الفتوح - ج1

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
266 /
255

تخبرني بوجهة نظرك حتى أقف على حقيقة الأمر، و السلام. و حين وصل خطاب أمير المؤمنين إلى عياض بن غنم و وقف على مضمونه كتب إليه رسالة بما يلي:

إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عياض بن غنم:

سلام عليك، أما بعد، فقد وصلني خطابك و فهمت محتواه. فإنه قبل وصول بسر بن أرطأة قد تم فتح المدينة الرقة و الرها على يد المسلمين و قد وزعت الغنائم بينهم و تصرف كل بنصيبه منها فطالبني بسر بجزء من تلك الغنائم فأجبته بأن هاتين المدينتين قد فتحتا قبل وصولك فلا حق لك بالغنائم فإذا يسّر اللّه لنا الفتوح في مكان آخر فنحن شركاء فيما نغنمه معا. فلم يرض بسر بهذا و خشيت أن يحصل شي‏ء من التمرد أو تختلف قلوب العساكر و لما كنت غنيا عن مدده، اعتذرت إليه و أمرته بالعودة. هذا هو السبب في إعادته جعل اللّه تعالى السعادة قرينة لأحوال أمير المؤمنين. و حين عاد جواب عياض بن غنم إلى أمير المؤمنين عمر. أثنى على حصافة رأيه و كتب إليه.

لقد وصلت رسالتك و فهم مضمونها و علمنا السبب في إعادة بسر بن أرطأة و جيشه إلى الشام و كان ذلك صوابا، جزاك اللّه خيرا عن الإسلام و المسلمين. و أرجوا اللّه تعالى أن لا تعزل عن عملك ما دمت حيا. و إنني أوصي الخليفة من بعدي بأن لا يغيرك عن موضعك و لا يعزلك عن عملك. أقر اللّه عينك. و استمر على ما أنت فيه من الجهاد و السلام.

و لما وصل خطاب أمير المؤمنين إلى عياض و قرأه، حمد اللّه و قال: يا رب لا أطلب مزيدا من الحياة بعد عمر فإن هو مات و بقي في أجلي شي‏ء فلا تمهلني أكثر من يوم واحد بعد. إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و بالإجابة جدير.

ذهاب عياض بن غنم نحو حران‏[ (1) ]

في هذه الأثناء سمع عياض بن غنم أن الروم قد جمعوا جيشا في «حران» يقدر بعشرين ألف رجل فأمر مناديا ينادي في الجيش بالاستعداد ثم سار به إلى أطراف حرّان فوقع الرعب في قلوب الأهالي فأرسلوا إليه شخصا يطلب الصلح فأجابهم إليه [ (1) ]حران: قصبة ديار مضر، بينها و بين الرها يوم، و بين الرقة يومان.

256

على النحو الذي صالح به أهل الرقة و الرها. و كتب لهم بذلك عهدا ثم فتحت بوابة حرّان و دخل المسلمون البلد. و قد حصلت هذه الواقعة يوم الاثنين في شهر محرم عند صلاة العصر[ (1) ]. و بقي عياض بضعة أيام هناك و قبض الأموال المقررةثم توجه نحو بلدة رأس العين‏[ (2) ]. و يقال إن أهل رأس العين كان لديهم رجل حاد النظر يستطيع أن يرى من مسيرة يوم و من حسن الاتفاق أن جيش المسلمين حين اقترب من تلك المدينة، و أصبح على مسافة يوم منها قد ظهر غبار أسود و غيوم مظلمة فلم ير ذلك الرجل شيئا فسأله أهل البلد، هل ترى أثر جيش غريب فقال الحارس: بسبب الغبار و ظلمة الجو لا يبدو لي شي‏ء، فإن أردتم أخرجوا دوابكم إلى الصحراء. فإنني إن كنتم بسبب الضباب لا أرى أثر الجيش و لكن يمكنني أن أدركه بسبب الجلبة التي يحدثونها فأخبركم. فأخرج أهل البلد جميع مواشيهم من الخيول و الجمال و البقر و الغنم إلى الصحراء و حين وصل عياض بن غنم مع جيش المسلمين قرب رأس العين صار الهواء صافيا و ظهرت الشمس و إذ وجدوا تلك المواشي استولوا عليها فصاح الحارس و أخبر الناس الخبر فأغلقت أبواب المدينة، و صعدوا إلى الأبراج و وصل جيش المسلمين قرب جدار القلعة و شرع أهل البلد بإلقاء الحجارة و السهام على المسلمين فمات منهم عدة أشخاص. ثم صعد أحد البطارقة على جدار القلعة و أخذ يشتمهم و يقول:

يا من تأكلون خبز الشعير و تلبسون الصوف لا تظنوا أننا مثل أهالي الرقة و الرها و حران فأولئك قوم ضعاف و لقد جئتم بأنفسكم لاستقبال الموت هنا، فاقترب منه أحد المسلمين و قال له: لا تهرف بما لا تعرف فلقد استولينا على عدد من القلاع الحصينة قبل الرقة و الرها و حران و قاتلنا اليهود و عباد الأصنام و المجوس و استنزلناهم من قلاعهم و أرسلناهم إلى جهنم. و إن مثلك و مثل هذه القلعة بالنسبة إلينا كمثل أعرابي استظل [ (1) ]و ذلك في سنة 19. و على رواية سيف بن عمر يكون فتحها تم سنة 18. (انظر ما سبق بشأن توقيت توجه عياض بن غنم إلى الجزيرة) .

[ (2) ]رأس العين: مدينة مشهورة من مدن الجزيرة بين حران و نصيبين بين رأس العين و نصيبين 15 فرسخا.

في فتوح البلدان ص 181 أن عمر بن الخطاب أمر عياض أن يوجه عمير بن سعد إلى عين الوردة (و هي رأس العين) . و في الطبري 4/197 وجه عياض عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردأ للمسلمين.

و قيل إن عمر أرسل أبا موسى الأشعري إلى رأس عين بعد وفاة عياض.

257

بظل خيمة من شعر الغنم و جلس تحتها و التجأ إليها و أنت أيها العلج ليس عندك خبر عن أحوالنا فقل ما يشاء و سترى بعد ساعة أن الحقيقة غير ما تظن و لن ينفعك الندم عند ذلك شيئا فغضب البطريق و قال لمن حوله: أنزلوني للأسفل لكي أقابل هؤلاء الصغار. فأنزلوه في زمبيل حتى وصل إلى الأرض ثم خرج و قد لبس الدرع و وضع على رأسه قلنسوة مطرزة بالذهب و قد وضع نطاقا على وسطه من الذهب و حمل بيده سيفا لماعا و وقف على باب القلعة ثم طلب المبارزة فبرز إليه رجل من بني مزينة حسن الصورة و معه ترس من ليف النخل و بيده سيف و على رأسه عمامة بالية سوداء فنظر إليه البطريق بعين الاحتقار ثم حمل عليه و ألقى عليه السيف فتلقاه المزني بترسه ثم ضربه بنفس السيف على ساقيه فقطع ساقيه فأسرع إليه العربي و احتز رأسه و أخذ في سلبه. و انهالت عليه الحجارة من أعلى القلعة فلم يبال بها حتى جمع سلاح و لباس البطريق و تركه في مكانه مجردا، ثم رجع سالما غانما.

و بما أن البطريق قد أصيب على تلك الحال، خاف أهل البلد و توقفوا عن الحرب ذلك اليوم.

في اليوم الثاني خرجوا من البلد و حاربوا بكل شدة حتى أنه استشهد من المسلمين عدة رجال، فأمر عياض الجيش بأن يتراجع قليلا لكي يتوهم العدو بأنهم قد هزموا، حينئذ لحق بهم أهل البلد إلى مسافة معينة ثم أمر عياض الجيش بالكرّة عليهم فقتلوا منهم جمعا كثيرا و من بقي منهم التجأ إلى القلعة حينذاك أيقنوا بأنه لا يمكنهم مقاومة جيش المسلمين، فأرسلوا شخصا بطلب الصلح إلى عياض فأجابهم إليه بشرط أن يدفعوا نقدا ثلاثين ألف دينار و على كل شخص منهم الجزية أربعة دنانير تؤدى في وقتها. و على هذا تم الصلح و كتب لهم بذلك وثيقة[ (1) ].

إرسال عياض بن غنم لميسرة بن مسروق العبسي إلى أطراف ولاية الخابور

و بعد ذلك استدعى عياض بن غنم ميسرة بن مسروق العبسي‏[ (2) ]و سلمه ألف [ (1) ]في فتوح الشام للواقدي 2/152 «و لم يؤخذ من ديار بكر بالسيف إلا رأس العين» . و بعد الاستيلاء على رأس عين أخرج عياض الخمس من المال و أرسله إلى الخليفة عمرو كتب إليه كتابا (نسخته في فتوح الشام للواقدي 2/153 يعلمه فيه عن فتوحاته) و أرسله مع عبد اللّه بن جعفر الطيار.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 180 وجه عياض حبيب بن مسلمة الفهري إلى قرقيسيا و في معجم البلدان

258

فارس من نخبة الجيش و أرسله إلى ولاية الخابور. فسار ميسرة إلى تلك الناحية و فتح المواضع التي في طريقه و أرسل الأموال التي حصل عليها إلى عياض حتى أتم فتح تلك الناحية و وصل إلى سواحل الفرات و نزل عند مدينة قرقيسياء و وقعت معارك بينه و بين أهل القلعة و قتل من الطرفين عدة رجال. و في النتيجة استولى على البلد و قتل المقاتلة و سبى النساء و الذراري ثم عفى عنهم و قبض منهم ثلاثة آلاف دينار و قرر عليهم الجزية على القاعدة المعروفة[ (1) ]و ترك لهم البلد و عاد إلى عياض و معه الأموال و الغنائم فسلمها إليه. عند ذلك انتقل عياض من مكانه و سار نحو نصيبين ففر الروم من أمامه و التجأوا إلى قلعة نصيبين. و أمر الجيش بمحاصرة البلد من جهاتها الأربع و كان لها أربعة أبواب، يسمى الباب الأول، بوابة الجبل، و الثاني بوابة السوق و الثالث بوابة سنجار و الرابع بوابة الروم. و على كل بوابة استقر فوج من المدافعين فأنشبوا معهم الحرب و اجتهد الطرفان في الحرب. و لما رأى عياض أن القلعة حصينة و قد عجز عن فتحها[ (2) ]. قرر الإقامة هناك. و من ثم أرسل عمير بن سعد الأنصاري إلى مدينة سنجار[ (3) ]لفتحها فذهب عمير إلى هناك و قاتل أهل سنجار لمدة يوم واحد ثم طلب منه أهلها الأمان فصالحهم على ثلاثة آلاف دينار نقدا و على أن يدفع كل رجل منهم أربعة دنانير. و عاد بعد ذلك إلى عياض. ثم أرسل عياض مالك الأشتر [ () ] (قرقيسياء) : وجه سعد سنة 16 إلى هيت و قرقيسياء، جيشا رئيسهم عمرو بن مالك الزهري، و فيه رواية أخرى تبع فيها البلاذري.

و في فتوح الشام للواقدي: 2/107 أمر عياض عبد اللّه بن غسان و هسل بن عدي أن ينزلا على قرقيسياء.

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 180 فتحها صلحا على مثل صلح الرقة. و في معجم البلدان فتحها-كما مر- عمرو بن مالك الزهري فقال عند ذلك-و يفهم من قوله أنه فتحها صلحا:

و سرنا على عمد نريد مدينة # بقرقيسيا سير الكماة المساعر

فجئناهم في دارهم بغتة ضحى # فطاروا و خلوا أهل تلك المحاجر

فنادوا إلينا من بعيد بأننا # ندين بدين الجزية المتواتر

قبلنا و لم نردد عليهم جزاءهم # و حطناهم بعد الجزا بالبواتر

[ (2) ]في الطبري/197 و ابن الأثير أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان عبر حتى أتى نصيبين فلقوه بالصلح كما صنع أهل الرقة. (و انظر فتوح البلدان ص 180) و في تاريخ اليعقوبي 2/150 كان فتح نصيبين على يد عياض صلحا.

[ (3) ]سنجار: بكسر أوله. مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة بينها و بين الموصل ثلاثة أيام (معجم البلدان) .

259

النخعي و أعطاه ألف فارس و أرسله إلى ناحية «آمد» و «ميافارقين» .

مسير الأشتر النخعي نحو «آمد» و «ميافارقين»

و حين وصل مالك مع الجيش إلى آمد[ (1) ]تبين له أن القلعة حصينة جدا فأخذ يفكر بالأمر و أن مقامه سيطول هناك. و لما اقترب من آمد و عاين بنفسه قوة الحصن، أمر الجيش بأن يكبروا معا تكبيرة واحدة بأعلى صوت. فخاف أهل آمد و تزلزلت أقدامهم و ظنوا أن الملمين يبلغون عشرة آلاف و أنهم لا قبل لهم بحربهم فأرسلوا شخصا إلى الأشتر فأجابهم الأشتر إلى الصلح و تقرر أن يدفعوا خمسة آلاف دينار نقدا و على كل رجل أربعة دنانير جزية و رضي حاكم البلد بهذا الصلح و فتحوا الأبواب و دخلها المسلمون صباح يوم الجمعة، فطافوا فيها ساعة ثم خرجوا و أقاموا على بوابة البلدة. و بعد أن قبض الأشتر المال اتجه نحو «ميافارقين» [ (2) ]و لما وصل إليها أرسل إليه بطريق البلد و يسمى فطوس‏[ (3) ]. أرسل شخصا إلى الأشتر يلتمس الصلح على أن يدفع ثلاثة آلاف دينار نقدا و الجزية المقررة فصالحه الأشتر على ذلك و كتب له عهدا[ (4) ]. و بعد ما قبض المال سار إلى عياض الذي كان مشغولا بحصار نصيبين و سلمه الأموال التي قبضها.

تدبير عياض بن غنم لفتح مدينة نصيبين‏

بعد ما مرّ عام كامل على محاصرة نصيبين دون أن يتيسر فتحها[ (5) ]، أخذ عياض في مشاورة رؤساء الجيش حول هذا الأمر فتقدم رجل من المسلمين ممن كانوا تحت [ (1) ]آمد: من مدن ديار بكر. قال في معجم البلدان: فتحت في سنة عشرين و سار إليها عياض بن غنم بعد ما افتتح الجزيرة فنزل عليها و قاتله أهلها ثم صالحوه عليها على أن لهم هيكلهم و ما حوله و على أن لا يحدثوا كنيسة و أن يعاونوا المسلمين و يرشدوهم و يصلحوا الجسور، فإن تركوا شيئا من ذلك فلا ذمة لهم. (و انظر في فتحها فتوح الشام للواقدي 2/157-158) .

[ (2) ]ميافارقين: أشهر مدن ديار بكر.

[ (3) ]في فتوح الشام للواقدي 2/161 اسلاغورس.

[ (4) ]في معجم البلدان: يقال إنها فتحت عنوة و قيل صلحا على خمسين ألف دينار على كل محتلم أربعة دنانير-و قيل دينارين-و قفيز حنطة و مد زيت و مد خل و مد عسل و أن يضاف كل من اجتاز من المسلمين ثلاثة أيام.

[ (5) ]كذا. و انظر ما مرّ في ذلك. و هذا الخبر ذكره ياقوت في معجم البلدان-باختلاف-أن ذلك كان يوم فتح المدينة أنو شروان ملك الفرس.

260

قيادة سعد بن أبي وقاص في العراق و قال له: إني أرى رأيا يمكن لنا بواسطته أن نستولي على المدينةفسأله عياض: كيف؟فقال: أرسل شخصا إلى مدينة شهرزور في العراق و هي تحت أيدي المسلمين الآن و من هناك حيث توجد العقارب بكثرة فليملأ عددا من الجرار بالعقارب ثم توضع هذه الجرار على المنجنيق و تطلق ليلا في داخل المدينة فكل من أصابته هذه العقارب هلك فورا. فيندهش الناس لهذا الأمر و يقعوا في حيرة. حينئذ يمكن فتح البلد بسهولة فوافق عياض على هذا التدبير و أرسل شخصا إلى شهرزور و ملأ عددا من الجرار بالعقارب مع شي‏ء من التراب. ثم في الليل ألقي بهذه الجرار بواسطة المنجنيق نحو البلد فانكسرت الجرار و خرجت منها العقارب في كل اتجاه فهلك ناس كثيرون بلسعة العقرب و حين طلع النهار هلك عدد من الناس فأرسلوا إلى عياض يطلبون الصلح فلم يجبهم عياض حتى أطلقوا جميع الجرار المملوءة بالعقارب على البلد فانشغل الناس بتعقب العقارب و قتلها بينما عياض شدد في الحرب ذلك اليوم و استولوا على المدينة عنوة ثم قتلوا المقاتلة و خربوا بيوت البطارقة و سبوا الذرية و النساء. و في النتيجة طلب الباقون الأمان من عياض، فأعاد لهم عيالهم و أطفالهم و كتب لهم رسالة أمان و وقع عليها عدد من رؤساء الجيش و سلمها إليهم. ثم أرسل خمس الغنائم إلى أمير المؤمنين و وزع الباقي على المسلمين و قد نال كل واحد منهم أكثر من عشرة آلاف درهم عدا المواشي و الأمتعة و الأسرى و ظل عياض في الجزيرة منتظرا وصول إشارة أمير المؤمنين. و حين وصلت رسالة عياض إلى أمير المؤمنين مبشرة بالفتوح و رأى الغنائم الكثيرة صار مسرورا و شكر اللّه على ذلك.

رسالة أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه إلى عياض بن غنم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

من عبد اللّه عمر، أمير المؤمنين، إلى عياض بن غنم.

أما بعد، سلام عليك، الحمد للّه الذي فتح بلاد الجزيرة على يد المسلمين فأغناهم بعد فقر و وسع لهم في الرزق و إنني منذ الآن لا أخاف الفقر عليهم‏و لكني أخشى عليهم أن يغتروا بالأموال فيهلكوا. و إنك يا عياض أديت عملك على أحسن وجه فجزاك اللّه عن الإسلام و المسلمين خيرا. و حين تقف على هذه الرسالة انتخب أحد وجوه الجيش ممن يعتمد عليه في القول و الفعل و اجعله نائبا لك ثم توجه نحو

261

الشام فإن يزيد بن أبي سفيان مريض هناك و أخشى إن هو مات أن تضطرب الأحوال.

فالرأي هو أن تعود إلى الشام بأسرع ما يمكن و لا تبق في الجزيرة أكثر مما بقيت و السلام.

و حين وصل خطاب أمير المؤمنين عمر إليه، دعى عتبة بن فرقد السلمي و عينه واليا على جملة بلاد الجزيرة و جعل تحت إمرته أربعة آلاف فارس ثم اتجه ببقية الجيش إلى الشام و حين وصل إلى حمص غلب عليه المرض ثم انتقل إلى رحمة اللّه‏[ (1) ]. و رووا أن ذلك اليوم الذي مات فيه عياض لم يكن يملك سوى فرسين اثنتين و جملا وضع عليه حوائجه و لم يجدوا في ثيابه و أمتعته دينارا واحدا. مع كل تلك النعم و الأموال التي عادت إليه من الجزية. لقد تصدق بها كلها و لم يترك شيئا رحمة اللّه عليه.

رسالة يزيد بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه‏

ثم بعد أن تم فتح الجزيرة و وفاة عياض بن غنم‏[ (2) ]، ازداد المرض على يزيد، و إذ رأى هذه الحال كتب إلى عمر أمير المؤمنين رسالة بهذا المضمون‏[ (3) ].

بسم اللّه الرحمن الرحيم....

بعد تقديم حقوق أمير المؤمنين، ليعلم بأن يزيد بن أبي سفيان يكتب هذه الرسالة و لا يظن أنه سيكتب رسالة بعدها لأنه مريض جدا، جزاك اللّه عنا خيرا و جمعنا بك في جنات النعيم. و قد أشرفت على نهايتي فليعيّن أمير المؤمنين شخصا صالحا لقيادة الجيش و إدارة البلاد و السلام عليك. و هذا آخر سلام يرسله إليك يزيد من دار الدنيا.

ثم أرسل الرسالة مع شخص و أوصاه بأن يسعى جهده لكي يوصل هذه الرسالة [ (1) ]و ذلك سنة 20 (فتوح البلدان ص 180 تاريخ خليفة ص 147) .

[ (2) ]كذا بالأصل، و قد مات يزيد بن أبي سفيان سنة 18 في طاعون عمواس (قاله خليفة تاريخ ص 138 و البداية و النهاية 7/109 و زعم الوليد بن مسلم أنه توفي سنة 19 بعد ما فتح قيسارية. و على كل حال فيكون موته قبل موت عياض بن غنم و ليس بعده) .

[ (3) ]نسخة الكتاب في الوثائق السياسية. وثيقة رقم 357/ك، ل ص 493.

262

إلى أمير المؤمنين بأسرع وقت. و قد توفي يزيد قبل وصول الرسالة إلى أمير المؤمنين عمر. فطالع عمر الرسالة فاضطرب لها و سأل الرسول: هل تركته حيا حتى أرسل له الجواب. فقال الرسول: أطال اللّه عمرك يا أمير المؤمنين، لقد كان في حالة الاحتضار فقال عمر: عفى اللّه عن يزيد. لقد كان شخصا فاضلا و لم تكن له في الدنيا رغبة و قد جعل همه في تحصيل أمر الآخرة. و حينئذ استدعى أبا سفيان و أخبره بما جرى. فاغتم أبو سفيان و تأسف كثيرا، ثم قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ . ثم سأل أمير المؤمنين. ما رأيك بالشخص الذي سترسله إلى الشام، فقال عمر:

سأرسل ولدك الآخر معاوية[ (1) ]فسر أبو سفيان بذلك و دعا لأمير المؤمنين و قال: لقد وصلت الرحم ثم عاد أبو سفيان إلى منزله و أخبر زوجته هند بوفاة يزيد. فصاحت و لطمت وجهها و بكت كثيرا و قالت: ليست معاوية و عتبة ماتا بدل يزيد فقال لها أبو سفيان: لا تجزعي و قولي: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ. و قد تلطف أمير المؤمنين و عين ابنك الآخر معاوية واليا على الشام فهدأت هند و قالت: لقد وصل أمير المؤمنين الرحم و لتكن إمارة الشام مباركة على معاوية، ثم كتب أمير المؤمنين رسالة إلى معاوية بهذا المضمون.

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين. أما بعد:

اعلم يا معاوية بأن الله تعالى قد أعز الإسلام و أذل المشركين و صدق وعده.

و أخبر أمة نبيه بفتح بلاد الشام و غيرها و بشرنا بتملك خزائنهم و أموالهم و قد حصل ذلك فعلا. و خاصة مدينة قيسارية الشهيرة. بحصانتها كما أخضع لنا الروم و أما الآن فيجب أن تتم الفتوح في عسقلان‏[ (2) ]و غزة و توابعهما لأن‏

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أخبرنا بأنه ستكون في الشام فتوح‏

و إني أبشرك بفتح هاتين البلدتين غزة و عسقلان، كما

أن الرسول عليه السلام أخبر بأنه متى اشتعلت نار الفتنة في المشرق و المغرب و تعذرت الإقامة فعليكم بعسقلان و ما فوقها.

فإذا وقفت على رسالتي هذه، انطلق إلى [ (1) ]و كان يزيد بن أبي سفيان قد استخلف أخاه معاوية مكانه-و قد أشار إلى ذلك في رسالته إلى عمر بن الخطاب-فأقرّ عمر ذلك.

[ (2) ]عسقلان مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة و بيت جبرين.

غزة: مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، بينها و بين عسقلان فرسخان.

263

عسقلان بدون توقف و اجتهد في فتح تلك المواضع لعل اللّه تعالى ييسر فتح تلك المناطق على يدك. و متى وصلت إلى ذلك الموضع يجب أن تخبرني بما يجد من أحوال و أمور يوميا و السلام.

ذهاب معاوية بن أبي سفيان إلى نواحي عسقلان‏

و حين وصل خطاب أمير المؤمنين عمر إلى معاوية، انطلق بمن معه من الجنود نحو عسقلان و حين وصل إليها، لم يحاربهم إلا ثلاثة أيام ثم استولى على المكان و دخل المسلمون البلد[ (1) ]. ثم أرسل رسالة إلى أمير المؤمنين عمر يخبره بفتح عسقلان، فسر أمير المؤمنين بذلك و شكر اللّه تعالى على تيسير ذلك الأمر و قال: لو لم يتم هذا الفتح فإن بقية الثغور ستكون معرضة للخطر و تصبح مدينة عسقلان سببا في تضييق المقام على المسلمين و لقد أخبرني بهذا الأمر بسبب بركته و نجابته و لو قيض لي أن أقيم بالشام لما اخترت سوى مدينة عسقلان لأن لكل شي‏ء سرة و سرة الشام عسقلان.

ثم استدعى معاوية بن أبي سفيان سفيان بن حبيب الأزدي و سلمه جيشا و أمره بالذهاب إلى طرابلس. فأطاع سفيان الأمير و ذهب حيث أمره و نزل في مرج يبعد عنها خمسة فراسخ و هيأ نفسه للقتال ثم اتجه نحو قلعة طرابلس و شرع بالقتال. و حين مغيب الشمس كان يتراجع عن القلعة مسافة معينة خشية من إغارة أهل طرابلس ليلا.

و هكذا طال أمد الحرب مع أهل طرابلس، و خشي من جانب البحر أن تصلهم امدادات من جهة البحر فيصبح موقفهم حرجا. فكتب إلى معاوية يخبره بالحالة العامة فأجابه معاوية: بأن يبني قلعة تبعد مسافة فرسخين اثنين على طرابلس و يكون فيها متسع لإيواء جميع عساكر المسلمين و حمايتهم من أية غارة محتملة.

ففعل سفيان ما أشار به عليه معاوية و بنى قلعة حصينة و جعلها مقرا له. و حين رأى أهل طرابلس القلعة الحصينة التي أقامه سفيان انزعجوا لذلك و تخلوا عن الجزائر التي كانوا يقيمون بها، و يحصلون منها على أنواع الغلات و الفاكهة و اجتمعوا داخل قلعة حصينة و كتبوا إلى هرقل رسالة يخبرونه فيها بحالهم و حال المسلمين [ (1) ]في فتوح البلدان ص 148 فتح (معاوية) صلحا بعد كيد. قال: و يقال: إن عمرو بن العاص كان فتحها ثم نقض أهلها فأمدهم الروم ففتحها معاوية.

264

و يطلبون منه امدادهم.

و بعد وصول رسالتهم إلى هرقل أمر جماعة من العسكر بالركوب في الزوارق لامدادهم و حين وصول الإمدادات قرّ رأيهم على الفرار إلى القسطنطينية فأخرجوا أمتعتهم ليلا و أحرقوا كل ما ليس لهم به حاجةثم ركبوا السفن. و فروا إلى هرقل و في اليوم الثاني خرج سفيان من حصنه إلى طرابلس فلم ير أحدا و رأى أن القلعة خالية تماما فدخلها المسلمون فلم يجدوا بها مخلوقا سوى رجل من اليهود كان مختبئا في أحد السراديب فاستخرجوه و سألوه عن الحال فأخبرهم بما جرى على وجهه.

فكتب سفيان إلى معاوية يخبره بما جرى، فعجب معاوية لذلك و أرسل إلى طرابلس جماعة من يهود الأردن ليسكنوا في قلعة طرابلس و يعمروها ثم سار معاوية على طريق الساحل و أخذ يستولي على الأماكن و المدن التي يمر بها و يرفع راية الإسلام فوقها. و من بينها مدن عكار و صور و يافا و غيرها و قد كتب إلى أمير المؤمنين عمر بما فتح اللّه على يده كما أخبره بقرب جزيرة قبرص من سواحل الشام و أنها جزيرة خصبة و فيها كثير من الخيرات و الثمار و أن الاستيلاء عليها ليس بالأمر الصعب و يطلب الإذن بالذهاب إليها[و]فتحها[ (1) ].

و لما وصلت رسالة معاوية إلى أمير المؤمنين و علم بمضمونها و كان يكره ركوب البحر فتأنّى في الجواب و بعث رسالة إلى عمرو بن العاص يشاوره في ركوب البحر و فتح جزيرة قبرص و أن رأيه لا يؤيد ركوب المسلمين البحر كما يكره مثل هذا الأمر الخطير. أستحلفك باللّه أن لا تخفي عني شيئا حول هذا الموضع‏و كل ما تعرفه عن أحوال البحر و أخطاره فاكتب لي ذلك بكل صراحة[ (2) ]فأجابه عمرو بن العاص‏[ (3) ]بأن رسالة أمير المؤمنين قد وصلت و فهمت مضمونها حول ركوب البحر و الذهاب لفتح جزيرة قبرص و كراهية أمير المؤمنين لذلك و أرجوا من اللّه أن يلهم أمير المؤمنين الصواب في جميع أحواله. إن البحر أمره عظيم و خطره شديد و الناس في البحر [ (1) ]في الطبري 5/51 و ابن الأثير 2/239 كتب معاوية إلى عمر كتابا في غزو البحر يرغبه فيه و يقول: يا أمير المؤمنين إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم و صياح دجاجهم.

[ (2) ]انظر الطبري 5/51-52 و ابن الأثير 2/239.

[ (3) ]كتاب عمرو بن العاص في الطبري 5/52 و ابن الأثير 2/239 و الوثائق السياسية وثيقة رقم 364/ ألف. ب.

265

كدودة تعلقت بخشبة فما دامت فوقها فهي في خوف شديد و إن هي تحركت غرقت، و لو أن أمير المؤمنين يرى تلاطم أمواج البحر و أنواع الأهوال التي يمكن أن توجد فيه فسيزداد برأيه تمسكا و لن يسمح لأحد من المسلمين بالمخاطرة بذلك. و هذا هو مقدار معرفتي بأحوال البحر. كتبتها إليك و السلام.

فحين وصل هذا الجواب إلى عمر و علم بمضمونه، سر بموافقة عمرو له في رأيه بأن لا يخوضوا البحر و أعاد الجواب إلى معاوية على هذا الشكل. أما بعد[ (1) ].

فاعلم يا معاوية بأن اللّه تعالى قد جعلني راعيا لأمة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و إني استعين باللّه على قيام مصالحهم و لا أرى أن أعرضهم لخطر البحر و مع هذا فقد استخرت و تشاورت مع جماعة ممن عاينوا أخطار البحر و لهم في ذلك سابقة فلم يروا المصلحة بذلك و وافقوني على كراهيتي لركوب المسلمين البحر فدع منك هذه الفكرة و لا تذكرها مرة أخرى و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

و إذ وصل جواب أمير المؤمنين عمر إلى معاوية، أيقن بأن عمرو بن العاص هو الذي أشار على عمر بذلك فقال: إن عمروا لم يرد أن تفتح قبرص على يدي و لو أن أمير المؤمنين أجاز له مثل هذا العمل لأسرع إلى ركوب البحر و انطلق مستعجلا و قد بلغ هذا الكلام لأمير المؤمنين فقال: صدق معاوية فلو أننا أجزنا لعمرو بن العاص ذلك لسار بدون تأخر، و توقف المشروع إلى أيام عثمان حيث تم فتح قبرص على يد جيش المسلمين كما سنبينه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى‏[ (2) ]. و استقر معاوية في الشام و خضعت له جميع أطرافها و سواحل البحر و كان يجبي الخراج و قد سكن المسلمون هناك، و أقاموا المساجد و توطنوها حتى صارت الشام بلادا إسلامية. أما عمرو بن العاص فقد أتم فتح مصر[ (3) ]و استقر في الإسكندرية و أمره بعد ذلك أمير المؤمنين عمر بأنه يتوجه إلى بلاد النوبة و أمره بفتحها كما وجهه إلى بلاد البربر و برقة و طرابلس الغرب‏[ (4) ]و ما وراءها حتى طنجة و أقصى بلاد السوس. فأمر عمرو بن العاص أن يوزع على الجنود خراج مدينة الإسكندرية و مقدارها عشرة آلاف دينار. ثم اتجه إلى بلاد النوبة.

[ (1) ]قارن مع الطبري 5/52 و ابن الأثير 2/239.

[ (2) ]و ذلك في سنة 28 (الطبري 2/51-52 و فتوح البلدان ص 157 و يقال سنة 29) .

[ (3) ]و ذلك سنة 20، و قيل سنة 16 (الطبري-ابن الأثير-فتوح البلدان) .

[ (4) ]انظر في ذلك فتوح البلدان ص 221 و ما بعدها.

266

ذكر توجه عمرو بن العاص نحو النبوة و فتحها

ثم نادى عمرو بالرحيل نحو بلاد النوبة و كان معه عشرون ألف رجل، و حين وصل الجيش إلى أرض النوبة، ذهبت فرق من الجيش للإغارة على تلك النواحي‏[ (1) ] و حين رأى رجال النوبة أن الجيش أخذ يغير على أموالهم فجمعوا مائة ألف رجل، و عزموا على الحرب‏على المسلمين و كانت حربا من نوع لم يشهد المسلمون مثله من قبل، فقد تناثرت الرؤوس و الأيدي و اقتلعت العيون بلا حساب. و قد قال أحد وجهاء المسلمين: إنني لم أر قوما يجيدون الرماية بالسهام‏[ (2) ]مثلهم فقد كان يقف بعض أهالي النوبة في مواجهة المسلمين و يقول: في أي جهة تريدون أن أرميه فيقول له رفاقة: الجهة الفلانية. و فورا يرمي الجهة المحدودة و يصيبها بدون خطأ و ينقل عن الواقدي رحمه اللّه عن أحد شيوخ حمير، ممن اشتركوا في تلك الحرب فقال: كنا واقفين في أحد الميادين صفا بإزاء أهل النوبة و في خلال ساعة واحدة قلعت مائة و خمسون عينا رماها النوبيون بالسهام و لقد حاربناهم حتى نصرنا اللّه عليهم. فقتلنا منهم خلقا كثيرا و من نجا من السيف فرّ][ (3) ]إلى البراري و الجبال. فلم يتبعهم عمرو بن العاص و لا قدر منهم على أسير واحد، و لا على دينار و لا درهم‏[ (4) ]. قال:

ثم سار عمرو بن العاص بالمسلمين يريد البربر.

[ (1) ]على غرار صوائف الروم قاله في فتوح البلدان ص 238.

[ (2) ]سموا برماة الحدق فتوح البلدان.

[ (3) ]إلى هنا ينتهي النص المأخوذة عن الترجمة الفارسية.

[ (4) ]في فتوح البلدان: فلم يصالحهم عمرو و لم يزل يكالبهم حتى نزع. و ولي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح فصالحهم (ص 239) .