الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
317

المسلمين يقال له الجنيد بن مسلم الأزدي‏[ (1) ]فضربه ضربة على تاجه نكسه إلى الأرض صريعا، ثم نزل إليه فأخذ سلبه و تاجه ثم استوى على فرسه، قال: و قد ذكر ذلك أيضا رجل من الأزد في شعر له.

قال: و انهزمت الفرس من بين أيدي المسلمين فدخل بعضهم إلى مدينة إصطخر و مر الباقون على وجوههم في البلاد مشردين، و بلغ ذلك ملك الفرس يزدجرد أن البلاد قد أخذت و أن شهرك قد قتل، فاغتم لذلك و بقي حيرانا لا يدري ما يقول غير أنه نكت الأرض بإصبعه و تفكر فيما قد نزل به من العرب، و عنده جماعة من أساورته قد وقفوا بين يديه مغمومين منكسرين كأن الطيور ساقطة على رؤوسهم.

قال: فبينما هو كذلك يفكر في أمره إذ دخل عليه رجل من سادات كرمان يقال له بندوه بن سياكوس-و لم يكن ببلاد كرمان كلها أجل منه و لا أكبر عند أهلها-فسلم عليه و كلمه، فلم يكلمه يزدجرد لما كان في قلبه من الغم، قال: فغضب بندوه من ذلك ثم قال: أيها الملك!أكلمك فلا تكلمني!ليس العجب منك و لكن العجب منا إذ جعلنا مثلك ملكا علينا، ثم ضرب بيده إلى رجله فجذبه عن السرير و رمى به إلى الأرض و خرج من بين يديه. قال: فاغتم يزدجرد لذلك. و ما بقي أحد من غلمانه و أساورته الذين معه إلا بكى، فقال لهم يزدجرد: لا تبكوا فإن البكاء للنساء و الرجال قد تصيبهم المصائب، و لا بد من الصبر على ما أنا فيه إلى وقت الفرج.

قال: ثم دعا يزدجرد بفرسه فركبه، و نادى في أصحابه و خدمه فركبوا، و خرج من ساعته فيمن معه نحو بلاد خراسان‏[ (2) ]، فسار حتى قدم مدينة مرو فدخلها، و علم أهل مرو أنه منهزم من أجل العرب فشمتوا به و أحبوا أن يقتلوه، ثم كتبوا إلى ملك من ملوك الترك يقال له طخطاخ‏[ (3) ]أن ملك الأعاجم أقبل إلينا هاربا من العرب و قد شمتنا [ (1) ]في الطبري 5/4 و البداية و النهاية 7/146 قتله الحكم بن أبي العاص بن دهمان. و في فتوح البلدان ص 379 قتله سوار بن همام العبدي.

[ (2) ]خراسان: بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق. و تشتمل على أمهات من البلاد منها نيسابور و هراة و مرو.

[ (3) ]في فتوح البلدان ص 312 «نيزك طرخان» و في الطبري 4/263 و الكامل لابن الأثير 2/143 و البداية و النهاية 7/200 خاقان.

قال في فتوح البلدان أن نيزك كتب إلى يزدجرد يخطب ابنته فاحفظ ذلك يزدجرد، و قال: اكتبوا إليه

318

به و ليست لنا فيه حاجة، و أنت أحب إلينا منه، و قد أردنا أن تقدم عليه فتقتله و أنت أحق بذلك منا، فصر إلينا و أرحنا منه و البلد لك.

قال: فلما ورد كتاب أهل مرو على طخطاخ ملك الترك‏سار في جيش عظيم يريد مدينة مرو، حتى إذا تقارب منها بلغ ذلك يزدجرد، فخرج من منزله الذي كان فيه في جوف الليل هاربا على وجهه و ليس معه أحد من أصحابه و لا من غلمانه و لا يدري إلى أين يتوجه، فبينما هو كذلك إذ نظر إلى سراج على شاطئ نهر مرو، فقصد السراج فإذا هو برجل ينقر رحى، فقال له يزدجرد: أجرني في هذه الليلة و اكتم على أمري و لك عندي من المال كذا و كذا فإني خائف من هذا العسكر الذي ورد إلى مدينة مرو، فقال له صاحب الرحى: ادخل!فدخل يزدجرد إلى بيت الرحى فجلس فيه ساعة ثم إنه وضع رأسه فنام، فلما غط في نومه قام إليه صاحب الرحى بفأس كان في يده فضرب رأسه ضربة فقتله‏[ (1) ]، ثم أخذ ما كان عليه من السلب و جره برجله فألقاه في نهر مرو.

قال: و أصبح ملك الترك فجعل يطلب يزدجرد، و أهل مرو أيضا يطلبونه فلم يقفوا على أثر، قال: فبينا طخطاخ ملك الترك يدور في طلب يزدجرد و معه جماعة من أصحابه إذ مر بصاحب الرحى فوقف عليه ثم كلمه بالتركية و قال: هل مر بك من ههنا رجل من صفته كذا و كذا في زي الملوك؟فقال صاحب الرحى: لا ما رأيت صاحب هذه الصفة، قال: فبينا طخطاخ يكلم صاحب الرحى: إذ شم رائحة طيبة فقال لأصحابه: ادخلوا إلى بيت الرحى فانظروا هل تجدون أثرا فإني أشم رائحة طيبة!قال: فدخل القوم فجعلوا يفتشون بيت الرحى فإذا هم بسلب يزدجرد، فأخذوه و أتوا به إلى طخطاخ ملك الترك، فلما نظر إليه علم أنه سلب يزدجرد فقال لصاحب الرحى: اصدقني ما فعل صاحب هذا السلب؟فأقر و قال: إني قتلته و جررته برجله و ألقيته في هذا النهر. قال: فأمر طخطاخ بصاحب الرحى فقتل‏[ (2) ]، ثم دعا بأهل مرو فأمرهم أن يغوصوا، فغاصوا فأخرجوا يزدجرد، فلما نظر إليه [ () ] إنما أنت عبد من عبيدي... و أمر بمحاسبة ماهويه مرزبان مرو، فكتب ماهويه إلى نيزك يحرضه عليه...

[ (1) ]و يقال إن ماهويه بعث إليه رسله حين بلغه خبره فقتلوه في بيت الطحان، و يقال: إنه دس إلى الطحان فأمره بقتله فقتله. (فتوح البلدان ص 312 و انظر الطبري 5/72) .

[ (2) ]في فتوح البلدان: قتل ماهويه الطحان و قال: ما ينبغي لقاتل ملك أن يعيش، فأمر بالطحان فقتل.

319

طخطاخ ملك الترك بكى بكاء شديدا ثم أمر به، فكفن في أكفان الملوك و طلي بالصبر و المر و وضع في تابوت و حمل إلى بلاد فارس فدفن هنالك في الموضع الذي كانت الفرس تدفن ملوكها فيه. قال: و بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال: الحمد للّه الذي طحطح ملكهم و أبان هلكهم.

قال: و أقام أبو موسى على إصطخر شهرا كاملا حتى فتحها صلحا على مائتي ألف درهم عاجلة و الجزية بعد ذلك. قال: ثم تقدم أبو موسى إلى بلاد كرمان، فجعل يفتحها موضعا موضعا و يتقدم و ليس أحد يناويه حتى بلغ أول مفازة خراسان، فنزل هنالك و أمر بأموال فارس و كرمان، فأخرج منها الخمس و بعث به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مع كتابه يخبره فيه بما فتح اللّه عزّ و جلّ على يديه من أرض فارس و كرمان و أنّه يريد التقدم إلى بلاد خراسان فإنّه قد بلغ إلى حد مفازة خراسان.

قال: و قسم أبو موسى باقي الغنائم في المسلمين، فأصاب الفارس زيادة عن ثمانية آلاف درهم، و الراجل زيادة عن أربعة آلاف.

قال: و قسم أيضا عمر بن الخطاب بالمدينة ذلك الخمس في المهاجرين و الأنصار، ثم كتب إلى أبي موسى: أما بعد فقد ورد عليّ كتابك يخبرني بما فتح اللّه على يديك من أرض فارس و كرمان، و أنك تريد التقدم إلى بلاد خراسان، فمهلا أبا موسى في ذلك، فانظر إذا ورد عليك كتابي هذا فولّ على كل بلد مما فتح اللّه عزّ و جلّ على يديك رجلا ترتضيه المسلمون و ارجع إلى البصرة فأقم بها، و ذر عنك خراسان فلا حاجة لنا بها يا ابن قيس!ما لنا و لخراسان و ما لخراسان و لنا، و لوددت‏[ (1) ]أن بيننا و بين خراسان جبالا من حديد و بحارا، و ألف سد، كل سد مثل سد يأجوج و مأجوج. قال: فقال له علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه: و لم ذلك يا أمير المؤمنين؟فقال عمر رضي اللّه عنه‏[ (2) ]: لأنها أرض بعدت عنا جدا و لا حاجة لنا بها.

[ (1) ]في الطبري 4/264 و ابن الأثير 2/199 و البداية و النهاية 7/143 لوددت أنه كان بيننا و بينها بحر من نار.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة. فكأن ذلك يكون بأهلها أحب إلى من أن يكون بالمسلمين.

320

ذكر كلام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و ما خبر به من أمر خراسان و ما ذكر من فضائلها و مثالبها

قال: فقال علي كرم اللّه وجهه: فإن كانت قد بعدت عنك خراسان فإن للّه عزّ و جلّ مدينة بخراسان يقال لها مرو، أسسها ذو القرنين و صلى بها عزير، أرضها فياحة، و أنهارها سياحة، على كل باب‏[ (1) ]من أبوابها ملك شاهر سيفه يدفع عنها الآفات إلى يوم القيامة، لا تؤخذ عنوة أبدا و لا يفتحها إلا القائم من آل محمد، و إن للّه عزّ و جلّ مدينة بخراسان يقال لها خوارزم‏[ (2) ]، النازل بها كالضارب بسيفه في سبيل اللّه عزّ و جلّ، فطوبى لكل راكع و ساجد بها!و إن للّه عزّ و جلّ مدينة بخراسان يقال لها بخارا، و اني برجال بخارا سيعركون عرك الأديم، ويحا لك يا سمرقند!غير أنه سيغلب عليهم في آخر الزمان الترك فمن قبلهم هلاكها، و إن للّه عزّ و جلّ مصالح بالشاش‏[ (3) ]و فرغانة، فطوبى للمصلي بهما ركعتين!و إن للّه عزّ و جلّ مدينة بخراسان يقال لها أبيجاب‏[ (4) ]، فطوبى لمن مات بها!فإنه عند اللّه شهيد، و أما مدينة بلخ فقد خربت مرة، و لئن خربت ثانية لم تعمر أبدا، فليت بيننا و بينها جبل قاف و جبل صاد، ويحا لك يا طالقان!فإن للّه عزّ و جلّ بها كنوزا ليست من ذهب و لا فضة و لكن بها رجال مؤمنون عرفوا اللّه حق معرفته، و هم أنصار المهدي في آخر الزمان، حيّات لها أجنحة فتقتلهم عن آخرهم، و أما مدينة الترمذ فإنهم يموتون بالطاعون الجارف فلا يبقى منهم أحد، و أما مدينة واشجرده‏[ (5) ]فإنهم يقتلون عن آخرهم قتلا ذريعا من عدو يغلب عليهم أعداؤهم، فلا يزالون يقتلون أهلها و يخربونها حتى يجعلوها جوف حمار ميت، و أما سرخس فيكون بها رجفة شديدة و هدّة عظيمة، و يهلك عامّتهم بالفزع و الخوف و الرعب، و أما سجستان فإنه يكون قوم يقرأون القرآن‏لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من دين الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم يغلب عليها في [ (1) ]في معجم البلدان (مرو الشاهجان) : نقب. و نقل الرواية عن بريدة بن الخصيب عن رسول اللّه (ص) .

[ (2) ]خوارزم: من أقاليم خراسان، قصبتها الجرجانية (معجم البلدان) .

[ (3) ]الشاش: قرية بما وراء النهر ثم ما وراء نهر سيحون متاخمة لبلاد الترك.

[ (4) ]كذا بالأصل، و في معجم البلدان: أسفيجاب و هي بلدة كبيرة من أعيان بلاد ما وراء النهر في حدود تركستان.

[ (5) ]كذا، و في معجم البلدان: واشجرد من قرى ما وراء النهر.

321

آخر الزمان الرمل فيطمها على جميع من فيها، بؤسا لك يا سوج‏[ (1) ]!ليخرجنّ منها ثلاثون دجالا كل دجال منهم لو لقي اللّه بدماء العباد جميعا لم يبال، و أما نيسابور فإنها تهلك بالرعود و البروق و الظلمة و الصواعق حتى تعود خرابا يبابا بعد عمرانها و كثرة سكانها، و أما جرجان و أي قوم بجرجان لو كانوا يعملون للّه عزّ و جلّ!و لكن قست قلوبهم و كثر فسّاقهم، ويحا لك يا قومس!فكم فيك من عبد صالح!و لا تخلو أرضك من قوم صالحين، و أما مدينة الدامغان‏[ (2) ]فإنها تخرب إذا كثر خيلها و رجلها، و كذلك سمنان‏[ (3) ]لا يزالون في ضنك و جهد حتى يبعث اللّه هاديا مهديا فيكون فرجهم على يديه، و أما طبرستان فإنها بلدة قل مؤمنوها و كثر فاسقوها، قرب بحرها، ينفع سهلها و جبلها، و أما الري فإنها مدينة افتتنت بأهلها، و بها الفتنة الصماء مقيمة، و لا يكون خرابها إلا على يد الديلم في آخر الزمان، و ليقتلن بالري على باب الجبل في آخر الزمان خلق كثير لا يحصيهم إلا من خلقهم، و ليصيبن على باب الجبل ثمانية من كبراء بني هاشم كل يدعي الخلافة، و ليحاصرن بالري رجل عظيم اسمه على اسم نبي، فيبقى في الحصار أربعين يوما ثم يؤخذ بعد ذلك فيقتل، و ليصيبن أهل الري في ولاية السفياني قحط و جهد و بلاء عظيم. ثم سكت علي عليه السلام فلم ينطق بشي‏ء، فقال عمر رضي اللّه عنه: يا أبا الحسن!لقد رغبتني في فتح خراسان، قال علي عليه السلام: قد ذكرت لك ما علمت منها مما لا شك فيه فاله عنها و عليك بغيرها، فإن أول فتحها لبني أميةو آخر أمرها لبني هاشم، و ما لم أذكر منها لك هو أكثر مما ذكرته-و السلام-.

رجعنا إلى الحديث الأول‏

قال: و رجع أبو موسى الأشعري إلى البصرة فأقام بها على عمله و كتب أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يشكون من عمار بن ياسر و يسألونه أن يعزله عنهم، فقال عمر: من يعذرني من أهل الكوفة و من تجنيهم على أمرائهم؟إن استعملت عليهم عفيفا استضعفوه، و إن استعملت عليهم قويا فجروه، ثم قال: أيها الناس!ما تقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي و آخر فاجر قوي أيهما أصلح [ (1) ]كذا، و في معجم البلدان: فوشنج بليدة بينها و بين هراة عشرة فراسخ.

[ (2) ]الدامغان: بلد كبير بين الري و نيسابور.

[ (3) ]سمنان: بلدة بين الري و دامغان.

322

للإمارة؟قال: فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين!إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه و ضعفه عليك و على المسلمين، و القوي الفاجر[ (1) ]فجوره على نفسه و قوته لك و للمسلمين، فاعمل في ذلك برأيك، فقال عمر: صدقت يا مغيرة! اذهب فقد وليتك الكوفة[ (2) ]، فانظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار و يخافه الفجار، قال:

فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين.

قال: ثم مضى المغيرة أميرا على الكوفة و قدم عمار بن ياسر إلى المدينة معزولا، فأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فدعاه ثم قال: سألتك باللّه أبا اليقظان!هل ساءك عزلنا إياك عن الكوفة؟فقال عمار: و اللّه ما فرحت حين وليتني‏[ (3) ]و لا حزنت حين عزلتني.

قال: و أقام المغيرة بن شعبة على الكوفة ثلاث‏[ (4) ]سنين كاملا، و عمر بن الخطاب في خلال ذلك قد فتح الديار و مصّر الأمصار و جنّد الجنود و دوّن الدواوين‏[ (5) ]، ثم إنه حج بالناس في آخر خلافته فبينا هو بمنى إذ أقبل إليه رجل من أهل مصرفقال: يا أمير المؤمنين!إني استبقت محمد بن عمرو بن العاص فسبقته على فرس لي، فعدا عليّ فضربني بسوطه في ملأ من الناس فقال: خذها و أنا ابن الأكرمين!ثم إني صرت إلى أبيه عمرو بن العاص متعديا فحبسني أربعة أشهر، ثم أطلقني بعد ذلك فخرجت في حجاج المسلمين إليك لتأخذ منه بظلامتي. قال:

[ (1) ]في الطبري 4/262 القوي المشدد.

[ (2) ]و في رواية أن عمر قال لأهل الكوفة: من تريدون؟قالوا: أبا موسى، فأمره عليهم، فأقام عليهم سنة، فباع غلامه العلف، فشكا الوليد بن عبد شمس و جماعة معه فقالوا: إن غلامه يتجر في جسرنا، فعزله... ثم ولى المغيرة بن شعبة (الطبري 4/262 ابن الأثير 2/198) .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: و لقد ساءني حين عزلتني.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير: نحو من سنتين و زيادة.

[ (5) ]دواوين جمع ديوان. الأرجح أنها غير عربية-أصلها فارسي-قيل إن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم فقال: ديوانه أي مجانين فسمي موضعهم بهذا الاسم ثم حذفت الهاء عند كثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان (الأحكام السلطانية للماوردي) .

و قد اختلفوا في الذي أشار على عمر بن الخطاب بتدوين الدواوين فقيل خالد بن الوليد، و قيل الوليد بن هشام و قيل الهرمزان. و قد أحدثه عمر لما رأى كثرة الأموال التي ترد عليه. و أمر ثلاثة من كتاب قريش و هم عقيل بن أبي طالب و مخرمة بن نوفل و جبير بن مطعم فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية.

على ترتيب الأنساب مبتدئا من قرابة الرسول و ما بعد فالأقرب فالأقرب...

323

فغضب عمر ثم قال: عليّ بعمرو بن العاص و بابنه محمد!فأتي بهما جميعا إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فلما وقفا بين يديه سألهما عما ذكر المصري فأنكرا ذلك، فاستشهد عمر من كان بالموسم من أهل مصر، فشهدوا بذلك، فأمر عمر رضي اللّه عنه هذا المصري أن يأخذ حقه من محمد بن عمرو، قال: فجعل المصري يقنع محمد بن عمرو بسوطه و عمر يقول: خذها و أنت ابن الألأمين!ثم قال عمر: قدموا الشيخ الأصلع-يعني عمرو بن العاص-فقال المصري: يا أمير المؤمنين!إن عمرا لم يضربني و لكنه حبسني، فقال عمر: أ فتحب أن أحبسه كما حبسك؟فقال: يا أمير المؤمنين!قد صفحت عنه. قال: فغضب عمرو بن العاص فقال: إذ قد فعلت بي و بابني ما قد فعلت فلا ألي لك بعد اليوم عملا أبدا[ (1) ]، فقال له عمر رضي اللّه عنه: فاذهب إذا حيث شئت، لا و اللّه يا معشر قريش!ما تظنون إلا أن الناس لكم عبيد، قال: ثم وقف عمر رضي اللّه عنه في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إني قد بينت لكم الفرائض و أقمت لكم السنن و أقفيتكم السبيل الواضحة، فاتقوا اللّه ربكم و كونوا له شاكرين، ألا!و إنه قد كبرت سني ورق جلدي و دق عظمي و لا أظن أني أخطبكم بعدها أبدا، فليعمل أحدكم للّه كأنه يراه فإن لم يره فإن اللّه يراه، و كفى باللّه حسيبا و وكيلا، و السلام.

ذكر ابتداء مقتل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏

قال: ثم نزل عمر رضي اللّه عنه عن المنبر، و رجع الناس من الحج، و قدم عليه المغيرة بن شعبة من الكوفة و معه غلام له مجوسي‏[ (2) ]يقال له فيروز و يكنى أبا لؤلؤة، قال: و كان هذا الغلام تاجرا رقيقا بصيرا بجميع الأعمال، فأقبل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين!إن مولاي هذا المغيرة بن شعبة قد وظف عليّ في كل شهر مائة درهم‏[ (3) ]و لست أقدر على ذلك، فإن رأيت أن تأمره أن يخفف عني من هذه الوظيفة و الضريبة التي جعلها عليّ، قال: فأرسل عمر إلى المغيرة بن شعبة فدعاه ثم أوصاه بغلامه و قال: اتق اللّه عزّ و جلّ و لا تكلفه ما لا يطيق و إن كان كافرا فإنه قد [ (1) ]في الاستيعاب و الإصابة أن عمر لم يزل واليا على مصر حتى مات عمر بن الخطاب.

[ (2) ]في البداية و النهاية 7/154 مجوسي الأصل، رومي الدار. و في الطبري 5/12 و ابن الأثير 2/209 كان نصرانيا. مروج الذهب 2/352 مجوسيا من أهل نهاوند.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: درهمان كل يوم. و انظر طبقات ابن سعد 3/345 و مروج الذهب 2/352.

324

شكاك إليّ، فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين.

قال: ثم إن أبا لؤلؤة عاد إلى عمر ثانية و ثالثة فشكا إليه المغيرة، فقال له عمر: إني قد أوصيته بك فاتق اللّه عزّ و جلّ و أطع مولاك، قال: فسكت أبو لؤلؤة و لم يقل شيئا، فلما ولى لينصرف قال له عمر: ارجع!فرجع إليه فقال له عمر رضي اللّه عنه: أي الأعمال تحسن؟فقال أبو لؤلؤة: أحسن كل عمل يعمله الناس و أحسن ما أعمل أنقر الأرحية، فقال له عمر[ (1) ]: فلو اتخذت لنا رحى اليد[ (1) ]فإنا محتاجون إليها، فقال أبو لؤلؤة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين!لأتخذن لك رحا يسمع بها أهل المشرق و المغرب!قال: ثم انصرف أبو لؤلؤة، فانصرف عمر رضي اللّه عنه إلى أصحابه فقال: إنه تهددني هذا العلج و توعدني، و قد رأيت الشر في وجهه و اللّه بالغ أمره.

قال: فلما كان من غد صلى عمر بالناس صلاة الفجر ثم وثب فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إنه قد اقترب أجلي لا شك في ذلك، و قد رأيت في ليلتي هذه كأن ديكا قد أقبل إليّ فنقرني نقرتين أو ثلاثا و قد هالني ذلك، قال: فقال المسلمون: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين!فقال عمر رضي اللّه عنه: إني قد علمت أن الديك رجل أعجمي قد عزم على قتلى و لست أشك فيه أنه سيجرحني جراحتين أو ثلاثا-أو قال: سيطعنني طعنتين أو ثلاثا-و ما كان اللّه ليضيع هذا الدين، فإن استخلفت عليكم خليفة فقد استخلف من هو خير مني، و إن أهلك قبل ذلك فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو عنهم راض:

علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفان، و طلحة بن عبيد اللّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، ألا[ (2) ]!و إني أشهدكم على أمراء الأمصار أني لم أبعثهم إلا ليفقهوا الناس في دينهم و يقسموا عليهم و يجاهدوا عدوهم و يحكموا فيهم بالحق، فإن أشكل عليهم شي‏ء من ذلك فردوه إلى اللّه تعالى و إلى أولي الأمر منكم.

قال: ثم نزل عمر رضي اللّه عنه عن المنبر و أخذ بيد عبد اللّه بن عباس فخرج [ (1) ]في الطبري 5/12 و ابن الأثير 2/209: فاعمل لي رحى. و انظر مروج الذهب 2/352.

[ (2) ]من خطبة له، العقد الفريد 4/63 و الطبري 5/19. ابن الجوزي سيرة عمر بن الخطاب ص 82 الخراج لأبي يوسف ص 116 كنز العمال 8/209. ـ

325

من المسجد و جعل يماشيه ساعة ثم تنفس و زفر زفرة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين!إن ما أخرج هذا النفس و الزفير إلا الحزن، فقال: ويحك يا ابن عباس! إن نفسي لتحدثني باقتراب أجلي و لست أحذر الموت لأنه سبيل لا بد منه، و لكني مغموم لهذا الأمر الذي أنا فيه، لا أدري أقوم فيه أم أقعد، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين!فأين أنت عن صاحبنا علي بن أبي طالب في هجرته و قرابته و قدمه و سابقته و فضيلته و شجاعته؟فقال عمر: و اللّه يا ابن عباس و إنه لكما تقول!و لو أنه ولي هذا الأمر من بعدي لحملكم و اللّه على طريقة من الحق تعرفونها و لكنه رجل به دعابة و هو حريص على هذا الأمر، و لا يصلح هذا الأمر لمن حرص عليه، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين!فعثمان بن عفان؟فقال عمر: هو أهل لذلك لشرفه و فضله و لكني أتقي عليه أن يحمل آل معيط على رقاب الناس فيقتل، و لو وليته لفعل و لو فعل لفعلوا، قال: فقتل: يا أمير المؤمنين!فطلحة بن عبيد اللّه؟فقال: هيهات يا ابن عباس!ما كان اللّه تبارك و تعالى ليوليه شيئا من أمر هذه الأمة مع ما يعلم من تيهه و زهوه. عجبه بنفسه، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين!فالزبير بن العوام؟قال:

فارس بطل و معه ضيق و جشع يظل يومه بالبقيع يصال على الصاع و المد يخاصم في قفيز من حنطة أو من شعير و لا يصلح هذا الأمر إلا للسخي من غير تبذير، الممسك من غير إقتار، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين!فسعد بن أبي وقاص؟فقال: سعد صاحب مقنب يقاتل عليه و أما والي أمر فلا، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! فعبد الرحمن بن عوف؟فقال: نعم الرجل ذكرت يا ابن عباس!رجل مسلم غير أنه ضعيف و أمره في يد امرأته، و لا يصلح هذا الأمر إلا لقوي في غير عنف، و اللين في غير ضعف، الممسك في غير بخل، الجواد في غير سرف، ثم قال: يا ابن عباس!لو كان معاذ بن جبل حيا لما تخالفتني فيه الأمور

لأني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: إن معاذا لأمة يجي‏ء يوم القيامة و بينه و بين العلماء نبذة ليس بينه و بين اللّه عزّ و جلّ إلا النبيون و المرسلون، و لو أن سالما مولى أبي حذيفة كان حيا لما شككت فيه لأني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول‏[إن‏]سالما رجل أحب اللّه عزّ و جلّ حبا و خافه خوفا لم يحب معه سواه، و لو أن أبا عبيدة بن الجراح حيا لكان أهلا لهذا الأمر فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: لكل أمة أمين و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.

قال: ثم دخل عمر إلى منزله و أرسل إلى وجوه أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأحضرهم، ثم أرسل إلى جاثليق النصارى فدعاه، فلما دخل عليه‏

326

أمره بالجلوس فجلس، ثم قال: يا جاثليق!اصدقني عما أسألك عنه، قال: سل يا أمير المؤمنين!قال: تجدون نعت نبينا في الإنجيل؟قال: نعم، إني لأجده فارقليط، قال عمر: و ما معنى ذلك؟قال الجاثليق: معناه أنه يفرق بين الحق و الباطل، فقال عمر و من حضر: الحمد للّه الذي جعلنا من أمته، و لكن كيف تجدنا في كتابكم؟فقال الجاثليق: أجد بعد محمد رجلا عظيم الذكر مبارك الأمر، فقال عمر: يرحم اللّه أبا بكر!قال: ثم ما ذا ويحك يا جاثليق؟فقال: من بعده قرن من حديد قوي شديد، قال عمر: ثم ما ذا؟قال: ثم من بعده خليفة يؤثر أقاربه على من سواهم، قال: فنظر إلى عثمان بن عفان، قال: ثم ما ذا ويحك يا جاثليق؟قال:

ثم سيف مسلول و دم مهراق، قال: فضرب عمر بإحدى يديه على الأخرى ثم التفت إلى عثمان فقال: أبا عمرو!اتق اللّه عزّ و جلّ!و إن وليت هذا الأمر من بعدي فلا تحملن آل معيط على رقاب المسلمين، و أنت يا أبا الحسن فاتق اللّه!و إن وليت هذا الأمر من بعدي فلا تحملن آل أبي لهب على رقاب الناس. قال: ثم انصرف الناس من عنده و ذلك في يوم الجمعة.

و انطلق أبو لؤلؤة فاتخذ خنجرا طويلا له رأسان و بينهما مقبض‏[ (1) ]، ثم أقبل حتى دخل المسجد متنكرا، و ذلك يوم الأربعاء في وقت الفجر، قال: فأذن عمر رضي اللّه عنه و أقام الصلاة و تقدم حتى وقف في محرابه فجعل يسوي الصفوف عن يمينه و شماله و أبو لؤلؤة في الصف الأول ملفع الرأس، فلما كبر عمر و كبر الناس معه بدر أبو لؤلؤة من الصف‏و الخنجر في يده فجرحه ثلاث جراحات‏[ (2) ]: جراحتين في سرته و جراحة فوق سرته، ثم شق الصفوف و خرج هاربا. قال: و علم عمر أنه مقتول فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس فصلى في الركعة الأولى بأم الكتاب و قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ [ (3) ]و في الركعة الثانية بأم الكتاب و قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ [ (4) ]، [ (1) ]في الطبري 5/12 و ابن الأثير 2/209 و نصابه في وسطه.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: ست ضربات إحداهن تحت سرته و هي التي قتلته. و عند ابن سعد: ثلاث طعنات.

و في البداية و النهاية 7/154 ضربه ثلاث ضربات و قيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت السفاق فخر من قامته.

[ (3) ]سورة الكافرون.

[ (4) ]سورة الصمد.

327

فلما سلّم وثب الناس يتعادون خلف أبي لؤلؤة و هم يقولون: خذوه فقد قتل أمير المؤمنين!فكان كلما لحقه رجل من المسلمين ليأخذه وجأه أبو لؤلؤة بالخنجر حتى جرح من المسلمين ثلاثة عشر رجلا[ (1) ]، مات منهم ستة نفر، قال: و لحقه رجل من ورائه فألقى على رأسه برنسا فأخذه، فلمّا علم أبو لؤلؤة أنه قد أخذ وجأ نفسه وجأة فقتل نفسه.

قال: و احتمل عمر رضي اللّه عنه إلى منزله و هو لما به، قال: و اجتمع إليه الناس فقال عمر: أبو لؤلؤة قتلني أم غيره؟فقالوا: أبو لؤلؤة يا أمير المؤمنين! فقال: الحمد للّه الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل مسلم‏[ (2) ]فأريد أن أخاصم يوم القيامة ذا سجدتين.

قال: ثم أغمي عليه ساعة حتى فاتته صلاة الظهر، فأيقظوه و قالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين!فقال عمر رضي اللّه عنه: نعم لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة لكني على ما ترون. قال: ثم صلى عمر، و دعي له بالطبيب‏[ (3) ]فسقاه نبيذا[ (4) ]حلوا من نبيذة فخرج النبيذ من جراحته فلم يدر أ نبيذ هو أم دم، فدعي له بطبيب من الأنصار من بني معاوية فسقاه لبنا فإذا اللبن قد خرج من جراحته أبيض، فقال له الطبيب: أوص يا أمير المؤمنين فإنك ميت، فقال عمر رضي اللّه عنه: صدقتني أخا الأنصار عن نفسي، ثم استعبر باكيا فقال له ابن عباس: لا تبك يا أمير المؤمنين‏لا أبكى اللّه عينك و أبشر بالخير كله، فواللّه لقد كان إسلامك عزا و هجرتك فتحا و خلافتك رحمة، و لقد أسلمت حين كفر الناس، و نصرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين خذله الناس، و أنت من الذين أنزل اللّه تبارك و تعالى فيهم‏ لَقَدْ رَضِيَ اَللََّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبََايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ [ (5) ]و أنت من الذين أنزل اللّه في حقهم [ (1) ]عند ابن سعد: طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم انتحر بخنجره، فمات منهم ستة و أفرق ستة، و في روآية أخرى عنده: طعن ثلاثة عشر، فأفلت أربعة و مات تسعة، أو أفلت تسعة و مات أربعة. و لما أدرك أنه مأخوذ-بعد أن ألقى عليه اليرعوبي برنسه-نحر نفسه بخنجره (و انظر فتح الباري 7/51) .

[ (2) ]في الطبري 5/13: بيد رجل سجد لله سجدة واحدة.

[ (3) ]من بني الحارث بن كعب.

[ (4) ]المراد بالنبيذ هنا تمرات نبذت في ماأ أي نقعت فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء.

[ (5) ]سورة الفتح: 18.

328

لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً [ (1) ]و لقد صحبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى بشرك بالجنة في غير موطن، و لقد خرج من الدنيا و هو عنك راض، ثم وليت أمور المسلمين بأحسن ما وليها أحد، فأعز اللّه عزّ و جلّ بك الإسلام و أذل بك العدو، حتى فتحت الديار، و مصرت الأمصار، و أقمت المنار، و دونت الدواوين، و جندت الأجناد، فعدلت في رعيتك، و أديت فيهم الأمانة، فجزاك اللّه عن نبيك و عن خليفته و عن هذه الأمة خير الجزاء.

قال: فقال له عمر:

ويحك يا ابن عباس أو تشهد لي بهذا غدا عند اللّه؟قال: فأمسك ابن عباس و لم يتكلم شيئا، فقال له علي عليه السلام: نعم فاشهد له بذلك يا ابن عباس!

فقال ابن عباس: نعم أنا أشهد لك بذلك عند اللّه يا أمير المؤمنين، فقال عمر: و اللّه يا ابن عباس لو كانت لي بما فيها فافتديت من هول يوم المطلع، و لوددت أني أخرجت من هذه الدنيا كفافا لا لي و لا عليّ. ثم أقبل عمر على الناس فقال: أيها الناس!إذا أنا مت و واريتموني في حفرتي فانتظروا ثلاثا، فإن قدم عليكم طلحة بن عبيد اللّه و إلا فاختاروا لأنفسكم من ارتضيتموه من هؤلاء الستة: علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفان و الزبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن عوف و طلحة بن عبيد اللّه، فإني قد جعلت الأمر في هؤلاء الستة و أدخلوا ابني عبد اللّه في المشورة على أنه ليس له من الأمر شي‏ء، و هذا صهيب بن سنان يصلي بكم في هذه الأيام إلى أن يتفق رضاؤكم على رجل من هؤلاء الستة، فمن ارتضيتموه و استخلفتموه من هؤلاء الستة فهو الخليفة من بعدي، فإذا أنتم بايعتم رجلا من بعدي و اتفقت آراؤكم عليه و عقدتم له البيعة ثم خالفكم أحد فاقتلوه، ألا[ (2) ]و إني أوصي الخليفة من بعدي‏[ (3) ] بأهل الذمة خيرا فإن لهم ذمة اللّه و رسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم أن لا يظلمهم و لا يكلفهم فوق طاقتهم و أن يوفي لهم بعهدهم و يقاتل عدوهم، نعم و أوصي الخليفة من بعدي بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب و مادة الإسلام أن تؤخذ الصدقات منهم على وجهها [ (1) ]سورة الحشر: 8.

[ (2) ]وصيته في فتح الباري 7/61 و البيان و التبيين 2/48 باختلاف النصوص.

[ (3) ]في فتح الباري: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم و يحفظ لهم حرمتهم، و أوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوأوا الدار و الإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، و أن يعفي عن مسيئهم. و أوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام و جباة المال و غيظ العدو، و أن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم.

329

ثم ترد على فقرائهم و مساكينهم.

قال: ثم أقبل عمر رضي اللّه عنه على ولده عبد اللّه فقال: يا بني حط رأسي عن الوسادة وضعه على الأرض فعسى اللّه عزّ و جلّ أن يرحمني، ثم قال: يا بني!لو أنك رأيت غدا أباك يقاد إلى النار أما تفديه؟فقال عبد اللّه: بلى بجميع ما ملكت من طارف و تالد، قال: يا بني!فأد ما عليّ من الدين‏[ (1) ]و انظر أن تبيع في ذلك جميع مالك، فإن لم يف بما عليّ فاسأل في بني عدي بن كعب، فإن لم يف بما عليّ فاسأل في قريش و لا تعدهم إلى غيرهم، و اجعل ذلك في بيت المال فإن سألك الخليفة من بعدي أن لا تأتيه بذلك المال فلا تفعل، فإن وهبه لك فلا تقبل و اذهب به حتى تضعه في بيت المال كما أخذته منه.

ثم قال: يا بني!صر إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع حبيبي محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خليفته أبي بكر، فإذا أذنت في ذلك فادفنوني‏و إلا فادفنوني في مقابر المسلمين‏[ (2) ]. قال: فأقبل عبد اللّه بن عمر إلى عائشة رضي اللّه عنها فاستأذنها في ذلك، فقالت عائشة رضي اللّه عنها: ارجع إلى أمير المؤمنين فأقرئه مني السلام و قل له قد علمت أنه بيتي الذي توفي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أبي إلى جنبه و قد كنت ذخرت ذلك لنفسي و قد آثرتك به يا أمير المؤمنين، فقال عمر: الحمد للّه ما كان عندي شي‏ء أهم من ذلك فإذا أنا مت فأت بي إلى باب عائشة، و قل: يستأذن عمر بن الخطاب، و لا تقل أمير المؤمنين، فإن أذنت و إلا ردوا بي إلى مقابر المسلمين‏[ (2) ].

قال: ثم توفي عمر رحمة اللّه عليه يوم الأربعاء بالعشي ليلة الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين من الهجرة النبوية و هو يومئذ ابن ثلاث و ستين سنة[ (3) ]-و اللّه أعلم و هو حسبنا و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم-.

[ (1) ]عند ابن سعد 3/358 كان عمر بن الخطاب قد استسلف ثمانين ألفا من بيت المال. قال: و ما مضت جمعة بعد أن دفن عمر حتى حمل ابن عمر المال إلى عثمان بن عفان و أحضر الشهود على البراءة بدفع المال.

[ (2) ]في طبقات ابن سعد 3/363 بالبقيع.

[ (3) ]في يوم وفاته و مدة خلافته و مقدار عمره انظر الطبري 5/14 تاريخ خليفة ص 152 ابن الأثير 2/211 البداية و النهاية 7/155 المعارف لابن قتيبة ص 79 مروج الذهب 2/333 تاريخ اليعقوبي 2/159 طبقات ابن سعد 3/365.

330

ذكر كلام علي بن أبي طالب في عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما

قال: و كان جعفر بن محمد يقول لأبي: علي بن أبي طالب عليه السلام هو الذي غسل عمر رضي اللّه عنه بيده و حنّطه و كفّنه ثم وضعه على سريره و أقبل على الناس بوجهه فقال: أيها الناس!هذا عمر بن الخطاب رضي‏[اللّه‏]عنه قد قضى نحبه و لحق بربّه، و هو الفاروق، و قرن من حديد و ركن شديد، كان لا تأخذه في اللّه لومة لائم، عقل من اللّه أمره و نهيه، فكان لا يتقدم و لا يتأخر إلا و هو على بينة من ربه حتى كأنّ ملكا يسدّده و يوفقه، كان شفيقا على المسلمين، رؤوفا بالمؤمنين، شديدا على الكافرين، كهفا للفقراء و المساكين و الأيتام و الأرامل و المستضعفين، كان يجيع نفسه و يطعمهم، و يعري نفسه و يكسيهم، كان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، فرحمه اللّه حيا و ميتا!و اللّه ما من أحد من عباد اللّه عزّ و جلّ أحب إليّ من أن ألقى اللّه عزّ و جلّ بمثل عمله من هذا المجي‏ء بين أظهركم.

قال: ثم أقبل عليّ كرم اللّه وجهه على صهيب بن سنان مولى بني تميم فقال له: تقدم رحمك اللّه فصلّ عليه كما أمرك.

قال: فتقدم صهيب فصلى على عمر، فكبر عليه أربعا، ثم حمل على أعواد المنايا يراد به إلى بيت عائشة رضي اللّه عنها ليدفن مع النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و ضج المسلمون بالبكاء و النحيب. قال: ثم أدخل عمر رضي اللّه عنه حجرة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قد حفر قبره ليدفن هنالك، و إذا بهاتف يهتف سمعه جميع المسلمين و هو يقول: شعر:

ليبكِ على الإسلام من كان باكيا # فقد أوشكوا هلكا و كل على العهد

و أدبرت الدنيا و أدبر خيرها # و قد ملّها من كان يوفق بالوعد

قال: فدفن عمر إلى جنب أبي بكر رضي اللّه عنهما فأوّلهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و الثاني أبو بكر و رأسه قريب من كتف النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و الثالث عمر و رأسه قريب من كتف أبي بكر. قال: و قد ضاق البيت لما دفن فيه عمر فصارت رجلا عمر تحت حائط البيت قريبا من موضع الأساس، و لقد سمع أهل المدينة هاتفا من الجن يسمع جميع أهلها و يرثي عمر[ (1) ].

[ (1) ]في طبقات ابن سعد 3/374 عن عائشة قالت: سمعت ليلا ما أراه إنسيا نعى عمرا و هو يقول:

جزى اللّه خيرا من أمير و باركت # يد اللّه في ذاك الأديم الممزق‏

331

خلافة عثمان‏

ذكر اختلاف المسلمين بعد قتل عمر بن الخطاب و عقد الخلافة لعثمان بن عفان رضي اللّه عنهما

قال: لما كان بعد وفاة عمر رضي اللّه عنه بثلاثة أيام اجتمع الناس في دار فاطمة بنت قيس‏[ (1) ]أخت الأشعث بن قيس فتشاوروا و تكلموا و كان ثم هنات و كلام كثير حتى ارتفع الصوت بين القوم، قال: فوثب عبد الرحمن بن عوف فقال: يا هؤلاء!إنكم لم تجتمعوا للحديث و الكلام الكثير إن عندي رأيا[ (2) ].

[قال عبد الرحمن‏[ (3) ]: أرى أنكم قد اختلفتم في أمر الخلافة و تنازعتم، و كل واحد منكم يتكلم بكلام لتأييد وجهة نظره، و متى اختلط الكلام بالهوى فلن يؤدي إلى سلوك جادة الحق: «أنتم أيمة يهتدى بكم و علماء يصدر إليكم، فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم و لا تغمدوا السيوف عن أعدائكم فتوتروا ثأركم، و تؤلتوا أعمالكم. لكل أجل كتاب، و لكل بيت إمام بأمره يقومون و بنهيه يرعوون قلدوا أمركم واحدا منكم تمشوا الهوينا و تلحقوا الطلب» و اجتنبوا الهوى و لا تطيعوا عددكم، و لا تخالفوا رأي من تمثلون، و لا تسيروا خلف المفسدين و أصحاب الأهواء، كي نصل إلى الغاية، و لا يشمت بنا العدو.

فقال عثمان بن عفان‏[ (4) ]: صدق ابن عوف، لقد جعلنا اللّه أئمة يقتدى بنا و أعطانا درجة من العلم يمكن معها لنا أن نستشار، فلا ينبغي أن نختلف كما لا ينبغي أن ينتشر كلامنا كي لا يجد المفسدون فرصتهم كي يحرفونا عن طريق الحق و الصواب يا ابن عوف، قل كل ما تراه صوابا في هذا الموضوع و ما ترى أنه صالح و أرشدنا إلى الطريق المستقيم فإنني أول من يجيبك و أسير على هداك و اللّه شاهد على [ () ]

فمن يمشي أو يركب جناحي نعامة # ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق‏

و عنده عن سليمان يسار أن الجن ناحت على عمر. و ذكر أبياتا قريبة من التي سبقت.

[ (1) ]في الطبري 5/36 في بيت المسور بن مخرمة و يقال في بيت المال و يقال في حجرة عائشة بإذنها.

(ابن الأثير 2/221 قال ابن كثير بعد ما ذكر مختلف الأقوال: «و الأول أشبه» يعني في بيت المسور بن مخرمة) .

[ (2) ]سقط من الأصل، و استدركناه من الترجمة الفارسية للكتاب بعد أن عربت ص 113-117.

[ (3) ]قارن مع عبارة الطبري 5/38.

[ (4) ]كلام عثمان في الطبري 5/39 و ابن الأثير 2/224 باختلاف.

332

ما أقول و سأمتنع عن الخلاف و السلام.

ثم تكلم الزبير بن العوام فقال‏[ (1) ]: «إن داعي اللّه لا يجهّل و مجيبه لا يخذل» و يجب أن يستجاب الداعي، و لقد سبقنا الآخرين بسرعة إجابتنا للدعوة لئلا نموت ميتة عمية و لا[ (2) ]ندعو بدعاء الجاهلية، و إنني واحد ممن يجيبك إلى ما قلت، و معينك على ما أمرت، و لا حول و لا قوة إلا باللّه و السلام.

ثم تكلم سعد بن أبي وقاص و قال‏[ (3) ]: يا أيها الأعزاء احذروا الكذب و إغراء الشيطان الذي استطاع إغواء الكثيرين ممن سبقونا من الأمم السالفة، و أضلهم حتى جعلوا كتاب اللّه خلفهم و عطلوا أوامر اللّه و نواهيه، و اختاروا المعصية على الطاعة، و سلكوا طريق الغفلة، حتى غضب اللّه عليهم و مسخهم قردة و خنازير فالآن: اجمعوا رأيكم و فوضوا أمركم لمن هو أهل لهذا الأمر و ابذلوا غاية جهدكم لحفظ الإسلام و المسلمين.

ثم‏

تكلم بعده علي بن أبي طالب عليه السلام فقال‏[ (4) ]: «إنكم تعلمون أننا أهل بيت النبوة و سبب نجاة الأمة من المشقة و البلاء. لنا حق إن نعطه نأخذه، و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و لو طال السرى» و نذهب إلى حيثما نراه صالحا و لا نخاف من طول غيابنا حتى نبلغ أجلنا. و باللّه لو عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عهدا لأنفذنا عهده، و لو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت. و مع ذلك فأنا واحد منكم و قد سبقت الجميع إلى الإسلام و أني أوصلكم للرحم فاسمعوا كلامي وعوا منطقي، و اعلموا أني موافق لما تفعلون و تابع لكم، لكن ليكن عملكم مبنيا على أصل، و لا تتبعوا الهوى و افعلوا ما فيه رضا اللّه و رضا رسوله.

و حين سمع عبد الرحمن بن عوف كلام علي بن أبي طالب و استشف منه موافقته الضمنية سرّ قلبه و قال: «ارجعوا حتى الغد، لنرى كيف تكون المصلحة في هذا الأمر، و إني لأرجو أن يتم هذا الأمر على نحو تتحقق فيه أمنيتكم» فرجع القوم.

ثم‏

قال عبد الرحمن بن عوف لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن، إن أفضى [ (1) ]الطبري 5/39 و ابن الأثير 2/224-225.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: و لا نعمى عمى جاهلية.

[ (3) ]الطبري 5/39 ابن الأثير 2/225 باختلاف.

[ (4) ]الطبري 5/39 ابن الأثير 2/225. ـ

333

الأمر إليك فكيف تفعل؟فقال: التزم جادة العدل و المساواة بين الناس.

فقال عبد الرحمن: لو تعداك الأمر إلى غيرك فما تقول: فقال: اصبر و أرضى بما فيه صالح المسلمين. فدعا له عبد الرحمن.

ثم خاطب ابن عوف عثمان قائلا: إن فوض إليك الأمر فكيف تقوم به و أية خطة تلتزم؟ فقال عثمان: أسير بما يوفقني اللّه إليه و لا آلو جهدي.

فقال ابن عوف: أ تسير سيرة عمر؟فقال عثمان: و أينا يطيق ما كان عمر يطيق (فقد كان عمر رجلا قويا دعا له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد أعز اللّه الإسلام به) لكنني سأبذل طاقتي و أسعى جهدي في العدل و حسن السيرة و المساواة بين الرعية.

ثم وقف عبد الرحمن و رفع يده بالدعاء ثم قال: اللهم!ارزقني الخير و التوفيق لما فيه الخير لأمة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى أؤدي هذا الأمر على أحسن وجه (ثلاث مرات) ثم قال: أي واحد منكم يرغب بنفسه عن هذا الأمر فليقم. فخرج الزبير و قال:

إني تخليت عن سهمي لعلي بن أبي طالب. فأثنى عليه عبد الرحمن خيرا.

ثم أعاد القول ثانية، فخرج سعد بن أبي وقاص و لم يجعل سهمه لأحد.

ثم قال للمرة الثالثة: ليخرج من بيننا من لا يبغي الخلافة.

فقال عثمان: يا عبد الرحمن، لقد كنا خمسة رجال من أصحاب الشورى و كان سادسنا الذي سماه عمر أمير المؤمنين غائبا. و قد خرج منا اثنان لا يبتغون الاشتراك في أمر الخلافة و بقينا الآن ثلاثة أنت و أنا و علي، فقل ما فيه الخير، فقال عبد الرحمن: صدقت، هل ترضيان كلاكما بما أقول بشرط أن أخرج نفسي من الخلافة؟ فقال كل من عثمان و علي: نعم قد رضينا، و ما تراه صالحا لن نعدل عنه.

ثم قال عبد الرحمن لجموع المسلمين: هل ترضون حكمي في أمر الخلافة؟ فقال الحاضرون: نعم.

فقال عبد الرحمن لعثمان: إن أنا صرفت الخلافة إليك بدلا من علي فهل تحيي ما أمر اللّه سبحانه و تعالى في كتابه بإحيائه و تميت ما أمر اللّه بإماتته؟ فأجاب: أفعل و على هذا أمضي.

334

ثم سأله: و إن أنا صرفت عنك الخلافة إلى علي فهل ترضى أم لا؟ فقال عثمان: أرضى و أطيع أمر أخي.

ثم سأل عبد الرحمن عليا و قال له: إن أفوض إليك أمر الخلافة بدلا من عثمان فهل تحيي ما أمر اللّه تعالى في كتابه بإحيائه و تميت ما أمر اللّه بإماتته؟ قال: أفعل و على هذا النحو أمضي.

ثم سأله: و إن فوضت الأمر لعثمان فهل تطيع أمر أخيك؟قال: أفعل.

ثم التفت عبد الرحمن إلى الناس و قال: أيها المسلمون. لقد خبرت القوم و عرفت أحوالهم ظاهرا و باطنا فظهر لي أنهم بخلافة عثمان راضون‏[و يريدونه رئيسا عليهم‏]. و القلوب إليه مائلة و كلمتهم في هذا الخصوص واحدة.

و بناء لهذا الواقع فإني راض بعثمان خليفة و هو عميد بني أمية و قد بايعته. ثم خاطبه يا أبا عمرو: أمد يدك فمدّ عثمان يده فأخذها عبد الرحمن و بايعه. ثم تابعه أكابر الصحابة ثم تلاهم عامة المسلمين. و استقرت الخلافة لعثمان و رضي به الجميع باستثناء جماعة من أكابر بني هاشم.

و بعد أن تفرق الناس قال عبد اللّه بن العباس لأمير المؤمنين علي: يا أبا الحسن و أنت قد خدعوك حتى رضيت بخلافة عثمان. فقال علي: إنهم لم يخدعوني بل إني رأيت‏الجميع راضون به فلم أحب مخالفة المسلمين حتى لا تكون فتنة بين الأمة.

و في اليوم التالي للبيعة وصل طلحة بن عبيد اللّه من السفر فاستقبله الناس و أخبروه بحادثة أمير المؤمنين عمر[و أخبروه بما رآه عمر في حقه في موضوع الخلافة]فبكى كثيرا و قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ. ثم سأل بما ذا تفكرون في أمر الخلافة؟ فقالوا: لقد انتظرنا قدومك ثلاثة أيام كما أمر عمر أمير المؤمنين، و بما أنك تأخرت فقد اتفق الجميع و بايعوا عثمان. و استقرت الخلافة له. و إن كنت لا ترى الصواب في ذلك أعدنا الأمر كما كان و نجتمع كلنا حتى يحصل رضا اللّه على رأي واحد.

فقال طلحة: معاذ اللّه أن أبطل أمرا أجمع عليه المسلمون، أو أن أخالف رأي المسلمين، و عثمان هو أهل لهذا الأمر و لن يفضله أحد.

335

ثم استقرت خلافة عثمان إلى أن برزت الفتن و الاختلافات في عام 23 للهجرة.

بداية أعمال عثمان في عهد خلافته‏

لقد بدأ[ (1) ]بعزل أبي موسى الأشعري عن إمارة البصرة التي كان ولاه إياها أمير المؤمنين عمر. و عين مكانه عبد اللّه بن عامر بن كريز. و كان عبد اللّه هذا ابن خال عثمان، حيث كانت أمه بنت كريز بن ربيعة. [وجدة عبد اللّه بن عامر من جهة أبيه هي جدة لعثمان من جهة أمه. و كنيتها أم حليمة و هي عمة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اسمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. ثم قال أبو موسى لأهل البصرة[ (2) ]: لقد عزلت عن إمارتكم، و قد ولي عليكم شاب من أكابر قريش و أحد أغنيائها الموسرين و له أقارب عديدون‏].

فوصل عبد اللّه بن عامر إلى البصرة، و كان شابا له خمس و عشرون سنة.

فقدم إليه أهل البصرة و رحبوا به و أثنوا عليه. [و من بينهم رجل من بني عدي بن عبد اللّه قال فمن كلامه مهنئا عبد اللّه بالإمارة: أيها الأمير.. عفا اللّه عنك و زادك تمكينا في دينه الذي ارتضاه. و جعل مأواك الجنة، و إني لا أبغي لك سوى الخير في السر و العلن‏]و إنك رجل كامل العقل وافر العلم سريع الخاطر حاد الفهم قد جمعت بين اللين و الشدة و الصدق و العفاف و التواضع و القوة، و المعرفة بحدود الدين‏و الصبر و اليقين فأطال اللّه عمرك و شمل المسلمين عامة بخيرك و السلام.

و في يوم الجمعة حين صعد عبد اللّه بن عامر بن كريز المنبر لإلقاء الخطبة، و رأى حشود المصلين اندهش و ارتج عليه و بدأ كلامه فقال: الحمد للّه الذي خلق السموات و الأرض في ست سنين.

فقام رجل من بني مازن و قال: أصلح اللّه الأمير: إن كان لا بد لك من أن تذكر في خطبتك مدة خلق السموات و الأرض فإن اللّه قد خلقها في ستة أيام. فخجل عبد اللّه و لم ينطق بعد ذلك بكلمة ثم نزل و أمر شخصا آخر أن يلقي الخطبة. ثم تقدم فصلى بالناس.

[ (1) ]كذا، و في الطبري 5/54 و ابن الأثير 2/241 و البداية و النهاية 7/173: عزل أبو موسى عن البصرة سنة 29. و انظر فيها سبب عزله.

[ (2) ]خطبة أبي موسى بعد ما بلغه نبأ عزله الطبري 5/55 اليعقوبي 2/166.

336

و بعد فراغه من الصلاة تقدم منه رجل من قريش و قال له: لو أنك لم تصعد المنبر و لم تتكلم بشي‏ء و كلفت من يخطب بدلا عنك لكان ذلك أولى، من صعودك المنبر ثم عجزك عن الكلام بعد ما رأيت كثرة الناس.

فقال عبد اللّه: صدقت. بعد اليوم لن تراني على المنبر أبدا.

ذكر فتح إصطخر و فارس في زمان أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه‏

حين أقام عبد اللّه (ابن عامر) عدة أيام في البصرة. اضطرب الأمر في فارس‏[ (1) ]و وصل الخبر إلى عثمان بأن ماهك بن شاهك قد خرج و معه ثلاثون ألف رجل و استردوا المنطقة من أيدي المسلمين فكتب عثمان رسالة إلى عبد اللّه بن عامر يأمره فيها بالذهاب إلى فارس و إطفاء فتنة ماهك و أن يعيد ضبط تلك الولاية ثم من هناك يسير نحو خراسان و يسعى لفتح تلك البلاد، و لما وصلت رسالة أمير المؤمنين عثمان إلى عبد اللّه. جمع رجال البصرة و تلا عليهم رسالة عثمان و حرضهم على الجهاد و الغزو. فأجابه الناس و استعدوا ثم انطلق عبد اللّه بجيش جرار و جنود شجعان من البصرة إلى فارس. و حين اقترب علم ماهك بالخبر و هيأ هو أيضا جيشا و في صحراء إصطخر التقى الجمعان و قامت الحرب بينهما من الصباح حتى صلاة العصر. و لما رأى ماهك طعن المسلمين و ضربهم، فرّ و انهزم فلحق بهم جيش المسلمين يقتلونهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة[ (2) ]و من بقي منهم فقد التجأ إلى إصطخر، ثم ذهب فوج من الجيش يطلب ماهك فوصل إليه رجل يسمى يزيد بن الحكم الأزدي و لما أراد أن يضربه بالسيف نزع ماهك تاجه و ألقاه إليه فأخذ يزيد التاج و عاد إلى أصحابه و شرح لهم ما وقع له.

ثم نزل عبد اللّه بن عامر في ظاهر إصطخر و حاصرهم و كان يقاتلهم كل يوم بشدة إلى أن استطاع أن يستولي على إصطخر عنوة. ثم دخل المدينة فقتل فيها [ (1) ]نقض أهل فارس و نكثوا بعبيد اللّه بن معمر، فسار إليهم و قد اجتمعوا بإصطخر و قاتلهم فقتل عبيد اللّه و انهزم أصحابه (الطبري 5/55 ابن الأثير 2/242 فتوح البلدان ص 382) .

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 382 فقتل نحوا من مائة ألف.

337

المقاتلة[ (1) ]و غنم المسلمون غنائم كثيرة فأرسل ماهك رسولا إلى عبد اللّه يطلب الأمان فأعطاه الأمان بشرط أن يقيم في إصطخر و أن يؤدي الجزية فقبل ماهك بذلك، حينئذ جاء إلى عبد اللّه فقربه إليه و أقام في إصطخر على الشرط المذكور. و من ثم‏سار عبد اللّه نحو خراسان.

ذكر فتح نيسابور و طوس في زمن أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه‏

و حين وصل عبد اللّه إلى حدود خراسان، دعا مجاشع بن مسعود و عينه واليا على كرمان و أعطاه ألف فارس و وجّهه نحو كرمان و سار بنفسه نحو خراسان و جعل على مقدمة جيشه الأحنف بن قيس التميمي‏[ (2) ]. و لما وصل إلى ولاية نيسابور. كان يوجد فيها ملك يدعى أسوار. فأغار عبد اللّه على القرى و بدأ الحرب مع أهل البلد و قتل كل من وجده و طال أمره مع نيسابور و في هذه الأثناء وصلته رسالة من أمير طوس يطلب منه الأمان. فإن أعطاه الأمان سيسارع إلى خدمته و يعينه على فتح نيسابور فأعطاه الأمان‏[ (3) ]فجاء أمير طوس (كنادبك) [ (4) ]مع جيشه المستعد لخدمته فأكرم عبد اللّه مقدمه و خلع عليه و على وجهاء عسكره بخلع نفيسة و اتجه للحرب ضد نيسابور و قد اجتهدوا في أمر الحرب للغاية و وقعت حرب عنيفة بين الطرفين و قتل خلق كثير. فأقسم عبد اللّه أن لا يتحول عن نيسابور حتى يفتح البلد أو يموت. فلما سمع بذلك ملك نيسابور، أرسل إليه شخصا يطلب الأمان و ليختر أحد الأبواب ليدخل منه. فرضي عبد اللّه بذلك و أعطاه الأمان‏[ (5) ]و أقسم الطرفان على توكيد العهد. و في اليوم الثاني منذ بزوغ الشمس فتح أسوار بوابة البلد فدخل عبد اللّه مع جيش [ (1) ]في فتوح البلدان ص 382 قتل أربعين ألفا و أفنى أكثر البيوتات و وجوه الأساورة. و قال خليفة ص 162 تاريخه: فقتل ابن عامر حتى أسرف في القتل، فأمر بالماء فصب على الدم حتى خرج من باب المدينة.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 394 و يقال: عبد اللّه بن حازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب السلمي.

[ (3) ]طوس: على عشرة فراسخ من نيسابور.

و قد كان ابن عامر صالح مرزبان طوس كنازتك على ستمائة ألف درهم. (فتوح البلدان ص 396) .

[ (4) ]في فتوح البلدان: كنازتك.

[ (5) ]في فتوح البلدان ص 395 و ابن الأثير 2/259 صالح عبد اللّه بن عامر مرزبان نيسابور على ألف ألف درهم.

338

المسلمين إلى داخل المدينة و أخذ بالتكبير بصوت عال. و أخذوا بالقتل و الإغارة و استمروا على ذلك طوال اليوم، فتقدم كنادبك أمير طوس من عبد اللّه و قال: أيها الأمير ما دمت قد ظفرت و غلبت فالعفو أجدر بك من الانتقام فقبل عبد اللّه شفاعته و نادى بالأمان لأهل البلد. و نهى العساكر عن أعمال القتل و الإغارة. و عين كنادبك أميرا على نيسابور و سلم إليه البلد.

ذكر فتح مدينة مرو و هرات و بوشنك و سرخس و نسا و باور و فارياب و الطالقان و غيرها في زمن أمير المؤمنين عثمان‏

و حين بلغ الخبر إلى مدينة مرو بأن طوس و نيسابور قد استسلمت لابن عامر و قد وقعت تلك الولاية بيد المسلمين و علموا كيفية حربهم و إغارتهم فخافوا و أرسلوا إلى عبد اللّه طالبين منه الصلح على أساس أن يدفعوا له مليون و مائتي ألف درهم نقدا[ (1) ]:

و في كل سنة ثلاثمائة ألف درهم كجزية يؤدونها عن أنفسهم فأجابه عبد اللّه إلى ذلك و أرسل عبد اللّه بن عوف الحنظلي أميرا إلى مرو و تقرر الصلح مع أهلها و بعده جاء ملك هرات إلى عبد اللّه و طلب منه الصلح على أن يفوض إليه أمر هرات و فوشنج و في كل عام يؤدي (ألف درهم) [ (2) ]كذا...

فرضي ابن عامر بذلك و كتب له عهدا[ (3) ]. ثم جاء بعده ملك سرخس ماهويه و طلب الأمان بشرط أن تبقى سرخس و قراها في يده و يتعهد بدفع مائة ألف درهم و ألف حمل من القمح و مثلها من الشعير و على هذا الأساس تم الاتفاق و عاد إلى سرخس‏[ (4) ]. ثم جاء ملك نسا و أبيورد[ (5) ]و طلب منه الصلح مقابل أن يؤدي سنويا [ (1) ]في فتوح البلدان ص 396 و ابن الأثير 2/259 صالح مرزبان مرو على ألفي ألف و مائتي ألف درهم.

زيد في فتوح البلدان: و قال بعضهم: ألف ألف درهم و مائتي ألف جريب من بر و شعير. و كان في صلحهم أن يوسعوا للمسلمين في منازلهم.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 396 على ألف ألف درهم.

[ (3) ]نسخته في فتوح البلدان ص 396.

[ (4) ]كذا بالأصل بالنسبة إلى سرخس، و خبر فتحها في فتوح البلدان و ابن الأثير باختلاف.

[ (5) ]في فتوح البلدان ص 365 أن صاحب نسا أتى عبد اللّه بن خازم و كان عبد اللّه بن عامر قد وجهه إليها-

339

ثلاثمائة ألف درهم و ألف حمل من القمح و مثلها من الشعير. و قبل عبد اللّه بذلك و كتب له كتابا ثم أعاده إلى ناحيته ثم وصل إليه ملك فارياب و الطالقان و طلبوا منه الصلح مقابل أن يؤدوا سنويا مائتي ألف درهم و خمسمائة حمل قمح و مثلها من الشعير و قبل أيضا عبد اللّه بذلك و كتب له عهدا و أعاده إلى بلاده‏ثم عامل كل من جاءه من الأمراء و الأكابر على هذا النحو.

ذكر فتح سجستان في زمن أمير المؤمنين عثمان‏

ثم استدعى عبد اللّه بن عامر ابن عمه عبد الرحمن بن سمرة[ (1) ]و أعطاه جيشا مجهزا و أرسله إلى سجستان، و حينما اقترب عبد الرحمن مع ذلك الجيش من المدينة قاتله أهل سجستان و وقعت بين الطرفين حرب شديدة و لكن النتيجة كانت لصالح المسلمين ففتحوا البلد عنوة و دخلها المسلمون ينهبون و يأسرون و قد حصلوا على غنائم كثيرة ثم اتجه عبد الرحمن نحو كابل ففتحها[ (2) ].

ذكر فتح كابل‏

و بعد مشاورة للجيش اتجه نحو كابل و حين وصل إليها نزل في خارجها فما كان من ملكها إلا أن هيأ جيشا و أخذ في مقاومة جيش المسلمين، ثم عاد إلى المدينة و تحصن بها و لم يخرج منها، فحاصرهم عبد الرحمن. و كانت تقع بين الحين و الآخر مناوشات بين الطرفين. و استمر الأمر على هذه الحال نحو عام كامل. و لقي المسلمون في ذلك عنتا شديدا و في النتيجة تغلبوا عليهم و فتحوا المدينة و دخل المسلمون البلد و قتلوا من وجدوه من العساكر و أسروا الباقي، و أسر ملك كابل و لما أحضر إلى عبد الرحمن أمر بقتله إلا أنه أسلم و نطق بالشهادتين فأكرمه عبد الرحمن.

[ () ] فصالحه على ثلاثمائة ألف درهم، و يقال على احتمال الأرض من الخراج على أن لا يقتل أحدا و لا يسبيه.

و قدم بهمنة عظيم أبيورد على ابن عامر فصالحه على أربعمائة ألف درهم (فتوح البلدان ص 395) .

[ (1) ]في فتوح البلدان ص 385 و ابن الأثير 2/265 الربيع بن زياد بن أنس بن الديان الحارثي. (انظر تاريخ خليفة ص 164) .

[ (2) ]عزل ابن عامر الربيع و استخلف على سجستان رجلا من بني الحارث بن كعب فأخرج عنها فولى ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس سجستان و منها انطلقت غزواته (فتوح البلدان ص 386 ابن الأثير 2/262) .

340

ثم أمر باستخلاص خمس الغنائم و أرسلها إلى عبد اللّه بن عامر و شرح له كيفية فتح سجستان و كابل و استقر مع عسكره في تلك الولاية.

ذكر فتح مرو الروذ و بلخ على يد الأحنف بن قيس‏

ثم استدعى عبد اللّه بن عامر رجلا من العرب المشهورين يسمى الأقرع بن حابس التميمي و أمّره‏[ (1) ]على ألف رجل و قال له: اذهب إلى مدينة جوزجانان‏[ (2) ] و حاربهم حتى يقبلوا الصلح على النحو الذي أخذت منه الجزية في المواضع الأخرى. فذهب الأقرع إلى الجهة التي عينها له عبد اللّه. و حين اقترب‏من البلد، خرج إليه أهلها يقرعون الطبول و يلعبون بالسلاح و لما التقى الجيشان وقعت بينهما معركة عظيمة و قتل فيها جمع كثير من المسلمين و عاد الباقون إلى عبد اللّه بن عامر[ (3) ] فاستدعى عبد اللّه بن عامر الأحنف بن قيس و قال له: يا أبا بحر، لقد اقترب موسم الحج و إني عازم على أداء هذه الفريضة و إني أعرف أحوال رجال العرب الذين هم معي و لكنني اخترتك للنيابة عني في إمارة خراسان فيجب عليك أن ترعى شؤون الإمارة و أحوال الناس بأحسن وجه ممكن كما هو معهود فيك من الكفاءة و حسن السيرة. ثم جمع عبد اللّه الأموال و انطلق نحو الحج. و إذ علم أهل مرو و الطالقان بعودة عبد اللّه بن عامر، اجتمعوا و أعدوا ثلاثين ألف مقاتل. فاتصل الخبر بالأحنف فجمع قواته و استعد للحرب و توجه نحو الذين نقضوا العهد و نزل في مكان يبعد فرسخين اثنين عن مرو الروذ حيث يعرف بقصر الأحنف و أمّا جيش مرو الروذ و الطالقان فقد اتجهوا إلى الميدان للحرب، و لما التقى الجيشان، حمل عليهم الأحنف بن قيس مع جماعته و هم يكبّرون و قد تمكن الأحنف من إصابة ثلاثة من القواد، أصحاب الأعلام برمحه، و لما رأى الكفرة ذلك، انهزموا لا يلوون على [ (1) ]في فتوح البلدان ص 398 أن الأحنف بن قيس-و كان عبد اللّه بن عامر قد بعثه إلى مرو الروذ-قد وجه الأقرع بن حابس إلى الجوزجان.

[ (2) ]كذا بالأصل، و في فتوح البلدان و الطبري و ابن الأثير: جوزجان.

جوزجانان و جوزجان هما واحد معجم البلدان.

[ (3) ]كذا، و في فتوح البلدان: «فكانت في المسلمين جولة ثم كروا فهزموا الكفرة، و فتحوا الجوزجان عنوة» . و في ذلك يقول كثير بن الغريزة النهشلي:

سقى صوب الصحاب إذا استهلت # مصارع فتية بالجوزجان

إلى القصرين من رستاق حوف # أفادهم هناك الأقرعان‏

ـ

341

شي‏ء فتعقبهم المسلمون يقتلونهم و يأسرون منهم و قد غنموا غنائم، فما كان من الأحنف إلاّ أن حمد اللّه تعالى على هذا الفتح المبين‏[ (1) ]ثم انطلق إلى بلخ و نزل على إحدى بواباتها و أقام معسكرا هناك، و لما رأى ملك بلخ جيش المسلمين على تلك الحال، امتلأ قلبه رعبا فأرسل إلى الأحنف شخصا يطلب الصلح فأجابه الأحنف‏][ (2) ] إلى ذلك و صالحه على أربعمائة ألف درهم نقداو كل عام يدفع مائة ألف درهم و خمسمائة حمل من القمح و أخرى من الشعير.

قال: و جعل الأحنف يفتح بلدا بلدا، و رستاقا رستاقا، و يدور ما قدر عليه من بلاد خراسان و يجبي أموالها و يحمل خمس ذلك إلى عثمان بن عفان، قال: فكان الأحنف على طوائف خراسان مما كان دون نهر بلخ و عبد الرحمن بن سمرة ببلاد سجستان‏[ (3) ].

ذكر فتح أرمينية[ (4) ]و مقتل سلمان‏[ (5) ]بن ربيعة الباهلي بها

قال: و دعا معاوية برجل من قريش يقال له حبيب بن مسلمة الفهري فضم إليه أربعة آلاف فارس و ألفي راجل و أمره بالمسير إلى بلاد أرمينية بأمر عثمان بن عفان، قال: فسار حبيب بن مسلمة من الشام يريد إلى بلاد الجزيرة ثم رحل من بلاد الجزيرة يريد بلاد أرمينية، فلما صار إلى شمشاط و نواحيها بلغه أن رجلا من الروم يقال له المرزبان‏[ (6) ]في نيف و ثلاثين ألفا قد نزل قريبا من شمشاط، فكتب حبيب بن مسلمة بذلك إلى معاوية، فكتب‏[معاوية]بذلك إلى عثمان، و كتب عثمان إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط[ (7) ]و هو يومئذ عامله على الكوفة، فكتب إليه يأمره أن ينتخب من أهل الكوفة عشرة آلاف رجل يضمهم إلى سلمان بن ربيعة الباهلي [ (1) ]كتب مرزبان مرو الروذ إلى الأحنف فصالحه على ستمائة ألف درهم (فتوح البلدان-و ابن الأثير) .

و كتب إليه الأحنف كتابا (انظر نسخته في الطبري 5/81) .

[ (2) ]إلى هنا ينتهي ما استدركناه من الترجمة الفارسية.

[ (3) ]انظر الطبري 5/83 و فتوح البلدان ص 398 و ابن الأثير.

[ (4) ]أرمينية: اسم صقع عظيم واسع حده من برذعة إلى باب الأبواب.

[ (5) ]بالأصل: «سليمان» تحريف. و ما أثبتناه عن الطبري 5/45.

[ (6) ]في الطبري و ابن الأثير و فتوح البلدان: الموريان.

[ (7) ]كذا بالأصل و الطبري و ابن الأثير، و في رواية الواقدي نقلها الطبري 5/46 و فتوح البلدان ص 201 أن الذي أمد حبيب بن مسلمة سعيد بن العاص و هو عامله على الكوفة.

342

و يوجهه إلى حبيب بن مسلمة على أرض شمشاط معونة لهم على عدوهم.

قال: فلما ورد كتاب عثمان رضي اللّه عنه على الوليد بن عقبة بالكوفة قام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (1) ]: أيها الناس!إنه قد كتب إليّ أمير المؤمنين عثمان يأمرني أن أوجه سلمان بن ربيعة الباهلي في عشرة آلاف رجل منكم لتمدوا إخوانكم من الشام بأرض شمشاط فإن الروم قد جاشت عليهم، و في هذا أجر عظيم و ثواب جسيم فخفوا رحمكم اللّه مع سلمان بن ربيعة و لا تتثاقلوا عن الجهاد في سبيل اللّه. فأجابه الناس إلى ذلك و اجتمعوا إلى سلمان، فخرج بهم عشرة آلاف من الكوفة يريد حبيب بن مسلمة.

و اتصل خبر أهل الكوفة بحبيب فقال لأصحابه: و يحكم يا أهل الشام!إنه قد جاءكم مدد أهل الكوفة و أخاف أن يظفروا بالعدو فيكون الذكر لهم و الاسم لهم من دونكم، و لكن هل لكم أن تواقعوا العدو وقعة من قبل قدوم أهل الكوفة علينا؟فلعلنا نظفر بالعدو، قال فقالوا: الأمر إليك أيها الأمير!فافعل ما أحببت، قال: و كان حبيب بن مسلمة هذا رجلا بصيرا بالحرب، قال: و كان صاحب مكر و مكايد، فأجمع رأيه على بيات القوم، فلما كان الليل عبى أصحابه ثم سار بهم حتى كبس عسكر الكفار فقتل مقاتلتهم و أسر منهم خلقا كثيرا، و انهزم المرزبان‏[ (2) ]في باقي أصحابه حتى دخل أرض الروم، و غنم أهل الشام غنائم كثيرة فاقتسموها بينهم.

قال: و قدم سلمان بن ربيعة في أهل الكوفة بعد ذلك و أهل الشام قد ملأوا أيديهم من الغنائم، فقال لهم أهل الكوفة: يا هؤلاء!أشركونا فيما غنمتم من هذه الغنائم فإنكم إنما نصرتم و قويتم و اجترأتم على عدوكم بريحنا[ (3) ].

ذكر ما جرى بين أهل الشام و أهل العراق من العداوة في أمر الغنائم‏

قال: فقال حبيب بن مسلمة: يا هؤلاء!إنكم قدمتم علينا و قد هزم اللّه [ (1) ]مقالة الوليد بن عقبة في الطبري 5/46. باختلاف.

[ (2) ]كذا، مرت الإشارة إلى أن اسمه الموريان.

[ (3) ]كذا بالأصل و فتوح البلدان ص 201 و في رواية للطبري 5/46 أن أهل الكوفة دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم... فشنوا الغارات على أرض الروم فأصاب الناس ما شاءوا من سبي و ملأوا أيديهم من المغنم.

343

عزّ و جلّ العدو و بدد شملهم و قد صارت الغنيمة إلى قوم‏قد أبلوا و قاتلوا و ليس لكم فيها حق، قال: فوقع الكلام بين أهل العراق و أهل الشام حتى أنهم اقتتلوا، فظفر أهل العراق بأهل الشام، فكان ذلك القتال هو أول عداوة كانت بين أهل العراق و أهل الشام، قال: و جعل بعضهم يتوعد بعضا[ (1) ]، قال: ثم أرسل حبيب بن مسلمة إلى أهل العراق أن لا تعجلوا على إخوانكم بالمحاربة و أن ينتظروا حتى يكتب في ذلك إلى عثمان بن عفان، قال: فأجابه أهل العراق إلى ذلك، فكتب حبيب بن مسلمة إلى معاوية يخبره بما فيه أهل الشام و أهل العراق من التهديد و الوعيد و ما كان بينهم من الحرب لأجل الغنائم التي غنمها أهل الشام دون أهل العراق. قال: فكتب معاوية بذلك إلى عثمان بن عفان، قال: فحكم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه على أهل الشام أن يقاسموا أهل العراق ما غنموا من تلك الغنائم و لا يشاحّوهم في ذلك‏[ (2) ].

قال: فلما ورد كتاب عثمان بن عفان على أهل الشام و حبيب بن مسلمة فقرأه على أهل الشام فقالوا: السمع و الطاعة لأمير المؤمنين. قال: ثم إنهم قاسموا أهل العراق ما غنموا، و أقام حبيب بن مسلمة في موضعه الذي هو فيه، و كتب عثمان بن عفان إلى سلمان بن ربيعة يأمره بالمسير إلى أرمينية.

ذكر مسير سلمان بن ربيعة الباهلي إلى بلاد أرمينية و فتح من البلاد

قال: فسار سلمان بن ربيعة و من معه من أهل العراق نحو بلاد أرمينية، قال:

و تسامعت ملوك أرمينية بدخول العرب إلى بلدهم فهربوا على وجوههم حتى تحصنوا في الجبال و القلاع و الأودية و الغياض، و جعل بعضهم يقول لبعض إنه قد جاءنا قوم بلغنا أنهم نزلوا من السماء فليس يموتون و لا يعمل فيهم السلاح.

قال: فصار سلمان بن ربيعة يقتل من ناوأه و يفتح ما مر به من المدن و القلاع [ (1) ]و قد توعد بعض المسلمين سلمان بالقتل فقال الشاعر:

إن تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم # و إن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل‏

(فتوح البلدان ص 201 و انظر الطبري 5/79) .

[ (2) ]كذا، و في فتوح البلدان ص 201 و كتب إلى عثمان بذلك فكتب: أن الغنيمة باردة لأهل الشام.

344

و يتصفى البلاد حتى صار إلى البيلقان من بلاد أرّان‏[ (1) ]، قال: فخرج إليه أهل البيلقان في الأمان فأقاموا له الأنزال و صالحوه على مال دفعوه إليه‏[ (2) ]، فقبل ذلك منهم. ثم سار من البيلقان حتى نزل‏على حصن بردعة[ (3) ]فصالح أهلها[ (4) ]على مال أخذه منهم و فرقه على أصحابه فقواهم به. ثم إنه وجه بخيل له إلى جرزان‏[ (5) ]فصالح أهلها على شي‏ء معلوم يعطونه في كل سنة. ثم رجع هو و أصحابه و سار حتى عبر نهر الكرّ[ (6) ]حتى جاز إلى أرض الشروان‏[ (7) ]فنزلها و دعا ملكها فصالحه على مال أخذه منه. ثم تقدم من الشروان حتى صار إلى شابران‏[ (8) ]و مسقط[ (9) ]، ثم إنه بعث إلى ملوك الجبال فدعاهم، فأقبل إليه ملك اللكز[ (10) ]و ملك فيلان و ملك طبرستان فحملوا إليه الأموال و الهدايا، و صالحوه على شي‏ء معلوم يؤدونه إليه في كل سنة، فقبل ذلك منهم. ثم إنه سار يريد مدينة الباب و بها يومئذ خاقان ملك الخزر[ (11) ]في زهاء على ثلاثمائة ألف من الكفار، فلما سمع بمسير العرب إلى ما قبله ارتحل عن مدينة الباب، فقيل له: أيها الملك أنت في ثلاثمائة ألف و هؤلاء في عشرة آلاف و تنهزم من بين أيديهم؟فقال خاقان: إنه قد بلغني عن هؤلاء القوم أنهم نزلوا من السماء و أن السلاح لا يعمل فيهم، فمن يقوم لهؤلاء؟قال: ثم جعل يمر على وجهه.

[ (1) ]البيلقان: مدينة قرب الدربند الذي يقال له باب الأبواب، تعد في أرمينيا الكبرى.

و أران: اسم ولاية واسعة و بلاد كثيرة، و هي من أصقاع أرمينيا. و بالأصل «الران» و ما أثبتناه عن معجم البلدان و فتوح البلدان.

[ (2) ]في فتوح البلدان ص 205: فتح مدينة البيلقان صلحا على أن أمنهم على دمائهم و أموالهم و حيطان مدينتهم و اشترط عليهم أداء الجزية و الخراج (انظر معجم البلدان-بيلقان) .

[ (3) ]في معجم البلدان برذعة. بلد في أقصى أذربيجان.

[ (4) ]في فتوح البلدان ص 206: صالح أهلها على مثل صلح البيلقان.

[ (5) ]عن فتوح البلدان و معجم البلدان، و بالأصل «جريان» تحريف.

[ (6) ]عن فتوح البلدان ص 206 و معجم البلدان و بالأصل «الكروسان» .

[ (7) ]الشروان: مدينة من نواحي باب الأبواب.

[ (8) ]شابران: مدينة من أعمال أران بينها و بين شروان 20 فرسخا.

[ (9) ]مسقط: رستاق بساحل بحر الخزر دون باب الأبواب.

[ (10) ]اللكز: بليدة خلف الدربند تتاخم خرزان.

و فيلان: بلد قرب باب الأبواب من نواحي الخزر.

[ (11) ]الخزر: بلاد الترك خلف باب الأبواب، و ملكهم يسمى بلسانهم ويلك.

و ملكهم يقال له: خاقان الأكبر. و يقال لخليفته خاقان به.

345

و أقبل سلمان بن ربيعة حتى دخل بالمسلمين مدينة الباب و ليس بها أحد من الكفار، فأقام بها ثلاثة أيام حتى استراح أصحابه، ثم خرج منها في طلب خاقان و أصحابه حتى صار إلى مدينة من مدن الخزر يقال لها يرغوا[ (1) ]و ليس بها أحد من... [ (2) ]ثم رحل... [ (2) ]يريد بلنجر[ (3) ]و هي أيضا مدينة من مدن الخزر.

قال: و نزل سلمان بن ربيعة هنالك إلى أجمة كثيرة الدغل على نهر يجري، و فيه جماعة من الخزر من أصحاب خاقان، فأقبل رجل منهم لينظر إلى عسكر المسلمين، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى رجل من المسلمين قد نزل إلى ذلك النهر ليغتسل فيه، فأحب أن يجرب فيه السلاح أ يعمل فيه أم لا، فاستخرج له سهما فرماه به فقتله، ثم دنا منه فأخذ ثيابه و احتز رأسه، و جاء به حتى وضعه بين يدي خاقان و قال: أيها الملك!هؤلاء الذين بلغك عنهم أن السلاح لا يعمل فيهم و أن القتل لم يكتب عليهم! قال: فلما نظر خاقان إلى ذلك نادى في أصحابه فجمعهم، ثم إنه رجع على المسلمين في ثلاثمائة ألف فقاتلهم و قاتلوه حتى ما بقي من المسلمين أحد، قال:

فقتل سلمان بن ربيعة الباهلي و جميع من كان معه رحمة اللّه عليهم، فقبورهم هنالك معروفة بالبلنجر يقال لها قبور الشهداء إلى يومنا هذا[ (4) ].

قال: فبلغ عثمان بن عفان مصاب سلمان بن ربيعة[ (5) ]و أصحابه بأرض البلنجر فغمه ذلك و أقلقه حتى منعه من النوم، ثم إنه كتب إلى حبيب بن مسلمة الفهري يأمره بالمسير إلى بلاد أرمينية في جميع أصحابه.

ذكر مسير حبيب بن مسلمة إلى بلاد أرمينية بعد مقتل سلمان بن ربيعة الباهلي‏

قال: فلمّا ورد كتاب عثمان على حبيب بن مسلمة نادى في أصحابه و هم يومئذ ستة آلاف ما بين فارس و راجل، ثم سار بهم نحو بلاد أرمينية، قال: فدخل من [ (1) ]كذا.

[ (2) ]غير واضح بالأصل.

[ (3) ]عن فتوح البلدان ص 206، و بالأصل «تنجر» و بلنجر: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب.

[ (4) ]الخبر في معجم البلدان (بلنجر) . و فتوح البلدان 206 مختصرا.

[ (5) ]جاء بنعيه إلى عثمان بن عفان (رض) قرظة بن كعب الأنصاري (فتوح البلدان ص 206) .

346

الدرب الذي يقال له درب بني زرارة إلى يومنا هذا، و جعل يسيرحتى صار إلى مدينة يقال لها خلاط[ (1) ]، فنزل في قلعتها و بها جماعة من الكفار، فأقام عليها أياما، و رحل منها حتى صار إلى أرض يقال لها سراج‏[ (2) ]من بلاد المطامير[ (3) ]، فنزل هنالك ثم كتب إلى أهل جرزان، فأقبل إليه جماعة من رؤسائهم فصالحهم على ثمانين ألف درهم، فأخذها منهم و كتب لهم بذلك كتابا[ (4) ]، و أقام هنالك في بلاد أرمينية و جعل يكتب إلى ملوكها فيدعوهم إلى الطاعة و يعدهم.

ذكر عزل حبيب بن مسلمة عن بلاد أرمينية و ولاية حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنهما

قال: فبينا حبيب بن مسلمة كذلك إذ بعث إليه عثمان بن عفان فعزله و ولى مكانه حذيفة بن اليمان، قال: فدعا حذيفة برجل من بني عمه يقال له صلة بن زفر العبسي، فوجه به إلى بلاد أرمينية و جعله خليفة له بها، و أقام حذيفة بالمدينة، و أقبل صلة بن زفر العبسي إلى بلاد أرمينية فأقام بها حولا كاملا و جعل يذل ملوكها بغاية الذل و الهوان حتى أذعنوا له بالسمع و الطاعة.

ذكر عزل حذيفة بن اليمان و ولاية المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنهما

قال: ثم إن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه عزل حذيفة من بلاد أرمينية و دعا المغيرة بن شعبة فولاه بلاد أرمينية و أذربيجان، فأقام بها ما شاء اللّه أن يقيم، ثم عزله عثمان و ولى مكانه الأشعث بن قيس الكندي‏[ (5) ]، فكان بها إلى أن قتل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فكان الأشعث على أرمينية و أذربيجان يجبي خراجها و يحمله إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه.

[ (1) ]خلاط: بكسر أوله. قصبة أرمينيا الوسطى.

[ (2) ]سراج كورة في أرمينيا.

[ (3) ]المطامير: بلد بالثغور الشامية. و انظر في فتوح البلدان خط سير حبيب بن مسلمة بعد توجهه من خلاط... إلى جرزان.

[ (4) ]نسخة كتاب صلح جرزان في فتوح البلدان ص 204.

[ (5) ]في فتوح البلدان ص 207 ولى القاسم بن ربيعة بن أمية بن أبي الصلت الثقفي، و يقال ولاها عمرو بن معاوية بن المنتفق العقيلي و بعضهم يقول: وليها رجل من بني كلاب.

347

ذكر الحبشة و ما كان من غاراتهم على سواحل المسلمين‏

قال: فبينا عثمان رضي اللّه عنه كذلك و قد فتح من البلاد ما فتح‏إذ بلغه أن قوما من الحبشة أغاروا على بعض سواحل المسلمين و أصابوا منهم أموالا و سبوا منهم سبيا كثيرا، قال: فاغتم لذلك عثمان غما شديدا ثم أرسل إلى جماعة من الصحابة و غيرهم من المسلمين، فدعاهم و استشارهم في غزو الحبشة، فأشار عليه المسلمون أن لا يغزوهم في بلادهم و لا يعجل عليهم حتى يبعث إلى ملكهم فيسأله عن ذلك، فإن كان الذي فعله أصحابه عن أمره و رأيه هيّأ له المراكب و أرسل إليه بالجند و المقاتلة، و إن كان ذلك من سفهاء أغاروا على سواحل المسلمين عن غير أمر ملكهم و رأيه أن يشحن السواحل بالخيل و الرجال حتى يكونوا على حذر، قال:

فعمل عثمان على ذلك ثم دعا محمد بن مسلمة الأنصاري فوجه به إلى ملك الحبشة في عشرة نفر من المسلمين يسأله عما فعل أصحابه، و كتب إليه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه في ذلك كتابا.

قال: فلما قدم محمد بن مسلمة بكتاب عثمان بن عفان و قرأه أنكر ذلك أشد الإنكار و قال: ما لي بذلك من علم، قال: ثم إنه أرسل إلى قرى الحبشة في طلب السبي فجمعهم بأجمعهم و دفعهم إلى محمد بن مسلمة، فأقبل بهم إلى عثمان و خبره بما كان من إنكار ملك الحبشة و طلب السبي، قال: فشحن عثمان السواحل بعد ذلك بالرجال و قواهم بالسلاح و الأموال، فكانوا ممتنعين من الحبشة و غيرهم.

ذكر فتح جزيرة قبرص‏[ (1) ]على يد معاوية بن أبي سفيان‏

قال: و إذا بكتاب‏[ (2) ]معاوية بن أبي سفيان قد ورد على عثمان يسأله أن يأذن له في ركوب البحر إلى جزيرة قبرص و يخبره في كتابه بقرب المسير إليهم و أن البحر قد [ (1) ]كذا، و في معجم البلدان و الطبري و تاريخ خليفة و ابن الأثير و فتوح البلدان و البداية و النهاية: قبرس بالسين المهملة.

في غزوها قيل سنة 28 و قيل سنة 29 و قيل سنة 30.

[ (2) ]في ابن الأثير 2/240 كتب معاوية إلى عثمان مرارا (و انظر فتوح البلدان ص 157) .

348

ذل بعد صعوبته، قال: فكتب إليه عثمان: إني لست بفاعل ذلك و لا آذن لك في ركوب البحر و قد نهاك عنه عمر بن الخطاب‏[ (1) ]، فإن أبيت ذلك و لم يكن لك بد من ركوب البحر فاحمل معك أهلك و ولدك حتى أعلم أن البحر هيّن كما تقول‏[ (2) ].

قال: فلما ورد كتاب عثمان على معاوية و قرأه نشط لركوب البحر إلى قبرص، ثم كتب إلى أهل السواحل فأمرهم بإصلاح المراكب و تقريبها إلى ساحل حصن عكا ليكون ركوب المسلمين من عكا إلى قبرص. قال فأصلحت المراكب و جمعت، و وضع معاوية الأرزاق للناس فأعطاهم و أمرهم بالمسير إلى عكا، قال: و عقدت الرايات و الألوية ففرّقت في المراكب، و نادى معاوية في الناس أن لا يتخلف أحد عنه ممن أخذ أرزاقه.

قال: فخرج الناس من دمشق حتى صاروا إلى عكا، و خرج معاوية من دمشق و معه أهله‏[ (3) ]و ولده حتى نزل بعكا، و ركب معاوية في مركب منها مع أهله و ولده، ثم دفعت من عكا يوم الجمعة قبل الصلاةو المراكب في عشرين و مائتي مركب و قد رفع الناس أصواتهم و ضجوا بالتهليل و التكبير.

قال: فبينا القوم يسيرون في البحر إذ هب الريح و هاج البحر فاضطرب بأمواجه و فرق المراكب يمنة و يسرة، قال: و فزعت امرأة معاوية فزعا شديدا ثم صاحت بالنّوتيّ-و هو الملاح الذي يدبر أمر المركب و كان من القبط و اسمه طليا-و قالت:

ويحك يا طليا!احبس المركب، قال: فضحك طليا ثم قال: أيتها المرأة!ليس ههنا أحد له سلطان على هذا البحر دون الملك الجليل، و ليس إلى حبس المراكب من سبيل، قال: فاغتم معاوية بمن قد حمل معه من نسائه و أولاده، فلم يزالوا كذلك ساعة ثم إن الريح هدأت و سكنت، فسار المسلمون في مراكبهم.

قال: و إذا مراكب الروم سائرة في البحر و فيها هدايا قد بعث بها ملك قبرص إلى قسطنطين بن هرقل ملك الروم، قال: فأحدق المسلمون بتلك المراكب [ (1) ]و كان معاوية قد استأذن عمر بغزو قبرس فرفض. و قد مر ذلك.

[ (2) ]في ابن الأثير 2/240 قال له عثمان: «لا تنتخب الناس و لا تقرع بينهم، خيرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله و أعنه» .

[ (3) ]حمل معه امرأته فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف بن قصي. ـ

349

فأخذوها، فإذ فيها جوار حسان و أثاث فاخر من البزيون‏[ (1) ]و الديباج و السقلاطون و غير ذلك، فأخذ معاوية ذلك كله و سار في البحر حتى صار إلى قبرص بكل عافية و سلامة و غنيمة، فأمر بالمراكب فأرسيت على ساحل قبرص، ثم أمر أصحابه فخرجوا من المراكب فأغاروا على قبرص، فغنموا غنائم ليست بالقليل حتى ملأوا المراكب بالجواري و الغلمان و الأثاث الفاخر، ثم أرسل ملك قبرص إلى معاوية يسأله الصلح و الرجوع عنه إلى بلاد الإسلام، فأجابه معاوية إلى ذلك على أنه يؤدي إليه في كل سنة سبعة آلاف دينار و مائتي دينار، فأجابه إلى ذلك و أخذ منه ما أخذ و كتب عليهم بذلك كتابا و ميثاقا أنهم لا يغدرون و لا ينقضون ذلك أبدا[ (2) ]، قال: و كان أهل قبرص يؤدون إلى معاوية في كل سنة سبعة آلاف دينار و مائتي دينار و إلى ملك الروم مثل ذلك.

قال: ثم جلس معاوية و أصحابه في المراكب و ساروا يريدون إلى الساحل الذي أقبلوا منه و معهم يومئذ من النساء و الذرية نيف و ثمانية آلاف، و في النساء نيف على سبعمائة عذراء و المراكب مشحنة بجميع الأمتعة حتى صاروا إلى الساحل و خرجوا، و أخرج معاوية من ذلك كله الخمس و وجه به إلى عثمان بن عفان و كتب إليه يخبره في كتابه بسلامة المسلمين، و قسم معاوية باقي ذلك في المسلمين.

قال: فجعل الناس يقتسمون السبي و الخير الكثير بينهم فينادى عليهم فيباع و يشترى. قال: و نظر أبو الدرداء إلى ذلك فجعل يبكي، فقال له جبير بن نفير الحضرمي‏[ (3) ]: ما يبكيك يا أبا الدرداء؟و هذا يوم أعز اللّه فيه الإسلام و أهله و أذل الشرك و أهله؟قال: فضرب أبو الدرداء بيده على منكب جبير بن نفير ثم قال:

ثكلتك أمك يا جبير!ما أهون الخلق على اللّه إذا هم عصوه‏[ (4) ]، فانظر إلى هؤلاء القوم بينا هم ظاهرون قاهرون لمن ناوأهم، فلما تركوا أمر اللّه عزّ و جلّ و عصوه [ (1) ]البزيون: السندس.

[ (2) ]كذا بالأصل و الطبري 5/53 و ابن الأثير 2/240 البداية و النهاية 7/172 فتوح البلدان ص 158.

و زيد في الطبري و ابن الأثير: و عليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم.

و زيد في الطبري: على أهل قبرص ألا يتزوجوا من عدونا-الروم-إلا بإذننا.

و في فتوح البلدان: اشترطوا أن لا يمنعهم المسلمون أداء الصلح إلى الروم.

[ (3) ]عن الطبري 5/53 و في الأصل: «نصير الخولاني» تحريف.

[ (4) ]الطبري: تركوا أمره.

350

صاروا إلى ما ترى و سلط اللّه عزّ و جلّ عليهم السبي، ويحك يا جبير!إنه إذا سلّط اللّه عزّ و جلّ السبي على قوم فليس له فيهم حاجة.

قال: فبينا المسلمون يقتسمون غنائم قبرص‏إذ وقع بينهم شي‏ء من الفساد و شح بعضهم على بعض و ظهر من بعضهم شي‏ء من الغلول، فقال شيخ من أهل قبرص من الروم: ويحكم يا معشر العرب!أ تفعلون هذا و أنتم قريب عهد من نبيكم محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنتم أصحابه؟فكيف يكون من يأتي من بعدكم؟فقال له رجل من المسلمين: يا شيخ!أميرنا لا يرضى بشي‏ء من هذا، فقال له الشيخ الرومي: فأنت لا يسعك الكتمان أو ترفع ذلك إليه، قال: و بلغ ذلك معاوية فنهى عن ذلك أشد النهي، ثم إنه دعا بكتاب أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه الذي كتبه ليزيد بن أبي سفيان حين وجّه به إلى الشام فإذا فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا عهد أبي بكر عبد اللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى جميع أمراء الأجناد، إني أوصيكم بتقوى اللّه أن لا تغلوا و لا تفسدوا و لا تطغوا و لا تعقروا بهيمة و لا تذبحوا شاة لا تريدون أكلها، و لا تقطعوا شجرة مثمرة و لا تعقروا نخلا و لا تحرقوه، و لا تهدموا بيعة، و لا تقتلوا الولدان و لا الشيوخ و لا النساء، و ستجدون قوما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فذروهم و لا تعرضوا لهم إلا بسبيل خير، و ستجدون آخرين من حزب الشيطان في أوساط رؤوسهم أفاحيص، فإذا وجدتم أولئك فاضربوهم بالسيوف ضربا، هذه وصاتي لكم و عهدي إليكم و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

قال: فلما سمع المسلمون هذا الكتاب أقصروا عن فسادهم و استغفروا اللّه عزّ و جلّ مما كان منهم.

قال: فبينا الناس كذلك يقتسمون الغنائم‏و جماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم جلوس ناحية-منهم أبو الدرداء و عبادة بن الصامت و شداد بن أوس‏[بن ثابت‏] و واثلة بن الأسقع و أبو أمامة الباهلي‏[ (1) ]و عبد اللّه بن بشر المازني‏[ (2) ]-إذا برجلين من [ (1) ]و اسمه صدي بن عجلان سكن مصر ثم انتقل منها فسكن حمص بها مات سنة 81 و قيل 86 و هو آخر من مات بالشام من أصحاب النبي (ص) في قول.

[ (2) ]كذا بالأصل و فتوح البلدان. و في الإصابة عبد اللّه بن بسر المازني أبو بسر الحمصي. مات سنة 88 بالشام و قيل بحمص و له 94 سنة و هو آخر من مات بالشام من الصحابة (الإصابة) .

351

الأنصار يسوقان حمارين فقال لهما عبادة بن الصامت: ما هذا؟فقالا: يا أبا الوليد! إن معاوية أمر لنا بهذين الحمارين و نحن نرجو أن نحج عليهما إن شاء اللّه، قال فقال عبادة: لا و اللّه ما يحل لمعاوية أن يعطيكماهما و لا يحل لكما أن تأخذاهما إلا أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أمر لكما بذلك، قال: فقالا له الأنصاريان: يا سبحان اللّه! و أين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟فقال لهما عبادة: لعله أوعز إليكما، فقال: إذا فتحتم جزيرة قبرص يؤمر لكما بحمارين أقمرين فاقبضاهما، قال: فسكت الأنصاريان وردا الحمارين على معاوية و خبراه بمقالة عبادة بن الصامت، فأقبل معاوية إلى عبادة يسأله عن ذلك،

فقال له عبادة: يا معاوية!إني شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في غزوة حنين و الناس يكلمونه في الغنائم، فرأيته و قد أخذ و برة من جنب بعير ثم قال: «و اللّه ما لي مما أفاء اللّه عليكم من هذه الغنائم مثل هذه إلا الخمس و الخمس مردود عليكم» .

قال: فقال معاوية: يا أبا الوليد!أتشهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو يقول ذلك يوم حنين؟قال عبادة: اللّه أكبر!إذ قد سمعت ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فانظر من تولي غنائم المسلمين؟قال معاوية: فإني قد وليتك الغنائم‏فاقسمها في أهلها بما تعلم و اتق اللّه فيها، فقال عبادة: و كيف اخترتني لذلك؟فقال: لأنه قد ورد عليّ كتاب أمير المؤمنين عثمان يأمرني أن أولي ما غنمت من شي‏ء أفضل من أجد، و أنت عندي أفضل من أقدر عليه في وقتي هذا لإسلامك القديم و صحبتك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال عبادة: و لها غيري يا معاوية!فإني لا ألي ذلك أبدا، قال معاوية: فطني لا أجد أحدا يليها سواك. قال: فولى الغنائم عبادة بن الصامت و أعانه عليها أبو الدرداء و أبو أمامة الباهلي و غيرهم من الصحابة، قال: فنظر بعض المسلمين إلى أم الدرداء امرأة أبي الدرداء و في يدها سوار من فضة قيمتها عشرة دراهم فقال لها: يا أم الدرداء! أنّى لك هذا؟فقالت: هو من سهم أبي الدرداء في يوم قبرص.

قال: ثم جمع معاوية هدايا كثيرة فوجه بها إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و وجه بجارية حسناء فائقة الجمال من بنات أهل قبرص و دفع ذلك كله إلى رجل من المسلمين يقال له عبدة بن عبيد السلمي و وجه به إلى عثمان، فلما ورد الكتاب و المال من الخمس و غيره من الهدايا إلى عثمان نظر إليه ففرح بذلك، ثم فض الكتاب و قرأه فحمد اللّه على ذلك كثيرا، ثم نظر إلى الجارية فقال للرسول: هذه من الخمس؟قال: لا يا أمير المؤمنين!هذه وقعت في سهم معاوية فأحب أن يهديها إليك، قال عثمان: ما اسمك؟قال: عبدة بن عبيد، فقال: أ كنت مع المسلمين‏

352

بقبرص؟قال: نعم يا أمير المؤمنين!قال: فصفها لي، قال: نعم، هي جزيرة واسعة عريضة طويلة، يذكر أهلها أنها ثمانون فرسخا في عرض مثل ذلك، فيها أنهار و مزارع و أشجار و كروم و ألوان الثمار، و فيها قصور ذاهبة في الهوى، و هي مع ذلك كثيرة الخيل و البغال و الحمير و الغنم و البقر، قال عثمان: فكيف قدرتم عليها؟ فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما هو إلا أن وفيناهم و نظروا إلى مراكبنا قد أرسيت إلى ساحلهم حتى خضعوا و ذلوا و أعطوا بأيديهم صاغرين، فقال عثمان: ذلك من فضل اللّه و رحمته بعباده المؤمنين. قال: ثم قسم عثمان ذلك الخمس في أهل المدينة، فأخذ منه بحقه و دفع إلى كل ذي حق حقه و أخذ تلك الجارية لنفسه، فلما صار إلى منزله نظر إليها فإذا هي جارية وضيئة حسناء، قال: فشق ذلك على نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان فقطبت لذلك، فقال لها عثمان: ما شأنك يا نائلة!أ تحبين أن أهبها لك؟قالت: نعم يا عثمان!فقال عثمان: هي لك، قال: فشق ذلك على الجارية فقالت: لا أحب أن أكون لامرأة، ردني إلى أمير الشام حتى يفعل بي ما يريد، قال: فردها عثمان إلى معاوية، فأخذها لنفسه فكانت عنده إلى أن توفيت و لم يكن له منها ولد-و اللّه أعلم-.

ذكر فتح جزيرة رودس‏[ (1) ]على يدي معاوية بن أبي سفيان‏

قال: ثم كتب معاوية أيضا إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما يستأذنه في فتح جزيرة أخرى في البحر يقال لها رودس‏[ (2) ]، قال: فاستشار عثمان المسلمين في ذلك، فقال المسلمون: يا أمير المؤمنين!إن المسلمين قد فتحوا جزيرة قبرص و قد اجتروا عليها و على ركوب البحر، فائذن لهم في ذلك فعسى اللّه أن يغنمهم إياها، قال: فكتب عثمان إلى معاوية أني قد أذنت لك فيما سألت فاتق اللّه و لا تضيع الحزم، و إن خوفت من البحر شيئا فلا تركبنه فإن هوله عظيم.

[ (1) ]عن الطبري، و بالأصل: رودوس. و قد فتحت في خلافة معاوية سنة 52 كما في فتوح البلدان ص 237 فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي. (و انظر الطبري 6/161 حوادث سنة 53) .

و لم نجد في المصادر ذكرا لعملية بحرية استهدفت فتح رودس في أيام الخليفة عثمان (رض) . و لعل ما حصل كان غارة خاطفة حصلت سنة 654 م حيث تعرضت رودس للنهب و الغارة من قبل المسلمين (الدولة البيزنطية-السيد الباز العريني ص 142) .

[ (2) ]بالأصل: رودوس. و قد صححت في كل مواضع الخبر.

353

قال: فنادى معاوية في الناس‏و أمرهم بالمسير إلى صيداء[ (1) ]على أن يركب منها إلى رودس، فسار المسلمون في تعبية حسنة حتى وردوا صيداء و قد جمعت المراكب بها، قال: فجلس معاوية في مركب منها و ركب المسلمون المراكب و قد شهروها بالأعلام و المطارف و خطفوا من الساحل بالتهليل و التكبير في البحر، و الدليل بين أيديهم في مركب من تلك المراكب و معه أشد المقاتلة، فلم يزالوا كذلك حتى لاحت لهم الجزيرة في وسط البحر.

قال: و أهل رودس قد استقبلوا المسلمين في مراكبهم، فاقتتلوا في البحر حتى كثرت القتلى بينهم، ثم رزق المسلمون الظفر عليهم، فهزموهم و فضوا أمرهم و مراكبهم حتى ساروا إلى الجزيرة فدخلوها عنوة و قتلوا فيها من قتلوا، و غنموا ما غنموا فيها من مال و أثاث. قال: فبينا المسلمون يدورون في رودس و يجمعون غنائمها إذ دخل منهم رجل يقال له عبد الرحمن بن عرزب الأشعري إلى دار من دورها فلم ير فيها أحدا، فجعل يدور فيها مع نفر من المسلمين و هو يقول:

ويحكم!هذه دار نظيفة حسنة البناء و لا تخلو هذه الدار من قوم يكونون فيها، قال:

فبينا القوم يجولون في الدار إذا هم بمطمورة[ (2) ]عليها باب قد طمره بالتراب، قال:

فنبش التراب و قلع الباب و دخل المسلمون المطمورة فإذا فيها خمسمائة رأس من رقيق بين غلام و جارية!و إذا أثاث كثير من ديباج و بزيون و أنواع الأمتعة!قال:

فأخرج كله من المطمورة حتى أتي به إلى المقسم، فإذا رقعة وقعت من جيب جارية!فأخذت الرقعة ففتحت فإذا فيها خاتم ذهب و فص ياقوت أحمر!فأتي به إلى معاوية، فأرسل به معاوية إلى صاحب المقاسم و أمره أن ينادي عليه، قال: فنودي على ذلك الخاتم فبلغ ألف دينار و مائتي دينار، قال: فأخذه معاوية لنفسه و حسبه للمسلمين من سهمه.

قال: ثم جمعت الغنائم فوضعت في المراكب، ثم خطف المسلمون إلى الساحل. و كتب معاوية إلى عثمان يخبره بسلامة المسلمين و ما فتح اللّه عزّ و جلّ من رودس، قال: فسر عثمان بذلك سرورا شديدا و قسم الخمس في المدينة.

[ (1) ]صيداء: مدينة على ساحل بحر الشام، من أعمال دمشق بينها و بين صور ستة فراسخ.

[ (2) ]المطمورة: حفيرة تحت الأرض، أو مكان تحت الأرض قد هيئ خفية يطمر فيها الطعام و المال (اللسان) .

354

قال: فلم تزل جزيرة رودس بعد ذلك خرابا يبابا إلى خلافة معاوية، فلما صارت الخلافة إليه أرسل إلى رودس‏فعمّرها و بنى فيها مسجدا و شحنها بالمسلمين و قواهم بالأموال و السلاح و أمرهم بالزراعة، فلم يزل المسلمون بها سبع سنين‏[ (1) ]لا يطمع فيها ملك الروم و لا غيره من الكفار-و اللّه أعلم-.

ذكر ما ذكر مجاهد عن هذه الجزيرة

قال مجاهد[ (2) ]: لقد دخلت مدينة رودس في سنة ثلاث و خمسين فبنينا فيها مسجدا و أقمنا بها مؤذنا و نصلي. قال مجاهد: و كان تبيع‏[ابن-][ (3) ]امرأة كعب الأحبار و كنت أقرئه القرآن فقال لي ذات يوم: يا مجاهد!كأنك بهذه الجزيرة قد خربت و ذهب رسمها، فقلت: يا تبيع!و تخرب هذه الجزيرة؟فقال: و علامة ذلك أنه يهب ريح عاصف فتلقى هذه الدرجة، قال مجاهد: فواللّه ما لبثنا أن جاءت الريح ذات يوم فرمت بتلك الدرجة و جاءنا كتاب يزيد بن معاوية من الشام بموت معاوية، فقفلنا و خربت الجزيرة إلى الساعة.

ذكر ما كان من قسطنطين ملك الروم و محاربته مع المسلمين في البحر[ (4) ]

قال: فبينا المسلمون كذلك إذ وقع الخبر بأن قسطنطين بن هرقل ملك الروم قد جمع الجموع و قد عزم على غزو المسلمين في البحر[ (5) ]، قال: و بلغ ذلك [ (1) ]و كان ذلك سنة 53 هـ. و قد مرت الإشارة إلى ذلك.

[ (2) ]هو مجاهد بن جبر ترجم له في حلية الأولياء 3/279 البداية و النهاية 9/224 شذرات الذهب 1/125.

[ (3) ]زيادة عن فتوح البلدان ص 237.

[ (4) ]و هي المعركة المعروفة بـ «غزوة ذات الصواري» انظر الطبري 5/68 و ابن الأثير 2/253 البداية و النهاية 7/177.

[ (5) ]في أسباب خروج قسطنطين بقوة بحرية هائلة لضرب المسلمين:

-توسع النشاط البحري الإسلامي بعد ما أدرك المسلمون أن الاتصال بالبحر المتوسط و التعرض لأخطار البيزنطيين يتطلب إنشاء قوة بحرية، و يعتبر معاوية أول سياسي عربي أدرك ما للأسطول من القيمة الإستراتيجية في مواجهة الأخطار البيزنطية.

-تحرك المسلمين نحو المتوسط عبر عنه غزوة جزيرة قبرس، و التي تعتبر من أعظم القواعد الإستراتيجية للأسطول البيزنطي في الشرق.

355

عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فكتب إلى معاوية و أمره أن يركب في البحر بجنود المسلمين من أهل الشام، و كتب أيضا إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح يأمره‏أن يركب بأهل مصر، و كتب أيضا إلى عمرو بن العاص يأمره أن يعين عبد اللّه بن سعد و المسلمين بجميع ما يقدر عليه من المال و السلاح.

قال: فاجتمع أهل مصر و أهل الشام بساحل مدينة عكا في جمع عظيم من العدة و العدد و السلاح، ثم إنهم حملوا الخيل معهم في المراكب و خطفوا من عكا في خمسمائة مركب فيها رجال مقاتلة و الخيل و السلاح و الطعام الكثير. قال: و خرج قسطنطين بن هرقل من قسطنطينية في قريب من ألف‏[ (1) ]مركب من مراكب الروم فيها المقاتلة و الزرافات و النيران و النفط. قال: فبينا المسلمون قد لججوا في البحر إذا هم بمراكب الروم قد وافتهم.

قال: فكان عبد اللّه بن أبي سفيان يقول حدثني أبي عن مالك بن أوس‏[ (2) ]بن الحدثان قال: لقد كنت في تلك المراكب يومئذ و كانت الريح علينا، قال: فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط، فدعونا ربنا و تضرعنا إليه، ثم إنا أرسينا ساعة، ثم دنوا منا فأرسوا قبالتنا، و سكنت الريح و جاء الليل، فجعل المسلمون يكثرون من قراءة القرآن و لا يفترون من الصلاة و الدعاء، و الروم في مراكبهم يضربون‏[ (3) ] بالصنوج و الطنابير و يشربون الخمر و ينفخون في الصفارات.

قال: ثم أصبحوا و قد تهيئوا للقتال، فأرسل إليهم معاوية بن أبي سفيان و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح: إن شئتم خرجنا نحن و أنتم إلى الساحل حتى يموت الأعجز منا و منكم؟قال: فنخرت الروم نخرة واحدة و قالوا: لا، بل البحر بيننا و بينكم، قال مالك بن أوس بن الحدثان: فدنونا منهم، و ربطنا المراكب بعضها إلى [ () ] -تجدد العمليات البحرية الإسلامية في الغارة التي شنت على رودس، و جزيرة كوس و جزيرة كريت.

و لا شك أن معاوية كان يهدف من وراء هذه العمليات الاستيلاء على القسطنطينية، و يدل على ذلك حرصه على تأمين الطريق المؤدي إليها.

أما السبب المباشر لحركة قسطنطين فهو ما أصاب المسلمون من البيزنطيين بإفريقيا (الطبري 5/69 الدولة البيزنطية للعريني ص 142) .

[ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: خمسمائة مركب.

[ (2) ]بالأصل: «عن أنس» تحريف و ما أثبتناه عن الطبري.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: يضربون بالنواقيس.

356

بعض، و اصطف المسلمون على جوانب المراكب في أيدهم الرماح و السيوف و القسي و السهام. قال: و اقتتل الفريقان قتالا لم يسمع بمثله، و ليس بينهم رمية سهم و لا طعنة رمح إلا الضرب بالسيوف و البواتر و الخناجر و السكاكين حتى احمر ماء البحر، قال: و جعلت علق الدماء تضربها الأمواج في الساحل‏حتى صار الساحل كأن عليه مثل التلول في جثث الرجال و أن الدم غالب على ماء البحر و قد قتل من المسلمين بشر كثير-رحمة اللّه عليهم-و قتل من الروم ما لا يحصون عددا، قال:

و صبر الفريقان يومئذ بعضهم لبعض صبرا لم يصبروا مثله ساعة قط.

قال: و جرح قسطنطين ملك الروم جراحات كثيرة في رأسه و جسده فولى مدبرا منهزما في مركبه الذي كان فيه‏[ (1) ]، قال: و صاح عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أمير مصر بالقبط من النواتية: ألا!من قتل رجلا من الروم فله ثلاثة دنانير، قال: فقتلت القبط منهم في ذلك اليوم قريبا من سبعمائة رجل، و وقع عليهم الهزيمة فانهزموا في مراكبهم و هبت الريح عليهم فقطعت مراكبهم يمنة و يسرة فما التقى منها مركبان في موضع واحد.

قال: و رجعت مراكب المسلمين إلى الساحل فأرسيت بعكا، و كتب عبد اللّه بن سعد و معاوية إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه يخبرانه بهزيمة الكفار، قال: فسر عثمان بذلك-و اللّه أعلم‏[ (2) ]-.

ذكر عزل عمرو بن العاص عن مصر و ولاية عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر

قال: فانصرف عمرو بن العاص معزولا[ (3) ]حتى صار إلى فلسطين فنزلها، [ (1) ]زيد في الطبري: مكث فيها حينا جريحا. و في البداية و النهاية: مكث حينا يداوى منها بعد ذلك.

[ (2) ]ترتب على معركة ذات الصواري:

-أحرز المسلمون انتصارا ساحقا و حلت الهزيمة بالدولة البيزنطية حتى كاد الإمبراطور يقع أسيرا في يد المسلمين.

-تداعت سيادة بيزنطية في البحر.

-تثبيت مواقع البحرية الإسلامية في البحر، غير أن ما أحرزه المسلمون من نصر لم يترتب عليه نتائج مباشرة بسبب ما وقع بين المسلمين من فتن و اضطرابات داخلية.

[ (3) ]في أسد الغابة أن عمرو بن العاص بقي على ولاية مصر إلى أن مات عمر بن الخطاب فأقره عليها عثمان ـ

357

و صارت مصر بأجمعها في يد عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، قال: و عزم قسطنطين بن هرقل على محاربة المسلمين ثانية في البحر، فجمع أهل مملكته ثم كتب إلى كل من يسكن الضواحي و السواحل من الروم فحشرهم إليه، فاجتمع عنده خلق كثير عظيم، فتجهز و خرج من قسطنطينية في ألفي و مائتي مركب يريد الفسطاط من أرض مصر، قال: فركب الملعون في أيام ريح عاصفة و قد كانت البطارقة أشارت عليه أن لا يركب في مثل تلك الأيام، فأبى عليهم و خالفهم و ركب، فلما توسط البحر هاجت الريح عليهم، فكان الموج يرفع المركب في الهواء ثم يلعب بها لعبا، قال: فكان قسطنطين في ألفي و مائتي مركب فما أفلت منها شي‏ء إلا المركب الذي كان فيه فإنه نجا و ألقته الرياح إلى جزيرة في البحر عظيمة يقال لها سقلية[ (1) ]، قال: لما خرج إليها قسطنطين بن هرقل قالوا له: أيها الملك!لقد أشمتّ بالنصرانية أعداءها و أفنيت رجالها، قال: ثم إنهم اصطنعوا له حماما ليدخله، فلما دخل الحمام دخلوا عليه بالخناجر فقتلوه، و يقال: إنهم ذبحوه ذبحا. قال: و بلغ ذلك عثمان بن عفان فقال: الحمد للّه الذي عجل هلاكه فقد كان عدوا لأهل الإسلام.

ذكر فتح افريقية على يدي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح‏

قال: ثم كتب عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أمير مصر إلى عثمان بن عفان يستأذنه في غزو افريقية و يخبره في كتابه بكثرة أموالها و ضعف رجالها[ (2) ]. قال:

فكتب إليه عثمان بن عفان: إني غير فاعل ذلك فلا آذن لك فيه، لأني قد شهدت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: لا أغزيت افريقية أحدا من المسلمين أبدا ما [ () ] أربع سنين أو نحوها ثم عزله عنها و استعمل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح فاعتزل عمرو بفلسطين.

(و انظر الكامل لابن الأثير 2/235) .

[ (1) ]كذا بالأصل، و في معجم البلدان صقلية من جزائر بحر المغرب مقابلة إفريقيا.

[ (2) ]و كان عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح قد غزا إفريقيا بأمر عثمان سنة 25 هـ. فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر و وطئوا إفريقيا، و كانوا في جيش عدته عشرة آلاف من شجعان المسلمين فصالحهم أهلها على مال يؤدونه، و لم يقدموا على دخول إفريقيا و التوغل فيها لكثرة أهلها. (الكامل لابن الأثير 2/235 فتوح البلدان ص 227) .

358

حملت عيني الماء، و اللّه!ما أرى في فتحها خيرا و قد كرهها عمر بن الخطاب من قبلي-و السلام-.

قال: فلما ورد كتاب عثمان على عبد اللّه بن سعد كأنه كره أن يراد عثمان في شي‏ء من أمر افريقية غير أنه كان يوجه بالرجال فيغيرون على أداني أرضها و يأتون بالغنائم، قال: و بلغ ذلك عثمان بن عفان‏فكأنه نشط لغزوها، ثم أرسل إلى المسور بن مخرمة القرشي فدعاه في جوف الليل، قال: ويحك يا مسور!قد استخرت اللّه تبارك و تعالى في ليلتي هذه في بعثة الجيوش إلى افريقية، و قد كتب إليّ عبد اللّه بن سعد يخبرني بجرأة المسلمين عليهم و تقربهم منهم، فهات ما عندك!فقال له المسور: خار اللّه لأمير المؤمنين و للمسلمين في ذلك، و ما الرأي عندي إلا غزوها، قال عثمان: فإني أستخير اللّه عزّ و جلّ في ذلك كثيرا، و لكن إذا أصبحت فاجمع لي الأكابر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم و آله) حتى أستشيرهم في ذلك، فإن اجتمعت آراؤهم على فتحها فعلت ذلك إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه. قال: فانصرف المسور بن مخرمة إلى منزله.

فلما كان من غد خرج فدعا له عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه و طلحة بن عبيد اللّه و الزبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد و غيرهم من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ، فلما علم عثمان أنهم قد اجتمعوا في المسجد خرج إليهم بعد طلوع الشمس، فشاورهم في أمر افريقية حتى ارتفع النهار، فكأنهم كرهوا ذلك، و أكثر من كره ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له عثمان:

ما الذي كرهت من أمر افريقية؟فقال سعيد: كرهت ذلك لما سمعت من عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و هو يقول: لا أقربها أحدا من المسلمين ما حملت عيني الماء[ (1) ]، و لا أرى لك مخالفة عمر فذرهم و لا تغزهم فإنك لن تخافهم على الإسلام و أنهم لراضون منك أن تقرهم في أماكنهم، قال: ثم قام سعيد بن زيد فخرج، و التفت عثمان إلى مولى له يقال له نائل فقال له: يا نائل!اذهب فادع لي زيد بن ثابت و محمد بن مسلمة. قال: فخرج نائل فدعاهما، فاستشارهما عثمان بن عفان في بعثة الجيوش إلى افريقية، فأشارا عليه بذلك‏[ (2) ]، فقال عثمان بن عفان: اللّه أكبر [ (1) ]في معجم البلدان (إفريقيا) : كان عمر بن الخطاب قد كتب إلى عمرو بن العاص: لا تدخل إفريقيا فإنها مفرقة لأهلها غير متجمعة، ماؤها قاس ما شربه أحد من العالمين إلا قست قلوبهم.

[ (2) ]في ابن الأثير 2/235: فاستشار عثمان من عنده من الصحابة، فأشار أكثرهم بذلك.

359

قد أبهج لي رأي، ثم ندب الناس إلى ذلك فأجابوه سراعا، فأول من أجابه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه و عبد اللّه و عاصم ابنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب و عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و عبد الرحمن‏[ (1) ]بن الأسود بن عبد يغوث و بشر بن أرطاة[ (2) ]و المسور بن مخرمة و جماعة من أولاد الصحابة[ (3) ].

قال: ثم اجتمع الناس إلى عثمان بن عفان بعد ذلك فعرضهم عثمان بالمدينة وعدهم فكانوا أربعة آلاف و ثمانمائة من أخلاط القبائل فتجهزوا ما أمكنهم من الجهاز، قال: و أعانهم عثمان بألف بعير بآلتها، و فتح بيوت السلاح فأعطاهم و قواهم، و أمر على الناس مروان بن الحكم فجعله على الجند، و جعل أخاه الحارث بن الحكم على الرجالة، ثم قام عثمان رضي اللّه عنه في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها المسلمون!إنكم قد أصبحتم بدار لا يصلح فيها التضجيع و التواني و قد رأيتم عمر بن الخطاب رحمه اللّه و ما فتح اللّه عليه من أرض الأعاجم و قد افتتحتم أرض مصر و كانت أكبر شوكة و أكثر عددا من افريقية، و أنا أرجو أن يظفركم اللّه عزّ و جلّ بها و يعينكم و يقويكم على فتحها، فعليكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي يبقى و يفنى سواه، و قد كتبت إلى عاملي بمصر عبد اللّه بن سعد و عهدت إليه أن يحسن صحبتكم و أن يرفق بكم و أن يفضي عن سيئكم، و أرجو أن يكون عند عهدي و أمري إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه، و هو حسبنا و نعم الوكيل، ألا!فسيروا رحمكم اللّه، و اللّه عزّ و جلّ خليفتي عليكم.

قال: فسار المسلمون من المدينة حتى قدموا أرض مصر على عبد اللّه بن سعد، قال: و اجتمعت العساكر بمصر، فسار بهم عبد اللّه بن سعد في ثلاثة و عشرين ألفا يريدون افريقية.

قال: و كان بإفريقية ملك عظيم يقال له جرجين‏[ (4) ]من قبل ملك الروم و في يده [ (1) ]بالأصل «عبد اللّه» تحريف و ما أثبتناه عن الإصابة 2/390 ولد على عهد رسول اللّه (ص) .

[ (2) ]عن معجم البلدان، و بالأصل «بشر بن أرطأة» (فتوح البلدان ص 228) .

[ (3) ]منهم معبد بن العباس بن عبد المطلب، و عبيد اللّه بن عمر، (فتوح البلدان-معجم البلدان) .

و عبد اللّه بن عباس (الكامل لابن الأثير) .

[ (4) ]في الطبري 5/50 و فتوح البلدان 1/267 و الكامل لابن الأثير 2/235 و تاريخ خليفة ص 159:

جرجير و في تاريخ اليعقوبي 2/165 جرجيس.

360

من طرابلس المغرب إلى طنجة[ (1) ]، قال: فسار المسلمون إلى طرابلس المغرب فنزلوها و هي آخر عمل الإسلام، ثم رحلوا منها حتى دخلوا بلاد افريقية فانتشروا بها و بثوا السرايا، فأصابوا غنائم كثيرة خيل و بغال و حمير و بقر و غنم.

قال: ثم سار عبد اللّه بن سعد بالمسلمين فجعل يقدم الطلائع بين يديه فمرة يقرب من البحر فيسير على الساحل، و مرة يطلب البر، و إذا بمراكب أهل افريقية قد أرسيت على ساحل البحر، فلما نظروا إلى خيل المسلمين هموا أن يركبوا المراكب و يلججوا في البحر، فعاجلهم المسلمون فأخذوا المراكب و ما كان فيها من مال و متاع، فقسمه عبد اللّه بن سعد في المسلمين، ثم قدم أصحاب المراكب و هم مائة رجل فضرب أعناقهم صبرا، ثم أمر بالمراكب فأحرقت إلى آخرها.

قال: و سار المسلمون حتى توسطوا بلاد افريقية، و دنوا من أرضها، فنزلوا هنالك. و بعث عبد اللّه بن سعد إلى جرجين‏[ (2) ]ملك افريقية يدعوه إلى الإسلام، قال: فغضب جرجين‏[ (2) ]من ذلك، ثم قال: لا دخلت في دينكم أبدا، قال:

فأرسل إليه عبد اللّه بن سعد أنه لا بد لك من إحدى خصلتين الإسلام أو الجزية، فإذا قد أبيت الإسلام فأد الجزية عن يد و أنت صاغر، فقال جرجين‏[ (2) ]: لو طلبتم مني درهما واحدا ما أعطيتكم و لا تتحدث الملوك عني بذلك أبدا.

قال: ثم تهيأ لقتال المسلمين، و بلغ ذلك عبد اللّه بن سعد فعبى أصحابه ثم سار إليه، فقال له رجل من أهل مصر: أيها الأمير!إن أهل افريقية لا يصافونك و هم أرعب قلوب من ذلك، و لكن اجعل لهم كمينا أن لا يفلت منهم أحد فإنهم قوم يهربون في وقت الحرب، قال: فعندها كمن عليهم عبد اللّه بن سعد الكمناء ففرقها في الأودية و الأماكن، ثم دنا القوم في تعبية حسنة و جيش لجب و هم ثلاثة و عشرون ألفا أو يزيدون، و دنا أهل افريقية من المسلمين في ستين ألفا أو يزيدون‏[ (3) ]و قد رفعوا الصلبان و عليهم من السلاح ما اللّه عزّ و جلّ به عليم. قال: و جالت الخيل بعضها على بعض فاقتتلوا ساعة من النهار حتى إذا صارت الشمس في السماء قدر رمحين أو [ (1) ]زيد عند ابن الأثير: و كان يحمل إلى هرقل الخراج كل سنة.

[ (2) ]مرت الإشارة إليه.

[ (3) ]ابن الأثير 2/235 مائة ألف و عشرين ألف فارس. و في تاريخ خليفة ص 159: مائتي ألف. و في البداية و النهاية 7/171 و تاريخ الذهبي 2/79 كان المسلمون في 20 ألفا، و جرجير في مائتي ألف و قيل مائة و عشرين ألفا.

361

أكثر من ذلك‏صاح عبد اللّه بن سعد بالمسلمين ثم حمل و حملوا معه، فولى أهل افريقية منهزمين فخرجت عليهم الكمناء فقتل منهم مقتلة عظيمة و أسر منهم بشر كثير[ (1) ].

و مضى ملكهم جرجين منهزما حتى لحق أقاصي بلاد افريقية، ثم إنه بعث إلى عبد اللّه بن سعد يسأله الصلح، فأجابه عبد اللّه بن سعد إلى ذلك و صالحه على ألفي ألف دينار و خمسمائة ألف دينار و عشرين ألف دينار[ (2) ]على أنه يكف عنه و يخرج عن بلده، فأخذ عبد اللّه بن سعد منه هذا المال، فأخرج منه الخمس ليوجه به إلى عثمان، و قسم باقي ذلك في المسلمين.

قال: و بلغ ذلك ملك الروم فأرسل إلى جرجين‏[ (3) ]أنك أعطيت العرب ما أعطيتهم فانظر ذلك فابعث إليّ مثله و إلا بعثت إليك من يستأصلك عن حديد الأرض، قال: فأرسل جرجين‏[ (3) ]إلى رؤساء بلده فدعاهم ثم قال: إن الملك الأعظم أمرني أن آخذ منكم من المال ما أخذه عبد اللّه بن سعد، فهاتوا ما الذي عندكم من الرأي!قال: فقالوا: أما الذي كان عندنا من المال فقد أفدينا به أنفسنا من العرب، و الآن فليس عندنا من المال نعطي الملك، فإن تركنا نكون في بلادنا و نؤدي إليه الخراج الذي كنا نؤديه إليه قبل اليوم، و إلا دخلنا في دين العرب و كنا مع العرب عليه، قال: فلما سمع جرجين‏[ (3) ]ذلك قال لهم: لا تعجلوا حتى أكتب إليه و أخبره بمقالتكم. قال: ثم كتب جرجين إلى ملك الروم و خبره بمقالة أهل افريقية، قال: فأمسك عنهم ملك الروم و تجافى عن أموالهم.

قال: و رجع عبد اللّه بن سعد بالمسلمين إلى أرض مصر[ (4) ]و كتب إلى عثمان [ (1) ]و كان ذلك في مكان قرب سبيطلة، و كانت هذه المدينة هي دار الملك في ذلك الوقت. و هي على سبعين ميلا من القيروان.

[ (2) ]الطبري 5/50 فتوح البلدان ص 229 (سقط العشرين ألف دينار) ، تاريخ اليعقوبي 2/165.

و في البداية و النهاية 7/171 و معجم البلدان، و تاريخ خليفة ص 159 و الكامل لابن الأثير 2/237 أن جرجير قتل، و أن الصلح تم مع أهل تلك البلاد.

و في رواية فتوح البلدان أن عبد اللّه بن الزبير هو الذي قتله.

[ (3) ]كذا بالأصل.

[ (4) ]و كان مقامه بإفريقيا سنة و ثلاثة أشهر (ابن الأثير 2/237) .

362

يخبره بفتح افريقية و سلامة المسلمين‏[ (1) ]، و وجه إليه بالخمس من أموال افريقية، فقسمه عثمان في أهل المدينة و حمد اللّه عزّ و جلّ على ذلك، فله الحمد على ذلك دائما و الشكر و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

ذكر فتح جزيرة سقلية[ (2) ]على يدي معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه‏

قال: ثم تهيأ المسلمون لغزو سقلية و كانت عظيمة الشأن، قال: و إنما كان ملك الروم في ثلاثة مواضع من الأرض في سقلية و رومية و قسطنطينية، قال: و كان ملك قسطنطينية في قديم الدهر إلى يومنا هذا يلبس خفين أحمرين، و يأذن لصاحب سقلية في أن يلبس فردا أحمر و فردا أصفر، و يأذن لصاحب رومية أن يلبس فردا أحمر و فردا أخضر، و يأذن لسائر البطارقة أن يلبسوا أخفافا سودا. قال: و كانت جزيرة سقلية هذه جزيرة واسعة خصيبة مسيرة ثلاثة أيام في مثل ذلك، فيها عيون غدقة و زروع و أشجار و خير كثير، فعزم معاوية على غزوها و كتب إلى عثمان في ذلك قال:

و بلغ أهل افريقية فبعثوا إلى أهل سقلية بأن العرب قد أجمعوا على حربكم فكونوا من ذلك على حذر.

قال: و اتصل هذا الخبر بصاحب سقلية فغضب لذلك و قال: و طمعت العرب في غزونا لعلهم يظنون أننا كأهل افريقية، و لا يرضى العرب منا أن نمسك عنهم و لا نغزوهم. قال: و خطف المسلمون من ساحل البحر في ثلاثمائة مركب فلم يشعر أهل سقلية إلا و مراكب المسلمين قد طلعت عليهم، فنظروا إليها. قال: و بلغ ذلك ملك سقلية، فأشرف من قصره و معه جماعة من بطارقته، فنظر إلى مراكب المسلمين قد أقبلت و عليها الرايات و المطارف و الأعلام، و فيها الرجال بالسلاح الشاك الذي لم ير مثله، قال: فنظر ملك سقلية إلى مراكب كثيرة و إلى سلاح شاك لم يكن يظن أنه يكون عند العرب مثله.

قال: و كان صاحب قيسارية لما هرب من أيدي المسلمين صار إلى صاحب [ (1) ]أرسل عبد اللّه بن الزبير بالبشارة إلى عثمان، فقدم المدينة في عشرين ليلة. (تاريخ اليعقوبي 2/166) .

[ (2) ]كذا وردت بالأصل في كل مواضع الخبر، مرت الإشارة إلى ورودها في المصادر و معجم البلدان «صقلية» .

363

سقلية و كان عنده في ناحية، فكان يحدث صاحب سقلية عن العرب و ما فتحت من أرض الشام و من مدنها و سواحلها. فلما كان ذلك اليوم، التفت صاحب سقلية إلى صاحب قيسارية فقال له: إن هؤلاء أكثر من أولئك الذين كانوا بأرض الشام؟فقال له صاحب قيسارية: أيها الملك!كانوا أكثر من هؤلاء، و كانوا أيضا قوما صالحين أصحاب نيات و بصائر، يقاتلون على نية و دين و حسن يقين، و هؤلاء أظن أنهم يريدون الدنيا، فلو أن الملك أعطاهم شيئا يدفع به عن بلده لكان ذلك عندي له الرأي، قال: فغضب ملك سقلية من ذلك ثم قال له: أنت رجل مرعوب لأنك قد رأيت منهم بقيسارية ما قد رأيت من ظهورهم على بر الشام و بحرها، و إن في سقلية اليوم من الرجال الذين يحملون السلاح مثل ما في الشام في برها و بحرها و مثل ما في أرض مصر، و إني لأعرضهم على مائة عارض فيمكثون سنة يعترضون، قال: فقال له صاحب قيسارية: صدقت أيها الملك!و لذلك فارقت ملك الروم لما مضى إلى القسطنطينية و صرت إليك لما أعلم من حزمك و عزمك و كثرة خيلك و رجلك، و إن سقلية عندي أيها الملك لتقاس إلى رومية، قال: فسرى عن صاحب سقلية و قال:

صدقت أيها الملك هي كذلك، قال: و إنما خدعه صاحب قيسارية بهذا الكلام لأن رومية في البر دون مدينتها أربعون ميلا.

قال: و أرسى المسلمون مراكبهم إلى جزيرة سقلية، قال: فأرسل إليهم ملكها أن ابعثوا إليّ منكم رجلا له بيان حتى أكلمه بما أريد.

قال: فبعث المسلمون إليه برجل و معه ترجمان يخبره بما يقول الروم فأقبل حتى وقف حذاءه و صاحب سقلية مشرف عليه، فقال: ما أنتم؟فقال المسلم: من العرب الذين قد بلغت دعوتنا أطراف الأرض و أكناف الجبال و أقطار البحار، لأن اللّه عزّ و جلّ بعث إلينا رسولا هو أفضلنا بيتا و أصدقنا حديثا و أكرمنا نفسا، فدعانا إلى اللّه عزّ و جلّ، فأجبنا رسول اللّه و آمنا به و صدقناه، و اتبعه منا من اتبعه و أبى منا من أبى، فقاتل من أبى عليه بالذين اتبعوه حتى أظهره اللّه عزّ و جلّ على العرب قاطبة إما راغب فيما دعاه إليه و إما راهب من فرق السيف، و لقد أقر له هرقل ملك الروم من قبل اليوم بالنبوة و شهد له بالرسالة و لم ينكر له ذلك،

و لقد خبرنا نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم من قبل وفاته بأن اللّه تعالى يفتح علينا و يظهرنا على جميع الأديان،

و قد بلغك ما كان منا بأرض الشام لما قتلنا أهلها و سبيناهم حتى لم يلتق منهم اثنان في موضع واحد، و نحن على ما نحن عليه من الضعف و قلة المال و السلاح و الكراع حتى هرب منا هرقل إلى‏

364

قسطنطينية خائفا مرعوبا، فلم يزل كذلك حتى مات بحسرتنا، ثم قام من بعده قسطنطين، فقد بلغك ما نزل به منا و إنا قتلنا أصحابه في البحر و أخذته الرماح و أثخنته الجراحات، حتى صار إليكم و شمتم به، فهذه قصتنا و هذه حالتنا، فلم تسألنا عن أمرنا كأنك لا تعرفنا أو كأنك جاهل بما لقيتم منا. قال: فتبسم صاحب سقلية ثم قال: صدقت، نحن قتلناه، لأنه خرج بالروم في أيام ريح عاصفة فأهلكهم في البحر، ثم نجا و صار إلينا، فلم نحب أن يرجع إلى أهله سالما حتى توتم أهله منه و ولده كما أيتم الروم، قال: ثم التفت صاحب سقلية إلى صاحب قيسارية فقال: ما يخفى على العرب شي‏ء من أمرنا؟فقال: نعم أيها الملك، و كذلك لا يخفى علينا شي‏ء من أمورهم. قال: ثم أقبل صاحب سقلية على المسلم فقال: خبرني الآن عنكم لما ذا قصدتمونا في مثل هذا البحر؟فقال له المسلم:

قصدناكم لندعوكم إلى أن تدخلوا في الإسلام و تأمنوا على دياركم و أموالكم، و نولي عليكم رجلا منكم تقيمون الصلوات الخمس و تصومون شهر رمضان و تحجون البيت الحرام و تؤخذ الصدقة من أغنيائكم فتردّ على فقرائكم، فإن أبيتم الدخول في ديننا فاقبلوا عهدنا و ذمتنا و أدوا الجزية إلينا و قروا في دياركم آمنين، فإن أبيتم ما عرضناه عليكم فقد أنذرناكم و أعذرنا إليكم، فاعلموا أن ما بيننا و بينكم إلا السيف، فإن قتلنا كنا على بيّنة من ربنا، إنا في الجنة و أنتم في النار و أظفرنا بكم، فذاك ما وعدنا نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. قال: فقال صاحب سقلية لترجمانه: قل له الآن عني إنك تكلّمت و قلت ما أردت فذرنا حتى نتكلم بما نريد، فقال المسلم: قل ما تشاء، فقال: قل له عني: إنكم قد اغتررتم بأنفسكم بغزوكم إيانا في مثل هذا البحر و ظننتم أن سقلية إنما هي كمدائن الروم التي افتتحتموها من قبل، و ليس الأمر كما تقولون و لا كما ظننتم، إن سقلية أمنع من ذلك، و أنتم قد ندمتم على مسيركم إلينا عند ما رأيتم من جمعنا و عددنا و كثرة سلاحنا، فلو أنكم أردتم أن ترجعوا إلى بلادكم لم تقدروا على ذلك، لأنكم قد لججتم في هذا البحر حتى وصلتم إلينا، و لسنا نحب أن تعتادوا هذه العادة علينا في قلتكم و كثرتنا، لأنه لم يطمع أحد من أعدائنا في هذا منا و لم يغزنا قط أحد من قبلكم إلا ذلّ و خضع، و إنا لنغزو جميع أهل الأديان في ديارهم فنسبيهم و نذلهم و نأتي بهم إلى جزيرتنا هذه أسارى أذلة صاغرين، و أما ما عرضتموه علينا من اتباع دينكم فهذا ما لا يكون و لست أفارق ديني أبدا، و أما ما سألتموه من الجزية فقد يجب عليكم أن ترضوا مني بالمساكتة و المسالمة أن لا أغزو في بلادكم. فلما فرغ

365

صاحب سقلية من كلامه أقبل المسلم على الترجمان فقال: قل له عني: إني أراك قد بغيت في كلامك، و البغي منقصة و شؤم و مصرعة و حتم، و نحن نرجو أن يدال عليكم ببغيكم، و نحن قوم لا نرى القتل سبّة و لا الموت عارا، و القتل إلينا أحب إلينا من الخمر إليكم.

قال: فبينا المسلم يكلّم صاحب سقلية بهذا الكلام و نحوه و إذا بطريق منهم قد أشرف من جدار القصر و قال: أيها العربي!قد أكثرت علينا من كلامك و لكن من يبارزني منكم؟فقال له المسلم: يبارزك أدنانا رجلا و أضعفه في نفسه، قال:

فغضب البطريق من ذلك و قال: يا كلاب!و فيكم من يبارزني!ثم إنه بادر و نزل، فخرج من باب القصر و في يده سيف له مشطّب و درقة مذهبة، و عليه قباء حرير و يلمق ديباج، قال: فبرز إليه رجل من أهل افريقية و اختلفا بضربتين، ضربه الأفريقي ضربة على أم رأسه فسقط البطريق قتيلا، ثم وقف عليه الافريقي فجعل يسلبه و صاحب سقلية مع بطارقته ينظرون إليه، ثم وقف الافريقي و نادى بأعلى صوته: من يبارزني؟قال صاحب سقلية: من هذا منكم؟فقال له المسلم: هذا رجل من أهل افريقية و قد كان من خدمكم، فمنّ اللّه عزّ و جلّ عليه بالإسلام فأسلم، و قد رأيت ما فعل بصاحبكم، فكيف لو برز إليه رجل من حزبنا.

قال: فنزل صاحب سقلية من قصره مغموما، و خرج المسلمون من المراكب فأغاروا على أطراف سقلية، فسبوا و غنموا، ثم أخرجوا مجانيق كانت معهم فنصبوها على حصونهم و رموهم رميا متداركا، و رزق اللّه عزّ و جلّ المسلمين من اعتدال حجارة مجانيقهم و قصدها لحصون الكفار و قصورهم شيئا عجيبا، قال: و رمت الروم بالعرّادات فلم يكن لعرّاداتهم نكاية. قال: و قهرهم المسلمون حتى أحجزوهم في دورهم و قصورهم.

قال: فعندها خرج صاحب سقلية من قصره، و اجتمع إليه أهل مملكته بأجمعهم فعطعطوا و نفخوا في البوقات، و أظهروا ما قدروا عليه من آلة السلاح، قال: و صفّ المسلمون صفوفهم و أظهروا سلاحهم، و اقتحمت الروم على ميسرة المسلمين و كشفوهم و ثبتت الميمنة و القلب، فقاتلوهم ساعة ثم رجعت ميسرة المسلمين إلى موضعها، و دامت الحرب بينهم يومهم ذلك، فقتل من الفريقين جماعة، ثم افترقوا و ذلك وقت المساء، حتى إذا مضى من الليل بعضه أغار المسلمون على قراهم‏

366

و حصونهم، فسبوا سبيا كثيرا و غنموا من الغنائم ما ملأت أيديهم، ثم رجعوا مراكبهم.

قال: و بلغ ذلك صاحب سقلية فاغتم لذلك غما شديدا ثم أرسل إلى مقاتلته فدعاهم إليه و قال: ما بالكم لا تغيرون عليهم كما يغيرون عليكم؟سوءا لكم!لقد خشيت أن تؤخذ سقلية منكم كما أخذت الشام من قبل، قال: فسكتت الروم و لم يقولوا شيئا، فقال له صاحب قيسارية: أيها الملك!إنني أشير عليك أن تكتب إلى الملك الأكبر و تسأله المدد، فقال: لا فعلت ذلك أبدا و لو أخذت سقلية من يدي.

قال: فلم يزل المسلمون في المحاربة حتى ملأوا أيديهم من الغنائم و قتلوا منهم بشرا كثيرا.

قال: و بلغ ذلك ملك الروم فجهز إلى سقلية ستمائة مركب فيها المقاتلة و السلاح، قال: و اتصل الخبر بالمسلمين قبل أن يتصل بأهل سقلية، فرأوا من الرأي أن يرحلوا، فقال لهم أميرهم: ليس الرأي أن ترحلوا نهارا، فإنا لا ندري ما يكون من الحدثان و لكن أخروا هذا إلى الليل، فقالوا: ذاك أيها الأمير!قال: فلما كان الليل و هدأت العيون قعد المسلمون في مراكبهم و خطفوا من ساحل سقلية، وهبت الريح و رفعوا الشراع و سارت المراكب على تؤدة بغير هول، و لا فزع حتى أصبحوا على بلد بعيد من سقلية، ثم ساروا حتى صاروا إلى ساحل الشام، فخرج المسلمون من المراكب فأرسوها ثم أخرجوا تلك الغنائم و ذلك السبي، فأخرج معاوية من ذلك كله الخمس و وجه به إلى عثمان، و كتب إليه يخبره بسلامة المسلمين و ما كان من أمر سقلية، قال: فسرّ عثمان بذلك و قسم الخمس على أهل المدينة، و قسم معاوية ما بقي من بعد الخمس في المسلمين. قال: و لم يكن للمسلمين غزوة في البحر في زمن عثمان بن عفان بعد سقلية إلا غزوة أرواد.

ذكر فتح جزيرة أرواد

و ذلك أن المسلمين أسروا من الروم رجلا في بعض السواحل، فقالوا: من أين أنت؟فقال: من أرواد[ (1) ]، فأتوا به إلى معاوية، فجعل معاوية يسأله عن أرواد و يستخبره عن موضعها من البحر، فقال له الرومي: نعم أيها الأمير!إنها جزيرة [ (1) ]أرواد: اسم جزيرة في البحر قرب قسطنطينية.