اللهوف على قتلى الطفوف‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
292 /
201

الْفَادِحَةِ الْجَائِحَةِ أَيُّهَا الْقَوْمُ إِنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ ابْتَلَانَا بِمَصَائِبَ جَلِيلَةٍ وَ ثُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمَةٍ قُتِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ ع وَ عِتْرَتُهُ وَ سُبِيَ نِسَاؤُهُ وَ صِبْيَتُهُ وَ دَارُوا بِرَأْسِهِ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ فَوْقِ عَامِلِ السِّنَانِ وَ هَذِهِ الرَّزِيَّةُ الَّتِي لَيْسَ مِثْلُهَا رَزِيَّةً أَيُّهَا النَّاسُ فَأَيُّ رِجَالاتٍ مِنْكُمْ يُسَرُّونَ بَعْدَ قَتْلِهِ أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحْزُنُ مِنْ أَجْلِهِ أَمْ أَيَّةُ عَيْنٍ مِنْكُمْ تَحْبِسُ دَمْعَهَا وَ تَضَنُّ عَنِ انْهِمَالِهَا فَلَقَدْ بَكَتِ السَّبْعُ الشِّدَادُ لِقَتْلِهِ وَ بَكَتِ الْبِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا وَ السَّمَاوَاتُ بِأَرْكَانِهَا وَ الْأَرْضُ بِأَرْجَائِهَا وَ الْأَشْجَارُ بِأَغْصَانِهَا وَ الْحِيتَانُ وَ لُجَجُ الْبِحَارِ وَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ أَجْمَعُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ قَلْبٍ لَا يَنْصَدِعُ لِقَتْلِهِ أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحِنُّ إِلَيْهِ أَمْ أَيُّ سَمْعٍ يَسْمَعُ هَذِهِ الثُّلْمَةَ الَّتِي ثُلِمَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَ لَا يَصُمُّ أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبَحْنَا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ مَذُودِينَ‏

202

وَ شَاسِعِينَ عَنِ الْأَمْصَارِ كَأَنَّا أَوْلَادُ تُرْكٍ وَ كَابُلَ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمْنَاهُ وَ لَا مَكْرُوهٍ ارْتَكَبْنَاهُ وَ لَا ثُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَمْنَاهَا

ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ‏ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ‏

وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي قِتَالِنَا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي الْوِصَايَةِ بِنَا لَمَا زَادُوا عَلَى مَا فَعَلُوا بِنَا فَ

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَ أَوْجَعَهَا وَ أَفْجَعَهَا وَ أَكَظَّهَا وَ أَفْظَعَهَا وَ أَمَرَّهَا وَ أَفْدَحَهَا فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ فِيمَا أَصَابَنَا وَ مَا بَلَغَ بِنَا فَإِنَّهُ‏

عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ‏

.

قَالَ الرَّاوِي:

فَقَامَ صُوحَانُ بْنُ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ وَ كَانَ زَمِناً فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ص بِمَا عِنْدَهُ مِنْ زَمَانَةِ رِجْلَيْهِ فَأَجَابَهُ بِقَبُولِ مَعْذِرَتِهِ‏

203

وَ حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ وَ شَكَرَ لَهُ وَ تَرَحَّمَ عَلَى أَبِيهِ.

قال علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس جامع هذا الكتاب:

ثم إنه ص رحل إلى المدينة بأهله و عياله و نظر إلى منازل قومه و رجاله فوجد تلك المنازل تنوح بلسان أحوالها و تبوح بإعلال الدموع و إرسالها لفقد حماتها و رجالها و تندب عليهم ندب الثواكل و تسأل عنهم أهل المناهل و تهيج أحزانه على مصارع قتلاه و تنادي لأجلهم وا ثكلاه و تقول يا قوم اعذروني على النياحة و العويل و ساعدوني على المصاب الجليل فإن القوم الذين أندب لفراقهم و أحن إلى كرام أخلاقهم كانوا سمار ليلي و نهاري و أنوار ظلمي و أسحاري و أطناب شرفي و افتخاري و أسباب قوتي و انتصاري و الخلف من شموسي و أقماري كم ليلة شردوا بإكرامهم‏

204

وحشتي و شيدوا بإنعامهم حرمتي و أسمعوني مناجات أسحارهم و أمتعوني بإبداع أسرارهم و كم يوم عمروا ربعي بمحافلهم و عطروا طبعي بفضائلهم و أورقوا عودي بماء عهودهم و أذهبوا نحوسي بنماء سعودهم و كم غرسوا لي من المناقب و حرسوا محلي من النوائب و كم أصبحت بهم أتشرف على المنازل و القصور و أميس في ثوب الجذل و السرور و كم انتاشوا على أعتابي من رفات المحذور فأقصدني فيهم منهم الحمام و حسدني عليهم حكم الأيام فأصبحوا غرباء بين الأعداء و غرضا لسهام الاعتداء و أصبحت المكارم تقطع بقطع أناملهم و المناقب تشكو لفقد شمائلهم و المحاسن تزول بزوال أعضائهم-

205

و الأحكام تنوح لوحشة أرجائهم فيا لله من ورع أريق دمه في تلك الحروب و كمال نكس علمه بتلك الخطوب و لئن عدمت مساعدة أهل العقول و خذلني عند المصائب جهل العقول فإن لي مسعدا من السنن الدارسة و الأعلام الطامسة فإنها تندب كندبي و تجد مثل وجدي و كربي فلو سمعتم كيف ينوح عليهم لسان حال الصلوات و يحن إليهم إنسان الخلوات و تشتاقهم طوية المكارم و ترتاح إليهم أندية الأكارم و تبكيهم محاريب المساجد و تناديهم مآريب الفوائد لشجاكم سماع تلك الواعية النازلة و عرفتم تقصيركم في هذه المصيبة الشاملة بل لو رأيتم وحدتي و انكساري و خلو مجالسي و آثاري لرأيتم ما يوجع قلب الصبور و يهيج أحزان الصدور لقد

206

شمت بي من كان يحسدني من الديار و ظفرت بي أكف الأخطار فيا شوقاه إلى منزل سكنوه و منهل أقاموا عنده و استوطنوه ليتني كنت إنسانا أفديهم حز السيوف و أدفع عنهم حر الحتوف و أشفي غيظي من أهل السنان و أرد عنهم سهام العدوان و هلا إذا فاتني شرف تلك المواساة الواجبة كنت محلا لضم جسومهم الشاجعة و أهلا لحفظ شمائلهم من البلى و مصونا من لوعة هذا الهجر و القلى فآه ثم آه لو كنت مخطا لتلك الأجساد و محطا لنفوس أولئك الأجواد لبذلت في حفظها غاية المجهود و وفيت لها بقديم‏

207

العهود و قضيت لها بعض الحقوق الأوائل و وقيتها من وقع الجنادل و خدمتها خدمة العبد المطيع و بذلت لها جهد المستطيع فرشت لتلك الخدود و لأوصال فرش الإكرام و الإجلال و كنت أبلغ منيتي من اعتناقها و أنور ظلمتي بإشراقها فيا شوقاه إلى تلك الأماني و يا قلقاه لغيبة أهلي و سكاني فكل حنين يقصر عن حنيني و كل دواء غيرهم لا يشفيني و ها أنا قد لبست لفقدهم أثواب الأحزان و آنست بعدهم بجلباب الأشجان و آيست أن يلم بي التجلد و الصبر و قلت-

يا سلوة الأيام موعدك الحشر

و لقد أحسن ابن قتيبة رحمه الله تعالى و قد بكى على المنازل المشار إليها فقال‏

208

مررت على أبيات آل محمد * * * فلم أرها أمثالها يوم حلت‏

فلا يبعد الله الديار و أهلها * * * و إن أصبحت منهم بزعمي تخلت‏

ألا إن قتلى الطف من آل هاشم‏ * * * أذلت رقاب المسلمين فذلت‏

و كانوا غياثا ثم أضحوا رزية * * * لقد عظمت تلك الرزايا و جلت‏

أ لم تر أن الشمس أضحت مريضة * * * لفقد حسين و البلاد اقشعرت‏

فاسلك أيها السامع بهذا المصاب مسلك القدوة من حماة الكتاب- فقد روي عن مولانا زين العابدين ع و هو ذو الحلم الذي لا يبلغه الوصف أنه كان كثير البكاء لتلك البلوى و عظيم البث و الشكوى.

209

فَرُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ ع أَنَّهُ قَالَ‏

إِنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ ع بَكَى عَلَى أَبِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً صَائِماً نَهَارَهُ وَ قَائِماً لَيْلَهُ فَإِذَا حَضَرَ الْإِفْطَارُ جَاءَ غُلَامُهُ بِطَعَامِهِ وَ شَرَابِهِ فَيَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ كُلْ يَا مَوْلَايَ فَيَقُولُ قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ع جَائِعاً قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ع عَطْشَاناً فَلَا يَزَالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ وَ يَبْكِي حَتَّى يَبْتَلَّ طَعَامُهُ مِنْ دُمُوعِهِ ثُمَّ يُمْزَجُ شَرَابُهُ بِدُمُوعِهِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ حَدَّثَ مَوْلًى لَهُ أَنَّهُ بَرَزَ يَوْماً إِلَى الصَّحْرَاءِ قَالَ فَتَبِعْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى حِجَارَةٍ خَشِنَةٍ فَوَقَفْتُ وَ أَنَا أَسْمَعُ شَهِيقَهُ وَ بُكَاءَهُ وَ أَحْصَيْتُ عَلَيْهِ أَلْفَ مَرَّةٍ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَقّاً حَقّاً لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعَبُّداً وَ رِقّاً لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِيمَاناً وَ تَصْدِيقاً وَ صِدْقاً

210

ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ وَ إِنَّ لِحْيَتَهُ وَ وَجْهَهُ قَدْ غُمِرَا بِالْمَاءِ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي أَ مَا آنَ لِحُزْنِكَ أَنْ يَنْقَضِيَ وَ لِبُكَائِكَ أَنْ يَقِلَّ فَقَالَ لِي وَيْحَكَ إِنَّ يَعْقُوبَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كَانَ نَبِيّاً ابْنَ نَبِيٍّ لَهُ اثْنَا عَشَرَ ابْناً فَغَيَّبَ اللَّهُ وَاحِداً مِنْهُمْ فَشَابَ رَأْسُهُ مِنَ الْحُزْنِ وَ احْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ مِنَ الْغَمِّ وَ ذَهَبَ بَصَرُهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَ ابْنُهُ حَيٌّ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ أَنَا رَأَيْتُ أَبِي وَ أَخِي وَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي صَرْعَى مَقْتُولِينَ فَكَيْفَ يَنْقَضِي حُزْنِي وَ يَقِلُّ بُكَائِي‏

و ها أنا أتمثل و أشير إليهم ص فأقول-

من مخبر الملبسينا بانتزاحهم‏ * * * ثوبا من الحزن لا يبلى و يبلينا

211

إن الزمان الذي قد كان يضحكنا * * * بقربهم صار بالتفريق يبكينا

حالت لفقدهم أيامنا فغدت‏ * * * سودا و كانت بهم بيضا ليالينا

و هاهنا منتهى ما أوردناه و آخر ما قصدناه و من وقف على ترتيبه و رسمه مع اختصاره و صغر حجمه عرف تميزه على أبناء جنسه و فهم فضيلته في نفسه‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين‏