اللهوف على قتلى الطفوف‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
292 /
151

فَهْمَهُ لَدَيْنَا فَنَحْنُ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَ وِعَاءُ فَهْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ وَ حُجَّتُهُ عَلَى الْأَرْضِ فِي بِلَادِهِ لِعِبَادِهِ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ وَ فَضَّلَنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ص عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا بَيِّناً فَكَذَّبْتُمُونَا وَ كَفَّرْتُمُونَا وَ رَأَيْتُمْ قِتَالَنَا حَلَالًا وَ أَمْوَالَنَا نَهْباً كَأَنَّنَا أَوْلَادُ تُرْكٍ وَ كَابُلٍ كَمَا قَتَلْتُمْ جَدَّنَا بِالْأَمْسِ وَ سُيُوفُكُمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لِحِقْدٍ مُتَقَدِّمٍ قَرَّتْ لِذَلِكَ عُيُونُكُمْ وَ فَرِحَتْ قُلُوبُكُمْ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَ مَكْراً مَكَرْتُمْ‏

وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏

فَلَا تَدْعُوَنَّكُمْ أَنْفُسُكُمْ إِلَى الْجَذَلِ بِمَا أَصَبْتُمْ مِنْ دِمَائِنَا وَ نَالَتْ أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا فَإِنَّ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْمَصَائِبِ الْجَلِيلَةِ وَ الرَّزَايَا الْعَظِيمَةِ

فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما

152

آتاكُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ

تَبّاً لَكُمْ فَانْتَظِرُوا اللَّعْنَةَ وَ الْعَذَابَ فَكَأَنْ قَدْ حَلَّ بِكُمْ وَ تَوَاتَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ نَقِمَاتٌ‏

فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ‏ وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏

ثُمَّ تُخَلَّدُونَ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا ظَلَمْتُمُونَا

أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏

وَيْلَكُمْ أَ تَدْرُونَ أَيَّةُ يَدٍ طَاغَتْنَا مِنْكُمْ وَ أَيَّةُ نَفْسٍ نَزَعَتْ إِلَى قِتَالِنَا أَمْ بِأَيَّةِ رِجْلٍ مَشَيْتُمْ إِلَيْنَا تَبْغُونَ مُحَارَبَتَنَا وَ اللَّهِ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ وَ غَلُظَتْ أَكْبَادُكُمْ وَ طُبِعَ عَلَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ خُتِمَ عَلَى سَمْعِكُمْ وَ بَصَرِكُمْ وَ سَوَّلَ لَكُمُ الشَّيْطَانُ وَ أَمْلَى لَكُمْ وَ جَعَلَ عَلَى بَصَرِكُمْ غِشَاوَةً فَأَنْتُمْ لَا تَهْتَدُونَ فَتَبّاً لَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَيُّ تِرَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ص قِبَلَكُمْ وَ دخول [ذُحُولٍ لَهُ لَدَيْكُمْ‏

153

بِمَا عَنِدْتُمْ بِأَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ جَدِّي وَ بَنِيهِ وَ عِتْرَتِهِ الطَّيِّبِينَ الْأَخْيَارِ فَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مُفْتَخِرٌ وَ قَالَ-

نَحْنُ قَتَلْنَا عَلِيّاً وَ بَنِي عَلِيٍ‏ * * * بِسُيُوفٍ هِنْدِيَّةٍ وَ رِمَاحٍ‏

وَ سَبَيْنَا نِسَاءَهُمْ سَبْيَ تُرْكٍ‏ * * * وَ نَطَحْنَاهُمْ فَأَيَّ نِطَاحٍ‏

بِفِيكَ أَيُّهَا الْقَائِلُ الْكَثْكَثُ وَ الْأَثْلَبُ افْتَخَرْتَ بِقَتْلِ قَوْمٍ زَكَّاهُمُ اللَّهُ وَ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ وَ أَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ فَاكْظِمْ وَ أَقْعِ كَمَا أَقْعَى أَبُوكَ فَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا كَسَبَ وَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ أَ حَسَدْتُمُونَا وَيْلًا لَكُمْ عَلَى مَا فَضَّلَنَا اللَّهُ-

154

فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ دَهْراً بُحُورُنَا * * * وَ بَحْرُكَ سَاجٍ مَا يُوَارِي الدَّعَامِصَا

ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ

قَالَ فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ بِالْبُكَاءِ وَ الخيب- [النَّحِيبِ وَ قَالُوا حَسْبُكِ يَا ابْنَةَ الطَّيِّبِينَ فَقَدْ أَحْرَقْتِ قُلُوبَنَا وَ أَنْضَجْتِ نُحُورَنَا وَ أَضْرَمْتِ أَجْوَافَنَا فَسَكَتَتْ قَالَ:

وَ خَطَبَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ ع فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَرَاءِ كِلَّتِهَا رَافِعَةً صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ فَقَالَتْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ سَوْأَةً لَكُمْ مَا لَكُمْ خَذَلْتُمْ حُسَيْناً وَ قَتَلْتُمُوهُ وَ انْتَهَبْتُمْ أَمْوَالَهُ وَ وَرِثْتُمُوهُ وَ سَبَيْتُمْ نِسَاءَهُ وَ نَكَبْتُمُوهُ فَتَبّاً لَكُمْ وَ سُحْقاً وَيْلَكُمْ أَ تَدْرُونَ أَيُّ دَوَاهٍ دَهَتْكُمْ وَ أَيَّ وِزْرٍ عَلَى ظُهُورِكُمْ حَمَلْتُمْ وَ أَيَ‏

155

دِمَاءٍ سَفَكْتُمُوهَا وَ أَيَّ كَرِيمَةٍ أَصَبْتُمُوهَا وَ أَيَّ صَبِيَّةٍ سَلَبْتُمُوهَا وَ أَيَّ أَمْوَالٍ انْتَهَبْتُمُوهَا قَتَلْتُمْ خَيْرَ رِجَالاتٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ص وَ نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قُلُوبِكُمْ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْفَائِزُونَ و

َ

حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ‏{R~{R ثُمَّ قَالَتْ:

قَتَلْتُمْ أَخِي صَبْراً فَوَيْلٌ لِأُمِّكُمْ‏ * * * سَتُجْزَوْنَ نَاراً حَرُّهَا يَتَوَقَّدُ

سَفَكْتُمْ دِمَاءً حَرَّمَ اللَّهُ سَفْكَهَا * * * وَ حَرَّمَهَا الْقُرْآنُ ثُمَّ مُحَمَّدٌ

156

أَلَا فَابْشِرُوا بِالنَّارِ إِنَّكُمْ غَداً * * * لَفِي سَقَرَ حَقّاً يَقِيناً تُخَلَّدُوا

وَ إِنِّي لَأَبْكِي فِي حَيَاتِي عَلَى أَخِي‏ * * * عَلَى خَيْرِ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ سَيُولَدُ

بِدَمْعٍ غَرِيزٍ مُسْتَهَلٍّ مُكَفْكَفٍ‏ * * * عَلَى الْخَدِّ مِنِّي دَائِماً لَيْسَ يَجْمُدُ

قَالَ الرَّاوِي:

فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَ النَّوْحِ وَ نَشَرَ النِّسَاءُ شُعُورَهُنَّ وَ وَضَعْنَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِنَّ وَ خَمَشْنَ وُجُوهَهُنَّ وَ ضَرَبْنَ خُدُودَهُنَّ وَ دَعَوْنَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ وَ بَكَى الرِّجَالُ وَ نَتَفُوا لِحَاهُمْ فَلَمْ يُرَ بَاكِيَةٌ وَ بَاكٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

157

ثُمَّ إِنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ ع أَوْمَأَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَتُوا فَقَامَ قَائِماً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ النَّبِيَّ ص ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أُعَرِّفُهُ بِنَفْسِي أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع أَنَا ابْنُ مَنِ انْتُهِكَتْ حُرْمَتُهُ وَ سُلِبَتْ نِعْمَتُهُ وَ انْتُهِبَ مَالُهُ وَ سُبِيَ عِيَالُهُ أَنَا ابْنُ الْمَذْبُوحِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ مِنْ غَيْرِ ذَحْلٍ وَ لَا تِرَاتٍ أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً وَ كَفَى بِذَلِكَ فَخْراً أَيُّهَا النَّاسُ فَأَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَى أَبِي وَ خَدَعْتُمُوهُ وَ أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمُ الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ وَ الْبَيْعَةَ وَ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَبّاً لِمَا قَدَّمْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ سَوْأَةً لِرَأْيِكُمْ بِأَيَّةِ عَيْنٍ تَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص إِذْ يَقُولُ لَكُمْ قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي وَ انْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي-

158

قَالَ الرَّاوِي:

فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ هَلَكْتُمْ وَ مَا تَعْلَمُونَ فَقَالَ ع رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قَبِلَ نَصِيحَتِي وَ حَفِظَ وَصِيَّتِي فِي اللَّهِ وَ فِي رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ فَإِنَّ لَنَا

فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً

فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ نَحْنُ كُلُّنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ حَافِظُونَ لِذِمَامِكَ غَيْرَ زَاهِدِينَ فِيكَ وَ لَا رَاغِبِينَ عَنْكَ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِنَّا حَرْبٌ لِحَرْبِكَ وَ سِلْمٌ لِسِلْمِكَ لَنَأْخُذَنَّ يَزِيدَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ نَبْرَأُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ وَ ظَلَمَنَا فَقَالَ ع هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَيُّهَا الْغَدَرَةُ الْمَكَرَةُ حِيلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ شَهَوَاتِ أَنْفُسِكُمْ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ كَمَا أَتَيْتُمْ إِلَى آبَائِي مِنْ قَبْلُ كَلَّا وَ

159

رَبِّ الرَّاقِصَاتِ فَإِنَّ الْجُرْحَ لَمَّا يَنْدَمِلْ قُتِلَ أَبِي ص بِالْأَمْسِ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ مَعَهُ وَ لَمْ يُنْسَى ثُكْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ ثُكْلُ أَبِي وَ بَنِي أَبِي وَ وَجْدُهُ بَيْنَ لَهَاتِي وَ مَرَارَتُهُ بَيْنَ حَنَاجِرِي وَ حَلْقِي وَ غُصَصُهُ تَجْرِي فِي فِرَاشِ صَدْرِي وَ مَسْأَلَتِي أَنْ تَكُونُوا لَا لَنَا وَ لَا عَلَيْنَا ثُمَّ قَالَ

:

لَا غَرْوَ إِنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَشَيْخُهُ‏ * * * قَدْ كَانَ خَيْراً مِنْ حُسَيْنٍ وَ أَكْرَمَ‏

فَلَا تَفْرَحُوا يَا أَهْلَ كُوفَانَ بِالَّذِي‏ * * * أُصِيبَ حُسَيْنٌ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَا

160

قَتِيلٌ بِشَطِّ النَّهْرِ رُوحِي فِدَاؤُهُ‏ * * * جَزَاءُ الَّذِي أَرْدَاهُ نَارُ جَهَنَّمَ‏

ثُمَّ قَالَ رَضِينَا مِنْكُمْ رَأْساً بِرَأْسٍ فَلَا يَوْمَ لَنَا وَ لَا يَوْمَ عَلَيْنَا.

قَالَ الرَّاوِي:

ثُمَّ إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَ أَذِنَ إِذْناً عَامّاً وَ جِي‏ءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ع فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أُدْخِلَ نِسَاءُ الْحُسَيْنِ ع وَ صِبْيَانُهُ إِلَيْهِ فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ ع مُتَنَكِّرَةً فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ ع فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَ أَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ فَقَالَتْ إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَ يَكْذِبُ الْفَاجِرُ وَ هُوَ غَيْرُنَا فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ فَقَالَتْ مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا-

161

هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا

إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏

وَ سَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَ تُخَاصَمُ فَانْظُرْ لِمَنْ يَكُونُ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ هَبَلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ.

قَالَ الرَّاوِي:

فَغَضِبَ ابْنُ زِيَادٍ وَ كَأَنَّهُ هَمَّ بِهَا فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ إِنَّهَا امْرَأَةٌ وَ الْمَرْأَةُ لَا تُؤْخَذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْطِقِهَا فَقَالَ لَهَا ابْنُ زِيَادٍ لَقَدْ شَفَى اللَّهُ قَلْبِي مِنْ طَاغِيَتِكِ الْحُسَيْنِ وَ الْعُصَاةِ الْمَرَدَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكِ فَقَالَتْ لَعَمْرِي لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي وَ قَطَعْتَ فَرْعِي وَ اجْتَثَثْتَ أَصْلِي فَإِنْ كَانَ هَذَا شَفَاكَ فَقَدِ اشْتَفَيْتَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ هَذِهِ سَجَّاعَةٌ وَ لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ شَاعِراً سَجَّاعاً فَقَالَتْ يَا ابْنَ زِيَادٍ مَا لِلْمَرْأَةِ وَ السَّجَاعَةَ.

162

ثُمَّ الْتَفَتَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقِيلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ أَ لَيْسَ قَدْ قَتَلَ اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ فَقَالَ عَلِيٌّ ع قَدْ كَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَتَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ بَلِ اللَّهُ قَتَلَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ ع‏

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها

فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ أَ لَكَ جُرْأَةٌ عَلَى جَوَابِي اذْهَبُوا بِهِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ فَسَمِعَتْ بِهِ عَمَّتُهُ زَيْنَبُ فَقَالَتْ يَا ابْنَ زِيَادٍ إِنَّكَ لَمْ تُبْقِ مِنَّا أَحَداً فَإِنْ كُنْتَ عَزَمْتَ عَلَى قَتْلِهِ فَاقْتُلْنِي مَعَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ ع لِعَمَّتِهِ اسْكُتِي يَا عَمَّةِ حَتَّى أُكَلِّمَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ ع فَقَالَ أَ بِالْقَتْلِ تُهَدِّدُنِي يَا ابْنَ زِيَادٍ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَتْلَ لَنَا عَادَةٌ وَ كَرَامَتَنَا الشَّهَادَةُ.

163

ثُمَّ أَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع وَ أَهْلِهِ فَحُمِلُوا إِلَى دَارٍ إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ ع لَا يَدْخُلَنَّ عَرَبِيَّةٌ إِلَّا أُمُّ وَلَدٍ أَوْ مَمْلُوكَةٌ فَإِنَّهُنَّ سُبِينَ كَمَا سُبِينَا.

ثُمَّ أَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ع فَطِيفَ بِهِ فِي سِكَكِ الْكُوفَةِ وَ يَحِقُّ لِي أَنْ أَتَمَثَّلَ هُنَا بِأَبْيَاتٍ لِبَعْضِ ذَوِي الْعُقُولِ يَرْثِي بِهَا قَتِيلًا مِنْ آلِ الرَّسُولِ

:

رَأْسُ ابْنِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَ وَصِيِّهِ‏ * * * لِلنَّاظِرِينَ عَلَى قَنَاةٍ يُرْفَعُ‏

وَ الْمُسْلِمُونَ بِمَنْظَرٍ وَ بِمَسْمَعٍ‏ * * * لَا مُنْكِرٌ مِنْهُمْ وَ لَا مُتَفَجِّعٌ‏

164

كُحِلَتْ بِمَنْظَرِكَ الْعُيُونُ عَمَايَةً * * * وَ أَصَمَّ رُزْؤُكَ كُلَّ أُذُنٍ تَسْمَعُ‏

أَيْقَظْتَ أَجْفَاناً وَ كُنْتَ لَهَا كَرًى‏ * * * وَ أَنَمْتَ عَيْناً لَمْ تَكُنْ بِكَ تَهْجَعُ‏

مَا رَوْضَةٌ إِلَّا تَمَنَّتْ أَنَّهَا * * * لَكَ حُفْرَةٌ وَ لِحَظِّ قَبْرِكَ مَضْجَعٌ‏

قَالَ الرَّاوِي:

ثُمَّ إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الْحَقَّ وَ أَهْلَهُ وَ نَصَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَشْيَاعَهُ وَ قَتَلَ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ فَمَا زَادَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ شَيْئاً حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَفِيفٍ الْأَزْدِيُّ وَ كَانَ مِنْ خِيَارِ الشِّيعَةِ وَ زُهَّادِهَا وَ كَانَتْ عَيْنُهُ الْيُسْرَى ذَهَبَتْ فِي يَوْمِ الْجَمَلِ وَ الْأُخْرَى فِي يَوْمِ صِفِّينَ وَ كَانَ يُلَازِمُ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ فَقَالَ يَا ابْنَ زِيَادٍ إِنَّ الْكَذَّابَ‏

165

ابْنَ الْكَذَّابِ أَنْتَ وَ أَبُوكَ وَ مَنِ اسْتَعْمَلَكَ وَ أَبُوهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَ تَقْتُلُونَ أَبْنَاءَ النَّبِيِّينَ وَ تَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ عَلَى مَنَابِرِ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الرَّاوِي:

فَغَضِبَ ابْنُ زِيَادٍ وَ قَالَ مَنْ هَذَا الْمُتَكَلِّمُ فَقَالَ أَنَا الْمُتَكَلِّمُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَ تَقْتُلُ الذُّرِّيَّةَ الطَّاهِرَةَ الَّتِي قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهَا الرِّجْسَ وَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَا غَوْثَاهْ أَيْنَ أَوْلَادُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ لَا يَنْتَقِمُونَ مِنْ طَاغِيَتِهِ اللَّعِينِ ابْنِ اللَّعِينِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قَالَ الرَّاوِي:

فَازْدَادَ غَضَبُ ابْنِ زِيَادٍ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَ قَالَ عَلَيَّ بِهِ فَتَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الْجَلَاوِزَةُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِيَأْخُذُوهُ فَقَامَتِ الْأَشْرَافُ مِنَ الْأَزْدِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ فَخَلَّصُوهُ مِنْ أَيْدِي الْجَلَاوِزَةِ وَ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَ انْطَلَقُوا بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ اذْهَبُوا إِلَى هَذَا الْأَعْمَى أَعْمَى‏

166

الْأَزْدِ أَعْمَى اللَّهُ قَلْبَهُ كَمَا أَعْمَى عَيْنَهُ فَأْتُونِي بِهِ قَالَ فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْأَزْدَ اجْتَمَعُوا وَ اجْتَمَعَتْ مَعَهُمْ قَبَائِلُ الْيَمَنِ لِيَمْنَعُوا صَاحِبَهُمْ قَالَ بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ زِيَادٍ فَجَمَعَ قَبَائِلَ مُضَرَ وَ ضَمَّهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ وَ أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْقَوْمِ.

قَالَ الرَّاوِي:

فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ وَ وَصَلَ أَصْحَابُ ابْنِ زِيَادٍ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَفِيفٍ فَكَسَرُوا الْبَابَ وَ اقْتَحَمُوا عَلَيْهِ فَصَاحَتِ ابْنَتُهُ أَتَاكَ الْقَوْمُ مِنْ حَيْثُ تَحْذَرُ فَقَالَ لَا عَلَيْكِ نَاوِلِينِي سَيْفِي قَالَ فَنَاوَلَتْهُ إِيَّاهُ فَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ وَ يَقُولُ‏

167

أَنَا ابْنُ ذِي الْفَضْلِ عَفِيفٍ الطَّاهِرِ * * * عَفِيفٌ شَيْخِي وَ ابْنُ أُمِّ عَامِرٍ

كَمْ دَارِعٍ مِنْ جَمْعِكُمْ وَ حَاسِرٍ * * * وَ بَطَلٍ جَدَّلْتُهُ مُغَاوِرٍ

قَالَ وَ جَعَلَتِ ابْنَتُهُ تَقُولُ يَا أَبَتِ لَيْتَنِي كُنْتُ رَجُلًا أُخَاصِمُ بَيْنَ يَدَيْكَ الْيَوْمَ هَؤُلَاءِ الْفَجَرَةَ قَاتِلِي الْعِتْرَةِ الْبَرَرَةِ قَالَ وَ جَعَلَ الْقَوْمُ يَدُورُونَ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَ هُوَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَ كُلَّمَا جَاءَهُ مِنْ جِهَةٍ قَالَتْ يَا أَبَتِ جَاءُوكَ مِنْ جِهَةِ كَذَا حَتَّى تَكَاثَرُوا عَلَيْهِ وَ أَحَاطُوا بِهِ فَقَالَتْ بِنْتُهُ وَا ذُلَّاهْ يُحَاطُ بِأَبِي وَ لَيْسَ لَهُ نَاصِرٌ يَسْتَعِينُ بِهِ فَجَعَلَ يُدِيرُ سَيْفَهُ وَ يَقُولُ شِعْرٌ

168

أُقْسِمُ لَوْ يُفْسَحُ لِي عَنْ بَصَرِي‏ * * * ضَاقَ عَلَيْكُمْ مَوْرِدِي وَ مَصْدَرِي‏

.

قَالَ الرَّاوِي:

فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أَخَذُوهُ ثُمَّ حَمَلَ فَأُدْخِلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَفِيفٍ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَ بِمَا ذَا أَخْزَانِي اللَّهُ-

وَ اللَّهِ لَوْ فُرِّجَ لِي عَنْ بَصَرِي‏ * * * ضَاقَ عَلَيْكَ مَوْرِدِي وَ مَصْدَرِي‏

فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ يَا عَدُوَّ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ يَا عَبْدَ بَنِي عِلَاجٍ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ وَ شَتَمَهُ مَا أَنْتَ وَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَسَاءَ أَوْ أَحْسَنَ وَ أَصْلَحَ أَمْ أَفْسَدَ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَلِيُّ خَلْقِهِ يَقْضِي بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ بِالْعَدْلِ وَ الْحَقِّ وَ لَكِنْ سَلْنِي عَنْ أَبِيكَ وَ عَنْكَ وَ عَنْ يَزِيدَ وَ أَبِيهِ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ وَ اللَّهِ لَا سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ أَوْ تَذُوقَ الْمَوْتَ غُصَّةً بَعْدَ غُصَّةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ‏

169

عَفِيفٍ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

أَمَا إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَسْأَلُ اللَّهَ رَبِّي أَنْ يَرْزُقَنِيَ الشَّهَادَةَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلِدَكَ أُمُّكَ وَ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ أَلْعَنِ خَلْقِهِ وَ أَبْغَضِهِمْ إِلَيْهِ فَلَمَّا كُفَّ بَصَرِي يَئِسْتُ عَنِ الشَّهَادَةِ وَ الْآنَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِيهَا فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ اضْرِبُوا عُنُقَهُ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَ صُلِبَ فِي السَّبَخَةِ.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ كَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ ع وَ خَبَرِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ كَتَبَ أَيْضاً إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَمَّا عَمْرٌو فَحَيْثُ وَصَلَهُ الْخَبَرُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَ النَّاسَ وَ أَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ فَعَظُمَتْ وَاعِيَةُ بَنِي هَاشِمٍ وَ أَقَامُوا سُنَنَ الْمَصَائِبِ‏

170

وَ الْمَآتِمِ وَ كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع تَنْدُبُ الْحُسَيْنَ ع وَ تَقُولُ:

مَا ذَا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ‏ * * * مَا ذَا فَعَلْتُمْ وَ أَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ‏

بِعِتْرَتِي وَ أَهْلِ بَيْتِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي‏ * * * مِنْهُمْ أُسَارَى وَ مِنْهُمْ ضُرِّجُوا بِدَمٍ‏

مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ‏ * * * أَنْ تَخْلُفُونِّي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي‏

.

فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ سَمِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ هَاتِفاً يُنَادِي-

171

أَيُّهَا الْقَاتِلُونَ جَهْلًا حُسَيْناً * * * أَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ وَ التَّنْكِيلِ‏

كُلُّ أَهْلِ السَّمَاءِ يَدْعُو عَلَيْكُمْ‏ * * * مِنْ نَبِيٍّ وَ مَالِكٍ وَ قَبِيلٍ‏

قَدْ لُعِنْتُمْ عَلَى لِسَانِ ابْنِ دَاوُدَ * * * وَ مُوسَى وَ صَاحِبِ الْإِنْجِيلِ‏

وَ أَمَّا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَهُ كِتَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَ وَقَفَ عَلَيْهِ أَعَادَ الْجَوَابَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِحَمْلِ رَأْسِ الْحُسَيْنِ ع وَ رُءُوسِ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ وَ بِحَمْلِ أَثْقَالِهِ وَ نِسَائِهِ وَ عِيَالِهِ فَاسْتَدْعَى ابْنُ زِيَادٍ بِمُحَفِّرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَائِذِيِّ فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الرُّءُوسَ وَ الْأَسْرَى وَ النِّسَاءَ فَصَارَ بِهِمْ مُحَفِّرٌ إِلَى الشَّامِ كَمَا يُسَارُ بِسَبَايَا الْكُفَّارِ يَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ أَهْلُ الْأَقْطَارِ

172

فَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ وَ غَيْرُهُ حَدِيثاً أَخَذْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ قَالَ‏

كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَإِذَا بِرَجُلٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَ مَا أَرَاكَ فَاعِلًا فَقُلْتُ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذُنُوبَكَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ قَطْرِ الْأَمْطَارِ وَ وَرَقِ الْأَشْجَارِ فَاسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ غَفَرَهَا لَكَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ فَقَالَ لِي تَعَالَ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِقِصَّتِي فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّا كُنَّا خَمْسِينَ نَفَراً مِمَّنْ سَارَ مَعَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ ع إِلَى الشَّامِ فَكُنَّا إِذَا أَمْسَيْنَا وَضَعْنَا الرَّأْسَ فِي تَابُوتٍ وَ شَرِبْنَا الْخَمْرَ حَوْلَ التَّابُوتِ فَشَرِبَ أَصْحَابِي لَيْلَةً حَتَّى سَكِرُوا وَ لَمْ أَشْرَبْ مَعَهُمْ فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ سَمِعْتُ رَعْداً وَ رَأَيْتُ بَرْقاً فَإِذَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ قَدْ فُتِحَتْ وَ نَزَلَ آدَمُ ع وَ نُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ إِسْمَاعِيلُ وَ إِسْحَاقُ وَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ص وَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَ مَعَهُمْ جَبْرَئِيلُ وَ خَلْقٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَدَنَا جَبْرَئِيلُ مِنَ التَّابُوتِ-

173

وَ أَخْرَجَ الرَّأْسَ وَ ضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ قَبَّلَهُ ثُمَّ كَذَلِكَ فَعَلَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ وَ بَكَى النَّبِيُّ ص عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ ع وَ عَزَّاهُ الْأَنْبِيَاءُ وَ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ ع يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أُطِيعَكَ فِي أُمَّتِكَ فَإِنْ أَمَرْتَنِي زَلْزَلْتُ بِهِمُ الْأَرْضَ وَ جَعَلْتُ‏

عالِيَها سافِلَها

كَمَا فَعَلْتُ بِقَوْمِ لُوطٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ص لَا يَا جَبْرَئِيلُ فَإِنَّ لَهُمْ مَعِي مَوْقِفاً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ جَاءَ الْمَلَائِكَةُ نَحْوَنَا لِيَقْتُلُونَا فَقُلْتُ الْأَمَانَ الْأَمَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اذْهَبْ فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ‏

. وَ رَأَيْتُ فِي تَذْيِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّجَّارِ شَيْخِ الْمُحَدِّثِينَ بِبَغْدَادَ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيِ‏

174

بْنِ نَصْرٍ الشبوكي بِإِسْنَادِهِ زِيَادَةً فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا هَذَا لَفْظُهُ قَالَ‏

لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ حَمَلُوا بِرَأْسِهِ جَلَسُوا يَشْرَبُونَ وَ يَجِي‏ءُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِالرَّأْسِ فَخَرَجَتْ يَدٌ وَ كَتَبَتْ بِقَلَمِ الْحَدِيدِ عَلَى الْحَائِطِ-

أَ تَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْناً * * * شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ‏

قَالَ فَلَمَّا سَمِعُوا بِذَلِكَ تَرَكُوا الرَّأْسَ وَ هُزِمُوا

قَالَ الرَّاوِي‏

:

وَ سَارَ الْقَوْمُ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ وَ نِسَائِهِ وَ الْأَسْرَى مِنْ رْجَالِهِ فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ دِمَشْقَ دَنَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ مِنْ شِمْرٍ وَ كَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَقَالَتْ لَهُ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ فَقَالَ مَا حَاجَتُكِ قَالَتْ إِذَا دَخَلْتَ بِنَا الْبَلَدَ فَاحْمِلْنَا فِي دَرْبٍ قَلِيلِ النَّظَّارَةِ وَ تَقَدَّمْ إِلَيْهِمْ أَنْ يُخْرِجُوا هَذِهِ الرُّءُوسَ مِنْ بَيْنِ الْمَحَامِلِ-

175

وَ يُنَحُّونَا عَنْهَا فَقَدْ خُزِينَا مِنْ كَثْرَةِ النَّظَرِ إِلَيْنَا وَ نَحْنُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَأَمَرَ فِي جَوَابِ سُؤَالِهَا أَنْ يُجْعَلَ الرُّءُوسُ عَلَى الرِّمَاحِ فِي أَوْسَاطِ الْمَحَامِلِ بَغْياً مِنْهُ وَ كُفْراً وَ سَلَكَ بِهِمْ بَيْنَ النُّظَّارِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ حَتَّى أَتَى بِهِمْ بَابَ دِمَشْقَ فَوَقَفُوا عَلَى دَرَجِ بَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ حَيْثُ يُقَامُ السَّبْيُ.

فَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ فُضَلَاءِ التَّابِعِينَ لَمَّا شَاهَدَ رَأْسَ الْحُسَيْنِ ع بِالشَّامِ أَخْفَى نَفْسَهُ شَهْراً مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا وَجَدُوهُ بَعْدَ إِذْ فَقَدُوهُ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَ لَا تَرَوْنَ مَا نَزَلَ بِنَا وَ أَنْشَأَ يَقُولُ:

جَاءُوا بِرَأْسِكَ يَا ابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ * * * مُتَرَمِّلًا بِدِمَائِهِ تَرْمِيلًا

176

وَ كَأَنَّمَا بِكَ يَا ابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ * * * قَتَلُوا جِهَاراً عَامِدِينَ رَسُولًا

قَتَلُوكَ عَطْشَاناً وَ لَمْ يَتَرَقَّبُوا * * * فِي قَتْلِكَ التَّأْوِيلَ وَ التَّنْزِيلَا

وَ يُكَبِّرُونَ بِأَنْ قُتِلْتَ وَ إِنَّمَا * * * قَتَلُوا بِكَ التَّكْبِيرَ وَ التَّهْلِيلَا

قَالَ الرَّاوِي:

وَ جَاءَ شَيْخٌ وَ دَنَا مِنْ نِسَاءِ الْحُسَيْنِ ع وَ عِيَالِهِ وَ هُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكُمْ وَ أَهْلَكَكُمْ وَ أَرَاحَ الْبِلَادَ عَنْ رِجَالِكُمْ وَ أَمْكَنَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكُمْ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع يَا شَيْخُ هَلْ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ عَرَفْتَ هَذِهِ الْآيَةَ

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

قَالَ الشَّيْخُ نَعَمْ قَدْ قَرَأْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ ع لَهُ فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ فَهَلْ قَرَأْتَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ‏

وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏

177

حَقَّهُ‏

فَقَالَ الشَّيْخُ قَدْ قَرَأْتُ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ فَهَلْ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏

قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ع فَنَحْنُ الْقُرْبَى يَا شَيْخُ فَهَلْ قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

قَالَ الشَّيْخُ قَدْ قَرَأْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ ع فَنَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ خَصَّصَنَا اللَّهُ بِآيَةِ الطَّهَارَةِ يَا شَيْخُ.

قَالَ الرَّاوِي:

فَبَقِيَ الشَّيْخُ سَاكِتاً نَادِماً عَلَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَ قَالَ بِاللَّهِ إِنَّكُمْ هُمْ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع تَاللَّهِ إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَ حَقِ‏

178

جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ ص إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ فَبَكَى الشَّيْخُ وَ رَمَى عِمَامَتَهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ عَدُوِّ آلِ مُحَمَّدٍ ص مِنْ جِنٍّ وَ إِنْسٍ ثُمَّ قَالَ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ إِنْ تُبْتَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ أَنْتَ مَعَنَا فَقَالَ أَنَا تَائِبٌ فَبَلَغَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَدِيثُ الشَّيْخِ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.

قَالَ الرَّاوِي:

ثُمَّ أُدْخِلَ ثَقَلُ الْحُسَيْنِ ع وَ نِسَاؤُهُ وَ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ وَ هُمْ مُقَرَّنُونَ فِي الْحِبَالِ فَلَمَّا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا يَزِيدُ مَا ظَنُّكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ص لَوْ رَآنَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَأَمَرَ يَزِيدُ بِالْحِبَالِ فَقُطِّعَتْ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَ الْحُسَيْنِ ع بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَجْلَسَ النِّسَاءَ

179

خَلْفَهُ لِئَلَّا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَرَآهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع فَلَمْ يَأْكُلِ الرُّءُوسَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَداً وَ أَمَّا زَيْنَبُ فَإِنَّهَا لَمَّا رَأَتْهُ أَهْوَتْ إِلَى جَيْبِهَا فَشَقَّتْهُ ثُمَّ نَادَتْ بِصَوْتٍ حَزِينٍ يُفْزِعُ الْقُلُوبَ يَا حُسَيْنَاهْ يَا حَبِيبَ رَسُولِ اللَّهِ يَا ابْنَ مَكَّةَ وَ مِنًى يَا ابْنَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ يَا ابْنَ بِنْتِ الْمُصْطَفَى.

قَالَ الرَّاوِي:

فَأَبْكَتْ وَ اللَّهِ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ وَ يَزِيدُ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ سَاكِتٌ.

ثُمَّ جَعَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَانَتْ فِي دَارِ يَزِيدَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَنْدُبُ عَلَى الْحُسَيْنِ ع وَ تُنَادِي يَا حَبِيبَاهْ يَا سَيِّدَ أَهْلِ بَيْتَاهْ يَا ابْنَ مُحَمَّدَاهْ يَا رَبِيعَ الْأَرَامِلِ وَ الْيَتَامَى يَا قَتِيلَ أَوْلَادِ الْأَدْعِيَاءِ قَالَ الرَّاوِي:

فَأَبْكَتْ كُلَّ مَنْ سَمِعَهَا ثُمَّ دَعَا يَزِيدُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِقَضِيبِ خَيْزُرَانٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ ثَنَايَا الْحُسَيْنِ ع فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَ قَالَ وَيْحَكَ يَا يَزِيدُ أَ تَنْكُتُ بِقَضِيبِكَ ثَغْرَ

180

الْحُسَيْنِ ع ابْنِ فَاطِمَةَ ص أَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ص يَرْشُفُ ثَنَايَاهُ وَ ثَنَايَا أَخِيهِ الْحَسَنِ ع وَ يَقُولُ أَنْتُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَتَلَ اللَّهُ قَاتِلَكُمَا وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ جَهَنَّمَ‏

وَ ساءَتْ مَصِيراً

قَالَ الرَّاوِي:

فَغَضِبَ يَزِيدُ وَ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَأُخْرِجَ سَحْباً.

قَالَ وَ جَعَلَ يَزِيدُ يَتَمَثَّلُ بِأَبْيَاتِ ابْنِ الزِّبَعْرَى:

لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا * * * جَزِعَ الْخَزْرَجُ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلِ‏

لَأَهَلُّوا وَ اسْتَهَلُّوا فَرَحاً * * * ثُمَّ قَالُوا يَا يَزِيدُ لَا تُشَلَ‏

قَدْ قَتَلْنَا الْقَوْمَ مِنْ سَادَاتِهِمْ‏ * * * وَ عَدَلْنَاهُ بِبَدْرٍ فَاعْتَدَلَ‏

181

لَعِبَتْ هَاشِمٌ بِالْمُلْكِ فَلَا * * * خَبَرٌ جَاءَ وَ لَا وَحْيٌ نَزَلَ‏

لَسْتُ مِنْ خِنْدِفَ إِنْ لَمْ أَنْتَقِمْ‏ * * * مِنْ بَنِي أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلَ‏

قَالَ الرَّاوِي:

فَقَامَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع فَقَالَتْ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ آلِهِ أَجْمَعِينَ صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ‏

ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏ أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ‏

أَ ظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ وَ آفَاقَ السَّمَاءِ فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الْأُسَرَاءُ أَنَّ بِنَا هَوَاناً عَلَيْهِ وَ بِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةً وَ أَنَّ ذَلِكَ‏

182

لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنْدَهُ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَ نَظَرْتَ فِي عِطْفِكَ جَذْلَانَ مَسْرُوراً حَيْثُ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْثِقَةً وَ الْأُمُورَ مُتَّسِقَةً وَ حِينَ صَفَا لَكَ مُلْكُنَا وَ سُلْطَانُنَا فَمَهْلًا مَهْلًا أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى‏

وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‏

أَ مِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَ إِمَاءَكَ وَ سَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ص سَبَايَا قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَ أَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ تَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَ يَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاهِلِ وَ الْمَنَاقِلِ وَ يَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَ الْبَعِيدُ وَ الدَّنِيُّ وَ الشَّرِيفُ لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٌّ وَ لَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيٌّ وَ كَيْفَ يُرْتَجَى مُرَاقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوهُ أَكْبَادَ الْأَزْكِيَاءِ وَ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ‏

183

دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ وَ كَيْفَ يَسْتَبْطِئُ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْنَا بِالشَّنَفِ وَ الشَّنَئَانِ وَ الْإِحَنِ وَ الْأَضْغَانِ ثُمَّ تَقُولُ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ وَ لَا مُسْتَعْظِمٍ-

لَأَهَلُّوا وَ اسْتَهَلُّوا فَرَحاً * * * ثُمَّ قَالُوا يَا يَزِيدُ لَا تُشَلَ‏

مُنْتَحِياً عَلَى ثَنَايَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَنْكُتُهَا بِمِخْصَرَتِكَ وَ كَيْفَ لَا تَقُولُ ذَلِكَ وَ قَدْ نَكَأْتَ الْقَرْحَةَ وَ اسْتَأْصَلْتَ الشَّافَةَ بِإِرَاقَتِكَ دِمَاءَ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَ نُجُومِ الْأَرْضِ مِنْ آلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ تَهْتِفُ بِأَشْيَاخِكَ زَعَمْتَ أَنَّكَ تُنَادِيهِمْ فَلَتَرِدَنَّ وَشِيكاً مَوْرِدَهُمْ وَ لَتَوَدَّنَّ أَنَّكَ شَلَلْتَ وَ بَكِمْتَ وَ لَمْ تَكُنْ قُلْتَ مَا قُلْتَ وَ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ اللَّهُمَّ خُذْ لَنَا بِحَقِّنَا وَ انْتَقِمْ مِنْ ظَالِمِنَا وَ أَحْلِلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا وَ قَتَلَ حُمَاتَنَا فَوَ اللَّهِ مَا فَرَيْتَ إِلَّا جِلْدَكَ وَ لَا

184

حَزَزْتَ إِلَّا لَحْمَكَ وَ لَتَرِدَنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص بِمَا تَحَمَّلْتَ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ ذُرِّيَّتِهِ وَ انْتَهَكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ فِي عِتْرَتِهِ وَ لُحْمَتِهِ حَيْثُ يَجْمَعُ اللَّهُ شَمْلَهُمْ وَ يَلُمُّ شَعَثَهُمْ وَ يَأْخُذُ بِحَقِّهِمْ‏

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏

وَ حَسْبُكَ بِاللَّهِ حَاكِماً وَ بِمُحَمَّدٍ ص خَصِيماً وَ بِجَبْرَئِيلَ ظَهِيراً وَ سَيَعْلَمُ مَنْ سَوَّلَ لَكَ وَ مَكَّنَكَ مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ‏

بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا

وَ أَيُّكُمْ‏

شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً

وَ لَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ وَ أَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ وَ أَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ لَكِنَّ الْعُيُونَ عبْرَى وَ الصُّدُورَ حَرَّى أَلَا فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللَّهِ النُّجَبَاءِ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاءِ فَهَذِهِ الْأَيْدِي تَنْطِفُ مِنْ دِمَائِنَا وَ الْأَفْوَاهُ تَتَحَلَّبُ مِنْ لُحُومِنَا-

185

وَ تِلْكَ الْجُثَثُ الطَّوَاهِرُ الزَّوَاكِي تَنْتَابُهَا الْعَوَاسِلُ وَ تُعَفِّرُهَا أُمَّهَاتُ الْفَرَاعِلِ وَ لَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَماً لَتَجِدَنَّا وَشِيكاً مَغْرَماً حِينَ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ‏

وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

فَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى وَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فَكِدْ كَيْدَكَ وَ اسْعَ سَعْيَكَ وَ نَاصِبْ جُهْدَكَ فَوَ اللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَ لَا تُمِيتُ وَحْيَنَا وَ لَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَ لَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا وَ هَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ وَ أَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ وَ جَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي‏

أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏

فَ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

-

186

الَّذِي خَتَمَ لِأَوَّلِنَا بِالسَّعَادَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ وَ لِآخِرِنَا بِالشَّهَادَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُكْمِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ وَ يُوجِبَ لَهُمُ الْمَزِيدَ وَ يُحْسِنَ عَلَيْنَا الْخِلَافَةَ إِنَّهُ رَحِيمٌ وَدُودٌ وَ

حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏

.

فَقَالَ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ-

يَا صَيْحَةً تُحْمَدُ مِنْ صَوَائِحِ‏ * * * مَا أَهْوَنَ النَّوْحَ عَلَى النَّوَائِحِ‏

.

قَالَ الرَّاوِي:

ثُمَّ اسْتَشَارَ أَهْلَ الشَّامِ فِيمَا يَصْنَعُ بِهِمْ فَقَالُوا لَا تَتَّخِذَنَّ مِنْ كَلْبِ سَوْءٍ جَرْواً فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ انْظُرْ مَا كَانَ الرَّسُولُ يَصْنَعُ بِهِمْ فَاصْنَعْهُ بِهِمْ.

187

فَنَظَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ ع فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَبْ لِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَمَّتِهَا يَا عَمَّتَاهْ أُوتِمْتُ وَ أُسْتَخْدَمُ فَقَالَتْ زَيْنَبُ لَا وَ لَا كَرَامَةَ لِهَذَا الْفَاسِقِ فَقَالَ الشَّامِيُّ مَنْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ فَقَالَ يَزِيدُ هَذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَ تِلْكَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ الشَّامِيُّ الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ ع وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الشَّامِيُّ لَعَنَكَ اللَّهُ يَا يَزِيدُ أَ تَقْتُلُ عِتْرَةَ نَبِيِّكَ وَ تَسْبِي ذُرِّيَّتَهُ وَ اللَّهِ مَا تَوَهَّمْتُ إِلَّا أَنَّهُمْ سَبْيُ الرُّومِ فَقَالَ يَزِيدُ وَ اللَّهِ لَأُلْحِقَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.

قَالَ الرَّاوِي:

وَ دَعَا يَزِيدُ بِالْخَاطِبِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ فَيَذُمَّ الْحُسَيْنَ وَ أَبَاهُ ص فَصَعِدَ وَ بَالَغَ فِي ذَمِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ ص وَ الْمَدْحِ لِمُعَاوِيَةَ وَ يَزِيدَ عَلَيْهِمَا لَعَائِنُ اللَّهِ-

188

فَصَاحَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع وَيْلَكَ أَيُّهَا الْخَاطِبُ اشْتَرَيْتَ مَرْضَاةَ الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ الْخَالِقِ فَتَبَوَّأْ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ وَ لَقَدْ أَحْسَنَ ابْنُ سِنَانٍ الْخَفَاجِيُّ فِي وَصْفِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ص يَقُولُ-

أَ عَلَى الْمَنَابِرِ تُعْلِنُونَ بِسَبِّهِ‏ * * * وَ بِسَيْفِهِ نُصِبَتْ لَكُمْ أَعْوَادُهَا

قَالَ الرَّاوِي:

وَ وَعَدَ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ع فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ ثَلَاثَ حَاجَاتٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ لَا يَكُنُّهُمْ مِنْ حَرٍّ وَ لَا بَرْدٍ فَأَقَامُوا بِهِ حَتَّى تَقَشَّرَتْ وُجُوهُهُمْ وَ كَانُوا مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ فِي الْبَلَدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ يَنُوحُونَ عَلَى الْحُسَيْنِ ع.

قَالَتْ سُكَيْنَةُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ مُقَامِنَا رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ‏

189

رُؤْيَا وَ ذَكَرْتُ مَنَاماً طَوِيلًا تَقُولُ فِي آخِرِهِ رَأَيْتُ امْرَأَةً رَاكِبَةً فِي هَوْدَجٍ وَ يَدُهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى رَأْسِهَا فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ لِي هَذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ص أُمُّ أَبِيكِ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَيْهَا وَ لَأُخْبِرَنَّ مَا صُنِعَ بِنَا فَسَعَيْتُ مُبَادِرَةً نَحْوَهَا حَتَّى لَحِقْتُ بِهَا فَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهَا أَبْكِي وَ أَقُولُ يَا أُمَّاهْ جَحَدُوا وَ اللَّهِ حَقَّنَا يَا أُمَّاهْ بَدَّدُوا وَ اللَّهِ شَمْلَنَا يَا أُمَّاهْ اسْتَبَاحُوا وَ اللَّهِ حَرِيمَنَا يَا أُمَّاهْ قَتَلُوا وَ اللَّهِ الْحُسَيْنَ ع أَبَانَا فَقَالَتْ لِي كُفِّي صَوْتَكِ يَا سُكَيْنَةُ فَقَدْ قَطَعْتِ نِيَاطَ قَلْبِي هَذَا قَمِيصُ أَبِيكِ الْحُسَيْنِ ع لَا يُفَارِقُنِي حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ بِهِ.

وَ رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي أَسْوَدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ‏

لَقِيَنِي رَأْسُ الْجَالُوتِ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنِي وَ بَيْنَ دَاوُدَ لَسَبْعِينَ أَباً وَ إِنَّ الْيَهُودَ تَلْقَانِي فَتُعَظِّمُنِي وَ أَنْتُمْ لَيْسَ بَيْنَ ابْنِ نَبِيِّكُمْ وَ بَيْنَهُ إِلَّا أَبٌ وَاحِدٌ قَتَلْتُمْ وَلَدَهُ.

190

وَ رُوِيَ عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ع قَالَ لَمَّا أُتِيَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ع إِلَى يَزِيدَ كَانَ يَتَّخِذُ مَجَالِسَ الشُّرْبِ وَ يَأْتِي بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ ع وَ يَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ فَحَضَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَجْلِسِهِ رَسُولُ مَلِكِ الرُّومِ وَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ وَ عُظَمَائِهِمْ فَقَالَ يَا مَلِكَ الْعَرَبِ هَذَا رَأْسُ مَنْ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ مَا لَكَ وَ لِهَذَا الرَّأْسِ فَقَالَ إِنِّي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَلِكِنَا يَسْأَلُنِي عَنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رَأَيْتُهُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُخْبِرَهُ بِقِصَّةِ هَذَا الرَّأْسِ وَ صَاحِبِهِ حَتَّى يُشَارِكَكَ فِي الْفَرَحِ وَ السُّرُورِ فَقَالَ يَزِيدُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ هَذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع فَقَالَ الرُّومِيُّ وَ مَنْ أُمُّهُ فَقَالَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ص‏

191

فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ أُفٍّ لَكَ وَ لِدِينِكَ لِي دِينٌ أَحْسَنُ مِنْ دِينِكُمْ إِنَّ أَبِي مِنْ حَوَافِدِ دَاوُدَ ع وَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ آبَاءٌ كَثِيرَةٌ وَ النَّصَارَى يُعَظِّمُونِي وَ يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ قَدَمِي تَبَرُّكاً بِأَنِّي مِنْ حَوَافِدِ دَاوُدَ ع وَ أَنْتُمْ تَقْتُلُونَ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ نَبِيِّكُمْ إِلَّا أُمٌّ وَاحِدَةٌ فَأَيُّ دِينٍ دِينُكُمْ ثُمَّ قَالَ لِيَزِيدَ هَلْ سَمِعْتَ حَدِيثَ كَنِيسَةِ الْحَافِرِ فَقَالَ لَهُ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ فَقَالَ بَيْنَ عُمَانَ وَ الصِّينِ بَحْرٌ مَسِيرُهُ سَنَةٌ لَيْسَ فِيهَا عِمْرَانٌ إِلَّا بَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ فِي وَسَطِ الْمَاءِ طُولُهُ ثَمَانُونَ فَرْسَخاً فِي ثَمَانِينَ فَرْسَخاً مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَلْدَةٌ أَكْبَرُ مِنْهَا وَ مِنْهَا يُحْمَلُ الْكَافُورُ وَ الْيَاقُوتُ أَشْجَارُهُمُ الْعُودُ وَ الْعَنْبَرُ وَ هِيَ فِي أَيْدِي النَّصَارَى لَا مُلْكَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُلُوكِ فِيهَا سِوَاهُمْ وَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ كَنَائِسُ كَثِيرَةٌ وَ أَعْظَمُهَا كَنِيسَةُ الْحَافِرِ فِي مِحْرَابِهَا حُقَّةُ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٌ فِيهَا حَافِرٌ يَقُولُونَ‏

192

إِنَّ هَذَا حَافِرُ حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ عِيسَى ع وَ قَدْ زَيَّنُوا حَوْلَ الْحُقَّةِ بِالدِّيبَاجِ يَقْصِدُهَا فِي كُلِّ عَامٍ عَالَمٌ مِنَ النَّصَارَى وَ يَطُوفُونَ حَوْلَهَا وَ يُقَبِّلُونَهَا وَ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهَا هَذَا شَأْنُهُمْ وَ رَأْيُهُمْ بِحَافِرِ حِمَارٍ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ حَافِرُ حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ عِيسَى ع نَبِيُّهُمْ وَ أَنْتُمْ تَقْتُلُونَ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ فَلَا بَارَكَ اللَّهُ تَعَالَى فِيكُمْ وَ لَا فِي دِينِكُمْ فَقَالَ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ اقْتُلُوا هَذَا النَّصْرَانِيَّ لِئَلَّا يَفْضَحَنِي فِي بِلَادِهِ فَلَمَّا أَحَسَّ النَّصْرَانِيُّ بِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي قَالَ نَعَمْ قَالَ اعْلَمْ أَنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ نَبِيَّكُمْ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتَعَجَّبْتُ مِنْ كَلَامِهِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ ص ثُمَّ وَثَبَ إِلَى رَأْسِ‏

193

الْحُسَيْنِ ع فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَ جَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَ يَبْكِي حَتَّى قُتِلَ قَالَ وَ خَرَجَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ ع يَوْماً يَمْشِي فِي أَسْوَاقِ دِمَشْقَ فَاسْتَقْبَلَهُ الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَمْسَيْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَمْسَيْنَا كَمَثَلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ يَا مِنْهَالُ أَمْسَتِ الْعَرَبُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْعَجَمِ بِأَنَّ مُحَمَّداً عَرَبِيٌّ وَ أَمْسَتْ قُرَيْشٌ تَفْتَخِرُ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ بِأَنَّ مُحَمَّداً مِنْهَا وَ أَمْسَيْنَا مَعْشَرَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ نَحْنُ مَغْصُوبُونَ مَقْتُولُونَ مُشَرَّدُونَ فَ

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

مِمَّا أَمْسَيْنَا فِيهِ يَا مِنْهَالُ.

وَ لِلَّهِ دَرُّ مَهْيَارَ حَيْثُ قَالَ شِعْرٌ:

يُعَظِّمُونَ لَهُ أَعْوَادَ مِنْبَرِهِ‏ * * * وَ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ أَوْلَادَهُ وَضَعُوا

194

بِأَيِّ حُكْمٍ بَنُوهُ يَتْبَعُونَكُمْ‏ * * * وَ فَخْرُكُمْ أَنَّكُمْ صَحْبٌ لَهُ تَبَعٌ‏

وَ دَعَا يَزِيدُ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ يَوْماً بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع وَ عَمْرِو بْنِ الْحُسَيْنِ ع وَ كَانَ عَمْرٌو صَغِيراً يُقَالُ إِنَّ عُمُرَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً فَقَالَ لَهُ أَ تُصَارِعُ هَذَا يَعْنِي ابْنَهُ خَالِداً فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو لَا وَ لَكِنْ أَعْطِنِي سِكِّيناً وَ أَعْطِهِ سِكِّيناً ثُمَّ أُقَاتِلُهُ فَقَالَ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ:

شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمٍ‏ * * * هَلْ تَلِدُ الْحَيَّةُ إِلَّا الْحَيَّةَ

وَ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع اذْكُرْ حَاجَاتِكَ الثَّلَاثَ اللَّاتِي وَعَدْتُكَ بِقَضَائِهِنَّ فَقَالَ لَهُ الْأُولَى أَنْ تُرِيَنِي وَجْهَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ وَ أَبِيَ الْحُسَيْنِ ع فَأَتَزَوَّدَ مِنْهُ وَ الثَّانِيَةُ أَنْ تَرُدَّ عَلَيْنَا مَا أُخِذَ مِنَّا وَ الثَّالِثَةُ إِنْ كُنْتَ عَزَمْتَ‏

195

عَلَى قَتْلِي أَنْ تُوَجِّهَ مَعَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ مَنْ يَرُدُّهُنَّ إِلَى حَرَمِ جَدِّهِنَّ ص فَقَالَ أَمَّا وَجْهُ أَبِيكَ فَلَنْ تَرَاهُ أَبَداً وَ أَمَّا قَتْلُكَ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ وَ أَمَّا النِّسَاءُ فَمَا يَرُدُّهُنَّ غَيْرُكَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ أَمَّا مَا أُخِذَ مِنْكُمْ فَأَنَا أُعَوِّضُكُمْ عَنْهُ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ فَقَالَ ع أَمَّا مَالُكَ فَلَا نُرِيدُهُ وَ هُوَ مُوَفَّرٌ عَلَيْكَ وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ مَا أُخِذَ مِنَّا لِأَنَّ فِيهِ مِغْزَلَ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ص وَ مِقْنَعَتَهَا وَ قِلَادَتَهَا وَ قَمِيصَهَا فَأَمَرَ بِرَدِّ ذَلِكَ وَ زَادَ فِيهِ مِنْ عِنْدِهِ مِائَتَيْ دِينَارٍ فَأَخَذَهَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ ع وَ فَرَّقَهَا فِي الْفُقَرَاءِ ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأُسَارَى وَ سَبَايَا الْحُسَيْنِ ع إِلَى أَوْطَانِهِنَّ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ص.

فَأَمَّا رَأْسُ الْحُسَيْنِ ع فَرُوِيَ أَنَّهُ أُعِيدَ فَدُفِنَ بِكَرْبَلَاءَ مَعَ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ ع وَ كَانَ عَمَلُ الطَّائِفَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ وَ رُوِيَتْ آثَارٌ

196

كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَرَكْنَا وَضْعَهَا كَيْلَا يَنْفَسِخَ مَا شَرَطْنَاهُ مِنِ اخْتِصَارِ الْكِتَابِ.

قَالَ الرَّاوِي وَ لَمَّا رَجَعَ نِسَاءُ الْحُسَيْنِ ع وَ عِيَالُهُ مِنَ الشَّامِ وَ بَلَغُوا الْعِرَاقَ قَالُوا لِلدَّلِيلِ مُرَّ بِنَا عَلَى طَرِيقِ كَرْبَلَاءَ فَوَصَلُوا إِلَى مَوْضِعِ الْمَصْرَعِ فَوَجَدُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ رِجَالًا مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَدْ وَرَدُوا لِزِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ ع فَوَافَوْا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَ تَلَاقَوْا بِالْبُكَاءِ وَ الْحُزْنِ وَ اللَّطْمِ وَ أَقَامُوا الْمَآتِمَ الْمُقْرِحَةَ لِلْأَكْبَادِ وَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ نِسَاءُ ذَلِكَ السَّوَادِ فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّاماً

فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حُبَابٍ الْكَلْبِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْجَصَّاصُونَ قَالُوا

كُنَّا نَخْرُجُ إِلَى الْجَبَّانَةِ فِي اللَّيْلِ‏

197

عِنْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ ع فَنَسْمَعُ الْجِنَّ يَنُوحُونَ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ-

مَسَحَ الرَّسُولُ جَبِينَهُ‏ * * * فَلَهُ بَرِيقٌ فِي الْخُدُودِ

أَبَوَاهُ مِنْ أَعْلَى قُرَيْشٍ‏ * * * وَ جَدُّهُ خَيْرُ الْجُدُودِ

قَالَ الرَّاوِي:

ثُمَّ انْفَصَلُوا مِنْ كَرْبَلَاءَ طَالِبِينَ الْمَدِينَةَ قَالَ بَشِيرُ بْنُ جَذْلَمٍ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهَا نَزَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع فَحَطَّ رَحْلَهُ وَ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ وَ أَنْزَلَ نِسَاءَهُ وَ قَالَ يَا بَشِيرُ رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ لَقَدْ كَانَ شَاعِراً فَهَلْ تَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهُ فَقَالَ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِنِّي لَشَاعِرٌ فَقَالَ ع ادْخُلِ الْمَدِينَةَ وَ انْعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ بَشِيرٌ: فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَ رَكَضْتُ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا بَلَغْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ص رَفَعْتُ صَوْتِي بِالْبُكَاءِ وَ أَنْشَأْتُ أَقُولُ‏

198

يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ بِهَا * * * قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارٌ

الْجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلَاءَ مُضَرَّجٌ‏ * * * وَ الرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى الْقَنَاةِ يُدَارُ

قَالَ ثُمَّ قُلْتُ هَذَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع مَعَ عَمَّاتِهِ وَ أَخَوَاتِهِ قَدْ حَلُّوا بِسَاحَتِكُمْ وَ نَزَلُوا بِفِنَائِكُمْ وَ أَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ أُعَرِّفُكُمْ مَكَانَهُ قَالَ فَمَا بَقِيَتْ فِي الْمَدِينَةِ مُخَدَّرَةٌ وَ لَا مُحَجَّبَةٌ إِلَّا بَرَزْنَ مِنْ خُدُورِهِنَّ مَكْشُوفَةً شُعُورُهُنَّ مُخَمَّشَةً وُجُوهُهُنَّ ضَارِبَاتٍ خُدُودُهُنَّ يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ فَلَمْ أَرَ بَاكِياً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَا يَوْماً أَمَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ وَ سَمِعْتُ جَارِيَةً تَنُوحُ عَلَى الْحُسَيْنِ ع فَتَقُولُ-

نَعَى سَيِّدِي نَاعٍ نَعَاهُ فَأَوْجَعَا * * * وَ أَمْرَضَنِي نَاعٍ نَعَاهُ فَأَفْجَعَا

199

فَعَيْنَيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ وَ اسْكُبَا * * * وَجُودَا بِدَمْعٍ بَعْدَ دَمْعِكُمَا مَعاً

عَلَى مَنْ دَهَى عَرْشَ الْجَلِيلِ فَزَعْزَعَا * * * فَأَصْبَحَ هَذَا الْمَجْدُ وَ الدِّينُ أَجْدَعَا

عَلَى ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ وَ ابْنِ وَصِيِّهِ‏ * * * وَ إِنْ كَانَ عَنَّا شَاحِطَ الدَّارِ أَشْسَعَا

ثُمَّ قَالَتْ أَيُّهَا النَّاعِي جَدَّدْتَ حُزْنَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ خَدَشْتَ مِنَّا قُرُوحاً لَمَّا تَنْدَمِلْ فَمَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ فَقُلْتُ أَنَا بَشِيرُ بْنُ جَذْلَمٍ وَجَّهَنِي مَوْلَايَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع وَ هُوَ نَازِلٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا مَعَ عِيَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ نِسَائِهِ قَالَ فَتَرَكُونِي مَكَانِي وَ بَادَرُونِي فَضَرَبْتُ فَرَسِي حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ فَوَجَدْتُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الطُّرُقَ وَ الْمَوَاضِعَ فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَ تَخَطَّيْتُ رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى قَرُبْتُ مِنْ بَابِ الْفُسْطَاطِ وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ‏

200

ع دَاخِلًا فَخَرَجَ وَ مَعَهُ خِرْقَةٌ يَمْسَحُ بِهَا دُمُوعَهُ وَ خَلْفَهُ خَادِمٌ مَعَهُ كُرْسِيٌّ فَوَضَعَهُ لَهُ وَ جَلَسَ عَلَيْهِ وَ هُوَ لَا يَتَمَالَكُ عَنِ الْعَبْرَةِ وَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ بِالْبُكَاءِ وَ حَنِينِ النِّسْوَانِ وَ الْجَوَارِي وَ النَّاسُ يُعَزُّونَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَضَجَّتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ ضَجَّةً شَدِيدَةً.

فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَتَتْ فَوْرَتُهُمْ فَقَالَ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

...

مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏

بَارِئِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ الَّذِي بَعُدَ فَارْتَفَعَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَ قَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوَى نَحْمَدُهُ عَلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَ فَجَائِعِ الدُّهُورِ وَ أَلَمِ الْفَجَائِعِ وَ مَضَاضَةِ اللَّوَاذِعِ وَ جَلِيلِ الرُّزْءِ وَ عَظِيمِ الْمَصَائِبِ الْفَاظِعَةِ الْكَاظَّةِ