الفتوح - ج1

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
266 /
205

فلمّا نظر ماهان إلى ذلك ولّى هاربا عن سريره و صاح بالروم و عنفهم، فرجعوا يطلبون القتال، و صاح أبو عبيدة بسعيد بن زيد فحمل بمن معه و هم ينادون:

لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، يا منصور أمت!يا نصر اللّه انزل!و حملوا عليهم بأجمعهم حملة واحدة، و قد أنزل اللّه تعالى نصره على المسلمين و أقبلوا يقتلون في الروم قتلا ذريعا، فبينا الناس في حملتهم إذ سمعوا قائلا يقول: يا نصر اللّه انزل!يا نصر اللّه و انزل و اقرب!أيها الناس الثبات!.

قال عامر بن مسلم‏[ (1) ]: فتأملنا فإذا به أبو سفيان تحت راية ابنة يزيد و شدّت الأمراء بأجمعهم على من يليهم، و قاتلوا قتالا شديدا، و لم يكن في الروم أثبت من أصحاب السلاسل فإنهم ثبتوا في أمكنتهم يبتغون‏[ (2) ]من أتاهم، و أما الرماة من الأرمن فإنهم كانوا في القلب من عساكر الروم و هم مائتا ألف‏[ (3) ]، و كانوا إذا رشقوا سهامهم نحو العرب يسترون الشمس، فلو لا نصر اللّه و المعونة منه لكان المسلمون قد هلكوا، و انفصل المسلمون فرحين بالنصر. و قد هلك من المشركين أكثرهم.

فلمّا أصبح الصباح اصطفّ الفريقان للقتال، و كان المسلمون أسبق، فخرج من الروم فارس فخرج إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز من الروم ثان و ثالث و رابع فقتلهم.

فقال خالد لأبي عبيدة[ (4) ]: إن الزبير قد جرد نفسه للقوم حبّا في اللّه و رسوله و إنا نخاف عليه، فصاح أبو عبيدة بالزبير و حلف عليه أن يرجع، فرجع إلى مكانه، و خرج خامس من الروم فخرج إليه خالد بن الوليد فقتله-و كان ملك الروسية[ (5) ]- و أخذ سلبه و تاجه و صليبه و درعه و عصابته، فقوّم الجميع فكان بخمسة عشر ألف درهم. قال: و أخبر ماهان بذلك، فغضب غضبا شديدا و قال: هذان ملكان قد قتلا، و إني أظن أن المسيح لا ينصرنا، ثم إنه أمر الرماة من الروم أن يرموا على المسلمين يدا واحدة، فرموا سهامهم و أطلقوها نحو المسلمين مائة ألف سهم من [ (1) ]الواقدي 1/214: أسلم.

[ (2) ]الواقدي: يمنعون.

[ (3) ]الواقدي: مائة ألف.

[ (4) ]الواقدي 1/216.

[ (5) ]و كان زوج بنت ملك اللان، و قد قتله ضرار؟ (الواقدي 1/216-217) .

206

كبدة واحدة، فكانت تقع كسقوط البرد في عسكر المسلمين من السماء و كالوابل المتدارك، و كثر القتل في المسلمين و الجراح و عور من المسلمين سبعمائة عين، و سمي ذلك اليوم يوم التعوير، و كان ممن أصيب بعينه ذلك اليوم المغيرة بن شعبة و سعيد بن زيد و بكير بن عبد اللّه و أبو سفيان و راشد بن سعد[ (1) ]، هؤلاء المقدمون و باقي سبعمائة من المسلمين، و كان الرجل يلتقي بالرجل بعد ذلك اليوم فيقول له:

ما الذي أصابك في عينك؟فيقول الآخر: لم تقول: مصيبة؟بل قل: منحة[ (2) ]من اللّه عزّ و جلّ.

قال: و عظم وقع السهام في المسلمين حتى ما كنت تسمع إلا من يصبح:

وا عيناه! وا حدقتاه!و اضطرب المسلمون اضطرابا شديدا و نفضت العرب أعنة خيلها راجعة على أعقابها، و نظر ماهان إلى اضطراب المسلمين فحرّض الرماة و زحف نحو المسلمين، و زادت الرماة في رميها، و زحفت المسلسلة بحديدها و البيارق تلمع في أكف الرجال كأنها قبس النيران.

قال عامر[ (3) ]: فنظرت جيوش الروم نحونا سائرة و فرسان المسلمين متأخرة، فقلت: لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه، اللّهم أنزل علينا نصرك و صبرك الذي نصرتنا به في المواطن كلها!ثم صحت في رجال حمير: أ تهربون من الجنّة إلى النار؟ما هذا الفرار؟أما تخافون العار؟و جعلت أهتف بقبائل العرب و كلّ قد شغل بنفسه، فجعلت أكثر من قول: لا حول و لا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم، فما كان غير بعيد حتى نزل النصر من السماء، و كان المسلمون قد أقبلوا[ (4) ]راجعين نحو النساء، و لم يثبت قدام المشركين غير أصحاب الرايات.

قال عبد اللّه بن قرط الأزدي: شهدت قتال الشام كلّه فلم أشهد في يوم اليرموك أشدّ من يوم التعوير، و قد رجعت خيل المسلمين على أعقابها و قاتلت الأمراء بأنفسها و الرايات في أيديها، فقلت في نفسي: و كم جهد ما يقاتل هؤلاء الأمراء و هم في نفر يسير حتى أسعدنا اللّه بحملة النساء اللاتي شهدن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [ (1) ]الواقدي: سعيد.

[ (2) ]الواقدي: محنة.

[ (3) ]يريد عامر بن مسلم (أسلم) و قد تقدم. و عند الواقدي 1/217: عبادة بن عامر.

[ (4) ]الواقدي: انقلبوا.

207

المواطن‏[ (1) ]، قال: و تراجع المسلمون إلى القتال حين نظروا إلى النساء يقاتلن قتال الموت‏[ (2) ]، فللّه در النساء يوم اليرموك!و كانت وقعة اليرموك في رجب سنة ستة عشرة من الهجرة[ (3) ].

قال: و لم تزل الحرب من أوّل النهار إلى أن دخل الليل و أبو عبيدة يقاتل برايته و الأمراء يفعلون كفعله و انفصل بعضهم عن بعض.

قال: فلمّا طلعت الشمس صفّ أبو عبيدة أصحاب الرايات و عبى عسكره تعبية حسنة.

قال: و برز جرجيس‏[ (4) ]و دعا بالبراز و قال: لا يبرز إليّ إلاّ أميركم!فسمعه أبو عبيدة فسلم الراية إلى خالد بن الوليد و قال له: أنت لها، فإن عدت أنا من قتال هذا الكافر فالراية لي، و إن هو قتلني الراية لك‏[ (5) ]، فقال خالد: أنا أقاتله دونك، فقال أبو عبيدة: لست أفعل ذلك و لا بدّ لي من الخروج إليه و أنت شريكي في الأجر، و برز أبو عبيدة و المسلمون كارهون ذلك فلم يفعل، فلمّا قرب منه قال له: أنت أمير الجيش؟قال: نعم، فدونك و الحرب، فما بقي لهزيمتكم إلا القليل ثم أقتلك و أقتل ماهان بعدك، ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه و طال بينهما القتال، فولّى الكافر بين يدي أبي عبيدة فتبعه و هو واثق بالنصر و السلامة، فعند ذلك عطف عليه كالبرق الخاطف، و التقيا بضربتين فكان أبو عبيدة أسبق بالضربة فوقعت على عاتقه [ (1) ]الواقدي: المشاهد.

[ (2) ]و من النساء اللاتي خرجن يقاتلن: خولة بنت الأزور و أم حكيم بنت الحرث و سلمى بنت لؤي و أسماء بنت أبي بكر (عن الواقدي 1/218) و ذكر الطبري 3/401 أن النساء قاتلن يوم اليرموك في جولة، فخرجت جويرية بنت أبي سفيان و أصيبت بعد قتال شديد.

[ (3) ]كذا بالأصل. و ذكر سيف بن عمر يوم اليرموك سنة 13 قبل فتح دمشق و تبعه على ذلك الطبري ثم تبعه ابن الأثير. و قال ابن كثير: و أما ابن عساكر فإنه نقل عن ابن أبي عبيدة و الوليد و ابن لهيعة و الليث و أبي معشر أنها كانت سنة 15 بعد فتح دمشق. و قال ابن إسحاق كانت في رجب سنة 15، و قال خليفة بن خياط: قال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك الاثنين لخمس مضين من رجب سنة 15. قال ابن عساكر: و أما ما قاله سيف من أنها كانت قبل فتح دمشق سنة 13 فلم يتابع عليه. و انظر فتوح البلدان ص 142 و تاريخ اليعقوبي 2/141.

[ (4) ]الواقدي: جرجير.

[ (5) ]زيد عند الواقدي: حتى يرى عمر رأيه.

208

الأيسر[و]خرجت من‏[ (1) ]عاتقه الأيمن، فعند ذلك كبّر المسلمون، و ناداه خالد:

للّه درّك أيّها الأمير!ارجع إلى رايتك فقد قضيت ما عليك، فلم يرجع فأقسم عليه المسلمون أن يرجع إلى مقامه فرجع و أخذ الراية من خالد.

فنظر ماهان إلى جرجيس‏[ (2) ]قد قتل فعظم عليه ذلك، فصاح بقومه و جمعهم إليه و قال: اعلموا أني ما تركت جهدا في نصرة هذا الدين و قد حاميت جهدي، و ما أقدر أغالب ربّ السماء، لأنّه قد نصر العرب علينا و ملّكهم بلادنا، فما لي وجه أرجع به إلى هرقل حتى أني أخرج إلى الحرب بنفسي و قد عزمت أن أسلّم الصليب إلى أحدكم و أبرز إلى قتال المسلمين، فإن قتلت استرحت من العار و من توبيخ الملك‏[ (2) ].

قال: و برز ماهان فخرج إليه رجل من دوس‏[ (3) ]فقتله ماهان، و خرج إليه ثان فقتله، و جال ماهان و قوي قلبه و دعا بالبراز، فسارع المسلمون إليه و كلّ يقول:

اللّهم اجعل قتله على يدي!فكان أوّل من برز إليه مالك النخعي ثم حاوله في ميدان الحرب، فقال له ماهان: أنت صاحبي خالد بن الوليد؟قال: لا، أنا مالك النخعي صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فحمل على مالك، ضربه بعموده على بيضته فغاصت البيضة في جبهته فشترت عينه، فمن ذلك اليوم سمي «الأشتر» و كان من فرسان العرب المذكورة، فصبر نفسه و حمل على ماهان و الدم يسيل من جبهته، و أخذته أصوات المسلمين فقوي عزمه. قال مالك: فاستعنت عليه باللّه عزّ و جلّ و صلّيت على محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم و ضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعا غير موهن، فلمّا حسّ بحرارة الضربة ولى منهزما، فصاح خالد بالمسلمين: يا أهل الصبر[ (4) ] و البأس!احملوا على القوم ما داموا في دهشتهم، ثم حمل خالد و من معه و حملت الأمراء بمن معهم و تبعهم المسلمون بالتكبير و التهليل، فصبرت لهم الروم بعض الصبر و غابت الشمس و انكشفت الروم منهزمة و أخذهم السيف من ورائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة زهاء مائة ألف، و أسروا أربعين ألفا، و غرق منهم في الماء غوصة [ (1) ]الواقدي: من علائقه.

[ (2) ]زيد عند الواقدي 1/224 و إن رزقت النصر و أثرت في المسلمين أثرا و رجعت سالما علم الملك أني لم أقصر عن نصرته... ثم دعا بابن له فدفع إليه الصليب.

[ (3) ]عند الواقدي: من الأوس.

[ (4) ]عند الواقدي: النصر.

209

أمم لا تحصى، و تمزقوا[ (1) ]في الجبال و الأودية و خيول المسلمين تأخذهم يقتلون و يأسرون حتى مضى من الليل جزء كبير، فنادى أبو عبيدة في الناس أن يتراجعوا، فتراجعوا و قد امتلأت أيديهم من الغنائم و الأسارى و آنية الذهب و الفضة و النمارق و السرادقات و جمعت الغنائم و بات المسلمون فرحين بنصر اللّه عزّ و جلّ.

فلما أصبحوا فلم يجدوا من الروم أحدا، فأراد أبو عبيدة أن يحصي عدد القتلى من الروم، فلم يقدر[أن‏]يحصي ذلك إلا بالقصب، فأمر بقطع القصب، و جعل على كل ألف قصبة، و عدّ القصب فكان عدد القتلاء مائة ألف و خمسة آلاف‏[ (2) ]، و أسروا أربعين ألفا. و قتل من المسلمين المجاهدين رحمة اللّه عليهم أجمعين أربعة آلاف‏[ (3) ]و نيف، ثم أمر بها فجمعت، و قدموا بين يديه فصلى عليهم و دفنوا-رحمهم اللّه-.

و انبثّ المسلمون في الجبال و الأودية يطلبون الروم، فإذا هم براع قد استقبلهم، فقالوا له: هل مر بك أحد من الروم؟قال: نعم مربي بطريق و معه زهاء أربعين ألف فارس-و كان ذلك ماهان-، فأتبعه خالد بن الوليد، فأدركهم على حمص‏[ (4) ]، فلما أشرف عليهم كبر و كبر المسلمون معه و حمل عليهم و وضع فيهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، و كان ماهان قد ترجل عن جواده و قال إنه سيسلم، فأقبل إليه رجل من المسلمين بالسيف، فمانع عن نفسه فقتله الرجل- فكان القاتل لماهان النعمان بن جلهمة[ (5) ]الأزدي، و قيل عاصم بن جوال اليربوعي، و قد اختلفوا فيه فاللّه أعلم.

و بلغ الخبر إلى أبي عبيدة أن خالد بن الوليد نزل حمص، فسار بمن معه حتى التقى بخالد فأخبره بما تم له و قتل ماهان، و بشر المسلمون بعضهم بعضا بالسلامة.

و كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب فأخبره بذلك‏[ (6) ]، و أنه قد قسم الغنائم و أخرج [ (1) ]في الواقدي: و تفرق منهم.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 141 زهاء سبعين ألفا.

[ (3) ]في الطبري 3/402 و ابن الأثير 2/72 ثلاثة آلاف.

[ (4) ]عند الواقدي 1/226 على دمشق.

[ (5) ]عند الواقدي: جهلة.

[ (6) ]قارن مع نسخة للكتاب في كل من فتوح الشام للأزدي ص 243-244 و فتوح الشام للواقدي 1/226-

210

الخمس، و هو منتظر أمر أمير المؤمنين.

فلما قدم الكتاب على عمر سجد شكرا للّه تعالى، و كذلك المسلمون شكروا للّه رب العالمين على ذلك، ثم دعا عمر بن الخطاب بدواة و بياض و كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح كتابا[ (1) ]: أما بعد، إذا وصل إليك كتابي هذا فاشكر للمسلمين صبرهم و فعالهم، و أقم بموضعك حتى يأتيك أمري-و السلام.

قال: و أصاب الفارس من الذهب الأحمر أربعة و عشرين ألفا و الراجل ثمانية آلاف، و كذلك من الفضة، و أعطي الهجين سهما و العربي سهمين.

قال: و لمّا هزم اللّه عزّ و جلّ الروم في وقعة اليرموك و بلغ ذلك هرقل قال: قد علمت أن الأمر يجي‏ء إلى هذا، ثمّ أقام ينتظر ما يكون من المسلمين.

ثمّ رجعنا إلى ما كان من أمر العراق‏

قال: و اجتمعت الفرس بجلولاء في ثمانين ألف فارس و عزموا على المسير إلى سعد بن أبي وقاص، فبلغه ذلك، فعندها جمع أمراءه و استشارهم فيما يصنع فأشاروا عليه بالمسير إليهم و محاربتهم، ففكّر في ذلك و أقبل عليهم و قال لهم:

اعلموا و اللّه أنّي عازم على ذلك إلا أني في جمع قليل و الفرس في ثمانين ألفا و أنا و اللّه أتّقي عليكم منهم. فقال عمرو بن معديكرب: أيّها الأمير!فإنّا لا نحبّ أن تتقي علينا فإن الذي نصرنا عليهم بالأمس هو الذي ينصرنا عليهم اليوم!و قد بلغنا أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح و أمره أن يمدّنا بجيش و نحن عنه مستغنون، و قد علمنا أنّ اللّه عز و جلّ إذا كتب على قوم القتل فلا بدّ لهم ممّا كتب لهم، و إن كتب الموت على قوم فهم يموتون، فلسنا نشكّ أن القتل في سبيل اللّه أفضل من الموت على وثير الفرش، فطوبى لمن قتل في سبيل اللّه صابرا يريد بذلك ما عند اللّه من الثواب الجزيل! قال: فإذا بمكشوح المرادي قد قدم عليهم من عند سعد في ألفي فارس، و هشام بن عتبة بن أبي وقاص في ثلاثة آلاف فارس، و حجر بن عدي الكندي في [ () ] 227 و الوثائق السياسية وثيقة 353/بب و أرسل الكتاب مع حذيفة بن اليمان (الواقدي-اليعقوبي 2/ 141) .

[ (1) ]نسخة الكتاب في فتوح الشام للأزدي ص 244 فتوح الشام للواقدي 1/227 باختلاف النصوص.

211

ألفي فارس، و المنذر بن حسان الضبي في ثلاثة آلاف فارس، و جرير بن عبد اللّه في أربعة آلاف فارس، قال: و صار المسلمون بجلولاء في أربعة و عشرين ألفا و يزيدون.

قال: و تحرّشت الفرس بالمسلمين و طلبوا الحرب، و كتب سعد بن أبي وقاص إلى ابن أخيه هاشم بن عتبة فجعله أمير المسلمين و أمر أصحابه بمحاربة الفرس.

قال: فعندها وثب هاشم بن عتبة فعبّى أصحابه‏[ (1) ]، فكان على ميمنته جرير بن عبد اللّه البجلي، و على ميسرته حجر بن عدي الكندي، و على الجناح المكشوح المرادي، و جعل عمرو بن معديكرب على أعنة الخيل، و طلحة بن خويلد الأسدي على الرجالة.

قال: و عبّت الفرس جيوشها، فكان على ميمنتهم رجل من قواد الأعاجم يقال له خرزاذ بن وهرز[ (2) ]، و على ميسرتهم فيروز بن خسرو، و في القلب الهرمزان بن أنو شروان صاحب بلاد الأهواز.

قال: و دنا القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا في موطن بمثله من مواطنهم التي سلفت، و ذلك أنهم رموا بالسهام حتى أنفدوها، و تطاعنوا بالرماح حتى قصفوها، ثم صاروا إلى السيوف و العمد[ (3) ]فاقتتلوا بها من وقت الضحى إلى أن زالت الشمس و حضر وقت الصلاة فلم تكن الصلاة في ذلك اليوم إلا بالتكبير و الإيماء نحو القبلة.

قال: و نظر هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى رجل من المسلمين يقال له سعد بن عبيد الأنصاري و قد فصل من الصف فقال له: ما وقوفك يا سعد؟فقال:

أيها الأمير!وقوفي و اللّه اني أفكر في فعلة فعلتها يوم الجسر يوم قتل أبو عبيد بن مسعود الثقفي أنا نادم عليها و ذلك أني فررت يومئذ من الزحف و قد عزمت اليوم أن أجعل توبتي من فراري. أن أشتري للّه نفسي فلعله تبارك و تعالى أن يتجاوز عني ما [ (1) ]قارن مع رواية الطبري 4/180 و ابن الأثير 2/144 و فتوح البلدان ص 264 و البداية و النهاية 7/ 79.

[ (2) ]في الطبري 4/181 خرزاذ بن خرهرمز و كان على خيل الأعاجم. و في فتوح البلدان ص 264 و على الأعاجم خرزاذ أخو رستم.

[ (3) ]في الطبري 4/181 و الطبرزينات.

212

قد مضى قال: ثم تقدم بسيفه نحو الفرس فقاتل قتالا عجب منه الفريقان جميعا فلم يزل كذلك حتى قتل منهم جماعة و قتل-رحمة اللّه عليه-.

قال: ثم أقبل جرير بن عبد اللّه البجلي على بني عمه فقال: يا معشر بجيلة! اعلموا أن لكم في هذه البلاد إن فتحها اللّه عليكم حظا سنيا، فاصبروا لقتال هؤلاء الفرس التماسا لإحدى الحسنيين: إما الشهادة فثوابها الجنة، و إما النصر و الظفر ففيهما الغنى من العيلة، و انظروا، لا تقاتلوا رياء و لا سمعة، فحسب الرجل خزيا أن يكون يريد بجهاده حمد المخلوقين دون الخالق، و بعد فإنكم جربتم هؤلاء القوم و ما رستموهم و إنما لهم هذه القسي المنحنية و هذه السهام الطوال، فهي أغنى سلاحهم عندهم، فإذا رموكم بها فتترسوا، و الزموا الصبر و صابروهم، فواللّه إنكم الأنجاد الأمجاد الحسان الوجوه في اقتحام الشدائد!فاصبروا صبرا يا معشر البجيلة! فواللّه إني لأرجو أن يرى المسلمون منكم اليوم ما تقرّ به عيونهم!و ما ذاك على اللّه بعزيز، ثم أنشأ جرير في ذلك يقول-شعر:

تلكم بجيلة قومي إن سألت بها # قادوا الجياد و فضّوا جمع مهران

و أدركوا الوتر من كسرى و معشره # يوم العروبة و تر الحي شيبان

فسائل الجمع جمع الفارسي و قد # حاولت عند ركوب الحي قحطان

عز الأولى كان عزا من يصول بهم # و رمية كان فيها هلك شيطان

كان الكفور و بئس الفرس أن له # آباء صدق نموه غير ثبيان‏

قال: ثم حمل جرير بن عبد اللّه على جميع أهل جلولاء فلم يزل يطاعن حتى انكسر رمحه و جرح جراحات كثيرة فأنشأ بعض بني عمه يقول في ذلك-شعر:

تواكلت الأمور فلم تواكل # أخو النجدات فارسها جرير

جرير ذو الغنى‏[و]بما تولى # أحق إذا تقسمت الأمور

أغاث المسلمين و قد تواصوا # و قدر الحرب حامية تفور

أبا حفص سلام اللّه منا # عليك و دوننا بلد شطير

حمدنا فعل صاحبنا جرير # و لم نحمد لك الوالي العطير

فلا تغفل بجيلة إن فيها # دواء الداء و الحبر الكبير

قال: و تقدم رجل من المرازبة يقال له رستم الأصغر حتى وقف بين الجمعين فجعل يقاتل أشد القتال، قال: و انبرى له رجلان من المسلمين أخوان: أحدهما

213

يقال له عوام و الآخر يقال له زهير ابنا عبد شمس‏[ (1) ]، قال: فحملا عليه و حمل عليهما فجاولهما في ميدان الحرب ساعة ثم داخله زهير فطاعنه، فطعنه طعنة أثخنه منها، حتى كاد رستم أن يسقط عن فرسه، ثم جال زهير في ميدان الحرب ساعة و هو يرتجز و يقول:

أنا زهير و ابن عبد شمس # طعنت ذا التاج رئيس الفرس

رستم ذا الثروة و الدمقس # فقد شفيت اليوم منه نفس‏

قال: و جعل رستم يجول في ميدان الحرب فمرة يحمل على زهير و مرة يحمل على عوام. قال: و نظر إلى ذلك رجل من المسلمين يقال له جابر بن طارق النخعي، فخرج إلى زهير و العوام ليعينهما على رستم، قال: و نظر رستم إلى جابر بن طارق فحمل عليه، و صاح زهير بجابر بن طارق: إليّ إليّ يا ابن عم!لا تنفرد لهذا الكلب فيقتلك، قال: و جعل رستم يجول على هؤلاء الثلاثة في ميدان الحرب، فكلما حمل على واحد حمل عليه اثنان. قال: ثم اعتوره زهير و العوام و حمل عليه جابر بن طارق النخعي فضربه ضربة على تاجه فقدّ التاج و هامته فخر رستم صريعا، ثم نزلوا إليه فسلبوه، و كانت قيمة سلبه ألف دينار، و أنشأ جابر بن طارق يقول في ذلك-شعر:

دعاني زهير و الفوارس ترتمي # إليّ إليّ يا ابن عم فهل ترى

فقلت له لبيك عند دعائه # أتيتك أني قاصد دونك العرى

بنفسي أني لا أبالي بحتفها # بنفسك فاقصد عامدا حيث انتهى

و اضربه بالسيف قمة رأسه # فخر صريعا في العجاجة قد هوى‏[ (2) ]

فغادرته عيدا لطير سواغب # و جالت بنا خيل و ذو الغدر قد مضى

فذاك رئيس الفرس رستم سل به # زهيرا و عواما و جابر ذا النهى‏

قال: فبينما المسلمون كذلك في أشد ما يكون من الحرب و ذلك في وقت العصر إذا هم بكتيبة للفرس جامة حسناء قد خرجت إليهم، فكأن الناس هالتهم تلك [ (1) ]أشرنا سابقا إلى رواية اليعقوبي 2/145 أن فيمن قتل رستم يوم القادسية زهير بن عبد شمس و هو ابن أخي جرير بن عبد اللّه (انظر صفحة 169 حاشية رقم 1) .

[ (2) ]العجاجة: الغبار.

214

الكتيبة فاتقوها، فقال عمرو بن معدي كرب: يا معشر المسلمين!لعله قد هالتكم هذه الكتيبة؟قالوا: نعم و اللّه يا أبا ثور لقد هالتنا!و ذلك أنك تعلم أنا نقاتل هؤلاء القوم من وقت بزوغ الشمس إلى وقتنا هذا، فقد تعبنا وكلّت أيدينا و دوابنا و كاعت رجالنا و قد و اللّه خشينا أن نعجز عن هذه الكتيبة إلا أن يأتينا اللّه بغياث من عنده أو نرزق عليهم قوة و نصرا. قال: فقال عمرو: يا هؤلاء!إنكم إنما تقاتلون عن دينكم و تذبون عن حريمكم و تدفعون عن حوزة الإسلام، فصفوا خيولكم بعضها إلى بعض و انزلوا عنها و الزموا الأرض‏ وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا ، فإنكم بحمد اللّه صبراء في اللقاء، ليوث عند الوغى، و هذا يوم كبعض أيامكم التي سلفت، و و اللّه إني لأرجو أن يعز اللّه بكم دينه و يكبت بكم عدوه. قال: ثم نزل عمرو عن فرسه و نزل معه زهاء ألف رجل من قبائل اليمن، ما فيهم إلا فارس مذكور، و نزل معه أيضا من كان‏[من‏]قومه و عشيرته. قال: ثم تقدم عمرو حتى وقف أمام المسلمين شاهرا صمصامته‏[ (1) ]و قد وضعها على عاتقه و هو يقول-شعر:

لقد علمت أقيال مذحج أنني # أنا الفارس الحامي إذا القوم أضجروا

صبرت لأهل القادسية معلما # و مثلي إذا لم تصبر الناس يصبر

و طاعنتهم بالرمح حتى تبددوا # و ضاربتهم بالسيف حتى تكسروا

بذلك أوصاني أبي و أبو أبي # بذلك أوصاه فلست أقصّر

حمدت إلهي إذ هداني لدينه # فللّه أسعى ما حييت و أشكر

قال: و حملت تلك الكتيبة الحامة على عمرو بن معديكرب الزبيدي و أصحابه فلم يطمعوا منهم في شي‏ء. قال: و حمل جرير بن عبد اللّه من الميمنة، و حجر بن عدي من الميسرة، و المكشوح المرادي من الجناح، و عمرو بن معديكرب من القلب، و صدقوهم الحملة فولوا مدبرين، و وضع المسلمون فيهم السيف، فقتل منهم من قتل، و انهزم الباقون حتى صاروا إلى خانقين‏[ (2) ]. و أمسى المسلمون فلم يتبعوهم‏[ (3) ]، لكنهم أقاموا في موضعهم حتى أصبحوا و أقبلوا حتى دخلوا جلولاء، [ (1) ]مر قريبا خبر الصمصامة (سيف عمرو بن معدي كرب) ، راجعه.

[ (2) ]خانقين: بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد.

[ (3) ]في الطبري 4/182 و ابن الأثير 2/145 سار القعقاع بن عمرو في طلب المنهزمين حتى بلغ خانقين.

215

فجعلوا يجمعون الأموال و الغنائم حتى جمعوا شيئا كثيرا لم يظنوا أنّه يكون هناك، قال: فقال رجل من المسلمين: رحم اللّه المثنى بن حارثة الشيباني!أما أنه لو كان حيا لقرت عيناه بهذا الفتح، فإني كنت أسمعه مرارا يقول: وددت أني قد رأيت فتح جلولاء و لو قبل موتي بيوم واحد!قال: فقال عبيد بن عمرو البجلي: نعم فرحم اللّه المثنى بن حارثة!إنه و إن كان قد مضى لسبيله لم تقر عينه بفتح جلولاء لقد قرت عيناه بالجنة إن شاء اللّه و قد قدم على ما قدم من الثواب الوافر، ثم أنشأ عبيد بن عمرو البجلي يقول في ذلك-شعر:

أبشر مثنى فقد لاقيت مكرمة # يوم التغابن لما ثوّب الداعي

سل أهل ذي الكفر مهرانا و أسرته # يوم البجيلة إذ خلوا عن القاع

و أسلموا ثم مهرانا ببلقعة # يوم العروبة مطروحا بجعجاع

و في جلولا أثرنا كل ذي بدع # بكل صاف كلون الملح لماع

في كف كل كريم الجد ذو حسب # حامي الحقيقة للأواء دفاع‏

قال: ثم رجع هاشم بن عتبة بغنائم جلولاء فوجه بها إلى المدائن إلى عمه سعد بن أبي وقاص.

ذكر مسير المسلمين بعد فتح جلولاء إلى خانقين و غيرها

قال: ثم سار المسلمون يريدون خانقين‏[ (1) ]و علمت الفرس بذلك فرحلوا من خانقين إلى قصر شيرين‏[ (2) ]فمروا بها و لم يقيموا حتى صاروا إلى حلوان و بها يومئذ يزدجرد ملك الفرس في جماعة من الأساورة و المرازبة، فلما بلغه هزيمة أصحابه بجلولاء و أنهم قد وافوه بحلوان دعا رجلا من قواده من الأعاجم يقال له منوشهر بن هرمزدان‏[ (3) ]فاستخلفه على حلوان ثم رحل فيمن كان معه من أصحابه هاربا حتى صار [ (1) ]قصر شيرين على ستة فراسخ من خانقين، بلد من نواحي السواد. و من قصر شيرين إلى حلوان ستة فراسخ.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 264 أتى جرير بن عبد اللّه خانقين و بها بقية من الأعاجم فقتلهم.

ثم تقدم القعقاع بن عمرو نحو قصر شيرين (الطبري 4/185) .

و وجه سعد جرير نحو حلوان في ثلاثة آلاف، ففتحها جرير صلحا (فتوح البلدان ص 299 و في الطبري 4/186 القعقاع بن عمرو) .

[ (3) ]في الطبري 4/185 و ابن الأثير 2/145 خسروشنوم.

216

إلى نهاوند[ (1) ]، فنزلها و أمر بخيله فنزلت بأرض همذان و ما والاها من نواحيها.

قال: و رحل المسلمون من جلولاء إلى خانقين فنزلوها يومهم ذلك، ثم رحلوا منها إلى قصر شيرين فنزلوها، و كتبوا إلى سعد بن أبي وقاص يستأذنونه في التقدم إلى حلوان و يحثونه على المصير إليهم ليكون لهم ملجأ و سندا يلجؤون إليه و يشاورونه في أمورهم، و قد كان سعد عليلا فتباطأ عنهم و لم يصر إليهم و كتب إليهم يأمرهم بالتقدم إلى حلوان‏[ (2) ].

قال: فغضب المسلمون لقعود سعد عنهم و إبطائه عن نصرتهم، ثم أنشأ إبراهيم بن حارثة الشيباني يقول في ذلك-شعر:

أما بال سعد خام عن نصر جيشه # لقد جئت يا سعد ابن زهرة منكرا

و أقسم باللّه العلي مكانه # لو أن المثنى كان حيا لأصحرا

و قاتل فيها جاهدا غير عاجز # و طاعن حتى يحسب الجون أحمرا

كشدّاته يوم البجيلة معلما # يريد بما يبلي الثواب الموفّرا

و ضارب بالسيف الحسام مقدّما # جموع الأعادي خشية أن يعيّرا

و لكن سعدا لم يرد أجر يومه # و لم يأتنا في يوم بأس فيعذرا

قال: فبلغت سعدا هذه الأبيات فكأنه تحرك للمسير على علته، ثم دعا سلمان الفارسي فاستخلفه على المدائن و أوصاه بحفظ الغنائم و صار فيمن معه من أصحابه حتى لحق بالمسلمين و هم يومئذ نزول بقصر شيرين فنزل معهم يومهم ذلك.

فلما كان من غد نادى في الناس بالرحيل إلى حلوان فرحل و رحل الناس معه، و بلغ ذلك منوشهر بن هرمزدان‏[ (3) ]المقيم بحلوان، فخرج عن حلوان هاربا حتى لحق بيزدجرد و هو في جميع أصحابه، و أقبل سعد بن أبي وقاص و على مقدمته جرير بن عبد اللّه البجلي‏[ (4) ]حتى دخل حلوان فأنشأ عبد اللّه بن قيس الأزدي يقول-شعر:

فأبلغ أبا حفص بأن خيولنا # بحلوان أضحت بالكماة تجمجم‏

[ (1) ]في الطبري: نحو الجبال، و في رواية: نحو الري، و في فتوح البلدان: هرب إلى ناحية أصبهان.

[ (2) ]انظر الصفحة السابقة الحاشية رقم 2.

[ (3) ]انظر ما جاء فيه قريبا.

[ (4) ]مر أن سعد أمر جريرا بالتوجه إلى حلوان و قد افتتحها صلحا على أن كف عنهم و أمنهم على دمائهم و أموالهم و جعل لمن أحب منهم الهرب أن لا يعرض لهم (فتوح البلدان ص 299) .

217

و نحن دهمناها صباحا بفيلق # جرير علينا في الكتيبة معلم

و نحن أبدنا الفرس في كل موطن # بجمع كمثل الليل و الليل مظلم

نقاتل حتى أنزل اللّه نصره # و سعد بباب القادسية معصم‏[ (1) ]

فابنا و قد أيمت نساء كثيرة # و نسوة سعد ليس فيهن أيم

أولئك قومي إن سمعت بمعشري # و موضع أيساري إذا نيل مغنم‏

قال: و احتوى سعد بن أبي وقاص على جميع ما كان للفرس بأرض حلوان، ثم دعا بالمكشوح المرادي فضم إليه عشرة آلاف رجل من المسلمين و وجه به إلى ماسبذان‏[ (2) ]و ما والاها، و وجه أيضا بخيل له في عشرة آلاف مع عروة بن زيد الخيل الطائي إلى شهرزور[ (3) ]و ما يليها، فغنم المسلمون غنائم كثيرة لا تحصى و رجعوا إليه في أسرع وقت و أعجله.

ذكر ما كان من زريب بن برثملا[ (4) ]و كلامه للمسلمين و نضلة بن معاوية الأنصاري‏

قال: ثم دعا سعد بن أبي وقاص برجل من الأنصار يقال له نضلة بن معاوية فضمّ إليه ثلاثمائة فارس و أمره بالغارة على جميع رساتيق حلوان، قال: فمضى نضلة حتى انحاز إلى رساتيق حلوان فلم يترك لهم باعثة و لا راعية إلا استاقها.

قال: فبينا المسلمون يسوقون الغنائم بين جبلين من جبال حلوان يريدون سعد بن أبي وقاص إذ حضرتهم الصلاة صلاة العصر، فصرفوا الغنائم إلى سفح الجبل، و تقدم نضلة بن معاوية يؤذن، فلما قال: اللّه أكبر اللّه أكبر!إذا بهاتف يهتف من الجبل و هو يقول: كبرت كبيرا يا نضلة!فلما قال: أشهد أن لا إله إلا [ (1) ]البيت و الذي يليه في الطبري 4/140 و فتوح البلدان ص 261 دون نسبة.

[ (2) ]عن الطبري 4/187 و فتوح البلدان ص 304 و بالأصل ماسنيدان خطأ. و هي عدة مدن بين جبال كثيرة و ماؤها يخرج إلى البند نيجين (معجم البلدان) و في الطبري و الكامل: ضرار بن الخطاب الفهري كان على الجيش، و في فتوح البلدان ص 304 فتح ما سبذان أبو موسى الأشعري.

[ (3) ]شهرزور: كورة واسعة في الجبال بين اربل و همذان (معجم البلدان) فتحها عتبة بن فرقد (الكامل لابن الأثير 2/202 و فتوح البلدان ص 329) .

[ (4) ]عن دلائل النبوة لأبي نعيم، و بالأصل: بر ثلثا، و في الإصابة: ثرملا. و قد صححت في كل المواضع.

218

اللّه!أجابه الهاتف يقول: أخلصت إخلاصا يا نضلة!فلما قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه!أجابه الهاتف و هو يقول: ذلك نبي الرحمة بعث لا نبي بعده، فلما قال: حي على الصلاة!أجابه الهاتف و هو يقول: فريضة فرضت فطوبى لمن حفظها و واظب عليها، فلما قال: حي على الفلاح!أجابه الهاتف و هو يقول:

الفلاح لأهل الفلاح و الصلاح لأهل الصلاح، قال: و فرغ نضلة من أذانه، فلما أخذ في الإقامة و قال: قد قامت الصلاة!أجابه الهاتف و هو يقول: البقاء لأمة محمد عليه السلام و على رؤوسهم تقوم الساعة، قال: و صلى نضلة بالمسلمين.

فلما فرغ من صلاته وثب قائما على قدميه ثم نادى بأعلى صوته: أيها الهاتف بالخير و الكلام... [ (1) ]إنا قد سمعنا كلامك و فهمنا جوابك، فإن كنت من ملائكة اللّه فصلى اللّه عليك، و إن كنت من الجن فمرحبا بك و أهلا، و إن كنت من الإنس فابرز إلينا حتى نراك، فإنا وفد اللّه و وفد رسوله محمد (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) و وفد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قال: فلم يشعر نضلة بن معاوية و من معه من المسلمين إلا و شيخ قد برز لهم من شعب الجبل أبيض الرأس و اللحية، إلى الطوال ما هو، عليه ثوبان من صوف أبيض، و قد حسر عن هامة له عظيمة و في يده عصا عكاز يتوكأ عليها، فقال نضلة: السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته!من أنت يرحمك اللّه؟فقال: أنا زريب بن برثملا وصي العبد الصالح عيسى ابن مريم صلّى اللّه عليه و سلّم، دعا لي بالبقاء إلى وقت نزوله من السماء، فاقرأوا على عمر بن الخطاب مني السلام و قل له: فليثبت على ما هو عليه و يقارب و يسدد فقد اقترب الأمر، و إن ظهرت في أمة محمد (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) خصال لا خير فيها فالهرب الهرب!قال نضلة بن معاوية: أخبرنا رحمك اللّه بهذه الخصال لنعرف بها ذهاب دنيانا و إقبال آخرتنا، فقال: نعم إذا اكتفت رجالكم برجالكم و نساؤكم بنسائكم، و ركن علماؤكم إلى أمرائكم فأفتوهم بالذي يحبون، و كثر طعامكم فلم يزد سعركم إلا غلاء، و كان مستشاركم يومئذ عبيدكم و خصيانكم، و قتل البري‏ء بغير ذنب ليوعظ به العامة، و قل العطاء فلم يأخذه إلا الأسقاط و السفل، و قلّت الصدقة فيكم حتى يطوف المسكين فيكم من الحول إلى الحول فلا يصيب عشرة دراهم، و اتخذتم القرآن ألحانا و مزامير، و زخرفتم المساجد و طولتم المنار، و كثرت بينكم شهادات [ (1) ]مطموس بالأصل.

219

الزور.... [ (1) ]المطر فلم يكن إلا غيظا، و استحللتم الزنا و أكلتم الربا، فإ[ذا شهدتم‏]ذلك فتوقعوا ذهاب الصولة و غضب ربكم.

قال: ثم رجع زريب بن برثملا إلى موضعه من الجبل، و سار المسلمون بالغنائم إلى سعد بن أبي وقاص، فخبروه بما كان من أمر زريب.

قال: فكتب سعد بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و خبره أنه مقيم بأرض حلوان. قال: فكتب عمر: للّه در أبيك يا ابن أبي وقاص!انظر إذا ورد عليك كتابي هذا فسر أنت بنفسك حتى تأتي ذلك الجبل فتفحص لي عن أمر هذا الرجل و تكتب لي خبره-و السلام.

قال: فلما ورد كتاب عمر إلى سعد ركب إلى ذلك الموضع الذي نظروا فيه زريب بن برثملا، فأذن سعد و أمر الناس بالأذان من كل جانب فلم يجبهم أحد، ثم أمر بالخيل فطافت في جبال حلوان أياما كثيرة يهتفون بزريب بن برثملا و يطلبونه، فلم يقفوا له على خبر، فرجع سعد إلى حلوان و كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، ثم دعا بجرير بن عبد اللّه البجلي فضم إليه ألف رجل من بجيلة و غيرهم و..... [ (2) ] اليمن و سائر العرب و أمره أن يقيم بحلوان فيكون ردسا للعرب و مصلحة للمسلمين إلى أن يأتيه أمره و أمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

قال: ثم جمع سعد غنائم حلوان و غنائم جلولاء و خانقين و غنائم المدائن و القادسية و أخرج من ذلك الخمس ليوجه به إلى عمر بن الخطاب و قسم باقي الغنائم في المسلمين.

قال: فتقدم إلى سعد رجل من خثعم يقال له بشر بن ربيعة و كان من الفرسان المعدودين، فطلب من سعد زيادة فلم يزده شيئا فغضب الخثعمي لذلك، و يقال إنه هجا سعد بن أبي وقاص فأنشأ يقول-شعر:

ينوب عن القوم الكرام بجمعهم # و فضل سعد بالعطية خالدا

فإن تكرم العذري بالقسم واصلا # فأجدر برأي السوء للجور زائدا

أ تنهب جهلا لا أبا لك حقنا # لقد ضقت ذرعا عن مدى الحق حائدا

[ (1) ]موضع النقاط غير واضح.

[ (2) ]غير واضح بالأصل.

220

متى كان ميراث ابن خثعم قل لنا # لخالد يا للناس لا كنت جاهدا

لعمري لئن كانت قريش تعطفت # عليك أبا وهب فألفيت رافدا

لقد غمرت آباؤك اللوم دهرها # و ألفيت في فهر تحل الوصائدا

قال: فعلم سعد أنه هجاه فدعا به فحمله على حجرة له كريمة و وصله بألف درهم و ضم إليه الغنائم و وجه به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

قال: فوردت الغنائم و خرج المسلمون فنظروا إليها و عجبوا من كثرتها، فقال رجل من المسلمين: يا أمير المؤمنين!أ تدخل هذه الغنائم إلى بيت المال؟فقال:

لا، لعمري لا يظلها سقف بيت حتى تقسم في حقها، ثم أمر الغنائم فأدخلت إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم أمر قوما أن يحرسوها ليلتهم تلك.

فلما أصبح عمر رضي اللّه عنه نادى في المهاجرين و الأنصار فجمعهم ثم جعل يعطي الناس على أقدارهم و يفضل من شاء أن يفضل و يعطي كل ذي حق حقه.

قال: فتقدم إليه بشر بن ربيعة الخثعمي الذي جاء بالغنائم فقال: يا أمير المؤمنين! أعطني من هذه الغنائم كما تعطي غيري، قال عمر: أو لم يعطك سعد حقك هناك؟فقال: بلى، فقد أعطاني، غير أني أنا الذي حفظت هذه الغنائم حتى قدمت بها عليك، و أريد منك الزيادة، فقال عمر: بل اللّه حفظها لا أنت، قال:

ثم أمر له بشي‏ء يسير، فغضب لذلك و لم يرض بما أعطاه عمر رضي اللّه عنه، قال:

فقال له عمر: إنك لشاعر جزل، و أنت لا شك فارس بطل، و أراك واجدا على أميرك سعد بن أبي وقاص، فلما ذا؟فقال: يا أمير المؤمنين!لأنه فضل عليّ من لا يدانيني و هو لا ينظر لي، فقال عمر: فما يؤمنني أنك تهجوني بما ليس فيّ. قال:

ثم أمر له عمر رضي اللّه عنه بصلة سنية فأرضاه ثم قال: اللهم خلص عمر مما قلدته سليما غير موزور.

قال: ثم كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى سعد بن أبي وقاص يأمره أن يولي سلمان الفارسي المدائن و ما والاها و يرجع هو إلى الكوفة و يأمر الناس بالبنيان و العمارة.

قال: فلما ورد كتاب عمر بن الخطاب على سعد دعا سلمان فولاه المدائن و ضم إليه نفرا من المسلمين، ثم إنه رجع إلى أرض الكوفة[ (1) ]و أمر الناس بالبنيان، [ (1) ]كان ذلك في المحرم سنة 17، و قال الواقدي: آخر سنة 17 (الطبري 4/190) . ـ

221

فبنى الناس بها الدور و اختطوا الحيطان لقبائل العرب، قال: فسكنت العرب الكوفة من ذلك اليوم و الدهر، و أرسل عمر إلى سعد بن أبي وقاص فأمره بعمارة مسجدها.

ذكر ما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في المسجد الكوفة

قال القاسم بن الوليد سمعت أبي يقول [ (1) ]: كنت ذات يوم في مسجد الكوفة قاعدا إذ رأيت رجلا جاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏فقال: يا أمير المؤمنين!إني رجل خلو لا أهل لي و لا ولد، و قد قضيت ما وجب عليّ من الحج و قد تزوّدت زادا و ابتعت راحلة أ أرتحل إلى بيت المقدس فأكون فيه إلى أن يأتيني الموت أم ألزم هذا المسجد؟فقال له علي عليه السلام: كل زادك و بع راحلتك و عليك بهذا المسجد فالزمه فإنّه أحد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدلان عشرا فيما سواه من المساجد، و البركة بها على عشرة أميال‏[ (2) ]من حيث ما أتيته و قد نزل أسد ألف ذراع، [و]في زاويته‏[فار التنور، و-][ (3) ]عند السارية[ (4) ]الخامسة صلى إبراهيم الخليل عليه السلام، و فيه مصلى إدريس و نوح عليهما السلام، و فيه عصا موسى بن عمران عليه السلام، و قد صلى فيه ألف نبيّ و ألف وصي، و فيه هلك يغوث و يعوق و هو الفاروق، و منه سير جبل الأهواز، و يحشر منه يوم القيامة كذا و كذا ألف‏[ (5) ]من الناس ليس عليهم حساب و لا عقاب، و وسطه على روضة من رياض الجنة، و فيه ثلاث أعين.... [ (6) ]تظهر للمسلمين آخر الزمان: عين‏[من‏]ماء و عين من لبن و عين من دهن، جانبه الأيمن ذكر و جانبه الأيسر أثنى، و لو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه و لو حبوا. ثم قال: أيها الناس!لا تسبوا الكوفة فإن بها مصابيح الهدى و عمار الذكرى، فيهم يدق اللّه عزّ و جلّ جناح كل فاجر و كافر في آخر الزمان.

[ (1) ]الخبر في معجم البلدان عن حبة العرني. (الكوفة) .

[ (2) ]في معجم البلدان: اثني عشر ميلا.

[ (3) ]زيادة عن المعجم.

[ (4) ]في المعجم: الاسطوانة.

[ (5) ]في المعجم: سبعون ألفا.

[ (6) ]غير واضح بالأصل، و في المعجم: ثلاث أعين من الجنة تذهب الرجس و تطهير المؤمنين.

222

قال: و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: الكوفة قبة الإسلام و كنز الإيمان و جماجم العرب و رمح اللّه الأطول و بهم يدق اللّه عزّ و جلّ أجنحة المنافقين.

قال: فلما استقر سعد بن أبي وقاص بالكوفة وجه بخيله إلى ناحية الأنبار و ما يليها و هيت‏[ (1) ]و ما والاها إلى أرض غابات إلى ما سقى الفرات‏فافتتح ذلك إلا قليلا.

قال: ثم كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح بالشام يأمره بالمسير إلى أهل بيت المقدس‏[ (2) ]و يأمره بمحاربتهم و محاربة من يليهم من الكفار.

ذكر فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏

قال: فلمّا ورد كتاب عمر على أبي عبيدة رضي اللّه عنهما دعا بسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فولاه دمشق، ثم خرج بمن معه من المسلمين حتى صار إلى بلاد الأردن فنزل هنالك‏[ (3) ]ثم كتب إلى أهل بيت المقدس كتابا فيه‏[ (4) ]: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء و سكّانها، سلام على من اتّبع الهدى و آمن باللّه العلي الأعلى، أمّا بعد!فإني آمركم أن تشهدوا أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله عليه السلام، و أنّ ما جاء به من عند اللّه عزّ و جلّ حقّ، و الجنّة حقّ و النار حقّ، وَ أَنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا، وَ أَنَّ اَللََّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ ، فإذا شهدتم بذلك فقد حرمت علينا دماؤكم و أموالكم إلا بحقّها، و أنتم إخواننا في ديننا و شركاؤنا في حظّنا[ (5) ]، و إن أبيتم ذلك سرت إليكم بقوم هم أحبّ للموت..... [ (6) ]لشرب الخمور و أكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم أبدا إن شاء اللّه تعالى حتى أقتل مقاتلتكم و أسبي ذريتكم و أقسم أموالكم، فاختاروا [ (1) ]هيت: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار.

[ (2) ]نسخة الكتاب في فتوح الشام للواقدي 1/229.

[ (3) ]زيد عند الأزدي ص 242: فعسكر بها. و بعث إلى أهل إيلياء الرسل. و قال: اخرجوا إليّ أكتب لكم الأمان على أنفسكم و أموالكم، و نف لكم كما و فينا لغيركم. فتثاقلوا و أبوا.

[ (4) ]نسخته في فتوح الأزدي ص 243 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/يا. ص 479.

[ (5) ]عند الأزدي: و إن أبيتم فأقروا لنا بإعطاء الجزية عن يد و أنتم صاغرون.

[ (6) ]بياض بالأصل، و عند الأزدي: «منكم للحياة و» .

223

واحدة من اثنتين، اعلموا أني في أثر كتابي هذا إليكم إن شاء اللّه و لا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم» .

قال: ثمّ وجّه أبو عبيدة كتابه هذا إلى أهل إيلياء، فلما قرأوه أبوا ما عرض عليهم من الإيمان و لم يجيبوه إلى شي‏ء، فسار أبو عبيدة إليهم حتى نزل بساحتهم.

قال: و خرج أهل إيلياء إلى حرب المسلمين فاقتتلوا، و وقعت الهزيمة على أهل إيلياء، فقتلهم المسلمون قتلا ذريعا حتّى أدخلوهم مدينتهم.

قال: و دام الحرب بينهم أياما كثيرة[ (1) ]، فلمّا لم يجدوا حيلة و لم يكن لهم بالمسلمين طاقة بعثوا إلى أبي عبيدة: إنّا قد أحببنا مصالحتكم و لسنا نثق بكم و لكن اكتبوا إلى صاحبكم عمر بن الخطاب حتى يقدم فيكون هو الذي يعطينا الأمان و يكتب لنا العهد فإنّا به واثقون و إليه نميل.

قال: فقال أبو عبيدة لأصحابه: ما ترون فيما يقول هؤلاء القوم؟فقال معاذ بن جبل: أرى أن تكتب إلى أمير المؤمنين و تسأله القدوم إليك فلعله إذا قدم أن يصلح اللّه عزّ و جلّ به باقي بلد الشام إن شاء اللّه تعالى‏[ (2) ].

ذكر كتاب أبي عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بأمر أهل بيت المقدس‏

فكتب إليه‏[ (3) ]: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عامر بن الجراح، سلام عليك، أما بعد!فإني أخبرك يا أمير المؤمنين أني صرت إلى أهل إيلياء في جماعة من المسلمين حتى نزلت بهم و حللت بساحتهم، ثم واقعناهم وقائع كثيرة كانت عليهم لا لهم، و طاولناهم فلم يجدوا في [ (1) ]انظر تفاصيل أوردها الواقدي في فتوحه 1/232 و ما بعدها.

[ (2) ]ذكر الأزدي أن أبا عبيدة لم يكتب إلى الخليفة إلا بعد أن أخذ على أهل إيليا الأيمان المغلظة أنه إن قدم عمر و أعطاهم الأمان على أنفسهم و أموالهم ليقبلن ذلك و يؤدون الجزية و يدخلون فيما دخل فيه أهل الشام. ففعلوا ذلك.

[ (3) ]نسخته في فتوح الأزدي ص 248 و فتوح الشام للواقدي 1/235 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 353/ بز.

224

مطاولتهم إيانا فرجا[ (1) ]، و لم يزدهم اللّه تعالى بذلك إلا ضعفا و نقصا و ذلا و هولا، فلما طال بهم ذلك و اشتد عليهم الحصار سألوا الصلح و طلبوا الأمان على أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو الموثوق به عندهم و الكاتب لهم كتابا بأمانهم، ثم إنا خشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيغدروا بعد ذلك و يرجعوا[ (2) ]، فأخذنا عليهم العهود و المواثيق و الأيمان المغلظة أنهم لا يغدرون و لا ينكثون، و أنهم يؤدون الجزية و يدخلون فيما دخل فيه أهل الذمة، فأقروا لنا بذلك، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقدم علينا فافعل، فإن في قدومك من الأجر و الثواب ما لا يخفى عليك، أتاك اللّه رشدك و يسر أمرك، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته» .

ذكر المشورة التي أشاروا على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالمدينة

قال: فلمّا ورد كتاب أبي عبيدة على عمر رضي اللّه عنهما[ (3) ]و قرأه أرسل إلى وجوه المهاجرين و الأنصار المقيمين معه بالمدينة و استشارهم في الخروج إلى الشام.

قال: فقال له عثمان: يا أمير المؤمنين!إن شاء اللّه تعالى قد أذل الروم و أدال عليهم، و أبو عبيدة قد حصرهم و ضيق عليهم فهم يزدادون في كل يوم نقصا و ذلا و ضعفا و وهنا، فإن أنت أقمت و لم تسر إليهم علموا أنك مستخف بأمرهم، مستصغر لشأنهم، حاقر لجنودهم، فلا يلبثون إلا يسيرا حتى ينزلوا على الحكم أو يؤدون الجزية[ (4) ].

فقال عمر: هل عند أحد منكم غير هذا الرأي؟فقال علي بن أبي طالب عليه السلام‏[ (5) ]: نعم عندي من الرأي، أن القوم قد سألوك المنزلة التي لهم فيها الذل و الصغار، و نزولهم على حكمك عز لك و فتح للمسلمين، و لك في ذلك الأجر العظيم في كل ظمأ و مخمصة، و في قطع كل واد و بقعة حتى تقدم على أصحابك‏

[ (1) ]زيد عند الأزدي: و رجاء.

[ (2) ]زيد عند الأزدي: فيكون سيرك-أصلحك اللّه-عناء و فضلا.

[ (3) ]ورد الكتاب إلى عمر مع ميسرة بن مسروق العبسي (فتوح الواقدي 1/235) .

[ (4) ]قارن مقالة عثمان في فتوح الواقدي 1/236 و الأزدي ص 249 و بين النصوص اختلاف.

[ (5) ]قارن مع الأزدي ص 250 و فتوح الشام للواقدي 1/236.

225

و جندك، فإذا قدمت عليهم كان الأمر[ (1) ]و العافية و الصلح و الفتح إن شاء اللّه، و أخرى فإني لست آمن الروم إن هم أيسوا من قولك الصلح و قدومك عليهم أن يتمسكوا بحصنهم و يلتئم إليهم إخوانهم من أهل دينهم فتشتدّ شوكتهم و يدخل على المسلمين من ذلك البلاء و يطول أمرهم و حربهم و يصيبهم الجهد و الجوع، و لعل المسلمين أن يقتربوا من الحصن فيرشقونهم بالنشاب أو يقذفونهم بالحجارة، فإن أصيب بعض المسلمين تمنيت أن تكون قد افتديت قتل رجل مسلم من المسلمين‏[ (2) ] بكل مشرك إلى منقطع التراب، فهذا ما عندي و السلام.

فقال عمر رضي اللّه عنه: أما أنت يا أبا عمرو!فقد أحسنت النظر في مكيدة العدو، و أما أنت يا أبا الحسن!فقد أحسنت النظر لأهل الإسلام، و أنا سائر إلى الشام إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: ثم دعا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالعباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه فأمره أن يعسكر بالناس. قال: فعسكر العباس خارج المدينة، و اجتمع المسلمون من وجوه المهاجرين و الأنصار و سادات العرب.

فلما تكامل العسكر و عزم عمر على المسير إلى الشام قام في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إني خارج إلى الشام للأمر الذي قد علمتم، و لولا أني أخاف على المسلمين لما خرجت، و هذا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بالمدينة، فانظروا إن حزبكم أمر عليكم به، و احتكموا إليه في أموركم و اسمعوا له و أطيعوا، أ فهمتم ما أمرتكم به؟فقالوا: نعم، سمعا و طاعة. فقال عمر[ (3) ]: الحمد للّه الذي أعزنا بالإسلام، و أكرمنا بالإيمان، و خصنا بالقرآن، و رحمنا بنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم فهدانا به من الضلالة، و بصرنا به من الجهالة، و رفعنا به من الخمولة، و جمعنا به بعد الشتات و الفرقة، و ألف بين قلوبنا، و نصرنا على أعدائنا، و مكن لنا في البلاد، و جعلنا به إخوانا متحابين، فاحمدوا اللّه عباد اللّه! على هذه النعمة، و سلوه المزيد فيها و الشكر عليها، فإن اللّه يزيد المستزيدين [ (1) ]في المصدرين: الأمن.

[ (2) ]عند الأزدي: من المسلمين بمسيركم إلى مقطع التراب.

[ (3) ]الأزدي ص 250-251. و فتوح الواقدي 1/236-237 و فيه أنه كان إذا نزل منزلا لا يبرح منه حتى يصلي الصبح فإذا انفتل من الصلاة أقبل على المسلمين و قال:

226

الراغبين، و يتم نعمته على الشاكرين، ألا!و إني راحل غدا إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، و أستغفر اللّه العظيم لي و لكم.

قال: ثم نزل عن المنبر و أمر الناس بالجهاز، و خرج على بعير له، و على البعير غرارتان: في إحداهما سويق شعير و في الأخرى تمر، و بين يديه قربة الماء، و من خلفه جفنة يصب فيها أحيانا من ذلك السويق و يبلّه بالماء، و هو مع ذلك صائم، فإذا كان الليل و نزل الناس نزل عمر رضي اللّه عنه في آخر العسكر كواحد من الناس ليس له زاد أكثر من سويق الشعير و التمر.

فلم يزل كذلك حتى إذا دنا من أرض الشام بلغ ذلك أبا عبيدة و المسلمين، فاستقبلوه، فإذا هو على بعير له و عليه جبة من صوف و عباءة قطوانية قد تقلد بسيفه و تنكب قوسا له عربية، فلما نظر إليه أبو عبيدة نزل عن فرسه إجلالا له، قال: و نظر عمر إليه أنه قد نزل عن فرسه فأناخ بعيره و نزل عنه، و مشى كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما دنا منه أبو عبيدة أهوى عمر بيده إليه ليصافحه، فأخذ أبو عبيدة يد عمر ليقبّلها تعظيما له في العامة، فلما أهوى أبو عبيدة ليقبّل يد عمر أهوى عمر ليقبّل رجل أبي عبيدة، فتنحى أبو عبيدة سريعا و قال: مه يا أمير المؤمنين!فتعانقا جميعا ثم افترقا و ركبا، فتسايرا و سار الناس معهما حتى صار عمر إلى دمشق فنزل على باب الجابية.

قال: و أقبل إليه الناس قبيلة بعد أخرى، فجعلوا يسلمون عليه، و فيمن أقبل إليه يومئذ بلال و أبو هريرة و أبو الدرداء أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) ، فأقبل عليه أبو عبيدة فقال: يا أمير المؤمنين!لو ألقيت عنك هذا الصوف و لبست البياض من الثياب لكان أهيب لك في قلوب هؤلاء الكفار، فقال عمر: لا أحب أن أعوّد نفسي ما لم تعتده، فعليكم يا معشر المسلمين بالقصد!و إياكم و هذه الخيل الهماليج!فإنه ما ركبها أحد قط إلا أعجبته نفسه، و عليكم بهذه الإبل التي أعزّكم اللّه بها و نصركم ببدر و أنتم تقاتلون عليها. قال: ثم أقبل عمر على أبي عبيدة رضي اللّه عنهما فقال: ما فعل يزيد بن أبي سفيان!ما فعل معاذ بن جبل!أين جماعة المسلمين؟فقال: يا أمير المؤمنين!العسكر كله نازل على إيلياء و نحن محاصرون أهلها، فقال عمر: ارحلوا إليهم على بركة اللّه.

قال: فرحل الناس معه إلى إيلياء و معهم عمر حتى إذا قارب منها استقبله أجلّ‏

227

الناس و فرسان المسلمين‏[ (1) ]عليهم الدّيباج مما قد أصابوا من غنائم الروم‏[ (2) ]، فلمّا نظر إليهم عمر رضي اللّه عنه على تلك الحالة أمر بهم فنزلوا عن دوابهم، ثم أمر بالتراب فحثي عليهم، و أمر بما عليهم من الديباج فمزّق، ثم قال: أ تلبسون الديباج و هو عليكم حرام؟فقالوا: يا أمير المؤمنين!إنا في جهاد و هذا من آلة الحرب، قال: فلا بد لكم من الصلاة و الصلاد فيه حرام، إلا أن تلبسوه في وقت الحرب فإذا أردتم الصلاة فانزعوه، فإن نبيكم محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) قد نهى عن ذلك،

قال: إن الذهب و الحرير حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثهم.

قال: و أقبل إليه يزيد بن أبي سفيان فقال‏[ (3) ]: يا أمير المؤمنين!إنا في بلد الخصب و الدعة، و السعر عندنا بحمد اللّه رخيص، و الخير عندنا كثير من الأموال و الدواب و العيش الرفيع، و حال المسلمين كما تحب، فالبس ثيابا بياضا و اكسها الناس و اركب الخيل‏[ (4) ]و احمل الناس عليها، فإنه أعظم لك في عيون الكفار، و ألق عنك هذا الصوف، فإنه إذا رآك العدو على هذا الحال ازدراك، فقال عمر: يا يزيد[ (5) ]!ما أريد أن أتزيا للناس بما يشينني عند اللّه عزّ و جلّ، و لا أريد أن يعظم أمري عند الناس و يصغر عند اللّه عزّ و جلّ، فلا ترادّني بعدها في شي‏ء من هذا الكلام.

قال: ثم أقبل حتى نزل على باب مدينة بيت المقدس و أرسل إليهم يأمرهم أن ينزلوا على حكمه و أن يوجهوا إليه من يثقون به حتى يكتب لهم الأمان، قال: فأقبل إليه رجل من المستعربة يكنى أبا الجعيد[ (6) ]فصالحه عن القوم على أداء الجزية و الإقرار في البلد، فأجابه عمر رضي اللّه عنه إلى ذلك و كتب لهم كتابا[ (7) ]يتوارثونه [ (1) ]و منهم أبو الأعور السلمي (فتوح الأزدي ص 253) .

[ (2) ]في فتوح الواقدي: مما أخذوا من اليرموك.

[ (3) ]فتوح الواقدي 1/239 و فتوح الأزدي ص 253 باختلاف النصوص.

[ (4) ]الأزدي: و ركبت من هذه الدواب الغرّة.

[ (5) ]زيد عند الأزدي: «لا و اللّه. لا أدع الهيئة التي فارقت عليها صاحبي» و كان عمر لم يترك هيئته على الأمر الذي كان عليه في حياة رسول الله (ص) و حياة أبي بكر (رض) حتى خرج من الدنيا.

[ (6) ]كذا بالأصل و فتوح الواقدي، و في فتوح الأزدي ص 254: ابن الجعيد. و في الطبري 4/160 و الكامل لابن الأثير 2/132: صالحه العوام من أهل إيليا.

[ (7) ]نسخة كتاب عهد عمر في الطبري 4/159 و مختصرا في تاريخ اليعقوبي 2/147 و الوثائق السياسية وثيقة 357/ألف.

228

إلى يومنا هذا-و اللّه أعلم.

ذكر إسلام كعب الأحبار[ (1) ]

قال: ثم دخل عمر رضي اللّه عنه إلى بيت المقدس و نزل في كنيستها العظمى. قال: و أقبل إليه كعب الأحبار يريد الإسلام فعرض عليه عمر الإسلام و قرأ عليه‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهََا عَلى‏ََ أَدْبََارِهََا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمََا لَعَنََّا أَصْحََابَ اَلسَّبْتِ وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً [ (2) ]، فلمّا سمع كعب ذلك أسلم من ساعته. ثم قال: يا أمير المؤمنين! مكتوب في التوراة «إن هذه البلاد التي كانت بنو إسرائيل أهلها يفتحها اللّه عزّ و جلّ على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سره مثل علانيته‏[و علانيته مثل سره‏]، قوله لا يخالف فعله‏[ (3) ]، القريب و البعيد عنده في الحق سواء، أتباعه قوم من أهل التوحيد رهبان الليل فرسان‏[ (4) ]النهار، متراحمون متواصلون متباذلون، يغسلون فروجهم و يتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم و صدقاتهم في بطونهم، ألسنتهم رطبة بالتكبير و التقديس و التهليل، و هم الحامدون الذين يحمدون اللّه عزّ و جلّ على كل حال، و في سهول الأرض و الجبال، أول أمة تدخل الجنة يوم القيامة» . قال فقال عمر: ويحك يا كعب!أحق ما تقول؟ فقال كعب: إي و الذي يسمع ما أقول. قال: فخر عمر رضي اللّه عنه ساجدا ثم رفع رأسه فقال: الحمد للّه الذي أعزنا و أكرمنا و رحمنا و شرفنا بنبينا محمد صلى اللّه عليه و آله، ثم أقبل عمر على الناس فقال: يا أهل الإسلام!أبشروا فإن اللّه عزّ و جلّ قد صدقكم الوعد و نصركم على الأعداء و أورثكم البلاد، فلا يكونن جزاؤه إلا الشكر، و إياكم و المعاصي و العمل بها، فإن العمل بالمعاصي يدل على كفر النعمة، و ليس من قوم كفروا النعمة ثم لم ينزعوا إلى التوبة إلاّ سلبهم اللّه عزهم و سلط عليهم عدوّهم.

قال: فأقام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بمدينة بيت المقدس أياما، و أقبل [ (1) ]قارن مع فتوح الشام للواقدي 1/242 و فتوح الأزدي ص 259 باختلاف النصوص و زيادة.

[ (2) ]النساء: 47.

[ (3) ]الأزدي: قلبه.

[ (4) ]الأزدي: أسد. ـ

229

إليه عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين!إن أهل هذا البلد يأتوننا بعصير لهم قد عصروه من العنب، ثم يأتوننا به مطبوخا حلوا قبل أن يغلي كأنه الربّ من شدة حلاوته، قال عمر: قل لهم: فليأتونا بشي‏ء منه حتى ننظر إليه. قال: فأتي بشي‏ء منه في إناء من قوارير حتى وضع بين يديه، قال: فشمه عمر رضي اللّه عنه ثم قال لأهل البلد: كيف تصنعون بهذا؟فقالوا: يا أمير المؤمنين!نعصره في كرومنا ثم نصبّه في القدور من ساعته فنطبخه أبدا حتى يذهب منه الثلثان و يبقى الثلث، فقال عمر: إن كان هذا على ما وصفتم فقد ذهب حرامه و بقي حلاله، قال: ثم أدخل عمر أصبعه فيه و ذاقه ثم قال: هذا الذي لا شك في حله فاشربوا على بركة اللّه و كلوا منه ما دام حلوا، فإذا علمتم أنه قد غلي فلا تشربوه.

قال: ثم رفع عمر رضي اللّه عنه رأسه فجعل ينظر إلى القسيسين و الرهبان و اجتهادهم فيما هم فيه من العبادة و عليهم المسوح و البرانس، فقال‏[ (1) ]: الحمد للّه الذي‏ يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ ، قال: فسمعه بعض القسيسين قال: إن اللّه لا يضل أحدا، قال: فلم يفهم عمر ما تكلم به، فأعاد الكلام فقال: الحمد للّه الذي يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ ، فقال القس: إن اللّه لا يضل أحدا، قال: فسمعه عمر فقال: يا عدو اللّه!أما و اللّه لو لا العهد و الميثاق الذي كتبته لكم إذا لضربت عنقك!أ تزعم أن اللّه لا يضل أحدا؟بلى!قد أضلك و ختم على قلبك و جعل على بصرك غشاوة ثم إنه يدخلك النار غير ظالم لك، قال: فسكت القس و لم ينطق بشي‏ء خوفا من عمر.

قال: ثم نادى عمر رضي اللّه عنه في أصحابه بالرحيل على أن يرجع إلى المدينة، ثم خرج و خرج معه أبو عبيدة و جماعة من المسلمين يشيعونه، حتى إذا خرج من حدود الشام فأمرهم بالرجوع، فرجعوا عنه.

و سار عمر رضي اللّه عنه يريد المدينة، فبينا هو كذلك إذ مر بماء من مياه العرب من بني جذام‏[ (2) ]يقال له ذات المنار[ (3) ]فنزل عمر هنالك، فأقبل إليه أهل ذلك [ (1) ]جاء قوله هذا خلال خطبة ألقاها بعد وصوله إلى الجابية. انظر فتوح الشام للأزدي ص 251 و فتوح الشام للواقدي 1/238 و كان ذلك قبل إتمام صلح بيت المقدس.

[ (2) ]عند الأزدي ص 262 «يقال لهم حدس» و الخبر في فتوح الواقدي 1/237 و ذكره لما سار عمر بن الخطاب من المدينة إلى الشام.

[ (3) ]ذات المنار: موضع في أول أرض الشام من جهة الحجاز.

230

الماء فسلموا عليه و رحبوا به و عرضوا عليه فقال عمر رضي اللّه عنه: ما لي إليكم من حاجة، و لكن إن كانت لكم قبلي حاجة فقولوا!فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين! عندنا ههنا رجل له امرأتان و هما أختان أ فيحل ذلك؟فاشمأز[ (1) ]عمر من قوله ثم قال: ويحك و كيف يحل ذلك و قد قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ [ (2) ]ثم قال عمر رضي اللّه عنه: عليّ بهذا الرجل، فأتي به فقال له عمر رضي اللّه عنه: ما هاتان المرأتان اللتان عندك؟فقال الرجل: هما امرأتاي، فقال عمر: فهل بينهما قرابة؟قال: نعم، هما أختان، فقال عمر رضي اللّه عنه: فما دينك أ لست مسلما؟قال: بلى!قال عمر: أ فعلمت أن هذا عليك حرام؟فقال الرجل: لا و اللّه ما علمت، و ما هما عليّ حرام، فقال له عمر رضي اللّه عنه:

كذبت و اللّه يا عدو نفسه و إنه لحرام عليك!و لتخلين إحداهما أو لأضربن عنقك من قبل أن أكلمك كلمة و لكنه إنما حقنت دمك بقولك إنك لا تعلم أنه حرام، قال:

فقال له الرجل: أجاد أنت في قولك يا عمر؟فقال عمر: و اللّه الذي لا إله إلا هو إني لجاد فيما تسمعه!و لتخلين إحداهما أو لأضربن عنقك، فقال الرجل: نزح‏[ (3) ]، اللّه هذا من دين، فواللّه ما أصبت منه خيرا منذ دخلت فيه، قال: فقال عمر: قربوه مني، فأدنوه منه، فخفق عمر رأسه بالدرة خفقات ثم قال: يا عدو اللّه!أ تشتم دين اللّه ارتضاه لنفسه و ملائكته و أنبيائه و رسله و خيرته من خلقه، خل سبيل إحداهما و إلا قتلتك، قال الرجل: فأيتهما أخلي؟قال: اقرع بينهما سهمين لكل منهما سهم ثم اضرب، فإذا خرج سهم إحداهما فأمسكها عندك و خل سبيل الأخرى.

قال: ففعل الجذامي ما أمر به عمر، فلما خلى سبيل إحداهما دعا به عمر رضي اللّه عنه فقال: اسمع مني ما أخبرك به، إذا أسلم الرجل و دخل في ديننا هذا ثم رجع عنه قتلناه، فإياك أن يحملك الغضب لما أمرتك أن تفارق الإسلام فتقتل‏[ (4) ]، و إياك أن يبلغني عنك أنك دخلت إلى هذه المرأة التي فارقتها أو دنوت [ (1) ]الواقدي: فغضب.

[ (2) ]النساء: 23.

[ (3) ]الأزدي: قبح.

[ (4) ] في رواية ابن مسعود عن رسول اللّه (ص) قال : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه و أني رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، و النفس بالنفس، و التارك لدينه المفارق للجماعة.

231

منها بعد إذ فرقت بينكما فإنه إن بلغني عنك ذلك رجمتك، فقال الجذامي: قد قبلت وصيتك يا أمير المؤمنين.

قال: ثم سار عمر من هنالك حتى صار إلى وادي القرى‏[ (1) ]، فلما نزل هنالك أقبل إليه أهل البلد فقالوا: يا أمير المؤمنين!عندنا ههنا امرأة قد كنا نعرف لها زوجا واحدا و كان شيخا كبيرا و اليوم لها زوج آخر، و هما جميعا يغدوان إليها و يروحان، قال: فتبين الغضب في وجه عمر رضي اللّه عنه ثم قال: عليّ بهما و بالمرأة، فأتي بهم فلما وقف الرجلان بين يدي عمر سأل عن دينهما فقالا:

مسلمان، قال: فالمرأة؟قالا: مسلمة، قال: فما الذي بلغني عنكما و عن هذه المرأة أنكما جميعا تغدوان إليها و تروحان؟أما علمتما أن هذا عليكما حرام؟فقالا:

لا و اللّه ما علمنا أن هذا حرام علينا، فقال عمر للمرأة: أيهما زوجك الأول؟ فقالت: هذا الشيخ، فقال له عمر: ويحك يا شيخ!ما حملك على ما صنعت و ما هذا الأمر القبيح لم أسمع ببر و لا فاجر فعل مثله؟فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين!أنا شيخ كبير كما ترى و قد ضعفت ورق جلدي و دق عظمي، و كانت لي إبل كثير فضعفت عن رعيها و سقيها و لم يكن لي ولد و لا أحد أتكل عليه و أثق به في أمرها، فجاءني هذا الشاب يسألني أن أجعل له معي في هذه المرأة نصيبا يكون له يوما و ليلة و يكفيني رعي إبلي و سقيها، فقلت في نفسي: هذا رجل له على الرعي و السقي قوة و جلد و أنا ضعيف لا أقدر على ذلك، فكان يكفيني رعي إبلي و له من المرأة ما خبرتك، فإذا قد خبرتني أنه حرام فإني لا أعود إلى ذلك و لا أفعله أبدا، فقال له عمر: أيها الشيخ!خذ امرأتك فإنها لك و ليس لأحد معك فيها نصيب و لا له عليها سبيل، قال: ثم أقبل عمر رضي اللّه عنه إلى الشباب فقال: أما أنت فقد حلفت أنك لم تعلم أن هذا عليك حرام و لكن انظر ما آمرك به، إياك أن يبلغني عنك أنك نازلت هذا الشيخ على ماء من المياه!فواللّه لئن بلغني أنك نازلته على ماء أو دنوت من هذه المرأة بعد هذا اليوم لأضربن عنقك، قال فقال الفتى: لست أنزل معهم و لا أقربهم يا أمير المؤمنين.

قال: و رحل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من وادي القرى حتى صار إلى المدينة و تلقاه المسلمون يهنئونه بقدومه و سلامته و ما أفاء اللّه عزّ و جلّ عليه من أمر فلسطين و ما والاها.

[ (1) ]وادي القرى: واد بين المدينة و الشام، من أعمال المدينة كثير القرى.

232

ذكر خبر جبلة بن الأيهم الغساني و ما كان من إسلامه و رجوعه عن دين الإسلام‏

قال: بعد قدوم عمر بن الخطاب من أرض الشام قدم عليه جبلة بن الأيهم الغساني في سبعين و مائة[ (1) ]رجل من قومه المتنصرة يريد الإسلام، حتى إذا قرب من مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أمر بني عمه من آل جفنة فركبوا الخيل العتاق و قلّدوها قلائد الفضة و عقدوا في نواصيها عقود الجوهر و في أذنابها ذوائب الحرير، و جبلة يومئذ على فرس له قد زيّن بمثل تلك الزينة، و على رأسه تاج، و في تاجه يومئذ قرط مارية، و مارية جدته أم أبيه.

قال: و بلغ أهل المدينة قدوم جبلة بن الأيهم عليهم فاستبشرت الأنصار لذلك و تهيئوا الاستقباله و استأذنوا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في ذلك فأذن لهم، قال:

و لم يبق بالمدينة بكر و لا ثيب‏[ (2) ]إلا خرجت للنظر إلى جبلة. قال: و أشرف جبلة على المدينة في موكب لم ير مثله، ثم إنّه دخل على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و شهد بشهادة الحق، فقرّبه عمر و أدنى مجلسه و رفع منزلته و فرح بإسلامه، و أمر الأنصار ببره و كرامته ففعلوا ذلك.

قال: و أقام جبلة بالمدينة إلى أن حضر وقت الحج، فخرج الحاج و خرج معه عمر ليقيم لهم أمر الحج، قال: و خرج جبلة أيضا فيمن خرج إلى الحج، ثم أمر بقبة له ديباجة صفراء فضربت له خارج الحرم، و كان زيه مشهورا بمكة لا ينظر إليه أحد إلا بعين الجلالة.

قال: فبينا جبلة ذات يوم يطوف بالبيت كما يطوف غيره‏إذ وطئ رجل من فزارة على إزاره فانحلّ الإزار، و التفت إليه جبلة فضربه بكفه ضربة على وجهه هشم أنفه، فأقبل الفزاري إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و دمه يسيل من أنفه، فخبره بقصته.

قال: و بعث عمر إلى جبلة فأحضره ثم قال له: ويحك!ما حملك على ما [ (1) ]في الأغاني 15/163 «ألف من أهل بيته» و في رواية أخرى في الأغاني و العقد الفريد 2/56 في خمسمئة.

[ (2) ]في الأغاني: «عانس» و في العقد: النساء و الصبيان.

233

فعلت بهذا الرجل؟قال: يا أمير المؤمنين!إنه اعتمد حلّ إزاري ليبدي سوأتي، و لولا حرمة[ (1) ]هذا البيت لضربته بسيفي، فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت بما فعلت و لكن ارض الرجل في حقه و إلا أقدته منك، قال جبلة: أو تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟قال: نعم و اللّه أفعله، قال جبلة: إنه رجل من السوقة و أنا ملك ابن ملك، و اللّه لقد ظننت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية، قال فقال له عمر: إن الإسلام و عدله بخلاف الجاهلية فأرضه من نفسك، قال جبلة: فإن لم أرضه؟قال عمر: فإن لم ترضه أمرته أن يهشم أنفك كما هشمت أنفه قصاصا كما فعلت. فإن الإسلام جمعك و إياه، فما تفضله بشي‏ء إلا بالتقوى. قال: فلما رأى جبلة أن عمر لا يأبى إلا القصاص لم يجد بدا من الاستخذاء في وقته ذلك فقال‏[ (2) ]:

نعم يا أمير المؤمنين!غير أني ناظر في أمري ليلتي هذه، فقال عمر: ذلك إليك.

قال: فانصرف جبلة يومه ذلك، فأقبلت الأنصار إلى عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين!نحن نرضي هذا الفزاري عن جبلة فإنه رجل من سادات غسان، و نحن نقتدي هذه اللطمة، فقال عمر: و اللّه!لا يقتص الفزاري إلا من جبلة.

قال: فانصرف الناس عن عمر رضي اللّه عنه، حتى إذا نامت العيون و سكنت الحركات خرج جبلة في قومه الذي قدموا معه و هم سبعون و مائة[ (3) ]إنسان و مضى متوجها نحو الشام، فأصبحت مكة منه و من بني عمه بلاقع.

قال: و مضى جبلة في قومه الذين قدموا معه إلى بني عمه الذين هم بالشام مقيمون، فخبرهم بذلك ثم أمرهم بالرحيل معه، فرحل القوم و هم خلق كثير، فسار بهم جبلة حتى دخل بهم بلاد الروم ثم أقبل قاصدا إلى القسطنطينية، فدخل على هرقل ملك الروم فتنصر هو و جميع من كان معه من بني عمه، قال: ففرح به هرقل فرحا شديدا و رأى أنه فتح فتحا عظيما، ثم إنه أقطعه و أقطع بني عمه حيث شاءوا من أرض الروم، ثم إنه جعل جبلة من خواصه و وزيره و صاحب أمره، فأقام جبلة عند [ (1) ]الأغاني: لولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف. و عبارة العقد: لولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي عيناه.

[ (2) ]الأغاني و العقد: قال: إذن أتنصر. قال: إن تنصرت ضربت عنقك لأنك قد أسلمت، فإن ارتددت قتلتك، فلما رأى جبلة الصدق من عمر...

[ (3) ]انظر ما مرّ في ذلك.

234

ملك الروم في أرفع المنازل و أجلها.

قال: و دعا عمر بن الخطاب بحذيفة بن اليمان‏[ (1) ]فكتب معه كتابا إلى ملك الروم يدعوه إلى دين الإسلام و يرغبه فيه.

قال: فسار حذيفة[ (1) ]من المدينة إلى الشام، ثم صار من أرض الشام إلى أرض الروم، قال: و علمت الروم أنه رسول فكانوا يبذرقونه من موضع إلى موضع حتى بلغ إلى القسطنطينية، ثم دخل على هرقل فدفع إليه الكتاب و أبلغه رسالة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فأبى هرقل أن يجيب إلى شي‏ء من ذلك، ثم أقبل على حذيفة فقال له: يا عربي!هل أتيت ابن عمك هذا الذي جاءنا راغبا في ديننا زاهدا في دينكم؟فقال حذيفة: لا ما أتيته بعد، فقال هرقل: فأته فانظر إلى ما هو عليه، فلعل قلبك يصبوا إلى ما صبا إليه.

قال حذيفة: فخرجت من عند هرقل حتى أتيت باب جبلة فلم أكن رأيت بباب هرقل ما رأيت بباب جبلة من العبيد و الحشم، ثم استأذنت عليه فأذن لي فدخلت عليه فإذا هو جالس على سرير من جوهر الزجاج و للسرير أربعة أركان من الذهب و أربع قوائم من الفضة، و على رأسه تاج من الذهب كثير الزبرجد و الياقوت، قال:

و إذا هو أصهب ذو سبال‏[ (2) ]و عثنون طويل، و إذا قد و خطه الشيب، و قد أمر بالذهب الأحمر فسحل‏[ (3) ]و رمي في لحيته، و قد استقبل عين الشمس بوجهه، فما رأيت منظرا أبهى و لا أحسن منه.

قال حذيفة: فلما رآني حياني و رحب بي و أدناني، ثم إنه عاتبني على تركي النزول عليه، ثم سألني عن أمر الناس و ألح عليّ في المسألة عن عمر بن الخطاب خاصة، فجعلت أخبره بما أرجو عطفه و رجوعه إلى دين الإسلام، قال: فرأيته و قد تنفس الصعداء و عرفت الحزن في وجهه. ثم قال: اجلس يا حذيفة!فجلست على شي‏ء لم أتبينه بديّا، فلما تأملت فإذا هو كرسي من ذهب، قال: فانحدرت عنه، و تبسم جبلة ثم قال: إذا طهّرت قلبك فلا تبال ما لبست و علام جلست، قال فقلت:

[ (1) ]في الإصابة: جثامة بن مساحق بن ربيع بن قيس الكناني. (الأغاني 15/164) .

[ (2) ]السبال جمع سبلة (بالتحريك) ، و هي ما على الشارب من الشعر، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها، أو مقدمها خاصة.

[ (3) ]سحالة الذهب: ما سقط منه إذا برد.

235

إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كان يكره الذهب و قد نهى عنه، و لكن ويحك يا جبلة!ما الذي أخرجك عن قومك و ملكك و بلادك بعد الذي كان منك من الإسلام و الحج إلى بيت اللّه الحرام و قراءة القرآن؟فقال: ويحك يا حذيفة!أو ما بلغك الذي كان من أمر عمر؟أراد أن يقتص مني لرجل من السوقة!فقلت: بلى، لعمري لقد بلغني ذلك، و هذا الأشعث بن قيس الكندي و طليحة بن خويلد الأسدي قد كانا أسلما ثم رجعا عن دين الإسلام و منعا الزكاة و حاربا و قتلا من المسلمين ثم إنهما رجعا تائبين إلى دين الإسلام، قبل ذلك منهما، فقال جبلة: ذر عنك هذا يا حذيفة! ثم أشار إلى خادم واقف بين يديه فخرج الخادم و لم أشعر إلا و غلمان قد أقبلوا يحملون صناديق الأطعمة حتى وضعت، ثم وضعت مائدة من ذهب بين يدي سريره، فنزل عن السرير و جلس على بساط بين يدي السرير ثم دعاني، فاستعففت من ذلك و أن آكل على مائدة من الذهب، فأمر لي بمائدة من الخلنج‏[ (1) ] فوضعت بين يدي، ثم سعى إلينا بكل حار و بارد من طعام ما رأيت و لا سمعت بمثله. قال حذيفة: فكان يوضع بين يديه صحفة من ذهب، و يوضع بين يدي قصعة من خلنج أو جام من قوارير[ (2) ]و فيه من ذلك الطعام الذي يوضع بين يديه، قال: ثم أتي بالخمر، فقلت له: إني رأيت أن تعفني من دورها على المائدة، ففعل، ثم رفعت المائدة و أتي بالوضوء فقدم إليه طشت من ذهب، فلمّا أخذ في غسل يده قمت فغسلت يدي ناحية من الدار على الأرض-أو قال: في بركة ماء كانت في الدار، ثم رجعت إلى موضعي فجلست فيه.

قال: فدعا بقدح إلى أطول ما هو، فشرب فيه خمسا أو ستا أعد ذلك عليه، ثم أشار بعينه إلى خادم له واقف بين يديه، قال: فخرج الخادم فما كان بأسرع أن نظرت إلى عشر جوار قد أقبلن كأنهن التماثيل يحملن كراسي العاج و الآبنوس مغشاة بجلود النمور و جلود الجرو السمور حتى وضعت عن يمينه و يساره، ثم نظرت و إذا بعشر جوار عليهن الوشي و الديباج المذهب و هن يتبخترن في الذهب و الجوهر، فأقبلن حتى جلسن على تلك الكراسي و عيدانهن في حجورهن، قال: و إذا بجارية أخرى قد أقبلت و في يدها إناء من ذهب مملوء بالمسك و العنبر و الكافور المسحوق، [ (1) ]الخلنج شجر تتخذ من خشبة الأواني و نحوها.

[ (2) ]جام: إناء، و هو كما ذكر اللغويون من فضة. و القوارير: الزجاج.

236

و في يدها اليسر جام من فضة مملوء بماء الورد على رأسها طائر أبيض كأنه الثلج بياضا، حتى وقفت بين يدي جبلة، ثم صفرت للطائر فانفض من فوق رأسها حتى سقط في جام ماء الورد، فأخذ ما فيه بريش ذنبه و جناحه، ثم صفرت ثانية فطار حتى سقط في جام المسك و العنبر فأخذ ما كان فيه، ثم صفرت ثالثا فطار الطائر حتى سقط على صليب في تاج جبلة، ثم جعل يذر ما بريشه و جناحيه على تاج جبلة و رأسه و وجهه و لحيته، ثم رجع إلى موضعه و تنحت الجارية.

ثم دعا جبلة بكأس عظيم مترع بالخمر فشربه، فلما استوفاه التفت إلى الجواري اللاتي كن عن يمينه فقال لهن: هاتن فأطربنني، قال: فخطفن‏[ (1) ] عيدانهنّ فاندفعن بصوت واحد. قال: و كان جبلة كلما سمع بيتا من الشعر[ (2) ]فرح و استبشر و تهلّل وجهه ثم قال: للّه در قائل هذا الشعر!و للّه موضع قوم وصف.

قال: ثم دعا بكأس مترع من الخمر فشربه، فلما استوفاه التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: هاتن فأحزنني، قال: حركت الجواري. أوتار عيدانهن و أمسكن من ضرب عيدانهن، فبكى جبلة حتى تحدرت دموعه على لحيته و خده، و إذا بجارية قد أقبلت و معها منديل من ديباج أو حرير فمسحت وجهه و لحيته ثم تنحت.

قال حذيفة: فأقبل علي جبلة فقال: يا حذيفة!أتعرف هذه المنازل اللاتي ذكرن هؤلاء الجواري‏[ (3) ]؟قال فقلت: أعرف بعضها و أنكر بعضها، فقال: هذه و اللّه منازلنا[ (4) ]بالغوطة من أرض دمشق!و لكن هل تعرف الشعر الأول و الثاني؟ فقلت: لا، قال: هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري، كان كثيرا ما يزورنا في [ (1) ]في الأغاني: فخفقن بعيدانهن.

[ (2) ]الشعر في الأغاني 15/166 و العقد 2/59-60.

[ (3) ]و مما غنين: (عن الأغاني 15/166 و العقد 2/60) :

لمن الدار أقفلت بمعان # بين شاطئ اليرموك فالصمان

فحمى جاسم فأبنية الصغر # مغنى قنابل و هجان

فالقريات من بلاس فدار # يا فسكاء فالقصور الدواني

ذاك مغنى لآل جفنة في الد # ار و حق تعاقب الأزمان

قد أراني هناك حقا مكينا # عند ذي التاج مقعدي و مكاني‏

[ (4) ]في الأغاني: في ملكنا بأكناف دمشق. ـ

237

سالف الدهر، قال حذيفة: فقلت: ما أكثر ذكره لك؟فقال: ويحك أ يعيش حسان؟فقلت: نعم و قد كف بصره فليس يهتدي برا و لا بحرا، قال: فدعا بخمسمائة دينار و خمس ديباجات و خمسة أثواب حرير و مثلها بزيون‏[ (1) ]فقال: أحبّ أن توصل هذه إلى حسان، قال: و أراد أن يأمر لي بمثل ذلك فأبيت عليه، فلما أردت الرحيل أقبلت حتى دخلت عليه فقلت: يا جبلة!هل توصيني بشي‏ء أبلغه عنك أمير المؤمنين؟فقال جبلة: و ما عسى أن تكون وصيتي و حاجتي إلى عمر و قد أراد أن يقتصّ مني بلطمة لرجل من السوقة!قال فقلت: إنّ عمر أراد أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و إنما. راد أخذ الحق، فقال: صدقت يا حذيفة و لكن اللجاج و الشقاء غلب عليّ فأحلني هذا المحلّ، و لوددت أني متّ قبل ذلك، و لوددت أني في ديار قومي في أسوء حالة تكون.

قال: فحفظت عنه أبياتا[ (2) ]، ثم رحلت إلى بلاد الشام، ثم صرت إلى المدينة فحدّثت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بما كان من مردّ هرقل ملك الروم عليّ، ثم حدثته بما كان من أمر جبلة بن الأيهم و أنشدته ما سمعته من شعره، قال:

ويحك يا حذيفة!و رأيته يشرب الخمر بعد الإسلام و الحج و القرآن؟فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين!قال: و رأيت الصليب على رأسه؟فقلت: نعم فقال عمر:

أبعده اللّه!فقد تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته فضلّ فما اهتدى.

قال فقلت: يا أمير المؤمنين!إنه قد بعث معي إلى حسان بن ثابت بكذا و كذا، ثم جئته به حتى وضعته بين يديه، فقال عمر لرجل من المجلس: انطلق فادع لنا حسانا و لا تعلمه بشي‏ء من هذا، قال: فمضى الرجل فما كان بأسرع أن أقبل حسانا و قائده يقوده، فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته!إني لأجد ريح آل جفنة بين يديك، قال: فتبسم عمر و أهل المجلس ثم قال: نعم يا أبا الوليد!لقد آتاك اللّه عزّ و جلّ منه بمعونة و بر حسن على رغم أنفه، [ (1) ]بالأصل بربون. و البزيون: الديباج الرقيق. و في العقد: فأمر لي بكسوة و مال، و نوق موقرة برا، ثم قال: فادفع إليه هذه الهدية و إن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله و انحر الجمال على قبره.

[ (2) ]منها: (الأغاني-العقد) .

تنصرت الأشراف من عار لطمة # و كان فيها لو صبرت لها ضرر

فيا ليت أمي لم تلدني و ليتني # رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر

و يا ليت لي بالشام أدنى معيشة # أجالس قومي ذاهب السمع و البصر

238

فاحمد اللّه تعالى على ذلك و اشكره إذ نزع لك هذا منه، قال: فقبض حسان ذلك.

ذكر الطاعون الذي وقع بالشام و من مات هنالك من المسلمين‏

قال: ثم وقع الطاعون بالشام بأرض يقال لها عمواس‏[ (1) ]من بلاد فلسطين، قال: و عمواس قرية من قرى مدينة الرملة، قال: فمات من ذلك بشر كثير من المسلمين ممن كان مع أبي عبيدة بن الجراح من أمراء الأجناد و غيرهم، قال: و نزل بأبي عبيدة ما نزل بغيره، فلما حضرته الوفاة بعث إلى وجوه المسلمين فدعاهم، فلما دخلوا عليه و جلسوا إليه أقبل عليهم بوجهه فقال: أيها الناس!إني موصيكم بوصية فاقبلوها فإنكم لم تزالوا بخير ما بقيتم متمسكين بها و بعد موتكم، أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و صوموا و تصدّقوا و حجّوا و تواضعوا و تباذلوا و تواصوا و انصحوا[ (2) ] أمراءكم و لا تغرنكم الدنيا[ (3) ]فإنّ أحدكم لو عمر ألف سنة ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصيري‏[ (4) ]هذا الذي ترون، لأن اللّه عزّ و جلّ قد كتب الموت على بني آدم فهم متوفون، و أكيسهم أطوعهم لربه و أعملهم ليوم معاده.

قال: ثم التفت أبو عبيدة إلى معاذ بن جبل فقال: أبا عبد الرحمن!صلّ بالنار رحمك اللّه!فقد استخلفتك عليهم من بعدي. قال: ثم توفي أبو عبيدة رحمة اللّه عليه بالأردن من أرض الشام، و بها قبره.

قال: و قام معاذ بن جبل بعد أبي عبيدة بأمور المسلمين، فخطب الناس بعد وفاة أبي عبيدة فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!توبوا إلى اللّه توبة نصوحا، فليس من عبد يلقى اللّه و هو غير تائب من ذنبه إلا كان حقيقا على اللّه أن لا يغفر له إلا أن تتداركه الرحمة، و انظروا!من كان عليه منكم دين فليقضه، فإن العبد [ (1) ]عمواس: رواه الزمخشري بكسر أوله، و سكون ثانيه، و هي كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس. و ضبطها ياقوت بكسر أوله و فتح ثانيه: و قيل هي قرية صغيرة بين القدس و الرملة.

[ (2) ]عند الأزدي ص 267 و اصدقوا أمراءكم، و لا تغشوهم.

[ (3) ]الأزدي: و لا تلهكم الدنيا.

[ (4) ]الأزدي: مصرعي.

239

مرتهن بدينه، و من أصبح منكم مهاجرا[ (1) ]لأخيه المسلم فليلقه و ليصافحه، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام‏[ (2) ]، أيها الناس!إنكم قد فجعتم برجل، و اللّه ما أعلم أني رأيت عبدا من عبيد اللّه أعلن‏[ (3) ]أمرا و لا أبر صدرا و لا أبعد من الغائلة و لا أشد حبا للعافية و لا أنصح لعامة المسلمين‏[ (4) ]منه، فرحمة اللّه على أبي عبيدة!فواللّه‏[ (5) ]لأثنينّ عليه ما حييت ثناء صادقا، و لا أقول فيه باطلا، و لا أخاف أن يلحقني في ذلك من اللّه تبارك و تعالى مقت و لا غضب، كان و اللّه-ما علمت-من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم و المسكين و يبغضون الجبارين و المتكبرين.

قال: فقال عمرو بن العاص لرجل كان إلى جنبه: لعمري لقد استعمله أبو عبيدة فرضي عنه و أحسن الثناء عليه، قال: فجاء ذلك الرجل إلى معاذ فخبره بمقالة عمرو، فأرسل إليه معاذ فدعاه ثم قال: يا عمرو!أ تزعم أن ثنائي على أبي عبيدة بن الجراح لأنه ولاني هذا الأمر من بعده؟إن كنت صادقا فأماتك اللّه بمثل هذه الموتة التي‏[توفي‏]فيها أبو عبيدة، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و آله قد خبرنا أنها ميتة الصالحين‏[ (6) ]، و إن كنت كاذبا فأماتني اللّه بها و أبقاك إلى الفتنة فإنك تحب الإمارة جدا و لعلّك أن تعطي فيها سؤلك يا عمرو!قال: فقال عمرو بن العاص:

أقسمت عليك أبا عبد الرحمن أن لا تغضب و لا تقل إلا خيرا!فواللّه ما أردت بك مساءة قط!قال: فسكت معاذ فلم يرد عليه.

ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كتابا فيه‏[ (7) ]: بسم اللّه الرحمن [ (1) ]الأزدي: مصارما مسلما فليلقه و ليصالحه إذا لقيه و يصافحه.

[ (2) ]زيد عند الأزدي: و الذنب في ذلك عظيم عند اللّه.

[ (3) ]الأزدي: أقل غمرا.

[ (4) ]زيد عند الأزدي: و لا أشد عليهم تحننا و شفقة.

[ (5) ]هذا القول لمعاذ جاء عند الأزدي ص 268 بعد ما دفن أبو عبيدة، انظر مقالته كاملة عنده بعد ما وضعوه في قبره و سفوا عليه التراب.

[ (6) ]إشارة إلى حديث رواه أحمد في مسنده 3/437 قال (ص) : اللهم اجعل فناء أمتي في سبيلك بالطعن و الطاعون. و في رواية أخرى عنده 4/395 قال (ص) : اللّهم اجعل فناء أمتي بالطعن و الطاعون.

[ (7) ]نسخة كتابه في فتوح الأزدي ص 273 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 357/ج ص 489.

240

الرحيم‏[ (1) ]، لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من معاذ بن جبل، سلام عليك، أما بعد! فإنا ننعي إليك رجلا عندنا أمينا، و كان اللّه عزّ و جلّ في عينه عظيما، و كان عليك و علينا عزيزا، أبا عبيدة بن الجراح، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر!ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، و عند اللّه عزّ و جلّ نحتسبه و نحتسب أنفسنا من بعده، و كتبت إليك يا أمير المؤمنين كتابي هذا و قد فشا هذا الموت في الناس و كثر الوباء جدا، و لن يخطئ الموت أحدا، و من لم يمت فسوف يموت، جعل اللّه عزّ و جلّ ما عنده خيرا من هذه الدنيا الدنية![ (2) ]و جزاك اللّه عن خاصتنا و عامتنا خيرا الجزاء!فنعم أخو الإسلام أنت لنا شاهدا و غائبا، و سلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

قال: فلما ورد كتاب معاذ بن جبل على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما و قرأه استعبر باكيا، ثم نعاه إلى جلسائه فجزعوا عليه و بكوا بكاء شديدا و ترحموا على أبي عبيدة.

قال: و اشتد الطاعون بالشام و فشا الموت في الناس، فقال عمرو بن العاص:

أيها الناس‏[ (3) ]!إن هذا الوباء قد وقع فيكم. إنما هو و خز من الجن، فمن أقام به هوى و من انحاز عنه نجا.

قال: فبلغ قوله معاذ بن جبل فكأنه غضب لذلك ثم قال: ويح عمرو بن العاص!إنه ليقول ما ليس له به علم، أ تراه قد صار؟ ثم نادى معاذ بن جبل في المسلمين فجمعهم حتى تكاملوا عنده، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إنه قد بلغني كلام عمرو بن العاص في هذا الوباء الذي يبتلي اللّه عزّ و جلّ به من يشاء من خلقه، و اللّه لقد أسلمنا و صلينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و ان عمرا يومئذ لأضل من حمار شارد عن أهله، و ليس الأمر في الوباء كما قال عمرو بن العاص، لكنها رحمة من ربكم و دعوة نبيه صلّى اللّه عليه و سلم و ميتة الصالحين من قبلكم‏[ (4) ]. ثم قال: اللهم!أعط معاذا و آل معاذ من هذا [ (1) ]سقطت البسملة عند الأزدي و الوثائق.

[ (2) ]عند الأزدي: و إن أبقانا أو أهلكنا فجزاك...

[ (3) ]في الطبري 4/202 إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار. و عند الأزدي ص 269 إن هذا الطاعون هو الرجز الذي عذب اللّه به بني إسرائيل مع الجراد و القمل و الضفادع و الدم.

[ (4) ]راجع الصفحة السابقة حاشية رقم 6. و انظر مسند أحمد 4/195-196.

241

الوباء الحظ الأوفر، إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

ذكر وفاة معاذ و ولده عبد الرحمن‏

قال: ثم انصرف معاذ بن جبل إلى منزله فإذا بابنه قد نزل به الطاعون، فلما نظر إليه معاذ على تلك الحالة[ (1) ]قال: يا بني! اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ، فقال عبد الرحمن: يا أبة سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّابِرِينَ [ (1) ]. قال: ثم مات عبد الرحمن بن معاذ رحمة اللّه عليه، فأمر بغسله و كفنه و حنوطه، ثم صلى عليه و دفنه.

فلما رجع إلى منزله نزل به ما نزل بابنه من الطاعون، فسقط على فراشه، فجعل المسلمون يختلفون إليه و يدعون له بالسلامة و العافية و يخافون عليه من الموت، فكان لا يدخل عليه قوم منهم إلا و عظهم و قال: أيها الناس!اعملوا و أنتم‏[ (2) ]تستطيعون العمل‏[ (2) ]من قبل أن تتمنوا العمل فلا تجدون إلى ذلك سبيلا، أيها الناس!أنفقوا مما عندكم ليوم معادكم من قبل أن تهلكوا و تذروا ذلك كله ميراثا، و اعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا منا أكلتم فأفنيتم، و لبستم فأبليتم، و أنفقتم و أعطيتم ما مضيتم، و ما سوى ذلك فللوارثين.

قال: فقال رجل من الصحابة: يا أبا عبد الرحمن رحمك اللّه!عظني‏[ (3) ] موعظة لا أحتاج فيها إلى غيرك، فقد علمت أني لا أذهب إلى أحد مثلك، قال:

فنظر إليه معاذ و قال: يا هذا!إن صلحاء المسلمين كثير، و لن يضيع اللّه عزّ و جلّ أهل هذا الدين، و لكن خذ عني ما آمرك، كن من الصائمين بالنهار، القائمين بالليل، المستغفرين بالأسحار، الذاكرين اللّه كثيرا على كل حال، و لا تشرب الخمر، [و لا تزنينّ‏]و لا تعق والديك، و لا تأكل مال اليتيم، و لا تقذف المحصنات، و لا تفرّ من الزحف، و لا تأكل الربا، و لا تدع الصلاة المكتوبة، و لا تمنع الزكاة المفروضة، و صل رحمك، و كن بالمؤمنين رحيما[و لا تظلم مسلما، و حج، و اعتمر، و جاهد][ (4) ]، فإذا فعلت ذلك فأنا زعيم لك بالجنة.

[ (1) ]سورة آل عمران: 60.

[ (2) ]عند الأزدي ص 269 و أنتم في مهلة و حياة، و في بقية من آجالكم.

[ (3) ]الأزدي: علمني شيئا ينفعني اللّه بك قبل أن تفارقني فلا أراك و لا تراني، و لا أجد منك خلفا، ثم لعلي أن أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعني بعدك.

[ (4) ]ما بين معكوفتين زيادة عن الأزدي.

242

قال: ثم غمي عليه ساعة، فإذا أفاق من غشيته قال: اللّهم اغفر لي ذنوبي فيما مضى من عمري!فأنا أشهد أنك تعلم أني أحبك.

قال: و أغمي عليه ثانية فقام الناس و خرجوا من عنده، و جاءه الليل و اشتدّ به الأمر فقال لجاريته: يا فلانة!انظري هل أصبحنا، فنظرت الجارية ثم قالت: لا، فسكت ساعة ثم قال: يا جارية!انظري هل أصبحنا، فنظرت الجارية و قالت: لا، فسكت ساعة ثم قال: يا جارية!انظري هل أصبحنا، فنظرت ثم رجعت فقالت:

نعم، فقال معاذ: أعوذ باللّه من ليلة يكون صباحها إلى النار!ثم قال: مرحبا بالموت!مرحبا به زائرا جاء على فاقة!لا أفلح بعد الممات من ندم، اللهم!إنك تعلم أني لم أكن أحب هذه الدنيا لجري الأنهار و لا لغرس الأشجار، و لكن‏[ (1) ] كنت أحبها لمكابدة الساعات‏[ (1) ]و ظمأ الهواجر و مزاحمة العلماء في حلق الذكر.

فقال له رجل من الصحابة[ (2) ]: يا أبا عبد الرحمن!زدنا رحمك اللّه!زدنا من مواعظك و أوصنا بوصية نأخذها عنك، فإنا لا نلتقي في هذه الدنيا،

فقال معاذ:

حدثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنها ليست ساعة الكذب هذه الساعة، إنه لا يموت عبد من عبيد اللّه و هو يشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ وَ أَنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا وَ أَنَّ اَللََّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ [ (3) ]إلا و أدخله عزّ و جلّ الجنة و حرم عليه النار.

قال: فقال له عبد الرحمن بن غنم الثمالي: زدنا رحمك اللّه!فقال معاذ:

نعم، عليكم بطلب العلم، فاطلبوه و تعلموه، فإن طلبه عبادة، و تعلمه للّه خشية، و مذاكرته تسبيح، و البحث عنه جهاد، و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة، و بذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال و الحرام، و منار سبل الجنة، و الأنس في الوحشة و المحدث في الخلوة، و الصاحب في الغربة، و السلاح على الأعداء، و التزين عند الأخلاء، و التقرب و الدليل على السراء و الضراء، يرفع اللّه عزّ و جلّ به أقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، و أئمة في الخير يقتص آثارهم و يهتدى بهدايتهم و أفعالهم، و ينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، [و]بأجنحتها [ (1) ]عند الأزدي ص 271: و لكني كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل و طول الساعات في النهار.

[ (2) ]هو عبد اللّه بن الديلمي كما في فتوح الأزدي ص 271.

[ (3) ]زيد عند الأزدي: و يؤمن بالرسل، و بما جاءت به أنه حق، و يؤمن بالجنة و النار.

243

تمسحهم، و في صلاتها يستغفر لهم كل رطب و يابس و حيتان البحر و هوامّه و سباع البر و أنعامه، لأنّ العلم حياة القلب من العمى، و[نور]الأبصار من الظلمة، و قوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد بالعلم منار الأبرار و منازل الملوك و الدرجات العلى في الدنيا و الآخرة، الفكرة فيه تعدل بالصيام و مدارسته تعدل بالقيام، به يطاع ربنا و يعبد، و به يعمل له و يحفد، و به توصل الأرحام، و يعرف الحلال من الحرام، يرزقه اللّه عزّ و جلّ السعداء و يحرمه الأشقياء، ألا!و إن المتقين سادة، و الفقهاء قادة، و النظر إليهم عبادة، و الجلوس إليهم بركة و زيادة.

قال: ثم شهد معاذ بن جبل شهادة الحق و توفي-رضي اللّه عنه-. و قد استخلف على المسلمين عمرو بن العاص، و هو الذي صلى عليه و أدخله قبره في رجال. فلمّا خرجوا و حثوا عليه التراب قال عمرو بن العاص: رحمة اللّه عليك يا معاذ!فلقد[ (1) ]كنت ناصحا للمسلمين عظيم الغنى عن جماعتهم‏[ (1) ]، كنت مؤدّبا للجهال، شديدا على الفاجر[رحيما بالمؤمنين‏][ (2) ]و أيم اللّه لم نجد بعدك مثلك أبدا.

قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما[ (3) ]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏[ (4) ]، لعبد اللّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد!فإنه قد حدث من قضاء اللّه الذي كتبه على عباده أن توفي معاذ بن جبل رحمة اللّه عليه، فعظم اللّه أجرك يا أمير المؤمنين في معاذ و أجرنا معك!و قد استأذنني المسلمون في التنحي عن القرى و المدن إلى البراري و الفلوات فأذنت لهم في ذلك و علمت أن إقامة المقيم لا يفوته شي‏ء من أجله، و كذلك الهارب لا[ (5) ]يفوت ربّه و لا[ (6) ]يتعدى ما قدّر عليه، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته‏[ (7) ].

[ (1) ]عند الأزدي ص 272 فقد كنت ما علمناك من فصحاء المسلمين، و من خيارهم و من أعلامهم.

[ (2) ]عن الأزدي.

[ (3) ]نسخته في فتوح الأزدي ص 273 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 357/د. ص 490.

[ (4) ]سقطت البسملة عند الأزدي و الوثائق.

[ (5) ]عند الأزدي: لا يباعده من أجله.

[ (6) ]عند الأزدي: و لا يدفع به قدره.

[ (7) ]من هنا سقطت العبارة من الأصل و قد أثبتنا بين معكوفتين ترجمة الفارسية لهذا الكتاب ص 73-76.

244

[و حين وصلت رسالة عمرو بن العاص إلى عمر رضي اللّه عنه حول وفاة معاذ بن جبل الذي قضى على إثر أبي عبيدة، بكى كثيرا[ (1) ]كما تحسر المسلمون على ذلك. ثم قال عمر: رحم اللّه معاذا فقد كان رجلا عالما و زاهدا، و لقد كانت وفاته أوجدت ثغرة كبيرة في المسلمين، و قد حرم الناس من علمه و فضله فقد كانوا يشاورونه في أمهات المسائل و كان يفيدهم بعلمه و فضله الشي‏ء الكثير. جعل اللّه جزاءه أفضل ما جازى به العباد الصالحين و جعل مقره في جنات النعيم. ثم رأى أمير المؤمنين أن المصلحة في تفويض الإمارة ليزيد بن أبي سفيان على سائر المدن التي فتحها المسلمون و جميع الجيوش الموجودة في الشام و أن يفعل ما يراه صالحها ثم كتب له رسالة بهذا المضمون‏[ (2) ]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم... [ (3) ] من أمير المؤمنين عمر إلى يزيد بن أبي سفيان:

اعلم أنه بعد أن مات كل من الأمراء: أبو عبيدة بن الجراح، و معاذ بن جبل و خالد بن الوليد، فإن زمام أمور جيش المسلمين قد سلمت لك. فنفّذ ما جاء في هذه الرسالة كما هو معهود بك من شهامة كاملة و حصافة في الرأي حتى يفرغ بالنا عن هذا الثغر، و لقد أرسلت الرسائل إلى بقية وجوه الجيش‏بأن يتبعوا يزيد بن أبي سفيان‏[ (4) ]و أن لا يخالفوه في قول أو فعل. و حين تصل إليك هذه الرسالة، اجمع الجيش ثم انطلق به و بأصحابك نحو قيسارية و اجتهد بألاّ تغادر تلك المدينة حتى تفتحها، فإنك بذلك تقطع طمع هرقل في ولاية الشام، فأدرك هذا المعنى ثم سر على بركة اللّه.

و لما وصلت رسالة أمير المؤمنين إلى يزيد بن أبي سفيان و الأمراء و قادة [ (1) ]عند الأزدي: جزع عليه جزعا شديدا، و بكى عمر رحمه اللّه و المسلمون، و حزنوا حزنا شديدا.

[ (2) ]نسخة الكتاب في فتوح الأزدي ص 276 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 357/و، ز باختلاف النصوص.

[ (3) ]سقطت البسملة عند الأزدي.

[ (4) ]نص رسالة عمر إلى أمراء الأجناد-نسخة واحدة عن الأزدي ص 276 أما بعد، فقد وليت يزيد بن أبي سفيان أجناد الشام كله، و أمرته أن يسير إلى قيسارية، فلا تعصوا له أمرا و لا تخالفوه له رأيا، و السلام. ـ

245

الفرسان، اطلعوا على مضمونها. سرّوا بإمارة يزيد و أطاعوا أمر أمير المؤمنين و بناء على إشارة أمير المؤمنين‏[ (1) ]جمع الجيش و اتجه صوب قيسارية، ثم نزل في منزل يقال له «الكسوة» من أطراف دمشق. و أقاموا هناك عدة أيام حتى تجتمع الجنود.

ثم وقف يزيد بن أبي سفيان خطيبا في الجيش فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على نبيه صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال‏[ (2) ]: أيها الناس، إن أمر أمير المؤمنين قد وصل إلى و فيه يأمرني بأن أسير بكامل الجيش نحو قيسارية و أن أدعوا أهل تلك المنطقة إلى كتاب اللّه و سنة رسوله عليه الصلاة و السلام. فإن قبلوا الإسلام و الإيمان فهو المراد و إلا فسنحاربهم و نستعين باللّه على فتح تلك البلدة. هذا هو الحال لتعلموا و توطنوا قلوبكم على الغزو و الجهاد، و تستبشروا بالغنيمة و الفتح و الثواب و الشهادة و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

و حين فرغ يزيد من خطبته، اتجه الجيش إلى قيسارية، و حين وصلوها وجدوا كبار الروم و بطارقتهم و قواد هرقل مع جيش كثيف فانطلق حبيب بن مسلمة الفهري الذي كان على مقدمة جيش يزيد بن أبي سفيان و نزل قرب قلعة قيسارية و أخذ في الحصار. فرأى أن الجيش قد خرج من القلعة و اتجهوا للقتال ضده‏و حملوا على حبيب و جيشه و هزموهم إلى معسكر يزيد. و حين رأى يزيد الحال أخذ في تعبئة الجيش فأعطى الميمنة[ (3) ]للأشتر النخعي و جعل على الميسرة الضحاك بن قيس الفهري، كما أعطى الجناح لعبادة بن الصامت، و على هذا الأساس انطلق حتى وصلوا إلى بوابة قلعة قيسارية فخرج إليهم جيش الروم و التحموا معا حتى التقت رؤوس الخيل فنادى يزيد بن أبي سفيان: أيها المسلمون: اثبتوا و حاذروا من الفرار الذي يوصل الإنسان إلى نار جهنم، و بالخسارة للدنيا و الآخرة. و حين سمع المسلمون هذا الكلام اشتدت عزيمتهم على الحرب و ظلوا يحاربون من طلوع الشمس إلى غروبها حتى أظفرهم اللّه على عدوهم، فهرب الروم من أمامهم فلحق بهم المسلمون فقتلوا منه خلقا كثيرا و بعضهم التجأ إلى القلعة فنزل يزيد على بوابتها [ (1) ]كتب يزيد بن أبي سفيان إلى أمراء الأجناد-نسخة واحدة (عن الأزدي ص 276) : أما بعد فإني قد ضربت على الناس بعثا، أريد أن أسير بهم إلى قيسارية فأخرجوا من كل ثلاثة رجلا، و عجلوا أشخاصهم إليّ، و السلام.

[ (2) ]قارن مع الأزدي ص 278 و فيه اختلاف.

[ (3) ]عند الأزدي: عبادة بن الصامت الأنصاري على الميمنة. ورد حبيب بن مسلمة على الخيل.

246

و أخذ يناوشهم، و هكذا قاتل الروم أكثر من مرة و كان النصر حليفا للمسلمين. و لما رأى الروم أن الحرب تجري على منوال واحد لم يخرجوا من القلعة. فجمع يزيد بن أبي سفيان عدة من وجوه الجيش و ذوي الرأي و شاورهم حول الموقف قائلا: إننا في هذا المكان نعاني من قلة العدد في الدواب و جيشنا كبير و نحن عاجزون عن تأمين العلف و يتعذر علينا البقاء هنا و ليست هناك حاجة لجميع الجيش فالرأي عندي أن يبقي جماعة من الجيش على حصار هذه القلعة فإن خرجوا إليهم قاتلوهم و إلا ظلوا محبوسين داخل القلعة، ثم يذهب القسم الآخر إلى دمشق فأجابوه: الرأي هو ما رأيت و لا نزيد عليه شيئا. حينئذ دعى يزيد شقيقه معاوية و سلمة أربعة آلاف فارس من خيرة الجنودو أمره بأن يقيم حول القلعة فإن خرج إليه أحد من أهلها قاتله و إلاّ فإنهم يظلون محصورين إلى أن يأذن اللّه بوسيلة لهذا الأمر. فقبل معاوية ذلك فتركه يزيد هناك و انطلق ببقية الجيش نحو دمشق. و حين رأى جيش الروم أن يزيد قد عاد و أن معاوية ليس معه سوى عدد قليل من الجند، رأوا أن الوقت قد حان لإزالتهم.

فغلبهم الطمع و خرجوا من القلعة بجيش مرتب و عدد كبير و شرعوا بالحرب فقابلهم معاوية بجيشه و وقعت حرب شديدة و لكن العاقبة كانت لصالح المسلمين، و قتل من الروم أكثر من عشرة آلاف و فر الباقون و التجأوا إلى القلعة، ثم فكروا بأنهم لا طاقة لهم بالحرب فالمسلمون أشجع منهم و شوكتهم و قوتهم أكثر منهم. و الدولة أيضا لهم، و أن المصلحة في إجراء الصلح معهم.

في اليوم الثاني أرسلوا شخصا إلى معاوية و طلب الصلح على أساس أن يترك معاوية البلد و يقدموا له عشرين ألف دينار نقدا و يقدموا الجزية و بعد ذلك يصبحون مطيعين: فكتب معاوية إلى أخيه رسالة شرح له فيها الوقائع التي حصلت و مطلب أهل قيسارية حول الصلح فأجابه يزيد بالموافقة على الصلح. حينئذ، كتب معاوية عهد الصلح‏[ (1) ]ثم أدّى أهل البلد المبلغ المقرر، ثم سار معاوية مع الجيش إلى [ (1) ]كذا بالأصل، و فتوح البلدان ص 146. أما بالنسبة إلى قيسارية فقد اختلفوا في سنة فتحها و على يد من فتحت؟ قيل فتحت سنة 15 و قيل سنة 19 و قيل سنة 20 و قد ذكر الطبري و ابن الأثير فتحها سنة 15. و ذكر اليعقوبي فتحها سنة 18.

و فيمن فتحها أقوال: فالطبري و ابن الأثير و اليعقوبي و ابن كثير فتحها معاوية بن أبي سفيان بأمر مباشر من عمر بن الخطاب. و ذكر في الطبري 4/156 كتاب عمر إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر

247

دمشق و انتهى أمر قيسارية على هذا النحو. ثم كتب يزيد رسالة إلى أمير المؤمنين‏[ (1) ]، عمر، رضي اللّه عنه، ذكر فيها الوقائع التي جرت مع أهل قيسارية و الصلح الذي انتهوا إليه كما أرسل إليه خمس المال. و حين اطلع أمير المؤمنين على ما جرى، سر سرورا عظيما و شكر الله على ذلك و أجاب على رسالة يزيد بما يلي‏[ (2) ]:

أما بعد، فاعلم بأن رسالتك قد وصلت و فهم مضمونها و سررت بخبر فتح قيسارية و حمدت اللّه على ذلك الذي أراح بالي من هذه المهمة و وسع عليكم في الرزق و قهر عدوكم و حقق آمالكم‏فاشكروا اللّه على نعمه الذي تزداد نعمه بالشكر، و تدوم السعادة وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا . و السلام عليكم و رحمة اللّه.

ثم جاء الخبر إلى أمير المؤمنين بأن الروم قد جمعوا جيشا عظيما في منطقة الجزيرة. و قد اجتمعت عدة عظيمة من الفرسان و الرجّالة و معهم الآلات و العدد الوفيرة، فجمع أمير المؤمنين الأنصار و المهاجرين و كبار الصحابة و أخبرهم بما جرى و قال: إن بلاد الشام لا يمكن فصلها عن منطقة الجزيرة، و ما لم نحكم الجزيرة فلن يحصل لنا مقصود و عيشنا سيكون منغصا، و قد التقى الروم هناك و قد عزموا على التحرك، و إني قد دعوتكم لتفكروا بهذا الأمر و أن تخبروني بما تروه صالحا و صائبا في هذا الموضوع. و من ترونه أهلا للقيام بهذا الأمر حتى يستريح خاطرنا من هذه الجهة فلقد توفي في الشام معظم القادة العظام الذين كانوا هناك و لم يبق منهم سوى يزيد بن أبي سفيان و هو من رجال المهمات العظيمة و هو الآن في دمشق. و تلك [ () ] إليها و استنصر اللّه عليهم و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا باللّه، اللّه ربنا و ثقتنا و رجاؤنا و مولانا نعم المولى و نعم النصير.

و قال الواقدي: اختلف علينا في أمر قيسارية، فقال قائلون: فتحها معاوية، و قال آخرون بل فتحها عياض بن غنم، و قال قائلون: بل فتحها عمرو بن العاص، (انظر فتوح الشام للواقدي 2/35 و فتوح البلدان ص 146) .

قال الواقدي: صالح أهل قيسارية عمرو بن العاص على أن يسلموا له المدينة فصالحهم على مائة ألف درهم و ما ترك الملك من خزائنه و رجاله فأجابوه إلى ذلك، و كتب لهم كتاب الصلح. و دخلها يوم الأربعاء في العشر الأول من رجب الفرد سنة تسع عشرة. و هو الثبت قاله البلاذري.

[ (1) ]نسخة الكتاب في الوثائق السياسية وثيقة رقم 357/ط، ي ص 492-493 باختلاف، و بعث الرسالة مع رجلين من جذام (اليعقوبي 2/151) .

[ (2) ]الوثائق السياسية وثيقة 357/ط، ي.

248

الولاية منضبطة بسببه و لا يمكن تركها بدون أن يقوم بأمورها شخص رشيد مثله.

فسموا لي رجلا موصوفا بالشجاعة و العقل و التقوى و يكون قادرا على إنجاز هذه المهمة لكي أبعث به لفتح بلاد الجزيرة. و بعد التفكر الدقيق قرّ رأيهم على أن عياض بن غنم الفهري هو الشخص المطلوب لمثل هذه المهمة، فهو رجل فارس مشهور و تقي فقبل به عمر و رآه رجل الساعة، و من ثم أرسل له رسالة[ (1) ].

بسم اللّه الرحمن الرحيم...

هذا كتاب من عبد اللّه عمر، أمير المؤمنين إلى عياض بن غنم الفهري أما بعد، سلام عليك.

لقد وجدناك حريصا على مصلحة المسلمين و رأيناك تنصح المسلمين و تحرضهم على اتباع طريق الخير و إحياء معالم الطاعة، كما أن أسلافك على نفس هذا النهج الممدوح المقبول، فبشرى لك بالثواب الجزيل و الثناء الجميل في الدنيا و الآخرة و بما أن سيرتك و سريرتك على هذا الأساس فإني أرجو لك أن تحقق آمالك في الدين و الدنيا و أن يكون ذكرك حسنا و خالدا إن شاء اللّه. و اعلم الآن بأن قواد الروم قد اجتمعوا في بلاد الجزيرة، لذا فإنني عازم على إرسال جيش لمقابلتهم و أحتاج إلى قائد شجاع و عاقل يخاف اللّه و قد تذاكرنا حول هذا الموضوع و تشاورنا مع وجهاء الصحابة فأجمعت الآراء على انتخابك أنت لهذه المهمة، و ظننا أنك كفوء لهذا الأمر. فمتى وصلك كتابي هذا، اختر قسما من جيش يزيد بن أبي سفيان، ثم توجه إلى بلاد الجزيرة و اجعل التقوى شعارك. و اتق اللّه في السر و العلن، و اجعل في الأمور المهمة كتاب اللّه و سنة رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم و سنة خليفته الصديق إماما لك في جميع أمورك‏]انتهى‏[ (2) ].

بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم و سنّة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، و قد رأيت و شاهدت ما فتح اللّه عزّ و جلّ من أرض الشام في [ (1) ]كذا. و عند الطبري 4/196 أن عمر بن الخطاب أرسل كتابا إلى سعد بن أبي وقاص أن يرسل جيشا إلى الجزيرة و يؤمر عليهم أحد ثلاثة... أو عياض بن غنم... فخرج عياض إلى الجزيرة.

و في فتوح الشام للواقدي 2/97 أن عمر بن الخطاب أرسل إلى أبي عبيدة كتابا و فيه... فاعقد عقدا لعياض بن غنم الأشعري!و جهز معه جيشا إلى أرض ربيعة و ديار بكر.

[ (2) ]إلى هنا ينتهي ما سقط من الأصل و استدركناه عن الترجمة الفارسية.

249

القلة و الكثرة من عدوكم،

و قد سمعت ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يوم الخندق إذ أقبل علينا فقال: «ليفتحن عليكم أرض كسرى و قيصر و ليغنمنكم اللّه أموالها»

[ (1) ]، فقد رأيت ذلك يا عياض‏و شهدت منه ما شهدت، و قد صدق اللّه عزّ و جلّ قول نبيه عليه السلام في ذلك و أظهركم على عدوكم، فصاروا ذمة لكم يؤذون الجزية عن يد و هم صاغرون، و قد هرب رئيس الكفرة هرقل صاحب الروم خائفا وجلا منكم، حتى صار إلى أقاصي الروم فزعا مرعوبا شريدا طريدا، و ذلك بفضل اللّه و نعمته و حوله و طوله، فإني قد كتبت إلى يزيد بن أبي سفيان أن يمدّك بجند تقوى بهم إن شاء اللّه تعالى و لا قوة إلا باللّه.

فلمّا ورد كتاب عمر على عياض بن غنم نادى في المسلمين و أقرأهم الكتاب ثم ندبهم إلى المسير إلى بلاد الجزيرة، فأجابوه إلى ذلك سراعا. قال: فانتخب عياض خمسة آلاف رجل من عسكر يزيد بن أبي سفيان من أهل البأس و الشدّة على دواب فره و سلاح شاك و عدة كاملة و تعبية حسنة، ثم خرج من الشام يوم الخميس للنصف من شعبان‏[ (2) ]، و على مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي، و على ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم، و على ميسرته‏[ (3) ]عبد اللّه بن سعيد السعدي، و على ساقته صفوان بن المعطل السلمي، و سار حتى صار إلى الرقة[ (4) ].

ذكر فتح مدينة الرقة من بلاد الجزيرة

قال: و بالرقة يومئذ جمع من الروم عظيم، فنزل عياض بن غنم قريبا من سورها، ثم بث السرايا حولها، فغنم المسلمون غنيمة حسنة.

قال: و أشرفت الروم من حيطان الرقة، فجعلوا يرمون بالحجارة و النشاب، [ (1) ]روى أحمد في مسنده روايتين بهذا المعنى 4/128 و 5/288.

[ (2) ]و ذلك سنة 18 كما في فتوح البلدان ص 177. و فيما نقله الطبري عن سيف بن عمر سنة 17، و قال ابن إسحاق سنة 19.

[ (3) ]في فتوح البلدان: على ميسرته صفوان بن المعطل السلمي و كان خالد بن الوليد على ميسرته (كذا) و يقال إن خالد لم يسر تحت لواء أحد بعد أبي عبيدة (فتوح البلدان ص 177) .

[ (4) ]الرقة: مدينة مشهورة على الرقة. قال ياقوت: أرسل سعد والي الكوفة في سنة 17 جيشا عليه عياض بن غنم فقدم الجزيرة، فبلغ أهل الرقة خبره.... فبعثوا إلى عياض في الصلح فقبله منهم (معجم البلدان) .

250

فلمّا كان الليل خرج عياض بن غنم في قريب من ثلاثمائة فارس، حتى صار إلى باب يقال له باب جروان‏[ (1) ]، و ذلك بعد ثلاث ساعات من الليل أقل أو أكثر. قال: و إذا بجماعة من الروم على ذلك الباب و قد أوقفهم صاحب الرقة عليه و أمرهم بحفظه، قال: و قد شرب القوم شرابا فسكروا. فلما أشرفت عليهم خيل المسلمين في جوف الليل فزعوا لذلك ثم وثبوا إلى أسلحتهم و دوابهم، و عاجلهم المسلمون فقتلوا منهم من قتلوا، و أسروا الباقين فكتفوهم و أتوا بهم إلى عسكرهم في وقت السحر.

قال: و أصبحت الروم و قد بلغهم ذلك، فأشرفوا على أبراج المدينة، فنظروا إلى أصحابهم مأسورين و قد قتل منهم من قتل، فجزعوا لذلك جزعا شديدا.

قال: ثم أرسل بطريق الرقة إلى عياض بن غنم: إن رأيت أن تأذن لي في كلامك!فأرسل إليه عياض بن غنم: إن أردت كلامي فانزل إلي و كلمني، قال البطريق: إني أخاف أن أقتل من قبل أن أصل إليك، فأرسل إليه عياض: إنك آمن على نفسك حتى ترجع إلى مأمنك، قال: فاكتب لي أمانا يكون لي و لعشرة معي، قال: فكتب له عياض أمانا و بعث إليه منشورا قد ختمه بخاتمه.

قال: فنزل بطريق الرقة و معه عشرة من بطارقته، عليهم الحرير و الديباج، و في أوساطهم مناطق الذهب المرصعة بالجوهر، حتى وقفوا بين يدي عياض قال:

فرفع عياض رأسه فنظر إلى بطريق الرقة في زيه ذلك، فقال له: ما اسمك؟قال:

اسمي بنطس‏[ (2) ]، فقال عياض: قل ما تشاء و سل ما بدا لك!قال بنطس: أيها الأمير!ما اسمك؟قال: اسمي عياض، قال: ابن من؟قال: ابن غنم: قال:

فحرك البطريق رأسه ثم نظر إلى أصحابه و تبسم، ثم قال: إلى ما تدعو؟قال عياض: أدعو إلى قول لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، فإذا قلتم ذلك‏و صمتم و صليتم و أديتم زكاة أموالكم و أحللتم ما أحل اللّه لكم و حرمتم ما حرمه عليكم فقد حرمت علينا دماؤكم و أموالكم إلا بحقها، و حسابكم على اللّه.

قال بنطس: فإن لم نقل ذلك؟قال عياض: فإن لم تقولوا ذلك فأدّوا الجزية عن يد و أنتم صاغرون و كونوا لنا ذمة و قروا في دياركم على دينكم و نحن نذب عنكم من بغاكم من أعدائكم، قال بنطس: أيها الأمير!فإني أقيم على ديني و لا أفارقه [ (1) ]كذا، و لم نجده.

[ (2) ]في فتوح الشام للواقدي 2/98 «يوحنا» .

251

و أصالحك على ما تريد.

قال: فصالحه عياض على عشرين ألف دينار عاجلة، و على أنه وضع على كل محتلم منهم في كل سنة أربعة دنانير[ (1) ]، و كلما أدرك منهم غلام يلحق بالجزية، و عليهم بعد ذلك العشر في مواشيهم، و عليهم الضيافة للمسلمين إذا نزلوا بهم ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فلا يؤخذ منهم شي‏ء إلا بثمنه. قال: فرضي بذلك بنطس بطريق الرقة بما صالحه عليه، و أشهد عليه المسلمين و ختمه بخاتمه و دفعه إليه‏[ (2) ].

ثم قال لبنطس: أسألك عن شي‏ء فخبرني!قال بنطس: و ما ذاك أيها الأمير؟ فقال: رأيتك سألتني عن اسمي و أخبرتك، ثم استخبرتني عن اسم أبي فأخبرتك، فالتفت إلى أصحابك و تبسمت. فلما ذا كان ذلك؟قال بنطس: إن الصدق لا يعدله شي‏ء، و الكذب عندنا أقبح الأشياء، أيها الأمير!إني أنا بطريق هذه المدينة و ابن بطارقتها، و كذلك آبائي و أجدادي ما زالوا يتوارثون بطرقة هذه المدينة في الزمن القديم، غير أن الفرس قد كانوا تغلبوا علينا و قهرونا و تولوا علينا في مدينتنا هذه، و قد كان غضب علينا هرقل ملك الروم فأرسل إلينا القبط، فنزلوا علينا و آذونا غاية الأذى، و قد كنا على يقين أن ملكنا يعود إلينا للذي أصبناه في كتبنا أن مدينتنا هذه لا يغلب عليها أحد و لا يعطون لأحد الطاعة إلا لرجل عربي يقال له غنم أو ابن غنم، فلما سألتك عن اسمك و خبرتني به ظننت أنك صاحبنا فأشرت إلى أصحابي و خبرتهم بما يعلمون، فقال له عياض: ويلك يا بنطس!فأنتم أهل كتاب و علم و تجدون عندكم نعت نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم و آله) و صفته أ فلا تتبعونه؟قال: فقال بنطس:

إي و المسيح ابن مريم!لقد بشرنا في الإنجيل باسم محمد[صلى اللّه عليه‏]و آله و صفته، و إنه لعربي و هو خير الأنبياء، و أمته خير الأمم يوم القيامة، و هو الذي يركب الحمار و يلبس الشملة و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و ما نظنه إلا من بني إسرائيل، فقال عياض: تظنونه من بني إسرائيل و أنتم تجدونه في كتبكم عربيا؟قال بنطس: إنا ظننا أنه يتكلم بالعربية و لا يكون عربيا، و أعلمك أيها الأمير أني دعوت [ (1) ]في فتوح البلدان ص 177: دينار في كل سنة، و يقال: أربعة دنانير.

[ (2) ]نسخة كتاب عهد عياض إلى أهل الرقة (عن فتوح البلدان ص 178) :

بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عياض بن غنم أهل الرقة يوم دخلها، أعطاهم أمانا لأنفسهم و أموالهم و كنائسهم لا تخرب و لا تسكن إذا أعطوا الجزية التي عليهم و لم يحدثوا مغيلة و على أن لا يحدثوا كنيسة و لا بيعة و لا يظهروا ناقوسا و لا باعوثا و لا صليبا. شهد اللّه. و كفى باللّه شهيدا.

252

قومي هؤلاء من أهل الرقة إلى دينكم فأبوا عليّ و قالوا: إن قلت هذا الكلام قتلناك، فلذلك خفتهم على نفسي، فهذه قصتي و هذا حالي. فعجب عياض بن غنم من صدق البطريق، و أقام بالرقة أياما ثم رحل منها.

ذكر فتح مدينة الرّهاء من بلاد الجزيرة

قال: و أهل الرهاء[ (1) ]قد بلغهم يومئذ خبر عياض بن غنم و فتح الرقة فجزعوا لذلك جزعا شديدا و قد جمعوا الأطعمة و الأشربة و العلوفة إلى مدينتهم و هم على خوف شديد من المسلمين، قال: و قد هيئوا العرّادات على أبرجة المدينة و قد جمعوا الحجارة و عزموا على حرب المسلمين.

قال: فلم يشعروا إلا و الخيل قد وافتهم بالتكبير و التهليل، فلما سمع أهل الرهاء ذلك أخذهم الخوف و هم في ذلك يتجلّدون و يتشجعون، قال: و تقاربت خيل المسلمين من المدينة، قال: و تقدمت الرايات و الأولوية، فجعل أهل الرهاء يقول بعضهم لبعض: القوم في عشرين ألفا أو يزيدون و ما نظن أن لنا بهم طاقة.

قال: و أقبل عياض بن غنم و الكتائب عن يمينه و شماله يتلو بعضهم بعضا، حتى نزل و ضرب عسكره على الباب الأعظم من أبواب الرّهاء-و هو الباب الذي يخرج منه إلى أرض الروم-. قال: و التحم الأمر بين الفريقين، فاقتتلوا خمسة عشر يوما لا يقرّون ليلا و لا نهارا. قال: و جعل أهل الرهاء ينظرون إلى رجال أبطال فرسان في متون الخيل، فعلموا أنه لا طاقة لهم بالمسلمين، فاستغاثوا إلى بطريقهم الأكبر-و اسمه ميطولس-فقالوا: أيها البطريق!إنه لا طاقة لنا بهؤلاء العرب، فإما أن تصالحهم كما فعل أهل الرقة و إلا سلّمنا إليهم المدينة.

قال: فلما نظر البطريق إلى الجزع و الفشل أرسل إلى عياض بن غنم يسأله الصلح على أن يعطيه ما أعطاه أهل الرقة، فأجابه عياض إلى ذلك، فكتب له‏[ (2) ] و لأهل المدينة كتابا بالصلح‏[ (3) ]و أشهد عليه المسلمين. ثم نادى عياض في عسكره:

[ (1) ]الرهاء: بضم أوله، و المد، و القصر، مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام.

[ (2) ]نسخة كتاب عياض بن غنم لأسقف الرها في فتوح البلدان ص 178 و الوثائق السياسة وثيقة رقم 360.

[ (3) ]نسخة كتاب عياض بن غنم لأهل الرها في فتوح البلدان ص 179 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 361. ـ

253

ألا إن أهل الرهاء في ذمتنا و عهدنا، فلا تؤذوهم و لا تدخلوا عليهم في منازلهم إلا بإذن. قال: فكفّ المسلمون عن محاربة أهل الرهاء، و أخذ عياض منهم ما صالحهم عليه، و أعجبته المدينة و أقام بها أياما.

قال: و اصطنع له ميطولس بطريق الرهاء طعاما كثيرا ثم جاء إليه فقال: أيها الأمير!إني قد فرشت الكنيسة العظمى و قد أحببت أن تتغذى عندي أنت و من شئت من قومك، و تكرمني بإجابتك إياي إلى طعامي، حتى ترى أصحابي إكرامك لي، قال فقال عياض: يا ميطولس!لو فعلت ذلك بأحد من أهل دينك لفعلته بك، غير أني رأيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما دخل بيت المقدس اصطنع له البطريق طعاما و دعاه إليه فلم يجبه عمر إلى ذلك، و أنا أيضا لا أحب أن أفعل ما لم يفعله عمر، قال ميطولس: أيها الأمير!فمر أصحابك يجيبوني إلى ذلك، قال: ما كنت بالذي آمرهم و لا أنهاهم.

قال: فبقي الطريق واقفا بين يدي عياض لا يدري ما يقول، فقال له عياض:

أيها البطريق!إنما أنت تفعل بنا ذلك خوفا على أرضك، و إنما يجب عليك أن تفعل هذا بمن يأتيك من بعدنا، فأما نحن فقد و فينا لك بالصلح، فلا تخف منا ظلما و لا أن نحملك ما لا تطيق!قال: فانطلق البطريق إلى أصحابه و هو يقول: هذا أفضل رجل يكون.

قال: و إذا امرأة نصرانية قد أقبلت على عياض بن غنم مع ابن عم لها فاختصمت إليه في شي‏ء كان بينهما، قال: فقضى عياض للرجل على المرأة بالحق، ثم إنه نظر إليهما و تأملها فرأى لها حسنا و جمالا فقال لها: لك زوج؟ فقالت: لا، فقال: هل لك في زوج؟فقالت: ما أحوجني إلى ذلك إن كان الزوج على ما أريد، قال عياض: فإن كان الزوج على ما تريدين أ تخرجين من دين النصرانية و تدخلين في دين الإسلام؟فقالت له: ما أفارق دين النصرانية أبدا، و ما على الزوج مني؟له دينه و لي ديني، قال: فهمّ عياض أن يتزوجها، ثم قال: أمير قوم يتزوج بكافرة، هذا ما لا يحسن، فأعرض عنها و تركها. فجاءها رجل من أصحاب عياض فخطبها، فقالت: أنا خطبة أميرك و ليس لي في غيره من حاجة، قال: ثم إن هذه المرأة اصطنعت لعياض طعاما كثيرا و أرسلت به إليه، فقبله منها و وهب لها جارية مما صار إليه من سهمه.

254

خبر بسر[ (1) ]بن أرطأة و عياض بن غنم‏

قال: فبينما عياض بن غنم بالرهاء و قد فتحها و وضع الجزية عليها و الناس آمنون و السوق قائمة إذ وقعت الصيحة، ففزع الناس و بادر عياض إلى سلاحه فلبسه و ركب فرسه، و نادى في الناس، فلبسوا أسلحتهم و استووا على خيولهم و خرجوا من المدينة، فإذا عسكر لجب و راية بيضاء، فظن المسلمون أنهم من طاغية الروم، و إذا هم مدد وجه بهم يزيد بن أبي سفيان من الشام بكتاب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و هم ألف رجل أميرهم يومئذ بسر بن أرطأة الفهري، فنزلوا و قالوا: أشركونا في المغانم، فقال: أما ما فتحه المسلمون و أحرزوا غنائمه فلا حق لكم فيه، و أما ما بقي من البلاد التي تفتح فأمرنا و أمركم فيه واحد، ما غنمنا من شي‏ء فهو لنا و لكم، قال: فلم يرض القوم و غالظ بسر[ (1) ]بن أرطأة عياض بن غنم و تطاول عليه، فقال له عياض: أيها الرجل!اكفف عنا أذاك و الحق بصاحبك، فما أغنانا عنك.

قال: فغضب بسر بن أرطأة و رجع إلى الشام و أصحابه، فخبر يزيد بن أبي سفيان بما كان من عياض.

قال: و كتب عمر إلى يزيد بن أبي سفيان أن إياك و التعرض إلى عياض بن غنم فيما يفعله، فإن عياضا له من الإسلام مكانا ينبغي لك و لنا أن لا نضيعه-و السلام.

و كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى عياض بن غنم الفهري.

ذكر كتاب عمر بن الخطاب إلى عياض‏[ (2) ]

[كتب أمير المؤمنين عمر، رضي اللّه عنه، رسالة لعياض بن غنم، بأنه قد بلغني أن يزيد بن أبي سفيان قد أرسل إليك مددا بقيادة بشر[ (3) ]بن أرطأة من الشام فأعدتهم من حيث أتوا و إن الغرض من إرسال هذا الجيش نحوك إنما كان من أجل إمدادك و زيادة عسكرك و جاهك و شأنك. و لكي يعلم العدو أن الأمداد متواترة إليك فتنكسر قلوبهم و يسارعون إلى طاعتك. فلا أعلم لما ذا رددت ذلك الجيش و يلزم أن [ (1) ]بالأصل: بشر. و ما أثبتناه عن أسد الغابة 1/179 و بسر بضم الباء و سكون السين. و اسم أرطأة (قيل أبي أرطأة) عمرو و قيل عمير. و قد صحح «بسر» في الخبر كله.

[ (2) ]من هنا سقطت العبارة من الأصل. و قد أثبتنا ترجمة النص الفارسي المأخوذ من المخطوطة الموجودة في مكتبة سالارجنك رقم 144 و 145 تاريخ.

[ (3) ]كذا بالترجمة الفارسية، انظر ما مر بشأنه.