الهداية الكبرى‏

- حسين بن حمدان الخصيبي‏ المزيد...
288 /
105

وَ هَلْ يَعْفُو اللَّهُ عَنِّي إِذَا سَلَّمْتُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَبَابَكْرٍ وَ أَنَا الضَّامِنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ إِنْ وَفَيْتَ.

قَالَ: وَ غَابَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَثَبَتَ أَبُوبَكْرٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ اللَّهَ اللَّهَ سِرْ مَعِي حَتَّى أَعْلُوَ الْمِنْبَرَ فَأَقُصَّ عَلَى النَّاسِ مَا شَاهَدْتُ وَ مَا رَأَيْتُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَا قَالَ لِي، وَ مَا قُلْتُ لَهُ، وَ مَا أَمَرَنِي وَ أَخْلَعَ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَ أُسَلِّمَهُ إِلَيْكَ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَا مَعَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْ تَرَكَكَ شَيْطَانُكَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَتْرُكْنِي تَرَكْتُهُ وَ عَصَيْتُهُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: تُطِيعُهُ وَ لَا تَعْصِيهِ، وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا تَأْكِيدَ الْحُجَّةِ عَلَيْكَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَ خَرَجَا مِنْ مَسْجِدِ قُبَا يُرِيدَانِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ الْمِنْبَرَ وَ أَبُوبَكْرٍ يَخْفِقُ بَعْضُهُ بَعْضاً يَتَلَوَّنُ أَلْوَاناً وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَ لَا يَدْرُونَ بِالَّذِي كَانَ مِنْهُ حَتَّى لَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَأْنُكَ؟

وَ مَا الَّذِي دَهَاكَ؟ فَقَالَ: خَلِّ عَنِّي يَا عُمَرُ فَوَ اللَّهِ لَا سَمِعْتُ لَكَ قَوْلًا، فَقَالَ: وَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: أُرِيدُ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّهُ لَيْسَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَ لَا مِنْبَرٍ، فَقَالَ: خَلِّ عَنِّي فَلَا حَاجَةَ لِي فِي كَلَامِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا تَدْخُلُ قَبْلَ الْمَسْجِدِ مَنْزِلَكَ فَتُسْبِغُ الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ اجْلِسْ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ قَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّ شَيْطَانَكَ لَا يَدَعُكَ وَ يَرُدُّكَ.

وَ سَعَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ جَلَسَ بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ وَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ مَنْزِلَهُ وَ عُمَرُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ لَا تُعَرِّفُنِي أَمْرَكَ وَ تُحَدِّثُنِي بِمَا دَهَاكَ؟

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ، رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏

106

وَ سَلَّمَ) بَعْدَ مَوْتِهِ وَ خَاطَبَنِي وَ خَاطَبْتُهُ فِي ظُلْمِي لِعَلِيٍّ، وَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَرُدَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ وَ أَخْلَعَ نَفْسِي مِنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ قُصَّ عَلَيَّ قِصَّتَكَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ إِنَّ عَلِيّاً قَالَ لِي: إِنَّكَ لَا تَدَعُنِي أُخْرِجُ هَذِهِ الْمَظْلِمَةَ مِنْ عُنُقِي، وَ إِنَّكَ شَيْطَانِي فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُحَدِّثُهُ بِحَدِيثِهِ كُلِّهِ فَقَالَ لَهُ: بِاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ نَسِيتَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا صِيَامُهُ، حَيْثُ جَاءَكَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَ مَعَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَ عُثْمَانُ أَخُوهُ وَ نُعَيْمَانُ الْأَنْصَارِيُّ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الْجُمُعَةِ إِلَى دَارِكَ لِيَقْضِيَكَ دَيْناً لَهُ عَلَيْكَ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الدَّارِ سَمِعُوا صَلْصَلَةً فِي الدَّارِ فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ الدَّارِ وَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكَ فَسَمِعُوا أُمَّ بَكْرٍ زَوْجَتَكَ تُنَاشِدُكَ، وَ تَقُولُ لَكَ: قَدْ عَمِلَ حَرُّ الشَّمْسِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ، فَقُمْ مِنْ سَوَاءِ الدَّارِ إِلَى دَاخِلِ الْجِدَارِ وَ كُنَّ بِنَفْسِكَ مِنَ الشَّمْسِ، وَ ابْعُدْ مِنَ الْبَابِ ليسمعك [لِئَلَّا يَسْمَعَكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَيُهْدِرَ دَمَكَ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ أَهْدَرَ دَمَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَ لَا مَرَضٍ خِلَافاً عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقُلْتَ لَهَا هَاكِ لَا أُمَّ لَكِ فَضْلَ طَعَامِي فِي اللَّيْلِ وَ أَتْرِعِي لِيَ الْكَأْسَ قَرْقَفاً فَوَقَفَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ مَنْ مَعَهُ يَسْمَعُونَ مُحَاوَرَتَكَ فَجَاءَتْ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ وَ أَخَذْتَ الْقَعْبَ فَكَرَعْتَ مِنْهُ فِي ضُحَى النَّهَارِ وَ جَعَلْتَ تَقُولُ لِزَوْجَتِكَ

:

ذَرِينِي أَصْطَبِحْ يَا أُمَّ بَكْرٍ * * * فَإِنَّ الْمَوْتَ نَقْبٌ عَنْ هِشَامٍ‏

وَ نَقْبٌ عَنْ أَخِيكِ وَ كَانَ صَفْواً * * * مِنَ الْفِتْيَانِ فِي شُرْبِ الْمُدَامِ‏

تُلَبِّي بِالتَّحِيَّةِ أُمَّ بَكْرٍ * * * وَ هَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِنْ سَلَامٍ‏

فَكَمْ لَكِ بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ * * * مِنَ الْأَجْسَامِ تُكْلَمُ بِالسِّهَامِ‏

وَ كَمْ لَكِ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ أُحُدٍ * * * مِنَ الْحَرَكَاتِ وَ الدُّسُعِ الْعِظَامِ‏

مِنْ أَنْصَارِ الْكَرِيمِ إِلَى عَلِيٍ‏ * * * حَيَا الْكَأْسَ الْكَرِيمَةَ وَ الْمُدَامِ‏

يَقُولُ لَنَا ابْنُ كَبْشَةَ سَوْفَ نُحْيَا * * * وَ كَيْفَ حَيَاةُ أَشْلَاءٍ وَ هَامٍ‏

يَوَدُّ ابْنُ الْمُغِيرَةِ لَوْ فَدَاهُ‏ * * * بِأَلْفٍ مِنْ سَنَامٍ أَوْ سَوَامٍ‏

أَ أُتْرَكُ أَنْ يَكُفَّ الْمَوْتُ عَنِّي‏ * * * وَ يُحْيِيَنِي إِذَا بَلِيَتْ عِظَامِي‏

107

أَ تَزْعُمُ بَاطِلًا مَا قَالَ هَذَا * * * وَ إِفْكاً مِنْ زَخَارِيفِ الْكَلَامِ‏

أَ لَا مِنْ مُبْلِغِ الرَّحْمَنِ عَنِّي‏ * * * بِأَنِّي تَارِكٌ شَهْرَ الصِّيَامِ‏

إِذَا مَا الرَّأْسُ فَارَقَ مَنْكِبَيْهِ‏ * * * وَ لَيْسَ بِذَاكَ يُقْطَعُ لِلطَّعَامِ‏

فَقُلْ لِلَّهِ يَمْنَعُنِي شَرَابِي‏ * * * وَ قُلْ لِلَّهِ يَمْنَعُنِي طَعَامِي‏

فَسَمِعُوكَ تَهْجُو مُحَمَّداً فِي دَارِكَ، فَهَجَمُوا عَلَيْكَ فِي دَارِكَ، فَوَجَدُوكَ وَ قَعْبُ الْخَمْرِ فِي يَدِكَ وَ أَنْتَ تَكْرَعُهَا، فَقَالُوا لَكَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ خَالَفْتَ اللَّهَ وَ خَالَفْتَ رَسُولَهُ وَ حَمَلُوكَ كَهَيْئَتِكَ إِلَى مَجْمَعِ النَّاسِ، بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَصُّوا قِصَّتَكَ، وَ أَعَادُوا شِعْرَكَ، فَدَنَوْتُ مِنْكَ وَ قُلْتُ فِي صَحِيحِ النَّاسِ، عَلَيْكَ قُلْ: إِنَّكَ شَرِبْتَهَا لَيْلًا فَثَمَّلْتَهَا نَهَاراً، فَزَالَ عَقْلُكَ فَأَتَيْتَ مَا أَتَيْتَهُ زِيَاداً، وَ لَا عِلْمَ لَكَ بِذَلِكَ فَعَسَى أَنْ يُدْرَأَ عَنْكَ الْحَدُّ.

وَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ فَنَظَرَ إِلَيْكَ فَقَالَ: اسْتَنْطِقُوهُ فَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ ثَمِلًا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، وَ الْخَمْرُ تُزِيلُ الْعُقُولَ تَعْلَمُونَ هَذَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَ أَنْتُمْ تَشْرَبُونَهَا، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ قَالَ فِيهَا قَائِدُ الشُّعَرَاءِ امْرَؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ

:

شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى زَالَ عَقْلِي‏ * * * كَذَاكَ الْإِثْمُ تَذْهَبُ بِالْعُقُولِ‏

فَقَالَ: وَ الْإِثْمُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرَةِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:

أَنْظِرُوهُ إِلَى إِفَاقَتِهِ مِنْ سَكْرَتِهِ، فَأَمْهَلَكَ حَتَّى أَرَيْتَهُمْ أَنَّكَ قَدْ صَحَوْتَ فَسَأَلَكَ مُحَمَّدٌ فَأَخْبَرْتَهُ بِمَا أَوْعَزْتُهُ إِلَيْكَ مِنْ شُرْبِكَ لَهَا بِاللَّيْلِ وَ كَانَتْ حَلَالًا فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ وَ الْمِلَلِ وَ فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَجَاءَ تَحْرِيمُهَا مِنْ أَجْلِكَ مِنْ سَبَبِ سَكْرَتِكَ فَمَا بَالُكَ الْيَوْمَ تُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ وَ مَا جَاءَ بِهِ، وَ هُوَ عِنْدَنَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ.

فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ لَا شَكَّ عِنْدِي فِيمَا قَصَصْتَهُ عَلَيَّ فَاخْرُجْ إِلَى عَلِيٍّ، فَاصْرِفْهُ عَنِ الْمِنْبَرِ.

108

فَخَرَجَ عُمَرُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ جَالِسٌ فَقَالَ:

مَا لَكَ يَا عَلِيُّ قَدْ تَصَدَّيْتَ لَهَا هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، دُونَ وَ اللَّهِ مَا تَرُومُ مِنْ عُلُوِّ هَذَا الْمِنْبَرِ خَرْطُ الْقَتَادِ. فَتَبَسَّمَ أَمِيُر الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيْلَكَ مِنْهَا كُلَّ الْوَيْلِ يَا عُمَرُ إِذَا أَفْضَتْ إِلَيْكَ، وَ الْوَيْلُ لِلْأُمَّةِ مِنْ بَلَائِكَ.

وَ انْصَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْزِلِهِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَ نُعَيْمَانَ وَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِالْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ

وَ قَصْدِ دَارِهِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فُرِضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صِيَامُهُ، وَ أَكْلِ أَبِي بَكْرٍ الطَّعَامَ، وَ شُرْبِهِ الْخَمْرَةَ، وَ شِعْرِهِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنَّةَ عُمَرَ بِتَذْكِيرِهِ لِأَبِي بَكْرٍ فِي نَقْضِهِ الصِّيَامَ وَ أَكْلِهِ الطَّعَامَ وَ شُرْبِهِ الْخَمْرَةَ وَ قَوْلِهِ الشِّعْرَ الَّذِي لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بِرَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، اجْتَمَعَتْ تَيْمٌ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ أَبِي بَكْرٍ- وَ عَدِيٌّ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ عُمَرَ- وَ أُمَيَّةُ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ عُثْمَانَ- وَ زُهْرَةُ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ- وَ الْكُلُّ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِأَبِي بَكْرٍ ذَنْبٌ فَلَا تُحَرِّمْ عَلَيْنَا الْخَمْرَةَ فَهَبْ لَنَا ذَنْبَهُ وَ اقْبَلْ مِنَّا الْكَفَّارَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَا حُكْمَ إِلَّا حُكْمُ اللَّهِ، وَ أَنَا مُنْتَظِرٌ مَا يَأْتِي بِهِ جِبْرِيلُ (عليه السلام) عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:

وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً

وَ نَهَى بِذَلِكَ وَ كَثُرَ سُؤَالُ النَّاسِ عَنِ الْخَمْرَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَ نَادَى فِي الْمَدِينَةِ وَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ.

109

و احتجوا بأنه مطلق حلال، و لم ينزل تحريمها في كتاب من كتب اللّه (عز و جل)، و ذكروا خبر نوح (عليه السلام) و أنه شرب و سكر من الخمرة حتى رقد و خرج ابنه حام و قد حملت الريح ثوب أبيه نوح (عليه السلام) حتى كشف عورته، فوقف ينظر إليه و يتضاحك في وجهه، و يعجب من أبيه فقام سام أخوه و نظر إليه و رأى ما يصنع فقال له: ويحك يا حام بمن تهزأ؟ فلم يخبره بشي‏ء فنظر سام منظر حام و إذا بالريح قد كشف ثوب أبيهما، و هو سكران نائم، فدنا منه و مدّ عليه ثوبه و ألقى عليه ملاءته و قعد يحرسه إلى أن أفاق، و انتبه من رقدته فنظر إلى سام فقال: يا بني ما لك جالسا و ملاءتك علي لونك متفكرا لا يكون أحد أجنى عليك جناية، فعدت تحرسني منها فقال له اللّه و رسوله أعلم فهبط جبريل (عليه السلام)، و قال له: يا نوح ربّك يقرئك السلام و يقول لك إن حاما فعل بك كيت و كيت، و سام ابنك أنكر ذلك من فعله و سترك و طرح ملاءته عليك، و حرسك من أخيه حام و من الريح، فقال نوح: بدل اللّه ما بحام من جمال قبحا، و من خير شرا، و من إيمان كفرا، و لعنه لعنا وبيلا كما صنع بأبيه رسولك و لم يشكر لولادته و لا لهدايته. فاستجاب اللّه دعاء نبيه نوح (عليه السلام) في ولده حام و استحال جماله سوادا مخبأ منخلقا مجددا مقطحا طمطمانيا فوثب على أبيه نوح يريد قتله فوثب عليه سام فعلا هامته بيده و صدّه عنه، فدعا نوح (عليه السلام) أن ينزل عليه الأمان من ذريته و أن يجعل بين حام و ذريته العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة.

و احتجوا بأن القرابين لها منذ قرب هابيل كانوا يشربون الخمر و يسقون القرابين منها و شرباها و وقفا يقربا منها، و أن شبر و شبير ابني هارون (عليه السلام) قربا قربانا ثم سقياه الخمر و شرباها و وقفا يقربان، فنزلت النار عليهما و أحرقتهما لأن الخمر في بطونهما فقتلا بذلك.

و احتجوا بقول اللّه عز و جل في الزبور على لسان داود (عليه السلام) خمرا مريئا، دلنا تريّا مفصحا أثر فسمي لحما لنا قلب ترياشا حسر خمرا

110

حسرا حرابا.

قال داود (عليه السلام): معنى خمرة هي الخمر، هي شقيق لنا قلب ترياشا ابن آدم، و يسقون القرابين منها و إنها شربت بعهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فاتخذوا الزي و المزفت إلى سكرة أبي بكر فقال المسلمون لم تنهانا عن شربها يا رسول اللّه أ نزل فيها أمر من عند اللّه فنعمل به؟ فأنزل اللّه (عز و جل): إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ فقال المسلمون إنما أمرنا بالاجتناب عنها و لم تحرم علينا فأنزل اللّه تبارك و تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏ فقالوا: أمرنا أن ننتهي و لم تحرم علينا فأنزل اللّه عز و جل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فقال المسلمون: فيه منافع للناس و إن كان الإثم أكبر من المنافع و لم يحرّم شربها علينا فأنزل اللّه تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ‏ فصحّ تحريم الخمر من قولهم إن الإثم اسم من أسماء الخمر و يستشهد بما تقدم من قول امري‏ء القيس ابن حجر الكندي حيث يقول:

شربت الإثم حتى زال عقلي‏ * * * كذاك الإثم يذهب بالعقول‏

و مما عني به السيد ابن محمد الحميري في الخمرة يقول:

لو لا عتيق و شؤم سكرته‏ * * * كانت حلالا كسائغ العسل‏

و في قصيدة أخرى يقول:

كانت حلالا لساكن الزمن‏

.

و له في لقاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمله له إلى مسجد قبا و خبره مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و خطابه له يقول:

لما لقاه أبو الفصيل بمشهد * * * فخلا به و قرينه لم يعلم‏

111

فتناشدوا في نقضه العهد الذي‏ * * * أخذ النبي عليه غير تكتم‏

لتسلمن إلى الوصي امامة * * * و امارة صارت له من آدم‏

قال الغوي فأين لي ذو خبرة * * * ادري و يشهد بالذي قد تزعم‏

قال الوصي هل لك عني مخبر * * * عن النبي فقال آه حرم‏

اين النبي و كيف لي بمغيب‏ * * * بين الجنادل في ضريح مظلم‏

قال الوصي علي ان تلقاه في‏ * * * نادي قبا في مسجد لم يهدم‏

قال الغوي له أبعد مماته‏ * * * قال الوصي نعم برغم مرغم‏

فأتى به فإذا النبي بمحضر * * * حي يحاوره بغير تجمجم‏

أنسيت ويلك يا عتيق و كبّه‏ * * * لجبينه للأرض صفة النادم‏

قال النبي له عتيق ردها * * * ويلك تنجو من جريرة ظالم‏

قال الشقي نعم اردّ ظلامة * * * لعلي ذي الهادي بغير تذمم‏

و له في هذا المعنى قصيدة اخرى:

حتى لقاه أبو الفصيل بجانب‏ * * * فخلا به و قرينه لم يشعر

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ (عليهما السلام) قَالَ:

دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ تُفَضِّلُ عَلِيّاً عَلَيْنَا فِي كُلِّ الْأَفْعَالِ وَ الْأَشْيَاءِ وَ لَا يرى [تَرَى لَنَا مَعَهُ فَضْلًا قَالَ لَهُمْ: مَا أَنَا فَضَّلْتُهُ بَلِ اللَّهُ فَضَّلَهُ، فَقَالُوا: وَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ (عليه السلام): إِذَا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ عِنْدَكُمْ أَصْدَقُ مِنْ أَهْلِ الْكَهْفِ حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ وَ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَ عَلِيّاً وَ أَجْعَلُ سلمانا [سَلْمَانَ شَاهِداً عَلَيْكُمْ فَمَنْ أَحْيَى اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ لَهُ وَ أَجَابُوهُ كَانَ الْأَفْضَلَ.

قَالُوا رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُبْسَطَ بِسَاطاً لَهُ، وَ دَعَا بِعَلِيٍّ فَأَجْلَسَهُ فِي الْبِسَاطِ وَ أَجْلَسَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قرن [قَرْناً قَالَ سَلْمَانُ:

وَ أَجْلَسَنِي الْقَرْنَةَ الرَّابِعَةَ وَ قَالَ: يَا رِيحُ احْمِلِيهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَ رُدِّيهِمْ‏

112

إِلَيَّ فَدَخَلَتِ الرِّيحُ وَ سَارَتْ بِنَا فَإِذَا نَحْنُ فِي كَهْفٍ عَظِيمٍ فَحَطَّتْ عَلَيْهِ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَا سَلْمَانُ هَذَا الْكَهْفُ وَ الرَّقِيمُ فَقُلْ لِلْقَوْمِ:

يَتَقَدَّمُونَ أَوْ أَتَقَدَّمُ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ نَتَقَدَّمُ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَلَّى وَ دَعَا وَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الْكَهْفِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ، فَقَامَ بَعْدَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ خَفِيَّاتٍ فَصَاحَ الْكَهْفُ وَ صَاحَ الْقَوْمُ مِنْ دَاخِلِهِ بِالتَّلْبِيَةِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْفِتْيَةُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زَادَهُمْ هُدًى.

فَقَالُوا: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ، لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ عَلَيْنَا بَعْدَ إِيمَانِنَا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَلَايَةِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ فَسَقَطَ الْقَوْمُ لِوُجُوهِهِمْ وَ قَالُوا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رُدَّنَا، فَقُلْتُ: وَ مَا ذَلِكَ إِلَيَّ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ رُدَّنَا فَقَالَ (عليه السلام):

يَا رِيحُ رُدِّيهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَحَمَلَتْنَا فَإِذَا نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ الْقِصَّةَ كَمَا جَرَتْ فَقَالَ: حَبِيبِي جِبْرِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ عَلِيّاً فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ.

وَ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ بِشْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَامِرٍ الطَّاطَرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ شِهَابٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ كَثِيرٍ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَبِي سُمَيْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَضْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَخَافَتُونَ بِذَلِكَ وَ يَسْتُرُونَهُ خَوْفاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَنْ خَطَبَ أَكَابِرُ قُرَيْشٍ فَاطِمَةَ، وَ بَذَلُوا فِي تَزْوِيجِهَا الرَّغَائِبَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَا يُزَوِّجُ أَحَداً مِنْهُمْ حَتَّى خَطَبَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ مَا خَطَبْتَهَا إِلَّا وَ اللَّهُ زَوَّجَكَ إِيَّاهَا فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَ ذَلِكَ فِيكَ وَ فِي ابْنَتِي فَاطِمَةَ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ زَوَّجَ اللَّهُ عَلِيّاً فِي السَّمَاءِ بِفَاطِمَةَ (عليها السلام)؟

113

فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): نَعَمْ يَا ابن [أَبَا أَيُّوبَ أَمَرَ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَنْ تَتَزَخْرَفَ وَ شَجَرَةَ طُوبَى أَنْ تَنْشُرَ أَغْصَانَهَا فِي السَّبْعِ سَمَاوَاتٍ إِلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَ أَنْ تَحْمِلَ بِأَغْصَانِهَا دُرّاً وَ يَاقُوتاً وَ لُؤْلُؤاً وَ مَرْجَاناً وَ زَبَرْجَداً وَ زُمُرُّداً أَصْكَاكاً مَخْطُوطَةً بِالنُّورِ، هَذَا مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلَائِكَةِ وَ حَمَلَةِ عَرْشِهِ وَ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ كَرَامَةً لِحَبِيبِهِ وَ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَ وَصِيِّهِ عَلِيٍّ وَ أَمَرَ لِجِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ إِسْرَافِيلَ وَ عِزْرَائِيلَ وَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَ الْقَلَمِ وَ نُونٍ، وَ هِيَ مَخَازِنُ وَحْيِ اللَّهِ وَ تَنْزِيلِهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ و أَنْ يَقِفُوا فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَ أَنْ يَخْطُبَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَ يُزَوِّجَ مِيكَائِيلُ عَنِ اللَّهِ، وَ يَشْهَدَ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ وَ انْتَثَرَتْ طُوبَى مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَالْتَقَطَ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ النُّثَارَةَ الصِّكَاكَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَذْخُورٌ.

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ نِحْلَتُهَا؟

قَالَ يَا أَبَا أَيُّوبَ شَطْرُ الْجَنَّةِ وَ خُمُسُ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ النِّيلُ وَ الْفُرَاتُ وَ سَيْحَانُ وَ جَيْحَانُ وَ الْخُمُسُ مِنَ الْغَنَائِمِ كُلُّ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام) نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ وَ حِباً لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَظْلِمَهَا فِيهِ بِوَرَقَةٍ.

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: بَخْ بَخْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مِنَ الشَّرَفِ الْعَظِيمِ أَقَرَّ اللَّهُ بِهَا عَيْنَيْكَ وَ عُيُونَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَامَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَهَا فِي يَوْمِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ تَزْوِيجِهَا فِي السَّمَاءِ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا نِحْلَتُهَا فِي الْأَرْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نِحْلَتُهَا مَا تَكُونُ سُنَّةً مِنْ نِسَاءِ أُمَّتِي مَنْ آمَنَ مِنْهُنَّ وَ اتَّقَى قَالَ: وَ كَمْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي نِسَاءِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ تُعْظِمُ النِّحْلَةَ وَ تَتَنَافَسُ فِيهَا تَأْدِيباً مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةً مِنْهُ فِي ابْنَتِي وَ أَخِي.

قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ؟

قَالَ لَهُ (عليه السلام) تَكُونُ النِّحْلَةُ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ‏

114

فَإِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ لَهُ (عليه السلام) يَجْعَلُ مَا يُعْطِيهَا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا بِرّاً وَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا بَلَّغْتَنَا إِيَّاهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:

وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ بَعْضُكُمْ إِلى‏ بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً

.

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): مَا وَجَبَ لَهُنَّ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهِنَّ، أَ لَا تَرَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ، وَ تَسْمَعُ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

فَأَعْلَمَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُفْضَ إِلَيْهِنَّ وَ لَمْ يُمْسَسْنَ أَنْ لَا تَأْخُذُوا شَيْئاً.

قَالَ فَلَمَّا تَمَّتِ الْأَرْبَعُونَ يَوْماً أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَزُوِّجَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ حَضَرَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، وَ فِيهِمْ حَاسِدٌ لِعَلِيٍّ وَ شَامِتٌ بِفَاطِمَةَ، وَ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ مِنْ فَقِيرٍ وَ رِضاً مَسْرُوراً رِضَاءُ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ وَ تَكَاتَفُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَعَاشِرَ النَّاسِ مَا أَكْرَمَنِي بِهِ اللَّهُ وَ أَكْرَمَ بِهِ أَخِي عَلِيّاً وَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ (عليهما السلام)، وَ تَزْوِيجَهَا فِي السَّمَاءِ وَ قَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أُزَوِّجَهُ فِي الْأَرْضِ وَ أَنْ أَجْعَلَ لَهُ نِحْلَتَهَا خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ تَكُونُ سُنَّةً فِي أُمَّتِي مِنْ أَغْنَاهُمْ، وَ الْمُقِلِّ مِنْهُمْ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.

ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَدَيْتُكَ فَاخْطُبْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمُ كَرَامَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً لِأَنْعُمِهِ وَ أَيَادِيهِ،

115

وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تَبْلُغُهُ وَ تُرْضِيهِ، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَاةً تُزْلِفُهُ وَ تُحْظِيهِ، أَلَا وَ إِنَّ النِّكَاحَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ رَضِيَهُ، وَ مَجْلِسُنَا هَذَا مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَ قَضَى فِيهِ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ وَ صَدَاقُهَا عَلَيَّ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَ اشْهَدُوا عَلَيَّ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا زَوَّجْتُكَ حَتَّى زَوَّجَكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَاشْهَدُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَخَرَجَ مَوْلًى لِأُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)- فَنَثَرَ سُكَّراً وَ لَوْزاً وَ نَثَرَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ يَدُهُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليهما السلام) حَتَّى دَخَلَ إِلَى مَشْرَفَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ هِيَ مَشْرَفَةٌ عَالِيَةُ الْبِنَاءِ كَثِيرَةُ الْأَبْوَابِ وَ الطَّاقَاتِ وَ انْصَرَفَ النَّاسُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَ ارْتَفَعَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ نَقْرُ الدُّفُوفِ مِنْ مَشَارِفِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ الْأَصْوَاتُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ شُكْرِهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِتَمَرَاتٍ كَانَتْ لَهُ فِي قَعْبٍ وَ فَضْلَةِ سَمْنٍ عَرَبِيٍّ فَطَرَحَهُ فِي قَصْعَةٍ كَانَتْ لَهُ وَ فَتَّهَا بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَ قَالَ: قَدِّمُوا يَا أَنْصَارُ الصِّحَافَ وَ الْقِصَاعَ، وَ احْمِلُوا إِلَى سَائِرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ أَبْوَابِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَ اسْرَعُوا فِي الْمَدِينَةِ لِلسَّابِلَةِ مَا يَأْكُلُونَ وَ يَتَزَوَّدُونَ فَلَمْ تَزَلْ يَدُهُ الْمُبَارَكَةُ فِيهِ تَنْقُلُ مِنْ قَصْعَةٍ إِلَى الصِّحَافِ مِنْ ذَلِكَ الْخُبْزِ وَ هِيَ تَمْتَلِئُ وَ تُفِيضُ حَتَّى امْتَلَأَ مِنْهُمَا مَنَازِلُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ وَ أَسْرَعَتْ فِي الطُّرُقَاتِ فَأُكِلَتْ وَ تَزَوَّدَتِ السَّابِلَةُ وَ سَائِرُ النَّاسِ وَ قَصْعَتُهُ (عليه السلام) كَهَيْئَتِهَا بِحَالِهَا.

وَ تَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ وَ الْحُسَّادُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالُوا لِنِسَائِهِمْ: أَلْقِينَ إِلَى فَاطِمَةَ مَا تَسْمَعْنَ مِنَّا فَبَلِّغْنَهَا وَ قُلْنَ لَهَا خَطَبَكِ أَكَابِرُ النَّاسِ أَغْنِيَاؤُهُمْ وَ بَذَلُوا لَكِ الرَّغَائِبَ، فَزَوَّجَكِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ فَقِيرِ قُرَيْشٍ وَ لَيْسَ لَهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَمَنُ دِرْعِهِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ مَنْ لَا يَقْدِرُ يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ فِرَاشِ أَدِيمٍ، وَ مَضُوغَةِ مَحْشُوَّةِ لِيفِ النَّخِيلِ، وَ أَصْوَافِ الْغَنَمِ.

116

فَأَلْقَتْ نِسَاؤُهُمْ إِلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) هَذَا الْقَوْلَ وَ زِدْنَ مِنْهُ وَ حَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَخَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ فَقَالَ (عليه السلام): مَا بَالُ قَوْمٍ مِنْكُمْ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ النَّاسُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُؤْذِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ مَا رَضِيتَ، وَ يَسْخَطْ مَا سَخِطْتَ.

فَقَالَ لَهُمْ: لَيَبْلُغُنِي عَنْ قَوْمٍ مِنْكُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنِّي زَوَّجْتُ فَاطِمَةَ مِنْ أَفْقَرِ قُرَيْشٍ وَ قَدْ عَلِمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ جِبْرِيلَ (عليه السلام) أَن يَعْرِضَ عَلَيَّ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَ كُنُوزَهَا وَ مَا فِيهَا مِنْ تِبْرٍ وَ لُجَيْنٍ وَ جَوْهَرٍ، وَ آتَانِي مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَ كَشَفَ لِي عَنْ ذَلِكَ حَتَّى رَأَيْتُ مِنْ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَ كُنُوزِهَا وَ جِبَالِهَا وَ بِحَارِهَا وَ أَنْهَارِهَا، فَقُلْتُ لَهُ وَ أَخِي عَلِيٌّ، يَرَى مَا رَأَيْتُ وَ يَشْهَدُ مَا شَهِدْتُ، فَقَالَ حَبِيبِي جِبْرِيلُ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَحُولُ وَ لَا يَزُولُ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْقَرَارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ فَكَيْفَ أَكُونُ وَ أَخِي عَلِيّاً وَ ابْنَتِي فَاطِمَةُ؟ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أُمَّتِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: لَقَدْ كَفَرَ!

الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ

إِلَى آخِرِ الْقَصَصِ.

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا كَثُرَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ وَ حُسَّادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي مَا يُظْهِرُهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ فَضْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ يُبْصِرُ النَّاسُ وَ يَدُلُّهُمْ وَ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ وَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ لَهُ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَ مَنْ لَا يُؤْمَنُ غَدْرُهُ، وَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ وَصِيِّي، وَ خَلِيفَتِي، وَ قَاضِي دَيْنِي، وَ مُنْجِزُ وَعْدِي، وَ الْحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِي، مَنْ أَطَاعَهُ سَعِدَ وَ مَنْ خَالَفَهُ ضَلَّ وَ شَقِيَ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: لَقَدْ ضَلَّ مُحَمَّدٌ فِي ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ وَ غَوَى وَ جُنَّ، وَ اللَّهِ مَا فَتَّنَهُ فِيهِ وَ لَا حَبَّبَهُ إِلَيْهِ إِلَّا قَتْلُ الشُّجْعَانِ وَ الْفُرْسَانِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ غَيْرِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ سَائِرِ الْعَرَبِ وَ الْيَهُودِ، وَ إِنَ‏

117

كُلَّ مَا يَأْتِينَا بِهِ وَ يُظْهِرُهُ فِي عَلِيٍّ مِنْ هَوَاهُ وَ كُلُّ ذَلِكَ يَبْلُغُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى اجْتَمَعَ التِّسْعَةُ الرَّهْطِ الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فِي دَارِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ وَ كَانَ مَسْكَنُهَا فِي وَقْتِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ، وَ هُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام) كَانَ عَدَدُهُمْ عَشْرَةً، وَ هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ سَعْدٌ وَ سَعِيدٌ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالُوا: قَدْ أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ وَ زَادَ فِيهِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقُولَ لَنَا اعْبُدُوهُ لَقَالَ، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: لَيْتَ مُحَمَّداً أَتَانَا فِيهِ بِآيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا أَتَاهُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ شَقِّ الْقَمَرِ وَ غَيْرِهِ، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ، فَنَزَلَ نَجْمٌ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى صَارَ عَلَى ذِرْوَةِ الْمَدِينَةِ حَتَّى دَخَلَ ضَوْءُهُ فِي الْبُيُوتِ وَ فِي الْآبَارِ وَ الْمَغَارَاتِ وَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُظْلِمَةِ مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ فَذُعِرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَعْراً شَدِيداً وَ خَرَجُوا وَ هُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ النَّجْمُ عَلَى دَارِ مَنْ نَزَلَ، وَ لَا أَيْنَ هُوَ مُعَلَّقٌ إِلَّا أَنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ عَلَى بَعْضِ مَنَازِلِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ الضَّجِيجَ وَ النَّاسَ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ صَاحَ بِالنَّاسِ: مَا الَّذِي أَزْعَجَكُمْ وَ أَخَافَكُمْ؟ مِنْ هَذَا النَّجْمِ النَّازِلِ عَلَى دَارِ أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: فَلَا يَقُولُ مُنَافِقُوكُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي أَمْسِكُمْ فِي دَارِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ فَقَالُوا فِيَّ وَ فِي أَخِي عَلِيٍّ مَا قَالُوا، وَ قَالَ قَائِلٌ: لَيْتَ مُحَمَّداً، أَتَانَا بِآيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فِي عَلِيٍّ كَمَا أَتَانَا بِهَا فِي نَفْسِهِ مِنْ شَقِّ الْقَمَرِ وَ غَيْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا النَّجْمَ عَلَى ذِرْوَةِ دَارِ أَخِي عَلِيٍّ آيَةً لَهُ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ النَّجْمُ مُعَلَّقاً عَلَى مَشْرَبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ غَابَ كُلُّ نَجْمٍ مِنَ السَّمَاءِ وَ هَذَا النَّجْمُ مُعَلَّقٌ.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَذَا حَبِيبِي جِبْرِيلُ قَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ فِي هَذَا النَّجْمِ وَحْياً وَ هُوَ مَا تَسْمَعُونَهُ، ثُمَّ قَرَأَ (عليه السلام):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما

118

غَوى‏، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏

ثُمَّ ارْتَفَعَ النَّجْمُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَ الشَّمْسُ قَدْ بَزَغَتْ وَ غَابَ كُلُّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ.

فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: لَوْ شَاءَ مُحَمَّدٌ لَأَمَرَ هَذِهِ الشَّمْسَ فَنَادَتْ بِاسْمِ عَلِيٍّ فَقَالَتْ: هَذَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَخَبَّرَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِمَا قَالُوا، وَ كَانَ هَذَا فِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ وَ صَبِيحَتِهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى النَّاسِ وَ قَالَ: اسْتَعِيدُوا عَلِيّاً مِنْ مَنْزِلِهِ فَاسْتَعَادُوا إِلَيْهِ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ قَوْماً مِنْ مُنَافِقِي أُمَّتِي مَا قَنِعُوا بِآيَةِ النَّجْمِ حَتَّى قَالُوا: لَوْ شَاءَ مُحَمَّدٌ لَأَمَرَ الشَّمْسَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى عَلِيٍّ وَ تَقُولَ هَذَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَبَكِّرْ يَا عَلِيُّ بَعْدَ صَلَاتِكَ الْفَجْرِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَ قِفْ نَحْوَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَإِذَا بَزَغَتِ الشَّمْسُ فَادْعُ بِدَعَوَاتٍ نلتفك [أَنَا أُلَقِّنُكَ إِيَّاهَا وَ قُلْ لِلشَّمْسِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلْقَ اللَّهِ الْجَدِيدَ، وَ اسْمَعْ مَا تَقُولُ وَ مَا تَرُدُّ عَلَيْكَ، وَ انْصَرِفْ إِلَى الْبَقِيعِ، فَسَمِعَ النَّاسُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ سَمِعَ التِّسْعَةُ الرَّهْطِ الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَزَالُونَ تُغْرُونَ مُحَمَّداً فِي ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَ لَيْسَ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَقَالَ اثْنَانِ مِنْهُمَا، وَ أَقْسَمَا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمَا إِنَّهُمَا لَا بُدَّ أَنْ يَحْضُرَا إِلَى الْبَقِيعِ حَتَّى يَنْظُرَا وَ يَسْمَعَا مَا يَكُونُ مِنْ عَلِيٍّ وَ الشَّمْسِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صَلَاةَ الْفَجْرِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَ قَالَ: قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِلَى مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَ رَسُولُهُ فَأْتِ الْبَقِيعَ حَتَّى تَقُولَ لِلشَّمْسِ مَا قُلْتُ لَكَ فَأَسَرَّ إِلَيْهِ سِرّاً كَانَ فِيهِ الدَّعَوَاتُ الَّتِي عَلَّمَهُ إِيَّاهَا فَخَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَسْعَى إِلَى الْبَقِيعِ وَ تَلَاهُ الرَّجُلَانِ، وَ تَلَاهُمَا آخَرُونَ مَعَهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَقِيعِ فَأَخْفَيَا أَشْخَاصَهُمَا بَيْنَ تِلْكَ الْقُبُورِ وَ وَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِجَانِبِ الْبَقِيعِ حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ فَهَمْهَمَ كَمَا عَلَّمَهُ النَّبِيُ‏

119

بِهَمْهَمَةٍ لَمْ يَعْرِفُوهَا فَقَالُوا: هَذِهِ الْهَمْهَمَةُ مِمَّا عَلَّمَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ سِحْرِهِ، وَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ الْجَدِيدِ، فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَ قَالَتْ لَهُ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ حَقّاً فَأُرْعِدَ الْقَوْمُ وَ اخْتَلَطَتْ عُقُولُهُمْ وَ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ تَفِيضُ أَنْفُسُهُمْ غَيْظاً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْعَجَائِبُ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ لَا مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَ لَا فِي الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ الْقَدِيمَةِ لَيْتَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيّاً لَيْسَ بَشَراً وَ هُوَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِمَحْضَرِ عَلِيٍّ:

مَا رَأَيْتُمْ؟ فَقَالُوا: مَا نَقُولُ وَ نَسْمَعُ وَ نَشْهَدُ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ لِلشَّمْسِ وَ مَا قَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَا بَلْ تَقُولُونَ مَا قَالَ عَلِيٌّ لِلشَّمْسِ فَقَالُوا: قَالَ عَلِيٌّ لِلشَّمْسِ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ الْجَدِيدِ، بَعْدَ أَنْ هَمْهَمَ هَمْهَمَةً تَزَلْزَلَ مِنْهَا الْبَقِيعُ فَأَجَابَتْهُ الشَّمْسُ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ حَقّاً.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَصَّنَا بِمَا تَجْهَلُونَ وَ أَعْطَانَا مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي وَاخَيْتُ عَلِيّاً دُونَكُمْ وَ أَشْهَدْتُكُمْ أَنَّهُ وَصِيِّي فَمَا أَنْكَرْتُمْ عَسَاكُمْ تَقُولُونَ: لِمَ قَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ‏

الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ اللَّهَ‏

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏

فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الْمُنْزَلِ عَلَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَيْحَكُمْ وَ أَنَّى لَكُمْ بِعِلْمِ مَا قَالَتِ الشَّمْسُ؟ أَمَّا قَوْلُهَا: إِنَّكَ الْأَوَّلُ فَصَدَقَتْ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ مِمَّنْ دَعَوْتُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ خَدِيجَةُ فِي النِّسَاءِ، وَ أَمَّا قَوْلُهَا لَهُ: الْآخِرُ فَهُوَ آخِرُ الْأَوْصِيَاءِ وَ أَنَا آخِرُ النَّبِيِّينَ وَ الرُّسُلِ، وَ قَوْلُهَا:

الظَّاهِرُ فَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى كُلِّ مَا أَعْطَانِيَ اللَّهُ مِنْ عِلْمِهِ فَمَا عَلِمَهُ مَعِي غَيْرُهُ وَ لَا يَعْلَمُهُ بَعْدِي سِوَاهُ وَ مَنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِبَشَرِيَّتِهِ مِنْ صَفْوَتِهِ، وَ أَمَّا قَوْلُهَا:

120

الْبَاطِنُ فَهُوَ وَ اللَّهِ بَاطِنُ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ سَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ عَلَى النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ مَا زَادَنِي اللَّهُ وَ خَصَّنِي اللَّهُ مِنْ عِلْمٍ وَ مَا تَعْلَمُونَهُ. وَ أَمَّا قَوْلُهَا لَهُ: يَا مَنْ أَنْتَ‏

بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ*

فَإِنَّ عَلِيّاً يَعْلَمُ عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْقَضَايَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ فَمَا ذَا أَنْكَرْتُمْ، فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ نَحْنُ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا مَا تَعْلَمُ لَسَقَطَ الِاعْتِذَارُ، وَ الْفَضْلُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِعَلِيٍّ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏

وَ هَذِهِ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقُونَ‏

. فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيرٍ الْقُمِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ صَعْصَعَةَ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، قَالَ‏

قُلْتُ: يَا سَيِّدِي كَمْ مِنْ مَرَّةٍ رُدَّتِ الشَّمْسُ عَلَى جَدِّكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: يَا أَبَا بَصِيرٍ رُدَّتْ لَهُ مَرَّةً عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ، وَ مَرَّتَيْنِ عِنْدَكُمْ بِالْعِرَاقِ.

فَأَمَّا الَّتِي عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) صَلَّى الْعَصْرَ وَ خَرَجَ إِلَى مُنْفَسَحٍ فِي غَرْبِيِّ الْمَدِينَةِ، وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يَتْبَعُهُ وَ لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعَصْرَ فَلَحِقَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) النُّعَاسُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ رَقَدَ فَلَمْ يَنْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِهِ إِلَّا وَ قَدْ تَوَارَتِ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ فَلَمَّا انْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ وَ لَا أَيْقَظْتُكَ مِنْ رَقْدَتِكَ إِجْلَالًا وَ إِعْظَاماً وَ إِشْفَاقاً عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ عَلِيّاً عَظَّمَ نَبِيَّكَ وَ أَشْفَقَ عَلَيْهِ أَنْ يُوقِظَهُ مِنْ رَقْدَتِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ فَكَرِّمْ نَبِيَّكَ وَ وَصِيَّكَ بِرَدِّ الشَّمْسِ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ فَأَقْبَلَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا رَاجِعَةً لَهَا زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ، حَتَّى صَارَتْ فِي مَنْزِلَةِ الشَّمْسِ لِوَقْتِ الْعَصْرِ فَصَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ‏

121

وَ آلِهِ) وَ جَمِيعُ النَّاسِ يَنْظُرُونَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ هَوَتْ إِلَى مَغْرِبِهَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ أَوْ كَالْكَوْكَبِ الْمُنْقَضِّ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنْ يَبْنِيَ فِي مَوْضِعِ صَلَاةِ الْعَصْرِ الَّتِي صَلَّاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَسْجِداً يُصَلَّى فِيهِ وَ يُزَارُ.

قَالَ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): أَنَا رَأَيْتُ هَذَا الْمَسْجِدَ فِي غَرْبِيِّ الْمَدِينَةِ فِي أَرْضِ السَّهْلَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ وَ مِأَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ صَلَّيْتُ بِهِ مَعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَ الْمَسْجِدُ يُجَدَّدُ أَبَداً فِي كُلِّ زَمَانٍ وَ يُعْرَفُ بِمَوْضِعِ رَدَّةِ الشَّمْسِ لِعَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَ هُوَ مَشْهَدٌ مَعْرُوفٌ.

وَ أَمَّا الْأُولَى مِنَ الْمَرَّتَيْنِ فِي الْعِرَاقِ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَارَ بِعَسْكَرِهِ مِنَ النُّخَيْلَةِ مَغْرِباً حَتَّى أَتَى نَهْرَ كَرْبَلَاءَ فَمَالَ إِلَى بُقْعَةٍ يَتَضَوَّعُ مِنْهَا الْمِسْكُ وَ قَدْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ مُظْلِماً مُعْتَكِراً وَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ وَ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ وَ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ وَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ وَ هَاشِمٌ الْمُرِّيُّ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: فَلَمَّا وَقَفَ فِي الْبُقْعَةِ وَ تَرَجَّلَ النَّفَرُ مَعَهُ وَ صَلَّى، وَ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا كَمَا صَلَّيْتُ، وَ لَكُمْ عَلَيَّ عِلْمُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَ مِنَنٌ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهَا، فَقَالَ (عليه السلام) هَذِهِ وَ اللَّهِ الرَّبْوَةُ ذَاتُ‏

قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏

، الَّتِي وُلِدَ فِيهَا عِيسَى (عليه السلام)، وَ فِي مَوْضِعِ الدَّالِيِّ مِنْ ضَفَّةِ الْفُرَاتِ غَسَلَتْ مَرْيَمُ، وَ اغْتَسَلَتْ وَ هِيَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي نَادَى اللَّهُ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، وَ هِيَ مَحَطُّ رِكَابِ مَنْ هَنَّأَ اللَّهُ بِهِ جَدَّهُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَزَّاهُ، فَبَكَوْا وَ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ؟ قَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اخْفِضُوا مِنْ أَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّهُ وَ إِخْوَانَهُ فِي هَذَا السَّوَادِ وَ مَا أُحِبُّ أَنْ يَسْمَعُوا فَيَحْزَنُوا عَلَى الْحُسَيْنِ، عَلَى أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ عَلِمَ وَ فَهِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَ أَخْبَرَهُ بِهِ جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

122

ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ نَثْرِ دَوْحَاتٍ كَأَنَّهُنَّ قَضَبَاتُ اللُّجَيْنِ، فَاشْتَمَّهَا ثُمَّ رَدَّهَا فِي أَيْدِينَا، وَ قَالَ: تَحَيَّوْا بِهَا فَأَخَذْنَاهَا فَإِذَا هِيَ بَعْرُ غِزْلَانٍ فَقَالَ لَنَا:

لَا تَظُنُّوا أَنَّهَا مِنْ غِزْلَانِ الدُّنْيَا، بَلْ هِيَ مِنْ غِزْلَانِ الْجَنَّةِ، تَعْمُرُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ وَ تُؤْنِسُهَا وَ تَنْثُرُ فِيهَا الطِّيبَ.

قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَيْفَ لَنَا بِأَنْ نَرْسِمَ هَذِهِ الْبُقْعَةَ بِأَبْصَارِنَا، وَ هَذَا اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ يَمْنَعُنَا مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا عَسْكَرُنَا حَائِرٌ لَا يَهْتَدِي مَسِيرَهُ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَا مَوْلَانَا وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ، فَأَيْنَ فَضْلُكَ الْكَبِيرُ لَا يُدْرِكُنَا؟ فَانْفَرَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي جَانِبٍ مِنَ الْبُقْعَةِ، وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَإِذَا الشَّمْسُ قَدْ رَجَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا فَوَقَفَتْ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فَهَلَّلَ الْعَسْكَرُ وَ كَبَّرُوا وَ خَرَّ أَكْثَرُهُمْ سُجَّداً لِلَّهِ، وَ نَظَرُوا إِلَى الْبُقْعَةِ وَ عَرَفُوهَا وَ عَلِمُوا أَيْنَ هِيَ مِنَ الْفُرَاتِ وَ هِيَ كَرْبَلَاءُ ثُمَّ سَارَ الْعَسْكَرُ عَلَى الْجَادَّةِ وَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ.

وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) انْكَفَأَ مِنَ النَّهْرَوَانِ بَعْدَ قَتْلِهِ الْخَوَارِجَ حَتَّى قَرُبَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ وَ قَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَلَمَّا وَجَبَتْ أَقْبَلَ النَّاسُ مِنَ الْعَسْكَرِ وَ هُمْ سَائِرُونَ يَقُولُونَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الصَّلَاةَ لَيْلًا، ثُمَّ يَجْرِي فِي أَرْضٍ قَدْ خَسَفَ اللَّهُ فِيهَا بَطْشَهُ وَ هِيَ أَرْضٌ لَا يُصَلِّي لَهَا نَبِيٌّ وَ لَا وَصِيٌّ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ قَدْ صَلَّى أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ جُوَيْرِيَةَ بْنَ مُسْهِرٍ يَقُولُ:

وَ اللَّهِ لَأُقَلِّدَنَّ صَلَاتِي لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنِّي أصلها [أُصَلِّيهَا وَ قَدْ صَلَّاهَا سَائِرُ الْعَسْكَرِ، وَ لِي بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أُسْوَةٌ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَا صَلَّيْتَ؟

فَقَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَلَّيْتُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَذِّنْ وَ أَقِمْ حَتَّى نُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَصَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ مُنْفَرِدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِنْهَا كَلِمَةً إِلَّا جُوَيْرِيَةُ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ وَ دَعَا بِالْكَلِمَاتِ‏

123

الْإِنْجِيلِيَّةِ، فَأَقْبَلَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ غُرُوبِهَا رَاجِعَةً لَهَا ضَجِيجٌ وَ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ حَتَّى صَارَتْ فِي دَرَجَةِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَصَلَّى وَ جُوَيْرِيَةُ مَعَهُ وَ نَدِمَ أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ فِي صَلَاتِهِمْ دُونَهُ.

قَالَ جُوَيْرِيَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الشَّمْسَ تُرَدُّ لِصَلَاتِكَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ السَّلَامُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ يَا جُوَيْرِيَةُ فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْعَسْكَرِ: فَقَدْ صَلَّيْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْتُمُ الْمَغْرُورُونَ، إِذْ قُلْتُمْ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَرَماً يَكُونُ أَرْبَعِينَ ذِرَاعاً إِلَّا مَحْرَمَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ أَرْبَعَةٌ وَ ثَمَانِيَةٌ بِيَسَارِهَا، وَ كَذَلِكَ أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْ تُبَاشِرُوا فِي الْقِبْلَةِ وَ إِذَا صَلَّيْتُمْ تَبَايَنُوا فَإِنَّكُمْ إِذَا بَاشَرْتُمْ فِي وَسَطِ الْقِبْلَةِ تَبَايَنْتُمْ خَرَجْتُمْ عَنْهَا وَ إِنَّمَا صَلَّيْتُمْ فِي حَرَمِ الْفُرَاتِ، ثُمَّ رَجَعَتِ الشَّمْسُ بِعَيْنِهَا مُنْقَضَّةً كَالْكَوْكَبِ الْمُنْقَضِّ أَوِ الشِّهَابِ الثَّاقِبِ فَلَمَّا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أَمَرَّ الْعَسْكَرَ إِلَى غَرْبِيِّ الْفُرَاتِ فَعَبَرُوا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ عَسْكَرُوا بِقَرْيَةِ سُورِ الْعَقِيقِ وَ أُمِرُوا فِي الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعِشَائَيْنِ وَ سَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ حَتَّى وَرَدَ الْكُوفَةَ.

وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ تُرَدَّ الشَّمْسُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَصِيِّ مُوسَى (عليه السلام) وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ كَانَ آخِرُ قِتَالِهِمْ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَصْحَابُ يُوشَعَ (عليه السلام)، وَ قَالَ قَاتِلُوهُمْ فَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالُوا: لَا نُقَاتِلُ وَ قَدْ دَخَلَ السَّبْتُ فَانْفَرَدَ يُوشَعُ (عليه السلام) فَتَلَا أَسْفَاراً مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِرَدِّ الشَّمْسِ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَا يَحْتَجَّ الْمَارِقُونَ، فَقَالَ يُوشَعُ (عليه السلام): قَاتِلُوا، قَالُوا: لَا نُقَاتِلُ لِأَنَّ السَّبْتَ قَدْ دَخَلَ، قَالَ: هَذَا لَا مِنَ السَّبْتِ وَ لَا مِنَ الْجُمُعَةِ، وَ إِنَّمَا سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَدَّ الشَّمْسِ لِتَظْهَرُوا عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَ لَا يَظْهَرُوا فَقَاتَلُوهُمْ فَغَلَبُوهُمْ وَ مَلَكُوهُمْ وَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ كَانَتْ صَفْرَاءُ ابْنَةُ

124

شُعَيْبٍ النَّبِيِّ (عليه السلام) زَوْجَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام) تُقَاتِلُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (عليه السلام) مَعَ الْمَارِقِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى زَرَّافَةٍ كَمَا قَاتَلَتْ عَائِشَةُ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَصِيَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَعَ الْمَارِقِينَ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى جَمَلٍ.

وَ قَدْ رُدَّتْ لِيُوشَعَ مَرَّةً، وَ قَدْ رُدَّتْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ.

وَ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (عليهما السلام) أَمَرَ بِأَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ خَيْلُهُ حَتَّى أُعْجِبَ بِهَا وَ فَتَنَتْهُ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَأَمَرَ بِرَدِّ خَيْلِهِ فَأَمَرَ بِضَرْبِ سُوقِهَا وَ أَعْنَاقِهَا كَفَّارَةً لِمَا فَوَّتَتْهُ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَ لَمْ تُرَدَّ الشَّمْسُ لَهُ فَصَلَّى الْعَصْرَ، كَمَا رُدَّتْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْفَضْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَنَّ الْفَضْلَ لِلنَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ، وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْوَصِيِّينَ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ.

وَ قَدْ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَ سُلَيْمَانَ (عليه السلام) فَقَالَ تَعَالَى:

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ‏

وَ لَمْ يُخْبِرْ إِلَّا بِهِ وَ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ نَفْسِهِ (عليه السلام) وَ لَا أَخْبَرَ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ عَلَيْهِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَهْمٍ عَنْ أَبِي الصَّامِتِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ:

بَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مُتَجَهِّزٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى قِتَالِهِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ فَعَجَّلَ أَحَدُهُمَا بِالْكَلَامِ وَ زَادَ فِيهِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ لَهُ: اخْسَأْ يَا

125

كَلْبُ فَإِذَا رَأْسُهُ رَأْسُ كَلْبٍ فَبُهِتَ مَنْ كَانَ حَوْلَهُ، وَ أَقْبَلَ الرَّجُلُ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ يَتَضَرَّعُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَسْأَلُهُ الْإِقَالَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَعَادَ خَلْقاً سَوِيّاً فَوَثَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْقُدْرَةُ لَكَ أَرَيْتَنَا إِيَّاهَا وَ أَنْتَ تُجَهِّزُنَا إِلَى قِتَالِ مُعَاوِيَةَ، فَمَا لَكَ لَا تَكْفِينَا بِبَعْضِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْقُدْرَةِ؟ فَأَطْرَقَ قَلِيلًا وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ شِئْتُ لَضَرَبْتُ بِرِجْلِي هَذِهِ الْقَصِيرَةِ فِي طُولِ هَذِهِ الْفَيَافِي وَ الْفَلَوَاتِ وَ الْجِبَالِ وَ الْأَوْدِيَةِ حَتَّى أَضْرِبَ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ عَلَى سَرِيرِهِ فَأَقْلِبَهِ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ، وَ لَوْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ آتِيَ بِهِ قَبْلَ أَنْ أَقُومَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى أَحَدِكُمْ طَرْفُهُ لَفَعَلْتُ وَ لَكِنَّا كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:

عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ عَقِيلِ بْنِ يَحْيَى الْحُسَيْنِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مِيثَمٍ التَّمَّارِ قَالَ:

خَطَبَ بِنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ فَأَطَالَ خُطْبَتَهُ وَ عَجِبَ النَّاسُ مِنْ طُولِهَا وَ حُسْنِ وَعْظِهَا وَ تَرْغِيبِهَا وَ تَرْهِيبِهَا إِذْ دَخَلَ نَذِيرٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ وَ هُوَ مُسْتَغِيثٌ يَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي رَعِيَّتِكَ وَ شِيعَتِكَ، هَذِهِ خَيْلُ مُعَاوِيَةَ قَدْ شَنَّتْ عَلَيْنَا الْغَارَاتِ فِي سَوَادِ الْفُرَاتِ، مَا بَيْنَ هِيتٍ وَ الْأَنْبَارِ، فَقَطَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخُطْبَةَ، وَ قَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ خَيْلَ مُعَاوِيَةَ قَدْ دَخَلَتِ الدَّسْكَرَةَ الَّتِي تَلِي جُدْرَانَ الْأَنْبَارِ فَقَتَلُوا فِيهَا سَبْعَ نِسْوَةٍ وَ سَبْعَةً مِنَ الْأَطْفَالِ ذُكْرَاناً، وَ شَهَرُوهُمْ وَ وَطِئُوهُمْ بِحَوَافِرِ خَيْلِهِمْ، وَ قَالُوا هَذِهِ مُرَاغَمَةً لِأَبِي تُرَابٍ.

فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي رَأَيْتُ بِهَا وَ أَنْتَ عَلَى مِنْبَرِكَ وَ فِي دَارِكَ، وَ خَيْلُ مُعَاوِيَةَ ابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ فَعَلَ بِشِيعَتِكَ مَا فَعَلَ» وَ يَعْلَمُ بِهَا هَذَا النَّذِيرُ، مَا بَالُهَا تَقْصُرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ؟

126

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ‏

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ

فَصَاحَ النَّاسُ فِي جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِلَى مَتَى يَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ، وَ شِيعَتُكَ تَهْلِكُ؟ فَقَالَ لَهُمْ (عليه السلام):

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا

.

فَصَاحَ زَيْدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمُرَادِيُّ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ لَنَا بِالْأَمْسِ وَ أَنْتَ مُتَجَهِّزٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَ تُحَرِّضُنَا عَلَى قِتَالِهِ وَ يَحْتَكِمُ الرَّجُلَانِ فِي الْبَغْلِ، فَيُعَجِّلُ أَحَدُهُمَا عَلَيْكَ فِي الْكَلَامِ فَتَجْعَلُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ، وَ يَسْتَجِيرُكَ فَتَرُدُّهُ بَشَراً سَوِيّاً، وَ نَقُولُ لَكَ مَا بَالُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ لَا تَبْلُغُ مُعَاوِيَةَ فَتَكْفِيَنَا شَرَّهُ، فَتَقُولُ لَنَا: وَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِئِ النَّسَمَةِ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِرِجْلِي هَذِهِ الْقَصِيرَةِ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ فَأَقْلِبَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ، فَمَا بَالُكَ الْيَوْمَ لَا تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَضْعُفَ يَقِينُنَا فَنَشُكَّ فِيكَ فَنَدْخُلَ النَّارَ؟

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَأَفْعَلَنَّ ذَلِكَ وَ لَأُعَجِّلَنَّ عَلَى ابْنِ هِنْدٍ فَمَدَّ رِجْلَهُ الْمُبَارَكَةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَخَرَجَتْ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَ رَدَّهَا إِلَى فَخِذِهِ، وَ قَالَ مَعَاشِرَ النَّاسِ افْهَمُوا تَارِيخَ الْوَقْتِ وَ اعْلَمُوهُ فَلَقَدْ ضَرَبْتُ بِرِجْلِي هَذِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ هُبِطَ بِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْنَ النَّظِرَةُ، فَرَدَدْتُ رِجْلِي عَنْهُ، فَتَوَقَّعَ النَّاسُ وَ وَرَدَ الْخَبَرُ مِنَ الشَّامِ بِتَارِيخِ تِلْكَ السَّاعَةِ بِعَيْنِهَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَتْ مِنْ نَحْوِ أَبْوَابِ كِنْدَةَ مَمْدُودَةً مُتَّصِلَةً قَدْ دَخَلَتْ مِنْ أَبْوَابِ مُعَاوِيَةَ وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى ضَرَبَتْ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ فَأَقْلَبَتْهُ عَنْ سَرِيرِهِ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَصَاحَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حُبَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْآدَمِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْقُرَشِيِّ قَالَ‏

دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ بِالْكُوفَةِ وَ إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ أَبْيَضِ الرَّأْسِ وَ اللِّحْيَةِ يَسْتَمِدُّ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَ يَبْكِي وَ دُمُوعُهُ‏

127

تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَيْخُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى عَلَيَّ نَيِّفٌ وَ مِائَةُ سَنَةٍ لَمْ أَرَ فِيهَا عَدْلًا وَ لَا حَقّاً وَ لَا عِلْماً ظَاهِراً إِلَّا سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ وَ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، فَأَنَا أَبْكِي لِذَلِكَ فَقُلْتُ: وَ مَا تِلْكَ السَّاعَةُ وَ اللَّيْلَةُ وَ الْيَوْمُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ الْعَدْلَ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَ كَانَ لِي ضَيْعَةٌ بِنَاحِيَةِ سُورٍ، وَ كَانَ لَنَا جَارٌ فِي الْقَرْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ وَ كَانَ رَجُلًا مُصَاباً بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ وَ كَانَ خَلِيطاً وَ صَدِيقاً، وَ إِنِّي دَخَلْتُ الْكُوفَةَ يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ بِطَعَامٍ لِي عَلَى أَحْمِرَةٍ لِي أُرِيدُ بَيْعَهُ فَبَيْنَمَا أَنَا أَسُوقُ حَمِيرِي وَ إِذَا بِصَوْتٍ فِي سَبَخَةِ الْكُوفَةِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَافْتَقَدْتُ حَمِيرِي فَكَأَنَّ الْأَرْضَ ابْتَلَعَتْهَا أَوِ السَّمَاءَ تَنَاوَلَتْهَا أَوْ كَأَنَّ الْجِنَّ اخْتَطَفَتْهَا فَمَرَرْتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَلَمْ أَجِدْهَا فَأَتَيْتُ مَنْزِلَ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ مِنْ سَاعَتِي أَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَصَابَنِي فَلَمَّا أَخْبَرْتُهُ قَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أُخْبِرَهُ فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ وَ أَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِلْحَارِثِ انْطَلِقْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَ خَلِّنِي وَ الْيَهُودِيَّ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ حَمِيرَهُ وَ طَعَامَهُ، حَتَّى أَرُدَّهَا إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَ مَضَى حَتَّى أَتَيْنَا الْمَوْضِعَ الَّذِي فَقَدْتُ فِيهِ حَمِيرِي فَوَجَّهَ وَجْهَهُ عَنِّي وَ تَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ بِكَلَامٍ لَا أَفْهَمُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَ اللَّهِ مَا بَايَعْتُمُونِي وَ عَاهَدْتُمُونِي مَعَاشِرَ الْجِنِّ إِلَّا بِالطَّاعَةِ لِي وَ الِاسْتِمَاعِ لِأَمْرِي وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَرُدُّوا عَلَى هَذَا الْيَهُودِيِّ حَمِيرَهُ وَ طَعَامَهُ لَأَنْقُضَنَّ عَهْدَكُمْ وَ لَأُجَاهِدَنَّ فِيكُمْ حَقَّ الْجِهَادِ، قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا فَرَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى رَأَيْتُ حَمِيرِي وَ طَعَامِي بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اخْتَرْ يَا يَهُودِيُّ إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَنْ تَسُوقَ حَمِيرَكَ وَ أَنَا أَحْرُسُهَا مِنْ وَرَائِهَا وَ إِمَّا أَنْ أَسُوقَهَا أَنَا وَ أَنْتَ تَحْرُسُهَا، فَقُلْتُ: أَنَا أَسُوقُهَا وَ تَقَدَّمْ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَقَدَّمَ وَ أَتْبَعْتُهُ الْحَمِيرَ حَتَّى انْتَهَى بِهَا إِلَى الرَّحْبَةِ فَقَالَ: يَا يَهُودِيُّ أَحُطُّ عَنْهَا وَ تَحْفَظُهَا أَنْتَ، أَوْ تَحُطُّ وَ أَحْفَظُهَا أَنَا حَتَّى يُصْبِحَ الصُّبْحُ؟ فَإِنَّهُ عَلَيْكَ بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلَايَ أَنَا أَقْوَى عَلَيْهَا بِالْحَطِّ، وَ أَنْتَ أَقْوَى عَلَيْهَا بِالْحِفْظِ فَقَالَ خَلِّنِي وَ إِيَّاهَا وَ نَمْ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَبَّهَنِي، ثُمَّ قَالَ لِي: قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَاحْفَظْ عَلَيْكَ‏

128

طَعَامَكَ وَ حَمِيرَكَ وَ لَا تَغْفَلْ عَنْهَا حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ فَانْطَلَقَ وَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَتَانِي، وَ قَالَ افْتَحْ عَنْ بُرِّكَ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَفَعَلْتُ ثُمَّ قَالَ: اخْتَرْ خَصْلَةً مِنْ خَصْلَتَيْنِ، إِمَّا تَبِيعُ وَ أَسْتَوْفِي أَنَا، وَ إِمَّا اسْتَوْفِ أَنْتَ وَ أَبِيعُ أَنَا، فَقُلْتُ: أَنَا أَقْوَى عَلَى بَيْعِهَا وَ أَنْتَ أَقْوَى عَلَى اسْتِيفَائِهَا فَبِعْتُ أَنَا وَ اسْتَوْفَى لِيَ الثَّمَنَ، وَ دَفَعَهُ إِلَيَّ وَ قَالَ: أَ لَكَ حَاجَةٌ؟

فَقُلْتُ: نَعَمْ أُرِيدُ أَدْخُلُ إِلَى السُّوقِ فِي شِرَاءِ حَوَائِجَ فَقَالَ: امْضِ حَتَّى أُعِينَكَ عَلَيْهَا، فَإِنَّكَ ذِمِّيٌّ فَلَمْ يَزَلْ مَعِي حَتَّى فَرَغْتُ مِنْ حَوَائِجِي، ثُمَّ وَدَّعَنِي فَقُلْتُ لَهُ عِنْدَ الْفِرَاقَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ خَلِيفَتُهُ عَلَى الْجِنِّ وَ الْإِنس فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْراً. ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى قَرْيَتِي وَ أَقَمْتُ بِهَا شُهُوراً وَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَاشْتَقْتُ إِلَى رُؤْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَقِيلَ لِي قَدْ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَاسْتَرْجَعْتُ وَ صَلَّيْتُ صَلَاةً كَثِيرَةً وَ قُلْتُ عِنْدَ ذَلِكَ ذَهَبَ الْعِلْمُ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ عَدْلٍ رَأَيْتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَ آخِرُ عَدْلٍ رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَمَا لِي لَا أَبْكِي‏

. فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْبَطَائِنِيِّ وَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ مَعْمَرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ:

خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ أَنْ لَا تَذْهَبَ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يَجْرِيَ هَاهُنَا نَهَرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ أَ فَأَنْتُمْ مُصَدِّقُونَ فِيمَا قُلْتُ أَمْ لَا؟ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: وَ اللَّهِ كَأَنَّنِي أَنْظُرُ إِلَى نَهَرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَزْخُرُ فِيهِ الْمَاءُ وَ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ يَحْرِفُهُ طَاغُوتٌ يُنْسَبُ إِلَيْنَا وَ لَيْسَ هُوَ مِنَّا يَكُونُ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْعِتْرَةِ أَوَّلًا عَذَاباً، وَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ آخِراً فَلَمْ تَذْهَبِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى حُفِرَ الْخَنْدَقُ بِالْكُوفَةِ حَفَرَهُ الْمَنْصُورُ فَكَانَ عَذَاباً عَلَى أَهْلِهَا أَوَّلًا وَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ آخِراً، ثُمَ‏

129

جَرَى فِيهِ الْمَاءُ وَ السُّفُنُ وَ انْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْعُودٌ الْمَدَائِنِيُّ، وَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَرْقَدٍ جَمِيعاً عَنْ فَضْلٍ الرَّسُولِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: لَوْ أَرَيْتَنَا مَا تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُنَا مِمَّا فِي يَدِكَ مِمَّا أَنْهَى إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: لَوْ أَرَيْتُكُمْ عَجِيبَةً مِنْ عَجَائِبِي لَكَفَرْتُمْ، وَ قُلْتُمْ: سَاحِرٌ أَوْ كَاهِنٌ وَ لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ قَوْلِكُمْ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّكَ وَرِثْتَ عِلْمَ رَسُولِ اللَّهِ وَ صَارَ إِلَيْكَ فَقَالَ: عِلْمُ الْعَالِمِ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَ أَيَّدَهُ‏

بِرُوحٍ مِنْهُ‏

، فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أُرِيَكُمْ بَعْضَ عَجَائِبِي وَ مَا أَتَانِي مِنَ الْعِلْمِ فَاتَّبِعُوا أَثَرِي، إِذَا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَلَمَّا صَلَّى أَخَذَ طَرِيقَهُ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ وَ اتَّبَعُوهُ وَ هُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا مِمَّنْ كَانُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ وَ كَانُوا شِيعَةً لَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أُرِيكُمْ شَيْئاً حَتَّى آخُذَ عَلَيْكُمْ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ أَلَّا تُكَفِّرُونِّي وَ لَا تَرْمُونِّي بِالْمُعَطِّلَاتِ، وَ اللَّهِ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا بَعْضَ مَا أُعْطِيتُ مِنْ مِيرَاثِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ وَ الْحُجَّةِ عَلَيَّ وَ عَلَيْكُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ ثُمَّ قَالَ: حَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ حَتَّى أَدْعُوَ بِمَا أُرِيدُ فَسَمِعُوهُ جَمِيعاً يَدْعُو بِالدَّعَوَاتِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا وَ يَعْلَمُونَهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ حَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ فَإِذَا هُمْ بِالْقِيَامَةِ قَدْ قَامَتْ، وَ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ قَدْ حَضَرَتْ، وَ حُشِرَ جَمِيعُهُمْ فَمَا شَكُّوا فِي الْقِيَامَةِ وَ أَنَّهُمْ بُعِثُوا وَ حُشِرُوا فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا فَقَالَ هَكَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَحْسَنُهُمْ قَوْلًا: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ عَظِيمٌ، وَ رَجَعُوا مِنْ فَوْرِهِمْ كُفَّاراً إِلَّا رَجُلَانِ فَلَمَّا صَارَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ، قَالَ سَمِعْتُمُا مَقَالَةَ أَصْحَابِكُمَا وَ أَخْذِي عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَ الْمَوَاثِيقَ وَ رُجُوعَهُمْ يُكَفِّرُونَنِي أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَفِي حُجَّتِي، وَ هَكَذَا كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُونَ: سَاحِرٌ كَاهِنٌ كَذَّابٌ، وَ قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ مَا خَلَقَ اللَّهُ‏

130

خَلْقاً كَانَ خَيْراً مِنْهُ، وَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا يُحْلَفُ بِأَعْظَمَ مِنْهُ وَ بِرَسُولِهِ وَ رُسُلِهِ وَ كُتُبِهِ كُلِّهَا إِنِّي لَسْتُ سَاحِراً وَ لَا كَذَّاباً، وَ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا لِي وَ لِرَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْهَاهُ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ، وَ أَنْهَاهُ رَسُولُهُ إِلَيَّ، وَ أَنْهَيْتُهُ إِلَيْكُمْ فَصُدِّقَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ كَذَّبْتُمُونِي وَ كَذَّبْتُمْ رُسُلَهُ وَ نُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ، فَإِذَا رَدَدْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَدْ رَدَدْتُمْ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ أَنْتُمَا رَاجِعُانِ مَعِي وَ فِي قُلُوبِكُمَا مَرَضٌ وَ سَيَرْجِعُ أَحَدُكُمَا كَافِراً قَالا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَرْجُو أَنْ لَا نَكْفُرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ: هَيْهَاتَ الْمُؤْمِنُ قَلِيلٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ‏

وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏

حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَسَمِعْنَاهَا فَإِذَا حَصَى الْمَسْجِدِ دُرّاً وَ يَاقُوتاً وَ لُؤْلُؤاً، فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا دُرٌّ وَ يَاقُوتٌ وَ لُؤْلُؤٌ فَقَالَ لَوْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا لَأَبَرَّ قَسَمِي، فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا كَافِراً وَ الْآخَرُ مُثْبَتاً، وَ أَخَذَ دُرَّةً مِنْ ذَلِكَ الدُّرِّ بَيْضَاءَ لَمْ يَنْظُرْ مِثْلَهَا وَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَخَذْتُ مِنْ ذَلِكَ الدُّرِّ دُرَّةً وَاحِدَةً وَ هِيَ مَعِي، قَالَ فَمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا قَالَ: أَحْبَبْتُ أَعْلَمُ أَ حَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّكَ إِنْ رَدَدْتَهَا إِلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي أَخَذْتَهَا مِنْهُ عَوَّضَكَ اللَّهُ، إن لَمْ تَرُدَّهَا عَوَّضَكَ مِنْهَا النَّارَ، فَقَامَ الرَّجُلُ فَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا فَتَحَوَّلَتْ حَصَاةً كَمَا كَانَتْ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ أَحْسَنْتَ.

وَ كَانَ مِمَّا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ وَ أَبُو الْحَارِثِ الْأَعْوَرُ وَ مِيثَمٌ التَّمَّارُ،

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ حَبِيبٍ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ

أَنَّهُ كَانَ يَوْماً مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي مَجْلِسِ الْقَضَايَا، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مُسْتَعْدِيَةً عَلَى زَوْجِهَا فَتَكَلَّمَتْ بِحُجَّتِهَا وَ تَكَلَّمَ زَوْجُهَا بِحُجَّتِهِ، فَأَوْجَبَ بِحُجَّتِهِ الْقَضَاءَ عَلَيْهَا فَغَضِبَتْ غَضَباً شَدِيداً ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَكَمْتَ عَلَيَّ بِالْجَوْرِ وَ مَا بِهَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا سَلْفَعُ يَا مَهْيَعُ يَا فَرْدَعُ بَلْ حَكَمْتُ عَلَيْكِ بِالْحَقِّ الَّذِي تَعْلَمِينَهُ فَلَمَّا سَمِعَتْ هَذَا الْكَلَامَ قَامَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مُنْسَحِبَةً وَ لَمْ تَرُدَّ

131

عَلَيْهِ جَوَاباً فَاتَّبَعَهَا عُمَرُ بْنُ حَرِيشٍ، فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْكِ الْيَوْمَ عَجَباً، سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قَالَ لَكِ كَلَاماً فَقُمْتِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مُنْهَزِمَةً وَ مَا رَدَدْتِ عَلَيْهِ حَرْفاً، فَأَخْبِرِينِي مَا الَّذِي قَالَ لَكِ حَتَّى لَمْ تَقْدِرِي تَرُدِّينَ عَلَيْهِ جَوَاباً؟ قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَ أَنَا مَا قُمْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يُخْبِرَنِي بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا رَمَانِي بِهِ فَصَبَرْتُ عَلَى وَاحِدَةٍ كَانَتْ أَجْمَلَ مِنْ صَبْرٍ عَلَى وَاحِدَةٍ بَعْدَهَا.

قَالَ لَهَا: فَأَخْبِرِينِي مَا الَّذِي قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّهُ قَالَ لِي مَا أَكْرَهُ ذِكْرَهُ وَ بَعْدُ فَإِنَّهُ قَبِيحٌ أَنْ يَعْلَمَ الرَّجُلُ مَا فِي النِّسَاءِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِلَّا تُعَرِّفِينِي وَ لَا أَعْرِفُكِ وَ لَعَلَّكِ لَا تَرَيِنِّي وَ لَا أَرَاكِ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَدْ أَلَحَّ عَلَيْهَا أَخْبَرَتْهُ بِمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، أَمَّا قَوْلُهُ لِي: يَا سَلْفَعُ، وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ أَيْ لَا تَحِيضُ مِنْ حَيْثُ تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَ أَمَّا قَوْلُهُ: يَا مَهْيَعُ فَإِنِّي وَ اللَّهِ امْرَأَةٌ صَاحِبَةُ نِسَاءٍ وَ مَا أَنَا صَاحِبَةُ رِجَالٍ، وَ أَمَّا قَوْلُهُ: يَا فَرْدَعُ أَيْ إِنِّي لَمُخْرِبَةٌ بَيْتَ زَوْجِي، وَ مَا أُبْقِي عَلَيْهِ شَيْئاً، فَقَالَ: وَيْحَكِ أَ وَ مَا عَلِمْتِ بِهَذَا أَنَّهُ سَاحِرٌ، وَ كَاهِنٌ وَ مَجْنُونٌ أَخْبَرَكِ بِمَا فِيكِ، وَ هَذَا عِلْمٌ كَثِيرٌ؟ فَقَالَتْ: هُوَ وَ اللَّهِ غَيْرُ مَا قُلْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ ذَا وَ لَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَّمَهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ (عليهما السلام) فَكَانَتْ أَحْسَنَ قَوْلًا فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عُمَرَ بْنِ حَرِيشٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) وَ فَارَقَتْهُ، وَ أَقْبَلَ عُمَرُ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا عُمَرَ بْنَ حَرِيشٍ بِمَ اسْتَحْلَلْتَ أَنْ تَرْمِيَنِي بِمَا رَمَيْتَنِي بِهِ؟ وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ أَحْسَنَ قَوْلًا فِيَّ مِنْكَ وَ لَأَقِفَنَّ أَنَا وَ أَنْتَ مَوْقِفاً مِنَ اللَّهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَخَلَّصُ مِنَ اللَّهِ؟ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيْكَ مِمَّا كَانَ فَاغْفِرْ لِي يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَا غَفَرْتُ لَكَ هَذَا الذَّنْبَ حَتَّى أَقِفَ أَنَا وَ أَنْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

132

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ حَفْصٍ الْجَزَائِرِيِّ عَنِ ابْنِ حَسَّانَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ فتوى [قِنْوَا ابْنَةِ رُشَيْدٍ الْهَجَرِيِّ، قَالَ:

قُلْتُ لَهَا: أَخْبِرِينِي بِمَا سَمِعْتِ مِنْ أَبِيكِ، قَالَتْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا رُشَيْدُ كَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَطَعَ يَدَيْكَ وَ رِجْلَيْكَ وَ لِسَانَكَ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ لَيْسَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا رُشَيْدُ أَنْتَ مَعِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، قَالَتْ فتوى [قِنْوَا فَوَاللَّهِ مَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- فَدَعَاهُ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَبَى أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الدَّعِيُّ فَبِأَيِّ مَوْتَةٍ قَالَ لَكَ تَمُوتُ؟ قَالَ أَخْبَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ تَدْعُونِي إِلَى الْبَرَاءَةِ فَلَا أَبْرَأُ مِنْهُ فَتَقْطَعُ يَدَايَ وَ رِجْلَايَ وَ لِسَانِي، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَأُكَذِّبَنَّ قَوْلَهُ فِيكَ فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ تَرَكَ لِسَانَهُ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ هَلْ أَصَابَكَ أَلَمٌ؟ فَقَالَ: لَا يَا بِنْتِي إِلَّا كَالزِّحَامِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَ النَّاسِ، فَلَمَّا احْتَمَلْنَاهُ مِنْ دَارِهِ بِالْكُوفَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ فَقَالَ:

ائْتُونِي بِصَحِيفَةٍ وَ دَوَاةٍ وَ كَتَبَ النَّاسُ عَنْهُ وَ ذَهَبَ اللَّعِينُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُحَدِّثُ وَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْهُ عِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.

وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رُشَيْدُ الْبَلَايَا، وَ كَانَ قَدْ أَلْقَى إِلَيْهِ عِلْمَ الْبَلَايَا وَ الْمَنَايَا فِي حَيَاتِهِ، إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ يَقُولُ يَا فُلَانُ تَمُوتُ مِيتَةَ كَذَا وَ كَذَا، وَ تُقْتَلُ أَنْتَ يَا فُلَانُ قِتْلَةَ كَذَا وَ كَذَا فَيَكُونُ كَمَا قَالَ رُشَيْدٌ.

وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: رُشَيْدُ الْبَلَايَا أَيْ تُقْتَلُ بِهَذِهِ الْقِتْلَةِ

. فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَاسِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْهُوبٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مِيثَمَ التَّمَّارِ يَقُولُ:

دَعَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا مِيثَمُ إِذَا دَعَاكَ‏

133

دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي؟ فَقُلْتُ إِذاً وَ اللَّهِ لَا أَبْرَأُ مِنْكَ يَا مَوْلَايَ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَيَقْتُلَنَّكَ وَ يَصْلُبَنَّكَ، قُلْتُ: إِذاً أَصْبِرُ وَ ذَلِكَ وَ اللَّهِ قَلِيلٌ فِي حُبِّكَ قَالَ: يَا مِيثَمُ إِذاً تَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي.

قَالَ: وَ كَانَ مِيثَمٌ التَّمَّارُ يَمُرُّ بِعَرِيفِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَيَقُولُ لَهُ يَا فُلَانُ كَأَنِّي بِكَ وَ قَدْ دَعَاكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ وَ ابْنُ دَعِيِّهَا يَطْلُبُنِي مِنْكَ فَتَقُولُ هُوَ بِمَكَّةَ، فَيَقُولُ مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَ لَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فَتَخْرُجُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَتُقِيمُ بِهَا أَيَّاماً، فَإِذَا قَدِمْتُ إِلَيْكَ ذَهَبْتَ بِي إِلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَنِي وَ أُصْلَبُ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ ابْتَدَرَ مِنْ مَنْخِرَيَّ دَمٌ عَبِيطٌ.

وَ كَانَ مِيثَمٌ يَمُرُّ بِنَخْلَةٍ فِي السَّبَخَةِ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا فَيَقُولُ: يَا نَخْلَةُ مَا غُرِسْتِ إِلَّا لِي وَ لَا خُلِقْتُ إِلَّا لَكِ، وَ كَانَ يَمُرُّ بِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَيَقُولُ يَا عَمْرُو إِذَا جَاوَرْتُكَ فَأَحْسِنْ مُجَاوَرَتِي، وَ كَانَ عَمْرٌو يَرْوِي عَنْهُ وَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَشْتَرِي دَاراً أَوْ ضَيْعَةً وَ يُجَاوِرُهُ لِذَلِكَ فَيَقُولُ: لَيْتَكَ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ.

ثُمَّ خَرَجَ مِيثَمٌ إِلَى مَكَّةَ فَأَرْسَلَ الطَّاغُوتُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ عَرِيفَ مِيثَمٍ يَطْلُبُهُ مِنْهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِهِ لَأَقْتُلَنَّكَ فَأَجَّلَهُ أَجَلًا، وَ خَرَجَ الْعَرِيفُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ يَنْظُرُ مِيثَمَ فَلَمَّا قَدِمَ مِيثَمٌ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَتى بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) فَلَمَّا أَدْخَلَهُ عَلِيٌّ، قَالَ: يَا مِيثَمُ قَالَ:

نَعَمْ، قَالَ: تَبَرَّأْ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ أَنَا أَبَا تُرَابٍ، قَالَ:

تَبَرَّأْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: إِذاً وَ اللَّهِ أَقْتُلُكَ، قَالَ: وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ كَانَ يَقُولُ لِي إِنَّكَ تَقْتُلُنِي وَ تَصْلُبُنِي عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ ابْتَدَرَ مِنْ مَنْخِرَيَّ دَمٌ عَبِيطٌ، فَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) بِصَلْبِهِ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، فَقَالَ لِلنَّاسِ:

اسْأَلُونِي وَ هُوَ مَصْلُوبٌ قَبْلَ أَنْ أُقْتَلَ فَوَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّكُمْ بِعِلْمِ مَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْفِتَنِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ النَّاسُ حَدَّثَهُمْ حَدِيثاً وَاحِداً

134

فَأَتَى رَسُولٌ مِنْ قِبَلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) فَأَلْجَمَهُ بِلِجَامٍ شَرِيطٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ وَ هُوَ مَصْلُوبٌ حَيّاً فَمَنَعَهُ الْكَلَامَ فَأَقْبَلَ يُشِيرُ إِلَى النَّاسِ بِيَدِهِ وَ يُوحِي بِعَيْنِهِ وَ حَاجِبَيْهِ فَفَهِمَ أَكْثَرُهُمْ مَا يَقُولُهُ فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهِ) بِقَتْلِهِ وَ هُوَ مَصْلُوبٌ عَلَى جِذْعِ تِلْكَ النَّخْلَةِ الَّتِي كَانَ يُخَاطِبُهَا إِذَا مَرَّ بِهَا فِي سَبَخَةِ الْكُوفَةِ وَ كَانَ فِي جِوَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْخَيَّاطِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْخَوَارِجِ إِلَى النَّهْرَوَانِ، وَ اسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَسْكِرُوا بِالْمَدَائِنِ فَتَخَلَّفَ عَنْهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، وَ عَمْرُ بْنُ حَرِيشٍ، وَ قَالُوا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ائْذَنْ لَنَا أَيَّاماً حَتَّى نَقْضِيَ حَوَائِجَنَا وَ نَصْنَعَ مَا نُرِيدُ، ثُمَّ نَلْحَقَ بِكَ فَقَالَ لَهُمْ:

خَدَعْتُمُونِي بِشُغُلِكُمْ، سَوْءاً لَكُمْ مِنْ مَشَائِخَ، وَ اللَّهِ مَا كَانَ لَكُمْ مِنْ حَاجَةٍ تَتَخَلَّفُونَ عَلَيْهَا وَ لَكِنَّكُمْ تَتَّخِذُونَ سُفْرَةً وَ تَخْرُجُونَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَ تَجْلِسُونَ تَنْتَظِرُونَ مُتَنَكِّبُونَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَ تبنطون [تَبْسُطُونَ سُفْرَتَكُمْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ تَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِكُمْ، وَ يَمُرُّ بِكُمْ ضَبٌّ، فَتَأْمُرُونَ غِلْمَانَكُمْ، فَيَصْطَادُونَهُ لَكُمْ وَ يَأْتُونَكُمْ بِهِ فَتَخْلَعُونَ أَنْفُسَكُمْ عَنْ مُبَايَعَتِي، وَ تُبَايِعُونَ الضَّبَّ وَ تَجْعَلُونَهُ إِمَامَكُمْ دُونِي، وَ اعْلَمُوا أَنِّي سَمِعْتُ أَخِي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ:

مَا فِي الدُّنْيَا أَقْبَحُ وَجْهاً مِنْكُمْ لِأَنَّكُمْ تَجْعَلُونَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ إِمَامَكُمْ وَ تَنْقُضُونَ عَهْدَهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ عَلَيْكُمْ وَ تُبَايِعُونَ ضَبّاً وَ سَوْفَ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِمَامُكُمْ ضَبٌّ، وَ هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏

قَالُوا: وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَقْضِيَ حَوَائِجَنَا وَ نَلْحَقَ بِكَ وَ نُوفِيَ بِعَهْدِكَ، وَ هُوَ يَقُولُ: عَلَيْكُمُ الدَّمَارُ وَ سُوءُ الدِّيَارُ وَ اللَّهِ مَا يَكُونُ إِلَّا مَا قُلْتُ لَكُمْ وَ مَا قُلْتُ لَكُمْ إِلَّا الْحَقَّ.

135

وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى إِذَا صَارَ بِالْمَدَائِنِ وَ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى الْخَنْدَقِ وَ ذَهَبُوا وَ مَعَهُمْ سُفْرَةٌ بَسَطُوا فِي الْمَوْضِعِ وَ جَلَسُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَمَرَّ بِهِمْ ضَبٌّ فَأَمَرُوا غِلْمَانَهُمْ فَصَادُوهُ لَهُمْ وَ أَتَوْهُمْ بِهِ فَخَلَعُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ بَايَعُوا الضَّبَّ وَ بَسَطُوا يَدَهُ، وَ قَالُوا لَهُ: أَنْتَ وَ اللَّهِ إِمَامُنَا مَا بَيْعَتُنَا لَكَ وَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَ إِنَّكَ لَأَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، فَكَانَ مَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ كَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا

ثُمَّ لَحِقُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ لَمَّا وَرَدُوا عَلَيْهِ: فَعَلْتُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَ أَعْدَاءَ رَسُولِهِ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَعَلْنَا، فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِنَّ بَيْعَتَكُمْ مَعَ إِمَامِكُمْ، قَالُوا قَدْ أَفْلَحْنَا إِذْ بَايَعْنَا اللَّهَ مَعَكَ، قَالَ: وَ كَيْفَ تَكُونُونَ مَعِي، وَ قَدْ خَلَعْتُمُونِي وَ بَايَعْتُمُ الضَّبَّ؟ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ الضَّبُّ يَسُوقُكُمْ إِلَى النَّارِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ إِنَّا مَا فَعَلْنَا، وَ لَا خَلَعْنَاكَ وَ لَا بَايَعْنَا الضَّبَّ فَلَمَّا رَأَوْهُ كَذَّبَهُمْ وَ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَأَقَرُّوا لَهُ وَ قَالُوا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا قَالَ لَهُمْ وَ اللَّهِ لَا غَفَرْتُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اخْتَرْتُمْ مَسْخاً مَسَخَهُ اللَّهُ، وَ جَعَلَهُ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَذَّبْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَدْ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ خَصْمَهُ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ (عليها السلام).

وَ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) كَانَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فِيمَنْ سَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْكُوفَةِ وَ قَاتَلُوا بِكَرْبَلَاءَ فَقَتَلُوهُ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الطَّبَرِسْتَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا انْقَضَتِ الْهُدْنَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ (لَعَنَهُ اللَّهُ) أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالنِّدَاءِ بِالْكُوفَةِ وَ بِالْبَصْرَةِ وَ هُمَا الْعِرَاقَانِ:

أَنَّكُمْ مَعَاشِرَ شِيعَتِنَا طَالَبْتُمُونَا بِالْمُرَاجَعَةِ عَنْ قِتَالِ مُعَاوِيَةَ وَ الْهُدْنَةِ الَّتِي كُنْتُمْ سَبَبَهَا وَ أَعْوَانُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهَا انْقَضَتْ وَ لَمْ يُمْكِنْ نَقْضُ الْعَهْدِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ‏

136

الْأَجَلُ، وَ عَهْدُ الْهُدْنَةِ، وَ هَا أَنَا مُطِيعُكُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَانْهَضُوا بِنِيَّاتٍ صَحِيحَةٍ وَ قُلُوبٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَ وَفَاءٍ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ عَلَيْكُمْ طَائِعِينَ لَا مُكْرَهِينَ فَاجْتَمَعَ مِنْ شِيعَةِ الْكُوفَةِ وَ الْبَصْرَةِ زُهَاءُ ثَلَاثِينَ أَلْفاً مُحَقِّقُونَ سِوَى مَنْ لَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَمَّا بَرَزُوا وَ صَارُوا بِالنُّخَيْلَةِ وَ سَارُوا إِلَى الْقُطْقُطَانِيَّاتِ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ عَامِلِهِ بِالنَّهْرَوَانِ أَنَّ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الْخَوَارِجِ حَكَّمُوا بِالنَّهْرَوَانِ وَ رَفَعُوا رَايَاتِهِمْ وَ أَشْهَرُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَ وَرَدُوا بِالْمَعْبَرَةِ فَأَخْرَجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ مِنَ الْحُكْمِ، وَ أَتَوْا إِلَيْهِ وَ كَبَّرُوا وَ قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْفَرَنَا بِكَ أَيُّهَا الْخَائِنُ الْكَافِرُ بِكُفْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَ الْمُقِيمُ مَعَهُ عَلَى رِدَّتِهِ، وَ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّكَ وَ زَوْجْتَكَ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ بِدِمَائِكُمْ، وَ أَتَوْا بِخِنْزِيرٍ فَذَبَحُوهُ عَلَى شَطِّ النَّهْرَوَانِ وَ ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ فَوْقَهُ، وَ قَالُوا: وَ اللَّهِ مَا ذَبْحُنَا لَكَ وَ لِهَذَا الْخِنْزِيرِ إِلَّا وَاحِداً.

وَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ مِنْ أَعْبَدِ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَفْضَلِهِمْ وَ أَخْيَرِهِمْ، وَ ذَبَحُوا زَوْجَتَهُ وَ طِفْلَهُ فَوْقَهُ، وَ قَالُوا: هَذَا فِعْلُنَا بِشِيعَةِ عَلِيٍّ وَ أَنْصَارِهِ نَقْتُلُهُمْ وَ لَا نُبْقِي مِنْهُمْ أَحَداً.

فَقَرَأَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْكِتَابَ وَ بَكَى رَحْمَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَ زَوْجَتِهِ وَ طِفْلِهِ وَ قَالَ:

آهْ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَئِنْ فَجَّعَ اللَّهُ بِكَ الدِّينَ لَقَدْ صِرْتَ وَ زَوْجَتُكَ وَ طِفْلُكَ إِلَى جَنَّاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ سَمِعَ مَنْ فِي الْعَسْكَرِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَ صَاحَ النَّاسُ مِنَ الْعَسْكَرِ: فَمَا ذَا تَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: اعْتَدُّوا بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ، فَهَذَا وَ ايْمُ اللَّهِ أَرَى بَوَارَهُمْ وَ لُحُوقَهُمْ بِالنَّارِ.

فَرَجَعَ إِلَى النَّهْرَوَانِ حَتَّى نَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَنْطَرَةِ وَ كَانَ فِي أَصْحَابِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدَبٌ الْأَزْدِيُّ قَدْ دَاخَلَهُ شَكٌّ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَلَحِقَ بِالْخَوَارِجِ (لَعَنَهُمُ اللَّهُ)، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: الْزَمْنِي وَ كُنْ مَعِي حَيْثُ كُنْتُ، وَ حَقِّقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَحَقَّقَهُ إِلَى أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَأَتَاهُ قَنْبَرُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِمَاءٍ

137

فَأَتَاهُ فَأَسْبَغَ وُضُوءَهُ وَ صَلَّى فَأَتَاهُ فَارِسٌ يَرْكُضُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَبَرَ الْقَوْمُ الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): إِنَّهُمْ مَا عَبَرُوهَا، فَقَالَ:

وَ اللَّهِ لَقَدْ عَبَرُوهَا، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبْتَ مَا عَبَرُوهَا وَ لَنْ يَعْبُرُوهَا وَ لَا يَقْتُلُونَ مِنَّا إِلَّا تِسْعَةً وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةٌ.

قَالَ جُنْدَبٌ الْأَزْدِيُّ اللَّهُ أَكْبَرُ هَذِهِ دَلَالَةٌ قَدْ أَعْطَانِي إِيَّاهَا فِيهِمْ فَأَتَاهُ فَارِسٌ آخَرُ يَرْكُضُ فَرَسَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: عَبَرُوا الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبْتَ مَا عَبَرُوهَا وَ لَا يَعْبُرُونَهَا، وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةٌ وَ لَا يُفْقَدُ مِنَّا إِلَّا تِسْعَةٌ.

قَالَ جُنْدَبٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ هَذِهِ دَلَالَةٌ أُخْرَى، فَأَتَاهُ فَارِسٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ أَنْ يَعْبُرُوهَا وَ مَا عَبَرُوهَا، قَالَ: صَدَقْتَ.

وَ كَانَ لِجُنْدَبٍ فَرَسٌ جَوَادٌ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَا سَبَقَنِي أَحَدٌ وَ لَا تَقَدَّمَنِي فِيهِمْ بِرُمْحٍ وَ ضَرَبَ فِيهِمْ بِسَيْفٍ، وَ خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنَ الْعَسْكَرِ وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الْمَخْصُوفُ، وَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مُلَاءَةٌ وَ عَنْ يَمِينِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَ عَنْ يَسَارِهِ أَبُو أَيَّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، يَمْشِي نَحْوَ الْخَوَارِجِ فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِالسِّلَاحِ وَ قَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ إِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَ أَعْدَاءِ رَسُولِهِ وَ أَعْدَائِكَ، حَاسِراً بِغَيْرِ سِلَاحٍ، وَ هُمْ مُقَنَّعُونَ بِالْحَدِيدِ يُرِيدُونَ نَفْسَكَ لَا غَيْرَهَا؟ فَقَالَ: ارْجِعُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.

فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ وَ أَشْرَفَ عَلَى الْقَنْطَرَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ وَرَائِهَا الْوَاقِعَةُ هَاجُوا نَحْوَهُ فَصَاحَ بِهِمْ: مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ إِنَّي جِئْتُكُمْ لِأُقَدِّمَ الْإِعْذَارَ وَ الْإِنْذَارَ إِلَيْكُمْ وَ أَسْأَلَكُمْ مَا تُرِيدُونَ وَ مَا تَطْلُبُونَ وَ تَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ وَ أَسْمَعُ مَا تَقُولُونَ، فَأَخْزَى اللَّهُ الظَّالِمِينَ فَزَجَرَهُمْ.

ثُمَّ قَالَ وَيْلَكُمْ أَيَّهَا الْخَوَارِجُ أَنَا أَعْلَمُ مَا تَقُولُونَ وَ لَا تَعْلَمُونَ مَا أَقُولُ،

138

فَاخْفِضُوا مِنْ أَصْوَاتِكُمْ وَ صَلْصَلَتِكُمْ وَ ضَجِيجِكُمْ وَ لْيَبْرُزْ إِلَيَّ ذُو الْحُكْمِ وَ الرَّأْيِ مِنْكُمْ، فَيَفْهَمَ عَنِّي وَ أَفْهَمَ عَنْهُ فَهَدَؤُا وَ بَرَزَ إِلَيْهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ مَا الَّذِي أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ إِنْ مَرَقْتُمْ مِنْ دِينِ اللَّهِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؟ وَ مَا ذَا أَنْكَرْتُمْ عَلَيَّ؟ وَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ بِالْقِتَالِ إِنْ أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ تَقْبَلُونَهُ، وَ تَقُومُونَ حَتَّى لَا تُعَطَّلَ شَرِيعَةُ اللَّهِ وَ لَا رَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ لَا تَطِيشَ مُسْلِمَةٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.

فَقَالُوا: لَا.

فَقَالَ وَا عَجَبَاهْ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ أَمْراً بِقِتَالٍ أَدْفَعُ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ لَمْ يَقْبَلُوهُ، قَالُوا: وَ كَيْفَ نَقْبَلُهُ وَ نَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَكُمْ؟ قَالَ: أَخْبِرُوني مَا الَّذِي أَرَدْتُمْ لِلْقِتَالِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَ لَا جَوَابٍ، فَقَالُوا: أَنْكَرْنَا أَشْيَاءَ يَحِلُّ لَنَا قَتْلُكَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا.

فَقَالَ لَهُمْ (عليه السلام): فَاذْكُرُوهَا فَقَالُوا: أَوَّلُهَا: أَنَّكَ كُنْتَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ، وَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَ قَاضِيَ دَيْنِهِ، وَ مُنْجِزَ عِدَاتِهِ، وَ أَخَذَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ الْبَيْعَةَ فِي أَرْبَعِ مَوَاطِنَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: فِي يَوْمِ الدَّارِ، وَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ فِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ، وَ سَمَّاكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَشَاغَلْتَ بِوَفَاتِهِ، وَ تَرَكْتَ قُرَيْشاً وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ يَتَدَاوَلُونَ الْخِلَافَةَ، وَ الْمُهَاجِرُونَ يَقُولُونَ: الْخِلَافَةُ لِمَنِ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ مِنْهَا، وَ سَمَّاهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ قُرَيْشٌ تَقُولُ لَهُمْ لَا نَرْضَى وَ لَا نَعْلَمُ مَا تَقُولُونَ، فَقَالَ لَهُمُ الْأَنْصَارُ: إِذَا مُنِعَ عَلِيٌّ حَقَّهُ فَنَحْنُ وَ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا فَتَعَالَوْا نَنْصِبْ مِنَّا أَمِيراً وَ مِنْكُمْ أَمِيراً فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ فَقَامَتْ قَسَامَةٌ أَرْبَعُونَ شَاهِداً يَشْهَدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَطِيعُوهُمْ مَا أَطَاعُوا اللَّهَ، فَإِنْ‏

139

عَصَوْهُ فَالْحُوهُمْ لَحْيَ هَذَا الْقَضِيبِ، وَ رَمَى الْقَضِيبَ مِنْ يَدِهِ، وَ كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ قَسَامَةٍ، أُقْسِمَتْ بُهْتَاناً وَ زُوراً وَ أُشْهِرَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَ عَقَدُوا الْأَمْرَ بِاخْتِيَارِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَ دَعَوْكَ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَخَرَجْتَ مُكْرَهاً مَسْحُوباً بَعْدَ أَنْ هَيَّأْتَ يُقِيمُ لَكَ فِيهَا عُذْراً، وَ تَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّكَ مَشْغُولٌ بِجَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ وَ تَعْزِيَتِهِنَّ وَ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، وَ مَا كَانَ لَكَ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ فَلَمَّا تَرَكْتَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ لَكَ وَ أَخْرَجْتَ نَفْسَكَ مِنْهُ أَخَّرْنَاكَ نَحْنُ أَيْضاً وَ شَكَكْنَا بِكَ.

قَالَ: هِيهِ، وَ مَا ذَا تُنْكِرُونَ؟

قَالُوا: وَ الثَّانِيَةُ أَنَّكَ حَكَمْتَ يَوْمَ الْجَمَلِ فِيهِمْ بِحُكْمٍ خَالَفْتَهُ بِصِفِّينَ، قُلْتَ لَنَا يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تُقَاتِلُوهُمْ مُوَلِّينَ وَ لَا مُدْبِرِينَ، وَ لَا نِيَاماً وَ لَا أَيْقَاظاً، وَ لَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَ مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ كَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَ أَحْلَلْتَ لَنَا فِي مُحَارَبَتِكَ لِمُعَاوِيَةَ سَبْيَ الْكُرَاعِ وَ أَخْذَ السِّلَاحَ وَ سَبْيَ الذَّرَارِيِّ فَمَا الْعِلَّةُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى أَنَّ هَذَا حَلَالٌ وَ هَذَا حَرَامٌ؟

قَالَ: هِيهِ، ثُمَّ مَا ذَا أَنْكَرْتُمْ؟

قَالُوا: وَ الثَّالِثَةُ أَنَّكَ الْإِمَامُ وَ الْحَاكِمُ وَ الْوَصِيُّ وَ الْخَلِيفَةُ وَ أَنَّكَ أَجَبْتَنَا إِلَى أَنْ حَكَّمْنَا دُونَكَ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ فَكَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ لَا تَفْعَلَ وَ لَا تُجِيبَنَا إِلَى ذَلِكَ وَ تُقَاتِلَنَا بِنَفْسِكَ وَ نُطِيعَكَ، أَوْ تُقْتَلَ وَ لَا تُجِيبَهُمُ عِنْدَ رَفْعِ الْمَصَاحِفِ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الرِّجَالُ وَ أَنْتَ الْحَاكِمُ.

قَالَ: هِيهِ، ثُمَّ مَا ذَا؟

قَالُوا: وَ الرَّابِعَةُ أَنَّكَ كَتَبْتَ كِتَاباً إِلَى مُعَاوِيَةَ تَقُولُ فِيهِ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ، فَرَدَّ الْكِتَابَ إِلَيْكَ وَ كَتَبَ فِيهِ يَقُولُ: إِنِّي لَوْ أَقْرَرْتُ أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَاتَلْتُكَ فَأَكُونُ قَدْ ظَلَمْتُكَ، بَلِ‏

140

اكْتُبْ بِاسْمِكَ وَ اسْمِ أَبِيكَ فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ، فَلَمَّا أَجَبْتَ مُعَاوِيَةَ إِلَى إِخْرَاجِ نَفْسِكَ مِنْ إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ كُنَّا نَحْنُ فِي إِخْرَاجِكُمْ، عَنِ الْآمِرِيَّةِ أَوْلَى.

قَالَ: هِيهِ ثُمَّ مَا ذَا؟

قَالُوا: وَ الْخَامِسَةُ أَنَّكَ قُلْتَ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ فَاحْكُمُوا بِهِ وَ اتْلُوهُ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ فَإِنْ وَجَدْتُمْ مُعَاوِيَةَ أَثْبَتَ مِنِّي فَأَثْبِتُوهُ وَ إِنْ وَجَدْتُمُونِي أَثْبَتَ مِنْهُ فَأَثْبِتُونِي فَشَكَكْتَ فِي نَفْسِكَ فَنَحْنُ فِيكَ أَعْظَمُ شَكّاً.

قَالَ لَهُمْ: بَقِيَ لَكُمْ شَيْ‏ءٌ تَقُولُونَهُ؟ قَالُوا: لَا.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الْجَوَابِ:

1- أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ وَ أَقْرَرْتُمْ مِنِّي مِنَ الْأَمْرِ فِيمَا أَخَذَهُ اللَّهُ لِي وَ رَسُولُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْبَيْعَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ إِلَى أَنْ تَشَاغَلْتُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ وَ فَعَلْتُمْ وَ فَعَلَتْ قُرَيْشٌ وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ مَا فَعَلُوا إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْأَمْرَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَمَا تَقُولُونَ مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ هَلْ تُوجِبُونَ عَلَى آدَمَ إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَعَصَى اللَّهَ إِبْلِيسُ وَ خَالَفَهُ وَ لَمْ يَسْجُدْ لآِدَمَ أَنْ يَدْعُوَ إِبْلِيسَ إِلَى السُّجُودِ لَهُ ثَانِيَةً، فَقَالُوا: لَا، قَالَ: وَ لِمَ؟ قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَعَصَى اللَّهَ وَ خَالَفَهُ وَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَجِبْ لِآدَمَ أَنْ يَدْعُوَهُ بَعْدَهَا.

قَالَ: فَهَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ بِالْحَجِ‏

مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا

فَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْحَجَّ وَ لَمْ يَحُجُّوا لِلْبَيْتِ كَفَرَ الْبَيْتُ أَوْ كَفَرَ النَّاسُ بِتَرْكِهِمْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَجِّ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: بَلْ كَفَرَ النَّاسُ، قَالَ: وَيْحَكُمْ مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ أَ تُعْذِرُونَ آدَمَ وَ تَقُولُونَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ إِبْلِيسَ إِلَى السُّجُودِ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فَعَصَى، وَ خَالَفَ، وَ لَمْ يَفْعَلْ وَ إِنَّمَا أَمَرَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَ لَا تُعْذِرُونَنِي وَ تَقُولُونَ: كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَ قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَمَّوْنِي بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى‏

141

اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَخَذَ لِيَ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ، وَ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ فَرِيضَةٌ، وَ الْإِمَامُ فَرِيضَةٌ، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ الَّتِي تُؤْتَى وَ لَا تُؤْتَى فَتُعْذِرُونَ الْبَيْتَ وَ تُعْذِرُونَ آدَمَ (عليه السلام)، وَ لَا تُعْذِرُونَنِي؟

فَقَالَ الْخَوَارِجُ: صَدَقْتَ وَ كَذَبْنَا، وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ مَعَكَ.

ثُمَّ قَالَ:

2- وَ أَمَّا فِي يَوْمِ الْجَمَلِ بِمَا خَالَفْتُهُ فِي صِفِّينَ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَمَلِ أَخَذُوا عَلَيْهِمْ بَيْعَتِي فَنَكَثُوا وَ خَرَجُوا عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى الْبَصْرَةِ وَ لَا إِمَامَ لَهُمْ وَ لَا دَارُ حَرْبٍ تَجْمَعُهُمْ، وَ إِنَّمَا خَرَجُوا مَعَ عَائِشَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَعَهُمْ لِإِكْرَاهِهَا لِبَيْعَتِي وَ قَدْ أَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِأَنَّ خُرُوجَهَا خُرُوجُ بَغْيٍ وَ عُدْوَانٍ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏

وَ مَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ غَيْرُهَا فَإِنَّ فَاحِشَتَهَا كَانَتْ عَظِيمَةً، أَوَّلُهَا خِلَافٌ لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَهَا فِي قَوْلِهِ:

وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏

فَأَيُّ تَبَرُّجٍ أَعْظَمُ مِنْ خُرُوجِهَا وَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَجِّ، وَ اللَّهِ مَا أَرَادُوا حَجّاً وَ لَا عُمْرَةً، وَ مَسِيرُهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ إِشْعَالِهَا حَرْباً قُتِلَ فِيهِ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ يَقُولُ:

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً

فَقُلْتُ لَكُمْ عِنْدَ مَا أَظْهَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَارُ حَرْبٍ تَجْمَعُهُمْ وَ لَا إِمَامٌ يُدَاوِي جِرَاحَهُمْ، وَ لَا يُعِيدُهُمْ إِلَى قِتَالِكُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَ لَوْ كُنْتُ أَحْلَلْتُ لَكُمْ سَبْيَ الذَّرَارِيِّ أَيُّكُمْ كَانَ يَأْخُذُ عَائِشَةَ زَوْجَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي سَهْمِهِ؟

فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَ اللَّهِ فِي جَوَابِكَ وَ أَصَبْتَ وَ أَخْطَأْنَا، وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

142

فَقَالَ لَهُمْ:

3- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ: أَجَبْتُكُمْ عِنْدَ رَفْعِ الْمَصَاحِفِ إِلَى أَنْ حَكَّمْتُمْ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ وَ كُنْتُ الْحَاكِمَ، فَمَا ذَا تَقُولُونَ أَيُّهَا الْخَوَارِجُ فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلَهُمْ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَوَلَّوْهُمُ الْأَدْبَارَ فَمَا هُمْ؟ قَالُوا كُفَّارٌ بِاللَّهِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَلْفُ رَجُلٍ عَلَى التَّمَامِ، وَ الْمُشْرِكُونَ أَلْفَا رَجُلٍ لَا يَزِيدُونَ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ‏

فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): فَإِنْ نَقَصَ مِنْ عَدَدِ الْأَلْفِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ الْكُفَّارِ عَلَى التَّمَامِ مَا هُمْ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا الْمُسْلِمُونَ مَعْذُورُونَ فِي ذَلِكَ، فَضَحِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ تُعْذِرُونَ تِسْعَمِائَةٍ وَ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ رَجُلًا فِي قِتَالِ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَ لَا تُعْذِرُونَنِي، وَ قَدِ الْتَقَانِي رِجَالُ ابْنِ هِنْدٍ فِي مِائَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفاً مَا جَمَعَ حُكْمَ حَاكِمٍ، وَ قَدْ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَقَالُوا: دَعْنَا نُحَكِّمْ عَلَيْكَ مَنْ نَشَاءُ، وَ إِلَّا أَخْرَجْنَا أَنْفُسَنَا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَ أَبْطَلْنَا الْحَكَمَيْنِ وَ ارتدونا [ارْتَدَدْنَا عَنِ الدِّينِ وَ قَعَدْنَا عَنْ نُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: حَكِّمْ مَنْ هُوَ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ فَقُلْتُ لَكُمْ: اخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَقُلْتُمْ: لَا يَحْكُمُ فِينَا مُضَرِيٌّ وَ لَا هَاشِمِيٌّ، فَأَعْرَضْتُمْ عَنِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الَأَنْصَارِ وَ أَظْهَرْتُمْ مُخَالَفَتَكُمْ لِي، وَ كَتَبْتُمْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، وَ قَدْ قَعَدَ عَنْ نُصْرَتِنَا وَ هُوَ فَدْمٌ حِمَارٌ فَحَكَّمْتُمُوهُ وَ أَنَا أَنْصَحُ لَكُمْ، وَ أَقُولُ لَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تُحَكِّمُوا عَلَيَّ أَحَداً. وَ إِنِّي الْحَاكِمُ عَلَيْكُمْ، وَ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهَا خَدِيعَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقُلْتُمْ اسْكُتْ وَ إِلَّا قَتَلْنَاكَ وَ سَلَّمْنَا هَذَا الْأَمْرَ إِلَى عَبْدٍ أَسْوَدَ وَ جَعَلْنَاهَا بَرْدَةً عَنِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْعُذْرِ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ أَصَبْتَ وَ صَدَقْتَ وَ أَخْطَأْنَا وَ الْحَقُّ مَعَكَ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

قَالَ لَهُمْ:

4- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ إِنِّي كَتَبْتُ كِتَاباً إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ‏

143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مِنْ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ فَأَيُّكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي غَزَاةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ بَيْنَ يَدَيْهِ كِتَاباً إِلَى صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ بِإِملَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ) فِيهِ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى آخِرِ الْكِتَابِ فَأَجَابُوهُ، وَ قَالُوا: نَعَمْ حَضَرْنَا ذَلِكَ الْكِتَابَ وَ أَنْتَ تَكْتُبُهُ لِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ أَ لَيْسَ عَلِمْتُمْ أَنَّ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ رَدَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فَاسْمَانِ نَعْرِفُهُمَا بِالتَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّا لَوْ أَقْرَرْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَاتَلْنَاكَ فَقَدْ ظَلَمْنَاكَ فَاكْتُبْ بِاسْمِكَ وَ اسْمِ أَبِيكَ حَتَّى نُجِيبَكَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ اكْتُبْ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، إِنْ مَحَوْتُ اسْمِي لِيَرُدَّ عَلَيَّ الْجَوَابَ فَاسْمِي لَا يُمْحَى فِي السَّمَاءِ وَ لَا فِي الْأَرْضِ، وَ لَا فِي الدُّنْيَا وَ لَا فِي الْآخِرَةِ، وَ إِنَّمَا أَرَادَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنْ لَا يُجِيبَ عَنِ الْكِتَابِ وَ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ) إِلَى الْآبَاءِ وَ كَتَبْتُ أَنَا إِلَى الْأَبْنَاءِ تَأَسِّياً بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

قَالُوا: صَدَقْتَ وَ أَصَبْتَ وَ أَخْطَأْنَا وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

قَالَ لَهُمْ:

5- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنِّي قُلْتُ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ فَاحْكُمُوا بِهِ وَ اتْلُوهُ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُونِي أَثْبَتَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَأَثْبِتُونِي وَ إِنْ وَجَدْتُمْ مُعَاوِيَةَ أَثْبَتَ مِنِّي فَأَثْبِتُوهُ فَوَ اللَّهِ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ مَا قُلْتُ لَكُمْ هَذَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَيَقَّنْتُ أَنَّ الرَّيْنَ اسْتَوْلَى عَلَى قُلُوبِكُمْ وَ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمْ وَ أَنَّكُمْ قَدْ نَسِيتُمُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ نَسِيتُمْ حَقِّي وَ خَلَا بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَ قُلْتُمْ مَا لَنَا إِلَّا أَنْ نَنْظُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي عَلِيٍّ وَ مُعَاوِيَةَ، فَمَنْ قَرُبَ إِلَى‏

144

الْحَقِّ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَ كُنَّا مَعَهُ فَوَ اللَّهِ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا قَوْلُهُ:

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهَ لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنِّي وَ مِنِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَ مِنِ ابْنِيَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، لَكَانَ هَذَا حَسْبِي بِهَذِهِ الْآيَةِ فَضْلًا عِنْدَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَنْ لَمْ أَسْأَلْكُمْ أَجْراً عَلَى مَا هَدَاكُمُ اللَّهُ وَ أَنْقَذَكُمْ مِنْ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، وَ جَعَلَكُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَ جَعَلَ الشَّفَاعَةَ وَ الْحَوْضَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِيكُمْ إِلَّا مَوَدَّتَنَا لَكَانَ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ، هَذَا وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي حَقِّي‏

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏

وَ مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ زَكَّى فِي رُكُوعِهِ غَيْرِي فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَاءَنِي بِخَاتَمٍ أَنْزَلَهُ جِبْرِيلُ (عليه السلام) مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَمْ يَصُغْهُ صَائِغٌ عَلَيْهِ يَاقُوتَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا

اللَّهُ الْمُلْكَ*

فَتَخَتَّمْتُ بِهِ وَ خَرَجْتُ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ شُكْراً لِلَّهِ عَلَى تِلْكَ الْمَوْهِبَةِ فَأَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ فِي الصَّلَاةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَ قَالَ: هَلْ مِنْ زَكَاةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوصِلُهَا إِلَيَّ يَشْكُرُهَا اللَّهُ لَكَ وَ يُجَازِيكَ عَنْهَا فَوَهَبْتُ ذَلِكَ الْخَاتَمَ لَهُ وَ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْخَاتَمِ وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ وَ أَتْمَمْتُ صَلَاتِي وَ جَلَسْتُ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَ أَحْمَدُهُ وَ أَشْكُرُهُ حَتَّى دَخَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَضَمَّنِي إِلَيْهِ وَ قَبَّلَنِي عَلَى بُلْجَةِ وَجْهِي، وَ قَالَ: هَنَّأَكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ هَنَّأَنِي كَرَامَةً لِي فِيكَ وَ عَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ بِالدُّمُوعِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَ مَا يَلِيهَا وَ قَالَ لَهُمْ وَ لِي آيَةَ الْخُمُسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَ هِيَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ (لَنْ يَنَالَ‏

لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏

) فَمَا هُوَ الله [لِلَّهِ مِنْ خُمُسِ الْغَنَائِمِ إِلَى مَنْ يُرَدُّ؟ قَالُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ فَمَا هُوَ لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ‏

145

إِذَا قُبِضَ الرَّسُولُ إِلَى مَنْ يُرَدُّ؟ قَالُوا إِلَى أُولِي الْقُرْبَى مِنَ الرَّسُولِ وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ قَالَ: وَ الْيَتِيمُ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ الْمَسَاكِينُ إِذَا اسْتَغْنَوْا وَ ابْنُ السَّبِيلِ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ، إِلَى مَنْ يُرَدُّ مَالُهُمْ؟ قَالُوا إِلَى ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الرَّسُولِ، قَالَ: فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ غَنِيمَةٍ مِنْ جِهَادٍ أَوْ فِي احْتِرَافٍ أَوْ فِي مَكْسَبٍ أَوْ مَقْرَضِ الْخَيَّاطِ أَوْ مِنْ غُنْمٍ يُكْسَبُ فَهُوَ لِي، وَ الْحُكْمُ لِي فِيهِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيَّ حَقٌّ، وَ أَنَا شَرِيكُ كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فِي كُلِّ مَا اكْتَسَبَهُ فَإِنْ وَفَّانِي حَقَّ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ مُتَمَثِّلًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ مَنْ بَخَسَنِي حَقِّي كَانَتْ ظُلَامَتِي عِنْدَهُ إِلَى أَنْ‏

يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏

.

قَالُوا: صَدَقْتَ وَ بَرَرْتَ وَ أَصَبْتَ وَ أَخْطَأْنَا وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

قَالَ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ آخِرِ سُؤَالِكُم قَالُوا: صَدَقْتَ، وَ انْحَرَفَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ كَانَتِ اسْتَجَابَتْ إِلَّا الْأَرْبَعَةَ آلَافٍ الَّذِينَ مَرَقُوا، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نُقَاتِلُهُمْ مَعَكَ فَقَالَ: لَا، قِفُوا لَا مَعَنَا وَ لَا عَلَيْنَا، وَ انْظُرُوا إِلَى نُفُوذِ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ.

ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ ثَلَاثاً، فَسَمِعَ جَمِيعُهُمْ: هَلْ أَنْتُمْ مُنِيبُونَ؟ هَلْ أَنْتُمْ رَاجِعُونَ؟ فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: عَنْ قِتَالِكَ، لَا.

فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَتْرُكُوا الْعَمَلَ وَ تَتَّكِلُوا عَلَيَّ بِالْفَضْلِ لِمَنْ قَاتَلَ لَمَا قَاتَلَ هَؤُلَاءِ غَيْرِي، وَ كَانَ لِي مِنَ اللَّهِ الْفَضْلُ عِنْدَهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ فَإِنِّي شَادٌّ فَكَانُوا

كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ‏

أَوْ كَيَوْمٍ‏

فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا

فَمَاتُوا.

فَلَمَّا أَخَذُوا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ؟ فَلَنْ يُقْتَلَ إِلَّا تِسْعَةٌ، وَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةٌ، فَقَدُوا مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَ نَجَا فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا تِسْعَةٌ، وَ عَدُّوا أَصْحَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقْتُولِينَ فَوَجَدُوهُمْ تِسْعَةً.

146

قَالَ: وَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِئِ النَّسَمَةِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَا ضَلَلْتُ وَ لَا أُضْلِلْتُ وَ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، بَيَّنَهَا لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَبَيَّنَهَا نَبِيُّهُ لِي.

ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ ذَا الثُّدَيَّةِ فِي الْقَتْلَى؟ قَالُوا: لَا، قَالَ:

ائْتُوني بِالْبَغْلَةِ، فَقُدِّمَتْ إِلَيْهِ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ الدُّلْدُلُ، فَرَكِبَهَا وَ سَارَ فِي مَصَارِعِهِمْ، فَوَقَفَتْ بِهِ الْبَغْلَةُ وَ هَمْهَمَتْ وَ هَزَّتْ ذَنَبَهَا فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ قَالَ: وَيْحَكُمْ هَذِهِ الْبَغْلَةُ تُخْبِرُنِي أَنَّ ذَا الثُّدَيَّةِ حُرْقُوصاً (لَعَنَهُ اللَّهُ) تَحْتَ هَؤُلَاءِ الْقَتْلَى فَابْحَثُوا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي رُكْنٍ قَدْ دَفَنَ نَفْسَهُ تَحْتَ الْقَتْلَى فَأَخْرَجُوهُ وَ كَشَفُوا عَنْ أَثْوَابِهِ فَإِذَا هُوَ فِي صُورَةٍ عَظِيمَةٍ حَوْلَ حَلَمَتِهِ شَعَرَاتٌ كَشَوْكِ الشَّيْهَمِ، وَ الشَّيْهَمُ ذَكَرُ الْقَنَافِذِ، قَالَ: مُدُّوا حَلَمَتَهُ فَمَدُّوهَا فَبَلَغَتْ أَطْرَافَ أَنَامِلِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَطْلَقُوهَا فَصَارَتْ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ الَّذِي قَتَلَكَ، وَ عَجَّلَ بِكَ، وَ بِأَصْحَابِكَ إِلَى النَّارِ، فَقَتَلُوهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَ هُوَ جَدُّ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ. وَ قَدْ كَانَتِ الْخَوَارِجُ خَرَجُوا إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَرُورَاءَ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ وَ هُوَ غَرْبِيُّ الْفُرَاتِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ فَأَتَاهُ الْخَبَرُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ وَ عَلَيْهِ مُلَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَعَهُ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ فِي مُلَاءَةٍ، وَ الْقَوْمُ شَاكُونَ سِلَاحَهُمْ؟ فَقَالَ:

إِنَّهُ لَيْسَ هُوَ يَوْمَ قِتَالِهِمْ، وَ لَكِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عَلَيَّ فِي قِتَالِ النَّهْرَوَانِ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَجُلٍ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَلَمَّا بَرَزُوا قَالَ لَهُمْ: ارْضَوْا بِمِائَةٍ مِنْكُمْ ثُمَّ قَالَ، لِلْعَشَرَةِ: ارْضَوْا بِرَجُلٍ مِنْكُمْ، وَ قَالَ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ أَوَانِ قِتَالِهِمْ، سَيُفَرَّقُونَ حَتَّى يَصِيرُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَ يَخْرُجُونَ عَلَيَّ فِي قَابِلٍ مِثْلِ هَذَا الشَّهْرِ، وَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَأَخْرُجُ إِلَيْكُمْ فَأَقْتُلُكُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا تِسْعَةُ نَفَرٍ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ هَكَذَا أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَافْتَرَقُوا حَتَّى صَارُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ‏

147

رَجُلٍ يَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا أَخْبَرَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَتَلَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةُ نَفَرٍ

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ غِيَاثِ بْنِ يُونُسَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْعَلَّافِ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ:

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكُوفَةِ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذْ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ حَيَّةٌ كَالخَابُوطِ الْعَظِيمِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً حَمْرَاءَ الْعَيْنَيْنِ مُحَدَّدَةَ الْأَنْيَابِ، حَتَّى دَخَلَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْهَا وَ اضْطَرَبَتْ فَقَطَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْخُطْبَةَ، وَ قَالَ لَهُمْ: أَفْرِجُوا فَإِنَّهَا رَسُولُ قَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَامِرٍ، فَجَاءَتِ الْحَيَّةُ حَتَّى صَعِدَتِ الْمِنْبَرَ وَ وَصَلَتْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ وَضَعَتْ فَاهَا عَلَى أُذُنِهِ وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَ إِنَّهَا تُسَارُّهُ أَسْرَاراً وَ تَنَقْنَقُ كَتَنَقْنُقِ الطَّيْرِ، ثُمَّ كَلَّمَهَا بِكَلَامٍ يُشْبِهُ نَقِيقَهَا، ثُمَّ وَلَّتِ الْحَيَّةُ خَارِجَةً مِنْ حَيْثُ دَخَلَتْ وَ نَزَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَقَالُوا لَهُ: مَا ذَا أَرَادَتِ الْحَيَّةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَ مَا حَالُهَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ الْحَيَّةُ رَسُولُ قَوْمٍ مِنَ الْجِنِّ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَامِرٍ أَخْبَرَتْنِي أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ قَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَنْتَرَةَ شَرٌّ وَ قِتَالٌ فَبَعَثُوا إِلَيَّ هَذِهِ الْحَيَّةَ يَسْأَلُونِّي الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمْ فَوَعَدْتُهُمْ بِذَلِكَ وَ أَنَا آتِيهِمُ اللَّيْلَةَ.

قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ائْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مَعَكَ، قَالَ: أَنَا لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ انْطَلَقَ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ حَتَّى أَتَى بِهِمْ ظَهْرَ الْكُوفَةِ فِي غَرْبِيِّهَا فَخَطَّ عَلَيْهِمْ خَطَّةً ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ هَذِهِ الْخَطَّةِ فَقَعَدُوا فِي الْخَطَّةِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَ قَدْ نُصِبَ مِنْبَرٌ فَصَعِدَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَطَبَ خُطْبَةً لَمْ يَسْمَعِ الْأَوَّلُونَ بِمِثْلِهَا ثُمَّ لَمْ يَبْرَحْ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وَ اقْتَدَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى أَصْحَابِهِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الْجِنِّ حَوْلَهُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأَيْنَا عَجَباً فِي الْمُشَاهَدَةِ، قَالَ: رَأَيْتُمُوهُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَصِفُوهُمْ لِي، قَالُوا: هُمْ أَقْوَامٌ شِبْرٌ بِالطُّولِ شَبِيهٌ بِالزُّطِّ، قَالَ: صَدَقْتُمْ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُمْ‏

148

حَقّاً إِنَّهُمْ بَعَثُوا يَسْتَغِيثُونِّي فَأَغَثْتُهُمْ، وَ كَانَ بَيْنَهُمْ دِمَاءٌ فَخَافُوا أَنْ يَتَفَانَوْا فَأَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ وَ قَرَّبْتُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ زَيْدٍ الْجَلَّابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ إِسَحاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ مِيثَمٍ التَّمَّارِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ الطَّائِيِّ قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ هُوَ يُرِيدُ صِفِّينَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى كَرْبَلَا وَقَفَ بِهَا وَ قَالَ: هَاهُنَا يُقْتَلُ ابْنِيَ الْحُسَيْنُ وَ ثَمَانُ رِجَالٍ مَعَهُ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ ثَلَاثَةٌ وَ خَمْسُونَ مِنْ أَنْصَارِهِ، ثُمَّ سَارَ مَغْرِباً وَ عَدَلَ عَنِ الْجَادَّةِ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ قَاصِداً فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا الْبَرَّ وَ كَانَ يَوْمَ قَيْظٍ شَدِيدَ الْحَرِّ، وَ كَانَ الْمَاءُ فِي الْعَسْكَرِ يَسِيراً إِلَّا أَنَّا كُنَّا عَلَى جَادَّةِ الْفُرَاتِ فَلَمْ تَزَوَّدْهُ بِقَدْرِ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ مَعَنَا وَ عَطِشَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ حَتَّى تَقَطَّعَ النَّاسُ عَطَشاً وَ شَكَوْا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ فَإِذَا بِقَائِمٍ مِنْ حَدِيدٍ شَاهِقٍ عَالٍ فِي رَأْسِهِ رَاهِبٌ، فَقَصَدَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَصَاحَ يَا رَاهِبُ هَلْ بِقُرْبِكَ مَاءٌ فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ رَأْسِ الْقَائِمَةِ، فَقَالَ: وَ أَيْنَ لَنَا بِالْمَاءِ إِلَّا عَلَى حَدِّ فَرْسَخَيْنِ؟ كَيْفَ يَكُونُ الْمَاءُ فِي هَذِهِ الْقَفْرَةِ الْبَيْدَاءِ؟ فَعَدَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَاعٍ رَضْرَاضٍ وَ حَصَى رَمْلٍ فَوَقَفَ هُنَيْهَةً ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يَنْزِلُوا فَنَزَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ فَقَالَ لَهُمْ: هَاهُنَا مَاءٌ فَابْحَثُوا، فَتَلَقَّوْا صَخْرَةً عَلَى عَيْنِ مَاءٍ أَبْيَضَ زُلَالٍ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ فَكَبَّرَ النَّاسُ، وَ بَحَثُوا فِي الْقَاعِ حَتَّى قَلَعُوا كُثْبَاناً مِنْ ذَلِكَ الرَّمْلِ وَ الْحَصَى وَ ظَهَرَتْ لَنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ فَقَالَ لَنَا: دُونَكُمْ إِيَّاهَا، فَاقْتَلِعُوهَا فَبَحَثْنَا عَلَيْهَا فَصَعُبَتْ وَ امْتَنَعَتْ مِنَّا فَقَالَ: ارموها [رَامُوهَا بِأَجْمَعِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَشْرَبُونَ الْمَاءَ وَ لَا تَرْوَوْنَ زُلَالًا إِنْ لَمْ تَقْلَعُوهَا، وَ كُنَّا فِي الْعَسْكَرِ سِتِّينَ أَلْفَ رَجُلٍ وَ تَبِعَ كَثِيرٌ، وَ لَمْ تَبْقَ كَفٌّ مِنَّا إِلَّا رَامَتْ قَلْعَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَلَمْ نَقْدِرْ نَقْلَعُهَا، فَقُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَلَوْتَنَا بِهَا فَوَجَدْنَا ضَعْفَنَا فَأَدْرِكْنَا بِفَضْلِكَ عَلَيْنَا، فَدَنَا مِنْهَا وَ جَرَّدَ

149

ذِرَاعَهُ وَ مَدَّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ كَلَاماً مِنَ الْإِنْجِيلِ: طاب طاب الماء، و العلم طيبوثا؛ و اليوح أسمينا، وَ الحايوثا، و اذا يكونا، ثُمَّ أَهْوَى بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ الْيُمْنَى إِلَى الصَّخْرَةِ وَ اقْتَلَعَهَا كَالْكُرَةِ إِذَا انْضَرَبَتْ مِنَ اللَّعْبِ فَكَبَّرَ النَّاسُ وَ ظَهَرَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ أَبْيَضُ زُلَالٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فِي مَاءِ الدُّنْيَا فَشَرِبْنَا وَ رَوِينَا وَ تَزَوَّدْنَا وَ الرَّاهِبُ مُشْرِفٌ فِي رَأْسِ الْقَائِمَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَيْنَا أَخَذَ الصَّخْرَةَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ فَرَدَّهَا عَلَى تِلْكَ الْعَيْنِ فَكَأَنَّمَا لَمْ تَزَلْ وَ رَدَدْنَا كُلَّمَا بَحَثْنَاهُ مِنَ الرَّمْلِ وَ سِرْنَا فَلَمْ نَبْعُدْ، حَتَّى قَالَ لَنَا: لِيَرْجِعْ بَعْضُكُمْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ لِمَوْضِعِ الصَّخْرَةِ أَثَرٌ؟

فَرَجَعُوا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أَنَّهُمْ مَا رَأَوْا لَهَا أَثَراً، وَ كَانَ وَجْهُ الْقَاعِ عَلَيْهِ سَحِيقُ الرَّمْلِ.

قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ الرَّاهِبُ إِلَى فِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ:

هَذَا وَ اللَّهِ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَوَجَدْنَاهُ فِي الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ وَ نَزَلَ مِنَ الْقَائِمَةِ، وَ لَحِقَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي عَنْ جَدِّي، وَ كَانَ مِنْ حَوَارِيِّ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، وَ الْمَسِيحُ أَخْبَرَهُ بِقُرْبِ هَذَا الْقَائِمِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَ بِهَذِهِ الْعَيْنِ الْمَاءُ الْأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَ أَعْذَبُ مِنْ كُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ وَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِهَا بُنِي ذَلِكَ الدَّيْرُ وَ الْقَائِمُ، وَ أَنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ الْمُؤَدِّي عَنْهُ وَ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ قَدْ رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنِّي أَصْحَبُكَ فِي سَفَرِكَ هَذَا يُصِيبُنِي مَا أَصَابَكَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، وَ دَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَاهِبُ الْزَمْنِي وَ كُنْ قَرِيباً فَإِنَّكَ تُسْتَشْهَدُ مَعِي بِصِفِّينَ وَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْهَرِيرِ بِصِفِّينَ وَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ قُتِلَ الرَّاهِبُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ادْفِنُوا قَتْلَاكُمْ، وَ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَطْلُبُ الرَّاهِبَ فَوَجَدْنَاهُ فَأَخَذَهُ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ دَفَنَهُ فِي لَحْدِهِ. ثُمَّ قَالَ‏

150

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ إِلَى مَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ وَ زَوْجَاتِهِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

مُدَّ الْفُرَاتُ عِنْدَهُمْ بِالْكُوفَةِ عَلَى عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ هُوَ بِهَا مُقِيمٌ مُدَّةً عَظِيمَةً حَتَّى طَغَى وَ عَلَا كَالْجِبَالِ وَ صَارَ بِإِزَاءِ شُرُفَاتِ الْكُوفَةِ وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَدْ خَرَجَ إِلَى النَّجَفِ، وَ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِهِ فَنَظَرَ إِلَى بَعْضِ النَّجَفِ وَ قَالَ لِلنَّفَرِ الَّذِينَ مَعَهُ إِنِّي أَرَى النَّجَفَ يُخْبِرُ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ طَغَى فِي الْفُرَاتِ حَتَّى أَوْفَى عَلَى مَنَازِلِ الْكُوفَةِ وَ أَنَّ النَّاسَ بِهَا ضَجُّوا وَ فَزِعُوا إِلَيْنَا فَقُومُوا بِنَا إِلَيْهِمْ فَأَقْبَلَ هُوَ وَ النَّفَرُ إِلَى الْكُوفَةِ وَ تَلَقَّاهُ أَهْلُهَا صَارِخِينَ مُسْتَغِيثِينَ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ طَغَى الْمَاءُ عَلَيْكُمْ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَكُمْ وَ أَنَا فِيكُمْ، وَ سَارَ يُرِيدُ الْفُرَاتَ وَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ حَتَّى وَرَدَ عَلَى مَجْلِسٍ لِثَقِيفٍ فَتَغَامَزُوا عَلَيْهِ وَ أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَحْدَاثِهِمْ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُغْضَباً فَقَالَ صِغَارُ الْخُدُودِ، قِصَارُ الْغُمُودِ، بَقَايَا ثَمُودَ، عَبِيدُ بَنِي عَبِيدٍ، مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي ثَقِيفَ بِرَغِيفٍ، فَإِنَّهُمْ عَبِيدٌ زُيُوفٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ مَشَايِخُهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ شَبَابٌ لَا يَعْقِلُونَ فَلَا تُؤَاخِذْنَا بِهِمْ فَوَ اللَّهِ إِنَّا لِهَذَا كَارِهُونَ، وَ مَا أَحَدٌ مِنَّا يَرْضَى بِهِ فَاعْفُ عَنَّا، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ فَقَالَ (عليه السلام): لَسْتُ أعفوا [أَعْفُو عَنْكُمْ إِلَّا عَلَى أَنْ لَا أَرْجِعَ إِلَى الْفُرَاتِ أَوْ تَهْدِمُوا مَجْلِسَكُمْ هَذَا وَ كَانَ مَنْظَراً وَ رَوْشَناً مُشْرِفٌ وَ مِيزَابٌ يَصُبُّ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَ تَسُدُّونَ بَلَالِيعَكُمْ فِيهَا فَقَالُوا نَفْعَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ سَكَّرُوا مَجْلِسَهُمْ وَ فَعَلُوا كُلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ حَتَّى أَتَى إِلَى الْفُرَاتِ وَ هُوَ يَزْخُرُ بِأَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ فَسَقَطَ النَّاسُ لِوُجُوهِهِمْ وَ صَاحُوا: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ارْفُقْ بِرَعِيَّتِكَ فَنَزَلَ وَ أَخَذَ قَضِيبَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَرَعَهُ قَرْعَةً وَاحِدَةً، وَ قَالَ: اسْكُنْ يَا أَبَا خَالِدٍ فَانْزَجَرَ الْمَاءُ فَمَا أَتَمَّ كَلَامَهُ، حَتَّى‏

151

ظَهَرَتِ الْأَرْضُ فِي بَطْنِ الْفُرَاتِ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ فَصَاحَ النَّاسُ:

اللَّهَ اللَّهَ رِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلَّا يَمُوتُوا عَطَشاً، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اجْرِ عَلَى قَدَرٍ يَا فُرَاتُ فَجَرَى لَا زَائِداً وَ لَا نَاقِصاً، وَ وُجِدَ فَوْقَ الْجِسْرِ رُمَّانَةٌ فَوَقَعَتْ عَلَى الْجِسْرِ رُمَّانَةٌ لَمْ يُوجَدْ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهَا فَمَدَّ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ لِيَحْمِلُوهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ تَصِلْ أَيْدِيهِمْ إِلَيْهَا فَمَدَّ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ وَ أَخَذَهَا، وَ قَالَ: هَذِهِ رُمَّانَةٌ مِنْ رُمَّانِ الْجَنَّةِ لَا يَمَسُّهَا وَ لَا يَأْكُلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَقَسَمْتُهَا عَلَيْكُمْ فِي بَيْتِ مَالِكُمْ، وَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَتْ فِتْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإٍ وَ أَصْحَابِهِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَ قَالُوا مَا قَالُوهُ، وَ أَحْرَقَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالنَّارِ بَعْدَ أَنِ اسْتَتَابَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَبَوْا وَ لَمْ يَرْجِعُوا فَأَحْرَقَهُمْ فِي صَحْرَاءِ الْأُخْدُودِ.

و كان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ حَيَّانَ بْنِ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ مُرَادٍ يُقَالُ لَهُ رَبَابُ بْنُ رِيَاحٍ قَالَ:

كُنْتُ قَائِماً عَلَى رَأْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَصْحَابِ الْجَمَلِ إِذْ أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ لَهُ:

عَرَفْتُ حَاجَتَكَ قَبْلَ أَنْ تَذْكُرَهَا لِي، جِئْتَ تَطْلُبُ مِنِّي الْأَمَانَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُحِبُّ أَنْ تُؤْمِنَهُ، قَالَ: اذْهَبْ فَجِئْنِي بِهِ يُبَايِعْنِي وَ لَا يَجِيئُنِي إِلَّا رَدِيفاً قَالَ: فَمَا لَبِثَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَقْبَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ خَلْفَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ رَدِيفاً، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَلْ أُبَايِعُكَ قَالَ مَرْوَانُ عَلَى أَنَّ فِي النَّفْسِ مَا فِيهَا، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنِّي لَسْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّمَا أُبَايِعُكَ عَلَى مَا ظَهَرَ لِي، قَالَ: فَمَدَّ يَدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا بَايَعَهُ، قَالَ: هِيهِ يَا ابْنَ الْحَكَمِ قَدْ كُنْتَ تَخَافُ أَنْ تَرَى رَأْسَكَ يُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمَعْمَعَةِ كَلَّا بِاللَّهِ لَا يَكُونُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ صُلْبِكَ طَوَاغِيتُ يَمْلِكُونَ هَذِهِ الرَّعِيَّةَ يَسُومُونَهُمْ خَوْفاً وَ ظُلْماً وَ جَوْراً وَ يَسْقُونَهُمْ كُؤُوساً مُرَّةً. قَالَ مَرْوَانُ كَانَ مِنِّي مَا أَخْبَرَنِي عَلِيٌّ ثُمَّ هَرَبَ فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ وَ كَانَ كَمَا قَالَ‏

152

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزَّيَّاتِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصَمِّ عَنْ بَنِي الْجَارُودِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ:

كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْكُنَاسَةِ، إِذْ أَقْبَلَ أَسَدٌ يَهْوِي فَضَعْضَعْنَا مِنْ حَوْلِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ وَ لَا تَدْخُلْ دَارَ هِجْرَتِي بَعْدَ الْيَوْمِ وَ بَلِّغِ السِّبَاعَ عَنِّي تَتَجَافَى الْكُوفَةَ وَ جَمِيعَ مَا حَوْلَهَا أَلَا إِنَّ طَاعَتِي طَاعَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَصَوُا اللَّهَ وَ خَلَّوْا طَاعَتِي حَكَمْتُ فِيهِمْ فَلَمْ تَزَلِ السِّبَاعُ تَتَجَافَى الْكُوفَةَ إِلَى أَنْ قُبِضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ تَقَلَّدَهَا زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ دَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ (لَعَنَهُ اللَّهُ) فَلَمَّا دَخَلَهَا سُلِّطَتِ السِّبَاعُ عَلَى الْكُوفَةِ وَ مَا حَوْلَهَا حَتَّى أَفْنَتْ أَكْثَرَ النَّاسِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الْقَاسِمِ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ:

بَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَخْطُبُ فِي النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ إِذْ أَقْبَلَتْ أَفْعَى مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الْفِيلِ رَأْسُهَا أَعْظَمُ مِنْ رَأْسِ الْبَعِيرِ تَهْوِي إِلَى نَحْوِ الْمِنْبَرِ فَافْتَرَقَ النَّاسُ فِي جَانِبَيِ الْمَسْجِدِ خَوْفاً مِنْهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ تَطَاوَلَ إِلَى أُذُنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَصْغَى إِلَيْهِ وَ جَعَلَ يُسَارُّهُ مَلِيّاً ثُمَّ نَزَلَ فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بَابَ الْفِيلِ انْقَطَعَ أَثَرُهُ وَ غَابَ عَنِ النَّاسِ فَلَمْ يُرَ، فَلَمْ يَبْقَ مُؤْمِنٌ وَ لَا مُؤْمِنَةٌ، إِلَّا قَالَ هَذَا مِنْ عَجَائِبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ لَمْ يَبْقَ مُنَافِقٌ وَ لَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا قَالَ: هَذَا مِنْ سِحْرِ عَلِيٍّ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَسْتُ سَاحِراً وَ هَذَا الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ عَلَى الْجِنِّ، وَ أَنَا وَصِيُّهُ عَلَى الْإِنسِ وَ هُوَ يُطِيعُنِي أَكْثَرَ مِمَّا تُطِيعُونَنِي وَ هُوَ خَلِيفَتِي فِيهِمْ وَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الْجِنِّ مَلْحَمَةٌ تَتَهَادَرُ فِيهَا الدِّمَاءُ وَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا وَ لَا الْحُكْمُ فِيهَا فَإِنَّهُ مُسَائِلِي عَنِ الْجَوَابِ فِي ذَلِكَ فَأَجَبْتُهُ عَنْهُ بِالْحَقِّ، وَ هَذَا الْمَثَلُ الَّذِي يَمْثُلُ لَكُمْ بِهِ أَرَادَ يُرِيكُمْ فَضْلِي عَلَيْكُمْ الَّذِي هُوَ

153

أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحَارِثِ قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَاطُولِ بِالْكُوفَةِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ فَإِذَا نَحْنُ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ قَدْ وَقَعَ لِحَاؤُهَا وَ بَقِيَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ عُودُهَا يَابِساً فَضَرَبَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهَا: ارْجِعِي بِإِذْنِ اللَّهِ خَضْرَاءَ ذَاتَ ثَمَرٍ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ بِأَغْصَانِهَا مُورِقَةً مُثْمِرَةً، وَ حَمْلُهَا الْكُمَّثْرَي الَّذِي لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فِي فَوَاكِهِ الدُّنْيَا فَأَطْعَمَنَا مِنْهُ وَ تَزَوَّدْنَا وَ حَمَلْنَا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عُدْنَا إِلَيْهَا فَإِذَا بِهَا خَضْرَاءُ فِيهَا الْكُمَّثْرَي‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ قَاسِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ:

لَمَّا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِإِنْجَازِ عِدَاتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَضَاءِ دَيْنِهِ نَادَى مُنَادِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَوْ عِدَةٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيْنَا فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِي‏ءُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَمْلِكُ شَيْئاً فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اقْضِ عَنْ نَبِيِّكَ فَيَجِدُ مَا وَعَدَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَحْتَ الْبِسَاطِ لَا يَزِيدُ وَ لَا يَنْقُضُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ هَذَا يُصِيبُ مَا وَعَدَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) تَحْتَ الْبِسَاطِ وَ نَخْشَى أَنْ يَمِيلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ فَيُنَادِي مُنَادِيكَ أَيْضاً فَإِنَّكَ تَقْضِي كَمَا قَضَى فَنَادَى مُنَادِيهِ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ دَيْنٌ أَوْ عِبْرَةٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيْنَا فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ثَمَانُونَ نَاقَةً سَوْدَاءَ الْمُقْلِ، حَمْرَاءَ الْوَبَرِ، بِأَزِمَّتِهَا وَ رِحَالِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:

تَحْضُرُ عِنْدَنَا غَداً فَمَضَى الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: لَا تَزَالُ فِي ذَلِكَ مُدَّةً وَيْحَكَ مِنْ أَيْنَ فِي الدُّنْيَا ثَمَانُونَ نَاقَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَنَا عِنْدَ النَّاسِ كَاذِبِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ هَاهُنَا مَخْلَصٌ مِنْهُ قَالَ: وَ مَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَحْضِرْ لَنَا بَيِّنَتَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ حَتَّى نُوَفِّيَكَ إِيَّاهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ: إِلَّا مَنْ أَتَاكُمْ‏

154

بِبَيِّنَةٍ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَضَرَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ فَقَالَ:

أُوجِبْتَ الْوَعْدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ: أَحْضِرْ لَنَا بَيِّنَتَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهَذِهِ حَتَّى نُوَفِّيَكَهُ، فَقَالَ: أَتْرُكُ رَجُلًا يُعْطِينِي بِلَا بَيِّنَةٍ وَ أَجِي‏ءُ إِلَى قَوْمٍ لَا يُعْطُونِّي إِلَّا بِبَيِّنَةٍ مَا أَرَى إِلَّا قَدْ تَقَطَّعَتْ بِكُمَا الْأَسْبَابُ، وَ تَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ كَاذِباً لآَتِيَنَّ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) فَلَئِنْ قَالَ لِي كَمَا قُلْتُمَا لَأَرْتَدَّنَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَجَاءَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثَمَانُونَ نَاقَةً حَمْرَاءَ الْوَبَرِ، سَوْدَاءَ الْمُقْلِ، بِأَزِمَّتِهَا وَ رِحَالِهَا فَقَالَ (عليه السلام): اجْلِسْ يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْ نَبِيِّهِ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ يَا حَسَنُ وَ يَا حُسَيْنُ اذْهَبَا إِلَى وَادِي فُلَانٍ، وَ نَادِيَا عِنْدَ شَفِيرِ الْوَادِي: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَيْكُمْ وَ حَبِيبَاهُ وَ وَصِيَّاهُ أَنَّ لِلْأَعْرَابِيِّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَانِينَ نَاقَةً، سَوْدَاءَ الْمُقْلِ، حَمْرَاءَ الْوَبَرِ، بِأَزِمَّتِهَا وَ رِحَالِهَا فَمَضَيَا وَ مَعَهُمَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ قَالا مَا قَالَهُ لَهُمَا، وَ مَنْ تَبِعَهُمَا مِنَ النَّاسِ يَسْمَعُونَ مَا جَاءَ بِهِمَا فَجَاؤُا مِنَ الْوَادِي يَقُولُونَ نَشْهَدُ أَنَّكُمَا حَبِيبَا مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ وَصِيَّاهُ كَمَا قُلْتُمَا فَانْظُرَا حَتَّى نَجْمَعَهَا بَيْنَنَا فَمَا جَلَسْنَا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى ظَهَرَتْ ثَمَانُونَ نَاقَةً حُمْرَ الْوَبَرِ سُودَ الْمُقْلِ بِأَزِمَّتِهَا وَ رِحَالِهَا وَ إِنَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) سَاقَاهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَدَفَعَهَا إِلَى الْأَعْرَابِيِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَبَلَةَ التَّمَّارِ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رِشْدَةَ بْنِ يَزِيدَ الْخَيْبَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ سَالِمِ بْنِ مُكْرَمٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ:

أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سُرِّيَّةً فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَصِلُونَ سَاعَةَ كَذَا وَ كَذَا مِنَ اللَّيْلِ إِلَى أَرْضٍ لَا تَهْتَدُونَ فِيهَا سَيْراً فَإِذَا وَصَلْتُمْ فَخُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ فَإِنَّكُمْ تَمُرُّونَ بِرَجُلٍ فَاضِلٍ خَيِّرٍ فِي كِنَانَةَ فَتَسْتَرْشِدُونَهُ فَيَأْبَى أَنْ يُرْشِدَكُمْ حَتَّى تَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ‏