الهداية الكبرى‏

- حسين بن حمدان الخصيبي‏ المزيد...
288 /
55

فِي أَصْحَابِهِ، إِذْ نَظَرَ إِلَى بَعِيرٍ نَادٍّ، حَتَّى أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَ هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَضَرَبَ فِي أَخْفَافِهِ وَ رَغَا، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْجُدُ لَكَ هَذَا الْبَعِيرُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، قَالَ لَهُمْ: اسْجُدُوا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ الْجَمَلَ يَشْكُو إِلَي أَرْبَابِهِ وَ لَوْ أَمَرْتُ أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا.

فَوَقَعَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، فَمَا لَبِثَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَتَى صَاحِبُ الْبَعِيرِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ هَلُمَّ إِلَيَّ، فَمَا بَالُ هَذَا الْبَعِيرِ يَشْكُو مِنْ أَرْبَابِهِ؟ فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّكُمْ أَنَخْتُمُوهُ صَغِيراً وَ أَعْنَفْتُمُوهُ كَبِيراً، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَرَدْتُمْ نَحْرَهُ.

قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً وَ اصْطَفَاكَ بِالرِّسَالَةِ نَجِيّاً، مَا كَذَبَ هَذَا الْبَعِيرُ، وَ لَقَدْ قَالَ بِالْحَقِّ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَعْرَابِيُّ اخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تَهَبَهُ لِي، وَ إِمَّا أَنْ تَبِيعَنِي إِيَّاهُ، وَ إِمَّا أَنْ تَجْعَلَهُ سَائِباً لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهَبُهُ لَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) اللَّهُمَّ أُشْهِدُكُمْ عَلَيَّ أَنِّي جَعَلْتُهُ سَائِباً لِوَجْهِ اللَّهِ، فَكَانَ الْبَعِيرُ يَأْتِي الْمَعَالِفَ فَيَعْتَلِفُ مِنْهَا، وَ لَا يَمْنَعُوهُ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، حَتَّى هَلَكَ الْجَمَلُ فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ التَّحِيَّةُ).

10

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِساً وَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَأْتِينِي غَداً تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُسْلِمُ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَ ثَلَاثَةٌ لَا يُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ كَلَامِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَ جَلَسَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فِي مَجْلِسِهِ، أَقْبَلَتِ التِّسْعَةُ رَهْطٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، حَتَّى دَنَوْا مِنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ اعْرِضْ عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ فَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ‏

56

الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَ ثَلَاثَةٌ لَمْ يُسْلِمُوا فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مَرَضٌ وَ انْصَرَفُوا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَمُوتُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَ هُوَ هَذَا الْأَوَّلُ، وَ أَمَّا هَذَا الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ فَيَسْتَلِبُهُ قَوْمٌ فَيَقْتُلُونَهُ، وَ أَمَّا الثَّالِثُ فَيَمُوتُ بِالدَّاءِ وَ الدُّبَيْلَةِ.

فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَجْلِسِ أَعْظَمُ مَا وَقَعَ فِي الْكَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ أَقْبَلَ السِّتَّةُ الرَّهْطِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ لَهُمْ: مَا فَعَلَ الثَّلَاثَةُ أَصْحَابُكُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَكُمْ وَ لَمْ يُسْلِمُوا؟ فَأَخْبَرُوهُ بِمَوْتِهِمْ- وَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ- وَ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا قُلْتُ لَكُمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ قَدْ مَاتُوا جَمِيعاً فِي الْمَوْتَاتِ الَّتِي أَخْبَرْتَنَا بِهَا، فَكَانَ قَوْلُكَ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ، فَأَنْتَ الْأَمِينُ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَ الْأَمْوَاتِ‏

. فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام).

11- وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَصَّارِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ:

لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ قُرَيْشاً إِلَى اللَّهِ وَ خَلْعِ الْأَنْدَادِ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ غَمَّهُمْ غَمّاً شَدِيداً، وَ تَدَاخَلَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَ قَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَيَدَّعِي أَمْراً عَظِيماً، وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، فَأَتَاهُ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ- عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ- وَ أَبُو سُفْيَانَ، وَ سُفْيَانُ بْنُ حَوْشَبَةَ، وَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَ هِشَامٌ، وَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِمْ، وَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ، وَ لَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ جِئْتَنَا بِهِ وَ أَرَيْتَنَا إِيَّاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ إنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّكَ تَدَّعِي الْبَاطِلَ وَ تَقُولُ السِّحْرَ وَ الْكِهَانَةَ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا حَاجَتُكُمْ؟ فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَدْعُوَ لَنَا هَذِهِ‏

57

الشَّجَرَةَ تَنْقَلِعُ بِعُرُوقِهَا وَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَفْعَلُ هَذَا تُؤْمِنُونَ؟

قَالُوا: نَعَمْ نُؤْمِنُ، قَالَ لَهُمْ: سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَ أَعْلَمُ أَنَّكُمْ مَا تُجِيبُونَ وَ لَا تُؤْمِنُونَ؟ وَ لَا تَؤُولُونَ إِلَى خَيْرٍ.

فَقَالَ لِلشَّجَرَةِ يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ، إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقّاً فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ.

قَالَ: مَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى اقْتَلَعَتِ الشَّجَرَةُ وَ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا اغْتَمُّوا غَمّاً شَدِيداً، وَ قَالُوا لَهُ: مُرْهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهَا وَ لْيَأْتِكَ قِسْماً سَوِيّاً فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ نِصْفُهَا وَ بَقِيَ نِصْفُهَا قَالُوا: مُرْ هَذَا النِّصْفَ يَرْجِعْ إِلَى الَّذِي كَانَ فِيهِ فَأَمَرَهُ فَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ كَمَا كَانَ.

فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا السِّحْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِمَا أُرِيكُمْ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَسْتُ سَاحِراً وَ لَا كَذَّاباً وَ لَا مَجْنُوناً.

قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا رَأَيْنَا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا السِّحْرِ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَشَدَّ تَكْذِيباً مِنْ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا مُحَمَّدُ مَا وَجَدَ رَبُّكَ مَنْ يَبْعَثُهُ غَيْرَكَ؟ فَغَضِبَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَ قَالَ لَهُمْ: وَ اللَّهِ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ يَتَقَدَّمُنِي فِي شَرَفٍ، وَ أَنِّي إِلَى خَيْرِ مَكْرُمَةٍ، وَ أَنَّ آبَائِي قَدْ عَلِمْتُمْ مَنْ هُمْ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ وَ انْصَرَفُوا وَ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ أَحَرُّ مِنَ الْجَمْرِ مِمَّا سَمِعُوا مِنَ الْكَلَامِ وَ أَرَاهُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا

، فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

12

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام):

لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي طَرِيقٍ مَرَّ عَلَى عِيرٍ فِي مَكَانٍ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقَالَ لِقُرَيْشٍ- حِينَ أَصْبَحَ- يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى) قَدْ أَسْرَى بِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ

58

مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏

- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ- حَتَّى رَكِبْتُ عَلَى الْبُرَاقِ، وَ إِنَّ الْعِنَانَ بِيَدِ جِبْرِيلَ (عليه السلام) وَ هِيَ دَابَّةٌ أَكْبَرُ مِنَ الْحِمَارِ، وَ أَصْغَرُ مِنَ الْبَغْلِ، خُطْوَتُهَا مَدَّ الْبَصَرِ، رَكِبْتُ عَلَيْهِ وَ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ، وَ صَلَّيْتُ بِالْمُسْلِمِينَ وَ بِالنَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ وَ بِالْمَلَائِكَةِ كُلِّهِمْ، وَ رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَ مَا فِيهَا، وَ النَّارَ وَ مَا فِيهَا، وَ اطَّلَعْتُ عَلَى الْمُلْكِ كُلِّهِ.

فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ كَذِبٌ بَعْدَ كَذِبٍ، يَأْتِينَا مِنْكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَمَّا تَقُولُ وَ تَدَّعِيهِ، لَنَقْتُلَنَّكَ شَرَّ قِتْلَةِ، أَ تُرِيدُ أَنْ تَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا وَ تَصُدَّنَا عَمَّا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا الشُّمُّ الْغَطَارِيفُ؟

فَقَالَ يَا قَوْمِ إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ بِالْخَيْرِ، إِنْ قَبِلْتُمُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوهُ فَارْجِعُوا وَ تَرَبَّصُوا، إِنِّي مُتَرَبِّصٌ بِكُمْ أَعْظَمَ مِمَّا تَتَرَبَّصُونَ بِي وَ أَرْجُو أَنْ أَرَى فِيكُمْ مَا أُؤَمِّلُهُ مِنَ اللَّهِ‏

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ*

.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَإِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الشَّامَ وَ مَرَرْنَا فِي طَرِيقِنَا، فَخَبِّرْنَا عَنْ طَرِيقِ الشَّامِ وَ مَا رَأَيْنَا فِيهِ، فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا جَمِيعَ مَا ثَمَّ وَ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تَدْخُلِ الشَّامَ، فَإِنْ أَنْتَ أَعْطَيْتَنَا عَلَامَةً عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ حَقٍّ وَ نَبِيُّ صِدْقٍ.

فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَأُخْبِرَنَّكُمْ بِمَا رَأَتْ عَيْنَايَ السَّاعَةَ، رَأَيْتُ عِيراً لَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَ هِيَ ثَلَاثَةٌ وَ عِشْرُونَ جَمَلًا يَقْدُمُهَا أَرْمَكُ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ، وَ فِيهِمَا غُلَامَانِ، أَحَدُهُمَا صَبِيحٌ وَ الْآخَرُ رِيَاحٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، وَ رَأَيْتُ عِيرَكَ يَا أَبَا هِشَامِ بْنَ الْمُغِيرَةِ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، وَ هِيَ ثَلَاثُونَ بَعِيراً يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَحْمَرُ فِيهَا مَمَالِيكُ أَحَدُهُمْ مَيْسَرَةُ، وَ الْآخَرُ سَالِمٌ، وَ الثَّالِثُ يَزِيدُ، وَ قَدْ وَقَعَ بِهِمْ بَعِيرٌ بِمَحْمِلِهِ فَمَرَرْتُ بِهِمْ وَ هُمْ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ حَمْلَهُ، وَ الْعِيْرُ تَأْتِيكُمْ فِي يَوْمِ كَذَا وَ كَذَا وَ هِيَ سَاعَةُ كَذَا وَ كَذَا، وَ وَصَفَ لَهُمْ جَمِيعَ مَا رَأَوْهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَمَّا مَا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَدْ وَصَفْتَ جَمِيعَ مَا

59

رَأَيْنَا، وَ أَمَّا الْعِيرُ فَقَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً، فَإِنْ وَافَقَ قَوْلُكَ مَا قُلْتَ لَنَا، وَ إِلَّا عَلِمْنَا أَنَّكَ كَذَّابٌ، وَ أَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْبَاطِلُ.

فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعِيرَ تَأْتِيهِمْ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَ هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَتَّى رَكِبَا نَاقَتَيْهِمَا وَ تَوَجَّهَا يَسْتَقْبِلَانِ الْعِيرَ فَرَأَوْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَفَهُ لَهُمَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَسَأَلَا غِلْمَانَهُمَا عَنْ جَمِيعِ مَا كَانُوا فِيهِ، فَأَخْبَرُوهُمَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَلَمَّا أَقْبَلَا قَالا لَهُمَا: مَا صَنَعْتُمَا؟ قَالُوا جَمِيعاً: لَقَدْ رَأَيْنَا جَمِيعَ مَا قُلْتَ، وَ مَا يَعْلَمُ أَحَدٌ السِّحْرَ إِلَّا إِيَّاكَ وَ إِنَّكَ لَشَيْطَانٌ عَالِمٌ، وَ لَوْ رَأَيْنَا مَلَائِكَةً مِنَ السَّمَاءِ تَنْزِلُ عَلَيْكَ لَمَا صَدَّقْنَاكَ، وَ لَا قَبِلْنَا قَوْلَكَ، وَ لَا قُلْنَا:

إِنَّكَ رَسُولٌ وَ لَا نَبِيٌّ وَ لَا آمَنَّا بِمَا تَقُولُ أَبَداً، افْعَلْ مَا شِئْتَ فَهُوَ

سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ‏

، أَ وَعَدْتَنَا أَمْ لَمْ تُوعِدْنَا.

فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام).

13

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَاطِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ:

مُطِرَ النَّاسُ مَطَراً شَدِيداً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَرَجَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يَمْشِيَانِ فَتَبِعَهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ قَدْ بَرَزَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: مَا سَرَّنِي تَخَلُّفُكَ، وَ لَقَدْ سُرِرْتُ بِمَجِيئِكَ يَا عَلِيُّ، فَإِذَا هُمْ بِرِمَايَةٍ قَدِ انْقَضَّتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَيْهِمَا أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَمَصَّهَا ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَمَصَّهَا حَتَّى أَتَى عَلَى مَا أَرَادَ، قَالَ النَّبِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ لَا هَذَا طَعَامٌ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ لَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ لَأَطْعَمْتُكَ، ثُمَّ كَسَرَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نِصْفَيْنِ فَأَخَذَ النَّبِيُّ نِصْفَهَا وَ أَعْطَى عَلِيّاً نِصْفَهَا فَأَكَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ‏

60

وَ آلِهِ) مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَ أَكَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَ انْصَرَفَ أَبُو بَكْرٍ خَائِباً

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

14

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ بَيَّاعِ السَّابِرِيِّ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) جَالِساً إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تُنَحِّلُ نَفْسَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ وَ الْمَلَائِكَةُ تُنْزِلُ الْوَحْيَ عَلَيْكَ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَأَخْبِرْنَا عَنْ جَمِيعِ مَا نَسْأَلُكَ بِهِ، فَقَالَ اسْأَلُونِي عَمَّا بَدَا لَكُمْ، فَإِنْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ وَ خَبَرٌ أُنَبِّئْكُمْ بِهِ، وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ اسْتَأْجَلْتُكُمْ أَجَلًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) فَأُخْبِرَكُمْ بِهِ.

وَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- أَخْبِرْنِي عَمَّا صَنَعْتُ فِي مَنْزِلِي، فَإِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ (عليه السلام) كَانَ يُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ وَ مَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنْ كُنْتَ نَبِيّاً كَمَا تَزْعُمُ فَأَخْبِرْنَا عَمَّا نَعْمَلُ فِي بُيُوتِنَا وَ مَا نَدَّخِرُ فِيهَا.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا أَبَا جَهْلٍ لَوْ كُنْتَ رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ عَلَيَّ وَ كَلَّمَتْنِي الْمَوْتَى مَا كُنْتَ تُؤْمِنُ أَنْتَ وَ لَا أَصْحَابُكَ أَبَداً، وَ سَأُخْبِرُكَ بِجَمِيعِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا جَهْلٍ فَإِنَّكَ دَفَنْتَ ذَهَباً فِي مَنْزِلِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، وَ نَكَحْتَ خَادِمَتَكَ السَّوْدَاءَ سِرّاً مِنْ أَهْلِكَ لَمَّا فَرَغْتَ مِنْ دَفْنِ الْمَالِ. وَ أَمَّا أَنْتَ يَا هِشَامَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فَإِنَّكَ جَهَّزْتَ جِهَازاً وَ أَمَرْتَ الْمُغِيرَةَ لِيَخْرُجَ فِي ذَلِكَ الْجِهَازِ، فَإِنْ أَنْتَ أَتْمَمْتَ مَا نَوَيْتَ فِي نَفْسِكَ عَطِبَ ابْنُكَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ وَ لَمْ تَلْقَ مَا تُحِبُّ فَأَخْرَجَ هِشَامٌ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ مُعَانِداً كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَلَمَّا تَوَجَّهَ لَمْ يَسِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ وَ قُتِلَ ابْنُهُ وَ رَأَى جَمِيعَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏

61

وَ سَلَّمَ) وَ كَتَمَ هِشَامٌ مَا أَصَابَهُ فِي ابْنِهِ. فَجَاءَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ: مَا مَنَعَكَ يَا هِشَامُ أَنْ تُخْبِرَنَا مَا أُصِبْتَ بِهِ فِي مَالِكَ وَ وَلَدِكَ لَئِنْ لَمْ تُخْبِرْهُمْ لَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا أَبَا الْمُغِيرَةِ مَا الَّذِي أُصِبْتَ بِهِ؟ قَالَ: مَا أُصِبْتُ بِشَيْ‏ءٍ وَ لَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ إِلَّا بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ (عليه السلام) عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَنَّ اللُّصُوصَ قَطَعُوا عَلَى ابْنِكَ الطَّرِيقَ وَ أَخَذُوا جَمِيعَ مَالِكَ وَ أُصِبْتَ بِابْنِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ هِشَامٌ، وَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ تَكْفُفْ قَتَلْنَاكَ عَنْوَةً فَإِنَّكَ لَمْ تَزَلْ تُؤْذِينَا وَ تُخْبِرُنَا بِمَا نَكْرَهُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تَسْأَلُونَنِي حَتَّى إِذَا أَنْبَأْتُكُمْ تَجْزَعُونَ لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي بِقَوْلِ الْحَقِّ عَنِ اللَّهِ.

فَسَكَتَ هِشَامٌ فَقَامَ مُغْتَمّاً بِشَمَاتَتِهِ، وَ قَالَ لِأَبِي جَهْلٍ: مَا تَقُولُ فِي الذَّهَبِ الَّذِي دَفَنْتَهُ فِي بَيْتِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا وَ نِكَاحِكَ السَّوْدَاءَ؟ قَالَ مَا دَفَنْتُ ذَهَباً وَ لَا نَكَحْتُ سَوْدَاءَ، وَ لَا كَانَ مِمَّا ذَكَرْتَ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَئِنْ لَمْ تُقِرَّ عَلَيْهِ، دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ مَالَكَ الَّذِي دَفَنْتَهُ، وَ لَأُرْسِلَنَّ إِلَى السَّوْدَاءِ حَتَّى أَسْأَلَهَا فَتُخْبِرَ بِالْحَقِّ.

فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَعَكَ رِجَالًا مِنَ الْجِنِّ يُخْبِرُونَكَ بِجَمِيعِ مَا تُرِيدُ وَ أَمَّا أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ نَقُولَ فِيكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ فَلَسْتَ هُنَاكَ فَقَالَ: وَ لِمَ يَا لُكَعُ؟ أَ لَسْتُ أَكْرَمَكُمْ حَسَباً، وَ أَطْوَلَكُمْ قَصَباً؛ وَ أَفْضَلَكُمْ نَسَباً، وَ خَيْرَكُمْ أُمّاً وَ أَباً، وَ قَبِيلَتِي خَيْرَ قَبِيلَةٍ؟ أَ تَجْزَعُ أَنْ تَقُولَ إِنِّي نَبِيٌّ وَ اللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ وَ أَقْتُلَنَّ شَيْبَةَ، وَ لَأَقْتُلَنَّ الْوَلِيدَ، وَ لَأَقْتُلَنَّ جَبَابِرَتَكُمْ وَ أَشْرَارَكُمْ وَ لَأُوطِيَنَّ دِيَارَكُمْ بِالْخَيْلِ، وَ آخُذُ مَكَّةَ عَنْوَةً، وَ لَا تَمْنَعُونِّي شَيْئاً، شِئْتُمْ أَمْ أَبَيْتُمْ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَوَ اللَّهِ مَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ‏

62

(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قُرَيْشاً بِيَدِهِ شَرَّ قِتْلَةِ، وَ جَمِيعُ مَنْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَ خِيَارِهِمْ فَصَحَّ جَمِيعُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا غَادَرَ مِنْهُ حَرْفاً

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

15

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ الْجَلَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ وَ صَفْوَانُ الْجَمَّالُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ‏

: لَمَّا رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالسَّيْفِ، وَ كَانَ الَّذِي رَمَاهُ بِهِ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ فَغَمَزَهُ فِي الْأَرْضِ غَمْزَةً شَدِيدَةً، حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُحْلَفُ بِأَعْظَمَ مِنْهُ لَئِنْ مَكَّنَنِي اللَّهُ مِنْكَ يَا عُقْبَةُ لَأَقْتُلَنَّكَ، فَقَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَ قَدْ جِي‏ءَ بِهِ أَسِيراً فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَ صَدَقَ مَا قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

16- وَ عَنْهُ عَنِ الْخَضِرِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ النَّخَعِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِنَانِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَا مَعَاشِرَ أَصْحَابِي يَأْتِيكُمُ السَّاعَةَ تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ آلِ غَسَّانَ فَيُسْلِمُ سَبْعَةٌ وَ يَرْجِعُ رَجُلَانِ كَافِرَانِ، وَ لَا يَصِلَانِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ حَتَّى يُبْلَيَانِ بِبَلِيَّةٍ، أَحَدُهُمَا يَأْكُلُهُ السَّبُعُ وَ الْآخَرُ يَعَضُّهُ بَعِيرُهُ فَيُورِثُهُ حُمْرَةً وَ بَعْدَ الْحُمْرَةِ أَكِلَةً، فَيَمُوتُ وَ يَلْحَقُ بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ.

فَلَمَّا أَصْبَحَ أَقْبَلَ النَّفَرُ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: إِنَّ مُحَمَّداً لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ مِنَ الْجِنِّ هَؤُلَاءِ كَانُوا أَحْسَنَهُمْ قَوْلًا، وَ قَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ كَذَّابٌ مَجْنُونٌ، فَأَسْلَمَ مِنَ الْقَوْمِ سَبْعَةٌ، وَ رَجَعَ اثْنَانِ كُفَّاراً

63

بِمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

17- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَبَلَةَ التَّمَّارِ، عَنْ حَامِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّيَّاتِ، عَنْ صَنْدَلٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرَزْدَقٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِالرِّسَالَةِ جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْخُزَاعِيِّ، وَ هُوَ فِي غَنَمٍ لَهُ يَطْرُدُهُ عَنْهَا كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ فَقَالَ فِي الْكَرَّةِ الرَّابِعَةِ: مَا رَأَيْتُ أَصْفَقَ وَجْهاً مِنْكَ ذِئْباً، قَالَ الذِّئْبُ: بَلْ أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ هُوَ أَصْفَقُ مِنِّي وَجْهاً، فَقَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: مَنْ هُوَ يَا ذِئْبُ؟ قَالَ لَهُ: أَنْتَ قَالَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟

قَالَ الذِّئْبُ: هَذَا النَّبِيُّ ظَهَرَ بَيْنَكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ أَنْتُمْ لَا تُجِيبُونَهُ. قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ الذِّئْبُ: أَقُولُ الْحَقَّ. قَالَ لَهُ: وَ أَيْنَ هُوَ؟

قَالَ: بِيَثْرِبَ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: وَ مَنْ يَحْفَظُ غَنَمِي؟ قَالَ الذِّئْبُ: أَنَا أَحْفَظُهَا حَتَّى تَذْهَبَ إِلَيْهِ فَتُؤْمِنَ بِهِ، قَالَ الذِّئْبُ: اللَّهَ لَكَ بِذَلِكَ قَالَ:

فَلَمْ يَزَلْ فِي غَنَمِهِ يَحْفَظُهَا حَتَّى وَصَلَ الْأَشْعَثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ مَعَ الذِّئْبِ وَ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَادَ إِلَى غَنَمِهِ وَ الذِّئْبُ يَحْفَظُهَا، فَدَفَعَ لِلذِّئْبِ سَخْلَةً مِنْ غَنَمِهِ، فَأَكَلَهَا الذِّئْبُ وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

18- وَ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليهما السلام) قَالَ:

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى غَزَاةِ تَبُوكَ وَ خَلَّفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ سَائِرَ مَنْ بِهَا، فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَ قَالُوا مَا بَالُ عَلِيٍّ مُقَدَّمٌ فِي كُلِّ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ قَدْ أَخَّرَهُ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِالْمَدِينَةِ وَ مَا هَذَا إِلَّا اجْتِزَاءً عَنْ عَلِيٍّ، وَ بُغْضاً لَهُ لِئَلَّا يَشْهَدَ فَضْلَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى وَافَى مُعَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالَ:

64

فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي يَا عَلِيُّ مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّكَ مَا خَلَّفْتَنِي بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مِنْ بُغْضِكَ لِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ يَا عَلِيُّ كَيْفَ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ يُخْبِرُنِي مُشَافَهَةً- حَيْثُ أُسْرِيَ بِي إِلَيْهِ- أَمَرَنِي أَنْ أُوَاخِيَكَ وَ أُزَوِّجَكَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِي سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ زَوَّجَكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكَ جَمِيعَ عِلْمِي وَ لَا أَتْرُكَكَ، وَ أَنْ أُقَرِّبَكَ وَ لَا أَجْفُوَكَ، وَ أُدْنِيَكَ وَ لَا أُقْصِيَكَ، وَ أَنْ أَصِلَكَ وَ لَا أَقْطَعَكَ وَ أَنْ أُرْضِيَكَ وَ لَا أُسْخِطَكَ، وَ أَنْتَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ لَا يُعْطَى أَحَدٌ الشَّفَاعَةَ غَيْرِي وَ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُشْرِكَكَ فِيهَا مَعِي فَفَعَلَ، فَمَنْ لَهُ مِثْلُ مَا لَكَ، وَ مَنْ أُعْطِيَ مِثْلَمَا أُعْطِيتَ.

يَا عَلِيُّ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى حِينَ خَلَّفَهُ فِي قَوْمِهِ.

فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ذَلِكَ رَجَعَ عَلِيٌّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْتَبْشِراً مَسْرُوراً، وَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ النَّاسُ مَعَهُ، فَشَكَوُا الْعَطَشَ فَقَالَ لِلنَّاسِ: اطْلُبُوا الْمَاءَ فَلَمْ يُصِيبُوا قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً، حَتَّى خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَ مَاتَ بَعْضُهُمْ وَ بَعْضُ دَوَابِّهِمْ فَلَمَّا رَأَوْا مَا نَزَلَ بِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَسْقِينَا رِيّاً مِنَ الْمَاءِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْحَثْ بِيَدِكَ هَذَا الصَّعِيدَ، وَ ضَعْ قَدَمَيْكَ وَ إِصْبَعَيْكَ الْمُسَبِّحَتَيْنِ فَيَنْفَجِرَ

اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً*

كَمَا انْفَجَرَتْ لِمُوسَى (عليه السلام) فَوَضَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَشْرَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ وَ سَبَّابَتَيْهِ، وَ سَمَّى بِاسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ دَعَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، لِلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ إِصْبَعاً، وَ فَاضَ الْمَاءُ حَتَّى مَلَأَ الْوَادِيَ وَ الْبُقْعَةَ وَ شَرِبَ النَّاسُ وَ سَقَوْا دَوَابَّهُمْ، وَ حَمَلُوا مِنَ الْمَاءِ مَا كَفَاهُمْ إِلَى الْمَاءِ الْآخَرِ وَ أُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِثْلَ الَّذِي أُعْطِيَ مُوسَى (عليه السلام) وَ مَوْضِعُ الْمَاءِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقِ الْحُدَيْثَةِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

65

19- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَوَارِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَزِيدَ الطَّرِيقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَهْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ دَعَا النَّاسَ إِلَى دِينِ اللَّهِ أَبَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ وَ كَذَّبَتْهُ وَ جَمِيعُ الْعَرَبِ فَبَقِيَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُسْتَجِيراً فِي الْبِلَادِ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ، وَ كَانَ يَخْرُجُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى الشِّعَابِ فَيُصَلِّيَانِ فِيهَا سِرّاً مِنْ قُرَيْشٍ، وَ مِنَ النَّاسِ، وَ كَانَتْ خَدِيجَةُ (عليها السلام) تَخَافُ عَلَيْهِمَا أَنْ تَقْتُلَهُمَا قُرَيْشٌ، فَجَاءَتْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي لَسْتُ آمَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلَى عَلِيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَقْتُلُوهُمَا، فَإِنِّي أَرَاهُمَا يَذْهَبَانِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ يُصَلِّيَانِ فَأَتَاهُمَا أَبُو طَالِبٍ، وَ قَالَ لَهُمَا: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ سَيَكُونُ لَهُ آخِرٌ، وَ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ لَدِينُ اللَّهِ، وَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمَا، فَاتَّقِيَا قُرَيْشاً، فَوَ اللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمَا إِلَّا مِنْ قُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَ مَا أَنْتُمَا بِكَاذِبَيْنِ، وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ يَحْسُدُونَكُمَا، وَ الَّذِي دَعَوْتُمَا إِلَيْهِ عَظِيمٌ عِنْدَهُمْ، وَ إِنَّمَا تُرِيدَانِ أَنْ تُقَلِّبَاهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَ دِينِ آبَائِهِمْ إِلَى دِينٍ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ يَسْتَعْظِمُونَ مَا تَدْعُوَانِهِمْ إِلَيْهِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لَأَمْلِكَنَّ رِقَابَهُمْ، وَ لَأَطَأَنَّ بِلَادَهُمْ بِالْخَيْلِ، وَ لَتُسْلِمَنَّ قُرَيْشٌ وَ الْعَرَبُ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وَ لَأَقْطَعَنَّ أَكَابِرَهُمْ جَهْراً وَ لَآخُذَنَّهُمْ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً، وَ هَكَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ (عليه السلام) عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ).

فَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ مِنْ عِنْدِهِمَا وَ هُوَ مِنْ أَسَرِّ النَّاسِ بِمَا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَتَى أَبُو طَالِبٍ خَدِيجَةَ (عليها السلام) وَ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَفَرِحَتْ فَرَحاً شَدِيداً وَ سُرَّتْ بِمَا قَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ، وَ عَلِمَتْ أَنَّهُمَا فِي حِفْظِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)

فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام).

66

20

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَجِيحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَزَّازِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ بنشط عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ‏

لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ دَعَا قُرَيْشاً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَنَفَرَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ وَ قَالُوا يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، لَقَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً عَظِيماً أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ عَلَيْكَ، فَقَدْ كَذَبْتَ عَلَى اللَّهِ وَ مَلَائِكَتِهِ، وَ دَخَلْتَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ السَّحَرَةُ وَ الْكَهَنَةُ.

فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لِمَ تَجْزَعُونَ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى عِبَادَتِهِ؟ وَ اللَّهِ مَا دَعَوْتُكُمْ حَتَّى أَمَرَنِي بِذَلِكَ، وَ مَا أَدْعُوكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا حَجَراً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَ لَا وَثَناً وَ لَا صَنَماً وَ لَا نَاراً، وَ إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا مَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا وَ خَلَقَ الْخَلْقَ جَمِيعاً، وَ هُوَ يَنْفَعُكُمْ وَ يَضُرُّكُمْ، وَ يُمِيتُكُمْ وَ يُحْيِيكُمْ وَ يَرْزُقُكُمْ.

ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ لَتَسْتَجِيبَنَّ إِلَى هَذَا الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ شِئْتُمْ أَمْ أَبَيْتُمْ، طَائِعِينَ أَوْ كَارِهِينَ صَغِيرُكُمْ وَ كَبِيرُكُمْ، فَبِهَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ (عليه السلام) عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ مَا أَنَا بِكَاذِبٍ وَ مَا بِي مِنْ جُنُونٍ وَ لَا سِحْرٍ وَ لَا كِهَانَةٍ، فَقَدْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، فَاسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

21- وَ عَنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ خَالِدٍ الْآبِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ الْحَلَبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ‏

: لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ لِعَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ: أَبْشِرُوا فَوَ اللَّهِ لَأَسُوقَنَّ قُرَيْشاً وَ جَمِيعَ الْعَرَبِ بِعَصَايَ هَذِهِ، طَائِعِينَ أَمْ كَارِهِينَ، وَ لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ إِنْ شَاءَ، أَنْبِئُوهُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِمَا يَسُوءُهُمْ، فَهُوَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ تَفَضُّلٌ عَلَيْكُمْ فَخُذُوا مَا أَعْطَاكُمْ وَ اشْكُرُوهُ وَ احْمَدُوهُ، وَ لَا تَكُونُوا مِثْلَ هَذِهِ‏

67

الْأَعْرَابِ الْجُفَاةِ، وَ قُرَيْشٍ الْحَسَدَةِ الظَّلَمَةِ الْمُفْتَرِينَ‏

، فكان هذا من عجائبه و دلائله (عليه السلام).

22- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ حَمْدَانَ بْنِ الْخَصِيبِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَصِيبِ- وَ كَانَ مُرَابِطاً لِسَيِّدِنَا أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ الصَّيْدَنَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّكَنِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام)، قَالَ:

جَاءَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، وَ قَالُوا: زَعَمْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا فَمَا الَّذِي صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: اتَّخَذَنِي حَبِيباً، وَ الْحَبِيبُ أَقْرَبُ مِنَ الْخَلِيلِ إِلَى خَلِيلِهِ.

قَالُوا: فَإِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً فَمَا صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ:

صَنَعَ بِي مَا صَنَعَ بِمُوسَى، وَ زَادَنِي عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَ كَلَّمَنِي فِي حُجُبِ النُّورِ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ.

قَالُوا: إِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَلَانَ الْحَدِيدَ لِدَاوُدَ حَتَّى عَجَنَهُ بِيَدِهِ بِلَا نَارٍ وَ قَدَّرَهُ فِي السَّرْدِ، وَ عَمِلَ مِنْهُ الدُّرُوعَ وَ الْخُوَذَ، فَمَا الَّذِي صَنَعَ بِكَ؟

قَالَ: صَنَعَ بِي مَا صَنَعَ بِدَاوُدَ وَ زَادَنِي عَلَيْهِ أَنِّي عَلَوْتُ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ عَلَى نَاقَتِيَ الْعَضْبَاءِ مُشْرِفاً عَلَى جَمِيعِكُمْ وَ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ إِخْرَاجِي مِنْ مَكَّةَ فَرَكِبْتُ نَاقَتِي فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فِي رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَ لَيَّنَ لِيَ الْحَجَرَ حَتَّى غَاصَتْ وَ هِيَ بَارِكَةٌ وَ انْقَلَبْتُ مُسْتَلْقِياً عَلَى قَفَايَ فَلَانَ لِيَ الْحَجَرُ حَتَّى تَبَيَّنَ فِيهِ صُورَةُ ظَهْرِي وَ قَفَايَ وَ تَخْطِيطُ شَعْرِي فِي الْحَجَرِ، وَ هَا أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَ لَنْ يَخْفَى ذَلِكَ الْأَثَرُ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ: أَنَا رَأَيْتُ مَبْرَكَ النَّاقَةِ وَ أَثَرَ رِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي الْحَجَرِ فَوْقَ الْجَبَلِ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَمَانِينَ وَ مِائَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ حَجَجْتُ، وَ مَعِي جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ، وَ تَمَسَّحْنَا بِالْمَوْضِعِ‏

68

وَ صَلَّيْنَا عِنْدَهُ.

وَ يَرْجِعُ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

وَ هَذَا سَيْفٌ مِنْ أَسْيَافِكُمْ فَأَعْطُونِيهِ حَتَّى أَجْعَلَهُ مَا شِئْتُمْ بِيَدِي فَقَالُوا: هَذَا سَيْفٌ مِنْ أَسْيَافِنَا فَقَطِّعْهُ لَنَا إِبَراً مُثَقَّبَةً إِلَى الْأَسْفَلِ بِلَا نَارٍ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سَيْفاً مِنْ أَسْيَافِهِمْ فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ بِيَدِهِ إِبَراً مُثَقَّبَةً إِلَى الْأَسْفَلِ بِلَا نَارٍ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ، وَ قَالَ: أَ تُحِبُّونَ أَنْ أُقَطِّعَ لَكُمْ حَمَائِلَهُ إِبَراً؟ قَالُوا: هُوَ مِنْ أَدِيمٍ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ يَجْعَلُهَا اللَّهُ حَدِيداً.

وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ إِلَى حَصًى رَضْرَاضٍ كَانَ جَالِساً عَلَيْهِ فَقَبَضَ مِنْهُ قَبْضَةً وَ قَالَ يَا حَصَى سَبِّحِ اللَّهَ بِكُلِّ لُغَةٍ فِي كَفِّي فَنَطَقَ ذَلِكَ الْحَصَى بِثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ لُغَةً يَثَّبَّتُهَا مَنْ عَرَفَهَا بِتَسْبِيحِ اللَّهِ وَ تَقْدِيسِهِ وَ تَمْجِيدِهِ، وَ الشَّهَادَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ بِالرِّسَالَةِ وَ لِعَلِيٍّ بِالْإِمَامَةِ.

قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ الْجِبَالُ‏

بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ، وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ‏

قَالَ النَّبِيُّ: (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): انْظُرُوا بِأَعْيُنِكُمْ وَ اسْمَعُوا بِآذَانِكُمْ مَا ذَا تُجِيبُ الْجِبَالُ ثُمَّ صَاحَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا جِبَالَ مَكَّةَ وَ مَنْ حَوْلَهَا وَ الرِّيحُ وَ التِّلَاعُ أَجِيبِينِي بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَا أَيُّهَا الطَّيْرُ آوِي إِلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ.

قَالَ فَصَاحَتْ جِبَالُ مَكَّةَ وَ مَا حَوْلَهَا وَ الرِّيحُ وَ التِّلَاعُ، وَ كُلُّ شِعْبٍ بِمَكَّةَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِجَابَةً لِدَعْوَتِكَ وَ طَاعَةً لِأَمْرِكَ، وَ أَقْبَلَتِ الطُّيُورُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ صِغَاراً وَ كِبَاراً، بَرِّيٌّ وَ بَحْرِيٌّ وَ جَبَلِيٌّ وَ سَهْلِيٌّ، حَتَّى انْفَرَشَتْ بِمَكَّةَ وَ سُطُوحَاتِهَا وَ طُرُقَاتِهَا وَ حَجَبَتِ الطَّيْرُ السَّمَاءَ بِأَجْنِحَتِهَا عَنْهُمْ.

فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَى لِعِيسَى إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ وَ إِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَ الْأَبْرَصِ وَ أَنْ يَخْلُقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخَ فِيهِ‏

فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ‏

، وَ نَبَّأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يَأْكُلُونَ وَ مَا يَدَّخِرُون فِي بُيُوتِهِمْ وَ نَحْنُ‏

69

نَسْأَلُكَ أَنْ تُحْيِيَ لَنَا مَيِّتاً، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ قَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِبُرْدَتِيَ السَّحَابِ وَ قَضِيبِيَ الْمَمْشُوقِ ثُمَّ كَلَّمَهُ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ لَا يُفْهَمُ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ يَا عَلِيُّ مَعَهُمْ إِلَى بَلَاطَةٍ مِنْ بَلَاطِهِمْ فَأَحْيِ لَهُمْ مَنْ أَرَادُوا مِنَ الْمَوْتَى فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْبَلَاطَةِ بِظَهْرِ شِعْبِ بَنِي سَعْدٍ قَالُوا: يَا عَلِيُّ هَذَا قَبْرُ سَيِّدٍ مِنْ سَادَاتِنَا مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ، وَ قَدْ مَاتَ قَرِيباً وَ قَدْ دَفَنَّاهُ بِالْأَمْسِ، وَ هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْحَيَاةِ، أَحْيِهِ لَنَا حَتَّى نَسْأَلَهُ، فَدَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْقَبْرِ، وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ ثُمَّ رَكَلَ الْقَبْرَ بِرِجْلِهِ فَارْتَجَّتِ الْأَرْضُ وَ زُلْزِلَتْ حَتَّى خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا يَا عَلِيُّ أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ فَقَالَ عَلِيٌّ لَيْسَ الْأَمْرُ لِي، بَلِ الْأَمْرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هَذَا مَيِّتُكُمْ فَكَلِّمُوهُ، فَإِذَا هُمْ بِالْقَبْرِ قَدِ انْشَقَّ، وَ خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ أَكْفَانِهِ بِعَيْنِهِ وَ اسْمِهِ وَ نَسَبِهِ فَقَالَ: يَا وَيْلَكُمْ يَا مُنَافِقِي قُرَيْشٍ، مَا أَجْرَأَكُمْ عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، أَ وَ لَمْ أُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى شَهَرْتُمُونِي فِي الدُّنْيَا فَوَلَّوْا هَارِبِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَا تَتَمَرَّدُونَ عَلَيَّ وَ إِنَّمَا تَمَرُّدُكُمْ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَا تُقِلْهُمْ فَإِنِّي لَا أُقِيلُهُمْ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَعْدَ أَنْ رَدَّ الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ‏

، فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

23- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ شِهَابٍ الْقُمِّيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَالَ:

لَمَّا أَرْضَعَتْ حَلِيمَةُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَقْبَلَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ: يَا حَلِيمَةُ مَنْ هَذَا الصَّبِيُّ؟ فَقَالَتْ: ابْنُ أَخِي أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ سَنَتُنَا سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ كَمَا تَرَيْنَ فَإِذَا أَرْضَعْتِ هَذَا الصَّبِيَّ مَعَ ابْنِكَ أَضْرَرْتَنَا بِهِ، فَقَالَتْ:

70

وَ اللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ لِهَذَا الصَّبِيِّ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَحَبَّةِ شَيْ‏ءٌ لَا أُحْسِنُ أَصِفُهُ لَكَ، فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ سَرَّحَتْ غَنَمَهَا وَ حَمِيرَهَا مَعَ غَنَمِ النَّاسِ وَ حَمِيرِهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَوْا وَ رَاحَتِ الْأَغْنَامُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ رَاحَتْ غَنَمُ حَلِيمَةَ حَفَلَةً يَكَادُ يَبْدُرُ مَا فِي ضَرْعِهَا مِنَ اللَّبَنِ وَ دَوَابُّهَا بَطِينَةٌ تَكَادُ أَنْ تُفْزَرَ، وَ رَاحَتِ الْأَغْنَامُ عَلَى مَا كَانَتْ تَرُوحُ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: كَيْفَ هَذَا صَارَ إِنَّ أَغْنَامَنَا هَلَكَتْ مِنَ الْجُوعِ، وَ أَغْنَامُ حَلِيمَةَ وَ دَوَابُّهَا تَرُوحُ بَطِينَةً تَكَادُ تَتَفَزَّرُ، وَ ضُرُوعُهَا حَفَلَةٌ، فَقَالَتْ حَلِيمَةُ لِزَوْجِهَا يَا فُلَانُ أَ تَسْمَعُ النَّاسَ مَا يَقُولُونَ؟

قَالَ: يَا حَلِيمَةُ قَدْ رَمَى النَّاسُ غَنَمَكَ وَ دَوَابَّكَ بِأَبْصَارِهِمْ فَإِنِّي خَائِفٌ عَلَى أَمْوَالِنَا أَنْ تَهْلِكَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، فَقَالَتْ لَهُ حَلِيمَةُ: كَلَّا- وَ كَانَتْ مُوَفَّقَةً وَ اللَّهِ يَا فُلَانُ إِنَّا لَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَ إِلَهُنَا رَزَقَنَا مَا تَرَى حَتَّى يَكُونَ لَدَيْنَا عَظِيماً فَلَمَّا انْتَشَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ صَارَ يَخْرُجُ مَعَ الرُّعَاةِ إِلَى الْبَرِيَّةِ كَانَ يَتَجَلَّى لَهُ جِبْرِيلُ (عليه السلام) فَيَفْزَعُ فَفَطَنَتْ بِهِ حَلِيمَةُ فَكَانَتْ تَكْتُمُ ذَلِكَ زَمَاناً حَتَّى أَتَاهَا صَبِيٌّ مِنَ الصِّبْيَانِ فَأَخْبَرَهَا بِخَبَرِهِ فَلَمْ تَدْرِ حَلِيمَةُ مَا تَصْنَعُ، فَاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً، وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَسْرَعِ النَّاسِ شَبَاباً حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، فَآمَنَتْ بِهِ حَلِيمَةُ وَ زَوْجُهَا وَ عَلِمَا أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِمَّا كَانَا يَرَيَاهُ فِي مَنَازِلِهِمَا مِنَ الْخَيْرِ وَ الْبَرَكَةِ

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

24- وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ وَ كَانَ جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ رَاوِياً عُلُومَ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) قَالَ:- وَ كَانَ الْحَسَنُ عَمُّهُ مِنْ فُقَهَاءِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ- (عليهم السلام):

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) الرِّسَالَةَ وَ الْوَحْيَ بِمَكَّةَ وَ أَرَاهُمُ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةَ وَ الْبَرَاهِينَ الْمُبْهِرَةَ تَحَيَّرَتْ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ فِيمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُ‏

71

(عليه السلام) اجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ قَالُوا لِذِي الرَّأْيِ مِنْهُمْ مَا ذَا تَرَوْنَ مِنَ الرَّأْيِ فِي مَا يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ السَّحَرَةِ وَ الْكَهَنَةِ وَ الْجِنِّ وَ أَتَى بِشَيْ‏ءٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ أَحَدٌ حَتَّى نَسْأَلَ مُحَمَّداً مِنْ أَيْنَ أَتَى بِهِ فَلَمْ يُدْعَ بِدِينِهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ لَا الْكَهَنَةِ وَ السَحَرَةِ وَ لَا الْجِنِّ الْمُسَخَّرَةِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَ لَا مُعْجِزَةٍ إِلَّا وَ قَدْ أَتَاهُمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِمِثْلِهَا وَ أَعْظَمَ مِنْهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اجْمَعُوا عَلَى أَنْ نَسْأَلَهُ أَنْ يَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِي السَّمَاءِ وَ يُنْزِلَهُ إِلَى الْأَرْضِ شُعْبَتَيْنِ فَإِنَّ الْقَمَرَ مَا سَمِعْنَا مِنْ سَائِرِ النَّبِيِّينَ أَحَداً يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَمَا قَدَرَ عَلَى الشَّمْسِ فَإِنَّهَا رَجَعَتْ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ (عليه السلام) وَصِيِّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تُرَدُّ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) قَالَ:

فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ

وَ هُوَ النُّمْرُودُ ثُمَّ رُدَّتْ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَى عَهْدِ مُوسَى (عليه السلام) فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَنَا آيَةً إِنْ أَتَيْتَ بِهَا آمَنَّا بِكَ وَ صَدَّقْنَاكَ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ اسْأَلُونِي فَإِنِّي أُنَبِّئُكُمْ بِكُلِّ آيَةٍ لَوْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ.

فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ الْوَعْدُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَ طُلُوعُ الْقَمَرِ، تَقِفُ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ فَتَسْأَلُ رَبَّكَ الَّذِي تَقُولُ إِنَّهُ أَرْسَلَكَ رَسُولًا أَنْ يَشُقَّ لَكَ الْقَمَرَ شُعْبَتَيْنِ، وَ يُنْزِلَهُ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى يَنْقَسِمَ قِسْمَيْنِ، وَ يَقَعَ الْقِسْمُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ، وَ الْقِسْمُ الثَّانِي عَلَى الصَّفَا.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): فَهَلْ أَنْتُمْ مُؤْمِنُونَ بِمَا قُلْتُمْ إِنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ.

قَالُوا: نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ، وَ تَسَامَعَ النَّاسُ وَ أَتَوْا إِلَى سَوَادِ اللَّيْلِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَى الْبَيْتِ وَ حَوْلِهِ حَتَّى أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَ اسْوَدَّ وَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَ أَنَارَ،

72

وَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ، فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ وَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ قَالُوا لَهُ: الْآنَ بَطَلَ سِحْرُكَ وَ كِهَانَتُكَ، هَذَا الْقَمَرُ فَأَوْفِ بِعَهْدِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ قِفْ بِجَانِبِ الصَّفَا، وَ هَرْوِلْ إِلَى الْمَشْعَرَيْنِ وَ نَادِ بِهَذَا إِظْهَاراً وَ قُلْ فِي نِدَائِكَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَ زَمْزَمَ وَ الْمَقَامِ وَ مُرْسِلَ هَذَا الرَّسُولِ التِّهَامِيِّ ائْذَنْ لِلْقَمَرِ أَنْ يَنْشَقَّ وَ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَقَعَ نِصْفُهُ عَلَى الصَّفَا وَ نِصْفُهُ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ فَقَدْ سَمِعْتَ سِرَّنَا وَ نَجْوَانَا وَ أَنْتَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ».

فَتَضَاحَكَتْ قُرَيْشٌ وَ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً اسْتَشْفَعَ بِعَلِيٍّ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَ لَا ذَنْبَ لَهُ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) لَقَدْ أَشْمَتَنَا اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ أَخِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) اخْسَأْ يَا مَنْ أَتَبَّ اللَّهُ يَدَيْهِ، وَ لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ وَ لَا بَنُوهُ، وَ تَبَيَّنَ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ.

فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَأَفْضَحَنَّكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالْقَمَرِ وَ شَقِّهِ وَ إِنْزَالِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَ لَأَفْلَتَ كَلَامُكَ هَذَا الَّذِي إِذَا كَانَ غَداً جَعَلْتَهُ سُورَةً، وَ قُلْتَ هَذَا أُوحِيَ إِلَى أَبِي لَهَبٍ.

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) امْضِ يَا عَلِيُّ فِيمَا أَمَرْتُكَ وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الْجَاهِلِينَ، ثُمَّ هَرْوَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَشْعَرَيْنِ، وَ نَادَى وَ أَسْمَعَ بِالدُّعَاءِ فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى كَادَتِ الْأَرْضُ أَنْ تَسِيخَ بِأَهْلِهَا وَ السَّمَاءُ أَنْ تَقَعَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ أَعْجَزَكَ شَقُّ الْقَمَرِ أَتَيْتَنَا بِسِحْرِكَ لِتَفْتِنَّا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) هَانَ عَلَيْكُمْ بِمَا دَعَوْتُ بِهِ فَإِنَّ السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ لَا يُهَوَّنُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَ لَا يُطِيقَانِ سَمَاعَهُ، فَقُومُوا بِأَجْمَعِكُمْ وَ انْظُرُوا إِلَى الْقَمَرِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَ‏

73

نِصْفَيْنِ نِصْفاً وَقَعَ عَلَى الصَّفَا وَ نِصْفاً وَقَعَ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ، فَأَضَاءَتْ دَاخِلَ مَكَّةَ وَ أَوْدِيَتَهَا وَ صَاحَ الْمُنَافِقُونَ: أَهْلَكَنَا مُحَمَّدٌ بِسِحْرِهِ يَا مُحَمَّدُ افْعَلْ مَا شِئْتَ فَلَنْ نُؤْمِنَ بِكَ وَ لَا بِمَا جِئْتَنَا بِهِ.

ثُمَّ رَجَعَ الْقَمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنَ الْفَلَكِ، وَ أَصْبَحَ النَّاسُ يَلُومُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ: وَ اللَّهِ لَنُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ وَ لَنُقَاتِلَنَّكُمْ مَعَهُ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ سَقَطَتِ الْحُجَّةُ وَ تَبَيَّنَ الْأَعْذَارُ وَ أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُورَةُ أَبِي لَهَبٍ وَ اتَّصَلَتْ بِهِ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً فَعَلَ مَا قُلْتُهُ لَهُ فِي تَأْلِيفِهِ لَهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ لِيَشْنَعَنِي بِهِ، وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّداً يُعَادِينِي لِكُفْرِي بِهِ وَ تَكْذِيبِي لَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ خَاصَّةً لِسَبَبِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَهُ أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِمَا أَتَتْ أُمُّهُ بِتِلْكَ الْفَاحِشَةِ وَ أَحْرَقَهَا أَبُونَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى الصَّفَا وَ كَانَ أَشَدَّهُمْ لَهُ جَحْداً الْحَارِثُ وَ الزُّبَيْرُ وَ أَبُو طَالِبٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى إِنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَلْحَقْتُ الْعَبَّاسَ بِالنَّسَبِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَلَّفَ هَذَا وَ يَزْعُمُ أَنَّهَا سُورَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَوَ حَقِّ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَوْ أَتَى مُحَمَّدٌ بِمَا يَمْلَأُ الْأُفُقَ مِنَ الْمَدْحِ مَا آمَنْتُ بِهِ وَ لَا فِيمَا جَاءَ بِهِ وَ لَوْ عَذَّبَنِي رَبُّ الْكَعْبَةِ بِالنَّارِ.

فَآمَنَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سِتُّمِائَةٍ وَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَ أَكْثَرُهُمْ أَسَرَّ إِيمَانَهُ وَ كَتَمَهُ إِلَى أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى الْمَدِينَةِ وَ مَاتَ أَبُو لَهَبٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) وَ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ وَ أَسَرَّ أَبُو سُفْيَانَ وَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَ الْعَبَّاسُ وَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ أَسَرَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِقْدَارَ ثَمَانِينَ رَجُلًا تَحْتَ الْقَدَمِ فَكَانُوا طُلَقَاءَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ إِيمَانُهُمْ وَ هُمْ لَا يُنْظَرُونَ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

25- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِمَكَّةَ عَظُمَ عَلَى قُرَيْشٍ أَمْرُهُ وَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَ مَا كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:

لَيْسَ لَنَا إِلَّا قَتْلُ مُحَمَّدٍ، وَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَا أَقْتُلُهُ لَكُمْ قَالُوا: وَ كَيْفَ‏

74

تَصْنَعُ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَظَلُّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي مَغَارَةِ الْجَبَلِ أَوْ فِي الْوَادِي وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَمْضِي إِلَى جَبَلِ حِرَاءَ فَيَظَلُّ فِيهِ قَالُوا:

وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ إِنَّهُ لَا يَمْشِي عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا قَذَفَهُ حَتَّى يُقَطِّعَهُ قِطَعاً وَ كَيْفَ يَمْضِي مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ فَبَعَثُوا إِلَى رُصَّادِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالُوا: تَجَسَّسُوا لَنَا عَلَيْهِ أَيْنَ يَظَلُّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَ دُورُوا مِنْ حَوْلِ حِرَاءَ فَلَعَلَّ تَلْقَوْنَ مُحَمَّداً فَتَقْتُلُوهُ فَنُكْفَى مَؤُونَتَهُ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَخَذَ بِيَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ خَرَجَ وَ أَصْحَابُهُ لَا يَشْعُرُونَ وَ أَبُو سُفْيَانَ وَ جَمِيعُ الرَّصَدَةِ مُقَنَّعُونَ مِنْ حَوْلِ الْجَبَلِ فَمَا شَعَرُوا حَتَّى وَافَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَيْنَ يَدَيْهِ وَ صَعَدَا جَبَلَ حِرَاءَ فَلَمَّا دَارَا فِي دَوْرَةِ الْجَبَلِ اهْتَزَّ الْجَبَلُ وَ مَاجَ فَفَزِعَ أَبُو سُفْيَانَ وَ مَنْ مَعَهُ وَ تَبَاعَدُوا مِنَ الْجَبَلِ وَ قَالُوا: قَدْ كُفِينَا مَؤُونَةَ مُحَمَّدٍ وَ قَدْ قَذَفَهُ حِرَاءُ وَ قَدْ قَطَّعَهُ، فَاطْلُبُوا مِنْ حَوْلِ الْجَبَلِ فَسَمِعُوا النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هُوَ يَقُولُ اسْكُنْ يَا حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ وَ وَصِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سَمِعْتُ مُحَمَّداً يَقُولُ يَا حِرَاءُ إِنْ قَرُبَ مِنْكَ أَبُو سُفْيَانَ وَ مَنْ مَعَهُ فَارْمِهِمْ بِهَوَامِّكَ حَتَّى تَنْهَشَهُمْ فَتَجْعَلَهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ.

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَ يُلَبِّيهِ مَنْ حَوْلَ جَوَانِبِهِ وَ يَقُولُ سَمْعاً وَ طَاعَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ لَكَ وَ لِوَصِيِّكَ عَلِيٍّ فَسَعَيْنَا عَلَى وُجُوهِنَا خَوْفاً أَنْ نَهْلِكَ بِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَ أَصْبَحُوا وَ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فَقَصُّوا قِصَّتَهُمْ وَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ مَا خَاطَبَهُ بِهِ حِرَاءَ فَقَالَ: أَبُو جَهْلٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ): فَمَا ذَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ؟ قَالُوا: إِنَّكَ سَيِّدُنَا وَ كَبِيرُنَا، فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ نُكَافِحُ مُحَمَّداً بِالسَّيْفِ غَلَبْنَاهُ أَمْ غُلِبْنَا وَ فِي إِحْدَى الْقِتْلَتَيْنِ رَاحَةٌ.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ بَقِيَ لِي كَيْدٌ أَكِيدُهُ فَقَالُوا لَهُ: وَ مَا هُوَ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ فَقَالَ خُبِّرْتُ أَنَّهُ يَسْتَظِلُّ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ تَحْتَ حَجَرٍ عَالٍ وَ فِي يَوْمِنَا هَذَا قَدْ أَتَى الْحَجَرَ وَ اسْتَظَلَّ بِهِ فَنَهُدُّهُ عَلَيْهِ بِجَمْعٍ ذِي قُوَّةٍ فَلَعَلَّنَا نُكْفَى مَؤُنَتَهُ فَقَالُوا: افْعَلْ يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَبَعَثَ يَرْصُدُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏

75

وَ سَلَّمَ) حَتَّى عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ وَ عَلِيٌّ (عليهما السلام) حَتَّى أَتَيَا الْحَجَرَ فَاسْتَظَلَّا بِهِ وَ جَعَلَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّي قَدْ أَرْقُدُ وَ أَبُو سُفْيَانَ يَأْتِيكَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْجَبَلِ بِجَمْعٍ ذِي قُوَّةٍ فَإِذَا صَارَ فِي الْحَجَرِ اسْتَصَعْبَ عَلَيْهِمْ وَ امْتَنَعَ أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ أَيْدِيهِمْ فَأْمُرِ الْحَجَرَ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِمْ فَيَنْقَلِبُ فَيَقْتُلُ الْقَوْمَ جَمِيعاً وَ يُفْلِتُ أَبُو سُفْيَانَ وَحْدَهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا تَفْزَعُوا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا لِيُسْمِعَنَا فَلَا نَمْضِيَ إِلَى الْحَجَرِ وَ مُحَمَّدٌ رَاقِدٌ فِي حَجْرِ عَلِيٍّ فَرَامُوا أَنْ يَهُدُّوا الْحَجَرَ وَ يَقْتَلِعُوهُ فَيُقَلِّبُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ وَ امْتَنَعَ مِنْهُمْ فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي سُفْيَانَ:

إِنَّا لَنَظُنُّ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ قَالَ حَقّاً نَحْنُ نَعْهَدُ أَنَّ هَذَا الْحَجَرَ يَقْلَعُهُ بَعْضُ عَدَدِنَا فَمَا بَالُهُ الْيَوْمَ مَعَ كَثْرَتِنَا لَا يَهْتَزُّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اصْبِرُوا عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَحَسَّ بِهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَصَاحَ بِالْحَجَرِ: انْقَلِبْ عَلَى الْقَوْمِ فَأَتَى عَلَيْهِمْ غَيْرَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ فَمَا اسْتَتَمَّ مِنْ كَلَامِهِ، حَتَّى انْقَلَبَ الْحَجَرُ عَلَيْهِمْ فَتَفَرَّقُوا فَامْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَجَرُ وَ طَالَ حَتَّى كَسَرَ الْقَوْمَ جَمِيعاً تَحْتَهُ غَيْرَ أَبِي سُفْيَانَ فَإِنَّهُ أَقْبَلَ يَضْحَكُ وَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، لَوْ أَحْيَيْتَ لَنَا الْمَوْتَى وَ سَيَّرْتَ الْجِبَالَ وَ أَعْطَاكَ اللَّهُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ لَعَصَيْتُكَ وَحْدِي فَسَمِعَ كَلَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَ اللَّهِ لَتُؤْمِنَنَّ بِي وَ تُطِيعُنِي مُكْرَهاً مَغْلُوباً إِذَا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَ قَدْ أَخْبَرْتَ يَا مُحَمَّدُ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَ إِيْمَانِي بِكَ وَ طَاعَتِي إِيَّاكَ فَهَذَا مَا لَا يَكُونُ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَكَّةَ وَ أُسِرَ أَبُو سُفْيَانَ وَ آمَنَ كُرْهاً وَ أَطَاعَ صَاغِراً مَغْلُوباً.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ (عليه السلام): وَ لَقَدْ وَ اللَّهِ دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْمَدِينَةِ فَنَظَرَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَكَابِرِ رَبِيعَةَ وَ الْيَمَنِ وَ مِصْرَ وَ سَادَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَوَقَفَ أَبُو سُفْيَانَ مُتَحَيِّراً وَ قَالَ: يَا

76

مُحَمَّدُ قَدَّرْتَ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ تَذِلُّ لَكَ حَتَّى تَعْلُوَ دَعْوَاكَ هَذِهِ وَ تَقُولَ مَا تَقُولُ فَقَطَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) خُطْبَتَهُ وَ قَالَ لَهُ: عَلَى رَغْمِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ فَسَكَتَ أَبُو سُفْيَانَ خَجِلًا وَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَئِنْ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ لَأَمْلَأَنَّ يَثْرِبَ خَيْلًا وَ رِجَالًا وَ لَأُخْمِدَنَّ نَارَكَ وَ لَأُعْفِرَنَّ آثَارَكَ فَقَطَعَ النَّبِيُّ خُطْبَتَهُ وَ قَالَ: يَا وَيْلَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدِي فَيَتَقَدَّمُكَ مَنْ هُوَ أَشْقَى مِنْكَ وَ أَمَّا بِعَهْدِي فَلَا وَ بَعْدِي يَكُونُ مِنْكَ وَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ مَا تَقُولُ فِي نَفْسِكَ إِلَّا أَنَّكَ لَا تُطْفِي نُورِي وَ لَا تَقْطَعُ ذِكْرِي وَ لَا يَدُومُ لَكُمْ ذَلِكَ وَ لَيَسْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ إِيَّاه وَ يُخَلِّدُكُمُ النَّارَ وَ لَيَجْعَلَنَّكُمْ شَجَرَتَهَا الَّتِي هِيَ‏

وَقُودُهَا النَّاسُ*

فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى:

الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏

إِلَى تَمَامِ الْآيَةِ وَ الشَّجَرَةُ هِيَ بَنُو أُمَيَّةَ وَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

26

- وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْعَنْبَرِيِّ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِي الْمُطَّلِبِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَالَ:

لَمَّا سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَ أَجَابَهُ عَنْهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَ قَدْ أَسْلَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عِلْمٌ قَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَلْسُنِ الْبَشَرِ أَوْ عَلَى أَلْسُنِ الْمَلَائِكَةِ؟

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَيْحَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْبَشَرُ كَيْفَ آخُذُ عَنْهُمْ؟ وَ اللَّهِ مَا أَتَانِي بِهِ إِلَّا جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ. قَالَ: وَ كَيْفَ تَسْمَعُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ سَمَاعاً بِأُذُنِي وَ مُنْزَلًا عَلَى قَلْبِي قَالَ ابْنُ سَلَامٍ تَعْلَمُ الْغَيْبَ سَمَاعاً يَا رَسُولَ اللَّهِ بِسَمْعِكَ وَ مُنْزَلًا عَلَى قَلْبِكَ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) الْغَيْبُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا سَمَاعٌ، وَ مِنْهَا نَبْتٌ فِي الْقَلْبِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ لَكَ بِذَلِكَ نَسْمَعُهُ وَ نَعْلَمُهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا فِي نَفْسِكَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مِنْ قَوْلِكَ أُومِنُ فَلَعَلَ‏

77

مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: وَ مَتَى قُلْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي نَفْسِي؟ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ: السَّاعَةَ بَيْنَ قَوْلِكَ لِي، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.

27- وَ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عليهما السلام)، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لِجَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ:

يَا جَابِرُ إِنَّ نَفَراً مِنْ شِيعَتِنَا فِي الْحَدِيقَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا لِلْحَدِيثِ وَ التَّذْكَارِ وَ قَدْ وَجَدُوا فِي حَدِيثِهِمْ حَدِيثَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الدِّبَابِ وَ شَكُّوا فِي عِدَّتِهِمْ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ لِيَأْتُوا إِلَيْنَا فَنُخْبِرَهُمْ بِعَدَدِهِمْ وَ أَسْمَائِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ وَ كَيْدِهِمْ لِجَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ، فَبَعَثَ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ إِلَيْهِمْ وَ أَحْضَرَهُمْ عَلَى الْبَابِ وَ أَذِنَ لَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ تَشُكُّونَ وَ نَحْنُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ تَلْقَوْنَا صَبَاحاً وَ مَسَاءً؟ فَقَالَ الْقَوْمُ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ يَا سَيِّدَنَا. وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): تَكَلَّمُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. فَقَالُوا: بِعِلَّةِ خَطَايَانَا وَ كَثْرَةِ ذُنُوبِنَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَا ذَكَرْتَ لَنَا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً مِنْ إِمَامٍ خَبِيرٍ أَخْبِرْنَا يَا سَيِّدَنَا بِقِصَّةِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): أُخْبِرُكُمْ بِقِصَّتِهِمْ وَ عَدَدِ أَسْمَائِهِمْ فَقَالَ الْقَوْمُ: فَرِّجْ عَنَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ يَا سَيِّدَنَا فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُقِلَّ وَ السَّمَاءَ لَمْ تُظِلَّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَّا الِاثْنَيْ عَشَرَ أَصْحَابَ الْعَقَبَةِ أَشَدَّهُمْ لَعْنَةً وَ كُفْراً وَ جَحْداً وَ نِفَاقاً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ مُنْذُ الذَّرْوِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ بَدْوُ كُفْرِهِمْ‏

وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏

فَقَالَ: ضِلِّيلُهُمْ وَ إِبْلِيسُهُمُ الْأَكْبَرُ مُكْرَهاً وَ قَالُوا مُكْرَهِينَ: نَعَمْ، وَ قَالَ إِبْلِيسُهُمْ لِجَحْدِهِ لَا بِغَيْرِ نُطْقٍ فَاسْتَحَالَ ظُلْمَةً وَ كَدَراً وَ أَسَرَّ مَا قَالَ كَمَا أَسَرَّ عِجْلُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ‏

78

(عليه السلام) فَسَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا فَعَلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ وَ الْإِنْكَارِ وَ قَوْلِ الطَّاغُوتِ إِبْلِيسُهُمْ وَ جَاؤُوا مَعَهُ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ إِلَى أَنْ ظَهَرَ وَ ظَهَرُوا فِي الْجَانِّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ‏

مِنْ مارِجٍ‏

...

مِنْ نارِ السَّمُومِ‏

فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ آدَمَ وَ النِّدَاءَ لَهُ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ مِنْ قَتْلِ قَابِيلَ لِهَابِيلَ، وَ نَصْبِهِ لَهُمُ الْمُنَادَّةَ، الطَّاغِيَةَ الْبَاغِيَةَ، الْعَمَالِقَةَ وَ الْفَرَاعِنَةَ وَ الطَّوَاغِيتَ يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ (عليهم السلام) وَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ وَ يَدَّعُونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَهُمْ وَ مَنْ آمَنَ بِهِمْ وَ صَدَّقَهُمْ وَ يُنْظَرُونَ مُمْهَلُونَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.

وَ قَالَ الْقَوْمُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَا سَيِّدَنَا وَ أُولَئِكَ الِاثْنَا عَشَرَ أَصْحَابُ عَقَبَةَ الدِّبَابِ هُمْ إِبْلِيسُ وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَحَدَ عَشَرَ الْأَضْدَادِ؟

قَالَ: هُوَ وَ اللَّهِ وَ هُمْ وَ اللَّهِ خَلْقُهُ، وَ إِنْ قُلْتُ إِنَّ هَؤُلَاءِ أُولَئِكَ حَقّاً أَقُولُ.

فَقَالُوا يَا سَيِّدَنَا، نُحِبُّ أَنْ تُعَرِّفَنَا قِصَّةَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: نَعَمْ أُخْبِرُكُمْ إِنَّ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَدْ سَرَى وَ اللَّيْلُ مُظْلِمٌ مُعْتِمٌ، وَ هُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ الْعَضْبَاءَ، وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ مِنْ حَوْلِهِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْعَقَبَةِ اجْتَمَعَ الِاثْنَا عَشَرَ الْمُنَافِقُونَ فَقَالَ ضِلِّيلُهُمْ وَ إِبْلِيسُهُمْ زُفَرُ: يَا قَوْمِ إِنْ يَكُنْ يَوْمٌ تَقْتُلُونَ فِيهِ مُحَمَّداً فَهَذَا مِنْ لَيَالِيهِ، فَقَالُوا: وَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَ مَا تَعْلَمُونَ شَرَّ هَذِهِ الْعَقَبَةِ وَ صُعُوبَتَهَا وَ هَذَا أَوَانُهُ فَإِنَّهَا لَا يَرْقَى فِيهَا النَّاسُ إِلَّا وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ لِضِيقِ الْمَسْلَكِ.

قَالُوا: مَا ذَا نَصْنَعُ وَ كَيْفَ نَقْتُلُ مُحَمَّداً؟ فَقَالُوا مَا يُمْكِنُ أَنْ نَقْتُلَهُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: وَ لَيْسَ إِنَّمَا يَصْعَدُ وَحْدَهُ قَالَ لَهُمْ: لَا تُؤْمَنُونَ أَنْ يَبْدُرَكُمْ أَصْحَابُهُ فَتُقْتَلُونَ قَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ نَسْتَأْذِنُهُ بِالتَّقَدُّمِ وَ الصُّعُودِ فِي الْعَقَبَةِ وَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنُسَهِّلُ طَرِيقَهَا لَكَ وَ نُلْقِي مِنْ عَسَارَةِ رَصَدِهِ بِأَنْفُسِنَا دُونَكَ وَ لَا تَلْقَاهُ أَنْتَ بِنَفْسِكَ فَإِنَّهُ يَحْمَدُنَا عَلَى ذَلِكَ‏

79

وَ نَتَقَدَّمُهُ قَالُوا: اصْنَعْ مَا ذَكَرْتَ، فَقَالَ: قَدْ فَكَّرْتُ فِي شَيْ‏ءٍ عَجِيبٍ نَقْتُلُ بِهِ مُحَمَّداً وَ لَا يَشْعُرُ بِنَا أَحَدٌ، فَقَالُوا: صِفْ لَنَا مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَقَالَ لَهُمْ نُكِبُّ هَذِهِ الدِّبَابَ الَّتِي فِيهَا الزَّيْتُ وَ الْخَلُّ، وَ نُلْقِي فِيهَا الْحَصَى وَ نَقِفُ فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ فَإِذَا أَحْسَسْنَا بِمُحَمَّدٍ يَرْقَى الْعَقَبَةَ، دَحْرَجْنَا الدِّبَابَ فِي هَذِهِ الظُّلْمَةِ مِنْ ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ، فَتَنْحَطُّ عَلَى وَجْهِ النَّاقَةِ فِي الْجَادَّةِ، لَهَا دَوِيٌّ فَتَذْعَرُ النَّاقَةُ فِي الْجَادَّةِ فَتَرْمِي مُحَمَّداً فَيَتَقَطَّعُ مَعَ نَاقَتِهِ وَ نَسْتَرِيحُ وَ نُرِيحُ الْعَرَبَ وَ الْعَجَمَ مِنْهُ فَقَدْ أَضَلَّنَا وَ جَمِيعَ الْعَالَمِ بِسِحْرِهِ وَ كَذِبِهِ حَتَّى مَا لِأَحَدٍ مَعَهُ طَاقَةٌ.

قَالُوا نِعْمَ مَا رَأَيْتَ وَ نِعْمَ مَا احْتَلْتَ وَ أَشَرْتَ فَجَاؤُوا إِلَى الْعَقَبَةِ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالُوا: فَدَيْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ قَدْ وَصَلْنَا إِلَى الْعَقَبَةِ فَنَحْنُ نَقِيكَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ مَحْذُورٍ، ائْذَنْ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَ فَنَرْقَى هَذِهِ الْعَقَبَةَ الصَّعْبَةَ وَ نَسْتَهِلَ طَرِيقَهَا وَ نَلْقَى رُصْدَانَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذِرْوَتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) امْضُوا لِشَأْنِكُمْ وَ اللَّهُ شَاهِدٌ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَ قَدْ تَوَلَّى إِلَى الْعَقَبَةِ- وَيْحَكَ يَا عُمَرُ سَمِعْتَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ وَ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِمَا أَسْرَرْنَا فَنَهْلِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَزَالُ خَائِفاً وَجِلًا مَرْعُوباً حَتَّى كَأَنَّ مَا أَتَيْنَا بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ خَلِّ عَنِ الصُّعُودِ، فَأَنَا أَتَقَدَّمُكَ وَ الْجَمَاعَةَ.

قَالَ فَتَقَدَّمَ عُمَرُ وَ تَلَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ تَلَاهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ تَلَاهُ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَ أَبُو مُوسَى وَ صَارُوا فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ وَ كَبُّوا مَا كَانَ فِي دِبَابِهِمْ مِنَ الزَّيْتِ وَ الْخَلِّ وَ طَرَحُوا فِيهَا الْحَصَى وَ كَبَّرُوا وَ صَاحُوا يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ خَبِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ وَ لَا فِي ظَهْرِ الْجَبَلِ رَصَدَةٌ وَ لَا غَيْرُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ فَصَعِدَ وَ هُمْ يَرَوْنَ مِنْ ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ ضِيَاءَ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَدَارَةِ الْقَمَرِ يَجْلُو ذَلِكَ اللَّيْلَ فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ، مَعَ مُحَمَّدٍ مِصْبَاحٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: مَا هَذَا الضِّيَاءُ الَّذِي قَدْ أَضَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ حَوْلَهُ؟ فَقَالَ: شَيْ‏ءٌ مِنْ سِحْرِهِ الَّذِي نَعْرِفُهُ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ يَتَوَارَى فَلَمَّا

80

أَحَسُّوا بِالنَّاقَةِ فِي ثُلُثَيِ الْعَقَبَةِ دَحْرَجُوا الدِّبَابَ فِي وَجْهِهَا فَنَزَلَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ فَنَفَرَتِ النَّاقَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ):

إِنَّ اللَّهَ مَعَنا

فَأَسْرَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ كَانَ يَتْلُوهُ مِنْ وَرَائِهِ فِي الطَّرِيقِ وَ قَالَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ تَلَقَّتْهُ الدِّبَابُ فَأَقْبَلَ يَأْخُذُهَا بِرِجْلِهِ فَيَطْحَنُهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَ ضَجَّ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ فَصَاحَ بِهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا

فَقَدْ

مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏

.

وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَدْ نَزَلَ عَنِ النَّاقَةِ فِي وَقْتِ نُفُورِهَا وَ أَخَذَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) زِمَامَ النَّاقَةِ فِي الْعَقَبَةِ فِي أَغْصَانِ دَوْحَةٍ كَانَتْ بِجَانِبِ الْمَسْلَكِ فِي الْعَقَبَةِ وَ سُمِعَ لِلنَّاقَةِ صَرِيخٌ وَ الشَّجَرَةُ تُنَادِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عُقِدَ خِطَامُ نَاقَتِكَ فِي أَغْصَانِي.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَخِي جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الدَّوْحَةُ الَّتِي تُكَلِّمُنِي فَقَالَ: يَا حَبِيبَ اللَّهِ وَ رَسُولَهُ هَذِهِ الدَّوْحَةُ، أَثْلَةٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهَا وُلِدَ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ (عليه السلام) وَ هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُحِبَّةٌ، وَ اللَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تُكَلِّمَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْأَثْلِ كَمَا بَارَكْتَ فِي السِّدْرِ وَ قَدَّمَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) النَّاقَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَتَّى رَكِبَهَا وَ سَارَ وَ هِيَ تَمُرُّ كَمَرِّ السَّحَابِ وَ قَرَّبَ مَا كَانَ بَعِيداً مِنْ مَسْلَكِ هَذِهِ الْعَقَبَةِ حَتَّى صَارَ كَالْأَرْضِ الْبَسِيطَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَدَيْتُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ نَادِ بِالْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا صَارُوا عَلَى ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اجْتَمَعُوا مِنْ حَوْلِهِ وَ قَالُوا فَدَيْنَاكَ بِالْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الْكَيْدُ؟ وَ مَنْ أَكَادَكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَ عَوْنِهِ، وَ انْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ بِهَذَا الْكَيْدِ وَ مَنْ هُوَ أَكَادَنِي، وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ يَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ رُصَّادِهِمْ زِيَادَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ

81

أَصْحَابِ الدِّبَابِ فَنَزَلُوا أَكْثَرُ النَّاسِ وَ اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) سَبْعِينَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ: قِفُوا مَعَنَا فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ مَا أَنَا صَانِعٌ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ السَّبْعُونَ رَجُلًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): هَلْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعَ هَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ مِنْ كَبِّهِمْ مَا كَانَ فِي الْدِّبَابِ مِنْ زَادِهِمْ وَ طَرْحِهِمْ فِيهَا الْحَصَا وَ إِرْسَالِهَا فِي وَجْهِ النَّاقَةِ- نَاقَتِي- مُقَدِّرِينَ نُفُورَهَا بِي وَ سُقُوطِي عَنْهَا مِنْ ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ، فَأَهْلِكَ وَ تُقَطِّعَنِي النَّاقَةُ، وَ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَا قَالَهُ الِاثْنَا عَشَرَ أَصْحَابُ الدِّبَابِ وَ مَا تَشَاوَرُوا فِيهِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِمْ إِلَى آخِرِهِ.

ثُمَّ قَالَ: إِنِّي مُخْتَارٌ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً يَكُونُوا سُعَدَاءَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ كَمَا الِاثْنَيْ عَشَرَ أَصْحَابِ الدِّبَابِ أَشْقِيَاءَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَلَبَّاهُ السَّبْعُونَ رَجُلًا وَ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَ اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مِنَ السَّبْعِينَ رَجُلًا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً: أَوَّلُهُمْ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ الْأَشْهَلِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَ الْبَرَاءُ بْنُ مغرور [مَعْرُورٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَ الْمُنْذِرُ بْنُ لَوْذَانَ، وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ (بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ)، وَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ النَّوْفَلِيُّ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ الْخَزْرَجِيُّ، وَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَ رَافِعُ بْنُ وَرْقَا، وَ بِلَالُ بْنُ رِيَاحٍ الشَّنَوِيُّ.

فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: وَ اللَّهِ مَا حَسَدْتُ أَحَداً وَ لَا خَلَقَنِي اللَّهُ حَاسِداً وَ لَكِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ تَمَنَّيْتُ أَن أَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً فَإِنَّ لِلَّهِ مَا يَشَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ادْنُ مِنِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَ قَالَ مَا يَكْفِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَا حُذَيْفَةُ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْبَلَايَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِلَّهِ الْحَمْدُ، وَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) كُلًّا مِنَ السَّبْعَةِ وَ خَمْسِينَ رَجُلًا الْبَاقِينَ مِنَ السَّبْعِينَ رَجُلًا

82

شَيْئاً مِنْ فَضْلِهِ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: إِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ مَا خَصَّهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَ تَأْذَنُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي الْعَسْكَرِ فَأَجْمَعَ جَمِيعَهُمْ مُصَرِّحاً بِأَسْمَائِهِمْ أَصْحَابِ الدِّبَابِ وَ أَلْعَنَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) افْعَلْ إِذَا شِئْتَ فَصَاحَ حُذَيْفَةُ فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ مُسْمِعاً جَمِيعَ الْعَسْكَرِ الَّذِي نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ جَانِبِ الْعَقَبَةِ إِلَى الْآخَرِ وَ هُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنْ أَفْضَحَ مَنْ دَحْرَجُوا الدِّبَابَ مِنْكُمْ، أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ الْفَاسِقُونَ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، اسْمَعُوا يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ أَنَّ عَدَدَ أَصْحَابِ الدِّبَابِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَ سَمَّاهُمْ وَ نَسَبَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا، ثُمَّ قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَدْ لَعَنَهُمْ وَ لَعَنَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَعَنَهُمُ السَّبْعُونَ رَجُلًا وَ أَمَرَنِي أَنْ أَلْعَنَهُمْ وَ لَعَنَهُمُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ هُوَ يُنَادِي مِلْ‏ءَ صَوْتِهِ: يَا فُلَانُ يَا فُلَانَ الْفُلَانِيِّ: إِنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَكَ لَعْناً كَثِيراً بُقْيَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ لَا يَزُولُ ثُبُوتُهُ وَ لَا يَعْفُو وَ لَا يُصْفَحُ مِنَ اللَّهِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ عَدَدِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَصْحَابِ الدِّبَابِ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ فِي صُعُودِهِمُ الْعَقَبَةَ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَكَانَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ وَ أَصْحَابِ الدِّبَابِ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ الْحُسَيْنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)

قَالَ لَمَّا لَقِيَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ بِرِسَالَةِ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: يَا جَابِرُ كُنْتَ شَاهَدْتَ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَوْمَ الْغَارِ؟ قَالَ جَابِرٌ لَا يَا ابْنَ بِنْتِ‏

83

رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: إِذَنْ أُحَدِّثُكَ يَا جَابِرُ، قَالَ جَابِرٌ: حَدِّثْنِي فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي، فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ جَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) [قَالَ ع: لَمَّا هَرَبَ إِلَى الْغَارِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ كَبَسُوا دَارَهُ لِقَتْلِهِ قال [قَالُوا: اقْصِدُوا فِرَاشَهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ): يَا أَخِي إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَكْبِسُونِّي فِي دَارِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي فِرَاشِي فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ يَا عَلِيُّ.

قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا أَضْطَجِعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي فِرَاشِكَ وَ تَكُونُ خَدِيجَةُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الدَّارِ، وَ اخْرُجْ وَ اصْحَبِ اللَّهَ حَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): فَدَيْتُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَخْرِجْ لِي نَاقَتِيَ الْعَضْبَاءَ حَتَّى أَرْكَبَ عَلَيْهَا وَ أَخْرُجَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هَارِباً مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ افْعَلْ بِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَ اللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ وَ عَلَى خَدِيجَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) رَاكِباً نَاقَتَهُ الْعَضْبَاءَ وَ سَارَ وَ تَلَقَّاهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَصْحَبَكَ فِي مَسِيرِكَ وَ فِي الْغَارِ الَّذِي تَدْخُلُهُ وَ أَرْجِعَ مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ تُنِيخَ نَاقَتَكَ بِبَابِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).

فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصْحَبُكَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أُرِيدُ أَنْ لَا يَشْعُرَ بِي أَحَدٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْشَى أَنْ يَسْتَحْلِفَنِي الْمُشْرِكُونَ عَلَى لِقَائِي إِيَّاكَ وَ لَا أَجِدَ بُدّاً مِنْ صِدْقِهِمْ فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): وَيْحَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَ كُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: كُنْتُ أَفْعَلُ لِئَلَّا أَكْذِبَ وَ أُقْتَلَ، فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): فَمَا صُحْبَتُكَ إِيَّايَ بِنَافِعَتِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوبَكْرٍ وَ لَكِنَّكَ تَسْتَغِشُّنِي وَ تَخْشَى أَنْ أُنْذِرَ بِكَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُ (عليه السلام) سِرْ إِذَا شِئْتَ فَتَلَقَّاهُ الْغَارَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَنْ نَاقَتِهِ وَ أَبْرَكَهَا بِبَابِ الْغَارِ وَ دَخَلَ وَ مَعَهُ جِبْرِيلُ (عليه السلام) وَ أَبُو بَكْرٍ، وَ قَامَتْ خَدِيجَةُ فِي جَانِبِ الدَّارِ بَاكِيَةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ اضْطَجَعَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ يَقِيهِ‏

84

بِنَفْسِهِ، وَ وَافَى الْمُشْرِكُونَ الدَّارَ لَيْلًا فَتَسَاوَرُوا عَلَيْهَا وَ دَخَلُوهَا وَ قَصَدُوا إِلَى الْفِرَاشِ فَوَجَدُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مُضْطَجِعاً فِيهِ، فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَيْهِ وَ قَالُوا: يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَمْ يَنْفَعْكَ سِحْرُكَ وَ لَا خِدْمَةُ الْجِنِّ لَكَ الْيَوْمَ نَسْقِي أَسْلِحَتَنَا مِنْ دَمِكَ.

فَنَهَضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، وَ جَلَسَ فِي الدَّارِ وَ قَالَ: يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالُوا لَهُ: وَ أَيْنَ مُحَمَّدٌ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ، قَالُوا: فَمَنْ فِي الدَّارِ؟

قَالَ مَا فِيهَا إِلَّا خَدِيجَةُ، قَالُوا: الْحَسِيبَةُ النَّسِيبَةُ لَوْ لَا تَبَعُّلُهَا بِمُحَمَّدٍ يَا عَلِيُّ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَوْ لَا حُرْمَةُ أَبِيكَ وَ عِظَمُ مَحَلِّهِ فِي قُرَيْشٍ لَأَعْمَلْنَا أَسْيَافَنَا فِيكَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِىِ‏ء النَّسَمَةِ مَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى، وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُفْنِيَ جَمْعَكُمْ لَكُنْتُمْ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ فَرَاشِ السِّرَاجِ فَلَا شَيْ‏ءَ أَضْعَفُ مِنْهُ.

فَتَضَاحَكَ الْمُشْرِكُونَ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: خَلُّوا عَلِيّاً لِحُرْمَةِ أَبِيهِ وَ اقْصِدُوا الطَّلَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فِي الْغَارِ وَ هُوَ وَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) وَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ جِبْرِيلُ (عليه السلام):

لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا

ثُمَّ كَشَفَ لَهُ (عليه السلام) فَرَأَى عَلِيّاً وَ خَدِيجَةَ (عليهما السلام) وَ رَأَى سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ مَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ،

فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ‏

وَ هُوَ الْأَمَانُ مِمَّا خَشِيَهُ عَلَى عَلِيٍّ وَ خَدِيجَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏

ثانِيَ اثْنَيْنِ‏

يُرِيدُ جِبْرِيلَ (عليه السلام) وَ رَسُولَ اللَّهِ‏

إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏

وَ لَوْ كَانَ الَّذِي حَزِنَ أَبُوبَكْرٍ لَكَانَ أَحَقَّ بِالْأَمْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ لَمْ يَحْزَنْ.

ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي‏

85

أَرَى عَلِيّاً وَ خَدِيجَةَ وَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ خِطَابَهُمْ لَهُ وَ سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ مَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ وَ أَرَى الرَّهْطَ مِنَ الْأَنْصَارِ مُجْلِبِينَ فِي الْمَدِينَةِ، قَالَ أَبُوبَكْرٍ: وَ تَرَاهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَ أَنْتَ فِي الْغَارِ، وَ فِي هَذِهِ الظُّلْمَةِ، وَ مَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ مِنْ بُعْدِ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِنِّي أُرِيكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا رَأَيْتُ حَتَّى تُصَدِّقَنِي وَ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى سَفِينَةِ جَعْفَرٍ، كَيْفَ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ، فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْكُلِّ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ عَلِيٍّ عَلَى الْفِرَاشِ وَ خِطَابِهِ لَهُمْ، وَ خَدِيجَةُ فِي جَانِبِ الدَّارِ، فَفَزِعَ وَ رَعُبَ وَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا طَاقَةَ لِي بِالنَّظَرِ إِلَى مَا رَأَيْتُهُ فَرُدَّ عَلَيَّ غِطَائِي فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ فَحُجِبَ عَمَّا رَآهُ وَ أَخَذَتْهُ رَهْقَةٌ، شَدِيدَةٌ حَتَّى أَحْدَثَ اثْنَيْ عَشْرَةَ حَفِيرَةً.

وَ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْغَارِ صَدْعٌ وَ ثُلْمَةٌ يَدْخُلُ مِنْهَا ضِيَاءُ النَّهَارِ، فَوَضَعَ أَبُوبَكْرٍ كَعْبَهُ فِيهِ لِسَدِّهِ فَنَهَشَتْهُ أَفْعَى فِي عَقِبِهِ وَ لَمْ تَسُمَّهُ فَفَزِعَ وَ أَحْدَثَ فِي الْحُفْرَةِ، وَ لَيْسَ هَذَا صَحِيحاً بَلِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي الْأَحْدَاثِ.

وَ قَصَدَ الْمُشْرِكُونَ فِي الطَّلَبِ لِيَقِفُوا أَثَرَهُ حَتَّى جَاؤُوا إِلَى بَابِ الْغَارِ وَ نَظَرُوا إِلَى مَبْرَكِ النَّاقَةِ وَ لَمْ يَرَوْهَا، وَ قَالُوا: هَذَا أَثَرُ نَاقَةِ مُحَمَّدٍ وَ مَبْرَكُهَا فِي بَابِ الْغَارِ فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا عَلَى بَابِ الْغَارِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ قَدْ أَظَلَّهُ، فَقَالُوا: يَا وَيْلَكُمْ مَا تَرَوْنَ إِلَى نَسْجِ هَذَا الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِ الْغَارِ فَكَيْفَ دَخَلَهُ مُحَمَّدٌ؟ فَصَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَ رَجَعُوا وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مِنَ الْغَارِ وَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَحَدَّثَ الْمُشْرِكِينَ بِخَبَرِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُمْ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِسِحْرِ مُحَمَّدٍ وَ قِصَصٍ يَطُولُ شَرْحُهَا. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ هَكَذَا وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ حَدَّثَنِي جَدُّكَ مَا زَادَ حَرْفاً وَ لَا نَقَصَ حَرْفاً.

28- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْفَوَارِسِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ حُمْدُونٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مِهْرَانَ الْبَصْرِيُّ،

86

عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْقُدْسِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) خَيْبَرَ أَصَابُوا أَوَانِيَ مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ وَ أَزْوَاجاً مِنْ خِفَافٍ وَ نِعَالًا وَ حِمَاراً أَقْمَرَ فَلَمَّا رَكِبَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَالَ لَهُ: يَا حِمَارُ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَتِيقُ بْنُ شِهَابِ بْنِ حَنِيفَةَ، قَالَ: لِمَنْ كُنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ يَهُودِيٍّ، يُقَالُ لَهُ مَرْحَبٌ وَ كُنْتَ إِذَا ذُكِرْتَ يَسُبُّكَ، وَ كُنْتُ إِذَا رَكِبَنِي كَبَوْتُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، وَ كَانَ يُسِي‏ءُ إِلَيَّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَلْ لَكَ مِنْ إِرْبٍ وَ حَاجَةٍ تُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ مِنَ الْإِنَاثِ شَيْئاً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَ لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ أَجْدَادِهِ أَنَّهُ رَكِبَ نَسْلَنَا سَبْعُونَ نَبِيّاً وَ أَنَّ آخِرَ نَسْلِنَا يَرْكَبُهُ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آخِرَ نَسْلٍ فَمَكَثَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (عليه السلام) وَ مَكَثَ الْحِمَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَ تَوَحَّلَ فِي بِئْرٍ فَمَاتَ.

29- وَ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ الْقَصِيرِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقُمِّيِّ عَنْ شَاذَانَ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ مَاهَانَ الْأُبُلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ قَالَ:

حَجَجْنَا فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ وَ بِهَا سَيِّدُنَا جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) دَخَلْنَا عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ صُحُفاً فِيهَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَ هُوَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَ يُطْعِمُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ لِي هَاكَ يَا مُحَمَّدَ بْنَ سِنَانٍ هَذَا التَّمْرَ الصَّيْحَانِيَّ، كُلَّهُ وَ تَبَكَّرْ بِهِ فَإِنَّهُ يَشْفِي شِيعَتَنَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِذَا عَرَفُوهُ، قُلْتُ: مَوْلَايَ عَرَفُوهُ بِمَا ذَا؟ يُدْعَى صَيْحَانِيّاً، قَالَ: عِنْدَ الْعَامَّةِ هَفْوَةً وَ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى التَّمْرَ بِاسْمٍ غَيْرِ هَذَا الْكَلَامِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ، قُلْتُ: لَا وَ اللَّهِ يَا مَوْلَايَ مَا نَعْلَمُ هَذَا إِلَّا مِنْكَ، قَالَ: نَعَمْ، يَا ابْنَ سِنَانٍ هُوَ مِنْ دَلَائِلِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتُ: مَوْلَايَ أَنْعِمْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ.

قَالَ خَرَجَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَابِضاً عَلَى يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُتَوَجِّهاً نَحْوَ حَدَائِقِ ظَهْرِ الْمَدِينَةِ فَكُلُّ مَنْ لَقِيَهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي‏

87

صُحْبَتِهِ، وَ لَمْ يُؤْذِنْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَوَّلِ نَخْلَةٍ فَصَاحَتْ إِلَى الَّتِي تَلِيهَا هَذَا آدَمُ وَ شَيْثٌ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا نُوحٌ وَ سَامٌ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا يَعْقُوبُ وَ يُوسُفُ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا مُوسَى وَ يُوشَعُ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا سُلَيْمَانُ وَ آصَفُ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا عِيسَى وَ شَمْعُونُ الصَّفَا قَدْ أَقْبَلَا وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَ سَائِرُ النَّخْلِ فِي الْحَدَائِقِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ بِهَذَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَيْتُكَ بِأَبِي وَ أُمِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ هَذَا ذِكْرَى لَنَا فَاجْلِسْ بِنَا عِنْدَ أَوَّلِ نَخْلَةٍ نَنْتَهِي إِلَيْهَا فَلَمَّا انْتَهَيَا جَلَسَا وَ مَا كَانَ أَوَانُ حَمْلِ النَّخْلِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَبَا الْحَسَنِ مُرْ هَذِهِ النَّخْلَةَ تَنْثَنِي إِلَيْكَ وَ كَانَتِ النَّخْلَةُ بَاسِقَةً فَدَعَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ: يَا أَيَّتُهَا النَّخْلَةُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَقُولُ لَكَ أَنْ تَنْثَنِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَانْثَنَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَ هِيَ مَمْلُوءَةٌ حَمْلًا رُطَباً جَنِيّاً، فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ:

الْتَقِطْ وَ كُلْ وَ أَطْعِمْنِي فَالْتَقَطَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ رُطَبِهَا وَ أَكَلَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ هَذَا النَّخْلَ يَنْبَغِي أَنْ نُسَمِّيَهُ صَيْحَانِيّاً لِتَصَايُحِهِ وَ تَشْبِيهِهِ لِي وَ لَكَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ هَذَا أَخِي جِبْرِيلُ (عليه السلام) يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) جَعَلَهُ شِفَاءً إِلَى شِيعَتِنَا خَاصَّةً فَأَمَرَهُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ بِمَعْرِفَتِهِ أَنْ يَسْتَضِيئُوا وَ يَتَبَرَّكُوا بِأَكْلِهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَا نَخْلَةُ أَظْهِرِي لَنَا مِنْ أَجْنَاس ثَمَرِ الْأَرْضِ فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حُبّاً وَ كَرَامَةً فَأَظْهَرَتِ النَّخْلَةُ مِنْ كُلِّ الْأَجْنَاسِ، فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) يَقُولُ:

88

هَا يَا نَخْلَةُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكِ أَنْ تُخْرِجِي مِنْ كُلِّ جِنْسٍ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ وَ أَخِيهِ وَ وَصِيِّهِ مِنْ أَجْنَاسِ الثَّمَرِ، فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) يَلْقِطُهُ وَ يَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَكَلَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، فَمَرَّةً يَأْكُلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نِصْفَهَا وَ رَسُولُ اللَّهِ نِصْفَهَا وَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي مِمَّنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَأَسْتَشْفِي اللَّهَ وَ أَتَبَرَّكُ بِفَضْلِ سُؤْرِكَ، وَ سُؤْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَا حَبِيبِي جِبْرِيلُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكَ عَلَيْنَا فَقَالَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَضْلِي إِلَّا بِكُمَا، إِنَّكُمَا أَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْهُ وَ أَزْلَفُهُمْ لَدَيْهِ.

قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) فَارْتَفَعَتِ النَّخْلَةُ وَ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شِيعَتَنَا بِخَبَرِهَا

و قصة تلك النخلة من دلائله و عجائبه (عليه السلام و التحية و الإكرام).

89

الباب الثاني بَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)

90

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

91

مَضَى عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَهُ ثَلَاثٌ وَ خَمْسُونَ سَنَةً، فِي عَامِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَوَّلِ سِنِي الْهِجْرَةِ، وَ كَانَ مُقَامُهُ بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ثَلَاثاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي ظُهُورِ الرِّسَالَةِ، وَ أَقَامَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قُبِضَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَقَامَ بَعْدَهُ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ وَ شُهُوراً، وَ أَيَّامَ عُمَرَ تِسْعَ سِنِينَ وَ شُهُوراً، وَ أَيَّامَ عُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ أَيَّامُهُ (عليه السلام) سِتُّ سِنِينَ، الْجَمِيعُ ثَلَاثُونَ سَنَةً.

وَ مَضَى بِضَرْبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيِّ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.

وَ كَانَ اسْمُهُ عَلِيّاً وَ فِي الْقُرْآنِ مُبِيناً، وَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام)،

وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏

وَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِجَابَةً لِإِبْرَاهِيمَ (عليه السلام):

وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا

وَ قَوْلُهُ:

وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏

وَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ ثَلَثُمِائَةِ اسْمٍ.

وَ رُوِيَتِ الْأَسَانِيدُ الصَّحِيحَةُ وَ وُجِدَتْ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ

92

(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الذَّيِ‏

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ غَضّاً طَرِيّاً كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلْيَسْمَعْهُ مِنْ فَمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَ بِهَذَا كَانَ يَدْعُوهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَبِيهِ‏

، فَفِي قِرَاءَتِهِ: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏، ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً بَيَانَهُ* (1)، وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وَ الْمُنْذِرُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ الْهَادِي عَلِيٌّ (عليه السلام).

وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏ وَ الشَّاهِدُ مِنْهُ عَلِيٌّ (عليه السلام).

وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏

وَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِعَلِيِّ بْنِ دَرَّاعٍ الْأَسَدِيِّ وَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَ هُوَ مُحْتَبٍ فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ أَرِقْتَ مَدَى لَيْلَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَعْلَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَرَقِي؟ فَقَالَ: ذَكَرْتَنِي وَ اللَّهِ فِي أَرَقِكَ، فَإِنْ شِئْتَ ذَكَرْتُكَ وَ أَخْبَرْتُكَ بِهِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ دَرَّاعٍ: أَنْعِمْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: ذَكَرْتَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ قَوْلَ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ):

عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏

فَأَرَقُكَ وَ فِكْرُكَ فِيهِ وَ تَاللَّهِ يَا عَلِيُّ مَا اخْتَلَفَ الْمَلَأُ إِلَّا بِي، وَ مَا لِلَّهِ نَبَأٌ هُوَ أَعْظَمُ مِنِّي، وَ لِي ثَلَاثُمِائَةِ اسْمٍ، لَا يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ بِهَا لِئَلَّا يَكْبُرَ عَلَى قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِفَضْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) عَلَى رَسُولِهِ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ.

اسْمُهُ فِي صُحُفِ شَيْثٍ وَ إِدْرِيسَ وَ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ بِالسُّرْيَانِيِّ: مُبِينٌ،

____________

(1) لا يخفى ان المتفق عليه بين المسلمين ان القرآن هو هذا الذي بين الدفتين لم يزد فيه و لم يغير شي‏ء، و إن اختلاف القراءات في بعض الموارد، و وجود قراءة خاصة لاحد القراء لا يعني اختلاف نسخ القرآن، فالقرآن واحد.

93

وَ بِاللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ الهيولى، وَ الْأَمِينُ، وَ الثَّبَاتُ، وَ الْبَيَانُ، وَ الْيَقِينُ، وَ الْإِيمَانُ، وَ فِي التَّوْرَاةِ: إليا، وَ فِي الزَّبُورِ: إريا، وَ بِلُغَةِ الزَّنْجِ: جينا، وَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: تبريك، وَ سمي يوم القليب- و قد سقط عثمان في البدء من دابته الهلالية فعلق أمير المؤمنين برجله و أخرجه فسمته- ميمونا، و بلسان الأرمن: افرقيا، و باللسان العربي: حَيْدَرَة. و سَمَّاهُ أَبُو طَالِبٍ- وَ هُوَ صَغِيرٌ وَ كَانَ يَصْرَعُ أَكَابِرَ إِخْوَتِهِ- ظَهِيراً.

وَ كَنَّاهُ: أَبُو الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ أَبُو شَبَّرَ وَ أَبُو شَبِيرٍ، و أَبُو تُرَابٍ، وَ أَبُو النُّورِ، وَ أَبُو السِّبْطَيْنِ، وَ أَبُو الْأَئِمَّةِ.

وَ أَلْقَابُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ هُوَ اللَّقَبُ الْأَعْظَمُ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وَحْدَهُ وَ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَ لَا يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ بَعْدَهُ إِلَّا كَانَ مَأْفُوناً فِي عَقْلِهِ وَ مَأْبُوناً فِي ذَاتِهِ، وَ أَمِيرُ النَّحْلِ وَ النَّحْلُ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَ الْوَصِيُّ، وَ الْإِمَامُ، وَ الْخَلِيفَةُ، وَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ، وَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ، وَ الْفَارُوقُ الْأَكْبَرُ، وَ قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، وَ قَاضِي الدَّيْنِ، وَ مُنْجِزُ الْوَعْدِ، وَ الْمِحْنَةُ الْكُبْرَى، وَ صَاحِبُ اللِّوَاءِ، وَ الذَّائِدُ عَنِ الْحَوْضِ، وَ مُهْلِكُ الْجَانِّ، الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ، وَ الْأَصْلَعُ الْأَمِينُ، وَ كَاشِفُ الْكَرْبِ، وَ يَعْسُوبُ الدِّينِ، وَ بَابُ حِطَّةٍ، وَ بَابُ الْمَقَامِ، وَ حُجَّةُ الْخِصَامِ، وَ دَابَّةُ الْأَرْضِ، وَ صَاحِبُ الْقَضَايَا، وَ فَاصِلُ الْقَضَاءِ، وَ سَفِينَةُ الْنَّجَاةِ، وَ الْمَنْهَجُ الْوَاضِحُ، وَ الْمَحَجَّةُ الْبَيْضَاءُ، وَ قَصْدُ السَّبِيلِ، وَ جَزَّارَةُ قُرَيْشٍ، وَ مُفْتِي الْقُرُونِ، وَ مُكِرُّ الْكَرَّاتِ، وَ مُدِيلُ الدَّوْلَاتِ، وَ رَاجِعُ الرَّجْعَاتِ، وَ الْقَرْمُ الْحَدِيدُ، الَّذِي هُوَ فِي اللَّهِ أَبَداً جَدِيدٌ.

وَ أُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ هَاشِمِيُّ ابْنُ هَاشِمِيَّةٍ غَيْرُهُ وَ غَيْرُ إِخْوَتِهِ جَعْفَرٍ وَ طَالِبٍ وَ عَقِيلٍ، وَ ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ ابْنَتَيْهِ زَيْنَبَ وَ أُمِّ كُلْثُومٍ (عليهم السلام)، و مشهده في الذكوات البيض بالغريّين غربي الكوفة.

و في مشهده خبر

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ‏

94

صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْإِمَامِ التَّاسِعِ (عليه السلام) عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ الرِّضَا وَ مُوسَى الْكَاظِمِ وَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عليهم السلام)

أَنَّ الصَّادِقَ (عليه السلام) قَالَ لِشِيعَتِهِ بِالْكُوفَةِ، وَ قَدْ سَأَلُوهُ عَنْ فَضْلِ الْغَرِيَّيْنِ وَ الْبُقْعَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ لِمَ سُمِّيَ الْغَرِيَّانِ غَرِيَّيْنِ فَقَالَ: إِنَّ الْجَبَّارَ الْمَعْرُوفَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، كَانَ يَقْتُلُ أَكَابِرَ الْعَرَبِ وَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنْ جَبَابِرَتِهِمْ وَ كُبَرَائِهِمْ وَ كَانَ الْغَرِيَّانِ عَلَى يَمِينِ الْجَادَّةِ فَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا أَمَرَ بِحَمْلِ دَمِهِ إِلَى جَادَّةِ الْعَلَمَيْنِ حَتَّى يُغَرِّيَانِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ يَشْهَدُهُ الْمَقْتُولُ إِذَا رَأَى دَمَهُ عَلَى الْعَلَمَيْنِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ الْغَرِيَّانِ.

وَ أَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا قَبْرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَإِنَّ نُوحاً (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) لَمَّا طَافَتِ السَّفِينَةُ وَ هَبَطَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) عَلَى نُوحٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْزِلَ مَا بَيْنَ السَّفِينَةِ وَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ قَدَمَاكَ عَلَى الْأَرْضِ فَابْحَثْ بِيَدِكَ هُنَاكَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ تَابُوتُ آدَمَ فَاحْمِلْهُ مَعَكَ فِي السَّفِينَةِ فَإِذَا غَاصَ فَابْحَثْ بِيَدِكَ الْمَاءَ فَادْفِنْهُ بِظَهْرِ النَّجَفِ بَيْنَ الذَّكَوَاتِ الْبِيضِ وَ الْكُوفَةِ فَإِنَّهَا بُقْعَةٌ اخْتَرْتُهَا لَهُ وَ لَكَ يَا نُوحُ وَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَصِيِّ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَفَعَلَ نُوحٌ ذَلِكَ وَ وَصَّى ابْنَهُ سَاماً أَنْ يَدْفِنَهُ فِي الْبُقْعَةِ مَعَ التَّابُوتِ الَّذِي لآِدَمَ، فَإِذَا زُرْتُمْ مَشْهَدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَزُورُوا آدَمَ وَ نُوحاً وَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام).

وُلِدَ لَهُ مِنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) الْحَسَنُ، وَ الْحُسَيْنُ، و مُحَسِّنٌ- مَاتَ صَغِيراً- وَ زَيْنَبُ وَ أُمُّ كُلْثُومٍ (عليهم السلام).

وَ كَانَ لَهُ مِنْ خَوْلَةَ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو هَاشِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ.

وَ كَانَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ الْعَبَّاسُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُثْمَانُ مِنْ أُمِّ الْبَنِينَ وَ هِيَ جَعْدَةُ ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ الْكِلَابِيَّةِ.

95

وَ كَانَ لَهُ مِنْ أُمِّ عُمَرَ التَّغْلَبِيَّةِ عُمَرُ وَ رُقَيَّةُ وَ هِيَ مِنْ سَبْيِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.

وَ كَانَ لَهُ يَحْيَى مِنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ.

وَ كَانَ لَهُ مُحَمَّدٌ الْأَصْغَرُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ.

وَ كَانَ لَهُ الْحَسَنُ وَ رَمْلَةُ وَ أُمُّهُمَا أُمُّ شُعَيْبٍ الْمَخْزُومِيَّةُ.

وَ كَانَ لَهُ أَبُوبَكْرٍ وَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَ أُمُّهُمَا لَيْلَى ابْنَةُ مَسْعُودٍ النَّهْشَلِيَّةِ وَ الَّذِي أُعْقِبَ مِنْ وُلْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (عليهما السلام) وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَ الْعَبَّاسُ وَ عُمَرُ.

قَالَ: وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ خَلَّفَ مِنْهُنَّ أُمَامَةَ ابْنَةَ زَيْنَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ لَيْلَى التَّمِيمِيَّةَ وَ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَ أُمَّ الْبَنِينِ الْكِلَابِيَّةَ، وَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَداً، وَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَزَوَّجَ أَوْ تَمَتَّعَ بِحُرَّةٍ وَ لَا أَمَةٍ فِي حَيَاةِ خَدِيجَةَ (عليها السلام) إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهَا، وَ كَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَ لَا تَمَتَّعَ بِحُرَّةٍ وَ لَا أَمَةٍ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهَا وَ كَانَ اسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدَ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ:

«إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نُبُوَّةٍ وَ رِسَالَةٍ وَ إِمَامَةٍ، وَ إِنَّهُ لَا تَقْبَلُنَا عِنْدَ وِلَادَتِنَا الْقَوَابِلُ»

. وَ إِنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَوَلَّى وِلَادَتَهُ وَ وَفَاتَهُ وَ تَغْمِيضَهُ وَ تَغْسِيلَهُ وَ تَكْفِينَهُ وَ دَفْنَهُ وَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِمَامُ. وَ الَّذِي تَوَلَّى وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلِيٌّ (عليه السلام) غمّضه و غسله و كفّنه و صلّى عليه و تولى أمره أمير المؤمنين (عليه السلام) و ولداه الحسن و الحسين (عليهما السلام) تولّيا وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) و تغميضه و غسله و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه و لم يحضره أحد غيرهما، و دفناه ليلا، و لم يظهر على مشهده أحد إلا بدلالة صفوان‏

96

الجمال، و كان جمال الصادق (عليه السلام). ثم دلت عليه الأئمة من موسى بن جعفر و علي الرضا و محمد الجواد و علي الهادي و الحسن العسكري و رواه شيعتهم و كان دلالة صفوان على مشهد أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) دلالة ظهرت للناس.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَارِسِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْقُمِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْكَرْخِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ الْأَهْوَازِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عليه السلام)

قَالَ الْمُفَضَّلُ: دَعَانِي سَيِّدِيَ الصَّادِقُ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ وَ هُوَ مُقْتَمٌّ أَسْوَدُ فَحَضَرْتُ دَارَهُ وَ هِيَ تَزْهَرُ نُوراً بِلَا ظُلْمَةٍ فَلَمَّا امْتَثَلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ يَا مُفَضَّلُ: مُرْ صَفْوَاناً يُصْلِحْ لِي عَلَى نَاقَتِيَ السَّعْدَاءِ رَحْلَهَا وَ أَقِمْ فِي الْبَابِ إِلَى وَقْتِ رُجُوعِي إِلَيْكَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ مَوْلَايَ الصَّادِقُ (عليه السلام) وَ قَدْ أَحْضَرَ صَفْوَانُ النَّاقَةَ وَ أَصْلَحَ رَحْلَهَا فَاسْتَوَى عَلَيْهَا وَ أَثَارَهَا ثُمَّ قَالَ يَا صَفْوَانُ: خُذْ بِحِقَابِ النَّاقَةِ وَ ارْتَدِفْ، قَالَ: فَفَعَلَ صَفْوَانُ ذَلِكَ وَ مَرَّتِ النَّاقَةُ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ أَوْ كَاللَّحْظِ السَّرِيعِ وَ جَلَسْتُ بِالْبَابِ حَتَّى مَضَى مِنَ اللَّيْلِ سَبْعُ سَاعَاتٍ مِنْ وَقْتِ رُكُوبِ سَيِّدِيَ الصَّادِقِ مِنْهُ السَّلَامُ.

قَالَ الْمُفَضَّلُ: فَرَأَيْتُ النَّاقَةَ وَ هِيَ كَجَنَاحِ الطَّيْرِ وَ قَدِ انْقَضَّتْ إِلَى الْبَابِ، وَ نَزَلَ عَنْهَا مَوْلَايَ مِنْهُ السَّلَامُ فَانْقَلَبَ صَفْوَانُ إِلَى الْأَرْضِ خَافِتاً فَأَمْهَلْتُهُ وَ أَقْبَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى النَّاقَةِ، وَ هِيَ تَخْفِقُ وَ الْعَرَقُ يَجْرِي مِنْهَا حَتَّى ثَابَ صَفْوَانُ فَقُلْتُ: خُذْ نَاقَتَكَ إِلَيْكَ وَ عَدَلَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مُغِيثٌ خَادِمُ مَوْلَايَ الصَّادِقِ، فَقَالَ سَلْ يَا مُفَضَّلُ صَفْوَاناً عَمَّا رَأَى، وَ يَا صَفْوَانُ حَدِّثْهُ وَ لَا تَكْتُمْهُ. قَالَ: فَجَلَسَ صَفْوَانُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَ قَالَ: يَا مُفَضَّلُ أُخْبِرُكَ بِالَّذِي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فَقَدْ أَذِنَ لِي مَوْلَايَ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَرَنِي سَيِّدِي (عليه السلام) فَارْتَدَفْتُ عَلَى النَّاقَةِ، وَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَا فِي سَمَاءٍ أَمْ فِي أَرْضٍ غَيْرَ أَنِّي احُسُّ فِي النَّاقَةِ وَ هِيَ كَأَنَّهَا الْكَوْكَبُ الْمُنْقَضُّ حَتَّى أَنَاخَتْ وَ نَزَلَ مَوْلَايَ (عليه السلام) وَ نَزَلْتُ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ قَالَ: يَا صَفْوَانُ صَلِّ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ فِي‏

97

بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَ ارْتَدَفْتُ، وَ هَبَّتِ النَّاقَةُ كَهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، ثُمَّ انْقَضَّتْ فَأَنَاخَتْ فَنَزَلَ مَوْلَايَ (عليه السلام) فَقَالَ:

صَلِّ يَا صَفْوَانُ رَكْعَتَيْنِ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ وَ ارْتَدَفْتُ وَ سَارَتِ النَّاقَةُ وَ هَبَطَتْ فَأَنَاخَتْ فَنَزَلَ مَوْلَايَ عَنْهَا وَ نَزَلْتُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

ثُمَّ قَالَ: صَلِّ يَا صَفْوَانُ وَ اعْلَمْ بِأَنَّكَ بَيْنَ قَبْرِ جَدِّي (عليه السلام) وَ مِنْبَرِهِ قَالَ: فَصَلَّيْتُ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ ارْتَدِفْ مِنْ وَرَائِي فَارْتَدَفْتُ فَسَارَتْ مِثْلَ سَيْرِهَا وَ انْقَضَّتْ فَنَزَلَ مَوْلَايَ (عليه السلام) وَ صَلَّى وَ صَلَّيْتُ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ أَنْتَ عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (عليه السلام) ثُمَّ رَكِبَ وَ ارْتَدَفْتُ وَ انْقَضَّتْ فَنَزَلَ عَنْهَا، وَ نَزَلْتُ فَإِذَا هُوَ يَجْهَشُ بِالْبُكَاءِ وَ يَقُولُ: جَلَلْتَ مِنْ مَقَامٍ مَا أَعْظَمَكَ، وَ مَصْرَعٍ مَا أَجَلَّكَ، أَنْتَ وَ اللَّهِ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ وَ الرَّبْوَةُ ذَاتُ‏

قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏

، وَ فِيكَ وَ اللَّهِ كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى (عليه السلام) مَا أَطْوَلَ حُزْنَنَا بِمُصَابِنَا فِيكَ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ اللَّهُ بِحَقِّنَا قَالَ: وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ عَنِّي ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ صَلَّيْتُ وَ أَنَا أَبْكِي وَ أُخْفِي بُكَائِي ثُمَّ رَكِبَ وَ ارْتَدَفْتُ فَنَزَلَ عَنْ قَرِيبٍ لَنَا وَ صَلَّى وَ صَلَّيْتُ قَالَ: يَا صَفْوَانُ هَلْ تَعْلَمُ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ عَرِّفْنِي حَتَّى أَعْرِفَ، قَالَ: أَنْتَ بِالْغَرِيَّيْنِ فِي الذَّكَوَاتِ الْبِيضِ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عليه السلام).

قَالَ: فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ فَاجْعَلْ لِي إِلَيْهَا دَلِيلًا، قَالَ: وَيْحَكَ بِعَهْدِي أَوْ بَعْدِي، قَالَ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ بِعَهْدِكَ وَ بَعْدَكَ قَالَ عَلَى أَنَّكَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا وَ لَا تَزُورُهَا إِلَّا بِأَمْرِي قَالَ: فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنِّي لَا أَدُلُّ عَلَيْهَا وَ لَا أَزُورُهَا إِلَّا بِأَمْرِكَ، قَالَ خُذْ يَا صَفْوَانُ مِنَ الشَّعِيرِ الَّذِي تَزَوَّدْتَهُ النَّاقَةَ فَانْثُرْ مِنْهُ حَبّاً إِلَى مَسْجِدِ السَّهْلَةِ وَ بَكِّرْ عَلَيْهِ تَسْتَدِلُّ وَ تَعْرِفُ الْبُقْعَةَ بِعَيْنِهَا وَ زُرْهَا إِذَا شِئْتَ، وَ لَا تُظْهِرْهَا لِأَحَدٍ إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِهِ وَ مَنْ يَتْلُونِي مِنَ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ مَهْدِيِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ثُمَّ يَكُونُ‏

98

الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ وَ يَظْهَرُ فِيهَا مَا يَشَاءُ حَتَّى تَكُونَ مَعْقِلًا لِشِيعَتِنَا وَ تَضَرُّعاً إِلَى اللَّهِ وَ وَسِيلَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الْمُفَضَّلُ: فَظَلْتُ بَاقِيَ لَيْلَتِي رَاكِعاً وَ سَاجِداً أَسْأَلُ اللَّهَ بَقَائِي إِلَى صَبَاحِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ مِنْهُ السَّلَامُ فَقُلْتُ أُرِيدُ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ وَ السَّعْيَ إِلَى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي بَيْنَ الذَّكَوَاتِ الْبِيضِ فِي الْغَرِيَّيْنِ قَالَ: امْضِ وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا مُفَضَّلُ وَ صَفْوَانُ مَعَكَ قَالَ الْمُفَضَّلُ:

فَأَخَذَ بِيَدِي وَ قَصَدْتُ مَسْجِدَ السَّهْلَةِ، ثُمَّ اسْتَدْلَلْنَا بِالْحَبَّاتِ الشَّعِيرِ الْمَنْثُورَةِ حَتَّى وَرَدْنَا الْبُقْعَةَ فَلُذْنَا بِهَا وَ زُرْنَا وَ صَلَّيْنَا وَ رَجَعْنَا وَ أَنْفُسُنَا مَرِيضَةٌ خَوْفاً مِنْ أَنْ لَا نَكُونَ وَرَدْنَا الْبُقْعَةَ بِعَيْنِهَا، قَالَ: وَ دَخَلْنَا مِنْ مَزَارِنَا مِنْهَا إِلَى مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عليه السلام) فَوَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا مُفَضَّلُ وَ يَا صَفْوَانُ مَا خَرَجْتُمَا عَنِ الْبُقْعَةِ عَقْداً وَاحِداً وَ لَا نَقَصْتُمَا عَنْهَا قَدَماً فَقُلْنَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَكَ يَا مَوْلَايَ وَ شُكْراً لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَ قَرَأَ:

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً

وَ قَوْلُهُ:

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏

.

وَ رُوِيَ بِهَذِهِ الْإِسْنَادِ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) عَنْ أَبِيهِ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ:

دَخَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ (عليه السلام)، وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، وَ أَبُوذَرٍّ جُنْدَبٌ الْغِفَارِيُّ، وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرٌ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ الْحُزْنُ ظَاهِرٌ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَالُوا لَهُ فَدَيْنَاكَ بِالْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْمَعُ فِي أَخِيكَ عَلِيٍّ (عليه السلام) مَا يَحْزُنُنَا سَمَاعُهُ وَ إِنَّا نَسْتَأْذِنُكَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَ مَا عَسَاهُمْ يَقُولُونَ فِي أَخِي عَلِيٍّ؟

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَيُّ فَضِيلَةٍ لَهُ فِي سَبْقِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَ إِنَّمَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ طِفْلًا، وَ نَحْنُ يَحْزُنُنَا هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَذَا يَحْزُنُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ عَلِمْتُمْ مِنَ الْكُتُبِ الْأُولَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) هَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ وَ هُوَ

99

طِفْلٌ صَغِيرٌ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ وَ عَدُوِّهِ النُّمْرُودِ فِي عَهْدِهِ فَوَضَعَتْهُ أُمُّهُ بَيْنَ ثَلَاثِ أَشْجَارٍ شَاطِئَ نَهَرٍ يَدْفِقُ يُقَالُ لَهُ حَوْرَانُ وَ هُوَ بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَ إِقْبَالِ اللَّيْلِ فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ وَ اسْتَقَرَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَقَامَ مِنْ تَحْتِهَا فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَ وَجْهَهُ وَ سَائِرَ بَدَنِهِ وَ هُوَ يُكْثِرُ مِنَ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ثُمَّ أَخَذَ ثَوْباً فَاتَّشَحَ بِهِ وَ أُمُّهُ تَرَى مَا يَفْعَلُ فَرَعُبَتْ مِنْهُ رُعْباً شَدِيداً فَهَرْوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا مَادّاً عَيْنَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَكَانَ مِنْهُ مَا قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ):

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي‏

وَ قِصَّةُ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ إِلَى قَوْلِهِ:

وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏

.

وَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (عليه السلام) كَانَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِهِ يَبْقُرُ بُطُونَ النِّسَاءِ الْحَوَامِلِ وَ يَذْبَحُ الْأَطْفَالَ لِقَتْلِ مُوسَى (عليه السلام) فَلَمَّا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ أَوْحَى إِلَيْهَا أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْ تَحْتِهَا فَتَقْذِفَهُ وَ تُلْقِيَهِ فِي التَّابُوتِ وَ تَقْذِفَهُ فِي الْيَمِّ فَبَقِيَتْ حَيْرَانَةً حَتَّى كَلَّمَهَا مُوسَى وَ قَالَ لَهَا يَا أُمِّ اقْذِفِينِي فِي التَّابُوتِ فَقَالَتْ لَهُ هِيَ مِنْ كَلَامِهِ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنَ الْغَرَقِ فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي إِنَّ اللَّهَ رَادِّي إِلَيْكِ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَبَقِيَ التَّابُوتُ فِي الْيَمِّ إِلَى أَنْ أَلْقَاهُ إِلَى السَّاحِلِ وَ رُدَّ إِلَى أُمِّهِ وَ هُوَ بُرْهَةً لَا يَطْعَمُ طَعَاماً وَ لَا يَشْرَبُ شَرَاباً مَعْصُوماً وَ رُوِيَ أَنَّ الْمُدَّةَ كَانَتْ سَبْعِينَ يَوْماً وَ رُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ:

وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ‏

...

هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ‏

الْآيَةَ.

وَ هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا

إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

فَكَلَّمَ أُمَّهُ وَقْتَ مَوْلِدِهِ فَقَالَ لَهَا:

فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا

.

وَ قَالَ:

فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي‏

100

بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا

.

فَتَكَلَّمَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فِي وَقْتِ وِلَادَتِهِ وَ أُعْطِيَ الْكِتَابَ وَ النُّبُوَّةَ وَ أُوصِيَ بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ فِي سَاعَةِ مَوْلِدِهِ وَ كَلَّمَهُ النَّاسُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ جَمِيعاً خِلْقَتِي وَ أَنَّ عَلِيّاً مِنْ نُورِي وَ نُورِي وَ نُورُهُ نُورٌ وَاحِدٌ وَ كُنَّا كَذَلِكَ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ وَ نُهَلِّلُهُ وَ نُكَبِّرُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَلَائِكَةَ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ الْهَوَاءَ ثُمَّ عَرَّشَ الْعَرْشَ وَ كَتَبَ أَسْمَاءَنَا بِالنُّورِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْكَنَنَا صُلْبَ آدَمَ وَ لَمْ نَزَلْ نَنْتَقِلُ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ يُسْمَعُ تَسْبِيحُنَا فِي الظُّهُورِ وَ الْبُطُونِ فِي كُلِّ عَهْدٍ وَ عَصْرٍ وَ زَمَانٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ كَانَ يَظْهَرُ نُوْرُنَا فِي بَلَجَاتِ وُجُوهِ آبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا حَتَّى ثَبَتَتْ أَسْمَاؤُنَا مَخْطُوطَةً بِالنُّورِ عَلَى جَبَهَاتِهِمْ.

فَلَمَّا افْتَرَقْنَا نِصْفَيْنِ: فِي عَبْدِ اللَّهِ نِصْفٌ، وَ فِي أَبِي طَالِبٍ عَمِّي نِصْفٌ كَانَ تَسْبِيحُنَا فِي ظُهُورِهِمَا، فَكَانَ عَمِّي وَ أَبِي إِذَا جَلَسَا فِي مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ نَاجَى نُورِي مِنْ صُلْبِ أَبِي نُورَ عَلِيٍّ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِ إِلَى أَنْ خَرَجْنَا مِنْ صُلْبَيْ أَبَوَيْنَا وَ بَطْنَيْ أُمَّيْنَا وَ لَقَدْ عَلِمَ جِبْرِيلُ (عليه السلام) فِي وَقْتِ وِلَادَةِ عَلِيٍّ وَ هُوَ يَقُولُ: هَذَا أَوَّلُ ظُهُورِ نُبُوَّتِكَ وَ إِعْلَانِ وَحْيِكَ وَ كَشْفِ رِسَالَتِكَ إِذْ أَيَّدَكَ اللَّهُ بِأَخِيكَ وَ وَزِيرِكَ وَ صِنْوِكَ وَ خَلِيفَتِكَ وَ مَنْ شَدَدْتُ بِهِ أَزْرَكَ وَ أَعْلَيْتُ بِهِ ذِكْرَكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقُمْتُ مُبَادِراً فَوَجَدْتُ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَسَدٍ أُمِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ قَدْ جَاءَهَا الْمَخَاضُ فَوَجَدْتُهَا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ الْقَوَابِلُ مِنْ حَوْلِهَا فَقَالَ حَبِيبِي جَبْرَائِيلُ: سَجِّفْ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ النِّسَاءِ سِجَافاً، فَإِذَا وَضَعَتْ عَلِيّاً فَتَلَقَّهُ بِيَدِكَ الْيُمْنَى فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ وَ مَدَدْتُ يَدِيَ الْيُمْنَى نَحْوَ أُمِّهِ فَإِذَا بِعَلِيٍّ مَاثِلًا عَلَى يَدَيَّ وَاضِعاً يَدَهُ الْيُمْنَى فِي أُذُنِهِ يُؤَذِّنُ وَ يُقِيمُ بِالْحَنَفِيَّةِ وَ يَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ بِرِسَالَتِي.

ثُمَّ أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ، قُلْتُ: اقْرَأْ وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَأَ بِالصُّحُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى آدَمَ وَ ابْنِهِ شَيْثٍ فَتَلَاهَا مِنْ‏

101

أَوَّلِ حَرْفٍ إِلَى آخِرِ حَرْفٍ حَتَّى لَوْ حَضَرَ شَيْثٌ لَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا صُحُفَ نُوحٍ حَتَّى لَوْ حَضَرَ نُوحٌ لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى لَوْ حَضَرَ إِبْرَاهِيمُ لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا زَبُورَ دَاوُدَ حَتَّى لَوْ حَضَرَ دَاوُدُ لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا تَوْرَاةَ مُوسَى حَتَّى لَوْ حَضَرَ مُوسَى لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ قَرَأَ إِنْجِيلَ عِيسَى حَتَّى لَوْ حَضَرَ عِيسَى لَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ خَاطَبَنِي وَ خَاطَبْتُهُ بِمَا يُخَاطَبُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ عَادَ إِلَى طُفُولِيَّتِهِ.

وَ هَكَذَا سَبِيلُ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً مِنْ وُلْدِهِ يَفْعَلُونَ فِي وِلَادَتِهِمْ مِثْلَهُ.

فَمَا ذَا تُحَدِّثُونَ وَ مَا ذَا عَلَيْكُمْ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الشَّكِّ وَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَفْضَلُ النَّبِيِّينَ، وَ وَصِيِّي عَلِيٌّ أَفْضَلُ الْوَصِيِّينَ، وَ أَنَّ أَبِي آدَمُ تَمَامُ اسْمِي وَ اسْمِ أَخِي عَلِيٍّ وَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ ابْنَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهم السلام) مَكْتُوبَةٌ عَلَى سُرَادِقِ الْعَرْشِ بِالنُّورِ، مُنْذُ قَالَ آدَمُ: «إِلَهِي هَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً قَبْلِي هُوَ أَكْرَمُ عَلَيْكَ مِنِّي» قَالَ يَا آدَمُ: «لَوْ لَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَا خَلَقْتُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَ لَا أَرْضاً مَدْحِيَّةً وَ لَا مَلَكاً مُقَرَّباً وَ لَا نَبِيّاً مُرْسَلًا وَ لَا خَلَقْتُكَ يَا آدَمُ» فَقَالَ: إِلَهِي وَ سَيِّدِي بِحَقِّهِمْ إِلَّا غَفَرْتَ لِي خَطِيئَتِي. فَكُنَّا نَحْنُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ، فَغَفَرَ لَهُ وَ قَالَ: أَبْشِرْ يَا آدَمُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ وَ وُلْدِكَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ افْتَخَرَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِنَا فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ فَضْلِنَا عِنْدَ اللَّهِ وَ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ لَا يُعْطِي إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى شَيْئاً مِنَ الْفَضْلِ إِلَّا وَ يُعْطِيهِ بِنَا فَمَا ذَا يَضُرُّ بِنَا وَ يَحْزُنُكُمْ قَوْلُ أَهْلِ الْإِفْكِ وَ الْمُسْرِفِينَ.

فَقَامَ سَلْمَانُ وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَ هُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَائِزُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَنْتُمُ الْفَائِزُونَ، وَ اللَّهِ لَكُمْ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ، وَ لِأَعْدَائِنَا وَ أَعْدَائِكُمْ خُلِقَتِ النَّارُ.

فكان هذا من دلائله و براهينه و معاجزه قبل وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

و أما بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فمن دلائله‏

102

و معجزاته.

رُوِيَ بِالْإِسْنَادِ

أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَقِيَهُ فِي سِكَّةِ بَنِي النَّجَّارِ فِي الْمَدِينَةِ، وَ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَسَلَّمَ أَبُوبَكْرٍ عَلَيْهِ وَ صَافَحَهُ وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ عَسَى فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ مِنِ اسْتِخْلَافِ النَّاسِ إِيَّايَ وَ مَا كَانَ فِي السَّقِيفَةِ وَ إِكْرَاهِكَ عَلَى الْبَيْعَةِ، وَ اللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِي إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ لَمْ أَكُنْ أُخَالِفُ عَلَيْهِ وَ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَالَ: (لَنْ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ) فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مِنْهُمُ الَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ وَ أَطَاعُوا رَسُولَهُ بِعَهْدِهِ وَ بَعْدَهُ وَ أَخَذُوا بِهَدْيِهِ وَ أَوْفَوْا بِ

ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏

، وَ لَمْ يُغَيِّرُوا وَ لَا بَدَّلُوا؟ قَالَ أَبُوبَكْرٍ:

وَ اللَّهِ يَا عَلِيُّ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي لَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، رَضِيَ مَنْ رَضِيَ، وَ سَخِطَ مَنْ سَخِطَ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ السَّلَامُ: بِاللَّهِ يَا أَبَابَكْر هَلْ أَنْتَ بِأَحَدٍ أَوْثَقُ مِنْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَ اللَّهِ، قَالَ لَهُ: فَقَدْ أَخَذَ عَلَيْكَ بَيْعَتِي فِي أَرْبَعِ مَوَاطِنَ، وَ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعَكَ فِيهِمْ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ: فِي يَوْمِ الدَّارِ، وَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَ يَوْمَ جُلُوسِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَ أَنَا عَنْ يَمِينِهِ أَحْضُرُكَ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ جُنْدَبُ وَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ حَتَّى امْتَلَأَ مِنْهُمُ الْبَيْتُ وَ حَضَرَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ فَجَلَسَ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ فَسَلِّمْ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ بَايِعْ لَهُ فَمَا أَجْزَاكَ إِلَّا أَنَّ الْقَوْلَ مِنِّي فَقُلْتَ أَقُومُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِكَ وَ أُبَايِعُ عَلِيّاً وَ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقُمْتَ فَبَايَعْتَنِي وَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَمَرَكَ، وَ جَلَسْتَ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَأَعَادَ الْقَوْلَ كَمَا أَعَدْتَهُ أَنْتَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُسَلِّمُ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: نَعَمْ، قُمْ فَبَايِعْهُ، وَ سَلِّمْ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَامَ وَ بَايَعَنِي وَ سَلَّمَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَلَسَ.

103

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قُمْ يَا عُثْمَانُ إِلَى أَخِي عَلِيٍّ وَ سَلِّمْ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا قَامَ حَتَّى قَالَ مِثْلَمَا قُلْتُمَا فَأَعَادَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ثَالِثَةً فَقَامَ فَبَايَعَنِي وَ سَلَّمَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَلَسَ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قُمْ يَا سَلْمَانُ، قُمْ يَا مِقْدَادُ، قُمْ يَا جُنْدَبُ، قُمْ يَا عَمَّارُ، قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، قُمْ يَا خُزَيْمَةُ، قُمْ يَا أَبَا الْهَيْثَمِ، قُمْ يَا عَامِرُ، قُمْ يَا بُرَيْدَةُ، فَبَايِعُوا لِأَخِي عَلِيٍّ وَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ بِلَا مُرَاجَعَةٍ، فَبَايَعُوا لِي وَ سَلَّمُوا عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَ فِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدْ نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَانَ يَوْماً شَدِيدَ الْقَيْظِ يَشِيبُ فِيهِ الطِّفْلُ فَأَشَارَ إِلَى جَمِيعِكُمْ و رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَاسْتَظِلُّوا بِالدَّوْحَاتِ الَّتِي حَوْلَ الْغَدِيرِ، فَلَمَّا قَرُبَ الزَّوَالُ وَقَفَ (عليه السلام) وَ أَشَارَ إِلَيْكُمْ أَنِ احْتَطِبُوا وَ خُذُوا مِنَ الدَّوْحَاتِ مَا سَقَطَ وَ أْتُوْنِي بِهِ فَكَبَسَ مَا جَمَعْتُمْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ فَلَمَّا رَأَى لَا يُوفِي الْجَمْعَ أَمَرَ عَلَيْهِ بِالْأَقْتَابِ، فَنَصَبَ بَعْضاً فَوْقَ بَعْضٍ حَتَّى عَلَتِ الْعَسْكَرَ ثُمَّ عَلَاهَا وَ دَعَانِي فَعَلَوْتُ مَعَهُ فَكَانَ مَا سَمِعْتُمُوهُ، وَ هُوَ أَنْ أَخَذَ كَفِّي بِكَفِّهِ الْيُمْنَى وَ قَدْ بَسَطَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ حَتَّى رَأَيْتُمْ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ يُرِيكُمْ شَخْصِي وَ يُعْلِنُ بِأَمْرِي، وَ يَقُولُ مَا أُمِرَ بِهِ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: إِنَّمَا تَرَكْنَا إِعَادَةَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ النَّاسِ جَمِيعاً، وَ يَرْجِعُ الْخَبَرُ إِلَى قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): فَقُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ سَمْعاً وَ طَاعَةً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ فَقَالَ لَكُمْ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَقَالَ لَكُمْ: فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لْيُسْمِعْ مَنْ سَمِعَ مِنِّي مَنْ لَمْ يَسْمَعْ فَقُلْتُمْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَ وَ صَلَّى صَلَاةَ الزَّوَالِ، وَ ارْتَفَعَ صَوْتُ الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ فِي الْعَسْكَرِ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قُمْتُمْ أَنْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ تُهَنِّئُونَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ تُهَنِّؤُنِّي‏

104

بِكَرَامَةِ اللَّهِ لَنَا، فَدَنَا مِنِّي عُمَرُ فَضَرَبَ عَلَى كَفِّي وَ قَالَ بِحَضْرَتِكُمْ: بَخْ بَخْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلَانَا وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَيْحَكَ يَا أَبَا حَفْصِ أَلَّا دَعَوْتَهُ بِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَقُولَ: أَصْبَحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَوْلَانَا وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ؟

فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ اللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي أَمْراً لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وَ لَوْ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ شَاهِداً فَأَسْمَعُهُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا أَبَابَكْرٍ، اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، إِنْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَيّاً وَ يَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ ظَالِمٌ فِي أَخْذِ حَقِّيَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِي وَ لِرَسُولِهِ دُونَكَ وَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُسَلِّمُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيَّ وَ تَخْلَعُ نَفْسَكَ مِنْهُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَا لَا يَكُونُ إِلَّا أَنْ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بَعْدَ مَوْتِهِ حَيّاً يَقُولُ لِي وَ يَأْمُرُنِي بِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَأَرِنِي ذَلِكَ إِنْ يَكُنْ حَقّاً قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ أَنَّكَ تَفِي بِمَا قُلْتَ، قَالَ أَبُوبَكْرٍ: نَعَمْ فَضَرَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى يَدِهِ وَ مَالَ يَسْعَى بِهِ إِلَى مَسْجِدِ قُبَا فَلَمَّا وَرَدَاهُ تَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ أَبُوبَكْرٍ مِنْ وَرَائِهِ فَإِذَا هُمَا بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِسٌ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوبَكْرٍ سَقَطَ لِوَجْهِهِ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ فَبَادَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): ارْفَعْ أَيُّهَا الضِّلِّيلُ الْمَفْتُونُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ حَيَاةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيْحَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ

إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى‏

قَالَ: فَسَكَتَ أَبُوبَكْرٍ وَ شَخَصَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ نَسِيتَ مَا عَاهَدْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ عَلَيْكَ فِي الْمَوَاطِنِ الْأَرْبَعِ لِعَلِيٍّ فَمَا بَالُكَ تُنَاشِدُ عَلِيّاً فِيهَا وَ يَذْكُرُكَ فَتَنْسَاهَا، وَ قَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ كَلِمَةً وَ لَا زَادَ فِيهِ كَلِمَةً، إِلَى أَنِ انْتَهَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟