الفتوح - ج1

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
266 /
55

أبو قرة الكندي مغضبا فقال: يا أشعث لا و اللّه ما يوافقك أحد منا على مثل هذا الأمر أبدا!تقتل الرسول بلا ذنب كان منه و لا سبيل لك عليه، ثم أقبل أبو قرة على قومه من كندة فقال: انصرفوا و لا تقيموا فإن الصواب عندي الرحيل عن هذا الرجل و إلا فتوقعوا العقوبة. قال: ثم وثب أبو الشمر الكندي فقال: يا أشعث!لقد ركبت عظيما من الأمر بقتلك من لا ذنب له، و ذلك أنا نقاتل من يقاتلنا، فأما قتل الرسول فلا، لأن الرسول لا يجب عليه القتل لأنه مأمور. فقال الأشعث: يا هؤلاء!لا تعجلوا فإنه قد شهد عليّ و عليكم بالكفر، و بعد فلم آمر بقتله و لا ساءني ذلك، قال: فوثب الجبر بن القشعم الكندي فقال: إنا رجونا أنك تعتذر إلينا بعذر نقبله منك، فأجبتنا بما قد أنفرنا عنك، و أيم اللّه!لو كنت ذا أرب لغيرت هذا و لم تركب العدوان و الظلم بقتلك رسولا لا جرم له، قال: ثم نادى الجبر بن القشعم في بني عمه الأرقم فقال: ارحلوا عن هذا الظالم حتى يعلم اللّه عز و جل أنكم لم ترضوا بما فعل.

قال: فتفرق عن الأشعث عامّة أصحابه حتى بقي في قريب من ألفي رجل، و أقبل السكاسك و السكون على زياد بن لبيد و المهاجرين‏[أبي‏][ (1) ]أمية من مدينة تريم في نيف على خمسة آلاف رجل من المهاجرين و الأنصار و غيرهم من سائر القبائل، و التقى القوم بواد يقال له زرقان‏[ (2) ]قريبا من مدينة تريم فاقتتلوا هنالك ساعة، و نظر الأشعث بن قيس إلى رجل من أصحاب زياد بن لبيد يقال له جفنة بن قتيرة السكوني و إنه يقاتل قتالا شديدا، فحمل عليه الأشعث فطعنه طعنة صرعه عن فرسه و همّ أن ينزل إليه فحماه ابن عمّ له من الأشعث فأفلت و هو لما به، قال: ثم حمل الأشعث أيضا على رجل يقال له السمط بن الأسود السكوني فضربه ضربة أثخنه منها، قال: فولى السمط من بين يدي الأشعث هاربا، و وقف الأشعث في ميدان الحرب فجعل يلوح بسيفه، قال: ثم حمل الأشعث، قال: و حمل مهاجر بن أبي أمية على الأشعث و هو يقول: أنا المهاجر!و حمل عليه الأشعث و التقيا بضربتين فبادرة الأشعث بضربة على بيضته و أسرع السيف إلى رأسه، فولى مدبرا، فناداه الأشعث: يا مهاجر!أ تعير الناس بالفرار و تفر فرار الحمار، ثم حمل الأشعث بن [ (1) ]سقطت من الأصل.

[ (2) ]ما أثبتناه عن الطبري 3/335 و بالأصل «الرفان» و في معجم البلدان محجر الزرقان بضم الزاي ناحية بأرض حضرموت أوقع فيه المهاجر بن أبي أمية بأهل الردة.

56

قيس و أصحابه على جميع المسلمين فهزموهم حتى أدخلوهم مدينة تريم و قد قتل منهم جماعة و جرح منهم بشر كثير.

ثم أقبل الأشعث بأصحابه حتى أحدقوا بالمدينة و نزلوا عليها و حاصروا زياد بن لبيد و أصحابه و ضيّقوا عليهم غاية التضييق‏[ (1) ].

و كتب زياد بن لبيد إلى أبي بكر رضي اللّه عنه يخبره بقتل الرسول و يعلمه أنه و أصحابه محاصرون في مدينة تريم أشد الحصار، ثم أثبت إليه في آخر كتابه أبياتا من جملتها:

من راكب نحو المدينة مخبرا # رهط الرسول و سائر الأنصار

ذكر المشورة التي وقعت بالمدينة في أمر الأشعث بن قيس و أصحابه‏

قال: فلمّا ورد الكتاب إلى أبي بكر رضي اللّه عنه و قرأه نادى في المسلمين ثم قال: أشيروا عليّ ما الذي أصنع في أمر كندة. قال: فتكلم أبو أيوب الأنصاري فقال: اسمع ما أشير به عليك، قال أبو بكر: قل حتى أسمع، فقال: إن القوم كثر عددهم و فيهم نخوة الملك و منعه، و إذا همّوا بالجمع جمعوا خلقا كثيرا فلو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا، و صفحت عن أموالهم لرجوت أن ينيبوا إلى الحق، و أن يحملوا الزكاة إليك بعد هذا العام طائعين غير مكرهين، فذاك أحبّ إليّ من محاربتك إياهم، فقد علمت‏أنهم فرسان أبطال لا يقوم لهم إلا نظراؤهم من الرجال، قال: فتبسم أبو بكر رضي اللّه عنه من قول أبي أيوب، ثم قال: و اللّه يا أبا أيوب!لو منعوني عقالا[ (2) ]واحدا مما كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) وظّفه عليهم [ (1) ]كذا بالأصل أن الأشعث انتصر على المسلمين في معركة الزرقان أما في الطبري 3/335: فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا به فهزمت كندة، و قتلت و خرجوا هرابا، فالتجأت إلى النجير و قد رمّوه و حصنوه. و قال المهاجر في يوم محجر الزرقان.

كنا بزرقان إذ يشردكم # بحر يزجى في موجه الحطبا

نحن قتلناكم بمحجركم # حتى ركبتم من خوفنا السببا

إلى حصار يكون أهونه # سبي الذراري و سوقها خببا

(و انظر الكامل 2/49 و معجم البلدان زرقان) .

[ (2) ]الأثر في غريب الحديث للهروي 2/3 و الفائق 2/174.

57

لقاتلتهم عليه أبدا أو ينيبوا إلى الحق صغرة و قمأة، قال: فسكت أبو أيوب.

قال: ثم أنصرف أبو بكر إلى منزله و أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما فدعاه و قال: إني عزمت على أن أوجّه إلى هؤلاء القوم عليّ بن أبي طالب فإنه عدل رضا عند أكثر الناس لفضله و شجاعته و قرابته و علمه و فهمه و رفقه بما يحاول من الأمور، قال: فقال له عمر بن الخطاب: صدقت يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!إن عليّا كما ذكرت و فوق ما وصفت و لكني أخاف عليك خصلة منه واحدة، قال له أبو بكر: و ما هذه الخصلة التي تخاف عليّ منها منه؟فقال عمر: أخاف أن يأبى لقتال القوم فلا يقاتلهم، فإن أبى ذلك فلم تجد أحدا يسير إليهم إلا على المكروه منه، و لكن ذر عليّا يكون عندك بالمدينة فإنك لا تستغني عنه و عن مشورته و اكتب إلى عكرمة بن أبي جهل فمره بالمسير إلى الأشعث و أصحابه، فإنه رجل حرب و أهل لما أهّل له، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: هذا هو الرّأي.

ذكر كتاب أبي بكر إلى عكرمة بن أبي جهل‏

قال: ثم كتب أبو بكر رضي اللّه عنه إلى عكرمة، و عكرمة يومئذ بمكة[ (1) ]:

«أما بعد فقد بلغك ما كان من أمر الأشعث بن قيس و قبائل كندة، و قد أتاني كتاب ابن لبيد يذكر أن قبائل كندة قد اجتمعوا عليه و على أصحابه و حصروهم في مدينة تريم بحضرموت، فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى زياد بن لبيد في جميع أصحابك‏و من أجابك من أهل مكة، و اسمع له و أطع فإنه الأمير عليك، و انظر لا تمرّنّ بحي من أحياء العرب إلا استنهضتهم و خرجت معهم إلى محاربة الأشعث بن قيس و أصحابه- إن شاء اللّه تعالى و السلام» [ (2) ].

قال: فلمّا ورد كتاب أبي بكر رضي اللّه عنه على عكرمة و قرأه نادى في أصحابه و من أجابه من أهل مكة، و خرج في ألفي فارس من قريش و مواليهم و أحلافهم.

[ () ]قال أبو عبيد و يروى: لو منعوني عناقا. قال الكسائي: العقال صدقة عام و قال الكسائي: بعث فلان على عقال بني فلان إذا بعث على صدقاتهم.

[ (1) ]كذا و في الطبري أن عكرمة سار من أبين يريد حضرموت.

[ (2) ]نسخة الكتاب في مجموعة الوثائق السياسية ص 355 عن كتاب الردة للواقدي. ـ

58

ذكر مسير عكرمة بن أبي جهل إلى الأشعث بن قيس‏

قال: فسار عكرمة حتى صار إلى نجران و بها يومئذ جرير بن عبد اللّه البجلي في بني عمه من بجيلة، فدعاه عكرمة إلى حرب الأشعث بن قيس و أصحابه، فأبى عليه جرير و لم يجبه إلى ذلك، ثم سار إلى مأرب‏[ (1) ]فنزلها، و بلغ ذلك أهل دبا[ (2) ] فغضبوا عن مسير عكرمة بن أبي جهل إلى محاربة كندة، و جعل بعضهم يقول لبعض: تعالوا حتى نشغل عكرمة و أصحابه عن محاربة بني عمنا من كندة و غيرهم من قبائل اليمن، فعزموا على ذلك، ثم إنهم وثبوا على عامل لهم من قبل أبي بكر رضي اللّه عنه فطردوه عن بلدهم، فخرج عاملهم هاربا من بين أظهرهم حتى صار إلى عكرمة بن أبي جهل فلجأ إليه.

ذكر كتاب عامل أهل دبا إلى أبي بكر رضي اللّه عنه و هو حذيفة بن محصن‏[ (3) ]

قال: فكتب حذيفة بن محصن‏[ (3) ]هذا إلى أبي بكر رضي اللّه عنه يخبره بأمر أهل دبا و ارتدادهم عن دين الإسلام و طردهم إياه‏[ (4) ]ثم خبره في كتابه أنه أتى إلى عكرمة بن أبي جهل فصار معه، فاغتاظ غيظا شديدا، ثم إنه كتب إلى عكرمة:

«أما بعد فإني كنت كتبت إليك و أمرتك بالمسير إلى حضرموت فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى أهل دبا على بركة اللّه عزّ و جلّ و فأنزل بهم ما هم له أهل، و لا تقصرن فيما كتبت به إليك، فإذا فرغت من أمرهم فابعث بهم إليّ أسراء، و سر إلى زياد بن لبيد فعسى اللّه عزّ و جلّ أن يفتح على يديك بلاد حضرموت إن شاء اللّه تعالى و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» .

قال: فلمّا ورد كتاب أبي بكر على عكرمة نادى في أصحابه و أمرهم بالمسير إلى [ (1) ]مأرب: بلاد الأزد باليمن، و قيل قصر لهم. و هي بين حضرموت و صنعاء.

[ (2) ]دبا: سوق من أسواق العرب بعمان.

[ (3) ]من الطبري 3/314 و تاريخ اليعقوبي 2/138 و في تاريخ خليفة ص 123 حذيفة العلقاني، و عند الطبري: حذيفة بن محصن الغلقاني. و في معجم البلدان: حذيفة بن محصن البارقي ثم الأزدي.

[ (4) ]في معجم البلدان: لما مات رسول اللّه (ص) ارتدوا فدعاهم (حذيفة) إلى النزوع فأبوا و أسمعوه شتما لرسول اللّه (ص) و أبي بكر. (و انظر الطبري 3/314) .

59

أهل دبا. قال: و دنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا[ (1) ]، و رزق عليهم الظفر فهزمهم عكرمة حتى بلغ بهم إلى أدنى بلادهم، و قتل منهم زهاء مائة رجل، ثم سار إليهم عكرمة يريد قتالهم ثانية، و دخل القوم مدينتهم فتحصنوا بها، و نزل عليهم عكرمة في أصحابه فحاصرهم و ضيّق عليهم.

قال: فاشتدّ عليهم الحصار[ (2) ]لأنهم لم يكونوا أعدّوا لذلك، فأرسلوا إلى حذيفة بن محصن‏[ (3) ]يسألونه الصلح على أنهم يؤدّون الزكاة و يدعون إلى محبته و ينصرف عنهم عكرمة!فأرسل إليهم عاملهم أنه لا صلح بيننا و بينكم إلا على إقرار منكم بأنا على حق و أنتم على باطل، و أن قتيلنا في الجنة و قتيلكم في النار، و على أنا نحكم فيكم بما رأينا، فأجابوه إلى ذلك فأرسل إليهم أن اخرجوا الآن عن مدينتكم بلا سلاح، ففعلوا ذلك، و دخل المسلمون إلى حصنهم. قتلوا أشرافهم‏[ (4) ]و سبوا نساءهم و أولادهم و أخذوا أموالهم و نزل عكرمة مدينتهم، و وجه أيضا برجالهم إلى أبي بكر[ (5) ]و هم ثلاثمائة من المقاتلة و أربعمائة من النساء و الذريّة.

قال: فهمّ أبو بكر رضي اللّه عنه عنه بقتل المقاتلة و قسمة النساء و الذريّة، فقال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللََّه عليه و آله سلّم!إن القوم على دين الإسلام و ذلك أني أراهم يحلفون باللّه مجتهدين: ما كنا رجعنا عن دين الإسلام، و لكن شحّوا على أموالهم، و قد كان منهم ما كان فلا تعجل عليهم و احبسهم عندك إلى أن ترى فيهم رأيك، قال: فأمر بهم أبو بكر فحسبوا في دار رملة بنت الحارث، فلم يزالوا هنالك محبوسين إلى أن توفي أبو بكر رضي اللّه عنه و صار الأمر إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فدعاهم ثم قال: إنكم قد علمتم ما كان رأي أبي بكر و ما [ (1) ]و كان رئيس أهل الردة لقيط بن مالك الأزدي (الطبري-معجم البلدان) .

[ (2) ]حاصرهم شهرا أو نحوه (معجم البلدان) .

[ (3) ]بالأصل: عمر تحريف.

[ (4) ]في المعجم: قتل من اشرافهم مائة رجل.

[ (5) ]في الطبري: بعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة البارقي.

و في هزيمة لقيط يقول عباد الناجي:

لعمري لقد لاقى لقيط بن مالك # من الشر ما أخزى وجوه الثعالب

و بادى أبا بكر و من هلّ فارتمى # خليجان من تياره المتراكب

و لم تنهه الأولى و لم ينكأ العدا # فألوت عليه خيله بالخبائب‏

60

كان من رأيي، و قد مضى أبو بكر لسبيله، و قد أفضى الأمر إليّ فانطلقوا إلى أي بلد شئتم فأنتم أحرار لوجه اللّه تعالى فلا فدية عليكم، قال: فمضى القوم على وجوههم فمنهم من صار إلى بلده و منهم من صار إلى البصرة بعد عمارتها، فيها خطط المهالبة[ (1) ]إلى يومنا هذا.

ثم رجعنا إلى خبر الأشعث بن قيس، قال: و سار عكرمة يريد زياد بن لبيد و بلغ ذلك الأشعث بن قيس فانحاز إلى حصن من حصون حضرموت يقال له النّجير[ (2) ] فرمّه و أصله ثم جمع نساء قومه و ذريّته فأدخلهم إلى ذلك الحصن‏[ (3) ]، و كان للحصن باب عابر[ (4) ]المكان يدخل إلى أهل الحصن كل ما يحتاجون إليه من الطعام و الشراب و غير ذلك.

قال: و نادى زياد بن لبيد في أصحابه فجمعهم ثم قال: أيها الناس!اعلموا أنكم تقاتلون أهل ردّة و كفر فأظهروا أسلحتكم و اشحذوا سيوفكم و ركبوا أسنّتكم فإني ناهض إليهم غدا إن شاء اللّه تعالى، و هذا عكرمة بن أبي جهل قد جاءكم مددا لكم في عسكر لجب فأبشروا بالنصر و الظفر، قال: و جعل زياد بن لبيد يحرّض من معه من المسلمين على حرب عدوهم.

قال: و بلغ ذلك الأشعث بن قيس بأن زياد بن لبيد قد شجّع أصحابه على الحرب، فجعل الأشعث أيضا يحرض أصحابه و يشجّعهم و يقول: يا معشر كندة! لا يهولنّكم مدد أعدائكم لأصحابهم فإن النصر مع الصبر و القوم مع الصبر لا يثبتون.

فقاتلوهم محتسبين و اشجروهم بالرماح شجرا[ (5) ]و كافحوهم بالصفاح‏[ (6) ]و لا تذلوا بعد [ (1) ]و كان أبو المهلب غلاما لم يبلغ بين الأسرى، ثم خرج بعد إلى البصرة.

[ (2) ]النجير: حصن باليمن قرب حضرموت (معجم البلدان) .

[ (3) ]في الطبري: فتحصنوا فيه (كندة) و معهم من استغووا من السكاسك و شذاذ من السكون و حضرموت و نجير.

[ (4) ]و قد نزل زياد على سبيل (باب) و المهاجر على باب آخر، و الباب الثالث لهم يؤتون منه و يذهبون.

إلى أن جاء عكرمة فأنزله على ذلك الطريق (الباب الثالث) . فقطع عليهم المواد، و ردّهم.

(الطبري 3/336) .

[ (5) ]شجره بالرمح شجرا: طعنه. قال في اللسان: و في حديث الشراة: فشجرناهم بالرماح: أي طعناهم بها حتى اشتبكت فيهم.

[ (6) ]الصفاح: السيوف العريضة (اللسان) .

61

العز و لا تضعفوا بعد القوّة. قال: و جعل كل رئيس من رؤسا كندة يحرّض بني عمّه على الحرب و يأمرهم أن لا يقصروا.

قال: فأصبح زياد بن لبيد و قد عبّى أصحابه فجعل على ميمنته المهاجر بن [أبي‏][ (1) ]أمية المخزومي و على ميسرته وائل بن حجر الحضرمي و على الجناح [ابن‏][ (1) ]قتيرة السكوني، و عبّى الأشعث أصحابه فجعل على ميمنته الخنفشيش بن عمرو و على ميسرته عبد الرحمن بن محرز الحطحمي و على الجناح مرة بن امرئ القيس الذهلي، و صار الأشعث بن قيس في القلب مسربلا في سلاحه و على رأسه تاج لجده يزيد بن معديكرب، و تقدّم زياد بن لبيد حتى وقف أمام أصحابه في القلب على فرس له أدهم عليه ذرعان سابغان قد ظاهرهما بحرير أصفر و بينهما حريرة صفراء و سيفه على عاتقه، قال: و جالت الحرب بعضها على بعض و تقدم المهاجر بن [أبي‏][ (2) ]أمية المخزومي فجعل يجول في ميدان الحرب، قال: فحمل عليه الخنفشيش بن عمرو، و كان من فرسان أصحاب الأشعث بن قيس فاختلفا بضربتين سبقه المهاجر بن‏[أبي‏][ (2) ]أمية بالضربة فلم تصنع شيئا و قنعه الخنفشيش بضربة قدّ بها بيضته، و أسرع إلى رأس المهاجر بن‏[أبي‏][ (2) ]أمية فكادت الضربة أن تبدي عن دماغه فاعتنق المهاجر عنق فرسه و ولى بين يدي الخنفشيش هاربا، قال: فحمل الخنفشيش على رجل من أصحاب ابن لبيد يقال له وائل بن حجر فأرداه بطعنة عن فرسه فانقلب مجروحا و هو لما به و غار فرسه، و جال وائل بن حجر في ميدان الحرب.

قال: فاختلط القوم اختلاطا شديدا، و نظر الأشعث بن قيس إلى رجل من أصحاب زياد بن لبيد و هو يقاتل قتالا شديدا فلم يكذب أن حمل عليه ليضربه بسيفه و حمل ابن ذلك الرجل على الأشعث، فنظر إليه الأشعث فإذا هو غلام حدث فلم يقدم عليه لكنه وقف في ميدان الحرب و جعل يعرض لزياد بن لبيد فبدر إليه زياد بن لبيد، قال: فحمل عليه الأشعث و التقيا بضربتين، ضربة الأشعث‏[ضربة]التقاها زياد بحجفته فقدّ الأشعث حجفة زياد فرمى بها من يده، و ولّى زياد بن لبيد من بين يديه و أتبعه الأشعث فضربه ضربة على قذاله‏[ (3) ]فقدّ المغفر إلى رأسه و ضربه الأخرى [ (1) ]سقطت من الأصل.

[ (2) ]سقطت من الأصل.

[ (3) ]القذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان و الفرس فوق فأس القفا و الجمع أقذلة و قذل (اللسان) .

62

على شماله و على زياد يومئذ ذرعان و حريران غير ثيابه، فقدّ الأشعث ذلك كلّه حتى وصل السيف إلى عضد زياد، و قال: خذها و أنا ابن قيس!و أفلت زياد من الأشعث و هو لما به، ثم حمل الأشعث على جميع المسلمين فجعل لا يمرّ بشي‏ء إلا حطمه و هو في ذلك.

قال: فانهزم زياد و أصحابه حتى دخلوا مدينة حضرموت فتحصّنوا فيها، و بلغ ذلك عكرمة بن أبي جهل فكتب إلى زياد يعلمه بالوقت الذي يوافيه فيه، و أنه قد رحل إليه، و أنه يوافيه في يوم كذا و كذا. قال: ففرح زياد و أصحابه بقدوم عكرمة عليهم.

فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده عكرمة أن يوافيه فيه نادى زياد في أصحابه فركبوا، ثم إنه خرج من مدينة تريم، و إنّه ليشد بالأيدي حتى استوى على فرسه و هو لما به من الضربات التي أصابته من الأشعث.

قال: و ارتفعت غبرات الخيل من ناحية باب المدينة، فعلم الأشعث أن زيادا قد خرج إليه على علته، فنادى في أصحابه فركبوا، ثم سار نحو زياد بن لبيد على غير تعبية، فلمّا تلاقت الخيلان جعل الأشعث يجول في ميدان الحرب، قال: فلم يجبه زياد إلى شي‏ء، و اختلط القوم فاقتتلوا ساعة، و همّت خيل زياد بالفرار غير مرّة و كان زياد يمنيهم بقدوم عكرمة عليهم و يسألهم صبر ساعة. قال: فبينما المسلمون كذلك إذا خيل عكرمة قد أشرفت عليهم في تعبية حسنة و خيل عتاق و سلاح شاك و رجال جلدين.

قال: و نظرت قبائل كندة إلى خيل عكرمة قد أشرفت عليهم، فصاحوا بالأشعث: ما ترى هذه خيل حامية قد أقبلت!و نحن قد تعبنا و خيلنا قد كلّت و عامّتنا جرحى، قال: فشجّعهم الأشعث و أمرهم بالصبر و نهاهم عن العجز و الفشل. قال:

فاختلطت خيل عكرمة و خيل زياد فصاروا في موضع واحد[ (1) ]، ثم اجتمعوا و حملوا على الأشعث و أصحابه فلم يزل واحد منهم عنّ لكنهم أشهروا السلاح في وجوه القوم [ (1) ]تقدم أن عكرمة و خيله لما وصلت إلى النجير، سد الباب العابر (الثالث) الذي كان الأشعث و كندة يؤتون منه و يمدون أنفسهم بالمواد.

و في رواية في الطبري 3/337 أن عكرمة قدم بعد ما فرغ المسلمون من كندة و هزيمتها. و انظر تاريخ اليعقوبي 2/132.

63

فرجعوا عنهم، ثم جالت الخيل بعضها على بعض، و قد تقدم رجل من فرسان الأشعث و شجعانهم يقال له عرفجة بن عبد اللّه الذهلي، قال: ثم حمل عرفجة على خيل المسلمين فلم يزل يقاتل حتى ضج المسلمون من طعانه و ضربه، قال: و رمى رجل من أهل مكّة بسهم فوقع السهم في فؤاده فقتله، فصاح زياد بن لبيد: يا معشر المسلمين!أبشروا فقد أخمد اللّه عزّ و جلّ جمرة كندة بقتل عرفجة الذهلي.

قال: و تقدم الأشعث بن قيس حاسر الرأس حتى وقف بين الجمعين فبرز إليه عكرمة بن أبي جهل، قال: و التقيا بطعنتين فافترقا جريحين و لم يصنعا شيئا، فرمى كل واحد منهما برمحه من يده و اعتمد على قائم سيفه، ثم التقيا بضربتين بدره الأشعث بضربة قدّ بها بيضة عكرمة، ثم إن رجلا يقال له النعمان بن الحارث حمل على الأشعث بن قيس فطعنه طعنة منكرة حتى كاد الأشعث أن يسقط عن فرسه، ثم جال النعمان في ميدان الحرب، قال: فخرج إليه رجل من أصحاب الأشعث يقال له مرّة بن امرئ القيس، ثم حمل على النعمان فطعنه طعنة جندلة قتيلا، و جعل الأشعث يجول في ميدان الحرب، و هو يقاتل فكلما حمل بفرسه على الناحية التي فيها زياد بن لبيد يمضي زياد عن ذلك الموقف إلى موقف آخر، و هبّت الريح و ثار العجاج‏[ (1) ]فلم يبصر الناس بعضهم بعضا، فطلب الأشعث فلم يقدر عليه فظنت قبائل كندة أنه قد قتل، و جعل الخنفشيش بن عمرو الكندي يرتجز..... [ (2) ] قال: و انحلت العجاج عن القوم فنظروا فإذا الأشعث حاسر الرأس ينادي: الصبر الصبر يا معشر كندة!فإن القوم قد صبروا لكم. قال: فلم يزل القوم على ذلك من شأنهم إلى وقت المساء، ثم اجتمع المسلمون بأجمعهم في موضع واحد و رفعوا أصواتهم بالتكبير ثم حملوا على الأشعث و أصحابه كحملة رجل واحد فهزموهم بأجمعهم حتى ألجئوهم إلى حصنهم الأعظم.

قال: فدخل الأشعث و أصحابه إلى ذلك الحصن و غلقوا على أنفسهم الباب، و أقبل زياد بن لبيد و عكرمة بن أبي جهل و المهاجر بن‏[أبي‏][ (3) ]أمية و جميع المسلمين حتى نزلوا على الحصن و أحدقوا به من كل ناحية و اشتدّ الحصار على من [ (1) ]العجاج: الصياح. و العجاج: الغبار، و قيل: هو من الغبار ما تورثه الريح، واحدته عجاجة، و فعله التعجيج (اللسان) .

[ (2) ]كذا، و لم ترد الأرجاز بالأصل.

[ (3) ]سقطت من الأصل.

64

في الحصن من قبائل كندة، فقال لهم الأشعث بن قيس: يا بني عمّ!ما الرأي؟ فقالوا: و اللّه الرأي أن نموت كراما، قال الأشعث: إن كنتم عزمتم على ذلك فافعلوا كما أفعل حتى أعلم أنكم صادقين، قال: ثم ضرب الأشعث بيده إلى ناصيته فجزها و ربطها على رأس رمحه و جزّ القوم نواصيهم و ربطوها في رؤوس رماحهم و تبايعوا على الموت‏[ (1) ]، فلمّا أصبح الأشعث أمر بباب الحصن ففتح، و استوى الأشعث على فرسه و خرج في أوائل القوم، قال: و خرج خلفه الخنفشيش بن عمرو و ظفيرته معقودة في رأس رمحه، قال: ثم خرج من بعده سعيد بن معدي كرب، قال: فكان كلّما خرج رجل من أشرافهم خرج معه قومه و عشيرته. قال: و اختلط القوم فاقتتلوا على باب الحصن قتالا لم يقتتلوا مثله في يوم من الأيام حتى قتل من الفريقين بشر كثير، قال: و أثخن الأشعث بالجراحات فولّى منهزما هو و أصحابه حتى دخلوا الحصن فحصرهم المسلمون حصارا شديدا.

قال: و سمعت بذلك قبائل كندة ممن كان تفرّق عن الأشعث بن قيس لما قتل رسول أبي بكر رضي اللّه عنه فقال بعضهم لبعض: يا قومنا!إن بني عمّنا قد حصروا في حصن النجير و هذا عار علينا أن نسلّمهم فسيروا بنا إليهم، قال: فسارت قبائل كندة يريدون محاربة المسلمين و بين أيديهم الجبر بن القشعم الأرقمي شاك في السلاح، و أقبل أبو قرة الكندي في قومه من بني الحارث، و أقبل أبو الشمر الكندي في قومه، من بني حمير[ (2) ].

قال: و بلغ زياد بن لبيد مسير هؤلاء القوم إليه فكأنه جزع لذلك ثم أقبل على عكرمة بن أبي جهل فقال له: ما ترى؟فقال عكرمة: أن تقيم أنت على باب الحصن محاصرا لمن فيه حتى أمضي أنا فألتقي هؤلاء القوم، فقال زياد: نعم ما رأيت!و لكن انظر يا عكرمة!إن ظفر اللّه عزّ و جلّ بهم فلا ترفع السيف عنهم أو تبيدهم عن آخرهم، فقال عكرمة: لست آلو جهدا فيما أقدر عليه إن شاء اللّه تعالى و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. قال: ثم جمع عكرمة أصحابه و سار حتى وافى القوم و قد تعبّى تعبية الحرب فلم يكذب عكرمة أن حمل عليهم في جميع أصحابه [ (1) ]في الطبري: 3/336 قالوا: الموت خير مما أنتم فيه، جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم للّه أنفسكم، فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه، لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة، فجزوا نواصيكم، و تعاقدوا و تواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعض.

[ (2) ]كذا، و في كتاب الردة للواقدي: «جمر» . ـ

65

فاقتتلوا، و وقعت الهزيمة على أصحاب عكرمة، فقتل منهم نفر يسير و ضرب عكرمة على رأسه ضربة منكرة، و جاء الليل فحجز بين الفريقين. فلما كان من الغد دنا بعضهم من بعض فاقتتلوا حتى أمسوا، و الأشعث بن قيس في خلال ذلك لا يعلم بشي‏ء من ذلك غير أنه طال عليه و على من معه الحصار و اشتد بهم الجوع و العطش، فأرسل الأشعث إلى زياد أن يعطيه الأمان و لأهل بيته و لعشرة[ (1) ]من وجوه أصحابه، فأجابه زياد إلى ذلك و كتب بينهم الكتاب، فظن أهل الحصن أن الأشعث قد أخذ لهم الأمان بأجمعهم فسكتوا و لم يقولوا شيئا، و اتصل الخبر بعكرمة بن أبي جهل فقال لهؤلاء الذين يقاتلونه: يا هؤلاء!على ما ذا تقاتلون؟فقالوا: نقاتلكم على صاحبنا الأشعث بن قيس، فقال عكرمة: فإن صاحبكم قد طلب الأمان، و هذا كتاب زياد بن لبيد إليّ يخبرني بذلك-و رمى الكتاب إليهم، فلما قرأوه قالوا:

يا هذا!انصرف فلا حاجة لنا في قتالك بعد هذا اليوم. قال: ثم انصرف القوم عن محاربة عكرمة و هم في ذلك يسبون الأشعث بن قيس و يلعنونه.

قال: ثم أقبل عكرمة على أصحابه فقال: سيروا و أسرعوا السير إلى إخوانكم من المسلمين، فإن الأشعث بن قيس قد طلب الأمان، و لعله إن غنم زياد و أصحابه ما في الحصن لا يشركونكم في شي‏ء من ذلك لأنهم قد سبقوكم إلى فتح الحصن إلا أن يرى زياد رأيه في ذلك، قال: فأنشأ رجل من أصحاب عكرمة أبياتا من جملتها:

إذا ما أتانا راكب برسالة # رحلنا و في الليل الطويل سواد

قال: ثم قدم عكرمة و أصحابه على زياد و الأشعث بعد لم ينزل من الحصن و هو يستوثق لنفسه و لمن معه من بني عمّه، فأقبل زياد على عكرمة فقال: ما صنعت مع قبائل كندة؟فقال له: صنعت و اللّه!إني لقيت قوما لهم أقدار و أخطار و صبر على الموت، فلم أزل أحاربهم حتى علمت أن انتصافهم منّي أكثر من انتصافي منهم، و أتاني كتابك يخبر أنه بعث الأشعث إليك كتابا يسألك الأمان فكففت عن حرب القوم [ (1) ]في معجم البلدان (النجير) : سأله أن يؤمن أهل النجير و يصالحهم فامتنع عليه و راده حتى أمن سبعين رجلا منهم و يكون حكمه في الباقي نافذا.

و عند الطبري 3/337 و استأمنه له على نفسه، و نفر معه تسعة، على أن يؤمنهم و أهليهم... فأجابه إلى ذلك.

66

و انصرفت إليك، فقال زياد: لا و اللّه!و لكنك جبنت فضعفت و كععت‏[ (1) ]عن الحروب، ألم آمرك أن تضع سيفك فيهم ثم لا ترفعه عنهم و فيهم عين تطرف، فعصيتني و حببت العافية و انصرفت إليّ بأصحابك خوفا من أن تفوتك الغنيمة، قبح اللّه من يزعم أنك شجاع القلب بعد هذا!فغضب عكرمة من ذلك ثم قال: أما و اللّه يا زياد!لو لقيتهم و قد أزمعوا على حربك لرأيت أسودا تحمي أشبالا و تكافح أبطالا ذات أنياب حداد، و مخاليب شداد، و لتمنّيت أنهم ينصرفون عنك و يخلونك، و بعد فإنك أظلم و أغشم و أجبن قلبا و أشحّ نفسا و أيبس، إذ قاتلت هؤلاء القوم و شنئت هذه الحروب بينك و بينهم بسبب ناقة واحدة لا أقل و لا أكثر، و لو لم أغثك بجنودي هؤلاء لعلمت أنك تكون رهين سيوفهم و أسير جوامعهم. قال: ثم نادى عكرمة في أصحابه و همّ بالرحيل، فاعتذر إليه زياد مما تكلم به، فقبل عكرمة عذره.

و نزل الأشعث بن قيس من الحصن في أهل بيته و عشيرته من رؤساء بني عمه مع أهاليهم و أموالهم و أولادهم، فقال زياد: يا أشعث!أ لست إنما سألتني الأمان لعشرة مع أهاليهم و أولادهم و بهذا كتبت لك الكتاب؟قال الأشعث: بلى قد كان ذلك، فقال زياد: الحمد للّه!لم تسألني الأمان لنفسك، و اللّه ما أرى لك في الكتاب اسما و اللّه لأقتلنك!فقال الأشعث: يا أقل الخلق عقلا!أ ترى أنه بلغني من الجهل أن أطلب الأمان لغيري و أتركه لنفسي؟أما إني لو كنت أخاف غدرك لبدأت بنفسي في أوّل الكتاب و لكني أنا كنت الطالب لقومي الأمان فلم أكن أثبت نفسي مع غيري‏[ (2) ]، و أما قولك: إنك تقتلني، فو اللّه لئن قتلتني لتجلبن عليك و على صاحبك اليمن بأجمعها بخيلها و رجلها فينسيك ما قد مضى!فقال له زياد: إني و اللّه لأرجو أن ينظرك أبو بكر الصديق يضرب عنقك فإنّه أهل لذلك يا عدوّ اللّه!فقال له الأشعث: و اللّه يا زياد!لئن يأكلني الأسد أحبّ إليّ من‏[أن‏][ (3) ]يأكلني الكلب- يعني بالكلب هو-، و لكن كيف أنت من تلك الضربات يا زياد التي نالتك مني يوم بارزتني؟قال: فسكت زياد و لم يقل شيئا و ازداد عليه غيظا و حنقا، ثم استوثق منه [ (1) ]كععت: الكع و الكاع: الضعيف العاجز. قال أبو زيد: كععت و كععت و قال ابن المظفر: رجل كع و كاع: هو الذي لا يمضي في عزم و لا حزم، و هو الناكص على عقبيه (اللسان) .

[ (2) ]في الطبري: لما لم يبق إلا أن يكتب نفسه وثب عليه جحدم بشفرة، و قال: نفسك أو تكتبني!فكتبه و ترك نفسه.

[ (3) ]زيادة ليستقيم المعنى.

67

و من أصحابه و دخل الحصن، فجعل يأخذ المقاتلة فيضرب أعناقهم صبرا[ (1) ]، فقال له القوم: أيها الرجل!إنما فتحنا باب الحصن لأن الأشعث خبّرنا أنك أعطيت الأمان فلم تقتلنا؟فقال زياد: كذب الأشعث، ما أثبت أحدا منكم في الكتاب غيره و غير أهل بيته و عشرة من بني عمه، قال: فسكت القوم، و علموا أن الأشعث هو الذي أسلمهم للقتل‏[ (2) ].

قال: فبينا زياد كذلك يضرب أعناقهم إذا كتاب أبي بكر رضي اللّه عنه قد ورد عليه مكتوب فيه‏[ (3) ]: أما بعد يا زياد!فقد بلغني أن الأشعث بن قيس قد سأل الأمان و قد نزل على حكمي، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاحمله إليّ مكرما و لا تقتلن أحدا من أشراف كندة لا صغيرا و لا كبيرا-و السلام.

قال: فلمّا قرأ زياد كتاب أبي بكر رضي اللّه عنه قال: أما إنه لو سبق هذا الكتاب قبل قتلي هؤلاء ما قتلت منهم أحدا، و لكن قد قضى فيه القضاء و القدر.

قال: فكان نهيك بن أوس الأنصاري يقول: لقد نظرت إلى قتلى كندة فلم أشبههم إلا بقتلى قريظة يوم قتلهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم و آله) .

قال: ثم جمع زياد بن لبيد من بقي من بقايا ملوك كندة-و هم ثمانون رجلا- فصفدهم في الحديد و وجّه بهم إلى أبي بكر رضي اللّه عنه، قال: ثم إنه أتى بالأسارى‏[ (4) ]حتى أدخلوا المدينة فأوقفوا بين يدي أبي بكر رضي اللّه عنه، فلما نظر أبو بكر إلى الأشعث بن قيس فقال‏[ (5) ]: الحمد للّه الذي أمكن منك يا عدوّ نفسه! فقال الأشعث بن قيس: لعمري لقد أمكنك اللّه مني!و بعد فإن قومي أطاعوني مخالفا و عصوني محاربا و قد كان منّي ما كان من غيري، و ذلك أن صاحبك زيادا قتل قومي ظلما و عدوانا فكان مني ما قد علمت.

قال: فوثب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: يا خليفة رسول اللّه!هذا الأشعث بن قيس قد كان مسلما آمن بالنبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قرأ القرآن و حج البيت الحرام، [ (1) ]في معجم البلدان: سبعمائة رجل ضرب أعناقهم على دم واحد.

[ (2) ]سماه نساء قومة «عرف النار» كلام يمان يسمون به الغادر.

[ (3) ]مجموعة الوثائق السياسية ص 358 وثيقة 283/ت.

[ (4) ]بعث السبي و الأسارى مع نهيك بن أوس بن خزيمة (معجم البلدان) .

[ (5) ]قارن مع الطبري 3/338-339 و ابن الأثير 2/49 و معجم البلدان (النجير) .

68

ثمّ إنّه رجع عن دينه و غيّر و بدّل و منع الزكاة، و قد

قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم و آله) من بدّل دينه فاقتلوه،

و قد وسّع اللّه عليك فيه فاقتله فدمه حلال، فقال الأشعث بن قيس: يا خليفة رسول اللّه!إني ما غيّرت، و لا بدّلت، و لا شححت على مالي، و لكن عاملك زياد بن لبيد جار على قومي فقتل منهم من لا ذنب له فأنفت لذلك و انتصرت لقومي فقاتلته، و قد كان مني ما كان و إني أفدي نفسي و هؤلاء الملوك‏و أطلق كل أسير في بلاد اليمن و أكون عونا لك و ناصرا ما أبقيت على أن تزوجني‏[ (1) ]أم فروة بنت أبي قحافة فإني لك نعم الصهر، فهذا خير مما يقوله عمر بن الخطاب. قال: فأطرق أبو بكر إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه و قال: إني قد فعلت. قال: ثم أطلقه أبو بكر رضي اللّه عنه من حديده، و أطلق من كان معه من ملوك كندة، ثم أمره فجلس و زوّجه أبو بكر رضي اللّه عنه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، و أحسن إليه غاية الإحسان، فكان الأشعث بن قيس عند أبي بكر رضي اللّه عنه بأفضل المنازل و أرفعها[ (2) ].

و يقال: إن أم فروة بنت أبي قحافة ولدت من الأشعث بن قيس محمد بن الأشعث و إسحاق بن الأشعث و جعدة بنت الأشعث، فأما إسحاق فإنه قتل في أيام عبد الملك بن مروان في بعض الوقائع، و أما محمد بن الأشعث فلم يزل مع عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، و شهد مقتل الحسين بن عليّ عليهما السلام، و قتل في أيام المختار بن أبي عبيد، و ابنه عبد الرحمن بن محمد هو الذي خرج على الحجاج في أيام دير الجماجم.

قال: فكان الأشعث بن قيس إذا ذكر قتلى كندة يتمثل بهذه الأبيات، من جملتها[ (3) ]:

لعمري و ما عمري عليّ بهين # لقد كنت بالقتلى أحق‏[ (4) ]ضنين‏

[ (1) ]في الطبري: 3/339 كان قد خطب أم فروة.. مقدمه على رسول اللّه (ص) فزوجه و أخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول اللّه (ص) و فعل الأشعث ما فعل. فخشي ألا ترد عليه.

[ (2) ]بقي بالمدينة مقيما حتى ندب عمر الناس لقتال الفرس فخرج فيهم، و مات بعد قتل علي (رض) بأربعين ليلة، و قيل مات سنة 42. و له ثلاث و ستون سنة.

[ (3) ]الأبيات للأشعث بن مئناس السكوني قالها يبكي أهل النجير.

[ (4) ]في الطبري: لحق. و بعده:

فلا غرو إلا يوم أقرع بينهم # و ما الدهر عندي بعدهم بأمين‏

69

انقضت أخبار الردة عن آخرها بحمد اللّه و منّه و حسن تيسيره و بعونه، و صلى اللّه على سيّدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

[ () ]

فليت جنوب الناس تحت جنوبهم # و لم تمش أنثى بعدهم لجنين

و كنت كذات البوريعت فأقبلت # على بوها إذ طربت بحنين‏

70

ذكر الفتوحات التي كانت بعد الردة مع الفرس و الروم و أصنافهم من الكفرة

بسم اللّه الرحمن الرحيم قال: فلما فرغ أبو بكر رضي اللّه عنه من حرب أهل الردّة عزم على محاربة الأعاجم من الفرس و الروم و أصناف الكفرة. فكان السبب في ذلك أن أوّل من ألف الحروب من العرب و العجم المثنى بن حارثة الشيباني‏[ (1) ]، و ذلك أن ربيعة من بني شيبان و غيرهم سكنوا العراق من قحط أصابهم بالتهامة و الحجاز، فارتحلت ربيعة إلى العراق من القحط الذي أصابهم فأتت الجزيرة و سكنت اليمامة، قال: فلمّا قدمت ربيعة إلى العراق بعث إليهم كسرى ملك الفرس فدعاهم ثم قال: يا معشر العرب!ما الذي أقدمكم إلى بلدي؟فقالوا: أيها الملك!أصابنا في بلدنا قحط و جهد فرغبنا في مجاورة الملك و فزعنا إلى أرضه و الكينونة في بلده و كنفه و الاتصال بقربه، فإن أذن أقمنا و إلا ارتحلنا. فأذن لهم كسرى في المقام على أنهم لا يفسدون و أنهم يحسنون له الجوار، فضمنوا له ذلك‏[ (2) ]. قال: فنزل بنو شيبان و غيرهم من [ (1) ]هو المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة الشيباني (جمهرة ابن حزم ص 324) .

[ (2) ]جاءت من بني شيبان، فتلا الرسول عليهم: قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.... ثم تلا: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ... فقال المثنى: قد سمعت مقالتك و استحسنت قولك و أعجبني ما تكلمت به، و لكن علينا عهد من كسرى لا نحدث حدثا و لا نؤوي محدثا، و لعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك فإذا أردت أن ننصرك و نمنعك مما يلي بلاد العرب فعلنا. فقال النبي (ص) : ما أسأتم إذا أفصحتم الصدق، إنه لا يقوم بدين اللّه إلا من حاطه بجميع جوانبه. (الطريق إلى المدائن ص 202) .

71

ربيعة أرض العراق فكانوا لا يؤذون أحدا من الفرس، و كذلك الفرس لم يكونوا يؤذون من العرب أحدا، فقاموا على ذلك ما شاء اللّه عز و جل أن يقيموا، ثم إن الفرس جعلت تتعدى على العرب و تؤذيهم غاية الأذى لسبب الملك أنه فيهم، فلم يزالوا كذلك حتى وقعت بينهم الشقاوة و الشحناء، فجعل المثنى بن حارثة الشيباني يغير على أساورة.... [ (1) ]بناحية الكوفة و سوادها و يؤذيهم غاية الأذى و هو يومئذ متمسك بدين الإسلام.

قال: و بلغ أبا بكر رضي اللّه عنه فعاله...... [ (2) ]للمسلمين ويحكم! من هذا الذي تأتينا أخباره و وقائعه قبل معرفة خبره‏[ (3) ]؟قال: فوثب قيس بن عاصم المنقري فقال: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!هذا رجل غير خامل الذكر، و لا مجهول الحسب‏[ (4) ]و لا بقليل العدد و المدد، هذا المثنى بن حارثة الشيباني.

قال: فأرسل إليه أبو بكر رضي اللّه عنه فجعله رئيسا على قومه و بعث إليه بخلعة و لواء و أمره بقتال الفرس‏[ (5) ]. قال: فجعل المثنى بن حارثة يقاتل الفرس من ناحية الكوفة و ما يليها و يغير على أطرافها، فلم يترك لهم سارحة و لا رائحة[ (6) ]إلا استقاها، و أقام على ذلك حولا كاملا أو نحوا من ذلك، ثم إنه دعا بابن عمّ له يقال له سويد بن قطبة بن قتادة بن جرير بن بشار بن ثعلبة بن سدوس فضمّ إليه جيشا و وجهه إلى نحو البصرة، فجعل يحارب أهل أبلّة[ (7) ]و ما يليهم من الفرس.

[ (1) ]مطموس بالأصل.

[ (2) ]مطموس بالأصل، و في فتوح الأزدي ص 53 «خبره و صنيعه بالفرس» .

[ (3) ]في الإصابة: نسبه. (أسد الغابة) .

[ (4) ]في أسد الغابة: 4/299 النسب (انظر فتوح البلدان ص 242) .

[ (5) ]في أسد الغابة و الإصابة: ثم قدم على أبي بكر فقال: ابعثني على قومي أقاتل بهم أهل فارس و أكفيك أهل ناحيتي من العدو، ففعل أبو بكر.

(انظر فتوح البلدان ص 242. و فتوح الأزدي ص 53) .

[ (6) ]السارحة، السرح: المال السائم، و السارحة الإبل و الغنم. قال الليث: السرح المال يسام في المرعى من الأنعام. (اللسان) .

و الرائحة الإبل التي تأوي بعد غروب الشمس إلى مراحها الذي تبيت فيه. تقول: راحت الإبل تروح و تراح رائحة. (اللسان) .

[ (7) ]أبلة: بضم أوله و ثانيه و تشديد اللام و فتحها بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في راوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة (معجم البلدان) .

72

قال: فكان المثنى بن حارثة بناحية الكوفة و ما يليها و سويد بن قطبة من ناحية البصرة و ما يليها، هذا في جيش من بني عمّه‏[ (1) ]جميعا يحاربان الفرس و لا يفتران من ذلك.

ذكر ابتداء مسير خالد بن الوليد رضي اللّه عنه من أرض اليمامة إلى أرض العراق‏

قال: و تكاثرت الفرس عليهم حتى كادوا أن يجلوهم عنها و بلغ ذلك أبا بكر رضي اللّه عنه‏[ (2) ]، فاغتم لذلك و لم يدر ما يصنع، فقال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا خليفة رسول اللّه!عندي رأي أشير به عليك، فقال: و ما ذا يا أبا حفص؟فقال: هذا خالد بن الوليد قد فتح اللّه عز و جل على يديه اليمامة و هو مقيم بها مصاهرا.... [ (3) ]فاكتب إليه و مره بالمسير إلى العراق حتى يطأ لك الفرس بخيله و رجله..... [ (4) ]المثنى بن حارثة و أصحابه فلعل اللّه تبارك و تعالى يكفيك به أمر الفرس. قال: فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه: هذا لعمري رأي.

ذكر كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد رضي اللّه عنهما

قال: فكتب إليه أبو بكر رضي اللّه عنه: بسم اللّه الرحمن الرحيم ..... [ (5) ][ «من عبد اللّه أبي بكر خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى خالد بن الوليد و الذين معه من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان!سلام عليكم!فإني أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد!فالحمد للّه الذي أنجز وعده، و نصر [ (1) ]مطموس بالأصل.

[ (2) ]في فتوح الأزدي ص 53: ثم انه بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر-رضي اللّه عنه-فقدم عليه فقال: يا خليفة رسول اللّه (ص) ، إني رسول أخي المثنى بن حارثة، و إنه يسألك أن تمده، فإنه لم يأته من قبلك مدد، و لو أتاه مدد فسمعت بذلك العرب تسارعوا إليه، و لأذل اللّه المشركين، مع أني أخبرك-أيها الصديق-إن الأعاجم قد خافتنا و اتقتنا، و تتابعت كتبهم إلينا يسألوننا الصلح.

[ (3) ]مطموس بالأصل.

[ (4) ]مطموس بالأصل، و في فتوح الأزدي ص 54 «مع هذا الرجل يعني-المثنى... » .

[ (5) ]بالأصل سقطة طويلة استدركنا ترجمتها من النسخة الفارسية لهذا الكتاب و هي مأخوذة من المخطوطة (مكتبة سالارجنك رقم 144 و 145 تاريخ) . ـ

73

عبده‏[ (1) ]، و أعز وليه، و أذل عدوه، و غلب الأحزاب فردا، فإن اللّه الذي لا إله إلا هو. قال: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‏ََ لَهُمْ [ (2) ]-و كتب الآية كلها و قرأ الآية، وعدا منه لا خلف له، و مقالا لا ريب فيه، و فرض الجهاد على المؤمنين. فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) [ (3) ]-حتى فرغ من الآيات، فاستتموا بوعد اللّه إياكم و أطيعوه فيما فرض عليكم و إن عظمت فيه المؤونة، و استبدت الرزية[ (4) ]، و بعدت المشقة[ (5) ]، و فجعتم في ذلك بالأموال و الأنفس فإن ذلك يسير في عظيم ثواب اللّه‏[ (6) ]!فاغزوا-رحمكم اللّه-في سبيل اللّه‏ خِفََافاً وَ ثِقََالاً وَ جََاهِدُوا بِأَمْوََالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ [ (7) ]-كتب الآية. ألا!و قد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق، فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه و لا تثاقلوا عنه، فإنه سبيل يعظم اللّه فيه لمن حسنت فيه نيته، و عظمت في الخير رغبته. فإذا وقعتم‏[ (8) ] العراق فكونوا بها حتى يأتيكم أمري، كفانا اللّه و إياكم مهمات الدنيا و الآخرة.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته!» -انتهى.

و في النص الفارسي زيادة مؤداها:

«و متى وصلك كتابي هذا أسرع بالتوجه نحو العراق و اتفق مع المثنى بن حارثة و كن معه يدا واحدا و على رأي واحد، و على جميع المسلمين الطاعة و الانتقال معك و سيجزيهم اللّه تعالى في الدارين خير الجزاء» .

ثم استدعى أبا سعيد الخدري‏[ (9) ]و سلمه الرسالة و قال له: اذهب إلى خالد.

[ (1) ]في فتوح الأزدي ص 55: دينه.

[ (2) ]النور آية: 55.

[ (3) ]سورة البقرة آية: 216.

[ (4) ]عند الأزدي: و اشتدت فيه الرزية.

[ (5) ]الأزدي: و بعدت فيه الشقة.

[ (6) ]بعدها في الأزدي: و لقد ذكر لنا الصادق المصدوق (ص) أن اللّه يبعث الشهداء يوم القيامة شاهرين سيوفهم، لا يتمنون على اللّه شيئا إلا أتاهموه حتى أعطوا أمانيهم، و ما لم يخطر على قلوبهم فما شي‏ء يتمناه الشهيد بعد دخوله الجنة إلا أتاه اللّه، إلا أن يردهم اللّه إلى الدنيا فيقرضون بالمقاريض في اللّه العظيم، ثواب اللّه.

[ (7) ]سورة الصف، آية: 11.

[ (8) ]الأزدي: قدمتم.

[ (9) ]هو سعد بن مالك بن سفيان بن عبيد بن ثعلبة الأبجر، صحابي، مكثر الحديث، روى عن

74

و لا تفارقه حتى يتوجه‏[ (1) ]إلى العراق و قل له سرا: بأن يذهب مددا إلى المسلمين الذين يحاربون العجم فلعل اللّه يفتح عليك، و سوف استدعيك متى لزم الأمر، و حيثما كنت فأنت أمير الجيش، و ليس فوقك أمير سواي.

فذهب أبو سعيد إلى خالد و سلمه الرسالة فقال له: يا أبا سعيد، ما أرى هذا رأي الخليفة، بل هو من اجتهاد عمر، لأنه سمع بأني واصلت بني حنيفة «تزوجت فيهم» لذا فقد غضب‏[ (2) ].

و على كل حال، فإن خالدا جمع الجنود و أخذ[ (3) ]يذكر لهم فضائل الجهاد ثم قرأ عليهم أوامر الخليفة فأجابه الجميع: سمعنا و أطعنا.

ثم تحركوا في اليوم و كان الزبرقان بن بدر علي (ينقل) الجيش و كان الصديق قد كتب رسالة إلى المثنى بن حارثة[ (4) ]: بأني قد كتبت لخالد بن الوليد بأن يسرع لإعانتك فأحسن استقباله و اعرف له حقه. و قوله تعالى: أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [ (5) ]تنطبق عليه. و متى وصل خالد إلى العراق فهو الأمير و أنت الوزير، و إذا استدعيه ثانية فأنت الأمير.

و حين وصلت هذه الرسالة إلى المثنى بن حارثة جمع إليه رجاله و أعوانه و قال لهم: لقد كرّمنا الصديق غاية التكريم كما بشّرنا بمجي‏ء خالد، فلنتوقف إذن لحين وصول خالد.

و كان خالد من جهته يغذّ السير حتى وصل إلى حدود البصرة، فاستقبله هناك [ () ]النبي (ص) ، مات سنة 65.

[ (1) ]عند الأزدي ص 65: لا تفارقه حتى تشخصه منها.

[ (2) ]زيد عند الأزدي: فأشار على أبي بكر بأن يحولني من مكاني، لقد أغرى ابن الخطاب بخلافي (أي حبب إليه خلافه) .

[ (3) ]في فتوح الأزدي ص 56: قام في الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي (ص) ثم قال:

الحمد للّه، و اللّه أهله، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أما بعد، فإن خليفة رسول اللّه (ص) كتب إلينا يحضنا على طاعة ربنا، و جهاد عدونا و عدو اللّه، و بالجهاد في سبيل اللّه أنجز اللّه دعوتنا، و جمع كلمتنا و أمنيتنا و الحمد للّه رب العالمين، ألا و أني خارج و معسكر و سائر-إن شاء اللّه-و معجل، فمن أراد ثواب العاجل و الآجل فلينكمش.

[ (4) ]الكتاب في فتوح الأزدي ص 60 و مجموعة الوثائق السياسية ص 371 باختلاف.

[ (5) ]سورة الفتح، آية: 29.

75

(سويدا) [ (1) ]كذا في الأصل مع لفيف من رجاله فأكرمه خالد ثم سأله: دلني على أكبر جمع للعدو في هذه الجهات و أكثرهم عدة و عددا و أشدهم بأسا في الحرب.

فقال سويدا: أيها الأمير، إن «الأبلّة» مملوءة بالحشود، و فيهم شجاعة متهورة. فقال خالد: يجب أن أبدا بهم، لكي يكون مصيرهم عبرة لغيرهم من العرب فلا يرفعون رؤوسهم فقال سويدا: هو كما تقول أيها الأمير.

و حينئذ أمر سويدا بأن يسوق إليهم الجنود ثم إني لاحق بكم و سأفعل ما أراه لازما.

فعبّأ سويدا الجيش و اتجه إلى الأبلة، و خرج إليه أهلها لقتاله و حين حمي القتال بين الطرفين، برز إليهم خالد من مكمنه‏[ (2) ]، و معه جيش المهاجرين و الأنصار و هزموا أهل الأبلة الذين التجأوا إلى الحصن، و قد كانت السيوف من ورائهم و النهر أمامهم. فقتل منهم أربعة آلاف، كما غرق آخرون في الماء و وصلت منهم بقية إلى الحصن.

ثم انطلق خالد من هناك حتى وصل إلى «نباج» [ (3) ]. و نزل قرب بعض العرب من بني بكر، ثم لحق به المثنى بن حارثة و معه جيشه و عدد من ذوي قرابته، فحيّاه خالد و أدنى منزلته و أكرمه غاية الإكرام، ثم ركب خالد و ساق الجيش نحو أطراف الكوفة و سوادها، و قد دبّ الرعب في قلوب العجم، ففتحوا الطريق لخالد و المثنى حتى بلغوا الكوفة، فعسكروا حولها، ثم كتب للأعاجم رسالة مضمونها[ (4) ]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم سلام على من اتبع الهدى. الحمد للّه الذي فرق جموعكم، و اجتث أصول عزتكم و أوقع الخلاف بينكم و بدل شجاعتكم خوفا. اعلموا بأن كل من يترك طريق [ (1) ]في فتوح الأزدي: سويد بن قطبة بن بكر بن وائل.

[ (2) ]عند الأزدي ص 57: قال خالد (لسويد) : إني أمضي عنك حتى إذا ظنوا أني قد جزتك و ذهبت عنك رجعت منصرفا إليك حتى أبيت بعسكرك... فلما أظلم الليل رجع خالد في جوف الليل.

[ (3) ]نباج: منزل لحجاج البصرة، و قيل: النباج: بين مكة و البصرة. و نباج آخر بين البصرة و اليمامة، بينه و بين اليمامة غباق لبكر بن وائل. (معجم البلدان) .

[ (4) ]قارن مع الطبري 3/346 باختلاف و زيادة. و فتوح الأزدي ص 66 و انظر روايات مختلفة للكتاب في مجموعة الوثائق السياسية ص 295.

76

الضلالة و يصلي إلى قبلتنا، و يطيع أوامر ربنا و أوامر رسوله، و يشهد بما نشهد به و يترك عداوتنا فهو منا و نحن منه، و إن دخل ذمتنا و أدّى إلينا الجزية فهو آمن، و أما كل من يريد خصومتنا، فليبرز إلى الميدان، و نحن سنقابله بسيوفنا التي تقطر منها المنايا و السلام.

و حين وصلت هذه الرسالة إلى قادة العجم هاجوا و ماجوا و عجزوا عن الجواب و أخذ خالد في إرسال السرايا إلى الأطراف يغيرون عليها حتى لم يبق فيها شي‏ء من المواشي إلا و أحضروه لخالد. ثم ساق خالد الجيوش نحو الحيرة[ (1) ]فرأى ثمة حصونا منيعة، و رجالا ذوي خبرة بالحرب مع وفور السلاح لديهم فنزل هناك.

فاضطرمت نار الحرب بين الطرفين و حمي وطيسها، و بينما كان خالد منهمكا في الضرب و الطعان قال له ضرار بن الأزور الأسدي‏[ (2) ]: أيها الأمير:

«إن هؤلاء قوم عقولهم ناقصة و هم أعداء أنفسهم فإن رأى الأمير أن يطلب منهم رجلا لمفاوضته و بذل النصيحة له فعسى أن تنجح المفاوضة و تكون النتيجة أفضل.

فأرسل إليهم خالد من قال لهم: اخرجوا إلينا رجلا معروفا لديكم بجودة الرأي و العلم لكي يسمع منا و يبلغكم رسالتنا.

فبعثوا إلى المسلمين رجلا يدعى عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة النسائي‏[ (3) ]. و كان رجلا مهيب الطلعة وقورا و قد جاوز عمره المئتي سنة فوصل إلى خالد و أنشده شعرا في مدح آل غسان و صفة مملكتهم منذ أيام المنذر و آل النعمان و قال:

إن ها هنا مراع لم تصطد فيها الأسود، و قد شربت النمور دواء التقوى و القطعان تستطيع أن ترعى في هذه المروج آمنة مطمئنة، و الطيور تستطيع الطيران [ (1) ]الحيرة: بلد قرب الكوفة بالعراق.

[ (2) ]كذا بالأصل، و قد ذكر أنه قتل باليمامة، و هذا ما ذهب إليه الواقدي قال: و المجتمع عليه عند أصحابنا أن ضرارا قتل باليمامة.

[ (3) ]زيد في فتوح البلدان ص 244 و هاني بن قبيصة بن مسعود الشيباني و إياس بن قبيصة الطائي، و يقال فروة بن إياس. (انظر فتوح الأزدي ص 64 و الطبري 3/345) .

77

تحت سرير قصر الخورنق و الآن: قد تعطلت الأمور. نعم إنه الدهر الدوار و الدنيا لهذا سميت دنيا.

شعر ابن بقيلة من الطبري ج 2 ص 566 طبعة المكتبة التجارية بالقاهرة سنة 1939.

أبعد المنذرين أرى سواما # تروّح بالخورنق و السدير

و بعد فوارس النعمان أرعى # قلوصا بين مرة و الحضير

فصرنا بعد هلك أبي قبيس # كجرب المعز في اليوم المطير

تقسّمنا القبائل من معدّ # علانية كأيسار الجزور

و كنا لا يرام لنا حريم # فنحن كضرة الضرع الفخور

نؤدي الخرج بعد خراج كسرى # و خرج من قريظة و النضير

كذاك الدهر دولته سجال # فيوم من مساءة أو سرور

و حين فرغ عبد المسيح من كلامه قال خالد[ (1) ]: من أنت؟قال: أنا عبد ربي.

فقال: من أين؟قال: من الدنيا. فقال: من أين أتيت؟قال: من صلب أبي.

فقال: من أين وصلت؟قال: من بطن أمي. فقال: في أي شي‏ء أنت؟قال: في ثيابي. فقال: على م أنت؟قال: على الأرض. فقال خالد: لم تزدني إلا حيرة فاصدقني: هل لك عقل أم لا و هل تعقل ركبة البعير أم لا؟فغالطه و حمل كلامه على وجه آخر و قال: إنني أعقل ركبة الجمل و أحكمها. فقال خالد: إنني أكلمك بكلام الناس. فقال الشيخ: و إني أجيبك بجواب الناس. فقال خالد: أنتم من تكونون؟فقال: نحن أولاد آدم فقال خالد: للصلح جئت أم للحرب؟فقال:

للصلح. فقال خالد: هل أنتم عرب أم عجم؟فقال: كنا عربا و صرنا عجما و عجما كنا و عربا صرنا فكبر خالد و قال: الآن فهمت كلامك. و الآن قل لي: هذه الجدران لما ذا رفعتموها؟فقال: كي يستتر وراءها ناقصو العقول و لكي يستطيع العقلاء أن يسمعوا كلامنا، و يمنعوهم عن إيقاع الظلم بنا. فقال خالد: أرى شيئا في يدك فما هو؟قال الشيخ: سم زعاف. فقال خالد: لما ذا حملت السم في يدك؟فقال: من باب الاحتياط فإن وصلت معك إلى اتفاق فكان بها و إلا شربت السم و مضيت في [ (1) ]انظر مقابلة خالد و عبد المسيح في الطبري 3/345 و فتوح الأزدي ص 64-65 و فتوح البلدان ص 244 باختلاف في الألفاظ و التعابير بينها و بين الأصل هنا.

78

سبيلي فإني قد وصلت إلى أرذل العمر فقال خالد: أعطني السم لكي أراه. فأعطاه له ثم تناوله خالد و شربه و قال: بسم اللّه و باللّه رب الأرض و السماء الذي لا يضر معه‏[ (1) ]شي‏ء في الأرض و لا في السماء و في الحال: خرج منه عرق غزير أذهب أثر السم عنه.

و آنذاء قال خالد: أيها الشيخ: اتق اللّه و ادخل في دين محمد فإن معي رجالا.

يستهينون بالموت و لا يبالون ببذل الروح‏[ (2) ].

فقال الشيخ: أمهلني حتى أراجع قومي و أخبرهم بما رأيت ثم أعود إليك.

فقال خالد: اذهب فلما ذهب و التقى بقومه و أخبرهم ما رأى من استهانة المسلمين بالموت حتى إن السم القاتل لا يؤثر بهم، و أنهم يحبون الموت كما تحبون الحياة، فوافقوا على اقتراح عبد المسيح و رضوا بدفع مبلغ مائة ألف درهم و طيلسان شيرويه بن كسرى و قيمته ثلاثون ألف درهم. فأرسل خالد تلك الأموال كلها إلى الصديق رضي اللّه عنه. و كان ذلك أول ما أرسل من أموال العجم للمدينة المنورة.

ثم كتب خالد كتاب الصلح‏[ (3) ]و سلمه إليهم ثم رجع.

و نادى خالد جرير بن عبد اللّه البجلي و جعل تحت قيادته ألف رجل من المهاجرين و الأنصار و عين له موضعا يقال له (بانقيا) [ (4) ]و أمره بالذهاب إليه و كان في ذلك المكان (داذويه بن فرخان) و ذكر في الطبري أنه (صلوبا بن نسطونا) .

و لما وصل جيش جرير إلى شاطئ النهر و أرادوا أن يعبروه إذ جاءهم رجل من (بانقيا) يعرض الصلح على جرير بن عبد اللّه مقابل مائة ألف درهم‏[ (5) ]. فرضي [ (1) ]في الطبري 3/363: مع اسمه داء.

[ (2) ]في الطبري 3/344 قال له خالد و لأصحابه: أدعوكم إلى اللّه و إلى الإسلام. فإن أجبتم اليه فأنتم من المسلمين، لكم ما لهم و عليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة جاهدناكم حتى يحكم اللّه بيننا و بينكم.

[ (3) ]نسخة كتاب الصلح في الطبري 3/364 و انظر الوثائق السياسية ص 379 و فتوح البلدان ص 245.

[ (4) ]بانقيا ناحية من نواحي الكوفة على شاطئ الفرات (معجم البلدان) .

[ (5) ]في فتوح الأزدي: ألف درهم و طيلسان.

و فيه أن خالد كان قد بعث قبل جرير، بشير بن سعد في مائتي رجل فأغاروا عليها و قتلوا فرخزاد بن هرمز، و قد رمي بشير فجرح و عاد إلى خالد جريحا فأرسل خالد عندئذ جريرا إليهم.

79

جرير بذلك. و كتب له كتاب الصلح‏[ (1) ].

ثم هرب داذويه من هناك إلى يزدجرد و أخبره بالأمر الواقع فتألم يزدجرد غاية الألم.

ثم انطلق خالد من ناحيته و استولى على مدينة عين التمر[ (2) ]و سبى كثيرا من الأهالي و أخذ كثيرا من الأموال و المواشي. و كذلك فعل بعدد من الأماكن في العراق و أخرج الخمس من الغنائم و أرسله إلى الصديق و وزع الباقي على أفراد الجيش.

ذكر كيفية الاستيلاء على بلاد الشام في خلافة الصديق رضي اللّه عنه‏

لقد تواترت الأخبار من الشام بأن الروم قد شددوا قبضتهم على بلاد الشام و أعلنوا الفساد، و قد مال الصديق إلى إرسال الجيوش إلى تلك الجهات. لتخليص تلك البلاد من الشر و الفساد. و احتفظ برأيه ذاك إلى يوم جمع فيه العشرة البشرة و عددا من وجهاء الصحابة و خاطبهم قائلا:

(و النص العربي من «حياة الصحابة» ج 1 مختصر بتصرف من تاريخ ابن عساكر 422) [ (3) ].

«إن اللّه عز و جل لا تحصى نعماؤه، و لا تبلغ جزاءها الأعمال فله الحمد، قد جمع اللّه كلمتكم، و أصلح ذات بينكم، و هداكم إلى الإسلام، و نفى عنكم الشيطان فليس يطمع أن تشركوا به، و لا تتخذوا إلها غيره، فالعرب اليوم بنو أم و أب.

و قد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد اللّه المسلمين، و يجعل اللّه كلمته العليا، مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر، لأنه من هلك منهم هلك شهيدا، و ما عند اللّه خير للأبرار، و من عاش عاش مدافعا عن الدين مستوجبا على [ (1) ]في الطبري 3/367 كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا و قومه، و لعله توثيق و تصديق من خالد لما كتب جرير بن عبد اللّه لأهل بانقيا و انظر الوثائق السياسية ص 382.

[ (2) ]عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة منها يجلب القسب و التمر إلى سائر البلاد، و هي على طرف البرية (معجم البلدان) . و انظر تفاصيل عن فتحها في فتوح البلدان ص 248. و الطبري 3/376 و ابن الأثير 2/57.

[ (3) ]حياة الصحابة للكاندهلوي ج 1/383.

80

اللّه ثواب المجاهدين و هذا رأيي الذي رأيته. فليشر امرؤ عليّ برأيه.

فقام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: الحمد للّه الذي يخص بالخير من شاء من خلقه!و اللّه!ما استبقنا إلى شي‏ء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم. قد، و اللّه، أردت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت، فما قضي أن يكون حتى ذكرته، فقد أصبت-أصاب اللّه بك سبيل الرشاد- سرّب‏[ (1) ]إليهم الخيل في إثر الخيل، و ابعث الرجال بعد الرجال و الجنود تتبعها الجنود، فإن اللّه ناصر دينه و معز الإسلام و أهله.

ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه قام فقال: يا خليفة رسول اللّه!إنها الروم و بنو الأصفر حدّ مديد[ (2) ]و ركن شديد، ما أرى أن نقتحم عليهم اقتحاما، و لكن نبعث الخيل فتغير في قواصي أرضهم ثم ترجع إليك، و إذا فعلوا ذلك بهم مرارا أضروا بهم، و غنموا من أداني أرضهم فقعدوا بذلك عن عدوهم، ثم تبعث إلى أراضي اليمن و أقاصي ربيعة و مضر ثم تجمعهم جميعا إليك، ثم إن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك و إن شئت أغزيتهم، ثم سكت و سكت الناس.

ثم قال لهم أبو بكر: ما ترون؟ فقال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: إني أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم صلاحا فاعزم على إمضائه فإنك غير ظنين‏[ (3) ].

و بعد ذلك تكلم كل من طلحة و الزبير و سعد و أبو عبيدة و سعيد بن زيد و من حضر ذلك المجلس من المهاجرين و الأنصار[ (4) ]كلاما بهذا المعنى‏[ (4) ].

و علي رضي اللّه عنه ساكت فقال أبو بكر: ما ذا ترى يا أبا الحسن؟فقال: أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت عليهم إن شاء اللّه. فقال: بشرك اللّه بخير.

و من أين علمت ذلك؟قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول:

[ (1) ]أي أرسل قطعة قطعة.

[ (2) ]حياة الصحابة: حد حديد.

[ (3) ]أي غير متهم. و في الكنز: غير ضنين.

[ (4) ]في حياة الصحابة: صدق عثمان، ما رأيت من رأي فامضه، فإنا لا نخالفك و لا نتهمك، و ذكروا هذا و أشباهه. ـ

81

«لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه، حتى يقوم الدين و أهله ظاهرون» .

فقال: سبحان اللّه!ما أحسن هذا الحديث!لقد سررتني به سرّك اللّه.

ثم التفت الصديق إلى الصحابة و قال:

«أيها الناس. إن اللّه قد أنعم عليكم بالإسلام و أكرمكم بالجهاد، و فضلكم بهذا الدين على كل دين، فتجهزوا عباد اللّه إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمر عليكم أمراء، و عاقد لكم ألوية. فأطيعوا ربكم و لا تخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم و أشربتكم و أطعمتكم، ف إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» . فأجابه خالد بن سعيد و هو أخ لعمرو بن العاص قائلا:

أنت أميرنا و نحن رعيتك، فمنك الأمر و منا الطاعة. فنحن مطيعون لأمرك و حيثما توجهنا نتوجه. فقال الصديق: جزاك اللّه خيرا. تهيأ لقيادة هذا الجيش.

فقبل خالد ذلك و قال: إنني مع إخواني و أبناء عمومتي قد وطّنا العزم على الجهاد في سبيل اللّه و سنبذل ما في وسعنا لجهاد الكفرة. عسى اللّه أن يحقق لنا أملنا أو يكون في ذلك انقضاء آجالنا. و إني أشهدك على ذلك و سائر من حضر. و إننا لا نرجو ثناء من أحد. فأثنى الصديق على موقفه.

(و كان خالد عاملا لرسول اللّه على اليمن) فرأى الفاروق أن حرب الشام تقتضي قائدا أكفأ منه فقال للصديق: يا خليفة رسول اللّه!إن خالدا الذي عينته قائدا لهذا الوجه هو أهل لذلك بلا شك، و لكن في المسلمين رجالا هم أجدر بذلك منه لأن أمر بني الأصفر ليس سهلا، فلديك مثلا أبو عبيدة و هو رجل مجرب و كذلك معاذ بن جبل و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان فالأولى أن يتولى القيادة مثل هؤلاء حتى تأتي النتائج على أفضل وجه‏[ (1) ].

فوافق أبو بكر على اقتراح عمر و استدعى هؤلاء الرجال و قال لهم: يا أبا عبيدة و يا معاذ و يا شرحبيل و يا يزيد: أنتم من حماة هذا الدين و قد فوضت إليكم أمر هذه الجيوش فاجتهدوا في الأمر و اثبتوا و كونوا يدا واحدة في مواجهة عدوكم.

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 128: كره عمر-لما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد-ذلك فكلم أبا بكر في عزله، و قال: إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة و التعصب، فعزله أبو بكر. و انظر الطبري 3/387 و ابن سعد 4/97 و الكامل لابن الأثير 2/63. البداية و النهاية 7/5. اليعقوبي 2/133.

82

ثم قال عمر: يا خليفة رسول اللّه. أرى أن عدد هذا الجيش أقل من أن يواجه الروم فاكتب إلى أهل اليمن ترغبهم في امدادهم. فوافق الصديق على ذلك و كتب إلى أهل اليمن يدعوهم إلى المشاركة في حرب الروم‏[ (1) ].

و حين وصلت الرسالة فأجابوا دعوته و أسرع أربعة آلاف فارس بقيادة قيس بن هبيرة المرادي‏نحو المدينة. فأثنى أبو بكر عليهم. ثم اتجه الجميع نحو مقصدهم و قد شيعهم أبو بكر راجلا مسافة خارج المدينة. فقال له يزيد: يا خليفة رسول اللّه إما أن تركب و إما أن نترجل. فقال أبو بكر: إنني ما سرت إلا ابتغاء مرضاة اللّه و استمر كذلك حتى ثنية الوداع ثم قال ليزيد: يا يزيد اجتهد ما استطعت، و إياك و الجزع، و اعلم بأنك ذاهب إلى أرض العدو فيها كثير، و النعم وافرة، فلا تغفلنّ عن ذكر اللّه بأي حال. و لتكن معه بقلبك. إياكم و قتل النساء و الأطفال و لا تقلعوا نخلا و لا شجرة و حاذر من قتل الشيوخ و الأطفال. و لا تقتل أحدا بدون علة. و لا تخربوا عامرا. كي ينصركم اللّه. الذي هو على كل شي‏ء قدير[ (2) ].

ثم رفع أبو بكر يديه بالدعاء و توجه للقبلة و قال‏[ (3) ]: يا رب لقد خلقتنا من العدم و أبلغت إلينا رسالتك على لسان رسولك محمد صلّى اللّه عليه و سلّم حتى تفقهنا في هذا الدين، و قد رغّبنا بالجنة، و حذّرنا من النار، و قد هدانا بعد الضلالة فصرنا مؤمنين بعد ما كنا غارقين في الكفر. ففضلك علينا عظيم جدا، كنا مفترقين فاجتمعنا بلطفك، و قد أمرتنا بإظهار دينك و إعلاء كلمتك حتى يدخل الناس في هذا الدين، أو يؤدوا الجزية عن يد و هم صاغرون. و الآن ها نحن في سبيلك سائرون، و لرضاك طالبين، نجاهد من لا يعرفك، أو يشرك بك يا إلهي كن للمؤمنين بك عونا و سندا، و أهلك عدونا.

و اجعل أمة محمد جريئة عليهم وثبت أقدام المترددين منا، و زلزل الأرض تحت أقدام عدوّنا، و ألق الرعب في قلوبهم، و ارزقنا أرضهم و ديارهم يا إلهي يا قادر و يا رحمن.

[ (1) ]نسخة الكتاب في فتوح الأزدي ص 8 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 302/ألف ص 396. و أرسل الكتاب مع أنس بن مالك (الأزدي ص 9) .

[ (2) ]انظر وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان فتوح الأزدي ص 12 و فتوح الشام للواقدي 1/7-8 و الكامل لابن الأثير 2/64-65.

[ (3) ]في فتوح الأزدي ص 13: كان أبو بكر-رحمة اللّه عليه-يدعو في كل يوم غدوة و عشية في دبر صلاة الغداة و بعد العصر يقول: و فيه نسخة الدعاء باختلاف في الألفاظ و التعابير.

83

ثم أمر (القادة) بمراعاة أحوال الجنود و تقديم الإخلاص و الاتحاد ثم استودعهم اللّه. و انطلقوا إلى وجهتهم لغزو الروم في بلاد الشام.

ثم وصل الخبر إلى هرقل ملك الروم و قد كان في فلسطين. فأقسم مع نسائه و أولاده على مقتضى دينه و مذهبه بأن يثبتوا في قتال المسلمين، و أنه ما دام يوجد منهم رجل واحد على قيد الحياة فلن يرجعوا و لن يعودوا حتى يفتحوا فلسطين.

ثم استدعى هرقل قادة جيشه و شرح لهم كيفية وصول جيش العرب و قال عنهم: إنهم يملكون فكرة هائلة، و يدّعون أن نبيهم أخبرهم بالنصر على هذه البلاد، و هم بناء لذلك جاءوا إلينا و ليس لديهم شك في بشارة نبيهم‏][ (1) ]. و دينه هدى و فعاله تقى، فلمّا غيّرتم و بدّلتم لجمع فيكم قوم ما كنا نعتد بهم و لا نخاف أن نبتلي بهم، و الآن فقد ساروا إليكم حفاة عراة جياعا نياعا قد أطرهم‏[ (2) ]إلى بلادكم قحط المطر و جدوبة الأرض و سوء الحال، و قد جاءوكم و هم يزعمون أن نبيّهم الذي كان لهم خبّرهم بأنهم ظاهرون على بلادكم و أهلها و قد أتوكم بنسائهم و أولادهم، و هم لا يشكّون في الذي قال لهم نبيّهم أنه سيكون، فخذوا الآن أهبتكم و أعدّوا لهم عدّتكم و سيروا إليهم و قاتلوهم عن دينكم و بلادكم و نسائكم و أولادكم، ألا!و إني شاخص عنكم و أنا ممدّكم بالخيل و الرجال و مؤمر عليكم أمراء فاسمعوا لهم و أطيعوا، قال: ثم بعث هرقل بكتابه إلى دمشق و حمص و أنطاكية و حلب و جميع بلاد الشام فحذّرهم مسير العرب إلى ما قبلهم، ثم جمعهم و حشر منهم خلقا كثيرا.

قال: و سار أبو عبيدة بن الجراح بالمسلمين من المدينة حتى صار إلى وادي القرى‏[ (3) ]فنزل هنالك حتى اجتمع إليه الناس، ثم سار من وادي القرى فأخذ على الأقرع من بلاد الحجر، و هي بلاد صالح النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ثم أخذ على ذات المنار[ (4) ] على الأخضر، ثم الجنينة، ثم على تبوك ثم دخل أرض الشام‏[ (5) ]، و بلغ ذلك [ (1) ]إلى هنا ينتهي النص الذي أخذ عن الترجمة الفارسية.

[ (2) ]كذا.

[ (3) ]وادي القرى: واد بين المدينة و الشام من أعمال المدينة كثير القرى (معجم البلدان) .

[ (4) ]عن فتوح الأزدي ص 29 و بالأصل «ذات المشتاه» و ذات المنار: موضع في أول أرض الشام من جهة الحجاز (معجم البلدان و زيد فيه: نزله أبو عبيدة في مسيره إلى الشام) .

[ (5) ]في فتوح الأزدي: ... و على ذات المنار ثم على زيزا، ثم سار على مآب بعمان فخرج إليه

84

هرقك ملك الروم، فسار ملك الروم من فلسطين في خيله و رجله حتى صار إلى أنطاكية فنزلها.

و بلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح فكتب إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏[ (1) ]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم لعبد اللّه أبي بكر، خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) من عامر بن الجراح‏[سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، ]أما بعد فإني أسأل اللّه عز و جل أن يعزّ الإسلام و أهله عزّا كثيرا[ (2) ]، و أن يفتح للمسلمين فتحا مبينا[ (3) ]، و إني أخبر الخليفة أن هرقل ملك الروم قد تنحّى من بين أيدينا و نزل مدينة يقال لها أنطاكية و قد بعث إلى أهل مملكته، فحشرهم إلى ما قبله و قد اجتمع إليه منهم خلق كثير على الصعب و الذلول‏[ (4) ]و هم يزيدون على ثمانين ألفا سوى ما في سائر المدائن بالشام من الخيل و الجنود، و قد أحببت أن أعلمك لترى فيه رأيك-و السلام‏[عليك و رحمة اللّه و بركاته‏].

قال: فلما قرأ أبو بكر رضي اللّه عنه كتاب أبي عبيدة بن الجراح كتب إليه‏[ (5) ]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أبي عبيدة بن الجراح، أما بعد فقد أتاني كتابك فقرأته و فهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم و نزوله بأنطاكية، فأما نزوله بها فإن ذلك هزيمة له و لأصحابه، و فتح من اللّه عزّ و جلّ عليك و على المسلمين إن شاء اللّه عزّ و جلّ، و أما حشره إليه الجنود من أهل مملكته، و جمعه لهم و لكم الجموع فإنّ ذلك ما كنّا نعلم و تعلمون أنّه سيكون ذلك منهم، و قد علمت يا أبا عبيدة أنه ما كان قوم ليتركوا ملكهم و سلطانهم بغير قتال، و معك بحمد اللّه رجال يحبّون الموت كحبّ الحياة و يحتسبون في حبّهم أبكار نسائهم و عقائل أموالهم، و القهم بهم و لا تستوحش لقلة من معك من [ () ] الروم.... و صالحهم أهل مآب... ثم سار أبو عبيدة حتى إذا دنا من الجابية...

و كان صلح مآب (باب من البلقاء في الكامل لابن الأثير) (الصواب مؤاب) هو أول صلح في الشام.

[ (1) ]فتوح الأزدي ص 30 الوثائق السياسية ص 400 باختلاف بعض الألفاظ و فيه زيادة. و ما أثبت بين معكوفتين زيادة عن الأزدي.

[ (2) ]عند الأزدي: متينا.

[ (3) ]الأزدي: يسيرا.

[ (4) ]الذلول: المراد الخيل بأنواعها، ما يصعب قياده منها و ما سهل.

[ (5) ]الأزدي ص 30-31 الوثائق السياسية ص 400-401. باختلاف.

85

أصحابك، فقد علمت أن رجلا واحدا من المسلمين أكثر من ألف رجل من المشركين، فباشرهم بنفسك، و القهم بجندك فإنّ اللّه عزّ و جلّ معك فثق به فإنه منجز وعده و ناصر عبده، و أنا مع ذلك ممدّك بالخيل بعد الخيل و الجنود بعد الجنود حتى تكتفي إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و السلام‏[ (1) ].

فلمّا أراد أبو بكر رضي اللّه عنه أن يوجّه بالكتاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أقبل إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: إنك قد كتبت إلى أبي عبيدة بهذا الكتاب و علمت أن معاذ بن جبل و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان هؤلاء الثلاثة هم أمراؤك فاكتب إليهم بما كتبت إلى أبي عبيدة و شجعهم على اللقاء لعدوّهم كي لا يجدون في أنفسهم، فكتب إليهم أبو بكر رضي اللّه عنه نسخة واحدة[ (2) ]: أما بعد فقد بلغني جمع الروم بأنطاكية و كثرتهم و احتشادهم بها، و ما قد أزمعوا عليه من أمورهم، و قد علمتم أنا كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فكان اللّه تبارك و تعالى ينصرنا و يمدّنا بالملائكة الكرام الأبرار، و إن ذلك الدين الذي ندعو إليه الناس و نقاتلهم عليه هو هذا الدين، فو ربكم لا يجعل اللّه المسلمين كالمجرمين، و لمن‏[ (3) ]شهد بشهادة الحق كمن يعبد الصلبان و يكفر بالرحمن، و قد كتبت إلى أبي عبيدة بن الجراح بنظير هذا الكتاب، فانظروا إن قضى اللّه عزّ و جل لكم مع الروم حروبا فالقوهم بقلوب شديدة، و آراء عتيدة فإنّ اللّه عزّ و جلّ معكم، و لن يخذلكم و قد خبركم في كتابه إنّ الفئة القليلة من أوليائه تغلب الفئة الكثيرة من أعدائه، فثقوا باللّه و ارضوا به، و أنا مع ذلك ممدّكم بخيل و رجال حتى تكتفوا و لا قوة إلا باللّه‏[ (4) ].

قال: ثم وجه أبو بكر رضي اللّه عنه بهذه الكتب الثلاثة إلى أمراء الأجناد شرحبيل بن حسنة و معاذ بن جبل و يزيد بن أبي سفيان.

قال: ثم دعا أبو بكر بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص و هو ابن أخي سعد بن أبي [ (1) ]في فتوح الأزدي ص 31 بعث بهذا الكتاب مع دارم العبسي.

[ (2) ]في فتوح الأزدي أن هذا الكتاب بعثه أبو بكر إلى يزيد بن أبي سفيان جوابا على كتاب يزيد إليه (نسخته في الفتوح للأزدي ص 31 و الوثائق السياسية ص 401) . و نسخة كتاب أبي بكر هذه في فتوح الأزدي 31-32 و الوثائق السياسية ص 402 باختلاف و زيادة.

[ (3) ]عند الأزدي: و لا من يشهد أن لا إله إلا اللّه كمن يعبد معه آلهة آخرين. و يدين بعبادة آلهة شتى.

[ (4) ]بعثه مع عبد اللّه بن قرط الثمالي (الأزدي) .

86

وقاص فقال: يا هاشم!إن من سعادة جدك، و وفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوّها، و ممن يثق الوالي بوفائه و صدقه و نصحه و بأسه و شجاعته، و قد بعث أبو عبيدة بن الجراح و المسلمون يخبرونني باجتماع الكفّار عليهم، فاخرج فعسكر حتى أندب إليك الناس إن شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه، قال هاشم بن عتبة: أفعل ذلك إن شاء اللّه و لا أعصي لك أمرا.

قال: فعندها قام أبو بكر رضي اللّه عنه في الناس خطيبا، فحمد اللّه عزّ و جلّ و أثنى عليه، ثم قال‏[ (1) ]:

أيها الناس!إن إخوانكم من المسلمين الذين أغزيناهم إلى الشام إلى جهاد عدوّهم معافون، مدفوع عنهم، مصنوع لهم، قد ألقى اللّه الرعب في قلوب أعدائهم و قد جاءني كتاب أبي عبيدة يخبرني بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم، و نزوله مدينة أنطاكية، و قد اجتمع عليه خلق كثير من النصرانية، و قد رأيت أن أمدّ إخوانكم بجند منكم فيشدّ اللّه عزّ و جلّ بكم ظهورهم، و يكبت بكم أعداءهم، و يلقي الرعب في قلوبهم، فانتدبوا، رحمكم اللّه، مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، و احتسبوا في ذلك الأجر العظيم، فإنكم إن قاتلتم و نصرتم فهو الفلح‏[ (2) ] و الغنيمة و إن هلكتم فهو الشهادة و السعادة.

قال: فانتدب لأبي بكر خلق كثير من همدان و أسلم و غفار و مزينة و مراد و الأزد و جميع القبائل‏[ (3) ]، و فيمن انتدب إليه يومئذ رجل من الأزد يقال له الهلقام بن الحارث بن معمر بن النضر بن خليد التكي‏[ (4) ]و كان يعدّ بألف فارس، و له قصة عجيبة من قبل إسلامه، ذكر أنه كان بدء أمر الهلقام بن الحارث أن العرب في الزمن الأول كانت يغير بعضها على بعض و يقتل بعضها بعضا.

ذكر الهلقام بن الحارث و ما كان من أمره قبل إسلامه رواه بعض العلماء عن آخر

قال: و لم يكن في ذلك العصر في قيس غيلان خاصة أفرس من هؤلاء الثلاثة [ (1) ]خطبته في فتوح الأزدي ص 34. قارن هناك.

[ (2) ]عند الأزدي: الفتح.

[ (3) ]كانت عدتهم ألف رجل (فتوح الأزدي) .

[ (4) ]كذا. ـ

87

عامر بن الطفيل العامري، و عنترة بن شداد العبسي، و العباس بن مرداس السلمي، و كانوا مولعين بالغارة على أحياء العرب.

قال: فاجتمعوا على ذلك ثمّ إنّهم خرجوا و خرج معهم ألف رجل من أخيار قيس و شجعانهم فلم يزالوا يسيرون، فلم يأتوا على حيّ من أحياء العرب إلاّ أبادوهم، و أوجعوهم بالأسر و القتل يذلّون العرب ما يفلت منهم أحد إلا مأسورا أو مقتولا أو مفلولا أو مغلوبا. قال: فجمعوا من الغنائم ما لم يجمعه أحد في عمره، ثم إنهم أتوا أجمعين يريدون بلادهم فجعلوا يفتخرون بما صنعوا بالناس، و يقولون في ذلك الأشعار و يذكرون جلادتهم، و صبرهم في الحرب، و قتلهم الأبطال، و أخذهم الأموال. قال: فأوّل من تكلم منهم و فخر بقومه عامر بن الطفيل العامري، قال: ثم تكلم العباس بن مرداس السلمي، قال: ثم تكلم عنترة بن شداد و فخر بقومه.

قال: فلم يزالوا سائرين بالغنائم و الأموال حتى نزلوا واديا قريبا من أرض اليمن يقال له «السّليّ» [ (1) ]فلمّا استقرّ بهم الموضع نظروا فإذا هم بخيمة قد لاحت لهم قريبة منهم، فأرسلوا ثلاثة نفر من أصحابهم لينظروا ما هي و من فيها، فأقبل ثلاثة نفر إلى الخيمة فإذا هم بعجوز قاعدة فكلموها فلم تكلمهم، فقال أحد الثلاثة لصاحبه:

انزل عن فرسك فانظر من في هذه الخيمة، فنزل و مشى نحو باب الخيمة، فصاحت به العجوز: وراءك!فلم يفعل حتى صار إذا قريبا من باب الخيمة فوثبت إليه العجوز فضربت بيدها إلى جنبه ثم رفعته فضربت به الأرض فإذا هو ميّت، فنزل الثاني و مضى إلى صاحبه فنظر إليه ميتا فلم يرجع لكنه مشى نحو الخيمة، فصاحت به العجوز: وراءك قليلا لا ألحقك بصاحبك، فلم يفعل و دنا من باب الخيمة فرفعت العجوز يدها و وكزت في صدره وكزة فإذا هو قد خرّ ميتا، فلما رأى الثالث انصرف إلى أصحابه فخبرهم بذلك.

قال: فركب عامر بن الطفيل و العباس بن مرداس و عنترة بن شداد في قريب من مائة فارس من أبطال قومهم و خلفوا الباقين من أصحابهم عند الغنائم و الأمتعة، فلمّا نظرت العجوز إلى هؤلاء المائة قد أقبلوا صاحت و قالت في صيحتها: يا هلقام! [ (1) ]السلي: بتشديد اللام و الياء موضع في بلاد عامر. و السلي: بضم أوله و فتح ثانيه و تشديد يائه بين اليمامة و هجر.

88

الحزم، الحزم، قال: فاقشعرّ القوم من صيحة العجوز و إذا بجارية قد أطلعت رأسها من الخيمة كأنها القمر في ليلة البدر حسنا و جمالا فقالت: يا هؤلاء!انصرفوا من حيث جئتم من قبل أن يأتيكم الليث الهصور، قال: فضحك عامر من تهديدها إياهم ثم أقبل على العباس بن مرداس فقال: ويحك يا عباس!ما أظن العرب و العجم ولدت مثل هذه الجارية فانزل إلى هذه الجارية فإما تقتل و إما نعينك، فقال العباس: و إن قلت هذا و افتخرت فأنت قد قلت و هذا عنترة أيضا قد قال، و هذا وقت يختبر فيه الأبطال فانزل يا عامر و يا عنترة و أنا معكما.

قال: فبينما هم كذلك في المحاورة و إذا هم بغلام أمرد قد طلع عليهم من شعب في ذلك الوادي كأنه الشمس الطالعة بهاء و جمالا و حسنا على فرس له أدهم أغر محجل و في يده رمح يجرّه من طوله و في رأس الرمح سنان كأنه شعلة نار، و للغلام ذؤابة قد سقطت على عجز الفرس و عليه قميص و إزار و معه ثلاثة عبيد له سود يمشون بين يديه، فلما نظر إلى الخيل قد أحدقت بباب الخيمة جعل يزئر كالليث المغضب عند فريسته و هو في ذلك.

قال: ثم دنا من القوم فقال: ما بغيتكم؟فلا و اللات و العزّى ما عندي إلا شويهات يسيرة و عشرة من الإبل و ثلاثة أفراس و سلاحي و عبيدي هؤلاء و أمي و أختي و أهلي هي بنت عمي!فانصرفوا عني و لا تهيجوني، فإن كنتم قد حدثتكم أنفسكم و ظننتم أنكم تأخذون مني شيئا فبئس ما ظننتم، فقال عامر بن الطفيل: من أنت يا غلام؟قال الغلام: أنا الهلقام بن الحارث بن معمر بن النضر بن خليد الأزدي أحد بني العتيك بن الأزد و ابن عمي سبرة بن قرة فارس العنقاء الذي أغار على أحياء العرب فأسر ثم أطلقهم بعد ذلك عن مقدرة، فقال عامر بن الطفيل: فكيف اخترت هذا الوادي فنزلته منقطعا عن الناس؟فقال: إني جنيت في قومي جناية، قتلت منهم فرحلت عنهم بأختي و أمي و أهلي و مالي حتى نزلت هذا الوادي فقلت: أكون فيه مقيما إلى أن ترضى بنو عمي فيصفحون عن دم قتيلهم ثم أعود إليهم، و لكن خبروني من أنتم؟فقال له: أنا عامر بن الطفيل العامري، و هذا عنترة بن شداد العبسي، و هذا العباس بن مرداس السلمي و مع كل واحد منا وجوه قومه و أشراف عشيرته.

قال: فتبسم الغلام ضاحكا ثم قال: و اللّه!ما كنت بالذي أبالي بكم و لو كان معكم ابن عمي عمرو بن معدي كرب الزبيدي فإنه أشد منكم جأشا، و أجرأ منكم جنانا، و أشجع منكم قلبا، و لقد أقررتم له بذلك عند النعمان بن المنذر و خضعتم له‏

89

صاغرين، فقال له عامر بن الطفيل: و ما علمك أنا أقررنا له؟فقال: علمني شعرك حين فضلته على نفسك، قال: ثم أقبل الغلام على العباس بن مرداس السلمي فقال له: يا عباس!أ لست القائل يوم فضلت عمرا على نفسك، قال: ثم أقبل الغلام على عنترة بن شداد و قال له: و أما أنت يا عنترة فإنك لم تشهد ذلك المشهد و الكذب عار على الأحرار، قال: فقال له عامر بن الطفيل: حسبك يا غلام من كثرة القول، أما ما ذكرت من تفضيلنا عمرا على أنفسنا فلعمري لقد كان ذلك في وقت من الأوقات و لم نجد بدا من تفضيله، و لكن ما أنت و عمرو و لست كعمرو و لا دون عمرو و إنما أنت صبي من الصبيان فخل عن أختك و أهلك و انج بنفسك و خدمك و أمك و سائر أموالك، فقال الغلام: أ يجوز هذا يا عامر أن أخلي عن أختي و أهلي و قد أوصاني.... [ (1) ]بحفظ الجار، و طلب الثأر، و نفي العار، و منع الدمار، لسنا و اللاّت و العزّى كأولاد قيس غيلان، إنما نحن ولد قحطان، أصحاب الضراب و الطعان، ملوك الشرق و الغرب، و أحلاس‏[ (2) ]الوخز و الضرب، ما أنتم عندي إلا كما قال سيدكم عمرو بن معدي كرب حيث يقول-شعر:

و اللّه ما لبني غيلان مكرمة # فرع قديم و لا أس بتأسيس‏

قال: فغضب عامر بن الطفيل من قوله غضبا شديدا و همّ أن يحمل عليه ثم خشي أن يغلبه الغلام فتكون فضيحة و مسبة عليه، فأقبل على أصحابه و قال لرجل يقال له «ضمضم» : يا ضمضم!اخرج إلى هذا الغلام فاكفنا أمره، فخرج ضمضم نحو الهلقام و هو يرتجز، فبدر إليه الهلقام بن الحارث و هو يرتجز، فالتقيا بطعنتين طعنه الهلقام طعنة أرداه عن فرسه قتيلا.

قال: فاغتم القوم بقتل ضمضم بن عاصم العامري غمّا شديدا، فأقبل عنترة بن شداد على رجل من بني عبس يقال له «عمرو بن دعامة» فقال: ويحك يا عمرو!اخرج الى هذا الكلب فاكفنا أمره، فخرج عمرو بن دعامة نحو الهلقام و هو يرتجز، قال: فبدر إليه الهلقام بن الحارث، قال: و التقيا بطعنتين طعنه الهلقام طعنة فقتله، ثم جال جولة و وقف.

[ (1) ]كذا. بياض بالأصل.

[ (2) ]أحلاس: جمع حلس، هو الملازم لا يبرح القتال. يقال: فلان من أحلاس الخيل أي هو في الفروسية و لزوم ظهر الخيل كالحلس اللازم لظهر الفرس. (اللسان) .

90

قال: فلمّا نظر العباس بن مرداس السلمي إلى هذا الغلام و قد قتل رجلا من بني عامر، و رجلا من بني عبس أقبل على رجل من فرسان بني سليم يقال له «حرشل بن زياد» فقال له: ويحك يا حرشل!و اللات و العزى إني لأعلم أنه ما يقوم لهذا الغلام أحد سواك فإن رأيت أن تشفي صدور بني عمك منه فعلت منعما! قال: فخرج حرشل بن زياد السلمي نحو الهلقام بن الحارث و في يده حربة له كالشهاب فجعل يلعب بها و يقلبها و تحته فرس له أشقر و هو يرتجز، قال: فبدر إليه الهلقام بن الحارث و هو يرتجز، قال: و التقيا بطعنتين طعنه الهلقام‏[طعنة]قتله، ثم وقف في ميدان الحرب ثم دعاهم إلى البراز، فلم يزل يخرج إليه رجلا بعد رجل حتى قتل منهم بضعة عشر رجلا.

قال: و امتلأ القوم غيظا و غضبا و ندموا على مجيئهم إليه، و خشوا العار أن ينصرفوا عنه و هم فرسان و سادات من سادات العرب، ثم إنهم همّوا بالحملة عليه، قال: و أحس الغلام بذلك فقال: يا معشر العرب!أما تستحون من هذا الذي أزمعتم عليه؟إن كنتم تريدون ذلك فارقبوا عليّ قليلا حتى أفرغ عليّ سلاحي، فقال له عامر بن الطفيل: قد فعلنا ذلك فأته إلى ما تريد، قال: فقنع الغلام فرسه و مضى موليا نحو باب الخيمة فصاح و قال: يا أمه!هلمّي سلاحي، ثم نزل عن فرسه و القوم قد أمهلوه و ينظرون إليه فخرجت إليه بالدرع فأفرغته عليه و ناولته ابنة عمه السيف و أعطته أخته عمامته فاعتجر بها، ثم تناول رمحه و استوى على فرسه كالبرق الخاطف، ثم أقبل نحو القوم، قال: ثم إنه حمل عليهم ففرق جمعهم و جعل يكرّ عليهم و يكرّون عليه حتى أثخنوه بالجراحات، ثم حمل عليه عامر بن الطفيل و التقيا بطعنتين طعنه الهلقام طعنة نكسه عن فرسه، و حمل عليه عنترة بن شدّاد ليطعنه فكبا بعنترة فرسه فإذا هو في الأرض، فانهزم الباقون من بين يديه و فيهم العباس بن مرداس السلمي.

قال: و صاحب الهلقام بغلمانه فأقبلوا إليه يحصرون فقال: دونكم هذين الكلبين فاكتفوهما، قال: فكتف عامر بن الطفيل و عنترة بن شداد.

قال: و مرّ الهلقام في طلب القوم فإذا هم يسوقون الغنائم سوقا عنيفا، فلما نظروا إليه قد وافاهم رجعوا عنها، فجاولوه و جاولهم و طاعنوه و طاعنهم و جرحوه و جرحهم، ثم قال: و اللاّت و العزّى و حقّ أنصار اليمن لا رجعت عنكم دون أن أقتل أو أبيدكم أو تدفعون إليّ العبّاس بن مرداس أسيرا!و إذا فعلتم ذلك رجعت عنكم،

91

و إلا فهذا دأبي و دأبكم أبدا فكونوا من ذلك على يقين. قال: فبادر القوم إلى العباس بن مرداس فأحاطوا به من كلّ جانب حتى نكسوه عن فرسه ثم كتفوه و دفعوه إليه و مضى القوم على وجوههم.

و أقبل الهلقام بالعباس إلى موضع الوقعة و غلمانه وقوف على عامر بن الطفيل و عنترة بن شداد، فقال لغلمانه: اجمعوا عليّ ما قدرتم عليه من غنائم هؤلاء القوم، فجمع غلمانه شيئا مما تخلف عن القوم، فجعل الهلقام يسوق الغنائم بين يديه و هؤلاء الثلاثة يساقون مع الغنائم نحو باب الخيمة و الهلقام من ورائهم و قد رفع صوته ثم نزل عن فرسه على باب الخيمة، فخرجت إليه بنت عمه فجعلت تمسح وجهه بردائها، و خرجت إليه أخته فأخذت عنه سلاحه، و تقدّمت إليه أمه فقبّلت بين عينيه، ثمّ إنها حطت عن الفرس السرج و اللجام و أقامتها على مذودها[ (1) ].

قال: و قعد الهلقام ثم دعا بالطعام فأكل، فلمّا فرغ من طعامه أمر فقرب إلى هؤلاء الثلاثة المائدة بعد أن أطلقهم من كتافهم فأكلوا، فلمّا فرغوا من طعامهم أمر بهم فأعيدوا في كتافهم، ثم رفع صوته.

قال: فمكث هؤلاء القوم في يده شهرا كاملا و نحو ذلك لا يكلمهم و لا يسألهم عن شي‏ء غير أنه يجري عليهم من الطعام ما يقوتهم، و القوم يمنعهم الحياء أن يسألوه التخلية عنهم بما كانوا ارتكبوا منه و تعرضوا لحرمته و بغوا عليه.

فلما كان بعد شهر اتصل الخبر ببني عمه فسرّهم ما كان منه، ثم إنهم صفحوا عنه و عن دم قتيلهم، و سألوه أن يصير إليهم، فتهيأ لذلك و هيّأ الرواحل لأمه و أخته و امرأته و غلمانه، ثم أمر أن تهيأ ثلاثة رواحل لهؤلاء الثلاثة ليحملهم إلى قومه، فشقّ ذلك عليهم و جعل عامر بن الطفيل يقول لعنترة و للعباس بن مرداس: ويحكما إنه متى حملنا هذا الغلام إلى قومه فذاك هو العار الذي لا يغسل عنا أبدا و لكن ذروني أتكلم بما أريد فأسأله الصفح فلعله أن يفعل، فقالا له: شأنك يا عامر، فخرج إليه عامر بن الطفيل و الفتى قاعد على باب الخيمة فحيّاه بتحية الجاهلية ثم قال له:

يا سيد الفتيان كلها قاطبة غير مدافع أ تأذن لأسيرك في الكلام؟فقال له الهلقام:

تكلم ما أحببت، فأنشأ عامر بن الطفيل يقول أبياتا من جملتها:

[ (1) ]مذود الدابة: معلفها. و مذود الثور: قرنه (اللسان) .

92

فامنن عليه يا ابن نضر الخير # بالعفو و الرضاء و التيسير

خلّ سبيل الحامد الشكور

قال الهلقام: إني قد فعلت يا غلام!خل سبيله و اردد عليه فرسه و سلاحه، قال: فأنشأ عنترة بن شداد يقول أبياتا، من جملتها:

جاء على أجرد أعوجي # مثل هزبر غالب خيسيّ

قد طال حبس الجائر الشقي # خلّ سبيل الشاكر الوفي‏

فقال الهلقام: قد فعلت يا غلام!حلّ كتافه و اردد عليه فرسه و سلاحه، قال:

فأطلق الغلام سبيله و ردّ عليه فرسه و سلاحه، قال: ثم أنشأ العباس بن مرداس أبياتا من جملتها:

و الضرب عند الحرب بالصمصام # قد طال حبس..... [ (1) ]المجرام

فامنن عليّ و اغتفر اجرامي‏

فقال الهلقام: قد فعلت، يا غلام فحلّ عنه كتافه و اردد عليه فرسه و سلاحه.

قال: فأطلق سبيلهم وردّ عليهم أسلحتهم و أفراسهم، ثم دعاهم و أجلسهم بين يديه، ثم قال: اعلموا أني لست كأنتم من الناس، و لا أقاس بأمثالكم في الشدّة و النجدة و الشجاعة و البأس، و لكنّي إنما نصرت عليكم لأنكم وافيتموني في الشهر الحرام فتعرضتم لحرمتي، و أردتم هتكي و فضيحتي فنصرت عليكم للذي كان من بغيكم في الشهر الحرام، و لعمري بي لفعلتم غير أني لم أحب أن تتحدث العرب بذلك و يقول بعضها لبعض: إن الهلقام لئيم الظفر، و هذه غنائمكم خذوها إليكم و انصرفوا إلى قومكم و لا تحدّثوا أحدا بالذي كان منكم لأني لا أحدث أحدا مع أني أعلم أنه حديث لا ينكتم.

فانصرف القوم إلى بلادهم و انصرف الهلقام إلى بلاده و قومه و بني عمّه من الأزد و شاع خبره و خبر هؤلاء القوم في قبائل العرب فتحدّثوا به و دار في أفواه أهل الأدب.

فأما عنترة بن شداد العبسي مات و لم يدرك الإسلام، و أما العباس بن مرداس فإنه [ (1) ]بياض بالأصل. ـ

93

رزق الإسلام‏[ (1) ]و كان مع النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و غزا في عشرين غزوة، و قاتل في يوم حنين قتالا شديدا إلى أن مضى لسبيله، و أما عامر بن الطفيل فإنه أدرك الإسلام و لم يسلم‏[ (2) ]، و أما هذا الفتى الهلقام فإنه لم يزل في ديار قومه ثم أسلم و بطي‏ء عن القدوم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى مضى لسبيله، ثم كانت الردة فلم يشهد شيئا منها، ثم قدم على أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في وفد اليمن، فلمّا ندب أبو بكر الناس إلى حرب الروم كان هذا هلقام ممن انتدب مع سبعين رجلا من قومه و بني عمّه فصار في جيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.

ثم رجعنا إلى الخبر الأول، فلمّا نظر أبو بكر رضي اللّه عنه إلى كثرة من أجابه من المسلمين قال: الحمد للّه على صنعه لهذه الأمة فإنه ما زال يرتاح لهم مدد من أنفسهم يشدّ اللّه به ظهورهم و يقصم به عدوّهم.

قال: . و جعل الناس يجتمعون إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حتى صار في قريب من ثلاثة[ (3) ]آلاف، فلمّا همّ بالمسير أقبل عليه عمّه سعد بن أبي وقاص فقال له: يا ابن أخي!إنك خارج في هذا الجيش، و معك سادات العرب فإياك و الاستطالة على أحد منهم فلست أفضل من غيرك إلا بالتقى. و انظر إذا لقيت عدوّك فلا تضربنّ ضربة و لا تطعننّ طعنة و لا ترمين بسهم إلا و أنت تريد بذلك وجه اللّه عزّ و جلّ فإنّك خارج من الدنيا و شكا[ (4) ]و راجع إلى دار الآخرة و لدار الآخرة خير للمتّقين، فلم يصحبك من هذه الدنيا إلا قدم صدق قدمته، يا ابن أخي، و عمل صالح قدمته‏[ (5) ]و السلام. قال هاشم بن عتبة: يا عمّ!إن تعدّيت وصيتك فإنّي إذا لمن الخاسرين، أ تراني يا عمّ ارتحالي إلى عدوّي و رواحي و بكوري و سعيي‏[ (6) ] و جلادي و ضربي بسيفي و طعني برمحي رياء للناس!كلا يا عمّ!لا تظنّ بي هذا.

قال: فودّعه عمّه و أقبل إليه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ليودّعه فأوصاه و عهد [ (1) ]أسلم قبل فتح مكة بيسير، و هو من المؤلفة قلوبهم. (أسد الغابة 3/112) .

[ (2) ]أسد الغابة 3/84.

[ (3) ]في فتوح الأزدي ص 34: «ألف» .

[ (4) ]عند الأزدي: رشيدا.

[ (5) ]الأزدي: أسلفته.

[ (6) ]الأزدي: و سيفي.

94

إليه ثم قال‏[ (1) ]: يا هاشم!إنّا كنّا فيما مضى ننتفع من الشيخ الكبير بمشورته و رأيه و حسن تدبيره و ننتفع من الشابّ الحدث ببأسه و صبره و بنجدته، و قد جمع اللّه لك هذه الخصال كلّها، فأنت بحمد اللّه حدث السن شجاع القلب مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوّك غدا فاصبر و صابر، و اعلم بأنك لم تخط خطوة و لم تنفق نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا تقطع واديا، و لا يصيبك مخمصة في سبيل اللّه إلا كتب لك بها عمل صالح!إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

فقال هاشم: إن يرد اللّه بي خيرا يجعلني كذلك، و بعد يا خليفة رسول اللّه! فإني‏[ (2) ]أرجو أن أقبل، فقال أبو بكر: وفّقك اللّه للخير، يا هاشم!إنك سائر إلى أبي عبيدة بن الجراح و قد صحبك رجل من المعدودين في الجاهلية بالشجاعة و النجدة يقال له هلقام بن الحارث الأزدي، و أنا أوصيك به خيرا فإنّه رجل يعدّ بألف فارس غير مدافع فلا تشكه في نفسك و ألن له جانبك و اخفض له جناحك، و قد صحبك أيضا رجل عظيم الشرف ذو بأس و نجدة و شدة و شجاعة و هو قيس بن هبيرة[ (3) ] فأحسن صحبته في طريقك ما استطعت، و إذا قدمت إلى أبي عبيدة فأقرئه مني السلام و مره أن يدنيه و يلطّف به و يستعين برأيه فإنّه رجل لا يملأ قلبه شي‏ء، فقال هاشم بن عتبة: أفعل ذلك إن شاء اللّه عزّ و جلّ و لا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم.

قال: ثم أقبل أبو بكر رضي اللّه عنه على قيس بن هبيرة فقال له: يا قيس! إنّك خارج مع هاشم بن عتبة و قد أوصيته بك و قد أمرته أن يأمر أبا عبيدة بالوصاة بك و إلاّ بمشورتك فإذا قدمت إن شاء اللّه فلا تعصين له أمرا فإنّه لا يأمرك إلا بخير، و هو الأمير الذي إن ظلم لم يظلم و إن أسي‏ء إليه غفر و إن قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، و قد بلغني عنك أنّك فارس مجرب و قد كان ذلك عنك في زمن الجاهلية، و ليس في ذلك إلا الإثم و القطيعة للرحم، فاجعل بأسك اليوم في الإسلام‏[ (4) ]على من كفر باللّه و عبد غيره، و قد جعل اللّه عزّ و جلّ في الجهاد الأجر العظيم.

[ (1) ]فتوح الشام للأزدي ص 34.

[ (2) ]في فتوح الأزدي: و أنا أرجو إن أنا لم أقتل أن أقتل، ثم اقتل إن شاء اللّه.

[ (3) ]في فتوح الأزدي أن قيس بن هبيرة صحب أبا عبيدة، و قد أوصى أبو بكر أبا عبيدة به، انظر مقالته فيه ص 26.

[ (4) ]في الأزدي: على المشركين، و على من كفر....

95

قال: ثمّ أقبل أيضا على الهلقام بن الحارث ليوصيه فقال: يا خليفة رسول اللّه!لا توصني بشي‏ء فقد سمعت وصيتك فإن‏[ (1) ]بقيت و أخّر اللّه عزّ و جلّ في الأجل فسيبلغك من حيطتي على الإسلام و المسلمين و جهادي في المشركين ما يسرّك اللّه عزّ و جلّ به و يرضيك عنّي إن شاء اللّه و لا قوّة إلا باللّه.

قال: ثم سار هاشم بن عتبة في ثلاثة آلاف مجهّز حتّى قدم على أبي عبيدة بن الجراح، قال: فسرّ أبو عبيدة و جميع المسلمين بقدوم هاشم بن عتبة و من معه سرورا شديدا.

و أقبل إلى أبي بكر رضي اللّه عنه رجل من خيار المسلمين يقال له سعيد بن عامر بن جديم‏[ (2) ]فقال‏[ (3) ]: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!إنه بلغني أنك أردت أن تبعثني في هذا الوجه، ثم إني رأيتك و قد أمسكت عن ذلك فلا أدري لأي شي‏ء كان ذلك منك!فإن كنت تريد أن تبعث أحدا فأذن لي أن ألحق بجماعة المسلمين فإني راغب في الجهاد، قال فقال له أبو بكر: يا أبا عمرو!إني لأرجو أن يرحمك اللّه فإني‏[ (4) ]ما علمت إلا أنك من المتواضعين المحبّين الذاكرين اللّه عزّ و جلّ كثيرا[ (5) ] فاخرج رحمك اللّه يا أبا عمرو و اضرب عسكرك خارج المدينة فأنت أمير على كل من تبعك.

قال: فخرج سعيد بن عامر حتى عسكر خارج المدينة في سبعمائة رجل، فلمّا أراد الرحيل إلى الشام أقبل بلال مؤذّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقال‏[ (6) ]: يا خليفة رسول اللّه!يا ولي نعمتي!إنك إنما أعتقتني لأقيم معك و أؤذّن [ (1) ]نسب الأزدي هذا القول إلى قيس بن هبيرة يرد على ما أوصاه به أبو بكر الصديق.

[ (2) ]كذا بالأصل، و في فتوح الأزدي ص 35 «حذيم» .

[ (3) ]و كان قد بلغه أن أبا بكر يريد أن يبعثه فلما أبطأ عليه، و مكث أياما لا يذكر له أبو بكر شيئا قال (عن فتوح الشام للأزدي ص 35) .

[ (4) ]في فتوح الأزدي ص 36 فإنك ما علمت من المتواضعين، المتواصلين، المجتنبين، المجتهدين بالأسماء، الذاكرين اللّه كثيرا.

[ (5) ]زيد في فتوح الأزدي: فقال سعيد: رحمك اللّه، إن نعم اللّه عليّ أفضل مما عسيت أن تذكره، فله المن و الطول و الفضل علينا، و أنت، و اللّه ما علمت، صدوع بالحق، قوام بالقسط، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، تحكم بالعدل، و الحق، لا تستأثر في القسم.

[ (6) ]انظر مقالته في وفيات الأعيان و فتوح الأزدي.

96

في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد أذنت و أقمت، و الآن فقد مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لسبيله و أنا لا أحبّ أن أوذّن لأحد من بعده، و أريد منك أن تأذن لي حتى أخرج فيما ينفعني، و تخلي سبيلي حتى أجاهد في سبيل اللّه فإنّ الجهاد أحبّ إليّ من المقام، قال: فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه: ويحك يا بلال!إنما أعتقتك لوجه اللّه تعالى، و لم أرد بذلك جزاء و لا شكورا، و هذه الأرض ذات الطول و العرض بين يديك فاسلك أيّ فجاجها أحببت، قال فقال بلال: يا خليفة رسول اللّه!لعلك وجدت عليّ في مقالتي، فقال أبو بكر: لا و اللّه يا بلال!ما وجدت عليك و لا أحبّ أن تترك هواك لهوائي لأني قد علمت أن هواك يدعو إلى اللّه و إلى طاعته، و إنما أحببت أن تقيم معي في المدينة للأذان، و اعلم أني سأجد لفراقك وحشة شديدة و لا بد من الفراق‏[ (1) ]، فاعمل صالحا يا بلال يكن زادك من الدنيا، و يذكرك اللّه عزّ و جلّ ما حييت، و يحسن لك الثواب إذا قدمت عليه، فقال بلال: جزاك اللّه من ولي نعمة، و أخ في الإسلام خيرا!فو اللّه ما علمتك إلا تأمر بالصبر و المداومة[ (2) ]على طاعة اللّه و ما كنت أؤذن لأحد بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

قال: ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر في هذا الجيش‏[ (3) ]. و أقبل سعيد بن عامر إلى أبي بكر ليودّعه، و أبو بكر رضي اللّه عنه في ذلك الوقت في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ، فودّعه أبو بكر رضي اللّه عنه ثم قال: يا معشر المسلمين!ارفعوا أيديكم إلى اللّه عزّ و جلّ و سلوه أن يصحب أخاكم هذا و أن يسلمه في طريقه،

فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: ما من عدّة من المسلمين رفعوا أيديهم إلى اللّه عزّ و جلّ يسألونه شيئا إلا استجابه اللّه لهم ما لم تكن معصية أو قطيعة رحم،

قال: فعندها رفع المسلمون أيديهم في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) -و هم أكثر من خمسين رجلا، فقالوا: اللهمّ احفظ إخواننا من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و ارزقهم السلامة إنك على كل شي‏ء قدير!قال: فقال سعيد: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!ما كنت أحبّ أن يدعى لي [ (1) ]في الأزدي: فرقة لا لقاء بعدها أبدا حتى يوم البعث.

[ (2) ]عند الأزدي: و المداومة على الحق و العمل الصالح.

[ (3) ]خرج بلال بعد النبي (ص) مجاهدا إلى أن مات بالشام. قال البخاري: مات بالشام في زمن عمر، و قال ابن بكير: مات في طاعون عمواس. و قال عمرو بن علي: مات سنة عشرين. و قال ابن مندة في المعرفة أنه دفن بحلب (عن الإصابة) .

97

بالسلامة فإني خائف أن يرزقني اللّه عزّ و جلّ السلامة و لا أستشهد، و إني لحريص على الشهادة، قال: فدعا المسلمون له بالشهادة[ (1) ].

و سار سعيد بن عامر من المدينة في ألفي رجل من المسلمين يريد بلاد الشام، قال: و مضى المسلمون حتى لحقوا بأبي عبيدة بن الجراح.

قال: و جعل أبو بكر رضي اللّه عنه كلّما قدم عليه وفد من العرب يوجّه بهم إلى الشام الأول فالأول. قال: و نظرت الروم إلى جيوش العرب و قد أقبلت من كلّ أوب ففزعوا لذلك أشد الفزع ثمّ إنهم كتبوا إلى هرقل ملك الروم يخبرونه بذلك و يسألونه المدد، فكتب إليهم هرقل فقال: إني قد عجبت منكم يا معاشر بني الأصفر و من كتبكم إليّ تخبروني بكثرة من أقبل إليكم من العرب‏[ (2) ]، و إني لأعلم أنّ مدينة واحدة من مدنكم فيها أكثر ممن جاءكم منهم بأضعاف متضاعفة، فإذا ورد عليكم كتابي هذا فالقوهم بالحدّ و الحديد و قاتلوهم بالخيل و الجنود، و لا تحسبوا[ (3) ]أني كتبت هذا الكتاب و أنا لا أريد[أن‏]أمدّكم بخيل و لا رجل، فو حقّ المسيح روح القدس لأبعثن إليكم من الجنود ما تضيق به الأرض العريضة الطويلة سعتها! قال: ثم جعل هرقل يكاتب ملوك الروم و يسألهم المدد إلى حرب المسلمين، و اتصل الخبر بأبي عبيدة بن الجراح، فكتب به إلى أبي بكر رضي اللّه عنه‏[ (4) ].

فلمّا ورد الكتاب إلى أبي بكر نادى في الناس فجمعهم ثم أرسل إلى وجوه [ (1) ]مات سنة 19 بقيسارية. و قيل مات سنة 21 هـ. و قال ابن سعد: مات سنة 20 و هو وال على بعض الشام (الإصابة) .

[ (2) ]زيد في فتوح الأزدي: و أنا أعلم بهم و بمن جاء منهم.

[ (3) ]عند الأزدي: و لا تظنوا.

[ (4) ]نسخة كتاب أبي عبيدة إلى أبي بكر (عن فتوح الأزدي ص 44) : بسم اللّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فالحمد للّه الذي أعزنا بالإسلام، و أكرمنا بالإيمان، و هدانا لما اختلف المختلفون فيه بإذنه، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. و إن عيوني من أنباط الشام أخبروني أن أوائل أمداد ملك الروم قد وقعوا عليه، و أن أهل مدائن الشام بعثوا رسلهم إليه يستمدونه، و أنه كتب إليهم، أن أهل مدينة من مدائنكم أكثر مما قدم عليكم من العرب، فانهضوا إليهم فقاتلوهم، فإن مددي يأتيكم من ورائكم، فهذا ما بلغني عنهم، و أنفس المسلمين لينة بقتالهم، و قد أخبرونا أنهم قد تهيئوا لقتالنا، فأنزل اللّه على المؤمنين نصره، و على المشركين رجزه، إنه بما يعملون عليم. و السلام (انظر الوثائق السياسية ص 403) .

98

قريش من أهل مكة فدعاهم ثم استشارهم في أمر الروم، قال: فذهب أهل مكة ليتكلموا، فصاح بهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه صيحة أسكتهم ثم أقبل على أبي بكر فقال: يا سبحان اللّه!أ تجمع من أسلم يوم فتح مكة من فرق السيف مع السابقين من المهاجرين و الأنصار!فقال له أبو بكر: يا أبا حفص!إنما دعوتهم للمشورة لهذا الأمر الذي نحن فيه و لهذا الخبر الذي ورد علينا من أبي عبيدة بن الجراح، قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: فالمهاجرون و الأنصار أولى بالمشورة و الانتصاح لهذه الأمة من أهل مكة، لأن هؤلاء إنما قاتلناهم لتكون كلمة اللّه هي العليا، و قاتلونا ليطفئوا نور اللّه بأفواههم جاهدين على قتلنا، فلمّا أعزّ اللّه عزّ و جلّ دعوتنا و صدق أحدوثتنا و نصرنا عليهم تريد أن تقدمهم في الأمر و تستنصحهم في المشورة و تدنيهم بين يدي من هو خير منهم‏[ (1) ]، و اللّه لا تفعل ذلك!قال: فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: يا أبا حفص!إنه قد حسن إسلامهم و إنما أردت أن أدنيهم و أقربهم و أنزلهم منازلهم التي كانت منّا إليهم، فأما إذ قلت ما قلت فإن رأيي لرأيك تبع.

قال: فشق ذلك على أهل مكة فوثب الحارث بن هشام المخزومي و هو أخو أبي جهل بن هشام، و عكرمة بن أبي جهل، و سهيل بن عمرو فقالوا: إياك نريد بكلامنا يا عمر!و لك نخاطب و عليك نعتب، فأمّا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فهو بري‏ء عندنا من الغيظ و الحقد و القطيعة، فقال عمر: تكلموا بما أحببتم، فقال سهيل بن عمرو: يا عمر بن الخطاب!ألسنا إخوانكم في الإسلام و بني أبيكم في النسب؟ فقال عمر: بلى لعمري إنا لكذلك!فقال سهيل: فلم تؤخرونا و قد قدمنا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟قال‏[ (2) ]........ في السابقة..... سهيل‏[ (3) ]:

يا عمر بن الخطاب...... [ (3) ]منه أشهدكم يا معشر المسلمين‏[ (4) ]........

[ (1) ]زيد في فتوح الأزدي ص 45 فما نصحنا إذن بصلحائنا الذين كانوا يقاتلونهم في اللّه حين تقدمهم دونهم فلا نراهم، اذن وضعهم عندنا جهادهم إيانا، و جهدهم علينا.

[ (2) ]كذا بالأصل بياض و في فتوح الأزدي ص 47: فقال لهم عمر: إني و اللّه ما قلت ما بلغكم إلا نصيحة لمن سبقكم بالإسلام، و تحريا للعدل فيما بينكم و بين من هو أفضل منكم من المسلمين.

[ (3) ]كذا، و عند الأزدي: فقال سهيل بن عمرو: فإن كنتم إنما فضلتمونا بالجهاد في سبيل اللّه فو اللّه لتستكثرن منه.

[ (4) ]بياض بالأصل، و في الأزدي: أني حبيس في سبيل اللّه و اللّه لأنفقكن. ـ

99

بدل كل نفقة أنفقتها على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[نفقتين‏][ (1) ]في سبيل اللّه، و لأقفنّ مكان كل موقف وقفته على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم موقفين على أعداء اللّه.

قال: ثم وثب الحارث بن هشام‏[و قال مثل-][ (2) ]ذلك القول، و وثب عكرمة بن أبي جهل و رجال أهل مكة[ (3) ].... فقال أبو بكر: اللهم بلغهم أفضل ما يؤمّلون و اتجرهم‏[ (4) ]..... قال و سر عمر بن الخطاب و غيره من المسلمين بما كان من أهل مكة....... [ (5) ]شديدا.

قال: ثم دعا أبو بكر رضي اللّه عنه عمرو بن العاص فقال له: ...... [ (6) ] أ تحب أن تخرج في هذا الوجه إلى جهاد الروم؟فقال عمرو: أحب ذلك يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!قال له أبو بكر: هؤلاء أشراف قومك من أهل مكة يريدون الخروج‏[ (7) ]، فإن كانت نية صادقة فاخرج فعسكر خارج المدينة حتى أندب إليك الناس، قال عمرو: أخرج على أن أكون أميرا على جميع الناس، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: أمير على كل من أبعثه معك، قال عمرو: لا بل كل من أقدم [عليه‏][ (8) ]من المسلمين بالشام. قال أبو بكر: لا و لكن أحد الأمراء، فإن جمعكم اللّه عزّ و جلّ على حرب واحد في موضع واحد فأميركم أبو عبيدة بن الجراح المقيم بأرض الشام. قال: فسكت عمرو بن العاص ساعة ثم قال: إني أفعل ما تأمر به يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

ثم انصرف عمرو إلى منزله، فلما كان الليل سار إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فسلم عليه ثم قال: يا أبا حفص إنك قد عرفت بصري بالحرب‏[ (9) ]و قد رأيت منزلتي عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) و قد علمت أنّ أبا بكر لا يعصيك في [ (1) ]بياض بالأصل، و ما أثبتناه عن الأزدي.

[ (2) ]سقطت من الأصل.

[ (3) ]عند الأزدي: فقال عكرمة بن أبي جهل: أنا أشهدكم أني حبيس في سبيل اللّه.

[ (4) ]عند الأزدي: و أجزهم بما كانوا يعملون، قد أصبتم فيما صنعتم، فأرشدكم اللّه.

[ (5) ]غير واضح بالأصل.

[ (6) ]غير واضح بالأصل.

[ (7) ]عند الأزدي ص 48: يخرجون مجاهدين.

[ (8) ]مطموس بالأصل. و ما أثبتناه عن الأزدي.

[ (9) ]عند الأزدي: و تيمن نقيبتي في الغزو.

100

شي‏ء فلو جعلته أن يجعلني أميرا على جميع الأجناد الذين بالشام لرجوت أن يفتح اللّه عزّ و جلّ على يدي، و يرى المسلمون مني ما يسرّون به إن شاء اللّه عزّ و جلّ، قال:

فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا هذا..... [ (1) ]عليه و سلم و آله في أن يوليك...... [ (2) ]إن أبا بكر ليس ينقص أبا عبيدة[شيئا من فضله أن ألي عليه‏][ (3) ]فقال عمر: ويحك يا عمرو[انك‏][ (3) ]لتحب الإمارة[و اللّه ما تطلب‏][ (3) ] بهذه الرئاسة إلا شرف الدنيا فاتق اللّه تعالى‏[يا عمرو و لا][ (3) ]تطلب بسعيك من هذه الدنيا إلا وجه اللّه سبحانه و تعالى و.... [ (4) ]و اخرج في هذا الوجه فإنك إن لم تكن اليوم أميرا[فما أسرع أن تكون‏][ (3) ]إن شاء اللّه أميرا. [ليس فوقك أحد][ (5) ].

قال: فعندها أيس عمرو بن العاص من..... [ (4) ]الشام ثم إنه خرج فعسكر بإزاء المدينة و اجتمع...... [ (6) ]أول من خرج إليه سهيل بن عمرو، و الحارث بن هشام، و ابن أخيه عكرمة بن أبي جهل هؤلاء الثلاثة في ثلاثة آلاف فارس من قومهم و مواليهم. و خرج إليه أبو الأعور السلمي، و معن بن يزيد ابن عمه في ألف و سبعمائة فارس، و خرج إليه الضحاك بن قيس الفهري في ثلاثمائة فارس.

و عمير بن حرام المرادي في مائتي فارس.

قال: فالتأم الناس إلى عمرو بن العاص فصار في قريب من ستة آلاف فارس فخرج من المدينة في يوم الأربعاء راحلا نحو الشام و خرج معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في نفر من المسلمين يشيعه فجعل يوصيه و يقول له: يا عمرو إنك لذو رأي و تجربة للأمور و بصر بالحروب و قد خرجت في أشراف قومك و[رجال من‏][ (5) ] صلحاء المسلمين، و أنت قادم على إخوانك بالشام فثبت العالم و علم الجاهل و عاتب السفيه و انصح المسلمين و ابذل لهم نصحك و مشورتك، و لا تدخرن عنهم صالحا [ (1) ]غير واضح بالأصل، و عند الأزدي: لا أكذبك، ما كنت لأكلمه في ذلك أبدا، و ما يوافق يبعثك على أبي عبيدة، و أبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك. (انظر فتوح الشام للواقدي ص 15) .

[ (2) ]غير واضح بالأصل. و انظر الحاشية السابقة.

[ (3) ]غير واضح بالأصل، و ما أثبتناه عن فتوح الأزدي.

[ (4) ]غير واضح بالأصل.

[ (5) ]زيادة عن فتوح الأزدي.

[ (6) ]غير واضح بالأصل، و عبارة الأزدي: و اجتمع إليه ناس كثير، و كان معه أشراف قريش أولئك.

101

من الرأي، فرب رأي لك محمود[ (1) ]فاعمل للّه كأنك تراه، و اعدد نفسك في الموتى، و فكر في عواقب الأمور، و اعلم بأنا عن قليل ميتون و مبعوثون و محاسبون و مسؤولون، جعلنا اللّه و إياك منه على مدرجة اليقين، و حشرنا و إياك في زمرة المتقين، و جعلنا و إياك لأنعمه من الشاكرين، قال: ثم انصرف عنه أبو بكر رضي اللّه عنه و من معه من المسلمين إلى المدينة، و مضى عمرو و من معه يريدون الشام.

و كتب أبو بكر رضي اللّه عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح‏[ (2) ]: أما بعد!فقد أتاني كتابك و ما ذكرت فيه من مسير العدو و اجتماعهم، و ما كتب إليهم ملكهم من عدته إياهم أنه يمدهم من الجنود ما تضيق عليه الأرض بسعتها، و لعمري لقد أصبحت الأرض ضيقة عليهم جدا لمكانكم، و و اللّه ما أنا بآيس من أن تزيلوا هرقل عن مكانه الذي هو فيه عاجلا إن شاء اللّه عزّ و جلّ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فثبت خيلك‏[ (3) ] و احزم أمرك و ضيق عليهم بقطع الميرة عنهم، و اعلم أنه ليس يأتيهم مدد إلامددتك بمثله و أضعافه إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، و ليس بكم-و الحمد للّه-ذلة و لا قلة، فبث خيلك في القرى و في السواد، و لا تحاصرن مدينة من مدنهم حتى يأتيك أمري، و لكن انظر إن ناهضوك فانهض إليهم و استعن باللّه عليهم، [و اعلم بأنكم تقاتلون اللّه، و يقاتلون للشيطان، ][ (4) ]و إن اللّه عز و جل فاتح عليكم و مظهركم على عدوكم و معزكم بالنصر و ملتمس منكم الصبر[ (5) ]لينظر كيف تعملون، و قد وجهت إليك عمرو بن العاص في جيش لجب، و عمرو قد علمت أنه من ذوي الرأي و التجربة و الصبر و الإقدام و الجد و الحذر و قد أوصيته أن لا يضيع لك حقا، فاستعن برأيه و استوص به خيرا-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال: فلما ورد الكتاب على أبي عبيدة بن الجراح في مثل ذلك اليوم و قدم عمرو بن العاص. في أصحابه على المسلمين في غد فسر به أبو عبيدة و المسلمون سرورا شديدا ثم أقبل إليه أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا أبا عبد اللّه!رب يوم شهدته [ (1) ]زيد في فتوح الأزدي: في الحرب مبارك في عواقب الأمور.

[ (2) ]نسخة الكتاب في فتوح الشام للأزدي ص 50 و الوثائق السياسية ص 404.

[ (3) ]عند الأزدي: فبث خيلك في القرى و السواد.

[ (4) ]مكانها عند الأزدي: فلا أعرفن ما جبنتم عنهم، و لا ما خفتم منهم.

[ (5) ]عند الأزدي: الشكر.

102

فبورك للمسلمين فيه برأيك و محضرك، و أنا أريد منك أن تحضرني برأيك في كل وقت فإني و إن كنت الوالي عليك فلست بقاطع أمرا دونك و لا دون المسلمين، فاحضرني أنت خاصة ما ترى من رأيك فليس لي عنك غنى، فقال عمرو بن العاص: أفعل ذلك إن شاء اللّه تعالى‏[و اللّه يوفقك لما يصلح المسلمين‏][ (1) ].

قال: و بلغ أبا عبيدة بن الجراح أن جبلة بن الأيهم الغساني بالغوطة من أرض دمشق في أربعين ألفا من العرب المنتصرة بالخيل و العدد و السلاح و الزينة.

ذكر جبلة بن الأيهم و مخاطبته مع المسلمين من قبل هرقل ملك الروم‏

قال: فدعا بهشام بن العاص، و هو أخو عمرو بن العاص، فضم إليه جماعة من المسلمين من أهل الدين و الحسب فأرسله إلى هرقل ملك الروم.

قال: فخرج إليه هشام بن العاص في من معه من المسلمين حتى صاروا إلى الغوطة من أرض دمشق، ثم صاروا إلى باب جبلة فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه في مجلس له مزخرف فإذا هو على فرش له مرتفعة و على يمينه كراسي الذهب و الفضة عليها ملوك اليمن عليهم الديباج المنسوج و على رؤوسهم العمائم و قد اعتجروا بها على زي العرب، و المجلس مفروش بالديباج الأسود، و على جبلة يومئذ ثياب سود و تاجه على رأسه، فلما نظر المسلمين أومأ إليهم أن اجلسوا، فجلس المسلمون بعيدا منه و إذا رسول جبلة قد أقبل إليهم فقال لهم: يقول كم جبلة: ما حاجتكم؟فقال هشام للرسول: ارجع إليه فقل له: إن أردت كلامنا فانزل عن فرشك و كلمنا، فانطلق إليه الرسول فخبره بذلك، فنزل جبلة عن فرشه تلك المرتفعة التي كان عليها إلى فرش دونها، ثم جلس عليها و أومأ إلى المسلمين تقدموا، فتقدموا و جلسوا قريبا من فرشه، ثم كلمه هشام بن العاص و دعاه إلى الإسلام و رغبه فيه و قرأ عليه كتاب اللّه عزّ و جلّ و خبره بأمر الجنة و النار. قال: فأبى جبلة ذلك و نفر من الإسلام نفرا شديدا، فقال له هشام: إذ قد أبيت ما دعوناك إليه فإني مسائلك، فقال: سل عما بدا لك، فقال هشام بن العاص: ما هذه الثياب السود التي أراها عليك؟فقال جبلة: إذا [ (1) ]زيادة عن الأزدي.

103

أخبرك أني لبستها نذرا على أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، فتبسم هشام ثم قال: يا جبلة!إنك و اللّه لن تقدر أن تمنع مجلسك هذا منا!و اللّه لنأخذنه و لنأخذن ملك الملك الأعظم!و بذلك خبرنا نبينا الصادق عليه السلام، فقال جبلة: فأنتم إذا السمراء، قال هشام: و ما السمراء؟قال جبلة: السمراء قوم نجدهم في الإنجيل أنهم يصومون النهار و يقومون الليل و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يفتحون من المشرق إلى المغرب، قال هشام: فنحن و اللّه أولئك الموصوفون في الإنجيل! فلا تشك في ذلك يا جبلة!فاسود وجه جبلة حتى صار كالليل المظلم ثم قال: إليّ بعثتم أم إلى الملك الأعظم؟فقال: بعثنا إليك و إليه، قال: فسيروا إذا إليه فإن أجابكم إلى ما تريدون أجبتكم و لم أتأبّ عليكم.

قال: فخرج هشام و من معه من عند جبلة و ساروا حتى صاروا إلى أنطاكية.

ذكر مسير المسلمين إلى انطاكية و دخولهم على الملك‏

قال: فدخل المسلمون مدينة أنطاكية على رواحلهم من باب المدينة و هرقل ينظر إليهم من منظرة، و القوم من الروم ينظرون إليهم من وسط المدينة إلى أن أناخوا رواحلهم على باب الملك حذاء المنظرة ثم رفعوا أصواتهم فقالوا: لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر!قال: فانتفضت المنظرة حتى سمع الناس صوت نفيضها، فأرسل إليهم هرقل أنه ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فإن كنتم رسلا فادخلوا.

قال: فدخل إليه المسلمون و هو على سرير من ذهب مفروش بالديباج الأحمر، و جميع ما في مجلسه مفروض بالحمرة، و عليه ثياب منسوجة و على رأسه تاج من ذهب يلمع من الجوهر، و إذا هو يكسر بالعربية ليس بالفصيح، قال: فوقف المسلمون بين يديه و لم يسلموا عليه، فتبسم ثم قال: ما منعكم أن تحيوني بما تحيون به ملوككم؟فقال له هشام بن العاص: أيها الرجل!إن تحيتنا إنما تجوز بيننا و لن يجوز لنا أن نحييك بها، قال هرقل: و ما تحيتكم؟فقال هشام: تحيتنا السلام، فقال هرقل: و بذلك تحيون ملوككم؟فقال هشام: نعم، بذلك نحيي ملوكنا و بذلك يحيوننا كما نحييهم. فقال هرقل: فكيف يرث الميت منكم؟فقال هشام: يرث أقرب الناس إليه، فقال هرقل: كيف صومكم و صلاتكم؟فوصف له هشام بن العاص ذلك، فقال هرقل: فما أعظم كلامكم؟فقال هشام: أعظم كلامنا لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر. قال: فانتفضت القبة من سقفها حتى فزع هرقل من ذلك،

104

ثم رفع رأسه فنظر إلى السقف و قال: خبروني عن هذه الكلمة كلما قلتموها في بلادكم انتفضت سقوفكم؟قال هشام: لا، و ما رأينا هذا إلا عندك و ما نظن هذا إلا لشي‏ء و وعظت به لتعتبر، فقال هرقل: ما أحسن الصديق و أزين الحق، و لكن خبروني عن هذه الكلمة أ تقولونها إذا أردتم أن تفتحوا المدن و الحصون؟فقال هشام: نقولها و لا نعتمده إلا عليها.

قال: فأطرق هرقل ساعة ثم إنه راطن بعض غلمانه بالرومية و أقبل على هشام بن العاص و أصحابه فقال: إني قد أمرت لكم بمنزل فصيروا إليه يومكم هذا.

قال: فصار هشام و المسلمون إلى ذلك المنزل و أمر لهم بطعام و علوفة و ما يصلحهم.

فلما كان من غد بعث إليهم فدخلوا عليه و ليس في مجلسه أحد، فأمرهم بالجلوس فجلسوا ثم دعا بشي‏ء على مثل الصندوق الصغير إلى الطول ما هو و فيه بيوت صغار عليها أبواب، ففتح منها بابا ثم أدخل يده و أخرج خرقة حرير سوداء فيها صورة رجل طوال أبيض الجسم كبير العينين و الأذنين أقنى‏[ (1) ]الأنف كأنه القمر في صورته مع عظم جسده، فقال هرقل: أ تدرون من هذا؟فقال المسلمون: لا نعرفه، فقال: هذا أبوكم آدم عليه السلام، ثم طوى الحريرة و ردها إلى موضعها، و فتح بابا آخر و أدخل يده فأخرج حريرة سوداء ثم نشرها فإذا فيها صورة رجل مدور الهامة معدل القامة صلت‏[ (2) ]الجبين أحور العينين لطيف الفم قد و خطه الشيب، فقال: أ تدرون من هذا؟فقال المسلمون: لا، ما نعرفه، فقال: هذا أبوكم إبراهيم عليه السلام، ثم طوى الحريرة و ردها إلى موضعها و فتح بابا آخر فأخرج حريرة بيضاء ثم نشرها فإذا فيها صورة رجل آدم طوال جعد الشعر حديد النظر كث اللحية، فقال: أ تعرفون من هذا؟فقال هشام: لا، ما نعرفه، فقال هرقل: فلا يجب عليكم أن تعرفوه بصفته، هذا موسى بن عمران الذي كلمه اللّه عز و جل على الطور، فلم يزل هرقل يفتح بابا بابا و يعرض الصور على هشام و أصحابه حتى عرض عليهم النبيين بصفاتهم و نعوتهم، ثم فتح آخر الأبواب و أخرج حريرة سوداء مذهبة الجوانب ثم نشرها فجعل ينظر إلى الصورة التي فيها و يتأملها ثم أقبل على هشام بن العاص و أصحابه ثم قال: أ تعرفون هذه الصفة؟فلما نظر المسلمون إلى الصورة [ (1) ]أقنى الأنف يعني فيه طول و دقة أرنبته و حدب في وسطه.

[ (2) ]صلت الجبين: أي المستوي الذي لا يفوت بعض لحم بعضه بعضا. ـ