الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء(ع) وعقيلة الوحي‏

- السيد عبد الحسين شرف الدين المزيد...
292 /
55

و منها قوله 9: «من مات على حبّ آل محمد مات شهيدا» (1).

ألا و من مات على حبّ آل محمد مات مغفورا له.

ألا و من مات على حبّ آل محمد مات تائبا.

ألا و من مات على حبّ آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان.

ألا و من مات على حبّ آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر و نكير.

ألا و من مات على حبّ آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها.

ألا و من مات على حبّ آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة.

ألا و من مات على حبّ آل محمد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة.

ألا و من مات على حبّ آل محمد مات على السنة و الجماعة.

ألا و من مات على بغض آل محمد مات كافرا.

ألا و من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة اللّه» (2) الحديث.

و أخرجه الإمام الثعلبي في تفسيره الكبير عن جرير بن عبد اللّه البجلي‏ (3)، و أورده غير واحد من المحدّثين و المفسرين و مؤلفي المناقب‏ (4).

____________

(1) المراد من آل محمد في هذا الحديث و نحوه مجموعهم من حيث المجموع، باعتبار أئمتهم الذين هم خلفاء رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله و سلم» و أوصياؤه و وارثو حكمه و أولياؤه و هم الثقل الذي قرنه بالقرآن، و نص على أنّهما لا يفترقان، فلا يضلّ من تمسك بهما، و لا يهتدي من أعرض عن أحدهما.

و ليس المراد هنا من الآل جميعهم على سبيل الاستغراق و الشمول لكل فرد فرد، لأنّ هذه المرتبة السامية لأولياء اللّه خاصة.

نعم: تجب محبة جميع أهل بيته و كافة ذريته، لانتسابهم إليه صلّى اللّه عليه و آله، و في ذلك تحصل الزلفى للّه تعالى و الشفاعة من رسوله صلّى اللّه عليه و آله.

(2) الكشاف ج 4 ص 213.

(3) الكشف و البيان للثعلبي: ج 8 ص 314.

(4) استجلاب ارتقاء الغرف للسخاوي ص 184، جواهر العقدين للسمهودي ص 337 ينابيع-

56

و أنت تعلم: أنّ هذه المنزلة السامية، إنّما ثبتت لهم من اللّه تعالى لأنّهم خلفاؤه في أرضه، و أولياؤه في بسطه و قبضه، و حججه البالغة، و مناهل شرائعه السائغة و أمناؤه بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله على وحيه، و سفراؤه في أمره و نهيه، فالمحبّ لهم بسبب ذلك محبّ للّه، و المبغض لهم مبغض للّه، و من هنا قال فيهم الفرزدق:

من معشر حبّهم دين و بغضهم‏ * * * كفر و قربهم منجى و معتصم‏

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم‏ * * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم‏ (1)

و أخرج الحاكم «كما في تفسير هذه الآية من مجمع البيان» بالإسناد الى أبي أمامة الباهلي قال:

قال: رسول اللّه (ص): «إنّ اللّه تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتى، و خلقت أنا و علي من شجرة واحدة، فأنا أصلها، و علي فرعها، و فاطمة لقاحها، و الحسن و الحسين ثمارها، و أشياعنا أوراقها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، و من زاغ عنها هوى، و لو أن عبدا عبد اللّه ألف عام، ثم ألف عام، ثم ألف عام حتى يصير كالشنّ البالي و هو لا يحبّنا، أكبّه اللّه على منخريه في النار» (2).

ثم تلا: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (3). ا ه.

و أخرج أبو الشيخ‏ (4) و غيره كما في الصواعق و غيرها عن علي عليه السّلام:

____________

- المودة للقندوزي ج 1 ص 26، فرائد السمطين: ج 2 ص 255، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي: ج 16 ص 16، التفسير المنسوب لابن العربي: ج 2 ص 212، تفسير آية المودة للخفاجي ص 42، تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي: ج 3 ص 238، الكافي الشاف في تخريج احاديث الكشاف لابن حجر: ج 4 ص 145 رقم 354.

(1) ديوان الفرزدق ص 456.

(2) شواهد التنزيل: ج 2 ص 141، مجمع البيان: ج 9 ص 43.

(3) سورة الشورى: الآية 23.

(4) هو حافظ أصفهان و مسند زمانه الإمام أبو محمد عبد اللّه بن محمّد بن جعفر بن حيان الأنصاري ... و يعرف بأبي الشيخ، ولد سنة 274 ه و توفي سنة 369 ه، تذكرة الحفّاظ ج 3 ص 945، تاريخ أصبهان ج 2 ص 51.

57

«فينا في آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلّا كل مؤمن».

ثم قرأ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (1).

و الى هذا أشار الكميت بقوله:

وجدنا لكم في آل حم آية * * * تأوّلها منّا تقيّ و معرب‏ (2)

و أخرج البزار (3) و الطبراني‏ (4) و غيرهما كما في الصواعق و غيرها (5) عن الإمام أبي محمد الحسن السبط المجتبى عليه السّلام بطرق مختلفة، أنّه خطب خطبة قال فيها: «و أنا من أهل البيت الذين افترض اللّه عز و جل مودتهم و موالاتهم» فقال فيما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و آله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً (6).

(قال): «و اقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت» (7) ا ه.

و أخرج الطبراني‏ (8) كما في الصواعق و غيرها (9) عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، أنّه لمّا أقيم- بأبي و أمي- أسيرا على درج دمشق، قال له بعض جفاة أهل الشام: الحمد للّه الذي قتلكم.

فقال له: أ ما قرأت: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (10)؟

قال: و أنتم هم.

____________

(1) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 487.

(2) الروضة المختارة من القصائد الهاشميات للكميت: ص 30.

(3) مسند البزار: ج 4 ص 178 من مسند الإمام الحسن.

(4) المعجم الكبير: ج 3 ص 79.

(5) الذرية الطاهرة ص 110.

(6) سورة الشورى: الآية 23.

(7) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 487.

(8) جامع البيان للطبري: ج 13 ص 25.

(9) الدر المنثور: ج 5 ص 701.

(10) رواه النبهاني في المقصد الثالث من كتابه «الشرف المؤبد» عن السدي عن أبي الديلم.

58

قال: «نعم» (1). ا ه.

و أخرج أحمد بن حنبل- كما في الصواعق أيضا- عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً (2).

قال: هي المودّة لآل محمد (3).

و أخرجه ابن أبي حاتم «كما في الشرف المؤبد» (4) عن ابن عباس أيضا.

و عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره عن ابن عباس، أنّه حين استحكم الإسلام بعد الهجرة، قالت الأنصار: نأتي رسول اللّه فنقول له: قد تعروك أمور فهذه أموالنا تحكّم فيها كيف شئت، فأتوه بذلك فنزلت الآية، فقرأها عليهم و قال: «تودّون قرابتي من بعدي»، فخرجوا مسلّمين لقوله‏ (5).

و قال المنافقون: إنّ هذا لشي‏ء افتراه في مجلسه، أراد به أن يذلّلنا لقرابته من بعده، فنزلت: «أم يقولون افترى على اللّه كذبا» الحديث.

و قد أخرج الثعلبي‏ (6) و البغوي‏ (7)- كما في الصواعق‏ (8) عن ابن عباس أيضا مثله.

قاتل اللّه الحسد يورد أهله الدرك الأسفل من النار.

انظر، كيف خرج هؤلاء من الدين و كذبوا- حسدا لأولياء اللّه- نبيّهم، و هو الصادق الأمين، فأنزل اللّه تعالى في نفاقهم قرآنا يتلوه المسلمون آناء الليل و أطراف النهار؟!

____________

(1) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 488.

(2) سورة الشورى: الآية 23.

(3) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 488، لا يوجد ذكر لهذا الحديث في كتب أحمد من المسند و المناقب و السنن و المسائل، و لعله المراد هو أحمد بن إسحاق الثعلبي، انظر الكشف و البيان، ج 8 ص 314.

(4) الشرف المؤبد: ص 95، [الدر المنثور: ج 5 ص 701].

(5) مجمع البيان: ج 9 ص 44.

(6) الكشف و البيان: ج 8 ص 315.

(7) معالم التنزيل: ج 5 ص 50.

(8) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 489.

59

و مع ذلك فإنّ بذرة أهل النفاق و الحسد قد أجذرت بتعاهد أولي السلطة لها- من بني أمية و غيرهم- بما يستوجب نموّها، و جمهور المسلمين غافلون، فالتبس الأمر، و وقعت الشبهة.

و إنّما دخل البلاء باعتماد الجمهور على كلّ من كان في الصدر الأول، و بنائهم على عدالة كل فرد فرد ممن كانت له صحبة، مع ما يتلونه في الكتاب و السنة من شئون المنافقين‏ (1) و تربّصهم الدوائر بسيد النبيين و المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و اشتد البلاء بالمنع من الخوض في تلك الأحوال، و سدّهم باب البحث عن حقائق أولئك الرجال، فضيّعوا على أنفسهم كثيرا من الحقائق.

و ربما نسجوا من حيث لا يقصدون على منوال كلّ منافق، و لذلك اختلفوا في هذه الآية، مع ما سمعت بعضه من النصوص الجلية في نزولها بمودّة العترة الزكية.

و الذي عرفناه من أقوال المخالفين أربعة مذاهب:

(الأوّل): إنّ اللّه تعالى أمر نبيه صلّى اللّه عليه و آله أن يقول لمشركي قريش: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (2) يعني: «إلّا أن تودّوني في قرابتي منكم، و تصلوا الرحم التي بيني و بينكم».

و هذا مردود بوجوده:

____________

(1) و حسبهم من الكتاب سورتا التوبة و الأحزاب، فإن فيهما الذكرى لاولي الألباب: و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم.

و ناهيك من السنة باب الحوض من كتاب الرقاق من صحيح البخاري و باب قوله تعالى:

«و اتخذ اللّه إبراهيم خليلا» و هو في كتاب بدء الخلق من الصحيح المذكور أيضا.

و ما أخرجه أحمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبي الطفيل فراجع.

«و ما محمد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئا و سيجزي اللّه الشاكرين.

(2) سوره الشورى: الآية 23.

60

«أحدها»: أنّ الآية مدنية، كما سمعته قريبا عن تفسيري البغوي و الثعلبي و ستسمعه عن غيرهم أيضا، فأين مشركوا قريش عنها؟

«ثانيها»: أن سبب نزولها بحكم ما سمعته و ما ستسمعه من الأخبار، إنّما هو عرض الأنصار أموالهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أو مفاخرتهم لبني هاشم، فيكون الخطاب معهم، لا مع مشركي قريش.

«ثالثها»: أنّه لا يصحّ أن يكون الخطاب مع المشركين، إذ يقبح من الحكيم أن يطلب الأجر على أداء الرسالة ممّن كفر بها، و بلغ الغاية في جحودها و تكذيبها، و إنّما يحسن ذلك ممّن آمن بها، و عدّها نعمة عليه.

«رابعها»: أنّ هذا القول مخالف لما سمعته من النص على أنها نزلت في مودة علي و فاطمة و أبنائهما.

«خامسها»: أنّه إنّما هو قول عكرمة، و تبعه فيه جماعة من صنائع بني أمية و أعداء أهل البيت، كما كنا أوضحناه في كتابنا «سبيل المؤمنين».

و هؤلاء لا تقبل أقوالهم و لا سيما في مثل المقام.

و قد عرفت أن عكرمة من دعاة الخوارج، و كذّبه المحدّثون، كما بيناه في الفصل السابق.

و أخطأ من نسب هذا القول الى ابن عباس، اعتمادا على خبر رواه البخاري في باب قوله: «إلّا المودة في القربى» من كتاب تفسير القرآن من صحيحه‏ (1)، عن محمد بن بشار (2)، عن محمد بن جعفر (3).

و هما ضعيفان بإجماع الإمامية.

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن من سورة الشورى: ج 4 ص 1819.

(2) هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار، تقريب التهذيب لابن حجر:

ج 2 ص 147.

(3) هو محمد بن جعفر المدني البصري المعروف بغندر، تقريب التهذيب: ج 2 ص 151.

61

و وافقهم يحيى بن معين- كما في ميزان الاعتدال- على تضعيف محمد ابن بشار بل كذبه الفلاس فراجع‏ (1).

و كيف يقول ابن عباس في تفسير القربى غير الذي قلناه؟ مع ما سمعته من الأحاديث الثابتة عنه في تفسير القربى بعلي و فاطمة و أبنائهما، و تفسير الحسنة بمودّتهم؟

(الثاني): من مذاهب المخالفين في تفسيره الآية.

أنّ معناها، «قل لا أسألكم عليه أجرا إلّا أن تودّوا القربى من اللّه عز و جل بالأعمال الصالحة».

(الثالث): أنّ معناها: «إلّا أن تودّوا قرابتكم و تصلوا أرحامكم».

و أنت تعلم: أنّ أصحاب هذه الأقاويل، ما أرادوا بها غير التمويه و التضليل.

و حسبهم في ردّها أنّها في مقابل النص و الدليل.

و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، نعم المولى و نعم النصير.

(الرابع): إنّ الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ (2).

و هذا من أغرب الأقاويل، و أعجب الأباطيل، لأنّ وجوب مودة القربى بكل المعاني مستمرّ الى يوم القيامة بحكم الضرورة من دين الإسلام، فما معنى هذا النسخ يا مسلمون؟

على أنه لا تنافي بين الآيتين، لتكونا من قبيل الناسخ و المنسوخ، فإنّ معنى آية الشورى «لا أسألكم على أداء رسالتي شيئا من الأجر إلّا مودّة قرابتي».

و معنى آية سبأ: «إنّي ما سألتكم على أداء رسالتي شيئا من عرض الدنيا»

____________

(1) ميزان الاعتدال للذهبي: ج 3 ص 490.

(2) سورة سبأ: الآية 47.

62

و الذي طلبته منكم في سورة الشورى أجرا عليه من مودّة قرابتي، فإنّما هو لكم لا لي، لأنّ قرابتي حجج اللّه البالغة لديكم، و نعمه السابغة عليكم، و هم أمان أهل الأرض، و باب حطّة، و سفينة نجاة هذه الأمة، و هم كالقرآن الحكيم.

فمودتهم لازمة لكم، و منافعها إنّما هي عائدة عليكم.

- فارجع البصر هداك اللّه- و أمعن النظر في الآيتين، و هما:

قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1).

و قوله سبحانه: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏ (2).

تجد الثانية مؤكّدة لمفاد الأولى و مشوّقة إليه، كما لا يخفى.

***

____________

(1) سورة الشورى، الآية 23.

(2) سورة سبأ: الآية: 47.

63

و بقي للقوم اعتراضان:-

(أحدهما): أنّهم قالوا: لو أراد اللّه من الآية مودّة القربى، لقال: «إلّا مودة القربى»، أو «إلّا المودة للقربى».

و الجواب: أنّ هذا تغافل عمّا لا يغفل عنه ذو حظّ من فهم، و تجاهل بما لا يجهله الخبير بمواقع الكلام، لأنّ الإضافة و اللام هنا لا يفيدان ما أفادته (في) من المبالغة بمودّة القربى‏ (1) بجعلهم موضع الود و الموالاة، كما يعلمه جهابذة الكلام العربي، و يشهد به أئمة البلاغة.

قال الزمخشري في كشافه بعد تفسير القربى بمن ذكرناهم عليهم السّلام.

فان قلت: فهلّا قيل: «إلّا مودة القربى»، أو «إلّا المودة للقربى»، و ما معنى قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏؟

قلت: جعلوا مكانا للمودّة و مقرا لها، كقولك: «لي في آل فلان مودّة، و لي فيهم هوى و حبّ شديد» تريد أحبّهم، و هم مكان حبّي و محلّه.

و ليست (في) بصلة المودّة كاللام، إذا قلت: «إلّا المودة للقربى».

إنّما هي متعلقة بمحذوف تعلّق الظرف به، في قولك: المال في الكيس، و تقديره «إلّا المودة ثابتة في القربى»، و متمكنة فيه‏ (2).

____________

(1) قال النبهاني حيث أورد الآية في «الشرف المؤبد»: القربى مصدر بمعنى القرابة، و هو على تقدير مضاف، أي: ذوي القربى، يعني: الأقرباء.

«قال»: و عبر «بفي»، و لم يعبر «باللام»، لأنّ الظرفية أبلغ و آكد للمودة، ا ه.

(2) الكشاف: ج 4 ص 213.

64

و هذا كلام الزمخشري بعين لفظه، و للّه درّه ما أوفر نصيبه من الإحاطة بالأسرار التي لا تتناهى البلاغة، و لا يتمّ الإعجاز إلّا بها.

«ثانيهما»: إنّهم قالوا هذه الآية في سورة الشورى، و هي مكية، و الحسنان ولدا في المدينة، فلا يمكن إرادتهما منها.

و الجواب: أن هذه الآية و ما بعدها الى آخر ثلاث آيات مدنية قطعا بحكم الأخبار المتظافرة من طريق العترة الطاهرة (1).

و قد روى ذلك صاحب مجمع البيان عن ابن عباس و قتادة (2).

و يدلّ عليه ما سمعته قريبا عن أبي حمزة الثمالي و تفسيري الثعلبي و البغوي.

و حسبك ما ذكره الإمام الواحدي في كتابه «أسباب النزول»، حيث قال:

قال ابن عباس: لمّا قدم رسول اللّه (ص) المدينة، كانت تنوبه نوائب و حقوق، و ليس في يده لذلك سعة.

فقال الأنصار: إنّ هذا الرجل قد هداكم اللّه به، و هو ابن اختكم، و تنوبه نوائب و حقوق و ليس في يده لذلك سعة، فاجمعوا له من أموالكم ما لا يضرّكم، فاتوه به ليعينه على ما ينوبه، ففعلوا ثم أتوه به فقالوا:

يا رسول اللّه، إنّك ابن أختنا، و قد هدانا اللّه تعالى على يديك، و تنوبك نوائب و حقوق، و ليس لك سعة، فرأينا أن نجمع لك من أموالنا فنأتيك به فتستعين على ما ينوبك، و هو هذا، فنزلت: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (3) ا ه.

____________

(1) البرهان: ج 4 ص 819، نور الثقلين: ج 4 ص 573 و 577.

(2) مجمع البيان: ج 9 ص 31.

(3) أسباب النزول: ص 433.

65

و هذا الحديث موجود أيضا في الكشاف‏ (1) و غيره من التفاسير المعتبرة و الكتب المؤلفة في أسباب النزول‏ (2).

و في الكشاف و غيره رواية أخرى في سبب نزولها، جاء فيها: أنّ الأنصار فاخروا بعض بني هاشم، فعاتبهم النبي (ص) بذلك، فجثوا على الركب و قالوا:

أموالنا و ما في أيدينا للّه و لرسوله، فنزلت الآية، فقرأها عليهم‏ (3).

أ ليست هذه الأخبار كلّها صريحة بنزول الآية فى المدينة؟ و إنّما المخاطبين فيها إنّما هم الأنصار؟

و لا ينافي ذلك كونها في سورة مكية، لأنّ ترتيب الكتاب العزيز في الجمع ليس على حسب ترتيبه في النزول، إجماعا و قولا واحدا (4).

و من ثمة كان أغلب السور المكية لا تخلو من آيات مدنية، و كذلك أكثر السور المدنية لا تخلو من آيات مكية بحكم أئمة السلف و الخلف من الفريقين‏ (5).

____________

(1) الكشاف: ج 4 ص 215.

(2) التفسير الكبير: ج 9 ص 594، الكشف و البيان للثعلبي ج 8 ص 310، لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص 278.

(3) الكشاف: ج 4 ص 214، تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم: ج 10 ص 3277.

(4) ألا ترى أنّ الأغلب من أواخره مكي، و الأكثر من أوائله مدني، فلو كان مرتبا على حسب نزوله لوجب تقديم بعض ما أخر و تأخير بعض ما قدم.

و لكانت سورة العلق في أوائله، و سورة براءة في آخره، بناء على ما رواه البخاري عن سليمان بن حرب عن شعبة، و رواه مسلم عن بندار عن غندر عن شعبة أيضا.

و لكانت آخر آية من آياته قوله تعالى: «و اتقوا يوما ترجعون فيه الى اللّه»، أو آخر آية من سورة النساء، أو قوله تعالى: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» الآية، كما لا يخفى على من راجع الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.

(5) فراجع «إن شئت التفصيل» أوائل السور من مجمع البيان في تفسير القرآن، أو من تفسيري الطبري و الرازي الكبيرين، أو من الكشاف، أو أول كل من المائدة و الأعراف-

66

و وصف السورة بكونها مكية أو مدنية تابع لأغلب آياتها، كما صرّح به أئمة هذا الفن من أهل المذاهب كلّها.

على أنّه لا مانع من تناول الآية الكريمة للحسنين عليهما السّلام، و حتى لو فرضنا نزولها بمكة قبل ولادتهما.

لأنّ المودة فيها غير مقصورة على من كان من القربى موجودا حين نزولها، بل هي ثابتة فيهم، و هم على الإطلاق مكانها، كما سمعت.

و بناء على هذا، تكون الآية نظير قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‏ (1).

أ ترى أحدا من المسلمين قصر هذه الوصية على من كان موجودا من الأولاد حين نزولها؟

كلّا، بل لم يتوهم ذلك ابن انثى.

فليت شعري ما الفرق بين الآيتين؟!

و أما ما سمعته من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله في تفسير القربى هم: «علي و فاطمة و ابناهما».

فيجوز أن يكون متأخرا عن نزولها، أو أنّه خبر من اللّه عز و جل بالغيب فيكون من أعلام النبوة.

____________

- و الرعد و الاسراء و الكهف و مريم و الحج و الشعراء و القصص و الروم و لقمان و سبأ و الزمر و الزخرف و الدخان و الرحمن و المجادلة من كتاب تفسير القرآن من «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري» و سائر المؤلفات في هذا الموضوع.

و بعد التتبع قل لي: كيف ألغى المعترضون صحاح الأخبار المفسرة للقربى بما قلناه، و صرفوا الآية عن أهلها بمجرد كونها في سورة يقال عنها مكية؟

و من أوحى إليهم أنها ليست كأغلب المكيات و صفت بهذا الوصف باعتبار الغلبة.

«إن يتبعون الّا الظنّ و ما تهوى الأنفس و قد جاءهم من ربهم الهدى».

(1) سورة النساء: الآية 11.

67

و لا غرو: فقد أخبر عن خلفائه أنّهم اثنا عشر.

و أخبر عن يوم الجمل و كلاب الحوأب.

و عن الفئة الباغية و قتلها عمارا.

و عن الذين مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

و عن الناكثين و القاسطين و المارقين.

و عن الضغائن لعلي في نفوس قوم، و أنّهم لا يبدونها له إلّا بعد فقده.

و عن أشقى الآخرين، و ضربه سيد الوصيين بالسيف على هامته.

و أنّ شيبته الكريمة تخضّب من دم رأسه.

و عن حال بضعته الزهراء من بعده، و أنّها أوّل أهل بيته لحوقا به.

و عن محنة الحسن و الذعاف الذي تجرعه.

و عن مصائب سيد الشهداء في طفّ كربلاء.

و عمّا لقيه أهل بيته من الأثرة و البلاء و القتل و التشريد و التطريد في البلاد.

و عن ولاة الجور الذين يملكون من بعده أمر هذه الأمة.

و عن بوائق بني أمية و بني مروان، و أنّ مدتهم تكون ألف شهر.

و عن بني العباس و ملكهم.

و عن فتنة نجد و طلوع قرن الشيطان منها.

الى ما لا يحصى من إخباره عن اللّه تعالى بالمغيبات.

و قد رأتها الأمة بعد ذلك مثل فلق الصبح، فعلم اللّه الأزلي الذي وسع كل شي‏ء قبل أن يكون شي‏ء، لا يضيق عن تولّد الحسنين من علي و فاطمة قبل أن يخلقهما تبارك و تعالى، و ليس على اللّه بعزيز أن يبشر بهما نبيه صلّى اللّه عليه و آله و يفترض مودّتهما على الأمة قبل ولادتهما لكرامتهما عليه و قرب منزلتهما منه سبحانه و تعالى.

كما بشّر اللّه آدم و نوحا و ابراهيم و موسى و عيسى و سائر النبيين و المرسلين‏

68

بمحمد صلى اللّه عليه و آله و عليهم أجمعين، و عرّفهم جلالة قدره، و عظم شأنه، فآمنوا به، و بخعوا لفضله.

و نحن- مهما شككنا- فلا نشك في أن العترة و الكتاب ثقلا رسول اللّه، اللذان لا يضلّ من تمسّك بهما، و أنّ كلا منهما يفرغ عن الآخر، لأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، و قد تواترت الأخبار عنهم في تفسير القربى بما ذكرناه.

و ناهيك بذلك حجة على ما قلنا.

على أن تفسير القربى هنا «بعلي و فاطمة و ابنائهما» هو الذي ذهبت إليه جماهير أهل السنة و قطعت به أكابرهم‏ (1).

و حسبك قول إمام الخلف منهم و السلف، محمد بن إدريس الشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم‏ * * * فرض من اللّه في القرآن أنزله‏ (2)

كفاكم من عظيم القدر أنكم‏ * * * من لم يصل عليكم لا صلاة له‏

و قول الشيخ ابن العربي:

رأيت ولائي آل طه فريضة * * * على رغم أهل البعد يورثني القربى‏

فما طلب المبعوث أجرا على الهدى‏ * * * بتبليغه إلّا المودة في القربى‏ (3)

____________

(1) كما صرّح به غير واحد من الأعلام كالسيد الإمام أبي بكر بن شهاب الدين في كتابه «رشفة الصادي».

(2) البيتان الأولان نسبهما الى الإمام الشافعي ابن حجر في «صواعقه» [ج 2 ص 435] و النبهاني في «شرفه» و هما مشهوران عنه، منتشران سائران، و قد نسب البيتين الأخيرين الى ابن العربي صاحب «الصواعق» و غيره.

(3) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 488.

69

و قال المعاصر النبهاني:

آل طه يا آل خير نبي‏ * * * جدّكم خيرة و أنتم خيار

أذهب اللّه عنكم الرجس أهل ال * * * بيت قدما فأنتم الأطهار

لم يسل جدّكم على الدين أجرا * * * غير ودّ القربى و نعم الإجار

و حيث ثبت هذا عن أئمة السنة و جماهير الأمة، فلا مبالاة إذن بمخالفة من خالف، و لا بمجازفة من جازف، ممّن أشار النبهاني إليهم في كتابه «الشرف المؤبد»، حيث ذكر بعضهم في خطبة الكتاب، فقال:

و من هذا القبيل ما وقع في عصرنا في القسطنطينة سنة سبع و تسعين و مائتين و ألف هجرية، من قوم جهّال غرقوا من أحوال البغضاء لآل محمد في أوحال، فأخذوا يتأولون بجهلهم ما ورد من الآيات و الأخبار في فضل أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، و مهبط الوحي، و منبع الحكمة، و يخرجونها عن ظواهرها بأفهامهم السقيمة، و آرائهم الذميمة.

و مع ذلك فقد زعموا أنهم لأهل البيت من أهل المحبّة و الوداد؟! و لم يعلموا أنّهم هائمون من الخذلان في كلّ واد.

الى آخر ما قال فيهم، و فيمن نسجوا على منوالهم، ممن تقدمهم فراجع‏ (1).

و قال في المقصد الثالث من الكتاب المذكور: فقد رأينا من إذا سمع بذكر مزيّة امتاز بها أهل البيت، أو منقبة أسندت إليهم، و وصفوا بها من اللّه تعالى، و رسوله (ص)، أو السلف الصالح، أو علماء الأمة، أو أوليائها، يقطب وجهه، و يتغير خلقه، و يودّ بلسان حاله:

أنّ تلك المزية لم تكن لهم.

____________

(1) الشرف المؤبد: ص 3.

70

و قد يتكلف الأقاويل الواهية، و الأخبار الموضوعة و الآثار المصنوعة، ليطفئ بها نور اللّه، و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون‏ (1).

هذا كلامه بعين لفظه.

(و الحق ينطق منصفا و عنيدا).

نسأل اللّه الهداية و التوفيق لنا و لجميع المسلمين، بمنه و كرمه، إنّه أرحم الراحمين.

****

____________

(1) الشرف المؤبد: ص 82.

71

الفصل الرابع الاستدلال بآيات الأبرار على تفضيل الزهراء عليها السّلام‏

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

الفصل الرابع‏ في آيات الأبرار، و هي قوله عزّ اسمه في سورة الدهر: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً* عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً* يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (1) الى آخر السورة.

أجمع أولياء أهل البيت تبعا لكافة أئمتهم عليهم السّلام على نزولها في «عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين».

و صحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة (2)، و هذا عندهم من الضروريات التي لا يجهلها منهم أحد.

و قد أخرجه عن ابن عباس جماعة من أعلام غيرهم، كالإمام الواحدي في كتابه البسيط، و الإمام أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير (3)، و الإمام أبي المؤيد موفق بن أحمد في كتاب الفضائل‏ (4)، و غير واحد من الحفظة و أهل الضبط (5).

و أليك ما ذكره الزمخشري في تفسير السورة من الكشاف بعين لفظه:

قال: و عن ابن عباس رضى اللّه عنه أنّ الحسن و الحسين مرضا فعادهما رسول اللّه (ص) في ناس معه.

____________

(1) سورة الإنسان: الآية 5 و 6.

(2) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة للأسترآبادي ص 724، تفسير البرهان:

ج 5 ص 548، تفسير نور الثقلين: ج 5 ص 470.

(3) الكشف و البيان للثعلبي ج 10 ص 98.

(4) الفضائل، الفصل السابع عشر في بيان ما نزل من الآيات في شأنه ص 267.

(5) شواهد التنزيل: ج 2 ص 303، أنوار التنزيل للبيضاوي: ج 2 ص 526، اسد الغابة:

ج 7 ص 236، من ترجمة فضّة النوبية.

74

فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر عليّ و فاطمة و فضّة جارية لهما إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا و ما معهم شي‏ء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا و اختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: «السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنة».

فآثروه و باتوا لم يذوقوا إلّا الماء، و أصبحوا صياما.

فلما أمسوا و وضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم فآثروه، و وقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.

فلمّا أصبحوا أخذ علي رضى اللّه عنه بيد الحسن و الحسين، و أقبلوا الى رسول اللّه (ص)، فلمّا أبصرهم و هم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال: «ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم».

و قال: فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها، و قد التصق بطنها بظهرها و غارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبرئيل عليه السّلام و قال: «خذها يا محمد، هنّاك اللّه في أهل بيتك» (1) فأقرأه السورة، ا ه.

و نحن لا حاجة بنا الى تضييع الوقت في إخراج أسانيد هذا الحديث و طرقه الى ابن عباس و مجاهد، و أبي صالح و عطاء و غيرهم، و لا الى ذكر من أخرجه من حفّاظ الحديث، و أئمة التفسير، بعد تواتره عن الأئمة الأبرار، و كونه ممّا لا ريب فيه- و إنّما نشير الى بعض ما تضمنته تلك الآيات البينات من أسرار البلاغة، لينتبه أولو الألباب- وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ.

إنّ علماء البيان، و سائر أهل اللسان، لا يرتابون في أنّ الجمع المحلّى بلام التعريف حقيقة في العموم، و هذا ممّا لا يختلف فيه اثنان من أهل العربية.

____________

(1) الكشاف: ج 4 ص 657.

75

و أنت تعلم: أنّ لفظ الأبرار في الآية جمع برّ- أو بار- محلّى باللام، كما ترى فظهوره في الشمول و الاستغراق ممّا لا ريب فيه، و إنّما أطلق على «علي و فاطمة و الحسن و الحسين» تبيانا لكونهم أكمل الأبرار، و أذانا بأنّهم أفضل الأخيار، و برهانا على أنّهم صفوة الصفوة، و حجة على أنّهم خيرة الخيرة.

فما عسى أن يقول القائلون في عظيم برّهم، أو يصف الواصفون سموّ قدرهم؟

و أيّ مدحة توازن مدحة الفرقان؟

و أي ثناء يكايل ثناء الذكر الحكيم؟

و أيّ عبارة فاضلة شريفة مقدّسة تكافئ قول اللّه تعالى فيهم: «إنّ الأبرار» عليا و فاطمة و الحسن و الحسين «يشربون» الشراب الطيّب الطاهر يوم العطش الأكبر «من كأس» هي الزجاجة إذا كان فيها الشراب، و يسمى الشراب نفسه كأسا أيضا، و قد وصفها بقوله عزّ من قائل «كان مزاجها» الذي تمزج به ماء من عين في الجنة تسمى «كافورا»، لأنّ ماءها في بياض الكافور و رائحته و برودته.

و الدليل على أن «كافورا» اسم عين في الجنة، قوله تعالى «عينا» بالنصب على أنّها عطف بيان أو بدل من «كافورا» (1) «يشرب بها عباد اللّه» علي و فاطمة و الحسنان، و أمثالهم من الكاملين في العبودية للّه سبحانه،

____________

(1) و قيل: تمزج لهم بالكافور و تختم بالمسك، و قيل: بل فيها بياض الكافور و رائحته و برده، فكأنها مزجت به.

و على هذين القولين تكون (عينا) منصوبة على الاختصاص أو على البدل من محل (كأس) بتقدير حذف مضاف، و يكون المراد من الكأس على هذا نفس الشراب لا الزجاجة، و التقدير حينئذ: (إنّ الأبرار يشربون من شراب كان مزاجها كافورا) شراب عين يشرب بها عباد اللّه.

76

الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً* وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً* وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً (1).

الى آخر ما اشتملت عليه آيات الفرقان من صفاتهم الكاملة.

و إنّما وصل فعل الشرب في الآية الأولى بمن الابتدائية، و وصله في الآية الثانية بباء الإلصاق، لأنّ الكأس مبتدأ شربهم، و العين يمزجون بها شرابهم فيكون المعنى «يشربون الشراب ماء تلك العين»، كما تقول: شربت الماء بالعسل.

و هذه العين «يفجرونها» أي: يجرونها حيث شاءوا من كل مكان أرادوا «تفجيرا» سهلا يسيرا، لا تلحقهم فيه كلفة، و لا يجدون فيه من مشقة.

و قد بين اللّه سبحانه و تعالى السبب في استحقاقهم لهذه الكرامة، فقال:

«يوفون بالنذر» جوابا لسؤال مضمر، تقديره: «ما الذي فعلوه فاستحقوا به هذا الجزاء»؟

و أنت تعلم: أن ليس المراد من وصفهم بالوفاء بالنذر إلّا المبالغة في وصفهم بالتوفّر على أداء الواجبات، لأنّ من وفى بما أوجبه هو على نفسه، كان بما أوجبه اللّه عليه أوفى، و تلك شهادة لهم من اللّه تعالى‏ وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا.

لم يقتصر سبحانه في تزكيتهم بهذه الشهادة على المبالغة في وصفهم بالتوفّر على أداء الواجبات، حتى بالغ في بعدهم عن المحرمات و الشبهات بما وصفهم فيه من خشية اللّه و الخوف من يوم القيامة.

حيث قال، و هو أصدق القائلين: وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (2) يريد بذلك أنّ هذا الخوف العظيم يستوجب كونهم نصب أمره و نهيه، و تلك منزلة المعصومين.

____________

(1) سورة الفرقان: الآيات: 62- 64.

(2) سورة الانسان، الآية 7.

77

و من تدبّر القرآن الحكيم، و غاص على أسراره البالغة، وجد في هذه الآيات البينات من عناية اللّه تعالى في هؤلاء الأبرار أمرا عظيما لا يوصف بكيف، و لا يقدر بكم.

ألا ترى كيف رتّب هذه الشهادات في تزكيتهم، فكانت كلّ شهادة أكبر من سابقتها.

إذ شهد أولا بأنّهم «يوفون بالنذر».

ثمّ شهد ثانيا «بأنهم يخافون يوما كان شره مستطيرا»، فكانت أعظم من الأولى، لدلالتها بصريح العبارة على رسوخ الإيمان باللّه و اليوم الآخر.

ثمّ شهد لهم ثالثا بما هو أعظم من ذلك، فقال: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (1) الضمير في حبّه للطعام على الأظهر، و المعنى: أنهم يطعمون الطعام مع حبّه لشدة جوعهم بسبب صومهم ثلاثة أيام لا يذوقون في لياليها غير الماء.

و هذا على حدّ قوله تعالى: وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ‏ (2)، و قوله سبحانه:

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ (3)، و قوله: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (4).

و إنّما كانت هذه الشهادة أعظم لكشفها عن كمال نفوسهم، و بلوغهم أقصى الغايات في حبّ الخير و الإيثار على أنفسهم، إشفاقا على المسكين و رأفة باليتيم، و عطفة على الأسير.

____________

(1) سورة الانسان: الآية 8.

(2) سورة البقرة: الآية 177.

(3) سورة آل عمران: الآية 92.

(4) سورة الحشر: الآية 9.

78

و أنت تعلم: أنّهم لو لم يؤثروهم، لما كان عليهم في ذلك من جناح، لكنهم مثّلوا الحنان و الرحمة بأجلى مظاهرهما حين لم يكونوا مكلّفين بذلك، و لا مسئولين عنه، و تلك من أفضل صفات المقرّبين.

بقي أعظم الشهادات و أجلّها و أقوى الأدلة على تزكيتهم و أدلّها، ألا و هو الذي أشار إليه سبحانه و تعالى حيث قال بلسان حالهم عن مكنون سرائرهم:

إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً (1) بفعل تفعلونه (و لا شكورا) بقول تقولونه‏ إِنَّا نَخافُ‏ (2) مِنْ رَبِّنا يَوْماً موصوفا على سبيل المجاز بكونه (عبوسا قمطريرا) شديد العبوس، تشبيها له في شدّته و ضرره و تخويفه بالأسد العبوس أو بالحاكم المتنمّر العبوس، و يجوز وصفه بصفة أهله لعبوسهم يومئذ من شدّة أهواله له كقولهم: نهارك صائم.

و أنت إذا تدبّرت بشائره لهم بالأمن من أهوال ذاك اليوم، تعرف مزيد عنايته بهم عليهم السّلام، حيث لم يكتف منها ببشارة واحدة، بل جعل البشائر مترادفة متوالية و كل واحدة منها أعظم من سابقتها.

قال أولا: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ‏ (3) تأمينا لهم من شرّه و ضرّه.

ثم أربى على ذلك، فقال: (و لقّاهم نضرة) في وجوههم (و سرورا) في قلوبهم بدل عبوس أعدائهم و حزنهم.

ثم ترقى في البشارة، فقال: (و جزاهم بما صبروا) على الإيثار مع شدّة الجوع ابتغاء لمرضاة اللّه (جنة و حريرا).

ثم لم يكتف في البشارة بالجنة على سبيل الإجمال، حتى فصّل فيها أكثر

____________

(1) سورة الإنسان: الآية 8.

(2) فعن مجاهد «كما في الكشاف و غيره» إنّهم لم يقولوا (حين أطعموا الطعام) شيئا، و إنّما علمه اللّه منهم، فأثنى به عليهم، و هذا من عظيم عنايته بهم.

(3) سورة الإنسان: الآية 11.

79

الأحوال، فقال تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ‏ (1) فهم في منتهى الراحة و الرفاهة و الغبطة و الحبور، مستبشرين فكهين (لا يرون فيها شمسا) حرّها يحمي (و لا زمهريرا) برده يؤذي، فالشمس و الزمهرير هنا كناية عن الحرّ و البرد (2).

و قد جمعوا بين البعد عنها و دنوّ الظلال عليهم، كما أشار إليه سبحانه بقوله:

وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها (3) بنصب دانية، عطفا على محل الجملة التي قبلها (4) لأنّها في محل النصب على الحالية من الممدوحين عليهم السّلام.

و التقدير متكئين على الأرائك غير رائين شمسا و لا زمهريرا، و دانية عليهم ظلالها. ثم لم يكتف سبحانه بهذا القدر من بيان كرامتهم حتى قال:

وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (5)، و المعنى تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم، إذ الجملة هنا حالية من الضمير في «دانية» (6).

____________

(1) سورة الانسان: الآية 13.

(2) و قيل أن الزمهرير هنا إنّما هو القمر بقرينة مقابلته الشمس، و أنشدوا بما يدل على كونه من أسماء القمر:

و ليلة ظلامها قد اعتكر * * * قطعتها و الزمهرير ما زهر

و على هذا فالمعنى أنّ الجنة ضياء لا حاجة فيها الى الشمس و القمر.

(3) سورة الإنسان: الآية 14.

(4) و يجوز عطفها على «جنة»، فيكون المعنى: (و جزاهم جنة و حريرا) و جنة أخرى دانية عليهم ظلالها، إذ أنّهم وصفوا بالخوف من ربهم في قوله تعالى: (إنّا نخاف من ربنا).

و قد وعد اللّه الخائفين من ربهم بجنتين، فقال: (و لمن خاف مقام ربه جنتان).

و يجوز أن نجعل «متكئين»، «و لا يرون»، «و دانية» كلها صفات الجنة.

و قرئ «و دانية» بالرفع على أن تكون خبرا مقدّما، و المبتدأ المؤخر «ظلالها»، و الجملة في محل الحال، و التقدير: «لا يرون شمسا و لا زمهريرا»، و الحال أن ظلالها دانية عليهم.

(5) سورة الإنسان: الآية 15.

(6) و يجوز عطفها على دانية، أي: «و دانية عليهم ظلالها و مذللة لهم قطوفها»، و اذا جعلت-

80

و المراد من تذليل قطوفها، جعلها ذللا، لا تمتنع على قاطفها متى أراد، و كيف شاء.

و يجوز أن تكون مأخوذة من الذل بمعنى الخضوع لسهولة قطفها كيف شاء قطافها.

و لو اكتفى جلّ و علا بهذا القدر من بيان فوزهم في دار كرامته لكفاهم شرفا و فضلا، لكنه سبحانه آثر الإطناب فيما تحدّى به من معجزات الكتاب، ليمثل بذلك عنايته التامة فيهم تمثيلا، و ليفضّلهم على من سواهم تفضيلا، فقال:

وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ‏ (1) خلقها اللّه تعالى بباهر قدرته و إتقان صنعه، فقال: كوني من جنس الفضة في صفاء القوارير و شفيفها، و لذا كانَتْ قَوارِيرَا (2) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ.

فتبارك اللّه أحسن الخالقين، كيف جمع فيها بين صفتي المعدنين المتباينين.

ثم لم يكتف سبحانه ببيان جنس تلك القوارير و باهر وصفها، حتى وصفها أيضا بقوله: «قدّروها» في أنفسهم «تقديرا» خاصا على كيفية مخصوصة تشتهيها نفوسهم، و تلذّ بها أعينهم فجاءت كما قدروا على حسب ما يتمنّون.

ثم شرح تبارك و تعالى ما يقع استعماله منهم في تلك الأكواب، فقال:

وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً (3) أي: خمرة موصوفة بقوله (كان مزاجها) الذي تمزج‏

____________

- «متكئين»، «و لا يرون»، «و دانية» صفات للجنة، فلتكن هذه الجملة صفة لها أيضا، هذا كله مع نصب «دانية».

أما مع رفعها على الإخبار بها عن ظلالها، فتكون هي «و ظلالها» جملة ابتدائية، و الجملة من «و ذللت» معطوفة عليها.

(1) سورة الإنسان: الآية 15.

(2) الألف هنا للإطلاق، و هي فاصلة بين «قوارير» الأولى و الثانية، و هما لا ينصرفان لكونهما في صيغة منتهى المجموع.

(3) سورة الإنسان: الآية 17.

81

به ماء من عين في الجنة تسمى «زنجبيلا» و يدلّك على أنّ «زنجبيلا» اسم لعين في الجنة قوله تعالى: (عينا فيها) بالنصب على أنّها عطف بيان أو بدل من «زنجبيلا» و يجوز نصبها على الاختصاص أو على كونها بدلا من «كأسا» بتقدير حذف مضاف، و يكون المعنى: «و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا»، كأس عين (تسمى سلسبيلا)، لكونها في منتهى السلاسة يقال: «شراب سلسل و سلسال» اذا كان سلسا سائغا سهل الانحدار، و يقال: سلسبيل، إذا كان في غاية السلاسة.

لم يكتف عزّ و جل بقوله: (و يطاف عليهم)، حتى ذكر الطائفين عليهم القائمين بخدمتهم بأحسن الذكر و أجمله، و وصفهم بألطف الوصف و أفضله فقال: وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ‏ (1) لجمال منظرهم، و كمال هيئتهم، و صفاء ألوانهم، و بهاء أشكالهم، و ما يروق العالمين من حسنهم و لطفهم و انبثاثهم في أنديتهم «لؤلؤا منثورا».

و قيل: شبّهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه، لحسنه و كثرة مائه.

لم يكتف جلّ و علا بهذه التفاصيل كلّها، حتى أفاد سبحانه أنّ الإجمال فيما أعده الله لهم ممّا لا بدّ منه، و لا مندوحة عنه لامتناع تفصيله بسبب قصور العبائر و عجز أفهام الناس، و قصر إدراكهم، و لذا قال و هو أصدق القائلين: وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَ‏ (2)، فلم يجعل مفعولا لرأيت لا ظاهرا و لا مقدرا لتكون الرؤية عامة لجميع ما ثمة، و المعنى: أنّك اذا أوقعت رؤيتك هناك على أيّ شي‏ء من الأشياء تجدك قد (رأيت نعيما) عظيما تضيق عنه الأوهام، (و ملكا كبيرا) تنقطع دونه الأماني، و لا يمكن وصفه إلّا بهذا المقدار.

و هذه الآية أبلغ في كرامتهم من كل ما تقدّم، و قد تدبّرها من تدبّرها، فعلم‏

____________

(1) سورة الإنسان: الآية 19.

(2) سورة الإنسان: الآية 20.

82

أن فيها من فضلهم ما لا يحيط به إلّا اللّه تعالى، و مع ذلك لم ينته ذكره سبحانه لهم، و وعده إياهم بما هم أهله بل قال: عالِيَهُمْ‏ (1) ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ (2) فهم مزدانون بحليّ الكرامة، رافلون في حلل دار المقامة «و» قد «سقاهم ربهم» جل و علا هذا الساقي و تبارك ما أعظم عنايته فيهم و أجل اهتمامه ببيان كرامتهم إذ نسب السقي على سبيل المجاز الى جلالته تعالى، فما يقول الواصف بعدها و إن أطنب؟ و ما عسى أن يصف القائل فيهم و إن أسهب؟

و ما ظنك بمن يسقيهم ربهم بكأسه الأوفى (شرابا طهورا) يرشح بعد ذلك من أبدانهم عرقا أطيب من ريح المسك، لا كخمر الدنيا رجسا، نجسا خبيثا منتنا، سالبا للعقل، متلفا للجسم، مسقطا للمروءة، معصورا بالأيدي الوضرة، مدوسا بالأرجل القذرة، موضوعا في دنان قد لا تسلم من الجراثيم السامة و أباريق قد لا يعنى بتنظيفها، مدارة بكئوس تداولتها الأيدي الأثيمة، و ولغت فيها الأفواه البخرة.

و أنت هداك اللّه إذا أمعنت النظر فيما ألقاه عز و جل إليهم في ختام البشائر العظيمة و المواهب الجسيمة؛ تتمثل لك عناية الله بهم قالبا حسيا، و ترى كرامتهم عليه و سموّ منزلتهم لديه شخصا مرئيا، و ذلك أنّه ختم كلامه في شئونهم بقوله مخاطبا لهم عليهم السّلام: «إنّ هذا» الإكرام العظيم الذي فصّلناه في محكم الذكر تفصيلا، و فضلناكم على العالمين تفضيلا «كان لكم جزاء» على أعمالكم المقدّسة التي استوجبت هذا الإكرام الجسيم، لم تنالوه بشفاعة أو بمجرد فضل،

____________

(1) بنصب «عاليهم» لكونه حالا من ضمير «عليهم» في قوله: «و يطوف عليهم ولدان».

و قد يقال: إنّها حال من «ولدان»، و قرئ «عاليهم» بالسكون على أنه مبتدأ، و خبره «ثياب سندس خضر و استبرق».

(2) سورة الانسان: الآية 21.

83

و إنّما أخذتموه بالاستحقاق و العدل «و كان سعيكم» مع ذلك كله «مشكورا» ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.

بقيت نكتة شريفة، و حكمة من حكم الفرقان منيفة، حاصلها: أنّ هذه السورة المباركة كما بشّرت هؤلاء الأبرار (1)، فقد أنذرت أعداءهم الظالمين الكفار، بما أعدّ اللّه لهم من السلاسل و الأغلال و العذاب الأليم و سعير النار.

فأمعن النظر إليها، تجد التصريح بذلك في كل من طرفيها، كما لا يخفى على الخوّاضين لعباب الذكر الحكيم، الغوّاصين على كل سرّ من أسراره عظيم، المتدبّرين لمواقع كلمه، و المستقصين في البحث و التنقيب عن حكمه، الذين إذا قرءوا القرآن أو استمعوا له أصغوا إليه بمجامع قلوبهم و خشعت لهيبته جميع جوارحهم، فبخعوا لمعانيه و مراميه، و خضعوا لأوامره و نواهيه، جعلنا اللّه في جملة من منّ عليهم بذلك إنّه أرحم الراحمين.

____________

(1) يجب أن يعلم أن آيات الثناء و البشائر في سورة الدهر كلها لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين، و آيات الوعيد و الذم و التهديد فيها لأعدائهم، بقرينة أنّ السبب في نزول تلك السورة بتمامها إنّما هم عليهم السلام، لكن الألفاظ في كل من المقامين عامة شاملة لكل من اتصف بتلك الأوصاف.

و على هذا فالبشائر و المدائح في تلك السورة تتناول عليا و فاطمة و الحسن و الحسين أولا و بالذات، ثم تتناول من اتصف بصفاتهم ثانيا، و بواسطة دخولهم في تلك العمومات.

و كذلك القول في آيات الذم و الوعيد، فإنّها تتناول أولا و بالذات أعداء أولئك الأبرار الذين كانوا سببا في نزول السورة بأجمعها، ثم تتناول غيرهم لدخوله في العموم، حيث أن المورد لا يخصص الوارد، فاحفظ هذا فإنّه ينفعك في كثير من الآيات إن شاء اللّه تعالى.

84

المطلب الثاني في دلالة السنة المقدّسة

و فيها من الأحاديث الصحيحة، و النصوص الصريحة ما تضيق عنه هذه الرسالة، و لا تحتمله هذه العجالة و إنّما نذكر منها اثني عشرة حديثا تبركا بهذا العدد الميمون.

85

1- قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد، و آسيه بنت مزاحم امرأة فرعون، و مريم بنت عمران».

أخرجه جماعة من المحدّثين كثيرون، كالإمام أحمد من حديث رواه عن ابن عباس في صفحة 293 من الجزء الأول من مسنده، و أبي داود «كما في ترجمة خديجة من الاستيعاب» (1)، و قاسم بن محمد «كما في ترجمة الزهراء من الاستيعاب» (2) و جماعة من حملة الآثار و حفظة الأخبار لا يسع المقام استيفاءهم‏ (3).

2- قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران و آسيا بن مزاحم، و خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمد».

أخرجه أبو داود «كما في ترجمة خديجة من الاستيعاب» (4) بالإسناد الى أنس و رواه عبد الوارث بن سفيان، (كما في ترجمتي الزهراء (5) و خديجة من الاستيعاب) (6) بالإسناد الى أبي هريرة.

و نقله غير واحد من ثقات المحدّثين بطرقهم الى أنس و أبي هريرة (7).

____________

(1) الإستيعاب: ج 4 ص 382.

(2) الإستيعاب: ج 4 ص 450.

(3) المستدرك: ج 3 ص 370، المعجم الكبير: ج 22 ص 407، مسند فاطمة الزهراء للسيوطي: ص 149، فيض القدير للمناوي: ج 2 ص 53.

(4) الاستيعاب: ج 4 ص 382.

(5) الاستيعاب: ج 4 ص 450.

(6) الاستيعاب: ج 4 ص 382.

(7) المستدرك: ج 3 ص 368، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للطبري: ص 54 مسند فاطمة الزهراء للسيوطي ص 151، فيض القدير للمناوي: ج 3 ص 491.

86

3- قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«حسبك من نساء العالمين، مريم بنت عمران، و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد، و آسية امرأة فرعون».

أخرجه الترمذي‏ (1) «كما في الأربعين للنبهاني» (2)، عن أنس.

و رواه عنه أيضا السراج «كما في ترجمة الزهراء من الاستيعاب» (3).

و أخرجه أبو داود «كما في ترجمة خديجة من الاستيعاب» (4).

و نقله الشعبي «كما في ترجمة الزهراء من الإصابة» (5) عن جابر.

و لا يسعنا استقصاء من أخرج هذا الحديث بطرقهم المختلفة الى أنس و جابر (6).

و أنت تعلم: أن هذه الأحاديث الثلاثة و نحوها نصوص جلية في تفضيل الأربع على سائر نساء البرية، و لا تعرض فيها لبيان الأفضل من تلك الأربع لكن صحاحنا المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة نصوص في تفضيل الزهراء صريحة لا تقبل التأويل‏ (7)، كما يشهد به كل من أنعم اللّه عليه الاستسلام لحكمها.

و حسبك في تفضيل الزهراء أنّها بضعة من سيد الأنبياء، و لا نعدل به و لا ببضعته أحدا من العالمين.

____________

(1) صحيح الترمذي: ج 6 ص 179.

(2) راجع صفحة 220 من كتاب الأربعين من أحاديث سيد المرسلين.

(3) الاستيعاب: ج 4 ص 450.

(4) الاستيعاب: ج 4 ص 383.

(5) الإصابة في تمييز الصحابة: ج 4 ص 378.

(6) المستدرك: ج 3 ص 368، المعجم الكبير: ج 22 ص 402، ذخائر العقبى للطبري ص 53.

(7) معاني الأخبار للصدوق: ص 107، الخصال: ص 206، الأمالي للشيخ الصدوق: ص 574 و ص 174.

87

و قد وافقنا في تفضيلها جمهور من المسلمين، و صرح به كثير من المحققين، نقل ذلك عنهم غير واحد من العلماء الباحثين المتتبعين، كالمعاصر النبهاني، حيث قال في أحوال الزهراء من كتابه «الشرف المؤبد» ما هذا لفظه:

و صرّح بأفضليتها على سائر النساء، حتى على السيدة مريم كثير من العلماء المحققين، منهم التقيّ السبكي، و الجلال السيوطي، و البدر الزركشي، و التقي المقريزي.

«قال»: و عبارة السبكي حين سئل عن ذلك: الذي نختاره و ندين به: أنّ فاطمة بنت محمد أفضل.

«قال»: و سئل عن مثل ذلك ابن أبي داود، فقال: إنّ رسول اللّه (ص) قال:

«فاطمة بضعة مني»، و لا أعدل ببضعة رسول اللّه أحدا (1).

و نقل المناوي هذا عن جمع من الخلف و السلف فراجع‏ (2).

4- ما استخرجه أبو داود «كما في ترجمة خديجة من الاستيعاب» (3) بسنده الى ابن عباس قال: قال رسول اللّه (ص):

«سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران، فاطمة بنت محمد و خديجة و آسية»، ا ه.

و هذا كالأحاديث السابقة في الدلالة على تفضيل الأربع على من سواهن من نساء العالمين، إلّا أنّه ربما يستشعر منه تفضيل العذراء على الزهراء، لكن الأدلة الأخر التي هي أكثر عددا و أصحّ سندا و أصرح دلالة من هذا الحديث و نحوه توجب الإعراض عمّا يستشعر منه.

____________

(1) الشرف المؤبد لآل محمد للنبهاني ص 59.

(2) الفيض القدير للمناوي: ج 4 ص 421، و إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب للمناوي ص 62.

(3) الاستيعاب: ج 4 ص 383.

88

على أنّه لا يروى من طريق أصحابنا كما لا يخفى.

5- ما أخرجه البخاري‏ (1) و مسلم‏ (2) و الترمذي‏ (3) في صحاحهم و صاحب الجمع بين الصحيحين‏ (4) و صاحب الجمع بين الصحاح الستة (5) و الإمام أحمد من حديث الزهراء من مسنده‏ (6) و ابن عبد البرّ في ترجمتها من استيعابه‏ (7) و محمد بن سعد في ترجمتها من الجزء الثامن من طبقاته‏ (8).

و في باب ما قاله النبي في مرضه من المجلد الثاني من الطبقات‏ (9) أيضا.

و اللفظ الذي تسمعه للبخاري في آخر ورقة من كتاب «الاستئذان» من الجزء الرابع من صحيحه، قال:

حدّثنا موسى، عن أبي عوانة، عن فراس، عن عامر، عن مسروق، حدّثتني عائشة أم المؤمنين، قالت:

إنّا كنّا أزواج النبي عنده جميعا لم تغادر منّا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، لا و اللّه ما تخفي مشيتها من مشية رسول اللّه (ص)، فلمّا رآها رحّب و قال:

«مرحبا بابنتي»، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها فبكت بكاء

____________

(1) راجع آخر صفحة 64 من الجزء الرابع من صحيحه المطبوع بالمطبعة المليحية سنة 1332.

(2) راجع باب فضائل فاطمة من الجزء الثاني من صحيحه، تجد طرقه في هذا الحديث الى عائشة متعددة [ص 1331 رقم 98].

(3) صحيح الترمذي: ج 6 ص 177.

(4) الجمع بين الصحيحين للحميدي: ج 4 ص 145 من مسانيد النساء.

(5) الجمع بين الصحاح الستة: لرزين بن معاوية بن عمار أبو الحسن العبدري الاندلسي، مخطوط.

(6) راجع صفحة 282 من الجزء السادس من المسند.

(7) الاستيعاب: ج 4 ص 149.

(8) طبقات ابن سعد: ج 8 ص 22.

(9) طبقات ابن سعد: ج 2 ص 190.

89

شديدا، فلمّا رأى حزنها سارّها الثانية اذا هي تضحك.

فقلت لها: أنا من بين نسائه: خصّك رسول اللّه (ص) بالسرّ من بيننا، ثم أنت تبكين فلمّا قام رسول اللّه (ص) سألتها عمّا سارّك.

قالت: «ما كنت لأفشي على رسول اللّه سرّه».

فلما توفّي، قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ لما أخبرتني.

قالت: «أما الآن فنعم»، فأخبرتني.

قالت: «أما حين سارّني في الأمر الأول، فإنّه أخبرني أن جبرائيل كان يعارضه كل سنة مرة، و أنّه قد عارضني به العام مرتين، و لا أرى الأجل إلّا قد اقترب، فاتقي اللّه و اصبري، فإنّي نعم السلف أنا لك».

قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلمّا رأى جزعي سارّني الثانية.

قال: «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة» (1)، ا ه.

و اللفظة فيما ذكره ابن حجر في ترجمتها من الإصابة (2) و غير واحد من المحدّثين‏ (3): «ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين».

و كيف كان: فالحديث صحيح، و النص في تفضيلها صريح.

و أخرج ابن سعد في باب ما قاله النبي لها في مرضه من المجلد الثاني من طبقاته بالإسناد الى أم سلمة.

قالت: لما حضر رسول اللّه (ص) دعا فاطمة فناجاها فبكت، ثم ناجاها فضحكت، فلم أسألها حتى توفي رسول اللّه (ص)، فسألتها عن بكائها و ضحكها.

____________

(1) صحيح البخاري: ج 5 ص 2317 من كتاب الاستئذان.

(2) الاصابة: ج 4 ص 378.

(3) المستدرك: ج 3 ص 366 بسند آخر الى الشعبي.

90

فقالت: أخبرني أنه يموت، ثم أخبرني «أني سيدة نساء أهل الجنة» (1) الحديث.

و أخرجه أيضا أبو يعلى‏ (2) «كما في ترجمة الزهراء من الإصابة» (3) بالإسناد الى أم سلمة، و رواه عنها غير واحد من أهل الحديث‏ (4).

6- ما أخرجه جماعة من الحفظة و أهل الضبط ممّن حملوا العلم بأسانيده و طرقه كابن عبد البر في ترجمتها عليها السّلام من الاستيعاب: انّ النبي (ص) عادها و هي مريضة، فقال: «كيف تجدينك يا بنية»؟

قالت: «إني لوجعة، و إنّه ليزيدني أنّي ما لي طعام آكله».

قال يا بنية: «أ ما ترضين أنّك سيدة نساء العالمين»؟

قالت: «يا أبة فأين مريم بنت عمران»؟

قال: «تلك سيدة نساء عالمها، و أنت سيدة نساء عالمك، أما و اللّه لقد زوجتك سيدا في الدنيا و الآخرة» (5)، ا ه.

7- ما أخرجه أحمد (6) و الترمذي‏ (7) و النسائي‏ (8) و ابن حبّان‏ (9) «كما في الفصل الثالث من الباب 11 من الصواعق المحرقة لابن حجر» عن حذيفة: أن النبي (ص) قال له:

«أما رأيت العارض الذي عرض لي قبل ذلك هو ملك، لم يهبط الى الأرض‏

____________

(1) الطبقات لابن سعد: ج 2 ص 191.

(2) مسند أبي يعلى الموصلي: ج 12 ص 312.

(3) الاصابة: ج 4 ص 378.

(4) الذرية الطاهرة: ص 144، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للطبري ص 50.

(5) الاستيعاب: ج 4 ص 449.

(6) مسند أحمد: ج 5 ص 391.

(7) صحيح الترمذي ج 6 ص 121.

(8) السنن الكبرى ج 5 ص 146، و فيه عن أبي هريرة.

(9) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ج 15 ص 413.

91

قطّ قبل هذه الليلة، استأذن ربّه عز و جل أن يسلّم عليّ و يبشّرني أنّ الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، و أنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (1) الى آخره.

و أخرج ابن حبّان و غيره- كما في أحوال الزهراء من «الشرف المؤبد» و غيره- عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (ص):

«إنّ ملكا من السماء لم يكن زارني، فاستأذن ربي في زيارتي فبشرني أنّ فاطمة سيدة نساء أمتي» (2)، ا ه.

8- ما أخرجه حفظة الأخبار و حملة الآثار، كعبد الرحمن بن أبي نعيم- كما في ترجمة الزهراء من الاستيعاب و الإصابة و غيرهما- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (ص): «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (3) .... الحديث.

9- ما أخرجه البخاري‏ (4) و مسلم‏ (5) في صحيحيهما- كما في ترجمة الزهراء من الإصابة و غيرها (6)- عن المسور قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول على المنبر: «فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها و يريبني ما رابها» (7).

و نقل النبهاني في أحوال الزهراء من «الشرف المؤبد» عن البخاري بسنده الى رسول اللّه (ص): «فاطمة بضعة مني، يغضبني ما يغضبها».

قال: و في رواية: «فمن أغضبها أغضبني».

قال: و في الجامع الصغير: «فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها و يبسطني‏

____________

(1) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 560.

(2) الشرف المؤبد ص 59، كنز العمال: ج 12 ص 117/ 34274.

(3) الاستيعاب: ج 4 ص 449، الاصابة: ج 4 ص 378.

(4) صحيح البخاري ج 3 ص 1374.

(5) صحيح مسلم ص 1329.

(6) الصواعق المحرقة: ج 2 ص 558.

(7) الإصابة: ج 4 ص 378.

92

ما يبسطها» (1).

و قالت- بأبي هي و أمي- لابي بكر و عمر، كما صرح به الإمام ابن قتيبة في أوائل كتاب «الإمامة و السياسة»-:

«نشدتكما اللّه أ لم تسمعا رسول اللّه (ص) يقول: «رضا فاطمة من رضاي، و سخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ ابنتي فاطمة فقد أحبني، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني»؟

قالا: نعم سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‏ (2)

و هذا من الأحاديث المتواترة، عن أئمة العترة الطاهرة، و كفى به حجة لتفضيلها على من سواها من نساء العالمين.

و هل يعدل مسلم ببضعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و بقيته في أمته أحدا من الناس؟

و قد تدبّر هذا الحديث من تدبّره من أولي الألباب، فرآه يرمي الى عصمتها لدلالته على امتناع وقوع كل من أذيتها و ريبتها و غضبها و سخطها و رضاها و انقباضها و انبساطها، في غير محلّه، كما هو الشأن في أذية النبي صلّى اللّه عليه و آله و ريبته و رضاه و سخطه و انقباضه و انبساطه، و هذا كنه العصمة و حقيقتها كما لا يخفى.

10- ما أخرجه ابن أبي عاصم‏ (3)- كما في ترجمتها من الإصابة- بسنده الى علي عليه السّلام قال: قال رسول اللّه (ص) لفاطمة: «إنّ اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك» (4).

و أخرجه الطبراني‏ (5) و غيره باسناد حسن، كما في أحوالها من‏

____________

(1) الشرف المؤبد: ص 59، الجامع الصغير للسيوطي: ج 2 ص 653 رقم الحديث 5859.

(2) الإمامة و السياسة ص 31.

(3) الآحاد و المثاني ج 5 ص 363.

(4) الاصابة: ج 4 ص 378.

(5) المعجم الكبير: ج 22 ص 401.

93

«الشرف المؤبد» (1) و غيره، و هو في الدلالة على تفضيلها و عصمتها كالحديث السابق.

11- ما أخرجه جماعة من إثبات المحدّثين و أعلامهم كالإمام أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في صفحة 442 من الجزء الثاني من مسنده.

قال: نظر النبي (ص) الى علي و الحسن و الحسين و فاطمة، فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، و سلم لمن سالمكم».

و أخرج الترمذي‏ (2) من حديث زيد بن أرقم «كما في ترجمة الزهراء من الإصابة» أن رسول اللّه قال: «علي و فاطمة و الحسن و الحسين، أنا حرب لمن حاربهم و سلم لمن سالمهم» (3)- ا ه.

و هذا الحديث في الدلالة على تفضيلها و عصمتها كسابقه، و فيه دلالة على كفر محاربيهم كما ترى.

12- ما أخرجه المحدّثون بالإسناد الى علي و اللفظ لأحمد في صفحة 101 من الجزء الأول من مسنده عن عبد الرحمن الأزرق عن علي قال:

دخل عليّ رسول اللّه (ص) و أنا نائم على المنامة، فاستسقى الحسن أو الحسين قال: فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله الى شاة لنا بكي‏ء (4) فحلبها فدرّت، فجاءه الحسن فنحاه النبي صلّى اللّه عليه و آله.

فقالت فاطمة: «يا رسول اللّه كأنّ أخاه أحبّهما أليك».

قال: «لا، و لكنه استسقى قبله».

____________

(1) الشرف المؤبد ص 59، مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي: ص 284.

(2) صحيح الترمذي ج 6 ص 174.

(3) الاصابة: ج 4 ص 378.

(4) أي: قل لبنها، و قيل انقطع، و هذا الحديث أشار إليه صاحب لسان العرب في مادة بكأ.

94

ثم قال: «إنّي و إيّاك و هذين و هذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة» الى آخره-.

بخ بخ، هذا هو الفضل الذي بخع له الأولون و الآخرون، فلا يلحقهم بعده لاحق، و لا يطمع في إدراكهم طامع، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.

هذا آخر ما وسعته العجالة، و احتملته هذه الرسالة، و قد استقصينا في «سبيل المؤمنين» (1) كل ما يدل على تفضيلهم عليهم السلام.

____________

(1) نكبنا في «سبيل المؤمنين» سنة 1920 غربيّة، و هي سنة 1328 هجرية يوم رزئنا بجل ما الّفناه قبل تلك النازلة التي عمت أبناء عاملة و اختصت بهذا الضعيف، حيث أوغل الغاشمون في طغيانهم، و لجوا في عدوانهم، و مضوا في التنكيل و التقتيل و التشريد على غلوائهم، و أطلقوا في البنادق و المشانق و النهب و الضرب و التحريق و التمزيق أعنة أهوائهم. ركبوا في ذلك رءوسهم متهافتين في أعمالهم، لا يلوون على أحد، و كنت في طليعة من تبدّد و تشرد، وليتهم كفّوا عن تلك الكتب القيمة و اكتفوا بما- سواها-

عند اللّه أحتسب تلك المؤلفات التي أفنيت فيها عمري، و رهقني بفقدها ما نقض مرّه صبري، فإنّا اللّه و إنّا إليه راجعون‏

أنشد اللّه امرأ وقع في يده شي‏ء منها إلّا أثلج به كبدي الحرى، فإنّ لكل كبد حرى أجرا.

و أليك ضالتي المنشودة و نفائسي المفقودة:

1- شرح التبصرة، على سبيل الاستدلال، خرج منه كتاب الطهارة و كتاب القضاء و الشهادات و كتاب المواريث في ثلاثة مجلدات.

2- تعليقة على استصحاب رسائل الشيخ، في مجلد واحد.

3- رسالة في منجزات المريض، استدلالية.

4- سبيل المؤمنين، ثلاثة مجلدات في إمامة أئمتنا الاثني عشر و أحوالهم و مناقبهم و هديهم (عليهم السلام) لا نظير له في موضوعه.

5- النصوص الجلية في إمامة العترة الزكية، يشتمل على ثمانين نصا أربعين ممّا أجمع على صحته المسلمون، و أربعين بما انفردت به الإمامية و فيه و في «سبيل المؤمنين» ما شئت-

95

____________

- من أدلة عقلية و نقلية و حكمة فلسفية.

6- تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة، مجلد واحد يشتمل على مائة آية نزلت فيهم بحكم الصحاح المجمع على تصحيحها، و قد تكلمنا فيه و في «سبيل المؤمنين» بما يوجبه التحقيق في العلوم مجانبين فيها الاطناب الممل و الايجاز المخلّ.

7- تحفة المحدّثين فيما أخرج عنه الستة من المضعفين، و هذا هو المعجم الأول الذي لم يكتب قبله في هذا الموضوع.

8- تحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب.

9- الذريعة في نقض البديعة «أعني بديعة النبهاني».

10- المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة، أربعة مجلدات.

المجلد الأول: في السيرة النبوية الدالة بمجردها على نبوته صلى اللّه عليه و آله و سلم.

الثاني: في سيرة أمير المؤمنين و الزهراء و الحسن المجتبى، ذكرنا منها ما يدل بحكم الفلسفة العقلية على عصمتهم.

الثالث: خاصّ بسيد الشهداء على وتيرة الأول و الثاني.

الرابع: في سيرة التسعة، اقتصرنا منها على ما يدل بمجرده على إمامتهم و عصمتهم.

و في هذه المجالس من الفلسفة ما يحكم العقل و النقل بصحته.

و قد طبعت مقدمتها، فكانت رسالة لها السبق في موضوعها.

11- المناظرات الأزهرية و المباحثات المصرية، كتاب يشتمل على مهمات المسائل الخلافية متكفلا بإثبات الحق من طريق مخالفيه.

12- مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام، خرج منه مجلد واحد، نشر عنه (العرفان في مجلداته الاول و الثاني و الثالث) تراجم كثير من الأعاظم.

13- بغية الفائز في نقل الجنائز، نشرت في العرفان جلها.

14- بغية السائل عن لثم الأيدي و الأنامل، رسالة فيها أربعون حديثا من طريقنا، و أربعون من طريق غيرنا، أدلة على الموضوع، و تكلمنا فيها بهذه المناسبة في مطلق التقبيل، فكانت رسالة علمية أدبية فكاهية.

15- زكاة الأخلاق، رسالة شريفة نشرت «مجلة العرفان» الغراء، لمعا منها.

16- الفوائد و الفرائد يعرف موضوعها من اسمها.

17- تعليقة على صحيح البخاري.-

96

و حسبك في تفضيلها بالخصوص ما أخرجه الطبراني في ترجمة إبراهيم بن هاشم من معجمه الأوسط عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا قط أفضل من فاطمة غير أبيها (1).

و سند هذا القول الى عائشة صحيح على شرط البخاري و مسلم.

صرّح بذلك ابن حجر في ترجمة الزهراء من إصابته‏ (2) و النبهاني في آخر صفحة 58 من الشرف المؤبد.

و أخرج ابن عبد البر في ترجمة الزهراء من استيعابه بالإسناد الى ابن عمير، قال: دخلت على عائشة فسألتها أي الناس كان أحب الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قالت: فاطمة.

قلت: فمن الرجال؟.

قالت: زوجها (3).

و أخرج في ترجمتها عليها السّلام من الاستيعاب أيضا عن بريدة.

قال: كان أحبّ الناس الى رسول اللّه من النساء فاطمة، و من الرجال علي‏ (4).

و قالت عائشة: ما رأيت أحدا أصدق لهجة من فاطمة إلّا أن يكون الذي ولدها صلّى اللّه عليه و آله».

____________

- 18- تعلية على صحيح مسلم.

19- الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة، كتاب لم يسبق له (في أدلته العقلية و النقلية) نظير «ودع عنك نهيا صيح في حجراته».

(1) المعجم الأوسط: ج 3 ص 348.

(2) الإصابة: ج 4 ص 378.

(3) الاستيعاب: ج 4 ص 451.

(4) الاستيعاب: ج 4 ص 451.

97

أخرجه ابن عبد البر في ترجمة الزهراء من استيعابه‏ (1).

و الحمد للّه أولا و آخرا، و صلى اللّه على محمد و آله و سلم تسليما كثيرا.

و كان الفراغ من تأليفها في مدينة صور مستهل رجب سنة ألف و ثلاث مائة و ست و أربعين هجرية، بقلم مؤلفها الأقل عبد الحسين بن الشريف يوسف بن الجواد بن اسماعيل بن محمد بن محمد (2) بن إبراهيم و يلقّب شرف الدين بن زيد العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين المعروف بأبي الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن حمزة بن سعد اللّه بن حمزة ابن محمد بن محمد بن عبد اللّه ابن محمد بن علي بن عبد اللّه بن محمد بن طاهر بن الحسين بن موسى بن ابراهيم المرتضى ابن الإمام أبي الحسن موسى‏ (3) الكاظم ابن الإمام أبي عبد اللّه الصادق ابن الإمام أبي جعفر الباقر ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام أبي عبد اللّه الحسين سيد الشهداء و سبط سيد الأنبياء و خاتم المرسلين صلى اللّه عليه و آله و سلم و عليهم أجمعين.

***

____________

(1) الاستيعاب: ج 4 ص 450.

(2) الى محمد هذا ينتهي نسب والدة المؤلف أيضا فإنّها كريمة الهادي بن محمد علي بن صالح ابن محمد المذكور.

(3) يقال للمؤلف «موسوي» نسبة الى هذا الإمام، كما يقال ذلك لكل حسيني تفرع عن شجرة موسى الكاظم عليه السلام.

تمت التعليقة بقلم مؤلفها الأقل عبد الحسين شرف الدين الموسوي سنة 1346 و الحمد للّه.

98

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

99

عقيلة الوحي زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليها السّلام‏

بقلم سماحة الإمام آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين‏

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

المقدمة

ما برح الإيرانيون مقالا ساميا في الغيرة على مساجد اللّه تعالى و مقامات أهل البيت عليهم السّلام، لا تكاد تمضي فترة حتى تجود أريحياتهم بما يرفع من شأن هاتيك المساجد و المقامات، كأنما خصّوا بهذه الخدمة يرونها دينا في أعناقهم الى الأبد.

و ليس أدلّ على ذلك من أننا لو جمعنا تضحياتهم في هذا السبيل لأنافت على غيرها من التضحيات مجتمعة.

و كان آخر ما دفعهم إليه الايمان الصادق و حب آل البيت الطاهر، أنّهم توفّروا على صنع ضريح رائع من الآبنوس و الموزاييك و العاج، مطعّم بخيوط من الذهب، و مرقوم ببعض الآي الحكيم و الشعر و النقوش، و خصّوا به مقام السيدة زينب، عقيلة الوحي، في «قرية الست» من ضواحي دمشق.

و بهذه المناسبة التمسنا من سماحة المجتهد الأكبر السيد عبد الحسين شرف الدين، حفظ اللّه مهجته، أن يتحف الرأي العام بنبذة تاريخية عن السيّدة زينب، و من غيره أولى بخوض مثل هذا الموضوع.

فتكرّم بهذه الرسالة ننشرها شاكرين.

الحاج مهدي البهبهاني‏

102

الرسالة التي تلقيناها من سماحة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين.

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ حيّاك اللّه صفوة المؤمنين، و مفخرة الحجاج و المعتمرين، التقي النقي الايماني، الحاج مهدي البهبهاني المحترم حفظه اللّه تعالى.

و السلام عليكم و على من إليكم و رحمة اللّه و بركاته.

هذه الكلمة التي أردتموها للحفلة التي ستقيمونها إن شاء اللّه تعالى في مشهد السيدة عقيلة الوحي و النبوة زينب عليها السّلام بمناسبة الصندوق الشريف.

فهي تصوّر مقام أهل بيت النبوة عامة و تفضّلهم على العالمين، و تمثّل مشاهدهم، و لا سيما مشهد السيّدة زينب زينة للناظرين، و فخرا و بهجة للمؤمنين.

و تذكر الايرانيين و بشائر القرآن بهم، و ثناءه عليهم، و تشكرهم على اهتمامهم بتعظيم شعائر اللّه عز و جل، و لا سيّما مشاهد الائمة.

و تذكر في الاثناء صندوقهم الشريف.

و سترون في هذه الكلمة أحوال السيّدة زينب و عظمتها، و عظمة مواقفها التي ما وقفتها امرأة من بنات حواء.

فالأمل أن تبرقوا لنا بتعيين يوم الحفلة، فإذا لم نوفّق للحضور، فليتل الخطبة ابن العم الأكرم السيد رشيد مرتضى.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

صور في 20 شعبان 1334

عبد الحسين شرف الدين الموسوي‏

103

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ اللّه نحمد، استتماما لنعمته، و الحمد فضله، و إياه نشكر، استسلاما لعزته، و الشكر طوله، حمدا و شكرا كما هو أهله، و نسأله تسهيل ما يلزم حمله، و تعليم ما لا يسع أحدا جهله، و نستعينه على القيام بما يبقى أجره، و يحسن في الملأ الأعلى ذكره.

و نشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، و أن محمدا صلى اللّه عليه و آله و سلم، أفضل نبي أرسله، و على الخلائق كلها اصطفاه و فضّله، صلى اللّه عليه و على الائمة الاثني عشر من عترته، الذين حفظوا ما حمله، و عقلوا عنه من شرائع اللّه ما عن اللّه عقله، حتى قرن بينهم و بين محكم الكتاب، و جعلهم قدوة لأولي الألباب، الى يوم البعث و الحساب.

104

من نصوص الثقلين‏

و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله- يوم عرفات في حجة الوداع- أثناء خطبته تلك العظيمة التي صدع بها، رافعا صوته لتسمعه تلك الأشهاد المجتمعة من أقطار المسلمين:

«أيّها الناس: لا ترجعوا بعدي كفّارا، يضرب بعضكم أعناق بعض، فإنّي تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»

ثم قال للناس: «ألا هل بلّغت»؟

فقالوا: نعم، قال: «اللّهم فاشهد» ...

ثم لمّا قفل من حجّة الوداع راجعا الى المدينة بمن كان معه من الحجاج و انتهى في سيره الى حيث تفترق بهم الطرق الى بلادهم، حطّ رحله على غدير في أرض يقال لها «خمّ»، فأرجع إليه من تقدّمه من الحجاج، و ألحق به من تأخر منهم عنه، فلمّا اجتمعوا صلّى بهم الفريضة، ثم خطبهم عن اللّه عز و جل، فصدع بالنص على عليّ باسمه، و على الائمة من بعد عليّ على سبيل الإجمال، فقال رافعا صوته و هو مشرف عليهم و عليّ دونه بمرقاة:

«أيّها الناس، يوشك أن ادعى فأجيب، و إنّي مسئول، و إنّكم مسئولون، فما ذا أنتم قائلون»؟

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت، و جاهدت، و نصحت، فجزاك اللّه خيرا.

فقال: «أ ليس تشهدون أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمدا عبده و رسوله، و أنّ جنته حقّ، و أنّ ناره حقّ، و أنّ الموت حقّ، و أنّ البعث حقّ بعد الموت، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور»؟

قالوا: بلى نشهد.