، ملكه مدينة دمشق و البيت المقدّس، و غيرهما من الشام، و ذكرنا سنة اثنتين و تسعين أخذ الجميع منه، ثمّ ذكرنا سنة خمس و تسعين ملكه ديار مصر، و ذكرنا سنة ستّ و تسعين أخذها منه، و انتقل إلى سميساط و أقام بها، و لم يزل بها إلى الآن، فتوفّي بها.

و كان، رحمه اللََّه، من محاسن الزمان، لم يكن في الملوك مثله، كان خيّرا عادلا فاضلا حليما كريما قلّ أن عاقب على ذنب، و لم يمنع طالبا، و كان يكتب خطّا حسنا، و كتابة[3] جيّدة، و بالجملة، فاجتمع فيه من الفضائل [1] كانوا.

[2] منهم.

[3] و كناية.

429

و المناقب ما تفرّق في كثير من الملوك، لا جرم حرم الملك و الدنيا، و عاداه الدهر، و مات بموته كلّ فعل جليل، فرحمه اللََّه و رضي عنه.

و رأيت من كتابته أشياء حسنة، فممّا بقي على خاطري منها أنّه كتب إلى بعض أصحابه، لمّا أخذت دمشق منه، كتابا من فصوله: و أمّا أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم، و سبب ذلك أنّي:

أيّ صديق سألت عنه، ففي الذّلّ # و تحت الخمول في الوطن‏

و أيّ ضدّ سألت حالته # سمعت ما لا تحبّه أذني‏

فتركت السؤال عنهم، و هذا غاية الجودة في الاعتذار عن ترك السؤال و الصاحب.

و لمّا مات اختلف أولاده و عمّهم قطب الدين موسى، و لم يقو أحد منهم على الباقين ليستبدّ بالأمر.

و مات في هذه السنة صاحب أرزن الروم، و هو مغيث الدين طغرل بن قلج أرسلان، و هو الّذي سيّر ولده إلى الكرج، و تنصّر و تزوّج ملكة الكرج، و لمّا مات ملك بعده ابنه.

و مات فيها ملك أرزنكان.

و توفّي فيها عزّ الدين الخضر بن إبراهيم بن أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود ابن سقمان، صاحب خرت برت، و ملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه‏ (1) ، و كان المدبّر لدولته و دولة والده معين الدين بدر بن عبد الرحمن البغداديّ الأصل الموصليّ المنشإ.

____________

(1) . اردوشاه: spU. te . 740 (1) .

430

ذكر خلع شروان شاه و ظفر المسلمين بالكرج‏

في هذه السنة ثار على شروان شاه ولده فنزعه من الملك، و أخرجه من البلاد، و ملك بعده.

و سبب ذلك أنّ شروان شاه كان سيّئ السيرة، كثير الفساد و الظلم، يتعرّض لأموال الرعايا و أملاكهم، و قيل أيضا: إنّه كان يتعرّض للنساء و الولدان، فاشتدّت وطأته على الناس، فاتّفق بعض العسكر مع ولده، و أخرجوا أباه من البلاد، و ملك الابن، و أحسن السيرة، فأحبّه العساكر و الرعيّة، و أرسل الولد إلى أبيه يقول له: إنّي‏[1] أردت أن أتركك في بعض القلاع و أجري لك الجرايات الكثيرة، و لكلّ من تحبّ أن يكون عندك، و الّذي حملني على ما فعلت معك سوء سيرتك و ظلمك لأهل البلاد، و كراهيتهم لك و لدولتك.

فلمّا رأى الأب ذلك سار إلى الكرج و استنصر بهم، و قرّر معهم أن يرسلوا معه عسكرا يعيدونه إلى ملكه، و يعطيهم نصف البلاد، فسيّروا معه عسكرا كثيرا، فسار حتّى قارب مدينة شروان، فجمع ولده العسكر، و أعلمهم الحال، و قال: إنّ الكرج متى حصرونا ربّما ظفروا بنا، و حينئذ لا يبقى أبي على أحد منّا، و يأخذ الكرج نصف البلاد، و ربّما أخذوا الجميع، و هذا أمر عظيم، و الرأي أنّنا نسير إليهم جريدة و نلقاهم، فإن ظفرنا بهم فالحمد للََّه، و إن ظفروا بنا فالحصر بين أيدينا، فأجابوه إلى ذلك.

فخرج في عسكره، و هم قليل، نحو ألف فارس، و لقوا الكرج و هم في ثلاثة آلاف مقاتل، فالتقوا، و اقتتلوا، و صبر أهل شروان، فانهزم الكرج، فقتل كثير منهم، و أسر كثير، و من سلم عاد بأسوإ حال، و شروان شاه [1] إن. ـ

431

المخلوع معهم، فقال له مقدمو الكرج: إنّنا لم نلق بسببك خيرا، و لا نؤاخذك بما كان منك، فلا تقم ببلادنا، ففارقهم و بقي متردّدا لا يأوي إلى أحد، و استقرّ ولده في الملك و أحسن إلى الجند و الرعيّة، و أعاده إلى الناس أملاكهم و مصادراتهم، فاغتبطوا بولايته.

ذكر ظفر المسلمين بالكرج أيضا

و في هذه السنة أيضا سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون أذربيجان و البلاد التي بيد أوزبك، فنزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلك إلاّ للفارس بعد الفارس، فنزلوا آمنين من المسلمين استضعافا لهم، و اغترارا بحصانة موضعهم، و أنّه لا طريق إليهم.

و ركب طائفة من العساكر الإسلاميّة و قصدوا الكرج، فوصلوا إلى ذلك المضيق، فجازوه مخاطرين، فلم يشعر الكرج إلاّ و قد غشيهم المسلمون و وضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، و ولّى الباقون منهزمين لا يلوي والد على ولده، و لا أخ على أخيه، و أسر منهم جمع كثير صالح، فعظم الأمر عليهم، و عزموا على الأخذ بثأرهم، و الجدّ في قصد أذربيجان و استئصال المسلمين منه، و أخذوا يتجهّزون على قدر عزمهم.

فبينما هم في ذلك إذ وصل إليهم الخبر بوصول جلال الدين بن خوارزم شاه إلى مراغة، على ما نذكره إن شاء اللََّه، فتركوا ذلك و أرسلوا إلى أوزبك، صاحب أذربيجان، يدعونه إلى الموافقة على ردّ جلال الدين، و قالوا: إن لم نتّفق نحن و أنت، و إلاّ أخذك، ثمّ أخذنا، فعاجلهم جلال الدين قبل اتّفاقهم و اجتماعهم، فكان ما نذكره إن شاء اللََّه تعالى.

432

ذكر ملك جلال الدين أذربيجان‏

في هذه السنة استولى جلال الدين على أذربيجان، و سبب ذلك أنّه لمّا سار من دقوقا، كما ذكرناه، قصد مراغة فملكها و أقام بها، و شرع في عمارة البلد، فاستحسنه، فلمّا وصل إليها أتاه الخبر أنّ الأمير إيغان طائيسي، و هو خال أخيه غياث الدين، قد قصد همذان قبل وصول جلال الدين بيومين.

و كان إيغان طائيسي هذا قد جمع عسكرا كثيرا يبلغون خمسة آلاف فارس. و نهب كثيرا من أذربيجان، و سار إلى البحر من بلد أرّان، فشتّى هنالك لقلّة البرد، و لمّا عاد إلى همذان نهب أذربيجان أيضا مرّة ثانية.

و كان سبب مسيره إلى همذان أنّ الخليفة الناصرلدين اللََّه راسله و أمره بقصد همذان، و أقطعه إيّاها و غيرها، فسار ليستولي عليها كما أمر، فلمّا سمع جلال الدين بذلك سار جريدة إليه، فوصل إلى إيغان طائيسي ليلا، و كان إذا نزل جعل حول عسكره جميع ما غنموا من أذربيجان و أرّان من خيل، و بغال، و حمير، و بقر، و غنم. فلمّا وصل جلال الدين أحاط بالجميع، فلمّا أصبح عسكر إيغان طائيسي و رأى العسكر و الجتر الّذي يكون على رأس السلطان، علموا أنّه جلال الدين، فسقط في أيديهم لأنّهم كانوا يظنّونه عند دقوقا، فأرسل إيغان طائيسي زوجته، و هي أخت جلال الدين، تطلب له الأمان، فأمّنه و أحضره عنده، و انضاف عسكره إلى عسكر جلال الدين، و بقي إيغان طائيسي وحده إلى أن أضاف إليه جلال الدين عسكرا غير عسكره، و عاد إلى مراغة، و أعجبه المقام بها.

و كان أوزبك بن البهلوان، صاحب أذربيجان و أرّان، قد سار من تبريز

433

إلى كنجة خوفا من جلال الدين، و أرسل جلال الدين إلى من في تبريز من وال و أمير و رئيس يطلب منهم أن يتردّد عسكره إليهم يمتارون، فأجابوه إلى ذلك و أطاعوه، فتردّد العسكر إليها، و باعوا و اشتروا الأقوات و الكسوات و غيرها، و مدّوا أيديهم إلى أموال الناس، فكان أحدهم يأخذ الشي‏ء و يعطي الثمن ما يريد، فشكا بعض أهل تبريز إلى جلال الدين منهم، فأرسل إليهم شحنة يكون عندهم، و أمره أن يقيم بتبريز، و يكفّ أيدي الجند عن أهلها، و من تعدّى على أحد منهم صلبه.

فأقام الشحنة، و منع الجند من التعدّي على أحد من الناس، و كانت زوجة أوزبك، و هي ابنة السلطان طغرل بن أرسلان‏بن طغرل بن محمّد بن ملك شاه، مقيمة بتبريز، و هي كانت الحاكمة في بلاد زوجها، و هو مشغول بلذّاته من أكل و شرب و لعب.

ثمّ إنّ أهل تبريز شكوا من الشحنة و قالوا: إنّه يكلفنا أكثر من طاقتنا، فأمر جلال الدين أنّه لا يعطى إلاّ ما يقيم به لا غير، ففعلوا ذلك، و سار جلال الدين إلى تبريز و حصرها خمسة أيّام، و قاتل أهلها قتالا شديدا، و زحف إليها فوصل العسكر إلى السور، فأذعن أهلها بالطاعة، و أرسلوا يطلبون الأمان منه لأنّه كان يذمّهم، و يقول: قتلوا أصحابنا المسلمين و أرسلوا رءوسهم إلى التتر الكفّار، و قد تقدّمت الحادثة سنة إحدى و عشرين و ستّمائة، فخافوا منه لذلك، فلمّا طلبوا الأمان ذكر لهم فعلهم بأصحاب أبيه و قتلهم، فاعتذروا بأنّهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، و إنّما فعله صاحبهم، و لم يكن لهم من القدرة ما يمنعونه، فعذرهم، و أمّنهم، و طلبوا منه أن يؤمّن زوجة أوزبك، و لا يعارضها في الّذي لها بأذربيجان و هو مدينة خويّ و غيرها من ملك و مال و غيره، فأجابهم إلى ذلك.

و ملك البلد سابع عشر رجب من هذه السنة، و سيّر زوجة أوزبك إلى‏

434

خوي، و معها طائفة من العسكر، مع رجل كبير القدر، عظيم المنزلة، و أمرهم بخدمتها، فإذا وصلت إلى خويّ عادوا عنها.

و لمّا رحل جلال الدين إلى تبريز أمر أن لا يمنعوا عنه أحدا من أهلها، فأتاه الناس مسلّمين عليه، فلم يحجبوا عنه، و أحسن إليهم، و بثّ فيهم العدل، و وعدهم الإحسان و الزيادة منه، و قال لهم: قد رأيتم ما فعلت بمراغة من الإحسان و العمارة بعد أن كانت خرابا، و سترون كيف أصنع معكم من العدل فيكم، و عمارة بلادكم.

و أقام إلى يوم الجمعة، فحضر الجامع، فلمّا خطب الخطيب و دعا للخليفة قام قائما، و لم يزل كذلك حتّى فرغ من الدعاء و جلس.

و دخل إلى كشك كان أوزبك قد عمره، و أخرج عليه من الأموال كثيرا، فهو في غاية الحسن، مشرف على البساتين، فلمّا طاف فيه خرج منه و قال:

هذا مسكن‏[1] الكسالى لا يصلح لنا. و أقام أيّاما استولى فيها على غيرها من البلاد، و سيّر الجيوش إلى بلاد الكرج.

ذكر انهزام الكرج من جلال الدين‏

قد ذكرنا فيما تقدّم من السنين ما كان الكرج يفعلونه في بلاد الإسلام:

خلاط، و أذربيجان، و أرّان، و أرزن الروم، و دربند شروان، و هذه ولايات تجاور بلادهم، و ما كانوا يسفكون من دماء المسلمين، و ينهبون من أموالهم، و يملكون من بلادهم، و المسلمون معهم في هذه البلاد تحت الذلّ و الخزي، كلّ يوم قد أغاروا عليهم و قتلوا فيهم، و قاطعوهم على ما شاءوا [1]-مساكن.

435

من الأموال، فكنّا كلّما سمعنا بشي‏ء من ذلك سألنا اللََّه تعالى، نحن و المسلمون، في أنّ ييسّر للإسلام و المسلمين من يحميهم و ينصرهم، و يأخذ بثأرهم، فإن أوزبك، صاحب أذربيجان، منعكف على شهوة بطنه و فرجه، لا يفيق من سكره، و إن أفاق فهو مشغول بالقمار بالبيض.

و هذا ما لم يسمع بمثله أنّ أحدا من الملوك فعله، لا يهتدي لمصلحة، و لا يغضب لنفسه بحيث إنّ بلاده مأخوذة، و عساكره طمّاعة، و رعيّته قد قهرها، و قد كان كلّ من أراد أن يجمع جمعا و يتغلّب على بعض البلاد فعل، كما ذكرناه من حال بغدي، و أيبك الشاميّ، و إيغان طائيسي، فنظر اللََّه تعالى إلى أهل هذه البلاد المساكين بعين الرحمة، فرحمهم و يسّر لهم جلال الدين هذا، ففعل بالكرج ما تراه، و انتقم للإسلام و المسلمين منهم فنقول:

في هذه السنة كان المصافّ بين جلال الدين بن خوارزم شاه‏[و بين الكرج، في شهر شعبان، فإنّ جلال الدين‏]من حين وصل إلى هذه النواحي لا يزال يقول: إنّني أريد[أن‏]أقصد بلاد الكرج و أقاتلهم و أملك بلادهم، فلمّا ملك أذربيجان أرسل إليهم يؤذنهم بالحرب، فأجابوه بأننا قد قصدنا التتر الذين فعلوا بأبيك، و هو أعظم منك ملكا، و أكثر عسكرا، و أقوى نفسا، ما تعلمه، و أخذوا بلادكم، فلم نبال بهم، و كان قصاراهم السلامة منّا.

و شرعوا يجمعون العساكر، فجمعوا ما يزيد على سبعين ألف مقاتل، فسار إليهم، فملك مدينة دوين، و هي للكرج، كانوا قد أخذوها من المسلمين، كما ذكرناه، و سار منها إليهم، فلقوه و قاتلوه أشدّ قتال و أعظمه، و صبر كلّ منهم لصاحبه، فانهزم الكرج، و أمر أن يقتلوا بكلّ طريق، و لا يبقوا على أحد منهم، فالذي تحقّقناه أنّه قتل منهم عشرون ألفا، و قيل: أكثر من ذلك، فقيل: الكرج جميعهم قتلوا، و افترقوا، و أسر كثير من أعيانهم، من جملتهم شلوة، فتمّت الهزيمة عليهم، و مضى إيواني منهزما، و هو المقدّم‏

436

على الكرج جميعهم، و مرجعهم إليه، و معوّلهم عليه، و ليس لهم ملك، إنّما الملك امرأة،

و لقد صدق رسول اللََّه، صلّى اللََّه عليه و آله و سلّم، حيث يقول: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.

فلمّا انهزم إيواني أدركه‏[1] الطلب، فصعد قلعة لهم على طريقهم، فاحتمى فيها، و جعل جلال الدين عليها من يحصرها و يمنعه من النزول، و فرّق عساكره في بلاد الكرج ينهبون، و يقتلون، و يسبون، و يخرّبون البلاد، فلو لا ما أتاه من تبريز ما أوجب عوده لملك البلاد بغير تعب و لا مشقّة، لأنّ أهلها كانوا قد هلكوا، فهم بين قتيل و أسير و طريد.

ذكر عود جلال الدين إلى تبريز و ملكه مدينة كنجة و نكاحه زوجة أوزبك‏

لمّا فرغ جلال الدين من هزيمة الكرج، و دخل البلاد و بثّ العساكر فيها، أمرهم بالمقام بها مع أخيه غياث الدين، و عاد إلى تبريز.

و سبب عوده أنّه كان قد خلّف وزيره شرف الملك في تبريز ليحفظ البلد، و ينظر في مصالح الرعيّة، فبلغه عن رئيس تبريز و شمس الدين الطغرائيّ، و هو المقدّم على كلّ من في البلد، و عن غيرهما من المقدّمين، أنّهم قد اجتمعوا، و تحالفوا على الامتناع على جلال الدين، و إعادة البلد إلى أوزبك، و قالوا: إنّ جلال الدين قد قصد بلاد الكرج، فإذا عصينا عليه و أحضرنا أوزبك و من معه من العساكر، يضطرّ جلال الدين إلى العود، فإذا عاد تبعه الكرج فلا يقدر على المقام، و يجتمع أوزبك و الكرج و يقصدونه، فينحلّ نظام أمره، و تتمّ عليه الهزيمة.

[1] فأدركه.

437

فبنوا أمرهم على أنّ جلال الدين يسير الهوينا إلى بلاد الكرج، و يتريّث في الطريق احتياطا منهم، فلمّا اتّفقوا على ذلك أتى الخبر إلى الوزير، فأرسل إلى جلال الدين يعرّفه الحال، فأتاه الخبر و قد قارب بلاد الكرج، فلم يظهر من ذلك شيئا، و سار نحو الكرج مجدّا، فلقيهم و هزمهم، فلمّا فرغ منهم قال لأمراء عسكره: إنّني قد بلغني من الخبر كذا و كذا، فتقيمون أنتم في البلاد على ما أنتم عليه من قتل من ظفرتم به، و تخريب ما أمكنكم من بلادهم، فإنّني خفت أن أعرّفكم قبل هزيمة الكرج لئلاّ يلحقكم وهن و خوف.

فأقاموا على لهم، و عاد هو إلى تبريز، و قبض على الرئيس و الطغرائيّ و غيرهما، فأمّا الرئيس فأمر أن يطاف به على أهل البلد، و كلّ من له عليه مظلمة فليأخذها منه، و كان ظالما، ففرح الناس بذلك، ثمّ قتله، و أمّا الباقون فحبسوا، فلمّا فرغ منهم و استقام له أمر البلد تزوّج زوجة أوزبك ابنة السلطان طغرل، و إنّما صحّ له نكاحها لأنّه ثبت عن أوزبك أنّه حلف بطلاقها أنّه لا يقتل مملوكا له‏اسمه‏ (1) ... ثمّ قتله، فلمّا وقع الطلاق بهذه اليمين نكحها جلال الدين، و أقام بتبريز مدّة، و سيّر منها جيشا إلى مدينة كنجة فملكوها، و فارقها أوزبك إلى قلعة كنجة فتحصّن فيها.

فبلغني أنّ عساكر جلال الدين تعرّضوا لأعمال هذه القلعة بالنهب و الأخذ، فأرسل أوزبك إلى جلال الدين يشكو، و يقول: كنت لا أرضى بهذه الحال لبعض أصحابي، فأنا أسأل أن تكفّ الأيدي المتطرّقة إلى هذه الأعمال عنها. فأرسل جلال الدين إليها من يحميها من التعرّض لها من أصحابه و غيرهم.

____________

(1) . tse 740 nianucal. daE

438

ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين اللََّه‏

في هذه السنة، آخر ليلة من شهر رمضان، توفّي الخليفة الناصر لدين اللََّه أبو العبّاس أحمد بن المستضي‏ء بأمر اللََّه أبي محمّد الحسن بن المستنجد باللََّه أبي عبد اللََّه بن المستظهر باللََّه أبي العبّاس أحمد بن المظفّر يوسف بن المقتضي لأمر اللََّه أبي العبّاس محمّد بن المقتدي بأمر اللََّه أبي القاسم عبد اللََّه بن الذخيرة محمّد بن القائم بأمر اللََّه أبي جعفر عبد اللّه بن القادر باللََّه أبي العبّاس أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللََّه أبي الفضل جعفر بن المعتضد باللََّه أبي العبّاس أحمد بن الموفّق أبي أحمد محمّد بن جعفر المتوكّل على اللََّه، و لم يكن الموفّق خليفة، و إنّما كان وليّ عهد أخيه المعتمد على اللََّه، فمات قبل المعتمد، فصار ولده المعتضد باللََّه وليّ عهد المعتمد على اللََّه.

و كان المتوكّل على اللََّه ابن المعتصم باللََّه أبي إسحاق محمّد بن هارون الرشيد ابن محمّد المهدي بن أبي جعفر عبد اللََّه المنصور بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب، رضي اللََّه عنهم.

نسب كأنّ عليه من شمس الضّحى # نورا، و من فلق الصباح عمودا

فكان في آبائه أربعة عشر خليفة، و هم كلّ من له لقب، و الباقون غير خلفاء، و كان فيهم من ولي العهد محمّد بن القائم، و الموفّق بن المتوكّل، و أمّا باقي الخلفاء من بني العبّاس فلم يكونوا من آبائه، فكان السفّاح أبو العبّاس عبد اللََّه أخا المنصور ولي قبله، و كان موسى الهادي أخا الرشيد ولي قبله، و كان محمّد الأمين و عبد اللََّه المأمون ابنا الرشيد أخوي المعتصم وليا قبله، و كان محمّد المنتصر بن المتوكّل ولي بعده.

ثمّ ولي بعد المنتصر باللََّه المستعين باللََّه أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن المعتصم،

439

و ولي بعد المستعين المعتزّ باللََّه محمّد، و قيل طلحة، و هو ابن المتوكّل، و ولي بعد المعتزّ المهتدي باللََّه محمّد بن الواثق، ثمّ ولي بعده المعتمد على اللََّه أحمد بن المتوكّل، فالمنتصر، و المعتزّ، و المعتمد إخوة الموفّق، و المهتدي ابن عمّه، و الموفّق من أجداد الناصر لدين اللََّه.

ثمّ ولي المعتضد بعد المعتمد، و ولي بعد المعتضد ابنه أبو محمّد عليّ المكتفي باللََّه، و هو أخو المقتدر باللََّه، و ولي بعد المقتدر باللََّه أخوه القاهر باللََّه أبو منصور محمّد بن المعتضد، و ولي بعد القاهر الراضي باللََّه أبو العبّاس محمّد بن المقتدر.

ثمّ ولي بعده المتّقي للََّه أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر، ثمّ ولي بعده المستكفي باللََّه أبو القاسم عبد اللََّه‏[بن‏]المكتفي باللََّه عليّ بن المعتضد، ثمّ ولي بعده المطيع للََّه أبو بكر عبد الكريم، فالقاهر، و الراضي، و المتّقي، و المطيع بنوه، و المستكفي ابن لأخيه المكتفي.

[ثمّ ولي‏]الطائع للََّه بن المقتدر، ثمّ ولي بعد الطائع القادر (1) باللََّه، و[هو] من أجداد الناصر لدين اللََّه، ثمّ ولي بعده المستظهر باللََّه، [ثمّ وليّ بعده ابنه المسترشد باللََّه أبو منصور، و ولي بعد المسترشد باللََّه‏] (2) ابنه الراشد أبو جعفر، فالمسترشد أخو المتّقي، و الراشد باللََّه ابن أخيه، فجمع من ولي الخلافة ممّن ليس في سياق نسب الناصر تسعة عشر خليفة.

و كانت أمّ الناصر أمّ ولد، تركيّة، اسمها زمرّد، و كانت خلافته ستّا و أربعين سنة و عشرة أشهر و ثمانية و عشرين يوما، و كان عمره نحو سبعين سنة تقريبا، فلم يل الخلافة أطول مدّة منه إلاّ ما قيل عن المستنصر باللََّه العلويّ، صاحب مصر، فإنّه ولي ستّين سنة، و لا اعتبار به، فإنّه ولي و له سبع سنين فلا تصحّ ولايته.

____________

(1) . المقتدر: spU .

(2) .

440

و بقي الناصر لدين اللََّه ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلّية، و قد ذهبت إحدى عينيه و الأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، و في آخر الأمر أصابه دوسنطاريا عشرين يوما و مات.

و وزر له عدّة وزراء، و قد تقدّم ذكرهم، و لم يطلق في طول مرضه شيئا كان أحدثه من الرسوم الجائرة، و كان قبيح السيرة في رعيّته، ظالما، فخرّب في أيّامه العراق، و تفرّق أهله في البلاد، و أخذ أملاكهم و أموالهم، و كان يفعل الشي‏ء و ضدّه، فمن ذلك أنّه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها في رمضان، فبقيت مدّة، ثمّ قطع ذلك، ثمّ عمل دور الضيافة للحجاج، فبقيت مدّة، ثمّ بطلّها، و أطلق بعض المكوس التي جدّدها ببغداد خاصّة، ثمّ أعادها. و جعل جلّ همّه في رمي البندق، و الطيور المناسيب، و سراويلات الفتوّة، فبطّل الفتوّة في البلاد جميعها، إلاّ من يلبس منه سراويل يدعى إليه، و لبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة.

و كذلك أيضا منع الطيور المناسيب لغيره إلاّ ما يؤخذ من طيوره، و منع الرمي بالبندق إلاّ من ينتمي إليه، فأجابه الناس، بالعراق و غيره إلى ذلك، إلاّ إنسانا واحدا يقال له ابن السفت من بغداد، فإنّه هرب من العراق و لحق بالشام، فأرسل إليه يرغّبه في المال الجزيل ليرمي عنه، و ينسب في الرمي إليه، فلم يفعل، فبلغني أنّ بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال، فقال: يكفيني فخرا أنّه ليس في الدنيا أحد إلاّ يرمي للخليفة، إلاّ أنا.

فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعظم الأمور، و كان سبب ما ينسبه العجم إليه صحيحا من أنّه هو الّذي أطمع التتر في البلاد، و راسلهم في ذلك، فهو الطامّة الكبرى التي يصغر عندها كلّ ذنب عظيم.

441

ذكر خلافة الظاهر بأمر اللََّه‏

قد ذكرنا سنة خمس و ثمانين و خمسمائة الخطبة للأمير أبي نصر محمّد ابن الخليفة الناصر لدين اللََّه بولاية العهد في العراق و غيره من البلاد، ثمّ بعد ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد، و أرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له، و إنّما فعل ذلك لأنّه كان يميل إلى ولده الصغير عليّ، فاتّفق أنّ الولد الصغير توفّي سنة اثنتي عشرة و ستّمائة، و لم يكن للخليفة ولد غير وليّ العهد، فاضطرّ إلى إعادته، إلاّ أنّه تحت الاحتياط و الحجر لا يتصرّف في شي‏ء.

فلمّا توفّي أبوه ولي الخلافة، و أحضر الناس لأخذ البيعة، و تلقّب بالظاهر بأمر اللََّه، و عنى أن أباه و جميع أصحابه أرادوا صرف الأمر عنه، فظهر و وليّ الخلافة بأمر اللََّه لا بسعي من أحد.

و لمّا ولي الخلافة أظهر من العدل و الإحسان ما أعاد به سنّة العمرين، فلو قيل إنّه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل، صادقا، فإنّه أعاد من الأموال المغصوبة في أيّام أبيه و قبله شيئا كثيرا، و أطلق المكوس في البلاد جميعها، و أمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، و أن يسقط جميع ما جدّده أبوه، و كان كثيرا لا يحصى، فمن ذلك أنّ قرية بعقوبا كان يحصل منها قديما نحو عشرة آلاف دينار، فلمّا تولّى الناصر لدين اللََّه، كان يؤخذ منها كلّ سنة ثمانون ألف دينار، فحضر أهلها و استغاثوا، و ذكروا أنّ أملاكهم أخذت حتّى صار يحصل منها هذا المبلغ، فأمر أن يؤخذ الخراج القديم و هو عشرة آلاف دينار، فقيل له إنّ هذا المبلغ يصل إلى المخزن، فمن أين يكون العوض؟فأقام لهم العوض من جهات أخرى، فإذا كان المطلق من جهة واحدة سبعين ألف دينار، فما الظنّ بباقي البلاد؟

442

و من أفعاله الجميلة أنّه أمر بأخذ الخراج الأوّل من باقي البلاد جميعها، فحضر كثير من أهل العراق، و ذكروا أنّ الأملاك التي كان يؤخذ منها الخراج قديما قد يبس أكثر أشجارها و خربت، و متى طولبوا بالخراج الأول لا يفي دخل الباقي بالخراج، فأمر أن لا يؤخذ الخراج إلاّ من كلّ شجرة سليمة، و أمّا الذاهب فلا يؤخذ منه شي‏ء، و هذا عظيم جدّا.

و من ذلك أيضا أنّ المخزن كان له صنجة الذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط، يقبضون بها المال، و يعطون بالصّنجة التي للبلد يتعامل بها الناس، فسمع بذلك فخرج خطّه إلى الوزير، و أوّله‏ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ `اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتََالُوا عَلَى اَلنََّاسِ يَسْتَوْفُونَ `وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، `أَ لاََ يَظُنُّ أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ `لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (1) . قد بلغنا أنّ الأمر كذا و كذا، فتعاد صنجة المخزن إلى الصّنجة التي يتعامل بها المسلمون، و اليهود، و النصارى.

فكتب بعض النّوّاب إليه يقول: إنّ هذا مبلغ كثير، و قد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة و ثلاثين ألف دينار، فأعاد الجواب ينكر على القائل، و يقول: لو أنّه ثلاث مائة ألف و خمسون ألف دينار يطلق.

و كذلك أيضا فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان، و هي في كلّ دينار حبّة، و تقدّم إلى القاضي أنّ كلّ من عرض عليه كتابا صحيحا بملك يعيده إليه من غير إذن، و أقام رجلا صالحا في ولاية الحشري و بيت المال، و كان الرجل حنبليّا، فقال: إنّني من مذهبي أن أورّث ذوي الأرحام، فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت و إلاّ فلا. فقال له: أعط كلّ ذي حقّ حقّه، و اتّق اللََّه و لا تتّق سواه.

____________

(1) qqs 1، 83. roC (1) .

443

و منها أنّ العادة كانت ببغداد أنّ الحارس بكلّ درب يبكر، و يكتب مطالعة إلى الخليفة بما تجدّد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة، أو سماع، أو غير ذلك، و يكتب ما سوى ذلك من صغير و كبير، فكان الناس من هذا في حجر عظيم، فلمّا ولي هذا الخليفة، جزاه اللََّه خيرا، أتته المطالعات على العادة، فأمر بقطعها، و قال: أيّ غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم؟فلا يكتب أحد إلينا إلاّ ما يتعلّق بمصالح دولتنا، فقيل له:

إنّ العامّةتفسد بذلك، و يعظم شرّها، فقال: نحن ندعو اللََّه أن يصلحهم.

و منها أنّه لمّا ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط، و كان قد سار إليها أيّام الناصر لتحصيل الأموال، فأصعد، و معه من المال ما يزيد على مائة ألف دينار، و كتب مطالعة تتضمّن ذكر ما معه، و يستخرج الأمر في حمله، فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه، فلا حاجة لنا إليه، فأعيد عليهم.

و منها أنّه أخرج كلّ من كان في السجون، و أمر بإعادة ما أخذ منهم، و أرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع و ليس له مال.

و من حسن نيّته للناس أنّ الأسعار في الموصل و ديار الجزيرة كانت غالية، فرخصت الأسعار، و أطلق حمل الأطعمة إليها، و أن يبيع كلّ من أراد البيع للغلّة، فحمل منها الكثير الّذي لا يحصى، فقيل له: إنّ السعر قد غلا شيئا، و المصلحة المنع منه، فقال: أولئك مسلمون، و هؤلاء مسلمون، و كما يجب علينا النظر في أمر هؤلاء كذلك يجب علينا النظر لأولئك.

و أمر أن يباع من الأهواء التي له طعام أرخص ممّا يبيع غيره، ففعلوا ذلك، فرخصت الأسعار عندهم أيضا أكثر ممّا كانت أوّلا، و كان السعر في الموصل، لمّا ولي، كلّ مكّوك بدينار و ثلاثة قراريط، فصار كلّ أربعة مكاكيك بدينار في أيّام قليلة، و كذلك باقي الأشياء من التمر، و الدبس،

444

و الأرزّ، و السّمسم و غيرها، فاللََّه تعالى يؤيّده، و ينصره، و يبقيه، فإنّه غريب في هذا الزمان الفاسد.

و لقد سمعت عنه كلمة أعجبتني جدّا، و هي‏أنّه قيل له في الّذي يخرجه و يطلقه من الأموال التي لا تسمح نفس ببعضها، فقال لهم: أنا فتحت الدكّان بعد العصر، فاتركوني أفعل الخير، فكم أعيش؟و تصدّق ليلة عيد الفطر من هذه السنة، و فرّق في العلماء و أهل الدين مائة ألف دينار.

ذكر ملك بدر الدين قلعتي العماديّة و هروز

في هذه السنة ملك بدر الدين قلعة العماديّة من أعمال الموصل، و قد تقدّم ذكر عصيان أهلها عليه سنة خمس عشرة و ستمائة، و تسليمها إلى عماد الدين زنكي، ثمّ عودهم إلى طاعة بدر الدين، و خلافهم على عماد الدين، فلمّا عادوا إلى بدر الدين أحسن إليهم، و أعطاهم الإقطاع الكثير، و ملّكهم القرى، و وصلهم بالأموال الجزيلة و الخلع السنيّة، فبقوا كذلك مدّة يسيرة.

ثمّ شرعوا يراسلون عماد الدين زنكي، و مظفّر الدين صاحب إربل، و شهاب الدين غازي بن العادل، لمّا كان بخلاط، و يعدون كلاّ منهم بالانحياز إليه و الطاعة له، و أظهروا من المخالفة لبدر الدين ما كانوا يبطنونه، فكانوا لا يمكّنون أن يقيم عندهم من أصحاب بدر الدين إلاّ من يريدونه، و يمنعون من كرهوه، فطال الأمر، و هو يحتمل فعلهم و يداريهم، و هم لا يزدادون إلاّ طمعا و خروجا عن الطاعة.

و كانوا جماعة، فاختلفوا، فقوي بعضهم، و هم أولاد خواجه إبراهيم و أخوه و من معهم، على الباقين، فأخرجوهم عن القلعة، و غلبوا عليها، و أصرّوا

445

على ما كانوا عليه من النفاق.

فلمّا كان هذه السنة سار بدر الدين إليهم في عساكره، فأتاهم بغتة، فحصرهم، و ضيّق عليهم، و قطع الميرة عنهم، و أقام بنفسه عليهم، و جعل قطعة من الجيش على قلعة هروز يحصرونها، و هي من أمنع الحصون و أحصنها، لا يوجد مثلها. و كان أهلها أيضا قد سلكوا طريق أهل العماديّة من عصيان، و طاعة، و مخادعة، فأتاهم العسكر و حصروهم و هم في قلّة من الذخيرة، فحصروها أيّاما، ففني ما في القلعة، فاضطرّ أهلها إلى التسليم، فسلّموها و نزلوا منها.

و عاد العسكر إلى العماديّة، فأقاموا عليها مع بدر الدين، فبقي بدر الدين بعد أخذ هروز يسيرا، و عاد إلى الموصل، و ترك العسكر بحاله مع ابنه أمين الدين لؤلؤ، فبقي الحصار إلى أوّل ذي القعدة، فأرسلوا يذعنون بالطاعة، و يطلبون العوض عنها ليسلّموها، فاستقرّت القواعد على العوض من قلعة يحتمون فيها، و أقطاع، و مال، و غير ذلك، فأجابهم بدر الدين إلى ما طلبوا، و حضر نوّابهم ليحلّفوا بدر الدين.

فبينما هو يريد أن يحلف لهم و قد أحضر من يشهد اليمين إذ قد وصل طائر من العماديّة و على جناحه رقعة من أمين الدين لؤلؤ يخبر أنّه قد ملك العماديّة قهرا و عنوة، و أسر بني خواجه الذين كانوا تغلّبوا عليه، فامتنع بدر الدين من اليمين.

و أمّا سبب غلبة أمين الدين عليها، فإنّه كان قد ولاّه بدر الدين عليها لمّا عاد أهلها إلى طاعته، فبقي فيها مدّة، و أحسن فيهم، و استمال جماعة منهم ليتقوّى بهم على الحرب للذين عصوا أوّلا، فنمى الخبر إليهم، فأساءوا مجاورته، و استقالوا من ولايته عليهم، ففارقهم إلى الموصل.

و كان أولئك الذين استمالهم يكاتبونه و يراسلونه، فلمّا حصرهم كانوا

446

أيضا يكاتبونه في النشاب يخبرونه بكلّ ما يفعله أولاد خواجه من إنفاذ رسول و غير ذلك، و بما عندهم من الذخائر و غيرها، إلاّ أنّهم لم يكونوا من الكثرة إلى حد أنّهم يقهرون أولئك.

فلمّا كان الآن و استقرّت القواعد من التسليم لم يذكر أولاد خواجه أحدا من جند القلعة في نسخة اليمين بمال، و لا غيره من أمان، و إقطاع، فسخطوا هذه الحال، و قالوا لهم: قد حلّفتم لأنفسكم بالحصون و القرى و المال، و نحن قد خربت بيوتنا لأجلكم، فلم تذكرونا، فأهانوهم، و لم يلتفتوا إليهم، فحضر عند أمين الدين رجلان منهم ليلا، و طلبوا منه أن يرسل إليهم جمعا يصعدونهم إلى القلعة، و يثبون بأولئك و يأخذونهم، فامتنع، و قال: أخاف أن لا يتمّ هذا الأمر و يفسد علينا كلّ ما فعلناه. فقالوا: نحن نقبض عليهم غدا بكرة، و تكون أنت و العسكر على ظهر، فإذا سمعتم النداء باسم بدر الدين و شعاره تصعدون إلينا، فأجابهم إلى ذلك.

و ركب بنفسه بكرة هو و العسكر على العادة، و أمّا أولئك فإنّهم اجتمعوا، و قبضوا على أولاد خواجه و من معهم، و نادوا بشعار بدر الدين، فبينما العسكر قيام إذا الصوت من القلعة باسم بدر الدين، فصعدوا إليها و ملكوها، و تسلّم أمين الدين أولاد خواجه فحسبهم، و كتب الرقعة على جناح الطائر بالحال، و ملكوا القلعة صفوا عفوا بغير عوض، و كان يريد[أن‏] يغرم مالا جليلا، و أقطاعا كثيرة، و حصنا منيعا، فتوفّر الجميع عليه، و أخذ منهم كلّ ما احتقبوه و ادّخروه، و إذا أراد اللََّه أمرا فلا مردّ له.

447

ذكر عدّة حوادث‏

في هذه السنة ليلة الأحد العشرين من صفر زلزلت الأرض بالموصل، و ديار الجزيرة، و العراق، و غيرها، زلزلة متوسّطة.

و فيها اشتدّ الغلاء بالموصل، و ديار الجزيرة جميعها، فأكل الناس الميتة، و الكلاب، و السنانير، فقلّت الكلاب و السنانير بعد أن كانت كثيرة[1]. و لقد دخلت يوما إلى داري، فرأيت الجواري يقطّعن اللحم ليطبخنه‏[2]، فرأيت سنانير استكثرتها، فعددتها، فكانت اثني عشر سنّورا، و رأيت اللحم في هذا الغلاء في الدار و ليس عنده من يحفظه من السنانير لعدمها، و ليس بين المرّتين كثير. و غلا مع الطعام كلّ شي‏ء فبيع رطل الشّيرج بقيراطين بعد أن كان بنصف قيراط قبل الغلاء، و أمّا قبل ذلك فكان كلّ ستّين رطلا بدينار.

و من العجب أنّ السّلق و الجزر و الشّلجم بيع كلّ خمسة أرطال بدرهم، و بيع البنفسج كلّ ستّة أرطال بدرهم، و بيع في بعض الأوقات كلّ سبعة أرطال بدرهم، و هذا ما لم يسمع بمثله. فإنّ الدنيا ما زالت قديما و حديثا، إذا غلت الأسعار، متى جاء المطر رخصت، إلاّ هذه السنة فإنّ الأمطار ما زالت متتابعة من أوّل الشتاء إلى آخر الربيع، و كلّما جاء المطر غلت الأسعار، و هذا ما لم يسمع بمثله، فبلغت الحنطة ملوك و ثلث بدينار و قيراط، يكون وزنه خمسة و أربعين رطلا دقيقا بالبغداديّ، و كان الملح ملوك بدرهم، فصار الملوك بعشرة دراهم، و كان الأرزّ ملوك باثني عشر[3] درهما، فصار المكوك بخمسين [1] كانوا كثيرة.

[2]-ليطبخوه.

[3]-عشرة.

448

درهما، و كان التمر كلّ أربعة أرطال و خمسة أرطال بقيراط، فصار كلّ رطلين بقيراط.

و من عجيب ما يحكى أنّ السكر النادر الأسمر كان كلّ رطل بدرهم و ربع، و كان السكر الأبلوج المصريّ النقي كلّ رطل بدرهمين، فصار[1] السكر الأسمر كلّ رطل بثلاثة دراهم و نصف، و السكر الأبلوج كلّ رطل بثلاثة دراهم و ربع، و سببه أنّ الأمراض لمّا كثرت، و اشتدّ الوباء، قالت النساء: هذه الأمراض باردة و السكر الأسمر حارّ فينفع منها، و الأبلوج بارد يقويها، و تبعهنّ الأطبّاء استمالة لقلوبهنّ، و لجهلهم، فغلا الأسمر بهذا السبب، و هذا من الجهل المفرط.

و ما زالت الأشياء هكذا إلى أوّل الصيف، و اشتدّ الوباء، و كثر الموت و المرض في الناس، فكان يحمل على النعش الواحد عدّة من الموتى، فممّن مات فيه شيخنا عبد المحسن بن عبد اللََّه الخطيب، الطوسيّ، خطيب الموصل، و كان من صالحي المسلمين، و عمره ثلاث و ثمانون سنة و شهور.

و فيها انخسف القمر ليلة الثلاثاء خامس عشر صفر.

و فيها هرب أمير حاجّ العراق، و هو حسام الدين أبو فراس الحلّيّ، الكرديّ، الورّاميّ، و هو ابن أخي الشيخ ورّام، كان عمّه من صالحي المسلمين و خيارهم من أهل الحلّة السيفيّة، فارق الحاجّ بين مكّة و المدينة و سار إلى مصر.

حكى لي بعض أصدقائه أنّه إنّما حمله على الهرب كثرة الخرج في الطريق، و قلّة المعونة من الخليفة، و لمّا فارق الحاجّ خافوا خوفا شديدا من العرب، فأمّن اللََّه خوفهم، و لم يذعرهم ذاعر في جميع الطريق، و وصلوا آمنين، إلاّ أنّ [1] صار.

449

كثيرا من الجمال هلك، أصابها غدّة عظيمة فلم يسلم إلاّ القليل.

و فيها، في آب، جاء مطر شديد و رعد و برق، و دام حتّى جرت الأدوية، و امتلأت الطرق بالوحل، ثمّ جاء الخبر من العراق، و الشام، و الجزيرة، و ديار بكر، أنّه كان عندهم مثله، و لم يصل إلينا بالموصل أحد إلاّ و أخبر أنّ المطر كان عندهم مثله في ذلك التاريخ.

و فيها كان في الشتاء ثلج كثير، و نزلت بالعراق، فسمعت أنّه نزل في جميع العراق، حتّى في البصيرة، أمّا إلى واسط فلا شكّ فيه، و أمّا البصرة فإنّ الخبر لم يكثر عندنا بنزوله فيها.

و فيها خربت قلعة الزّعفران من أعمال الموصل، و هي حصن مشهور يعرف قديما بدير الزّعفران، و هو على جبل عال قريب من فرشابور.

و فيها أيضا خربت قلعة الجديدة من بلد الهكّاريّة، من أعمال الموصل أيضا، و أضيف عملها و قرارها إلى العماديّة.

و فيها، في ذي الحجّة، سار جلال الدين بن خوارزم شاه من تبريز إلى بلد الكرج قاصدا لأخذ بلادهم و استئصالهم، و خرجت السنة و لم يبلغنا أنّه فعل بهم شيئا، و نحن نذكر ما فعله بهم سنة ثلاث و عشرين و ستّمائة إن شاء اللََّه.

و فيها، ثالث شباط، سقط ببغداد ثلج، و برد الماء بردا شديدا، و قوي البرد حتّى مات به جماعة من الفقراء.

و فيها، في ربيع الأوّل، زادت دجلة زيادة عظيمة، و اشتغل الناس بإصلاح سكر القورج، و خافوا، فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولى ثمّ نقص الماء و استبشر الناس.

450

623 ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و ستمائة

ذكر ملك جلال الدين تفليس‏

في هذه السنة، ثامن ربيع الأوّل، فتح جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة تفليس من الكرج، و سبب ذلك أنّا قد ذكرنا سنة اثنتين و عشرين و ستّمائة الحرب بينه و بينهم، و انهزامهم منه، و عوده إلى تبريز بسبب الخلف الواقع فيها، فلمّا استقرّ الأمر في أذربيجان عاد إلى بلد الكرج في ذي الحجّة من السنة، و خرجت سنة اثنين و عشرين و ستّمائة، و دخلت هذه السنة، فقصد بلادهم، و قد عادوا فحشدوا و جمعوا من الأمم المجاورة لهم اللاّن و اللّكز و قفجاق و غيرهم، فاجتمعوا في جمع كثير لا يحصى، فطمعوا بذلك، و منّتهم أنفسهم الأباطيل، و وعدهم الشيطان الظّفر، وَ مََا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطََانُ إِلاََّ غُرُوراً ، فلقيهم، و جعل لهم الكمين في عدّة مواضع، و التقوا و اقتتلوا، فولّى الكرج منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه، و لا الوالد على ولده، و كلّ منهم قد أهمّته نفسه، و أخذتهم سيوف المسلمين من كلّ جانب، فلم ينج منهم إلاّ اليسير الشاذّ الّذي لا يعبأ به، و أمر جلال الدين عسكره أن لا يبقوا على أحد، و أن يقتلوا من وجدوا، فتبعوا المنهزمين يقتلونهم، و أشار عليه أصحابه بقصد تفليس دار ملكهم، فقال: لا حاجة لنا إلى أن نقتل رجالنا تحت الأسوار، إنّما إذا أفنيت الكرج أخذت البلاد صفوا عفوا.

و لم تزل العساكر تتبعهم و تستقصي في طلبهم إلى أن كادوا يفنونهم، فحينئذ قصد تفليس و نزل بالقرب منها. و سار في بعض الأيّام في طائفة من

451

العسكر، و قصدها لينظر إليها، و يبصر مواضع النزول عليها، و كيف يقاتلها، فلمّا قاربها كمن أكثر العسكر الّذي معه في عدّة مواضع، ثمّ تقدّم إليها في نحو ثلاثة آلاف فارس، فلمّا رآه من بها من الكرج طمعوا فيه لقلّة من معه، و لم يعلموا أنّه معهم، فظهروا إليه فقاتلوه، فتأخّر عنهم، فقوي طمعهم فيه لقلّة من معه، فظنّوه منهزما، فتبعوه، فلمّا توسّطوا العساكر (1) خرجوا عليهم و وضعوا السيف فيهم، فقتل أكثرهم، و انهزم الباقون إلى المدينة فدخلوها، و تبعهم المسلمون، فلمّا وصلوا إليها نادى المسلمون من أهلها بشعار الإسلام، و باسم جلال الدين، فألقى الكرج بأيديهم و استسلموا، لأنّهم كانوا قد قتل رجالهم في الوقعات المذكورة، فقلّ عددهم، و ملئت قلوبهم خوفا و رعبا، فملك المسلمون البلد عنوة و قهرا بغير أمان، و قتل كلّ من فيه من الكرج، و لم يبق على كبير و لا صغير إلاّ من أذعن بالإسلام، و أقرّ بكلمتي الشهادة، فإنّه أبقى عليه، و أمرهم فتختّنوا و تركهم.

و نهب المسلمون الأموال، و سبوا النساء و استرقّوا الأولاد، و وصل إلى المسلمين الذين بها بعض الأذى من قتل و نهب و غيره.

و تفليس هذه من أحصن البلاد و أمنعها، و هي على جانبي نهر الكرّ، و هو نهر كبير، و لقد جلّ هذا الفتح و عظم موقعه في بلاد الإسلام و عند المسلمين، فإنّ الكرج كانوا قد استطالوا عليهم، و فعلوا بهم ما أرادوا، فكانوا يقصدون أيّ بلاد أذربيجان أرادوا، فلا يمنعهم عنها مانع، و لا يدفعهم عنها دافع، و هكذا أرزن الروم، حتّى إنّ صاحبهالبس خلعة ملك الكرج، و رفع على رأسه علما في أعلاه صليب، و تنصّر ولده رغبة في نكاح ملكة الكرج، و خوفا منهم، ليدفع الشرّ عنه، و قد تقدّمت القصّة، و هكذا دربند شروان.

____________

(1) . الكمناء: 488، II ، 1849. sA. J.

452

و عظم أمرهم إلى حدّ أنّ ركن الدين بن قلج أرسلان، صاحب قونية، و أقصروا، و ملطية، و سائر بلاد الروم التي للمسلمين، جمع عساكره، و حشد معها غيرها فاستكثر، و قصد أرزن الروم، و هي لأخيه طغرل شاه بن قلج أرسلان، فأتاه الكرج و هزموه، و فعلوا به و بعسكره كلّ عظيم، و كان أهل دربند شروان معهم في الضنك و الضيقة.

و أمّا أرمينية، فإنّ الكرج دخلوا مدينة أرجيش، و ملكوا قرس و غيرها، و حصروا خلاط، فلو لا أنّ اللََّه سبحانه منّ على المسلمين بأسر إيواني، مقدّم عساكر الكرج، لملكوها، فاضطرّ أهلهاإلى أن بنوا لهم بيعة في القلعة يضرب فيها الناقوس، فرحلوا عنهم، و قد تقدّم تفصيل هذه الحملة.

و لم يزل هذا الثغر من أعظم الثغور ضررا على المجاورين له من الفرس، قبل الإسلام، و على المسلمين بعدهم، من أوّل الإسلام إلى الآن، و لم يقدم أحد عليهم هذا الإقدام، و لا فعل بهم هذه الأفاعيل، فإنّ الكرج ملكوا تفليس سنة خمس عشرة و خمسمائة، و السلطان حينئذ محمود بن محمود بن ملك شاه السلجوقيّ، و هو من أعظم السلاطين منزلة، و أوسعهم مملكة، و أكثرهم عساكر، فلم يقدر على منعهم عنها، هذا مع سعة بلاده، فإنّه كان له الرّيّ و أعمالها، و بلد الجبل، و أصفهان، و فارس، و خوزستان، و العراق، و أذربيجان، و أرّان، و أرمينية، و ديار بكر، و الجزيرة، و الموصل، و الشام، و غير ذلك، و عمّه السلطان سنجر له خراسان و ما وراء النهر، فكان أكثر بلاد الإسلام بأيديهم، و مع هذا فإنّه جمع عساكره سنة تسع عشرة و خمسمائة، و سار إليهم بعد أن ملكوها، فلم يقدر عليهم.

ثمّ ملك بعده أخوه السلطان مسعود، و ملك الدكز بلد الجبل و الرّيّ و أصفهان و أذربيجان و أرّان، و أطاعه صاحب خلاط، و صاحب فارس،

453

و صاحب خوزستان، و جمع و حشد لهم، و كان قصاراه أن يتخلّص منهم، ثمّ ابنه البهلوان بعده، و كانت البلاد في أيّام أولئك عامرة، كثيرة الأموال و الرجال، فلم يحدّثوا أنفسهم بالظفر بهؤلاء، حتّى جاء هذا السلطان و البلاد خراب قد أضعفها الكرج أوّلا، ثمّ استأصلها التتر، لعنهم اللََّه، على ما ذكرناه، ففعل بهم هذه الأفاعيل، فسبحان من إذا أراد أمرا قال له‏ كُنْ فَيَكُونُ.

ذكر مسير مظفّر الدين صاحب إربل إلى الموصل و عوده عنها

في هذه السنة، في جمادى الآخرة، سار مظفّر الدين بن زين الدين، صاحب إربل، إلى أعمال الموصل، قاصدا إليها. و كان السبب في ذلك أنّه استقرّت القاعدة بينه و بين جلال الدين‏ (1) بن خوارزم شاه و بين الملك المعظّم، صاحب دمشق، و بين صاحب آمد، و بين ناصر الدين، صاحب ماردين، ليقصدوا البلاد التي بيد الأشرف، و يتغلّبوا عليها، و يكون لكلّ منهم نصيب ذكره، و استقرّت القواعد بينهم على ذلك، فبادر مظفّر الدين إلى الموصل.

و أمّا جلال الدين فإنّه سار من تفليس يريد خلاط، فأتاه الخبر أنّ نائبة ببلاد كرمان، و اسمه بلاق حاجب، قد عصى عليه، على ما نذكره، فلمّا أتاه الخبر بذلك ترك خلاط و لم يقصدها، إلاّ أنّ عسكره نهب بعض بلدها و خرّب كثيرا منه، و سار مجدّا إلى كرمان، فانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه، إلاّ أنّ مظفّر الدين سار من إربل و نزل على جانب الزّاب، و لم يمكنه العبور إلى بلد الموصل.

____________

(1) . tatsxeibi قاصدا orp قاصدين‏ ta ;740. doC

454

و كان بدر الدين قد أرسل من الموصل إلى الأشرب، و هو بالرّقّة، يستنجده، و يطلب منه أن يحضر بنفسه الموصل ليدفع مظفّر الدين، فسار منها إلى حرّان، و من حرّان إلى دنيسر، فخرب بلد ماردين و أهله تخريبا و نهبا.

و أمّا المعظّم، صاحب دمشق، فإنّه قصد بلد حمص و حماة، و أرسل إلى أخيه الأشرف يقول: إن رحلت عن ماردين و حلب، و أنا عن حمص و حماة، و أرسلت إلى مظفّر الدين ليرجع عن بلد الموصل، فرحل الأشرف عن ماردين، و عاد كلّ منهم إلى بلده، و خربت أعمال الموصل، و أعمال ماردين بهذه الحركة، فإنّها كانت قد أجحف بها تتابع الغلاء و طول مدّته، و جلاء أكثر أهلها، فأتتها هذه الحادثة فازدادت خرابا على خراب.

ذكر عصيان كرمان على جلال الدين و مسيره إليها

في هذه السنة، في جمادى الآخرة، وصل الخبر إلى جلال الدين أنّ نائبة بكرمان، و هو أمير كبير اسمه بلاق حاجب، قد عصى عليه، و طمع في البلاد أن يتملّكها و يستبدّ بها لبعد جلال الدين عنها، و اشتغاله بما ذكرناه من الكرج و غيرهم، و أنّه أرسل إلى التتر يعرّفهم قوّة جلال الدين و ملكه كثيرا من البلاد، و إن أخذ الباقي عظمت مملكته، و كثرت عساكره، و أخذ ما بأيديكم من البلاد.

فلمّا سمع جلال الدين ذلك كان قد سار يريد خلاط، فتركها و سار إلى كرمان‏[يطوي المراحل، و أرسل بين يديه رسولا إلى صاحب كرمان‏] (1) ،

____________

(1) .