الفتوح - ج1

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
266 /
105

بكوا بكاء شديدا حتى علا بكاؤهم و نحيبهم، فقال لهم هرقل: ما يبكيكم؟فقال هشام: هذه الصورة صورة نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) كأنا نراه بين أيدينا بنعته و صفته، فقال هرقل: بدينكم إنها صورة نبيكم عليه السلام؟فقال المسلمون: هذه صورة نبينا كأنا نراه حيا بين أظهرنا، و لكن من أين هذه الصورة أيها الرجل؟فقال هرقل: إذا أخبركم أن آدم عليه السلام سأل ربه تبارك و تعالى أن يمن عليه بصفة أولاده من النبيين المرسلين خاصة، فأعطاه اللّه تبارك و تعالى ذلك و بعث إليه بصفاتهم في نمط من ديباج أخضر، فلم يزل ذلك النمط في تابوت آدم عليه السلام يعرضه على أولاده كل جمعة مرة، فلما توفي آدم عليه السلام صار التابوت إلى شيث و من شيث إلى أنوش، ثم توارثه قوم بعد قوم حتى انتهى ذلك إلى ذي القرنين فاستخرج هذه الصورة من خزانة آدم عليه السلام، و توارثها آباؤنا حتى صارت هذه الصورة إلينا، و اللّه!لقد وددت أن نفسي تطيب بترك هذا الملك حتى أخرج معكم و أكون عبدا لأميركم إذ كنتم رأيتم هذا النبي و شاهدتموه، و لكن نفسي لا تطيب بترك ما أنا فيه من هذا الملك. و اللّه!لقد خبرنا المسيح عيسى ابن مريم في الإنجيل و أمرنا أن نؤمن بالنبي الأمي صاحب الجمل و المدرعة و الهراوة و النعلين و العمامة، و الأنجل‏[ (1) ]العينين المقرون الحاجبين الصلت الجبين الواضح الخدين، ولكن يأبى لي النعمة و السرور إلا التمادي في الغرور.

قال: ثم أمر لهشام بن العاص و أصحابه بجوائز سنية، فأبوا أن يقبلوها منه، ثم خرجوا من عنده و استووا على رواحلهم و ساروا حتى صاروا إلى أبي عبيدة بن الجراح فخبروه بما كان من أمر جبلة بن الأيهم و أمره و أمر هرقل ملك الروم، فقال أبو عبيدة: خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [ (2) ].

قال: ثم جعل هرقل يضم أطرافه و يقوي أصحابه و لا يألو في ذلك جهدا.

قال: و سار أبو عبيدة بالمسلمين حتى نزل بموضع يقال له: الجابية[ (3) ]من أرض دمشق في ثلاثين ألفا، و سارت إليه الروم في ثمانين ألف حتى نزلوا قريبا منه، و بلغ [ (1) ]أنجل العينين، العين النجلاء: الواسعة. و النجل بالتحريك: سعة شقة العين مع حسن (اللسان) .

[ (2) ]سورة البقرة: 7.

[ (3) ]الجابية: قرية من أعمال دمشق، قرب مرج الصفر في شمالي حوران.

106

ذلك أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه ففزع لذلك و اشتد عليه أمر الروم و ضاق به ذرعا، فقال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا خليفة رسول اللّه!إني رأيت رأيا، فقال: و ما ذاك؟فقال: رأيت أن تكتب إلى خالد بن الوليد فإنه مقيم بالعراق أن يشخص إلى الشام بخيله و رجله فيكون عونا للمسلمين، فقال أبو بكر: ما الرأي غير هذا، ثم كتب أبو بكر رضي اللّه عنه إلى خالد بن الوليد.

ذكر كتاب أبي بكر الصديق إلى خالد بن الوليد رضي اللّه عنهما

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏[ (1) ]، من عبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى خالد بن الوليد. أما بعد فقد ورد عليّ من خبر الشام ما قد أقلني و أرّقني و ضقت به ذرعا، فإذا ورد عليك كتابي هذا و أنت قائم فلا تقعد، و إن كنت راكبا فلا تنزل، و ذر العراق و خلّف عليها من تثق به من أهلها[ (2) ]الذين قدمت عليهم و امض مخفّا في أهل القوّة من أصحابك الذين قدموا معك من اليمامة و الحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح و من معه من المسلمين، فإن العدو قد جمع لهم جمعا عظيما و قد احتاجوا إلى معونتك، فإذا أنت أتيت المسلمين بالشام فأنت أمير الجماعة- و السلام.

قال: ثم دفع أبو بكر رضي اللّه عنه كتابه إلى عبد الرحمن بن حنبل الجمحي‏[ (3) ]و أمره أن يسرع المسير إلى خالد بن الوليد، فلمّا ورد الكتاب على خالد بن الوليد أخذه في يده و لم يقرأه ثم قال للرسول: ما ورائك؟فقال: ورائي كل خير غير أنك تسير إلى الشام، قال: فغضب خالد بن الوليد ثمّ قال: هذا عمل عمر بن الخطاب و قد نفس عليّ أن يفتح العراق على يدي‏[ (4) ]، قال: ثمّ فتح الكتاب [ (1) ]قارن مع نسخ للكتاب في فتوح الشام للأزدي ص 68 و فتوح الشام للواقدي ص 24 و الوثائق السياسية ص 399.

قال الواقدي في فتوح الشام: إن أبا بكر لما سمع ما حشد الروم من قوى علم أن أبا عبيدة لين العريكة و لا يصلح لقتال الروم، و عول أن يكتب إلى خالد. و في الطبري 3/393 قال: خالد لها.

[ (2) ]في الكامل لابن الأثير 2/67 و تاريخ اليعقوبي 2/133 أمره أن يستخلف المثنى بن حارثة.

[ (3) ]في فتوح الواقدي: نجم بن مقدم الكناني.

[ (4) ]زيد في فتوح الأزدي ص 68: و كانت الفرس قد هابوه هيبة شديدة و خافوه، و كان خالد، رحمه الله،

107

و قرأه، فلما رأى أنه ولاه على أبي عبيدة بن الجراح و على جميع أجناد الشام من المسلمين فرح لذلك و طابت نفسه، ثم قال: إذ قد ولاني الشام فالشام عوض من العراق، قال: فتكلم بشر[ (1) ]بن ثور العجلي-و كان من أشراف بني عجل و فرسان بني بكر بن وائل‏[و من رؤوس أصحاب المثنى بن حارثة][ (2) ]-فقال: لا و اللّه أصلح اللّه الأمير!ليس الشام عوضا من العراق ساعة قط، لأن العراق أكثر من الشام حنطة و شعيرا و ديباجا و حريرا و فضّة و ذهبا و وقرا و نسبا، و ما الشام كلها إلا كجانب من جوانب العراق‏[ (3) ]، فقال له خالد: صدقت يا بشر[ (4) ]!إن العراق لعلى ما تقول، و لكن هذا كتاب خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد ورد عليّ و إنما أنا معين المسلمين على أعدائهم و راجع إليكم إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، فكونوا أنتم ههنا على حالتكم التي أنتم عليها، فإن كفى اللّه مؤنة الروم عجلنا إليكم الكرة إن شاء اللّه تعالى، و إن أبطأت عنكم رجوت أنكم لم تعجزوا و لم تهنوا عن محاربة الفرس، و مع هذا فإني أرجو أنّ الخليفة لا يدعكم أن يمدكم بالخيل و الرجال حتّى يفتح اللّه عزّ و جلّ عليكم هذه البلاد، فلا تجزعوا و لا تهلعوا عن محاربة الفرس فإني أرجو لكم النصر من اللّه العزيز الحكيم.

قال: ثم دعا خالد بن الوليد بالمثنى بن حارثة الشيباني و استخلفه على العراق ثم جمع أصحابه الذين قدم بهم من الحجاز و اليمامة فكانوا سبعة آلاف فارس، فخرج بهم خالد من الحيرة متوجّها نحو الشام.

قال: و سار خالد حتّى صار إلى الأنبار[ (5) ]ثم رحل من الأنبار فأخذ على قرية [ () ] إذا نزل بقوم من المشركين كان عذابا من عذاب اللّه عليهم، و ليثا من الليوث، و كان خالد قد رجا أن يفتح اللّه على يده العراق.

[ (1) ]كذا، و في فتوح الأزدي: بشير، و في الإصابة «نسير» قال له إدراك و شهد الفتوح في عهد عمر منها القادسية و هو القائل فيها:

لقد علمت بالقادسية انني # صبور على الأواء عف المكاسب‏

[ (2) ]زيادة عن فتوح الأزدي.

[ (3) ]قال الأزدي: فكره المثنى بن حارثة مشورته عليه، و كان يحب أن يخرج خالد عنه، و يخليه و إياها.

[ (4) ]كذا، انظر الحاشية السابقة. (رقم 1) .

[ (5) ]الأنبار: إحدى مدن العراق، تقع على الفرات.

108

يقال لها: صندوداء[ (1) ]-و صندوداء اليوم من الأمصار-قام بها خالد يومه حتى استراح المسلمون، ثم رحل من صندوداء[ (1) ]فأغار في طريقه على قوم من بني ثعلب‏[ (2) ]فقتلهم و أخذ أموالهم، ثمّ سار حتى أشرف على قوم من النمر، و ذلك في جوف الليل فإذا هم قعود على شراب لهم قدموه في جفنة لهم عظيمة و رجل منهم يقال له: حرقوص النمري‏[ (3) ]قد رفع صوته و هو يقول أبياتا من جملتها:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكر # لعل منايانا قريب و ما ندري‏

[ (4) ] قال: فلم يشعر القوم إلا و الخيل كبستهم، و شدّ رجل من المسلمين على صاحب هذا الشعر فضربه بسيفه ضربة فإذا رأسه في الجفنة قد اختلط دمه مع الشراب الذي كان فيها، قال: و غنم المسلمون و خالد أموالهم و قليلهم و كثيرهم.

ثم سار خالد من هنالك على قرى السماوة حتى صار إلى موضع يقال له قراقر[ (5) ]على طريق مفازة الشام.

قال: و نزل المسلمون هنالك و لم يعرف خالد الطريق، فأقبل إليه رافع بن عميرة الطائي و هو ابن مكلم الذئب بإذن اللّه و قال: يا هذا!ما لي و لك؟عمدت إلى رزق رزقني ربي انتزعته مني!قال: فصاح عميرة و قال: يا عباد اللّه!هلموا فاسمعوا ذئب يتكلم!فقال الذئب: يا هذا!إن أعجب مني و من كلامي نبي مرسل يدعوكم إلى عبادة الرحمن‏و تأبون إلا عبادة الأوثان، قال: ثم ترك الذئب و مضى، فأقبل عميرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فحدّثه بما سمع من الذئب و أسلم و حسن إسلامه.

[ (1) ]بالأصل: «صندود» و في الكامل لابن الأثير: «حدوداء» و ما أثبتناه يوافق الطبري و معجم البلدان:

و بها قوم من كندة و إياد العجم فظفر بهم و خلف بها سعد بن عمرو بن حرام الأنصاري. و في فتوح الأزدي: مندوا- (جنوبي الأنبار) و هي التي خلف بها سعد.

و انظر فتوح البلدان للبلاذري ص 118.

[ (2) ]و كذا، و في الكامل 2/67 بني تغلب و كانوا بالمصيخ. قال الطبري 3/407: و عليهم ربيعة بن بجير التغلبي.

[ (3) ]هو حرقوص بن النعمان البهراني (الطبري) .

[ (4) ]البيت في فتوح البلدان ص 118 و الكامل 2/68 و الطبري 3/416 و فيهما أبيات أخرى، و معجم البلدان.

[ (5) ]قراقر: أصله من الدهناء، و قيل ماء لكلب، و قراقر واد لكلب بالسماوة من ناحية العراق، نزله خالد عند قصده الشام (معجم البلدان) .

109

قال: فأقبل رافع ابن هذا مكلم الذئب إلى خالد بن الوليد فقال: أيّها الأمير! أنا أعرف هذه المفازة[ (1) ]و لا يخفى عليّ موضع فيها إن شاء اللّه، قال فقال له خالد بن الوليد: كم تكون هذه المفازة؟قال: مسيرة خمسة أيام، و ما فيها ماء إلا في موضع و أنا أعرف به، قال خالد: فإني قد جعلتك دليلا فإذا سلم اللّه عزّ و جلّ من هذه المفازة فلك عندي عشرة آلاف درهم و ما لك عند اللّه عزّ و جلّ من الثواب أكثر، فقال رافع بن عميرة: أيّها الأمير!فإني قد رضيت بذلك و لكن أبغني‏[ (2) ]خمسة و عشرين جملا، فقال: ألقوا إليها العلف اليابس و امنعوها من الماء. ثم أمر بها فألقي إليها العلف فجعلت الإبل تعتلف و قد منعت من الماء، ثم أوردها بعد ذلك فشربت حتى امتلأت أجوافها من الماء ثم أمر بها فكمعت لكيلا تحبر[ (3) ]، و أمر الناس أن يستوفروا من الماء، ثمّ أمر الناس بالرحيل.

قال: فكان كلّما سار يوما أمر بخمس‏[ (4) ]من تلك الجمال فنحرت ثم شق أجوافها ثم أمر بالجفان فأحضرت و جعلوا يعصرون ما في كروش الجمال من الماء في الجفان و يمزجونه بالقليل من الماء العذب و يسقى الخيل و البغال و الحمير، و أما ما كان معهم من الإبل فإنها لم تذق الماء خمسة أيام، فلم يزل القوم على ذلك، كلّما نزلوا ذبحوا خمسة من الإبل فسقوا ما في أجوافها، فلمّا كان اليوم السادس سار القوم و هم لا يشكّون أنّهم قاربوا العمران‏[ (5) ]. قال: و رمدت عين الدليل فلم يبصر سهلا و لا جبلا و أيس الناس من أنفسهم فأضربهم العطش و خافوا على أنفسهم الهلاك و حميت عليهم الشمس، فقال خالد بن الوليد للدليل: ويحك يا رافع!أين الطريق و أين الماء؟فقال: لا و اللّه أعزّ اللّه الأمير!لا أدري، و لكن انظروا ميمنة و ميسرة، فإن رأيتم شجرة عوسج‏[ (6) ]فقد نجوتم و الماء تحت الشجرة و إلا فقد هلكت و هلكتم.

[ (1) ]و كان خالد يريد أن يسير من قراقر إلى سوى (و قيل شوا، و قيل شوى) و هو ماء لبني بهراء، حتى يظهر من وراء جموع الروم لأنه إن استقبلها حبسته عن غياث المسلمين.

[ (2) ]في فتوح الأزدي: عشرين جزورا عظاما سمانا مسان.

[ (3) ]في فتوح الأزدي: ثم كمعهن-أي شد أفواههن-لئلا تجتر.

و عند الطبري: ثم صروا آذان الإبل و كعموها. و في الكامل: و شدوا مشافرها لئلا تجتر.

[ (4) ]الطبري: «عشرا من تلك الإبل» فعلى رواية الطبري يصبح العدد خمسين جملا. (و انظر الكامل لابن الأثير) .

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: «علمين» .

[ (6) ]العوسج: ضرب من الشجر كثير الشوك، و له ثمر أحمر مدور كأنه العقيق.

110

فقال خالد: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ. قال: وقفت الدواب و لم يتهيأ لها أن تسير و نزل الناس و جعلوا يمشون و يقودونها و قد أيسوا من الحياة و ينظرون يمنة و يسرة فإذا هم بشجرة قد لاحت لهم، فكبروا و قصدوها و إذا تحتها عين من الماء غزيرة، فكبّر القوم و نزلوا فشربوا و سقوا ما معهم و حمدوا اللّه عزّ و جلّ على ذلك، فقال خالد: ويحك يا رافع!لقد كدنا أن نهلك و تهلك معنا، فقال: أعز الله الأمير!ما سلكت هذه المفازة إلا مرّة واحدة مع أبي و أنا غلام حدث السن، و لكن رجوت أن يسلم اللّه عزّ و جلّ المسلمين‏[ (1) ].

قال: ثم سار خالد بن الوليد و اتّصلت له المياه حتى انحطّ على موضع يقال له الكواتل‏[ (2) ]من ديار بني ثعلب و هم قوم نصارى على دين هرقل ملك الروم، و هو الذي أقطعهم البلد فيما مضى، فلم يشعر القوم إلا و خالد قد وافاهم فوضع فيهم السيف فقتل منهم مقتلة عظيمة و سبى نساءهم و أولادهم و أموالهم و فضّ جموعهم فضّا لم يجمعوها بعدها في ذلك الموضع.

ذكر كتاب خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة و أصحابه رضي اللّه عنهم‏[ (3) ]

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح و من معه من المسلمين و المؤمنين، سلام عليكم!أما بعد فإني أسأل اللّه عزّ و جلّ الذي أعزّنا بنصره و شرّفنا بدينه و أكرمنا بنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[و فضلنا بالإيمان، رحمة من ربنا لنا واسعة، و نعمة منه علينا سابغة][ (4) ]أن يتمّ علينا و عليكم نعمه و أن يصرف عنّا و عنكم [ (1) ]فقال شاعر من المسلمين:

لله عينا رافع أني أهتدي # فوّز من قراقر إلى سوى

خمسا إذا ما سارها الجيش بكى # ما سارها قبلك إنسي يرى‏

(الطبري 3/416 الكامل 2/68 فتوح الأزدي ص 75 و فيه: إلى شوا) .

[ (2) ]و في معجم البلدان: الكواثل موضع من أطراف الشام مر به خالد لما قصد الشام من العراق.

و في فتوح الأزدي بعد وصوله إلى سوى: ثم على اللوى، ثم قصم... ثم على أركة.... و مر بتدمر (و انظر فتوح البلدان ص 119 و الكامل 2/68) .

[ (3) ]نسخته في فتوح الأزدي ص 71 و فيه اختلاف.

[ (4) ]زيادة عن فتوح الأزدي. ـ

111

نقمه و أن يزيدنا عزّا و نصرا و تأييدا، إنّه ولي قدير، و بعد فإني أخبركم أن كتاب أبي بكر الصديق خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) ورد عليّ بالعراق يأمرني فيه بالمسير إلى ما قبلكم لمعونتكم على أعدائكم فشمّرت و انكمشت و بادرت و أسرعت و ما أقربني منكم، و كأني‏[ (1) ]قد أشرفت عليكم بخيلي و رجلي أميرا عليكم و على جماعتكم، فأبشروا بإنجاز وعد اللّه عزّ و جلّ و حسن ثوابه، عصمنا اللّه و إياكم بالتقوى و جنبنا و إياكم البلوى و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

ثم كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة[ (2) ]: من خالد بن الوليد، [سلام عليك. فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو][ (3) ]أما بعد فإني أسأل اللّه لنا و لكم الأمن يوم الخوف و العصمة من كل سوء في دار الدنيا، فإنّ كتاب خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ورد عليّ يأمرني بالمسير إلى الشام، و القيام بحربها[ (4) ]و التولي لأمرها، و و اللّه ما ظننت ذلك قطّ و لا أدريه و لا كتبت فيه، و إذ قد وليته فأنت على حالتك لا نعصيك و لا نخالفك و لا نقطع أمرا دون أمرك، فإنّك سيّد في المسلمين لا ينكر فضلك و لا يستغنى عن رأيك، تمّم اللّه عزّ و جلّ بنا و بك من إحسانه و رحمنا و إياك من صلى النيران. و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال ثم دفع خالد هذين الكتابين إلى رجل من الأزد يقال له عمرو بن الطفيل بن ذي النون‏[ (5) ]و أمره بالمسير إلى أبي عبيدة بن الجراح و أصحابه.

فلمّا ورد عمرو بن الطفيل على المسلمين‏[ (6) ]دفع إليهم الكتاب و دفع إلى أبي عبيدة بن الجراح كتابه، فأمّا المسلمون لما قرؤوا كتابهم شق ذلك على قوم أن يؤمّر خالد على أبي عبيدة، و أمّا أبو عبيدة فإنّه لمّا قرأ كتابه لم يتبين في وجهه و لا في منطقه شي‏ء من الكراهة لإمرة خالد عليه و لكنّه قال: بارك اللّه لخليفة رسول اللّه فيما [ (1) ]عند الأزدي: و كأن خيلي قد أطلت عليكم في رجال.

[ (2) ]نسخته في فتوح الأزدي ص 71-72. باختلاف.

[ (3) ]زيادة عن الأزدي.

[ (4) ]عند الأزدي: و بالمقام على جندها.

[ (5) ]كذا بالأصل، و في أسد الغابة عمرو بن الطفيل بن عمرو. و هو ابن من طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم... بن دوس الأزدي الدوسي يلقب ذا النون. قتل عمرو باليرموك و كانت قد قطعت يده يوم اليمامة. (أسد الغابة 2/54 و 3/115) .

[ (6) ]و هم بالجابية (فتوح الأزدي) .

112

رأى و حيّا اللّه خالدا و قرّبه.

قال: و سار خالد في جيشه ذلك فلما تقارب من أرض الشام نظر إلى مدينة من مدن الروم يقال لها: تدمر[ (1) ]و فيها خلق كثير من الروم، فأقبل حتّى أحاط بهم من كل جانب. قال: و خرجت الروم و أقبلوا إلى خالد بن الوليد كالسباع الضارية و اقتتل القوم قتالا شديدا، فقتل من المسلمين أربعة نفر إخوة سعيد و قيس و الحجاج و سائب بنو الحارث السدوسي و خامسهم عبد اللّه بن عبد شمس أخو جرير بن عبد اللّه البجلي.

قال: ثم نادى خالد بصوت له جهوري و قال: يا أهل الإسلام!الشدة الشدة!فإنّكم إن قاتلتموهم و أنتم تريدون ما عند اللّه رجوت أن لا تقوم لهم قائمة إن شاء اللّه، قال: ثمّ حمل الناس معه على جميع أهل تدمر و لحق خالدا بطريق من بطارقتهم فنفحه بالسيف نفحة أطال قحف رأسه، فانهزم القوم حتى دخلوا مدينة تدمر و أغلقوا على أنفسهم الباب، و أقبل خالد بن الوليد حتى نزل عليهم يومه.

فلما كان من غد ركب في جماعة من أصحابه فدار حول المدينة فلم يقدر لهم خالد على حيلة لوثاقة سورها، ثم إنّه عزم على الرحيل عنهم فنادى في أصحابه أن يرحلوا و أقبل حتى وقف حذاءهم ثم قال: و اللّه يا أهل تدمر!لو كنتم في السحاب لاستنزلناكم بإذن اللّه عزّ و جلّ و ظهرنا عليكم غير أني أريد المسير إلى أصحابي المقيمين بالشام لأني قد كتبت إليهم و أعلمتهم بقدومي و هم ينتظرونني و لا بدّ لي من السرعة إليهم، و و اللّه إن أنتم لم تصالحوني هذه المرة لأرجعنّ إليكم إذا انصرفت من وجهي هذا، ثم‏[ (2) ]لأدخلن عليكم مدينتكم و لأقتلنّ مقاتلتكم و لأسبينّ نساءكم و ذرّيتكم، و قد أعذرت إليكم و أنذرتكم، و أنا خالد بن الوليد و لعلّكم قد سمعتم باسمي.

ثم رحل من عندهم فصاحوا به أن ارجع فإنّا نصالحك على ما تريد. قال:

فرجع إليهم خالد بن الوليد فصالحهم على مال أخذه منهم و فرّقه في أصحابه.

[ (1) ]تدمر: مدينة قديمة في برية الشام على الطريق إلى حلب.

[ (2) ]في فتوح الأزدي: ثم لا أرتحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم، و أسبي ذراريكم. (انظر الطبري 3/ 407 فتوح البلدان ص 119 الكامل 2/68) .

113

ثم سار خالد من تدمر حتى صار إلى ثنية العقاب‏[ (1) ]لأن راية خالد كانت سوداء و كان يقال لها العقاب‏[ (2) ]، قال: فلمّا أشرف خالد من الثنيّة نظر المسلمون إلى رايتهم و هم نزول في مرج دمشق فقالوا: و اللّه!هذه العقاب راية خالد بن الوليد، فاستقبلوه، ثم إنهم دخلوا مدينة دمشق فحصنوا فيها، و أقبل خالد حتى نزل الدير الذي يقال له دير خالد و به يعرف إلى يومنا هذا، و يقال إنه على ميل من دمشق مما يلي الباب الشرقي.

قال: ثم دعا خالد بن الوليد بيزيد بن أبي سفيان فضمّ إليه خمسة آلاف رجل و وجّه به إلى البلقاء[ (3) ]فقال: اذهب و انزل بإزاء العدوّ و حارب من قدرت، و إن خفت من العدوّ أمرا من الأمور فاكتب إليّ بذلك حتى أمدّك بخيل و رجال إن شاء اللّه، ثم دعا بعمرو بن العاص فضمّ إليه خمسة آلاف رجل و وجّهه إلى فلسطين ثمّ أوصاه بما أوصى به يزيد بن أبي سفيان، ثم دعا بشرحبيل بن حسنة فضمّ إليه ثلاثة آلاف فارس و وجّه به إلى بصرى، و دعا معاذ بن جبل فضمّ إليه ألفي فارس و وجّه به إلى بعلبك، و دعا خالد بن سعيد بن العاص فضمّ إليه أربعة آلاف فارس و وجّه به إلى حمص، و دعا سعيد بن عامر بن جديم‏[ (4) ]فضم إليه ثلاثة آلاف فارس و وجّه به إلى حوران‏[ (5) ].

قال: ففرّق خالد بن الوليد خيله بأرض الشام في اثني و عشرين ألفا و بقي هو و أبو عبيدة بن الجراح بغوطة دمشق في خمسة عشر ألف من المسلمين، ثم رتّب الجواسيس في أرض الشام ليتجسس عن أخبار الروم، قال: فبينما هو كذلك إذا بجاسوس قد أقبل فقال: أيها الأمير!الحذر الحذر!ضمّ إليك أطرافك، و اكتب إلى أمرائك في النواحي أن يحذروا الروم‏فإنّهم قد اجتمعوا بموضع يقال له أجنادين‏[ (6) ] [ (1) ]ثنية العقاب: ثنية مشرفة على غوطة دمشق (معجم البلدان) و انظر في الطبري 3/407 و الأزدي و البلاذري و ابن الأثير خطة سير خالد بعد تدمر.... حتى وصل إلى ثنية العقاب.

[ (2) ]كذا بالأصل و ابن الأثير، و في فتوح الأزدي: و معه راية بيضاء قال: فلما جاوز تلك الثنية سميت ثنية العقاب إلى اليوم.

[ (3) ]البلقاء: من أعمال دمشق، بين الشام و وادي القرى (معجم البلدان) .

[ (4) ]كذا، و قد تقدم «حذيم» و قيل «خذيم» .

[ (5) ]حوران: كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة (معجم البلدان) .

[ (6) ]أجنادين: بلد بأرض الشام. و هي بين الرملة و بيت جبرين من أرض فلسطين.

114

في نيف على أربعين ألفا أو يزيدون فإن أهل البلاد من نصارى العرب قد وعدوهم و قد ضمنوا لهم المعونة عليكم. قال: فأقبل خالد على أبي عبيدة فقال: ما الرأي عندك في هذا الخبر؟قال أبو عبيدة: الرأي عندي في ذلك أن تبعث إلى أمرائك الذين فرّقتهم في البلاد فتشخصهم إليك ثم تسير بهم حتى تلقى العدو فعسى اللّه تبارك و تعالى أن يفض جمعهم و يفلّ جدهم و يهزم عسكرهم، فقال خالد: هذا هو الرأي و لكن أحببت أن أستشيرك في ذلك، ثم كتب خالد إلى جميع أمرائه الذين وجّه بهم إلى البلاد بنسخة واحدة: أما بعد فإنه قد نزل بأجنادين جمع الروم غير ذي قوة و لا عدد و قد بلغني أنهم في أربعين ألفا[ (1) ]و ليسوا هم عندنا بشي‏ء إن شاء اللّه، و اللّه قاصمهم و قاطع ظهورهم و جاعل دائرة السوء عليهم، و قد شخصت إليهم يوم كتبت كتابي هذا إليكم فإذا ورد الكتاب عليكم فانهضوا-يرحمكم اللّه-إلى عدوّكم فأحسن‏[ (2) ]نجدتكم و أحسن ثباتكم و أفضل بصائركم، ضاعف اللّه أجوركم و حطّ عنكم أوزاركم و أظهركم على أعدائكم، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. قال:

ثم وجّه خالد بهذه الكتب إلى أمراء الأجناد مع أنباط الشام الذين كانوا عند المسلمين. قال: و كان هؤلاء الأنباط قوم نصارى غير أنهم كانوا إلى المسلمين لبرهم أميل بهم وصلتهم إياهم فكانوا فيوجا[ (3) ]للمسلمين و جواسيس و كانت الروم لا يتهمونهم في شي‏ء من ذلك.

قال: فمضت الفيوج بالكتب إلى الأمراء، و نادى خالد في المسلمين و رحل من الغوطة في خمسة عشر ألفا يريد إلى أجنادين، فقال له أبو عبيدة: أمثلك يقول هذا؟و اللّه لألقينهم بما معي!فلو أنهم كثروا فالنصر من عند اللّه العزيز الحكيم.

قال: فالتفت أبو عبيدة فإذا أهل دمشق قد خرجوا في آثار المسلمين فقال أبو عبيدة:

أيها الأمير!هذا ما كنا فيه، قال خالد: فلا عليك أبا عبيدة!فكلّ جهاد.

قال: ثم صاح خالد بأصحابه: ارجعوا إلى أعداء اللّه. قال: فحمل خالد بن الوليد و أبو عبيدة و حمل المسلمون معهما على أهل دمشق‏[ (4) ]فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أدخلوهم مدينة دمشق، و قد قتل منهم بشر كثير. قال: ثم سار خالد في [ (1) ]في فتوح الواقدي: تسعين ألفا.

[ (2) ]في فتوح الأزدي ص 87: في أحسن عدتكم، و أصح نيتكم.

[ (3) ]الفيوج: جمع فيج و هو الحارس أو العدّاء سريع الجري.

[ (4) ]انظر تفاصيل أوردها الواقدي في معركة دمشق ص 49-50.

115

المسلمين حتى وافى الروم بأجنادين في يوم الجمعة فنزل قبالتهم و ذلك في وقت العشاء، فلمّا أمسى خالد و مضى من الليل بعضه و إذا جيوش المسلمين قد وافته من جميع المواضيع.

ذكر وقعة أجنادين و هي أول وقعة لخالد بن الوليد مع الروم‏

قال: فأصبح خالد يوم السبت يعبّي أصحابه فجعل على ميمنته معاذ بن جبل، و على ميسرته سعيد بن عامر بن جديم‏[ (1) ]، و على جناح الميمنة يزيد بن أبي سفيان، و شرحبيل بن حسنة على جناح الميسرة، و خالد بن سعيد بن العاص على الكمين، ثم جعل خالد بن الوليد نساء المسلمين من وراء الصفوف و أمرهن فاحتزمن‏[ (2) ]و تشمرّن و أخذن في أيديهن الحجارة و جعلن يدعون اللّه و يستنصرنه على أعداء المسلمين.

قال: و جعل خالد بن الوليد لا يقر بمكان واحد و لكنّه يقف على كثيبة كثيبة من المسلمين‏[ (3) ]و يقول: اتّقوا اللّه عباد اللّه!و قاتلوا في سبيل اللّه من كفر باللّه و لا تنكصوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، و لا تهنوا و لا تجبنوا عن عدوّكم، و لكن إقداما كإقدام الأسد الضارية فإنّكم أحرار كرام، و ارفضوا عنكم هذه الدنيا و اطلبوا ثواب الآخرة، و أنتم الأعلون و اللّه معكم‏[ (4) ]، و بعد فإنّكم‏[ (5) ]إن هزمتم هؤلاء القوم كانت لكم هذه البلاد دارا للإسلام ما بقيتم أبدا مع رضوان اللّه و الجنّة.

قال: و دنت الروم من المسلمين بخيلها و رجلها في الآية و السلاح الشاك و قد تعبّوا ميمنة و ميسرة و قلبا و جناحا و بين أيديهم يومئذ بطريق من بطارقة الروم يقال له قلفط[ (6) ]، عليه ديباجة منسوجة و على رأسه تاج من ذهب و تحته فرس أدهم مغرق.

[ (1) ]مرت الاشارة إليه.

[ (2) ]عند الأزدي: «فاحترمن» أي حرمن على الرجال ما كان مباحا لهم معهن.

[ (3) ]كذا بالأصل، لعله كتيبة. و عند الأزدي: و أقبل خالد يقف على كل قبيلة و كل جماعة.

[ (4) ]في فتوح الأزدي: و لا يهولنكم ما ترون من كثرتهم، فإن اللّه منزل عليهم رجزه و عقابه.

[ (5) ]نسب هذا القول إلى معاذ بن جبل.

[ (6) ]كذا بالأصل. و عند ابن الأثير: تذارق أخو هرقل. و في الطبري و تاريخ خليفة: رجل من الروم يقال له القبقلار.

116

السرج و اللجام بالذهب.

قال: فقال أبو عبيدة بن الجراح: كبّروا أيها المسلمون تكبيرة واحدة فإنّ اللّه عزّ و جلّ مهلكهم و مبدّد شملهم، قال: فكبّر المسلمون و ألقى اللّه الرعب في قلوب الكفار. قال: و همّ المسلمون بالحملة عليهم، فقال خالد: لا تعجلوا حتى أحمل أنا، فإذا رأيتموني قد حملت فاحملوا. قال: فوقف المسلمون و جعلت سهام الروم تقع على عسكر المسلمين كالمطر، فصاح رجل‏[ (1) ]من المسلمين بخالد بن الوليد:

أيها الأمير!لما ذا قد نصبتنا لهؤلاء الأعلاج هدفا يرموننا بنشابهم حتى قد جرحوا منا جماعة؟فقال له خالد: ويحك!إنما أنتظر الوقت الذي كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يحارب فيه، فإنه وقت مبارك‏[ (2) ]. قال: فوقف المسلمون لا يزول واحد منهم من موضعه و السهام تعمل في ذلك عملها، فقتل يومئذ بالسهام أبان بن سعيد بن العاص رحمة اللّه عليه. و قتل أيضا هشام بن العاص، و سلمة[ (3) ]بن هشام المخزومي، و نعيم بن صخر العدوي، و هبار بن سفيان الأزدي، و عبد اللّه بن عمر السدوسي‏[ (4) ]، فعندها ضجّ المسلمون إلى خالد و أمروه بالحملة، فعندها قال خالد: احملوا و لا حول و لا قوّة إلا باللّه، ثم كبّر و حمل و حمل المسلمون معه، و انكشفت الروم من بين أيديهم و أخذتهم السيوف، فقتل منهم في المعركة ألف‏[ (5) ]و سبعمائة رجل، و قتل صاحبهم قلفط[ (6) ]، و اتبعهم المسلمون يقتلونهم و يأسرونهم و مرّ القوم منهزمين على وجوههم [ (1) ]هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل-ابن عم عمر بن الخطاب (عن فتوح الأزدي) .

[ (2) ]في الأزدي ص 90-91 «كان من رأي خالد مدافعتهم، و أن يؤخروا القتال إلى صلاة الظهر عند مهب الأرواح، و تلك الساعة التي كان رسول اللّه (ص) يستحب القتال فيها» و عن رواية أبي داود و الترمذي : أنه (ص) كان يبدأ الجهاد عند شروق الشمس إلى قبيل وقت الظهر، ثم يستأنفه بعد الزوال عند هبوب الريح، و كان يقول: تهب نسائم النصر في هذه الأوقات.

[ (3) ]عند الأزدي: مسلمة.

[ (4) ]كذا بالأصل و هو خطأ، و هو عبد اللّه بن عمرو بن الطفيل ذي النور الأزدي، ثم الدوسي (فتوح الأزدي ص 92) و في فتوح البلدان ص 121 عمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي. و انظر الكامل لابن الأثير 2/74. و فيه: عبد اللّه بن الطفيل الدوسي، و هو الملقب بذي النور. انظر تاريخ خليفة ص 120. و انظر في هذه المصادر بقية أسماء من استشهد في معركة أجنادين.

[ (5) ]عند الأزدي: ثلاثة آلاف. و في فتوح الشام للواقدي ص 66 قتل خمسون ألفا و تفرق من بقي منهم، و كانوا تسعين ألفا.

[ (6) ]انظر ما سبق. ـ

117

حتى تفرّقوا في الحصون. و احتوى المسلمون على غنائم الروم فجمعوها، و قدم خالد من أسر منهم و هم يزيدون على ثمانمائة رجل، فضرب أعناقهم صبرا و ما أبقى على واحد منهم.

ذكر كتاب خالد بن الوليد إلى أبي بكر رضي اللّه عنه بخبر وقعة أجنادين‏[ (1) ]

بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) ، من خالد بن الوليد سيف اللّه المصبوب على أعداء اللّه المشركين، سلام عليك!أما بعد فإنّي أخبرك أيها الصدّيق!إنا لقينا المشركين بموضع من أرض الشام يقال له أجنادين و قد جمعوا لنا جموعهم و رفعوا صلبانهم و نشروا أناجيلهم‏[ (2) ] و تقاسموا بأيمانهم أنّهم لا يفرّون و لا يبرحون و لا ينصرفون حتى يقتلونا و يبيدونا[ (3) ] و يخرجونا من بلادهم، فلقيناهم و نحن باللّه واثقون و بحبله معتصمون و عليه متكلون، فطاعنّاهم بالرّماح و كافحناهم بالصفاح و أرميناهم بالسهام و أذقناهم حرّ الحمام، فلم نزل كذلك حتّى أعزّ اللّه عزّ و جلّ نصرة الإسلام و أظهر أمره و أنجز وعده و أفلح جنده و هزم الكافرين وحده، فقتلنا في كل واد و حجر و تحت كل شجر و مدر، فأحمد اللّه عزّ و جلّ يا خليفة رسول اللّه على إعزاز دينه و أوليائه و إذلال أعدائه و حسن صنعه بالمسلمين، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته‏[ (4) ].

قال: فلمّا قرأ أبو بكر الكتاب الذي لخالد بن الوليد تهلّل لذلك‏وجهه فرحا و فرح فرحا شديدا و سر سرورا ظاهرا، ثم رمى بالكتاب إلى عمر بن الخطاب، فلمّا قرأ الكتاب قطب حاجبه و عبس وجهه ثم قال: قبّح اللّه صلف خالد و تيهه و عجبه بنفسه!يكتب إليك «من خالد بن الوليد سيف اللّه المصبوب على أعدائه» إنّ سيف اللّه هو الذي وضعه بذلك الموضع. قال: فسكت أبو بكر هنيهة ثم قال: أبا حفص!الحمد للّه على نصر المسلمين فقرّت بذلك عيوننا، فقال عمر: نعم [ (1) ]قارن مع نسختين للكتاب في فتوح الشام للأزدي ص 93 و فتوح الشام للواقدي ص 67.

[ (2) ]عند الأزدي: و كتبهم.

[ (3) ]عند الأزدي: لا يفرون حتى يفنونا و عند الواقدي: أن لا يفروا حتى ينهزموا.

[ (4) ]كذا بالأصل و الأزدي، و زيد عند الواقدي: و جملة من أحصيناهم ممن قتل من المشركين خمسون ألفا، و قتل من المسلمين في الأول و الثاني أربعمائة و خمسون رجلا ختم اللّه لهم بالمسلمين.

118

فالحمد للّه على ذلك و لكن لا يجب أن يتسمّى بسيف اللّه.

قال: ثم كتب أبو بكر رضي اللّه عنه إلى خالد بن الوليد كتابا لطيفا يشكره على فعله بالمشركين و يبشّره بثواب اللّه عزّ و جلّ و يبشّر من معه من المسلمين و يقوّي عزمهم و يأمرهم بالشكر للّه عزّ و جلّ و ذكره كثيرا[ (1) ].

قال: ثم أقبل خالد بن الوليد بالمسلمين حتّى نزل موضعه الذي كان فيه من أرض دمشق‏[ (2) ]مما يلي الباب الشرقي، و نزل أبو عبيدة على باب الجابية، و نزل يزيد بن أبي سفيان على باب توماء[ (3) ]، فأحاط المسلمون بمدينة دمشق و حاصروا أهلها حصارا شديدا و ضيّقوا عليهم غاية الضيق‏[ (4) ]. قال: و جعل أهل دمشق يرمون المسلمين بالحجارة و السهام من كلّ جانب، فلم يقدر أحد يدنو من سور المدينة إلا رمي.

قال: فبينا المسلمون كذلك إذ أقبل بعض الجواسيس إلى خالد بن الوليد، فقال: أيها الأمير!كن على حذر، فهذا جيش قد أقبل من عند هرقل ملك الروم معونة لأهل دمشق.

[ (1) ]نسخة كتاب أبي بكر عن فتوح الشام للواقدي ص 68.

بسم اللّه الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسول اللّه إلى خالد بن الوليد و من معه من المسلمين.

أما بعد، فإني أحمد اللّه الذي لا إله إلا هو، و أصلي على نبيه محمد (ص) ، و أوصيكم و آمركم بتقوى اللّه في السر و العلانية و قد فرحت بما أفاء اللّه على المسلمين من النصر و هلاك الكافرين و أخبرك أن تنزل إلى دمشق إلى أن يأذن اللّه بفتحها على يدك، فإذا تم لك ذلك فسر إلى حمص و أنطاكية و السلام عليك و على من معك من المسلمين و رحمة اللّه و بركاته. و قد تقدم إليك أبطال اليمن و أبطال مكة و يكفيك ابن معدي كرب الزبيدي و مالك بن الأشتر و انزل على المدينة العظمى انطاكية، فإن بها الملك هرقل فإن صالحك فصالحه و إن حاربك فحاربه و لا تدخل الدروب، و أقول هذا و أن الأجل قد قرب.

[ (2) ]نزل بدير خالد، و هو على ميل من دمشق.

[ (3) ]بالأصل: ثوما. و ما أثبتناه عن معجم البلدان و توماء اسم قرية بغوطة دمشق، و إليها ينسب باب توماء من أبواب دمشق.

[ (4) ]زيد في فتوح الشام للواقدي: و عمرو بن العاص إلى باب الفراديس، و قيس بن هبيرة إلى باب الفرج، و ضرار بن الأزور و ضم إليه ألفي فارس، و قال له: تطوف حول المدينة بعسكرك (تقدم أن ضرار مات باليمامة؟) (فتوح الشام 1/70) .

119

ذكر وقعة مرج الصّفّر[ (1) ]آخر وقعة أجنادين‏

قال: فنادى خالد بن الوليد في المسلمين و ركبوا و ركب معهم خالد بن الوليد و سار في المسلمين نحو ذلك الجيش الذي وصفه الجاسوس، فإذا هو بصليبين للروم، تحت كل صليب عشرة آلاف فارس بموضع يقال له: مرج الصّفّر[ (1) ].

قال: ثم حمل خالد و حمل المسلمون معه على جميع الكفار، فقتل منهم خلق كثير، و لم يقتل من المسلمين رجل واحد و لا جرح منهم فارس و لا راجل‏[ (2) ].

قال: فأسر منهم خالد مائة و عشرين رجلا و فيهم بطريق عظيم الشأن يقال له: قسطا، فأتي به إلى خالد بن الوليد حتى أوقف بين يديه، فقال له خالد: أسلم و إلا ضربت عنقك، فتكلم البطريق بالرومية و قال: إني غير داخل في دينك فاصنع ما بدا لك، قال خالد: ما يقول هذا الكلب؟فقال بعض الجواسيس: إنه يقول أيها الأمير كذا و كذا، قال: فقدمه خالد فضرب عنقه و أعناق الأسرى جميعهم فما أبقى على واحد منهم، و رجع إلى باب دمشق كما كان.

قال: و جعل المسلمون يغيرون على أطراف دمشق فكلّما أصابوا نفلا أتوا به في المقسم‏[ (3) ]، فلم يستحل أحد أن يغل‏[ (4) ]شيئا حتى إنّ الرجل من المسلمين كان ربما أتي بكبة[ (5) ][من‏]غزل و بكبة من الصوف و الشعر و الإبرة و المسلة و ما فوق ذلك فيسلمه إلى صاحب المقسم. قال: و بلغ ذلك بطريق دمشق الذي هو مقيم بها و كان اسمه القنفلان فجعل يعجب من المسلمين و من أمانتهم و عدلهم و حسن سيرتهم، ثم أقبل على من كان عنده من البطارقة بدمشق فقال: ألا ترون إلى أمنة هؤلاء القوم و عفافهم، ليس فيهم أحد يستحل أن يأخذ من غنائمنا شيئا دون الآخر، فقال له [ (1) ]بالأصل: الصفرا. و مرج الصفر واحد من مروج غوطة دمشق. و المرج الموضع الذي ترعى فيه الدواب. و الصفر: بضم أوله و فتح الفاء المشددة.

[ (2) ]كذا بالأصل. و في فتوح البلدان ص 125 جرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف. و في فتوح الأزدي ص 96 أن قتلاهم كانوا خمسمئة في المعركة، و قد قتلوا و أسروا نحوا من خمسمئة أخرى.

و انظر في تاريخ خليفة ص 120 و فتوح البلدان ص 125 أسماء بعض من قتل من المسلمين.

[ (3) ]في فتوح الأزدي: في القبض.

[ (4) ]غلّ: من الغلول يعني الخيانة في الغنيمة. و السرقة من الغنيمة. قال ابن الأثير: و كل من خان في شي‏ء خفية فقد غل (اللسان) .

[ (5) ]كذا بالأصل، و صوابه الجبة، و هي الثوب.

120

بعض بطارقته: نعم أيها الملك و إنهم لرهبان بالليل صوّام بالنهار، لو سرق بينهم ملكهم شيئا لقطعوه. و لو زنى أحد منهم لرجموه، قال القنفلان: إنّه قد بلغني عنهم ذلك، و و اللّه إن بطن الأرض خير لي من ظهرها لأني قد علمت أنه ليس لي بهم طاقة، و لا لي في قتالهم خيرة، و لو لا أني أخاف غضب الملك الأكبر إذا لسألتهم الصلح فلعلي أنجو منهم و أدخل في دينهم‏[ (1) ].

قال: فبينا المسلمون على باب دمشق و قد طمعوا في فتحها عنوة لشدّة حصارهم إياها إذ بلغهم أن أبا بكر الصديق عليل، فاغتمّوا لذلك غمّا شديدا و كتموا ذلك على أهل دمشق.

[ (1) ]زيد في فتوح الشام للأزدي ص 98: فراوض المسلمين على الصلح، فأخذ لا يعطيهم ما يرضيهم، و لا يتابعونه على ما يسأل، و هو في ذلك لا يمنعه من الصلح و الفراغ إلا أنه بلغه أن قيصر يجمع المجموع للمسلمين، و أنه يريد غزوهم، فكان ذلك مما يمنعه من تعجيل الصلح.

121

ذكر وفاة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه قبل فتح دمشق‏

قال: و اشتد المرض بأبي بكر رضي اللّه عنه جدّا و المسلمون نزول على باب دمشق، و دعا أبو بكر بدواة و بياض فكتب خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، ثم دفع الرقعة إلى رجل من المسلمين فقال: اخرج بهذه الرقعة إلى الناس فخبّرهم بما هو فيها.

قال: فخرج الرجل بالرقعة حتى دخل مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) و الناس مجتمعون، فقال: أيها الناس!أ تسمعون لخليفة نبيّكم؟فقال الناس: نعم، هات ما عندك، فقال: هذه الرقعة فيها عهد منه و قد استخلف عليكم عمر بن الخطاب. قال: فسكت قوم فلم ينطقوا بشي‏ء، و تكلم قوم فقالوا:

سمعنا و أطعنا.

و أقبل طلحة حتى دخل على أبي بكر رضي اللّه عنه فقال: يا خليفة رسول اللّه!تستخلف على الناس عمر بن الخطاب؟فقال: و لم لا أستخلفه يا طلحة؟قال: لأنك قد رأيت الناس من صرامته و غلظته و أنت حي فكيف إذا مضيت أنت و صار الأمر إليه؟و بعد فإنك قادم على ربك فإنّه سائلك عن رعيتك.

قال: فسكت أبو بكر ساعة ثم رفع رأسه إلى طلحة فقال: أ بالموت تفزعني أم بربي تخوّفني؟نعم إذ أقدم على ربي و سألني عن رعيتي أقول: يا ربّ!استخلفت عليهم خير أهلك.

قال: ثم دعا أبو بكر رضي اللّه عنه عثمان بن عفان فأقعده بين يديه، ثم دعا بدواة و بياض فقال له: اكتب يا عثمان!قال: و ما أكتب يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟

122

قال: اكتب: هذا ما أوصى به أبو بكر عبد اللّه بن عثمان عند آخر عهده بالدنيا فهو خارج منها و أول عهده بالآخرة و هو داخل فيها أنه استخلف على الأمة عمر بن الخطاب، فإن قصد الحق فذاك ظني به و رجائي فيه، و إن بدل و غير فلكل امرئ ما اكتسب‏ وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ (1) ].

قال: ثم دعا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فلما جاء و قعد بين يديه فقال له أبو بكر: يا عمر!إنه قد أبغضك مبغض و أحبك محب و قديما كان الشر يحب و الخير يبغض، فدونك هذا العهد فخذه إليك، فأنت خليفتي من بعدي على الأمة. فقال عمر: يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!إنه لا حاجة لي فيها، فقال أبو بكر: فإن لم يكن لك فيها حاجة فإن بها إليك حاجة، و بعد فإني ما حبوتك بالخلافة و لكني حبوت الخلافة بك، و مع ذلك فإني أحذرك نفسك فإن النفس لأمارة بالسوء، و أحذرك بعد نفسك الناس فإنه قد شخصت أبصارهم و انتفخت أجوافهم و تمنى كل واحد منهم أمنية[ (2) ]، و اعلم يا عمر!فإنهم منك خائفون ما خفت اللّه تعالى و انزه عن هواك، و اعلم يا عمر!إن للّه تعالى حقا بالنهار لا يقبله بالليل و حقّا بالليل لا يقبله بالنهار، و اعلم أنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، و قد علمت يا عمر أن اللّه تبارك و تعالى ذكر أهل الجنة بحسن أعمالهم و ذكر أهل النار بسوء أفعالهم و إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباع الحق، و[إنما-]خفت‏[موازين-]من خفت موازينه‏[يوم القيامة-]باتباع الباطل، و قد علمت يا عمر أن اللّه عز و جل أنزل آية الرخاء مع آية الشدة و آية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن في هذه الدنيا راغبا راهبا و لا يلقي بيده إلى التهلكة، فانظر يا عمر!لا تتمن على اللّه إلا الحق و لا يكونن شي‏ء هو أحب إليك من الموت و لا أبغض إليك من الحياة، و إياك و الذخيرة فإن ذخيرة الإمام تفسد عليه دينه و تسفك دمه، فاحفظ وصيتي يا عمر و لا تنسها، و احفظ المهاجرين و الأنصار و اعرف لهم حقهم و فضائلهم و لا تفضهم و لا تباعدهم [ (1) ]انظر كتاب عهد أبي بكر إلى عمر بن الخطاب مجموعة الوثائق السياسية وثيقة 302/د ص 404- 405 نقلا عن أنساب الأشراف للبلاذري، ج 2/486 و السنن الكبرى للبيهقي 8/149 و اعجاز القرآن للباقلاني ص 65 و صبح الأعشى للقلقشندي 9/359 و انظر الطبري 3/429 ابن الأثير 2/ 80 و الإمامة و السياسة 1/19 و العقد الفريد 4/267 و طبقات ابن سعد 3/200. و بين النصوص في هذه المصادر خلاف.

[ (2) ]قارن مع الكامل في التاريخ 2/80 و البيان و التبيين 2/61 و ما بين معكوفتين في النص زيادة عنهما. ـ

123

و اخفض لهم جناحك يحبوك في المشهد و المغيب.

قال: ثم التفت أبو بكر رضي اللّه عنه إلى الناس و هم عن يمينه و شماله فقال:

أرضيتم بعمر بن الخطاب إماما من بعدي؟فقال من حضر: سمعنا و أطعنا.

فقال: ثم خرج الناس من عنده و دعا أبو بكر بابنته عائشة رضي اللّه عنها فقال لها: يا بنية!إن على أبيك دينا[ (1) ]لا يجده فهل أنت مؤديته من بعدي؟فقالت: نعم يا أبتي و لم لا أؤديه!فقال: إنه قد دنا الأمر و أرجف الأجل، فإذا أنا مت فاغسلوني و كفنوني و حنطوني و صلوا علي ثم ائتوا بي إلى قبر حبيبي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فاستأذنوا و قولوا: السلام عليك يا رسول اللّه!هذا أبو بكر بالباب، فإن أذن لكم في دفني إلى جانبه فادفنوني، و إن لم يؤذن لكم في ذلك فأتوا بي إلى مقابر المسلمين و إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ. قال: فكان هذا الكلام من أبي بكر رضي اللّه عنه في يوم الأحد فلما كان يوم الاثنين توفي أبو بكر رضي اللّه عنه في مثل تلك الساعة التي توفي فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. قال: فغسل أبو بكر و حنط و كفن و صلي عليه، ثم حمل على أعواد المنايا و أتي به إلى قبر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فحفر له فيه إلى جنب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فدخل أبو بكر التراب لست ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة[ (2) ]، و استخلف عمر بن الخطاب رأس سنتين و ثلاثة أشهر و عشرين يوما من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

[ (1) ]ذكر ابن سعد قال: توفي أبو بكر الصديق و عليه ستة آلاف كان أخذها من بيت المال. (3/193) .

[ (2) ]كانت خلافته سنتين و ثلاثة أشهر و عشر ليال، و قال أبو معشر: سنتين و أربعة أشهر إلا أربع ليال. و كان عمره يوم مات 63 سنة.

(ابن سعد 3/202 الطبري 3/421 ابن الأثير 2/75 تاريخ اليعقوبي 2/138) .

124

ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏

قال: فلما أفضت الخلافة إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه جعل الناس يدعونه: خليفة خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، قال: فقال عمر: أيها الناس!إن هذا الاسم الذي أراه تدعونني به يطول على الناس و يشتد عليهم و لكن ادعوني بغيره فإنه أحب إليّ و أسهل عليكم و أخف، فقالوا[ (1) ]: و كيف ندعوك؟فقال عمر: أنتم المؤمنون و أمركم إليّ فأنا أميركم، فقالوا: ندعوك إذا «أمير المؤمنين» . قال:

فخرج هذا الاسم لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أول الناس و هو أول من قيل له:

أمير المؤمنين.

ذكر كتاب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى أهل الشام بتعزية أبي بكر و ذكر وفاته رحمة اللّه عليه‏

[ (2) ]بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين، إلى من بالشام من المسلمين و المؤمنين، سلام عليكم!فإن من الحادث الذي حدث على هذه [ (1) ]عند ابن سعد: فقال بعض أصحاب رسول اللّه (ص) : نحن المؤمنون و عمر أميرنا فدعي عمر أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بذلك (الطبقات 3/281) .

[ (2) ]نسخة الكتاب في فتوح الشام للأزدي ص 98 و الوثائق السياسية وثيقة 353/ب ص 459 باختلاف بين النصوص.

قال الأزدي: و جاء بالكتاب يرفأ (مولى عمر بن الخطاب) .

125

الأمة أن أبا بكر الصديق خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم توفي ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، رحمة اللّه و رضوانه على أبي بكر القائم بالحق القائل بالصدق و الآمر بالصدق و الآخذ بالقسط و المعروف الرؤوف الرحيم الورع الحكيم، فرغب في العصمة برحمته و العمل بطاعته و الخلود في جنته إنه على كل شي‏ء قدير، و إذا[ (1) ]ورد عليكم كتابي هذا و قرأتموه فالأمير عليكم أبو عبيدة بن الجراح و هو أمير جماعتكم، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

قال: ثم كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه كتابا صغيرا و جعله في وسطه و هو[ (2) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليك!أما بعد فإنك بحمد الله في كنف من المسلمين و عدد يكفي بعضهم حصار أهل دمشق، فإذا ورد عليك كتاب هذا فأقرأه على من قبلك من المسلمين و خبرهم بأنك الوالي عليهم، و ابعث سراياك في نواحي الشام و لا تقر عسكرك من جندك فيطمع فيك عدوك و لكن انظر برأيك فيمن استغنيت عنه من أصحابك فسرحه إلى ما قبلي، و من احتجت إليه منهم في حصارك فاحبسه عندك، و ليكن فيمن تحبسه هناك خالد بن الوليد فإنه لا غناء بك عنه، و السلام.

قال: فلما ورد كتاب عمر رضي اللّه عنه على أبي عبيدة بعزل خالد بن الوليد و ولايته على المسلمين استحيى أن يخبر خالدا، ثم جعل يصلي خلفه و لا يبدي له شيئا حتى سمع خالد بعزله، و ذلك أنه سمع الناس يقولون لأبي عبيدة: أيها الأمير، و علم و أيقن أنه معزول فقال: رحم اللّه أبا بكر!أما انه لو كان حيا لما عزلني أبدا، و أنت يا أبا عبيدة رحمك اللّه كيف لم تعلمني بعزلي و ولايتك علي و أنت تصلي خلفي و لك السلطان عليّ، فقال أبو عبيدة: ما كنت أحب أن أعلمك بذلك لولا أنك علمته من غيري، و بعد يا أبا سليمان!فما يبلغ من سلطان الدنيا و أمارتها، إنما نحن إخوان في ذات اللّه عز و جل، فأينا ولي أخاه لم يضره ذلك في دينه و لا في دنياه [ (1) ]في فتوح الأزدي ص 102-103 وردت تولية أبي عبيدة و عزل خالد في كتاب مستقل أرسله مع شداد بن أوس بن ثابت. (و انظر فتوح الشام للواقدي ص 96-97) . و الوثائق السياسية وثيقة 353/ألف و 353/ب و 353 هـ- (هذه الوثيقة نقلا عن الأزدي و لم نجدها في فتوحه المطبوع) .

[ (2) ]الوثائق السياسية وثيقة 353 هـ-باختلاف النص.

126

شيئا، لا بل لعل الوالي أن يكون أقرب إلى الفتنة من رعيته إلا من عصم اللّه، و بعد فإني قد وليتك الحرب و جعلتك على أعنة الخيل و السلام‏[ (1) ].

قال: ثم عبى أبو عبيدة الناس و زحف بهم إلى أبواب دمشق، فأحاطت الخيل بدمشق من كل جانب فضيقوا عليهم غاية الضيق‏[ (2) ]. قال: فعندها نقلت الروم و خرج القنقلان صاحب دمشق في جمع عظيم من الروم إلى محاربة المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا.

قال: و جعل المسلمون يقاتلون و يتأخرون إلى ورائهم و يطمعونهم في أنفسهم حتى بلغت بهم الروم إلى داريا[ (3) ]على فرسخ من دمشق و اشتبك الحرب هناك.

قال: و نظر صفوان بن المعطل إلى رجل من الروم عليه بزة حسنة و حلية ظاهرة و سلاح شاك، فحمل عليه صفوان فطعنه طعنة نكسه عن فرسه قتيلا، و إذا امرأة الرومي عليها سلاح شاك من وراء زوجها فلما نظرت إليه قد صرع عن فرسه حملت على صفوان بن المعطل، قال: و علم صفوان أنها امرأة فأومأ إليها بالسيف و لم يضربها لكنه حمل عليها، فولت المرأة من بين يديه، و نزل صفوان إلى الرومي فسلبه ما كان عليه من بزه و سلاحه، و استوى على فرسه‏[ (4) ].

قال: ثم اجتمع المسلمون في موضع واحد و حملوا على جمع الروم حملة [ (1) ]في الطبري عن ابن إسحاق أن أبا عبيدة لم يعلم خالد بعزله إلا بعد فتح دمشق، و قد جرى الصلح على يدي خالد و كتب الكتاب باسمه. و انظر فتوح البلدان ص 128.

[ (2) ]انظر بشأن تشديد الحصار على أبواب دمشق و القوى التي تولت ذلك فتوح الشام للواقدي 1/70 و فتوح البلدان ص 127. و الطبري 3/438.

[ (3) ]قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق بالغوطة (معجم البلدان) .

[ (4) ]و قال صفوان في ذلك:

و لقد شهدت الخيل يكثر وقعها # ما بين داريا دمشق إلى نوى

فطعنت ذا حلى فصاحت عرسه # يا ابن المعطل ما تريد لما أرى

فأجبتها أنني سأترك بعلها # بالدير منعفر المناكب بالثرى

و أرى عليه حلية فشهرتها # إني كذلك مولع بذوي الحلي‏

(فتوح الأزدي ص 105) .

127

صادقة و ألحقوهم بحيطان دمشق و قد قتل منهم من قتل، و أقبل المسلمون حتى نزلوا على دمشق و عزموا على مناجزة أهلها.

قال: فطال عليهم الحصار سنة و قريبا من شهر[ (1) ]، فلما أضربهم الحصار كتبوا إلى هرقل ملك الروم و هو مقيم بأنطاكية و بعثوا إليه رسولا فقالوا: أيها الملك! إن العرب قد حصرونا و ضيقوا علينا و ليست لنا بهم طاقة و قد قاتلناهم غير مرة و عجزنا عنهم، فإن كانت لك فينا و في السلطان حاجة فامددنا بالرجال و أعنّا[ (2) ]بهم و عجل بنا في ذلك فإنا في ضرّ و جهد جهيد و إلا فقد أعذرنا إليك، و القوم قد أعطونا الأمان و بذلوه لنا غير مرة و رضوا منا باليسير من الجزية. قال: فأرسل إليهم هرقل أن تمسكوا بمدينتكم و حاربوا عدوكم و لا تسلموا حصنكم، فإنكم إن فعلتم ذلك و عجزتم و ونيتم دخلوا عليكم في مدينتكم و لم تجدوا عندهم عهدا و لا وفاء و لا صدقا و أجبروكم‏[ (3) ]على دينكم و أفتنوكم و اقتسموكم بينهم أقساما فصرتم أنتم و نساؤكم و أولادكم لهم عبيدا و إماء، و أنا موجه إليكم بجيش عظيم في اثر رسولي هذا فلا تعجلوا.

قال: فصبر أهل دمشق على الحصار و جعلوا ينتظرون المدد من عند هرقل، فلما أبطأ ذلك عليهم و ضاق بهم الأمر و اشتد عليهم الحصار و رأوا أن المسلمين لا يزدادون إلا قوة و صرامة و قد كانوا علموا أن خالد بن الوليد معزول فأرسلوا إلى أبي عبيدة بن الجراح يسألونه الصلح، فأجابهم أبو عبيدة إلى ذلك و وقع صلحهم على مائة ألف دينار و الجزية بعد ذلك على كل محتلم أربعة دنانير في كل سنة و على نسائهم ديناران فرضي القوم، و كتب الكتاب بينهم بالصلح، فأخذ القنفلان صاحب دمشق الكتاب و وفى للمسلمين بما صالحهم عليه، فأخذ أبو عبيدة هذا المال فأخرج منه الخمس و وجه به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و أعلمه في كتابه بما كان من أهل دمشق و صلحه إياهم، و قسم باقي المال في المسلمين و هم سبعة [ (1) ]في الطبري: سبعين ليلة. و قال الواقدي: ستة أشهر. و في تاريخ اليعقوبي 2/140 أقاموا على ما كانوا عليه في حصار دمشق حولا كاملا و أياما.

[ (2) ]في فتوح الأزدي ص 106: و أغثنا و عجل علينا.

[ (3) ]في الأزدي: و أجبروكم على ترك دينكم.

128

و ثلاثون ألفا، و فتحت أبواب دمشق فدخلها المسلمون يوم الجمعة في رجب سنة أربعة عشرة و ثلاثة عشر شهرا مضت من خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فنزل المسلمون دمشق آمنين.

و في رواية: أن الأمير أبو عبيدة رضي اللّه عنه لما دخل دمشق من باب الجابية لم يكن عند خالد رضي اللّه عنه من ذلك علم و لا خبر لأنه كان قد شدد القتال عليهم و دخل من الباب الشرقي و وضع السيف في الروم إلى أن وصل خالد إلى كنيسة مريم و التقى الجيشان عندها[ (1) ].

ذكر تحرك الفرس بالعراق بعد فتح دمشق‏

قال: و تحركت الفرس بالعراق و تكاثرت على المثنى بن حارثة بن‏[سلمة-[ (2) ]] [ (1) ]قال ابن كثير في البداية و النهاية 7/28: اختلاف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا أو عنوة؟فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحا. فقال قائلون: هي صلح يعني على ما صالحهم الأمير في نفس الأمر-و هو أبو عبيدة-. و قال آخرون: بل هي عنوة لأن خالد افتتحها بالسيف، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء و معهم أبو عبيدة فصالحوهم. فاتفقوا على أن يجعلوا نصفها صلحا و نصفها عنوة. (قال الواقدي: قرأت كتاب خالد بن الوليد لأهل دمشق فلم أر فيه أنصاف المنازل و الكنائس و قد روي ذلك و لا أدري من أين جاء به) . و يروي الواقدي في فتوح الشام أن خالد فتح دمشق عنوة و قد دار بينه و بين أبي عبيدة محاجة عنيفة نزل بعدها خالد على رأي أبي عبيدة (فتوح الشام 1/72 و ما بعدها) .

قال ابن كثير 7/25 و المشهور أن خالد فتح الباب قسرا (الباب الشرقي) و قال آخرون بل فتحها عنوة أبو عبيدة و قيل يزيد بن أبي سفيان. و خالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف. و هذا ما ذهب إليه البلاذري في فتوح البلدان و فيه نص كتاب خالد لأهل دمشق بالصلح (ص 127) و فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى خالد بن الوليد لأهل دمشق إذا دخلها أعطاهم أمانا على أنفسهم و أموالهم و كنائسهم و سور مدينتهم لا يهدم و لا يسكن شي‏ء من دورهم، لهم بذلك عهد اللّه و ذمة رسول اللّه (ص) و الخلفاء و المؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية، و قيل إن أبا عبيدة كتب لهم كتاب الصلح، قال ابن كثير: و هذا هو الأنسب و الأشهر (و انظر ما تقدم قبل أسطر) فإن خالدا كان قد عزل عن الأمرة (تقدم أن هناك قولا أن أبا عبيدة لم يبلّغه ذلك إلا بعد فتح دمشق) و قيل إن الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، و لكن أقره على ذلك أبو عبيدة. و هذا ما ذهب إليه اليعقوبي في تاريخه 2/140.

[ (2) ]سقطت من الأصل، و انظر ما تقدم. ـ

129

الشيباني و على من معه من المسلمين، و خرج كسرى ملك الفرس ذات يوم إلى الصيد فعرض له عير وحشي فاتبعه كسرى، و جرى العير بين يديه جريا شديدا و سار كسرى في طلبه حتى إذا أقفرت به الأرض و انفرد من عسكره عطف عليه العير و كلمه بإذن اللّه تعالى و قال له: ويلك يا يزدجرد!آمن بربك تبقى لك نعمتك و لا تكفر فيزول ملكك. قال: ففزع يزدجرد فزعا شديدا ثم رجع إلى قصره منكسرا فدعا بمؤبدته و أساورته فخبرهم بما سمع من العير فقالوا: أيها الملك!ما نظن هذا إلا حدثا يأتيك من هؤلاء العرب الذين نزلوا بساحتك.

قال: و رأى المثنى بن حارثة في منامه رؤيا هالته و أفزعته، فلما أصبح بعث إلى وزرائه فجمعهم إليه ثم قال لهم: اعلموا أني قد رأيت رؤيا، فقالوا له: و ما الذي رأيت أيها الأمير؟قال: رأيت كأن من أحسن الناس قد أقبل و معه لواء فدفعه إليّ و قال: ذل أهل فارس كذلة الهجارس، و زال ملكهم و حان هلكهم، فارحل ناجيا و امض سائرا، و استخبر خبرا و استنصر عمرا، و أنا أظن ملك الفرس قد زال و عزمهم قد حال. قال: فقالت له المشايخ من قومه: صدقت رؤياك و نامت عيناك، و سر إلى عمر.

قال: و ركب المثنى بعيرا له و سار مع جماعة من أصحابه يريد المدينة إلى عمر بن الخطاب‏[ (1) ]، فبينا هو يسير إذ غلط عن الطريق هو و من معه، فبينما هو كذلك إذ سمع هاتفا يهتف من الجادة و هو يقول أبياتا من جملتها:

و الفرس قد خذلت رايات نصرتها # و أن ملك بني ساسان قد مرجا

قال: فاتبع المثنى الصوت حتى وصل إلى الطريق، ثم سار مجدا حتى قدم [ (1) ]في الكامل لابن الأثير 2/73 و بعد خروج خالد بن الوليد إلى الشام، و انشغال أبي بكر بمتابعة الوضع و القتال بالشام فقد: «أبطأ خبره على المثنى فاستخلف على المسلمين بشير بن الخصاصية و وضع في المسالح سعيد بن مرد العجلي و سار إلى المدينة إلى أبي بكر ليخبره خبر المشركين...

فقدم المدينة و أبو بكر مريض قد أشفى (و قيل قبل موته بليلة) فأخبره الخبر فاستدعى عمر و قال له: .... فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى (انظر الطبري 3/444-445 و البداية و النهاية 7/22) .

130

على عمر بن الخطاب‏[ (1) ]رضي اللّه عنه و هو في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و المهاجرون و الأنصار عن يمينه و شماله، فوقف بين يديه و سلم على عمر، فقال: من أنت أيها الرجل؟فقال: أنا المثنى بن حارثة الشيباني، فقال عمر: مرحبا بك و سهلا، حياك اللّه و قربك و حيا حيّا أنت منه!فلقد سمعت أخبارك بديا، و لقد كنت أحب أن أراك، فما الذي أقدمك يا مثنى؟قال: ما قد تبينت به من الفرس و تعديهم عليّ و على قومي، قال: فقال له عمر رضي اللّه عنه: إني قد سمعت قولك يا مثنى!فصف لي أرضهم، فقال: هي أرض كثيرة الزرع و الضرع، ترابها مال و أمرها عال، قال:

فصف لي رجالها، فقال: هم رجال طوال، عظام جسام، شديد كلبهم كثير سلبهم، ضعيفة قلوبهم لا منعة لهم من صدقهم عليهم.

قال: فنشط عمر لغزوهم فقال في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (2) ]: أيها الناس!إن اللّه عز و جل وعد نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم أن يفتح عليه فارس و الروم!و اللّه لا يخلف وعده و لا يخذل جنده، فسارعوا رحمكم اللّه إلى جهاد أعدائكم من الفرس، فإنكم بالحجاز في غير دار مقام و قد وعدكم اللّه عز و جل كنوز كسرى و قيصر، و المواعيد من اللّه عز و جل مضمونة و أمر اللّه تعالى مفعول، و القول من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مقبول، و ما لم يورثكموه اللّه عز و جل اليوم يورثكموه غدا، و إنكم لن تغنموا حتى تغيروا و لن تستشهوا حتى تقاتلوا، و هذا المثنى بن حارثة قد أتاكم من العراق يدعوكم إلى جهاد عدوكم، فسارعوا رحمكم اللّه إلى ذلك و لا تتغافلوا عن الجهاد في سبيل اللّه.

قال: فنكس القوم رؤوسهم إجلالا و إعظاما لغزو الفرس، [ (3) ]فوثب أبو [ (1) ]كذا بالأصل. انظر الحاشية السابقة. قال الطبري: أول ما عمل به عمر أن ندب الناس مع المثنى... إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر، ثم أصبح فبايع الناس.

[ (2) ]الطبري 3/445 باختلاف.

[ (3) ]قيل فيّ الطبري أن عمرا ندب الناس أربعة أيام و لم ينتدبوا فقد «كان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم و أثقلها عليهم، لشدة سلطانهم و شوكتهم و عزهم و قهرهم الأمم» 3/444 و انظر ابن الأثير 2/84- 85 البداية و النهاية 7/32.

131

عبيد[ (1) ]بن مسعود الثقفي فقال: إنا سمعنا كلامك و أنا أول من أجاب إلى هذه الدعوة و الجهاد في سبيل اللّه، أنا و من أجابني من قومي و عشيرتي. قال: ثم وثب سليط بن قيس‏[ (2) ]الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين!إنما كان قعودنا عن هؤلاء الفرس إلى وقتنا هذا شقشقة من شقاشق الشيطان، ألا!و إني قد وهبت نفسي للّه، أنا و من أجابني من بني عمي و من اتبعني. قال: فلما سمع الناس كلامه و كلام أبي عبيد[ (1) ] ضجوا من جانبي المسجد و قالوا: يا أمير المؤمنين!ول علينا رجلا من المهاجرين أو الأنصار[ (3) ]حتى نسير معه إلى عدونا. قال عمر: لعمري و اللّه!ما أجد لها أحق من الذي أندب إليه بديا-يعني أبا عبيد[ (1) ]بن مسعود الثقفي، و لولا أن سليط بن قيس عجول في الحرب لأمرته عليكم‏[ (4) ]، و لكن أبو عبيد[ (5) ]هو الأمير و سليط بن قيس هو الوزير، فقال الناس: سمعنا و أطعنا.

قال: ثم تجهز الناس للخروج مع أبي عبيد[ (1) ]، و خرج أبو عبيد[ (1) ]من مدينة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) في أربعة آلاف‏[ (6) ]من المهاجرين و الأنصار و العبيد و الموالي و معهم المثنى بن حارثة الشيباني حتى نزل القوم بإزاء العراق، و اجتمعت قبائل ربيعة إلى المثنى بن حارثة الشيباني في قريب من ألف رجل، فصار القوم خمسة آلاف يزيدون قليلا.

و نزل القوم بإزاء مسلحة و فيها قائد من قواد كسرى يقال له جابان، فلما رأى جابان أن العرب قد نزلت بساحته جمع نواحيه و ضم إليه جيشه‏[ (7) ]و خرج يوما على [ (1) ]بالأصل: أبو عبيدة خطأ. و ما أثبتناه عن الطبري. و في فتوح البلدان ص 251 أبو عبيدة بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف. و هو أبو المختار بن أبي عبيد.

[ (2) ]في فتوح البلدان: «عمرو» خطأ.

[ (3) ]و لم يكن أبو عبيد صحابيا (البداية و النهاية) .

[ (4) ]زيد في الطبري: و في التسرع إلى الحرب ضياع إلاّ عن بيان، و اللّه لو لا سرعته لأمّرته، و لكن الحرب لا يصلحها إلا المكيث.

[ (5) ]بالأصل: أبو عبيدة خطأ.

[ (6) ]في فتوح البلدان ص 251: في ألف. و في البداية و النهاية 7/32 سبعة آلاف.

[ (7) ]و ذلك في نواحي تستر كما في فتوح البلدان ص 251 و عند الطبري 3/448 و ابن الأثير 2/85 و البداية و النهاية 7/32 بموضع يقال له النمارق. (بين الحيرة و القادسية) .

132

فرس له و بين يديه المرازبة و بأيديهم الحراب و القسي و النشاب و غير ذلك من أنواع السلاح، و طلب البراز و سأل النزال، فخرج إليه ثلاثة نفر أو أربعة نفر من المهاجرين فقتلهم جابان، فقال أبو عبيد[ (1) ]بن مسعود لسليط بن قيس الأنصاري: يا أخا الأنصار!ما لي أرى قومك قد كاعوا عن القتال؟فقال سليط: لا لعمري و اللّه!ليس قومي‏[ممن‏]كاعوا و لا ممن يكرهون الحرب و الطعان و لا يقتنون القيان، ثم قال سليط: يا معشر الأنصار!من ينتدب منكم لهذا الأعجمي؟قال: فوثب رجل من الأنصار يقال له مطر بن فضة و كان يدعى بأمه قال: أنا له.

ثم خرج مطر بن فضة نحو جابان فحمل عليه و التقيا، و نظر إليه جابان بطعنتين طعنه الأنصاري طعنة أراده عن فرسه، و بادر إليه مطر بن فضة فقعد على صدره و هم بذبحه، فقال جابان من تحته: لا إله إلا اللّه، فتباطأ مطر في قتله و لم يقتله، فقال له جابان: لا تقتلني و لك عليّ غلام و جارية دون أصحابك.

قال: فحمله الأنصاري مردفا على فرسه‏[ (2) ]، فلما أدخله العسكر قالت له قبائل ربيعة: يا فتى!هل عرفت أسيرك؟قال: نعم هو بعض عدوي، فقالت:

ويحك!هذا جابان ملك هذه الناحية، فبما ذا أرضاك حتى كففت عنه و لم تقتله؟ قال: غلام و جارية، فقالت ربيعة: تربت يداك!لو طلبت من هذا مائة غلام و مائة جارية لأعطاك، فقال: ما كنت بالذي أغدر به بعد أن أخذ موثقي و أخذت موثقه.

قال: فلما سمع جابان أعطاه غلامين و جاريتين و فرسين و ألفي درهم، و أسلم و حسن إسلامه‏[ (3) ]، فولاه أبو عبيد[ (1) ]أرضه.

و بلغ ذلك كسرى يزدجرد بن هرمز بأن جابان قد أسر و قد دخل في دين العرب، فاغتم لذلك غما شديدا، ثم دخل إلى ابنة له يقال لها بوران‏[ (4) ]و كانت [ (1) ]بالأصل: أبو عبيدة. و قد صحح في المواضع التالية دون الإشارة إليه.

[ (2) ]و قيل إن مطر أطلقه، و أمسكه بعض المسلمين و أبوا أن يطلقوه و جاءوا به الأمير، الذي أقر أمان مطر بن فضة له و أبى أن يقتله. (الطبري-ابن الأثير-ابن كثير) .

[ (3) ]لم يرد في المصادر السابقة ذلك.

[ (4) ]عن الطبري: 3/450 و بالأصل: «بودى» تحريف. و قد صححت في كل المواضع التالية دون الإشارة إلى ذلك.

133

سيدة بنات الفرس في دهرها، فلما نظرت إلى أبيها يزدجرد مغموما فقالت: ما حالك أيها الملك؟فخبرها بأن جابان قد أسر و دخل في دين العرب، فقالت: لا عليك أنا أفرج عنك.

ثم إنها كتبت إلى ملك أذربيجان‏[ (1) ]يقال له مهران بأن العرب قد ظهروا علينا فهلم إلى ما قبلنا بخيلك و رجلك فقاتلهم، فإن ظفرت بهم زوجتك نفسي و وضعت تاج أبي على رأسك عشر سنين، فإذا انقضت العشرة رددتك إلى بلادك و ضممت إليك أرمينية فجعلتها زيادة على عملك.

قال: فلما ورد كتاب بوران على مهران أجابها في العدة و العدد فخرج من بلاد أذربيجان في ثمانين ألفا أو يزيدون، و معه الفيلة مشهورة بأنواع الزينة على ظهورها القباب حتى صار إلى العراق، ثم دخل إلى يزدجرد، فأدناه يزدجرد و وعده و مناه.

فلما كان من غد سار مهران إلى حرب المسلمين حتى نزل على شاطئ الفرات في ثمانين ألفا. قال: و نظرت العرب إلى ذلك و هم من ذلك الجانب، فقال أبو عبيد بن مسعود لسليط بن قيس: يا أبا عمرو!ما ترى؟قال: أرى أن العرب تكر و لا تفر، و الرأي عندي أن ترحل من هذا الموضع إلى فضاء من الأرض و نجعل للخيل متسعا و جولانا، قال: فقال أبو عبيد: يا أبا عمرو!إنك فارسها و قد جبنت؟ فقال سليط بن قيس: قد أمرك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن تسمع مشورتي و لا ترد نصيحتي، قال أبو عبيد: و لا قبلت نصيحتك و لأعقدن إليهم جسرا و لأعبرن إليهم لي أم عليّ، فسكت سليط بن قيس.

و عقد الجسر بموضع يقال بانقيا[ (2) ]، و كان الذي عقده لهم رجل من الدهاقين يقال له برصلوما[ (3) ]، و عبر أبو عبيد بالمسلمين و هم خمسة آلاف [ (1) ]بالأصل بادربيجان و ما أثبتناه عن معجم البلدان.

[ (2) ]كذا، و في الطبري 3/454 بالمروحة و يقال قس الناطف و يقال: الجسر (الكامل 2/88) ، و قس الناطف: موضع على شاطئ الفرات الشرقي بسواد الكوفة. و المروحة على شاطئ الفرات الغربي (معجم البلدان) .

[ (3) ]في الكامل لابن الأثير: ابن صلوبا. و في تاريخ خليفة: صلوتا.

134

إلى مهران‏[ (1) ]و هو في ثمانين ألفا أو يزيدون. قال: و تبادرت الفرس فأخذوا السلاح.

ذكر وقعة الجسر و هي أول وقعة للمسلمين مع الفرس‏

قال: فكان أول من تقدم إلى حرب الفرس سليط بن قيس الأنصاري، ثم حمل يقاتل حتى أثخن بالجراحات، ثم رجع إلى موقفه. قال: و تقدمت قبيلة من الفرس و معهم فيل لهم يقال لهم الأصم على ظهره قبة ديباج، فيها قائد من قواد كسرى يقال له شهريار و هو أخو رستم.

قال: فلما نظرت خيل المسلمين إلى ذلك الفيل كأنها فزعت منه، و نظر أبو عبيد إلى ذلك الفيل فتهيأ للحملة عليه ثم قال لأصحابه: ويحكم!ما هذه الدابة؟ فقيل له: أيها الأمير!هذا الفيل، قال: قد علمت أنه الفيل و لكن هل له من مقتل؟ فقيل: نعم أيها الأمير!إذا قطع خرطومة مات. قال: فقال سليط بن قيس: أيها الأمير!ما تريد أن تصنع؟قال: أريد أن أحمل على هذا الفيل حملة و أضرب خرطومه بسيفي فأقتله إن شاء اللّه تعالى!قال سليط: أيها الأمير!دع عنك هذا الفيل، فلك في غيره سعة، فقال أبو عبيد: ما أريد سواه و لا أقصد غيره، ثم قال أبو عبيد: اقرأ على قبر محمد صلّى اللّه عليه و سلّم مني السلام، ثم قال: يا معشر المسلمين! انظروا إن أنا قتلت فأميركم من بعدي وهب ابني، فإن أصيب فابني مالك، فإن أصيب فابني جبر، فإن أصيب فسليط بن قيس، فإن أصيب فأبو محجن الثقفي، فإن أصيب فالمثنى بن حارثة، فإن أصيب فأمر بعضكم إلى بعض.

ثم تقدم راجلا بسيفه نحو الفيل ثم حمل على الفيل فضرب خرطومه ضربة فقطعه و ذهب ليولي إلى عسكره فعثر على وجهه و وقع عليه الفيل فحطمه-رحمة اللّه عليه-! [ (1) ]كذا بالأصل، و في الطبري و ابن الأثير: بهمن جاذويه، و في فتوح البلدان: «و يقال اسمه رستم» ، و يقال له: ذا الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبر. و في تاريخ خليفة: بهمن بن خوهر مزمان. و في البداية و النهاية: بهمس حادويه. و في تاريخ اليعقوبي: بعث إليهم رستم بذي الحاجب. ـ

135

قال: و ذهب ابنه وهب بن أبي عبيد[ (1) ]ليتقدم إلى الحرب..... [ (2) ]إلى ذلك أبو محجن الثقفي، فأخذ الراية و تقدم نحو الفرس ثم حمل على الفرس فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ثم رجع فدفع الراية إلى وهب بن أبي عبيد، فأخذ وهب الراية و تقدم ثم حمل، و لم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-!و تقدم أخوه مالك بالراية ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه!ثم تقدم أخوهما الثالث فأخذ الراية ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-!قال: و تقدم رجل من المسلمين و هو سليط بن قيس الأنصاري ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل- رحمة اللّه عليه-!قال: و تقدم رجل من المسلمين يقال له عبد اللّه بن مرثد و سيفه في يده فصار إلى حبال الجسر فقطعها و مر الجسر منقطعا في الفرات‏[ (3) ]. قال: و حمل هذا الرجل عبد اللّه بن مرثد على الفرس فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-! قال: و اشتبك الحرب و كثر القتل في المسلمين ثم وقعت الهزيمة على الفرس فانهزموا و أخذهم السيف فقتل منهم مقتلة عظيمة و جاء الليل و اختلط الظلام، فرجع المسلمون إلى عسكرهم فدفنوا قتلاهم و باتوا هنالك، فلما أصبحوا عقدوا الجسر ثانية ثم إنهم عبروا إلى عسكرهم الأول فنزلوا فيه.

و أفلت رجل يقال له معاذ بن حصين الأنصاري‏[ (4) ]فمر على وجهه يقطع البلاد حتى صار إلى المدينة، فدخل إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و هو في المسجد فسلم عليه ثم وقف بين يديه فأنشأ يقول.... [ (5) ]قال: فقطع عليه عمر فقال:

يا أبا الحصين!دعنا من الشعر، خبرنا بأمر الناس، فقال: يا أمير المؤمنين!أنعي [ (1) ]في فتوح البلدان: فأخذ اللواء أخوه الحكم. و في تاريخ اليعقوبي: و قام بالجيش المثنى بن حارثة الشيباني. و في الكامل لابن الأثير: و تتابع سبعة أنفس من ثقيف كلهم يأخذ اللواء و يقاتل حتى يموت ثم أخذ اللواء المثنى. (و انظر البداية و النهاية 7/34 و الطبري 3/457) .

[ (2) ]مطموس بالأصل. انظر الحاشية السابقة.

[ (3) ]في الكامل لابن الأثير 2/89 لما رأى عبد اللّه بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد و خلفاؤه بادرهم إلى الجسر فقطعه و قال: أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا.

قال الطبري 3/457: فأخذوه، فأتوا به المثنى فضربه و قال: ما حملك على ما صنعت؟قال:

ليقاتلوا.

[ (4) ]في الطبري 3/458 عبد اللّه بن زيد بن الحصين الخطمي، و في البداية و النهاية: عبد اللّه بن زيد بن عاصم المازني، و في فتوح البلدان: عروة بن زيد.

[ (5) ]بياض بالأصل.

136

إليك أبا عبيد-رحمة اللّه عليه-!و أنعي إليك بنيه الثلاثة وهبا و مالكا و جبرا، و أنعي إليك سليط بن قيس الأنصاري و فلانا و فلانا-فلم يزل يعد وجوه المهاجرين و الأنصار، فقال له عمر: فالمثنى بن حارثة الشيباني ما حاله؟فقال: تركته جريحا يا أمير المؤمنين.

قال: فضج الناس بالبكاء و النحيب، ثم دعا عمر رضي اللّه عنه بجرير بن عبد اللّه البجلي فقال له: ويحك يا جرير!إنا قد أصبنا بالمسلمين مصيبة عظيمة و المثنى بن حارثة في وجه العدو غير أنه جريح لما به، فسر نحو العراق فعسى اللّه عز و جل أن يدفع شر هؤلاء الأعاجم و تخمد بك جمرتهم‏[ (1) ].

قال: فسار جرير بن عبد اللّه من المدينة في سبعمائة رجل حتى صار إلى العراق فنزلها[ (2) ]، و بلغ ذلك المثنى بن حارثة الشيباني فكتب إليه «أما بعد يا جرير فإنا نحن الذين قدمنا المهاجرين و الأنصار من بلدهم، و أقمنا نحن في نحر العدو نكابدهم ليلاً و نهاراً، و إنما أنت مدد لنا فما انتظارك-رحمك اللّه-لا تصير إلينا؟ فصر إلينا و كثرنا بأصحابك، فإن زعمت أنك رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا يلي عليك إلا من كان مثلك فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ولى أبا عبيد بن مسعود الثقفي على المهاجرين و الأنصار، فلما حضرته وفاته قد كان ولاني، و لو علم أني لا أقوم مقامه ما فعل، فرأيك أبا عمرو فيما كتب إليك-و السلام» .

قال: فكتب إليه جرير: «أما بعد فقد ورد كتابك عليّ فقرأته و فهمته، فأما ما ذكرت أنك الذي قدمت المهاجرين و الأنصار إلى حرب العدو، فصدقت وليتك لم تفعل، و أما قولك: إن المهاجرين و الأنصار لحقوا ببلدهم‏[ (3) ]، فإنه لما قتل أميرهم [ (1) ]و كان جرير في بجيلة رفضوا إلا المسير إلى الشام، و عزم عمر أن يسيروا إلى العراق، و نفلهم ربع الخمس فأجابوا. (الطبري 3/460 و ابن الأثير 2/91) .

[ (2) ]بعث عمر جريراً في بجيلة، و عصمة بن عبد اللّه من بني عبد بن الحارث الضبي فيمن تبعه من بني ضبة، و هلال بن علقمة التيمي مع الرباب، و ابن المثنى الجشمي مع جشم سعد، و عبد اللّه بن ذي السهمين مع أناس من خثعم، و ربعي في بعض بني حنظلة، و ربعي بن عامر بن خالد العنود على بعض بني عمرو، و قرط بن جماح على عبد القيس، و ابن مردى التغلبي في أناس من بني تغلب و أنس بن هلال النمري في بني النمر. كلهم مدداً للمثنى بن حارثة بعد ما بلغ عمر ما لاقى المسلمون في وقعة الجسر (راجع الطبري 4/73 بولاق و ابن الأثير 2/91 و فتوح البلدان ص 253-254) .

[ (3) ]و كان كثير من الناس بعد وقعة الجسر قد هربوا على وجوههم لا يدرى إلى أين رحلوا، و منهم من رجع إلى المدينة النبوية مذعوراً (البداية و النهاية 7/34) .

137

لحقوا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و أما ما ذكرت أنك أقمت في نحر العدو فإن أقمت في بلدك و بلدك أحب إليك من غيره، و أما ما سألتني من المصير إليك فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم يأمرني بذلك، فكن أنت أميرا على قومك و أنا أمير على قومي-و السلام» .

قال: و جرى بينهما اختلاف و بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏[ (1) ]، فجمع المهاجرين و الأنصار و شاورهم في أن يصير إلى العراق بنفسه، فكل أشار عليه بذلك و قال: يا أمير المؤمنين!إن جيشا تكون فيه أنت خير من جيش لم تحضره،

و قام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و كرم اللّه وجهه فقال: يا أمير المؤمنين!إن كل إنسان يتكلم بما يحضره من الرأي، و الرأي عندي أن لا تصير إلى العراق بنفسك، فإنك إن صرت إلى العراق و كان مع القوم حرب و اختلط الناس لم تأمن أن يكون عدو من الأعداء يرفع صوته و يقول: قتل أمير المؤمنين!فيضطرب أمر الناس و يفشلوا عن حرب عدوهم و يظفر بهم العدو، و لكن أقم بالمدينة و وجه برجل يكفيك أمر العدو و ليكن من المهاجرين و الأنصار البدريين. فقال عمر: و من تشير علي أن أوجه به يا أبا الحسن؟قال: أشير عليك أن توجه رجلا يشرح باليسير و يسر بالكثير، فقال عمر: من هذا أشير عليّ؟قال عليّ: أما أنا فإني أشير عليك‏أن توجه إليهم سعد بن أبي وقاص، فقد عرفت منزلته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال عمر: أحسنت!هو لها، ما لها سواه‏[ (2) ].

قال: ثم دعا سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنهما فقال: يا سعد بني وهب!إن اللّه تبارك و تعالى إذا أحب خلقا حببه إلى خلقه، و أنا موجهك إلى أرض العراق [ (1) ]في الطبري 3/472 فكتب عمر إلى المثنى: إني لم أستعملك على رجل من أصحاب محمد (ص) -يعني جريرا.

[ (2) ]لم يكن إرسال سعد بن أبي وقاص إلى العراق بسبب خلاف جرير و المثنى على أية حال. إنما كان بسبب ما بلغ عمر من حدوث تطورات هامة منها:

-تغيير القيادة في فارس، و تمليك يزدجرد الذي ضبط أمورهم و حسن تدبيره و اشتدت المملكة و قوي أمر الفرس.

-ارتداد أهل السواد و إخراج المسلمين عن المروج. و خرقوا العهود التي كانت في أيديهم.

-إرسال المسلمين إلى عمر يطلبون المدد بعد اجتماع الفرس على ملكهم و اطمئنان الفرس و استيثاقهم لقوتهم، و تباريهم في طاعته (اليعقوبي 2/143 الكامل لابن الأثير 2/95 الطبري 3/477 فتوح البلدان ص 255) .

138

لتكون أميرا على جميع من قدمت عليه، فسر و قل: لا حول و لا قوة إلا باللّه، و اعلم أني لست أترك أحدا يطيق حمل السلاح إلا وجهت به إليك، و أنا أرجو أن يفتح اللّه على يديك، ثم جمع له عمر رضي اللّه عنه الناس من كل أوب حتى صار سعد في سبعة آلاف‏[ (1) ]، ثم سار حتى نزل بموضع يقال له شراف‏[ (2) ]، و جعل عمر لا يقدم عليه أحد إلا وجه به إليه، فكان أول من قدم عليه عمرو بن معديكرب الزبيدي في زهاء خمسمائة رجل، و طليحة بن خويلد الأسدي في ثمانمائة فارس، و شرحبيل بن السمط الكندي في سبعمائة راكب، و فرات بن حيان العجلي في سبعمائة راكب، و المغيرة بن شعبة في ثلاثمائة راكب، و عاصم بن عمرو التميمي في أربعمائة راكب، و عاصم بن زرارة التميمي في ستمائة راكب، و خثيم بن عبد اللّه السلمي في ألف راكب، و المكشوح المرادي في أربعمائة راكب. قال: و صار إليه جرير بن عبد اللّه البجلي في ستمائة راكب من بجيلة[ (3) ].

قال: فالتأمت العساكر إلى سعد في جمع عظيم و هو نازل بشراف، و قد هجم عليه الشتاء و أكبت عليه الأمطار، و الفرس في جمع عظيم و قد بلغهم أن سعد بن أبي وقاص نازل بشراف و قد اجتمعت إليه العساكر و كأنكم به و قد وافاكم عن قريب إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: ثم إن المثنى بن حارثة انتقضت عليه جراحاته التي أصابته يوم الجسر فمرض مرضا شديدا و مات رحمة اللّه عليه، و بلغ ذلك سعد بن أبي وقاص فأرسل إلى امرأته سلمى بنت حفصة[ (4) ]التميمية فخطبها و تزوجها بعد أن انقضت عدتها.

قال: فكان سعد بن أبي وقاص مقيما بشراف ينتظر أن ينحسر عنه الشتاء.

ذكر تحرك الروم بأرض الشام من أرض فلسطين‏

قال: و كبر أمر المسلمين على الروم و اشتد عليهم ما كان من فتح دمشق و ما قد [ (1) ]عند اليعقوبي 2/143 ثمانية آلاف. البداية و النهاية 7/36 ستة آلاف. ابن الأثير 2/97 أربعة آلاف.

[ (2) ]شراف: بين واقصة و الفرعاء، على ثمانية أميال من الأحساء التي لبني وهب.

[ (3) ]كان قدوم سعد حلا للتنازع على الأمارة بين جرير و المثنى.

[ (4) ]في الكامل لابن الأثير 2/98 سلمى بنت خصفة. و في الطبري 3/489 سلمى بنت خصفة التيمية، تيم اللات.

139

اجتمعوا بأرض العراق فهالهم ذلك و رعبهم و أشفقوا على أنفسهم، فجعلوا يجمعون الجموع و يستمدون من يليهم من نصارى العرب حتى صاروا في ثمانين ألفا من النصرانية. قال: و بلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح و هو يومئذ مقيم بمدينة دمشق فدعا بعمرو بن العاص فضم إليه سبعة آلاف فارس و أرسله إلى الروم، و اتبعه يزيد بن أبي سفيان في سبعة آلاف فارس، و اتبعه شرحبيل بن حسنة في ستة آلاف فارس، فذلك عشرون ألفا.

قال: و الروم يومئذ بموضع يقال له فحل‏[ (1) ]، فلما نظروا إلى عساكر المسلمين قد وافتهم في عشرين ألفا[ (2) ]كتبوا إلى هرقل ملك الروم بذلك و سألوه المدد، قال:

فوجه إليهم هرقل بصليبين و بطريقين في عشرين ألفا، فصارت الروم في مائة ألف، و كتب عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة يخبره بذلك‏[ (3) ]، فأقبل أبو عبيدة على خالد بن الوليد رضي اللّه عنهما فقال له: أبا سليمان!هذا كتاب عمرو بن العاص قد ورد علينا يخبر أن الروم قد اجتمعوا بأرض فلسطين في ثمانين ألفا و هؤلاء جواسيسنا من أنباط الشام قد جاءوا إليّ خبروني أن أهل بعلبك في عشرين ألفا، فما الرأي عندك؟ فقال: إذا أخبرك أيها الأمير!أما فلسطين فقد علمت أن عمرو بن العاص و يزيد بن أبي سفيان و شرحبيل بن حسنة في وجوههم في عشرين ألفا، فاكتب إليهم أن لا تعجلوا محاربة القوم حتى أنا أمضي إلى بعلبك فأكفهم إن شاء اللّه، فإذا فرغت من أمرهم صرت إلى فلسطين فأعنت المسلمين على قتال عدوهم، فقال أبو عبيدة:

نعم ما رأيت أبا سليمان! قال: ثم كتب أبو عبيدة إلى عمرو بن العاص و من معه من المسلمين بأرض [ (1) ]فحل بكسر أوله و سكون ثانيه اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم (معجم البلدان) و قيل: موضع بين طبرية و بيسان بوادي نهر اليرموك، كانت فيه وقائع كثيرة.

[ (2) ]أضاف الأزدي أنه بعد أن جاء المسلمون بأجمعهم جاءت لخم و جذام و غسان و عاملة و القين و قبائل من قضاعة فدخلوا منع المسلمين فكثر عددهم (ص 111) .

[ (3) ]نسخة كتاب عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة (عن فتوح الأزدي ص 107) :

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الروم قد أعظمت فتح دمشق و اجتمعوا من نواحي الأردن و فلسطين، فتكاتبوا و تواثقوا و تعاقدوا ألا يرجعوا إلى النساء و الأولاد حتى يخرجوا العرب من بلادهم، و اللّه مكذب قولهم و أملهم، وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللََّهُ لِلْكََافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً . فاكتب إليّ برأيك في هذا الحدث، أرشد اللّه أمرك و سددك و أدام رشدك، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

140

فلسطين فأمرهم أن لا يعجلوا بالمحاربة على عدوهم إلى أن يوافيهم خالد بن الوليد.

قال: و خرج خالد بن الوليد من دمشق في خمسة آلاف فارس يريد بعلبك، و خرج معه أبو عبيدة ليشيعه فجعل يوصيه و يقول له: أبا سليمان!أوصيك بتقوى اللّه وحده لا شريك له، فإذا أنت وافيت القوم فلا تطاولهم فإنهم في حصونهم و ديارهم يأكلون و يشربون و ينتظرون أن تأتيهم أمداد من الروم فيقووا بهم، و إذا عاينوك و إلى خيلك يخافوك فاتقوا ناحيتك، فإن أنت ناظرتهم و طاولتهم ذهب الرعب من قلوبهم و رجعت إليهم أنفسهم فأجنوا عليك و على أصحابك، و إن أنت كفيتهم و هزمتهم انقطع رجاؤهم‏[ (1) ]و اشتد رعبهم فسر يرحمك اللّه!فإن احتجت إلى مدد فابعث إليّ حتى أمدك بنفسي و من معي من المؤمنين إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه. فقال له خالد:

إني قد قبلت وصيتك أيها الأمير!فارجع إلى أصحابك راشدا يرحمك اللّه!قال:

فوادعه أبو عبيدة و رجع إلى دمشق، و مضى خالد في خمسة آلاف فارس من خيله و أصحابه الذي يعتمد عليهم و يقاتل حتى صار إلى بعلبك.

ذكر الواقعة بمدينة بعلبك‏

قال: و نظر أهل بعلبك إلى خيل المسلمين قد وافتهم فاستقبلوهم بالعطعطة[ (2) ] و النعير، و التقى القوم فاقتتلوا من ضحوة النهار إلى قريب الظهر، ثم صاح خالد بالناس: أيها المسلمون!ليس هذا يوم مطاولة و أنا حامل فاحملوا رحمكم اللّه! قال: ثم حمل خالد و المسلمون معه فقتلوا من الروم حتى احمرت الأرض من دمائهم و أفلت منهم من أفلت بشر حالة تكون حتى لحقوا ببيسان‏[ (3) ]و صار بعضهم إلى فلسطين و ما والاها، و احتوى خالد بن الوليد على أموال و سلاح و خيل و سبي كثير فوجه به كله إلى دمشق إلى أبي عبيدة بن الجراح و خبره بما فتح اللّه عز و جل على يديه من أمر بعلبك.

[ (1) ]عند الأزدي ص 109: و سقط في خلدهم، و ساء ظنهم.

[ (2) ]العطعطة: تتابع الأصوات و اختلافها في الحرب.

و النعير: الصراخ في حرب أو شر (اللسان) .

[ (3) ]بيسان: بلد من أرض فلسطين شمالي نابلس. و كان الذين توجهوا من بعلبك من جموع الروم و أهل بعلبك و من وافاهم من دمشق أكثر من عشرين ألفا. ـ

141

قال: فكتب أبو عبيدة إليه أن يسير إلى فلسطين معونة لإخوانه المسلمين.

قال: فسار بمن معه من أصحابه حتى وافى أرض فلسطين. قال: و نظرت الروم إلى عساكر المسلمين قد وافتهم من كل أوب فانحازت الروم إلى موضع يقال له فحل و نزلوا هنالك.

قال: و رأى أبو عبيدة من الرأي أن يلحق بأصحابه فيكون معهم و أن لا يغيب عما هم فيه، فدعا برجل من المسلمين فولاه مدينة دمشق‏[ (1) ]و خرج حتى لحق بأصحابه، فعلمت الروم أن أبا عبيدة قد وافى بأصحابه.

ذكر رسالة الروم إلى أبي عبيدة و إجابته إياهم على كتابهم‏

قال: فأرسلت الروم إلى أبي عبيدة: «أيها الشيخ!أخرج أنت و من معك من‏[ (2) ]أهل دينك من بلادنا هذه التي تنبت الحنطة و الشعير و الفواكه و الأعناب و الخير الكثير و ارجعوا إلى بلادكم بلاد القحط و الجوع و البؤس و الفقر و إلا أتيناكم فيما لا قبل لكم به من الخيل و الجنود ثم لا ننصرف عنكم و فيكم عين تطرف و قد أعذر من أنذر» . فقال أبو عبيدة بن الجراح لرسولهم الذي جاء إليه بهذه الرسالة: ارجع إليهم و بلغهم عني ما أقول، قال الرسول: قل ما تشاء، فقال: قل لهم عني: أما قولكم أن اخرجوا من بلادنا هذه فلستم لها بأهل فلعمري ما نحن أهلها، و اللّه تبارك و تعالى هو الذي جاء بنا إليها و لم نكن بالذي نخرج عنها فقد ورثنا اللّه إياها فأخذناها بأسيافنا و فتحناها عنوة و غنما و نزعها اللّه من أيديكم و جعلها في أيدينا، و إنما البلاد بلاد اللّه و العباد عباد اللّه، و هو ملك الملوك يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء، و يعز من يشاء و يذل من يشاء، بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير، و أما ما ذكرتم من بلادنا أنه بلاد البؤس و الشقاء فقد صدقتم أنها لكذلك كما ذكرتم و قد أبدلنا اللّه عنها ببلادكم هذه ليبلوا صبرنا و شكرنا، و لما رأى اللّه تبارك و تعالى قلة صبركم و كثرة صبرنا و قلة شكركم و كثرة شكرنا رآنا لهذه البلاد أهلا و أبدلنا بلاد البؤس و الشقاء ببلاد الخير الكثير و العيش الرفيع‏[ (3) ]و الجانب الخصيب، و كنا أحق بها و أهلها لإيماننا [ (1) ]عند ابن الأثير 2/83 استخلف يزيد بن أبي سفيان.

[ (2) ]عند الأزدي: ص 113: من أصحابك، و أهل دينك.

[ (3) ]عند الأزدي: و السعر الرخيص، و الأنهار الجارية، و الثمار الكثيرة.

142

باللّه و كفركم به، فلا تحسبونا تاركيها و منصرفين عنها و لا خارجين منها إلى غيرها[ (1) ]، فذروا عنكم تمني الأباطيل و الأماني الكاذبة، و أما قولكم بأنكم تأتوننا فيما لا قبل لنا به فو اللّه لا تأتوننا بجند إلا أتيناكم بمثله أو ضعافه إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، فكونوا من ذلك على يقين‏[ (2) ].

قال: فلما انتهت إليهم هذه الرسالة من أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه كأنهم انكسروا لذلك و داخل قلوبهم الرعب و الخوف، فأرسلوا إليه أن ابعث إلينا رجلا من صلحاء أصحابك حتى نسأله عما تريدون و تطلبون و تسألون و نخبره بما عندنا و ندعوكم إلى حظكم و رشدكم.

ذكر مسير معاذ بن جبل إلى الروم و ما كان من كلامه معهم‏

قال: فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل-رضي اللّه عنهما، فأقبل إليهم معاذ على فرس له أدهم، على رأسه عمامة له حمراء، عليه درع له سابغ قد ظاهره بحريرة صفراء و قد تقلد بسيف له يمان. حتى إذا دنا من القوم نزل عن فرسه و أخذ بعنانه و جعل يقوده و هو يمشي إليهم، فقال بعضهم لبعض غلمانه: اذهب فأمسك عليه فرسه، فقال معاذ للغلام: إليك عني!فإني أمسك فرسي و لا أحب أن يمسكه غيري.

قال: ثم دنا منهم فإذا بجماعة من بطارقتهم قعود على فرش و نمارق‏[ (3) ]تكاد أن يغشى الأبصار حسنها. قال: و تقدم إلى معاذ رجل منهم فقال له: ناولني فرسك أمسكه لك و اجلس مع هؤلاء الملوك فإنهم سادات الروم و أشرافها، فقال معاذ:

لست أحب أن أكلمهم ألا و أنا قائم.

قال: فقال له الترجمان: يا هذا!إن القوم يكرهون أن يكلموك و أنت قائم، فقال معاذ: أيها الرجل!إني لم أقم على رجلي بين أيديهم إعظاما لهم، و لكني أكره أن أجلس على هذه النمارق‏[ (4) ]لأنها من زينة الدنيا و قد زهد اللّه عزّ و جلّ عباده [ (1) ]زيد عند الأزدي: حتى نفنيكم و نخرجكم عنها.

[ (2) ]عند الأزدي: و إن أنتم أقمتم لنا فلا نبرح حتى نبيد خضراءكم، متأصل شأفتكم إن شاء اللّه.

[ (3) ]النمارق جمع نمرقة، و هي الوسادة الصغيرة.

[ (4) ]زيد عند الأزدي ص 116: التي استأثرتم بها على ضعفائكم و اصل ملتهم.

143

فيها، ذمها و نهى عن زينتها، فإن نبينا محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم نبي الهدى و الصادق المصدوق قد كان نهى أن لا يقوم لأحد من خلق اللّه، و لا يكون قياما إلا لربنا في الصلاة و العبادة و الرغبة و الرهبة، و ليس قيامي لكم و لكني أقوم إعظاما للّه عزّ و جلّ فإذ قد أبيتم أن تكلموني و أنا قائم فأنا أجلس ههنا، قال: ثم رفع معاذ طرف البساط و جلس‏[على‏]الأرض.

فقال له الترجمان: يا هذا!إن جلوسك على التراب من جلوس العبيد فلا تزر بنفسك إن كنت عربيا فإن جلوسك مع قومنا على بساطهم هو أكرم لك و أجمل بك من جلوسك على الأرض متنحيا عن البساط كصنع العبد الذليل الذي لا يرى نفسه للكرامة أهلا، فلا تفعل أيها الرجل بنفسك هذا و اجلس مع القوم على بساطهم، فليس كل أحد يطمع في ذلك منهم غير أنهم قد بلغهم عنك صلاح و فضل فهم يحبون إكرامك، فقال معاذ: يا هذا!قد أكثرت عليّ من كلامك هذا، إن كانت هذه الكرامة التي تدعوني إليها للدنيا فلا حاجة لي فيها، و أما قولك إني جلست كالعبد فإني إنما أنا عبد من عبيد اللّه تعالى و إنما جلست على بساط ربي عز و جل‏[ (1) ].

قال: فقال له الترجمان: إني أظنك أفضل أصحابك، قال: لا و لكني أخاف أن أكون أشرهم.

قال: و جعل معاذ كلما تكلم بشي‏ء يفسره الترجمان للقوم. قال: ثمّ أقبل عليه الترجمان فقال: إن القوم يقولون لك: ما الذي تطلبون و تريدون و إلى ما ذا تدعون؟و نريد أن تخبرونا ما الذي أدخلكم إلى بلادنا هذه و تركتم أرض الحبشة و ليست منكم ببعيدة، و تركتم أرض الفرس و هي أقرب إليكم منا[ (2) ]، اعلموا أن بأسنا شديد و شرنا عنيد، و إنكم إن كنتم فتحتم مدينة من مدننا فاحتويتم عليها و نزلتموها أو مدينتين أو ثلاثة كانت لنا مدن كثيرة، فإن هزمتم لنا جيشا كانت لنا جيوش أخر لأن [ (1) ]زيد عند الأزدي: و لا أستأثر لشي‏ء من مال اللّه على إخواني من أولياء اللّه، و أما قولكم: إني أزريت بنفسي عن مجلس، فإن كان ذلك فإنما هو عندكم و ليس ذلك عند اللّه كذلك. فلست أبالي كيف كانت منزلتي عندكم إذا كانت عند اللّه على غير ذلك.

[ (2) ]زيد عن الأزدي: و قد هلك ملك فارس، و هلك ابنه، و إنما تملكهم اليوم النساء، و نحن ملكنا حي، و جنودنا عظيمة كثيرة.

144

ولد الأصفر في الأرض أكثر من عدد الحصى و أكثر من عدد النجوم في السماء، فهيهات يا معشر العرب هيهات ما أبعدكم و ما تطلبون منا!و بعد فإنا قد أنكرنا عليكم ما أنتم عليه من استحلالكم لقتالنا و أنتم تزعمون أنكم تؤمنون بكتابنا و بنبينا، فكيف هذا فاشرحوه حتى نعلم.

قال: فلما فرغ الترجمان من كلامه أقبل عليه معاذ فقال: إني فهمت ما تكلمت به عن لسان القوم، و يجب عليك أن تفهمهم عني ما أقول، فقال الترجمان: أفعل ذلك فقل ما تشاء. فقال معاذ: قل لهم عني: أما قولكم: ما الذي أدخلكم إلى بلادنا و تركتم أرض الجيشة و أرض الفرس، فإن السبيل فيكم و فيهم واحد لأن اللّه تبارك و تعالى قال لنا في كتابه‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفََّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [ (1) ]فكنتم أقرب إلينا منهم، فقدمنا نحن إليكم، و قد بعث صاحبنا إلى أولئك الذين بالعراق من الفرس طائفة أخرى يقاتلونهم كما نقاتلكم، و نحن نرجو أن يفتح اللّه علينا و عليهم إن شاء اللّه عز و جل! و أما قولكم: إن بأسكم شديد و إن جندكم كثير و إنكم على عدد النجوم و الحصى‏[ (2) ]، فإن جنودنا و إن كثرت و عظمت فلا نثق بها و لا نتكل عليها و لا نرجو النصرة على أعدائنا بكثرتها، و لكنا نبرأ من الحول و القوة و نتوكل على ربنا تبارك و تعالى، و كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً [ (3) ]و قد رفعها اللّه عز و جل و أعزها! و كم من فئة كثيرة قد خذلها و أذلها و اللّه مع الصابرين!و أما ما ذكرتم لهرقل و تعظيمكم لملككم فإنه سيموت عن قريب!و ملكنا هو ربنا الحي الذي لا يموت و هو الذي قد خلقنا و خلقكم!و أميرنا رجل منا لا يجور و لا يتعدى و لا يظلم، فإن هو أطاع اللّه عز و جل و عمل بكتابه و بسنة نبينا محمد عليه السلام فكان فينا مستقيم الطريقة، و إلا عزلناه و ولينا علينا سواه، و هو مع ذلك لا يحتجب عنا و لا يتكبر علينا، و مع ذلك فإنه لو سرق لقطعناه و لو زنى لجلدناه أو خان لفضحناه، و لو شتم رجلا منا رد عليه كما شتمه، و لو قتل منا رجلا ظلما أقاد من نفسه، و إن ضربه بغير حق اقتص منه، و إنه كرجل منا لا يستخف بنا و لا يستأثر بالفي‏ء دوننا، و لا يتخذ الفرش و البسط [ (1) ]سورة التوبة: 122.

[ (2) ]زيد عند الأزدي: و تؤيسونا من الظهور عليكم، فإن الأمر في ذلك ليس إليكم، و إنما الأمور كلها إلى اللّه، و كل شي‏ء في قبضته.

[ (3) ]سورة البقرة: 249.

145

و النمارق، و لا يتكئ على الكراسي تواضعا لربه عز و جل و خوفا من الحساب و العقاب.

و أما قولكم: إنا نستحل قتالكم و نؤمن بكتابكم و نبيكم و نأكل ذبيحتكم و ننكح فيكم، فإن نبينا إنما نؤمن به على أنا نشهد عليه أنه عبد من عبيد اللّه عز و جل و رسول من رسله و أن مثله عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فكان بشرا سويا، لا نقول إنه ولد اللّه تبارك و تعالى عما يقولون علوا كبيرا، و لا نقول إنه ثاني اثنين و لا ثالث ثلاثة، و لا نقول إن لربنا صاحبة و لا ولدا تبارك اللّه و تعالى و لا إن مع اللّه إلها آخر، و أنتم تقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، و لو أنكم قلتم في عيسى كمقالتنا و آمنتم بنبوة نبينا و وحدتم اللّه تعالى كتوحيدنا و أقررتم بما جاء من عند ربنا لما قاتلناكم و لواليناكم و قاتلنا معكم عدوكم، و الآن فإنا ندعوكم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، و إلى الإيمان بمحمد عبده و رسوله على أنكم تستقبلون قبلتنا و تستنون بسنتنا و تكسرون الصليب و تقتلون الخنزير[ (1) ]و تجتنبون الخمر و الزنا، فإذا فعلتم ذلك فأنتم منا و نحن منكم، لكم ما لنا و عليكم ما علينا، فإن أبيتم ذلك فأدوا الجزية في كل عام و اعقدوا منا الذمة حتى نكف عنكم، فإن أبيتم ذلك فاعزموا على القتال و المناجزة، هذا ما نأمركم به و ندعوكم إليه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

قال: فلما فرغ معاذ بن جبل من كلامه هذا و خبرهم الترجمان بما تكلم به أيسوا من قبله و لم يطمعوا فيه، ثم أقبل إليه الترجمان على لسان القوم فقال: إن القوم يقولون لك: إنا نرى الأمر متباعدا بيننا و بينكم متفاوتا جدا، و قد بقيت خصلة واحدة نحن نعرضها عليكم، إن قبلتموها فهو خير لكم، و أن أبيتموها و رددتموها فهو شر لكم، فقال معاذ: فما هذه الخصلة اذكروها حتى أعلمها؟فقال الترجمان:

نعطيكم أرض البلقاء و ما والاها[ (2) ]مما غلبتم عليه و تتنحون عن بقية أرضنا و مدائننا و تكتبون لنا عليكم بذلك كتابا نسمي فيه خياركم و صلحاءكم و نأخذ فيه عهودكم و مواثيقكم أنكم لا تطلبون من أرضنا شيئا إلا ما صالحناكم عليه و نعطيكم منا من الوفاء مثل ذلك و تنصرفون عنا، و عليكم بأرض فارس فقاتلوا أهلها و نحن نعينكم [ (1) ]عند الأزدي: و تجتنبوا شرب الخمر، و أكل لحم الخنزير.

[ (2) ]عند الأزدي ص 120: من سواد الأردن.

146

على ذلك. فقال معاذ: أما ما ذكرتم أنكم تعطونا أرض البلقاء فإن البلقاء و غير البلقاء من أرضكم بأيدينا، و نحن عازمون على أن نجليكم من جميع أرض الشام و تكون بأجمعها لنا إن شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم‏[ (1) ].

قال: فغضب الترجمان من كلام معاذ ثم خبر القوم ما قال، فغصبوا لذلك ثم قالوا له: إليك عنا!نحن نتقرب إليكم و أنت تتباعد عنا، أما إذ أبيت العافية فارجع إلى أصحابك، فإنا نرجو أن يغريكم اللّه غدا في الجبال لبغيكم و ظلمكم، فقال معاذ: أما في الجبال فلا يكون ذلك أبدا، و لكن و اللّه لنقتلن عن آخرنا أو نخرجكم منها أذلة و أنتم صاغرون.

ثم وثب معاذ و استوى على ظهر فرسه و انصرف إلى أبي عبيدة فخبره الخبر على جهته.

قال: و بعثت الروم إلى أبي عبيدة إنا سألناك أن تبعث رجلا فأرسلت إلينا رجلا لا يعلم ما يأتي و لا يذر[و]لا ينصف و لا يقبل النصيحة و لا يبصر الحق و لا يريد الصلح، فلا ندري أذلك عن رأيك أم لا، و نحن نريد أن تبعث إلينا غير ذلك الرجل حتى نعرض عليه خصالا لنا و لك فيهم صلاح، و إلا بعثنا إليك رجلا يعرض عليك ما عندنا، فإن قبلت ذلك و إلا فالحرب بيننا و بينك. قال أبو عبيدة لرسولهم: قل لهم:

فليبعثوا من شاءوا.

ذكر الرومي الذي جاء إلى أبي عبيدة و كلامه‏

قال: فبعث الروم إلى أبي عبيدة رجلا منهم أزرق العينين طوالا مهول المنظر، فلما دخل العسكر جعل ينظر في وجوه عسكر المسلمين فلم يعرف أبا عبيدة من غيره، و ذلك أنه لم ير عليه زي الأمراء و لم ير له مجلسا يعرف و لا فضل هيئة على أصحابه، فبقي ساعة متحيرا ثم قال: يا معشر العرب!أيكم صاحبكم؟قالوا: هو ذلك القاعد بين يديك.

قال: فنظر العلج إلى أبي عبيدة بن الجراح عليه درع و هو متقلد بسيفه متنكب قوسه و في يده سهام يقلبها، فدنا منه العلج ثم قال: أنت أمير هؤلاء القوم؟فقال: [ (1) ]عند الأزدي: و لو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه، و منعتمونا خصلة من الخصال الثلاثة التي وصفت لكم ما قبلنا. ـ

147

نعم، أنا أميرهم فتكلم بحاجتك، فقال له العلج: يا هذا!فما يجلسك على التراب؟فقال: أريد التواضع لربي، فقال: يا شيخ!أ رأيت لو كنت جالسا على بساط أو على وسادة أ كان ذلك واضعا لك عند ربك؟فقال له أبو عبيدة: يا رومي! إن اللّه عز و جل لا يستحيي من الحق، و اللّه ما أملك وسادة و لا بساطا و لا أملك إلا درعي هذا الذي تراه عليّ و سيفي و رمحي و قوسي و كنانتي!و لقد احتجت إلى نفقة فلم تكن عندي حتى استقرضت من بعض أصحابي‏[ (1) ]، و بعد فلو كان لي بساط لما جلست عليه، و نحن عباد اللّه!نمشي على الأرض و نجلس على الأرض و ننام على الأرض و نأكل على الأرض، و ليس ذلك لنا عند ربنا بناقص، لا بل يعظم الله عز و جل بذلك أجورنا و يرفع به قدرنا[ (2) ]و يوجب لنا به المزيد فيما عنده في الآخرة! فتكلم بحاجتك يا رومي و بما أرسلت به إلينا، فقال الرومي: نعم إنه ليس شي‏ء أحب إلى اللّه من الإصلاح، و لا شي‏ء أبغض إلى اللّه من الإفساد، و قل ما بغى قوم و أفسدوا إلا عمهم اللّه تعالى منه بهلاك و ضلال، و قد أتيتكم أعرض عليكم أمرا لكم فيه الحظ إن قبلتموه!فقال أبو عبيدة: و ما ذلك الحظ يا رومي؟فقال: إن شئتم نعطي كل واحد منكم دينارين زيوف (؟) ، و نعطي الفارس خمسة دنانير و ثوبي بزيون (؟) ، و أنت أمير القوم نعطيك ألف دينار، و نعطي الأمير الذي كان من قبلك خمسمائة دينار-يعني خالد بن الوليد-، و نعطي الأمراء و الأجناد مائتي دينار، و نبعث إلى صاحبكم عمر بن الخطاب بألفي دينار على أن تخرجوا من بلادنا و تنصرفوا عنا، و إن شئتم أعطيناكم أرض البلقاء و ما والاها من بلاد الأردن و تنصرفون عنا و عن بقية أرضنا و مدائننا سالمين معافين بعد أن نكتب بيننا و بينكم كتابا يستوثق فيه بعضنا من بعض، فهذا ما عندنا، فهات ما عندك يا شيخ!فقال أبو عبيدة: فإني أخبرك ما عندي يا رومي!إن اللّه تبارك و تعالى بعث إلينا رسولا و أنزل عليه كتابا جعله رحمة للعالمين و حجة على الكافرين،

و قد كان أمرنا نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: إذا لقيتم الذين كفروا فادعوهم إلى الإيمان باللّه و رسوله و الإقرار بما جاء به من عند اللّه، فمن أجابكم منهم إلى دينكم‏[ (3) ]فهو أخوكم في دينكم و شريككم في حظكم، له ما لكم و عليه ما عليكم، و من أبى منهم الإيمان فاعرضوا عليه إذا الجزية حتى يؤديها عن‏

[ (1) ]عند الأزدي: يعني معاذ.

[ (2) ]أزدي: درجاتنا.

[ (3) ]عند الأزدي: فمن آمن و صدق فهو أخوكم في دينكم.

148

يد و هم صاغرون، فإن كرهوا أن يؤمنوا و أبوا أن يؤدوا الجزية فقاتلوهم، فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد في جنان النعيم. و قتيل عدوكم في النار و العذاب الأليم،

فإن صدّقتم يا رومي بما سمعتم و قبلتم ما أعلمتم فحظكم أصبتم و الخير أريد بكم، و إن كرهتم ذلك و أدبرتم عنه و كذبتم فابرزوا إلينا حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.

قال: فقال الرومي: و قد أبيتم إلا هذا؟قال أبو عبيدة: نعم، قد أبينا إلا ما سمعت، و ما عندنا غيره، فاعمل أنت و أصحابك على ذلك‏[ (1) ].

قال: فولى الرومي من بين يدي أبي عبيدة و هو يقول: اللهم اشهد على هؤلاء القوم و انتقم لنا منهم!فإنا قد أنصفناهم و أعطيناهم الحق و زدناهم فأبوا ذلك، اللهم انصرنا عليهم!قال: فصاح به بعض المسلمين أيها العلج!و ما دعاء الكافرين إلا في ضلال.

قال: فمضى الرومي و خبرهم بما كان من كلامه و كلام أبي عبيدة بن الجراح.

فلما كان من غد زحف الروم نحو المسلمين في ستين ألفا أو يزيدون، و عزم أبو عبيدة على حربهم و مناجزتهم، ثم دعا فيجا[ (2) ]سريعا من أنباط أهل الشام و قال له: انظر إذا دفعت إليك كتابي هذا فأسرع حتى تأتي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فادفعه إليه، ثم كتب أبو عبيدة من ساعته كتابا إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏[ (3) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين، من عامله عامر بن الجراح، سلام عليك!أما بعد فإني أخبرك أن الروم قد أقبلت إلينا و نزل أكثرهم بساحتنا و هم نزول بأرض يقال لها فحل و قد سارع أهل البلد و من كان على دينهم من العرب المتنصرة، و كتبت إليك كتابي هذا حين نهضت إليهم و سرت لقتالهم متوكلا على اللّه، راضيا بقضائه، واثقا بنصره، راجيا لأحسن ما عودنا، و نحن نسأل اللّه عز و جل أن يكفينا و إياك يا أمير المؤمنين حسد كل حاسد و كيد كل [ (1) ]زيد عند الأزدي: فقال له الرومي: أما و اللّه على ذلك، إني لأراكم تتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم.

[ (2) ]الفيج: العداء السريع الذي ينطلق مشيا على قدميه.

[ (3) ]نسخته في فتوح الشام للأزدي ص 125 و الوثائق السياسية عنه وثيقة رقم 353/ز و فيهما زيادة و اختلاف.

149

كائد و بغي كل باغ، و أن ينصرنا نصرا عزيزا، و أن يفتح اللّه لنا منه فتحا مبينا، و أن يجعل لنا منه سلطانا نصيرا-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

ثم طوى أبو عبيدة الكتاب و ختمه و دفعه إلى الفيج و نهض إلى الروم في خيله و رجله، و نظرت الروم إلى خيل المسلمين و كثرة جمعهم فكأنهم كاعوا عن حربهم يومهم ذلك و رجع الفريقان بعضهم عن بعض.

و مضى الفيج فجعل يسير سيرا عنيفا حتى قدم على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فلما دفع إليه الكتاب و قرأه أقبل على الفيج و قال: ويحك!فهل علمت أو بلغك من أمر المسلمين بعد خروجك عنهم؟فإن أبا عبيدة خبرني في كتابه هذا أنه نهض إلى القوم حين دفع إليك الكتاب. قال: فقال الفيج: نعم يا أمير المؤمنين! إني لم أبرح حتى رجع القوم بعضهم عن بعض و لم يكن بينهم قتال، و ذلك أن الروم كاعوا فلم يحاربوهم و رجع المسلمون عنهم إلى معسكرهم. قال: فأنت ما حبسك عندهم و قد دفع إليك الكتاب أبو عبيدة و أمرك أن تعجل به عليّ‏[ (1) ]؟فقال الفيج: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين!إني انتظرت انصراف المسلمين عن الروم و علمت أنك مسائلي‏[ (2) ]عما سألتني. فقال عمر: ويحك!إني أراك عاقلا فما دينك؟قال: أنا نصراني، فقال عمر: فما يدلك عقلك هذا على أن تسلم للّه رب العالمين و تعبده و لا تشرك به شيئا؟قال الفيج: فإني قد أسلمت على يدك يا أمير المؤمنين و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله!فقال عمر: الحمد للّه الذي يهدي لدينه من يشاء!جئتني كافرا و تنصرف من عندي مسلما، فأحمد اللّه عز و جل على ما هداك له من دينه.

قال: ثم بره و كساه و أحسن إليه و زوده و كتب معه إلى أبي عبيدة بن الجراح‏[ (3) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، أما بعد فقد جاءني كتابك تخبرني فيه بنفر الروم إليك و بمنزلتهم [ (1) ]عبارة الأزدي: قال: فأنت، ما جلسك يومئذ إلى العشى، ثم تقبل بالكتاب إليّ و قد دفعه إليك أبو عبيدة أول النهار؟

[ (2) ]الأزدي: سائلي.

[ (3) ]نسخته في فتوح الشام للأزدي ص 127 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/ج ص 464. و فيهما زيادة.

150

التي نزلوها[ (1) ]، كتابي هذا و أنتم غالبون فكثيرا ما نتذكر من فضل اللّه تعالى و الإحسان، و إن تأتكم نكبة أو مسكم قرح فلا تهنوا و لا تحزنوا و لا تستكينوا فأنتم الأعلون و اللّه معكم، فإنما هي دار اللّه و اللّه تعالى فاتحها عليكم و نازعها من أيدي عدوكم، فاصبروا إن اللّه مع الصابرين-و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته-.

ذكر وقعة فحل من أرض فلسطين و من قتل فيها من المسلمين و غيرهم‏

قلما: فلما ورد كتاب عمر رضي اللّه عنه على أبي عبيدة بن الجراح نادى في المسلمين فاستنهضهم إلى حرب الروم.

قال: و علمت الروم بذلك فرجعوا إلى حرب المسلمين في ستين ألفا و يزيدون من بين فارس و راجل و قد رفعوا صلبانهم و نشروا أعلامهم و عبوا كراديسهم، قال:

و عبى أبو عبيدة أصحابه كما كان يعبيهم من قبل و دنا القوم بعضهم من بعض، و حملت كتيبة من الروم على يزيد بن أبي سفيان‏[ (2) ]و هو في الميمنة، فلم يزل هو و لا أحد من أصحابه، و حملت كتيبة من الروم على شرحبيل و هو في الميسرة، فثبت و ثبت الناس معه، و حملت كتيبة أخرى فيها أكثر من عشرة آلاف فارس على خالد بن الوليد و هو في القلب، فلم يتحلل أحد منهم لكنهم شرعوا الرماح في وجوههم و رشقوهم بالسهام، فرجعوا إلى ورائهم و عجبوا من حسن وقوف المسلمين وجودة صبرهم لهم.

و صاح أبو عبيدة بن الجراح‏[ (3) ]قال: أيها الناس!إنه لم يبق من جد القوم إلا ما رأيتهم فاحملوا الآن عليهم حملة صادقة فاستوجبوا من اللّه النصر بالصبر، و ليبشر كل من قتل منكم بالشهادة و من بقي بالنصر و الغنيمة، و وطنوا أنفسكم على القتال الشديد، و عليكم بالضراب و الطعان و منازلة الأقران فإنه لن يدرك ما عند اللّه عز و جلّ إلا بالطاعة و الصبر في المواطن المكروهة و إن اللّه مع الصابرين.

[ (1) ]كذا، و عند الأزدي: و رسالتهم التي أرسلوا، و بالذي رجعت إليهم فيما سألوك، و قد سددت بحجتك، و أوتيت رشدك، فإن أتاك...

[ (2) ]كذا، و قد تقدم أن أبا عبيدة استخلفه على دمشق.

[ (3) ]عند الأزدي: خالد بن الوليد.

151

قال: ثم حمل أبو عبيدة و حمل الناس معه و انكشفت الروم من بين أيديهم كشفة قبيحة و أخذهم السيف فقتل منهم جماعة، ثم إنهم وقفوا و نعروا و تراطنوا بينهم بالرومية ثم حملوا على المسلمين فخالطوهم و اقتتلوا ساعة، ثم تراجعت الروم إلى ورائها و تقدم إليهم المسلمون بالتكبير و التهليل، فكان الرجل من المسلمين يتقدم فيقاتل، فإذا أعيا أو جرح رجع إلى ورائه، و ربما قتل.

قال: و تقدم قيس بن هبيرة المرادي نحو القوم، قال: ثم حمل على جميع الروم فلم يزل يطاعن حتى انكسر رمحه، ثم رجع إلى المسلمين فطلب رمحا فأعطي ثم حمل على الروم فلم يزل يطاعن فيهم حتى كسر رمحه، و رجع إلى المسلمين حتى أخذ رمحا ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى انكسر رمحه و تثلم سيفه، فقيل: إن قيس بن هبيرة المرادي هذا كسر في ذلك اليوم عشرة رماح و انقطع في يده سيفان‏[ (1) ]، و قتل من الروم جماعة ما فيهم إلا فارس مذكور، و جرح منهم نيفا على ثلاثين رجلا، و أصابته سبع و أربعون جراحة و سلم فلم يقتل.

قال: ثم نادى خالد بن الوليد: أيها الناس!كونوا في جوار اللّه رغبة منكم عن هذه الدنيا و ما فيها فإنها إلى فناء و زوال، و لا تخاذلوا و لا تواكلوا و لا تفشلوا عن أعداء اللّه، و أقدموا على الكافة كإقدام الأسود الضارية، و لا يكن أعداء اللّه على باطلهم أصبر منكم على حقكم، و اطلبوا بإقدامكم عليه من اللّه الثواب الكريم و الأجر العظيم، ألا!و إني حامل فمن شاء فليتبعني و من شاء فليتخلف عني.

قال: ثم حمل خالد بن الوليد و حمل معه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في زهاء ألف رجل من أهل الصبر و اليقين، فنقضوا تعبية الكفار و كسروا صفوفهم بعضها على بعض، ثم وقف المسلمون ينظرون إليهم أ يرجعون أم لا. قال: و إذا الروم في وقتهم ذلك أشد ما كانوا كلبا على المسلمين.

ثم إنهم تراجعوا في تعبية خلاف التعبية التي كانت لهم في أول النهار، ثم جعلت صفوفهم تقدم بعضها بعضا و هم ثمانية[ (2) ]صفوف، بين كل رجلين فارس، [ (1) ]عند الأزدي: و خرجوا و هم خمسة صفوف، لا يرى طرفاهم، و هم نحو من خمسين ألفا. فأول صف من صفوفهم جعلوا فيه الفارس بين الراجلين أحدهما ناشب (يرمي بالنشاب) ، و الآخر رامح (يضرب بالرمح) ثم جعلوا مجنبتين، ثلاثة صفوف أخرى، رجالة كلهم. (ص 131) .

[ (2) ]عند الأزدي: ثلاثة أسياف و كسر بضعة عشر رمحا. و كان يقاتل و يقول:

152

و بين كل فارس رامح و ناشب، فجعلوا يزحفون نحو المسلمين و المسلمون يتأخرون عن نشابهم.

قال: ثم صاح خالد بن الوليد: يا أهل الإسلام!هذا يوم له ما بعده من الأيام و إن كان القوم في ستين ألفا و الرجل منكم يحتاج إلى رجال منهم فغضوا أبصاركم و أقدموا على عدوكم و لا تتشاغلوا عنهم بسلب و لا غنيمة فعند اللّه مغانم كثيرة.

قال: ثم تقدم عمرو بن سعيد و كان من أفاضل الناس و فرسان المسلمين حتى وقف بين الجمعين ثم رفع صوته و قرأ: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاََ تُوَلُّوهُمُ اَلْأَدْبََارَ*`وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ فَقَدْ بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ وَ مَأْوََاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ [ (1) ]يا أيها الناس اطلبوا الجنة فإنها نعم المأوى و نعم القرار و لنعم دار الأبرار؟و لمن هي يا قوم؟هي و اللّه لمن شرى نفسه، و قاتل في سبيل اللّه!ثم نادى بأعلى صوته: إليّ يا أهيل الإسلام!فأنا عمرو بن سعيد!ثم حمل هذا عمرو على الروم فقاتل قتالا حسنا، ثم رجع إلى المسلمين و قد أصابته ضربة على حاجبه الأيمن و الدم يسيل من الضربة حتى ملأت عينه، فلم يستطع أن يفتح جفن عينه من الدم، فقال عبد اللّه بن قرط الثمالي: أبشر يا ابن أبي أجنحة[ (2) ]!فإن اللّه معافيك من هذه الضربة و موجب لك بها الجنة و منزل نصره عليك و على المسلمين إن شاء اللّه، قال: فقال عمرو بن سعيد: أما النصر على الإسلام و أهله فقد أنزله اللّه تبارك و تعالى إن شاء اللّه، و أما أنا فجعل اللّه هذه الضربة شهادة و أهدى‏[ (3) ]إليّ مثلها أخرى، فواللّه إن هذه الضربة أحب إليّ من مثل جبل أبي بقيس ذهبا أحمر!قال: ثم حمل عمرو بن سعيد هذا فلم يزل يقاتل حتى قتل-[ (4) ]رحمة اللّه عليه-.

قال: ثم تقدم خالد بن الوليد و معه نخبة عسكر أبي عبيدة حتى وقف في القلب [ () ]

لا يبعدن كل فتى كرار # ماضي الجنان خشن صبار

حبوتهم بالخيل و الأدبار # تقدم إقدام الشجاع الضاري‏

[ (1) ]سورة الأنفال: 15-16.

[ (2) ]كذا بالأصل، و الصواب ابن أبي أحيحة (الأزدي) .

[ (3) ]عند الأزدي: و أهوى إلى أخرى مثلها.

[ (4) ]قتل و به أكثر من ثلاثين ضربة، قطعوه بسيوفهم و كانوا حنقوا عليه. (الأزدي) . و قيل مات بأجنادين، و قيل مات بمرج الصفر (الإصابة) و ذكرت فيه قصة عبد اللّه بن قرط يوم أجنادين. و في الاستيعاب:

و الأكثر على أنه قتل بأجنادين و انظر تاريخ خليفة. ـ

153

و قد أوقف الناس في الميمنة و الميسرة فأوصاهم و عهد إليهم ثم قال: أيها الناس! انظروا إذا سمعتم تكبيري فاعلموا أني حملت فاحملوا و اذكروا اللّه و قولوا: لا حول و لا قوة إلا باللّه، فقال الناس: سمعنا و أطعنا فاحمل إذا شئت يرحمك اللّه!قال:

فعندها حسر خالد عن رأسه، و كانت علامته إذا أراد أن يحمل قال: اللّه أكبر اللّه أكبر، اللّه أخرجهم لكم من ديارهم و حصونهم، شدوا عليهم على بركة[اللّه‏] و عونه، ثم حمل و حمل الناس معه بأجمعهم على عساكر الروم و رفعوا أصواتهم بالتكبير، فانكشفت الروم من بين أيديهم، و أخذهم السيف فقتل منهم في هذه الحملة نيف على سبعة آلاف، منهم ألفا بطريق أو يزيدون و خمسة آلاف تابع ما فيهم إلا فارس مقنع بالحديد أو راجل ذو بأس شديد، و قتل من المسلمين بضعة عشر رجلا: أربعة من المهاجرين و سبعة من الأنصار و ستة من التابعين.

قال: و تبعهم المسلمون فاستأسروا منهم خلقا كثيرا فقتلوهم بالسيف صبرا و احتووا على غنائم لهم كثيرة، فأخذها أبو عبيدة و أخرج منها الخمس و قسم باقي الغنائم على المسلمين.

قال: و مرت الروم على وجوهها عباديد مشردين في البلاد، فمنهم من صار إلى فحل و هي مدينة مطلة على موضع من بلد الأردن يقال له «الأهويه» [ (1) ]و الماء يجري من تحتها، فتحصنت الروم بفحل، و مر الباقون على وجوههم مشردين، فمنهم من صار إلى هرقل ملك الروم و منهم من صار إلى حصون الشام فتحصنوا فيها.

قال: فبعث أبو عبيدة بالخمس إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و كتب إليه‏[ (2) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك!أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين-أسعده اللّه-[ (3) ]بأنا التقينا نحن و أعداؤنا من الروم بموضع من بلد الأردن يقال له: فحل، و قد جمعوا لنا الجموع العظام و جاءونا من رؤوس الجبال و سواحل البحار في نيف على ستين ألفا [ (1) ]قال الأزدي في فتوح الشام ص 231 هي الواقوصة (قرب اليرموك) .

[ (2) ]نسخة الكتاب في فتوح الشام للأزدي ص 139 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/ط ص 464.

باختلاف بعض الألفاظ.

[ (3) ]عند الأزدي: أصلحه اللّه.

154

قادرين مقتدرين في أنفسهم يظنون أن لا غالب لهم من الناس، ثم إنهم برزوا إلينا و أظهروا البغي علينا، فتوكلنا على ربنا و رفعنا إليه رغبتنا فرزقنا اللّه عليهم الظفر، فقتلنا منهم خلقا كثيرا و أغنمنا اللّه عزّ و جلّ أموالهم و ما كان في عسكرهم، و قد أهدى اللّه الشهادة إلى رجال من المسلمين، منهم عمرو بن سعيد بن أبي أجنحة[ (1) ]و سعيد بن عمرو بن قيس بن الحارث و فلانا و فلانا[ (2) ]، و صرف اللّه وجوه المشركين و تبعهم المسلمون يقتلونهم حتى اعتصموا بحصنهم فحل و مضى فلّهم في البلاد مشردين، و أفاء اللّه على المسلمين عسكرهم فحووا ما كان فيه و احتووا على بلادهم، و أنزلهم اللّه من صياصيهم‏[ (3) ]و قذف الرعب في قلوبهم، فأحمد اللّه يا أمير المؤمنين على إعزاز دينه و إظهار حجته!و ادع لنا بالنصر و إتمام النعم و إظهار الفلح و إلهام الشكر- و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

قال: فلما ورد كتاب أبي عبيدة على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما و قرأه و فهم ما فيه فرح بذلك و استبشر، و فرح المسلمون و استبشروا بما فتح اللّه عز و جل على إخوانهم من أرض الشام، ثم قسم عليهم عمر بن الخطاب ذلك الخمس الذي وجه به إليه أبو عبيدة بن الجراح، ثم كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح يأمر بأن يتمسك بما فتح اللّه عزّ و جلّ على يديه و لا يحارب أحدا من الروم إلى أن يفرغ سعد بن أبي وقاص مما هو فيه من أمر العراق.

قال: فلما ورد الكتاب إلى أبي عبيدة رحل من بلد الأردن حتى صار إلى دمشق فنزلها و فرق أصحابه في البلاد التي فتح اللّه عز و جل على يده.

قال: و أنجز الشتاء عن سعد بن أبي وقاص، و كتب إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يأمره بالمسير إلى العراق و المناجزة للعدو.

ذكر مسير سعد بن أبي وقاص إلى القادسية و نزوله عليها و محاربتهم‏

قال: فسار سعد بن أبي وقاص حتى نزل بالقادسية، و اجتمعت إليه العساكر [ (1) ]كذا، و قد أشرنا إليه قريبا.

[ (2) ]عند ابن الأثير 2/83 و ممن قتل في هذه الحرب السائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، له صحبة.

[ (3) ]الصياصي: جمع صيصة و هي الحصن، و كل ما امتنع به.