الهداية الكبرى‏

- حسين بن حمدان الخصيبي‏ المزيد...
288 /
155

فَيَذْبَحُ لَكُمْ كَبْشاً فَيُطْعِمُكُمْ وَ يُرْشِدُكُمُ الطَّرِيقَ فَأَقْرِؤُوهُ مِنِّي السَّلَامَ وَ أَعْلِمُوهُ أَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فِي الْمَدِينَةِ فَمَضَوْا فَلَمَّا وَصَلُوا الْمَوْضِعَ فِي الْوَقْتِ ضَلُّوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ فَفَعَلُوا فَمَرُّوا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَهُمْ فَاسْتَرْشَدُوهُ الطَّرِيقَ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ حَتَّى تَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِنَا فَذَبَحَ لَهُمْ كَبْشاً فَأَكَلُوا مِنْ طَعَامِهِ، وَ قَامَ مَعَهُمْ فَأَرْشَدَهُمُ الطَّرِيقَ، وَ قَالَ لَهُمْ: ظَهَرَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ وَ بَلَّغُوهُ السَّلَامَ، فَخَلَّفَ فِي نِسَائِهِ مَنْ خَلَّفَ وَ مَضَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيُّ [بْنِ الْكَاهِنِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْفَتَى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ كَعْبٍ فَلَبِثَ مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ارْجِعْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هَاجَرْتَ إِلَيَّ مِنْهُ فَإِذَا نَزَلَ أَخِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكُوفَةِ وَ جَعَلَهَا دَارَ هِجْرَتِهِ فَأْتِهِ، فَانْصَرَفَ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ إِلَى نِسَائِهِ حَتَّى إِذَا نَزَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكُوفَةِ أَتَاهُ فَأَقَامَ مَعَهُ بِالْكُوفَةِ فَبَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَالِسٌ وَ عَمْرٌو بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَمْرُو لَكَ دارا [دَارٌ بِعْهَا وَ اجْعَلْهَا فِي الْأَزْدِ فَإِنِّي غَداً لَوْ غِبْتُ عَنْكُمْ لَطَلَبَتْكَ الْأَزْدُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الْكُوفَةِ مُتَوَجِّهاً نَحْوَ الْمَوْصِلِ فَتَمُرُّ بِرَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ فَتَقْعُدُ عِنْدَهُ وَ تَسْتَسْقِيهِ الْمَاءَ فَيَسْقِيكَ وَ يَسْأَلُكَ عَنْ قِصَّتِكَ فَتُخْبِرُهُ وَ سَتُصَادِفُهُ مُقْعَداً فَادْعُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَنْهَضُ صَحِيحاً مُسْلِماً، وَ تَمُرُّ بِرَجُلٍ مَحْجُوبٍ جَالِسٍ عَنْ يَمِينِ الْجَادَّةِ فَتَسْتَسْقِيهِ الْمَاءَ فَيَسْقِيكَ وَ يَسْأَلُكَ عَنْ قِصَّتِكَ، وَ مَا الَّذِي أَخَافَكَ وَ مِمَّنْ تَتَوَقَّى فَحَدِّثْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ طَلَبَكَ لقتلك [لِيَقْتُلَكَ وَ يُمَثِّلَ بِكَ لِإِيمَانِكَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ طَاعَتِكَ لِي وَ إِخْلَاصِكَ لِوَلَايَتِي وَ نُصْحِكَ لِلَّهِ فِي دِينِكَ، فَادْعُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُسْلِمُ فَمُرَّ يَدَكَ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بَصِيراً بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَّبِعَانِكَ وَ يَكُونَانِ هُمَا اللَّذَانِ يُوَارِيَانِ بَدَنَكَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى دَيْرٍ عَلَى نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ الدِّجْلَةُ فَإِنَّ فِيهِ صِدِّيقاً عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْمَسِيحِ (عليه السلام) فَاتَّخِذْهُ عَوْناً مِنَ الْأَعْوَانِ عَلَى سِرِّ صَاحِبَيْكَ، وَ مَا ذَلِكَ إِلَّا لِيَهْدِيَهُ اللَّهُ بِكَ فَإِذَا

156

أَحَسَّ بِكَ شُرْطَةُ ابْنِ الْحَكَمِ وَ هُوَ خَلِيفَةُ مُعَاوِيَةَ بِالْجَزِيرَةِ يَكُونُ مَسْكَنُهُ بِالْمَوْصِلِ فَاقْصِدْ إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي فِي الدَّيْرِ يَتَوَاضَعُ لَكَ حَتَّى تَصِيرَ فِي ذِرْوَتِهِ، فَإِذَا رَآكَ ذَلِكَ فِي أَعْلَى الْمَوْصِلِ فَنَادِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ الَّذِي عَلَّمْتُكَ إِيَّاهُ فَإِنَّ الدَّيْرَ يَتَوَاضَعُ لَكَ حَتَّى تَصِيرَ فِي ذِرْوَتِهِ فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ الرَّاهِبُ الصِّدِّيقُ، قَالَ التَّلَامِيذُ مَعَهُ: لَيْسَ هَذَا أَوَانُ ظُهُورِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ، هَذَا شَخْصٌ كَرِيمٌ، وَ مُحَمَّدٌ قَدْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَ وَصِيُّهُ قَدِ اسْتُشْهِدَ بِالْكُوفَةِ، وَ هَذَا مِنْ حَوَارِيِّهِ ثُمَّ يَأْتِيكَ خَاشِعاً ذَلِيلًا، فَيَقُولُ لَكَ: أَيُّهَا الشَّخْصُ الْعَظِيمُ أَهَّلْتَنِي لِمَا لَمْ أَسْتَحِقَّهُ فَبِمَ تَأْمُرُنِي فَتَقُولُ اسْتُرْ تِلْمِيذَكَ هَذَا مِنْ عَبْدِكَ، وَ يُشْرِفُ عَلَى دَيْرِكَ، فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى، فَإِذَا قَالَ لَكَ: أَرَى خَيْلًا غَائِرَةً نَحْوَنَا فَخَلِّفْ تِلْمِيذَكَ عِنْدَهُ وَ انْزِلْ وَ ارْكَبْ فَرَسَكَ، وَ اقْصِدْ نَحْوَ الْغَارِ عَلَى شَاطِئِ الدِّجْلَةِ، اسْتَتِرْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي دَمِكَ فَسَقَةٌ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، فَإِذَا اسْتَتَرْتَ فِيهِ عَرَفَكَ فَاسِقٌ مِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ يَظْهَرُ لَكَ بِصُورَةِ تِنِّينٍ أَسْوَدَ يَنْهَشُكَ نَهْشاً يُبَالِغُ أَظْفَارَكَ وَ تَعْثُرُ بِكَ فَرَسُكَ، فَيَنْذَرُ بِكَ الْخَيْلُ فَيَقُولُونَ هَذَا فَرَسُ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ وَ يَقْفُونَ أَثَرَكَ فَإِذَا أَحْسَسْتَ بِهِمْ دُونَ الْغَارِ فَابْرُزْ إِلَيْهِمْ بَيْنَ الدِّجْلَةِ وَ الْجَادَّةِ، وَ قَاتِلْهُمْ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا حَضْرَتَكَ وَ حَرَمَكَ فَالْقَهُمْ بِنَفْسِكَ وَ اقْتُلْ مَا اسْتَطَعْتَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرُ اللَّهِ فَاذا غَلَبُوكَ حَزُّوا رَأْسَكَ وَ سَيَّرُوهُ عَلَى قَنَاةٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَ رَأْسُكَ أَوَّلُ رَأْسٍ يُشْهَرُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، ثُمَّ يَبْكِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَقُولُ: وَ قُرَّةُ عَيْنِي ابْنِيَ الْحُسَيْنُ، فَإِنَّ رَأْسَهُ يُشْهَرُ عَلَى قَنَاةٍ وَ تُسْتَبَاحُ ذَرَارِيُّهُ بَعْدَكَ يَا عَمْرُو مِنْ كَرْبَلا غَرْبِيِّ الْفُرَاتِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمَا اللَّعْنَةُ، ثُمَّ يَنْزِلُ صَاحِبَاكَ الْمَحْجُوبُ وَ الْمُقْعَدُ فَيُوَارِيَانِ بَدَنَكَ فِي مَوْضِعِ مَصْرَعِكَ وَ هُوَ بَيْنَ الدَّيْرِ وَ الْمَوْصِلِ فَكَانَ كُلُّ مَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ هَارُونَ بْنِ يَزِيدَ

157

الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الطَّبَرِسْتَانِيِّ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ رُمَيْلَةَ وَ كَانَ رَجُلًا مِنْ خَوَاصِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ رُمَيْلَةُ:

وُعِكْتُ وَعْكاً شَدِيداً فِي زَمَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ ثُمَّ وَجَدْتُ مِنْهُ خِفَّةً فِي نَفْسِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ: لَا أَعْمَلُ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أَعْلُوَ عَلَى الْمَاءِ وَ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ خَلْفَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَلَمَّا عَلَا الْمِنْبَرَ فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ عَاوَدَنِي الْوَعْكُ فَلَمَّا خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ اتَّبَعْتُهُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُتَشَكِّياً بَعْضُكَ إِلَى بَعْضٍ، قَدْ عَلِمْتُ مِنَ الْوَعْكِ وَ مَا قُلْتَ إِنَّكَ لَا تَعْمَلُ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ غُسْلِكَ لِصَلَاتِكَ الْجُمُعَةَ خَلْفِي وَ إِنَّكَ كُنْتَ وَجَدْتَ خفا [خِفَّةً، فَلَمَّا صَلَّيْتُ وَ عَلَوْتُ الْمِنْبَرَ عَادَ إِلَيْكَ، قُلْتُ: وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا زِدْتَ فِي قِصَّتِي حَرْفاً وَ لَا نَقَصْتَ حَرْفاً، قَالَ: يَا رُمَيْلَةُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَ لَا مُؤْمِنَةٍ يَمْرَضُ إِلَّا مَرِضْنَا لِمَرَضِهِ، وَ لَا يَحْزَنُ إِلَّا حَزِنَّا لِحُزْنِهِ، وَ لَا دَعَا إِلَّا أَمَّنَّا عَلَى دُعَائِهِ، وَ لَا شَكَا إِلَّا دَعَوْنَا لَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لِمَنْ كَانَ مَعَكَ فِي هَذَا الْمِصْرِ فَمَنْ كَانَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ كَيْفَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟ قَالَ: يَا رُمَيْلَةُ لَيْسَ بِغَائِبٍ عَنَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا مُؤْمِنَةٌ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا إِلَّا وَ هُوَ مَعَنَا وَ نَحْنُ مَعَهُ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَزِيدَ الْقَزْوِينِيِّ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْمَكْفُوفِ عَنْ مِيثَمٍ التَّمَّارِ عَنْ سَعْدٍ الْعَلَّافِ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

جَاءَ نَفَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالُوا إِنَّ الْمُعْتَمِدَ يَزْعُمُ أَنَّكَ تَقُولُ إِنَّ هَذَا الْجِرِّيَّ مَسْخٌ فَقَالَ مَكَانَكُمْ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ فَتَنَاوَلَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَ مَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْفُرَاتِ بِالْكُوفَةِ فَصَاحَ يَا جِرِّيُّ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَ: أَنْتَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلَايَتُكَ فَجَحَدْتُهَا، وَ لَمْ أَقْبَلْهَا فَمُسِخْتُ جِرِّيّاً، وَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا

158

مَعَكَ يُمْسَخُونَ جِرِّيّاً.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): بَيِّنْ ضَيْعَتَكَ وَ فِيمَنْ كُنْتَ وَ مَنْ كَانَ مَعَكَ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كُنَّا أَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ طَائِفَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَمَرَّدْنَا وَ طَغَيْنَا وَ اسْتَكْبَرْنَا وَ تَجَبَّرْنَا وَ سَكَنَّا الْمَفَاوِزَ رَغْبَةً مِنَّا فِي الْبُعْدِ مِنَ الْمِيَاهِ، وَ الْأَنْهَارِ فَأَتَانَا آتٍ وَ أَنْتَ وَ اللَّهِ أَعْرَفُ بِهِ مِنَّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَجَمَعَنَا فِي صَحْنِ الدَّارِ، وَ صَرَخَ بِنَا صَرْخَةً فَجَمَعَنَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَ كُنَّا مُبَدَّدِينَ فِي تِلْكَ الْمَفَاوِزِ وَ الْقِفَارِ، فَقَالَ لَنَا: مَا لَكُمْ هَرَبْتُمْ مِنَ الْمُدُنِ وَ الْمِيَاهِ وَ الْأَنْهَارِ وَ سَكَنْتُمْ هَذِهِ الْمَفَاوِزَ؟ فَأَرَدْنَا نَقُولُ لِأَنَّنَا فَوْقَ الْعَالَمِ تَكَبُّراً وَ تَعَزُّزاً، فَقَالَ لَنَا: قَدْ عَلِمْتُ مَا فِي نُفُوسِكُمْ فَعَلَى اللَّهِ تَتَعَزَّزُونَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: بَلَى فَقَالَ: أَ لَيْسَ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدَ لَتُؤْمِنُنَّ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَكِّيِّ؟

قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: وَ أَخَذَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدَ بِوَلَايَةِ وَصِيِّهِ وَ خَلِيفَتِهِ بِعَهْدِهِ وَ بَعْدَهُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَسَكَتْنَا فَلَمْ نُجِبْ بِأَلْسِنَتِنَا وَ قُلُوبُنَا وَ نِيَّاتُنَا لَا تَقْبَلُهَا، فَقَالَ: لَا أَوْ تَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ، فَقُلْنَاهَا بِأَجْمَعِنَا بِأَلْسِنَتِنَا وَ قُلُوبُنَا وَ نِيَّاتُنَا: لَا تَقْبَلُهَا، فَصَاحَ بِنَا صَيْحَةً، وَ قَالَ لَنَا: كُونُوا بِإِذْنِ اللَّهِ مُسُوخاً، كُلُّ طَائِفَةٍ جِنْساً، وَ يَا أَيَّتُهَا الْقِفَارُ كُونِي بِإِذْنِ اللَّهِ أَنْهَاراً وَ تَسْكُنُكِ هَذِهِ الْمُسُوخُ وَ تَتَّصِلُ بِحَارُ الدُّنْيَا وَ أَنْهَارُهَا حَتَّى لَا يَكُونَ مَاءٌ إِلَّا كَانُوا فِيهِ فَمُسِخْنَا وَ نَحْنُ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ جِنْساً فَصَاحَتْ اثْنَا عَشَرَ طَائِفَةً:

مِنَّا أَيُّهَا الْمُقْتَدِرُ عَلَيْنَا، بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَعْفَيْتَنَا مِنَ الْمَاءِ، وَ جَعَلْتَنَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ: فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: هِيهِ يَا جِرِّيُّ بَيِّنْ مَا كَانَ الْأَجْنَاسُ الْمَمْسُوخَاتُ الْبَرِّيَّةُ وَ الْبَحْرِيَّةُ، فَقَالَ: أَمَّا الْبَحْرِيَّةُ فَنَحْنُ:

الْجِرِّيُّ، وَ السَّلَاحِفُ، وَ الْمَارْمَاهِي، وَ الزِّمَّارُ، وَ السَّرَاطِينُ، وَ الدَّلَافِينُ، وَ كِلَابُ الْمَاءِ، وَ الضَّفَادِعُ، وَ بَنَاتُ نِقْرِسَ، وَ الْغِرْمَانُ، وَ الْكَوْسَجُ، وَ التِّمْسَاحُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هِيهِ، وَ الْبَرِيَّةُ؟ قَالَ:

نَعَمْ، الْوَزَغُ، وَ الْخُفَّاشُ، وَ الْكَلْبُ، وَ الدُّبُّ، وَ الْقِرْدُ وَ الْخَنَازِيرُ، وَ الضَّبُّ، وَ الْحِرْبَاءُ، وَ الْوَرَلُ، وَ الْخَنَافِسُ، وَ الَأَرْنَبُ، وَ الضَّبُعُ.

159

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: فَمَا فِيكُمْ مِنْ خُلُقِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَ طَبَائِعِهَا؟ قَالَ الْجِرِّيُّ: أَقْوَامُنَا وَ الْبَعْضُ لِكُلِّ صُورَةٍ وَ خِلْقَةٍ، وَ كُلُّنَا تَحِيضُ مِثْلَ الْإِنَاثِ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْجِرِّيُّ، وَ حَفِظْتَ مَا كَانَ، قَالَ الْجِرِّيُّ:

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ (عليه السلام): لِلْأَجَلِ الْمَعْلُومِ وَ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَ اللَّهُ‏

خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏

.

قَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ: فَسَمِعْنَا وَ اللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ الْجِرِّيُّ وَ وَعَيْنَاهُ وَ كَتَبْنَاهُ وَ عَرَضْنَاهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَصَحَّ وَ اللَّهِ لَنَا وَ مُسِخَ مِنْ بَعْضِ الْقَوْمِ الَّذِينَ حَضَرُوا جِرِّيّاً

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَوَارِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَارِسِ بْنِ مَاهَوَيْهِ عَنْ إِسَماعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ مَاهَانَ الْأُبُلِّيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام)

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ حَوْلَهُ مِنْ جِهَةِ الْأَنْبَارِ فِي بَنِي مَخْزُومٍ، وَ أَنَّ إِنْسَاناً مِنْهُمْ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا خَالِي إِنَّ صَاحِبِي وَ تِرْبِي مَاتَ ضَالًّا وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَحَزِينٌ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

أَ تُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَبِسَ بُرْدَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى أَنْ أَتَى إِلَى قَبْرٍ، فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ الْقَبْرَ فَخَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ قَبْرِهِ وَ هُوَ يَقُولُ: ويله وبيه سلان، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الْمَخْزُومِيُّ: أَ وَ لَمْ تَمُتْ وَ أَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ؟ قَالَ كُنَّا عَلَى سُنَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَ نَحْنُ الْيَوْمَ عَلَى سُنَّةِ الْفُرْسِ فَلَيْسَتْ أَلْسِنَتُنَا عَلَى دِينِ اللَّهِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): ارْجِعْ إِلَى مَضْجَعِكَ وَ انْصَرَفَ الْمَخْزُومِيُّ مَعَهُ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَبَّاحٍ الْآمِرِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ خَضِرٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ يَأْمُرُ بِوَفَاءِ الْكَيْلِ وَ الْمِيزَانِ وَ هُوَ يَطُوفُ إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، مَرَّ بِرَجُلٍ جَالِسٍ فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: مُرَّ مَعِي إِلَى أَنْ تَدْخُلَ بَيْتِي‏

160

تَتَغَدَّى عِنْدِي، وَ تَدْعُوَ لِي وَ مَا أَحْسَبُكَ الْيَوْمَ تَغَدَّيْتَ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ:

عَلَى أَنْ لَا تَدَّخِرَ مَا فِي بَيْتِكَ وَ لَا تَتَكَلَّفَ مِنْ وَرَاءِ بَابِكَ، قَالَ: لَكَ شَرْطُكَ، وَ دَخَلَ وَ دَخَلْنَا وَ أَكَلْنَا خُبْزاً وَ زَيْتاً، وَ تَمْراً ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَزَلْزَلَتْ ثُمَّ قَالَ:

وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتُمْ مَا هَاهُنَا، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ قَامَ قَائِمُنَا لَأَخْرَجَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْعٍ وَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ بَيْضَةٍ لَهَا وِجْهَاتٌ ثُمَّ أَلْبَسَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً مِنْ وُلْدِ الْعَجَمِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَ إِنَّي أَعْلَمُ ذَلِكَ وَ أَرَاهُ كَمَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ، وَ أَرَاهُ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شِمْرٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَقِبِ عَنْ مَالِكٍ الْأَشْتَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، فَقَالَ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ مَا الَّذِي أَدْخَلَكَ عَلَيَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَا مَالِكُ؟ فَقُلْتُ: خَيْراً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ شَوْقِي إِلَيْكَ فَقَالَ: صَدَقْتَ وَ اللَّهِ يَا مَالِكُ، فَهَلْ رَأَيْتَ أَحَداً بِبَابِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأَيْتُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَخَرَجَ وَ خَرَجْنَا مَعَهُ فَإِذَا بِالْبَابِ رَجُلٌ مَكْفُوفٌ وَ رَجُلٌ أَزْمَنُ وَ رَجُلٌ أَبْرَصُ، فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَصْنَعُونَ بِبَابِي فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جِئْنَاكَ تَشْفِينَا مِمَّا بِنَا فَمَسَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ عَلَيْهِمْ فَقَامُوا مِنْ غَيْرِ زَمَنٍ وَ لَا عَمًى وَ لَا بَرَصٍ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:

مَرَّ مِيثَمٌ التَّمَّارُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ مُسْتَقْبِلَ حَبِيبِ بْنِ مُظَاهِرٍ فَجَلَسَ بَيْنَ بَنِي أَسَدٍ، بِالْكُوفَةِ فَتَحَدَّثَا حَتَّى اخْتَلَفَ أَعْنَاقُ فَرَسَيْهِمَا قَالَ حَبِيبٌ: لَكَأَنِّي شيخ [بِشَيْخٍ أَصْلَعَ ضَخْمِ الْبَطْنِ شبيع البطيح [يَبِيعُ الْبِطِّيخَ‏

161

أَزْرَقِ الْعَيْنَيْنِ قَدْ صُلِبَ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) [فَقَالَ مِيثَمٌ وَ كَأَنِّي وَ قَدْ جاء [جِي‏ءَ برأسي [بِرَأْسِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَ أَخْبَرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، ثُمَّ افْتَرَقَا فَقَالَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ: مَا رَأَيْنَا أَعْجَبَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي تُرَابٍ، يَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيّاً عَلَّمَهُمُ الْغَيْبَ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ أَهْلُ الْمَجْلِسِ حَتَّى جَاءَ رُشَيْدٌ الْهَجَرِيُّ يَطْلُبُهُمَا فَسَأَلَ عَنْهُمَا، فَقَالُوا لَهُ قَدِ افْتَرَقَا وَ سَمِعْنَاهُمَا يَقُولَانِ كَذَا وَ كَذَا، قَالَ رُشَيْدٌ الْهَجَرِيُّ لَهُمْ: رَحِمَ اللَّهُ مِيثَمَ فَقَدْ نَسِيَ أَنَّهُ يُزَادُ فِي عَطَاءِ الَّذِي يجيب رأسه [يَجِى‏ءُ بِرَأْسِهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ: مِيثَمٌ مَصْلُوبٌ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ وَ جِي‏ءَ بِرَأْسِ ابْنِ مُظَاهِرٍ مِنْ كَرْبَلَا وَ قَدْ قُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَ زِيدَ فِي عَطَاءِ الَّذِي حَمَلَ رَأْسَ حَبِيبٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ كَمَا ذُكِرَ، وَ كَانَ كُلُّ مَا قَالُوهُ مِمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَيقِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَحْمَدَ الزَّيَّاتِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَدَنِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ:

بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِذْ أَتَى رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ جِئْتُ مِنْ وَادِي الْقُرَى وَ قَدْ مَاتَ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَهْ لَمْ يَمُتْ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ثَانِيَةً فَقَالَ: لَمْ يَمُتْ، وَ أَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَالِثَةً فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَ تَقُولُ لِي: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، فَقَالَ (عليه السلام): لَمْ يَمُتْ وَ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَقُودَ جَيْشَ ضَلَالَةٍ وَ مَصِيرُهَا النَّارُ يَحْمِلُ رَايَتَهُ حَبِيبُ بْنُ جَمَّازٍ، فَأَتَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ:

نَاشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنَا لَكَ شِيعَةٌ، وَ قَدْ ذَكَرْتَنِي يَا مَوْلَايَ شَيْئاً مَا أَعْرِفُهُ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ عَسَاكَ حَبِيبُ بْنُ جَمَّازٍ؟ فَقَالَ لَهُ: أَنَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ هُوَ فَلَا يَحْمِلُهَا غَيْرُكَ، فَوَلَّى حَبِيبٌ مُغْضَباً فَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: فَوَ اللَّهِ مَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى بَعَثَ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ فِي جَيْشِ ضَلَالَةٍ وَ حَبِيبُ‏

162

بْنُ جَمَّازٍ يَحْمِلُ رَايَتَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ عَلَى آبَائِهِ الطَّاهِرِينَ)، حَتَّى اسْتُشْهِدَ وَ قَاتَلَهُ‏

فكان هذا من دلائله و عجائبه (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ عَنْ أَبِي الْمُطَّلِبِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَدِيحِ بْنِ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ يَقُولُ:

سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ لِعُمَرَ: مَنْ عَلَّمَكَ الْجَهَالَةَ يَا مَغْرُورُ؟ وَ ايْمُ اللَّهِ وَ كُنْتَ بَصِيراً وَ كُنْتَ فِي دُنْيَاكَ تَاجِراً نِحْرِيراً، وَ كُنْتَ فِيمَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أركبت [رَكِبْتَ وَ فَرَشْتَ الْغَضَبَ وَ لِمَا أَحْبَبْتَ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَكَ الرِّجَالُ قِيَاماً، وَ لِمَا ظَلَمْتَ عِتْرَةَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِقَبِيحِ الْفَعَالِ غَيْرَ أَنِّي أَرَاكَ فِي الدُّنْيَا قُبُلًا بِجِرَاحَةِ ابن عَبْدِ أُمِّ مَعْمَرٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِ جَوْراً فَيَقْتُلُكَ تَوْفِيقاً يَدْخُلُ وَ اللَّهِ الْجِنَانَ عَلَى رَغْمٍ مِنْكَ، وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سَامِعاً مُطِيعاً لَمَا وَضَعْتَ سَيْفَكَ فِي عُنُقِكَ، وَ لَمَا خَطَبْتَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَ لَكَأَنِّي بِكَ قَدْ دُعِيتَ فَأَجَبْتَ وَ نُودِيَ بِاسْمِكَ فَأَحْجَمْتَ [وَ إِنَّ لَكَ هَتْكَ سترا [سِتْرٍ وَ صَلْباً وَ لِصَاحِبِكَ الَّذِي اخْتَارَكَ وَ قُمْتَ مَقَامَهُ مِنْ بَعْدِهِ.

فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ أَ مَا تَسْتَحِي لِنَفْسِكَ مِنْ هَذَا إِلَيْكَ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَا قُلْتُ لَكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ وَ مَا نَطَقْتُ إِلَّا مَا عَلِمْتُ.

قَالَ: فَمَتَى هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: إِذَا أُخْرِجَتْ جِيفَتَاكُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ قَبْرَيْكُمَا اللَّذَيْنِ لَمْ تُدْفَنَا فِيهَا إِلَّا لِئَلَّا يَشُكَّ أَحَدٌ فِيكُمَا إِذَا نُبِشْتُمَا، وَ لَوْ دُفِنْتُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَشَكَّ شَاكٌّ، وَ ارْتَابَ مُرْتَابٌ، وَ سَتُصْلَبَانِ عَلَى أَغْصَانِ دَوْحَةٍ يَابِسَةٍ فَتُورِقُ تِلْكَ الدَّوْحَةُ بِكُمَا وَ تَفَرَّعُ وَ تَخْضَرُّ بِكُمَا فَتَكُونَا لِمَنْ أَحَبَّكُمَا وَ رَضِيَ بِفِعْلِكُمَا آيَةً

لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ‏

163

مِنَ الطَّيِّبِ‏

، وَ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمَا وَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَبَّهُمُ الْعَافِيَةَ مِمَّا بُلِيتُمَا بِهِ، قَالَ: فَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ: عِصَابَةٌ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ السُّيُوفِ [وَ أَغْمَادِهَا، وَ ارْتَضَاهُمُ اللَّهُ لِنُصْرَةِ دِينِهِ فَمَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمَا وَ قَدْ أُخْرِجْتُمَا مِنْ قَبْرَيْكُمَا طَرِيَّيْنِ بِصُورَتَيْكُمَا حَتَّى تُصْلَبَا عَلَى الدَّوْحَاتِ، فَتَكُونُ ذَلِكَ فِتْنَةً لِمَنْ أَحَبَّكُمَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالنَّارِ الَّتِي أُضْرِمَتْ لِإِبْرَاهِيمَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ لِجِرْجِيسَ وَ دَانِيَالَ وَ كُلِّ نَبِيٍّ وَ صِدِّيقٍ وَ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ وَ هِيَ النَّارُ الَّتِي أَضْرَمْتُمُوهَا عَلَى بَابِ دَارِي لِتُحْرِقُونِي وَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ ابْنَيَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ ابْنَتَيَّ زَيْنَبَ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ، حَتَّى تُحْرِقَا بِهَا، وَ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْكُمَا رِيحاً مُدْبِرَةً فَتَنْسِفُكُمَا

فِي الْيَمِّ نَسْفاً

وَ يَأْخُذُ السَّيْفُ مَنْ كَانَ مِنْكُمَا وَ يَصِيرُ مَصِيرُكُمَا إِلَى النَّارِ جَمِيعاً، وَ تَخْرُجَانِ إِلَى الْبَيْدَاءِ إِلَى مَوْضِعِ الْخَسْفِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏

يَعْنِي مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِكُمَا.

قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ تُفَرَّقُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؟ قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّكَ سَمِعْتَ هَذَا وَ إِنَّهُ حَقٌّ؟ قَالَ: فَحَلَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَبَكَى عُمَرُ وَ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّا تَقُولُ، فَهَلْ لَكَ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَتْلٌ فَظِيعٌ، وَ مَوْتٌ سَرِيعٌ، وَ طَاعُونٌ شَنِيعٌ، وَ لَا يَبْقَى مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ إِلَّا ثُلُثُهُمْ وَ يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ وُلْدِي وَ تَكْثُرُ الْآفَاتُ حَتَّى يَتَمَنَّى الْأَحْيَاءُ الْمَوْتَ مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ الْأَهْوَالِ، وَ ذَلِكَ مِمَّا أَسَئْتُمَا، فَمَنْ هَلَكَ اسْتَرَاحَ وَ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ نَجَا ثُمَّ يَظْهَرُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً يَأْتِيهِ اللَّهُ بِبَقَايَا قَوْمِ مُوسَى وَ يُحْيَى لَهُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ وَ تُنْزِلُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَ تُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا.

قَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّكَ لَا تَحْلِفُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ فَإِنَّكَ إِنْ تُهَدِّدْنِي بِفَعَالِ‏

164

وَلَدِكَ فَوَ اللَّهِ لَا تَذُوقُ مِنْ حَلَاوَةِ الْخِلَافَةِ شَيْئاً أَنْتَ وَ لَا وُلْدُكَ، وَ إِنَّ قَبْلَ قَوْلِي لَيَنْصُرُنِي وَ لِصَاحِبِي مِنْ وُلْدِكَ قَبْلَ أَنْ أَصِيرَ إِلَى مَا قُلْتَ.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): تَبّاً لَكَ إِنْ تَزْدَادُ إِلَّا عُدْوَاناً فَكَأَنِّي بِكَ قَدْ أَظْهَرْتَ الْحَسْرَةَ وَ طَلَبْتَ الْإِقَالَةَ، حَيْثُ لَا يَنْفَعُكَ نَدَمُكَ.

فَلَمَّا حَضَرَتْ عُمَرَ الْوَفَاةُ أَرْسَلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَبَى أَنْ يَجِي‏ءَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فَطَلَبُوهُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَفَعَلَ فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ هَؤُلَاءِ حالوني [حَلَّلُونِي مِمَّا وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِهِمْ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تحالني [تُحَلِّلَنِي، فَافْعَلْ، فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ: أَ رَأَيْتَ إِنْ حاللتك [حَلَّلْتُكَ فَمَنْ حالل [حَلَّلَ بِتَحْلِيلِ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ وَلَّى وَ هُوَ يَقُولُ:

وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ*

فكان هذا من دلائله (عليه السلام) الذي شهد أكثرها و صح ما نبأ به فهو حق.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ الطَّاطَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَمَاعَةَ الْكُوفِيِّ عَنْ رَاشِدِ بْنِ يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي رَحْبَةِ مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ وَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ حَوْلَهُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ إِذْ طَلَعَتْ غَمَامَةٌ وَ لَهَا زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ هَفِيفٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قَدْ شَاهَدْتُهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْغَمَامَةِ فَنَزَلَتْ وَ دَنَتْ مِنْ يَدِهِ فَبَدَا مِنْهَا جَامٌ يَلْمَعُ حَتَّى غُشِيَتْ أَبْصَارُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ لَمَعَاتِهِ وَ شُعَاعِ نُورِهِ، وَ فَاحَ فِي الْمَسْجِدِ رَوَائِحُ حَتَّى زَالَتْ عُقُولُنَا بِطِيبِهَا وَ مَشَمِّهَا وَ الْجَامُ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَ يُقَدِّسُهُ وَ يُمَجِّدُهُ‏

بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏

حَتَّى نَزَلَ فِي بَطْنِ رَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الْيَمِينِ وَ هُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ وَ صَفِيَّهُ وَ نَبِيَّهُ وَ رَسُولَهُ الْمُخْتَارَ عَلَى الْعَالَمِينَ وَ الْمُفَضَّلَ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ، وَ عَلَى وَصِيِّكَ خَيْرِ الْوَصِيِّينَ وَ أَخِيكَ‏

165

خَيْرِ الْمُؤَاخِينَ وَ خَلِيفَتِكَ خَيْرِ الْمُسْتَخْلَفِينَ وَ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ نُورِ الْمُسْتَضِيئِينَ وَ سِرَاجِ الْمُهْتَدِينَ وَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ ابْنَتِكَ خَيْرِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ الزَّهْرَاءِ فِي الْزَّاهِرِينَ وَ الْبَتُولِ فِي الْمُتَبَتِّلِينَ، وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ وَ عَلَى سِبْطَيْكَ وَ نُورَيْكَ وَ رَيْحَانَتَيْكَ وَ قُرَّةِ عَيْنَيْكَ أَبْنَاءِ عَلِيٍّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، وَ رَسُولُ اللَّهِ وَ سَائِرُ مَنْ كَانَ حَاضِراً يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ الْجَامُ وَ يَغُضُّونَ مِنْ أَبْصَارِهِمْ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ يُكْثِرُ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَ شُكْرِهِ حَتَّى قَالَ الْجَامُ- وَ هُوَ فِي كَفِّهِ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا تَحِيَّةُ اللَّهِ إِلَيْكَ وَ إِلَى أَخِيكَ عَلِيٍّ وَ ابْنَتِكَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ فَرُدَّنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَفِّ عَلِيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خُذْهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَدَّ يَدَهُ الْيُمْنَى فَصَارَ فِي بَطْنِ رَاحَتَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَ اشْتَمَّهُ فَقَالَ مَرْحَباً بِكَرَامَةِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أَكْثَرَ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ الْجَامُ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يُهَلِّلُهُ وَ يُكَبِّرُهُ وَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ طِيبٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا وَ أَنَا أَطْيَبُ مِنْهُ، فَارْدُدْنِي إِلَى فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ كَمَا أَمَرَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ بِهِ فَارْدُدْهُ إِلَى كَفِّ قُرَّةِ عَيْنِي فَاطِمَةَ وَ كَفِّ حَبِيبَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَحْمِلُ الْجَامَ وَ نُورُهُ يَزِيدُ عَلَى نُورِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ رَائِحَتُهُ قَدْ ذَهَلَتِ الْعُقُولَ طِيباً حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَتُهُ وَ بَرَكَاتُهُ) وَ رَدَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَتَحَيَّوْا بِهِ وَ قَبَّلُوهُ وَ أَكْثَرُوا مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَ شُكْرِهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَلَمَّا صَارَ فِي كَفِّهِ قَامَ عُمَرُ عَلَى قَدَمَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَسْتَأْثِرُ بِكُلِّ مَا نَالَكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ تَحِيَّةٍ وَ هَدِيَّةٍ، أَنْتَ وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عُمَرُ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللَّهِ؟

أَ مَا سَمِعْتَ الْجَامَ حَتَّى تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ مَا لَيْسَ لَكَ؟

فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ تَأْذَنُ لِي بِأَخْذِهِ وَ اشْتِمَامِهِ وَ تَقْبِيلِهِ؟ فَقَالَ لَهُ‏

166

رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): مَا أَشَدَّ جَأْشَكَ، قُمْ، إِنْ نِلْتَهُ فَمَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ حَقّاً وَ لَا جَاءَ بِحَقٍّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَدَّ عُمَرُ يَدَهُ نَحْوَ الْجَامِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ وَ ارْتَفَعَ الْجَامُ نَحْوَ الْغَمَامِ، وَ هُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولُ هَكَذَا يَفْعَلُ الْمَزُورُ بِالزَّائِرِ؟

قَالَ: قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ عَلَى قَدَمَيْكَ، وَ امْدُدْ يَدَكَ إِلَى الْغَمَامِ وَ خُذِ الْجَامَ وَ قُلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ أَنْ تُؤَدِّيَهُ إِلَيْنَا ثَانِيَةً، فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى الْغَمَامِ فَتَلَقَّاهُ الْجَامُ فَأَخَذَهُ فَقَالَ لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ لَكَ: مَا ذَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ؟ فَأَتَاهُ الْجَامُ وَ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكُمْ أَنْ قَدْ أَوْقَفَنِي عَلَى نَفْسِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ مِنْ شِيعَتِكُمْ وَ أَمَرَنِي بِحُضُورِ وَفَاتِهِ فَلَا يَسْتَوْحِشُ مِنَ الْمَوْتِ وَ لَا يَيْأَسُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْكُمْ وَ أَنْ أَنْزِلَ عَلَى صَدْرِهِ وَ أَنْ أَكْسُوَهُ مِنْ رَوَائِحِ طِيبِي فَتُقْبَضُ رُوحُهُ وَ هُوَ لَا يَشْعُرُ.

فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا لَيْتَ الْجَامَ مَضَى بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَ لَمْ يَذْكُرْ شِيعَتَهُمْ فَكَانَ هَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)

: خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى بُسْتَانِ الْبَرْنِيِّ وَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَجَلَسَ تَحْتَ نَخْلَةٍ فَرَطُبَتْ وَ نَزَلَ مِنْهَا رُطَبٌ فَوُضِعَ بَيْنَ أَيدِيهِمْ فَأَكَلُوا فَقَالَ رُشَيْدٌ الْهَجَرِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَطْيَبَ هَذَا الرُّطَبَ، فَقَالَ: يَا رُشَيْدُ أَمَا إِنَّكَ تُصْلَبُ عَلَى جِذْعِهَا، قَالَ رُشَيْدٌ: فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهَا أَطْرَافَ النَّهَارِ وَ أَسْقِيهَا وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَخَرَجْنَا يَوْماً وَ قَدْ قُطِعَتْ وَ ذَهَبَ نِصْفُهَا فَقُلْتُ: قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلِي فَجِئْتُ الْيَوْمَ الْآخَرَ فَإِذَا بِالنِّصْفِ الثَّانِي قَدْ جُعِلَ زُرْنُوقاً يُسْتَقَى عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ مَا كَذَبَنِي خَلِيلِي فَأَتَانِي الْعَرِيفُ فَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ فَأَتَيْتُهُ فَلَمَّا وَصَلْتُ الْقَصْرَ فَإِذَا أَنَا بِخَشَبٍ مُلْقًى‏

167

وَ فِيهِ الْزُرْنُوقُ وَ جِئْتُ حَتَّى ضَرَبْتُ الزُّرْنُوقَ بِرِجْلِي، وَ قُلْتُ: إِلَيْكَ أَعَدْتُ وَ إِلَيْكَ أَتَيْتُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ: هَاتِ مِنْ كَذِبِ صَاحِبِكَ، فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ مَا كَانَ يَكْذِبُ وَ لَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تَقْطَعُ يَدَيَّ وَ رِجْلَيَّ وَ لِسَانِي قَالَ: إِذَنْ أُكَذِّبُهُ، اقْطَعُوا يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ اطْرَحُوهُ، فَلَمَّا حُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ أَقْبَلَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِالْعَظَائِمِ وَ مَا يَأْتِي وَ هُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْأَلُونِي فَإِنَّ لِلنَّاسِ عِنْدِي طَلِبَةً لَمْ يَقْضُوهَا.

فَدَخَلَ رَجُلٌ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ قَالَ: بِئْسَمَا صَنَعْتَ بِهِ قَطَعْتَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ تَرَكْتَ اللِّسَانَ فَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِالْعَظَائِمِ قَالَ: رُدُّوهُ فَقَدْ بَلَغَ إِلَيَّ ذَلِكَ فَرَدُّوهُ فَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ وَ صَلَبَهُ عَلَى جِذْعِ تِلْكَ النَّخْلَةِ

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ الْمَخْلُولِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْقَرَنِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ رُشَيْدٍ الْهَجَرِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ‏

كُنْتُ وَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانَ، وَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَيْسُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْمَدِينَةِ إِذْ دَخَلَتْ حَبَابَةُ الْوَالِبِيَّةُ وَ عَلَى رَأْسِهَا كَوْرٌ شَبِيهُ السَّيْفِ، وَ عَلَيْهَا أَطْمَارٌ سَابِغَةٌ مُتَقَلِّدَةُ مُصْحَفٍ، وَ بَيْنَ أَنَامِلِهَا مِسْبَاحٌ مِنْ حَصًى فَسَلَّمَتْ وَ بَكَتْ، وَ قَالَتْ آهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آهِ مِنْ فَقْدِكَ وَا أَسَفَاهْ عَلَى غَيْبَتِكَ وَا حَسْرَتَاهْ عَلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الْغَيْبَةِ مِنْكَ لَا يُلْهَمُ عَنْكَ وَ لَا يُرْغَبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الْخَشْيَةُ وَ إِرَادَةٌ مِنْ أَمْرِي مَعَكَ عَلَى يَقِينٍ وَ بَيَانٍ وَ حَقِيقَةٍ، وَ إِنِّي أَتَيْتُكَ وَ أَنْتَ تَعْلَمُ مَا أُرِيدُ فَمَدَّ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَيْهَا فَأَخَذَ مِنْ يَدِهَا حَصَاةً بَيْضَاءَ تَلْمَعُ وَ تُرَى مِنْ صَفَائِهَا وَ أَخَذَ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ وَ طَبَعَ بِهِ فِي الْحَصَاةِ فَانْطَبَعَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا حَبَابَةُ هَذَا كَانَ مُرَادُكِ مِنِّي؟ فَقَالَتْ: إِي وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أُرِيدُ لِمَا سَمِعْنَاهُ مِنْ نقول [تَفَرُّقِ شِيعَتِكَ وَ اخْتِلَافِهِمْ بَعْدَكَ، فَأَرَدْتُ بِهَذَا بُرْهَاناً يَكُونُ مَعِي إِنْ عُمِّرْتُ بَعْدَكَ- وَ لَا عُمِّرْتُ- وَ يَا لَيْتَنِي وَ قَوْمِي لَكَ الْفِدَاءُ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ

168

وَ شئت شيعه [شَكَّتِ الشِّيعَةُ فَمَنْ يَقُومُ مَقَامَكَ أَتَيْتُهُ بِهَذِهِ الْحَصَاةِ، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلَكَ بِهَا عَلِمْتُ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ وَ أَرْجُو أَنْ لَا أوجد [أُؤَجَّلَ لِذَلِكَ.

قَالَ: بَلَى، وَ اللَّهِ يَا حَبَابَةُ، لَتَلْقَيِنَّ بِهَذِهِ الْحَصَاةِ ابْنَيَّ الْحَسَنَ، وَ الْحُسَيْنَ، وَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى، وَ كُلًّا إِذَا أَتَيْتِهِ اسْتَدْعَى بِالْحَصَاةِ مِنْكِ وَ طَبَعَهَا بِهَذَا الْخَاتَمِ لَكِ فَبِعَهْدِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى تَرَيْنَ فِي نَفْسِكِ بُرْهَاناً عَظِيماً تَعْجَبِينَ مِنْهُ فَتَخْتَارِينَ الْمَوْتَ فَتَمُوتِينَ وَ يَتَوَلَّى أَمْرَكِ وَ يَقُومُ عَلَى حُفْرَتِكِ وَ يُصَلِّي عَلَيْكِ وَ أَنَا مُبَشِّرُكِ بِأَنَّكِ مَعَ الْمَكْرُورَاتِ مَعَ الْمَهْدِيِّ مِنْ ذُرِّيَّتِي إِذَا أَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَهُ.

فَبَكَتْ حَبَابَةُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيْنَ لِأَمَتِكَ الطَّائِعَةِ الضَّعِيفَةِ الْيَقِينِ الْقَلِيلَةِ الْعَمَلِ لَوْ لَا فَضْلُهُ وَ فَضْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ فَضْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَتَأَتَّى هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي أَنَا فِيهَا، وَ اللَّهِ بِمَا قُلْتَهُ لِي مُوقِنَةٌ لِيَقِينِي بِأَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً لَا سِوَاكَ، فَادْعُ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالثَّبَاتِ عَلَى مَا هَدَانِيَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَ لَا أُسْلَبُهُ وَ لَا أَفْتَتِنُ فِيهِ، وَ لَا أَضِلُّ عَنْهُ.

فَدَعَا لَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَ أَصْحَبَهَا خَيْراً.

قَالَتْ حَبَابَةُ: لَمَّا قُبِضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِضَرْبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيِّ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ أَتَيْتُ مَوْلَايَ الْحَسَنَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أَهْلًا وَ سَهْلًا بِكَ يَا حَبَابَةُ هَاتِي الْحَصَاةَ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا (عليه السلام) كَمَا مَدَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَدَهُ فَأَخَذَ الْحَصَاةَ وَ طَبَعَهَا كَمَا طَبَعَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ خرج [أَخْرَجَ ذَلِكَ الْخَاتَمَ بِعَيْنِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ الْحَسَنُ بِالسَّمِّ أَتَيْتُ الْحُسَيْنَ (عليه السلام) فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَرْحَباً بِكِ يَا حَبَابَةُ هَاتِي الْحَصَاةَ، فَأَخَذَهَا وَ خَتَمَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ الْخَاتَمِ، فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ (عليه السلام) أَتَيْتُ عليا [عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَ قَدْ شَكَّ النَّاسُ فِيهِ وَ مَالَتْ شِيعَةُ الْحِجَازِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ‏

169

شَكِّهِمْ فِي زَيْنِ الْعَابِدِينَ (عليه السلام)، وَ صَارَ مِنْ كِبَارِهِمْ جُمَيْعٌ، فَقَالُوا: يَا حَبَابَةُ اللَّهَ اللَّهَ فِينَا اقْصِدِي إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي رَحَّبَ بِي وَ مَدَّ يَدَهُ وَ قَالَ: هَاتِي الْحَصَاةَ فَأَخَذَهَا وَ طَبَعَهَا بِذَلِكَ الْخَاتَمِ ثُمَّ صِرْتُ بِذَلِكَ الْخَاتَمِ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَ إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)، فَكُلٌّ يَفْعَلُ كَفِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، وَ كَبِرَ سِنِّي وَ رَقَّ جِلْدِي وَ دَقَّ عَظْمِي وَ حَالَ سَوَادُ شَعْرِي بَيَاضاً، وَ كُنْتُ بِكَثْرَةِ نَظَرِي إِلَيْهِمْ صَحِيحَةَ الْعَقْلِ وَ الْبَصَرِ وَ الْفَهْمِ، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى عَلِيٍّ الرِّضَا ابْنِ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) رَأَيْتُ شَخْصَهُ الْكَرِيمَ ضَحِكْتُ ضَحِكاً فَقَالَ مَنْ حَضَرَ: قَدْ خَرِفْتِ يَا حَبَابَةُ، وَ إِلَّا نَقَصَ عَقْلُكِ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ الرِّضَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَنَّى لَكُمْ، مَا خَرِفَتْ حَبَابَةُ وَ لَا نَقَصَ عَقْلُهَا، وَ لَكِنَّ جَدِّي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَخْبَرَهَا بِأَنَّهَا تَكُونُ مَعِي وَ أَنَّهَا تَكُونُ مَعَ الْمَكْرُورَاتِ مَعَ الْمَهْدِيِّ (عليه السلام)، مِنْ وُلْدِي، فَضَحِكَتْ تَشَوُّقاً إِلَى ذَلِكَ وَ سُرُوراً وَ فَرَحاً بِقُرْبِهَا مِنْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: اسْتَغْفِرْ لَنَا يَا سَيِّدَنَا وَ مَا عَلِمْنَا هَذَا، قَالَ: يَا حَبَابَةُ مَا الَّذِي قَالَ لَكِ جَدِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)؟

قَالَتْ: قَالَ تُرِينِي بُرْهَاناً عَظِيماً، قَالَ: يَا حَبَابَةُ تَرَيْنَ بَيَاضَ شَعْرِكِ؟

قُلْتُ: بَلَى يَا مَوْلَايَ، قَالَ: يَا حَبَابَةُ أَ فَتُحِبِّينَ أَنْ تَرَاهُ أَسْوَدَ حَالِكاً كَمَا كَانَ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا مَوْلَايَ، قَالَ: يَا حَبَابَةُ وَ يُجْزِيكِ ذَلِكِ أَوْ نَزِيدُكِ؟ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ زِدْنِي مِنْ فَضْلِكِ عَلَيَّ قَالَ: أَ تُحِبِّينَ أَنْ تَكُونِي مَعَ سَوَادِ شَعْرِكِ شَابَّةً؟ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ هَذَا الْبُرْهَانُ عَظِيمٌ، قَالَ: وَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْهُ مَا تَجِدِينَهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ النَّاسُ بِهِ، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ اجْعَلْنِي لِفَضْلِكَ أَهْلًا فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ خَفِيَّةٍ حَرَّكَ بِهَا شَفَتَيْهِ فَعُدْتُ وَ اللَّهِ شَابَّةً طَرِيَّةً غَضَّةً سَوْدَاءَ الشَّعَرِ حَالِكاً، ثُمَّ دَخَلْتُ خَلْوَةً فِي جَانِبِ الدَّارِ فَفَتَّشْتُ نَفْسِي فَوَجَدْتُهَا بِكْراً فَرَجَعْتُ وَ خَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاجِدَةً، ثُمَّ قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ النُّقْلَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَا حَاجَةَ لِي فِي حَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: يَا

170

حَبَابَةُ ارْحَلِي إِلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَجَهَازُكِ هُنَاكِ مُنْفَرِداً.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَوْلَايَ عَلِيٍّ الرِّضَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) حَاضِراً لِأَمْرِ حَبَابَةَ وَ قَدْ دَخَلَتْ إِلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَلَمْ تَلْبَثْ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا عَايَنَتْ جَهَازَهَا حَتَّى تَشَهَّدَتْ وَ قُبِضَتْ إِلَى اللَّهِ رَحِمَهَا اللَّهُ.

قَالَ مَوْلَانَا الرِّضَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) رَحِمَكِ اللَّهُ يَا حَبَابَةُ قُلْنَا: يَا سَيِّدَنَا وَ لَمَّا قُبِضَتْ قَالَ لَبِثَتْ إِلَى أَنْ عَايَنَتْ جَهَازَهَا حَتَّى قُبِضَتْ إِلَى اللَّهِ وَ أَمَرَ بِتَجْهِيزِهَا فَجُهِّزَتْ وَ خَرَجَتْ وَ صَلَّيْنَا عَلَيْهَا وَ حُمِلَتْ إِلَى حُفْرَتِهَا وَ أَمَرَ سَيِّدُنَا بِزِيَارَتِهَا وَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَهَا وَ التَّبَرُّكِ بِالدُّعَاءِ هُنَاكَ‏

فكان هذا من دلائل مولانا أمير المؤمنين و براهينه (عليه السلام).

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ‏

كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ لِجَمَاعَةٍ إِنَّ لَنَا سِتْراً فِيمَا بَيْنَنَا، تَخَفَّفُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَشَمَرَتْ وُجُوهُنَا وَ قُلْنَا مَا كَذَا كَانَ يَفْعَلُ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَقَدْ كَانَ يَأْتَمِنُنُا عَلَى سِرِّهِ فَمَا لَكَ لَمَّا رَأَيْتَ فِتْيَانَ الْمُسْلِمِينَ تَسَرَّيْتَ بِفِتْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لِلنَّاسِ أَسْرَارٌ لَا يُمْكِنُ إِعْلَانُهَا فَقُمْنَا مُغْضَبِينَ، وَ خَلَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَلِيّاً، ثُمَّ قَامَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا حَتَّى رَقِيَا مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَمِيعاً فَقُلْنَا: اللَّهُ أَكْبَرُ تَرَى ابْنَ حَنْتَمَةَ رَجَعَ عَنْ غَيِّهِ وَ طُغْيَانِهِ وَ رَقِيَ الْمِنْبَرَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ قَدْ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَ رَأَيْنَا عُمَرَ يَرْتَعِدُ وَ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ صَاحَ مِلْ‏ءَ صَوْتِهِ يَا سَارِيَةُ الْجَإِ الْجَبَلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَبَّلَ صَدْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ نَزَلَا وَ هُوَ ضَاحِكٌ، وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَهُ: افْعَلْ مَا زَعَمْتَ يَا عُمَرُ أَنَّكَ فَاعِلُهُ وَ أَنْ لَا عَهْدَ لَكَ وَ لَا وَفَاءَ، فَقَالَ لَهُ أَمْهِلْنِي يَا أَبَا

171

الْحَسَنِ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَرِدُ إِلَيَّ مِنْ خَبَرِ سَارِيَةَ وَ هَلْ مَا رَأَيْتُهُ صَحِيحاً أَمْ لَا، قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ فَإِذَا صَحَّ وَ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ عَلَيْكَ بِتَصْدِيقِ مَا رَأَيْتَ وَ مَا عَايَنْتَ، وَ أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا صَوْتَكَ وَ لَجَأُوا إِلَى الْجَبَلِ كَمَا رَأَيْتَ هَلْ أَنْتَ مُسَلِّمٌ مَا ضَمِنْتَ؟ قَالَ: لَا يَا أَبَا الْحَسَنِ، وَ لَكِنِّي أُضِيفُ هَذَا إِلَى مَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: وَيْلَكَ يَا عُمَرُ إِنَّ الَّذِي تَقُولُ أَنْتَ وَ حِزْبُكَ الضَّالُّونَ إِنَّهُ سِحْرٌ وَ كِهَانَةٌ لَيْسَ فِيكَ شَكٌّ، فَقَالَ: ذَلِكَ قَوْلٌ قَدْ مَضَى وَ الْأَمْرُ لَنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَ نَحْنُ أَوْلَى بِتَصْدِيقِكُمْ فِي أَفْعَالِكُمْ وَ مَا نَرَاهُ مِنْ عَجَائِبِكُمْ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمُلْكَ عَقِيمٌ.

فَخَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ لَقِينَاهُ فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ؟ وَ هَذَا الْخِطَابُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ؟ فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ أَوَّلَهُ؟ فَقُلْنَا مَا عَلِمْنَاهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا مِنْكَ، قَالَ: إِنَّ هَذَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِي إِنَّهُ حَزِينُ الْقَلْبِ بَاكِي الْعَيْنِ عَلَى جُيُوشِهِ الَّتِي فِي فُتُوحِ الْجَبَلِ فِي نَوَاحِي نَهَاوَنْدَ، وَ إِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ أَخْبَارِهِمْ وَ كَيْفَ مَعَ كَثْرَةِ جُيُوشِ الْجَبَلِ وَ إِنَّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبٍ قُتِلَ وَ دُفِنَ بِنَهَاوَنْدَ، وَ قَدْ ضَعُفَ جَيْشُهُ وَ اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِقَتْلِ عَمْرٍو، فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ كَيْفَ تَزْعُمُ أَنَّكَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَرْضِ، وَ الْقَائِمُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا وَرَاءَ أُذُنِكَ وَ تَحْتَ قَدَمِكَ؟ وَ الْإِمَامُ يَرَى الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا، وَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْ‏ءٌ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْحَسَنِ أَنْتَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فَأْتِ خَبَرَ سَارِيَةَ وَ أَيْنَ هُوَ؟ وَ مَنْ مَعَهُمْ؟ وَ كَيْفَ صُوَرُهُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكَ لَا تُصَدِّقُنِي وَ لَكِنِّي أُرِيكَ جَيْشَكَ وَ أَصْحَابَكَ وَ سَارِيَةَ قَدْ كَمَنَ بِهِمْ جَيْشُ الْجَبَلِ فِي وَادٍ قَعِيدٍ بَعِيدِ الْأَقْطَارِ كَثِيرِ الْأَشْجَارِ فَإِنْ سَارَ بِهِ جَيْشُكَ يَسِيراً خَلَصُوا بِهَا، وَ إِلَّا قُتِلَ أَوَّلُ جَيْشِكَ وَ آخِرُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا لَهُمْ مَلْجَأٌ مِنْهُمْ، وَ لَا يَخْرُجُونَ‏

172

مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، فَقُلْتُ: بَلَى لَوْ لَحِقُوا الْجَبَلَ الَّذِي يَلِي الْوَادِيَ سَلِمُوا وَ تَمَلَّكُوا جَيْشَ الْجَبَلِ فَقَلِقَ وَ أَخَذَ بِيَدِي، وَ قَالَ: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرِنِيهِمْ كَمَا ذَكَرْتَ أَوْ حَذِّرْهُمْ إِنْ قَدَرْتَ وَ لَكَ مَا تَشَاءُ مِنْ خَلْعِ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ رَدِّهِ إِلَيْكَ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ إِنْ رَقَيْتُ بِهِ الْمِنْبَرَ وَ كَشَفْتُ عَنْ بَصَرِهِ وَ أَرَيْتُهُ جُيُوشَهُ فِي الْوَادِي وَ أَنَّهُ يَصِيحُ إِلَيْهِم فَيَسْمَعُونَ مِنْهُ وَ يَلْجَأُونَ إِلَى الْجَبَلِ وَ يَظْفَرُونَ بِجَيْشِ الْجَبَلِ يَخْلَعُ نَفْسَهُ وَ يُسَلِّمُ إِلَيَّ حَقِّي، فَقُلْتُ لَهُ: قُمْ يَا شَقِيُّ، وَ اللَّهِ لَا وَفَيْتَ بِهَذَا الْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ كَمَا لَمْ تَفِ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِي بِمَا أَخَذْنَاهُ عَلَيْكَ مِنَ الْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ وَ الْبَيْعَةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ، فَقَالَ لِي: بَلَى وَ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ: سَتَعْلَمُ أَنَّكَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَ رَقِيتُ الْمِنْبَرَ فَدَعَوْتُ بِدَعَوَاتٍ وَ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَهُ مَا قُلْتُ وَ مَسَحْتُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَ كَشَفْتُ عَنْهُ غِطَاءَهُ فَنَظَرَ إِلَى سَارِيَةَ وَ سَائِرِ الْجَيْشِ وَ جَيْشِ الْجَبَلِ وَ مَا بَقِيَ إِلَّا الْهَزِيمَةُ لِجَيْشِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: صِحْ يَا عُمَرُ إِنْ شِئْتَ، قَالَ: يُسْمَعُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يُسْمَعُ وَ يَبْلُغُ صَوْتُكَ إِلَيْهِمْ، فَصَاحَ الصَّيْحَةَ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا: يَا سَارِيَةُ الْجَإِ الْجَبَلَ، فَسَمِعُوا صَوْتَهُ وَ لَجَأُوا إِلَى الْجَبَلِ فَسَلِمُوا وَ ظَفِرُوا بِجَيْشِ الْجَبَلِ فَنَزَلَ ضَاحِكاً كَمَا رَأَيْتُمُوهُ وَ خَاطَبْتُهُ وَ خَاطَبَنِي بِمَا سَمِعْتُمُوهُ.

قَالَ جَابِرٌ: آمَنَّا وَ صَدَّقْنَا وَ شَكَّ آخَرُونَ إِلَى وُرُودِ الْبَرِيدِ بِحِكَايَةِ مَا حَكَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَرَاهُ عُمَرَ وَ نَادَى بِصَوْتِهِ فَكَادَ أَكْثَرُ الْعَوَامِّ الْمُرْتَدِّينَ أَنْ يَعْبُدُوا ابْنَ الْخَطَّابِ وَ جَعَلُوا هَذَا مَنْقَباً لَهُ وَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا مُنْقَلِباً

. فكان هذا من دلائل مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).

173

الباب الثالث باب سيّدة النساء (عليها السلام)

174

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

175

قَالَ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ بِإِسْنَادِهِ‏

: وُلِدَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ ظُهُورِ الرِّسَالَةِ وَ نُزُولِ الْوَحْيِ وَ مِنْ بِنَاءِ الْحَرَمِ الَّذِي أَرَادَ أَبْرَهَةُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجَبَّارُ خَرَابَهُ‏

، و ملك الحبشة و هو الجلندي ابن كركر صاحب الفيل و كان تخريبه بعد طسم و جديس و حزبهم و رحلهم من مكة و بني قريش ما كان خرب منه، فلما ورد ابرهة لهدم البيت و تخريبه أغار على اموال قريش و بني هاشم فاستباحها فصار اليه عبد المطلب فاستأذنوه عليه فلما صار اليه ارتعب منه ابرهة و عظم في نفسه و كبر عليه، فقال لمن حوله: من هذا الرجل العظيم؟ فقالوا:

سيد قريش و افضل بني هاشم و اشرف العرب نفسا و نسبا، و هو صاحب هذا البيت فقال اسألوه فيما جاءنا فسألوه، قال: جئت أسأله ردّ ما اخذه و استباحه من اموالنا، و نعمنا، فرغب ابرهة و قال لأصحابه: تزعمون انه صاحب البيت، و فخره له يراني قد قصدت اليه و لا يسألني الصفح عنه و يسألني ردّ ماله، ما أقول ما قلتم فاعيدوا قولي هذا عليه، فأعادوه على عبد المطلب فقال لهم يردّ علينا اموالنا فان لهذه الكعبة ربّا يمنعك منها، فقال: ردوا عليهم اموالهم حتى ننظر كيف ربّ هذه الكعبة يمنعنا منها، و امر بالفيلة فجمعت و حملوا بها و قال لساستها: احملوا على البيت فاجعلوه‏

176

سحيقا فلما جمع الفيلة و حملوا بها وقفت و لم تدخل الحرم و دعا بفيل و حمله على البيت فلم يدخل البيت و لم يزالوا من غروب الشمس الى طلوع الفجر يريدونها على دخول الحرم فلم تدخل فادار الى خارج الحرم و يأمر بحطم كل ما يلقاه فلما اسفر الصبح و طلع النهار ارسل اللّه تعالى‏ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ‏ فكانوا كما قال اللّه عز و جل‏ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏.

وَ تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) وَ لَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً وَ شَهْرَانِ وَ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ يَوْماً.

وَ أَقَامَتْ مَعَ أَبِيهَا بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ ثُمَّ هَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ أَقَامَتْ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ الْهِجْرَةَ وَ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ لَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَ عَاشَتْ بَعْدَهُ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ يَوْماً وَ بِرِوَايَةِ الْغَارِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ هُوَ الصَّحِيحُ.

و أسماؤها (عليها السلام: فاطمة و فاطم ترخيما.

و كناها: أم الحسن و الحسين و أم الأئمة و أم أبيها.

و ألقابها: الزهراء، و البتول، و الحصان، و الحوراء، و السيدة، و الصدّيقة، و مريم الكبرى، و والدة الحسن و الحسين، و أم النقي، و ام التقي، و ام البلجة، و أم الرأفة، و أم العطيّة، و أم الموانح، و أم النورين، و أم العلا، و أم البدية، و أم الرواق الحسيبة، و أم البدرين.

و من أسماء أبي الحسن لها ام البركات، و أم الهادي، و أم الرحبة (عليها السلام).

و لها احدى عشرة سنة بعد الهجرة، و لم تحض كما تحيض النساء.

وَ كَانَ حَمْلُهَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّهُ قَالَ‏

لَمَّا عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ (عليه السلام) إِلَى رَبِّي وَ رَأَيْتُ كُلَّ مَا رَأَيْتُهُ فِي الْمَلَكُوتِ‏

177

وَ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ وَ نَادَانِي كُلُّ مَا فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى ثِمَارُهَا، وَ أَخَذَ حَبِيبِي جِبْرِيلُ (عليه السلام) تُفَّاحَةً مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلَامَ، وَ يَقُولُ لَكَ: خُذْ هَذِهِ التُّفَّاحَةَ فَإِنَّ مِنْ مَائِهَا إِذاً تُخْلَقُ تُفَّاحَةُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ هِيَ فَاطِمَةُ ابْنَتُكَ وَ رَأَيْتُ النَّارَ وَ مَا فِيهَا ثُمَّ هَبَطْتُ إِلَى الدُّنْيَا فَوَافَيْتُ خَدِيجَةَ (عليها السلام) فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ.

وَ صَدَّقَ هَذَا الْخَبَرَ فِي التُّفَّاحَةِ

قَوْلُ عَائِشَةَ

وَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ نِسْوَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيَّاتِ وَ عِنْدَهَا نِسْوَةٌ مِنَ الشَّامِيَّاتِ فَقُلْنَ لَهَا يَا عَائِشَةُ نَسْأَلُكِ عَنْ خُرُوجِكِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى ضَلَالٍ اسْتَحْلَلْتِ قِتَالَهُ أَمْ عَلَى حَقٍّ فَبَغَيْتِ عَلَيْهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَيْحَكُنَّ يَا عِرَاقِيَّاتُ لَقَدْ سَأَلْتُنِّي عَنِ الدَّاهِيَةِ الدَّهْيَاءِ وَ الطَّامَّةِ الْعُظْمَى، إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) كَانَ لِلَّهِ نَاصِراً وَ لِدِينِ اللَّهِ ثَابِتاً قَائِماً بِالْحُجَّةِ وَ خَلِيفَةُ النُّبُوَّةِ وَ أَدِيبُ الْمَلَائِكَةِ وَ قَرِيعُ الْوَحْيِ يَسْمَعُهُ بُكْرَةً وَ عَشِيّاً وَ يَعِيهِ فِي أُذُنٍ وَاعِيَةٍ، وَ حُجَّتُهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ الْبَابُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُ وَ مَا عَسَى أَنْ أَقُولَ فِي أَبِي الْحَسَنِ وَ قَدِ اشْتَبَكَتْ رَحِمُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَاشْتِبَاكِ الْأَصَابِعِ الْمُتَشَابِكَةِ بِالْأَوْصَالِ الْمُتَحَابِكَةِ فَصَارَتِ النَّفْسُ وَاحِدَةً وَ أُودِعَتْ جِسْمَيْنِ فَمَا يُفَارِقُ جِسْمَ رَسُولِ اللَّهِ وَ يَرَى ثِقْلَ حَبِيبِهِ وَ خَلِيلِهِ، وَ قُرَّةَ عَيْنِهِ الَّذِي كَانَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَرْيَمَ الْكُبْرَى وَ الْحَوْرَاءَ الَّتِي أُفْرِغَتْ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ تُفَّاحَةٍ فِي صُلْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لُقِحَتْ أَكْرَمَ لَقْحٍ وَ انْتُجِبَتْ أَكْرَمَ مَنْ نُجِبَ فَهُوَ وَ ابْنَاهُ كَبَعْضِ فَضْلِ اللَّهِ لِأَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) أَعْلَاهُمْ فضل [فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ سَمَّاكُنَّ مُسْلِمَاتٍ وَ جَعَلَكُنَّ مُؤْمِنَاتٍ وَ هَدَاكُنَّ سُبُلًا، وَ جَعَلَ الْأَرْضَ لَكُنَّ مِهَاداً وَ ذُلُلًا فَقُلْنَ الشَّامِيَّاتُ فَمَا بَالُ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَلْعَنُهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى مَنَابِرِ الشَّامِ؟ فَقَالَتْ: وَيْلَكُنَّ يَا شَامِيَّاتُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ احْتَقَبَ بِخِزْيِهِ إِلَى خِزْيِكُنَّ وَ بِعَمَاهُ إِلَى عَمَاكُنَّ وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنِّي أَكْرَهُ لَأَمَرْتُ بِنَفْيِكُنَّ اخْرُجْنَ يَا نَارِيَّاتُ.

وَ كَانَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) غَمَضَتْ عَيْنَهَا وَ حَفِظَتْ نَفْسَهَا وَ مَدَّتْ‏

178

عَلَيْهَا الْمُلَاءَةَ وَ قَالَتْ: يَا أَسْمَاءُ بِنْتَ عُمَيْسٍ إِذَا أَنَا مِتُّ فَانْظُرِي إِلَى الدَّارِ فَإِذَا رَأَيْتِ سِجَافاً مِنْ سُنْدُسِ الْجَنَّةِ قَدْ ضُرِبَ فُسْطَاطاً مِنْ جَانِبِ الدَّارِ فَاحْمِلِينِي وَ زَيْنَبُ وَ أُمُّ كُلْثُومٍ وَ أْتِيَا بِي فَاجْعَلُونِي مِنْ وَرَاءِ السِّجَافِ وَ خَلُّوا بَيْنِي وَ بَيْنَ نَفْسِي.

فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) وَ ظَهَرَ السِّجَافُ حَمَلْتُهَا وَ جَعَلْتُ وَرَاءَهُ فَغُسِّلَتْ وَ حُنِّطَتْ بِالْحَنُوطِ وَ كَانَ كَافُورٌ أَنْزَلَهُ جِبْرِيلُ (عليه السلام) مِنَ الْجَنَّةِ و [فِي ثَلَاثِ صدر [صُرَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَ يَقُولُ لَكَ هَذَا حَنُوطُكَ وَ حَنُوطُ ابْنَتِكَ فَاطِمَةَ، وَ حَنُوطُ أَخِيكَ عَلِيٍّ مَقْسُومٌ ثَلَاثاً، وَ إِنَّ أَكْفَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا أَمَةٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّاهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ.

وَ رُوِيَ‏

أَنَّهَا تُكُفِّنَتْ مِنْ بَعْدِ غُسْلِهَا وَ حَنُوطِهَا وَ طَهَارَتِهَا لَا دَنَسَ فِيهَا وَ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ يَحْضُرُهَا إِلَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ زَيْنَبُ وَ أُمُّ كُلْثُومٍ وَ فِضَّةُ جَارِيَتُهَا وَ أَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيْسٍ وَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) جَهَّزَهَا وَ مَعَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فِي اللَّيْلِ وَ صَلَّوْا عَلَيْهَا وَ أَنَّهَا وَصَّتْ، وَ قَالَتْ لَا يُصَلِّي عَلَيَّ أُمَّةٌ نَقَضَتْ عَهْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَداً، وَ لَا حَضَرَ وَفَاتَهَا أَحَدٌ وَ لَا صَلَّى عَلَيْهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وَصَّتْ (عليها السلام)، وَ قَالَتْ: لَا يُصَلِّي عَلَيَّ أُمَّةٌ نَقَضَتْ عَهْدَ اللَّهِ وَ عَهْدَ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْلِي وَ ظَلَمُونِي وَ أَخَذُوا وِرَاثَتِي وَ حَرَقُوا صَحِيفَتِيَ الَّتِي كَتَبَهَا أَبِي بِمِلْكِ فَدَكَ وَ الْعَوَالِي وَ كَذَّبُوا شُهُودِي وَ هُمْ وَ اللَّهِ جِبْرِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أُمُّ أَيْمَنَ وَ طُفْتُ عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَ عَلَيْهِ) يَحْمِلُنِي وَ مَعِيَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ لَيْلًا وَ نَهَاراً إِلَى مَنَازِلِهِمْ يُذَكِّرُهُمْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِئَلَّا يَظْلِمُونَا وَ يُعْطُونَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا فَيُجِيبُونَ لَيْلًا وَ يَقْعُدُونَ عَنْ نُصْرَتِنَا نَهَاراً ثُمَّ يُنْفِذُونَ إِلَى دَارِنَا قُنْفُذاً وَ مَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِيُخْرِجَا ابْنَ عَمِّي إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ

179

لِبَيْعَتِهِمُ الْخَاسِرَةِ وَ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مُتَشَاغِلًا بِوَصَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَزْوَاجِهِ وَ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَ قَضَاءِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَصَّاهُ بِقَضَائِهَا عَنْهُ عِدَاتٍ وَ دَيْناً فَجَمَعُوا الْحَطَبَ بِبَابِنَا وَ أَتَوْا بِالنَّارِ لِيُحْرِقُوا الْبَيْتَ فَأَخَذْتُ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ وَ قُلْتُ: نَاشَدْتُكُمُ اللَّهَ وَ بِأَبِي رَسُولِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا وَ تَنْصَرِفُوا فَأَخَذَ عُمَرُ السَّوْطَ مِنْ قُنْفُذٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، فَضَرَبَ بِهِ عَضُدِي فَالْتَوَى السَّوْطُ عَلَى يَدِي حَتَّى صَارَ كَالدُّمْلُجِ، وَ رَكَلَ الْبَابَ بِرِجْلِهِ فَرَدَّهُ عَلَيَّ وَ أَنَا حَامِلٌ فَسَقَطْتُ لِوَجْهِي وَ النَّارُ تَسَعَّرُ، وَ صَفَقَ وَجْهِي بِيَدِهِ حَتَّى انْتَثَرَ قُرْطِي مِنْ أُذُنِي وَ جَاءَنِي الْمَخَاضُ فَأَسْقَطْتُ مُحَسِّناً قَتِيلًا بِغَيْرِ جُرْمٍ فَهَذِهِ أُمَّةٌ تُصَلِّي عَلَيَّ، وَ قَدْ تَبَرَّأَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْهَا وَ تَبَرَّأْتُ مِنْهَا.

فَعَمِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِوَصِيَّتِهَا، وَ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَداً وَ أَصْبَحَ النَّاسُ فِي الْبَقِيعِ لَيْلَةَ دَفْنِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) [وَ فِيهِ أَرْبَعُونَ قَبْراً جُدُداً وَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا عَلِمُوا بِوَفَاةِ فَاطِمَةَ وَ دَفْنِهَا أَتَوْا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُعَزُّونَهُ بِهَا، فَقَالُوا: يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ أَمَرْتَ بِتَجْهِيزِهَا وَ حَفْرِ تُرْبَتِهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَدْ وُورِيَتْ وَ لَحِقَتْ بِأَبِيهَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا) فَقَالُوا:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

تَمُوتُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَداً غَيْرَهَا وَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا، إِنَّ هَذَا الشَّيْ‏ءَ عَظِيمٌ.

فَقَالَ (عليه السلام): حَسْبُكُمْ مَا جِئْتُمْ بِهِ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ لَمْ أَكُنْ وَ اللَّهِ أَعْصِيهَا فِي وَصِيَّتِهَا الَّتِي وَصَّتْ بِهَا أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ وَ مَا بَعْدَ الْعَهْدِ غَدْرٌ.

فَنَفَضَ الْقَوْمُ أَثْوَابَهُمْ وَ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى بِنْتِ نَبِيِّنَا وَ مَضَوْا مِنْ فَوْرِهِمْ إِلَى الْبَقِيعِ فَوَجَدُوا فِيهِ أَرْبَعِينَ قَبْراً جُدُداً، فَاسْتَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَبْرُهَا بَيْنَ تِلْكَ الْقُبُورِ فَضَجَّ النَّاسُ، وَ لَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ قَالُوا: لَمْ تَحْضُرُوا وَفَاةَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ لَا الصَّلَاةَ عَلَيْهَا وَ لَا تَعْرِفُونَ قَبْرَهَا فَتَزُورُونَهَا.

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: آتُوا نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَنْشُرُ هَذِهِ الْقُبُورَ حَتَّى تَجِدُوا

180

فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَتُصَلُّوا عَلَيْهَا وَ يُزَارَ قَبْرُهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ مُغْضَباً وَ قَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ دَارَتْ أَوْدَاجُهُ وَ عَلَى يَدِهِ قَبَاهُ الْأَصْفَرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَلْبَسُهُ إِلَّا فِي كَرِيهَةٍ، يَتَوَكَّأُ عَلَى سَيْفِهِ ذِي الْفَقَارِ، حَتَّى وَرَدَ عَلَى الْبَقِيعِ فَسَبَقَ إِلَى النَّاسِ النَّذِيرُ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا عَلِيٌّ قَدْ أَقْبَلَ كَمَا تَرَوْنَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ بُحِثَ مِنْ هَذِهِ الْقُبُورِ حَجَرٌ وَاحِدٌ لَأَضَعَنَّ سَيْفِي عَلَى غَابِرِ الْأُمَّةِ، فَوَلَّى الْقَوْمُ وَ لَمْ يُحْدِثُوا إِحْدَاثاً.

وَ الَّذِي وَلَدَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ مُحَسِّناً سِقْطاً وَ زَيْنَبَ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ وَ كَانَ اسْمُهَا آمِنَةَ، وَ وَلَدَتِ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ مِنْ فَخِذِهَا الْأَيْمَنِ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ وَ زَيْنَبَ مِنْ فَخِذِهَا الْأَيْسَرِ.

وَ مِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ‏

أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ عِيسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) مِنْ فَخِذِهَا الْأَيْمَنِ وَ أَنَّ النَّفْخَةَ كَانَتْ مِنْ جَيْبِهَا وَ الْكَلِمَةَ عَلَى قَلْبِهَا

و

تَفْسِيرُ جَابِرٍ عَنِ الْبَاقِرِ (عليه السلام)

أَنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كِفَايَةٌ قَوْلُهُ:

فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا

وَ أَنَّهَا كَانَتِ النَّفْخَةُ مِنْ جَيْبِهَا وَ الْكَلِمَةُ عَلَى قَلْبِهَا

و صح ان النفخة في آدم (عليه السلام) لم تكن في فرجه و انما كانت في فيه.

181

الباب الرابع باب الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)

182

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

183

مَضَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَ لَهُ سَبْعٌ وَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالْمَدِينَةِ سَبْعَ سِنِينَ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ، وَ أَقَامَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَشْرَ سِنِينَ وَ كَانَ اسْمُهُ الْحَسَنَ، وَ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ: شَبَّرَ.

وَ كُنَاهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ أَبُو الْقَاسِمِ، لِأَنَّهُ كُنِّيَ بِأَخِيهِ الْمُسْتَشْهَدِ بِكَرْبَلَا.

الزَّكِيُّ، وَ السِّبْطُ الْأَوَّلُ، وَ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ الْأَمِينُ، وَ الْحُجَّةُ وَ التَّقِيُّ.

وَ أُمُّهُ الطَّاهِرَةُ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثُمَّ أَوْلَادُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ الْقَاسِمُ وَ زَيْدٌ وَ عُمَرُ وَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ أَحْمَدُ وَ إِسْمَاعِيلُ وَ عَقِيلٌ وَ الْحُسَيْنُ وَ بِشْرٌ.

وَ مِنَ الْبَنَاتِ أُمُّ الْحَسَنِ فَقَطْ.

وَ مَشْهَدُهُ الْبَقِيعُ بِالْمَدِينَةِ.

184

وَ تُوُفِّيَ بِالسَّمِّ فِي تَمَامِ سَنَةِ خَمْسِينَ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ وَ كَانَ سَبَبُ سَمِّهِ عَلَى يَدِ زَوْجَتِهِ جَعْدَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهَا مُعَاوِيَةُ عَلَى ذَلِكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ أَقْطَاعَ عَشْرِ ضِيَاعٍ سُوراً وَ هِيَ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ.

وَ لَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَخِيهِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) إِنَّ جَعْدَةَ لَعَنَهَا اللَّهُ وَ لَعَنَ أَبَاهَا وَ جَدَّهَا فَإِنَّ جَدَّهَا خَالَفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَعَدَ عَنْهُ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ صِفِّينَ مُعَانِداً مُنْحَرِفاً مُخَالِفاً طَاعَتَهُ بَعْدَ أَنْ خَلَعَهُ بِالْكُوفَةِ مِنَ الْإِمَارَةِ وَ بَايَعَ الضَّبَّ دُونَهُ وَ كَانَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ جُمُعَةً وَ لَا جَمَاعَةً وَ لَا يُشَيِّعُ جِنَازَةً لِأَحَدٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ مُنْذُ سَمِعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ وَيْحَ لِفِرَاخِ أَفْرَاخِ آلِ مُحَمَّدٍ وَ رَيْحَانَتِي وَ قُرَّةِ عَيْنِي ابْنِي الْحَسَنِ مِنِ ابْنَتِكَ الَّتِي مِنْ صُلْبِكَ يَا أَشْعَثُ وَ هُوَ مَلْعٌ مُتَمَرِّدٌ وَ جَبَّارٍ يَمْلِكُ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بَحْرٍ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا اسْمُهُ قَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَ يُؤَمِّرُ عَلَى قَتْلِ ابْنِيَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَى الْجَيْشِ السَّائِرِ إِلَى ابْنِي بِالْكُوفَةِ فَتَكُونُ وَقْعَتُهُمْ بِكَرْبَلَاءَ غَرْبِيِّ الْفُرَاتِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُنَاخِ رِكَابِهِمْ وَ رِحَالِهِمْ وَ إِحَاطَةِ جُيُوشِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِهِمْ وَ إِغْمَادِ سُيُوفِهِمْ وَ رِمَاحِهِمْ وَ سَقْيِهِمْ فِي جُسُومِهِمْ وَ دِمَائِهِمْ وَ لُحُومِهِمْ وَ سَبْيِ أَوْلَادِي وَ ذَرَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ حَمْلِهِمْ نَاشِرِينَ الْأَقْتَابَ وَ قَتْلِ الشُّيُوخِ وَ الْكُهُولِ وَ الْأَطْفَالِ فَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى قَدَمَيْهِ وَ قَالَ مَا ادَّعَى رَسُولُ اللَّهِ مَا تَدَّعِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَيْلَكَ يَا مَنْ عُنُقُ النَّارِ لِابْنِكَ مُحَمَّدٍ ابْنُكَ مِنْ قُوَّادِهِمْ إِي وَ اللَّهِ وَ شِمْرُ بْنُ ذِي جَوْشَنَ وَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ الزُّبَيْدِيُّ وَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَأَسْرَعَ الْأَشْعَثُ وَ قَطَعَ الْكَلَامَ وَ قَالَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَفْهِمْنِي مَا تَقُولُ حَتَّى أُجِيبَكَ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ يَا أَشْعَثُ أَ مَا سَمِعْتَ فَقَالَ يَا ابْنَ أَبي طَالِبٍ مَا سَوِيَ كَلَامُكَ يَمُرُّ وَ وَلَّى فَقَامَ النَّاسُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَ مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‏

185

لِيَأْذَنَ لَهُمْ فِي قَتْلِهِ فَقَالَ لَهُمْ مَهْلًا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ إِنِّي أَقْدَرُ عَلَى هَلَاكِهِ مِنْكُمْ وَ لَا بُدَّ أَنْ تَحِقَ‏

كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ‏

وَ مَضَى الْأَشْعَثُ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَى بُنْيَانِ خِطَّةٍ وَ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْأَشْعَثِيَّةِ وَ بَنَى فِي دَارِهِ مِئْذَنَةً عَالِيَةً فَكَانَ إِذَا ارْتَفَعَتْ (أَصْوَاتُ) مُؤَذِّنِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ صَعِدَ الْأَشْعَثُ إِلَى مِئْذَنَتِهِ فَنَادَى نَحْوَ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا كَذَا وَ كَذَا إِنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ وَ اجْتَازَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي خِطَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ هُوَ عَلَى ذِرْوَةِ بُنْيَانِهِ فَلَمَّا نَظَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ يَا أَشْعَثُ حَسْبُكَ مَا وَعَدَ اللَّهُ لَكَ مِنْ عُنُقِ النَّارِ فَقَالَ أَصْحَابُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا مَعْنَى عُنُقِ النَّارِ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَشْعَثَ لَعَنَهُ اللَّهُ إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ عُنُقٌ مَمْدُودَةٌ حَتَّى تَصِلَ إِلَيْهِ وَ عَشِيرَتُهُ يَنْظُرُونَ فَتَبْلَعُهُ فَإِذَا خَرَجَتْ بِهِ عُنُقُ النَّارِ لَمْ يَجِدُوهُ فِي مَضْجَعِهِ فَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِمْ أَثْوَابَهُمْ وَ يَكْتُمُونَ أَمْرَهُمْ وَ يَقُولُونَ لَا تُقِرُّوا بِمَا رَأَيْتُمْ فَيَشْمَتَ بِكُمْ أَصْحَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَصْنَعُ بِهِ عُنُقُ النَّارِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَجَّلَتْ عَلَيْهِ النَّارَ يَكُونُ فِيهَا جَثِيًّا مُعَذَّباً إِلَى أَنْ نُورِدَهُ النَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ عُجِّلَتْ لَهُ النَّارُ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ (عليه السلام) لِأَنَّهُ كَانَ يُخَالِفُ اللَّهَ وَ يَخَافُ النَّارَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ بِالنَّارِ وَ بِالَّذِي كَانَ يَخَافُ مِنْهُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَيْنَ يَكُونُ عُنُقُ هَذِهِ النَّارِ قَالَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ الْأَشْعَثُ فِيهَا عَلَى كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى تَقْذِفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَرَاهُ بِصُورَتِهِ وَ يَدْعُوهُ الْأَشْعَثُ وَ يَسْتَجِيرُ وَ يَقُولُ أَيَّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ ادْعُ رَبَّكَ لِي يُخْرِحْني مِنْ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَذَابِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ إِي وَ اللَّهِ لِبُغْضِي فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ فِي مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ لَا أَخْرَجَكَ اللَّهُ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَ لَا فِي الْآخِرَةِ وَ إِي وَ اللَّهِ وَ يَقْذِفُهُ عِنْدَ عَشِيرَتِهِ وَ أَهْلِهِ مِمَّنْ شَكَّ أَنَّ عُنُقَ النَّارِ أَخَذَتْهُ حَتَّى يُنَاجِيَهُمْ وَ يُنَاجُونَهُ وَ يَقُولُ لَهُمْ:

إِذَا سَأَلُوهُ بِمَا صِرْتَ مُعَذَّباً فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ لَهُمْ: شَكِّي فِي مُحَمَّدٍ وَ بُغْضِي لِعَلِيٍّ (عليهما السلام) وَ كَرَاهَتِي لِبَيْعَتِهِ وَ خِلَافِي عَلَيْهِ وَ خِلَافِي لِبَيْعَتِهِ‏

186

وَ مُبَايَعَتِي ضَبّاً دُونَهُ فَيَلْعَنُونَهُ وَ يَتَبَرَّؤُونَ مِنْهُ وَ يَقُولُونَ مَا نُحِبُّ أَنْ نَصِيرَ إِلَى مَا صِرْتَ إِلَيْهِ، قَالَ الْحَسَنُ (عليه السلام): إِذَا أَنَا مِتُّ يَا أَخِي فَغَسِّلْنِي وَ حَنِّطْنِي وَ كَفِّنِّي وَ صَلِّ عَلَيَّ وَ احْمِلْنِي إِلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى تُلْحِدَنِي إِلَى جَنْبِهِ فَإِنْ مُنِعْتَ مِنْ ذَلِكَ فَبِحَقِّ جَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَلِيٍّ أَبِيكَ وَ أُمِّكَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ (عليهما السلام) وَ بِحَقِّي يَا أَخِي أَنْ لَا خَاصَمْتَ أَحَداً وَ لَا قَاتَلْتَهُ فَحَسْبُكَ بِمَا قَالَ لَكَ فِي قِتَالِ جَيْشِ يَزِيدَ بِكَرْبَلَا فِي غَرْبِيِّ الْفُرَاتِ وَ أَرَادُوا تَعَنُّفِي فَارْجِعْ مِنْ فَوْرِكَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَادْفِنِّي فِيهِ، وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا حَمَلْتَنِي إِلَى قَبْرِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَا يَدَعُ مَرْوَانُ طَرِيدُ جَدِّكَ لِكُفْرِهِ وَ يَرْكَبُ بَغْلَتَهُ وَ يَصِيرُ إِلَى عَائِشَةَ مُسْرِعاً فَيَقُولُ لَهَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتْرُكِينَ الْحُسَيْنَ يَدْفِنُ أَخَاهُ مَعَ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ فَتَقُولُ لَهُ يَا مَرْوَانُ مَا أَصْنَعُ فَيَقُولُ وَ اللَّهِ يَا عَائِشَةُ لَئِنْ دُفِنَ الْحَسَنُ مَعَ جَدِّهِ مُحَمَّدٍ لَيَذْهَبَنَّ فَخْرُ أَبِيكِ وَ فَخْرُ عُمَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَتَقُولُ لَهُ وَ أَنَّى لِي بِهِمْ وَ قَدْ سَبَقُونِي فَيَقُولُ هَذِهِ بَغْلَتِي فَارْكَبِيهَا وَ الْحَقِي بِالْقَوْمِ فَامْنَعِيهِمْ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ وَ لَوْ جُزَّتْ نَاصِيَتُكَ وَ يَنْزِلُ عَنْ بَغْلَتِهِ وَ تَرْكَبُ عَائِشَةُ وَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ فَتَلْحَقُ بِنَعْشِي وَ قَدْ وَصَلَ إِلَى حَرَمِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَتَرْمِي نَفْسَهَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَ تَقُولُ لَا يُدْفَنِ الْحَسَنُ هَاهُنَا أَوْ تُجَزَّ نَاصِيَتِي هَذِهِ وَ تَأْخُذُ نَاصِيَتَهَا بِيَدِهَا فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فَارْدُدْنِي إِلَى الْبَقِيعِ وَ ادْفِنِّي إِلَى جَانِبِ قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ جَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَخَذَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) فِي جَهَازِهِ وَ حَمَلَهُ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ صَارَ بِهِ إِلَى قَبْرِ جَدِّهِ (عليه السلام) وَ وَافَى مَرْوَانُ لَعَنَهُ اللَّهُ مُسْرِعاً عَلَى بَغْلَتِهِ إِلَى عَائِشَةَ لَعَنَهَا اللَّهُ وَ قَالَ كَمَا حَكَاهُ الْحَسَنُ لِلْحُسَيْنِ (عليهما السلام) وَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَهُ وَ نَزَلَ مَرْوَانُ عَنْ بَغْلَتِهِ وَ رَكِبَتْهَا عَائِشَةُ وَ لَحِقَتِ الْقَوْمَ وَ قَدْ وَصَلُوا إِلَى حَرَمِ النَّبِيِّ (عليه السلام) فَرَمَتْ بِنَفْسِهَا عَنِ الْبَغْلَةِ وَ أَخَذَتْ بِنَاصِيَتِهَا وَ وَقَفَتْ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَ قَالَتْ وَ اللَّهِ لَا يُدْفَنِ الْحَسَنُ مَعَ جَدِّهِ أَوْ تُجَزَّ نَاصِيَتِي هَذِهِ فَأَرَادَ بَنُو هَاشِمٍ الْكَلَامَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) اللَّهَ اللَّهَ لَا تُضَيِّعُوا وَصِيَّةَ أَخِي وَ اعْدِلُوا بِهِ إِلَى‏

187

الْبَقِيعِ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيَّ إِنْ مُنِعْتُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَا أُخَاصِمْ أَحَداً وَ أَنْ أَدْفِنَهُ فِي الْبَقِيعِ فَعَدَلُوا بِهِ إِلَيْهِ فَدَفَنُوهُ فِيهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: كَمْ لَنَا مِنْكُمْ يَا حُمَيْرَاءُ يَوْمٌ عَلَى جَمَلٍ وَ يَوْمٌ عَلَى زَرَّافَةٍ فَقَالَتْ يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ لَيْسَ قِتَالِي لِعَلِيٍّ بِعَجِيبٍ وَ قَدْ رُوِّيتُمْ أَنَّ صَفْرَاءَ ابْنَةَ شُعَيْبٍ زَوْجَةَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام) قَاتَلَتْ بَعْدَهُ وَصِيَّهُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ عَلَى زَرَّافَةٍ فَقَالَ لَهَا ابْنُ الْعَبَّاسِ هِيَ وَ اللَّهِ صَفْرَاءُ وَ أَنْتِ حُمَيْرَاءُ إِلَّا أَنَّهَا بِنْتُ شُعَيْبٍ وَ أَنْتِ بِنْتُ عَتِيقِ ابن [بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى قَالَتْ إِنَّ لَنَا عِنْدَكَ يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ ثَأْراً بِثَأْرٍ وَ الْمَعَادُ لَا تَقُولُ بِهِ فَقَالَ لَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَ اللَّهِ أَنْتِ وَ مَنْ أَنْتِ مِنْهُ وَ حِزْبُكُمُ الضَّالُّونَ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَصِيرُ الْبَصْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الْكَرْخِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)

أَنَّ أَعْرَابِيًّا خَرَجَ مِنْ قَوْمِهِ حَاجّاً مُحْرِماً فَوَرَدَ عَلَى أُدْحِيِّ نَعَامٍ فِيهِ بَيْضٌ فَأَخَذَهُ وَ اشْتَوَاهُ وَ أَكَلَ مِنْهُ وَ ذُكِّرَ أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ فَوَرَدَ الْمَدِينَةَ فَقَالَ أَيْنَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَدْ جَنَيْتُ عَظِيماً فَأُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَوَرَدَ عَلَيْهِ وَ عِنْدَهُ مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ سَعْدٌ وَ سَعِيدٌ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيُّ ثُمَّ قَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَفْتِنِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: قُلْ يَا أَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ قَوْمِي حَاجّاً مُحْرِماً فَأَتَيْتُ عَلَى أُدْحِيٍّ فِيهِ بَيْضُ نَعَامٍ فَأَخَذْتُهُ وَ اشْتَوَيْتُهُ فَإِذَنْ لِي مِنَ الْحَجِّ مَا عَلَيَّ فِيهِ حَلَالٌ وَ مَا عَلَيَّ فِيهِ حَرَامٌ مِنَ الصَّيْدِ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ وَ قَالَ: أَنْتُمْ حَوَارِيُّ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ مِنْ دُونِ النَّاسِ أَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَنْتَ أَحَقُّ بِإِجَابَتِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا زُبَيْرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي صَدْرِكَ قَالَ وَ كَيْفَ وَ أُمِّي صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَا فِي الْقَوْمِ إِلَّا مَنْ يَجْهَدُ وَ قَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: مَا أَصْنَعُ قَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ لَمْ يَبْقَ فِي الْمَدِينَةِ مَنْ نَسْأَلُهُ‏

188

بَعْدَ مَنْ حَضَرَ هَذَا الْمَجْلِسَ إِلَّا صَاحِبُ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْهُمْ، قَالَ الْأَعْرَابِيُّ فَتُرْشِدُنِي إِلَيْهِ، قَالَ الزُّبَيْرُ: إِنَّ إِخْبَارِي يَسُومُونَهُ قَوْمٌ وَ يَحُطُّ آخَرُونَ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ قَدْ ذَهَبَ الْحَقُّ وَ صِرْتُمْ تُكْرَهُونَ، قَالَ عُمَرُ: إِلَى كَمْ تُطِيلُ الْخِطَابَ يَا ابْنَ الْعَوَّامِ قُومُوا بِنَا وَ الْأَعْرَابِيَّ إِلَى عَلِيٍّ فَلَا نَسْمَعُ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا مِنْهُ فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَ الْأَعْرَابِيُّ مَعَهُمْ حَتَّى صَارُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْتِهِ وَ قَالُوا لِلْأَعْرَابِيِّ اقْصُصْ قِصَّتَكَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ فَلِمَ أَرْشَدْتُمُونِي إِلَى غَيْرِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالُوا: وَيْحَكَ يَا أَعْرَابِيُّ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَ هَذَا وَصِيُّهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَلِيفَتُهُ وَ قَاضِي دَيْنِهِ وَ مُنْجِزُ عِدَاتِهِ وَ وَارِثُ عِلْمِهِ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ:

وَيْحَكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وَ الَّذِي أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ مَا فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالُوا: وَيْحَكَ يَا أَعْرَابِيٌّ اسْأَلْ عَنْ مَسْأَلَتِكَ وَ دَعْ عَنْكَ مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ، قَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا أَبَا الْحَسَنِ، يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ قَوْمِي حَاجّاً مُحْرِماً؛ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: تُرِيدُ الْحَجَّ، فَوَرَدْتَ عَلَى أُدْحِيٍّ فِيهِ بَيْضُ نَعَامٍ فَأَخَذْتَهُ وَ اشْتَوَيْتَهُ وَ أَكَلْتَهُ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَنْ سَبَقَنِي بِالْخَبَرِ إِلَيْكَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّنْ تَحَدَّثُ بِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَجْلِسِ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَكَيْفَ لَا يَسْبِقُ الْخَبَرُ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَفْتِهِ يَا أَبَا حَفْصٍ قَالَ لَهُ أَبُو حَفْصٍ لَوْ حَضَرْتُ وَ عَلِمْتُ الْفَتْوَى مَا حَمَلْنَا إِلَيْكَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَجَلْ يَا أَعْرَابِيُّ عَلَيْكَ بِالصَّبِيِّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمِهِ وَ مُؤَدِّبِهِ صَاحِبِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ ابْنِيَ الْحَسَنُ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ يُفْتِيكَ قَالَ الْأَعْرَابِيُ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

مَاتَ دِينُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَعْدَ مَوْتِهِ فَحَمِدَ وَ تَنَازَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَ أَزْبَدَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَاشَ لِلَّهِ يَا أَعْرَابِيُّ لَمْ يَمُتْ أَبَداً قَالَ الْأَعْرَابِيُّ أَ فَمِنَ الْحَقِّ أَنْ أَسْأَلَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ حَوَارِيَّهُ وَ أَصْحَابَهُ وَ لَا يُفْتُونِّي وَ يُحِيلُونِّي عَلَيْكَ وَ تُحِيلُنِي وَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَسْأَلَ الصَّبِيَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمِهِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَا أَعْرَابِيُّ لَا تَقُلْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ‏

189

عِلْمٌ وَ اسْأَلِ الصَّبِيَّ فَإِنَّهُ يُفْتِيكَ فَقَامَ الْإِعْرَابِيُّ إِلَى الْحَسَنِ (عليه السلام) وَ قَلَمُهُ فِي يَدِهِ يَخُطُّ فِي الصَّحِيفَةِ وَ مُؤَدِّبُهُ يَقُولُ أَحْسَنْتَ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ يَا حَسَنُ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا مُؤَدِّبُ يُحْسِنُ لِلصَّبِيِّ مِنْ إِحْسَانِهِ وَ مَا أَسْمَعُكَ تَقُولُ لَهُ شَيْئاً حَتَّى كَأَنَّهُ بِمُؤَدِّبِكَ قَالَ فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ وَ صَاحُوا بِهِ وَيْحَكَ يَا أَعْرَابِيُّ أَوْجِزْ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ قَدْ نَبَّأْتُكَ يَا حَسَنٌ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قَوْمِي حَاجّاً مُحْرِماً فَوَرَدْتُ عَلَى أُدْحِيٍّ فِيهِ بَيْضُ نَعَامٍ فَاشْتَوَيْتُهُ وَ أَكَلْتُهُ عَامك [عَامِداً هَذَا نَاسِياً قَالَ الْحَسَنُ زِدْتَ فِي الْقَوْلِ يَا أَعْرَابِيُّ قَوْلُكَ عَامِداً لَمْ يَكُنْ هَذَا عَبَثاً قَالَ الْأَعْرَابِيُّ مَا كُنْتُ نَاسِياً فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ- وَ هُوَ يَحُطُّ فِي صَحِيفَتِهِ- يَا أَعْرَابِيُّ خُذْ بِعَدَدِ الْبَيْضِ نُوقاً فَاحْمِلْ (أَيْ فَأَعْلِ) عَلَيْهَا فُيُقاً يَعْنِي ذَكَرَ النُّوقِ، فَإِذَا أَنْتَجَتْ مِنْ قَابِلٍ فَاجْعَلْهَا

هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ

كَفَّارَةً لِفِعْلِكَ، قَالَ الْأَعْرَابِيُّ:

فَدَيْتُكَ يَا حَسَنُ إِنَّ مِنَ الْإِبِلِ لَمَا يُزْلِقْنَ.

قَالَ الْحَسَنُ (عليه السلام) يَا أَعْرَابِيُّ وَ إِنَّ فِي الْبَيْضِ لَمَا يَمْرَقْنَ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ أَنْتَ صَبِيٌّ مُحِقٌّ وَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مَعْرُوفٌ وَ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَا أَقُولُ لَقُلْتُ إِنَّكَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ الْحَسَنُ (عليه السلام) مَا تَرَى قَوْماً اخْتَارُوهُ فَإِذَا أَبْغَضُوهُ عَزَلُوهُ فَكَبَّرَ الْقَوْمُ وَ عَجِبُوا لِمَا سَمِعُوا مِنَ الْحَسَنِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي ابْنِي هَذَا كَمَا جَعَلَهُ فِي دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ فَرْقَدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ العنبدي [الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْمَكْفُوفِ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ:

لَمَّا مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) جَاءَ النَّاسُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) فَقَالُوا: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ نَحْنُ السَّامِعُونَ الْمُطِيعُونَ لَكَ اومُرْنَا بِأَمْرِكَ قَالَ: كَذَبْتُمْ وَ اللَّهِ مَا وَفَيْتُمْ لِمَنْ كَانَ خَيْراً مِنِّي يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَكَيْفَ تُوفُونَ لِي وَ كَيْفَ أَطْمَئِنُّ إِلَيْكُمْ‏

190

وَ أَثِقُ بِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَهُوَ غَداً مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ أُعَسْكِرُ بِالْمَدَائِنِ فَوَافُونِي هُنَاكَ.

فَرَكِبَ مَعَهُ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ وَ تَخَلَّفَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يُوفُوا لَهُ بِمَا قَالُوا وَ غَرُّوهُ كَمَا غَرُّوا أَبَاهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَبْلَهُ.

فَقَامَ خَطِيباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ جَدَّهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ غَرَرْتُمُونِي كَمَا غَرَرْتُمْ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلِي فَلَا جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ خَيْراً مَعَ أَبِي أَمَا إِنَّهُ تُقَاتِلُونَ بَعْدِي مَعَ الظَّالِمِ الْكَافِرِ اللَّعِينِ ابْنِ اللَّعِينِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ لَا بِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لَا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ هُوَ وَ لَا أبيه [أَبُوهُ قَاطِبَةً إِلَّا خَوْفاً مِنَ السَّيْفِ وَ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا عَجُوزٌ دَرْدَاءُ لَابْتَغَتْ لِدِينِ اللَّهِ عِوَجاً هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

ثُمَّ وَجَّهَ قَائِداً فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ وَ كَانَ مِنْ كِنْدَةَ أَمَرَهُ أَنْ يُعَسْكِرَ بِالْأَنْبَارِ وَ نَزَلَ بِهَا، وَ عَلِمَ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بُعِثَ إِلَيْهِ رَسُولٌ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنَّكَ إِنْ أَقْبَلْتَ إِلَيَّ وَلَّيْتُكَ بَعْضَ كُوَرِ الشَّامِ وَ الْجَزِيرَةِ غَيْرَ مَا أُفِيضُهُ مِنَ الْإِنْعَامِ عَلَيْكَ، وَ حَمَلَ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ قَبَضَهَا الْكِنْدِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ مِنَ الرَّسُولِ وَ انْقَلَبَ عَنِ الْحَسَنِ وَ مَضَى إِلَى مُعَاوِيَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ.

فَقَامَ الْحَسَنُ (عليه السلام) خَطِيباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ صَاحِبِي بَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ وَعَدَهُ وَ مَنَّاهُ وَ وَلَّاهُ بَعْضَ كُوَرِ الشَّامِ وَ الْجَزِيرَةِ وَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَ غَدَرَ بِي وَ بِكُمْ وَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا وَفَاءَ لَكُمْ وَ لَا خَيْرَ عِنْدَكُمْ أَنْتُمْ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَ إِنِّي مُوَجِّهٌ مَكَانَهُ رَجُلًا إِنْ هُوَ عَلِمَ بِهِ سَيَفْعَلُ بِي وَ بِكُمْ مَا فَعَلَ صَاحِبُهُ وَ لَا يُرَاقِبُ فِيَّ وَ لَا فِيكُمْ فَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ مُرَادٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَحَلَفَ بِالْأَيْمَانِ لَا تَقُومُ لَهَا الْجِبَالُ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ صَاحِبُهُ، وَ حَلَفَ الْحَسَنُ (عليه السلام) مِثْلَهَا أَنَّهُ يَفْعَلُ وَ يَغْدِرُ بِهِ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ وَ صَارَ إِلَى‏

191

الْأَنْبَارِ وَ نَزَلَ بِهَا وَ عَلِمَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا وَ كَتَبَ إِلَيْهِ كَمَا كَتَبَ إِلَى صَاحِبِهِ وَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ مَنَّاهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَيْراً مِنْ كُوَرِ الشَّامِ وَ الْجَزِيرَةِ فَنَكَثَ عَلَى الْحَسَنِ مَا فَعَلَ وَ أَخَذَ طَرِيقَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ لَمْ يُرَاقِبْ وَ لَمْ يَخَفْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ.

وَ بَلَغَ الْحَسَنَ فِعْلُ الْمُرَادِيِّ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَامَ خَطِيباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَنَّكُمْ لَا تُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَنَّكُمْ قَدْ غُرِرْتُمْ، هَذَا صَاحِبُكُمُ الْمُرَادِيُّ وَ قَدْ غَدَرَ بِي وَ صَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْحَسَنِ (عليه السلام) يَا ابْنَ الْعَمِّ: اللَّهَ اللَّهَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ أَنْ تَقْطَعَ الرَّحِمَ وَ أَنْ قَدْ غَدَرُوا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ.

فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْحَسَنُ كِتَابَ مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا: يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِنْ كَانَ الرَّجُلَانِ غَدَرَا بِكَ وَ غَرَّاكَ مِنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنَّا لَكَ نَاصِحُونَ مُتَّبِعُونَ غَيْرُ غَادِرِينَ، فَقَالَ الْحَسَنُ (عليه السلام) وَ اللَّهِ لَأُعْذِرَنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ أَنْ يُعَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ فَوَافُونِي هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَوَ اللَّهِ لَا تُوفُونَ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ.

ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ (عليه السلام) أَخَذَهُ طَرِيقُهُ إِلَى النُّخَيْلَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَوَافَاهُ عَشْرُ آلَافِ رَاجِلٍ فَانْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَا عَجَبَاهْ مِنْ قَوْمٍ لَا حَيَاءَ لَهُمْ وَ لَا دِينَ يَغْدِرُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ عَلَى ابْنِ هِنْدٍ أَعْوَاناً مَا وَضَعْتُ يَدِي فِي يَدِهِ وَ لَا سَلَّمْتُ إِلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ وَ إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَنْتُمْ لَا يأمن [يُؤْمَنُ غَدْرُكُمْ وَ أَفْعَالُكُمْ فَإِنِّي وَاضِعٌ يَدِي فِي يَدِهِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَا تَرَوْنَ فَرَجاً أَبَداً مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنِّي عِنْدَهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْكُمْ وَ تَاللَّهِ لَيَسُومَنَّكُمْ بَنُو أُمَيَّةَ سُوءَ الْعَذَابِ وَ يَشُنُّونَ عَلَيْكُمْ جَيْشاً عَظِيماً مِنْ مُعَاوِيَةَ فَأُفٍّ لَكُمْ وَ تَرَحاً يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا وَ أَبْنَاءَ الطَّمَعِ.

ثُمَّ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنِّي تَارِكُهَا مِنْ يَوْمِي هَذَا وَ غَيْرُ طَالِبٍ لَهَا وَ تَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ عَلَيْكُمْ أَعْوَاناً نَاصِرِينَ عَارِفِينَ بِحَقِّي غَيْرَ مُنْكِرِينَ مَا سَلَّمْتُ إِلَيْكَ‏

192

هَذَا الْأَمْرَ وَ لَا أَعْطَيْتُكَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَنْتَ طَالِبُهُ أَبَداً وَ لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ عَلِمَ وَ عَلِمْتَ يَا مُعَاوِيَةُ وَ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِي دُونَكَ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّ الْخِلَافَةَ لِي وَ لِأَخِي الْحُسَيْنِ وَ إِنَّهَا لَمُحَرَّمَةٌ عَلَيْكَ وَ عَلَى قَوْمِكَ و سَمَاعِكَ وَ سَمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَ [سَمِعْتُهُ عَنِ، الصَّادِقِ وَ الْأَمِينِ وَ الْمُؤَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وَ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَامَ بِهَا عَاتِباً عَلَى أَهْلِهَا مُوَارِياً عَلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ الطَّائِيُّ، فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ يَسَعُكَ تَرْكُ مُعَاوِيَةَ؟ فَغَضِبَ الْحَسَنُ (عليه السلام) غَضَباً شَدِيداً، حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ دَارَتْ أَوْدَاجُهُ وَ سُكِبَتْ دُمُوعُهُ وَ قَالَ: وَيْحَكَ يَا حُجْرُ تُسَمِّينِي بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا جَعَلَهَا اللَّهُ لِي وَ لَا لِأَخِي الْحُسَيْنِ وَ لَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى وَ لَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَأْتِي إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً؟ أَ وَ مَا سَمِعْتَ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَدْ قَالَ لِأَبِي يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ سَمَّاكَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَمْ يُشْرِكْ مَعَكَ فِي هَذَا الِاسْمِ أَحَداً فَمَا تَسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ إِلَّا وَ هُوَ مَأْفُونٌ فِي عَقْلِهِ، مَأْبُونٌ فِي عَقِبِهِ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَ هُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَمَكَثَ أَيَّاماً ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكَ فِي وَجْهِهِ وَ قَالَ وَ اللَّهِ يَا حُجْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لَأَسْهَلُ عَلَيَّ وَ أَسَرُّ إِلَى قَلْبِي مِنْ كَلِمَتِكَ الْأُولَى فَمَا شَأْنُكَ؟ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ إِنَّ خَيْلَ مُعَاوِيَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْأَنْبَارِ وَ سَوَادِهَا وَ أَتَى فِي مِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ فِي هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ وَ الْكُوفَةَ، فَقَالَ حُجْرٌ يَا مَوْلَايَ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ إِلَّا مَا ذَكَرْتَهُ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا حُجْرُ لَوْ أَنِّي فِي أَلْفِ رَجُلٍ لَا وَ اللَّهِ إِلَّا مِائَتَيْ رَجُلٍ لَا وَ اللَّهِ إِلَّا فِي سَبْعِ نَفَرٍ لَمَا وَسِعَنِي تَرْكُهُ، وَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ ثِقَاتُهُ حِينَ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَمَا قُلْتُمْ لِي فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكُمْ فَقَامَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو الذَّرِّ وَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالُوا: نَحْنُ لَكَ شِيعَةٌ وَ مَنْ قَالَ بِنَا شِيعَةٌ لَكَ مُصَدِّقُونَ اللَّهَ فِي طَاعَتِكَ فَقَالَ لَهُمْ حَسْبِي بِكُمْ قَالُوا وَ مَا تَأْمُرُنَا قَالَ إِذَا كَانَ غَداً فَاحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ وَ أَشْهِرُوا سُيُوفَكُمْ وَ ضَعُوهَا

193

عَلَى عَوَاتِقِكُمْ وَ بَكِّرُوا إِلَيَّ فَإِنِّي أَقُومُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ لَا يَسَعُنِي الْقُعُودُ عَنْهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بَكَّرَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ قَدْ حَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ وَ أَشْهَرُوا سُيُوفَهُمْ وَ جَعَلُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ وَ مَعَهُمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ قَدْ حَلَقَ نِصْفَ رَأْسِهِ وَ شَهَرَ نِصْفَ سَيْفِهِ، فَلَمَّا قَعَدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ (عليه السلام) نَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَ قَالَ لِعَمَّارٍ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ مَنْ يَشْتَرِي نَفْسَهُ عَلَى نَصْرِ دِينِهِ يَبْقَى وَ لَا يَخَافُ، قَالَ:

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَشِيتُ وُثُوبَهُمْ عَلَيَّ وَ سَفْكَ دَمِي فَقَالَ اغْمِدُوا سُيُوفَكُمْ فَوَ اللَّهِ لَوْ تَمَّ عَدَدُكُمْ سَبْعَةَ رِجَالٍ لَمَا وَسِعَنِي الْقُعُودُ عَنْكُمْ وَ تَاللَّهِ يَا حُجْرُ إِنِّي لَعَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَطَعْتُمُونِي، فَخَرَجَ حُجْرٌ وَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ وُجُوهُ قَبَائِلِ الْكُوفَةِ فَقَالُوا إِنَّا قَدِ امْتَحَنَّا أَهْلَ مِصْرِنَا فَوَجَدْنَاهُمْ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَ هُمْ زُهَاءُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رَجُلٍ فَقُمْ بِنَا إِلَى سَيِّدِنَا ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى نُبَايِعَهُ بَيْعَةً مُجَدَّدَةً وَ نَخْرُجَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَا نَدَعَ ابْنَ هِنْدٍ يَعْبُرُ عَلَيْنَا وَ قَوَائِمُ سُيُوفِنَا فِي أَيْدِينَا فَجَاؤُا إِلَى الْحَسَنِ (عليه السلام) فَخَاطَبُوهُ بِمَا يَطُولُ شَرْحُهُ فَقَالَ لَهُمْ وَ اللَّهِ مَا تُرِيدُونَ إِلَّا انْقِطَاعَ الْجَبَلِ بِي حَتَّى تُرِيحُوا مُعَاوِيَةَ مِنِّي وَ لَئِنْ خَرَجْتُ مَعَكُمْ بِاللَّهِ حَتَّى أَبْرُزَ عَنْ هَذَا الْمِصْرِ لَيُرَغِّبَنَّكُمْ مُعَاوِيَةُ وَ لَيُدَبِّرُ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يُرَغِّبُهُ فِي قَتْلِي بِالْمَالِ الْكَثِيرِ وَ يَسْأَلُهُ اغْتِيَالِي بِطَعْنَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ فَيَضْرِبُنِي ضَرْبَةً يَجْرَحُنِي بِهَا وَ لَا يَصِلُ إِلَيَّ قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ تَاللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَقُلْ هَذَا فَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَ قَدْ قَلَّدْنَاكَ دَمَنَا فَقَالَ ابْرِزُوا إِلَى الْمَدَائِنِ حَتَّى تَنْظُرُوا فَبَرَزُوا وَ سَارُوا حَتَّى وَرَدُوا الْمَدَائِنَ فَعَسْكَرَ بِهَا فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ وَ قَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَاتَبَ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ الْبَجَلِيَّ ابْنَ أَخِي جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ بَذَلَ لَهُ مَالًا عَلَى اغْتِيَالِ الْحَسَنِ وَ قَتْلِهِ فَأَخَذَ لَهُ سَيْفاً وَ احْتَمَلَ تَحْتَ أَثْوَابِهِ وَ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْحَسَنِ (عليه السلام) فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَرَجَعَ فَرَمَى السَّيْفَ وَ أَخَذَ الرُّمْحَ مَعَهُ فَضَاقَ بِهِ صَدْرُهُ فَرَدَّهُ خَوْفاً وَ أَخَذَ حَرْبَةً مُرْهَفَةً وَ أَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْفُسْطَاطِ الْمَضْرُوبِ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) فَوَقَفَ غَيْرَ بَعِيدٍ وَ نَظَرَ إِلَيْهِ سَاجِداً وَ رَاكِعاً وَ النَّاسُ نِيَامٌ فَرَمَى بِالْحَرْبَةِ فَأَثْبَتَهَا فِيهِ وَ وَلَّى هَارِباً فَتَمَّمَ صَلَاتَهُ وَ الْحَرْبَةُ تَهْتَزُّ فِي بَدَنِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ صَلَاتِهِ وَ نَبَّهَ مَنْ حَوْلَهُ وَ صَاحُوا

194

النَّاسَ فَجَاؤُا حَتَّى نَظَرُوا إِلَى الْحَرْبَةِ تَهْتَزُّ فِي بَدَنِهِ فَقَالَ لَهُمْ هَلْ أَنَا يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَخْبَرْتُكُمْ مَا تَفْعَلُونَهُ وَ كَذَّبْتُمُونِي وَ أَخَذَ الْحَرْبَةَ وَ صَاحَ بِالرَّحِيلِ وَ انْكَفَأَ مِنَ الْمَدَائِنِ جَرِيحاً وَ كَانَ لَهُ بِالْكُوفَةِ خَطْباً وَ خِطَاباً كَثِيراً يَسُبُّ فِيهِ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَ يَلْعَنُهُمْ وَ قَالَ لَهُمْ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ابْنَ أَخِي جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَمَانِي بِحَرْبَةٍ فَاطْلُبُوهُ فَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ وَ سَلَّمَ وَ لَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ وَ رَحَلَ الْحَسَنُ (عليه السلام) مِنَ الْكُوفَةِ وَ سَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ قَلَّدَهَا مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أَبِي قَرْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَزِيدَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيِّ الرَّسِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَنْدَلٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ:

خَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) إِلَى مَكَّةَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ مَاشِياً مِنَ الْمَدِينَةِ، فَتَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَوَالِيهِ: لَوْ رَكِبْتَ سَكَنَ عَنْكَ هَذَا الْوَرَمُ الَّذِي بِرِجْلَيْكَ، قَالَ كَلَّا إِذَا أَتَيْتَ الْمَنْزِلَ سَيَلْقَاكَ أَسْوَدُ مَعَهُ دُهْنٌ لِهَذَا الْوَرَمِ فَاشْتَرِهِ وَ لَا تماسكة [تُمَاكِسْهُ فَقَالَ مَوْلَاهُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَتَيْتَ مَنْزِلًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ يَبِيعُ هَذَا الدَّوَاءَ قَالَ بَلَى إِنَّهُ أَمَامَكَ دُونَ الْمَنْزِلِ فَسَارَ مَلِيّاً فَإِذَا الْأَسْوَدُ قَدْ قَابَلَهُ قَالَ الْحَسَنُ لِمَوْلَاهُ دُونَكَ الرَّجُلَ فَخُذْ مِنْهُ الدُّهْنَ وَ أَعْطِهِ الثَّمَنَ فَقَالَ الْأَسْوَدُ وَيْحَكَ يَا غُلَامُ لِمَنْ أَرَدْتَ هَذَا الدُّهْنَ؟ فَقَالَ: لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) فَقَالَ انْطَلِقْ بِي إِلَيْهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّكَ مُحْتَاجٌ إِلَى الدُّهْنِ فَلَسْتُ آخُذُ لَهُ ثَمَناً أَنَا مَوْلَاكَ وَ لَكِنِ ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي ذَكَراً سَوِيّاً يُحِبُّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، فَقَدْ خَلَّفْتُ أَهْلِي بِمَحْضَرٍ، قَالَ انْطَلِقْ إِلَى مَنْزِلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَهَبَ لَكَ ذَكَراً سَوِيّاً وَ هُوَ لَنَا شِيعَةٌ فَرَجَعَ الْأَسْوَدُ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ وَضَعَتْ غُلَاماً سَوِيّاً، فَرَجَعَ [إِلَى الْحَسَنِ (عليه السلام) فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ وَ قَالَ لَهُ خير [خَيْراً وَ مَسَحَ رِجْلَهُ بِذَلِكَ الدُّهْنِ وَ خَرَجَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ قَدْ سَكَنَ مَا بِهِ وَ مَشَى عَلَى قَدَمَيْهِ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

195

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْوَرَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ:

جَاءَ النَّاسُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قَالُوا أَرِنَا مَا عِنْدَكَ مِنْ عَجَائِبِ أَبِيكَ الَّتِي كَانَ يُرِينَا إِيَّاهَا قَالَ: تُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: أَ لَيْسَ تَعْرِفُونَ أَبِي، قَالُوا: بَلَى كُلُّنَا نَعْرِفُهُ، فَرَفَعَ لَهُمْ جَانِبَ سِتْرٍ فَإِذَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَالِسٌ، قَالَ: تَعْرِفُونَهُ؟ قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ:

هَذَا وَ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ نَشْهَدُ أَنَّكَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ وَ لَقَدْ أَرَيْتَنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ، قَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ: وَيْلَكُمْ أَ مَا سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ‏

...

بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏

إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَا ذَا تَقُولُونَ فِينَا؟ قَالُوا: آمَنَّا وَ صَدَّقْنَا

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْوَشَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ وَ هُوَ أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) قَالَ:

كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمِّيَ الْحَسَنِ كِتَاباً يَقُولُ فِيهِ إِنِّي قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ بَزّاً فَدَخَلَتْ فِي نَفْسِي وَ صَغُرَتْ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ فَإِنْ أَذِنْتَ بِقَبُولِهَا أَنْفَذْتُهَا إِلَيْكَ وَ إِنْ أَجَبْتَ أَنْ أُعَرِّفَكَهَا تَخْتَارُ مِنْهَا مَا تَرَاهُ فَقُلْتَ وَ كَانَ بَعْدَ وُرُودِهِ الْمَدِينَةَ مِنَ الْكُوفَةِ وَ أَقْبَلَ لِلِقَائِهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَصَلَ كِتَابُكَ بِمَا عِنْدَنَا عِلْمُهُ وَ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ لَنَا فَإِنْ أَخَذْنَاهُ أُخِّرَ عَنْكَ وَ إِنْ تَرَكْنَاهُ كَانَ عَلَيْكَ أَعْظَمَ حَمْلٍ ثَقِيلَ الْوَقْرِ وَ إِنْ كَانَ الْمَالُ دُونَ الدِّمَاءِ الَّتِي سُفِكَتْ وَ الْفِتَنِ الَّتِي ظَهَرَتْ وَ أَمَّا عَرْضُكَ عَلَيَّ مَا أَعْدَدْتَهُ لِأَخْتَارَ مِنْهُ مَا أَشَاءُ فَوَ اللَّهِ إِنَّنِي بِفَضْلِ اللَّهِ أُحِيطُ بِهِ عِلْماً وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ غَلِطْتَ وَ نَسِيتَ فَرَدَدْتَ خَاتَماً جَعَلْتَهُ فِي السَّفَطِ الْجَزْعِ مِنَ الْجَوْهَرِ الَّذِي يَكُونُ عَدَدُهُ اثْنَتَانِ وَ أَرْبَعُونَ حَبَّةً قَدِ اسْتَأْثَرْتَ بِالْخَاتَمِ لِنَفْسِكَ وَ أَعْجَبَكَ فَبَخِلْتَ بِبَعْثِهِ إِلَيْنَا وَ جَعَلْتَهُ فِي سَبَّابَتِكَ الْيُمْنَى وَ قُلْتَ فِي نَفْسِكَ مَا ذَا يَقُولُ أَهْلُ الشَّامِ إِذَا رَأَوْا خَاتَمِي فِي يَدِهِ قَدْ

196

هَوَى عَلِيّاً بَعْدَ مَوْتِهِ وَ تَشَاغَلْتَ بِمَا أَعْدَدْتَ لَنَا مِنَ الْبَزِّ وَ الْحَرَمِ، وَ دَقِّ مِصْرَ، وَ نَسِيجِ عَدَنَ، وَ مِسْكِ تُبَّتَ، وَ كَافُورِ قَصُورَةَ، وَ عَنْبَرِ الْهِنْدِ، وَ لَوْ شِئْتَ لَفَصَّلْتُ لَكَ كُلَّمَا أَعْدَدْتَهُ وَزْناً وَ عَدَداً وَ كَيْفَ تَعْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَخْتَارَ مَا نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ وَ لَوْ كُنْتَ تَأَدَّبْتَ بِآدَابِ اللَّهِ وَ أَهْدَيْتَ وَ لَمْ تُشَاوِرْ لَلَزِمَنَا قَبُولُ هَدِيَّتِكَ فَدَعِ الْآنَ إِلَى أَنْ تَنْظُرَ وَ نَنْظُرَ وَ السَّلَامُ.

فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ فَضَّهُ وَ قَرَأَهُ وَ هَمَّ أَنْ يُخْفِيَهُ ثُمَّ أَظْهَرَهُ فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ صَدَقَ الْحَسَنُ فِيمَا قَالَ فَقَدْ أَظْهَرْتَ عَيْبَ نَفْسِكَ بِإِظْهَارِكَ مَا كَتَبْتَ بِهِ إِلَيْكَ وَ إِنْ كَانَ كذاب [كَذَّاباً فَبَيِّنْ ذَلِكَ مِنْ كَذِبِهِ عِنْدَ مَنْ حَضَرَكَ .. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عُتْبَةُ قَدْ كَانَ مَا كَانَ فِي النَّفْسِ مَا فِيهَا وَ إِتْيَانُ الْحَقِّ أَجْمَلُ، وَ الْكَذِبُ لَا يَلِيقُ بِذَوِي الْكَرَمِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرَهُ فَقَالَ لَهُ عُتْبَةُ أَدَامَ اللَّهُ لَكَ رُعْبَكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا تَزَالُ تَخَافُهُمْ كُلَّمَا ذَكَرْتَ عَلِيّاً وَ نَهَضَ مِنْ مَجْلِسِهِ مُغْضَباً فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إِنْ غَضِبْتَ يَا عُتْبَةُ فَعَنْ قَلِيلٍ تَرْضَى وَ مَا سَخَطُكَ وَ رِضَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَ اللَّهِ شَيْئاً فَخَرَجَ أَكْثَرُ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ وَ هُمْ يَقُولُونَ لَا جَزَاكَ اللَّهُ يَا مُعَاوِيَةُ خَيْراً فَقَدْ أَدْخَلْتَنَا فِي ضَلَالٍ وَ عَاقِبَةِ خُسْرٍ

، فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِي الْكُوفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَبَلَةَ التَّمَّارِ عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ زَيْدِ بْنِ كَثِيرٍ الْجُمَحِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنِ الْمَوْلَى الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ:

لَمَّا قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) مِنَ الْكُوفَةِ الْتَقَاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مُعَزِّينَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ مُهَنِّئِينَ لَهُ بِالْقُدُومِ، وَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَ اللَّهِ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا فُقِدَ جَدُّكَ إِلَّا حَيْثُ فُقِدَ أَبُوكَ وَ لَقَدْ قُلْتَ يَوْمَ قَامَ عِنْدَنَا نَاعِيهِ قَوْلًا صَدَقْتَ فِيهِ مَا كَذَبْتَ.

قَالَ لَهَا الْحَسَنُ (عليه السلام) عَسَى هُوَ تَمَثُّلُكَ بِقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ

197

حَيْثُ يَقُولُ:

وَ بَشَّرْتُهَا فَاسْتَعْجَلَتْ بِخِمَارِهَا * * * يَحِقُّ عَلَى الْمُسْتَعْجِلِينَ الْمُبَاشِرُ

وَ أَخْبَرَهَا الرُّكْبَانُ أَنْ لَيْسَ بَيْنَهَا * * * وَ بَيْنَ قُرَى نَجْرَانَ وَ الشَّامِ كَافِرٌ

فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَ اسْتَقَرَّتْ بِهَا النَّوَى‏ * * * كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ

فَقَالَتْ لَهُ يَا ابْنَ خُبُوتٍ جَدُّكَ وَ أَبُوكَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي أَخْبَرَكَ بِهَذَا عَنِّي؟

فَقَالَ لَهَا مَا هَذَا غَيْبٌ لِأَنَّكِ أَظْهَرْتِيهِ، وَ سُمِعَ مِنْكِ، وَ عَنْ نَبْشِكِ جَزَراً اخْضَرَّ فِي وَسَطِ بَيْتِكِ لَيْلًا، بِلَا قَشٍّ فَتَتَرَيَّنُ الْحَدِيدَةُ فِي كَفِّكِ حَتَّى صَارَ جُرْحاً أَلَا فَاكْشِفِي عَنْهُ، وَ أَرِيهِ لِمَنْ حَوْلَكِ مِنَ النِّسَاءِ، ثُمَّ إِخْرَاجُكِ الْجَزَرَ وَ مَا فِيهِ وَ مَا جَمَعْتِهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَ أَخْذُكِ مِنْهُ أَرْبَعِينَ دِينَاراً عَدَداً لَا تَعْلَمِينَ وَزْنَهَا وَ تَفْرِيقُكِ لَهُ فِي ضَعَفَةِ مُبْغِضِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ شُكْراً لِقَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ يَا حَسَنُ لَقَدْ كَانَ مَا قُلْتَ وَ لِلَّهِ ابْنُ هِنْدٍ فَلَقَدْ شَفَا وَ شَفَا فِيَّ.

فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَيْحَكِ يَا عَائِشَةُ مَا هَذَا مِنْكِ بِعَجَبٍ، وَ إِنِّي لَأَشْهَدُ عَلَيْكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَالَ لِي وَ أَنْتِ حَاضِرَةٌ صُوَّامَ أُمِّ أَيْمَنَ وَ مَيْمُونَةَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ كَيْفَ تَجِدِينَ فِيَّ نَفْسَكِ؟ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُهُ قُرْباً وَ لَا أَبْلُغُهُ وَصْفاً، قَالَ كَيْفَ تَجِدِينَ عَلِيّاً فِي نَفْسِكِ قُلْتُ لَا يَتَقَدَّمُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْكَ وَ أَنْتُمَا فِي نَفْسِي سَوَاءٌ فَقَالَ شَكَرَ اللَّهُ فِعْلَكِ يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ فِي نَفْسِكِ مِثْلِي لَبَرِئْتُ مِنْكِ فِي الْآخِرَةِ وَ لَمْ يَنْفَعْكِ قُرْبُكِ مِنِّي فِي الدُّنْيَا فَقُلْتُ إِنَّنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ كَذَلِكَ أَزْوَاجُكِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِعَلِيٍّ فِي نَفْسِي مَوْضِعاً قَرِيباً أَوْ بَعِيداً فَقَالَ لَكِ حَسَبُكِ يَا عَائِشَةُ ثُمَّ يَا أُمَّ سَلَمَةَ يَمْضِي مُحَمَّدٌ وَ يَمْضِي الْحَسَنُ عَلَيْهِمَا وَ يَمْضِي الْحُسَيْنُ مَقْتُولًا كَمَا أَخْبَرَ جَدُّهُمَا فَقَالَ لَهَا الْحَسَنُ: وَ أَخْبَرَكِ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

198

أَنْ تَمُوتِينَ وَ إِلَى مَا ذَا تَصِيرِينَ فَقَالَتْ لَهُ (نَعَمْ) مَا أَخْبَرَنِي إِلَّا بِخَيْرٍ.

فَقَالَ لَهَا الْحَسَنُ: تَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَكِ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنَّكِ تَمُوتِينَ بِالدَّاءِ وَ الدُّبَيْلَةِ فَقَالَتْ يَا حَسَنُ مَتَى قَالَ هَذَا قَالَ أَخْبَرَكِ بَعْدَ لَوْمِكِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ نَشَائِكِ حَرَماً تَجْرِينَ فِيهِ عَنْ بَيْتِكِ مُتَأَمِّرَةً عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَمْسُوخٍ مِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ يُقَالُ لَهُ عَسْكَرٌ تَسْفِكِينَ دَمَ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّكِ أُمُّهُمْ قَالَتْ لَهُ، جَدُّكَ أَخْبَرَكَ بِذَلِكَ أَمْ هَذَا مِنْ غَيْبِكَ قَالَ هَذَا مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَ عِلْمِ رَسُولِهِ وَ عِلْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَعْرَضَتْ عَنْهُ بِوَجْهِهَا وَ قَالَتْ بِنَفْسِهَا وَ اللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِأَرْبَعِينَ دِينَاراً وَ نَهَضَتْ فَقَالَ لَهَا (عليه السلام) وَ اللَّهِ لَوْ تَصَدَّقْتِ بِأَرْبَعِينَ قِنْطَاراً مَا كَانَ ثَوَابُكِ إِلَّا النَّارَ.

فهذا من دلائله (عليه السلام).

199

الباب الخامس باب الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام)

200

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

201

مَضَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ وَ لَهُ سَبْعَةٌ وَ سِتُّونَ سَنَةً فِي عَامِ السِّتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَ هُوَ يَوْمُ السَّبْتِ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخِيهِ الْحَسَنِ (عليهما السلام) طَهُورُ الْحَمْلِ وَ كَانَ حَمْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَ لَمْ يُولَدْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ غَيْرُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام)، وَ رُوِيَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا كَذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَ كَانَ مُقَامُ الْحُسَيْنِ مَعَ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سِتَّ سِنِينَ وَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَ الْعَشَرَةُ أَيَّامٍ هِيَ الْمُدَّةُ بَيْنَ مَوْلِدِ الْحَسَنِ وَ حَمْلِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام).

وَ أَقَامَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سِتَّ سِنِينَ، وَ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ بَعْدَ مُضِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَشْرَ سِنِينَ، وَ أَقَامَ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَسَنِ (عليه السلام) عَشْرَ سِنِينَ وَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا غَيْرُ الْحَمْلِ.

وَ اسْمُهُ الْحُسَيْنُ وَ فِي التَّوْرَاةِ شَبِيرٌ وَ لَمَّا عَلِمَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (عليه السلام) قِبَلَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ سِبْطَيْ مُحَمَّدٍ شَبَّرَ وَ شَبِيرَ سَمَّى أخوه [أَخَاهُ هَارُونَ ابْنَيْهِ بِهَذَيْنِ الْإِسْمَيْنِ وَ كَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَ الْخَاصُّ أَبُو عَلِيٍّ وَ لَقَبُهُ الشَّهِيدُ وَ السِّبْطُ وَ التَّامُّ وَ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ الرَّشِيدُ وَ الطَّيِّبُ‏

202

وَ الْوَفِيُّ وَ الْمُبَارَكُ وَ التَّابِعُ وَ الرَّضِيُّ لِلَّهِ وَ الشَّارِي نَفْسَهُ لِلَّهِ وَ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ وَ أُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَ مَشْهَدُهُ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ وَ الرَّبْوَةُ ذَاتُ‏

قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏

بِكَرْبَلَاءَ غَرْبِيِّ الْفُرَاتِ وَ قَتَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِأَمْرِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ أَتَوْهُ وَ مَعَهُمُ اثْنَانِ وَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ وَ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ وَ عِدَّةُ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) اثْنَانِ وَ ثَلَاثُونَ فَارِساً وَ أَرْبَعُونَ رَاجِلًا وَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَهْطَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ الْبَاقُونَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ وَ وَقَعَ شَبَهُهُ عَلَى حَنْظَلَةَ الشِّبَامِيِّ وَ شِبَامُ مِنْ هَمْدَانَ وَ لَمَّا رَأَى أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ مُخْلِصاً فِي الْجِهَادِ بَيْنَ يَدَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى رِشْدَةَ بْنِ سِنَانٍ وَ الَّذِي كَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ وَ هُوَ الْأَكْبَرُ وَ عَلِيٌّ الْأَصْغَرُ وَ هُوَ الْمُتَّصِلُ بِهِ وَ عَبْدُ اللَّهِ وَ هُوَ الطِّفْلُ الْمَذْبُوحُ بِالنُّشَّابَةِ وَ مُحَمَّدٌ وَ جَعْفَرٌ وَ مِنَ الْبَنَاتِ زَيْنَبُ وَ سُكَيْنَةُ وَ فَاطِمَةُ.

وَ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ هَنَّأَهُ بِحَمْلِ الْحُسَيْنِ وَ وِلَادَتِهِ وَ عَزَّاهُ بِقَتْلِهِ وَ مُصِيبَتِهِ فَعَرَفَتْهُ فَاطِمَةُ فَكَرِهَتْ حَمْلَهُ وَ وِلَادَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ:

حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً

وَ هَذِهِ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ فِي حَقِّ مَوْلَانَا الْحُسَيْنِ خَاصَّةً لَيْسَ هَذَا فِي سَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّ حَمْلَ النِّسَاءِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَ الرَّضَاعُ‏

حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ

وَ هُمَا أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ شَهْراً لِيَكُونَ بِذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَ ثَلَاثُونَ شَهْراً وَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَلِدُ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ مَعَ أَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ فَيَكُونُ أَحَدٌ وَ ثَلَاثُونَ شَهْراً وَ الْمَوْلُودُ لَا يَعِيشُ أَبَداً إِذَا وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَ رَضَاعُهُ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ شَهْراً فَهُوَ ثَلَاثُونَ شَهْراً كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ شَرَّفَ اللَّهُ مَقَامَهُ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ‏

لَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) الْخُرُوجَ إِلَى‏

203

الشَّامِ بَعَثَتْ إِلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ وَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ رَبَّتْهُ وَ كَانَ هُوَ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَ كَانَتْ أَرْأَفَ النَّاسِ عَلَيْهِ وَ كَانَتْ تُرْبَةُ الْحُسَيْنِ عِنْدَهَا فِي قَارُورَةٍ مَخْتُومَةٍ دَفَعَهَا إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالَ لَهَا إِذَا خَرَجَ ابْنِي إِلَى الْعِرَاقِ فَاجْعَلِي هَذِهِ الْقَارُورَةَ نُصْبَ عَيْنَيْكِ فَإِذَا اسْتَحَالَتِ التُّرْبَةُ فِي الْقَارُورَةِ دَماً عَبِيطاً فَاعْلَمِي أَنَّ ابْنِيَ الْحُسَيْنَ قَدْ قُتِلَ فَقَالَتْ لَهُ أُذَكِّرُكَ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ وَ لِمَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ يُقْتَلُ ابْنِيَ الْحُسَيْنُ بِالْعِرَاقِ وَ عِنْدِي يَا بُنَيَّ تُرْبَتُكَ فِي قَارُورَةٍ مَخْتُومَةٍ دَفَعَهَا إِلَيَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنِّي مَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ فَأَيْنَ أَفِرُّ مِنَ الْقَدَرِ وَ الْقَضَاءِ الْمَحْتُومِ وَ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى قَالَتْ وَا عَجَبَاهْ فَأَيْنَ تَذْهَبُ وَ أَنْتَ مَقْتُولٌ قَالَ يَا أُمِّ إِنِّي إِنْ لَمْ أَذْهَبِ الْيَوْمَ ذَهَبْتُ غَداً وَ إِنْ لَمْ أَذْهَبْ غَداً ذَهَبْتُ بَعْدَ غَدٍ وَ مَا مِنَ الْمَوْتِ مَفَرٌّ وَ اللَّهِ يَا أُمِّ إِنِّي لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ الَّذِي أُقْتَلُ فِيهِ وَ السَّاعَةَ الَّتِي أُحْمَلُ فِيهَا وَ الْحُفْرَةَ الَّتِي أُدْفَنُ فِيهَا وَ أَعْرِفُ قَاتِلِي وَ مُحَارِبِي وَ الْمُجْلِبَ عَلَيَّ وَ السَّائِقَ وَ الْقَائِدَ وَ الْمُحَرِّضَ وَ مَنْ هُوَ قَاتِلِي وَ مَنْ يُحَرِّضُهُ وَ مَنْ يُقْتَلُ مَعِي مِنْ أَهْلِي وَ شِيعَتِي رَجُلًا رَجُلًا وَ أُحْصِيهِمْ عَدَداً وَ أَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَ أَسْمَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ وَ عَشَائِرِهِمْ كَمَا أَعْرِفُكِ وَ إِنْ أَحْبَبْتِ أَرَيْتُكِ مَصْرَعِي وَ مَكَانِي فَقَالَتْ فَقَدْ شِئْتُ فَمَا زَادَ عَلَيَّ أَنْ تَكَلَّمَ بِاسْمِ اللَّهِ فَخَضَعَتْ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى أَرَاهَا مَضْجَعَهُ وَ مَكَانَهُ وَ مَكَانَ أَصْحَابِهِ وَ أَعْطَاهَا مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهَا ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) وَ قَالَ لَهَا يَا أُمِّ إِنِّي لَمَقْتُولٌ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ فَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَعُدُّ الْأَيَّامَ وَ تَسْأَلُ عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ صُبْحَتَهُ قُتِلَ الْحُسَيْنُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا أَشْعَثَ مُغْبَرّاً بَاكِياً وَ قَالَ دُفِنَتِ الْحُسَيْنُ وَ أَصْحَابُهُ السَّاعَةَ فَانْتَبَهَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَ خَرَجَتْ صَارِخَةً بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَ اجْتَمَعَ إِلَيْهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهَا مَا الَّذِي دَهَاكِ قَالَتْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ أَصْحَابُهُ (عليه السلام) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ فَقَالَتْ مَكَانَكُمْ فَإِنَّ عِنْدِي تُرْبَةَ الْحُسَيْنِ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْهِمُ الْقَارُورَةَ فَإِذَا هِيَ‏

204

دَمٌ عَبِيطٌ فَحَسَبُوا الْأَيَّامَ فَإِذَا الْحُسَيْنُ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

وَ عَنْهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَاصِمٍ الْخَيَّاطِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ:

سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) يَقُولُ‏

لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ فِيهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) جَمَعَ أَهْلَهُ وَ أَصْحَابَهُ فِي لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلِي وَ شِيعَتِي اتَّخِذُوا هَذَا اللَّيْلَ جَمَلًا لَكُمْ وَ انْجُوا بِأَنْفُسِكُمْ فَلَيْسَ الْمَطْلُوبُ غَيْرِي وَ لَوْ قَتَلُونِي مَا فَكَّرُوا فِيكُمْ فَانْجُوا بِأَنْفُسِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ وَ سَعَةٍ مِنْ بَيْعَتِي وَ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَاهَدْتُمُونِي فَقَالُوا إِخْوَتُهُ وَ أَهْلُهُ وَ أَنْصَارُهُ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدَنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا تَرَكْنَاكَ أَبَداً أَيْشٍ يَقُولُ النَّاسُ تَرَكُوا إِمَامَهُمْ وَ سَيِّدَهُمْ وَ كَبِيرَهُمْ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ وَ نَبْلُو بَيْنَنَا وَ بَيْنَ اللَّهِ عُذْراً وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَبَداً أَوْ نُقْتَلَ دُونَكَ فَقَالَ (عليه السلام) يَا قَوْمِ فَإِنِّي غَداً أُقْتَلُ وَ تُقْتَلُونَ كُلُّكُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنُصْرَتِكَ وَ شَرَّفَنَا بِالْقَتْلِ مَعَكَ أَ وَ لَا تَرْضَى أَنْ نَكُونَ مَعَكَ فِي دَرَجَتِكَ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ خَيْراً وَ دَعَا لَهُمْ بِخَيْرٍ فَأَصْبَحَ وَ قُتِلَ وَ قُتِلُوا مَعَهُ أَجْمَعِينَ فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ ابْنُ أَخِي الْحَسَنِ يَا عَمِّ وَ أَنَا أُقْتَلُ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَيْفَ الْمَوْتُ عِنْدَكَ قَالَ: يَا عَمِّ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ قَالَ إِي وَ اللَّهِ فَذَلِكَ أَحْلَى لَا أَحَدٌ يُقْتَلُ مِنَ الرِّجَالِ مَعِي أَنْ تَبْلُوَ بَلَاءً عَظِيماً وَ ابْنِي عَبْدُ اللَّهِ إِذَا خِفْتُ عَطَشاً قَالَ يَا عَمِّ وَ يَصِلُونَ إِلَى النِّسَاءِ حَتَّى يُقْتَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَ هُوَ رَضِيعٌ فَقَالَ فِدَاكَ عَمُّكَ يُقْتَلُ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا خِفْتُ عَطَشاً رُوحِي وَ صِرْتُ إِلَى خِيَامِنَا فَطَلَبْتُ مَا أُولِينَاهُ فَلَا أَجِدُ فَأَقُولُ نَاوِلْنِي عَبْدَ اللَّهِ أَشْرَبُ مِنْ فِيهِ أَنْدَى لِهَوَانِي فَيُعْطُونِي إِيَّاهُ فَأَحْمِلُهُ عَلَى يَدَيَّ فَأُدْنِى فَاهُ مِنْ فِيَّ فَيَرْمِيهِ فَاسِقٌ مِنْهُمْ لَعَنَهُ اللَّهُ بِسَهْمٍ فَيُخِرُّهُ وَ هُوَ يُنَاغِي فَيَفِيضُ دَمُهُ فِي كَفِّي فَأَرْفَعُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ أَقُولُ اللَّهُمَّ صَبْراً وَ احْتِسَاباً فِيكَ فَتَلْحَقُنِي الْأَسِنَّةُ مِنْهُمْ وَ النَّارُ تُحْرِقُ وَ تَسَعَّرُ فِي الْخَنْدَقِ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْخِيَمِ فَأَكِرُّ عَلَيْهِمْ فِي آخِرِ أَوْقَاتِ بَقَائِي فِي دَارِ الدُّنْيَا فَيَكُونُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ فَبَكَى وَ بَكَيْنَا وَ ارْتَفَعَ الْبُكَاءُ