اللهوف على قتلى الطفوف‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
292 /
51

فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ وَا لَهْفَاهْ عَلَيْكَ أَ بِالْبَارِقَةِ تُخَوِّفُنِي وَ هَانِي يَظُنُّ أَنَّ عَشِيرَتَهُ يَسْمَعُونَهُ.

ثُمَّ قَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي فَأُدْنِيَ مِنْهُ فَاسْتَعْرَضَ وَجْهَهُ بِالْقَضِيبِ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ أَنْفَهُ وَ جَبِينَهُ وَ خَدَّهُ حَتَّى انْكَسَرَ أَنْفُهُ وَ سِيلَ الدِّمَاءُ عَلَى ثِيَابِهِ وَ نُثِرَ لَحْمُ خَدِّهِ وَ جَبِينِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ فَانْكَسَرَ الْقَضِيبُ فَضَرَبَ هَانِي بِيَدِهِ إِلَى قَائِمِ سَيْفِ شُرْطِيٍّ فَجَاذَبَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَصَاحَ ابْنُ زِيَادٍ خُذُوهُ فَجَرُّوهُ حَتَّى أَلْقَوْهُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدَّارِ وَ أَغْلَقُوا عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ اجْعَلُوا عَلَيْهِ حَرَساً فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِ فَقَامَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَ قِيلَ إِنَّ الْقَائِمَ حَسَّانُ بْنُ أَسْمَاءَ فَقَالَ أَ رُسُلُ غَدْرٍ سَائِرَ الْيَوْمِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَمَرْتَنَا أَنْ نَجِيئَكَ بِالرَّجُلِ حَتَّى إِذَا جِئْنَاكَ بِهِ هَشَّمْتَ وَجْهَهُ وَ سَيَّلْتَ دِمَاءَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ زَعَمْتَ‏

52

أَنَّكَ تَقْتُلُهُ فَغَضِبَ ابْنُ زِيَادٍ وَ قَالَ وَ أَنْتَ هَاهُنَا ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ حَتَّى تُرِكَ وَ قُيِّدَ وَ حُبِسَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْقَصْرِ فَقَالَ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

إِلَى نَفْسِي أَنْعَاكَ يَا هَانِي.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ بَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ أَنَّ هَانِياً قَدْ قُتِلَ وَ كَانَتْ رُوَيْحَةُ بِنْتُ عَمْرٍو هَذَا تَحْتَ هَانِي بْنِ عُرْوَةَ فَأَقْبَلَ عَمْرٌو فِي مَذْحِجَ كَافَّةً حَتَّى أَحَاطَ بِالْقَصْرِ وَ نَادَى أَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ وَ هَذِهِ فُرْسَانُ مَذْحِجَ وَ وُجُوهُهَا لَمْ نَخْلَعْ طَاعَةً وَ لَمْ نُفَارِقْ جَمَاعَةً وَ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَنَا هَانِياً قَدْ قُتِلَ فَعَلِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِاجْتِمَاعِهِمْ وَ كَلَامِهِمْ فَأَمَرَ شُرَيْحاً الْقَاضِيَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى هَانِي فَيُشَاهِدَهُ-

53

وَ يُخْبِرَ قَوْمَهُ بِسَلَامَتِهِ مِنَ الْقَتْلِ فَفَعَلَ ذَلِكَ وَ أَخْبَرَهُمْ فَرَضُوا بِقَوْلِهِ وَ انْصَرَفُوا.

قَالَ وَ بَلَغَ الْخَبَرَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَخَرَجَ بِمَنْ بَايَعَهُ إِلَى حَرْبِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَتَحَصَّنَ مِنْهُ بِقَصْرِ دَارِ الْإِمَارَةِ وَ اقْتَتَلَ أَصْحَابُهُ وَ أَصْحَابُ الْمُسْلِمِ وَ جَعَلَ أَصْحَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْقَصْرِ يَتَشَرَّفُونَ مِنْهُ وَ يُحَذِّرُونَ أَصْحَابَ مُسْلِمٍ وَ يَتَوَعَّدُونَهُمْ بِأَجْنَادِ الشَّامِ فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَ اللَّيْلُ فَجَعَلَ أَصْحَابُ مُسْلِمٍ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ وَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا نَصْنَعُ بِتَعْجِيلِ الْفِتْنَةِ وَ يَنْبَغِي أَنْ نَقْعُدَ فِي مَنَازِلِنَا وَ نَدَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ حَتَّى يُصْلِحَ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى عَشَرَةِ أَنْفُسٍ فَدَخَلَ مُسْلِمٌ الْمَسْجِدَ لِيُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ-

54

فَتَفَرَّقَ الْعَشَرَةُ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ وَحِيداً فِي دُرُوبِ الْكُوفَةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا طَوْعَةُ فَطَلَبَ مِنْهَا مَاءً فَسَقَتْهُ ثُمَّ اسْتَجَارَهَا فَأَجَارَتْهُ فَعَلِمَ بِهِ وَلَدُهَا فَوَشَى الْخَبَرَ بِطَرِيقِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَأَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَ ضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً وَ أَنْفَذَهُ لِإِحْضَارِ مُسْلِمٍ فَلَمَّا بَلَغُوا دَارَ الْمَرْأَةِ وَ سَمِعَ مُسْلِمٌ وَقْعَ حَوَافِرِ الْخَيْلِ لَبِسَ دِرْعَهُ وَ رَكِبَ فَرَسَهُ وَ جَعَلَ يُحَارِبُ أَصْحَابَ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً فَنَادَى إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ وَ قَالَ يَا مُسْلِمُ لَكَ الْأَمَانُ فَقَالَ مُسْلِمٌ وَ أَيُّ أَمَانٍ لِلْغَدَرَةِ الْفَجَرَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ يُقَاتِلُهُمْ وَ يَرْتَجِزُ بِأَبْيَاتِ حُمْرَانَ بْنِ مَالِكٍ الْخَثْعَمِيِّ يَوْمَ الْقَرْنِ‏

55

أَقْسَمْتُ لَا أُقْتَلُ إِلَّا حُرّاً * * * وَ إِنْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ شَيْئاً نُكْراً

أَكْرَهُ أَنْ أُخْدَعَ أَوْ أُغَرَّا * * * أَوْ أَخْلِطَ الْبَارِدَ سُخْناً مُرّاً

كُلُّ امْرِئٍ يَوْماً يُلَاقِي شَرّاً * * * أَضْرِبُكُمْ وَ لَا أَخَافُ ضَرّاً

.

فَنَادَوْا إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُكْذَبُ وَ لَا يُغَرُّ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ وَ تَكَاثَرُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ فَطَعَنَهُ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ فَأُخِذَ أَسِيراً.

فَلَمَّا أُدْخِلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحَرَسِيُّ سَلِّمْ عَلَى الْأَمِيرِ فَقَالَ لَهُ اسْكُتْ وَيْحَكَ وَ اللَّهِ مَا هُوَ لِي بِأَمِيرٍ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ لَا عَلَيْكَ‏

56

سَلَّمْتَ أَمْ لَمْ تُسَلِّمْ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ إِنْ قَتَلْتَنِي فَلَقَدْ قَتَلَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ بَعْدُ فَإِنَّكَ لَا تَدَعُ سُوءَ الْقَتْلَةِ وَ قُبْحَ الْمُثْلَةِ وَ خُبْثَ السَّرِيرَةِ وَ لُؤْمَ الْغَلَبَةِ لِأَحَدٍ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ يَا عَاقُّ يَا شَاقُّ خَرَجْتَ عَلَى إِمَامِكَ وَ شَقَقْتَ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَ أَلْقَحْتَ الْفِتْنَةَ فَقَالَ مُسْلِمٌ كَذَبْتَ يَا ابْنَ زِيَادٍ إِنَّمَا شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ مُعَاوِيَةُ وَ ابْنُهُ يَزِيدُ وَ أَمَّا الْفِتْنَةُ فَإِنَّمَا أَلْقَحَهَا أَنْتَ وَ أَبُوكَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدٍ عَبْدُ بَنِي عِلَاجٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَ أَنَا أَرْجُو أَنْ يَرْزُقَنِيَ اللَّهُ الشَّهَادَةَ عَلَى يَدَيْ شَرِّ بَرِيَّتِهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ أَمْراً أَحَالَ اللَّهُ دُونَهُ وَ جَعَلَهُ لِأَهْلِهِ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ وَ مَنْ أَهْلُهُ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ فَقَالَ أَهْلُهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مُسْلِمٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ حَكَماً

57

بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ أَ تَظُنُّ أَنَّ لَكَ فِي الْأَمْرِ شَيْئاً فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ وَ اللَّهِ مَا هُوَ الظَّنُّ وَ لَكِنَّهُ الْيَقِينُ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ أَخْبِرْنِي يَا مُسْلِمُ بِمَا ذَا أَتَيْتَ هَذَا الْبَلَدَ وَ أَمْرُهُمْ مُلْتَئِمٌ فَشَتَّتَّ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ فَرَّقْتَ كَلِمَتَهُمْ فَقَالَ مُسْلِمٌ مَا لِهَذَا أَتَيْتُ وَ لَكِنَّكُمْ أَظْهَرْتُمُ الْمُنْكَرَ وَ دَفَنْتُمُ الْمَعْرُوفَ وَ تَأَمَّرْتُمْ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ رِضًى مِنْهُمْ وَ حَمَلْتُمُوهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَ عَمِلْتُمْ فِيهِمْ بِأَعْمَالِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ فَأَتَيْنَاهُمْ لِنَأْمُرَ فِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ نَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ نَدْعُوَهُمْ إِلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ كُنَّا أَهْلَ ذَلِكَ فَجَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ يَشْتِمُهُ وَ يَشْتِمُ عَلِيّاً وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ ع فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ أَنْتَ وَ أَبُوكَ‏

58

أَحَقُّ بِالشَّتِيمَةِ

فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ‏

يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ بَكْرَ بْنَ حُمْرَانَ أَنْ يَصْعَدَ بِهِ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ فَيَقْتُلَهُ فَصَعِدَ بِهِ وَ هُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَ يَسْتَغْفِرُهُ وَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ص فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَ نَزَلَ مَذْعُوراً فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ رَأَيْتُ سَاعَةَ قَتَلْتُهُ رَجُلًا أَسْوَدَ سَيِّئَ الْوَجْهِ حِذَائِي عَاضّاً عَلَى إِصْبَعِهِ أَوْ قَالَ عَلَى شَفَتِهِ فَفَزِعْتُ مِنْهُ فَزَعاً لَمْ أَفْزَعْهُ قَطُّ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ لَعَلَّكَ دَهِشْتَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَانِي بْنِ عُرْوَةَ فَأُخْرِجَ لِيُقْتَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ وَا مَذْحِجَاهْ وَ أَيْنَ مِنِّي مَذْحِجُ وَا عَشِيرَتَاهْ وَ أَيْنَ مِنِّي عَشِيرَتِي فَقَالَ لَهُ مُدَّ عُنُقَكَ فَقَالَ لَهُمْ وَ اللَّهِ مَا أَنَا بِهَا سَخِيٌّ وَ مَا كُنْتُ لِأُعِينَكُمْ عَلَى نَفْسِي فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يُقَالُ لَهُ رُشَيْدٌ فَقَتَلَهُ وَ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ وَ هَانِي‏

59

يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ وَ يُقَالُ إِنَّهَا لِلْفَرَزْدَقِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهَا لِسُلَيْمَانَ الْحَنَفِيِّ شِعْرٌ:

فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوْتُ فَانْظُرِي‏ * * * إِلَى هَانِي فِي السُّوقِ وَ ابْنِ عَقِيلٍ‏

إِلَى بَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيْفُ وَجْهَهُ‏ * * * وَ آخَرَ يَهْوِي مِنْ طَمَارِ قَتِيلٍ‏

أَصَابَهُمَا فَرْخُ الْبَغِيِّ فَأَصْبَحَا * * * أَحَادِيثَ مَنْ يَسْرِي بِكُلِّ سَبِيلٍ‏

تَرَى جَسَداً قَدْ غَيَّرَ الْمَوْتُ لَوْنَهُ‏ * * * وَ نَضْحَ دَمٍ قَدْ سَالَ كُلَّ مَسِيلٍ‏

فَتًى كَانَ أَحْيَا مِنْ فَتَاةٍ حَيِيَّةٍ * * * وَ أَقْطَعَ مِنْ ذِي شَفْرَتَيْنِ صَقِيلٍ‏

أَ يَرْكَبُ أَسْمَاءُ الْهَمَالِيجَ آمِناً * * * وَ قَدْ طَلَبَتْهُ مَذْحِجُ بِذُحُولٍ‏

تَطُوفُ حِفَافَيْهِ مُرَادٌ وَ كُلُّهُمْ‏ * * * عَلَى رِقْبَةٍ مِنْ سَائِلٍ وَ مَسُولٍ‏

فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَثْأَرُوا بِأَخِيكُمْ‏ * * * فَكُونُوا بَغَايَا أُرْضِيَتْ بِقَلِيلٍ‏

.

60

قَالَ الرَّاوِي:

وَ كَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ وَ هَانِي إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَعَادَ الْجَوَابَ إِلَيْهِ يَشْكُرُهُ فِيهِ عَلَى فِعَالِهِ وَ سَطْوَتِهِ وَ يُعَرِّفُهُ أَنْ قَدْ بَلَغَهُ تَوَجُّهُ الْحُسَيْنِ ع إِلَى جِهَتِهِ وَ يَأْمُرُهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْمُؤَاخَذَةِ وَ الِانْتِقَامِ وَ الْحَبْسِ عَلَى الظُّنُونِ وَ الْأَوْهَامِ.

وَ كَانَ قَدْ تَوَجَّهَ الْحُسَيْنُ ع مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَ قِيلَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتِّينَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ لِأَنَّهُ ع خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ مُسْلِمٌ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْعِرَاقِ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏

ما شاءَ اللَّهُ‏

وَ

لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ خُطَّ الْمَوْتُ‏

61

عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ وَ خُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَتَقَطَّعُهَا عَسَلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ فَيَمْلَأْنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً وَ أَجْرِبَةً سُغْباً لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أَجْرَ الصَّابِرِينَ لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لُحْمَتُهُ وَ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ وَ يُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ مَنْ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا فَإِنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏

وَ رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الْإِمَامِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ‏

62

الْإِمَامَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاقِدِيُّ وَ زُرَارَةُ بْنُ خُلَّجٍ‏

لَقِينَا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ع قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَخْبَرْنَاهُ ضَعْفَ النَّاسِ بِالْكُوفَةِ وَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ مَعَهُ وَ سُيُوفَهُمْ عَلَيْهِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ فَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَدَداً لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ لَوْ لَا تَقَارُبُ الْأَشْيَاءِ وَ هُبُوطُ الْأَجَلِ لَقَاتَلْتُهُمْ بِهَؤُلَاءِ وَ لَكِنْ أَعْلَمُ يَقِيناً أَنَّ هُنَاكَ مَصْرَعِي وَ مَصْرَعَ أَصْحَابِي لَا يَنْجُو مِنْهُمْ إِلَّا وَلَدِي عَلِيٌّ ع‏

. وَ رَوَى مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ ع فَقَالَ مَا هَذَا لَفْظُهُ‏

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى مَكَّةَ فِي جُنْدٍ

63

كَثِيفٍ قَدْ أَمَرَهُ يَزِيدُ أَنْ يُنَاجِزَ الْحُسَيْنَ الْقِتَالَ إِنْ هُوَ نَاجَزَهُ أَوْ يُقَاتِلَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.

فَخَرَجَ الْحُسَيْنُ ع يَوْمَ التَّرْوِيَةِ

وَ رَوَيْتُ مِنْ كِتَابِ أَصْلِ الْأَحْمَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُرَيْدَةَ الثِّقَةِ وَ عَلَى الْأَصْلِ أَنَّهُ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْقُمِّيِّ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‏

سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى‏

64

الْحُسَيْنِ ع فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أَرَادَ الْخُرُوجَ صَبِيحَتَهَا عَنْ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَخِي إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ مَنْ قَدْ عَرَفْتَ غَدْرَهُمْ بِأَبِيكَ وَ أَخِيكَ وَ قَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ حالُكَ كَحَالِ مَنْ مَضَى فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُقِيمَ فَإِنَّكَ أَعَزُّ مَنْ فِي الْحَرَمِ وَ أَمْنَعُهُ فَقَالَ يَا أَخِي قَدْ خِفْتُ أَنْ يَغْتَالَنِي يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي الْحَرَمِ فَأَكُونَ الَّذِي يُسْتَبَاحُ بِهِ حُرْمَةُ هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنْ خِفْتَ ذَلِكَ فَصِرْ إِلَى الْيَمَنِ أَوْ بَعْضِ نَوَاحِي الْبَرِّ فَإِنَّكَ أَمْنَعُ النَّاسِ بِهِ وَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْكَ فَقَالَ أَنْظُرُ فِيمَا قُلْتَ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ ارْتَحَلَ الْحُسَيْنُ ع فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَأَتَاهُ فَأَخَذَ زِمَامَ نَاقَتِهِ الَّتِي رَكِبَهَا فَقَالَ لَهُ يَا أَخِي أَ لَمْ تَعِدْنِي النَّظَرَ فِيمَا سَأَلْتُكَ قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا حَدَاكَ عَلَى الْخُرُوجِ عَاجِلًا فَقَالَ أَتَانِي رَسُولُ‏

65

اللَّهِ ص بَعْدَ مَا فَارَقْتُكَ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ ع اخْرُجْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاكَ قَتِيلًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

فَمَا مَعْنَى حَمْلِكَ هَؤُلَاءِ النِّسَاءَ مَعَكَ وَ أَنْتَ تَخْرُجُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ قَالَ فَقَالَ لَهُ قَدْ قَالَ لِي إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَ مَضَى‏

وَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‏

ذَكَرْنَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ ع وَ تَخَلُّفَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا حَمْزَةُ إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَا تَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَجْلِسِنَا هَذَا إِنَّ الْحُسَيْنَ ع لَمَّا فَصَلَ مُتَوَجِّهاً أَمَرَ بِقِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع‏

66

إِلَى بَنِي هَاشِمٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي لَمْ يَبْلُغِ الْفَتْحَ وَ السَّلَامُ‏

وَ ذَكَرَ الْمُفِيدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ص وَ مَوْلِدِ الْأَوْصِيَاءِ ص بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ ع قَالَ‏

لَمَّا سَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ص مِنْ مَكَّةَ لِيَدْخُلَ الْمَدِينَةَ لَقِيَهُ أَفْوَاجٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُسَوِّمِينَ وَ الْمُرْدِفِينَ فِي أَيْدِيهِمُ الْحِرَابُ عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُجُبِ الْجَنَّةِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَ قَالُوا يَا حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ جَدِّهِ وَ أَبِيهِ وَ أَخِيهِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَدَّ جَدَّكَ رَسُولَ اللَّهِ ص بِنَا فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكَ بِنَا فَقَالَ لَهُمْ الْمَوْعِدُ حُفْرَتِي وَ بُقْعَتِيَ الَّتِي أُسْتَشْهَدُ فِيهَا وَ هِيَ كَرْبَلَاءُ فَإِذَا وَرَدْتُهَا فَأْتُونِي فَقَالُوا يَا

67

حُجَّةَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نَسْمَعَ لَكَ وَ نُطِيعَ فَهَلْ تَخْشَى مِنْ عَدُوٍّ يَلْقَاكَ فَنَكُونَ مَعَكَ فَقَالَ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيَّ وَ لَا يَلْقَوْنِي بِكَرِيهَةٍ أَوْ أَصِلَ إِلَى بُقْعَتِي.

وَ أَتَتْهُ أَفْوَاجٌ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ فَقَالُوا لَهُ يَا مَوْلَانَا نَحْنُ شِيعَتُكَ وَ أَنْصَارُكَ فَمُرْنَا بِمَا تَشَاءُ فَلَوْ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِ كُلِّ عَدُوٍّ لَكَ وَ أَنْتَ بِمَكَانِكَ لَكَفَيْنَاكَ ذَلِكَ فَجَزَاهُمْ خَيْراً وَ قَالَ لَهُمْ أَ مَا قَرَأْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ الْمُنْزَلَ عَلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ ص فِي قَوْلِهِ‏

قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏

فَإِذَا أَقَمْتُ فِي مَكَانِي فَبِمَا يُمْتَحَنُ هَذَا الْخَلْقُ الْمَتْعُوسُ وَ بِمَا ذَا يُخْتَبَرُونَ وَ مَنْ ذَا يَكُونُ سَاكِنَ حُفْرَتِي وَ قَدِ اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ دَحَى‏

68

الْأَرْضَ وَ جَعَلَهَا مَعْقِلًا لِشِيعَتِنَا وَ مُحِبِّينَا تُقْبَلُ أَعْمَالُهُمْ وَ صَلَوَاتُهُمْ وَ يُجَابُ دُعَاؤُهُمْ وَ تَسْكُنُ شِيعَتُنَا فَتَكُونُ لَهُمْ أَمَاناً فِي الدُّنْيَا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكِنْ تحْضُرُونَ يَوْمَ السَّبْتِ وَ هُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الذِي فِي آخِرِهِ أُقْتَلُ وَ لَا يَبْقَى بَعْدِي مَطْلُوبٌ مِنْ أَهْلِي وَ نَسَبِي وَ إِخْوَانِي وَ أَهْلِ بَيْتِي وَ يُسَارُ رَأْسِي إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ فَقَالَتِ الْجِنُّ نَحْنُ وَ اللَّهِ يَا حَبِيبَ اللَّهِ وَ ابْنَ حَبِيبِهِ لَوْ لَا أَنَّ أَمْرَكَ طَاعَةٌ وَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا

69

مُخَالَفَتُكَ لَخَالَفْنَاكَ وَ قَتَلْنَا جَمِيعَ أَعْدَائِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَقَالَ لَهُمْ ع وَ نَحْنُ وَ اللَّهِ أَقْدَرُ عَلَيْهِمْ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ‏

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ

ثُمَّ سَارَ حَتَّى مَرَّ بِالتَّنْعِيمِ فَلَقِيَ هُنَاكَ عِيراً تَحْمِلُ هَدِيَّةً قَدْ بَعَثَ بِهَا بُحَيْرُ بْنُ رَيْسَانَ الْحِمْيَرِيُّ عَامِلُ الْيَمَنِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَخَذَ ع الْهَدِيَّةَ لِأَنَّ حُكْمَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْجِمَالِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْطَلِقَ مَعَنَا إِلَى الْعِرَاقِ وَفَيْنَاهُ كِرَاهُ وَ أَحْسَنَّا مَعَهُ صُحْبَتَهُ وَ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُفَارِقَنَا أَعْطَيْنَا كِرَاهُ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنَ الطَّرِيقِ فَمَضَى مَعَهُ قَوْمٌ وَ امْتَنَعَ آخَرُونَ.

ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ ذَاتَ عِرْقٍ فَلَقِيَ بِشْرَ بْنَ غَالِبٍ وَارِداً مِنَ الْعِرَاقِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَهْلِهَا فَقَالَ خَلَّفْتُ الْقُلُوبَ مَعَكَ وَ السُّيُوفَ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ‏

70

صَدَقَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ

إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ

وَ

يَحْكُمُ ما يُرِيدُ

قَالَ الرَّاوِي ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الثَّعْلَبِيَّةَ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ قَدْ رَأَيْتُ هَاتِفاً يَقُولُ أَنْتُمْ تُسْرِعُونَ وَ الْمَنَايَا تُسْرِعُ بِكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَلِيٌّ يَا أَبَهْ أَ فَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ فَقَالَ بَلَى يَا بُنَيَّ وَ اللَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَرْجِعُ الْعِبَادِ فَقَالَ يَا أَبَهْ إِذَنْ لَا نُبَالِي بِالْمَوْتِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع جَزَاكَ اللَّهُ يَا بُنَيَّ خَيْرَ مَا جَزَى وَلَداً عَنْ وَالِدٍ ثُمَّ بَاتَ ع فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا بِرَجُلٍ مِنَ الْكُوفَةِ يُكَنَّى أَبَا هِرَّةَ الْأَزْدِيَّ قَدْ أَتَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص‏

71

مَا الَّذِي أَخْرَجَكَ عَنْ حَرَمِ اللَّهِ وَ حَرَمِ جَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع وَيْحَكَ يَا أَبَا هِرَّةَ إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ أَخَذُوا مَالِي فَصَبَرْتُ وَ شَتَمُوا عِرْضِي فَصَبَرْتُ وَ طَلَبُوا دَمِي فَهَرَبْتُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَقْتُلُنِي الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ وَ لَيُلْبِسَنَّهُمُ اللَّهُ ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونُوا أَذَلَّ مِنْ قَوْمِ سَبَإٍ إِذْ مَلَكَتْهُمُ امْرَأَةٌ فَحَكَمَتْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ دِمَائِهِمْ.

ثُمَّ سَارَ ع فَحَدَّثَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ وَ بَجِيلَةَ قَالُوا كُنَّا مَعَ زُهَيْرِ بْنِ الْقَيْنِ لَمَّا أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فَكُنَّا نُسَايِرُ الْحُسَيْنَ ع حَتَّى لَحِقْنَاهُ فَكَانَ إِذَا أَرَادَ النُّزُولَ اعْتَزَلْنَاهُ فَنَزَلْنَا نَاحِيَةً فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ نَزَلَ‏

72

فِي مَكَانٍ لَمْ نَجِدْ بُدّاً مِنْ أَنْ نُنَازِلَهُ فِيهِ فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَغَذَّى مِنْ طَعَامٍ لَنَا إِذْ أَقْبَلَ رَسُولُ الْحُسَيْنِ ع حَتَّى سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا زُهَيْرَ بْنَ الْقَيْنِ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ ع بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِتَأْتِيَهُ فَطَرَحَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا مَا فِي يَدِهِ حَتَّى كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَ هِيَ دَيْلَمُ بِنْتُ عَمْرٍو سُبْحَانَ اللَّهِ أَ يَبْعَثُ إِلَيْكَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ص ثُمَّ لَا تَأْتِيهِ فَلَوْ أَتَيْتَهُ فَسَمِعْتَ مِنْ كَلَامِهِ فَمَضَى إِلَيْهِ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ مُسْتَبْشِراً قَدْ أَشْرَقَ وَجْهُهُ فَأَمَرَ بِفُسْطَاطِهِ وَ ثَقَلِهِ وَ مَتَاعِهِ فَحُوِّلَ إِلَى الْحُسَيْنِ ع وَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَكِ بِسَبَبِي إِلَّا خَيْرٌ وَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَى صُحْبَةِ الْحُسَيْنِ‏

73

ع لِأَفْدِيَهُ بِنَفْسِي وَ أَقِيَهُ بِرُوحِي ثُمَّ أَعْطَاهَا مَالَهَا وَ سَلَّمَهَا إِلَى بَعْضِ بَنِي عَمِّهَا لِيُوصِلَهَا إِلَى أَهْلِهَا فَقَامَتْ إِلَيْهِ وَ بَكَتْ وَ وَدَّعَتْهُ وَ قَالَتْ كَانَ اللَّهُ عَوْناً وَ مُعِيناً خَارَ اللَّهُ لَكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تَذْكُرَنِي فِي الْقِيَامَةِ عِنْدَ جَدِّ الْحُسَيْنِ ع فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصْحَبَنِي وَ إِلَّا فَهُوَ آخِرُ الْعَهْدِ مِنِّي بِهِ.

ثُمَّ سَارَ الْحُسَيْنُ ع حَتَّى بَلَغَ زُبَالَةَ فَأَتَاهُ فِيهَا خَبَرُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَعَرَّفَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ تَبِعَهُ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَهْلُ الْأَطْمَاعِ وَ الِارْتِيَابِ وَ بَقِيَ مَعَهُ أَهْلُهُ وَ خِيَارُ الْأَصْحَابِ.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ ارْتَجَّ الْمَوْضِعُ بِالْبُكَاءِ وَ الْعَوِيلِ لِقَتْلِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَ سَالَتِ الدُّمُوعُ كُلَّ مَسِيلٍ ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ ع سَارَ قَاصِداً لِمَا دَعَاهُ اللَّهُ‏

74

إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص كَيْفَ تَرْكَنُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَ هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ عَمِّكَ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَ شِيعَتَهُ.

قَالَ فَاسْتَعْبَرَ الْحُسَيْنُ ع بَاكِياً ثُمَّ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ مُسْلِماً فَلَقَدْ صَارَ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَ رَيْحَانِهِ وَ جَنَّتِهِ وَ رِضْوَانِهِ أَمَا إِنَّهُ قَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَ بَقِيَ مَا عَلَيْنَا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ

:

فَإِنْ تَكُنِ الدُّنْيَا تُعَدُّ نَفِيسَةً * * * فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ أَعْلَى وَ أَنْبَلُ‏

وَ إِنْ تَكُنِ الْأَبْدَانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ‏ * * * فَقَتْلُ امْرِئٍ بِالسَّيْفِ فِي اللَّهِ أَفْضَلُ‏

* * *

75

وَ إِنْ تَكُنِ الْأَرْزَاقُ قِسْماً مُقَدَّراً * * * فَقِلَّةُ حِرْصِ الْمَرْءِ فِي السَّعْيِ أَجْمَلُ‏

وَ إِنْ تَكُنِ الْأَمْوَالُ لِلتَّرْكِ جَمْعُهَا * * * فَمَا بَالُ مَتْرُوكٍ بِهِ الْمَرْءُ يَبْخَلُ‏

قَالَ الرَّاوِي:

وَ كَتَبَ الْحُسَيْنُ ع كِتَاباً إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ وَ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ وَ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ وَ جَمَاعَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ بِالْكُوفَةِ وَ بَعَثَ بِهِ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيِّ فَلَمَّا قَارَبَ دُخُولَ الْكُوفَةِ اعْتَرَضَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ صَاحِبُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ لِيُفَتِّشَهُ فَأَخْرَجَ قَيْسٌ الْكِتَابَةَ وَ مَزَّقَهُ فَحَمَلَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع‏

76

وَ ابْنِهِ قَالَ فَلِمَا ذَا خَرَقْتَ الْكِتَابَ قَالَ لِئَلَّا تَعْلَمَ مَا فِيهِ قَالَ وَ مِمَّنِ الْكِتَابُ وَ إِلَى مَنْ قَالَ مِنَ الْحُسَيْنِ ع إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ فَغَضِبَ ابْنُ زِيَادٍ وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَا تُفَارِقُنِي حَتَّى تُخْبِرَنِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَوْ تَصْعَدَ الْمِنْبَرَ فَتَلْعَنَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَ أَبَاهُ وَ أَخَاهُ وَ إِلَّا قَطَّعْتُكَ إِرْباً إِرْباً فَقَالَ قَيْسٌ أَمَّا الْقَوْمُ فَلَا أُخْبِرُكَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَمَّا لَعْنُ الْحُسَيْنِ ع وَ أَبِيهِ وَ أَخِيهِ فَأَفْعَلُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص وَ أَكْثَرَ مِنَ التَّرَحُّمِ عَلَى عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ص ثُمَّ لَعَنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَ أَبَاهُ وَ لَعَنَ عُتَاةَ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ آخِرِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا رَسُولُ الْحُسَيْنِ ع إِلَيْكُمْ وَ قَدْ خَلَّفْتُهُ‏

77

بِمَوْضِعِ كَذَا فَأَجِيبُوهُ فَأُخْبِرَ ابْنُ زِيَادٍ بِذَلِكَ فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِ مِنْ أَعَالِي الْقَصْرِ فَأُلْقِيَ مِنْ هُنَاكَ فَمَاتَ فَبَلَغَ الْحُسَيْنَ ع مَوْتُهُ فَاسْتَعْبَرَ بِالْبُكَاءِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا وَ لِشِيعَتِنَا مَنْزِلًا كَرِيماً وَ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ فِي مُسْتَقَرٍّ مِنْ رَحْمَتِكَ‏

إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

وَ رُوِيَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَتَبَهُ الْحُسَيْنُ ع مِنَ الْحَاجِزِ وَ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ سَارَ الْحُسَيْنُ ع حَتَّى صَارَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ فَإِذَا بِالْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ ع أَ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا فَقَالَ بَلْ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ ع لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ثُمَّ تَرَدَّدَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا حَتَّى قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ ع فَإِذَا كُنْتُمْ عَلَى خِلَافِ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ بِهِ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ فَإِنَّنِي أَرْجِعُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي‏

78

أَتَيْتُ مِنْهُ فَمَنَعَهُ الْحُرُّ وَ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ بَلْ خُذْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهُ طَرِيقاً لَا يُدْخِلُكَ الْكُوفَةَ وَ لَا يُوصِلُكَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَعْتَذِرَ أَنَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ بِأَنَّكَ خَالَفْتَنِي فِي الطَّرِيقِ فَتَيَاسَرَ الْحُسَيْنُ ع حَتَّى وَصَلَ إِلَى عُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ.

قَالَ فَوَرَدَ كِتَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى الْحُرِّ يَلُومُهُ فِي أَمْرِ الْحُسَيْنِ ع وَ يَأْمُرُهُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ فَعَرَضَ لَهُ الْحُرُّ وَ أَصْحَابُهُ وَ مَنَعُوهُ مِنَ السَّيْرِ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ ع أَ لَمْ تَأْمُرْنَا بِالْعُدُولِ عَنِ الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ بَلَى وَ لَكِنَّ كِتَابَ الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ وَصَلَ يَأْمُرُنِي فِيهِ بِالتَّضْيِيقِ وَ قَدْ جَعَلَ عَلَيَّ عَيْناً يُطَالِبُنِي بِذَلِكَ.

79

قَالَ الرَّاوِي:

فَقَامَ الْحُسَيْنُ ع خَطِيباً فِي أَصْحَابِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ جَدَّهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ تَرَوْنَ وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ وَ أَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا وَ اسْتَمَرَّتْ حِذَاءً وَ لَمْ تَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ رَبِّهِ مُحِقّاً فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَ الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً فَقَامَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ وَ قَالَ قَدْ سَمِعْنَا هَدَاكَ اللَّهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَقَالَتَكَ وَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا لَنَا بَاقِيَةً وَ كُنَّا فِيهَا مُخَلَّدِينَ لَآثَرْنَا النُّهُوضَ مَعَكَ عَلَى الْإِقَامَةِ.

80

وَ قَالَ الرَّاوِي:

وَ قَامَ هِلَالُ بْنُ نَافِعٍ الْبَجَلِيُّ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا كَرِهْنَا لِقَاءَ رَبِّنَا وَ إِنَّا عَلَى نِيَّاتِنَا وَ بَصَائِرِنَا نُوَالِي مَنْ وَالاكَ وَ نُعَادِي مَنْ عَادَاكَ.

قَالَ: وَ قَامَ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ بِكَ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ تَقَطَّعَ فِيكَ أَعْضَاؤُنَا ثُمَّ يَكُونَ جَدُّكَ شَفِيعَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ ع قَامَ وَ رَكِبَ وَ سَارَ وَ كُلَّمَا أَرَادَ الْمَسِيرَ يَمْنَعُونَهُ تَارَةً وَ يُسَايِرُونَهُ أُخْرَى حَتَّى بَلَغَ كَرْبَلَاءَ وَ كَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنَ الْمُحَرَّمِ فَلَمَّا وَصَلَهَا قَالَ مَا اسْمُ هَذِهِ الْأَرْضِ فَقِيلَ كَرْبَلَاءُ فَقَالَ‏

81

ع اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَرْبِ وَ الْبَلَاءِ ثُمَّ قَالَ هَذَا مَوْضِعُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ انْزِلُوا هَاهُنَا مَحَطُّ رِحَالِنَا وَ مَسْفَكُ دِمَائِنَا وَ هُنَا مَحَلُّ قُبُورِنَا بِهَذَا حَدَّثَنِي جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص فَنَزَلُوا جَمِيعاً وَ نَزَلَ الْحُرُّ وَ أَصْحَابُهُ نَاحِيَةً وَ جَلَسَ الْحُسَيْنُ ع يُصْلِحُ سَيْفَهُ وَ يَقُولُ

:

يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلٍ‏ * * * كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَ الْأَصِيلِ‏

مِنْ طَالِبٍ وَ صَاحِبٍ قَتِيلٍ‏ * * * وَ الدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ‏

وَ كُلُّ حَيٍّ سَالِكٌ سَبِيلِ‏ * * * مَا أَقْرَبَ الْوَعْدَ مِنَ الرَّحِيلِ‏

وَ إِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ‏

قَالَ الرَّاوِي:

فَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ فَاطِمَةَ ع ذَلِكَ فَقَالَتْ يَا أَخِي هَذَا

82

كَلَامُ مَنْ أَيْقَنَ بِالْقَتْلِ فَقَالَ ع نَعَمْ يَا أُخْتَاهْ فَقَالَتْ زَيْنَبُ وَا ثُكْلَاهْ يَنْعَى الْحُسَيْنُ ع إِلَيَّ نَفْسَهُ قَالَ: وَ بَكَى النِّسْوَةُ وَ لَطَمْنَ الْخُدُودَ وَ شَقَقْنَ الْجُيُوبَ وَ جَعَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ تُنَادِي وَا مُحَمَّدَاهْ وَا عَلِيَّاهْ وَا أُمَّاهْ وَا أَخَاهْ وَا حُسَيْنَاهْ وَا ضَيْعَتَنَا بَعْدَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَعَزَّاهَا الْحُسَيْنُ ع وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ تَعَزَّيْ بِعَزَاءِ اللَّهِ فَإِنَّ سُكَّانَ السَّمَاوَاتِ يَفْنُونَ وَ أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ يَمُوتُونَ وَ جَمِيعَ الْبَرِّيَّةِ يَهْلِكُونَ ثُمَّ قَالَ يَا أُخْتَاهْ يَا أُمَّ كُلْثُومٍ وَ أَنْتِ يَا زَيْنَبُ وَ أَنْتِ يَا فَاطِمَةُ وَ أَنْتِ يَا رَبَابُ انْظُرْنَ إِذَا أَنَا قُتِلْتُ فَلَا تَشْقُقْنَ عَلَيَّ جَيْباً وَ لَا تَخْمِشْنَ عَلَيَّ وَجْهاً وَ لَا تَقُلْنَ هُجْراً.

وَ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّ زَيْنَبَ لَمَّا سَمِعَتْ مَضْمُونَ الْأَبْيَاتِ وَ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُنْفَرِدَةً مَعَ النِّسَاءِ وَ الْبَنَاتِ خَرَجَتْ حَاسِرَةً تَجُرُّ ثَوْبَهَا حَتَّى‏

83

وَقَفَتْ عَلَيْهِ وَ قَالَتْ وَا ثُكْلَاهْ لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنِي الْحَيَاةَ الْيَوْمَ مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ وَ أَبِي عَلِيٌّ وَ أَخِيَ الْحَسَنُ يَا خَلِيفَةَ الْمَاضِينَ وَ ثِمَالَ الْبَاقِينَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ ع فَقَالَ يَا أُخْتَاهْ لَا يَذْهَبَنَّ بِحِلْمِكِ الشَّيْطَانُ فَقَالَتْ بِأَبِي وَ أُمِّي أَ سَتُقْتَلُ نَفْسِي لَكَ الْفِدَاءُ فَرُدَّتْ غُصَّتُهُ وَ تَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ ثُمَّ قَالَ لَوْ تُرِكَ الْقَطَاةُ لَيْلًا لَنَامَ فَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهْ أَ فَتَغْتَصِبُ نفسي [نَفْسَكَ اغْتِصَاباً فَذَلِكَ أَقْرَحُ لِقَلْبِي وَ أَشَدُّ عَلَى نَفْسِي ثُمَّ أَهْوَتْ إِلَى جَيْبِهَا فَشَقَّتْهُ وَ خَرَّتْ مَغْشِيَّةً عَلَيْهَا فَقَامَ ع فَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ حَتَّى أَفَاقَتْ ثُمَّ عَزَّاهَا ص‏

84

بِجُهْدِهِ وَ ذَكَّرَهَا لِمُصِيبَتِهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ وَ جَدِّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

و مما يمكن أن يكون سببا لحمل الحسين ع لحرمه معه و عياله أنه ع لو تركهن بالحجاز أو غيرها من البلاد كان يزيد بن معاوية عليهما لعائن الله قد أنفذ ليأخذهن إليه و صنع بهن من الاستيصال و سيئ الأعمال ما يمنع الحسين ع من الجهاد و الشهادة و يمتنع ع بأخذ يزيد بن معاوية لهن عن مقامات السعادة

85

المسلك الثاني في وصف حال القتال و ما يقرب من تلك الحال‏

قَالَ الرَّاوِي‏

وَ نَدَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ أَصْحَابَهُ إِلَى قِتَالِ الْحُسَيْنِ ع فَاتَّبَعُوهُ وَ

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ‏

وَ اشْتَرَى مِنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ وَ دَعَاهُ إِلَى وِلَايَةِ الْحَرْبِ فَلَبَّاهُ وَ خَرَجَ لِقِتَالِ الْحُسَيْنِ ع فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَ أَتْبَعَهُ ابْنُ زِيَادٍ بِالْعَسَاكِرِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ حَتَّى تَكَمَّلَتْ عِنْدَهُ إِلَى سِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ عِشْرُونَ أَلْفَ فَارِسٍ.

فَضَيَّقُوا عَلَى الْحُسَيْنِ ع حَتَّى نَالَ مِنْهُ الْعَطَشُ وَ مِنْ أَصْحَابِهِ-

86

فَقَامَ ع وَ اتَّكَأَ عَلَى قَائِمِ سَيْفِهِ وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَقَالَ ع أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْرِفُونَنِي قَالُوا نَعَمْ أَنْتَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ سِبْطُهُ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أُمِّي فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى ص قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَدَّتِي خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَوَّلُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِسْلَاماً قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَمْزَةَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ عَمُّ أَبِي قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ‏

87

هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَعْفَراً الطَّيَّارَ فِي الْجَنَّةِ عَمِّي قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَا مُقَلِّدُهُ قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ عِمَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَا لَابِسُهُ قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيّاً ع كَانَ أَوَّلَ الْقَوْمِ إِسْلَاماً وَ أَعْلَمَهُمْ عِلْماً وَ أَعْظَمَهُمْ حِلْماً وَ أَنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ فَبِمَ تَسْتَحِلُّونَ دَمِي وَ أَبِي ص الذَّائِدُ عَنِ الْحَوْضِ يَذُودُ عَنْهُ رِجَالًا كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الصَّادِرُ عَنِ الْمَاءِ وَ لِوَاءُ الْحَمْدِ فِي يَدِ أَبِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَ نَحْنُ غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى تَذُوقَ الْمَوْتَ عَطَشاً فَلَمَّا خَطَبَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ وَ سَمِعَ بَنَاتُهُ وَ أُخْتُهُ زَيْنَبُ كَلَامَهُ بَكَيْنَ وَ نَدَبْنَ وَ لَطَمْنَ وَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُنَّ فَوَجَّهَ إِلَيْهِنَّ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ وَ عَلِيّاً ابْنَهُ وَ قَالَ لَهُمَا سَكِّتَاهُنَّ فَلَعَمْرِي لَيَكْثُرَنَّ بُكَاؤُهُنَّ.

88

قَالَ الرَّاوِي:

وَ وَرَدَ كِتَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ يَحُثُّهُ عَلَى تَعْجِيلِ الْقِتَالِ وَ يُحَذِّرُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ وَ الْإِهْمَالِ فَرَكِبُوا نَحْوَ الْحُسَيْنِ ع وَ أَقْبَلَ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ لَعَنَهُ اللَّهُ فَنَادَى أَيْنَ بَنُو أُخْتِي عَبْدُ اللَّهِ وَ جَعْفَرٌ وَ الْعَبَّاسُ وَ عُثْمَانُ فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع أَجِيبُوهُ وَ إِنْ كَانَ فَاسِقاً فَإِنَّهُ بَعْضُ أَخْوَالِكُمْ فَقَالُوا لَهُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ يَا بَنِي أُخْتِي أَنْتُمْ آمِنُونَ فَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ مَعَ أَخِيكُمُ الْحُسَيْنِ ع وَ الْزَمُوا طَاعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ قَالَ فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ ع تَبَّتْ يَدَاكَ وَ لُعِنَ مَا جِئْتَ بِهِ مِنْ أَمَانِكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ أَخَانَا وَ سَيِّدَنَا الْحُسَيْنَ بْنَ فَاطِمَةَ ع وَ نَدْخُلَ‏

89

فِي طَاعَةِ اللُّعَنَاءِ وَ أَوْلَادِ اللُّعَنَاءِ قَالَ فَرَجَعَ الشِّمْرُ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى عَسْكَرِهِ مُغْضَباً.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ لَمَّا رَأَى الْحُسَيْنُ ع حِرْصَ الْقَوْمِ عَلَى تَعْجِيلِ الْقِتَالِ وَ قِلَّةَ انْتِفَاعِهِمْ بِمَوَاعِظِ الْفَعَالِ وَ الْمَقَالِ قَالَ لِأَخِيهِ الْعَبَّاسِ ع إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُمْ عَنَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَافْعَلْ لَعَلَّنَا نُصَلِّي لِرَبِّنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ لَهُ وَ تِلَاوَةَ كِتَابِهِ.

قَالَ الرَّاوِي:

فَسَأَلَهُمُ الْعَبَّاسُ ذَلِكَ فَتَوَقَّفَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّهُمْ مِنَ التُّرْكِ وَ الدَّيْلَمِ وَ سَأَلُونَا مِثْلَ ذَلِكَ لَأَجَبْنَاهُمْ فَكَيْفَ وَ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ ص فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ.

90

قَالَ الرَّاوِي:

وَ جَلَسَ الْحُسَيْنُ ع فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: يَا أُخْتَاهْ إِنِّي رَأَيْتُ السَّاعَةَ جَدِّي مُحَمَّداً ص وَ أَبِي عَلِيّاً وَ أُمِّي فَاطِمَةَ وَ أَخِيَ الْحَسَنَ وَ هُمْ يَقُولُونَ يَا حُسَيْنُ ع إِنَّكَ رَائِحٌ إِلَيْنَا عَنْ قَرِيبٍ وَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ غَداً.

قَالَ الرَّاوِي:

فَلَطَمَتْ زَيْنَبُ وَجْهَهَا وَ صَاحَتْ وَ بَكَتْ فَقَالَ لَهَا الْحُسَيْنُ ع مَهْلًا لَا تُشْمِتِي الْقَوْمَ بِنَا ثُمَّ جَاءَ اللَّيْلُ فَجَمَعَ الْحُسَيْنُ ع أَصْحَابَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَاباً أَصْلَحَ مِنْكُمْ وَ لَا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ وَ لَا أَفْضَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَجَزَاكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً عَنِّي خَيْراً وَ هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا وَ لْيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَ تَفَرَّقُوا فِي سَوَادِ هَذَا اللَّيْلِ وَ ذَرُونِي وَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ‏

91

فَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ غَيْرِي.

فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ وَ أَبْنَاؤُهُ وَ أَبْنَاءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَ لِمَ نَفْعَلُ ذَلِكَ لِنَبْقَى بَعْدَكَ لَا أَرَانَا اللَّهُ ذَلِكَ أَبَداً بَدَأَهُمْ بِذَلِكَ الْقَوْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ ع ثُمَّ تَابَعُوهُ.

قَالَ الرَّاوِي:

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى بَنِي عَقِيلٍ فَقَالَ حَسْبُكُمْ مِنَ الْقَتْلِ بِصَاحِبِكُمْ مُسْلِمٍ اذْهَبُوا فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ وَ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ قَالَ فَعِنْدَهَا تَكَلَّمَ إِخْوَتُهُ وَ جَمِيعُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ قَالُوا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا يَقُولُ النَّاسُ لَنَا وَ مَا ذَا نَقُولُ لَهُمْ نَقُولُ إِنَّا تَرَكْنَا شَيْخَنَا وَ كَبِيرَنَا وَ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّنَا لَمْ نَرْمِ مَعَهُ بِسَهْمٍ وَ لَمْ نَطْعَنْ مَعَهُ بِرُمْحٍ وَ لَمْ نَضْرِبْ بِسَيْفٍ لَا وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَا نُفَارِقُكَ أَبَداً وَ لَكِنَّا نَقِيكَ بِأَنْفُسِنَا حَتَّى نُقْتَلَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ نَرِدَ مَوْرِدَكَ فَقَبَّحَ اللَّهُ الْعَيْشَ بَعْدَكَ ثُمَّ قَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ وَ قَالَ نَحْنُ نُخَلِّيكَ هَكَذَا وَ نَنْصَرِفُ عَنْكَ وَ قَدْ

92

أَحَاطَ بِكَ هَذَا الْعَدُوُّ لَا وَ اللَّهِ لَا يَرَانِي اللَّهُ أَبَداً وَ أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَكْسِرَ فِي صُدُورِهِمْ رُمْحِي وَ أُضَارِبَهُمْ بِسَيْفِي مَا ثَبَتَ قَائِمَتُهُ بِيَدِي وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي سِلَاحٌ أُقَاتِلُهُمْ بِهِ لَقَذَفْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ وَ لَمْ أُفَارِقْكَ أَوْ أَمُوتَ مَعَكَ.

قَالَ وَ قَامَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيُّ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَا نُخَلِّيكَ أَبَداً حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّا قَدْ حَفِظْنَا فِيكَ وَصِيَّةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ص وَ لَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِيكَ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُخْرَجُ حَيّاً ثُمَّ أُذْرَى يُفْعَلُ ذَلِكَ بِي سَبْعِينَ مَرَّةً مَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَلْقَى حِمَامِي دُونَكَ وَ كَيْفَ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ وَ إِنَّمَا هِيَ قَتْلَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ أَنَالُ الْكَرَامَةَ الَّتِي لَا انْقِضَاءَ لَهَا أَبَداً ثُمَّ قَامَ زُهَيْرُ

93

بْنُ الْقَيْنِ وَ قَالَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ ثُمَّ نُشِرْتُ أَلْفَ مَرَّةٍ وَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ دَفَعَ الْقَتْلَ عَنْكَ وَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ مِنْ إِخْوَانِكَ وَ وُلْدِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَ تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَ قَالُوا أَنْفُسُنَا لَكَ الْفِدَاءُ نَقِيكَ بِأَيْدِينَا وَ وُجُوهِنَا فَإِذَا نَحْنُ قُتِلْنَا بَيْنَ يَدَيْكَ نَكُونُ قَدْ وَفَيْنَا لِرَبِّنَا وَ قَضَيْنَا مَا عَلَيْنَا وَ قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الْحَضْرَمِيِّ فِي تِلْكَ الْحَالِ قَدْ أُسِرَ ابْنُكَ بِثَغْرِ الرَّيِّ فَقَالَ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُهُ وَ نَفْسِي مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُؤْسَرَ وَ أَنَا أَبْقَى بَعْدَهُ فَسَمِعَ الْحُسَيْنُ ع قَوْلَهُ فَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِي فَاعْمَلْ فِي فَكَاكِ ابْنِكَ فَقَالَ أَكَلَتْنِي السِّبَاعُ حَيّاً إِنْ فَارَقْتُكَ قَالَ فَأَعْطِ ابْنَكَ‏

94

هَذِهِ الْأَثْوَابَ الْبُرُودَ يَسْتَعِينُ بِهَا فِي فِدَاءِ أَخِيهِ فَأَعْطَاهُ خَمْسَةَ أَثْوَابٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ.

قَالَ الرَّاوِي وَ بَاتَ الْحُسَيْنُ ع وَ أَصْحَابُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَ لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مَا بَيْنَ رَاكِعٍ وَ سَاجِدٍ وَ قَائِمٍ وَ قَاعِدٍ فَعَبَرَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ عَسْكَرِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ اثْنَانِ وَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا وَ كَذَا كَانَتْ سَجِيَّةُ الْحُسَيْنِ ع فِي كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَ كَمَالِ صِفَاتِهِ.

وَ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْعِقْدِ قَالَ‏

قِيلَ لِعَلِيِ‏

95

بْنِ الْحُسَيْنِ ع مَا أَقَلَّ وُلْدَ أَبِيكَ فَقَالَ الْعَجَبُ كَيْفَ وُلِدْتُ لَهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ فَمَتَى كَانَ يَتَفَرَّغُ لِلنِّسَاءِ.

قَالَ‏

فَلَمَّا كَانَ الْغَدَاةُ أَمَرَ الْحُسَيْنُ ع بِفُسْطَاطٍ فَضُرِبَ فَأَمَرَ بِجَفْنَةٍ فِيهَا مِسْكٌ كَثِيرٌ وَ جَعَلَ عِنْدَهَا نُورَةً ثُمَّ دَخَلَ لِيَطَّلِيَ فَرُوِيَ أَنَّ بُرَيْرَ بْنَ خُضَيْرٍ الْهَمْدَانِيَّ وَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَقَفَا عَلَى بَابِ الْفُسْطَاطِ لِيَطَّلِيَا بَعْدَهُ فَجَعَلَ بُرَيْرٌ يُضَاحِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَا بُرَيْرُ أَ تَضْحَكُ مَا هَذِهِ سَاعَةُ ضَحِكٍ وَ لَا بَاطِلٍ فَقَالَ بُرَيْرٌ لَقَدْ عَلِمَ قُومِي أَنَّنِي مَا أَحْبَبْتُ الْبَاطِلَ كَهْلًا وَ لَا شَابّاً وَ إنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِبْشَاراً بِمَا نَصِيرُ إِلَيْهِ-

96

فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ نَلْقَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَسْيَافِنَا نُعَالِجُهُمْ بِهَا سَاعَةً ثُمَّ نُعَانِقُ الْحُورَ الْعِينَ.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ رَكِبَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَبَعَثَ الْحُسَيْنُ ع بُرَيْرَ بْنَ خُضَيْرٍ فَوَعَظَهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعُوا وَ ذَكَّرَهُمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا فَرَكِبَ الْحُسَيْنُ ع نَاقَتَهُ وَ قِيلَ فَرَسَهُ فَاسْتَنْصَتَهُمْ فَأَنْصَتُوا فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ ص وَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْمَقَالِ ثُمَّ قَالَ تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ وَ تَرَحاً حِينَ اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ فَأَصْرَخْنَاكُمْ مُوجِفِينَ سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً لَنَا فِي أَيْمَانِكُمْ وَ حَشَشْتُمْ عَلَيْنَا

97

نَاراً اقْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوِّنَا وَ عَدُوِّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ أَلْباً لِأَعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ وَ لَا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ فَهَلَّا لَكُمُ الْوَيْلَاتُ تَرَكْتُمُونَا وَ السَّيْفُ مَشِيمٌ وَ الْجَأْشُ طَامِنٌ وَ الرامي [الرَّأْيُ لَمَّا يُسْتَحْصَفْ وَ لَكِنْ أَسْرَعْتُمْ إِلَيْهَا كَطَيْرَةِ الدَّبَى وَ تَدَاعَيْتُمْ إِلَيْهَا كَتَهَافُتِ الْفَرَاشِ فَسُحْقاً لَكُمْ يَا عَبِيدَ الْأُمَّةِ وَ شُذَّاذَ الْأَحْزَابِ وَ نَبَذَةَ الْكِتَابِ وَ مُحَرِّفِي الْكَلِمِ وَ عُصْبَةَ الْآثَامِ وَ نَفَثَةَ الشَّيْطَانِ وَ مُطْفِئِ السُّنَنِ أَ هَؤُلَاءِ تَعْضُدُونَ وَ عَنَّا تَتَخَاذَلُونَ أَجَلْ وَ اللَّهِ غَدْرٌ فِيكُمْ قَدِيمٌ وَشَجَتْ إِلَيْهِ أُصُولُكُمْ وَ تَأَزَّرَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُكُمْ فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ ثَمَرٍ شَجًا لِلنَّاظِرِ وَ أُكْلَةً لِلْغَاصِبِ أَلَا وَ إِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السَّلَّةِ وَ الذِّلَّةِ وَ هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ لَنَا وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ حُجُورٌ طَابَتْ وَ طَهُرَتْ وَ أُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَ نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ

98

طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ أَلَا وَ إِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَ خِذْلَةِ النَّاصِرِ ثُمَّ أَوْصَلَ كَلَامَهُ بِأَبْيَاتِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ:

فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْماً * * * وَ إِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا

وَ مَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَ لَكِنْ‏ * * * مَنَايَانَا وَ دَوْلَةُ آخَرِينَا

إِذَا مَا الْمَوْتُ رَفَعَ عَنْ أُنَاسٍ‏ * * * كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا

فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سرواة [سَرَوَاتِ قَوْمِي‏ * * * كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا

فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذاً خَلَدْنَا * * * وَ لَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذاً بَقِينَا

99

فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا * * * سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا

- ثُمَّ ايْمُ اللَّهِ لَا تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إِلَّا كَرَيْثِ مَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ حَتَّى تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَى وَ تَقْلَقُ بِكُمْ قَلَقَ الْمِحْوَرِ عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي‏

فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏

اللَّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ وَ ابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ وَ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ فَيَسُومَهُمْ كَأْساً مُصَبَّرَةً-

100

فَإِنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَ خَذَلُونَا وَ أَنْتَ رَبُّنَا

عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ

.

ثُمَّ نَزَلَ ع وَ دَعَا بِفَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ص الْمُرْتَجِزِ فَرَكِبَهُ وَ عَبَّى أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ.

فَرُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ ع‏

أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَةً وَ أَرْبَعِينَ فَارِساً وَ مِائَةَ رَاجِلٍ وَ رُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَالَ الرَّاوِي فَتَقَدَّمَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فَرَمَى نَحْوَ عَسْكَرِ الْحُسَيْنِ ع بِسَهْمٍ وَ قَالَ اشْهَدُوا لِي عِنْدَ الْأَمِيرِ أَنِّي أَوَّلُ مَنْ رَمَى وَ أَقْبَلَتِ السِّهَامُ مِنَ الْقَوْمِ كَأَنَّهَا الْقَطْرُ- فَقَالَ ع لِأَصْحَابِهِ قُومُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى الْمَوْتِ الَّذِي‏