الهداية الكبرى‏

- حسين بن حمدان الخصيبي‏ المزيد...
288 /
255

السَّلَامُ) سَاجِداً وَ هُوَ يَقُولُ شُكْراً لِلْكَرِيمِ شُكْراً لِلْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي‏

يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ

وَ أَصْبَحَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مَيِّتاً لَعَنَهُ اللَّهُ وَ الشِّيعَةُ يُهْرَعُونَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يُهَنِّئُونَهُ بِمَوْتِهِ فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ مَاتَ عَلَى دِينِ أَبِي لَهَبٍ وَ لَقَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ لَوْ دَعَوْتُ اللَّهَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ لَزَالَتْ وَ مَنْ عَلَيْهَا فَأَجَابَنِي وَ عَجَّلَ عَلَيْهِ إِلَى أُمِّهِ هَاوِيَةٍ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ- إِبْرَاهِيمَ الْخَيَّاطِ، عَنْ بَشَّارِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ، عَنْ أَبِي سُمَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)

وَ هُوَ جَالِسٌ عَلَى بِسَاطٍ أَحْمَرَ فِي وَسْطِ دَارِهِ وَ أَنَا أَقُولُ إِنْ كَانَ دَاوُدُ أُوتِيَ مُلْكاً عَظِيماً فَالَّذِي أُوتِيَهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَهْلُ بَيْتِهِ (عليهم السلام) أَعْظَمُ وَ أَجَلُّ وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي اللَّهُمَّ إِنِّي مَا أَشُكُّ فِي حُجَّتِكَ عَلَى خَلْقِكَ وَ أَمَّا جَعْفَرٌ فَبَيِّنْ لِي فِيهِ آيَةً تَزِيدُنِي ثَبَاتاً وَ يَقِيناً فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَ قَالَ‏

قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى‏

يَا مُفَضَّلُ نَاوِلْنِي النَّوَاةَ وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَوَاةٍ فِي جَانِبِ الدَّارِ فَأَخَذْتُهَا وَ نَاوَلْتُهُ إِيَّاهَا فَجَمَعَ سَبَّابَتَهُ عَلَيْهَا وَ غَمَرَهَا فِي الْأَرْضِ فَغَيَّبَهَا وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَالِقَ الْحَبِّ وَ النَّوَى، وَ لَمْ أَسْمَعِ الْبَاقِيَ، وَ إِذَا تِلْكَ النَّوَاةُ نَبَتَتْ نَخْلَةً وَ أَخَذَتْ تَعْلُو حَتَّى صَارَتْ بِإِزَاءِ عُلُوِّ الدَّارِ ثُمَّ حَمَلَتْ حَمْلًا حَسَناً وَ تَهَدَّلَتْ وَ نَارَتْ وَ رَطَبَتْ وَ أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَالَ لِي يَا مُفَضَّلُ اهْزِزْهَا فَهَزَزْتُهَا فَنَثَرَتْ عَلَيْنَا فِي الدَّارِ رُطَباً جَنِيّاً لَيْسَ مِمَّا رَأَى النَّاسُ وَ لَا عَرَفُوهُ وَ لَا أَكَلُوا أَصْفَى مِنْهُ وَ هُوَ أَصْفَى مِنَ الْجَوْهَرِ وَ أَعْطَرُ مِنْ رَوَائِحِ الْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ تُوَرَّى كَالْمِرْآةِ فَقَالَ لِي: الْتَقِطْ وَ كُلْ فَالْتَقَطْتُ وَ أَكَلْتُ فَقَالَ ضُمَّ كُلَّ مَا سَقَطَ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ وَ أَهْدِهِ إِلَى مُخْلِصِ شِيعَتِنَا الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ، فَلَا يَحِلُّ هَذَا الرُّطَبُ إِلَّا لَهُمْ فَأَهْدِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْهُمْ وَاحِدَةً، قَالَ الْمُفَضَّلُ: فَضَمَمْتُ ذَلِكَ الرُّطَبَ وَ ظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُطِيقُ حَمْلَهُ فَخَفَّ حَتَّى حَمَلْتُهُ إِلَى مَنْزِلِي وَ فَرَّقْتُهُ فِيمَنْ أَمَرَنِي بِهِ مِمَّنْ هُوَ بِالْكُوفَةِ

256

فَخَرَجَ بِأَعْدَادِهِمْ لَا يَزِيدُ رُطَبَةٌ وَ لَا يَنْقُصُ رُطَبَةٌ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي:

اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ هَذِهِ النَّخْلَةَ تَطَاوَلَتْ وَ انْبَسَطَتْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَبْقَ مُؤْمِنٌ وَ لَا مُؤْمِنَةٌ مِنْ شِيعَتِنَا بِالْكُوفَةِ وَ غَيْرِهَا بِمِقْدَارِ مُضِيِّكَ إِلَى مَنْزِلِكَ وَ رُجُوعِكَ إِلَيْنَا إِلَّا وَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا فَهَذَا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أَعْظَمُ إِلَى جَدِّنَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَ أَنَّ الْكُتُبَ مِنْ شِيعَتِنَا سَتَرِدُ إِلَيْنَا وَ إِلَيْكَ مِنْ طُولِ الدُّنْيَا وَ عَرْضِهَا بِأَنَّ النَّخْلَةَ وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ جَمِيعاً وَ طَرَحَتْ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُطَبَةً، قَالَ الْمُفَضَّلُ: فَلَمْ تَزَلِ الْكُتُبُ تَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ الشِّيعَةِ مِنْ سَائِرِ الدُّنْيَا بِذَلِكَ فَعَرَفْتُ عَدَدَهُمْ مِنْ كُتُبِهِمْ.

وَ عَنْهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ التَّمَّارِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ جَعْفَرٍ الْوَشَّا، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ بَشَّارٍ الشَّعِيرِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:

خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ أَنَا مَعَهُ إِلَى بَعْضِ قُرَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا رَأَيْنَا عَلَى الطَّرِيقِ رَجُلًا يَلْطِمُ رَأْسَهُ وَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَ الْعَوِيلِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ حِمَارٌ قَدْ خَنِقَ، كَانَ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَ زَادُهُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَرَحِمْتُهُ فَقُلْتُ: لَوْ أَدْرَكَتْ يَا مَوْلَايَ هَذَا الْبَائِسَ رَحْمَتُكَ وَ دَعَوْتَ لَهُ أَنْ يُحْيَى حِمَارُهُ، قَالَ يَا مُفَضَّلُ: إِنَّي أَفْعَلُ هَذَا بِهِ فَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فَيُحِييهِ لَهُ فَإِذَا أَحْيَيْنَاهُ سَأَلَنَا مَنْ نَحْنُ فَنُعَرِّفُهُ أَنْفُسَنَا فَيَدْخُلُ الْكُوفَةَ فَيُنَادِي عَلَيْنَا فِيهَا وَ يَقُولُ لِلنَّاسِ هَاهُنَا رَجُلٌ يُعْرَفُ بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ هُوَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَيَقُولُونَ لَهُ مَا رَأَيْتَ مِنْ سِحْرِهِ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالَّذِي كَانَ، فَإِذَا سَمِعُوهُ فَرِحَتْ شِيعَتُنَا وَ اغْتَمَّ أَعْدَاؤُنَا وَ يَنْسُبُونَنَا إِلَى السِّحْرِ وَ الْكِهَانَةِ وَ إِنَّ الْجِنَّ تُحَدِّثُنَا وَ تُطِيعُنَا وَ يَكْذِبُونَ عَلَيْنَا، فَادْنُ مِنْهُ وَ خُذْ عَلَيْهِ الْعَهْدَ إِنْ أَحْيَيْنَا لَهُ حِمَارَهُ لَا يُشَنِّعُ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ يُعْطِيكَ وَ لَا يَفِي وَ مَا تَشْنِيعُهُ عَلَيْنَا بِضَارٍّ بَلْ يُشَنِّعُ عَلَيْنَا أَكْثَرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْ أَعْدَائِنَا، قَالَ الْمُفَضَّلُ:

فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ أَحْيَى سَيِّدُنَا لَكَ حِمَارَكَ تَكْتُمُ عَلَيْهِ وَ لَا تُشَنِّعُ بِهِ قَالَ: نَعَمْ وَ أَعْطَى عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحَلَفَ وَ دَنَا سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) مِنْ حِمَارِهِ وَ تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ، وَ قَالَ‏

257

لِصَاحِبِ الْحِمَارِ امْدُدْ بِرَأْسِهِ فَمَدَّهُ فَنَهَضَ حَيّاً وَ حَمَلَ عَلَيْهِ رَحْلَهُ وَ دَخَلَ الْكُوفَةَ وَ نَادَى وَ شَنَّعَ فِي النَّاسِ وَ الطُّرُقِ، وَ قَالَ: إِنَّ هَاهُنَا سَاحِرٌ يُعْرَفُ بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَرَّ بِحِمَارِي وَ هُوَ مَيِّتٌ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ بِسِحْرِهِ فَأَحْيَاهُ فَشَنَّعَ أَكْثَرَ النَّاسِ الْمُخَالِفِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَ قَالَ لِي: مِنْ قَابِلٍ اخْرُجْ يَا مُفَضَّلُ:

فَإِنَّكَ تَلْقَى صَاحِبَ الْحِمَارِ سَائِلَ الْعَيْنَيْنِ أَصَمَّ الْأُذُنَيْنِ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ أَخْرَسَ اللِّسَانِ عَلَى ظَهْرِ ذَلِكَ الْحِمَارِ يُطَافُ بِهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

وَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْمَكْفُوفِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام)، قَالَ أَبُو هَارُونَ:

خَرَجْتُ أُرِيدُهُ فَلَقِيَنِي بَعْضُ أَعْدَائِهِ فَقَالَ أَعْمَى يَسْعَى إِلَى عِنْدِ أَعْمَى فَمَصِيرُكُمَا إِلَى النَّارِ يَا سَحَرَةُ يَا كَفَرَةُ فَدَخَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) حَزِيناً بَاكِيَ الْعَيْنِ، وَ عَرَّفْتُهُ مَا جَرَى فَاسْتَرْجَعَ وَ قَالَ:

يَا هَارُونُ لَا يَحْزُنْكَ مَا قَالَهُ عَدُوُّنَا فَوَ اللَّهِ مَا اجْتَرَأَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ قَدْ نَزَلَتْ بِهِ فِي الْوَقْتِ عُقُوبَةٌ أَنْدَرَتْ نَاظِرَيْهِ مِنْ عَيْنَيْهِ وَ جُعِلْتَ أَنْتَ مِنْ بَعْدِهِ بَصِيراً وَ مِنْ عَلَامَةِ ذَلِكَ خُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَاقْرَأْهُ قَالَ أَبُو هَارُونَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ فَفَضَضْتُهُ وَ قَرَأْتُهُ إِلَى آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: لَا تَنْظُرُ فِي أَمْرٍ يُهِمُّكَ إِلَّا رَأَيْتَهُ لَا تُحْجَبُ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذَا إِلَّا عَنْ مَا لَا يُهِمُّكَ، قَالَ أَبُو هَارُونَ: فَصَرَفْتُ قَائِدِي مِنَ الْبَابِ وَ جِئْتُ إِلَى بَيْتِي أَنْظُرُ إِلَى طَرِيقِي وَ إِلَى مَا يُهِمُّنِي وَ قَرَأْتُ سِكَكَ الدَّرَاهِمِ وَ الدَّنَانِيرِ وَ نَقْشَ الْفُصُوصِ وَ تَزْوِيقَ السُّقُوفِ وَ لَمْ أُحْجَبْ إِلَّا عَمَّا لَا يَعْنِينِي فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ وَ سَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ طَرِيقِهِ إِلَى دَارِهِ حَتَّى فَقَدَ نَاظِرَيْهِ مِنْ عَيْنَيْهِ وَ افْتَقَرَ وَ كَانَ ذَا مَالٍ فَكَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنِ الطَّرِيقِ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ الْعَطَّارِ، وَ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الْكُوفِيِّ، قَالا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيُّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ‏

258

الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبَزَّازِ صَاحِبِ جَعْفَرٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، قَالَ هَاشِمٌ‏

: جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَسْمَعُ مِنْهُ وَ لَا أَسْأَلُ، وَ جَلَسْتُ عِشْرِينَ وَ أَسْأَلُهُ وَ يُجِيبُنِي، فَقُلْتُ لَهُ يَوْماً: وَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ قَدْ سَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقْدِرُ رَبُّكَ جَمْعَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ فِي بَيْضَةٍ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ وَ لَا تَصْغُرُ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) انْظُرْ بِعَيْنَيْكَ يَا دَيَصَانِيُّ مَا ذَا تَرَى، فَقَالَ أَرَى سَمَاءً وَ أَرْضاً وَ جِبَالًا وَ بِحَاراً وَ أَنْهَاراً وَ ضُرُوباً مِنَ الْخَلْقِ فِي صُوَرٍ شَتَّى فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا دَيَصَانِيُّ أَنْتَ تَرَى هَذَا كُلَّهُ فِي نَاظِرَيْكَ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ عَدَسَةٍ وَ لَا يُكْبِرُ نَاظِرَيْكَ وَ لَا يُصَغِّرُ مَا تَرَاهُ فَالَّذِي يَجْمَعُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي بَيْضَةٍ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ وَ لَا تَصْغُرُ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ هَذَا كُلَّهُ فِي نَاظِرَيْكَ وَ لَمْ يُصَغِّرْ مَا تَرَاهُ فَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ أَنْ قَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ فَسَكَتَ الدَّيَصَانِيُّ فَهَزَّهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ لَهُمْ: اسْمِي عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ كَيْفَ تَجْحَدُ مَنْ أَنْتَ عَبْدُهُ فَانْقَطَعَ عَنِ الْكَلَامِ وَ سَكَتَ فَلَمَّا خَلَا الْمَجْلِسُ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَمَّا رَحْمَتُكَ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدْ حَمَّلْتَنِي مِنْهَا عَظِيماً فَأَرِنِي دَلَالَةً مِنْ دَلَائِلِكَ فَقَالَ: يَا دَيَصَانِيُّ حَدِّثْ هَاشِمَ بِقِصَّتِكَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي أَ وَ لَيْسَ قَدْ خَرَجَ الدَّيَصَانِيُّ وَ خَلَا الْمَجْلِسُ فَإِذَا بِالدَّيَصَانِيِّ وَحْدَهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْتَفِضُ وَ يَرْتَعِدُ فَقَالَ حَدِّثْهُ لَا أُمَّ لَكَ فَقَالَ الدَّيَصَانِيُّ: يَا هَاشِمُ الْقُدْرَةُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ هِيَ فِي هَذَا الرَّجُلِ وَ لَقَدْ وَ اللَّهِ دَعَا عَلَيَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَ زَجَرَنِي سَبْعَ زَجَرَاتٍ يَقُولُ لِي بَعْدَ كُلِّ زَجْرَةٍ إِنْ لَمْ تُقِرَّ بِاللَّهِ فَكُنْ قِرْداً فَصِرْتُ قِرْداً وَ خَضَعْتُ وَ خَشَعْتُ وَ بَكَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي بَشَراً سَوِيّاً فَلَمْ أُقِرَّ بِاللَّهِ فَقَالَ لِي: كُنْ خِنْزِيراً وَ كُنْ وَزَغاً وَ كُنْ جِرِّيّاً وَ كُنْ حَدِيداً فَكُلًّا أَكُونُ وَ أَسْتَقِيلُهُ فَيَرُدُّنِي وَ لَا أُقِرُّ بِاللَّهِ إِلَى غَايَتِي هَذِهِ وَ لَا أَدْرِي مَا يَفْعَلُ فَقُلْتُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَعْظَمَ جُرْمَكَ وَ أَشَدَّ كُفْرَكَ فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِأَصْحَابِكَ فَإِنَّهُمْ مُنْتَظِرُوكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذْنَاكَ مِنْهُمْ فَقُصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّتَكَ فَغَابَ الدَّيَصَانِيُّ فَقُلْتُ لَهُ يَا

259

مَوْلَايَ فَإِذَا قَالَ لَهُمْ يُؤْمِنُونَ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْراً وَ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ وَ يُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ قَالَ هَاشِمٌ: وَ كُنْتُ أَعْرِفُ الْقَوْمَ وَ أَسْأَلُ عَنْهُمْ وَ أَسْأَلُهُمْ فَمَا مَاتُوا إِلَّا عَلَى كُفْرِهِمْ.

260

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

261

الباب التاسع باب الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)

262

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

263

مَضَى مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) وَ لَهُ تِسْعٌ وَ أَرْبَعُونَ سَنَةً فِي عَامِ ثَلَاثٍ وَ ثَمَانِينَ وَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

وَ كَانَ مُقَامُهُ مَعَ أَبِيهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَ أَقَامَ بَعْدَ أَبِيهِ خَمْساً وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً.

وَ اسْمُهُ: مُوسَى.

وَ كُنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ، وَ الْخَاصُّ أَبُو عَلِيٍّ.

وَ لَقَبُهُ: الْكَاظِمُ، وَ الصَّابِرُ، وَ الْمُصْلِحُ، وَ الْمُبَرْهِنُ، وَ الْبَيَانُ، وَ ذُو الْمُعْجِزَاتِ.

وَ أُمُّهُ حَمِيدَةُ الْبَرْبَرِيَّةُ، وَ يُقَالُ: الْأُنْدُلُسِيَّةُ، وَ الْبَرْبَرِيَّةُ أَصَحُّ.

وَ مَشْهَدُهُ بِبَغْدَادَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ.

وَ كَانَ لَهُ مِنَ الْوُلْدِ عَلِيٌّ الرِّضَا الْإِمَامُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، وَ زَيْدُ النَّارِ، وَ إِبْرَاهِيمُ، وَ عَقِيلٌ، وَ مَرْوَانُ، وَ إِسْمَاعِيلُ، وَ عَبْدُ اللَّهِ، وَ مُحَمَّدٌ،

264

وَ أَحْمَدُ، وَ جَعْفَرٌ، وَ الْحَسَنُ، وَ يَحْيَى، وَ الْعَبَّاسُ، وَ حَمْزَةُ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَ الْقَاسِمُ.

وَ كَانَ لَهُ مِنَ الْبَنَاتِ: أُمُّ فَرْوَةَ، وَ أُمُّ أَبِيهَا، وَ مَحْمُودَةُ، وَ أُمَامَةُ، وَ مَيْمُونَةُ، وَ عَلِيَّةُ، وَ فَاطِمَةُ، وَ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَ آمِنَةُ، وَ زَيْنَبُ، وَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، وَ أُمُّ الْقَاسِمِ، وَ حَلِيمَةُ، وَ أَسْمَاءُ، وَ صَرْخَةُ.

وَ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي زَمَنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فِي دَارِ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ وَالِي الشُّرْطَةِ بِبَغْدَادَ فِي الْكُوفَةِ.

و كان من دلائله و براهينه (عليه السلام):

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ الْبَزَّازِ، وَ كَانَ بَزَّازَ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام)، قَالَ:

لَمَّا بَعَثَ الرَّشِيدُ إِلَيْهِ فَحَمَلَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَ جَاءَ بِهِ إِلَى بَغْدَادَ وَ اعْتَقَلَهُ فِي دَارِهِ وَ فَكَّرَ فِي قَتْلِهِ بِالسَّمِّ فَدَعَا بِرُطَبٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ أَخَذَ صِينِيَّةً فَوَضَعَ فِيهَا عِشْرِينَ رُطَبَةً وَ أَخَذَ سِلْكاً فَرَكَهُ بِالسَّمِّ وَ أَدْخَلَهُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَ أَخَذَ الرُّطَبَةَ وَ أَقْبَلَ يُرَدِّدُ السِّلْكَ الْمَسْمُومَ مِنْ رَأْسِ الرُّطَبَةِ إِلَى آخِرِهَا حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ مَكَّنَ السَّمَّ فِيهَا وَ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهَا بَيْنَ الرُّطَبِ وَ قَالَ: لِخَادِمِهِ احْمِلْ هَذِهِ الصِّينِيَّةَ إِلَى مُوسَى، وَ قُلْ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمَلَ لَكَ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ وَ تَنَغَصَّ لَكَ بِهِ وَ هُوَ يُقْسِمُ عَلَيْكَ بِحَقِّهِ إِلَّا مَا أَكَلْتَهُ عَنْ آخِرِهِ فَإِنَّهُ اخْتَارَهُ لَكَ بِيَدِهِ وَ لَا تَدَعْهُ يُبْقِي مِنْهُ شَيْئاً وَ لَا يُطْعِمُ مِنْهُ أَحَداً فَأَتَاهُ بِهِ الْخَادِمُ وَ بَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ فَقَالَ: ائْتِنِي بِخِلَالٍ فَنَاوَلَهُ خِلَالًا وَ قَامَ بِإِزَائِهِ وَ هُوَ يَأْكُلُ مِنَ الرُّطَبِ وَ كَانَتْ لِلرَّشِيدِ كَلْبَةٌ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَمْلَكَتِهِ فَخَلَعَتْ نَفْسَهَا وَ خَرَجَتْ تَجُرُّ سَلَاسِلَهَا وَ هِيَ مِنْ فِضَّةٍ حَتَّى حَاذَتْ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَبَادَرَ بِالْخِلَالِ إِلَى الرُّطَبَةِ الْمَسْمُومَةِ فَغَرَزَهَا وَ رَمَاهَا إِلَى الْكَلْبَةِ فَأَكَلَتْهَا، فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ ضَرَبَتْ بِنَفْسِهَا إِلَى الْأَرْضِ وَ عَوَتْ حَتَّى تَقَطَّعَتْ قِطَعاً وَ أَكَلَ‏

265

(عليه السلام) بَاقِيَ الرُّطَبِ كُلَّهُ عَنْ آخِرِهِ وَ حَمَلَ الْغُلَامُ الصِّينِيَّةَ وَ صَارَ بِهَا إِلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: أَكَلَ الرُّطَبَ كُلَّهُ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ، فَقَالَ مَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئاً، فَقَالَ: وَ وَرَدَ خَبَرُ الْكَلْبَةِ وَ أَنَّهَا قُهِرَتْ وَ مَاتَتْ فَقَلِقَ الرَّشِيدُ بِذَلِكَ قَلَقاً شَدِيداً وَ اسْتَعْظَمَهُ وَ وَقَفَ عَلَى الْكَلْبَةِ فَوَجَدَهَا مُتَهَرِّأَةً بِالسَّمِّ فَأَخَذَ الْخَادِمَ وَ دَعَا لَهُ بِالسَّيْفِ وَ النُّطْعِ وَ قَالَ لَهُ لَتَصْدُقَنِّي الصَّحِيحَ عَنْ خَبَرِ الرُّطَبِ وَ إِلَّا قَتَلْتُكَ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي حَمَلْتُ الرُّطَبَ إِلَى مُوسَى وَ بَلَّغْتُهُ سَلَامَكَ وَ قُمْتُ بِإِزَائِهِ فَطَلَبَ خِلَالًا فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ يَغْرِزُ الرُّطَبَةَ بَعْدَ الرُّطَبَةِ وَ يَأْكُلُهَا حَتَّى مَرَّتْ بِهِ الْكَلْبَةُ فَغَرَزَ رُطَبَةً وَ رَمَاهَا إِلَيْهَا وَ أَكَلَ بَاقِيَ الرُّطَبِ فَكَانَ مَا تَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: مَا رَبِحْنَا مِنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِلَّا أَنْ أَطْعَمْنَاهُ جَيِّدَ الرُّطَبِ وَ ضَيَّعْنَا سَمَّنَا وَ قَتَلْنَا كَلْبَتَنَا مَا فِي مُوسَى حِيلَةٌ.

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبَزَّازِ قَالَ‏

أَمَرَ الرَّشِيدُ السِّنْدِيَّ بْنَ شَاهَكَ أَنْ يَبْنِيَ لِمُوسَى (عليه السلام) مَجْلِساً فِي دَارِهِ وَ تحول [يُحَوِّلَهُ إِلَيْهِ مِنْ دَارِ هَارُونَ وَ يُقَيِّدَهُ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْطَالِ حَدِيدٍ وَ يُلْزِمَهُ إِبْقَاءَهُ وَ يُطْبِقَ عَلَيْهِ وَ يُغْلِقَ الْبَابَ فِي وَجْهِهِ إِلَّا وَقْتَ الطَّعَامِ وَ وُضُوءِ الصَّلَاةِ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دَعَا بِرَجُلٍ كَانَ فِيمَنْ وُكِّلَ بِهِ يُقَالُ لَهُ المسبب [الْمُسَيَّبُ وَ كَانَ وَلِيّاً فَقَالَ لَهُ يَا مسبب [مُسَيَّبُ قَالَ: لَبَّيْكَ قَالَ: إِنِّي ظَاعِنٌ عَنْكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَى مَدِينَةِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَعْهَدَ إِلَى مَنْ بِهَا عَهْداً يَعْمَلُ بِهِ بَعْدِي قَالَ المسبب [الْمُسَيَّبُ كَيْفَ تَأْمُرُنِي وَ الْحَرَسُ مَعِي أَنْ أَفْتَحَ لَكَ الْأَبْوَابَ وَاقِفاً لَهَا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا مسبب [مُسَيَّبُ ضَعُفَ يَقِينُكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ فِينَا فَقُلْتُ لَا يَا سَيِّدِي وَ لَمْ أَزَلْ سَاجِداً قَالَ: فَمَهْ قَالَ: المسبب [الْمُسَيَّبُ فَثَبِّتْنِي سَيِّدِي، وَ قَالَ: يَا مسبب [مُسَيَّبُ إِذَا مَضَى مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ ثُلُثُهَا قِفْ وَ انْظُرْ قَالَ المسبب [الْمُسَيَّبُ: فَحَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الِانْضِجَاعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَ لَمْ أَزَلْ سَاجِداً وَ رَاكِعاً وَ نَاظِراً إِلَى مَا وَعَدَنِي بِهِ، فَلَمَّا مَضَى مِنَ اللَّيْلَةِ ثُلُثُهَا تَغَشَّانِي النُّعَاسُ وَ أَنَا جَالِسٌ وَ إِذَا سَيِّدِي مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يَجْذِبُنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ:

266

قُمْ فَقُمْتُ قَائِماً وَ إِذَا بِتِلْكَ الْجُدْرَانِ الْمُشَيَّدَةِ وَ الْأَبْنِيَةِ الْمُعَلَّاةِ وَ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُصُورِ وَ الدُّورِ وَ قَدْ صَارَتْ كُلُّهَا أَرْضاً وَ الدُّنْيَا مِنْ حَوْلِهَا فَضَاءً فَظَنَنْتُ أَنَّ مَوْلَايَ قَدْ أَخْرَجَنِي مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَقُلْتُ لِمَوْلَايَ أَيْنَ أَنَا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ لِي فِي مَجْلِسِي فَقُلْتُ مَوْلَايَ خُذْ بِيَدِي مِنْ ظَالِمِي وَ ظَالِمِكَ فَقَالَ يَا مسبب [مُسَيَّبُ أَ تَخَافُ الْقَتْلَ قُلْتُ مَوْلَايَ أَنَا مَعَكَ فَلَا قَالَ: يَا مسبب [مُسَيَّبُ كُنْ عَلَى جَمَلَتِكَ فَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَيْكَ بَعْدَ سَاعَةٍ فَإِذَا وَلَّيْتُ عَنْكَ فَيَعُودُ مَجْلِسِي إِلَى بُنْيَانِهِ قُلْتُ مَوْلَايَ فَالْحَدِيدُ لَا تَقْطَعُهُ قَالَ: يَا مسبب [مُسَيَّبُ بِنَا وَ اللَّهِ لَانَ الْحَدِيدُ لِدَاوُدَ فَكَيْفَ يَصْعُبُ عَلَيْنَا قَالَ المسبب [الْمُسَيَّبُ: ثُمَّ خَطَا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ خُطْوَةً فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ غَابَ عَنْ بَصَرِي، ثُمَّ ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ وَ عَادَتِ الْقُصُورُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ هَيْمَامِي فَعَلِمْتُ أَنَّ وَعْدَهُ الْحَقُّ فَلَمْ أَزَلْ قَائِماً عَلَى قَدَمَيَّ وَ لَمْ يَمْضِ إِلَّا سَاعَةٌ كَمَا أَخْبَرَنِي حَتَّى رَأَيْتُ الْجُدْرَانَ وَ الْأَبْنِيَةَ وَ الدُّورَ وَ الْقُصُورَ قَدْ خَرَّتْ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِدَةً فَإِذَا بِسَيِّدِي قَدْ عَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ وَ عَادَ الْحَدِيدُ إِلَى رِجْلَيْهِ فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِوَجْهِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي ارْفَعْ رَأْسَكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَكَ رَاحِلٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي ثَالِثِ هَذَا الْيَوْمِ الْمَاضِي فَقُلْتُ مَوْلَايَ فَأَيْنَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الرِّضَا قَالَ: شَاهِدٌ عِنْدَكَ غَيْرُ غَائِبٍ وَ حَاضِرٌ غَيْرُ بَعِيدٍ يَسْمَعُ وَ يَرَى قُلْتُ سَيِّدِي إِلَى أَيْنَ قَصَدْتَ قَالَ قَصَدْتُ وَ اللَّهِ كُلَّ مُسْتَجِيبٍ لِلَّهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَرْقاً وَ غَرْباً حَتَّى صَحِبَنِي مِنَ الْجِنِّ فِي الْبَرَارِي وَ الْبَحْرِ وَ مُخْتَفَى الْمَلَائِكَةِ فِي مَقَامَاتِهِمْ وَ صُفُوفِهِمْ فَبَكَيْتُ قَالَ لَا تَبْكِ فَإِنَّا نُورٌ لَا يُطْفَأُ إِنْ غِبْتُ عَنْكَ فَهَذَا ابْنِي عَلِيٌّ الرِّضَا بَعْدِي هُوَ أَنَا فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنِي ثُمَّ دَعَانِي فِي ثَالِثِ لَيْلَةٍ فَقَالَ لِي يَا مسبب [مُسَيَّبُ إِنَّ سَيِّدَكَ يُصْبِحُ مِنْ لَيْلَةِ يَوْمِهِ عَلَى مَا فَرَغْتَ مِنَ الرَّحِيلِ إِلَى اللَّهِ فَإِذَا دَعَوْتُ بِشَرْبَةٍ مِنَ الْمَاءِ فَشَرِبْتُهَا فَرَأَيْتَ قَدِ انْتَفَخَ بَطْنِي وَ اصْفَرَّ لَوْنِي وَ احْمَرَّ وَ اخْضَرَّ وَ تَلَوَّنَ أَلْوَاناً فَخَبِّرِ الطَّاغِيَةَ هَارُونَ بِوَفَاتِي قَالَ الْمُسَبَّبُ فَلَمْ أَزَلْ أَرْقُبُ وَعْدَهُ حَتَّى دَعَا بِشَرْبَةٍ مِنَ الْمَاءِ فَشَرِبَهَا ثُمَّ دَعَانِي وَ قَالَ يَا مسبب [مُسَيَّبُ إِنَّ هَذَا الرِّجْسَ السِّنْدِيَّ بْنَ شَاهَكَ سَيَقُولُ إِنَّهُ يَتَوَلَّى أَمْرَ دَفْنِي وَ هَيْهَاتَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَبَداً فَإِذَا حُمِلْتُ إِلَى الْمَقَابِرِ الْمَعْرُوفَةِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ فَالْحَدُونِي بِهَا، وَ لَا تُعَلُّوا عَلَى قَبْرِي بِنَاءً وَ تَجَنَّبُوا زِيَارَتِي وَ لَا تَأْخُذُوا

267

مِنْ تُرْبَتِي تُرَاباً لِتَتَبَرَّكُوا فَإِنَّ كُلَّ تُرْبَةٍ لَهُ مَجْرَبَةٌ إِلَّا تُرْبَةُ جَدِّيَ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا شِفَاءً لِشِيعَتِنَا وَ أَوْلِيَائِنَا، قَالَ:

ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ وَ يَنْتَفِخُ بَطْنُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ شَخْصاً أَشْبَهَ الْأَشْخَاصِ بِشَخْصِهِ جَالِساً إِلَى جَانِبِهِ فِي مِثْلِ شِبْهِهِ وَ كَانَ عَهْدِي بِالرِّضَا ابْنِ مُوسَى غُلَاماً فَأَقْبَلْتُ أُرِيدُ سُؤَالَهُ فَصَاحَ بِي أَ لَيْسَ قَدْ نَهَيْتُكَ يَا مسبب [مُسَيَّبُ فَوَلَّيْتُ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ أَزَلْ حَتَّى قَضَى وَ غَابَ ذَلِكَ الشَّخْصُ ثُمَّ أَوْصَلْتُ الْخَبَرَ إِلَى الرَّشِيدِ لَعَنَهُ اللَّهُ فَوَافَى السِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ بِعَيْنِي وَ هُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُغَسِّلُونَهُ وَ يُحَنِّطُونَهُ وَ يُكَفِّنُونَهُ وَ أَيْدِيهِمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ وَ لَا يَصْنَعُونَ بِهِ شَيْئاً وَ هُوَ مُغَسَّلٌ مُحَنَّطٌ مُكَفَّنٌ، ثُمَّ حُمِلَ فَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ وَ لَمْ يُعَلُّوا عَلَيْهِ بِنَاءً إِلَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ الْكُوفِيِّ، قَالَ:

سَمِعْتُ سَيِّدِي أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يَنْعَى إِلَى رَجُلٍ نَفْسَهُ وَ يُخْبِرُهُ سَاعَةَ مَوْتِهِ وَ قُرْبَ الْمَوْتِ مِنْهُ يَوْماً بِعَيْنِهِ سَمَّاهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَ اللَّهِ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْ شِيعَتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ شَبِيهَ الْمُغْضَبِ فَقَالَ لِي: يَا إسِحْاقُ قَدْ كَانَ رُشَيْدٌ الْهَجَرِيُّ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ يَعْلَمُ عِلْمَ الْخَفَايَا وَ الْبَلَايَا فَالْإِمَامُ أَوْلَى بِعِلْمِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ يَا إِسْحَاقُ اصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَإِنَّ عُمُرَكَ قَدْ فَنِيَ وَ أَنْتَ تَمُوتُ إِلَى سَنَتَيْنِ وَ أَبُوكَ وَ أَخُوكَ وَ أَهْلُكَ لَا يَلْبَثُونَ بَعْدَكَ إِلَّا يَسِيراً يَتَفَرَّقُ كُلُّهُمْ وَ يُخْفُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ يَصِيرُونَ عِنْدَ إِخْوَانِهِمْ وَ مَنْ عَرَفَهُمْ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ إِسْحَاقُ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا عَرَضَ فِي صَدْرِي فَلَمْ يَلْبَثْ إِسْحَاقُ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ إِلَّا سَنَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ وَ إِخْوَتُهُ وَ تَفَرَّقَتْ كُلُّ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ قَامَ آلُ عَمَّارٍ بِأَمْوَالٍ وَ افْتَقَرُوا أَقْبَحَ فَقْرٍ.

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبَزَّازِ قَالَ:

كُنْتُ فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، إِذْ جَاءَ حَبِيبٌ الْأَحْوَلُ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) مِقْدَارُهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ فِيهِ:

268

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَانْظُرِ الْكِتَابَ الصَّغِيرَ الْمَخْتُومَ الَّذِي فِي هَذَا الْكِتَابِ فَأَحْرِزْهُ عِنْدَكَ حَتَّى أَطْلُبَهُ مِنْكَ.

قَالَ: فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ فَأَدْخَلْتُهُ فِي بَيْتٍ جَوْفَ بَيْتٍ فِيهِ ثَوْبِي وَ مَتَاعِي فَجَعَلْتُهُ فِي صُنْدُوقٍ مُقَفَّلٍ وَ أَخَذْتُ مَفَاتِيحَ الْأَقْفَالِ فَكَانَتْ مَعِي فِي نَهَارِي وَ لَيْلِي وَ لَا يَأْخُذُهَا غَيْرِي وَ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ الْبَيْتَ أَحَدٌ سِوَايَ، فَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ وَ حَمَلْتُ مَعِي كُلَّمَا كَانَ أَمَرَنِي بِحَمْلِهِ إِلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: يَا عَلِيُّ مَا فَعَلَ الْكِتَابُ الصَّغِيرُ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِإِحْرَازِهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ عِنْدِي بِالْكُوفَةِ فِي بَيْتٍ فِي جَوْفِ بَيْتٍ وَ إِنَّ لِي فِي الْبَيْتِ صُنْدُوقاً فِيهِ قِمَطْرٌ فِي الْقِمَطْرِ حُقَّةٌ فِيهَا الْكِتَابُ وَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مفصل [مُقَفَّلٌ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ غَيْرِي، وَ الْمَفَاتِيحُ مَعِي بِمَكَّةَ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنْ رَأَيْتَ الْكِتَابَ تَعْرِفُهُ قُلْتُ: إِي وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَ لَوْ أَنَّهُ فِي وَسَطِ أَلْفِ كِتَابٍ، قَالَ:

فَرَفَعَ مُصَلًّى كَانَ تَحْتَهُ فَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْكِتَابَ بِعَيْنِهِ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ هَاكَ هُوَ وَ احْتَفِظْ بِهِ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ مَا نَفَعَنِي إِحْرَازِي وَ لَا إِقْفَالِي بِبَيْتٍ أَرَدْتُهُ يَا سَيِّدِي قَالَ خُذْهُ: وَ احْتَفِظْ بِهِ وَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتَ بِمَا فِيهِ لَضَاقَ بِهِ ذَرْعُكَ قَالَ عَلِيُّ: فَأَخَذْتُهُ وَ رَدَدْتُهُ إِلَى الْكُوفَةِ مَعِي وَ قَعَدْتُ وَ أَخِي مُحَمَّدٌ وَ كَانَتْ مَخِيطَةٌ فِي جَنْبِ جُبَّتِيَ الْقَزِّ فَكَانَ الْكِتَابُ لَا يُفَارِقُنِي أَيَّامَ حَيَاتِهِ (عليه السلام) فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَمْ يَكُنْ هَمِّي إِلَّا أَنْ قُمْتُ أَنَا وَ أَخِي إِلَى فَرْوَتِي فَفَتَقْتُ جَيْبَهَا وَ طَلَبْتُ الْكِتَابَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ (عليه السلام) أَخَذَهُ كَمَا فِي الْكَرَّةِ الْأُولَى.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ قَالَ:

قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بِمَكَّةَ مُبْتَدِئاً مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ارْكَبْ يَا شُعَيْبُ وَ سِرْ قَلِيلًا يَلْقَاكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ يَسْأَلُكَ عَنِّي وَ عَنْ إِمَامَتِي فَقُلْ لَهُ: مَا تَعْلَمُهُ مِنْهَا وَ مَا قَالَهُ أَبِي فِي أَوَانِ سُؤَالِكَ عَنِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ فَأَفْتِهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ مَا عَلَامَةُ هَذَا الرَّجُلِ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ طَوِيلٌ جَسِيمٌ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ إِذَا لَقِيَكَ فَسَأَلَكَ عَنَّا عَلَيْكَ أَنْ تُجِيبَهُ عَمَّا سَأَلَكَ عَنْهُ‏

269

فَإِنَّهُ حَاجُّ قَوْمِهِ وَ مُلْتَمِسُ مَعْرِفَتِي وَ إِذَا أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ فَافْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ قَالَ شُعَيْبٌ: فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَكِبْتُ وَ سِرْتُ قَلِيلًا فَإِذَا أَنَا بِالرَّجُلِ قَدْ أَقْبَلَ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ فَقُلْتُ: هَذَا وَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي وَصَفَهُ سَيِّدِي فَلَمَّا دَنَا مِنِّي أَرَادَ كَلَامِي فَقُلْتُ لَهُ يَا يَعْقُوبُ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ: مَا أَعْلَمَكَ بِاسْمِي فَقُلْتُ لَهُ وَصَفَكَ لِي وَ سَمَّاكَ مَنْ قَصَدْتَ مَعْرِفَتَهُ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ صَاحِبِكَ فَقُلْتُ لَهُ: عَنْ أَيِّ أَصْحَابِي تَسْأَلُ قَالَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَقُلْتُ لَهُ وَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قَالَ لِي مِنْ أَهْلِ بَلَدِ الْمَغْرِبِ قُلْتُ كَذَا أَخْبَرَنِي سَيِّدِي فَمِنْ أَيْنَ عَرَفْتَنِي قَالَ لِي: فَمَا اسْمُكَ فَلَمْ أَقُلْ لَهُ فَقَالَ لِي:

يَا هَذَا الرَّجُلُ أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ الْقَ شُعَيْبَ فَاسْأَلْهُ عَنْ جَمِيعِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُكَ قُلْتُ لَهُ: وَ أَنَا شُعَيْبٌ وَ الَّذِي أَمَرَكَ فِي مَنَامِكَ وَ سَمَّانِي هُوَ الَّذِي سَمَّاكَ لِي وَ وَصَفَكَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ شَكَرَهُ، وَ قَالَ هُوَ صَاحِبُنَا أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) فَقُلْتُ لَهُ هُوَ لَا غَيْرُ وَ خَرَجْنَا إِلَى الطَّوَافِ فَطُفْنَا فَقَالَ لِي أُرِيدُ أَنْ تُدْخِلَنِي عَلَيْهِ فَقُلْتُ تَجْلِسُ مَكَانَكَ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ طَوَافِي وَ أُجِيبَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَطُفْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَكَلَّمْتُهُ فَإِذَا بِهِ رَجُلٌ عَاقِلٌ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوبُ قَدِمْتَ أَمْسِ وَ وَقَعَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَخِيكَ خُلْفٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا حَتَّى شَتَمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ لَيْسَ هَذَا دِينِي وَ لَا دَيْنُ آبَائِي وَ لَا نَأْمُرُ بِهَذَا أَحَداً مِنَ النَّاسِ فَاتَّقِ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَإِنَّكُمَا سَتُفَرَّقَانِ بِالْمَوْتِ أَمَا إِنَّ أَخَاكَ سَيَمُوتُ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى أَهْلِهِ وَ سَتَنْدَمُ أَنْتَ عَلَى مَا كَانَ بَيْنَكُمَا فَإِنَّكُمَا تَقَاطَعْتُمَا فَبَتَرَ اللَّهُ أَعْمَارَكُمَا قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ مَتَى أَجَلِي قَالَ لَهُ: أَمَّا أَجَلُكَ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ حَضَرَ وَ بُتِرَ حَتَّى أَوْصَلْتَ عَمَّتَكَ بِمَا أَوْصَلْتَهَا فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلْتُمُوهُ بَعْدَ الْمَنْزِلِ الَّذِي اخْتَصَمْتَ أَنْتَ وَ أَخُوكَ فِيهِ فَزَادَ اللَّهُ فِي عُمُرِكَ عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ شُعَيْبٌ: فَلَقِيتُ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ مِنْ قَابِلٍ فِي الْحَجِّ فَقُلْتُ لَهُ مَا كَانَ مِنْ خَبَرِ أَخِيكَ فَقَالَ مَاتَ وَ اللَّهِ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى أَهْلِهِ وَ نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَجَلِي عَلَى مَا

270

قَالَ (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَيِ الْعَلَاءِ جَمِيعاً، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْجَمَّالِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ صَفْوَانُ‏

أَمَرَنِي الصَّادِقُ (عليه السلام) أَنِ أُقَدِّمَ لَهُ نَاقَتَهُ الشَّعْلَاءَ إِلَى بَابِ الدَّارِ وَ أَضَعَ عَلَيْهَا رَحْلَهَا فَفَعَلْتُ وَ وَقَفْتُ أَفْتَقِدُ أَمْرَهُ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَدْ خَرَجَ مُسْرِعاً وَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سِتُّ سِنِينَ مُشْتَمِلًا بِبُرْدَتِهِ الْيَمَانِيَّةِ وَ ذَوَائِبُهُ تَضْرِبُ عَلَى كَتِفَيْهِ حَتَّى اسْتَوَى فِي ظَهْرِ النَّاقَةِ وَ أَثَارَهَا فَلَمْ أَجْسُرْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ رُكُوبِهَا وَ ذَهَبَتْ بِهِ فَغَابَ عَنْ نَظَرِي فَقُلْتُ‏

إِنَّا لِلَّهِ‏

وَ مَا الَّذِي أَقُولُ لِسَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِنْ خَرَجَ لِيَرْكَبَ النَّاقَةَ وَ بَقِيتُ مُتَمَلْمِلًا حَتَّى نِمْتُ سَاعَةً فَإِذَا أَنَا بِالنَّاقَةِ قَدِ انْحَنَتْ كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ وَ انْقَضَّتْ إِلَى الْأَرْضِ وَ هِيَ تَعْرَقُ عَرَقاً جَارِياً وَ نَزَلَ عَنْهَا وَ لَمْ يَعْرَقْ لَهَا جَبِينٌ وَ سَبَقَ دَخَلَ الدَّارَ فَخَرَجَ مُغِيثٌ الْخَادِمُ إِلَيَّ وَ قَالَ لِي: يَا صَفْوَانُ إِنَّ مَوْلَاكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَحُطَّ عَنِ النَّاقَةِ رَحْلَهَا وَ تَرُدَّهَا إِلَى مَرْبَطِهَا فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَرْجُو أَنَّ الْإِمَامَ نَدِمَ عَلَى رُكُوبِهِ إِيَاهَا وَ قُلْتُ ذَلِكَ وَ وَقَفْتُ فِي الْبَابِ فَأَذِنَ لِي بِالدُّخُولِ عَلَى سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ لَا لَوْمَ عَلَيْكَ فِيمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ إِحْضَارِكَ النَّاقَةَ وَ إِصْلَاحِ رَحْلِهَا عَلَيْهَا وَ مَا ذَاكَ إِلَّا لِيَرْكَبَهَا أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) فَهَلْ عَلِمْتَ أَيْنَ بَلَغَ عَلَيْهَا فِي مِقْدَارِ هَذِهِ السَّاعَةِ قُلْتُ: وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ: بَلَغَ مَا بَلَغَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ جَازَهُ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً فَشَاهَدَ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ وَ عَرَّفَهُ نَفْسَهُ وَ بَلَّغَهُ سَلَامِي وَ عَادَ فَادْخُلْ عَلَيْهِ يُخْبِرْكَ بِمَا كَانَ فِي نَفْسِكَ وَ مَا قُلْتُ لَكَ قَالَ صَفْوَانُ: فَدَخَلْتُ عَلَى مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ هُوَ جَالِسٌ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاكِهَةٌ لَيْسَتْ مِنْ فَاكِهَةِ الزَّمَانِ وَ الْوَقْتِ فَقَالَ لِي: يَا صَفْوَانُ لَمَّا رَكِبْتُ النَّاقَةَ قُلْتَ فِي نَفْسِكَ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

مَا ذَا أَقُولُ لِسَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِذَا خَرَجَ لِيَرْكَبَ فَلَا يَجِدُهَا وَ أَرَدْتَ مَنْعِي مِنَ‏

271

الرُّكُوبِ فَلَمْ تَجْسُرْ فَوَقَفْتَ مُتَمَلْمِلًا حَتَّى نَزَلْتُ فَخَرَجَ الْأَمْرُ إِلَيْكَ بِالْحَطِّ عَنِ الرَّاحِلَةِ فَقُلْتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَرْجُو بِالدُّخُولِ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ لَا لَوْمَ عَلَيْكَ هَلْ عَلِمْتَ أَيْنَ بَلَغَ مُوسَى فِي مِقْدَارِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَقُلْتَ اللَّهُ وَ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ أَعْلَمُ فَقَالَ لَكَ: إِنِّي بَلَغْتُ مَا بَلَغَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ جَاوَزْتُهُ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَ شَاهَدْتُ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ وَ عَرَّفْتُهُ نَفْسِي وَ بَلَّغْتُهُ سَلَامَ أَبِي فَقَالَ ادْخُلْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُكَ بِمَا كَانَ فِي نَفْسِكَ وَ مَا قُلْتُ لَكَ قَالَ صَفْوَانُ: فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْراً وَ قُلْتُ لَهُ يَا مَوْلَايَ هَذِهِ الْفَاكِهَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ فِي غَيْرِ أَوَانِهَا يَأْكُلُهَا مِثْلِي إِذَا أَكَلَ مِنْهَا مَنْ هُوَ مِثْلُكَ قَالَ فَعُدْ إِلَى دَارِكَ فَقَدْ أَتَاكَ مِنْهَا رِزْقُكَ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ لِي مَوْلَايَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يَا صَفْوَانُ مَا زَادَكَ كَلِمَةً وَ لَا نَقَصَكَ كَلِمَةً فَقُلْتُ لَا وَ اللَّهِ يَا مَوْلَايَ فَقَالَ كُنْ فِي دَارِكَ فَإِنِّي آكُلُ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَ أُطْعِمُهُ وَ أُطْعِمُ إِخْوَانَكَ وَ يَأْتِيكَ رِزْقُكَ كَمَا وَعَدَكَ مُوسَى فَقُلْتُ‏

ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏

وَ مَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَ حَضَرَتِ الصَّلَاتَانِ الظُّهْرُ وَ الْعَصْرُ فَصَلَّيْتُهُمَا وَ إِذَا بِطَبَقٍ مِنْ تِلْكَ الْفَاكِهَةِ بِعَيْنِهَا وَ قَالَ لِيَ الرَّسُولُ يَقُولُ لَكَ مَوْلَاكَ فَمَا تَرَكْنَا لَنَا وَلِيّاً إِلَّا وَ أَطْعَمْنَاهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ خَلَّادٍ الْمُقْرِي، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّيَالِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبَزَّازِ، قَالَ:

لَمَّا قَدَّمَ هَارُونُ الرَّشِيدُ على سَيِّدَنَا مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَغْدَادَ أَمَرَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْكُوفَةَ وَ أَنْ يُعْدَلَ لَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ يُصْعَدَ بِهِ فِي الدِّجْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يُكْرِمَهُ فَأُصْحِبَ لَهُ وَ فُرِشَتْ لَهُ الْفِرَاشَاتُ وَ حُمِلَتْ إِلَيْهِ الْأَطْعِمَةُ وَ الْأَغْذِيَةُ وَ أُسْكِنَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى إِيَّاهَا وَ أُمِرَ النَّاسُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَزَلْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَجِيئُهُ أَهْلُ الدَّوْلَةِ بِالزِّيِّ وَ أَنْ يَحْضُرَ النَّاسُ الدَّارَ وَ وَقَفُوا فِي مَرَاتِبِهِمْ وَ لَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ قُرَشِيٌّ وَ لَا هَاشِمِيٌّ، وَ لَا عَرَبِيٌّ وَ لَا عَجَمِيٌّ إِلَّا حَضَرَ النَّاسُ بِالزِّيِّ الْحَسَنِ وَ الْعَدَدِ وَ الْجِنْسِ وَ أُقِيمُوا صُفُوفاً مِنْ خَارِجِ الدَّارِ وَ الشَّارِعِ وَ إِلَى‏

272

دُونِ السَّرِيرِ وَ زُخْرِفَتِ الدَّارُ وَ جَلَسَ الرَّشِيدُ عَلَى السَّرِيرِ وَ عَلَيْهِ الْبُرْدَةُ وَ التَّاجُ وَ الْمُصْحَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَقَامَ بَنِي هَاشِمٍ صَفَّيْنِ إِلَى طَرَفِ الْبِسَاطِ وَ أَقَامَ مُحَمَّداً الْأَمِينَ وَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَأْمُونَ بِالسَّرْدِ وَ سُيُوفُهُمَا وَ مَنَاطِقُهُمَا مَعَ السَّرِيرِ وَ وَقَفَ الْوُزَرَاءُ وَ الْكُتَّابُ مِنْ دُونِ بَنِي هَاشِمٍ وَ وَقَفَ مِنْ دُونِهِمُ الْخَدَمُ وَ الْحَشَمُ وَ وَقَفَ مِنْ دُونِهِمُ الْقُوَّادُ وَ الْأُمَرَاءُ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ اسْتَحْضَرَ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) عَلَى حِمَارٍ أَسْوَدَ يَمَانِيٍّ وَ عَلَيْهِ بَيَاضٌ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ مَوَالِيهِ فَلَمَّا وَرَدَ الْبَابَ خَرَجَ الْإِذْنُ بِأَنْ يَدْخُلَ عَلَى حِمَارِهِ إِلَى طَرَفِ الْبِسَاطِ وَ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ إِلَى أَنْ يَصِلَ فَدَخَلَ عَلَى هَذَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى طَرَفِ الْبِسَاطِ فَصَاحَ هَارُونُ الرَّشِيدُ بِابْنَيْهِ الْأَمِينِ وَ الْمَأْمُونِ تَلَقَّيَا ابْنَ عَمِّكُمَا فَأَسْرَعَا يَجُرَّانِ سَيْفَيْهِمَا حَتَّى تَلَقَّيَاهُ فَقَبَّلَا فَخِذَيْهِ وَ أَشَارَ هَارُونُ إِلَيْهِ قَبْلُ أَنْ يَطَأَ الْبِسَاطَ فَلَمْ يَفْعَلْ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى ذَلِكَ فَنَزَلَ عَلَى الْبِسَاطِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ سَرِيرِهِ وَ مُحَمَّدٌ وَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَطَاوَلَ الرَّشِيدُ نَحْوَهُ فَلَمَّا صَعِدَ السَّرِيرَ قَامَ إِلَيْهِ قَائِماً وَ اعْتَنَقَهُ وَ أَوْسَعَ لَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَ فَرِحَ بِهِ وَ أَظْهَرَ سُرُوراً بِقُدُومِهِ عَلَيْهِ وَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُكَ شَيْئاً وَ قَدْ قَضَيْنَا وَطَراً مِنَ السَّلَامِ وَ التَّلَاقِي وَ لَا عَلَيْكَ يَا ابْنَ الْعَمِّ الْيَوْمَ جُلُوسٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَأَظْهَرَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِثْلَمَا أَظْهَرَ وَ شَكَرَ لَهُ وَ نَهَضَ فَقَالَ الرَّشِيدُ لِابْنَيْهِ [أَنْ يَمْشُوَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَشَارَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ يَمْشُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ قُدِّمَ حِمَارُهُ إِلَى طَرَفِ الْبِسَاطِ فَرَكِبَ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ وَ سَارَ وَ بَنِي هَاشِمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هَذَا الِابْنُ الْعَمِّ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي مَا رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ فِعْلَكَ بِهِ، قَالَ الرَّشِيدُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ لَسْتَ أَنْتَ الْإِمَامَ قَالَ:

يَا بُنَيَّ نَحْنُ أَئِمَّةُ الْمُلْكِ وَ هَذَا إِمَامُ الدِّينِ، قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَوْ أَنْتَ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا بُنَيَّ لَوْ قُلْتُ إِنِّي أَفْضَلُ مِنْهُ تَعْذِيبٌ فِي النَّارِ، قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ فَتُحِبُّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ تَدِينُ لِلَّهِ بِهِ قَالَ: نَعَمْ أَمَّا فِي الدِّينِ فَنَعَمْ وَ أَمَّا فِي الْمُلْكِ فَلَا فَكَانَ سَبَبَ تَشَيُّعِ الْمَأْمُونِ قَوْلُ أَبِيهِ، مَا قَالَهُ‏

273

فِي مُوسَى قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ: فَلَمَّا أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَ أَمَرَ بِاعْتِقَالِهِ وَ حَبْسِهِ وَ فَكَّرَ بِمَا ذَا يَقْتُلُهُ فَقَالَ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَكْلَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا نَفْعَلُ بِمُوسَى مَا فَعَلَهُ جَدُّكَ الْمَنْصُورُ بِأَبِيهِ جَعْفَرٍ قَالَ وَ مَا ذَا صَنَعَ بِهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي الْمَهْدِيُّ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَعَاجِمِ يُقَالُ لَهُمْ البزغز فَاسْتَدْعَى رِجَالًا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وَ يُفَضِّلُهُمْ وَ يُطِيعُونَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْوُ الْمِائَةِ رَجُلٍ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ وَ اسْتَنْطَقَهُمْ وَجَدَهُمْ قَوْماً لَا يُفْصِحُونَ بِكَلِمَةٍ وَ لَا يَعْقِلُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ وَ لَا يَعْقِلُونَ مَا يَقُولُونَ فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِمْ قُلْ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ فَكَلَّمَهُمْ فَسَكَتُوا عَنْهُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَؤُلَاءِ يُصْلِحُونَ إِذَا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ فَخَلَعَ عَلَيْهِمُ الدِّيبَاجَ الْمُثْقَلَ وَ الْوَشْيَ وَ أُقِيمَتْ لَهُمُ الْأَنْزَالُ السَّرِيَّةُ الْوَافِرَةُ وَ فُرِّشُوا وَ خُدِمُوا وَ حُمِلَتْ إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالُ وَ الْأَلْطَافُ تُجَدَّدُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ خِلَعٌ وَ أَمْوَالٌ حَتَّى مَضَى لَهُمْ نَحْوُ شَهْرٍ فَقَالُوا لِتَرْجُمَانِهِمْ: هَذَا الْمَلِكُ يَفْعَلُ بِنَا هَذَا الْفِعْلَ وَ لَا يَتَّخِذُ مِنَّا كَلِمَةً انْظُرْ أَيَّ شَيْ‏ءٍ يُرِيدُ بِنَا فَقَالَ لَهُ التَّرْجُمَانُ مَا قَالُوا فَقَالَ قَدْ قَالُوا: كُلَّ هَذَا، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ لِي عَدُوّاً يَدْخُلُ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ فَإِذَا دَخَلَ فَلْيَقْتُلُوهُ فَعَرَّفَهُمُ التَّرْجُمَانُ ذَلِكَ قَالُوا نَحْنُ نَقْتُلُ كُلَّ عَدُوٍّ لَهُ إِذَا رَأَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُمْ: احْضُرُوا اللَّيْلَةَ الدَّارَ بِأَسْلِحَتِكُمْ فَإِنَّ الْعَدُوَّ يُوَافِي فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاقْتُلُوهُ قَالَ الرَّشِيدُ: ثُمَّ مَا ذَا قَتَلُوهُ قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَخُوهُ لَا لِأَنَّ جَدَّكَ صَفَحَ عَنْهُ وَ وَهَبَ لَهُ ذَنْبَهُ قَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: لَيْسَ كَذَا بَلَغَنِي قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَمَا الَّذِي بَلَغَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَحْضَرَهُمْ فِي الدَّارِ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ فَحَضَرُوا وَ جَرَّدُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَ وَقَفُوا يَزْأَرُونَ زَئِيرَ السِّبَاعِ وَ بَعَثَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَأَتَاهُ فَلَمَّا أَقْبَلَ قَدْ حَشَرُوا الدَّارَ قَالَ:

يَدْخُلُ وَحْدَهُ وَ قَالَ: لِتَرْجُمَانِهِمْ هُوَ عَدُوِّي يَدْخُلُ وَحْدَهُ فَاقْتُلُوهُ فَلَمَّا دَخَلَ جَعْفَرٌ وَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ تَعَاوَوْا مِثْلَ الْكِلَابِ وَ رَمَوْا أَسْلِحَتَهُمْ وَ كَتَّفُوا أَيْدِيَهُمْ وَ خَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ نَحْوَ جَعْفَرٍ فَلَمَّا رَآهُ جَدِّيَ الْمَنْصُورُ قَامَ إِلَيْهِ: وَ تَلَقَّاهُ وَ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ قَالَ لَهُ‏

274

جَعْفَرٌ: رُسُلُكَ أَتَتْ بِي إِلَيْكَ وَ مَا جِئْتُكَ وَ اللَّهِ إِلَّا مُغَسَّلًا مُحَنَّطاً مُكَفَّناً قَالَ لَهُ جَدِّي: حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ كَمَا تَقُولُ مَا كُنْتُ لِأَقْطَعَ رَحِمَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِيكَ فَارْجِعْ رَاشِداً فَخَرَجَ جَعْفَرٌ وَ ألقوا [الْقَوْمُ البزغزُ عَلَى الْأَرْضِ مُكَتَّفِينَ حَتَّى خَرَجَ جَعْفَرٌ قَامُوا كَالسُّكَارَى وَ قَالُوا لِتَرْجُمَانِهِمْ: لَا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً تَقُولُ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ عَدُوُّ الْمَلِكِ وَحْدَهُ فَاقْتُلُوهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْنَا إِمَامُنَا وَ مَنْ يَكْفُلُنَا فِي لَيْلِنَا وَ نَهَارِنَا وَ يُدَبِّرُنَا كَمَا يُدَبِّرُ الرَّجُلُ وُلْدَهُ فَقَالَ جَدِّيَ الْمَنْصُورُ لِلتَّرْجُمَانِ مَا يَقُولُونَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ فَقَالَ: أَخْرِجْهُمْ عَنِّي فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِمْ وَ سَيِّرْهُمْ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِمْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَكْلَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ:

مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِيكَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْكَ قَالَ لَهُ الرَّشِيدُ:

أَ لَيْسَ أَبِي الْمَهْدِيُّ قَالَ: بَاقِيَ الْحَدِيثِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا قَالَ لَكَ قَالَ: قَالَتْ أُمِّي حَدَّثَهَا يَاسِرٌ الْخَادِمُ لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِراً ذَلِكَ قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَدْ كَانَتْ أُمُّكَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ أُمِّي وَ كَانَ يَاسِرٌ الْخَادِمُ يُلْقِي إِلَيْهَا سِرَّ جَدِّكَ الْمَنْصُورِ قَالَ الرَّشِيدُ وَ لَكِنَّنِي سَأَفْعَلُ فِعْلًا إِنْ تَمَّ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ فِي مُوسَى ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ فِي الْأَطْرَافِ أَنِ الْتَمِسْ لِي قَوْماً غُتْماً لَا دِينَ لَهُمْ وَ لَا يَعْرِفُونَ لَهُمْ رَبًّا وَ لَا رَسُولًا فَأَقْدِمْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ طَائِفَةً فَنَظَرَ عُمَّالُهُ فَلَمْ يَجِدُوا أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا قَوْماً مِنْ وَرَاءِ بَحْرِ التُّرْكِ يُقَالُ لَهُمُ: الْعَبَدَةُ رَاسَلُوهُمْ وَ حُمِلُوا إِلَيْهِمْ وَ لَطَفُوا بِهِمْ وَ آمَنُوهُمْ إِلَى أَنْ أَقْدَمُوا مِنْهُمْ عَلَى الرَّشِيدِ خَمْسِينَ رَجُلًا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَزَّازُ: فَلَمَّا قَدِمُوا نَزَلُوا فِي حُجَرِ دَارِ الرَّشِيدِ وَ حَمَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْكِسْوَةِ الْحُلِيَّ وَ الْمَالَ وَ الْجَوْهَرَ وَ الطِّيبَ وَ الْجَوَارِيَ وَ الْخَدَمَ وَ مَا يَجِدُ ذِكْرَهُ وَ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِمْ: قُلْ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَقَالُوا لَا نَعْرِفُ لَنَا رَبًّا وَ لَا نَدْرِي مَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ قَالَ لَهُمْ مَنْ أَنَا قَالُوا لَهُ قُلْ إِنَّكَ مَا شِئْتَ حَتَّى نَقُولَ إِنَّكَ هُوَ فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِمْ: أَ لَيْسَ قَدْ رَأَيْتُمْ مَا فَعَلْتُ بِكُمْ مُنْذُ قَدِمْتُمْ قَالُوا:

بَلَى قَالَ: فَأَنَا أَقْدِرُ أَجْمَعُكُمْ وَ أُفَرِّقُكُمْ وَ أُجِيعُكُمْ وَ أُعْرِيكُمْ وَ أَقْتُلُكُمْ وَ أُحْرِقُكُمْ بِالنَّارِ قَالُوا لَهُ لَا نَدْرِي مَا تَقُولُ إِلَّا أَنَّا نُطِيعُكَ وَ لَوْ فِي قَتْلِ أَنْفُسِنَا وَ كَانَ الرَّشِيدُ قَدْ صَوَّرَ لَهُمْ صُورَةَ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَأَمَرَ الرَّشِيدُ

275

فَنُصِبَتْ لَهُمْ مَوَائِدُ وَ هُوَ جَالِسٌ وَ الْخَادِمُ مَعَهُ عَلَى مَشْرَفِ أَيْدِيهِمْ وَ يُنْقَلُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ الَّذِي لَا يَعْقِلُونَهُ وَ خَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الْجَوَارِي بِالْعِيدَانِ وَ النَّايَاتِ وَ الطُّبُولِ فَوَقَفْنَ صُفُوفاً حَوْلَهُمْ يُغَنِّينَ وَ الْكَاسَاتُ تَأْخُذُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَ الْخِلَعُ تُطْرَحُ عَلَيْهِمْ وَ الْأَمْوَالُ تُنْثَرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلَمَّا سَكِرُوا قَالَ لِتَرْجُمَانِهِمْ:

قُلْ لَهُمْ يَأْخُذُوا سُيُوفَهُمْ وَ يَدْخُلُوا عَلَى عَدُوٍّ لِي فِي هَذِهِ الْحُجْرَةِ وَ قَالَ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ يَعْرِفُونَ مُوسَى كَمَعْرِفَةِ البزغز لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَسَيَفْعَلُونَ فِعْلَهُمْ وَ إِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ سَيَقْتُلُونَ صُورَتَهُ فَإِذَا قَتَلُوا صُورَتَهُ الْيَوْمَ قَتَلُوهُ غَداً فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ عَلَيْهِ وَ رَضُّوهُ فَقَالَ الرَّشِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ: الْآنَ قَتَلْتُ مُوسَى بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ خِلَعاً أُخْرَى وَ حَمَلَ إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالَ وَ رَدَّهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ الرَّشِيدُ: أَثْبِتُوا تِلْكَ الصُّورَةَ وَ الْمِثَالَ يَقِيناً ثُمَّ أَمَرَ فَصُوِّرَ مِثَالًا آخَرَ صُورَةَ مُوسَى (عليه السلام) كَأَنَّهُ هُوَ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحُجْرَةِ وَ أَحْضَرَهُمْ فَفَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُسْكَرُوا وَ قَالَ لِتَرْجِمَانِهِمْ: فَقُلْ لَهُمْ يَأْخُذُوا سُيُوفَهُمْ وَ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَوَضَعُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ قَالُوا: أَ لَيْسَ هَذَا الَّذِي قَتَلْنَاهُ بِالْأَمْسِ قَالَ هُوَ شِبْهُهُ فَاقْتُلُوهُ فَوَضَعُوا عَلَيْهِ سُيُوفَهُمْ فَرَضُّوهُ فَزَادَهُمْ خِلَعاً وَ قَالَ لَهُمْ: قَدْ قَتَلْتُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ بِعَوْنِ اللَّهِ وَ رَدَّهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى إِظْهَارِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) حَتَّى صَوَّرَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَ يَقْتُلُونَهُ فَقَالَ الرَّشِيدُ: مَا بَقِيَ لِي غَيْرُ إِظْهَارِي أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى لَهُمْ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ وَ جَعَلَهُ فِي حُجْرَةٍ مِثْلِ تِلْكَ الْحُجَرِ عَلَى سَبِيلِ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ وَ أَحْضَرَهُمْ وَ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِمْ: مَا بَقِيَ لِي مِنْ أَعْدَائِي غَيْرُ عَدُوٍّ وَاحِدٍ فَاقْتُلُوهُ وَ أَنَا أُسَلِّمُ إِلَيْكُمُ الْمَمْلَكَةَ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَ دَخَلُوا عَلَى مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ الرَّشِيدُ وَ خَادِمُهُ عَلَى مُشْتَرَفٍ لَهُ عَلَى الْحُجْرَةِ يَقُولُ لِلْخَادِمِ أَيْنَ مُوسَى قَالَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الْحُجْرَةِ عَلَى بِسَاطٍ قَالَ مَا ذَا يَصْنَعُ قَالَ: مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مَادّاً يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ قَالَ الرَّشِيدُ:

إِنَّا لِلَّهِ‏

لَيْتَهُ مَا يُرِيدُهُ ثُمَّ قَالَ لِلْخَادِمِ: دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ قَالَ قَدْ دَخَلَ أَوَّلُهُمْ وَ رَمَى سَيْفَهُ وَ دَخَلُوا مَعَهُ وَ رَمَوْا سُيُوفَهُمْ وَ خَرُّوا سُجَّداً حَوْلَهُ وَ هُوَ يُمِرُّ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ

276

عَلَى رُؤُوسِهِمْ وَ يُخَاطِبُهُمْ بِمِثْلِ لُغَتِهِمْ وَ هُمْ يُخَاطِبُونَهُ قَالَ فَغُشِيَ عَلَى الرَّشِيدِ، وَ قَالَ أَغْلِقْ بَابَ الْمُشْتَرَفِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لَا يَأْمُرُهُمْ مُوسَى بِقَتْلِنَا وَ قُلْ لِتَرْجُمَانِهِمْ حَتَّى يَقُولَ لَهُمْ يَخْرُجُوا وَ أَقْبَلَ يَتَمَلْمَلُ وَ يَقُولُ وَا فَضِيحَتَاهْ مِنْ مُوسَى كِدْتُهُ كَيْداً مَا نَفَعَنِي فِيهِ شَيْئاً وَ صَاحَ الْخَادِمُ لِتَرْجُمَانِهِمْ قُلْ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَكُمْ اخْرُجُوا فَخَرَجُوا مُكَتَّفِينَ الَأَيْدِي عَلَى ظُهُورِهِمْ وَ هُمْ يَمْشُونَ الْقَهْقَرَي حَتَّى غَابُوا عَنْهُ ثُمَّ جَاؤُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَأَخَذُوا مَا فِيهَا وَ رَكِبُوا خُيُولَهُمْ مِنْ سَاعَتِهِمْ وَ خَرَجُوا وَ أَمَرَ الرَّشِيدُ بِتَرْكِ الْعَرْضِ لَهُمْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ وَ اللَّهِ لَقَدِ اتَّبَعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ شِيعَةِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَمَا وَجَدُوا لَهُمْ أَثَراً وَ لَا عَلِمَ أَحَدٌ أَيْنَ سَارُوا وَ لَا أَيَّ طَرِيقٍ أَخَذُوا

فكان هذا من دلائله و براهينه (عليه السلام).

277

الباب العاشر باب الإمام علي الرضا (عليه السلام)

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

مَضَى عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ لَهُ تِسْعٌ وَ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَ اسْتُشْهِدَ فِي عَامِ ثَلَاثٍ وَ مِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ خَمْسِينَ وَ مِائَةٍ وَ أَقَامَ مَعَ أَبِيهِ تِسْعاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَ أَقَامَ بَعْدَ أَبِيهِ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا شَهْراً، وَ اسْمُهُ عَلِيٌّ وَ كُنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ وَ الْخَاصُّ أَبُو مُحَمَّدٍ وَ لَقَبُهُ الرِّضَا وَ الصَّابِرُ وَ الْوَفِيُّ وَ نُورُ الْهُدَى وَ سِرَاجُ اللَّهِ وَ الْفَاضِلُ وَ قُرَّةُ أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَكِيدُ الْمُلْحِدِينَ وَ اسْمُ أُمِّهِ أُمُّ الْبَنِينَ وَ أُمُّ وَلَدٍ وَ مَشْهَدُهُ بِطُوسَ بِخُرَاسَانَ وَ مَاتَ بِالسَّمِّ (عليه السلام).

و كان من دلائله (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الْقُمِّيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ وَ لَقِيتُ بِشْرَ، وَ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ اللَّأْفِيِّ قَالَ:

خَرَجْتُ مَعَ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ إِلَى خُرَاسَانَ وَ كُنَّا مَعَ الْمَأْمُونِ وَ كَانَ سَبَبُ سَمِّ الْمَأْمُونِ حَمْلَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي طَرِيقِ الْأَهْوَازِ يُرِيدُ خُرَاسَانَ فَلَمَّا صَارَ بِالسُّوسِ لَقِيَهُ الشِّيعَةُ بِهَا وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَسْبَاطٍ الْفَارِسِيُّ قَدْ سَارَ مِنْ فَارِسَ بِهَدَايَا وَ أَلْطَافٍ لِيَلْقَاهُ بِهَا فَقَطَعَتِ اللُّصُوصُ وَ أَخَذُوا كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا وَ أَخَذُوا الْهَدَايَا وَ الْأَلْطَافَ الَّتِي كَانَتْ مَعَ‏

280

عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ وَ كَانَ ذَا مَالٍ وَ دُنْيَا عَرِيضَةٍ فَطَالَبَهُ الْقُفْصُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِمَالٍ عَظِيمٍ وَ عَذَّبُوهُ إِلَى أَنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ احْشُوا فَاهُ جَمْراً حَتَّى يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنَّا فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَانْتَثَرَتْ نَوَاجِذُهُ وَ أَنْيَابُهُ وَ أَضْرَاسُهُ وَ تَرَكَتْهُ الْقُفْصُ وَ جَمِيعُ سَائِرِ مَنْ فِي الْقَافِلَةِ وَ سَارُوا بِالْغَنِيمَةِ فَبَكَي عَلِيُّ بْنُ أَسْبَاطٍ وَ قَالَ وَ اللَّهِ مَا مُصِيبَتِي بِغَمِّي بِأَعْظَمَ مِنْ مُصِيبَتِي بِمَا حَمَلْتُهُ إِلَى سَيِّدِيَ الرِّضَا (عليه السلام) وَ رَقَدَ مِنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ سَيِّدَنَا الرِّضَا (عليه السلام) وَ هُوَ يَقُولُ لَهُ: لَا تَحْزَنْ فَإِنَّ هَدَايَاكَ وَ أَلْطَافَكَ عِنْدَنَا بِالسُّوسِ إِذَا وَرَدْنَاهَا وَ وَرَدْتَهَا وَ أَمَّا فُوكَ فَأَوَّلُ مَدِينَةٍ تَدْخُلُهَا فَاطْلُبِ السُّعْدَ الْمَسْحُوقَ فَاحْشُ بِهِ فَاكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَرُدُّ عَلَيْكَ نَوَاجِذَكَ وَ أَنْيَابَكَ وَ أَضْرَاسَكَ فَانْتَبَهَ مَسْرُوراً، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ عَلَى مَا رَأَيْتُ وَ حَقّاً مَا رَأَيْتُ وَ حَمَلَ نَفْسَهُ حَتَّى دَخَلَ أَوَّلَ مَدِينَةٍ وَ الْتَمَسَ السُّعْدَ بِهَا فَأَخَذَهُ وَ حَشَى فَاهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعَ نَوَاجِذِهِ وَ سَارَ حَتَّى لَقِيَ سَيِّدَنَا الرِّضَا (عليه السلام) بِالسُّوسِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ قَدْ وَجَدْتَ جَمِيعَ مَا قُلْنَا لَكَ فِي السُّعْدِ حَقّاً فَادْخُلْ إِلَى تِلْكَ الْخِزَانَةِ فَانْظُرْ هَدَايَاكَ وَ أَلْطَافَكَ وَ جَمِيعَ مَا كَانَ مِمَّا أَهْدَيْتَهُ إِلَيْنَا تَرَاهُ بِحَالِهِ وَ مَا كَانَ لَكَ فَخُذْهُ فَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَسْبَاطٍ الْخِزَانَةَ فَوَجَدَ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ لَمْ يَفْقِدْ مِنْهُ شَيْئاً فَأَخَذَ مَا كَانَ لَهُ وَ تَرَكَ الْهَدَايَا وَ الْأَلْطَافَ وَ سَارَ الرِّضَا (عليه السلام) إِلَى الْمَأْمُونِ فَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ وَ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَ ضَرَبَ اسْمَهُ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَ هِيَ الدَّرَاهِمُ الرَّضَوِيَّةُ وَ جَمَعَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَ نَاظَرَهُمْ فِي فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى حَتَّى أَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ وَ رَدَّ فَدَكاً عَلَى وُلْدِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) ثُمَّ سَمَّهُ بَعْدَ كَيْدٍ طَوِيلٍ نَشْرَحُ مِنْهُ بَعْضَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ وَ حَدَّثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُنْبِرٍ، بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الطَّاطَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِيَ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عليه السلام) فَدَخَلْتُ أُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَى سَيِّدِيَ الرِّضَا (عليه السلام) وَ كَانَ يَتَوَالَى سَيِّدَنَا

281

الرِّضَا (عليه السلام) فَإِذَا أَنَا بِصَبِيحٍ قَدْ خَرَجَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ ثِقَةَ الْمَأْمُونِ بِي عَلَى سِرِّهِ وَ عَلَانِيَتِهِ قُلْتُ بَلَى قَالَ اعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُونَ دَعَانِي فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَ قَدْ صَارَ لَيْلُهُ نَهَاراً بِالشَّمْعِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُيُوفٌ مُسَلَّلَةٌ مَسْحُوبَةٌ وَ مَسْمُومَةٌ وَ دَعَانَا غُلَاماً غُلَاماً فَأَخَذَ عَلَيْنَا الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ بِلِسَانِهِ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ غَيْرُنَا فَقَالَ لَنَا هَذَا الْغُلَامُ لَازِمٌ أَنَّكُمْ تَفْعَلُونَ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَ لَا تُخَالِفُوا مِنْهُ شَيْئاً فَحَلَفْنَا لَهُ فَقَالَ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ سَيْفاً مِنْ هَذِهِ الْأَسْيَافِ فِي يَدِهِ وَ امْضُوا حَيْثُ تَدْخُلُوا عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى فِي حُجْرَتِهِ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ قَائِماً أَوْ قَاعِداً ضَعُوا أَسْيَافَكُمْ هَذِهِ عَلَيْهِ وَ لَا تُكَلِّمُوهُ وَ رُضُّوهُ بِهَا حَتَّى تَخْلُطُوا لَحْمَهُ وَ دَمَهُ وَ شَعْرَهُ وَ عَظْمَهُ وَ مُخَّهُ ثُمَّ اقْلِبُوا عَلَيْهِ بِسَاطَهُ وَ امْسَحُوا أَسْيَافَكُمْ وَ صِيرُوا إِلَيَّ فَقَدْ جَعَلْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْفِعْلِ وَ كِتْمَانِهِ عَشَرَةَ بِدَرٍ دَرَاهِمَ وَ عَشَرَةً مُنْتَجَبَةً وَ الْحُظْوَةَ مِنِّي مَا عِشْتُ وَ بَقِيتُ فَأَخَذْنَا الْأَسْيَافَ بِأَيْدِينَا وَ دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي حُجْرَتِهِ فَوَجَدْنَاهُ مُنْضَجِعاً طَرْفَهُ وَ هُوَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَمْ نَعْلَمْهُ فبادروا [فَبَادَرَ الْأَسْيَافُ وَ الْغِلْمَانُ إِلَيْهِ وَ وَضَعْتُ سَيْفِي وَ أَنَا قَائِمٌ حَتَّى فَعَلْنَا بِهِ مَا حَدَّثَنَا بِهِ الْمَأْمُونُ ثُمَّ طُوِيَ عَلَيْهِ الْبِسَاطُ وَ مَسَحُوا أَسْيَافَهُمْ وَ خَرَجُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ مَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ فَقَالُوا مَا أَمَرْتَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنَا أَظُنُّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنِّي مَا ضَرَبْتُ مَعَهُمْ بِسَيْفٍ فَلَمَّا تَقَدَّمْتُ فَقَالَ أَيُّكُمُ الْمُسْرِعُ إِلَيْهِ فَقَالُوا صَبِيحٌ الدَّيْلَمِيُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ قَالَ لَا تُعِيدُوا شَيْئاً مِمَّا فَعَلْتُمْ فَتَخِسُّوا وَ تُعَجَّلُوا الْفَنَاءَ وَ تَخْسَرُوا الْآخِرَةَ وَ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَ فِي تَبَلُّجِ الْفَجْرِ خَرَجَ الْمَأْمُونُ فَجَلَسَ مَجْلِسَهُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ مُحَلَّلَ الْأَزْرَارِ وَ أَظْهَرَ وَفَاتَهُ وَ قَعَدَ لِلتَّعْزِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ النَّاسُ قَامَ حَافِياً فَمَشَى إِلَى الدَّارِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ أَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ فِي حُجْرَتِهِ سَمِعَ هَمْهَمَةً فَارْتَعَدَ ثُمَّ قَالَ مَنْ عِنْدَهُ فَقُلْنَا لَا عِلْمَ لَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ أَسْرِعُوا فَانْظُرُوا فَأَسْرَعْنَا إِلَى الْبَيْتِ فَإِذَا نَحْنُ بِسَيِّدِنَا الرِّضَا (عليه السلام) جَالِساً فِي مِحْرَابِهِ مُوَاصِلٌ بِتَسْبِيحِهِ قُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ ذَا نَرَى شَخْصاً جَالِساً فِي مِحْرَابِهِ يُصَلِّي وَ يُسَبِّحُ فَانْتَفَضَ الْمَأْمُونُ وَ ارْتَعَدَ ثُمَ‏

282

قَالَ غَرَرْتُمُونِي لَعَنَكُمُ اللَّهُ فَقَالَ يَا صَبِيحُ أَنْتَ تُعَزِّيهِ فَانْظُرْ مَنِ الْمُصَلِّي عِنْدَهُ قَالَ صَبِيحٌ: وَ تَوَلَّى الْمَأْمُونُ رَاجِعاً فَلَمَّا صِرْتُ بِعَتَبَةِ الْبَابِ قَالَ: يَا صَبِيحُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا مَوْلَايَ وَ سَقَطْتُ لِوَجْهِي قَالَ: قُمْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ:

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏

قَالَ. فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَأْمُونِ فَوَجَدْتُ وَجْهَهُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَقَالَ يَا صَبِيحُ: مَا وَرَاءَكَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَالِسٌ فِي مِحْرَابِهِ وَ قَدْ نَادَانِي بِاسْمِي وَ قَالَ: كَيْتَ وَ كَيْتَ فَشَدَّ أَزْرَارَهُ وَ أَمَرَ بِرَدِّ أَثْوَابِهِ وَ قَالَ: قُولُوا إِنَّهُ كَانَ غُشِيَ عَلَيْهِ وَ قَدْ أَفَاقَ مِنْ غَشْوَتِهِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا هَرْثَمَةُ لَا تُحَدِّثْ بِمَا حَدَّثَكَ بِهِ صَبِيحٌ إِلَّا مَنْ قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّتِنَا وَ وَلَايَتِنَا فَقُلْتُ نَعَمْ يَا سَيِّدِي وَ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا هَرْثَمَةُ فَلَا يَضُرُّنَا كَيْدُهُمْ شَيْئاً

حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ‏

.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ مَيْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ‏

قَالَ مَيْمُونٌ كُنْتُ مَعَ هَرْثَمَةَ بِطُوسَ وَ حَضَرْتُ وَفَاةَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عليه السلام) وَ حَضَرْتُ غُسْلَهُ وَ دَفْنَهُ وَ شَاهَدْتُ مَا كَانَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَ سَأَلْتُ هَرْثَمَةَ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ كَانَ خَبَرُ السَّمِّ الَّذِي سُمَّ بِهِ سَيِّدُنَا الرِّضَا فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ هَرْثَمَةُ كُنْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ إِلَى أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ ثُمَّ أَذِنَ لِي بِالانْصِرَافِ فَانْصَرَفْتُ فَلَمَّا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ سَاعَتَيْنِ قَرَعَ قَارِعٌ بَابِي فَكَلَّمَهُ بَعْضُ غِلْمَانِي فَقَالَ: قُلْ لِهَرْثَمَةَ أَجِبْ سَيِّدَنَا الرِّضَا فَقُمْتُ مُسْرِعاً فَأَخَذْتُ عَلَيَّ أَثْوَابِي وَ أَسْرَعْتُ إِلَى سَيِّدِي فَدَخَلَ الْغُلَامُ بَيْنَ يَدَيَّ وَ دَخَلْتُ دَارَهُ فَإِذَا أَنَا بِسَيِّدِيَ الرِّضَا فِي صَحْنِ دَارِهِ جَالِسٌ قَالَ هَرْثَمَةُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا مَوْلَايَ قَالَ اجْلِسْ وَ اسْمَعْ وَ عِي [عِهْ هَذَا وَ إِنَّ رَحِيلِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لُحُوقِي بِآبَائِي وَ أَجْدَادِي (عليهم السلام) وَ قَدْ بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَ قَدْ عَزَمَ هَذَا الطَّاغِي عَلَى سَمِّي فِي عِنَبٍ وَ رُمَّانٍ مَفْرُوكٍ فَأَمَّا الْعِنَبُ لَيُحْضَى وَ أَمَّا الرُّمَّانُ فَإِنَّهُ لَيَطْرَحُ السَّمَّ فِي كَفِّ بَعْضِ غِلْمَانِهِ وَ يَفْرُكُ بِيَدِهِ لِيُلَطِّخَ حَبَّهُ فِي ذَلِكَ السَّمِّ وَ إِنَّهُ يَسْتَدْعِينِي إِلَيْهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا الْمُقْبِلِ وَ يُقَرِّبُ إِلَيَ‏

283

الرُّمَّانَ وَ الْعِنَبَ وَ يَسْأَلُنِي أَكْلَهُ فَآكُلُهُ وَ يَنْفُذُ الْحُكْمُ وَ يَحْضُرُ الْقَضَاءُ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَيَقُولُ أَنَا أُغَسِّلُهُ بِيَدِي فَإِذَا قَالَ: ذَلِكَ فَقُلْ لَهُ لَا يَتَعَرَّضْ لِغُسْلِي وَ لَا لِكَفْنِي وَ لَا لِدَفْنِي فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاجَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ مَا أَخَّرَ عَنْهُ وَ حَلَّ بِهِ أَلِيمُ مَا يُحَذِّرُوا شِيعَتِي قَالَ: فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي فَإِذَا خَلَّى بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غُسْلِي فَيَجْلِسُ مِنْ أَبْنِيَتِهِ هَذِهِ مُشْرِفاً عَلَى مَوْضِعِ غُسْلِي لِيَنْظُرَ إِلَيَّ، قَالَ فَلَا تَعَرَّضْ يَا هَرْثَمَةُ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ غُسْلِي حَتَّى تَرَى فُسْطَاطاً أبيضا [أَبْيَضَ قَدْ ضُرِبَ فِي جَانِبِ الدَّارِ فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَاحْمِلْنِي فِي أَثْوَابِيَ الَّتِي أَنَا فِيهَا مِنْ وَرَاءِ الْفُسْطَاطِ وَ قِفْ وَرَاءَهُ وَ يَكُونُ مَعَكَ دُونَكَ وَ لَا تَكْشِفْ عَنِ الْفُسْطَاطِ فَتَرَانِي فَتَهْلِكَ فَإِنَّهُ سَيُشْرِفُ عَلَيْكَ وَ يَقُولُ لَكَ يَا هَرْثَمَةُ أَ لَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُغَسِّلُهُ إِلَّا الْإِمَامُ مِثْلُهُ فَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ بِالْكُوفَةِ أَوْ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَ نَحْنُ بِوَسَطِ بِلَادِ خُرَاسَانَ فَإِذَا قَالَ لَكَ ذَلِكَ فَأَجِبْهُ وَ قُلْ لَهُ مَا يُغَسِّلُهُ أَحَدٌ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْتَهُ فَإِذَا ارْتَفَعَ الْفُسْطَاطُ فَسَوْفَ تَرَانِي مُنْدَرِجاً فِي أَكْفَانِي مُحَنَّطاً فَضَعْنِي عَلَى نَعْشٍ وَ احْمِلْنِي وَ صَلِّ عَلَيَّ وَ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ مُحَمَّدٌ ابْنِي فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْتَفِرُوا قَبْرِي فَإِنَّهُ سَيَجْعَلُ قَبْرَ أَبِيهِ هَارُونَ الرَّشِيدَ قِبْلَةً لِقَبْرِي وَ لَنْ يَكُونَ وَ اللَّهِ ذَلِكَ أَبَداً فَإِذَا ضَرَبُوا بِالْمَعَاوِلِ فَسَتَنْبُو عَنِ الْأَرْضِ وَ لَا يَنْحَفِرُ كَقُلَامَةِ الظُّفُرِ فَإِذَا اجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ وَ صَعُبَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَضْرِبَ مِعْوَلًا وَاحِداً فِي قِبْلَةِ قَبْرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فَإِذَا ضَرَبْتَ نَفَذَ فِي الْأَرْضِ قَبْراً مَحْفُوراً وَ ضَرِيحاً قَائِماً فَإِذَا انْحَفَرَ ذَلِكَ الْقَبْرُ فَلَا تُنْزِلْنِي فِيهِ حَتَّى يَفُورَ مِنْ ضَرِيحِهِ مَاءٌ أَبْيَضُ فَيَمْتَلِئَ بِهِ ذَلِكَ الْقَبْرُ مَعَ وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ يَظْهَرُ فِيهِ حِيتَانٌ صِغَارٌ فَخُذْ لُقْمَةً مِنْ خُبْزٍ فَفُتَّهَا فَإِنَّهُنَّ يَأْكُلْنَهَا ثُمَّ يَظْهَرُ حُوتٌ وَ يَطُولُ فَيَأْكُلُ تِلْكَ الْحِيتَانَ الصِّغَارَ فَيَقُولُ لَكَ مَا هَذَا فَقُلْ لَهُ إِنَّ مَثَلَ هَذِهِ الْحِيتَانِ الصِّغَارِ مَثَلُ بَنِي الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مُدَّتَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَثَلَ الْحُوتِ الَّذِي أَكَلَهُمْ مَثَلُ الْقَائِمِ الْمَهْدِيِّ مِنْ وُلْدِي فَإِنَّهُ إِذَا ظَهَرَ أَفْنَى بَنِي الْعَبَّاسِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَا تُنْزِلْنِي فِي الْقَبْرِ حَتَّى إِذَا غَابَ الْحُوتُ وَ غَارَ الْمَاءُ فَيُسْجِفُ عَلَى قَبْرِي سِجْفاً أَبْيَضَ فَخَلُّوا بَيْنِي وَ بَيْنَ مَنْ يُنْزِلُنِي فِي قَبْرِي‏

284

وَ يُلْحِدُنِي فَإِنَّهُ مُحَمَّدٌ ابْنِي فَإِذَا أَرَادُوا تُرَاباً يُلْقُونَهُ فِي قَبْرِي فَامْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَبْرَ يَنْطَبِقُ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَمْتَلِئُ وَ يَتَرَبَّعُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ يَا سَيِّدِي، ثُمَّ قَالَ:

احْفَظْ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ وَ اعْمَلْ بِهِ وَ لَا تُخَالِفْهُ قُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ يَا سَيِّدِي أَنْ أُخَالِفَ أَمْرَكَ قَالَ هَرْثَمَةُ: فَخَرَجْتُ بَاكِياً حَزِيناً فَلَمْ أَزَلْ عَلَى مَا قَالَ لِي وَ لَا يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ دَعَانِي الْمَأْمُونُ إِلَيْهِ فَدَخَلْتُ فَلَمْ أَزَلْ قَائِماً إِلَى ضُحَى النَّهَارِ ثُمَّ قَالَ الْمَأْمُونُ امْضِ يَا هَرْثَمَةُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَ قُلْ لَهُ: تَصِيرُ إِلَيْنَا أَوْ نَصِيرُ إِلَيْكَ فَإِنْ قَالَ بَلَى نَصِيرُ إِلَيْهِ وَ نَسْأَلُهُ أَنْ يَقْدَمَ بِمَصِيرِنَا قَالَ: فَجِئْتُهُ فَلَمَّا طَلَعْتُ عَلَى سَيِّدِيَ الرِّضَا قَالَ لِي: يَا هَرْثَمَةُ أَ لَيْسَ قَدْ حَفِظْتَ مَا وَصَّيْتُكَ بِهِ قُلْتُ بَلَى فَقَالَ: قَدِّمُوا نَعْلِي فَقَدْ عَلِمْتُ مَا سَأَلَكَ بِهِ فَقَدَّمْتُ نَعْلَهُ وَ مَشَى إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَجْلِسَ قَامَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ قَائِماً فَعَانَقَهُ وَ قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى سَرِيرِهِ وَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ يُحَادِثُهُ مِنَ النَّهَارِ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لِبَعْضِ غِلْمَانِهِ آتُونِي بِعِنَبٍ وَ رُمَّانٍ قَالَ هَرْثَمَةُ قال [فَلَمَّا سَمِعْتُ لَمْ أَسْتَطِعِ الصَّبْرَ وَ رَأَيْتُ النَّفْضَةَ قَدْ عَرَضَتْ فِي جَسَدِي فَكَرِهْتُ أَنْ يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فَرَجَعْتُ الْقَهْقَرَي حَتَّى رَمَيْتُ نَفْسِي فِي مَوْضِعٍ مِنَ الدَّارِ فَلَمَّا قَرُبَ زَوَالُ الشَّمْسِ أَحْسَسْتُ بِسَيِّدِيَ الرِّضَا (عليه السلام) قَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَ رَجَعَ إِلَى دَارِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْآمِرَ قَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُونِ بِإِحْضَارِ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْمُتَفَرِّقِينَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ عِلَّةٌ عَرَضَتْ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليه السلام) فَكَانَ النَّاسُ فِي شَكٍّ وَ كُنْتُ أَنَا فِي يَقِينٍ لِمَا عَلِمْتُهُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَ هُوَ الثُّلُثُ الثَّانِي عَلَا الصِّيَاحُ وَ عَلَتِ الْوَجْبَةُ مِنَ الدَّارِ فَأَسْرَعْتُ فِيمَنْ أَسْرَعَ فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَأْمُونِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ مُحَلَّلَ الْأَزْرَارِ قَائِماً يَنْتَحِبُ وَ يَتَبَاكَى فَوَقَفْتُ فِيمَنْ وَقَفَ وَ أَنَا أُحِسُّ فِي نَفْسِي أَكَادُ أَتَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا جَلَسَ الْمَأْمُونُ لِلتَّعْزِيَةِ ثُمَّ قَامَ يَمْشِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ سَيِّدُنَا الرِّضَا (عليه السلام) فَقَالَ: أَصْلِحُوا لَنَا مَوْضِعاً إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغَسِّلَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ خَلْوَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْلَى نَفْسَهُ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ لِي سَيِّدِي بِسَبَبِ الْغُسْلِ وَ الْكَفْنِ وَ الدَّفْنِ فَقَالَ لِي‏

285

لَسْتُ أَعْرِضُ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ يَا هَرْثَمَةُ قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ قَائِماً حَتَّى رَأَيْتُ ذَلِكَ الْفُسْطَاطَ الْأَبْيَضَ قَدْ نُصِبَ إِلَى جَانِبِ الدَّارِ فَحَمَلْتُهُ فَوَضَعْتُهُ إِلَى جَانِبِ الْفُسْطَاطِ فَعَبَرَ الْفُسْطَاطَ وَ صَارَ دَاخِلَهُ وَ قَعَدْتُ فِي ظَاهِرِهِ وَ كُلُّ مَنْ فِي الدَّارِ دُونِي وَ أَنَا أَسْمَعُ التَّكْبِيرَ وَ التَّهْلِيلَ وَ التَّسْبِيحَ وَ تَرَدُّدَ الْأَوَانِي وَ تَضَوُّعَ الطِّيبِ فَإِذَا أَنَا بِالْمَأْمُونِ قَدْ اشْرَفَ عَلَى بَعْضِ دَارِهِ فَصَاحَ يَا هَرْثَمَةُ أَ لَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُغَسِّلُهُ إِلَّا إِمَامٌ مِثْلُهُ فَأَيْنَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ عَنْهُ وَ هُوَ فِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ وَ هَذَا بِطُوسَ بِخُرَاسَانَ فَقُلْتُ لَهُ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُغَسِّلُهُ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْتَهُ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ ارْتَفَعَ الْفُسْطَاطُ فَإِذَا أَنَا بِهِ مُدْرَجٌ فِي أَكْفَانِهِ فَوَضَعْتُهُ عَلَى نَعْشِهِ ثُمَّ حَمَلْنَاهُ فَاشْتَالَ النَّعْشُ مِنْ أَيْدِينَا وَ هُوَ يَسِيرُ إِلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ وَ جَمِيعُ النَّاسِ فَجِئْنَا إِلَى مَوْضِعِ قَبْرِهِ فَوَجَدْتُهُمْ يَضْرِبُونَ بِالْمَعَاوِلِ مِنْ فَوْقِ الرَّشِيدِ لِيَجْعَلُوهُ قِبْلَةً لِقَبْرِ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليه السلام) وَ الْمَعَاوِلُ تَنْبُو حَتَّى مَا تَقْلِبُ شَيْئاً مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ فَقَالَ لِي وَيْحَكَ يَا هَرْثَمَةُ أَ مَا تَرَى الْأَرْضَ كَيْفَ تَمْتَنِعُ مِنْ حَفْرِ قَبْرٍ لَهُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ائْذَنْ لَنَا لِأَضْرِبَ مِعْوَلًا وَاحِداً فِي قِبْلَةِ قَبْرِ أَبِيكَ وَ لَا أَضْرِبُ غَيْرَهُ قَالَ: فَإِذَا ضَرَبْتَ يَا هَرْثَمَةُ يَكُونُ مَا ذَا قُلْتُ لَهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْرُ أَبِيكَ قِبْلَةً لِقَبْرِهِ وَ أَنِّي إِذَا ضَرَبْتُ هَذَا الْمِعْوَلَ نَفَذَ الْقَبْرَ مَحْفُوراً مِنْ غَيْرِ يَدٍ تَحْفِرُهُ وَ بَانَ الضَّرِيحُ فِي وَسَطِهِ قَالَ الْمَأْمُونُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا الْكَلَامَ، فَلَا عَجَبَ مِنْ أَمْرِ أَبِي الْحَسَنِ فَاضْرِبْ حَتَّى نَرَى قَالَ هَرْثَمَةُ فَاخَذْتُ الْمِعْوَلَ فِي يَدِي فَضَرَبْتُ فِي قِبْلَةِ قَبْرِ هَارُونَ فَنَفَذَ الْقَبْرَ مَحْفُوراً وَ بَانَ الضَّرِيحُ فِي وَسَطِهِ قَالَ الْمَأْمُونُ أَنْزِلْهُ يَا هَرْثَمَةُ فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي لَا إِنَّهُ أَمَرَنِي لَا أُنْزِلُهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ مِنْ أَرْضِ هَذَا الْقَبْرِ مَاءٌ أَبْيَضُ فَيَمْتَلِئَ بِهِ الْقَبْرُ مَعَ وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ تَظْهَرَ فِيهِ حِيتَانٌ صِغَارٌ فَأَنْثُرَ لَهَا خُبْزاً فَتَأْكُلَهُ ثُمَّ يَظْهَرَ حُوتٌ بِطُولِ الْقَبْرِ فَيَضْطَرِبَ وَ يَأْكُلَ الْحِيتَانَ الصِّغَارَ فَإِذَا غَابَ الْحُوتُ وَضَعْتُهُ عَلَى جَانِبِ الْقَبْرِ وَ خَلَّيْتُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَنْ يُنْزِلُهُ فِي لَحْدِهِ ثُمَّ غَابَ الْحُوتُ وَ غَارَ الْمَاءُ ثُمَّ جَعَلْتُ النَّعْشَ بِجَانِبِ الْقَبْرِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ كَمَا أَمَرَنِي فَتُسْجَفُ عَلَى الْقَبْرِ

286

سِجَافٌ أَبْيَضُ لَمْ يُبَيِّضْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ حَضَرَ فَأَشَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى النَّاسِ أَنْ هَاتُوا التُّرَابَ فَأَلْقُوهُ فِي الْقَبْرِ فَقُلْتُ لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: وَيْحَكَ فَمَنْ يَمْلَأُهُ قُلْتُ قَدْ أَمَرَنِي لَا يُطْرَحُ التُّرَابُ عَلَيْهِ وَ أَنَّ الْقَبْرَ سَيَمْتَلِئُ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَنْطَبِقُ وَ يَتَرَبَّعُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ يُرَشُّ عَلَيْهِ مَاءٌ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ فَأَشَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى النَّاسِ أَنْ كُفُّوا فَرَمَوْا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ امْتَلَأَ الْقَبْرُ وَ انْطَبَقَ وَ تَرَبَّعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ رُشَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَمْ يُدْرَ مَنْ رَشَّهُ أَزْكَى مِنَ الْمِسْكِ وَ أَبْيَضَ مِنَ اللُّجَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ الْمَأْمُونُ وَ انْصَرَفْنَا ثُمَّ دَعَانِي وَ أَخَذَ مَجْلِسَهُ ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا هَرْثَمَةُ لَتَصْدُقَنِّي عَمَّا سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ قُلْتُ قَدْ أَخْبَرْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لِي: لَا وَ اللَّهِ أَوْ تَصْدُقَنِّي عَمَّا أَخْبَرَكَ مِنْ غَيْرِ مَا قُلْتَهُ لِي فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَعَمْ تَسْأَلُنِي قَالَ: بِاللَّهِ يَا هَرْثَمَةُ هَلْ أَسَرَّ إِلَيْكَ شَيْئاً غَيْرَ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ خَبَرَ الْعِنَبِ وَ الرُّمَّانِ وَ السَّمِّ فَأَقْبَلَ الْمَأْمُونُ يَتَلَوَّنُ أَلْوَاناً صَفْرَاءَ وَ حَمْرَاءَ وَ سَوْدَاءَ ثُمَّ مَدَّ نَفْسَهُ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي غَشْيَتِهِ وَ هُوَ يُجْهِرُ وَيْلُ الْمَأْمُونِ مِنَ اللَّهِ وَيْلُ الْمَأْمُونِ مِنَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى وَ وَيْلٌ لِأَبِيهِ هَارُونَ مِنْهُمْ جَمِيعاً وَ وَيْلُهُ مِنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَ يُكَرِّرُهُ، قَالَ هَرْثَمَةُ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ طَالَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَلَّيْتُ عَنْهُ فَجَلَسْتُ فِي بَعْضِ الدَّارِ فَجَلَسَ وَ دَعَانِي إِلَيْهِ وَ هُوَ كَالسَّكْرَانِ إِذَا ثَمِلَ فَقَالَ لِي وَ اللَّهِ يَا هَرْثَمَةُ مَا أَنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْهُ وَ لَا جَمِيعُ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ السَّمَاءِ وَ اللَّهِ لَئِنْ أَعَدْتَ مِمَّا سَمِعْتَ وَ رَأَيْتَ شَيْئاً لَيَكُونَنَّ هَلَاكُكَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّا لَمْ يَكُنْ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُ عَلَى ذَلِكَ أَحَداً فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ دَمِي قَالَ لَا وَ اللَّهِ أَوْ تُعْطِيَنِي عَهْداً مُوَثَّقاً أَنَّكَ تَكْتُمُ هَذَا الْأَمْرَ وَ لَا تُعِيدُهُ فَأَخَذَ مِنِّي الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ وَ أَكَّدَهُ فَلَمَّا وَلَّيْتُ عَنْهُ صَفَقَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً

.

وَ عَنْهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْقُمِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ‏

287

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ نُصَيْرٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ:

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) بِالْمَدَائِنِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَقْبَلَ يُحَدِّثُنِي بِأَحَادِيثَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا إِذْ قَالَ مَا ابْتَلَى اللَّهُ مُؤْمِناً بِبَلِيَّةٍ صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا كَانَ لَهُ أَجْرُ أَلْفِ شَهِيدٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِنَا شَيْ‏ءٌ مِنْ ذِكْرِ الْبَلْوَى وَ الْعِلَلِ وَ الْأَمْرَاضِ فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَجْمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ رَجُلٌ أَنَا مَعَهُ قَدْ عُنِيْتُ بِهِ إِذْ حَدَّثَنِي بِالْوَجَعِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ وَدَّعْتُهُ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَحِقْتُ بِأَصْحَابِي وَ قَدْ خَلَوْا فَاشْتَكَتْ رِجْلِي مِنْ لَيْلَتِي فَقُلْتُ هَذَا مِنْ تَعَبِي فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَوَرَّمَتْ رِجْلَايَ ثُمَّ أَصْبَحْتُ وَ قَدِ اشْتَدَّ الْوَرَمُ وَ ضَرَبَ عَلَيَّ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ (عليه السلام) وَ وَصَلْتُ الْكُوفَةَ وَ خَرَجَ مِنْهَا الْقَيْحُ وَ صَارَ جُرْحاً عَظِيماً لَا أَنَامُ وَ لَا أُنِيمُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَا حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا لِهَذِهِ الْبَلْوَى فَبَقِيتُ مَعَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْماً فَزَالَتْ ثُمَّ أَفَقْتُ فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِي هَذَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مِهْرَانَ الْبَصْرِيُّ ثُمَّ نُكِسَ فَمَاتَ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ الْقُدْسِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَصِيرٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِيَ الرِّضَا (عليه السلام) أَنَا وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُنْدَبٍ، وَ صَفْوَانُ وَ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، وَ هُوَ بِصَارِيَا خَارِجاً عَنِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَصْرِ عَلَى الْوَادِي فَجَلَسْنَا عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قُمْنَا فَقَالَ اثْبُتْ أَنْتَ يَا أَحْمَدُ فَاجْلِسْ فَجَلَسْتُ وَ أَقْبَلَ عَلَيَّ يُحَدِّثُنِي وَ أَسْأَلُهُ فَيُجِيبُنِي حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الِانْصِرَافَ قَالَ يَا أَحْمَدُ تَنْصَرِفُ أَوْ تَثْبُتُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ أَمَرْتَ بِالْمَبِيتِ بِتُّ فَقَالَ:

أَقِمْ بِهَذِهِ الْحُجْرَةِ فَقُمْتُ وَ قَدْ هَدَأَ النَّاسُ فَقَامَ (عليه السلام) فَلَمَّا ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ خَرَرْتُ سَاجِداً فَقُلْتُ فِي نَفْسِي الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّ حُجَّةَ اللَّهِ وَ وَارِثَ عِلْمِ النَّبِيِّينَ آثَرَنِي مِنْ بَيْنِ إِخْوَانِي وَ أَجْلَسَنِي عِنْدَهُ فَبَيْنَمَا أَنَا فِي سُجُودِي وَ شُكْرِي لِلَّهِ فَمَا عَلِمْتُ إِلَّا وَ قَدْ رَكَلَنِي بِرِجْلِهِ فَوَثَبْتُ قَائِماً فَأَخَذَ بِيَدِي فَغَمَزَهَا

288

ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَادَ صَعْصَعَةَ فِي مَرَضِهِ فَلَمَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ يَا صَعْصَعَةُ لَا تَفْتَخِرْ عَلَى إِخْوَانِكَ بِعِيَادَتِي إِيَّاكَ فَقَدْ عَلِمْتُ مَا فِي نَفْسِكَ فَاتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ فَقَدْ عَلِمْتُ يَا أَحْمَدُ مَا كَانَ فِي نَفْسِكَ فِي سُجُودِكَ وَ مَا فَخَرْتَ بِهِ عَلَى إِخْوَانِكَ مِنْ أَنْ أَسْرَرْتُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَ حَمَلْتُكَ مِنْ دُونِهِمْ فَقُلْتُ كَذَا كَانَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَصِيرِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ قَالَ:

جَاءَ قَوْمٌ إِلَى بَابِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بِرِقَاعٍ فِيهَا مَسَائِلُ وَ فِي الْقَوْمِ رَجُلٌ وَاقِفِيٌّ وَاقِفٌ عَلَى بَابِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، فَوَصَلَتِ الرِّقَاعُ إِلَيْهِ فَخَرَجَتِ الْأَجْوِبَةُ فِي جَمِيعِهَا وَ خَرَجَتْ رُقْعَةُ الْوَاقِفِيِّ بِلَا جَوَابٍ فَسَأَلْتُهُ لِمَ خَرَجَتْ رُقْعَتُهُ بِلَا جَوَابٍ فَقَالَ لِيَ الرَّجُلُ مَا عَرَفَنِي الرِّضَا وَ لَا رَآنِي فَيَعْلَمَ أَنِّي وَاقِفِيٌّ وَ لَا فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ جِئْتُ مَعَهُمْ مَنْ يَعْرِفُنِي اللَّهُمَّ إِنِّي تَائِبٌ مِنَ الْوَقْفِ مُقِرٌّ بِإِمَامَةِ الرِّضَا فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى خَرَجَ الْخَادِمُ فَأَخَذَ رُقْعَتَهُ مِنْ يَدِهِ وَ دَخَلَ بِهَا وَ عَادَ الْجَوَابُ فِيهَا إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذَانِ بُرْهَانَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ قَالَ:

جَاءَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ الرِّضَا (عليه السلام) بِكِتَابٍ مِنْهُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فَسَأَلَنِي أَنْ أُنْفِذَهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا أَنْفَذْتُ الْكِتَابَ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ سَهَوْتُ أَنْ أَذْكُرَ فِي الْكِتَابِ عَنْ سِلَاحِ رَسُولِ اللَّهِ أَيْنَ هُوَ وَ عَنِ الْإِحْرَامِ هَلْ يَجُوزُ فِي الثَّوْبِ الْمُلْحَمِ أَمْ لَا فَقُلْتُ لَهُ قَدْ أُنْفِذُ كِتَابُكَ فَتَذْكُرُنِي فِي كِتَابٍ آخَرَ فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِ فِي آخِرِهِ إِنْ كُنْتَ نَسِيتَ أَنْ تَسْأَلَنَا عَنْ سِلَاحِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَيْنَ هُوَ فَنَحْنُ لَا نَنْسَى وَ سِلَاحُ رَسُولِ اللَّهِ فِينَا بِمَنْزِلَةِ التَّابُوتِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ السِّلَاحُ مَعَنَا حَيْثُ أَرَدْنَا وَ لَا بَأْسَ فِي الْإِحْرَامِ فِي الثَّوْبِ الْمُلْحَمِ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ‏

جَاءَنِي رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا

289

(عليه السلام)، فقلت [فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ تَكْتُبُ إِلَيْهِ فَإِنَّ لِي بِنْتاً قَدْ طَلَبَ أَبَوَاهَا أَنْ يَهَبَ لَهَا الْعَافِيَةَ أَوْ يُرِيحَنَا مِنْهَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ فَأَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَحَمَلْتُ بِرِسَالَةِ الرَّجُلِ فَلَمَّا عَادَ جَعْفَرٌ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أَبْقَى الرِّسَالَةَ وَ أَخَذَ بِيَدِهِ فَغَمَزَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: قَدْ كُفِيَتْ مَؤُونَتُهَا فَحَفِظْتُ مِنْهُ (عليه السلام) فَلَمَّا قَدِمْتُ وَجَدْتُهَا قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِي بِيَوْمٍ وَاحِدٍ.

وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ خَالِدٍ الْبَزَّازِ الْكُوفِيِّ قَالَ:

سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى‏

هَلْ تَرْوِي عَنْ أَخِيكَ الرِّضَا شَيْئاً قَالَ:

أُحَدِّثُكَ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ رَأَيْتُهَا مِنْهُ: خَرَجْنَا مَعَهُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ إِلَى بَعْضِ الْأَمَاكِنِ فَقَالَ لَنَا فِي الطَّرِيقِ حَمَلْتُمْ مَمَاطِرَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا حَاجَتُنَا إِلَيْهَا فِي هَذَا الْقَيْظِ الشَّدِيدِ وَ النَّاسُ قَدْ مَاتُوا بِالْحَرِّ فَقَالَ لَكِنَّنِي حَمَلْتُ مِمْطَرِي فَمَا سِرْنَا إِلَّا يَسِيراً حَتَّى نَشَأَتْ سَحَابَةٌ فَجَاءَ مِنْهَا مِنَ الْمَطَرِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ فَمَا بَقِيَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا تَبَلَّلَتْ ثِيَابُهُ غَيْرُهُ وَ إِنَّا خَلَوْنَا مَعَهُ وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ سِمَاتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِالْمَدِينَةِ فَمَرَّ عَلَيْنَا جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ الَّذِي غَلَبَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَرَأَيْنَاهُ رَثَّ الْبِزَّةِ جِدّاً فَضَحِكْنَا مِنْهُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ تَضْحَكُونَ مِنْ رَثَاثَةِ بِزَّةِ جَعْفَرٍ فَقُلْنَا نَعَمْ يَا سَيِّدَنَا فَقَالَ: عَنْ قَرِيبٍ تَرَوْنَهُ عَظِيمَ الْمَوْكِبِ جَلِيلَ الْبِزَّةِ.

قَالَ الْحُسَيْنُ فَمَا مَضَى لِذَلِكَ إِلَّا أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى غَلَبَ جَعْفَرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَمُرُّ بِنَا فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ وَ بِزَّةٍ جَلِيلَةٍ كَمَا قَالَ أَخِي وَ أَتَى أَقْوَامٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الزِّرَاعَةِ فِي عَامِهِمْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا تَزْرَعُوا فِي عَامِكُمْ هَذَا فَتَدْمُرُوا وَ أَخْبِرُوا أَهْلَ مِصْرَ فَزَرَعَ قَوْمٌ وَ أَمْسَكَ آخَرُونَ فَأَصَابَتْهُمُ الْآفَةُ فَذَهَبَ زَرْعُهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: أَ لَمْ أَنْهَكُمْ عَنِ الزِّرَاعَةِ فِي عَامِكُمْ هَذَا فَكَانَ هَذَا مِمَّا رَأَيْتُ وَ سَمِعْتُ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ السَّامِرِيِّ عَنْ‏

290

جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ‏

دَفَعَ سَيِّدُنَا أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) إِلَى مَوْلًى لَهُ حِمَاراً بِالْمَدِينَةِ وَ قَالَ تَبِيعُهُ بِعَشْرِ دَنَانِيرَ وَ لَا تَنْقُصُهُ شَيْئاً فَعَرَّفَهُ الْمَوْلَى فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنَ الْحَاجِّ فَقَالَ لَهُ مَعِي ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ لِمَوْلَاكَ إِنْ شِئْتَ لَعَلَّهُ يَأْذَنُ لَكَ فِي بَيْعِهِ بِهَذِهِ الثَّمَانِيَةِ دَنَانِيرَ فَرَجَعَ الْمَوْلَى إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِ الْخُرَاسَانِيِّ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ إِنْ قَبِلْتَ مِنَّا الدِّينَارَيْنِ صِلَةً أَخَذْنَا مِنْكَ الثَّمَانِيَةَ فَقُلْتُ لَهُ: فَقَالَ قَدْ قَبِلْتُ فَسَلَّمْتُ إِلَيْهِ وَ حَجَّ أَبُو الْحَسَنِ مَعَهُ فَلَمَّا كُنَّا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فِي الْمُنْصَرَفِ وَ إِذَا أَنَا بِصَاحِبِ الْحِمَارِ يَبْكِي فَقُلْتُ لَهُ مَا لَكَ قَالَ سُرِقَ حِمَارِي وَ عَلَيْهِ الْخُرْجُ وَ فِيهِ نَفَقَتِي وَ ثِيَابِي وَ لَيْسَ مَعِي شَيْ‏ءٌ إِلَّا مَا تَرَى فَأَخْبَرْتُ أَبَا الْحَسَنِ أَنَّ هَذَا صَاحِبَ الْحِمَارِ الَّذِي اشْتَرَاهُ ذَكَرَ مِنْ قِصَّتِهِ كَذَا وَ كَذَا، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَعْطِهِ عِشْرِينَ دِرْهَماً وَ قُلْ لَهُ إِذَا قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ فَالْقَنَا قَالَ: فَمَضَيْنَا فَلَمَّا كُنَّا فِي أَوَائِلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِنَا مِنْ مَكَّةَ نَظَرَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَى قَوْمٍ مُتَّكِئِينَ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ وَ قَالَ سَارِقُ الْحِمَارِ مَعَهُمْ: وَ الْحِمَارُ مَعَهُ وَ الرَّجُلُ مَا أَحْدَثَ فِيهِ حَدَثاً فَامْضِ إِلَيْهِ وَ قُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى إِمَّا أَنْ تَرُدَّ الْحِمَارَ وَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَ إِلَّا رَفَعْتُ أَمْرَكَ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: مَا قَالَ، قَالَ سَارِقُ الْحِمَارِ يَجْعَلُ عَهْداً وَ ذِمَّةً أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيَّ وَ أَرُدُّ الْحِمَارَ وَ مَا عَلَيْهِ الْخُرْجُ وَ قَدِمَ صَاحِبُ الْحِمَارِ فَقَالَ: هَذَا حِمَارُكَ وَ مَا عَلَيْهِ فَانْظُرْ فَإِنَّكَ لَا تَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئاً مِنْ مَتَاعِكَ فَنَظَرَ وَ قَالَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ مَا فَقَدْتُ مِنْ مَتَاعِي قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخِرَقِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْخَفَّافِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ:

كَانَ أَبِي مَرِيضاً فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي خَلَّفْتُ أَبِي بِالْكُوفَةِ مَرِيضاً فَقَالَ لِي: آجَرَكَ اللَّهُ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَجَدْتُ أَبِي قَدْ مَاتَ قَبْلَ مَسْأَلَتِي إِيَّاهُ عَنِ الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ.

291

وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ، عَنْ رُشَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ بِنْتِ الْأَمِينِ، قَالَ:

أَتَيْتُ خُرَاسَانَ فِي تِجَارَةٍ وَ مَذْهَبِيَ الْوَقْفُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى وَ كُنْتُ قَدْ حَمَلْتُ بَزّاً فِيهِ ثَوْبٌ وَشِيٌّ فِي بَعْضِ الرِّزَمِ وَ لَمْ أَشْعُرْ بِهِ وَ لَمْ أَعْرِفْ مَكَانَهُ فَلَمَّا قَدِمْتُ سَامَرَّاءَ نَزَلْتُ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهَا وَ لَمْ أَشْعُرْ إِلَّا بِرَجُلٍ مَدَنِيٍّ مِنْ مَوْلِدِي الْمَدِينَةِ قَدْ أَتَانِي فَقَالَ لِي مَوْلَايَ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى (عليهما السلام) يَقُولُ لَكَ ابْعَثْ بِالثَّوْبِ الْوَشِيِّ الَّذِي مَعَكَ فَقُلْتُ لَهُ وَ مَنْ أَخْبَرَ أَبَا الْحَسَنِ بِقُدُومِي وَ إِنَّمَا قَدِمْتُ آنِفاً وَ مَا عِنْدِي ثَوْبٌ وَشِيٌّ فَرَجَعَ إِلَيْهِ وَ عَادَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ الثَّوْبُ مَعَكَ فِي الرِّزْمَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَوَجَدْتُ الرِّزْمَةَ الَّتِي وَصَفَهَا فَحَلَلْتُهَا فَوَجَدْتُ الثَّوْبَ الْوَشِيَّ فَبَعَثْتُ بِهِ إِلَيْهِ وَ آمَنْتُ بِهِ وَ عَلِمْتُ أَنَّهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَبِيهِ (عليه السلام) وَ التَّحِيَّةُ وَ الْإكِرَامُ وَ عَلَى آبَائِهِ الْغُرَرِ الْكِرَامِ.

292

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

293

الباب الحادي عشر باب الإمام محمد الجواد (عليه السلام)

294

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

295

مَضَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) وَ لَهُ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ سَنَةً وَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اثْنَا عَشَرَ يَوْماً فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَ مِائَتَيْنِ، فَكَانَ مُقَامُهُ مَعَ أَبِيهِ تِسْعَ سِنِينَ وَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَ أَقَامَ بَعْدَ أَبِيهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً.

وَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ.

وَ كُنْيَتُهُ: أَبُو جَعْفَرٍ، وَ الْخَاصُّ أَبُو عَلِيٍّ.

وَ لَقَبُهُ: الْمُخْتَارُ، وَ الْمُرْتَضَى، وَ التَّقِيُّ، وَ الْمُتَوَكِّلُ.

وَ مَشْهَدُهُ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ إِلَى جَانِبِ مَشْهَدِ جَدِّهِ مُوسَى فِي الْقُبَّةِ.

وَ اسْمُ أُمِّهِ: خَيْزُرَانُ الْمَرْسِيَّةُ.

وَ كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: عَلِيٌّ الْعَسْكَرِيُّ، وَ مُوسَى، وَ مِنَ الْبَنَاتِ:

خَدِيجَةُ، وَ حَلِيمَةُ، وَ أُمُّ كُلْثُومٍ.

وَ كَانَ (عليه السلام) شَدِيدَ الْأُدْمَةِ وَ لَقَدْ قَالَ فِيهِ أَهْلُ الْحَيْرَةِ وَ الشَّاكُّونَ وَ الْمُرْتَابُونَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ وُلْدِ الرِّضَا وَ قَالُوا- لَعَنَهُمُ اللَّهُ- إِنَّهُ مِنْ وُلْدِ سَيْفٍ‏

296

الْأَسْوَدِ مَوْلَاهُ، وَ قَالُوا: مِنْ لُؤْلُؤٍ وَ إِنَّهُمْ أَخَذُوا الرِّضَا أَبَاهُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ فَحَمَلُوهُ إِلَى الْقَافَةِ بِمَكَّةَ، وَ هُوَ طِفْلٌ فِي مَجْمَعٍ مِنَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَعَرَضُوهُ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْقَافَةُ خَرُّوا سُجَّداً، ثُمَّ قَامُوا فَقَالَ: وَيْحَكُمْ مَنْ هَذَا الْكَوْكَبُ الْعَظِيمُ الدُّرِّيُّ النُّورُ الْمُبِينُ يُعْرَضُ عَلَيَّ هَذَا وَ اللَّهِ الزَّكِيُّ النَّسَبِ الْمُهَذَّبُ الطَّاهِرُ وَ اللَّهِ مَا تَرَدَّدَ إِلَّا فِي الْأَصْلَابِ وَ الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ، وَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَارْجِعُوا فَاسْتَقِيلُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ لَا تَشُكُّوا فِي نَسَبِ مِثْلِهِ، وَ تَحَمَّدَ، (عليه السلام) فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَ لَهُ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ شَهْراً فَنَطَقَ بِلِسَانٍ أَرْهَفَ مِنَ السَّيْفِ وَ أَفْصَحَ مِنَ الْفَصَاحَةِ يَقُولُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنَا مِنْ نُورِهِ، وَ اصْطَفَانَا مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَ جَعَلَنَا أُمَنَاءَهُ، عَلَى خَلْقِهِ وَ وَحْيِهِ، مَعَاشِرَ النَّاسِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى وَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) وَ عَلَى أَوْلَادِي بَعْدِي، وَ أُعْرَضُ عَلَى الْقَافَةِ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ بِأَنْسَابِ النَّاسِ مِنْ آبَائِهِمْ، وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ خَوَافِيَ سَرَائِرِهِمْ وَ ظَاهِرِهِمْ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ بِهِمْ أَجْمَعِينَ وَ مَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ أَقُولُهُ حَقّاً، وَ أُظْهِرُهُ صِدْقاً عِلْماً أَوْرَثَنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَ بَعْدَ فَنَاءِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا تَظَاهُرُ الْبَاطِلِ عَلَيْنَا وَ غَلَبَةُ دَوْلَةِ الْكُفْرِ وَ تَوَلِّي أَهْلِ الشَّكِّ وَ الشِّرْكِ وَ الشِّقَاقِ عَلَيْنَا لَقُلْتُ قَوْلًا يَعْجَبُ مِنْهُ الْأَوَّلُونَ وَ الْآخِرُونَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اصْمُتْ كَمَا صَمَتَ آبَاؤُكَ:

فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ‏

إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ فَقَبَضَ عَلَى يَدِهِ وَ تَمَشَّى يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَ النَّاسُ يُفْرِجُونَ لَهُ فَرَأَيْتُ مَشِيخَةَ حُلَّةَ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَ يَقُولُونَ:

اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏

، فَسَأَلْتُ عَنِ الْمَشِيخَةِ فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

297

قَالَ فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى وَ مَا صُنِعَ بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ شِيعَتِهِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا قُذِفَتْ بِهِ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ؟ وَ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهَا فِي وِلَادَتِهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؟ فَقَالُوا: يَا سَيِّدَنَا أَنْتَ أَعْلَمُ خَبِّرْنَا لِنَعْلَمَ، فَقَالَ:

إِنَّ مَارِيَةَ أَهْدَاهَا الْمُقَوْقِسُ إِلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ تَحَظَّى بِمَارِيَةَ مِنْ دُونِهِمْ وَ كَانَ مَعَهَا خَادِمٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْحٌ وَ حَسُنَ إِيمَانُهَا وَ إِسْلَامُهَا، ثُمَّ مَلَكَتْ مَارِيَةُ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَحَسَدَهَا بَعْضُ أَزْوَاجِهِ، وَ أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ تَشْكُوَانِ إِلَى أَبَوَيْهِمَا مَيْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى مَارِيَةَ وَ إِيثَارَهُ إِيَّاهَا عَلَيْهِمَا حَتَّى سَوَّلَتْ لِأَبَوَيْهِمَا أَنْفُسُهُمَا بِأَنْ يَقْذِفُوا مَارِيَةَ بِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ جُرَيْحٍ الْخَادِمِ، وَ كَانُوا لَا يَظُنُّونَ جُرَيْحاً خَادِماً فَأَقْبَلَ أَبَوَاهُمَا إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِهِ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَحِلُّ لَنَا وَ لَا لِشِيعَتِنَا أَنْ نَكْتُمَ عَلَيْكَ مَا يَظْهَرُ مِنْ خِيَانَةٍ وَاقِعَةٍ بِكَ، قَالَ: مَا ذَا تَقُولَانِ؟ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ جُرَيْحاً يَأْتِي مِنْ مَارِيَةَ الْفَاحِشَةَ الْعُظْمَى، وَ إِنَّ حَمْلَهَا مِنْ جُرَيْحٍ لَيْسَ هُوَ مِنْكَ، فَارْبَدَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَرَضَتْ لَهُ سَهْوَةٌ لِعَظِيمِ مَا تَلَقَّيَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكُمَا مَا تَقُولَانِ؟ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا خَلَّفْنَا جُرَيْحاً وَ مَارِيَةَ فِي مسرتها [مَشْرَبَتِهَا يَعْتِبُهَا فِي حُجْرَتِهَا وَ يُفَاكِهُهُا وَ يُلَاعِبُهَا وَ يَرُومُ مِنْهَا مَا يَرُومُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ فَابْعَثْ إِلى جُرَيْحٍ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَأَنْفِذْ فِيهِمَا حُكْمَ اللَّهِ وَ حُكْمَكَ.

فَأَتَى النَّبِيُّ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ قَالَ: قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ بِسَيْفِكَ ذِي الْفَقَارِ حَتَّى تَمْضِيَ مسرية [مَشْرَبَةَ مَارِيَةَ فَإِنْ صَادَفْتَهَا وَ جُرَيْحاً كَمَا يَصِفَانِ فَأَخْمِدْهُمَا بِسَيْفِكَ ضَرْباً.

وَ قَامَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ مَسَحَ سَيْفَهُ وَ أَخَذَهُ تَحْتَ ثَوْبِهِ فَلَمَّا وَلَّى مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) انْثَنَى إِلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:

298

أَكُونُ كَالشِّكَّةِ، وَ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ، فَقَالَ لَهُ: فَدَيْتُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ امْضِ، فَمَضَى وَ سَيْفُهُ فِي يَدِهِ حَتَّى تَسَوَّرَ مِنْ فَوْقِ مسرية [مَشْرَبَةِ مَارِيَةَ وَ هِيَ فِي جَوْفِ المسرية [الْمَشْرَبَةِ، وَ جُرَيْحٌ مَعَهَا يُؤَدِّبُهَا بِآدَابِ الْمُلُوكِ، وَ يَقُولُ لَهَا: عَظِّمِي رَسُولَ اللَّهِ وَ لَبِّيهِ وَ أَكْرِمِيهِ حَتَّى الْتَفَتَ جُرَيْحٌ فَنَظَرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيْفُهُ مَشْهُورٌ فِي يَدِهِ فَفَزِعَ جُرَيْحٌ، وَ صَعِدَ إِلَى نَخْلَةٍ فِي المسرية [الْمَشْرَبَةِ فَصَعِدَ إِلَى رَأْسِهَا فَنَزَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى المسرية [الْمَشْرَبَةِ، فَكَشَفَ الرِّيحُ عَنْ أَثْوَابِ جُرَيْحٍ فَرَآهُ خَادِماً مَمْسُوحاً لَيْسَ لَهُ مَا لِلْآدَمِيِّينَ، فَقَالَ: انْزِلْ يَا جُرَيْحُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آمِناً عَلَى نَفْسِي؟ فَقَالَ: آمِناً عَلَى نَفْسِكَ، فَنَزَلَ جُرَيْحٌ وَ أَخَذَ بِيَدِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَوْقَفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ جُرَيْحاً خَادِمٌ مَمْسُوحٌ، فَوَلَّى النَّبِيُّ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، وَ قَالَ: حُلَّ لَهُمَا- لَعَنَهُمَا اللَّهُ- يَا جُرَيْحُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُمَا وَ يَحْتَقِبَا خِزْيَهُمَا، بِجُرْأَتِهِمَا عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَكَشَفَ جُرَيْحٌ عَنْ أَثْوَابِهِ فَإِذَا هُوَ خَادِمٌ مَمْسُوحٌ فَسَقَطَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ التَّوْبَةَ، اسْتَغْفِرْ لَنَا وَ لَنْ نَعُودَ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (عليه السلام): لَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمَا فَمَا يَنْفَعُكُمَا اسْتِغْفَارِي وَ مَعَكُمَا هَذِهِ الْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِ اسْتَغْفَرْتَ لَنَا رَجَوْنَا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ بِهِمَا وَ فِي بَرَاءَةِ مَارِيَةَ:

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏

.

قَالَ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى (عليهما السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فِي ابْنِي مُحَمَّدٍ أُسْوَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ (عليهما السلام)

و كان هذا من دلائله و براهينه الذي ذكرناهم (عليه السلام).

299

عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَسْكَرٍ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليه السلام) قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ هُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ إِيوَانٍ لَهُ يَكُونُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فَوَقَفْتُ بِبَابِ الْإِيوَانِ أَرَاهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَشَدَّ سُمْرَةَ مَوْلَايَ وَ أَضْوَأَ جَسَدَهُ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا اسْتَتْمَمْتُ هَذَا الْقَوْلَ حَتَّى عَرَضَ جَسَدَهَ وَ تَطَاوَلَ وَ امْتَلَأَ بِهِ الْإِيوَانُ إِلَى سَقْفِهِ مَعَ جَوَانِبِ حِيطَانِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ لَوْنَهُ قَدْ أَظْلَمَ ثُمَّ أَظْلَمَ ثُمَّ ابْيَضَّ ثُمَّ صَارَ كَأَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ ثُمَّ احْمَرَّ ثُمَّ صَارَ مِثْلَ الْعَقِيقِ الْمُحْمَرِّ ثُمَّ اخْضَرَّ حَتَّى صَارَ كَأَغَضِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَغْصَانِ الْمُورِقَةِ الْمُخْضَرَّةِ ثُمَّ تَنَاقَصَ جَسَدُهُ حَتَّى صَارَ فِي صُورَتِهِ الْأُولَى وَ أَعَادَ لَوْنَهُ إِلَى اللَّوْنِ الْأَوَّلِ فَسَقَطْتُ لِوَجْهِي لِهَوْلِ مَا رَأَيْتُ فَصَاحَ بِي يَا عَسْكَرُ تَشُكُّونَ بِي فَنُثْبِتُكُمْ وَ تُضْعِفُونَ فَنُقَوِّيكُمْ فَوَ اللَّهِ لَا وَصَلَ إِلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِنَا إِلَّا مَنْ مَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ وَ ارْتَضَيْنَاهُ لَنَا وَلِيّاً قَالَ عَسْكَرٌ فَمَا لَبِثَ فِي نَفْسِي إِلَّا مَا أَظْهَرَهُ لِسَانِي وَ تَفَوَّهَ بِهِ جَنَانِي.

وَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَ مَعِي ثَلَاثُ رِقَاعٍ غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ وَ لَا عَلَيْهَا اسْمٌ لِأَصْحَابِهَا فَاشْتَبَهَتْ عَلَيَّ فَتَنَاوَلَ إِحْدَاهَا وَ قَالَ هَذِهِ رُقْعَةُ زَيْدِ بْنِ شِهَابٍ، ثُمَّ تَنَاوَلَ الثَّانِيَةَ وَ قَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَةَ وَ قَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَسَمَّاهُمْ وَ اللَّهِ وَ سَمَّى آبَاءَهُمْ وَ وَقَّعَ فِيهَا بِالَّذِي سَأَلُوا فَأَخَذْتُهَا وَ نَهَضْتُ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ تَبَسَّمَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِسُرُورِي بِتِلْكَ الدَّلَائِلِ ثُمَّ أَعْطَانِي ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ وَ أَمَرَ بِحَمْلِهَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى ابْنِ عَمِّهِ، وَ قَالَ: يَقُولُ لَكَ دُلَّنِي عَلَى حَرِيفٍ يَعْرِفُ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَتَاعاً فَدَلَلْتُ عَلَيْهِ فَكَلَّمَنِي إجمال [جَمَّالٌ أَنْ أَسْأَلَهُ (عليه السلام) أَنْ يُدْخِلَهُ فِي خِدْمَتِهِ فَجِئْتُ بِهِ بَابَ الدَّارِ فَأَوْقَفْتُهُ وَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) لِأُكَلِّمَهُ فِي أَمْرِهِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى مَائِدَةٍ يَأْكُلُ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَ شِيعَتِهِ فَلَمْ يُمْكِنِّي كَلَامَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ اجْلِسْ فَكُلْ‏

300

وَ أَخَذَ بِيَدِهِ طَعَاماً فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَأَكَلْتُ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ وَ لَا أَذْكُرَ لَهُ الْجَمَّالَ فَقَالَ يَا غُلَامُ انْظُرِ الْجَمَّالِ الَّذِي أَتَانَا بِهِ أَبُو هَاشِمٍ وَ إِنَّهُ وَاقِفٌ بِالْبَابِ فَضُمَّهُ فِي خِدْمَتِنَا وَ طَاعَتِنَا.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيِّ، عَنْ خَالِدٍ الحداء [الْحَذَّاءِ عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْيَعْقُوبِيِّ، قَالَ:

لَمَّا تَوَجَّهَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) لِاسْتِقْبَالِ الْمَأْمُونِ وَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ نَوَاحِي الشَّامِ وَ أَمَرَ أَنْ يُعْقَدَ ذَنَبُ دَابَّتِهِ وَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَ طَرِيقٍ لَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَنَا مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ أَيُّ مَوْضِعِ عُقِدَ ذَنَبُ دَابَّتِهِ فَمَا سِرْنَا إِلَّا يَسِيراً حَتَّى وَرَدْنَا أَرْضَ مَاءٍ وَ وَحَلٍ كَثِيرٍ وَ فَسَدَتْ ثِيَابُنَا وَ مَا مَعَنَا وَ لَمْ يُصِبْهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: صَالِحٌ وَ قَالَ: لَنَا يَوْماً وَ نَحْنُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ سَتَضِلُّونَ عَنِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْمَنْزِلِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَلْقَاكُمْ اللَّيْلَةَ تَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمَنْزِلِ بَعْدَ مَا يَذْهَبُ مِنَ اللَّيْلِ سَبْعُ سَاعَاتٍ فَقَالَ مَنْ فِينَا مَنْ لَا فَضْلَ لَهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ وَ لَا يَعْرِفُهُ وَ لَا يَسْلُكُهُ قَطُّ وَ سَتَنْظُرُونَ صِدْقَ مَا قَالَ صَالِحٌ فَضَلَلْنَا عَنِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْمَنْزِلِ الَّذِي كَانَ يَلْقَانَا وَ سِرْنَا بِاللَّيْلِ حَتَّى تَنَصَّفَ وَ هُوَ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِينَا وَ نَحْنُ نَتَّبِعُهُ حَتَّى صِرْنَا فِي الْمَنْزِلِ الثَّانِي عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ انْظُرُوا كَمْ سَاعَةً مَضَى مِنَ اللَّيْلِ فَإِنَّها سَبْعُ سَاعَاتٍ فَنَظَرْنَا فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ.

وَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ قَالا جَمِيعاً:

دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) بِمَكَّةَ، وَ قَدْ عَمِلَ عَلَى الْمُقَامِ وَ عَمِلْنَا عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُلْنَا: يَا سَيِّدَنَا أَنْتَ مُقِيمٌ وَ نَحْنُ خَارِجُونَ وَ إِنْ رَأَيْنَا أَنْ تَكْتُبَ لَنَا كِتَاباً إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ تَوْصِيَةً فِيكُمْ وَ بَارِكْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَكَتَبَ لَنَا إِلَيْهِ فَلَمَّا وَرَدْنَا الْمَدِينَةَ صِرْنَا بِالْكِتَابِ إِلَى دَارِهِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا مُوَفَّقٌ الْخَادِمُ وَ قَدْ حَمَلَ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَى صَدْرِهِ وَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْراً، فَرَأَيْنَا وَ أَشَرْنَا بِالْكِتَابِ إِلَى مُوَفَّقٍ فَمَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ يَدَهُ فَأَخَذَ الْكِتَابَ وَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مُوَفَّقٍ لِيَفُضَّهُ فَفَضَّهُ مُوَفَّقٌ وَ أَخَذَهُ أَبُو جَعْفَرٍ

301

وَ أَقْبَلَ يَقْرَأُ الْكِتَابَ وَ يَطْوِيهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَ يَنْشُرُهُ مِنْ أَسْفَلِهِ وَ يَتَبَسَّمُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: سَأَلْتُمَا سَيِّدِي أَنْ يَكْتُبَ لَكُمَا كِتَاباً إِلَيَّ لِتُكَلِّمَانِي فَنَظَرَ إِلَيَّ قُلْنَا يَا سَيِّدَنَا هَكَذَا كَانَ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ يَا سَيِّدِي ارْدُدْ إِلَيَّ بَصَرِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ وَ ارْدُدْنِي مَحْجُوباً فَإِنَّ هَذِهِ آيَتَيِ مَعَ أَبِيكَ وَ جَدِّكَ مُوسَى وَ جَعْفَرٍ قَالَ: فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيَّ فَرَجَعْتُ بَصِيراً ثُمَّ رَدَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي فَرَجَعْتُ مَحْجُوباً فَقُلْتُ بُطْرُسِيًّا فَحَرَّكَ رِجْلَهُ إِلَى صَدْرِ مُوَفَّقٍ وَ قَالَ باخ باخ حِكَايَةً لِمَا يَقُولُهُ إِذَا نَاغَى قَالَ صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى، وَ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ مَا أَخَذْنَا الْكِتَابَ إِلَّا وَ نَحْنُ لَا نَشُكُّ أَنَّهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَبِيهِ فَأَرَانَا دَلَالَتَهُ وَ خَاطَبَنَا وَ قَرَأَ الْكِتَابَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ عَادَ إِلَى حِكَايَةِ طُفُولِيَّتِهِ إِنَّ هَذَا بُرْهَانٌ عَظِيمٌ.

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ فِي صُبْحَةِ عِرْسِهِ بِأُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْمَأْمُونِ وَ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ قَعَدْتُ فَوَجَدْتُ عَطَشاً شَدِيداً فَجَلَّلْتُهُ أَنْ أَطْلُبَ الْمَاءَ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ يَا عَلِيُّ: شَرِبْتَ الدَّوَاءَ بِاللَّيْلِ وَ تَغَدَّيْتَ عَلَيَّ بُكْرَةً فَأُصِبْتَ الْعَطَشَ وَ اسْتَحْيَيْتَ تَطْلُبُ الْمَاءَ مِنِّي فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي هَذِهِ صِفَتِي مَا غَادَرْتَ مِنْهَا حَرْفاً فَصَاحَ فِي نَفْسِهِ يَا غُلَامُ تَسْقِينِي فَقُلْتُ فِي نَفْسِي يَا لَيْتَ لَا يُسْقَى الْمَاءَ وَ اغْتَمَمْتُ فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ وَ مَعَهُ الْمَاءُ فَنَظَرَ إِلَى الْمَاءِ وَ إِلَيَّ وَ تَبَسَّمَ وَ أَخَذَ الْمَاءَ وَ شَرِبَ مِنْهُ وَ سَقَانِي فَمَكَثَ قَلِيلًا وَ عَاوَدَنُي الْعَطَشُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَطْلُبُ الْمَاءَ فَصَاحَ بِالْخَادِمِ وَ قَالَ تَسْقِينِي مَاءً فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مِثْلَ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَ أَقْبَلَ الْخَادِمُ بِالْمَاءِ فَأَخَذَهُ وَ شَرِبَ مِنْهُ وَ سَقَانِي فَقُلْتُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَيُّ دَلِيلٍ دَلَّ عَلَى إِمَامَتِهِ مِنْ عِلْمِهِ مَا أُسِرُّهُ فِي نَفْسِي فَقَالَ: يَا عَلِيُّ وَ اللَّهِ نَحْنُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى‏ وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ‏

فَقُمْتُ وَ قُلْتُ لِمَنْ كَانَ مَعِي هَذِهِ ثَلَاثُ بَرَاهِينَ رَأَيْتُهَا مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي مَجْلِسِي هَذَا فَقَالَ:

مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِفَضْلِهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذَا الْهَاشِمِيَّ كَمَا يُقَالُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ‏

302

فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَعْرِفَةِ سَيِّدِي لِجَهْلِ الرَّجُلِ بِهِ.

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: إِنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ الدَّارِيَّ قَالَ‏

: وَرَدْنَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ إِلَى بَغْدَادَ نُرِيدُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَدُلِلْنَا عَلَيْهِ وَ مَعَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ زَيْدِيٌّ يُظْهِرُ لَنَا الْإِمَامَةَ فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) سَأَلْنَاهُ عَنْ مَسَائِلَ قَصَدْنَا بِهَا وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لِبَعْضِ غِلْمَانِهِ خُذْ بِيَدِ هَذَا الرَّجُلِ الزَّيْدِيِّ وَ أَخْرِجْهُ فَقَامَ الرَّجُلُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَ قَالَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنَّ عَلِيّاً أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنَّ آبَاءَكَ الْأَئِمَّةُ وَ أُثْبِتُ لَكَ الْحُجَّةَ لِلَّهِ فِي هَذَا الْعَصْرِ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدِ اسْتَحْقَيْتَ بِتَرْكِ الضَّلَالِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ وَ تَسْلِيمِكَ الْأَمْرَ لِي مِنْ جَعْلِهِ لَهُ يَسْمَعُ وَ لَا يَمْنَعُ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي إِنِّي أَدِينُ لِلَّهِ بِإِمَامَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَ لَا أُظْهِرُ لِلنَّاسِ غَيْرَ مَذْهَبِ الْإِمَامَةِ فَلَمَّا عَلِمْتَ مِنِّي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الْإِمَامُ وَ الْحُجَّةُ.

وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ زَيْدٍ الْخَيَّاطِ، قَالَ:

كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَ هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ فَسُرِقَتْ شَاةٌ لِبَعْضِ مَوَالِيهِ فَطَالَبَ قَوْماً بِأَعْيُنِهِمْ فَقَالَ (عليه السلام): أَحْضِرُوا فُلَاناً لَقَدْ سُرِقَتْ شَاتُهُ وَ هُوَ يُطَالِبُ بِهَا مَنْ لَا يَسْرِقُهَا فَأَحْضَرُوهُ فَقَالَ خَلِّ الْقَوْمَ الَّذِينَ تُطَالِبُهُمْ بِشَاتِكَ وَ امْضِ إِلَى مَنْزِلِ رَاشِدٍ مَوْلَاكَ وَ خُذْ شَاتَكَ مِنْ بَيْتِهِ فَهُوَ أَخَذَهَا قَالَ: دَاوُدُ فَقُمْتُ حَتَّى صِرْتُ بِدَارِهِ فَوَجَدْتُ الشَّاةَ فِي بَيْتِهِ فَأَخَذْتُهَا وَ ابْتَرَأَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا يُطَالَبُونَ بِهَا.

وَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَتَّابِ بْنِ يُونُسَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ الْوَشَّا الْكُوفِيِّ قَالَ‏

خَرَجْنَا حَاجِّينَ فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا وَ رَجَعْنَا مِنْ مَكَّةَ قُطِعَ عَلَيْنَا الطَّرِيقُ وَ نَحْنُ عِصَابَةٌ مِنْ شِيعَةِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَأُخِذَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَنَا فَلَمَّا وَرَدْنَا الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَابْتَدَأَنِي‏

303

قَبْلَ مَا أَسْأَلُهُ بِشَيْ‏ءٍ فَقَالَ يَا عَلِيَّ بْنَ حَدِيدٍ قُطِعَ عَلَيْكُمُ الطَّرِيقُ فِي الْعَرْجِ وَ أُخِذَ مَا كَانَ مَعَكُمْ وَ عَدَدُكُمْ ثَلَاثَةٌ وَ عِشْرُونَ نَفَراً وَ سَمَّانَا بِأَسْمَائِنَا وَ أَسْمَاءِ آبَائِنَا فَقُلْتُ: إِي وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي كُنَّا كَمَا قُلْتَ وَ أَمَرَ لَنَا بِكِسْوَةٍ وَ دَنَانِيرَ كَثِيرَةٍ وَ قَالَ: فَرِّقْهَا عَلَى أَصْحَابِكَ فَإِنَّهَا بِعَدَدِ مَا ذَهَبَ مِنْكُمْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ حَدِيدٍ:

فَصِرْتُ بِهَا إِلَى إِخْوَانِي وَ أَصْحَابِي فَفَرَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ فَطَلَعَتْ وَ اللَّهِ بِإِزَاءِ مَا أُخِذَ مِنَّا سَوَاءً.

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ عَنْ خَالِدٍ الْعَطَّارِ الْكُوفِيِّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ:

كُنْتُ فِي دَارِهِ بِبَغْدَادَ وَ أَنَا جَالِسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ يَاسِرٌ الْخَادِمُ فَرَحَّبَ بِهِ وَ قَرَّبَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا سَيِّدِي ستنا [سَيِّدَتُنَا أُمُّ جَعْفَرٍ تَسْتَأْذِنُكَ بِالْمَسِيرِ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ لِلسَّلَامِ عَلَيْكَ وَ عَلَيْهَا وَ قَدِ اسْتَأْذَنَتْ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهَا أَقْبِلِي إِلَيْهِ بِالرُّحْبِ وَ السَّعَةِ فَمَضَى الْخَادِمُ وَ قُمْتُ وَ أَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي إِنَّهُ لَيْسَ هَذَا وَقْتَ جُلُوسِ أُمِّ جَعْفَرٍ تَصِيرُ إليه [إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ يَا أَبَا هَاشِمٍ فَإِنَّ أُمَّ جَعْفَرٍ تَحْضُرُ وَ تَرَى مَا يَجِبُ فَجَلَسْتُ وَ انْصَرَفَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ فَأَذِنَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَذَانِهَا عَلَى أُمِّ الْفَضْلِ فَقَالَ لِلْخَادِمِ قُلْ لَهَا يَحْضُرْنِي إِلَّا مَنْ يَحْتَشِمُ بِنَا وَ هُوَ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ ابْنُ عَمِّكَ فَاسْتَحَيْتُ وَ اعْتَزَلْتُ بِجَانِبٍ حَيْثُ لَا أَرَاهُمْ وَ أَسْمَعُ كَلَامَهُمْ فَدَخَلَتْ وَ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَ اسْتَأْذَنَتْهُ بِالدُّخُولِ عَلَى أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْمَأْمُونِ زَوْجَتِهِ فَأَذِنَ لَهَا فَمَا لَبِثَ أَنْ عَادَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ يَا سَيِّدِي إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ وَ أُمَّ الْخَيْرِ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِتَقَرَّ عَيْنِي وَ أَفْرَحَ وَ أُعَرِّفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اجْتِمَاعَكُمَا فَيَفْرَحَ فَقَالَ ادْخُلِي إِلَيْهَا فَإِنِّي تَابِعُكِ فِي الْأَثَرِ فَدَخَلَتْ أُمَّ الْخَيْرِ فَقَدَّمَتْ نَعْلَيْهِ وَ دَخَلَ وَ السُّتُورُ تُشْتَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا لَبِثَ أَنْ أَسْرَعَ رَاجِعاً وَ هُوَ يَقُولُ‏

فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ‏

وَ جَلَسَ وَ خَرَجَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ فَقَالَتْ يَا سَيِّدِي مَا حَدَثَ إِلَّا خَيْراً مَا رَأَيْتَ وَ مَا حَضَرْتَ إِلَّا خَيْراً وَ لِمَ لَا تَجْلِسُ فَمَا الَّذِي حَدَثَ فَقَالَ يَا أُمَّ جَعْفَرٍ حَدَثَ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ أُعِيدَهُ عَلَيْكِ فَارْجِعِي إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ فَاسْأَلِيهَا بَيْنَكِ وَ بَيْنَهَا فَإِنَّهَا تُخْبِرُكِ مَا حَدَثَ مِنْهَا سَاعَةَ دُخُولِي إِلَيْهَا فَإِنَّهُ مِنْ‏

304

سِرِّ النِّسَاءِ فَأَعَادَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ عَلَى أُمِّ الْخَيْرِ مَا قَالَهُ (عليه السلام) فَقَالَتْ:

لَهَا يَا عَمَّةُ مَا الَّذِي حَدَثَ مِنِّي قُلْتُ: يَا بُنَيَّةُ مَا أَعْلَمُ مَا هُوَ فَحَلَفَتْ أَنِّي مَا أُحْضِرْتُ إِلَّا خَيْراً، وَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَأَى فِي وَجْهِكِ كُرْهاً، فَقَالَتْ: لَا وَ اللَّهِ يَا عَمَّةُ مَا تَبَيَّنَ بِوَجْهِي كُرْهاً وَ لَا عَلِمْتُ مَا حَدَثَ فَارْجِعِي إِلَيْهِ اسْأَلِيهِ أَنْ يُخْبِرَكِ فَقُلْتُ: يَا ابْنَةُ إِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ سِرِّ النِّسَاءِ فَقَالَتْ أُمُّ الْخَيْرِ: كَيْفَ لَا أَدْعُو عَلَى أَبِي وَ قَدْ زَوَّجَنِي سَاحِراً فَقَالَتْ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ لَا تَقُولِي هَذَا فلئن [فَلَا فِي أَبِيكِ وَ لَا فِيهِ أَرِينِي فَمَا الَّذِي حَدَثَ قَالَتْ: يَا عَمَّةُ وَ اللَّهِ مَا هُوَ طَلَعَ حَقّاً إِلَّا انْعَزَلْتُ إِلَى الصَّلَاةِ وَ حَدَثَ مِنِّي مَا يَحْدُثُ مِنَ النِّسَاءِ فَضَرَبْتُ يَدِي إِلَى أَثْوَابِي وَ ضَمَمْتُهَا فَخَرَجَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ إِلَيْهِ، وَ قَالَتْ: يَا سَيِّدِي أَنْتَ تَعْلَمُ الْغَيْبَ قَالَ: لَا قَالَتْ مَنْ لَكَ بِأَنْ تَعْلَمَ مَا حَدَثَ مِنْ أُمِّ الْخَيْرِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَ هِيَ فِي الْوَقْتِ فَقَالَ لَهَا: نَحْنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلِمْنَا وَ عَنِ اللَّهِ نُخْبِرُ، قَالَتْ لَهُ: يَنْزِلُ عَلَيْكَ الْوَحْيُ قَالَ لَا قَالَتْ: مِنْ أَيْنَ لَكَ عِلْمُ ذَلِكَ، قَالَ: مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمِينَ وَ سَتَرْجِعِينَ إِلَى مَنْ تُخْبِرِينَهُ بِمَا كَانَ فَيَقُولُ لَكِ: لَا تَعْجَبِي فَإِنَّ فَضْلَهُ وَ عِلْمَهُ فَوْقَ مَا تَظُنِّينَ فَخَرَجَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ وَ دَنَوْتُ مِنْهُ وَ قُلْتُ لَهُ: قَدْ سَمِعْتُكَ وَ أَنْتَ تَقُولُ‏

فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ‏

فَهَذَا خَبَرُ النِّسْوَةِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ لَمَّا رَأَيْنَهُ وَ الْإِكْبَارُ مِمَّا حَدَثَ مِنْ أُمِّ الْفَضْلِ فَعَلِمَتْ أَنَّهُ الْحَيْضُ.

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَيُّوبَ السَّرَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى النَّوْفَلِيِّ قَالَ:

دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَشِيّاً فَوَجَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فوجدت أَبَا هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيَّ وَ عَيْنَا أَبِي هَاشِمٍ بهمدان [يَهْمِلَانِ وَ رَأَيْتُ سَيِّدِي أَبَا جَعْفَرٍ مُطْرِقاً فَقُلْتُ لِأَبِي هَاشِمٍ مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْعَمِّ قَالَ: مِنْ جُرْأَةِ هَذَا الطَّاغِي الْمَأْمُونِ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى دِمَائِنَا بِالْأَمْسِ قَتَلَ الرِّضَا وَ الْآنَ يُرِيدُ قَتْلِي فَبَكَيْتُ وَ قُلْتُ: يَا سَيِّدِي هَذَا مَعَ إِظْهَارِهِ فِيكَ مَا يُظْهِرُهُ قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْعَمِّ الَّذِي أَظْهَرَهُ فِي أَبِي أَكْثَرُ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا عَلِمَهُ‏