الفتوح - ج1

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
266 /
155

من كل ناحية فصار سعد في جمع عظيم، و بلغ ذلك يزدجرد بن هرمز ملك الفرس فوجّه إلى سعد بن أبي وقاص يسأله أن يوجه إليه بجماعة من أصحابه يسألهم عما يريد[ (1) ].

قال: فدعا سعد بن أبي وقاص بهؤلاء العشرة من أصحابه منهم عمرو بن معديكرب الزبيدي، و طليحة بن خويلد الأسدي، و جرير بن عبد اللّه البجلي، و المغيرة بن شعبة الثقفي، و عاصم بن عمرو التميمي، و شرحبيل بن السمط الكندي، و المنذر بن حسان الضبي، و فرات بن حيان العجلي، و إبراهيم بن حارثة الشيباني‏[ (2) ]، فقال لهم سعد: إن هذا الكافر بعث إليّ يسألني أن أوجه بقوم منكم يسألهم عما يريد، فسيروا إليه و انظروا ما قد عزم عليه، فلعله أن يجيب إلى دين الإسلام فنكفي حربه.

فسار القوم حتى صاروا إلى الفرات، ثم عبروا الفرات و ساروا حتى صاروا إلى الدجلة، فقعدوا في الزوارق و عبروا إلى ناحية يزدجرد، و هو يومئذ بالمدائن‏[ (3) ]و بها قصره، فوقف القوم على بابه ثم استأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه فإذا هو جالس على سرير له من العاج و الأبنوس صغير، و الملوك و أبناء الملوك عن يمينه و شماله على الكراسي، و قد كان قبل أن تدخل العرب عليه يشرب خمرا، فلمّا رأى العرب من بعيد أمر بالشراب فرفع، و قدم المسلمون حتى وقفوا بين يديه، فأمرهم بالجلوس فجلس منهم تسعة و ظفر المغيرة بن شعبة فقعد معه‏[ (4) ]على السرير، قال: فلمّا جلس المغيرة و كان رجلا جسيما مال السرير حتى كاد أن يقع يزدجرد من سريره، فصار المغيرة في وسط السرير و يزدجرد عن يساره، قال: فغضب يزدجرد و اغتاظ [ (1) ]في الطبري 3/495 و ابن الأثير 2/100 أن عمر-بعد أن بلغته أخبار حشود فارس-كتب إلى سعد: لا يكربنك ما يأتيك عنهم و استعن باللّه و توكل عليه و ابعث إليه رجالا من أهل المناظرة (المنظرة) و الرأي و الجلد يدعونه، فإن اللّه جاعل دعاءهم توهينا لهم.

[ (2) ]في الأسماء التي أرسلت إلى رستم اختلاف: الطبري 3/496 ابن الأثير 2/101 البداية و النهاية 7/38 فتوح البلدان ص 257.

[ (3) ]المدائن: سبع مدائن بين كل مدينة إلى الأخرى مسافة قريبة أو بعيدة. بالفارسية توسفون افتتحها سعد سنة 16 (معجم البلدان) .

[ (4) ]أنه قعد مع رستم و ليس مع يزدجرد. (فتوح البلدان-و في رواية للطبري عن أبي وائل. و في رواية فكالأصل) .

156

لذلك، و جاء غلام من غلمان يزدجرد و قال: تنحّ!فلم يتنحّ، و المغيرة يومئذ عليه ثياب العرب و دراعة من فوق ثيابه و هو مقلد بسيف له و سوطه معلق في يده و عليه برد له يمانية و قد اتّشح بها من فوق ثيابه و كان المغيرة قال لأصحابه: من يكلم هذا الملك إذا دخلنا إليه؟قالوا له: اكفنا أمره و الكلام معه.

فعزم المغيرة على ذلك و جعل يزدجرد ينظر إلى البردة التي على المغيرة و كانت بردة يمانية مثمّنة، فقال يزدجرد لترجمان له قائم بين يديه يقال له عبود فكلّمه بالفارسية و قال: ما اسم هذا الثوب الذي على هذا الرجل؟قال: أيها الملك اسمه برد، فتطير يزدجرد من ذلك، ثم قال: بردند جهان را-يردّدها، فأقبل المغيرة على رجل قائم بين يديه من الفرس فقال: ملككم هذا يفهم عني ما أقول و إلاّ فأتوني بترجمان يؤدّي عنّي ما أقول، قال: و كان يزدجرد فصيحا بالعربية فقال له:

يا هذا!فأنت من فصاحتك و إعجابك بنفسك جلست معي على سريري بغير إذني! قال له المغيرة: و ما الذي أنكرت من ذلك؟قال: أنكرت من ذلك أنّك أنت الدّاخل عليّ في مجلسي، إنما يجب عليك أن تجلس في الموضع الذي آمرك به، فقال المغيرة: صدقت و إن جلوسي معك على سريرك لم يزدني شرفا و لكنني لم أجد لنفسي موضعا أرتفع عليه إلا هذا، فذر عنك هذا و تكلّم أنت بما تريد، قال: فأقبل عليه يزدجرد فقال‏[ (1) ]: أما أنكم يا معشر العرب كنتم تأتون بلادنا هذه ما بين وافد و تاجر و ابن سبيل، و كنّا نحسن إليكم فتأكلون من طعامنا و تشربون من شرابنا العذوب و تلبسون من لباسنا اللين، ثم إنّكم حسدتمونا على ذلك، فانطلقتم إلى قومكم فجئتم بهم لتضايقونا في نعمتنا و تضادّونا في ملكنا!ما أعرف لي و لكن مثلا إلا [مثل-][ (2) ]رجل كان له كرم فدخل ثعلب فأكل منه و أفسد، فلمّا رأى الثعلب أنه ليس له مانع خرج فجمع الثعالب ثم أقبل بها إلى الكرم، فلما رأى صاحب الكرم تلك الثعالب سدّ عليها أبواب الجحر ثم دخل عليها فقتلها عن آخرها، فهذا مثلي و مثلكم، و لو أردت أن أفعل بكم ذلك لفعلت غير أني أعلم أنما حملكم على المصير إلى بلدي هذا ما أنتم عليه من الجوع و الجهد و البؤس و الضنك، فإن كان ذلك كذلك فخبّروني حتى أحسن إليكم و أوقر إبلكم هذه التي معكم طعاما[ (3) ]و كسوة و زادا [ (1) ]قارن مع رواية الطبري عن ابن إسحاق 3/574 بين رستم و المغيرة بن شعبة.

[ (2) ]عن الطبري.

[ (3) ]عند الطبري: قمحا و تمرا، و نأمر لكم بكسوة.

157

و أحسن إليكم جهدي و طاقتي و تنصرفون إلى بلادكم سالمين، و إن كنتم إنما قصدتم بلدي هذا لزوال ملكي فأعلموني ذلك حتى أبغي لكم الغوائل و أنصب لكم الحبائل.

قال: فقال المغيرة بن شعبة: أفرغت من كلامك؟قال: نعم، فقل ما أحببت، فقال المغيرة: إنك لم تذكر شيئا من البؤس و الضنك و الجهد إلا و قد كنا في أعظم منه، و ذلك أنّا كنّا نأكل الميتة و الضب و القنافذ و أشباه ذلك، و كان‏[ (1) ]أحسننا حالا الذي يثب على ابن عمه فيقتله و يأخذ ماله، و كان لباسنا مما يخز من أغنامنا و إبلنا فتغزله لنا نساؤنا و تنسجه، فمنه لباسنا، فكنّا كذلك لا نعرف حلالا و لا ننكر حراما حتى بعث اللّه عزّ و جلّ نبينا محمدا مباركا هدانا به من الضلالة و بصرنا به من الجهالة و أنزل إليه كتابا سماه قرآنا عربيا بيّن فيه الحلال و الحرام و البراء من الأثام، صدّقه منّا مصدّقون و كذّبه منّا مكذبون، فقاتل المكذبين بالمصدّقين، حتى دخلوا في دينه طائعين و كارهين‏[ (2) ]، و قد كان خبرنا قبل وفاته بكل البلاد التي يفتحها اللّه عزّ و جلّ على أيدينا، و إن بلدك منها و قصرك، و إنا نعرض عليك خصالا ثلاثا فاختر أيّهن شئت. قال يزدجرد: قال حتى أسمع، قال له المغيرة: أمّا واحدة فتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنّ محمدا عبده و رسوله، فإذا أنت قلتها أقررناك في بلدك و انصرفنا عنك، لا يدخل بلدك هذا أحد إلا بإذنك، و عليك الخراج الخمس و الزكاة تؤدّيها إلى بيت مال المسلمين، و إن أبيت ذلك فأداء الجزية عن يد و أنت صاغر و أعتق منا دمك، و إن أبيت ذلك فأذن بحرب من اللّه و رسوله و جهاد في سبيله، قال: فقال له يزدجرد: أما!إني قد فهمت كلامك، و لكن خبّرني ما الصاغر؟فإني لا أعرف الصاغر من كلامكم، قال: الصاغر أن تؤدي الجزية و أنت قائم و السوط على رأسك.

قال: فغضب يزدجرد ثم قال: ما ظننت أن أعيش حتى أسمع من أمثالكم هذا، أما!إني قد كنت عزمت على برّكم و الإحسان إليكم في وقتي هذا، فلمّا إذ تلقيتموني بمثل هذا الكلام فما لكم عندي إلا التراب‏[ (3) ]. قال: ثم رفع رأسه إلى [ (1) ]عند الطبري: أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل....

[ (2) ]في الطبري: فأمرنا أن نقاتل من خالفنا، و أخبرنا أن من قتل منا على دينه فله الجنة. و من عاش ملك و ظهر على من خالفه.

[ (3) ]زيد في الطبري 3/500 لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شي‏ء لكم عندي (فتوح البلدان ص 258) .

158

غلام له بين يديه فكلّمه بالفارسية فقال: شوانشان خاك بياور، فذهب الغلام فجاء بزنبيل ملآن ترابا فقال: خذوه الآن‏وضعوه على رأس أكبركم و أفضلكم و ارجعوا إلى صاحبكم فخبّروه بأنّي سأوجّه إليكم من يدفنه و يدفن أصحابه في خندق القادسية.

قال: فوثب عاصم بن عمرو التميمي‏[ (1) ]و كان أصغر القوم فأحبّ أن يوقر المشايخ فحمل التراب، و نزل المغيرة عن سرير يزدجرد، و خرج القوم فركبوا دوابهم و ساروا حتى صاروا إلى سعد بن أبي وقاص فخبروه بما كان من كلامهم و كلام يزدجرد.

قال: ثم أقبل يزدجرد على وزيره الأكبر رستم فقال له: إن الشتاء قد انحسر عنّا و عن هؤلاء القوم، و الأرض قد أعشبت و الأشجار قد أينعت، فسر إليهم بخيلك و رجلك و جاهدهم أبدا حتى تردهم على أدبارهم من حيث جاءونا. قال: فعندها عرض رستم من كان بحضرته من الفرس، فكانوا عشرين و مائة ألف فارس و ثلاثين ألف راجل، فسار هؤلاء القوم حتى نزلوا بإزاء المسلمين بأرض القادسية، و كتب يزدجرد إلى جميع البلاد التي كانت في يده فاستنهضهم إلى حرب المسلمين، فأجابوه على كل صعب و ذلول، فكان أول من أجابه إلى ذلك بهرام صاحب همذان في خمسة و عشرين ألفا من فارس و راجل، و أجابه شيرزاد صاحب قم و قاشان في مثل ذلك، و أجابه البندوان صاحب أصفهان في مثل ذلك، و أجابه خرشيد صاحب الري في قريب ن ذلك، فاجتمعت العساكر إلى رستم بالقادسية في جمع عظيم، فتواعد القوم للحرب و دنا القوم بعضهم من بعض، و كانت حروبهم أربعة أيام: يوم أرماث‏[ (2) ]و يوم أغواث و يوم السواد و يوم النفاذ.

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 257: عمرو بن معدي كرب.

[ (2) ]بالأصل رفاث تحريف و ليلة أرماث تدعى الهدأة.

و ليلة أغواث تدعى السواد، و اليوم الثالث يوم عماس (بكسر العين، و لا أدري أهو موضع أم هو من العمسس مقلوب المعسس. قاله ياقوت في المعجم) و ليلة اليوم الرابع تدعى ليلة الهرير، و اليوم الرابع يوم القادسية. قال ابن الأثير 2/479 و سميت ليلة الهرير بذلك لتركهم الكلام، إنما كانوا يهرون هريرا.

و في الفتوح البلدان ص 259: كان قتال القادسية: يوم الخميس و الجمعة و ليلة السبت و هي ليلة الهرير. ـ

159

[يوم أرماث‏]

و عبّي سعد بن أبي وقاص أصحابه، فكان يومئذ في قريب من أربعين ألفا، و قد كان عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنهما فأمدّهم بعشرين ألفا من أهل الشام، فصار سعد في ستين ألفا. فلما كان ذلك اليوم و عزم على محاربة الفرس جعل على ميمنته عمرو بن معدي كرب الزبيدي و جرير بن عبد اللّه البجلي في عشرة آلاف بين فارس و راجل، و جعل على ميسرته إبراهيم بن حارثة الشيباني‏[ (1) ]، و علي بن جحش العجلي في عشرة آلاف من بين فارس و راجل، و جعل في القلب طليحة بن خويلد الأسدي و المنذر بن حسان الضبي في عشرة آلاف فارس و خمسة آلاف راجل. و فرق من بقي منهم في الأجنحة و الكمناء، فكان أول من تقدم يومئذ من الفرس مهران صاحب أذربيجان و عليه قباء حرير و قرطق ديباج، و في وسطه منطقة من الذهب مرصعة بالجوهر، و في أذنه قرطان من الذهب في كل قرط حبتان من بنات الدر، و تحته فرس له أشقر، و في يده سيف له حسام قاطع، فجعل يقول بالعربية: ندقّ العرب دقا دقا!فقال له رجل من أصحابه: قل إن شاء اللّه، فقال: إن شاء اللّه و إن لم يشأ[ (2) ]. فقال سعد بن أبي وقاص: أيها المسلمون!قد طغى و بغى فاخرجوا إليه!فخرج إليه المنذر بن حسان الضبي و حمل عليه و طعنه طعنة أرداه عن فرسه، فذهب مهران يقوم فبادر إليه المنذر بن حسان فرمى بنفسه عن فرسه و شد على مهران ليضربه بسيفه فالتقاها برجله، فضرب المنذر بن حسان رجل مهران فقطعها و غار فرس المنذر فعدا إليه ليأخذه و أمعن الفرس في الركض، فبادر جرير بن عبد اللّه إلى مهران فنزل إليه فأخذ بلحيته و احتز رأسه، و أخذ ما كان عليه من الثياب، و لحق المنذر بن حسان فرسه فأخذه ثم رجع إلى مهران ليسلبه فإذا جرير بن عبد اللّه قد سبقه و أخذ سلبه ثم قال له المنذر: أبا عمرو! أنا قتلت مهران و سلبه لي و لا حق لك فيه، و إنما شغلني عنه فرسي، و لقد كنت سيدا في الجاهلية و أنت اليوم سيد في الإسلام، و لا يجمل بك أن تأخذ ما ليس لك، فاردد عليّ السلب، قال جرير: فادفع إلى المنطقة و خذ باقي السلب، فقال [ (1) ]في البداية و النهاية 7/50 قيس بن مكشوح. قال في فتوح البلدان ص 259 و يقال إن قيس بن مكشوح لم يحضر القتال بالقادسية و لكنه قدمها و قد فرغ المسلمون من القتال، و في الطبري 4/126 انه قدم مع هاشم بن عتبة يوم عماس.

[ (2) ]نسب هذا القول في الطبري 3/530 إلى رستم.

160

المنذر بن حسان: إذا لا أفعل لأني أنا طعنت مهران و أنا صرعته عن فرسه و أنا قطعت رجله، فإن أبيت أن تعطيني السلب فاللّه بيني و بينك-و السلام، فلما سمع جرير هذه المقالة من المنذر بن حسان استحيى من ذلك فصالحه أن يأخذ السلب و يدفع إليه المنطقة، فرضي المنذر بذلك فأخذ المنطقة و سلم إلى جرير السلب، فقوم السلب فكانت قيمته بضعة عشر ألف درهم، و قومت المنطقة فكانت قيمتها ثلاثين ألف دينار.

[يوم أغواث‏]

قال: و اقتتل القوم قتالا شديدا إلى أن جاء الليل فحجز بين الفريقين. فلما أصبح القوم‏[ (1) ]دنا بعضهم من بعض، و هذا اليوم يوم أغواث، فأول من تقدم من الفرس رجل يقال له فيروز[ (2) ]على فيل مزين مشهر بغاية الشهرة و الفرس عن يمينه و شماله. قال: و نظر إلى ذلك الفيل رجل من بني أسد يقال له أسد و يكنى أبا الموت و لقبه زبيبل و كان فارسا بطلا، فعزم على الخروج إلى هذا الفيل، ثم أحمى فرسه حتى أقامه على سنابكه، ثم حمل على الفيل فضرب خرطومه ضربة قطعة، و رماه سائس الفيل بحربة كانت في يده فقتلته-رحمة اللّه عليه-. قال: و سقط الفيل ميتا و سقط فيروز عن ظهره، فحمل المسلمون عليه فقتلوه.

ثم حمل المسلمون بأجمعهم حملة واحدة من القلب فكشفوا الفرس و هزموهم عن القادسية و ما يليها، و صار قصر القادسية في أيدي المسلمين فأصابوا منه سلاحا كثيرا و أموالا ليست بكثيرة و أطعمة كثيرة و كان قصرا عاليا مشرفا له مناظر و نزله سعد بن أبي وقاص، و نظرت الفرس إلى القصر و قد أخذ منهم، اغتموا لذلك غما شديدا و باتوا ليلتهم يدبرون أمرهم بينهم.

[ (1) ]في صبيحة يوم أغواث و كل سعد بالقتلى و الجرحى من ينقلهم إلى العذيب فسلم الجرحى إلى النساء ليقمن عليهم، و أما القتلى فدفنوا هنالك على مشرق.

و انضم في صبيحة هذا اليوم أيضا خيل الشام التي أمدها أهل العراق أبو عبيدة بن الجراح بعد معركة دمشق، و كان عمر قد أرسل إلى. بي عبيدة بإرسال المدد إلى سعد بن أبي وقاص. و عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص (الطبري 3/543 ابن الأثير 2/113) .

[ (2) ]لعله الفيروزان (اليعقوبي) ، أو البيرزان (الطبري) . أو الفيرزان (ابن الأثير) .

161

[يوم السواد]

[ (1) ] فلما كان من غد دنا القوم بعضهم من بعض و هذا يوم السواد[ (1) ]، و قدمت الفرس الفيلة عن أيمانها و عن شمائلها و بين أيديهم، و نظرت خيل المسلمين إلى الفيلة ففزعت لذلك فزعا شديدا و تراجعت إلى ورائها، فلما نظر المسلمون إلى ذلك نزلوا عن الخيل و أصلتوا السيوف و مضوا نحو الفيلة رجالة و اشتبكت الحرب، و جعل المسلمون يحملون على الفيلة فيضربون مشافرها بالسيوف حتى أفنوها عن آخرها.

قال: فتقدم رجل من كبار الفرس و ساداتها يقال له شاهنشاه حتى وقف بين الجمعين على فرس له على رأسه تاج من ذهب و عليه جوشن من ذهب فسأل البراز فخرج إليه رجل من المسلمين فقتله شاهنشاه ثم خرج إليه آخر فقتله فلم يزل كذلك حتى قتل أربعة من فرسان المسلمين، فصاح المسلمون بعمرو بن معديكرب الزبيدي فقالوا: يا أبا ثور هل فيك بقية من غنى فتكفينا أمر هذا الأعجمي؟فقال فتى من تميم يقال له عبد اللّه بن حابس: و أي بقية تكون في مثله و هو شيخ كبير على ما ترون؟فقال له عمر: يا ابن أخى!إن بقيتي على ضعفي خير من شباب مثلك.

قال: فأقبل على عمرو من كان من قومه و عشيرته فقالوا: سألناك يا أبا ثور ألا كفيتنا أمر هذا الأعجمي إن علمت أنك تقوم به، قال: نعم، آتوني براحلة، فقالوا:

تريد أن تقاتل على راحلة؟فقال: ائتوني و لا تسألوني، قال: فأتوه بناقة عليها رحلها فأبركها بين يديه ثم ركبها و قال: يا بني أخي!أصلحوا على عمكم ثيابه، قال: فأدخلوا أيديهم تحته ليصلحوا ثيابه فقعد على أيديهم و أثار الراحلة فبقي القوم معلقين بأيديهم فصاحوا: يا عم!أيدينا أيدينا، فتجافى عمرو عن الراحلة فسقطوا إلى الأرض، فقال: يا بني أخي!ما بقي من قوة عمكم إلا ما ترون. ثم أقبل على بني عمه فقال: إن فرسي هذه لست منها في شي‏ء و لكن ائتوني بحصان، قال: فأتوه بحصان مشرف كأنه الكثيب المبني، فأخذ بذنبه فألزم عرقوبيه إلى الأرض ثم قال: ضعيف ائتوني بغيره، فأتوه بفرس آخر، فأخذ بذنبه فجذبه فألزم عرقوبيه الأرض و قال: ضعيف غير أنه خير من الأول، ثم قال: يا بني زبيد!اعلموا [ (1) ]كذا، و قد تقدم أن ليلة أغواث تدعى السواد، و هذا اليوم هو يوم عماس (الطبري-ابن الأثير-ابن كثير-معجم البلدان) .

162

أني حامل على هذا الأعجمي، فإن بدرته بالصمصامة[ (1) ]، فهي نفسه لا شك في ذلك، و إن بدرني بسيفه فصرعني عن فرسي فلا عليكم، ذروني و إياه فإنه لا يصل إليّ حتى أقتله على كل حال.

قال: ثم استوى على الفرس و خرج نحو الأعجمي فنظر إليه شاهنشاه فحمل عليه، و التقيا بضربتين وقعت ضربة شاهنشاه في درقة[ (2) ]عمرو، و وقعت ضربة عمرو في رأس شاهنشاه فقطع تاجه مع هامته فجدله قتيلا. قال: ثم نزل إليه عمرو فسلبه تاجه و ما كان عليه من ثيابه و سلاحه، ثم استوى على فرسه.

قال: فاقتتل الفريقان قتالا شديدا إلى أن جاء الليل، فحجز بين الفريقين.

فلما كان من غددنا القوم بعضهم من بعض، و أقبلت خنساء على أربعة أولادها رجال جلاد فقالت لهم‏[ (3) ]: يا بني!أنكم أسلمتم طائعين و هاجرتم مختارين و و اللّه إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، و و اللّه ما هجنت حسبكم و لا فضحت حالتكم‏[ (4) ]، و قد ترون ما أعدت الأعاجم للمسلمين، فإذا دنوتم من الحرب فباشروا خميسها و يمموا وسيطها و جادلوا رائسها تظفروا بالغنم و السلامة و الزلفة و الكرامة في دار الفوز و المقامة!قال: فقبل بنوها قولها. فلما دنا القوم بعضهم من بعض تقدم ابنها الأول ثم حمل‏[ (5) ]، فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-، ثم تقدم الثاني [ (1) ]كذا بالأصل. و في الصمصامة قال ابن الكلبي: إن النبي كان قد وجه خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن فمر برهط عمرو بن معدي كرب فأغار عليهم فسبى امرأة عمرو و عدة من قومه، ثم منّ عليها و أطلقها بعد أن وهبه عمرو سيفه الصمصامة. و قد استشهد خالد يوم المرج و في عنقه الصمصامة فأخذ معاوية السيف من عنقه فكان عنده، ثم نازعه فيه سعيد بن العاصي بن أمية فقضى لديه عثمان فلم يزل عنده... إلى أن صار إلى المهدي ثم صار إلى موسى الهادي (فتوح البلدان ص 126) .

[ (2) ]الدرقة: الحجفة و هي ترس من جلود ليس فيه خشب و لا عقب و الجمع درق و أدراق و دراق (اللسان) .

[ (3) ]الاستيعاب 4/296 أسد الغابة 5/442 الإصابة 4/288. باختلاف بين النصوص.

[ (4) ]في الاستيعاب و أسد الغابة: خالكم، و في الإصابة: أخوالكم.

[ (5) ]و هو يرتجز و يقول: (الاستيعاب-الإصابة) :

يا إخوتي إن العجوز الناصحة # قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة

مقالة ذات بيان واضحة # فباكروا الحرب الضروس الكالحة

و إنما تلقون عند الصائحة # من آل ساسان الكلاب النابحة

163

ثم حمل‏[ (1) ]، فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-، ثم تقدم الثالث ثم حمل‏[ (2) ]، فقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-، ثم تقدم الرابع ثم حمل‏[ (3) ]، فلم يزل يقاتل حتى قتل-رحمة اللّه عليه-، قال: فقتل أولاد الخنساء هؤلاء الأربعة و ما دمعت لها عين، و ذلك يوم النفاذ.

قال: و اشتدت الحرب و اقتتلوا قتالا شديدا ليس بالدون، و ارتفع التكبير من المسلمين و العطعطة و النعير من الكافرين، و كان أبو محجن الثقفي محبوسا في قصر القادسية، و ذلك أن سعد بن أبي وقاص هو الذي حبسه، و كان السبب في ذلك أن أبا محجن كان لهجا بشرب الخمر.

خبر أبي محجن الثقفي و حبسه و توبته‏

و قد كان سعد بن أبي وقاص أقام عليه الحد مرارا، و كان السبب في هذا الحبس أنه أشرف عليه يوما و أظنه كان متنبذا فسمعه يتكلم، قال: فلما سمعه سعد بن أبي وقاص يقول أبياتا[ (4) ]دنا منه ثم قال: يا أبا محجن!إنك لفي ضلالك القديم، ثم أمر به فقيد، و حبسه معه في القصر بالقادسية. فلما كان ذلك اليوم [ (1) ]و كان يرتجز (الاستيعاب-الإصابة) :

إن العجوز ذات حزم و جلد # و النظر الأوفق و الرأي السدد

قد أمرتنا بالسداد و الرشد # نصيحة منها و برا بالولد

فباكروا الحرب حماة في العدد # إما لفوز بارد على الكبد

[ (2) ]و كان يرتجز:

و اللّه لا نعصي العجوز حرفا # قد أمرتنا حربا و عطفا

فبادروا الحرب الضروس زحفا # حتى تلفوا آل كسرى لفا

[ (3) ]و كان يرتجز:

لست لخنساء و لا لأخرم # و لا لعمرو ذي السناء الأقدم

إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم # ماض على الهول خضم خضرم‏

[ (4) ]في مروج الذهب 2/348 عن أبي محجن قال: و اللّه ما حبسني بحرام أكلته و لا شربته، و لكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، و أنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فأصف القهوة.. فألتذ بمدحها. فلذلك حبسني لأني قلت فيها:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # تروي عظامي بعد موتي عروقها

و لا تدفنني بالفلاة فإنني # أخاف إذا ما مست ألا أذوقها

(و انظر الكامل لابن الأثير 2/115) .

164

و سمع أبو محجن التكبير و النعير التفت إلى أمة لسعد يقال لها: زبراء، فقال:

ويحك يا زبراء!ما حال المسلمين؟فقالت: أظن و اللّه الدائرة على المسلمين و قد قتل منهم جماعة، فقال أبو محجن: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ !أخاف أن يذهب الناس بشرف هذا اليوم، فينالون الدنيا و الآخرة و أنا موثق بهذا الحديد، فلعن اللّه الخمر و لعن أبا محجن إن شربها بعد هذا اليوم، قال: ثم أقبل على سلمى امرأة سعد و جاريته زبراء فقال: أطلقاني و لكما اللّه عليّ راع و كفيل إن أنا سلمت و لم أقتل أن أرجع إليكما و أضع رجلي في هذا القيد كما كانت، قال: فلما سمعت المرأتان يمينه و ما أعطاهما من العهد و الميثاق أطلقتاه فأخرجتا رجله من القيد، فقال لهما:

أعطياني اليوم هذا الفرس البلقاء و أعطياني سلاح سعد حتى أخرج فأقاتل و أرجع إليكما إن شاء اللّه عز و جل إن لم يحدث عليّ حدث، قال: فدفعتا إليه فرس سعد البلقاء[ (1) ]فأسرجها و ألجمها و دفعتا إليه درعا و مغفرا و سيفا و رمحا، فتقلد بالسيف و تناول الرمح و استوى على الفرس و سار حتى اختلط بالمسلمين متلثما لا يعرف، ثم ضرب بيده إلى سيفه فاستله ثم حمل، فلم يزل يقاتل بالسيف مرة، و يطعن بالرمح مرة، و تارة يحمل على القوم فيقاتل قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله، و المسلمون لا يعلمون من هو، غير أنهم عجبوا من قتاله، و سعد بن أبي وقاص على سطح القصر ينظر إلى فعله فالتفت إلى من كان معه من مشايخ العسكر فقال: يا هؤلاء! أ ترون إلى فعل صاحب البلقاء؟لئن كان الخضر عليه السلام شهد شيئا من هذه الوقائع‏فهذا هو الخضر لا شك فيه!قال: ثم تقارب أبو محجن من ناحية القصر و جعل سعد بن أبي وقاص يتأمل البلقاء و يلتفت إلى من كان عنده فيقول: أما البلقاء فهي بلقائي، و أما السلاح سلاحي لا شك فيه، و أما الحركات فكأنها حركات أبي محجن الثقفي، و لو لا أن أبا محجن معي في القصر لقلت: هذا أبو محجن. قال:

ثم حمل أبو محجن و حمل الناس فاختلطوا، و رجع أبو محجن إلى باب القصر فقرعه برمحه و فتح له الباب و دخل، فنزل عن البلقاء فحط عنها السرج و اللجام و أقامها على [ (1) ]في مروج الذهب 2/345 و الكامل 2/115 أن سلمى زوجة سعد هي التي أطلقته و أعطته فرس البلقاء و ليس فيهما ذكر لزبراء أمة سعد و صحح البلاذري في فتوح البلدان أن زبراء هي التي أعطته الفرس قال المسعودي: و قد تنوزع في البلقاء فمنهم من قال: أنه ركبها عريا، و منهم من قال: بل ركبها بسرج. ـ

165

مذودها[ (1) ]و نزع السلاح فرده على المرأتين و دعا بالقيد فقيد رجله كما كان. قال:

فصاحت به سلمى من جوف الخدر: أبا محجن!ما حال الناس؟فقال: بكل خير، و قد كان مني في هذا العدو ما كان، و أرجو أن يكون اللّه تبارك و تعالى قد جعل لك أيتها المرأة في ذلك الثواب نصيبا.

قال: فأرسلت سلمى إلى سعد بن أبي وقاص و سألت أن يصير إليها، قال:

فنزل سعد من السطح على عيلته حتى دخل عليها فقالت: أيها الأمير!ما حال الناس؟قال: ويحك يا سلمى!لقد كانت الدائرة على المسلمين غير أن اللّه تبارك و تعالى منّ علينا بفارس لا أدري من الآدميين أم من الملائكة فأعطى اللّه المسلمين به الظفر بعد الإياس، قالت: فهل عرفت الرجل؟قال: لا و لكني شبهت بلقاء كانت تحته ببلقائي و سلاحا كان عليه بسلاحي، فقالت: و اللّه انه أبو محجن الثقفي، فعل كذا و كذا، قال: فخرج سعد من عندها حتى دخل على أبي محجن ثم وقف عليه ثم قال: لقد عجبت أن يكون ذلك الفعل لك، و لست أقيم بعد ذلك عليك حدا بعد أن قد رأيت منك ما رأيت، قال: ثم فك القيد عنه و قال: يا هذا!انظر لنفسك و فكر في معادك إلى ربك، قال فقال له أبو محجن: أيها الأمير!إنما كنت أشرب الخمر حين كنت تقهرني عليها، فأما إذ قد أبيت أن تقيم عليّ الحد فواللّه لا ذقتها حتى ألقى اللّه تعالى!قال: ثم ترك الخمر و لم يشربها بعد ذلك، و كان إخوانه الذين ينادمونه عليها يقولون: أبا محجن!أ تركت القهوة و صبرت عنها؟فكان يقول: ما تركتها إلا للّه خالصا لا لغيره-ثم رجعنا إلى الحديث‏[ (2) ].

قال: و بات الفريقان ليلتهم تلك و قد قتل من الفرس مقتلة عظيمة، فلما كان من غد وثب القوم كتعبيتهم في الأول‏و نزل إليهم سعد و هو متكئ من قروح قد خرجت في باطن فخذيه‏[ (3) ]، فركب فرسا لين العريكة، ثم خرج على الناس فأحاطوا به من كل جانب فقالوا: أيها الأمير!لو لم تخرج إلينا لكنت معذورا لما علمنا من علتك فارجع إلى موضعك فإنا نكفيك إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم! [ (1) ]المذود: المعلف.

[ (2) ]خبر أبي محجن رواه الطبري ج 3/575 و فتوح البلدان ص 258 و مروج الذهب 2/345 و ما بعدها و ابن الأثير 2/114-115 و الواقدي في فتوح الشام 2/161.

[ (3) ]في الطبري 3/530 كان سعد لا يستطيع أن يركب و لا يجلس، به حبون (دماميل) فإنما هو على وجهه في صدره و سادة، هو مكب عليها.

166

قال: فقال لهم: أيها المسلمون!لقد علمت العرب قاطبة عنائي في الحرب، إذ أنا شهدتها و اللّه يعلم ما بي من العلة و لا أريد أن يؤمنكم لقتال عدوكم فقد مضت أربعة أيام و أنا أرجو أن يكون هذا اليوم يوم الفتح إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

قال: ثم رجع سعد و دخل القصر، ثم صعد على السطح فقعد، ثم جعل ينظر إلى حرب المسلمين، و دنا القوم بعضهم من بعض و دنت الفرس براياتها و أعلامها في تعبية يا لها من تعبية.

قال: فكان أول من تقدم إلى الحرب من المسلمين جرير بن عبد اللّه الجبلي، ثم حمل فقاتل فأحسن القتال، و حمل على أثره علي بن جحش العجلي، ثم حمل في أثره إبراهيم بن الحارثة الشيباني، ثم تقدم عمرو بن معديكرب الزبيدي.

قال: فجعل القوم يقتتلون قتالا شديدا حتى قتل من الفريقين مقتلة عظيمة و أثخنوا بالجراحات، و إذا بعسكر لجب قد أقبل من ناحية الشام‏[ (1) ]، فلما نظر المسلمون إليه فزعوا و ظنوا أنه كمين للفرس و إذا هو هاشم بن عتبة نب أبي وقاص قد جاء من الشام بكتاب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏وجه به أبو عبيدة بن الجراح في عشرة آلاف. فلما أشرف هاشم بن عتبة على عسكر عمه سعد بن أبي وقاص عبى من كان معه عشرة كراديس، في كل كردوس ألف فارس، و أقبل هاشم في الكردوس الأول و جعلت الكراديس، تأتي كردوسا بعد كردوس و يختلطون بالمسلمين، فلما نظرت الفرس إلى ذلك فزعوا و امتلأت قلوبهم خوفا و فزعا و رعبا، و أقبل القعقاع بن عمرو بن الضبي في آخر الكراديس، فحمل على الفرس قريبا من ثلاثين حملة ليس منها حملة إلا و هو يقتل فيها الرجل و الرجلين و الثلاثة، فلما نظر إلى ذلك شهريار أخو رستم خرج إلى القعقاع بن عمرو فحمل عليه، و حمل عليه القعقاع فطعنه طعنة في خاصرته جدله قتيلا.

قال: و صاح رجل من المسلمين: أيها الناس!إنه من يسره أن يشهد يوما مثل [ (1) ]في مروج الذهب 2/343 في اليوم الثاني أشرف على الناس خيول المسلمين من الشام (و انظر ما لاحظناه ص 161 حاشية رقم 1) .

167

يوم بدر و أحد فهذا شبه ذلك اليوم، فجعل عمرو بن معديكرب يرتجز.

قال: ثم اجتمع و صاح بعضهم ببعض و جعلوها واحدة و جعلوا يطردون الفرس من بين أيديهم كما ترد الكلاب حتى بلغوا بهم إلى شاطئ الفرات، و قد قتل منهم زيادة على عشرة آلاف فارس، و غنم المسلمون غنائم كثيرة من دواب و سلاح و آلة، ثم رجع المسلمون عنهم إلى القادسية.

قال: و مرت الفرس على وجوهها حتى تقاربوا من المدائن فنزلوا هنالك و ظنوا أنهم قد أمنوا، فلما أصبح سعد بن أبي وقاص نادى في المسلمين ثم رحلوا في طلب الفرس، و التفتت الفرس فنظروا إلى المسلمين فولوا بين أيديهم و لحقوهم و خالطوهم، و حمل رجل من المسلمين يقال له هلال بن علقمة العقيلي‏[ (1) ]على رستم ليضربه بسيفه و قد عرفه، فرماه رستم بسهم فشك قدم المسلم مع ركابه، و ضربه المسلم ضربة فجدله قتيلا، ثم أخرج السهم من رجله و نزل إلى رستم فأخذ التاج و ما كان على رستم و تركه قتيلا عريانا و استوى على فرسه.

قال: و صارت الفرس إلى المدائن فاتخذوا طعاما و مزجوه بالسموم لكي يقتلوا بذلك المسلمين إذا نزلوا ساباط المدائن، قال: و عبرت الفرس الدجلة إلى الناحية التي فيها قصر يزدجرد ثم قطعوا الجسور لكيلا يدخل إليهم أحد من المسلمين، قال: و أقبل المسلمون حتى نزلوا ساباط المدائن و قد أضرّ بهم الجوع و العطش فنظروا إلى طعام كثير و ماء صاف قد ملئت به الحياض، فأكلوا و شربوا فلم تضرهم السموم شيئا، و قد ذكر ذلك بعض المسلمين. قال: و أصاب المسلمون هنالك خزائن يزدجرد مقفلة فكسروا الأقفال و دخلوا الخزائن إذا هم بأسلحة و أموال، فغنم المسلمون ذلك كله، ثم إنهم نزلوا ساباط المدائن و حطوا أثقالهم و أمتعتهم هنالك، ثم أقبلوا حتى وقفوا على شاطئ دجلة و الماء يومئذ في منتهى الزيادة، فقال سعد بن [ (1) ]في مروج الذهب 2/349 من تيم الرباب. و في الكامل 2/118: هلال بن علقمة. و في تاريخ اليعقوبي 2/145 و الطبري 4/134 هلال بن علفة. و في رواية فتوح البلدان ص 259: لم يعلم من قاتله. قيل إن زهير بن عبد شمس البجلي قتله و قيل عوام بن عبد شمس و قيل إن قاتله هلال بن علفة التيمي. و في مروج الذهب: و منهم من رأى أن قاتله رجل من بني أسد. و في ذلك يقول شاعرهم عمرو بن شأس أبياتا منها:

قتلنا رستما و بنيه قسرا # تثير الخيل فوقهم الهيالا

168

أبي وقاص: أيها المسلمون!انزلوا الآن ههنا حتى نعقد جسرا و نعبر، فقال له بعض المسلمين: أيها الأمير!إن الذي حملنا في البر هو قادر على أن يحملنا في البحر، فقال سعد: صدقت أيها الرجل و لكن الماء في منتهى الزيادة على ما ترى، فقال له الرجل: أنا أقتحم أيها الأمير هذه الدجلة بفرسي واثقا بربي، قال: ثم صاح ذلك الرجل بفرسه و اقتحم الماء[ (1) ].

ذكر عبور المسلمين الدجلة

قال: ثم اقتحم في أثره الهلقام بن الحارث العتكي، قال: ثم اقتحم في أثره عمرو بن معدي كرب، قال: فلما نظر أهل العسكر بأجمعهم إلى هؤلاء قد اقتحموا الدجلة اقتحموا الدجلة بأجمعهم و رفعوا أصواتهم بالتكبير و جعلوا يقولون: اللهم لا جسر إلا جسرك!و جعلوا يشقون الماء شقا فما ذهب لأحد منهم شي‏ء حتى عبروا بأجمعهم، و عبر سعد بن أبي وقاص معهم.

قال: و كان يزدجرد ملك الفرس ينظر إليهم من منظرة له، فلما رآهم يشقون الماء شقا جعل يقول لوزير من وزرائه: ما هؤلاء من الإنس و لا من الجن و ما هم عندي إلا مردة الشياطين!قال: ثم بادر و نزل من منظرته و قد كان قدم أمواله و حرمه و قليله و كثيره إلى جلولاء[ (2) ]فاستوى على فرسه و خرج الناس معه و مروا على وجوههم هاربين حتى صاروا إلى الدسكرة إلى جلولاء فنزلوها، و اشتغل المسلمون عنهم بعبور الدجلة.

قال: ثم إن المسلمين عقدوا جسرا ما بين ساباط المدائن إلى سبادين‏[ (3) ] و عبروا[فأخذوا]ما كانوا خلفوه في ساباط المدائن من الخيل و البغال و الحمير و الأمتعة. و كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما يخبره [ (1) ]في فتوح الشام للواقدي ص 200: أول من نزل في الماء عاصم بن ولاد، و في الكامل لابن الأثير 2/139 عاصم بن عمرو: (البداية و النهاية 7/75 و في فتوح البلدان ص 263 انتدب رجل من المسلمين فسبح فرسه و عبر فسبح المسلمون. و في تاريخ خليفة ص 134 أن أول من أقحم فرسه في دجلة سعد، و قيل: إن أول من عبر هلال بن علفة. و يقال: أول من عبر رجل من عبد القيس) .

[ (2) ]جلولاء طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان بينها و بين خانقين سبعة فراسخ، قيل سميت جلولاء لما جللها من قتلى فارس (معجم البلدان) .

[ (3) ]كذا بالأصل، و لم نجده.

169

بفتح القادسية و المدائن و سلامة المسلمين و هرب يزدجرد و أصحابه إلى الدسكرة و جلولاء و ما والاهما و أنا نازل بالمدائن منتظر ما تأمر به.

قال: فلما ورد كتاب سعد على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما فرح لذلك فرحا شديدا و كبر المسلمون، ثم كتب إليه عمر يأمره أن لا يبرح عن المدائن حتى يأتيه أمره و أن يرد الجيش الذي ورد عليه من الشام إلى مواضعهم‏[ (1) ]، و خبره في كتابه بأن الروم قد تحركوا بأرض حمص و أمره أيضا في كتابه أن لا يحدث حدثا و أن لا يتحرك عن المدائن إلى أن يأتيه الخبر من الشام. ثم إنه رد الجيوش التي جاءته من الشام إلى أبي عبيدة بن الجراح.

ذكر فتح المسلمين مدينة حمص من أرض الشام و اجتماع المسلمين عليها

قال‏: فلما أن كان بعد فتح المدائن جعل أهل حمص يحصنون مدينتهم و يجمعون الجموع لحرب المسلمين، ثم إنهم كتبوا إلى هرقل ملك الروم فأمدهم بعشرين ألفا من أنطاكية، و أهل حمص يومئذ في نيف على عشرة آلاف. قال:

و بلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما، فكتب إليه عمر أن ناجز القوم فقد فرغنا من أمر القادسية و المدائن‏[ (2) ]، و أن الذي نصرنا على هؤلاء الفرس هو الذي ينصرنا على الروم و غيرهم من أصناف الكفرة، فثق باللّه عز و جل و استعن به و ناجز القوم و طالعني بأخبارك حتى كأني شاهد بجميع ما أنت فيه.

قال: فعندها نادى أبو عبيدة في الناس بالرحيل إلى حمص، فرحل و رحل المسلمون حتى وافوا مدينة حمص، فنزلها و أحاط بها من كل جانب و ناحية، فضيقوا عليهم و منعوا الميرة عنهم، فلما أضربهم خرجوا إلى حرب المسلمين في تعبية حسنة و جيش لجب.

[ (1) ]في الطبري 4/195 و الكامل لابن الأثير 2/152 لما سمع عمر الخبر (يعني خبر توافد الروم إلى حمص) كتب إلى سعد أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو و سرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص فإن أبا عبيدة قد أحيط به... فمضى القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص.

[ (2) ]تقدم أن عمر أرسل إلى سعد يستعجله إرسال جيش الشام، الذي أمده به أبو عبيدة إلى حمص.

170

قال: و دنا القوم من القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، قال: ثم حسر خالد بن الوليد عمامته عن رأسه ثم قال: أيها المسلمون!إني حامل فاحملوا، ثم حمل و حمل المسلمون معه من ناحية شرقية، و حمل أبو عبيدة بن الجراح من ناحية باب الرستن‏[ (1) ]، و حمل عمرو بن العاص من جانب آخر، و خرج عليهم يزيد بن أبي سفيان‏[ (2) ]من ورائهم و وضع فيهم السيف، فقتل منهم بشر كثير و ولوا الأدبار حتى دخلوا المدينة و قد ألقى اللّه عز و جل في قلوبهم الرعب و الخوف.

فلما كان من غد أرسلوا إلى أبي عبيدة بن الجراح يسألونه الصلح و ذلك أنهم اتقوا الحصار و خافوا على أنفسهم أن يسبوا كما سبي غيرهم، فصالحهم أبو عبيدة على سبعين ألف دينار[ (3) ]عاجلة، و على أداء الجزية عن كل محتلم في كل سنة أربع دنانير، و على أنهم يضيفون المسلم إذا نزل بهم، و على أنهم لا تهدم كنائسهم و لا يخرجون من مدينتهم، فرضوا بذلك، و كتب لهم أبو عبيدة بهذا الصلح كتابا و أشهد عليه صلحاء المسلمين و دفعه إليهم. قال: و فتح القوم باب المدينة فدخلها المسلمون صلحا قد أمن بعضهم من بعض، فنزل أبو عبيدة مدينة حمص و بث خيله في الغارات يمنة و يسرة. ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و عنهم.

ذكر كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما

[ (4) ] بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك!أما بعد فالحمد للّه الذي فتح‏[ (5) ]علينا و عليك أفضل كورة بأرض الشام‏[ (6) ]و أكثرها خراجا و نفعا و أعظمها على المسلمين فتحا، أخبرك يا أمير المؤمنين إنا قدمنا بلاد حمص و بها من الكفار عدد كثير، فلما حللنا بساحتهم أوهن [ (1) ]الرستن: بلدة بين حماة و حمص.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 137 استخلفه أبو عبيدة على دمشق و قدم إلى حمص.

[ (3) ]في فتوح الأزدي ص 146 و فتوح البلدان ص 137 مائة ألف و سبعين ألف دينار.

[ (4) ]نسخته في فتوح الأزدي ص 146 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/ن ص 468.

[ (5) ]الأزدي: أفاء.

[ (6) ]الأزدي: أهلا و قلاعا. و أكثرهم عددا و جمعا و خراجا، و أكبتهم للمشركين كبتا، و أيسرهم على المسلمين فتحا.

171

اللّه عز و جل كيدهم، و قلم أظفارهم و ألقى الرعب في قلوبهم، فطلبوا منا الصلح و أذعنوا لنا بالجزية، فقبلنا ذلك منهم و كففنا عن قتالهم و صالحناهم على سبعين ألف دينار عاجلة و أداء الجزية بعد ذلك، ثم فتحوا لنا الأبواب و اكتتبوا منا الأمان، فأخرجت من ذلك المال الخمس و وجهت به إلى أمير المؤمنين ليقسمه هنالك في حقه و قسمت باقي ذلك على المسلمين، و قد وجهت الجنود في النواحي التي فيها ملكهم و جنودهم الكثيرة، و نحن نسأل اللّه عز و جل ملك الملوك و ناصر الجنود أن يعز بنصره المسلمين و أن يخص بالذل المشركين، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال: فلما ورد كتاب أبي عبيدة على عمر رضي اللّه عنهما أخذ ذلك الخمس فقسمه على المسلمين‏ثم كتب جوابه‏[ (1) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عامر بن الجراح، أما بعد فقد ورد كتابك تأمرني فيه بحمد اللّه على ما أفاء علينا من الأرض، و فتح علينا من القلاع و الحصون و مكن لنا في البلاد، و صنع لنا و لكم، و أبلانا و إياكم البلاء الحسن، فالحمد للّه على ذلك حمدا كثيرا ليس له نفاد و لا يحصى له تعداد، و ذكرت أنك و جهت جنودك في البلاد التي فيها ملك الروم و طاغيتهم، فلا تفعل!فليس ذلك برأيي، و ابعث إلى خيلك و اضممها إليك، و أقم مكانك الذي أنت فيه حتى يمضي باقي هذا الحول، و نرى من رأينا و نستعين باللّه ذي الجلال و الإكرام على أمورنا كلها، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال: فلما ورد كتاب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على أبي عبيدة بن الجراح أقبل على أمراء أجناد المسلمين فقال: قد علمتم أني وجهت ميسرة بن مسروق العبسي إلى ناحية من مدينة حلب و الدروب و الإقدام على ما هنالك من أرض الروم، و هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني فيه أن أصرف الخيل إلى ما قبلي، و إني أتربص باقي هذا الحول حتى يرى أمير المؤمنين رأيه، فهاتوا ما عندكم من الرأي، فقال المسلمون: ما الرأي إلا ما رآه أمير المؤمنين، فلا تعد دون ما أمرك به.

قال: فوجه أبو عبيدة بكتاب إلى ميسرة بن مسروق العبسي‏[ (2) ]: أما بعد فإذا[ (3) ] [ (1) ]فتوح الشام للأزدي ص 147 و الوثائق السياسية وثيقة 353/س صفحة 469.

[ (2) ]الأزدي ص 148 الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/ع.

[ (3) ]الأزدي: فإذا لقيك رسولي فأقبل معه، ودع...

172

أتاك كتابي هذا فأقبل إليّ و ذر ما كنت وجهتك له إلى أن نرى ما رأينا و ننظر ما يأمرنا به أمير المؤمنين، و السلام.

قال: فورد كتاب أبي عبيدة على ميسرة و قد شارف أرض حلب، فلما نظر إلى الكتاب أقبل راجعا إلى أبي عبيدة بن الجراح حتى نزل معه مدينة حمص.

ذكر مصير الروم إلى هرقل ملك الروم و كلامهم له و كلامه لهم و إجماع الروم على المسلمين و سيرهم إلى ما قبلهم و هي وقعة اليرموك‏

قال: و انطلقت البطارقة من أهل حمص إلى هرقل ملك الروم و هو يومئذ بمدينة أنطاكية فخبروه بأنه قد أخذت حمص من أيديهم و قد نزلها العرب، فاغتم لذلك هرقل غما شديدا ثم أقبل على بطارقته فقال لهم: خبروني عن هؤلاء العذب أليس هم بشر مثلكم؟فقالوا: بلى أيها الملك!قال: فأنتم أكثر أم هم؟قالوا: بل نحن أكثر منهم بأضعاف كثيرة، قال: فما بالكم تنهزمون من بين أيديهم و لا تثبتون لهم؟قال: فسكتوا و لم يخبروا جوابا. و تكلم شيخ من عقلائهم فقال: أيها الملك!أنا أخبرك من أين نؤتى، قال: هات فخبرني، فقال: أيها الملك!هؤلاء العرب قوم صالحون و نحن قوم طالحون، فإذا حملنا عليهم فنكذب و هم إذا حملوا علينا لم يكذبوا، قال هرقل: و لم تفعلون ذلك و أنتم أكثر منهم عددا و جمعا و تزعمون أن الحق في أيديكم؟فقال له الشيخ: أيها الملك!نفعل ذلك لأنهم أفضل أعمالا عند ربهم، و ذلك أنهم يصومون النهار و يقومون الليل و يوفون بالعهد و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر[ (1) ]، و نحن أيها الملك!نظلم الناس و ننقض العهد و نشرب الخمر و نركب الحرام، و نعمل بالمعاصي و نفسد في الأرض، و نأمر بما يسخط اللّه و عز و جل، و ننهى عما يرضي اللّه عز و جل، قال: فقال هرقل:

لعمري يا شيخ!إنه لعلى ما تقول، و ما صدقني أحد سواك، و ليس الرأي عندي إلا أن أخرج عن هذا البلد و أصير إلى غيره فإني أعلم أنه ما لي في أمثالكم من خير إذ كنتم تفعلون هذه الفعال القبيحة، قال: فقال له: أيها الملك!أ تترك سورية بلد [ (1) ]زيد عند الأزدي ص 149: و لا يظلمون أحد، و يتناصفون فيما بينهم. و انظر مقابلة هرقل لبطارقته و قواده فتوح الشام للواقدي ص 161. ـ

173

الشام و هي جنة الدنيا لهؤلاء العرب و تخرج عنها بلا قتال و لا تعذر و تجتهد؟فقال له: و يحك يا شيخ!فإلى كم تقاتلهم و أنت تعلم أنا قد قاتلناهم بتدمر و بأجنادين و مرج الأصفر و ببعلبك‏و دمشق و فحل و بلد الأردن و أرض البلقاء[ (1) ]حتى أخذوا منكم مدينة مثل مدينة حمص و هي أفضل كورة لكم بالشام، فقال له الشيخ: أيها الملك! إنه ربما كان ذلك و العساكر تهزم و تهزم، و لكن أشير عليك أن تبعث إلى جميع البلاد ممن هو على دينك فتحشرهم إليك ثم تلقى هؤلاء العرب بجيش عظيم لم تلقهم بمثله فيما مضى من الأيام التي مضت، فإن ظهرت فذلك الذي تريد، و إن تكن الأخرى و هزمت علمت الروم أنك قد أبليت عذرا فلا يضعفون لك رأيا.

قال: فعندها كتب هرقل إلى القسطنطينية[ (2) ]و إلى رومية[ (3) ]و عمورية و لهوانة و اليعقوبية و السماوية و المسيحية و جماعة مدائن الروم فأمرهم بالمصير إليه. ثم كتب إلى أهل بيت المقدس و إلى قيسارية[ (4) ]و إلى أهل أرمينية و الجزيرة أن لا يبقى أحد منهم ممن أدرك الحلم و حمل السلام و كان على دين هرقل إلا صار إليه، فأجابته أهل دين النصرانية من جميع البلاد من أرض الشام و بلاد الشام و كور أرمينية و أرض الجزيرة، فصار في خلق عظيم لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، ثم دعا بوزيره الأعظم و اسمه ماهان‏[ (5) ]فتوجه بتاج و وصله بمائة ألف درهم و ضم إليه مائة و ألف من خواص جيشه و من الذين يعتمد عليهم ثم قال له: اعلم يا ماهان!

ذكر وصية هرقل ملك الروم لوزيره الأكبر ماهان في أمر سفره إلى حرب المسلمين‏

قال: ثم أقبل هرقل إلى ماهان فقال له: اعلم أني اخترتك مقدما على جميع [ (1) ]عند الأزدي 151: و في غير موطن من المواطن، كل ذلك تنهزمون و تفرون و تغلبون.

[ (2) ]قسطنطينية: كانت دار ملك الروم، بينها و بين بلاد المسلمين البحر المالح، و بينها و بين عمورية ستين ميلا، و عمورية دون الخليج.

[ (3) ]رومية: هناك روميتان، إحداهما بالروم، و الأخرى بالمدائن.

و رومية الروم هي مدينة رياستهم و علمهم و هي شمالي و غربي القسطنطينية بينهما مسيرة خمسين يوما.

[ (4) ]قيسارية: على ساحل بحر الشام، تعد في أعمال فلسطين بينها و بين طبرية ثلاثة أيام.

[ (5) ]بالأصل باهان، و ما أثبتناه عن فتوح الشام للواقدي 1/160. و قد ورد في كل مواضع الأصل «باهان» و عند الأزدي و ابن الأثير «باهان» .

174

أهل دين النصرانية[ (1) ]فاعمل بما أوصيك به في حق أجنادك، و عليك بالعدل فيهم، و الإشفاق عليهم، و الاحتراز من عدوهم، و المسارعة لما يقربهم من مقصدهم، و عدم التشاغل عند الفرصة، و التثبيت عند الحملة، و الجهد في صائب الرأي، و الحزم فيما يشكل من الأمور، و العمل بما يقتضيه حكم كتابكم، و الوفاء بما يمكن فيه الصدق، و العزم على ما يكون فيه الصواب، و اعلم بأن النصر مع الثبات و النجاة مع الميل إلى الحق، و عليك بالعمل بما أوصيك به في الرجال أن توقر كبيرهم و لا تحقر صغيرهم و تكون لهم كالأب الشفيق، و اعلم أنه أحق بالذل من سمع وصايا الخير و لم يعمل بها و أنه لجدير أن يكون حقيرا في ملكوت السماوات، و قد تبين لكم أن هؤلاء العرب لم ينصروا على سائر الناس إلا بقبول وصايا الخير و الرجوع إلى مشورة الأكابر و العقلاء منهم، فهي الوصلة إلى العاجل في تحصيل المطلوب و في الآجل إلى الفوز من عالم القديسين، و انكم لن تجتمعوا إن هزموكم هؤلاء و العياذ باللّه من ذلك!و كل مقضي كائن، و قد أوصيتك بما لم يوصه ملك من قبل، فإياك و مخالفتي!و إياك و هوى النفس!فإنه أعظم المصائب و به يدخل على سائر الخلق الآفات و النوائب، و ألن جانبك لهم فإنك بهم تصول على أعدائك.

قال: فلما سمع ماهان وصية هرقل خرج من بين يديه، و استعرض الجيش الذي قدمه هرقل عليه و عسكر بهم ظاهر مدينة أنطاكية لتكامل عدتهم، فكان عدة القوم مائة ألف من النصرانية.

و دعا بوزير له آخر يقال له الديرجان‏[ (2) ]، فتوجه بتاج و وصله بمائة ألف درهم، و ضم إليه مائة ألف من النصرانية[ (3) ]، ثم دعا بوزير آخر يقال له قناطر[ (4) ]، فتوجه و وصله بمائة ألف درهم، و ضم إليه مائة ألف رجل. ثم جعل ماهان أميرا على جميع أجناده، و أمر الوزراء و البطارقة و الأساقفة أن لا يقطعوا أمرا دونه.

قال: و ترك هرقل باقي الجنود عنده بأنطاكية، ثم أقبل على بطارقة الروم [ (1) ]و كان قد أجابه ملك الروسية قناطير، و ملك عمورية جرجير و صاحب القسطنطينية الديرجان و جبلة بن الأيهم الغساني في العرب المتنصرة.

[ (2) ]و هو صاحب القسطنطينية (فتوح الواقدي) . قال الواقدي: عقد له بلواء من الدستري الملون و عليه صليب من الذهب الأحمر.

[ (3) ]عند الواقدي: من المغليط و الافرنج و القلن.

[ (4) ]عند الواقدي: قناطير ملك الروسية.

175

فقال: ألا تسمعون!فقالوا: أيها الملك!قل نسمع و ننتهي إلى أمرك، فقال‏[ (1) ]:

قد علمتم أن هؤلاء العرب قد ظهروا عليكم و غلبوا على أرضكم و أنهم ليسوا يرضون بالأرض و المدائن و القرى و لا الحنطة و الشعير و لا الذهب و لا الديباج و الحرير، و لكنهم يريدون سبي الأمهات و الأخوات و الأزواج و البنين و البنات، و أن يتخذوا الأحرار و أبناء الملوك عبيدا، و الآن فانصروا دينكم، و قاتلوا عن حريمكم و أولادكم و أموالكم، و امنعوا عن سلطانكم و دار ملككم.

ذكر المشورة التي كانت بين أبي عبيدة بن الجراح و بين المسلمين في أمر الروم‏

قال: فجعل هرقل يوصي أصحابه و بلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح فأرسل إلى وجوه عسكره من أهل الصلاح و الرأي و المشورة. ثم قال‏[ (2) ]: أيها المسلمون!إن اللّه عزّ و جلّ قد أبلاكم أحسن البلاء، و صدقكم الوعد و أراكم في جميع المواضع ما تحبون‏[ (3) ]، و لعله قد بلغكم ما قد جمع هرقل عليكم في هذا الجمع الخطير و العدد الكثير، و هذا ماهان و قناطر و الديرجان قد توجهوا نحوكم في ثلاثمائة ألف أو يزيدون، و قد أحببت أن لا أغركم من نفسي و أن لا أطوي عنكم خبرا من عدوكم، و إني أنا كأحدكم، فهاتوا ما عندكم من الرأي حتى أعلم ما تقولون و بما تشيرون.

قال: فتكلم يزيد بن أبي سفيان فقال‏[ (4) ]: أصلحك اللّه!إني مشير عليك برأي فإن يكن صوابا فذلك أردت و طلبت و نويت، و إن تكن الأخرى فإني لم أتعمد إلا صلاح المسلمين غير أني أرى أن تعسكر على باب حمص في جماعة المسلمين و تدخل النساء و الأولاد داخل المدينة و تجعل المدينة من وراء ظهورنا، و تبعث إلى أجنادك من المسلمين الذين فرقتهم بأرض فلسطين و بلاد الأردن فتأمرهم أن يقدموا عليك، فإن سار القوم إلينا قاتلناهم و استعنا باللّه عليهم، و السلام.

[ (1) ]فتوح الأزدي ص 152 باختلاف بعض الألفاظ. و فتوح الشام للواقدي ص 1/163.

[ (2) ]فتوح الأزدي ص 153. فتوح الشام للواقدي 1/164 باختلاف بين النصوص.

[ (3) ]الأزدي: و أعزكم بالنصر، و أراكم في كل موطن ما تسرون. الواقدي: و أيديكم بالنصر في مواطن كثيرة.

[ (4) ]فتوح الأزدي ص 154.

176

قال: ثم تكلم شرحبيل بن حسنة فقال‏[ (1) ]: هذا وقت‏[ (2) ]لا بدّ فيه من الرأي و النصيحة للمسلمين، فإن خالف الرجل أخاه في الرأي فإنما على كل إنسان أن يجتهد في النصيحة، و قد رأيت غير الذي رأى يزيد بن أبي سفيان، على أن يزيد و اللّه عندي من الناصحين لجميع المسلمين و لكن رأيت أن لا نجعل نسواننا و أولادنا مع أهل حمص فإنهم على دين عدونا هؤلاء الذين أقبلوا إلينا، و لسنا نأمن إن وافانا عدو و استقبلنا لقتالهم أن تنقض أهل حمص عهدنا و ميثاقنا فيحتووا على نسائنا و أموالنا، فيتقربون بهم إلى عدونا.

فقال أبو عبيدة: ويحك يا شرحبيل!إن اللّه تبارك و تعالى قد أذل أهل حمص بالرعب الذي ألقاه اللّه عزّ و جلّ في قلوبهم و سلطاننا اليوم أحب إليهم من سلطان عدونا و إن كانوا على دينهم، فأما إذ قد ذكرت ما ذكرت و خوفتنا منهم بما خوفت فإني قد رأيت أن أخرج أهل حمص من مدينتهم و ندخل نساءنا و ذرياتنا المدينة و نأمر رجالا من المسلمين أن يقوموا على سورها و أبوابها، و نقيم نحن بمكاننا هذا و نكتب إلى إخواننا فيقدمون علينا. قال: فقال له شرحبيل بن حسنة: أيها الأمير!أصلحك اللّه عزّ و جلّ!إنه ليس لنا أن نخرج أهل حمص من مدينتهم و قد صالحناهم و كتبنا لهم من أنفسنا كتابا بالصلح‏[ (3) ]و لكن‏[ (4) ]نقيم في مواضعنا هذه و نكتب إلى أمير المؤمنين كتابا نعلمه فيه بنفر الروم إلينا، فلعله أن يمدنا بإخواننا من أهل المدينة.

قال: فقال أبو عبيدة: ويحك يا شرحبيل!إن الأمر أجلّ و أعجل من ذلك و لا أظن إلا أن الروم سيعاجلوننا من قبل أن يصل خبرنا إلى أمير المؤمنين.

قال: فوثب ميسرة بن مسروق العبسي فقال‏[ (5) ]: أيها الأمير!إنا لسنا بأصحاب قلاع و لا حصون و إنما نحن أصحاب البر: البلد القفر فسر بنا من هذه المدينة إلى دمشق فإنا أوثق بأهلها منا بأهل حمص، فإذا صرت إليها فاضمم قواصيك و اكتب إلى أمير المؤمنين بخبر عدونا و سله المدد فذاك الذي تريدون، و إن تكن الأخرى و عاجلنا [ (1) ]فتوح الأزدي ص 154.

[ (2) ]الأزدي: مقام.

[ (3) ]راجع ما ذكر في كتاب الصلح لأهل حمص، و قد مرّ قريبا.

[ (4) ]من هنا نسب هذا القول عند الأزدي إلى جماعة قال: فقالوا:

[ (5) ]الأزدي: ص 155.

177

عدونا عاجلناهم و استعنا عليهم باللّه العظيم، و النصر من عند اللّه القوي العزيز.

قال: فقال الناس: إنه قد صدق ميسرة و الرأي ما رأى، فاكتب إلى أمير المؤمنين و ارحل بنا إلى دمشق.

ذكر كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما يخبر جمع الروم‏

قال: فعندها كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما[ (1) ]: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك!أما بعد فإن عيوني قدموا عليّ من أرض أنطاكية فخبروني بأن هرقل عدو اللّه قد أمر بعساكر فصرفت إلى ناحيتناو قد توجهوا إلينا و زحفوا إلى ما قبلنا، و أنهم قد جمعوا من الجموع ما لم يجمعه أحد قط لأمة من الأمم إلا ذو القرنين فيما مضى من الدهر الأول‏[ (2) ]. و قد بعثت إليك رجلا خبيرا بما نحن فيه، فسله عن ذلك يخبرك الخبر عن جهته، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال: ثم دفع أبو عبيدة كتابه إلى سفيان بن عوف بن معقل الأزدي و قال له:

صر إلى أمير المؤمنين و أقرئه مني السلام و خبره بما عاينت و ما جاءتنا به العيون من خبر عدونا و بما قد استقر عندك.

قال: فسار سفيان بن عوف إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و أصبح أبو عبيدة فنادى في المسلمين بالرحيل و سار بهم إلى دمشق فنزلها.

و قدم سفيان بن عوف على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فسلم عليه و دفع الكتاب إليه، فلما فضه عمر و قرأه أقبل عليه و قال: ويحك يا سفيان!ما فعل المسلمون؟فقال: يا أمير المؤمنين!إني خرجت من عندهم ليلا من مدينة حمص و سمعتهم يقولون: نصلي الغداة و نرحل إلى مدينة دمشق فإنا نخاف أن يفاجئنا العدو، و لست أشك إلا أنهم بدمشق في وقتنا هذا، قال: فتبينت الكراهة في وجه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ثم قال: ويحك!و لم يتنحون من بين يدي عدوهم [ (1) ]فتوح الأزدي ص 157 الوثائق السياسية ص 470.

[ (2) ]عند الأزدي: و قد دعوت المسلمين. و أخبرتهم الخبر، و استشرتهم في الرأي. فأجمع الرأي على أن يتنحوا عنهم حتى يأتينا رأيك.

178

و قد أظفرهم اللّه بهم في غير موطن من مواطنهم حتى لم يتركوا لهم أرضا إلا و أخذوها و احتووا عليها و صارت في أيديهم، و إني أخاف أن يكونوا أساءوا الرأي و جاءوا بالعجز و جردوا[ (1) ]عليهم عدوهم، فقال له سفيان بن عوف: يا أمير المؤمنين!إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، إن صاحب الروم قد جمع لنا جموعا لم يجمعها أحد كان قبله لأحد كان قبلنا، و لقد حدثنا بعض عيوننا أن عسكرا واحدا من عسكرهم نزل في موضع من البرية و قد هبطوا من ثنية من أول النهار فما تكاملوا في موضع حتى أمسوا و ذهب أول الليل، و هذا عسكر واحد من عساكرهم فما ظنك بباقيهم يا أمير المؤمنين‏[ (2) ]![قال: فقلت‏]و لكن أشدد أعضاد المسلمين بمدد من عندك قبل الوقعة، فإني أظن أن هذه الوقعة هي الفصل بيننا و بينهم، فإن أظفرنا اللّه عزّ و جلّ بهم هذه المرة فقد هلكت الروم هلاك عاد و ثمود. فقال عمر رضي اللّه عنه: أبشر يا سفيان بما يسرك اللّه به و جميع المسلمين و اعلم‏أن عامر بن حذيم‏[ (3) ]قادم عليهم بالمدد سريعا إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

ذكر كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح‏

أما بعد[ (4) ]فقد بلغني خروجك من أرض حمص و ترككم بلادا فتحها اللّه عزّ و جلّ عليكم، فكرهت هذا من رأيكم و فعلكم، غير أني سألت رسولكم عن ذلك فذكر أن ذلك كان من رأي خياركم و ذوي النهي منكم، فعلمت أن اللّه تبارك و تعالى لم يكن بالذي يجمع آراءكم إلا على توفيق و صواب، و قد سألني المدد فأجبته إلى ذلك و لن تقرأ كتابي هذا حتى يأتيكم المدد، و كل ما تحبون مما فيه قوتكم إن شاء اللّه عزّ و جلّ، غير أني أعلمكم أنه ليس بالجمع الكثير و الجيش الكثيف تهزم الجموع و ينزل النصر، و ربما أخذل اللّه عزّ و جلّ الجموع الكثيرة فهزمت و فلت فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، و ربما نصر اللّه عزّ و جلّ العصابة القليلة عددها و عددها و أظفرهم [ (1) ]في الأزدي: و جرأوا.

[ (2) ]زيد عند الأزدي: فقال: لو لا أني ربما كرهت الرأي من رأيهم، و الشي‏ء من أمرهم، فأرى اللّه يخير لهم في عاقبة ذلك لكان هذا الرأي منهم أنا له كاره.

ثم قال لي: أخبرني، أجمع رأي جميعهم على التحويل؟ قال: الحمد للّه على ذلك، فإني أرجوا أن يكون اللّه جمع رأيهم على الخير إن شاء اللّه.

[ (3) ]عند الأزدي: سعيد بن عامر بن حذيم.

[ (4) ]فتوح الأزدي ص 159 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/ص باختلاف بين النصوص.

179

و أظهرهم على عدوهم، فأبشروا و طيبوا نفسا و توكلوا على الله فإنه نعم المولى و نعم النصير، أنزل اللّه عليكم نصره و أيديكم بعزه و ألهمكم صبره و أمدكم بملائكته و باعد من المسلمين بأسه و زجره، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

قال: فورد الكتاب على أبي عبيدة و هو يومئذ بدمشق، فلما قرأه أقبل على الناس فقال‏[ (1) ]: صدق و اللّه أمير المؤمنين!لم يكن الرأي أن نتنحى عن مدينة حمص حتى نناجز عدونا بها، و لكن قد اجتمعت آراؤكم على الرحيل إلى ما ههنا و أرجوا أن يكون الخير فيه إن شاء اللّه.

قال: و اجتمعت عساكر المسلمين بدمشق في سبعة و ثلاثين ألفا، و قد قدم عليهم عامر بن حذيم في ثلاثة آلاف فارس، فصار المسلمون في أربعين ألفا.

و دعا أبو عبيدة بعمرو بن العاص فضم إليه أربعة آلاف فارس و قال له: سر إلى بلاد الأردن فانزل هناك و ارعد و ابرق و هول على العدو ما استطعت حتى ننظر في أمر هذا العدو. قال: فسار عمرو بن العاص حتى نزل بلاد الأردن‏[ (2) ]، ثم أرسل إليهم أن اخرجوا الأسواق و برئت الذمة من رجل كان مقيما على صلحنا و لم يخرج إلينا بسلاحه فيكون معنا في عسكرنا، قال: و بلغ ذلك أهل بيت المقدس و أهل قيسارية، فظنوا أن عمرو بن العاص يريد الخروج إليهم، فجزعوا لذلك جزعا شديدا.

قال: و بلغ أبا عبيدة بأن ماهان وزير هرقل أقبل في عساكره حتى نزل مدينة حمص في مائة ألف، فاغتم لذلك ثم دعا بجاسوس من جواسيسه فقال له: سر متنكرا حتى تأتي أرض حمص. قال: فأقبل الجاسوس حتى صار إلى حمص و إذا ماهان قد أقبل في ذلك اليوم حتى نزل أرض حمص في مائة ألف فارس، ثم دعا أهلها فشتمهم و خوفهم ثم قال لهم: بما ذا سلمتم هذه المدينة للعرب، هلا قاتلتم حتى تموتوا كراما عن آخركم!قال: فقال له أهل حمص: أيها الوزير!أما نحن فقد قاتلناهم أشد القتال و لم يكن لنا بهم طاقة، و أنتم أولى باللائمة منا لأنكم ملوكنا و ساداتنا و كبارنا قد رأيناكم قد وثبتم و عجزتم و وهنتم عن دينكم و ضيعتمونا [ (1) ]نقل الأزدي هذا القول و نسبه إلى خالد بن الوليد.

[ (2) ]خبر عمرو بن العاص في فتوح الشام للأزدي ص 164 و ما بعدها باختلاف و تفاصيل وافية.

180

و تركتمونا للعرب، فلما علمنا أنه لا طاقة لنا بهم رضينا و سلمنا، فقال ماهان: لا عليكم فسيبلغكم ما يمر بهم من هذه الجيوش التي معي.

قال: فرجع الجاسوس إلى أبي عبيدة بن الجراح فخبره بذلك، فدعا برؤساء العسكر فقال: هاتوا رأيكم فإن القوم قد نزلوا أرض حمص، قال: فتكلم خالد بن الوليد فقال‏[ (1) ]: أيها الأمير!إن من الرأي أنا إن كنا نقاتل هؤلاء القوم بالكثرة و القوة فهم أكثر منا و أقوى، و إن كنا نقاتلهم باللّه وحده لا شريك له و نحن على هذا الذي نحن عليه فما تغني كثرتهم و لا جموعهم من اللّه شيئا. قال: ثم تكلم قيس بن هبيرة المرادي فقال‏[ (2) ]: أيها الأمير!هذا وقت رأي نشير به عليك أ ترانا نرجع إلى بلادنا و مساقط رؤوسنا و نترك لهؤلاء الروم حصونا و ديارا و أموالا قد أفاءها اللّه علينا و نزعها من أيديهم فجعلها في أيدينا، إذا لا ردنا اللّه إلى أهلنا أبدا إن تركنا هذه العيون المتفجرة و الأنهار المطردة و الزرع و النبات و الكروم و الأعناب و الذهب و الفضة و الديباج و الحرير و الحنطة و الشعير و نرجع‏[ (3) ]إلى أكل الضب و لبوس العباءة و نحن نزعم أن قتيلنا في الجنة يصيب نعيما مقيما و قتيلهم في النار يلقى عذابا أليما!أثبت أيها الأمير و شجع أصحابك و توكل على اللّه وثق به و لا تيأس من النصر و الظفر.

قال: فقال أبو عبيدة: أحسنت يا قيس!ما الرأي إلا ما رأيت و أنا زعيم لك و لا أبرح هذه الأرض حتى يأذن اللّه لي و هو خير الحاكمين.

ذكر مسير الروم إلى اليرموك و نزولهم هنالك‏

قال: ثم سار ماهان من أرض حمص في مائة ألف فارس حتى نزل اليرموك و هو نهر من أنهار بلد الأردن، فلما استقر به الموضع إذا قناطر قد أقبل في مائة ألف فارس حتى نزل به مع ماهان، قال: و إذا بطريق من بطارقة الروم يقال له جرجيس‏[ (4) ] قد أقبل من عند ملك الروم مددا لماهان في مائة ألف فارس، قال: فصار ماهان في أربعمائة ألف فارس.

[ (1) ]فتوح الأزدي ص 170 و ذكر له في فتوح الواقدي قولا آخر 1/165.

[ (2) ]فتوح الشام للواقدي 1/164 و فتوح الشام للأزدي ص 171.

[ (3) ]عند الواقدي: و نرجع إلى قحط الحجاز و جدبه، و أكل خبز الشعير و لباس الصوف و نحن في مثل هذا العيش الرغد.

[ (4) ]فتوح الأزدي ص 180 و فتوح الشام للواقدي 1/177 باختلاف النصوص و فيهما زيادة عن الأصل. ـ

181

و بلغ ذلك أبا عبيدة بن الجراح و من معه من المسلمين فنزل بهم أمر عظيم.

و كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما كتابا و فيج إليه فيوجا و فيه كتابه إليه: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن الروم قد نفرت إلينا برا و بحرا و سهلا و جبلا و لم يخلفوا وراءهم رجلا يطيق حمل السلاح إلا جاشوا به علينا و قد أخرجوا معهم الأساقفة و القسيسين، و قد نزل إليهم الرهبان من الصوامع، و معهم أهل أرمينية و أهل الجزيرة و جميع من هو على دينهم من المستعربة. و قد زحفوا إلينا و نزلوا بموضع يقال له اليرموك في أربعمائة ألف فارس و راجل، فاللّه اللّه يا أمير المؤمنين! عجل علينا بالخيل و الرجال و إلا فاحتسب أنفس المؤمنين فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم اللّه عزّ و جلّ بملائكته أو يأتيهم الغياث من عنده، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال: فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و قرأه لم يتمالك أن بكى و بكى المسلمون بالمدينة[ (1) ]ثم قالوا: يا أمير المؤمنين!ابعث بنا إلى إخواننا و أمر علينا و إلا فسر أنت فواللّه‏لئن أصيب إخواننا هنالك فما لنا في العيش من بعدهم أرب. قال: فهم عمر أن ينفر إلى الروم بنفسه ثم إنه لم ير ذلك صوابا و أشار عليه الناس أن يجهز إليهم جيشا و يقيم هو بالمدينة.

قال: ثم أقبل على الرسول الذي جاءه بالكتاب‏[ (2) ]فقال له: خبرني كم كان بين الروم و المسلمين يوم خرجت إلى ما قبلي؟فقال: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين! بين أدناهم و بين المسلمين مسيرة ثلاثة أيام أو أربع ليال و بين جماعتهم و بين المسلمين خمس ليال. فقال عمر: هيهات!متى يأتي هؤلاء غياثنا؟

ذكر جواب كتاب أبي عبيدة بن الجراح من عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما

[ (3) ] بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليكم!أما بعد فقد ورد عليّ كتابك يخبرني بنفر الروم إليكم برا [ (1) ]زيد في فتوح الأزدي: و رفعوا أيديهم و رغبتهم إلى اللّه، أن ينصرهم و يعافيهم، و أن يدفع عنهم.

[ (2) ]هو عبد اللّه بن قرط الأزدي (فتوح الواقدي-فتوح الأزدي) .

[ (3) ]فتوح الأزدي ص 182 فتوح الشام للواقدي 1/178. باختلاف النصوص.

182

و بحرا و سهلا و جبلا و ما قد اجتمع إليهم من أساقفتهم و قسيسيهم و الرهبان، و المسلمون حيث بعث اللّه إليهم نبيهم محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم فأعزه بالنصر و نصره بالرعب قال اللّه عزّ و جلّ و هو لا يخلف الميعاد: هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ [ (1) ]، و قد علمت يا أبا عبيدة أنه لم تكن شدة قط إلا و جعل اللّه بعدها فرجا، فلا يهولنك كثرة من جاءك من الكفار فإن اللّه تعالى منهم بري‏ء و من بري‏ء اللّه منه فلا ناصر له و من لا ناصر له فقد خذله اللّه و وكله إلى نفسه، فلا يوحشنك قلة المسلمين و كثرة المشركين، فليس بقليل من كان الله عزّ و جلّ معه، فأقم مكانك الذي أثرته و ناهض عدوك و كفى باللّه ظهيرا و وليا و نصيرا، و قد فهمت مقالتك إذ قلت في كتابك أن احتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا أو دينهم إن هم انهزموا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم اللّه عزّ و جلّ بغياث من عنده، و ليس الأمر كما ذكرت، رحمك اللّه يا أبا عبيدة!لأنك قد علمت بأن المسلمين إن هم أقاموا و صبروا ثم قتلوا فما عند اللّه خير للأبرار، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [ (2) ]و أنتم بحمد اللّه منصورون على كل حال إن شاء اللّه، فأخلصوا نيّاتكم للّه عزّ و جلّ و ارفعوا إليه رغباتكم و اِصْبِرُوا وَ صََابِرُوا وَ رََابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قال: ثم دفع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كتابه إلى عبد اللّه بن قرط الثمالي و قال له: عجل السير و أسرع ما قدرت، فإذا قدمت على أبي عبيدة فأقرئه مني السلام و أعلمه أني موجّه إليه بجيش قبل أن يواقع العدو إن شاء اللّه و لا قوّة إلاّ باللّه.

قال: ثم جمع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من كان بالمدينة ممن يصلح أن يوجّه به إلى العدوّ و عرضهم فكانوا ثلاثة آلاف فارس فضمّهم إلى سويد بن الصامت الأنصاري‏[ (3) ]و أمره بالمسير إلى أبي عبيدة، ثم أوصاه فقال له: يا سويد!إنك قد ولّيت أمر هؤلاء القوم و لست بخير رجل منهم إلاّ أن تكون أتقى منه فاتق اللّه عزّ و جلّ [ (1) ]سورة الأعراف: 33.

[ (2) ]سورة الأحزاب: 22.

[ (3) ]في فتوح الأزدي ص 186 و فتوح الشام للواقدي 1/180 سعيد بن عامر بن حذيم. و انظر فيهما قول عمر بن الخطاب له.

183

فيهم و لا تشتم أعراضهم و لا تضرب أبشارهم‏[ (1) ]و وقّر كبيرهم و لا تحقر صغيرهم، و كن للحق تابعا فإنّه إن بلغني عنك ما أحبّ فكن بعزمك مني ما تحبّ، فقال سويد بن الصامت: يا أمير المؤمنين!قد أوصيتني فسمعت و أنا أوصيك فاسمع! فقال عمر: هات ما بدا لك يا سويد!فقال سويد[ (2) ]: خف اللّه عزّ و جلّ في الناس و لا تخف الناس في اللّه، و أحبب لقريب المسلمين و بعيدهم ما تحبّه لنفسك‏[ (3) ]، و ألزم الخصم الحجّة يكفيك اللّه عزّ و جلّ همّك، و يعينك على ما أولاك، و لا تقض في أمرك بقضاء فتلبس الحق بالباطل و يشتبه عليك الأمر، و خض الغمرات‏[ (4) ]حيث كانت، و لا يأخذك في اللّه لومة لائم. فقال عمر: ويحك يا سويد!من يستطيع هذا العمل؟قال: يستطيعه من وضع اللّه في عنقه مثل الذي وضعه في عنقك‏[ (5) ].

قال: ثم نادى سويد بن الصامت هذا في الناس فقال: تهيئوا للمسير إلى إخوانكم المسلمين بأرض الشام، فإما أن تدلجوا و إما أن تصلوا و ترحلوا فإنّي راحل إن شاء اللّه و لا قوّة إلاّ باللّه.

قال: و سار سويد بن الصامت في هؤلاء الثلاثة آلاف حتّى قدم على أبي عبيدة بن الجرّاح قبل أن يقدم عليه كتاب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فسر المسلمون بقدوم سويد بن الصامت عليهم سرورا شديدا، فصار أبو عبيدة في ثلاثة و أربعين ألفا.

و بلغ ذلك ماهان صاحب الجيش فأرسل إلى بطارقته و رؤساء أصحابه ثم قال‏[ (6) ]: يا معشر ولد الأصفر!اعلموا أن هؤلاء القوم قد نزلوا بلادكم و ركبوا دوابكم و أكلوا من طعامكم و لبسوا لباسكم، فالموت عليهم أيسر من أن يفارقوا ما قد تطمعوا به من عيشكم الرفيع و دنياكم التي لم يروا مثلها، و اعلموا أنكم إنما بليتم بهؤلاء [ (1) ]بالأصل: أيشارهم، و ما أثبتناه عن فتوح الأزدي، و الأبشار جمع بشر بالفتح و هو الإنسان ذكرا أو أنثى.

[ (2) ]فتوح الأزدي ص 186.

[ (3) ]زيد عند الأزدي: و اكره لقريب المسلمين و بعيدهم ما تكره لنفسك و أهل بيتك.

[ (4) ]عند الأزدي: خض الغمرات إلى الحق حيث علمته.

[ (5) ]زيد عند الأزدي: فهو جدير عليك ألا تفعل، إنما عليك أن تأمر فيطاع أو يعصى، فتبوء بالحجة، و يبوء القوم بالمعصية.

[ (6) ]انظر مقالته في فتوح الأزدي ص 174 باختلاف النص.

184

العرب و دخولهم إلى بلادكم بترككم وصية المسيح عيسى ابن مريم، لأنه قد كان أوصاكم بأن لا تظلموا الناس و أنتم تظلمون الناس، و نهاكم عن الفجور و أنتم تفجرون، و نهاكم عن الكذب و أنتم تكذبون، ثم إنّكم نزلتم بقوم أعززتم عليهم فأخذتم أموالهم و فجرتم بنسائهم، فخبّروني ما ذا يكون عذركم عند ربّكم؟و ما ذا تقولون للمسيح عيسى ابن مريم و قد تركتم أمره و ضيّعتم وصيته و ما كان يتلو عليكم من كتاب ربّكم؟و بعد فهذا عدوّكم قد نزل بساحتكم و يريد قتلكم و استئصالكم و سبي نسائكم و أولادكم و أخذ أموالكم، فإن نزع سلطانكم من أيديكم و أظهر عليكم عدوكم فلا تلوموا إلا أنفسكم‏[ (1) ]، و بعد فقد بلغني المظلوم منكم يأت الرجل من بطارقتكم و ساداتكم فيستعديه على ظالمه فلا يعديه، و يتظلّم إليه فلا ينصره عليه لكنّه يأمر بضربه و ربّما أمر بقتله‏[ (2) ]، فعجبا لأفعالكم هذه كيف لا تنهدّ لها الجبال و تزلزل منه الأرض و ترعد السماوات بخطاياكم هذه العظام!و اعلموا يا ولد الأصفر أن هؤلاء المظلمومين ينصرهم اللّه و ينتصف لهم، فإن فعل ذلك في الدنيا و إلاّ ففي الآخرة، لأنّه لا يفوته ظلم ظالم و لا يعزب عن علمه برّ و لا إثم، فإن أنتم كففتم عن الظلم و ارتدعتم عن الفجور و قبلتم ما أمركم به المسيح عيسى ابن مريم رجوت لكم أن تنصروا هؤلاء العرب و إلاّ فأيقنوا بالذلّ و الهوان، و اعلموا أنكم إن لم تؤمنوا بما أقول لكم فأنتم عندي أشرّ من الكلاب و الخنازير و أسوء حالا من البغال و الحمير، و لقد سخط اللّه عزّ و جلّ على أعمالكم و أنا منكم بري‏ء، و سترون عاقبة الظلم إلى ما ذا يوردكم و إلى أي شي‏ء مصيركم يؤول! فضجّت البطارقة من كل ناحية و قالوا: أيّها الوزير!فإنّا بعد هذا اليوم سامعون مطيعون لا نخرج لك عن أمر تأمرنا به، فأشر علينا برأيك و أمرنا بما تحبّ من أمرك.

فقال ماهان: أما في وقتي هذا فقد رأيت أن أبعث إلى هؤلاء العرب فأسألهم أن يبعثوا إلينا رجلا منهم يكون له فهم و عقل و رأي يعلم ما يقول و يقال له فنكلمه، و نطعمهم في شي‏ء من أموالنا نعطيهم إياه فيأخذونه و يرجعون إلى صاحبهم الذي بعثهم إلى حربنا، فإن أجابوا إلى ذلك و قبلوه كان الذي يأخذونه منّا قليلا عند ما نخاف على أنفسنا من هذه الوقعة التي لا ندري ألنا تكون أم علينا، فقالت البطارقة:

[ (1) ]زيد عند الأزدي: فمن الظالم إلا أنتم؟فاتقوا اللّه و انزعوا عن ظلم الناس.

[ (2) ]و كان قد بلغه أن الروم أقبلت و جعلوا يفسدون في الأرض، و يسيئون السيرة، و جعلوا لا يفيقون من شرب الخمر و الزنا (ذكر الأزدي بعض أفعالهم و مساوئهم ص 175 و ما بعدها) .

185

أصبت و أحسنت أيها الوزير فاعمل برأيك.

قال: فلم يشعر المسلمون إلاّ و رجل من الروم قد وافاهم، فلمّا نظروا إليه في عسكرهم أنكروه ثم دنوا منه فقالوا: من أنت و من أين أقبلت؟فتكلم بالعربية فقال:

أنا رجل من الروم من أهل عمّورية، بعثت إليكم فأين أميركم أبو عبيدة بن الجراح؟ فقالوا: هو ذاك، و أقبلوا به إلى أبي عبيدة حتى أوقفوه بين يديه، فقال له أبو عبيدة:

اجلس و تكلم بحاجتك.

قال: فجلس الرومي فقال: أنا رسول ماهان إليكم وزير ملك الروم و عامل على بلاده و قائده على جميع جنده، بعثني إليكم و هو يسألكم أن تبعث إليه بالرجل الذي كان أميرا قبلك ثم عزل و وليت أنت من بعده الذي يقال له خالد بن الوليد[ (1) ]، فقد بلغه عنه أنّه رجل له حسب و قد علمنا أن ذوي الأحساب أفضل من غيرهم، فنحن نحبّ أن نخبره بما نريد و نسأله عما تريد، فإن وقع بيننا و بينكم اتفاق لنا و لكم فيه صلاح و رضى أخذنا به و حمدنا اللّه عزّ و جلّ على ذلك، و إن لم يتفق بيننا و بينكم شي‏ء كان الحرب‏[ (2) ]من وراء ذلك بعد الإعذار و الإنذار.

قال: فدعا أبو عبيدة بخالد بن الوليد فخبره بذلك‏[ (3) ]، فقال خالد بن الوليد:

فإني صائر إليه غدا إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: و حضرت صلاة المغرب فأذّن المؤذن من كل ناحية و صلّوا، حتى إذا فرغوا من صلاتهم قال خالد: عليّ بالرسول، فأتوا به فقال له: هذا وقت مساء و لكن إذا كان غدا غدوت إلى صاحبك إن شاء اللّه فارجع إليه و أعلمه ذلك. قال:

فقعد الرومي عند القوم و لم يبرح و جعل ينظر إليهم كيف يصلّون و يدعون و يستغفرون [ (1) ]عند الواقدي في فتوح الشام 1/184 أن مهمة جرجة الأساسية كانت تنحصر في محاولة إدخال خالد بن الوليد على معسكر الروم بعد ما نقل جبلة بن الأيهم إلى ماهان أنه أدهى و أخطر القواد المسلمين و أنه هو الذي يثبتهم و يرمي بهم كل المرامي و هو الذي كسر عساكر الروم في شتى المواضع و المواطن.

[ (2) ]عند الأزدي: القتل.

[ (3) ]زيد عند الأزدي ص 195 و قال لخالد: القهم، فادعهم إلى الإسلام فإن قبلوا فهو حظهم... و إن أبوا فأعرض عليهم الجزية بأن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، و أن أبوا فأعلمهم أننا نناجزهم و نستعين اللّه عليهم حتى يحكم اللّه بيننا و بينهم و هو خير الحاكمين (و انظر فتوح الشام للواقدي 1/185) .

186

و يتضرعون، فأعجبه ذلك منهم. فقال عمرو بن العاص: أيّها المسلمون!إنّ الرسول قد وقع في قلبه حبّ الإيمان، و قال أبو عبيدة: و اللّه!إني لأرجو أن يكون اللّه عزّ و جلّ قد قذفه في قلبه و حبّبه إليه و عرّفه فضله.

قال: ثم أقبل الرومي على أبي عبيدة فقال: يا شيخ!خبرني متى دخلتم في هذا الدين و متى دعيتم إليه؟قال: منذ بضع و عشرين سنة. قال الرومي: إنّ كلكم دخلتم في هذا الدين في وقت واحد؟قال أبو عبيدة: لا، و لكن منّا من دخل فيه حين دعاه الرسول محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم و منّا من دخل فيه بعد ذلك، قال:

فخبّرني هل كان نبيّكم خبّركم أن يكون بعده نبي رسول؟قال أبو عبيدة: لا، و لكن خبّرنا أنّه لا نبي بعده، و خبّرنا أيضا أن عيسى ابن مريم قد بشّر به قومه، فقال الرومي: و أنا أشهد على عيسى ابن مريم أنّه قد بشّر في الإنجيل براكب الجمل الأحمر و لا أظنه إلا صاحبكم و لكني أحبّ أن أعلم ما تقولون في عيسى ابن مريم! فقال أبو عبيدة: نقول فيه كما قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و سلم و آله إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ (1) ]، و قد خبّرنا نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و سلم فيما أنزل عليه من ربّه أنّه قال جلّ و عزّ:

يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لاََ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاََ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ [ (2) ]-إلى قوله تبارك و تعالى‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلََّهِ‏[وَ لاَ]اَلْمَلاََئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ [ (2) ]، قال الرومي: أنا أشهد لنبيّكم أنّه صادق‏[ (3) ]و أنّكم صادقون و لكن إن أنا أسلمت و جاهدت معكم تضمنون لي الجنّة؟فقال له أبو عبيدة: أو تعرف الجنّة يا رومي؟ قال: و كيف لا أعرفها و قد وصفها لنا عيسى ابن مريم في الإنجيل!قال أبو عبيدة:

فنحن نضمن لك علي اللّه تبارك و تعالى أنك إن أسلمت و صلّيت و صمت و جاهدت و لم تغيّر و لم تبدّل فإنّك من أهل الجنة إن شاء اللّه تعالى، قال الرومي: اشهدوا عليّ بأجمعكم‏[ (4) ]أني من المسلمين. فقال أبو عبيدة: إنك إن أقمت عندنا الليلة و مضى رسولنا إليهم غدا احتسبوه عندهم لأجلك و لكن انطلق إليهم و اكتمهم إسلامك [ (1) ]سورة آل عمران: 58.

[ (2) ]سورة النساء آية 170 و آية 171.

[ (3) ]زيد عند الأزدي: و أنه الذي بشرنا به عيسى.

[ (4) ]و كان الرومي قد دعا أبا عبيدة لأن يحضر إليه رجلين من أفضل أصحابه فدعا أبو عبيدة معاذ بن جبل و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.

187

حتى يمضي رسولنا إليهم و ننظرعلام تنصرم الأمور بيننا و بينهم، فإذا رجع رسولنا إلينا رجعت بعد ذلك إلينا فما أكرمك علينا و أرغبنا في مثلك‏[و ما أنت عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأمه و أبيه‏][ (1) ].

قال: فمضى رسولهم إلى ماهان فقال: أيها الوزير!قد أبلغتهم رسالتك و غدا يأتيك رسولهم.

ذكر مسير خالد بن الوليد إلى ماهان‏[وزير] ملك الروم و ما كان بينهما

قال: فلما أصبح خالد بن الوليد و عزم على المسير إلى ماهان أمر بقبّة حمراء[ (2) ]اشتراها بثلاثمائة ألف درهم، فضربت له قريبا من معسكرهم، ثم ركب خالد و ركب معه ميسرة بن مسروق العبسي و سارا جميعا[ (3) ]حتى نزلا على باب القبّة، ثم دخل خالد إلى قبّته فجلس و جلس معه ميسرة بن مسروق، و وقف غلام ميسرة على باب القبّة يمسك فرسيهما.

قال: و أمر ماهان أن يصف لخالد عشرة صفوف من الروم عن يمينه و شماله مقنعين في الحديد و عليهم الدروع و المغافر و الجواشن‏[ (4) ]و البيض‏[ (5) ]و السواعد لا يرى منهم إلا الأحداق‏[ (6) ]، قال: و قعد ماهان على كرسي من ذهب، على رأسه تاج من ذهب مرصع بالجوهر، و قد فرشت بين يديه البسط و النمارق، و على رأسه غلمان من أبناء الروم في أيديهم أعمدة الذهب و الفضة.

قال: ثم أرسل إلى خالد فدعاه، فخرج خالد من قبّته و جعل يمشي و يسحب [ (1) ]زيادة عن فتوح الأزدي ص 198. و انظر قصة إسلام جرجة في الطبري باختلاف 3/399.

[ (2) ]و كانت من الأديم الطائفي و فيها شمعات من الذهب الأحمر و حليتها من الفضة البيضاء (فتوح الشام للواقدي ص 185) .

[ (3) ]في فتوح الشام للواقدي: استركب معه مائة فارس من المهاجرين و الأنصار، و ذكر أسماء بعضهم (1/ 185) .

[ (4) ]الجواشن: الدروع.

[ (5) ]البيض: السيوف.

[ (6) ]قال الأزدي: إنما أراد بذلك أن يريه حدة الروم و عددهم ليرعبه بذلك، و ليكون ذلك أسرع إلى ما يريد أن يعرض عليه.

188

سيفه، و ميسرة بن مسروق العبسي عن يساره. قال: و كان خالد رجلا طويلا مهيبا جميلا لا ينظر إليه أحد من الناس إلاّ هابه.

قال: فأقبل حتى إذا دنا من ماهان قام إليه ماهان فقرّبه و أدناه و أجلسه إلى جنبه، و جلس ميسرة بن مسروق إلى جانب خالدفقال ماهان: من هذا الذي أراه معك؟ قال خالد: هو بعض إخواني جئت به معي أستشيره في أمري.

قال: فكلّمه ماهان بلسان عربي فصيح مبين‏[ (1) ]، فقال‏[ (2) ]: يا خالد!إني إنما اخترتك من أصحابك لأنّك من ذوي الأحساب فيما بلغني، و إن لك عقلا كاملا و العاقل ينتفع بكلامه و يوثق بعهده،

فقال خالد: إن نبيّنا محمّدا صلّى اللّه عليه و سلّم قد أخبرنا في بعض أخباره أن حسب الرجل دينه و من لا دين له لا حسب له،

و أمّا قولك إني قد أوتيت عقلا كاملا، فإنّ المنّة و الطول للّه عزّ و جلّ علينا بذلك و هو المحمود عندنا

و قد خبرنا نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و سلم و آله أنّه ما خلق اللّه عزّ و جلّ شيئا هو أحبّ إليه من العقل، و بالعقل تنال طاعة اللّه عزّ و جلّ و به يدخل أهل الجنة الجنة، و من لا عقل له فلا وفاء له.

قال: فقال له ماهان: يا خالد!أنت بهذا عندي أعقل الناس‏[ (3) ]، لا يتكلم بهذا الكلام و لا يفطن له إلا كل كامل العقل، فكيف جئت بهذا الرجل تريد أن تستشيره في الأمر؟فقال له خالد: لا تعجب من ذلك، ففي عسكرنا أكثر من ألف‏[ (4) ]رجل لا يستغنى عن رأيه و مشورته، فقال ماهان: ما كنا نظن أن ذلك يكون عندكم، قال خالد: ليس كلّما تظنّونه و نظنّه صوابا، فقال ماهان: صدقت يا خالد! و إني أوّل ما أكلّمك به إني أدعوك إلى خلتي و مصافاتي، قال خالد: و كيف يتّفق ذلك و بيني و بينك الحرب و قد جمعتني و إياك بلدة؟و لا بد من القتال عليها أمدا أو تصير إلى أحدنا!فقال ماهان: صدقت!و لكن عسى اللّه أن يصلح ذات بيننا فلا يراق بيننا دم و لا يقتل بيننا أحد، قال خالد: إن شاء اللّه أن يفعل ذلك فعلا. قال [ (1) ]عند الأزدي: كان بينهما ترجمانا. و عند الواقدي فكالأصل.

[ (2) ]خبر لقائهما عند الأزدي ص 200 باختلاف بسيط. و عند الواقدي 1/186 و فيه اختلاف كبير.

و زيادة.

[ (3) ]عند الأزدي: أعقل أهل الأرض.

[ (4) ]عند الأزدي: «ألفي» و عبارة الواقدي 1/188 نعم بهذا أمر اللّه عزّ و جلّ نبينا (ص) فقال اللّه تعالى وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ و قال (ص) : ما ضاع امرؤ عرف قدره، و لا ضاع مسلم استشار. ـ

189

ماهان: فإني أريد أن ألقي الحشمة بيني و بينك فأكلمك بكلام الأخ لأخيه، قال خالد: قل ما تشاء، قال: إنّ قبّتك قد أعجبتني جدا فأنا أحبّ أن تهبها لي و تسألني ما أحببت فإنّها أشرف شي‏ء رأيته عندكم، قال خالد: فإني قد وهبتها لك و لست أريد منك شيئا.

فأرسل ماهان غلمانه إلى القبلة فأخذوها، ثم أقبل على خالد فقال: إن شئت تكلّمنا بما تريد و إن شئت نكلّمك بما نريد، فقال خالد: أما أنا فإني لا أسألك إلا و قد علمت ما أريد، لأنه ليس يخفى عليك و لا على صاحبك هرقل ما لقيت أجنادكم منّا بأجنادين و مرج الصفر و دمشق و فلسطين و فحل و حمص و بعلبك و غير ذلك، و أمّا أنت فلست أريد ما تريد، فتكلم بما أحببت إن شئت ذلك، فقال ماهان‏[ (1) ]:

الحمد للّه الذي جعل نبينا أفضل الأنبياء و ملكنا أفضل الملوك و أمتنا خير الأمم، قال: فقطع عليه خالد كلامه‏و قال‏[ (1) ]: الحمد للّه الذي نؤمن بنبيّنا و نبيّكم و نقرّ بكتابنا و كتابكم و جعل الأمير الذي علينا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه و لسنا نرى له فضلا علينا إلا أن يكون أتقى منّا و أبر، و الحمد للّه الذي جعلنا نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر، و نقرّ بالذنب و نستغفر اللّه عز و جلّ منه، و نعبد[ (2) ]اللّه عزّ و جلّ و لا نشرك به شيئا.

قال: فتغيّر وجه ماهان ثمّ قال: الحمد للّه الذي أبلانا أحسن البلاء، و أغنانا من الفقر، و نصرنا على الأمم، و أعزّنا فلا نذل، و منعنا من الضيم فلا تباح لنا حرم، و لسنا في ذلك بطرين و لا مرحين و لا على الناس باغين، و قد كان لنا منكم يا معشر العرب جيران صدق، و كنا نحسن جوارهم، و نعظم أقدارهم‏[ (3) ]، و نتفضّل عليه‏[ (4) ]، و نفي لهم بالعهد[ (5) ]، فينزلون في بلادنا حيث شاءوا آمنين و يرحلون آمنين، و كنّا نظن أن جميع العرب ممن لا يجاورنا يشكرون لنا ذلك لما كنا نأتي من الإحسان إلى إخوانهم، و أنتم من العرب فلم تشكروا فعلنا بإخوانكم و اصطناعنا لهم، لكنكم فاجأتمونا بالخيل و الجنود، فقاتلتمونا عن حصوننا و ديارنا، و تريدون أن [ (1) ]الأزدي ص 202، فتوح الشام للواقدي 1/186.

[ (2) ]الأزدي: و تعهد (أي أمتنا) .

[ (3) ]الأزدي و الواقدي: قدرهم.

[ (4) ]الأزدي و الواقدي: عليهم.

[ (5) ]الواقدي: بالوعد.

190

تغلبونا على بلادنا، و قد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا و عددا، و أقوى منكم جيشا و جندا، فرددناهم منا على أعقابهم فلم ينقلبوا منا إلا و هم من بين قتيل و أسير و شريد و طريد، و لقد أرادت منا هذا الذي تريدون أنتم منّا، فلعلّه قد بلغكم ما نزل بهم منّا، و بعد فإنه لم تكن أمة من الأمم من أهل المشرق و المغرب أقلّ‏[ (1) ]منكم عندنا شأنا و لا أصغر أقدارا و أخطارا، لأنكم رعاة الشاة و الإبل و أهل الصخر و الحجر و الصوف و الوبر، و أنتم الآن في ذلك تطمعون أنفسكم أن نخلي‏[ (2) ]لكم البلاد، فبئس ما ظننتم، و لقد كنّا نظن أنكم إنما أتيتمونا إلى هذا البلد لجهد نزل بكم من جدوبة الأرض و قحط المطر، فإذا أنتم قد استوطنتم بلادنا، و ركبتم مراكبنا الذي ليست كمراكبكم، و لبستم ثيابنا الذي ليست كثيابكم، و أصبتم نساء ليست كنسائكم السود المهازيل لكنهم بنات الأصفر البيض الخدود الكريمات الجدود التي وجوههن كأنهن صفائح الفضة البيضاء، ثمّ إنّكم طعمتم طعاما ليس كطعامكم و ملأتم أيديكم من الذهب و الفضة و المتاع الفاخر من الحرير و الديباج و غير ذلك، و بعد فهذا كلّه لنا في أيديكم و نحن نسلّمه لكم، فخذوه و انصرفوا إلى بلادكم، و إن أنتم أبيتم ذلك و شرهت أنفسكم إلى غير ذلك فإنّا نزيدكم من بيوت أموالنا ما نقوي به الضعيف منكم و نرى الغائب منكم قد رجع إلى أهله بخير، نأمر[ (3) ]لأميركم عمر بن الخطاب بعشرة آلاف دينار، و لأميركم أبي عبيدة بخمسة آلاف دينار، و لك بمثل ذلك، و نأمر لمائة رجل من رؤسائكم لكل رجل منهم بألف دينار، و لسائر من معكم من الجنود بمائة دينار، و لرجالتكم لكل رجل منهم بخمسين دينارا على أن نأخذ عليكم العهود و المواثيق و الأيمان المغلظة، و أنّكم تنصرفون عنّا و لا ترجعون إلى بلادنا أبدا، فهذا ما عندي و قد عرضت عليك ما عندي، فهات ما عندك الآن و قل ما بدا لك و إياك الاشتطاط.

ذكر كلام خالد بن الوليد لماهان و جوابه‏

قال خالد: الحمد للّه!قال ماهان: نعم ما قلت!قال خالد: و أشهد أن لا إله إلا اللّه!قال ماهان: نعم ما قلت!قال خالد: وحده لا شرك له!فسكت ماهان [ (1) ]الأزدي: أرق عندنا منكم، الواقدي: أحقر شأنا.

[ (2) ]الأزدي: نجلي لكم عن بلادنا، بئس ما طمعتم فيه منها.

[ (3) ]ثمة اختلاف بين نصي الأزدي و الواقدي، في الأعطيات، عن الأصل.

191

و لم يقل شيئا، قال خالد: و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله!قال ماهان: و اللّه ما أدري أ محمّد رسول اللّه أم لا، و لعلّ ذلك كما تقول، قال خالد: و بعد فإني فهمت كلامك و لم يخف عليّ منه شي‏ء فأمّا ما ذكرت به قومك من الغنى و العز و منع الحريم و الظهور على الأعداء و التمكن في البلاد فنحن به عارفون، و أمّا ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم من العرب فقد عرفناه منكم و إنما كان ذلك أمرا تصلحون به دنياكم، و إحسانكم إليهم إنما كان زيادة في ملككم‏[ (1) ]لأنّ عامّتهم قد دخلوا في دينكم فهم يقاتلون معكم، و هذا جبلة بن الأيهم الغساني هو رجل من العرب غير أنّه مقيم معكم في جميع بني عمّه المتنصرة فهو أشدّ علينا منكم، و أما ما ذكرتنا به من رعي الإبل و الشاة فليس فينا أحد يكره ذلك و ليس لمن لم يرع عندنا فضل على من رعى، و أما ما ذكرتنا به من الصخر و الحجر و الصوف و الوبرفحالنا و اللّه كما ذكرت‏[ (2) ]، و لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت و أقلّ و أذلّ في عيون الناس، و ذلك أن اللّه عزّ و جلّ أنزلنا أرضا ليس بها أنهار جارية و لا زرع و لا خير، و إنما هي مهامه‏[ (3) ] و قفار، و كنّا كما ذكرت أصحاب حجر و صخر و شاة و بعير، و عيش نكد و فقر شديد، نقسم بالأزلام و نسجد للأصنام، نقطع أرحامنا و نسي‏ء إلى إخواننا، و نقتل أولادنا خشية إملاق، و نعبد من دون اللّه أوثانا نتخذها بأيدينا من الحجارة التي نتخيرها على أعيننا و هي لا تضرنا و لا تنفعنا و لا تنصرنا و لا تسمع و لا تبصر و نحن عليها عاكفون‏[ (4) ] و لها مطيعون، فبينما نحن كذلك على شفا حفرة من النار من مات منا كان مشركا بربه قاطعا لرحمه صار إلى النار و من بقي بقي على سخط من الجبّار إذ بعث اللّه عزّ و جلّ رسولا من أنفسنا و صميمنا و أشرافنا و كرمائنا و أخايرنا، فدعانا إلى اللّه عزّ ذكره وحده لا شريك له و أمرنا أن نخلع الأنداد التي نعبدها من دونه، و أن لا نجعل لربنا صاحبة و لا ولدا و لا نشرك معه أحدا و لا نعبد من دونه نارا و لا حجرا و لا شمسا و لا قمرا، و أمرنا أن نقاتل من زعم أنه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، فإن قلتم ذلك فقد حرمت علينا دماؤكم [ (1) ]زيد عند الأزدي: و عزّا لكم. و عبارة الواقدي: و إنما فعلتم ذلك إبقاء لنعمتكم و نظرا منكم لأنفسكم و ذراريكم و زيادة لكم في مالكم و عزا لكم.

[ (2) ]الأزدي: كما وصفت.

[ (3) ]المهامة جمع مهمة، و هي المغارة البعيدة و البلد القفر.

[ (4) ]الأزدي: مكبون. الواقدي: عليها مكبون و لها حاملون.

192

و أموالكم إلا بحقها و أنتم إخواننا في ديننا و شركاؤنا في حظّنا، و إن أنتم أبيتم ذلك فأدوا الجزية عن يد و أنتم صاغرون، فإن أبيتم ذلك فقاتلناكم على بصيرة و يقين أنه من قتل منا كان حيا عند اللّه شهيدا مرزوقا و من قتل منكم كان كافرا و صار إلى النار مخلدا فيها أبدا، فاختر الآن يا ماهان ما أحببت‏[ (1) ]و اعلم أنه قد جاءك قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة فاخرجوا بنا على بركة اللّه حتى نحاكمكم إلى اللّه ف إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلََّهِ يُورِثُهََا مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قال: فقال ماهان: يا خالد!أما ما ذكرت أنا ندخل في دينكم فهذا ما لا يكون أبدا، فلا تطمع نفسك في ذلك، فما أبعدكم أن تروا ولد الأصفر و قد تركوا دينهم و دين آبائهم و دخلوا في غيره، و أما ما ذكرت أنا نؤدي الجزية فإنه سيموت من ترى من هذا الخلق قبل أن يؤدوا الجزية، و كيف يؤدونها و هم يأخذونها من الناس على الصغر و القمأة، و أما قولك: اخرجوا حتى نتحاكم إلى اللّه، فلعمري ما جاءك هذا الخلق إلا ليحاكموك إلى اللّه، و أما قولك‏ إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلََّهِ يُورِثُهََا مَنْ يَشََاءُ ، فقد صدقت يا خالد!إنما كانت هذه الأرض لأمة كانت من قبلنا قاتلناهم عليها حتى أخذناها منهم و احتوينا عليها، و كذلك تصير هذه الأرض إلى غيرنا، فابرزوا على بركة اللّه فإنا خارجون إليكم إذا عزمتم‏[ (2) ].

قال: فوثب خالد بن الوليد من بين يدي ماهان فاستوى على فرسه و انطلق إلى أبي عبيدة بن الجراح و معه ميسرة بن مسروق. فقصّ على أبي عبيدة ما كان من كلامه و كلام ماهان، ثم قال للمسلمين: استعدوا للقتال، قتال أعداء اللّه فقد قرب الأمر و ليكن معولكم على اللّه وحده لا شريك له فيه، فاعتصموا و عليه فتوكلوا.

قال: و كتب ماهان من ساعته إلى ملك الروم يخبره بخبر خالد و حال المسلمين و ما جرى بينه و بين خالد بن الوليد من الكلام، و في كتابه: أيها الملك!إني‏[ (3) ] أرغبتهم فليس يرغبون و أطمعتهم فليس يطمعون و خوفتهم فليس يخافون، و ليس [ (1) ]في الواقدي و الأزدي زيادة فيها يعرض خالد على ماهان الإسلام و أن أبى فالجزية و ان أبي فالحرب.

[ (2) ]راجع فتوح الشام للواقدي ص 189-190 ففيه يتحدث عن نهاية اللقاء بين خالد و ماهان و التوتر الذي خيم على وداعهما.

[ (3) ]عند الأزدي ص 208 هذا قول ماهان لأصحابه عند ما جمعهم يستشيرهم بالأمر. و هو ما كتب إليه به في كتاب مطول انظر ص 209.

193

يريدون إلا استئصالنا و ذهاب سلطاننا و أخذ أموالنا و سبي نسائنا و أبنائنا و ليس في عسكري أحد أيها الملك إلا هو طيب النفس بالموت دون بلاده و سلطانه.

قال: ثم وجه ماهان بكتابه إلى ملك الروم، و أقبل على بطارقته و قال لهم:

كيف الرأي عندكم اليوم في قتال هؤلاء العرب؟فقال له بعض بطارقته: أيها الوزير! أنت تعلم أن جاسوسك قد أقبل من عندهم فأخبرك أنهم في أربعين‏[ (1) ]ألفا و يزيدون قليلا و نحن أكثر منهم‏[ (2) ]بأضعاف كثيرة لأننا نزيد على أربعمائة ألف، و الرأي عندي أن نخرج إليهم في كل يوم مائة ألف رجل منا يقاتلونهم‏[ (3) ]، فإذا كان من غد خرج إليهم غير أولئك الذين قاتلوهم بالأمس يقاتلونهم هؤلاء و يستريح هؤلاء فيراح عليهم أبدا و نفنيهم عن آخرهم، إن انهزم منا مائة ألف كان وراءهم مائة ألف و مائة ألف و مائة ألف على هذا الشأن. فقال ماهان: قولوا غير هذا، فقال بطريق آخر: عندي مشورة أوجز من هذه، فقال ماهان: قل حتى أسمع، فقال: الرأي عندي أن نخرج إليهم بأجمعنا إذا خرجوا إلينا و صافقونا خرج إلى كل واحد منهم عشرة منا فنأخذه أخذا، فقال: ويحك!فكيف ينفرد الرجل من أصحابه حتى يؤخذ؟هذا لا يكون، و لكني قد رأيت أن نخرج إليهم بأجمعنا خرجة واحدة ثم نضاربهم و نناجزهم فلا نرجع حتى يحكم اللّه عزّ و جلّ بيننا و بينهم، فقال عامة البطارقة: الرأي ما رأيت أيها الوزير.

فعزم ماهان على ذلك ثم كتب إلى هرقل ملك الروم‏[ (4) ]: أما بعد أيها الملك! إن أصحابي بأجمعهم قد أجمعوا على مناجزة العرب و قد اجتمع رأيي على النهوض إليهم في يوم كذا و كذا، و هو يوم لنا فيه الخيرة، و إني أخبرك أيها الملك أني رأيت في منامي كأن آتيا أتاني فقال لي: يا ماهان!لا تقاتل هؤلاء العرب‏[ (5) ]فإنك إن قاتلتهم هزموك و أهلكوك، فلما انتبهت علمت أن ذلك من قبل الشيطان فأخسأته و لم ألتفت إليه، و بعد أيها الملك فإني أشير عليك أن توجه أموالك و حرمك إلى قسطنطينية و تثبت أنت بمدينة أنطاكية و تكون مخفا و تنتظر وقعتنا هذه، فإن أظهرنا اللّه [ (1) ]عند الأزدي: ثلاثين ألفا أو أقل أو أكثر قليلا.

[ (2) ]عند الأزدي: عشرة أضعافهم.

[ (3) ]عند الأزدي: و تستريح البقية و تسرح بعيالنا و أثقالنا إلى البحر فلا يكون معنا شي‏ء يهمنا و لا يشغلنا.

[ (4) ]نسخة الكتاب عند الأزدي ص 209.

[ (5) ]الأزدي: القوم.

194

عزّ و جلّ على العرب و ظفرنا بهم حمدت اللّه سبحانه و تعالى على ذلك إذا أعز دينك و منع سلطانك، و إن هم ظهروا علينا فارض بقضاء اللّه و قدره و اعلم أن الدنيا كما زالت عمن كان قبلك فإنها تزول عنك فلا تأسفن منها على ما فاتك و الحق بدار ملكك و معقلك و أحسن إلى رعيتك يحسن اللّه إليك و ارحم الضعفاء و المساكين و تواضع للّه عزّ و جلّ و إياك و التكبر في الأرض فإن اللّه لا يحب المتكبرين.

قال فبعث هرقل أمواله و حريمه و كل ما يعز عليه إلى القسطنطينية، و جعل يتجسس أمر العرب و يكتب إلى وزيره و يحرضه على القتال و يوصيه بأمر أصحابه من الروم و يذكرهم ما مضى لهم مع العرب من الوقائع الأول و يقول لهم إن أنتم هزمتم منهم فلن تسكنوا الشام بعدها و احذروا أن تبغوا على ضعفائكم بظلم، و اعلموا أن النصر مع الصبر و أن العاقبة لأهل الدين القديم، و أنا أقسم بما أعتقده أن العرب إنما [لم‏]ينصروا إلا بما أظهرتم من القبائح و المظالم، و لو تبصرتم لعلمتم أنما خذلكم سوء أعمالكم لا غير.

قال: فلما بلغ ذلك إلى وزيره ماهان أخذ في تعبية جيشه، و لما فرغ ماهان من تعبية الجيش و قد رتّب طلائه‏[ (1) ]و درّاجته ثم أمر له بمضرب، فضرب له على كثيب عال إلى جانب اليرموك يشرف منه على عسكره و عسكر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أوقف عن يمينه ألفي فارس من حماة الروم في سوابغ السلاح و ألفي فارس عن يساره و عليهم الديباج الأحمر المنسوج بالذهب لا يرى منهم إلا حماليق الحدق و هم أصحاب السرير، و أمرهم باليقظة و قال لهم: إني قد كدت العرب بهذه الفعال لأنكم على أهبة، فإذا طلعت الشمس و رأيتم المسلمين على غير أهبة و تعبية الحرب فاحملوا عليهم من كل جانب و مكان.

قال: حدّثني جعال بن أسيد السكاسكي عن أبيه أسيد بن علقمة[ (2) ]و كان من أصحاب عياض بن غنم الفهري‏[ (3) ]قال: لما رأيت ماهان قد عبّى أصحابه و عسكره [ (1) ]صف له عشرين صفا لا يرى طرفاهم، ثم جعل على ميمنته و ميسرته فجعل ابن قناطير على ميمنته، و جعل معه جرجير في أهل أرمينيا و جعل الدرنجار في ميسرته. (الأزدي ص 210 و انظر فتوح الشام 1/192-193) .

[ (2) ]الخبر في فتوح الأزدي ص 212 عن راشد بن عبد الرحمن الأزدي.

[ (3) ]عن ابن سعد و انظر أسد الغابة 4/165 و بالأصل الأشعري تحريف.

195

كنّا نحن في عسكرنا و ليس عندنا مما صنع الكافر خبر، قال: فلما انشق الفجر و تقدم أبو عبيدة و صلى بالناس و هو لا يعلم بمكيدة ماهان فقرأ في الركعة الأولى وَ اَلْفَجْرِ*`وَ لَيََالٍ عَشْرٍ ، حتى أتى إلى قوله‏ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ [ (1) ]، فهتف به هاتف: ظفرتم بالقوم و ربّ الكعبة!و ما يغني عنهم كيدهم شيئا و ما أجرى اللّه هذه الآية على لسان أميركم إلا بشارة لكم، فلما سمع المسلمون الهاتف عجبوا، ثم قرأ في الركعة الثانية وَ اَلشَّمْسِ وَ ضُحََاهََا إلى قوله‏ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوََّاهََا [ (2) ]و إذا الهاتف يقول: تم الفأل و صحّ الزجر، هذه علامة النصر، فلما فرغ أبو عبيدة من الصلاة قال: معاشر المسلمين!هل سمعتم من الهاتف ما سمعت؟قالوا: سمعنا قائلا يقول كذا و كذا، قال أبو عبيدة: هذا و اللّه هاتف النصر و بلوغ الأمر، فأبشروا بنصر اللّه و معونته، فواللّه!لينصرنكم اللّه العظيم عليهم.

ثم قال: معاشر المسلمين!اعلموا أني رأيت البارحة رؤيا تدلّ على النصر على الأعداء و النصر من إله السماء، فقالوا: ما الذي رأيت؟قال: رأيت كأني واقف بإزاء عدوّنا من الروم فحينئذ مرّ بي رجال عليهم ثياب بيض لم أر مثلهم، و حسن بياضهم و إشراق نورهم يغشى الأبصار، و هم على خيول شهب. فلما أخذوا مصافهم قالوا الرجال منّا-منهم من أعرف و منهم من لا أعرف-: تقدّموا إلى عدوّكم و لا تهابوهم فإنكم الأغلبون‏[ (3) ]و اللّه ناصركم، و دعوا برجال منكم و سقوهم من كأس معهم فيه شراب، و كأني أنظر إلى عسكرنا و قد دخلوا إلى عسكر الروم، فلما رأونا ولّوا بين أيدينا منهزمين. فقال المسلمون: أصلح اللّه الأمير و بشرك بالخير.

فقام رجل من خولان‏[ (4) ]فقال: أصلحك اللّه أيها الأمير!و أنا أيضا رأيت البارحة رؤيا كأننا خرجنا نحو عدوّنا فضايقناهم في الحرب و إذا قد انقضت عليهم من السماء طيور[ (5) ]لها أجنحة خضر و مخاليب كمخاليب العقبان‏[ (6) ]، فجعلت تنقض [ (1) ]سورة الفجر الآيات من 1-14.

[ (2) ]سورة الشمس الآيتان: 11 و 12.

[ (3) ]عند الأزدي: الأعلون. و عند الواقدي: فإنكم غالبون.

[ (4) ]عند الأزدي ص 213: أبو مرثد الخولاني (ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا و انه سكن الشام) .

و عند الواقدي: فقال رجل من المسلمين.

[ (5) ]الأزدي: طيرا بيضا عظاما. و عند الواقدي: طيور بيض لها أجنحة خضر.

[ (6) ]الأزدي: «الأسد» عند الواقدي: «النسور» .

196

عليهم انقضاض العقبان، فإذا جاءت الطيور واحدا منهم ضربته فقطعته قطعا، ففرح المسلمون بتلك الرؤيا و قال بعضهم لبعض: أبشروا فقد أمنكم من عدوّكم بالنصر و أيّدكم بالملائكة تقاتل معكم كما فعلت بكم يوم بدر.

و فرح أبو عبيدة و قال: هذه رؤيتان حسنتان و هو حقّ يقين. فقال له رجل من المسلمين: أيها الأمير!ما وقوفك عن هؤلاء الأعلاج الكلاب و أى انتظارك بالحرب، و عدونا قد كادنا بمطاولته و ما تأخر عنا إلا ليلة يريد أن يوقعنا فيها، فقال أبو عبيدة: إن الأمر أقرب من هذا و ما تظنون.

قال سعيد بن رفاعة الحميري: و كنت رجلا ما كنت قدمت على النبي صلّى اللّه عليه و سلم و لا كنت نظرت إليه، فلما أتاني داعي أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه استنفرنا للقتال و الغزاة للروم، فنفرت فيمن نفر و قدمت إلى المدينة مع قومي من حمير و نظرت إلى أبي بكر و هو يصلي بالناس في محراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلزمت الصلاة معهم و لم أسر إلى قتال الروم، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حرّض على الجهاد، فسرت إلى قتال الروم و شهدت وقعة اليرموك، و ذلك أني كنت لا أفارق أبا عبيدة رضي اللّه عنه، فصلى بنا صلاة الفجر و إذا بالهاتف قد هتف، إذ سمعنا بأصوات قد علت و الزعقات من كل جانب و مكان قد ارتفعت و ان الروم قد رجفت إلينا، فعلم أبو عبيدة أن المسلمين قد كبسوا في وجه السحر، فقام و قمنا و كان على الحرس تلك الليلة سعيد إذا أقبل و هو ينادي: النفير النفير!حتى وقف أمام أبي عبيدة و معه رجل من المتنصّرة، فقال: أيها الأمير!إن ماهان قد كاد المسلمين بتخلفه عن الحرب و ها هو قد عبى عسكره وصف جيوشه‏[ (1) ]و زحف إلينا زحف يريد الكبسة لنا و نحن على غير أهبة و لا عدة و ها هو قد أقبل إلينا زاحف، و قد أتانا رجل راغب فينا يحذر الناس من بأسه و يزعم أن ماهان قد أقبل بجيوشه و قد اتفق مع بطارقته أنهم يقاتلونا[ (2) ]، كل يوم ملك من ملوكهم بمن معه يؤم هذا، و قد نظر المسلمون إلى راياتهم و القوم قد قربوا منهم و الصلبان تدنو.

فقال أبو عبيدة: لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، [ (1) ]راجع ص 195 حاشية رقم 1.

[ (2) ]تقدم أن ماهان اتفق مع بطارقته و أصحابه على أن يخرجوا خرجة واحدة فيناجزوا المسلمين فيها ثم لا يرجعون عنهم حتى يحكم الله بينهم. ـ

197

ثم قال: أين أبو سليمان خالد بن الوليد؟فأجابه بالتلبية، فقال: أنت يا أبا سليمان أبرز إلى الكفار في أبطال المسلمين و صد عن الحريم إلى أن تأخذ الرجال صفوفها و يستعدوا للحرب‏[ (1) ]، فقال: حبا و كرامة.

ثم إنّ خالدا صاح بأبطال المسلمين المذكورين، و جعل يدعو برجل رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ممّن شهد معه المواطن و المواضع المفضّلة و أصحاب التقدمة، حتى دعا بخمسمائة فارس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا يخافون لومة لائم، ثم استقبلوا جيوش المشركين بأسنّة الرماح و أشعلوا الحرب بنارها، و اشتغل أبو عبيدة بترتيب الجيوش و تعبية العسكر.

و أقبل أبو سفيان إلى أبي عبيدة و قال: أيها الأمير!مر النساء يعلون على هذا التلّ، فأمرهن أبو عبيدة بذلك فعلت النساء على التلّ و معهن الأطفال و الصغار، و قال لهن أبو عبيدة: خذن بأيديكنّ أعمدة السيوف و أعمدة البيوت و الفساطيط و اجمعن الحجارة بين أيديكن و حرّضن المؤمنين على قتال المشركين، فإن كان الأمر لنا فكنّ على ما أنتنّ عليه، و إن رأيتنّ أحدا من المسلمين منهزما فاضربن وجهه بأعمدة البيوت و اضربنه‏[ (2) ]بالحجارة و ادفعن إليه أولاده و قلن له: قاتل عن ولدك و عن بيعة الإسلام، فقالت النساء: أيها الأمير أبشر بما يسرّك.

قال‏[ (3) ]: و لما حصن أبو عبيدة النساء بالتلّ أقبل يعبي جيشه، و قد ابتدر المسلمون للقتال بعد أن عبّاهم ميمنة و ميسرة و قلبا و جناحين، و قدم أصحاب الرايات، و كانت راية المهاجرين صفراء و فيها بياض و خضرة و سواد، و سائر القبائل [ (1) ]عند الواقدي 1/191 قال أبو عبيدة لخالد: قد وليتك على الخيل و الرجل فول أمر الرجالة من شئت.

و قد قرر المسلمون ألا يخرجوا إلى الروم إلا أن يأتوهم حتى يلطوا بعسكرهم أو يضطروهم إلى ذلك.

و كانوا قد رأوهم كأنهم الجراد قد ملأوا الأرض، فنهضوا عندئذ إلى راياتهم دون تعبئة. ثم راح أبو عبيدة و أصحابه يعبئون الناس و صفوفهم و لم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. و قال الأزدي ص 217 و جعل (أبو عبيدة) على ميمنته معاذ بن جبل، و على ميسرته قباث بن أسيم، و جعل على الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، و جعل على الخيل خالد بن الوليد. (و انظر فتوح الشام للواقدي 1/191- 192 و ما قاله الطبري في تعبئة المسلمين يوم اليرموك 3/396) .

[ (2) ]عند الواقدي 1/203 و احصينه.

[ (3) ]خبر تعبئة أبي عبيدة للمسلمين في فتوح الشام للواقدي 1/203.

198

راياتهم مختلفة الألوان، و جعل المهاجرين و الأنصار في القلب و أظهر المسلمون السلاح، و جعل العسكر ثلاثة صفوف: صفّ فيه الرماة من أهل اليمن، و صفّ فيه أصحاب السيوف و الحجف، و صفّ فيه الرماح و الخيل و العدّة، و قسم الخيّالة ثلاثة صفوف و قدم عليهم ثلاثة من فرسان المسلمين: أحدهم غياث بن حرملة العامري، و الآخر نبلة[ (1) ]بن سيف اليربوعي، و الثالث القعقاع بن عمرو التميمي، و وقف المسلمون تحت راياتهم، و وقف أبو عبيدة رضي اللّه عنه في القلب تحت رايته التي عقدها أبو بكر الصديق له يوم مسيره إلى الشام و هي راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[ (2) ]، و كان خالد بن الوليد تحت رايته العقاب و كانت سوداء، و كان على الدراجة شرحبيل بن حسنة، و على الميمنة يزيد بن أبي سفيان، و على جناح الميسرة قيس بن هبيرة المرادي، و كانت الأزد في ذلك اليوم في القلب، و حمير و همدان و مذحج و خولان و خثعم و كنانة و قضاعة و لخم و جذام و حضرموت ميمنة و ميسرة، و لم يكن فيهم تيم و لا ربيعة[ (3) ]لأنهم كانوا في العراق مع سعد بن أبي وقاص.

فلما ترتبت الصفوف سار أبو عبيدة بين الصفوف و جعل يحرّض الناس على القتال و يقول‏[ (4) ]: إن تنصروا اللّه ينصركم، فلازموا الصبر فإنّ اللّه يحبّ الصابرين، و لا تحدثوا حدثا حتى آمركم، ثم رجع إلى مقامه و وقف في القلب. و خرج من بعده معاذ بن جبل فطاف محرضا للناس و يقول‏[ (5) ]: يا أهل الدين!اعلموا رحمكم اللّه! إنه لا تنال الآخرة إلاّ بالعمل و النية، و جعل يقول: أيها الناس!غضّوا أبصاركم و اجثوا على الركب و شرعوا الرماح، و إذا حملوا عليكم فامهلوهم و إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم و ثوب الأسد إلى فريستها، و لا يهولنّكم جموعهم و لا عددهم، ثم إنه عاد فوقف في مكانه.

و لم تغن مكيدة ماهان شيئا، و رجعت الروم إلى ورائها حين نظروا إلى خالد بن الوليد و قد زحف إليهم في خمسمائة فارس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فحاروا لذلك و رجعوا.

[ (1) ]عند الواقدي: مسلمة.

[ (2) ]زيد عند الواقدي: الصفراء التي سار بها يوم خيبر.

[ (3) ]في فتوح الأزدي ص 218: لم يحضرها يومئذ أسد و لا تميم و لا ربيعة.

[ (4) ]قارن مقالته مع فتوح الشام للأزدي ص 218 و فتوح الواقدي 1/203.

[ (5) ]قارن مع الأزدي ص 218 و الواقدي 1/203.

199

و لما اصطفّت الصفوف صرخ ماهان في الروم صرخة عظيمة و قال: ويلكم! ما يوقفكم عن الحرب و القتال؟ازحفوا إليهم!فحملت الروم على المسلمين.

و نظر خالد بن الوليد إلى جيش عظيم عرمرم و جواشن تلمع و سيوف تشرع، و كان قد انفرد منهم ثلاثون ألفا من عظماء الروم و فرسانهم، و حفروا لهم في الميمنة حفائر و نزلوا فيها و شدّوا خيلهم بالسلاسل، و اقترن كل عشرة في سلسلة التماسا للحفيظة[ (1) ]و أن لا يفروا و حلفوا بعيسى و مريم و الصليب أن لا ينهزموا أو يقتلوا العرب عن آخرهم.

فلما نظر خالد بن الوليد إلى ما صنعوا قال لمن حوله من جيش الزحف: هذا يوشك أن يكون يوما عظيما[ (2) ]، ثم قال: اللّهم!أيد المسلمين بالنصر و افرغ عليهم الصبر. ثم أقبل إلى أبي عبيدة و قال: أيها الأمير!إن الروم قد اقترنوا بالسلاسل و زحفوا إلينا بالعمد و القواضب، قال أبو عبيدة: اعلم أن عدد القوم كثيرا و ما ينجيكم إلا الصبر.

ثم قال لخالد: ما الذي تراه من الرأي يا أبا سليمان؟فقال: اعلم أن ماهان قد قدم حامية أصحابه أمام جيشه وصفهم أمام المسلمين، قال: و كان ماهان قد قدم أمام الروم من ذكرت شجاعته و عرفت براعته و اشتهر في بلادهم بالثبات و هم مائة ألف فارس، فلما رآهم خالد بن الوليد و شاهد تعبيتهم و نظر إليهم شهد لهم أنهم من أهل الشدة[ (3) ]، قال لأبي عبيدة: إن من الرأي أن توقف في مكانك الذي أنت فيه سعيد بن زيد وقف من ورائه بإزائه في ثلاثمائة من أصحابك فإذا علم المسلمون أنك من ورائهم استحيوا من اللّه تعالى ثم منك أن لا ينهزموا.

قال: فقبل أبو عبيدة مشورة خالد و دعا بسعيد بن زيد-و هو أحد العشرة الذين بايعوا النبي تحت الشجرة-فأوقفه مكانه. ثم انتخب أبو عبيدة مائتي فارس من فرسان المسلمين و فيهم رجال من المهاجرين‏[و الأنصار][ (4) ]، و وقف بهم من وراء الصف بحذاء سعيد بن زيد.

[ (1) ]عند الواقدي 1/204 التماسا لحفظ عسكرهم.

[ (2) ]بالأصل: يوم عظيم.

[ (3) ]عند الواقدي: شهد لهم بالفروسية و أنهم من أهل الشدة.

[ (4) ]عن الواقدي 1/205.

200

قال ورقا بن مهلهل‏[التنوخي‏][ (1) ]و كان صاحب راية أبي عبيدة: أول من فتح باب الحرب يوم جيش السلاسل غلام من الأزد حدث السن، فقال لأبي عبيدة: أيها الأمير!إني قد أردت أن أشفي قلبي و أجاهد عدوي و عدو الإسلام و أبذل نفسي في طاعة اللّه عزّ و جلّ لعلي أرزق الشهادة فهل تأذن لي في ذلك؟و إن كان لك حاجة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبرني بها، فبكى أبو عبيدة رضي اللّه عنه و قال: أقرئ محمدا عني السلام و خبّره أنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا.

قال: فألوى الغلام الأزدي رأس جواده و حمل يريد الحرب. فحمل عليه علج من الروم تامّ من الرجال على فرس أشهب، فلمّا رآه الغلام دلف‏[ (2) ]نحوه، و قد حبس نفسه في سبيل اللّه تعالى، فلمّا قرب منه حمل عليه‏[ (3) ]الغلام الأزدي حملة منكرة، فطعنه في صدره خرج السنان من ظهره، و أخذ عدته و جواده و سلم ذلك إلى رجل من قومه ثم إنه عاد و طلب البراز، فخرج إليه ثان فقتله، و ثالث و رابع فقتلهم، و خرج إليه خامس فقتل الأزدي رحمة اللّه عليه.

فغضبت الأزد عند ذلك لأجل قتل صاحبهم و دنوا من صفوف الروم، فعندها أقبلت الروم و زحفت كالجراد المنتشر حتى دنا طرفهم من ميمنة المسلمين أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، عندها نادى معاذ بن جبل‏[ (4) ]: معاشر المسلمين!إن أعداء اللّه و أعداءكم قد زحفوا إليكم فتأهبوا للحملة، و اعلموا أن اللّه معكم فثبتوا أنفسكم بالصبر و الصدق و اللقاء و النصر من اللّه تعالى، ثم لحظ السماء بطرفه و قال: اللهمّ إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ ، و لك نوحّد و لا نشرك بك شيئا، و إنّ هؤلاء الأعداء يكفرون بك و بآياتك، اللهمّ فانصرنا عليهم يا من قال في كتابه العزيز وَ اِعْتَصِمُوا بِاللََّهِ هُوَ مَوْلاََكُمْ فَنِعْمَ اَلْمَوْلى‏ََ وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ [ (5) ].

قال: فبينما معاذ بن جبل‏[ (4) ]يدعوا إذ حملت ميمنة الروم على المسلمين و ذلك [ (1) ]عن الواقدي. و انظر فيه خبر الغلام الأزدي 1/205.

[ (2) ]عند الواقدي: قصد.

[ (3) ]زيد عند الواقدي: قال:

لا بد من طعن و ضرب صائب # بكل لدن و حسام قاضب

عسى أنال الفوز بالمواهب # في جنة الفردوس و المراتب‏

[ (4) ]عند الواقدي 1/205: فقال أبو عبيدة.

[ (5) ]سورة الحج: آية 78.

201

أن ماهان بعث إلى ميسرة الروم-و كان على الميسرة الديرجان-و قال له: الملك يقول لك: احمل على ميمنة المسلمين بأصحابك، قال: فحمل على الميمنة و كان فيها الأزد و مذحج و حضرموت‏[و خولان‏][ (1) ]، فصبر المسلمون و قاتلوا قتالا شديدا، و ثبتوا احتسابا، فحملت عليهم كتيبة ثانية، فصبروا لهم صبرا جميلا، فحملت عليهم كتيبة ثالثة، فزال المسلمون عن الميمنة، و انكشفت طائفة من الناس إلى العسكر[ (2) ]و ثبتت منهم طائفة ثباتا حسنا، قاتلوا تحت راياتهم.

و انكشفت‏[ (3) ]لهم يومئذ زبيد و هم في الميمنة و عليهم الحجّاج بن عبد يغوث قال عكاشة بن مازن: و كان عليهم قيس بن هبيرة، و زبيد قد انهزمت، فابتدر عمرو بن معدي كرب و هو مقدم على زبيد، و هو الأمير فيهم و هم يعظّمونه لما سبق من شجاعته في الجاهلية، و كان يوم اليرموك قد مرّ له من العمر مائة و عشرون سنة إلا أن همة الشجاعة فيه متيقظة. قال: فلمّا نظر إلى قومه قد انكشفوا صاح فيهم: يا آل زبيد!يا آل زبيد!أ تفرّون من الأعداء أ ترمون أنفسكم بالعار و الذلة و الشنار؟فما هذا الانزعاج من كلاب أعلاج؟أما علمتم أنّ اللّه يطلع على المجاهدين الصابرين. فإذا نظر إليهم قد لزموا الصبر في مرضاته و ثبتوا لقضائه أمدّهم بنصره و أيدهم به، فأين تهربون من الجنة؟أرضيتم بالعار و غضب الجبار[و دخول النار][ (4) ].

فلما سمعت زبيد كلام سيدها عمرو بن معدي كرب الزبيدي تراجعوا[ (5) ]إليه كعطفة الأم، و اجتمعوا من حوله و حملوا على الروم حملة واحدة، و حملت معهم حمير و حضرموت و خولان، فأزالوا الروم عن مواضعهم، و حملت دوس على المشركين مع قيس بن هبيرة[ (6) ]، فهزّ رايته و جعل يحرّض الناس على القتال‏[ (7) ]هذا و دوس حملت حملة و دارت الحرب كما تدور الرحى و تكاثفت جموع الروم على [ (1) ]عن الأزدي و الواقدي.

[ (2) ]عند الأزدي: المعسكر.

[ (3) ]عند الأزدي: «و لم تنكشف» . و سياق الخبر يظهر انكشافهم و انظر الواقدي 1/205.

[ (4) ]عن الواقدي.

[ (5) ]عند الواقدي: رجعوا إليه و عطفوا عليه عطفة الإبل على أولادها.

[ (6) ]عند الواقدي 1/206 مع أبي هريرة.

[ (7) ]انظر مقالته عند الواقدي 1/206 و الأزدي ص 225.

202

المسلمين على ميمنتهم، فألقوهم إلى القلب، فصبر لهم المسلمون صبرا عظيما.

قال: و دفعت عليهم كتيبة أخرى فانهزمت ميمنة المسلمين راجعة على أعقابها و الخيل ناكصة بأذنابها، فخرجت راجعة مكسورة على رأسها و نظرت النسوان إلى خيول المسلمين منهزمة فنادت النساء: يا بنات العربيات!دونكن و الرجال، ردّوهم عن الهزيمة و الكسرة!.

قالت سعداء[ (1) ]بنت عاصم الخولاني: كنت مع النساء يومئذ على التلّ، فلما انكسرت الميمنة صاحت بنا لبني بنت جرير الحميرية[ (2) ]و كانت من المترجلات البازلات، نادت بالنساء: يا بنات العربيات!دونكن و الرجال، فاحملن أولادكن على أيديكن، و استقبلتهن بالصياح و التحريض. قال: فأقبلت النساء يرمين الدوابّ بالحجارة، و جعلت ابنة العاص بن منبه تنادي: قبّح اللّه وجه رجل يفر عن خليلته! و جعلت النساء يقلن لبعولتهن: لستم لنا ببعول إن لم تمنعوا عنّا الأعلاج.

قال: و كانت خولة بنت الأزور و خولة بنت ثعلب‏[ (3) ]الأنصاري و لعوب‏[ (4) ]بنت مالك بن عاصم و سلمى بنت هاشم و نعيمة[ (5) ]بنت فياض و هند بنت عتبة بن ربيعة و ابانة[ (6) ]بنت جرير الحميرية و هي أمام النساء و المزاهر معهن و هنّ يقلن هذه الأبيات:

يا هاربا عن نسوة ثقات # لهم‏[ (7) ]جمال و لهم‏[ (7) ]ثبات

تسلمهم طرا إلى الهنات # تلك نواصيهم‏[ (8) ]مع البنات

أعلاج سوء فسق عتات # ينلن منا أعظم الشيات‏

[ (9) ] [ (1) ]عند الواقدي 1/206: سعيدة.

[ (2) ]عند الواقدي: عفيرة بنت غفار.

[ (3) ]الواقدي: ثعلبة الأنصارية. و هي خولة بنت ثعلبة بن مالك بن الدخشم (في الإصابة: الأجشم) .

[ (4) ]الواقدي: كعوب.

[ (5) ]الواقدي: نعم.

[ (6) ]الواقدي: لبنى.

[ (7) ]الواقدي 1/206 لها.

[ (8) ]الواقدي: تسلموهن إلى... تملك نواصينا.

[ (9) ]الواقدي: الشتات. و عند الأزدي ص 223.

يا هاربا عن نسوة تقيأت # رميت بالسهم و بالمنيات

فعن قليل ما ترى سبيات # غير حظيات و لا رضيات‏

203

قال: و جعلن يحرّضن على القتال، فرجع المسلمون رجعة عظيمة عند ما سمعوا من تحريض النساء.

قال: و صرخت هند بنت عتبة و في يدها مزهرها بين الصفّين تحرّض المسلمين على القتال و هي تقول الشعر الذي قالته في يوم أحد و هي هذه الأبيات:

نحن بنات طارق # نمشي على النمارق

مشي القطا الموافق # أن تقبلوا نعانق

أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق

كلّ كريم عاشق # يحمي عن العواتق‏

تعني بقولها «بنات طارق» النجم زحل، و تقول في قولها: نحن المخدرات اللواتي لا نبرز من البيوت إلا بالفسق.

ثم استقبلت خيل ميمنة المسلمين فرأتهم منهزمين فصاحت بهم: إلى أين تفرّون من اللّه و جنته و هو مطّلع عليكم؟و نظرت إلى أبي سفيان و هو منهزم فضربت وجه حصانه بعمودها، و قالت: إلى أين يا ابن صخر؟ارجع إلى القتال و ابذل مهجتك حتى يمحص اللّه عنك ما سلف من تحريضك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. قال الزبير بن العوام: لما سمعت كلام هند لأبي سفيان ذكرت يوم أحد و نحن بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هي تحرّض المشركين بهذا الشعر على قتال المسلمين، فتعجبت من ذلك و قلت: لك الحمد، اللّهم تفعل ما تشاء، سبق علمك في خلقك و لا يعلم الغيب غيرك. قال: فعطف أبو سفيان عند ما سمع من كلامها و عطف المسلمون معه و نظروا النساء قد حملن معه، فلقد رأيتهن و هنّ يسابقن المسلمين و هنّ بين أرجل الخيل، و لقد رأيت الامرأة تقبل إلى العلج العظيم و هو على فرسه متعلق به فلا تفارقه حتى تنكسه عن الجواد ثم تقتله، و تقول: هذا بيان نصر اللّه. قال الزبير:

فحمل و اللّه المسلمون حملة صعبة لا يريدون بها غير وجه‏[ (1) ]اللّه عزّ و جلّ، و قاتلت الأزد مع أبي هريرة رضي اللّه عنه قتالا شديدا حتى فشا فيهم القتل فأصيب منهم خلق كثير إلا أنهم لقوا الصدمة بأنفسهم، فاستشهد منهم ما لم يستشهد من غيرهم من القبائل.

[ (1) ]عند الواقدي 1/207 رضا اللّه.

204

قال سعيد بن زيد بن عمرو: كان القتال في الميمنة شديدا، ننهزم مرة و نعود ساعة و نصبر ساعة[و]نتأخر.

قال: فنظر خالد بن الوليد إلى الميمنة و قد مالت إلى القلب، فصاح بمن معه من الخيل و مال عليها و هو في زهاء ستة آلاف فارس فكبر و كبروا و حملوا على الروم، فأنكى فيهم خالد نكاية عظيمة حتى كشف أعداء اللّه المشركين عن الميمنة و القلب إلى مواضعها من قومه دون خمسمائة فارس، و جعل يحمل حملات متداركات و يضرب ضربات هائلات‏و هو ينادي‏[ (1) ]: يا أهل الإيمان‏[ (2) ]!أ فرارا من الموت؟ الصبر الصبر!فتراجع أصحابه‏[ (3) ]إليه و حمل عند رجعتهم على الأرمن فردّهم على أعقابهم، و جعلوا يضربون وجوههم بالسيوف، و يطعنون فيهم بالرماح و يرشقونهم بالنبال حتى أصابوهم.

ثم رجع شرحبيل إلى مكانه و دار[ (4) ]به أصحابه و أقبل بعضهم على بعضهم يقولون: ما لكم حتى انهزمتم أمام هولاء الكفرة و أنتم البررة أهل القرآن و عباد الرحمن؟أما سمعتم قول اللّه في كتابه العزيز وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ فَقَدْ بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ [ (5) ]الآية.

قال: و نظر قيس بن هبيرة إلى خيل شرحبيل قد ارتجفت‏[ (6) ]، فخرج فيمن معه و حمل على العدو و هو ينادي بشعاره، فسمع خالد بن الوليد شعار قيس و أصحابه، فخرج خالد من وراء الجموع و نادى هو و أصحابه بشعارهم-و كان شعارهم: يا نصر اللّه انزل!يا نصر اللّه انزل!و كان هذا شعار المسلمين يوم أحد، و حمل خالد على الروم من ذات الشمال، فقتل منهم مقتلة عظيمة و جال المسلمون في الروم جولة منكرة، فلله در الزبير بن العوام و هاشم‏[بن المرقال‏]و خالد بن الوليد[لقد]حملوا حملة شديدة حتى قربوا من سرادق ماهان و خيامه.

[ (1) ]جاء نداء خالد بن الوليد بعد ما نظر إلى فرسانه و رآهم متبددين. انظر نداءه عند الواقدي 1/207.

[ (2) ]كذا بالأصل، و هذا النداء عند الواقدي هو لشرحبيل بن حسنة نادى به لما حمل عليه و على أصحابه جرجير الأرمني في ثلاثين ألفا (فتوح الشام للواقدي 1/213) .

[ (3) ]أي أصحاب شرحبيل (الواقدي) و هذا ما يوضحه سياق الفقرة التالية.

[ (4) ]بالأصل: و داروا.

[ (5) ]سورة الأنفال: الآية 16.

[ (6) ]الواقدي: تراجعت. ـ