الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
367

عظيمة و من حالها و حال أهلها كذا و كذا. قال: فدعا معاوية برجل من أبطال أهل الشام يقال له جنادة بن أبي أمية، فضم إليه أربعة آلاف رجل و أمره أن يغزو أرواد[ (1) ].

قال: فخرج جنادة حتى صار إلى الساحل، ثم حمل أصحابه في المراكب و هي عشرون مركبا و معهم ذلك الرجل الرومي يدلهم على الجزيرة حتى أنهم إذا فتحوها يردون عليه أهله و ماله و ولده. قال: فسارت المراكب حتى إذا قاربت الجزيرة أمرهم الدليل بأن يرسوا في البحر على وجه الماء، ففعلوا ذلك حتى إذا أظلم الليل أمرهم الدليل بالمسير، فساروا حتى وافوا الجزيرة و أهلها غافلون، فأرسى المسلمون بمراكبهم على ساحل الجزيرة، ثم خرجوا منها بالسلاح، و أصبح المسلمون في الجزيرة، ففتحوا باب حصنهم و خرجوا، و كبس المسلمون فما كانوا إلا بمنزلة غنم تذبح، فقتل من مقاتلتهم من قتل و اتقى الباقون منهم في البيوت كأنهم النساء، فأقرهم جنادة بن أبي أمية في حصنهم ذلك على صلح بمال أخذه منهم و الجزية جعلها عليهم، و أخذ من غنائمهم ما أخذ، و خطف حتى صار إلى ساحل الشام سالما غانما، و أتى بالغنائم إلى معاوية، فأخرج منها معاوية الخمس فوجه به إلى عثمان، و ما بقي من ذلك قسمه في المسلمين.

و هذا ما كان في خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. قال: و في تلك السنة قتل عثمان بن عفان رحمة اللّه عليه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

[ (1) ]و كان ذلك سنة 54 في خلافة معاوية الطبري 6/164 ابن الأثير 2/504 معجم البلدان (أرواد) فتوح البلدان ص 237.

368

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

369

ابتداء تكلم الناس فى عثمان‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و ما توفيقي إلا باللّه قال أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي حدثني أبو الحسين علي بن محمد القرشي قال حدثني عثمان بن سليم عن مجاهد[ (1) ]عن الشعبي‏[ (2) ]و أبي محصن عن أبي وائل‏[ (3) ]، و علي بن مجاهد عن أبي إسحاق، قال و حدثني نعيم بن مزاحم قال:

حدثني أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي قال: و حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد[ (4) ]بن أبي حبيب عن الزهري، قال: و حدثني إسحاق بن يوسف الفزاري قال: حدثني أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال:

حدثني لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي عن الحارث بن الحصين بن عبد الرحمن بن عبيدة و النضر بن صالح بن حسين بن زهير قال: و حدثني عمران بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد اللّه بن يزيد عن صالح بن إبراهيم و زيد بن عبد الرحمن الواقفي و علي بن حنظلة بن أسعد الشامي و غير هؤلاء ذكروا هذا الحديث سرا و علانية، و قد جمعت ما سمعت من رواياتهم على اختلاف لغاتهم فألفته حديثا واحدا على نسق واحد، و كلّ يذكر أنه لما صار الأمر إلى عثمان بن عفان [ (1) ]هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي مترجم في الثقات 5/419 التهذيب 10/42 حلية الأولياء 3/279 البداية و النهاية 9/224 شذرات الذهب 1/125.

[ (2) ]هو عامر بن شراحيل الشعبي ترجم له في التهذيب 5/65 ثقات العجلي ص 243.

[ (3) ]هو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي أدرك النبي (ص) مات بعد الجماجم سنة 82 (تهذيب 4/361) .

[ (4) ]عن تقريب التهذيب، و بالأصل: زيد.

370

و اجتمع إليه الناس أرسل إلى عمال عمر بن الخطاب فأقرهم على أعمالهم التي هم عليها مدة يسيرة من ولايته، ثم إنه بعث إليهم فعزلهم عن الأعمال و جعل يقدّم أهل بيته و بني عمه من بني أمية فولاهم الولايات، فولى عبد اللّه بن عامر بن كريز[ (1) ] البصرة، و ولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة[ (2) ]، و أثبت معاوية بن أبي سفيان على الشام، و عمرو بن العاص على فلسطين، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح على مصر[ (3) ]، ثم فتح الفتوح و درّت عليه الأموال من سجستان و خراسان و فارس و كرمان و مصر و الشام و الجزيرة و العراق، و درّت عليه حلب و البلاد، و هو مع ذلك يسير بسيرة مرضية، و لا يرى المسلمون منه إلا ما يحبون.

قال: ثم كثر المال عليه، فكان كل ما اجتمع عنده شي‏ء من ذلك يفرقه في الناس و يزيدهم في العطايا، حتى كان يأمر للرجل الواحد بمائة ألف درهم‏[ (4) ].

قال: ثم قدم عليه عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية فوصله [ (1) ]و هو ابن خال عثمان، فأم عثمان هي أروى بنت كريز بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس (تاريخ خليفة ص 156) .

[ (2) ]و هو أخو عثمان بن عفان لأمه أروى (الإصابة) .

[ (3) ]و هو أخو عثمان من الرضاعة و كانت أمه أشعرية. أجاره عثمان بعد أن أمر النبي (ص) بقتله يوم الفتح (الإصابة) .

[ (4) ]بهامش الأصل: «من مروح الذهب للمسعودي: ذكر عبد اللّه بن عتبة أن عثمان رضي اللّه عنه كان يوم قتل في خزانته من المال خمسون و مائة ألف دينار و ألف ألف درهم و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين و غيرهما مائة ألف دينار و خلف إبلا و خيلا كثيرا، و في أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع و الدور منهم الزبير بن العوام، بني داره بالبصرة و هي المعروفة في هذا الوقت و هو سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة تنزلها التجار و أرباب الأموال و أصحاب الجهات من البحرين و غيرهم و ابتنى أيضا دورا بالكوفة و مصر و الإسكندرية و ما ذكرنا من دوره و ضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية، و بلغ ثمن روحاته بعد وفاة الزبير خمسين ألف دينار و خلف الزبير ألف فرس و ألف عبد و[ألف‏]أمة، و كذلك طلحة بن عبيد اللّه التيمي ابتنى داره بالكوفة المشهورة به في هذا الوقت بدار الطلحتين و كانت غلته من العراق في كل يوم ألف دينار و قيل أكثر من ذلك و بناحية سراة أكثر مما ذكرنا و شيد دارا بالمدينة فبناها بالجص و الآجر و الساج، و كذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري و كان على مربطه ألف فرس و من الإبل ألف بعير و غير ذلك. و قد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال و الضياع بقيمة مائة ألف دينار. و مات يعلى بن منية و خلف خمسمائة ألف دينار و عقارات و غير ذلك بما قيمته ثلاثمائة ألف دينار» . راجع مروج الذهب المطبوع بالمطبعة البهية المصرية ج 1 ص 433-434.

371

بثلاثمائة ألف درهم، ثم بعث إلى الحكم بن أبي العاص فرده إلى المدينة و هو طريد[ (1) ]رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثم وصله بمائة ألف درهم من بيت مال المسلمين و جعل له خمس إفريقية[ (2) ]، و جعل‏[من بني‏]أمية الحارث بن الحكم على سوق المدينة و وصل ابنه بمال جليل.

قال: فكبر ذلك على أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كرهوا ذلك من فعله، ثم إنهم دخلوا على عبد الرحمن بن عوف فشكوا إليه أمر عثمان و قالوا: يا بن عوف!هذا من فعالك بنا و لسنا نلزم هذه الإمامة أحدا سواك،

فقال عبد الرحمن: يا هؤلاء!إني كنت أخذت لكم بالوثيقة و لم أعلم بما يكون، و الآن فالأمر إليكم.

فقال له علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: فهكذا تحب أن يكون؟

فقال: يا أبا الحسن!إنه لم يكن عندي علم هذا و الآن فخذ سيفك و آخذ سيفي. قال: و بلغ الخبر إلى عثمان أن عبد الرحمن بن عوف قد قال كذا و كذا، فقال عثمان:

عبد الرحمن رجل منافق لا يبالي بما قال و يهون عليه أن يشيط بدمي. و بلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فغضب، قال: ما كنت أظن‏[أن‏]أعيش إلى دهر يقول لي عثمان‏[إني‏]منافق، ثم حلف عبد الرحمن أنه لا يكلمه أبدا ما بقي‏[ (3) ].

قال: و الناس تكلموا في عثمان و قالوا فيه بعض القول و بلغه ذلك، فنادى في الناس: الصلاة جامعة!فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أيها الناس!اذكروا نعمة اللّه عليكم و اشكروها يزدكم و اعرفوا حقه، فإنكم أقوام مسلمون، و بين أظهركم كتاب اللّه فيه كل شي‏ء، و قد علمتم الذي أمركم اللّه به من الطاعة لولاة الأمر منكم، فاتقوا اللّه ربكم، و اعلموا أن حق الخلافة عظيم، فأمرها فوق ما تظنون، و إنما جعل اللّه تبارك و تعالى السلطان في الأرض ليكون حاجزا بين قويهم و ضعيفهم يلجؤون إليه في أمورهم و سنتهم و أحكامهم، و فيكم من قد أدرك [ (1) ]قال في الاستيعاب: اختلف في السبب الموجب لنفيه فقيل كان يتحيل و يستخفي و يستمع ما يسره النبي (ص) إلى كبار أصحابه في مشركي قريش و سائر الكفار. و المنافقين فكان يفشي ذلك عنه.

و كان يحكيه في مشيته و بعض حركاته.

[ (2) ]و قيل إنه أعطاه مروان بن الحكم، الذي اشتراه بخمسمائة ألف دينار فوضعها عند عثمان، قال ابن الأثير: و كان هذا مما أخذ عليه (الكامل 2/237) .

[ (3) ]قارن مع العقد الفريد 4/305.

372

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سمع كلامه و رأى سنته مع ما قد بين اللّه تبارك و تعالى لكم في هذا الكتاب الناطق و أخذ عليكم الحجة و وعدكم من نفسه كل خير إن شكرتم من ثواب اللّه و حسن ثواب الآخرة، و قد رأيتم مساكن الأعاجم و غيرهم و سلطانهم و قد كانوا و اللّه أشد منكم قوة و أكثر جمعا و أوسع بلدا و أرغد عيشا، فلما تركوا ما أمروا به و شرهت أنفسهم إلى ما قد علمتم من الفساد في الأرض و اختاروا دنياهم على أخراهم انتزع اللّه تبارك و تعالى ما كان في أيديهم فجعله لكم و في أيديكم‏لينظر كيف تعملون!و بعد فقد رأيتم أثر نعمة اللّه عليكم و الذي آتاكم من الخير على عهد نبيكم محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الخليفتين من بعده، و أنا اليوم محقوق بهذا الأمر و قد ولاّني اللّه تبارك و تعالى خلافة من مضى من قبلي و قد تقلدت أمرا عظيما و خطرا جسيما لا يعين عليه إلا الذي قلدني إياه و قدره لي، و الأمين مؤتمن و كل أمير مسؤول عن رعيته، و قد بلغني أن قوما منكم يقولون: لو أن أمير المؤمنين فرق هذا المال في المقاتلة و الذرية الذين في الأمصار لكان ذلك أعود عليه و علينا و أقرب له إلى اللّه عزّ و جلّ، و قد قبلت ذلك منكم و أنا باعث إلى كل مصر أن تقسم أمواله بين أهله بالسوية إن شاء اللّه تعالى، فإن فضل منا شي‏ء صرفناه في نوائبنا التي تنزل بنا و نجعله في ضعفاء العرب و مساكينهم و أيتامهم و أراملهم إن شاء اللّه تعالى، و أنا جالس لكم في كل وقت أنظر في أموركم، و ليس لي حجاب و لا بواب و لا باب يغلق من دونكم، و السلام.

قال: فلما سمع المسلمون ذلك الكلام من عثمان دعوا له بالبركة و الصلاح و أثنوا عليه و انصرفوا إلى منازلهم شاكرين لما كان من كلامه. قال: و أقام عثمان بعد ذلك في خلافته بالسياسة الحسنة و العدل في الرعية و الرحمة للضعفاء و المساكين و الشفقة على جماعة المسلمين.

قال: فلم يزل عثمان كذلك حتى مضت له سنة من السنين كانت فيها أمور كثيرة من أمور عثمان كلها كانت عندهم مكروهة، فعاتبه المسلمون عليها، فلم يعينهم و لم ينزع عنها. قال: و اجتمع نفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم إنهم كتبوا كتابا و ذكروا فيه كل حدث أحدثه عثمان منذ يوم ولي الخلافة إلى ذلك اليوم‏[ (1) ]، ثم إنهم خوفوه في الكتاب و أعلموه‏[أنه-]إن لم ينزع عما هو عليه خلعوه و استبدلوا به [ (1) ]انظر فيما نقم الناس على عثمان العقد الفريد 4/305 البداية و النهاية 7/190 تاريخ اليعقوبي 2/173-174 الطبري 5/92. ـ

373

غيره. قال: فكتبوا هذا الكتاب ثم قالوا ننطلق به جميعا حتى نضعه في يده، فإننا إن ذهبنا نكلمه و ليس معنا كتاب لم يحضرنا من الكلام ما نريد، ثم أقبلوا على عمار بن ياسر و قالوا له: يا أبا اليقظان!هل لك أن تكفينا هذا الأمر و تنطلق بالكتاب إلى عثمان؟فقال عمار: أفعله، ثم أخذ الكتاب و انطلق إلى عثمان، فإذا عثمان و قد لبس ثيابه و خفيه في رجليه، فلما خرج من باب منزله نظر إلى عمار واقفا و الكتاب في يده فقال له: حاجة يا أبا اليقظان؟فقال عمار: ما لي حاجة و لكنا اجتمعنا فكتبنا كتابا نذكر فيه أمورا من أمورك لا نرضاها لك، قال: ثم دفع إليه الكتاب فأخذه عثمان فنظر فيه حتى قرأ سطرا منه، ثم غضب و رمى به من يده، فقال له عمار: لا ترم بالكتاب و انظر فيه حسنا فإنه كتاب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنا و اللّه ناصح لك!فقال له عثمان: كذبت يا ابن سمية!فقال عمار: أنا و اللّه ناصح لك! فقال عثمان: كذبت يا ابن سمية!فقال عمار: أنا و اللّه ابن سمية و ابن ياسر. قال:

فأمر عثمان غلمانه، فضربوه ضربا شديدا حتى وقع لجنبه، ثم تقدم إليه عثمان فوطئ بطنه و مذاكيره، حتى غشي عليه و أصابه الفتق، فسقط لما به لا يعقل من أمر شيئا. [ (1) ] قال: و اتصل الخبر ببني مخزوم، فأقبل هشام بن الوليد بن المغيرة في نفر من بني مخزوم فاحتملوا عمارا من موضعه ذلك و جعلوا يقولون: و اللّه لئن مات الآن لنقتلن به شيخا عظيما من بني أمية، ثم انطلقوا بعمار إلى منزله مغشيا عليه، فلم يصلّ ظهرا و لا عصرا و لا مغربا و لا عشاء حتى ذهب بعض الليل، ثم أفاق بعد ذلك من غشيته فقام فقضى ما فاته من صلواته كلها[ (2) ].

قال: فكان هذا من إحداثه الذي نقموا عليه.

قال: فبلغ ذلك أبا ذر و كان مقيما بالشام فجعل يظهر عيب عثمان هناك و يذكر منه خصالا قبيحة[ (3) ]، فكتب معاوية بن أبي سفيان بذلك إلى عثمان‏[ (4) ]: بسم اللّه [ (1) ]الخبر العقد الفريد 4/307 باختصار، و أشار المسعودي في مروج الذهب 2/374 إلى ما ناله عمار.

[ (2) ]في العقد الفريد: ثم ندم عثمان و بعث إليه طلحة و الزبير يقولان له: اختر إحدى ثلاث: إما أن تعفو، و إما أن تأخذ الأرش، و إما أن تقتص. فقال: و اللّه لا قبلت واحدة منها حتى ألقى اللّه.

[ (3) ]خبر أبي ذر في الطبري 5/66 ابن الأثير 2/251 تاريخ اليعقوبي 2/172 و كان عثمان قد سيره إلى الشام إلى معاوية بعد ما بلغه أن يطعن عليه في مسجد رسول اللّه (ص) أمام الناس. (مروج الذهب 2/375 و تاريخ اليعقوبي 2/171) .

[ (4) ]مروج الذهب و اليعقوبي و الطبري باختصار.

374

الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن صخر، أما بعد!فإني أخبرك يا أمير المؤمنين بأن أبا ذر قد أفسد عليك الشام و ذلك أنه يظهر لأبي بكر و عمر بكل جميل، فإذا ذكرك أظهر عيبك و قال فيك القبيح، و إني أكره أن يكون مثله بالشام أو بمصر أو بالعراق، لأنهم قوم سراع إلى الفتن و أحب الأمور إليهم الشبهات و ليسوا بأهل طاعة و لا جماعة-و السلام-.

قال: فكتب إليه عثمان: أما بعد!فقد جاءني كتابك و فهمت ما ذكرت فيه من أمر أبي ذر جندب بن جنادة، فإذا ورد عليك كتابي هذا فابعث به إليّ و احمله على أغلظ المراكب و أوعرها، و ابعث معه دليلا يسير به الليل مع النهار حتى يغلبه النوم فينسيه ذكري و ذكرك-و السلام-.

قال: فلما ورد كتاب عثمان على معاوية دعا بأبي ذر فحمله على شارف من الإبل بغير وطاء و بعث معه دليلا[ (1) ]عنيفا يعنف عليه حتى يقدم المدينة.

قال: فقدم بأبي ذر المدينة و قد سقط لحم فخذيه‏[ (2) ]، و كان أبو ذر رحمه اللّه رجلا آدم طويلا ضعيفا نحيفا شيخا أبيض الرأس و اللحية، فلما أدخل على عثمان و نظر إليه قال: لا أنعم اللّه بك عينا يا جنيدب!فقال أبو ذر: أنا جندب بن جنادة و سماني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبد اللّه، فقال عثمان: أنت الذي تزعم بأننا نقول أن يد اللّه مغلولة و أن اللّه فقير و نحن أغنياء؟فقال أبو ذر: أو كنتم لا تقولون ذلك لأنفقتم مال اللّه على عباده المؤمنين؟إني لم أقل ذلك و لكني أشهد لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول: «إذا بلغ بنو أمية العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللّه دولا، و عباد اللّه خولا، و دين اللّه دخلا، ثم يريح اللّه العباد منهم» [ (3) ]، فقال عثمان لمن بحضرته من المسلمين: أسمعتم هذا الحديث من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فقالوا: ما سمعناه، فقال عثمان: ويلك يا جندب!أ تكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فقال أبو ذر لمن حضر:

أ تظنون أني كذبت و لم أصدق في هذا الحديث!فقال عثمان: ادعوا لي علي بن أبي طالب، فدعي له، فلما جلس قال عثمان لأبي ذر: اقصص عليه حديثك في بني [ (1) ]في مروج الذهب: معه خمسة من الصقالبة يطيرون به.

[ (2) ]مروج الذهب: تسلخت بواطن أفخاذه و كاد أن يتلف.

[ (3) ]نقله ابن كثير 6/242 عن البيهقي، و هو في دلائل النبوة للبيهقي 6/507-508 عن أبي هريرة و مسند أحمد 3/80 و فيه: بنو أبي فلان.

375

أبي العاص، قال: فأعاد الحديث أبو ذر، فقال عثمان: يا أبا الحسن!هل سمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فقال علي رضي اللّه عنه: لم أسمع هذا و لكن قد صدق أبو ذر، فقال عثمان: و بما ذا صدقته؟فقال علي: بحديث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال: «ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أحدا أصدق لهجة من أبي ذر» [ (1) ]، فقال جميع من حضر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: صدق علي رضي اللّه عنه، و قال أبو ذر:

أحدثكم أني سمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تتهموني، ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا منكم. فقال عثمان: كذبت، أنت رجل محب للفتنة، فقال أبو ذر:

اتبع سنة صاحبيك أبي بكر و عمر حتى لا يكون لأحد عليك كلام، فقال عثمان: ما أنت و ذاك لا أم لك؟فقال أبو ذر: و اللّه ما أعرف لي إليك ذنبا إلا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. قال: فاشتد غضب عثمان ثم قال: أشيروا عليّ في أمر هذا الشيخ الكذاب فقد فرق جماعة المسلمين!فقال علي رضي اللّه عنه: أما أنا فأشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: وَ إِنْ يَكُ كََاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صََادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذََّابٌ [ (2) ]، فقال عثمان: التراب بفيك يا علي!فقال علي: بل بفيك يا عثمان!أتصنع هذا بأبي ذر و هو حبيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كتاب كتبه إليك معاوية من قد عرفت رفقه و ظلمه؟

قال: فأمسك عثمان عن علي، ثم أقبل على أبي ذر فقال: اخرج عنا من بلدنا!فقال أبو ذر: ما أبغض إليّ جوارك و لكن إلى أين أخرج؟فقال عثمان: إلى حيث شئت، فقال:

أرجع إلى الشام فإنها أرض الجهاد، فقال عثمان: إني إنما جئت بك من الشام لما تفسد بها عليّ و لا أحب أن أردك إليها، قال أبو ذر: فأخرج إلى العراق، قال عثمان: لا، لأنهم قوم أهل شبهة و طعن على الأئمة، فقال أبو ذر: فإني حيث كنت فلا بد لي من قول الحق، فإلى أين تحب أن أخرج؟فقال عثمان: إلى بلد هو أبغض إليك، قال: الربذة[ (3) ]، قال: فاخرج إليها و لا تعدها.

[ (1) ]مسند أحمد بن حنبل 2/163، 175، 223 و سنن ابن ماجة: المقدمة (11) و تاريخ اليعقوبي 2/172 البداية و النهاية 7/185.

[ (2) ]سورة غافر: 28.

[ (3) ]الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة.

و في رواية الطبري 5/66 و ابن الأثير 2/251 أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة فأذن له، فنزل الربذة.

376

قال: ثم أمر مروان بن الحكم أن يخرج أبا ذر من المدينة على بعير بغير وطاء، و تبعه جماعة من الناس يشيعونه و يحزنون لحزنه، منهم علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين رضي اللّه عنهم و عمار بن ياسر و المقداد بن الأسود و عيينة بن عباس‏[ (1) ]. قال: و تقدم علي رضي اللّه عنه إلى أبي ذر فجعل يعزيه فيما قد نزل به و يأمره بالصبر و الاحتساب إلى وقت الفرج. قال: و تقدم مروان بن الحكم إلى علي رضي اللّه عنه فقال: أليس قد أمر أمير المؤمنين أن لا يخرج أحد مع هذا الشيخ و لا يشيعه أحد من الصحابة؟

قال: فرفع علي رضي اللّه عنه قضيبا[ (2) ]كان في يده فضرب به بين أذني بعير مروان، ثم قال: إليك عنا يا ابن الزرقاء!أمثلك يعترض علينا في الذي نصنع.

قال: فرجع مروان إلى عثمان فأخبره بذلك، و مضى أبو ذر حتى صار إلى الربذة، و رجع علي رضي اللّه عنه و من معه إلى المدينة، فأرسل إليه عثمان فدعاه، فقال: ألم آمر أن لا تشيع أبا ذر؟فلم شيعته أنت و غيرك؟فقال علي رضي اللّه عنه: ليس كل ما تأمر به أنت يجب أن نقبل و إن كان غير صواب!فقال عثمان: هذا مروان يذكر أنك ضربت بين أذني بعيره و شتمته، فأرضه من حقه!فقال علي رضي اللّه عنه: هذا بعيري فليضرب بين أذنيه كما ضربت بين أذني بعيره، و أما الشتيمة فواللّه لئن شتمني مروان لا شتمته، لأن مروان ليس لي بكفوء فأشاتمه.

ثم وثب علي رضي اللّه عنه من عند عثمان مغضبا حتى صار إلى منزله‏[ (3) ].

قال: و لم يزل أبو ذر مقيما بالربذة يغشاه الصادر و الوارد من الحاج و غيرهم فيعرضون عليه الحوائج فلا يقبل من أحد شيئا إلى أن حضرته الوفاة.

ذكر وفاة أبي ذر بالربذة رضي اللّه عنه‏

قال: فلما حضرت أبا ذر الوفاة جعلت امرأته‏[ (4) ]أم ذر تبكي تحت رأسه فقال [ () ] و في مروج الذهب 2/376 و اليعقوبي 2/172 أن عثمان فرض عليه مغادرة المدينة إلى الربذة.

[ (1) ]في مروج الذهب و اليعقوبي: عبد اللّه بن جعفر، و في مروج الذهب: عقيل أخو علي بن أبي طالب. و لم يرد ذكر المقداد فيهما.

[ (2) ]عند المسعودي و اليعقوبي: السوط.

[ (3) ]انظر مقالة علي بن أبي طالب و عثمان بن عفان رضي اللّه عنهما في مروج الذهب 2/377-378.

[ (4) ]في تاريخ اليعقوبي 3/173 ابنته. (الطبري 5/80) .

377

لها أبو ذر: ما يبكيك يا أم ذر؟قالت‏[ (1) ]: أبكي لضيعتك ههنا في أرض غربةو أنا امرأة ضعيفة غريبة و أخاف أن أعجز عن أمرك، قال: لا تبكي يا أم ذر!

فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خبرني أني أموت في أرض غربة ويلي أمري و دفني قوم صالحون،

و لكن انظري يا أم ذر إذا أنا مت فاستعيني بمن يذبح لك شاة من غنمي فاطبخيها و الزمي قارعة الطريق، فإذا مر بك نفر من أهل الإسلام فقولي لهم: هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد قضى نحبه و لحق بربه فواروه رحمكم اللّه!فإنهم سيلون أمري، فإذا فرغوا من أمري فأطعميهم الشاة ثم انصرفي إلى المدينة فكوني بها إلى أن يأتيك الموت كما أتاني.

قال: ثم توفي أبو ذرّ رحمه اللّه‏[ (2) ]، فجلست امرأته عند رأسه مغمومة بأمره و قد اصطنعت الشاة كما أمرها أبو ذر، فإذا هي برهط قد أقبلوا من بيت اللّه الحرام‏[ (3) ]، منهم الأحنف بن قيس التميمي و صعصعة بن صوحان العبدي و خارجة بن الصلت التميمي و عبد اللّه بن مسلمة التميمي و بلال بن مالك المزني، و جرير بن عبد اللّه البجلي، و الأسود بن يزيد بن قيس النخعي و علقمة بن قيس بن يزيد النخعي، و تاسع القوم الأشتر و اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي. قال فنظروا إلى امرأة قاعدة على قارعة الطريق فظنوا أنها متعرضة لمعروفهم، فلما دنوا منها و ثبت قائمة و قالت: يا هؤلاء!هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد قضى نحبه‏[ (4) ]و لحق بربه و قد عجزت عن أمره و ما أدري ما أصنع.

قال: فضجّ القوم بالبكاء و النحيب ثم قالوا: رحم اللّه أبا ذرّ و صلى على روحه!ثم نزلوا عن رواحلهم و أخذوا في غسله ثم تنافسوا في كفنه‏حتى جعلوه من جماعتهم، و أخرج بعضهم حنوطا فحنطه ثم كفن، و حفرت له حفيرة و صلوا عليه و ألحدوه في حفرته.

فلما سوّوا عليه التراب قام الأشتر على قبره فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر نبيه [ (1) ]عند اليعقوبي: إني وحدي في هذا الموضع، و أخاف أن تغلبني عليك السباع.

[ (2) ]و ذلك في سنة 32 هـ. في ذي الحجة (البداية و النهاية) .

[ (3) ]في البداية و النهاية 7/185 إذ قدم عبد اللّه بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه. (الطبري 5/80-81 و فيه: ابن مسعود و كانوا 14 راكبا. و عند اليعقوبي: كانوا سبعة نفر فيهم حذيفة بن اليمان و الأشتر و انظر الكامل لابن الأثير 2/265) .

[ (4) ]في رواية أنهم حضروا موته (البداية و النهاية) .

378

محمدا صلوات اللّه عليه، ثم قال: اللهم!هذا أبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري صاحب رسولك محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، اتبع ما أنزلت من آياتك، و جاهد في سبيلك، و لم يغير و لم يبدل، و لكن رأى منكرا فأنكره بلسانه و قلبه، فحقر و حرّم حتى افتقر و ضيّع حتى مات غريبا في أرض غربة، اللهم!فأعطه من الجنة حتى يرضى، و اقصم من طرّده و حرّمه و نهّاه من مهاجرة حرم رسولك محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال: ثم أقاموا يومهم ذلك عند قبره، فلما كان بالعشي عرضت عليهم أم ذر الطعام فأكلوا، فلما كان من غد سلّموا عليها و انصرفوا إلى بلدهم‏[ (1) ].

قال: و بلغ ذلك عثمان فقال: رحم اللّه أبا ذر!فقال عمار بن ياسر: فرحم اللّه أبا ذر من كل قلوبنا[ (2) ]!قال: فغضب عثمان ثم قال: يا كذا و كذا أ تظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة؟قال عمار: لا و اللّه ما أرى ذلك!قال عثمان: ادفعوا في قفاه، و أنت فالحق بالمكان الذي كان فيه أبو ذر و لا تبرحه أبدا ما بقيت و أنا حي، فقال عمار: و اللّه إن جوار السباع لأحب إلي من جوارك، ثم قام عمار فخرج من عنده.

قال: و عزم عثمان على نفي عمار، و أقبلت بنو مخزوم‏[ (3) ]إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقالوا: إنه يا أبا الحسن قد علمت بأنا أخوال أبيك أبي طالب، و هذا عثمان بن عفان قد أمر بتسيير عمار بن ياسر، و قد أحببنا أن نلقاه فنكلمه في ذلك و نسأله أن يكف عنه و لا يؤذينا فيه، فقد وثب عليه مرة ففعل به ما فعل و هذه ثانية، و نخاف أن يخرج معه إلى أمر يندم و نندم نحن عليه، فقال: أفعل ذلك فلا تعجلوا، فواللّه!لو لم تأتوني في هذا لكان ذلك من الحق الذي لا يسعني تركه و لا عذر لي فيه.

[ (1) ]في الطبري 5/80 و ابن الأثير 2/265 أنهم حملوا أهله معهم حتى أقدموهم مكة.

[ (2) ]عند اليعقوبي: أنفسنا.

[ (3) ]قال في الاستيعاب: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين العنسي ثم المذحجي. قال الواقدي و غيره أن ياسرا والد عمار عرني قحطاني مذحجي إلا أن عمار مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسر تزوج أمة لبني مخزوم اسمها سمية بنت خياط (و هي أمة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم) . فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فمن هنا هو عمار مولى بني مخزوم.

و لهذا الحلف و الولاء تدخل بنو مخزوم لمصلحة عمار في المرة الأولى التي تعرض فيها عمار للضرب من قبل عثمان و غلمانه، و في هذا الموقف له من أبي ذر.

379

قال: ثم أقبل علي رضي اللّه عنه حتى دخل على عثمان فسلم و جلس فقال:

اتق اللّه أيها الرجل و كف عن عمار و غير عمار من الصحابة[ (1) ]، فإنك قد سيرت رجلا من صلحاء المسلمين و خيار المهاجرين الأولين حتى هلك في تسييرك إياه غريبا، ثم إنك الآن تريد أن تنفي نظيره من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!فقال عثمان: لأنت أحق بالمسير منه، فواللّه ما أفسد عليّ عمارا و غيره سواك!

فقال علي رضي اللّه عنه: و اللّه يا عثمان!ما أنت بقادر على ذلك و لا إليه بواصل فروّم ذلك إن شئت، و أما قولك:

إني أفسدهم عليك، فواللّه ما يفسدهم عليك إلا نفسك، لأنهم يرون ما ينكرون فلا يسعهم إلا تغيير ما يرون.

قال: ثم وثب علي رضي اللّه عنه فخرج و استقبله الناس فقالوا له: ما صنعت يا أبا الحسن؟فقال: صنعت إنه قال لي كذا و كذا و قلت له كذا، فقالوا له:

أحسنت و اللّه و أصبت يا أبا الحسن!فواللّه لئن كان هذا شأن عثمان و رأيه فينا كلما غضب على رجل منا نفاه إلى بلد غير بلده فلا يموت أحد منا إلا غريبا في غير أهل و لا عشيرة، و إلى من يوصي الرجل عند موته و بمن يستعين فيما ينويه، و اللّه!لئن نموت في رحالنا خير لنا من حياة الأبد بالمكان الذي مات فيه أبو ذر رحمه اللّه تعالى.

قال: ثم أقبل علي رضي اللّه عنه على عمار بن ياسر فقال له: اجلس في بيتك و لا تبرح منه، فإن اللّه تبارك و تعالى مانعك من عثمان و غير عثمان، و هؤلاء المسلمون معك،

فقالت بنو مخزوم: و اللّه يا أبا الحسن!لئن نصرتناو كنت معنا لا وصل إلينا عثمان بشي‏ء نكرهه أبدا. و بلغ ذلك عثمان فكف عن عمار و ندم على ما كان منه‏[ (2) ].

قال: و جعل لا يدخل عليه أحد من وجوه المسلمين إلا شكا إليه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقال له زيد بن ثابت: يا أمير المؤمنين!أ فلا أمشي إليه فأخبره [ (1) ]و كان عبد الرحمن بن عوف قد غاضب عثمان رضي اللّه عنه في أمور (مرت الإشارة إليها) و حلف ألا يكلمه أبدا. و غاضب عبد اللّه بن مسعود (فغضب له بنو هذيل و بنو زهرة) ، و حنق على أبي ذر (و قد مر ذلك) و سير عبد الرحمن بن حنبل صاحب رسول اللّه (ص) إلى القموس من خيبر، و كان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوئ ابنه و خاله و أنه هجاه (اليعقوبي 2/173) .

[ (2) ]تاريخ اليعقوبي 2/173.

380

بموجدتك عليه؟فقال عثمان: بلى، إن شئت ذلك.

قال: فأقبل زيد بن ثابت و معه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي‏[ (1) ]حتى دخلوا على عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فسلموا و جلسوا، و بدأ زيد بن ثابت بالكلام فقال: أما بعد يا أبا الحسن!فإن لك سلفا صالحا في الإسلام و أنت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالمكان الذي لا يعدله أحد، فأنت للخير كله أهل و معدن، و أمير المؤمنين أصلحه اللّه عثمان بن عفان ابن عمك و ولي أمر هذه الأمة، و له عليك حقان: حق القرابة و حق الولاية، و قد شكاك إلينا و ذكر أنك تعترض عليه في أمره، و قد مشينا إليك نصحا لك و كراهة أن يقع بينك و بين ابن عمك أمر نكرهه و تكرهه لكم صلحاء المسلمين،

فقال علي رضي اللّه عنه: و اللّه ما أريد الاعتراض عليه في أمر من الأمور إلا أن يأتي منكرا فلا يسعنا أن نقول فيه إلا بالحق، و لكن و اللّه لأكفن عنه ما وسعني الكف. قال: فتكلم المغيرة بن الأخنس فقال: و اللّه!لتكفن عنه شئت أو أبيت، و هو و اللّه أقدر عليك منك عليه، و إنما بعثنا إليك لنكون له شهودا عليك و ليعذر فيما بينك و بينه فيكون له عليك الحجة بعد هذا اليوم. قال: فغضب علي رضي اللّه عنه من كلام المغيرة ثم قال: يا ابن المغيرة الأبتر و الشجرة التي لا أصل لها و لا فرع، يا ابن العبد الآبق‏[ (2) ]!أنت تكفني عنه فواللّه ما أعزّ اللّه من أنت ناصره!اخرج أبعد اللّه نواءك و أجهد بلاءك، ثم أجهد بعدها جهدك فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت.

قال: فسكت المغيرة لا يقول شيئا، و تكلم زيد بن ثابت فقال: لا و اللّه يا أبا الحسن!ما جئناك لنكون عليك شهودا، و لكننا مشينا إليك التماسا للأجر في أن يصلح اللّه تبارك و تعالى بينك و بين ابن عمك و أن يجمع كلمتكم على أحسن الأحوال، قال: فدعا له علي رضي اللّه عنه و لقومه بخير.

ثم قام زيد بن ثابت و المغيرة بن الأخنس إلى عثمان فأخبراه بما كان من الكلام.

[ (1) ]هو المغيرة بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى... بن ثقيف الثقفي حليف بني زهرة. ذكره أبو عمر في الصحابة. و أبوه الأخنس (اسمه أبي) سمي بالأخنس لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير فقيل خنس الأخنس ببني زهرة. أسلم و هو من المؤلفة قلوبهم، ثم هرب، و قيل عن ابن عطية لم يثبت قط أنه أسلم (الإصابة) .

[ (2) ]انظر الحاشية السابقة. ـ

381

خبر الوليد[ (1) ]بن عقبة مع أهل الكوفة

قال: و إذا بنفر من أهل الكوفة قد قدموا على عثمان فسلموا عليه، فرد عليهم السلام ثم قال: تكلموا لحاجتكم، فقالوا[ (2) ]: إننا أتيناك في أمر الوليد بن عقبة، قال عثمان: و ما شأن الوليد؟فقالوا: إنك وليته علينا فأساء السيرة، ثم إننا دخلنا عليه في منزله و هو يشرب الخمر، فإن رأيت أن تعزله عنا!فقال عثمان: سبحان اللّه ما أظن هذا كما تقولون‏[ (3) ]، فقالوا: بلى، قد كان ذلك، و لا نشهد عليه إلا بما رأينا، قال: فتقدم رجل من أهل الكوفة يكنى أبا زينب فقال: بلى يا أمير المؤمنين! أنا دخلت عليه و معي قوم يشهدون بذلك ثم إنهم وجدوه يقي‏ء الخمر و ليس يعقل شيئا [ (1) ]الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان لأمه أروى بنت كريز، ولاه عثمان الكوفة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقاص سنة 25 (انظر في سبب ذلك الكامل لابن الأثير 2/231) .

بهامش الأصل: «من مروج الذهب: الوليد هذا أخو عثمان بن عفان لأمه و من جملة ما نقموه على عثمان ما فعله الوليد في مسجد الكوفة، و ذلك أنه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة مما يلي جهة بابل يقال له زرارة أنه يعمل أنواعا من السحر و الخيالات و أنواع الشعوذية (المطبوع: الشعبذة) يعرف بنظروي (المطبوع: بمطروي) ، فأراه في المسجد ضربا من التخاييل و هو أن أظهر له في الليل فيلا عظيما على فرس يركض في صحن المسجد، ثم صار اليهودي ناقة يمشي على جبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه و خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل و فرق بين جسمه و رأسه، ثم أمرّ بالسيف عليه فقام الرجل، و كان جماعة من أهل الكوفة حضورا منهم جندب بن كعب الأزدي فجعل يستعيذ باللّه من فعل الشيطان و من عمل يبعد من الرحمن و علم أن ذلك هو ضرب من السحر و التخييل فاخترط بسيفه و ضرب به اليهودي طار رأسه ناحية و جثته ناحية، و قال: جََاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبََاطِلُ، إِنَّ اَلْبََاطِلَ كََانَ زَهُوقاً . و قيل: إن ذلك كان نهارا أو أن جندبا خرج إلى السوق و دنا من بعض الصياقلة و أخذ سيفا و دخل فضرب عنق اليهودي و قال: إن كنت صادقا في نفسك [فأحي نفسك‏]، فأنكر ذلك الوليد عليه و أراد أن يقتله به‏[فمنعه الأزد]فحبسه، و أراد قتله غيلة فنظر السجان إلى قيامه ليله إلى الصبح، فقال له: انج بنفسك، فقال جندب: تقتل بي؟فقال: ليس ذلك بكبير أمر من مرضاة اللّه و الدفع عن ولي من أوليائه، فلما أصبح الوليد دعا به و استعدّ لقتله فلم يجده فسأل السجان عنه فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان و صلبه بين الكناس» . راجع مروج الذهب 1/437-438.

[ (2) ]و كان وفد من أهل الكوفة عليهم أبي زينب بن عوف الأزدي و جندب بن زهير الأزدي (مروج الذهب 2/370) و مورع بن أبي مورع الأسدي (ابن الأثير 2/245) قدموا المدينة يشكون الوليد.

[ (3) ]في رواية ابن الأثير 2/246 أن هؤلاء الرهط قدموا المرة الأولى على عثمان فردهم خائبين، فلما رجعوا أتاهم كل موتور فاجتمعوا معهم على رأيهم... (ثم قدموا على عثمان) . قال في مروج الذهب 2/371 أن عثمان زجرهما و دفع في صدورهما و قال: تنحيا، فخرجا من عنده و أتيا علي بن أبي طالب (رض) و أخبراه القصة، فأتى عثمان و هو يقول: دفعت الشهود و أبطلت الحدود.

382

من أمره فأخذت خاتمه من إصبعه‏[ (1) ]و ها هو في يدي.

فأرسل عثمان إلى علي رضي اللّه عنه فدعاه و أخبره بذلك فقال: ما الرأي عندك في هذا يا أبا الحسن؟فقال علي رضي اللّه عنه: الرأي عندي أن تبعث إلى صاحبك فتخبره و تدعو بالشهود، فإذا شهدوا عليه في وجهه أقمت عليه الحد.

قال: فأرسل عثمان إلى الكوفة فجي‏ء بالوليد بن عقبة، و اجتمع الناس و تقدم أبو زينب و من معه من أهل الكوفة فشهدوا عليه في وجهه بشرب الخمر، قال: فأمر به عثمان، فجرد عن ثيابه ثم جلد الحد[ (2) ]، و عزله عن الكوفة و ولي مكانه سعيد بن العاص، ثم كتب عثمان إلى أهل الكوفة[ (3) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من أهل الكوفة، سلام عليكم! إني أحمد اللّه الذي لا إله إلا هو إليكم، أما بعد!فإن رجالا فيكم قد قدموا إليّ من قبل فشكوا الوليد بن عقبة و شهدوا عليه بما شهدوا، فإن يكونوا صدقوا فقد قضينا ما كان علينا، و إن يكونوا كذبوا فاللّه حسيبهم، فاتقوا اللّه عباد اللّه!و وازروا أمراءكم و ناصحوهم و لا تبغوا عليهم، و إياكم و القذف و البهت و إن تحقق الأمر السي‏ء، و قد وليت عليكم أشرف ما علمت فأحسنوا إليه فإني قد أمرته بالإحسان إليكم-و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته-.

قال: فأقبل سعيد بن العاص‏[ (4) ]حتى دخل الكوفة، ثم أقبل إلى المسجد الأعظم فدخله فصلّى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر و قد نودي له في الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: يا أهل الكوفة!إن أحبكم إليّ أقرأكم لكتاب اللّه، أفقهكم في دين اللّه، فليكن أولئك من ألاّفي و أخداني، و إن أبغضكم إليّ المسرف على [ (1) ]قارن مع رواية الطبري 5/61 و ابن الأثير 2/246 في شأن انتزاع خاتمه. أما رواية المسعودي فهي كالأصل.

[ (2) ]جلده سعيد بن العاص (ابن الأثير) و قيل جلده علي بن أبي طالب و قيل بل جلده عبد اللّه بن جعفر (مروج الذهب-ابن الأثير-اليعقوبي) .

[ (3) ]نسخة الكتاب في العقد الفريد 4/307 مختصرا.

[ (4) ]هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي أبو عثمان كان له يوم مات النبي (ص) تسع سنوات، و قتل أبوه يوم بدر كافرا، ربي في حجر عمر (و قيل عثمان) و لما فتح الشام قدمه، فأقام مع معاوية. كان فيمن انتدبه عثمان لكتابة القرآن. ثم استعمله على الكوفة بعد عزل الوليد. (انظر ابن سعد 5/30) .

383

نفسه، المصرّ على ذنبه الذي لا همّ له إلا المضاحيك و الأباطيل، فلا يقربني أولئك. [ (1) ] قال: ثم نزل عن المنبر و دعا بعبد الرحمن بن خنيس الأسدي فولاّه الشرطة و انصرف إلى دار العمارة. فكان أشراف أهل الكوفة و قراؤهم يأتونه و يحدثونه و ينصرفون عنه، و هم مع ذلك لا يرون منه إلاّ ما يحبّون من حسن السيرة و بسط العدل و لين الجانب.

قال: فبينا هو عشية في مسجد الكوفة و ذلك في آخر يوم من شهر رمضان و الناس يقول بعضهم لبعض: غدا الفطر، إذ سمع سعيد بن العاص ذلك فقال لمن حوله من الناس: من منكم رأى الهلال؟فقال قوم: ما رأيناه بعد، فقام هشام‏[ (2) ]بن عتبة بن أبي وقاص و قال: بلى!قد رأيته و الحمد للّه، فقال سعيد بن العاص: كيف رأيته بعينك هذه العوراء من بين الناس؟فقال له هشام‏[ (2) ]: أ تعيرني بعيني العوراء و قد فقئت في سبيل اللّه يوم اليرموك في جيش المسلمين، و أنت مع أمك بتهامة في رعي البهم. قال: ثم وثب هشام‏[ (3) ]من المجلس فصار إلى منزله، فلما كان من الغد لم يأمر سعيد الناس بالإفطار، و أصبح هشام‏[ (3) ]في داره مفطرا، فتغدى عنده خلق كثير من الناس، و بلغ ذلك سعيد بن العاص فأرسل إليه و أحضره، ثم أمر به فضرب، و أمر بداره فأحرقت.

قال: و بلغ ذلك سعد بن أبي وقاص و هو بالمدينة[ (4) ]فغضب و أقبل إلى عثمان بن عفان و معه وجوه المهاجرين فقال: يا أمير المؤمنين!لما ذا وثب عاملك سعيد بن العاص على ابن أخي هاشم فضربه و أحرق داره بالكوفة؟و اللّه!لا برحت أو انتصفت منه أو لتكونن ههنا أشياء، فقال عثمان‏[ (5) ]: اصنع ما بدا لك يا سعد!فواللّه [ (1) ]ذكر الطبري 5/63 خطبة أخرى قال فيها: و اللّه لقد بعثت إليكم و إني لكاره و لكني لم أجد بدا إذ أمرت أن أأتمر ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها و عينيها، و و اللّه لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تحييني و إني لرائد نفسي اليوم (انظر ابن الأثير 2/247) .

[ (2) ]في طبقات ابن سعد: «هاشم» و خبره مع سعيد في الطبقات 5/32.

[ (3) ]ابن سعد: هاشم.

[ (4) ]و كان نافع بن أبي وقاص و أم الحكم بنت عتبة بن أبي وقاص قد غادرا الكوفة و قدما المدينة و أبلغا سعدا بذلك (طبقات ابن سعد 5/32) .

[ (5) ]سعيد لكم بهاشم اضربوه بضربه، و دار سعيد لكم بدار هاشم فأحرقوها كما حرق داره.

384

إنك لتعلم أنه ما لي في ذلك من ذنب. قال: فوثب عمر بن سعد بن أبي وقاص، و هو يومئذ غلام حدث، حتى أتى إلى دار سعيد بن العاص بالمدينة فأشعل فيها النار، و أرسلت عائشة إلى عمر[ (1) ]بن سعد بن أبي وقاص فطلبته إليها و سألته أن يصفح عن ذلك، ففعل.

قال: ثم كتب عثمان إلى سعيد بن العاص يعذله على فعله بهشام‏[ (2) ]بن عتبة و يقبح عليه رأيه، فسكت سعيد بن العاص و لم يرتفع بما فعل.

قال: فبينا سعيد بن العاص ذات يوم في مسجد الكوفة وقت صلاة العصر و عنده وجوه أهل الكوفة إذ تكلم حسان بن محدوج‏[ (3) ]الذهلي فقال: و اللّه إن سهلنا لخير من جبلنا، فقال عدي بن حاتم: أجل، السهل أكثر برا و خصبا و خيرا، فقال الأشتر: و غير هذا أيضا، السهل أنهاره مطردة و نخله باسقات، و ما من فاكهة ينبتها الجبل إلا و السهل ينبتها، و الجبل خور وعر يحفي الحافر، و صخره يعمي البصر و يحبس عن السفر، و بلدتنا هذه لا ترى فيها ثلجا و لا قرا شديدا.

قال: فقال عبد الرحمن بن خنيس الأسدي‏[ (4) ]صاحب شرطة سعيد بن العاص: هو لعمري كما تذكرون، و لوددت أنه كله للأمير و لكم أفضل منه، فقال له الأشتر: يا هذا!يجب عليك أن تتمنى للأمير أفضل منه و لا تتمنى له أموالنا، فما أقدرك أن تتقرب إليه بغير هذا، فقال عبد الرحمن بن خنيس: و ما يضرك من ذلك يا أشتر؟فواللّه!إن شاء الأمير لكان هذا كله له، فقال له الأشتر: كذبت و اللّه يا ابن خنيس!و اللّه!إن لو رام ذلك لما قدر عليه، و لو رمته أنت لفزعت دونه فزعا يذل و يخشع.

قال: فغضب سعيد بن العاص من ذلك، ثم قال: لا تغضب يا أشتر!فإنما السواد[ (5) ]كله لقريش فما نشاء منه أخذنا و ما نشاء تركنا، و لو أن رجلا قدم فيه رجلا [ (1) ]عند ابن سعد: إلى سعد بن أبي وقاص.

[ (2) ]مرت الإشارة إليه.

[ (3) ]بالأصل «مجروح» و ما أثبتناه عن جمهرة النسب لابن الكلبي، و هو حسان بن محدوج بن بشر بن حوط بن سعنة بن ربيعة بن عبودة بن مالك بن الأعور كان معه لواء بكر بن وائل يوم الجمل، فقتل.

[ (4) ]في الطبري 5/88 و ابن الأثير 2/263 عبد الرحمن الأسدي.

[ (5) ]عند ابن سعد: هذا السواد بستان لأغيلمة من قريش. و في مروج الذهب 2/372 هذا السواد قطين لقريش.

385

لم يرجع إليه، أو قدم فيه يدا لقطعتها، فقال له الأشتر: أنت تقول هذا أم غيرك؟ فقال سعيد بن العاص: لا بل أنا أقوله، فقال الأشتر: أ تريد أن تجعل مراكز رماحنا و ما أفاء اللّه علينا بأسيافنا[ (1) ]بستانا لك و لقومك، و اللّه!ما يصيبك من العراق إلا كل ما يصيب رجلا من المسلمين.

قال: ثم التفت الأشتر إلى عبد الرحمن بن خنيس فقال: و أنت يا عدو اللّه ممن يزين له رأيه في ظلمنا و التعدي علينا لكون ولائك الشرطة، قال: ثم مد الأشتر يده فأخذ حمائل سيف ابن خنيس فجذبه إليه و قال: دونكم يا أهل الكوفة!هذا الفاسق فاقتلوه حتى لا يكون للمجرمين ظهير. قال: فأخذته الأيدي حتى وقع لجنبه ثم جروا برجله، فوثب سعيد بن العاص مسرعا حتى دخل إلى منزله، و قام الأشتر فخرج من المسجد و خرجوا معه أصحابه و هم يقولون: وفقك اللّه فيما صنعت و قلت!فواللّه لئن رخصنا لهؤلاء قليلا لزعموا أن دورنا و موارثنا التي ورثناها عن آبائنا في بلادنا لهم من دوننا.

قال: فكتب سعيد بن العاص من ساعته بذلك إلى عثمان كتابا[ (2) ]في أوله:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عثمان أمير المؤمنين من سعيد بن العاص، أما بعد!فإني أخبر أمير المؤمنين أني ما أملك من الكوفة شيئا مع الأشتر النخعي، و معه قوم يزعمون أنهم القراء و هم السفهاء، فهم يردون عليّ أمري و يعيبون عليّ صالح أعمالي، و أن الأشتر كان بينه و بين صاحب شرطي كلام و مراجعة في شي‏ء لا أصل له، فأغرى به الأشتر سفهاء أصحابه و أشرار أهل المصر حتى وثبوا عليه و أنا جالس، فضربوه حتى وقع لجنبه و هو لما به، فليكتب إليّ أمير المؤمنين برأيه أعمل به إن شاء اللّه.

فكتب إليه عثمان كتابا في أوله: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أما بعد!فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنك لا تملك من الكوفة شيئا مع الأشتر، و لعمري إنك تملك منها العريض الطويل، و قد كتبت إلى الأشتر كتابا و ضمنته كتابك فادفعه إليه و انظر أصحابه هؤلاء الذين ذكرتهم فالحقهم به-و السلام-.

[ (1) ]في مروج الذهب: بظلال سيوفنا.

[ (2) ]انظر الطبري 5/88 و ابن الأثير 2/268. و في مروج الذهب 2/372 أن الأشتر خرج في سبعين رجلا من أهل الكوفة إلى عثمان و ذكروا له سوء سيرة سعيد بن العاص و سألوه عزله عنهم.

386

قال: ثم كتب عثمان إلى الأشتر: أما بعد!فقد بلغني يا أشتر أنك تلقح و تريد أن تنبح، و أيم اللّه إني لا أظن أنك تستر أمرالو أنك أظهرته لحل به دمك، و ما أراك منتهيا عن الفتنة أو يصيبك اللّه بقارعة ليس معها بقيا، فانظر إذا أتاك كتابي هذا فقرأته و رأيت أن لي عليك طاعة فسر إلى الشام فتكون بها مقيما حتى يأتيك أمري، و اعلم أني إنما أسيرك إليها لا لشي‏ء إلا لإفسادك على الناس و ذلك بأنك لا تألوهم خبالا و ضلالا.

قال: فلما ورد كتاب عثمان على الأشتر و قرأه عزم على الخروج عن الكوفة، و أرسل إليه سعيد بن العاص أن اخرج و أخرج من كان معك على رأيك، فأرسل إليه الأشتر أنه ليس بالكوفة أحد إلا و هو يرى رأيي فيما أظن، لأنهم لا يحبون أن تجعل بلادهم بستانا لك و لقومك، و أنا خارج فيمن اتبعني فانظر فيما يكون من بعد هذا.

قال: ثم خرج الأشتر من الكوفة و معه أصحابه و هم صعصعة بن صوحان العبدي و أخوه‏[ (1) ]و عائذ بن حملة الظهري، و جندب بن زهير الأزدي‏[ (2) ]و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني، و أصفر بن قيس الحارثي و يزيد بن المكفف، و ثابت بن قيس بن منقع‏[ (3) ]و كميل بن زياد و من أشبههم من إخوانهم‏[ (4) ]، حتى صاروا إلى كنيسة يقال لها كنيسة مريم، فأرسل إليهم معاوية فدعاهم، فجاؤوا حتى دخلوا ثم سلموا و جلسوا، فقال لهم معاوية: يا هؤلاء!اتقوا اللّه‏ وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ [ (5) ]، قال: ثم سكت معاوية، قال له كميل بن زياد: يا معاوية! فَهَدَى اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ [ (6) ]فنحن أولئك الذين هداهم اللّه، فقال له معاوية: كلا يا كميل!إنما أولئك الذين أطاعوا اللّه و رسوله و ولاة الأمر فلم يدفنوا محاسنهم و لا أشاعوا مساوئهم، فقال كميل: يا معاوية!لولا أن عثمان بن عفان وفق منك بمثل هذا الكلام و هذه الخديعة لما اتخذك [ (1) ]هو زيد بن صوحان العبدي (الطبري 5/90) .

[ (2) ]الطبري: الغامدي. و في البداية و النهاية 7/186: العامري.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل: مقعقع.

[ (4) ]قارن الأسماء في رواية الطبري 5/88 و 5/90 و البداية و النهاية 7/186 و فيه: «و كانوا عشرة، و قيل تسعة و هو الأشبه» و لم يذكر سوى ثمانية.

[ (5) ]سورة آل عمران: 105.

[ (6) ]سورة البقرة: 213.

387

لنا سجنا. فقال له الأشتر: يا كميل!ابتدأنا بالمنطق و أنت أحدثنا سنا، قال:

فسكت كميل و تكلم الأشتر فقال: أما بعد!فإن اللّه تبارك و تعالى أكرم هذه الأمة برسوله محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فجمع به كلمتها و أظهرها على الناس، فلبث بذلك ما شاء اللّه أن يلبث، ثم قبضه اللّه عزّ و جلّ إلى رضوانه و محل جنانه-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثيرا، ثم ولى من بعده قوم صالحون عملوا بكتاب اللّه و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جزاهم بأحسن ما أسلفوا من الصالحات، ثم حدثت بعد ذلك أحداث فرأى المؤمنون من أهل طاعة اللّه أن ينكروا الظلم و أن يقولوا بالحق فإن أعاننا ولاتنا أعفاهم اللّه من هذه الأعمال التي لا يحبها أهل الطاعة، فنحن معهم و لا نخالف عليهم، و إن أبوا ذلك‏فإن اللّه تبارك و تعالى قد قال في كتابه و قوله الحق: وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنََّاسِ وَ لاََ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرََاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مََا يَشْتَرُونَ [ (1) ] فلسنا يا معاوية!بكاتمي برهان اللّه عزّ و جلّ و لا بتاركي أمر اللّه لمن جهله حتى يعلم مثل الذي علمنا، و إلا فقد غششنا أئمتنا و كنا كمن نبذ الكتاب وراء ظهره، فقال له معاوية: يا أشتر!إني أراك معلنا بخلافنا مرتضيا بالعداوة لنا، و اللّه لأشدن وثاقك و لأطيلن حبسك. فقال له عمرو بن زرارة[ (2) ]: يا معاوية!لئن حبسته لتعلمن أن له عشيرة كثيرة عددها لا يضام، شدها شديد على من خالفها و نبزها، فقال معاوية:

و أنت يا عمرو تحب أن يضرب عنقك و لا تترك حيا، اذهبوا بهم إلى السجن.

قال: فذهبوا بهم إلى السجن، فقام زيد بن المكفكف‏[ (3) ]فقال: يا معاوية! إن القوم بعثوا بنا إليك لم يكن بهم عجز في حبسنا في بلادنا لو أرادوا ذلك، فلا تؤذينا و أحسن مجاورتنا ما جاورناك، فما أقل ما نجاورك حتى نفارقك إن شاء اللّه تعالى.

قال: ثم وثب صعصعة بن صوحان فقال: يا معاوية!إن مالك بن الحارث الأشتر و عمرو بن زرارة رجلان لهما فضل في دينهم و حالة حسنة في عشيرتهم و قد حبستهم، فأمر بإخراجهم فذلك أجمل في الرأي، فقال معاوية: عليّ بهم، فأتي [ (1) ]آل عمران: 187.

[ (2) ]لم يرد ذكره فيمن أخرجوا من الكوفة، و لعله كان حاضرا لقاء معاوية معهم.

[ (3) ]كذا، و قد مرّ قريبا يزيد بن المكفف. و لم يرد اسمه فيمن ذكرهم الطبري و لا ابن الأثير و لا ابن كثير، و في طبقات ابن سعد: يزيد بن المكفف.

388

بهم من الحبس، فقال معاوية: كيف ترون عفوي عنكم يا أهل العراق بعد جهلكم و استحقاقكم الحبس؟رحم اللّه أبا سفيان لقد كان حليما[ (1) ]، و لو ولد الناس‏[ (2) ]كلهم لكانوا حلماء!فقال صعصعة بن صوحان: و اللّه يا معاوية!لقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان، فسفهاؤهم و جهالهم أكثر من حلمائهم، فقال معاوية: قاتلك اللّه يا صعصعة!قد أعطيت لسانا حديدا، اخرجوا و اتقوا اللّه و أحسنوا الثناء على أئمتكم فإنهم جنة لكم، فقال صعصعة: يا معاوية!إننا لا نرى لمخلوق طاعة في معصية الخالق، فقال معاوية: اخرج عني، أخرجك اللّه إلى النار!فلعمري أنك حدث‏[ (3) ]. فخرج القوم من عند معاوية و صاروا إلى منازلهم، فلم يزالوا مقيمين بالشام، و قد وكل بهم قوم يحفظونهم أن لا يبرحوا[ (4) ].

قال: و حج عثمان في تلك السنة، فلما قدم من حجه إلى المدينة قدم عليه قوم من الكوفة فعاتبوه على تسييره الأشتر و أصحابه إلى الشام، ثم شكوا عاملهم سعيد بن العاص، و جاء أقوام آخرون من البصرة فشكوا عاملهم عبد اللّه بن عامر بن كريز، و كثرت الشكايات إلى عثمان من عماله من جميع البلاد[ (5) ].

ذكر قدوم عمال عثمان عليه لما كثرت شكاية الناس منهم‏

قال: فأرسل عثمان إلى جميع عماله‏[ (6) ]فأشخصهم إليه من جميع البلاد، ثم [ (1) ]الطبري 5/89 كان أكرمها و ابن أكرمها إلا ما جعل اللّه لنبيه نبي الرحمة (ص) .

[ (2) ]الطبري: لم يلد إلا حازما.

[ (3) ]انظر مقابلة معاوية و صعصعة بن صوحان في الطبري 5/89 ابن الأثير 2/270.

[ (4) ]في الطبري 5/89-90 أن معاوية كتب إلى عثمان بشأنهم فرد عليه أن يسيرهم إلى الكوفة، فلما وصلوا كتب سعيد بن العاص إلى عثمان مجددا بشأنهم فبعث إليه عثمان أن سيرهم إلى حمص إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فسيرهم سعيد إلى حمص.

[ (5) ]تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان و كان جمهورهم من أهل الكوفة (و المنفيون) و ثاروا على سعيد بن العاص. (البداية و النهاية 7/186) و اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان و ما صنع فاجتمع رأيهم و بعثوا إليه رجلا يكلمه و يخبره بأحداثه، و فيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة و تولية جماعة من بني أمية من أقربائه و طلبوا منه أن يعزل عماله و يستبدل بهم غيرهم من السابقين و من الصحابة. (الطبري 5/94 و ابن الأثير 2/274 و البداية و النهاية 7/187) .

[ (6) ]معاوية بن أبي سفيان (الشام) ، عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (مصر) سعيد بن العاص (الكوفة) عمرو بن العاص (فلسطين) عبد اللّه بن عامر بن كريز (البصرة) . و كان ذلك سنة 34 هـ. ـ

389

أقبل عليهم فقال: يا هؤلاء!إنه قد كثرت شكايات الناس منكم، فأما القريب فقد بادهني و أما البعيد فما نالوا جهدا، فما ذا عندكم من الرأي؟قال: فتكلم عبد اللّه بن عامر بن كريز و قال‏[ (1) ]: يا أمير المؤمنين!إنه ليس يرضي الناس عنك إلا ما أسخطهم عليك، فإن الناس إنما نقموا عليك لأجل هذا المال، فأعطهم إياه حتى يرضوا به عنك و لا يشكوك أحد بعد ذلك. قال: ثم تكلم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح فقال: يا أمير المؤمنين!إن لك على الناس حقا في كتاب اللّه و لهم عليك مثل ذلك، فادفع إليهم حقوقهم و استوف منهم حقك، فإنه قد ولي أمر هذه الأمة من قبلك رجلين خيرين فاضلين أبا بكر و عمر فسارا بسيرة، فسر بسيرتهما و استسن بسنتهما و اعمل بعملهما، يرضى الناس عنك و لا يشكوك أحد. قال: ثم تكلم سعيد بن العاص فقال‏[ (2) ]: لا و اللّه يا أمير المؤمنين!ما دعا الناس أن نقموا عليك إلا الحمام و الفراغ من الحروب، و ذلك أن العرب اليوم جلست في المحافل و تحدثت بالأحاديث، فاشغل العرب بالغزو و قاتل بهم العدو حتى لا يرجع أحدهم، إذا رجع إلى منزله قد أهمته نفسه لا يتفرغ لعيب الأمراء. قال: ثم تكلم معاوية فقال: يا أمير المؤمنين!إنك قد جمعتنا و ذكرت أنه قد كثرت الشكايات منا و أنت قد ملكتنا رقاب الناس و جعلتنا أوتادا في الأرض، فخذ كل واحد منا بما يليه من عمله حتى نكفيك ما قبله و لا يكون ههنا شكاية أحد و لا ينقم أحد عليك‏[ (3) ]. قال: فعلم عثمان أن الرأي ما قال معاوية، فعزم على أن يرد عماله إلى بلادهم و أعمالهم، ثم أوصاهم و عهد إليهم و حذرهم الشكايات، فرجع معاوية إلى الشام، و عبد اللّه بن عامرإلى البصرة، و سعيد بن العاص إلى الكوفة[ (4) ]، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح إلى مصر، فلم يزدادوا على الناس إلا غلظة و جنفا و جورا في الأحكام و عدولا عن السنة.

[ (1) ]عبارة الطبري 5/94: أرى يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك و أن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه.

[ (2) ]عبارة الطبري: أن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا و لا يجتمع لهم أمر.

[ (3) ]زيد عند الطبري 5/94-95 و ابن الأثير 2/275 مقالة عمرو بن العاص انظرها فيهما.

[ (4) ]في الطبري: فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فتلقوه فردوه. (انظر مروج الذهب 2/372-373 ابن سعد 5/33) .

390

ذكر كتاب أهل الكوفة إلى عثمان رضي اللّه عنه و خبر كعب بن عبيدة النهدي‏

قال: فجلس نفر من أهل الكوفة منهم يزيد بن قيس الأرحبي، و مالك بن حبيب اليربوعي، و حجر بن عدي الكندي، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و زياد بن حفيظة التميمي، و عبد اللّه بن الطفيل البكائي، و زياد بن النضر الحارثي، و كرام بن الحضرمي المالكي، و معقل بن قيس الرياحي، و زيد بن حصن السنبسي، و سليمان بن صرد الخزاعي، و المسيب بن نجبة الفزاري، و رجال كبير من قرى أهل الكوفة و رؤسائهم، فكتبوا إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عثمان أمير المؤمنين من الملأ المسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك!فإنا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد!فإننا كتبنا إليك هذا الكتاب نصيحة لك و اعتذارا و شفقة على هذه الأمة من الفرقة، و قد خشينا أن تكون خلقت لها فتنة و أن لك ناصرا ظالما و ناقما عليك مظلوما، فمتى نقم عليك الناقم و نصرك الظالم اختلفت الكلمتان و تباين الفريقان، و حدثت أمور متفاقمة أنت جنيتها بأحداقك، يا عثمان!فاتق اللّه و الزم سنة الصالحين من قبلك، و انزع عن ضرب قرابتنا و نفي صلحائنا، و قسم فينا بين أشرارنا و الاستبدال عنا و اتخاذك بطانة من الطلقاء و ابن الطلقاء دوننا، فأنت أميرنا ما أطعت اللّه و اتبعت ما في كتابه و أنبت إليه و أحييت أهله و جانبت الشر و أهله و كنت للضعفاء و رددت من نفيت منا و كان القريب و البعيد عندك في الحق سواء، فقد قضينا ما علينا من النصيحة لك، و قد بقي ما عليك من الحق، فإن تبت من هذه الأفاعيل‏نكون لك على الحق أنصارا و أعوانا، و إلا فلا تلوم إلا نفسك فإننا لن نصالحك على البدعة و ترك السنة، و لن نجد عند اللّه عذرا إن تركنا أمره لطاعتك، و لن نعصي اللّه فيما يرضيك، هو أعزّ في أنفسنا و أجلّ من ذلك، نشهد اللّه على ذلك و كفى باللّه شهيدا، و نستعينه و كفى باللّه ظهيرا، راجع اللّه بك إلى طاعته، يعصمك بتقواه من معصيته-و السلام-.

قال: فلما كتبوا الكتاب و فرغوا منه قال رجل منهم: من يبلغه عنا كتابنا؟ فو اللّه إن ما نرى أحدا يجترئ على ذلك، قال: فقال رجل من عنزة آدم ممشوق فقال: و اللّه ما يبلّغ هذا الكتاب إلا رجل لا يبالي أضرب أم حبس أم قتل أم نفي أم حرم، فأيكم عزم على أن يصيبه خصلة من هذه الخصال فليأخذه، فقال القوم ما ههنا أحد يحب أن يبتلي بخصلة من هذه الخصال، فقال العنزي: هاتوا كتابكم‏

391

فواللّه إني لا عافية[لي‏]، و إن ابتليت فما أنا يائس أن يرزقني ربي صبرا و أجرا، قال: فدفعوا إليه كتابهم.

و بلغ ذلك كعب بن عبيدة النهدي و كان من المتعبدين، فقال: و اللّه لأكتبن إلى عثمان كتابا باسمي و اسم أبي‏[ (1) ]، بلغ ذلك من عنده ما بلغ!ثم كتب إليه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه عثمان أمير المؤمنين من كعب بن عبيدة، أما بعد!فإني نذير لك من الفتنة، متخوف عليك فراق هذه الأمة، و ذلك أنك قد نفيت خيارهم و وليت أشرارهم و قسمت فيأهم في عدوهم و استأثرت بفضلهم و مزقت كتابهم و حميت قطر السماء و نبت الأرض، و حملت بني أبيك على رقاب الناس حتى قد أوغرت صدورهم و اخترت عداوتهم، و لعمري لئن فعلت ذلك فإنك تعلم أنك إذا فعلت ذلك و تكرمت فإنما تفعله من فيئنا و بلادنا، و اللّه حسيبك يحكم بيننا و بينك، و إن أنت أبيت و عنيت قتلنا و أذانا و لم تفعل فإننا نستعين اللّه و نستجيره من ظلمك لنا بكرة و عشيا-و السلام-.

ثم جاء كعب بن عبيدة بكتابه هذا إلى العنزي و قد ركب يريد المدينة فقال:

أحب أن تدفع كتابي هذا إلى عثمان، فإنّ فيه نصيحة له و حثّا على الإحسان إلى الرعية و الكف عن ظلمها، فقال: أفعل ذلك، قال ثم أخذ الكتاب منه‏و مضى إلى المدينة. و رجع كعب بن عبيدة حتى دخل المسجد الأعظم فجعل يحدث أصحابه بما كتب إلى عثمان، فقالوا: و اللّه يا هذا لقد اجترأت و عرضت نفسك لسطوة هذا الرجل!فقال: لا عليكم فإني أرجو العافية و الأجر العظيم، و لكن ألا أخبركم بمن هو أجرأ مني؟قالوا: بلى و من ذلك؟فقال: الذي ذهب بالكتاب، فقالوا: بلى صدقت، إنه لكذلك و إنا لنرجو أن يكون أعظم هذا المصر أجرا عند اللّه غدا.

ذكر قدوم العنزي على عثمان و ما كان من قصته معه‏

قال: و قدم العنزي على عثمان رضي اللّه عنه بالمدينة، فدخل و سلم عليه ثم ناوله الكتاب الأول و عنده نفر من أهل المدينة، فلمّا قرأه عثمان ارتدّ لونه و تغيّر [ (1) ]لعله عبيدة بن عبد اللّه النهدي و هو الذي بعثه أبو بكر الصديق إلى بني نهد في حال ردتهم فأسلم منهم جماعة (الإصابة) .

392

وجهه، ثم قال: من كتب إليّ هذا الكتاب؟فقال العنزي: كتبه إليك ناس كثير من صلحاء أهل الكوفة و قرائها و أهل الدين و الفضل، فقال عثمان: كذبت!إنما كتبه السفهاء و أهل البغي و الحسد، فأخبرني من هم؟فقال العنزي: ما أنا بفاعل، فقال عثمان: إذا و اللّه أوجع جنبك و أطيل حبسك، فقال العنزي: و اللّه لقد جئتك و أنا أعلم أني لا أسلم منك، فقال عثمان: جردوه!فقال العنزي: و هذا كتاب آخر فاقرأه من قبل أن تجرّدني، فقال عثمان: آت به، فناوله إياه، فلما قرأه قال: من كعب بن عبيدة هذا؟قال العنزي: إيه!قد نسب لك نفسه، قال عثمان: فمن أي قبيل هو؟قال العنزي: ما أنا مخبرك عنه إلا ما أخبرك عن نفسه، قال: فالتفت عثمان إلى كثير بن شهاب الحارثي فقال: يا كثير!هل تعرف كعب بن عبيدة؟قال كثير: نعم يا أمير المؤمنين!هو رجل من بني نهد، قال: فأمر عثمان بالعنزي، فجرّدوه من ثيابه ليضرب،

فقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: لما ذا يضرب هذا الرجل؟إنما هو رسول جاء بكتاب و أبلغك رسالة حملها، فلم يجب عليه في هذا ضرب، فقال عثمان رضي اللّه عنه: أفترى أن أحبسه؟قال: لا، و لا يجب عليه الحبس.

قال: فخلى عثمان عن العنزي، و انصرف إلى الكوفة و أصحابه لا يشكون أنه قد حبس أو ضرب أو قتل، قال: فلم يشعروا به إلا و قد طلع عليهم، فما بقي في الكوفة رجل مذكور إلا أتاه ممن كان على رأيه، ثم سألوه عن حاله فأخبرهم بما قال و ما قيل له، ثم أخبرهم بصنع علي رضي اللّه عنه، فعجب أهل الكوفة من ذلك و دعوا لعلي بخير و شكروه على فعله.

قال: و كتب عثمان إلى سعيد بن العاص‏[ (1) ]أن تسرح إليّ كعب بن عبيدة مع سائق عنيف حتى يقدم عليّ به-و السلام. قال: فلمّا ورد كتاب عثمان رضي اللّه عنه على سعيد بن العاص و نظر فيه أرسل إلى كعب بن عبيدة فشده في وثاق و وجه به إلى عثمان مع رجل فظغليظ، فلما صار في بعض الطريق جعل الرجل ينظر إلى صلاة كعب بن عبيدة و تسبيحه و اجتهاده فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، بعثت مع رجل مثل هذا أهديه إلى القتل و العقوبة الشديدة أو الحبس الطويل، ثم أقبل بكعب بن عبيدة حتى أدخله على عثمان.

[ (1) ]كذا، و قد مرّ أن أهل الكوفة منعوا سعيدا من الوصول إلى الكوفة فعاد إلى المدينة من مكان يدعى الجرعة (و قيل: بواقصة) . (انظر مروج الذهب 2/373 و ابن الأثير 2/273) .

393

فلما سلم عليه جعل عثمان ينظر إليه ثم قال: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» ![ (1) ]أنت تعلمني الحق و قد قرأت القرآن و أنت في صلب أب مشرك، قال كعب: على رسلك يا ابن عفان، فإن كتاب اللّه لو كان للأول دون الآخر لم يبق للآخر شي‏ء، و لكن القرآن للأول و الآخر، فقال عثمان: و اللّه ما أراك تدري أين ربك!قال: بلى يا عثمان!هو لي و لك بالمرصاد، فقال مروان: يا أمير المؤمنين! حلمك على مثل هذا و أصحابه أطمع فيك الناس، فقال كعب: يا عثمان!إن هذا و أصحابه أغمروك و أغرونا بك، قال عثمان: جردوه، فجردوه و ضربه عشرين سوطا، ثم أمر به فرد إلى الكوفة، و كتب إلى سعيد بن العاص: أما بعد، فإذا قدم عليك كعب بن عبيدة هذا فوجّه به مع رجل فظ غليظ إلى جبال كذا، فليكن منفيا عن بلده و قراره. قال: فلما قدم كعب على سعيد بن العاص دعا به فضمه إلى رجل من أصحابه يقال له بكير بن حمران الأحمري فخرج به حتى جعله كذلك حيث أمر عثمان.

قال: و أقبل طلحة و الزبير حتى دخلا على عثمان، ثم تقدم إليه الزبير و قال:

يا عثمان!ألم يكن في وصية عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن لا تحمل آل بني معيط على رقاب الناس إن وليت هذا الأمر؟قال عثمان: بلى، قال الزبير: فلم استعملت الوليد بن عقبة على الكوفة؟قال عثمان: استعملته كما استعمل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة، فلما عصى اللّه و فعل ما فعل عزلته و استعملت غيره على عمله، قال: فلم استعملت معاوية على الشام؟فقال عثمان:

لرأي عمر بن الخطاب فيه، قال: فلم تشتم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لست بخير منهم؟قال عثمان: أما أنت فلست أشتمك، و من شتمته فما كان به عجز عن شتمي، فقال ما لك و لعبد اللّه بن مسعود هجرت قراءته و أمرت بدوس بطنه، فهو في بيته لما به و قد اقرأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال عثمان: إن الذي بلغني من ابن مسعود أكثر مما بلغت منه، و ذاك أنه قال: وددت أني و عثمان برمل عالج يحث عليّ و أحثّ عليه حتى يموت الأعجز منا، قال: فما لك و لعمار بن ياسر أمرت بدوس بطنه حتى أصابه الفتق؟فقال: لأنه أراد أن يغري الناس بقتلي، قال: فما لك و لأبي ذر حبيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، سيّرته حتى مات غريبا طريدا؟قال: لما قد علمت أنه قد أفسد عليّ [ (1) ]مثل يضرب لمن خبره خير من مرآه. قصته في الميداني 1/86 أمثال الضبي ص 9 الفاخر لابن عاصم ص 56. أول من قاله المنذر بن ماء السماء.

394

الناس و رماني بكل عيب، قال: فما لك و للأشتر و أصحابه نفيتهم إلى الشام و فرقت بينهم و بين أهاليهم و أولادهم؟فقال: لأن الأشتر أغرى الناس بعاملي سعيد بن العاص و أضرم الكوفة عليّ نارا. فقال الزبير: يا عثمان!إن هذه الأحداث التي عددتها عليك هي أقل أحداثك، و لو شئت أن أرد عليك جميع ما تحتج به لفعلت، و أراك تقرأ صحيفتك من حيث تريد، و أخاف عليك يوما له ما بعده من الأيام. قال:

و تقدم إليه طلحة بن عبيد اللّه فقال: يا عثمان!أهلكك بنو أمية و أطمعك فينا آل أبي معيط، و عند غب الصدر يحمد الورد أو يذم، و أنا لك كما كنت لنا، فإذا لم تكن لنا كنا عليك، ثم خرجوا من عنده‏[ (1) ].

قال: فدعا عثمان من ساعته بدواة و قرطاس و كتب إلى عامله بالكوفة سعيد بن العاص: أما بعد، فإني خشيت أن أكون قد اقترفت ذنبا عظيما و إثما كبيرا من كعب بن عبيدة، و إذا ورد كتابي هذا إليك فابعث إليه فليقدم عليك ثم عجّل به عليّ-و السلام-.

قال: فلما ورد الكتاب على سعيد بن العاص دعا ببكير بن حمران الأحمري، و أنفذه إلى كعب بن عبيدة فأشخصه إليه، ثم وجّه به إلى المدينة، فلما أدخل على عثمان سلم، فردّ عليه السلام ثم أدنى مجلسه و قال: يا أخا بني نهد!إنك كتبت إليّ كتابا غليظا و لو كتبت أنت لي فيه بعض اللين و سهلت بعض التسهيل لقبلت مشورتك و نصيحتك، و لكنك أغلظت لي و تهدّدتني و اتهمتني حتى أغضبتني فنلت منك ما نلت، و إنه و إن كان لكم عليّ حق فلي عليكم مثله مما لا ينبغي أن تجهلوه، قال: ثم نزع عثمان قميصه و دعا بالسوط فدفعه إليه و قال: قم يا أخا بني نهد! اقتصّ مني ما ضربتك، فقال كعب بن عبيدة: أما أنا فلا أفعل ذلك فإني أدعه للّه تعالى و لا أكون أول من سن الاقتصاص من الأئمة، و اللّه لئن تصلح أحبّ إليّ من أن تفسد، و لئن تعدل أحبّ إليّ من أن تجور، و لئن تطيع اللّه أحبّ إليّ من أن تغضبه.

ثم وثب كعب بن عبيدة فخرج من عند عثمان فتلقّاه قوم من أصحابه فقالوا: ما منعك أن تقتص منه و قد أمكنك من نفسه؟فقال: سبحان اللّه والي أمر هذه الأمة!و لو شاء لما أفداني من نفسه، و قد وعد التوبة و أرجو أن يفعل.

قال: و تقدم قوم من أهل الشام فشكوا معاوية إلى عثمان رضي اللّه عنه، [ (1) ]الخبر باختلاف بين عثمان و علي رضي اللّه عنهما رواه الطبري 5/97.

395

و تقدم قوم من خيار أهل الكوفة فشكوا سعيد بن العاص‏[ (1) ]إلى عثمان، فقال عثمان: يا هؤلاء!إلى كم تكون هذه الشكوى من هذين الرجلين!فقال له الحجاج بن غزية الأنصاري: يا هذا!إنهم لا يشكون هذين الرجلين فقط و لكنهم يشكون جميع عمالك، و قد بعثت إليهم فأشخصتهم إليك ثم بادرت فرددتهم إلى أعمالهم، فابعث إليهم ثانية ثم أحضرهم في هذا المسجد بحضرة أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم خذ عليهم المواثيق و العهود أنهم لا يظلمون أحدا و استحلفهم على ذلك ثم ردهم إلى أعمالهم، و إلا فاستبدل بهم غيرهم، فإن صلحاء المسلمين كثير.

قال: و أشار عليه عامة الناس بمثل ذلك‏[ (2) ]فأرسل عثمان إلى جميع عماله فأشخصهم إليه من جميع البلاد، ثم أحضرهم و أقبل على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: أيها الناس!هؤلاء عمالي الذين أعتمدهم، فإن أحببتم عزلتهم و وليت من تحبون.

قال: فتكلم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و قال: يا عثمان!إن الحق ثقيل مر و إن الباطل خفيف، و أنت رجل إذا صدقت سخطت و إذا كذبت رضيت، و قد بلغ الناس عنك أمور تركها خير لك من الإقامة عليها، فاتق اللّه يا عثمان و تب إليه مما يكرهه الناس منك.

قال: ثم تكلم طلحة بن عبيد اللّه فقال: يا عثمان!إن الناس قد سفّهوك و كرهوك لهذه البدع و الأحداث التي أحدثتها و لم يكونوا يعهدونها، فإن تستقم فهو خير لك و إن أبيت لم يكن أحد أضر بذلك في الدنيا و الآخرة منك.

قال: فغضب عثمان رضي اللّه عنه ثم قال: ما تدعوني و لا تدعون عتبي ما أحدثت حدثا و لكنكم تفسدون عليّ الناس، هلم يا ابن الحضرمية[ (3) ]!ما هذه الأحداث التي أحدثت؟فقال طلحة: إنه قد كلمك عليّ من قبلي فهلا سألته عن هذه الأحوال التي أحدثت فيخبرك بها، ثم قام طلحة فخرج من عند عثمان، و جعل يدبر رأيه بينه و بين نفسه أ يرد عماله إلى أعمالهم أم يعزلهم و يولي غيرهم.

[ (1) ]كذا.

[ (2) ]عند الطبري أن عثمان كتب إلى أهل الأمصار: أما بعد فإني آخذ عمالي بموافاتي في كل موسم و قد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فلا يرفع عليّ شي‏ء و لا على أحد من عمالي إلا أعطيته... من ادعى شيئا... فليواف الموسم... (5/99 ابن الأثير 2/278) .

[ (3) ]نسبة إلى أمه: الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن.

396

خبر الأشتر و خروجه بالكوفة على عثمان‏

قال: فبينما عثمان كذلك و إذا بكتاب أهل الكوفة قد ورد على الأشتر و هو بالشام: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من جماعة أهل الكوفة إلى مالك بن الحارث، سلام عليك، أما بعد!فإننا نخبرك بالصحيح من الأمر أنه قد اجتمع الملأ من إخوانك فتذكروا أعمال الظلمة و أحداث المبتدعة و ما أتي إليك و إلى نظرائك من المسلمين، فرأوا أنهم لا يسعهم الإقرار على ذلك و لا الرضى به، و قد خرج عنا سعيد بن العاص مرة و هذه ثانية إلى صاحبه عثمان، و قد أعطينا اللّه تبارك و تعالى عهودنا و مواثيقنا أن لا يدخل علينا سعيد بن العاص واليا أبدا، فالعجل العجل علينا إن كنت تريد أن تدركنا و تشهد على أمورنا-و السلام-.

قال: فلما قرأ الأشتر كتاب أهل الكوفة جعل يتمثل بهذا البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري حيث يقول:

و لما رأيت الحرب قد جلّ جدّها # لبست مع البردين ثوب المحارب‏

قال: ثم نادى الأشتر في أصحابه بالرحيل، فرحلوا حتى وافوا الكوفة لاثنتي عشرة ليلة من مسيرهم قبل الظهر و ذلك في يوم الاثنين، فدخل الأشتر الكوفة و جاء حتى دخل المسجد الأعظم فصعد المنبر و قد اجتمع إليه الناس، فحمد للّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إن اللّه تبارك و تعالى بعث فيكم رسوله محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بشيرا و نذيرا، و أنزل عليه كتابا بيّن فيه الحلال و الحرام و الفرائض و السنن، ثم قبضه إليه و قد أدّى ما كان عليه، ثم استخلف على الناس أبا بكر فسار بسيرته و استسن بسنته، و استخلف أبو بكر عمر فاستسن بمثل تلك السنة. و هذا عثمان بن عفان قد علمتم ما كان منه من الأحداث المكروهة و الأفعال القبيحة بأصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و الآن حين قرأنا كتاب اللّه عزّ و جلّ و تفقهنا في دين اللّه يريد أن نبدل دين اللّه أو نغير سنة نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، كلا و اللّه لا نفعل ذلك أبدا!ألا!و لا يصبح أحد منكم إلا بالجرعة[ (1) ]، فإني معسكر هنالك إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه‏[ (2) ].

[ (1) ]الجرعة: موضع قرب الكوفة، و هو المكان الذي فيه سهولة و رمل. و قيل: الجرعة بين النجفة و الحيرة، و قيل: مكان مشرف على القادسية.

[ (2) ]كذا ترد الرواية هنا. و ثمة ملاحظات لا بد من تسجيلها بعد درسنا للأحداث خلال سنتي 33 و 34.

أ-خلال سنة 33 بدأت الأحداث بالكوفة تأخذ منحى خطيرا و تزايد التململ و النقمة على سياسة واليها ـ

397

قال: فلما قضى الأشتر كلامه وثب إليه قبيصة بن جابر الأسدي و قال: يا أشتر!دام شترك و عفى أثرك، شتر اللّه دينك كما شتر عينك‏[ (1) ]، فلقد أطلت الغيبة و جئت بالخيبة، أتأمر بالفتنة و نكث البيعة و خلع الخليفة!و اللّه!لئن أطعناك لتفترقن كلمتنا و لتسبكن دماؤنا.

[ () ] سعيد بن العاص، و تفاقم الأمر بينه و بين زعماء أهل الكوفة. فكتب الفريقان إلى عثمان و الذي رد بدعم و اليه و أمره بتسيير من يزعجه إلى الشام، ثم ردوا إلى الكوفة ثم أبعدوا من جديد إلى حمص. و بذلك تكاد تكون الكوفة قد خلت من أهم المعارضين للوالي.

ب-بعد تزايد الشكاوى و توافد الوفود إلى عثمان و تواتر الكتب و الرسائل إليه دعا عثمان بن عفان سنة 34 عماله جميعا أن يوافوه في الموسم (و كان ثمة اجتماع تقليدي للخليفة مع ولاته يعقد كل موسم) و بعد التشاور معهم في أمور ولاياتهم و بعد الاطلاع على وجهات نظرهم أعادهم إلى أعمالهم مع التأكيد على تنفيذ ما تم الوصول إليه خلال هذا الاجتماع.

ج-ورد في رسالة أهل الكوفة إلى الأشتر ما يشير إلى خروج سعيد بن العاص إلى عثمان مرتين.

(و يعني خلال سنتي 33 و 34) و ما يفهم من روايات الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب أنه لم يجر أي اجتماع بين عثمان و ولاته سنة 33، أو إن كان حصل هكذا اجتماع لم تكن الأمور مطروحة في الولايات، و خاصة في الكوفة بصورة خطرة. و لم تشر الروايات إلى أي اجتماع خاص بين عثمان و الوالي سعيد بن العاص. و كل ما وصلنا اجتماع عثمان بولاته قبل يوم الجرعة.

د-أما بالنسبة للأشتر ففي مكان وجوده أقوال: فعند الطبري و ابن الأثير أنه كان قد أبعد مجددا من الكوفة إلى حمص-بعد ما أرسله معاوية مع المسيرين من الكوفة إليها-و هذا ما يشير إليه ابن الأثير من أن يزيد بن قيس كاتب المسيرين في القدوم عليه-و كان يريد خلع عثمان-فسار إليه الأشتر و الذين عند عبد الرحمن بن خالد في حمص، فسبقهم الأشتر إلى الكوفة أما رواية المسعودي فتشير-و قد مرّ ذلك-إلى أن الأشتر قد خرج في سبعين راكبا من أهل الكوفة إلى عثمان يسألونه عزل سعيد عنهم، و بعد الاجتماع الشهير بين عثمان و عماله و أمره لهم بالعودة إلى أعمالهم، و منهم سعيد بن العاص، و كان الأشتر لا يزال في المدينة أبلغه طلحة و الزبير بذلك استعجل المسير إلى الكوفة و وصل قبل سعيد بن العاص إليها، و بعد وصوله صعد المنبر و قال:

أما بعد فإن عاملكم الذي أنكرتم تعديه و سوء سيرته قد ردّ عليكم، و أمر بتجهيزكم في البعوث (و هذا من ضمن ما تم الوصول إليه بين عثمان و ولاته) فبايعوني على ألا يدخلها. فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة و خرج متخفيا يريد المدينة أو الكوفة، فلقي سعيدا بواقصة (و قيل بالجرعة) فأخبره الخبر، فانصرف إلى المدينة. (الطبري حوادث سنة 33 و 34 ابن الأثير، البداية و النهاية، طبقات ابن سعد 5/30-31 مروج الذهب 2/372-373) .

[ (1) ]مالك بن الحارث النخعي المعروف بالأشتر، و الأشتر لقب، و كان سبب تلقبه به أنه ضربه رجل يوم اليرموك على رأسه فسالت الجراحة قيحا إلى عينيه فشترتها (الإصابة) .

398

قال: ثم أخذ كفا من حصباء المسجد فحصبه، فضرب الناس يده فقصرت الحصباء و لم تبلغ الأشتر، قال: فصاح به الأشتر و قال: و ما أنت أيها العسير الخضوف‏[ (1) ]و الكلام في أمر العامة، و اللّه!ما أسلم قومك إلا كرها و لا هاجروا إلا فقرا. قال: ثم وثب الناس على قبيصة فضربوه و طردوه و أخرجوه، و قام رجل من أهل المسجد فناشدهم اللّه حتى كفوا عنه. قال: و احتمل قبيصة إلى منزله، و نزل الأشتر عن المنبر و نادى في الناس، فاجتمعوا إليه، و استقبل فصلى بالناس، فلما انفتل عن صلاته أمر بإخراج خليفة سعيد بن العاص من القصر، فأخرجوه و هو ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري‏[ (2) ].

قال: ثم خرج الأشتر فعسكر بالجرعة بين الكوفة و الحيرة، و بعث بعائذ بن حملة الظهري فعسكر في طريق البصرة في خمسمائة فارس، و بعث حمزة بن سنان الأسدي إلى عين التمر فعسكر هنالك ليكون مصلحة فيما بينه و بين أهل الشام في خمسمائة فارس، و بعث بعمرو بن أبي حنة الوداعي إلى حلوان و ما والاها في ألف فارس، و بعث يزيد بن حجية التيمي إلى المدائن و كوخى و ما والاها في سبعمائة فارس.

[ (3) ][كما أرسل كعب بن مالك الأرحبي إلى مكان يدعى العذيب‏[ (4) ]مع خمسمائة فارس و أمره قائلا، إن جاء سعيد بن العاص من المدينة أميرا على الكوفة فأعده و لا تسمح له بدخول الكوفة و خذ كل ما معه من مال و متاع وضعه أمانة في منزل الوليد بن عقبة في الكوفة، فتقدم الأشتر (عند ما سمع الخبر) و معه ثلاثمائة فارس و جاء إلى باب المنزل و أمرهم بأن ينهبوا ما في البيت. فدخل الناس و أخذوا كل ما وجدوه و أخرجوها ثم قلعوا الأبواب و أحرقوها حتى احترق كل ما بقي في البيت.

و حين علم عثمان بذلك «و قد بلغه ما صنعه الأشتر» ضاق صدره بذلك‏و اعتبر أن هذا العمل كان بتحريض أو تأييد من علي رضي اللّه عنه و قال: لا أعلم ما ذا أفعل [ (1) ]الخضوف: يقال امرأة خضوف أي الردوم، و الخيضف: الضروط من الرجال و النساء. يقال:

خضف بها إذا ضرط. (اللسان) .

[ (2) ]في ابن الأثير: عمرو بن حريث.

[ (3) ]من هنا سقطة طويلة بالأصل، استدرك من الترجمة الفارسية للكتاب ص 144-149 بعد تعريبها.

[ (4) ]العذيب: ماء بين القادسية و المغيثة، يبعد عن القادسية أربعة أميال.

399

مع علي الذي يظهر محاسني للناس على شكل نقائص و يحرض الناس عليّ و على أعمالي. ثم استدعى سعيد بن العاص‏[ (1) ]و أعاده إلى الكوفة و قال له: إذا وصلت إليها، تقرب من الناس وعدهم مواعيد حسنة و قل للأشتر بأن يتخلى عن تلك الأعمال و لا يثيرن الفتنة و غالب ظني أن الناس حين يرونك سيتخلون عن الأشتر و يأتون إليك فذهب سعيد كما أمره عثمان إلى الكوفة و حين اقترب من «العذيب» تصدى له عبد اللّه بن كنانة بن الخطاب‏[ (2) ]و معه ثلاثمائة فارس و قالوا له: يا عدو اللّه، أين تذهب، عد من حيث أتيت، فواللّه لن ندعك تشرب من ماء الفرات قطرة واحدة، فكيف تطمع بغير ذلك؟[ثم حمل كل منهما على الآخر]فأيقن سعيد أنه لا قبل له بهم فعاد.

ذكر رسالة أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه إلى مالك الأشتر

حين أرسل عثمان سعيد بن العاص نحو الكوفة، كتب رسالة لأهلها و أرسلها بواسطة عبد الرحمن بن أبي بكر و مضمونها كما يلي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

من عبد اللّه عثمان بن عفان أمير المؤمنين إلى مالك بن حارث و أصحابه الذين معه. أما بعد، فاعلموا بأن الاعتراض على الخليفة و الطعن عليه ذنب عظيم، و الإقدام على المعصية عاقبتها وخيمة، و ليس له جزاء إلاّ العذاب و النكال، و قد علمت بما فعلتموه مع عاملي و نائبي لديكم، فاعلموا بأن الظلم نتيجته ستكون عليكم، و بذلك قد فتحتم على أنفسكم باب سخط اللّه و غضبه، كما فتحتم للعامة باب الفتنة و نقضتم بذلك العهد، فأنتم أول من بدأ بالعصيان و سننتم سنة الفرقة، ذلك أنّ كل من يرغب من هذه الأمة بالعصيان فسيوافقكم و يقتدي بكم و سيكون و بال ذلك الأمر في أعناقكم. فاتقوا اللّه يا عباد اللّه، و عودوا إلى الحق، و توبوا عن [ (1) ]و كان سعيد بن العاص لا يزال بالمدينة و قد انتهى الاجتماع بين عثمان و ولاته و قد علم الأشتر بنتائجه من طلحة و الزبير اللذين أعلمهما ما دار في الاجتماع عمرو بن العاص و كان حاضرا المداولات، فغادر الأشتر على الفور المدينة فيما كان سعيد يستعد لمغادرة المدينة. (مروج الذهب 2/372-373) .

[ (2) ]عند ابن سعد 5/33 أن يزيد بن قيس الأرحبي و عبد اللّه بن كنانة العبدي لقياه و قالا له: ارحل إلى صاحبك، فقال: إبلي أنضاء أعلفها أياما و نقدم المصر فنشتري حوائجنا و نتزود ثم أرتحل. فقالا: لا و اللّه و لا ساعة، لترتحلن أو لنضربن عنقك. فلما رأى الجد منهما ارتحل لاحقا بعثمان (انظر مروج الذهب 2/373 ابن الأثير 2/274) .

400

أعمالكم المنكرة لعلكم تنجوا. و إذا كان لكم أي هدف أو مطلب تهدفون إليه من مشاغبتكم فاكتبوا إلي، و إذا لم ترضوا عن أمير، أرسلته إليكم فإني أعزله و أبعث شخصا آخر مكانه.

و لما وصل عبد الرحمن بن أبي بكر إلى الكوفة و أبلغهم رسالة عثمان، تداعى أهل الكوفة و اطلعوا على مضمون الرسالة و قالوا للأشتر: أجب عن الرسالة فكتب الأشتر الجواب على الشكل التالي:

جواب الأشتر عن رسالة أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

هذه رسالة من مالك بن الحارث و جماعة المسلمين إلى الخليفة المتنكب عن سنة نبيه محمد، أما بعد.

فاعلم بأن رسالتك قد وصلت و ما ذكرته فيها بأن الاعتراض على الخليفة و مفارقة الجماعة و الطعن في الأئمة أمر عظيم و خسارة ظاهرة، فإن هذا الكلام صحيح شرط أن يكون الخليفة عادلا، و أن يسيّر الأمور على سبيل الحق، أما إذا سار الخليفة على غير طريق السداد و الصلاح فإن الاعتراض عليه وسيلة و قربة عظيمة إلى اللّه، و ما ذكرته عن الوالي بأننا ظلمناه و لم نحترمه فإننا لم نظلم عاملك بل دفعناه عن ظلم نفسه و ظلم عباد اللّه تعالى، و يجب عليك أن تنهي نفسك و عمالك عن الظلم و العدوان لكي نطيع أوامرك و نعينك في سبيل الحق، و ما كتبته حول ظلم العامل فهو ظن خاطئ سيؤدي إلى ضررك، فإنك تسمي العدل جورا و طلب الإنصاف ظلما، و إننا بحمد اللّه على الطريق المستقيم سالكين طريق الرجال الأبرار و ليس عندنا في ذلك شك. و لن نبدل موقفنا و كل من يقلدنا فهو على الصراط المستقيم و سيكون مهتديا إلى طريق السعادة و معززا في الدنيا و الآخرة، و سيكون مع الرجال الذين يعينون الظالمين، و لا يداهنون في إقامة السنن و الفرائض، و أما ما أمرتنا به من التوبة و الرجوع إلى الحق، فإننا إن أطعناك سنكون من الضالين و بعيدين عن التقوى. و أما ما ذكرته بأن نكتب إليك بمطالبنا و أنك ستعين الأمير الذي نرضى نحن به فإن أول مطلب لنا هو أن تستغفر اللّه و أن تتوب إليه من ذنبك بسبب التعديات و المظالم التي وقعت علينا و على عيالنا و أولادنا و عن تسليطك العمال الظالمين و الفاسقين على رقاب المسلمين. فإن أصلحت نفسك و صححت موقفك حسب أوامر اللّه سبحانه و تعالى‏

401

و رسوله فنحن من المطيعين لك و ننفذ أوامرك و إلاّ سنبقى على عصياننا و معارضتنا و سنصرّ على ذلك إلى أن يحكم اللّه بيننا و بينك. و إن قبلت نصائحنا و تبت عن الأعمال الغير مقبولة فسنرسل إليك رجالا من طرفنا فأعنهم حتى إذا رجعوا إلينا و أخبرونا عن حالك و إنابتك كما فصلنا لك ذلك فأرسل إلينا عبد اللّه بن قيس لكي يسير بالعدل بين الناس و يقيم شرائع الإسلام، و انصب حذيفة بن اليمان من أجل تحصيل أموال الخراج و حقوق بيت المال لكي يحصلوا الأموال المتوجبة حسب الأصول من الناس، و أما سعيد بن العاص و وليد بن عقبة و أمثالهما من أقاربك و أهل بيتك الذين يظلمون الناس و يرون ذلك جائزا و يبتغون أهواء أنفسهم، فاحتفظ بهم لديك، فإن وافقت على هذا فنحن مطيعون لأمرك و إلاّ فاتق اللّه ودع هذه الولاية بدون بدع و احفظ كرامتها و اتركها على جادة الاستقامة و منهاج التقوى و كن على يقين بأن كل ما تقوم به من خير أو شر ستجازى عليه يوم القيامة لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا بِمََا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى و السلام‏[ (1) ].

ثم بعد ما فرغ الأشتر من كتابة الرسالة استدعى رجالا يثق بهم و دفع إليهم الرسالة و قال: اذهبوا إلى المدينة و أوصلوها إلى عثمان.

و حين وصل هؤلاء إلى المدينة ذهبوا إلى مقر أمير المؤمنين فسلم بعضهم على عثمان بالخلافة و بعضهم لم يفعل. فسئلوا لم لم تسلموا على أمير المؤمنين فقال الكميل بن زياد: بسبب الأعمال الخطأ التي عملها، فإن عاد عنها و تاب منها و سلك نهج الصواب فهو أميرنا، و إلاّفليس بأمير لنا فسألوه: ما هي مطالبكم و ما هي أهدافكم، فقالوا: أولا، أن لا نخرج من أوطاننا المألوفة و لا نفارق عيالنا و أولادنا و أن توصل إلينا رواتبنا، و أن لا يرسل إلينا شبابا أغرارا من أقاربه يتأمّرون علينا و قد اتبعوا أهواءهم و شهواتهم و أن لا يقدم الأشرار على الأخيار، فقال أمير المؤمنين [ (1) ]في مروج الذهب 2/373 أن الأشتر كتب إلى عثمان، و ذلك بعد ما صرف سعيد بن العاص: إنا و اللّه ما منعنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، و لكن لسوء سيرته فينا و شدة عذابه، فابعث إلى عملك من أحببت.

فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه. فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولوه.

و في رواية الطبري 5/94 أن سعيد بن العاص بعد ما وصل إلى عثمان و أخبره خبره، قال: ما يريدون، أخلعوا يدا من طاعة؟قال: أظهروا أنهم يريدون البدل، قال: فمن يريدون؟قال: أبو موسى.

402

عثمان رضي اللّه عنه: أي أشرار قدمتهم على أخياركم!فتقدم رجل من قرّاء الكوفة يدعى زيد بن حسين الطائي و قال: لقد كان رجل صالح رأى منكرا فأنكره بلسانه من أجل إعلاء كلمة الحق و إطفاء نائرة الظلم و قبل أن يتحرك من مكانه ضربوه حتى عض الأرض بأسنانه، و إنني أتكلم بهذا الكلام فإن كنت تريد أن تأمر بضربي فاعلم بأني قد توقعت ذلك فأناشدك اللّه أن تعود يا عثمان و أن تتخلى عن الأعمال التي ينكرونها عليك و إلاّ فإن المؤمنين من قريش سيخرجون عن طاعتك و يخلعونك. فقال عثمان: إنني تبت و تركت كل شي‏ء تكرهونه و أعاهدكم بأن أعمل بكتاب اللّه و سنة رسوله فقالوا: إن تفعل هكذا فنحن مطيعون لأمرك و نقبل بحكمك ثم أمر عثمان بأن ينزلوهم في خير منزل و يكرموهم، ثم كتب جوابا لأهل الكوفة على هذا النحو.

رسالة أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه لأهل الكوفة

أما بعد، فاعلموا يا أهل الكوفة بأن رسالتكم قد وصلت و قرئت و قد تعجبت فيما كتبتموه كما عجبت لجرأتكم عليّ، و عيبكم إياي بما لم أفعله و لم آمر به، و تأملت في من يكون صاحب هذه الجرأة فلم أر سوى نزغات الشيطان، و ليس سوى إبليس يستطيع أن يملي مثل هذه الرسالة فضقت بمبلغ جهالتكم، و علمت بأنكم مغدورين و مفتونين و مع كل ذلك تظنون أنفسكم على طريق الهداية و على الصراط المستقيم، و قد كتبتم أن أرسل إليكم أبا موسى الأشعري ليقوم بشؤونكم و يصلي بكم و أن أرسل إليكم حذيفة بن اليمان ليقبض الخراج، و إن كان هذا يعد تحكما منكم و قد أجبتكم يا أهل الكوفة إلى ذلك، فاتقوا اللّه الذي إليه ترجعون و لا تلقوا بأنفسكم إلى الفتنة، و لا تفارقوا الجماعة و لا تقبلوا كلاما لم أقله و لا تنسبوا إليّ عملا لم أفعله و إنني لن أطيع هواكم و أخالف ما أرى أنه الحق و أطلب لي و لكم‏الهداية من اللّه و إنني مواظب على طاعة اللّه جل ذكره حتى يرضى عنا و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه‏[ (1) ].

ثم أرسل إليهم أبا موسى الأشعري إلى الكوفة و حذيفة بن اليمان إلى سوادها.

ثم عاد الأشتر بعد أن قضى أربعين يوما بين الجيش الذي اجتمع لديه. و كان يتردد عليه أبو موسى الأشعري و قد قام كل من أبو موسى و حذيفة بأداء واجبه على طريق العدل و كانوا يحسنون معاملة الناس.

و بعد أن سير أمير المؤمنين أبا موسى و حذيفة إلى الكوفة صعد المنبر و خطب [ (1) ]نسخة أخرى لكتاب عثمان لأهل الكوفة الطبري 5/94 و ابن الأثير 2/274.

403

في الناس فأثنى على اللّه تعالى ثم سلم على رسوله و قال:

أيها الناس: اتقوا اللّه و أطيعوا أولي الأمر و إياكم و مفارقة الجماعة و احفظوا بيعتكم و اعلموا بأن الأمور منوطة بتقدير اللّه تعالى، و أنه لا راد لقضاء اللّه، و لا مانع لحكمه و أنكم كلما بذلتم لنا الطاعة فإنكم تزدادون منا قربا، و كلنا أمل باللّه أن يعمنا بفضله و لطفه و أوكلنا أمورنا إليه و اتكلنا على عونه و حفظه ثم رفع يديه و دعا:

اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز عن أمري، و لا إلى أحد من خلقك فيخذلني، بل أنت يا رب فتول أمر دنياي التي أعيش فيها و آخرتي التي أنا صائر إليها، و إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ .

ذكر وصول بعض المصريين إلى المدينة و شكايتهم ضد عاملهم‏

و لما توجه أبو موسى الأشعري و حذيفة بن اليمان إلى الكوفة كان أول ما فعلوه أن التقوا بالأشتر[ (1) ]. و كان موسم الحج قد اقترب فنادى عثمان عبد اللّه بن العباس و أمره بأن يذهب إلى الحج ليقيم للناس مناسكهم و يرعى مصالحهم فذهب ابن عباس و أقام مناسك الحج ثم عاد إلى المدينة[ (2) ].

و في ذلك الوقت وصلت من مصر جماعة من الوجهاء يشتكون عاملهم‏[ (3) ] و دخلوا إلى المسجد النبوي فرأوا عدة من المهاجرين و الأنصار فسلموا عليهم فردوا عليهم السلام و سألوهم عن الأمر الذي دعاهم للحضور فقالوا: لقد جئنا استنكارا [ (1) ]في الطبري أن أبا موسى وصل إلى الكوفة و صعد المنبر و خطبهم قال: «أيها الناس لا تنفروا في هذا و لا تعودوا لمثله. الزموا جماعتكم و الطاعة و إياكم و العجلة فكأنكم بأمير» . ثم جدد البيعة لعثمان في رقاب الناس. (الطبري 5/94 ابن سعد 5/33) .

[ (2) ]كذا بالأصل. و في مروج الذهب 4/448 أن عثمان حج بالناس من 25 إلى 34-عثمان بن عفان-، و لم يحج عبد اللّه بن عباس إلا سنة 35 بأمر عثمان و هو محصور.

سياق الأحداث و التطورات كانت بين سنتي 33 إلى 34. و قد حج بالناس هذه السنة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه.

[ (3) ]قال ابن كثير أن سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان فعزله و ولى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح و ما زالوا يسعون بعمرو حتى انتقل إلى المدينة، و كان في نفسه من عثمان أمر عظيم و جعل يؤلب الناس على عثمان، و كان بمصر جماعة يبغضون عثمان و يتكلمون فيه... و نشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه و الإنكار عليه. (البداية و النهاية 7/190) .

404

لبعض الأعمال التي صدرت عن عاملنا.

فقال لهم علي بن أبي طالب: لا تتعجلوا في أمركم و أخبروا الإمام ما تريدون مشافهة و قولوا إن العامل كان يفعل ما يشاء.

بحسب رأيه و ليس حسب أوامر الخليفة و أخبروه بكل الأمور التي تنكرونها عليه. ثم هو يعاتبه و يستدعيه فيحصل مطلوبكم أمّا إذا لم ينكر عليه و تركه في مكانه، حينئذ تأملوا في وجه المصلحة و ما يجب أن تفعلوه. فدعا له المصريون و قالوا: نأمل أن تتلطف بنا و تكلف نفسك بالمجي‏ء معنا إلى عثمان. فقال علي: لا حاجة لكم بحضوري ففيكم الكفاية. فقالوا: صحيح، و لكننا نرغب في حضورك لتشهد علينا فقال علي: هناك شاهد أقوى مني سيكون. (و كل ما يجري سيراه و يسمعه فقالوا من ذاك الذي ستكون شهادته أعظم من شهادتك و حضوره أعظم من حضورك و أنت أخ للرسول صلّى اللّه عليه و سلّم فقال علي: اللّه جلّ جلاله) . إنه أعظم من جميع المخلوقات و أرحم بعباده من أنفسهم (فاتركوني و شأني و اذهبوا إلى أمير المؤمنين و اشرحوا حالكم، و ما تنقمونه على العامل فقولوا لعله يحصل مقصودكم و تكونون راضين) .

حينئذ توجه المصريون إلى منزل عثمان و طلبوا الإذن عليه فلما أذن لهم دخلوا و سلموا عليه فأكرم أمير المؤمنين مثواهم و قربهم إليه ثم قال لهم: ما الذي جاء بكم، هل أنتم ناقمون على أحد حتى مللتم ثم جئتم بلا أمر مني أو من عاملكم (فاذكروا مطالبكم، فقال المصريون) : لقد جئنا بسبب الأعمال غير المرضية التي ظهرت من عاملكم و جئنا لإنكارها كي تستدعيه و تسأله عنها. أيها الخليفة، إن نعمة اللّه عليك كثيرة فأد شكر النعمة و اتق اللّه فقال: أية أفعال غير مقبولة صدرت عني، بينوها لي فقال المصريون: بما أنك تطلب منا الحق فسنقول لك. أول ما ننقمه عليك أنك قربت الحكم بن أبي العاص الذي نفاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى الطائف.

ثانيا: إحراقك لأجزاء المصحف، و ثالثا، احتجازك لماء المطر الذي هو رزق من اللّه لعباده و إعطائه لأقاربك و منعت الناس عنه، و أخيرا نفيك لجماعة من صحابة الرسول بغير حق من البلد و فصلهم عن أهلهم و عشيرتهم بينما يقول اللّه تعالى في كتابه: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ لاََ تَسْفِكُونَ دِمََاءَكُمْ وَ لاََ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [ (1) ].

و أيضا كونك تطيع الناس ظاهرا ثم تستبد برأيك بينما حكم الشرع في حق من يعصى اللّه بأن لا يطاع فإن أنت أطعت اللّه تعالى و اتبعت أوامره فنحن نطيعك و نتبع [ (1) ]سورة البقرة: 84. ـ

405

أوامرك و نعظم حرمتك كما هو و الحال بين الولد و أبيه و أمه و أما إذا رفضت الأفعال الحسنة و تابعت سيرك على هذا النحو فلن نطيعك و لن ننفذ أوامرك و ستكون العاقبة هلاكنا و هلاكك فاتق اللّه و اعتقد بأنك عبد و ستحاسب على النقير[ (1) ]و القطمير[ (2) ]و اللّه سبحانه و تعالى مطلع على أحوال عباده و إليه سيرجعون جميعا. و بمقدار سلطة الإنسان و مسؤوليته سيكون سؤاله بينما سيكون حساب الضعفاء أقل صعوبة. لقد قلنا لك ما علمناه و أخرجنا ذلك من أعناقنا و بعد ذلك الأمر هو لك.

و بعد ما سمع عثمان كلام المصريين تغير لونه و أطرق ساعة يفكر. ثم بعد ذلك رفع رأسه و خاطبهم.

يا قوم لقد بالغتم و تكلمتم بكلام كثير لا أدري كيف أبدأ الجواب. أما بخصوص الحكم بن أبي العاص الذي كان قد قام بأعمال غير مناسبة و نسبت إليه بحق الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم و قد تأذى منه النبي و أخرجه من المدينة.

(و بعد ذلك تقدمت أنا من النبي عليه السلام و شفعت به إلى الرسول لكي يعيده فأجابني الرسول إلى ذلك ثم بسبب انتقال الرسول عليه السلام إلى جوار ربه و مرور عدة سنوات على ذلك. و بعد ما وصلت إليّ الخلافة و بسبب أملي في أن النبي عليه السلام كان ينوي إعادته و بسبب القرابة بيننا أرسلت إليه و أحضرته إلى المدينة و كان في المدينة مسالما لم يتأذ منه أحد. و إذا اشتكى منه أحد فإنني حريص على رضاكم و سنرسل من يحقق في أعماله و أعمال وكلائه ثم نقيم عليهم الحجة حتى يسلكوا طريق العدل و الصدق و يحترزوا من طريق الشر. فقال المصريون: ليس هذا كافيا بل يجب أن تستدعي العمال و النواب إليك ثم ترسل أشخاصا يحققون في أحوالهم و معاملاتهم‏[ (3) ]فإذا ما أخبروك بمثل ما أخبرناك فإنك بعد ذلك تواجههم بأعمالهم و تقررهم بها فأجابهم أمير المؤمنين: هكذا سأفعل و على الرأس و العين ثم كتب رسالتين: واحدة إلى أهل الكوفة و أخرى لأهل مصر على هذا النحو:

[ (1) ]النقير: النكتة في النواة منها تنبت النخلة. و قيل: النقير: ما نقب من الخشب و الحجر و نحوهما.

و قيل: النقير: أصل النخلة ينقر فينبذ فيه. (اللسان) .

[ (2) ]قطمير: شق النواة. و في الصحاح: القطمير: الفوقة التي في النواة، و هي القشرة الدقيقة التي على النواة، بين النواة و التمر.

[ (3) ]في الطبري أن عثمان دعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة و أرسل أسامة بن زيد إلى البصرة و أرسل عمار بن ياسر إلى مصر ليقفوا على أخبار الأمصار (ج 5/99) .

406

بسم اللّه الرحمن الرحيم.

هذا كتاب من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين إلى جملة عماله و نوابه، أما بعد، فاعلموا أن الناس يتكلمون في حقي بكلام ينسبوني منه إلى الظلم و إنني لا أرضى أبدا بالظلم و لا أقبل بأن يقوم عمالي و نوابهم بأي عمل أو حكم لا يوافقوا أحكام اللّه ثم أقسم عليكم بأن كل من يرى لي عليه حقا و يرى لزوم طاعتي بمجرد اطلاعه على مضمون هذه الرسالة أن يتجه إلي في الحال و ليحضر إلى المدينة لأتحقق من أحوالكم فإن صدر عنكم أي جور أو ظلم أصلحته ثم أوليّ رجلا أمينا عادلا مكانه و سأحافظ على حقوق الرعية كما يجب إن شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

فلما وصلت هذه الرسالة إلى أهل الكوفة و البصرة و مصر و علم الناس بمحتواها، كان الأشتر النخعي أول من وصل إلى المدينة و معه مائة نفر[ (1) ]من أهل الكوفة ثم تلاه حكيم بن جبلة من البصرة و معه مائتان و خمسون رجلا[ (2) ]و بعده أبو عمرو يزيد[ (3) ]بن ورقاء الخزاعي و علقمة بن عديس البلوي‏[ (4) ]و كنانة بن بشر التجيبي‏[ (5) ]، و سودان بن حمران المرادي مع أربعمائة[ (6) ]رجل من أهل مصر و قد اجتمعوا في المدينة و قد اتصل بهؤلاء بعض المهاجرين و الأنصار الذين كانت لهم بعض المآخذ على عثمان، و تشاوروا حول عثمان فقر رأي الجميع على عزله من الخلافة و إلاّ فإنهم يقتلونه. (على هذا القرار اتفقوا) ثم واجهوا عثمان بقرارهم فندم عثمان على دعوتهم و فزع منهم، ثم دخل منزله و أغلق بابه و صعد إليهم و كلمهم من السطح قائلا:

أيها الناس ما ذا تريدون مني و أي عمل من أعمالي لا توافقون عليه حتى أبدله، و ما هو هدفكم حتى أحققه لكم، و أحصل على رضاكم، فأجابوا: لقد حجزت عنا [ (1) ]في الطبري 5/104 و ابن الأثير 2/280 في عداد أهل مصر (بين الخمسمائة و الألف) و فيهم زيد بن صوحان العبدي و الأشتر النخعي و زياد بن النضر الحارثي و عبد اللّه بن الأصم العامري و عليهم جميعا عمرو بن الأصم. و في مروج الذهب 2/380 في مائتي رجل.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: كعداد أهل مصر. و في مروج الذهب: في مائة رجل.

[ (3) ]في البداية و النهاية 7/191 عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي.

[ (4) ]الطبري و ابن الأثير: عبد الرحمن بن عديس البلوي.

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: الليثي. و في ابن سعد: الكندي.

[ (6) ]في مروج الذهب و الطبري: ستمائة.

407

ماء المطر و منعت مواشينا من ورد ذلك الماء. فقال عثمان: لقد حجزت الماء من أجل إبل الصدقة و الآن إذا كان هذا لا يرضيكم فهو لكم فافعلوا به ما تشاؤون فقالوا:

لقد حجزت ذلك الماء أكثر مما حجزه عمر رضي اللّه عنه فقال: لقد كثرت إبل الصدقة في هذه الأيام فلذلك اشتدت الحاجة إلى الماء و لهذا كنت قد حجزت الماء. ثم قالوا: لقد مزقت المصاحف و أحرقتها. فقال عثمان: لقد كثرت القراءات و خشيت أن يختلف الناس و قد جاء إليّ حذيفة بن اليمان و قال لي: إن الناس قد اختلفوا في وجوه القرآن. فيقول أحدهم: قراءتي أفضل و يأتي آخر فيقول: قراءتي أفصح. فأردت أن أزيل أسباب الخلاف و أجمع الناس على قراءة واحدة[ (1) ]، و لم أقصد بهذا العمل إلا خير المسلمين، و لو أني تركتهم على حالهم ربما ألحقوا بالقرآن أشياء ليست من القرآن. و عند ذلك يبدأ الخلاف حول القرآن و القراءة بين الأمة. فقالوا: هذا أمر مضى (إننا نعذرك في هذا الأمر) فلما ذا لم تشهد غزوة بدر مع النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فقال عثمان: لقد كنت في ذلك الوقت صهرا للنبي محمد عليه الصلاة و السلام و كانت زوجتي مريضة جدا.

فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: إني قلق عليها فأنت معفى من حضور هذه الغزوة و كن إلى جانبها و عالجها حتى تبلّ من مرضها، و لما عاد النبي عليه السلام أعطاني حصتي من غنائم بدر كما لو كنت حاضرا و هذا الأمر معروف لديكم. ثم قالوا: لم لم تحضر بيعة الرضوان فقال:

إنكم تعلمون إلى أين أرسلني النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في ذلك الوقت‏[ (2) ]و حين البيعة وضع عليه السلام يده اليمنى على يده اليسرى و قال: هذه يدي عن عثمان.

ثم قالوا:

ما ذا تقول في هروبك من معركة أحد و قد تركت النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذا ذنب كبير فقال:

لقد عفا اللّه عني في هذه المسألة. ثم قالوا: و ما ذا تقول حول ضربك بعض الرجال الصالحين و إخراجهم من البلد، و حول تعيينك بعض الشباب الأغرار فتصرفوا في [ (1) ]أمر عثمان زيد بن ثابت و عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. و قال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم. و بعد ما نسخوا الصحف أرسل إلى كل مصر بمصحف و أمر بحرق ما سوى ذلك. قال السيوطي في الإتقان أنه أرسل إلى الآفاق خمسة. و قال ابن أبي داود من طريق سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف فأرسل إلى مكة و الشام و إلى اليمن و إلى البحرين و إلى البصرة و إلى الكوفة و حبس بالمدينة واحدا.

(و انظر ابن القيم الجوزية: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 18-19) .

[ (2) ]كان رسول اللّه (ص) بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه (الإصابة) .

408

دمائنا و أموالنا بغير حق، ثم إنك منعت العطاء عن الذين نفيتهم حتى ماتوا في بلاد الغربة بعيدين عن أولادهم و أعزائهم، و لم يجدوا كفنا عند موتهم، و إن هم وجدوا فكان من باب الصدقة عليهم؟ فقال عثمان: إن الذين أخرجتهم من أوطانهم و أرسلتهم إلى نواح أخرى بسبب مصلحة رأيتها، فقد كان ذلك الشخص يسي‏ء لي القول باستمرار، و يحرض الناس علي، فرأيت أن يقيم في مكان آخر. و لو تركتهم في أماكنهم فإنهم سيثيرون علي الناس و ينشرون الفرقة بين المسلمين، فإن كان هذا ذنبا فلست بأول وال يدفع الإساءة عن نفسه بمثل هذا الذي تعتبرونه ذنبا علي. و لئن مات واحد من هؤلاء في الغربة فإن اللّه يحكم بيننا، و إن رأيتم شخصا في حال الاغتراب و ترونني مذنبا بإبعاده فابعثوا إليه و ليحضر. و إن كنت قد ضربت أحدا ظلما فخذوا مني القصاص.

فقالوا: إن عمار بن ياسر هو أول شخص سيقتص منك.

فقال أمير المؤمنين: إن سبب ضرب عمار هو أنه تعجل و عبس في وجهي و نعتني بالظلم و لم يحفظ حرمتي. و الآن الأمر سهل. قولوا له: ليأت و ليقتصّ مني‏[ (1) ].

أما قولكم عن عمالي فإن ترون أحدا منهم يعامل الرعية بصورة سيئة فاعزلوه، و أما من وجدتموه مستقيما و عادلا فأقروه في عمله إن شئتم. ثم قالوا: ما قولك في الأموال التي هي أموال عامة و قد وزعتها بين أقاربك و أهل بيتك؟ فقال: إن أمير المؤمنين عمر كان يتصرف هكذا: فقد كان يرجح في العطاء أهل الفضل و السابقة. فقالوا: يا عدو اللّه. إن أعطيات عمر لا تبلغ واحدا من مائة مما أعطيت (و معنى هذا الكلام أنك أسرفت جدا) .

فقال لهم: حاسبوني ثم انظروا ما وهبته كم يبلغ و إني أتعهد أن أؤديه من مالي فإن بقي منه شي‏ء أتعهد بسداده.

أيها المسلمون: لما ذا تريدون قتلي؟تجاوزوا عن هذا

فقد سمعت النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: [ (1) ]مرّ أن عثمان عرض على عمار ثلاث خصال: إما العفو، و إما الدية و إما الاقتصاص منه. فرفض عمار القبول بأي منها.

409

«لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فيقتل.

أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم، أو رجل قتل نفسا بغير نفس» [ (1) ].

و إني أقسم باللّه بأنني منذ هداني اللّه تعالى لم أغير ديني. و لم أقتل أحدا أبدا و لم أزن في جاهلية أو في إسلام. و لقد استحييت بعد أن وضعت يدي في يد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أن أضع يدي مرة أخرى على عورتي.

فتأثر الناس بكلامه و خجلوا مما كانوا يظنونه به و تفرقوا.

ثم أرسل عثمان بعضا من خواصه إلى عمار بن ياسر و طلب منه المصالحة أو يقتص منه فأبى عمار و تكلم بكلام خشن و صاح في وجوه الموفدين من طرف عثمان:

لن يخدعني عثمان، و قد فعل ما فعله بي من الضرب و الإهانة.

ثم أرسل عثمان شخصا إلى عبد اللّه بن عمر فلما حضر عنده قال له: فكر معي فيما وصلت إليه. فقال: يا عثمان. لقد كنت في عهد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و كان راضيا عني، و كذلك في أيام أبي بكر ثم في أيام أبي و كان له علي حقان، حق الأبوة و حق الخلافة و كان دائما راضيا عني، و لم يسمع مني كلمة غير مناسبة، حتى جاءت نوبتك للخلافة فبذلت لك الطاعة و النصيحة بقدر وسعي، و لا أظن أنك غضبت علي فالآن مرني حتى أفعل فقال عثمان: يا أبا عبد الرحمن. إني لا أسألك عن هذا.

جزى اللّه آل عمر خيرا. و لكنك ترى هؤلاء القوم، ما ذا يقولون، و فيم يفكرون و يريدون أن يخلعوني من خلافة[ (2) ]؟ فقال عبد اللّه: إن تطعهم فإنك تعلم أنك لست خالدا في الدنيا. قال: أعلم و مهما عشت فلا بد أن أذهب.

فقال عبد اللّه: هل الجنة و النار بيدهم أم لا؟فقال: لا.

فقال عبد اللّه: فالرأي هو أن لا تقر مثل هذه البدع في الإسلام‏[ (3) ]، ففي أي وقت يمكن لمجموعة من الناس أن يسخطوا على الخليفة و يعزلوه و يعينوا مكانه.

[ (1) ]الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/61-63-70-382-444-465 و 6/58-214.

و نقله ابن كثير 7/201 و ابن سعد 3/67. و قد رواه أهل السنن الأربعة.

[ (2) ]في ابن سعد 3/66: يريدون خلعي، فإن خلعت تركوني و إن لم أخلع قتلوني.

[ (3) ]عند ابن سعد: فلا أرى أن تسن هذه السنّة في الإسلام.

410

احفظ القميص الذي ألبسك اللّه إياه و لا تنزعه و قل لأولئك القوم: بيني و بينكم كتاب اللّه و سنة نبيه. و على كل حال لا أرغب في خلافكم (فإن هم رضوا بذلك فيها و نعمت، و إلا فقد أديت ما عليك، و ليكن من أمرهم ما يكون) .

فوقع هذا الكلام من عثمان موقعا حسنا. ثم طلب المغيرة بن شعبة و قال له:

اذهب إلى أولئك القوم و استرضهم. و تعهد لهم بأداء كل ما يطلبونه. و أخبرهم بأن عثمان يحتكم و إياهم إلى كتاب اللّه و سنة رسوله (و في كل حال لا يود خلافكم) فقال المغيرة: أفعل. فذهب إليهم و حين اقترب منهم صاحوا به: ارجع يا أعور ارجع يا فاسق ارجع يا فاجر. فقال المغيرة و أخبر عثمان بما أسمعوه إياه.

ثم استدعى عثمان عمرا بن العاص و حمله إليهم الرسالة السابقة. فكان ردهم عليهم أقبح و قالوا له: لا سلام عليك ارجع يا عدو اللّه يا ابن النابغة فلست عندنا بمأمون و لا نثق بك. فعاد عمرو بن العاص و أخبر عثمان بما لقي منهم. حينئذ قال عبد اللّه بن عمر: يا أمير المؤمنين، إن أولئك القوم لم يستمعوا إلا لعلي بن أبي طالب فإن أرسلته إليهم يمكن أن يسمعوا كلامه فيطيعوا الأمر][ (1) ].

قال: فأرسل عثمان إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فدعاه فقال: يا أبا الحسن أنت لهؤلاء القوم فادعوهم إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه و اكفني مما يكرهون،

فقال له علي: إن أعطيتني عهد اللّه و ميثاقه أنك توفي لهم بكل ما أعطيهم فعلت ذلك،

فقال عثمان: نعم يا أبا الحسن، اضمن لهم عني جميع ما يريدون.

قال: فأخذ علي عليه عهدا غليظا و ميثاقا مؤكدا، ثم خرج من عنده فأقبل نحو القوم‏[ (2) ]، فلما دنا منهم قالوا: ما وراءك يا أبا الحسن فإننا نجلّك، فقال: إنكم تعطون ما تريدون و تعافون من كل ما أسخطكم و يولّى عليكم من تحبّون و يعزل عنكم من تكرهون، فقالوا: و من يضمن لنا ذلك؟

قال عليّ: أنا أضمن لكم ذلك،

فقالوا: رضينا[ (3) ].

[ (1) ]إلى هنا ينتهي ما استدركناه من الترجمة الفارسية.

[ (2) ]في الطبري 5/110 و ابن الأثير 2/283 انطلق علي رضي اللّه عنه في ركب من المهاجرين و الأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعد بن زيد و أبو جهم العدوي و جبير بن مطعم و حكيم بن حزام و مروان بن الحكم و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و أبو أسيد الساعدي و زيد بن ثابت و حسان بن ثابت و كعب بن مالك و نيار بن مكرز و غيرهم. (انظر مروج الذهب 2/380 و البداية و النهاية 7/191) .

[ (3) ]قال المسعودي: فسار إليهم علي، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد و انصرفوا (مروج

411

قال: فأقبل علي إلى عثمان و معه وجوه القوم و أشرافهم، فلما دخلوا عاتبوه فأعتبهم من كل ما كرهوا[ (1) ]، فقالوا: اكتب لنا بذلك كتابا و أدخل لنا في هذا الضمان عليّا بالوفاء لنا بما في كتابنا، فقال عثمان: اكتبوا ما أحببتم و أدخلوا في هذا الضمان من أردتم، قال: فكتبوا: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد اللّه عثمان بن عفان أمير المؤمنين لجميع من نقم عليه من أهل البصرة و الكوفة و أهل مصر، أنّ لكم عليّ أن أعمل فيكم بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيّه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و أن المحروم يعطى و الخائف يؤمن و المنفي يردّ، و أن المال يردّ على أهل الحقوق، و أن يعزل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح عن أهل مصر و يولى عليهم من يرضون» .

قال فقال أهل مصر: نريد أن تولي علينا محمد بن أبي بكر، فقال عثمان:

لكم ذلك، ثم أثبتوا في الكتاب: «و أن علي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين بالوفاء لهم بما في هذا الكتاب، شهد على ذلك الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد اللّه و سعد بن أبي وقاص و عبد اللّه بن عمرو زيد بن ثابت و سهل بن حنيف و أبو أيوب خالد بن زيد، و كتب في ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين» .

قال: فأخذ أهل مصر كتابهم و انصرفوا و معهم محمد بن أبي بكر أميرا عليهم، حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة[ (2) ]و إذا هم بغلام أسود[ (3) ]على بعير له يخبط خبطا عنيفا فقالوا: يا هذا!اربع قليلا ما شأنك؟كأنك هارب أو طالب، من أنت؟فقال: أنا غلام أمير المؤمنين عثمان وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل منهم: يا هذا!فإن عامل مصر معنا، فقال: ليس هذا الذي أريد، فقال محمد بن أبي بكر: أنزلوه عن البعير، فحطوه فقال له محمد بن أبي بكر: اصدقني غلام من أنت؟قال: أنا غلام أمير المؤمنين‏[ (4) ]، قال: فإلى من أرسلت؟قال: إلى عبد اللّه بن سعد عامل مصر، قال: و بما ذا أرسلت؟قال: برسالة، قال محمد بن [ () ] الذهب 2/380) . و قال في البداية و النهاية 7/191: و يقال أنه ناظرهم في عثمان، و سألهم ما ذا ينقمون عليه فذكروا أشياء... و روي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة...

و يروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه.

[ (1) ]انظر الحاشية السابقة، و البداية و النهاية 7/192، و انظر خطبة عثمان في الطبري 5/111.

[ (2) ]في مروج الذهب 2/380 الموضع المعروف بحسمى.

[ (3) ]في مروج الذهب: هو ورش غلام عثمان. و في الطبري: أبو الأعور السلمي.

[ (4) ]في العقد الفريد 4/288 فأقبل مرة يقول: غلام أمير المؤمنين، و مرة: غلام مروان، حتى عرفه رجل منهم أنه لعثمان.

412

أبي بكر: أ فمعك كتاب؟قال: لا.

قال: فقال أهل مصر: لو فتشناه أيها الأمير فإننا نخاف أن يكون صاحبه قد كتب فينا بشي‏ء، ففتشوا رحله و متاعه و نزعوا ثيابه حتى عروه فلم يجدوا معه شيئا، و كانت على راحلته إداوة[ (1) ]فيها ماء فحركوها فإذا فيها شي‏ء يتقلقل، فحرّكوه ليخرج فلم يخرج، فقال كنانة بن بشر التجيبي: و اللّه!إن نفسي لتحدثني أن في هذه الإداوة كتابا، فقال أصحابه: ويحك!و يكون كتاب في ماء؟قال: إن الناس لهم حيل، فشقوا الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة بشمع و في جوف القارورة كتاب، فكسروا القارورة و أخرجوا الكتاب، فقرأه محمد بن أبي بكر فإذا فيه‏[ (2) ]:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن سعد، أما بعد!فإذا قدم عليك عمرو بن يزيد[ (3) ]بن ورقاء فاضرب عنقه صبرا، و أما علقمة[ (4) ]بن عديس البلوي و كنانة بن بشر التجيبي و عروة بن سهم‏[ (5) ]الليثي فاقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، فإذا ماتوا فاصلبهم على جذوع النخل، و أما محمد بن أبي بكر فلا يقبل منه كتابه و شدّ يدك به و احتل في قتله و قرّ على عملك حتى يأتيك أمري إن شاء اللّه تعالى» .

ذكر رجوع أهل مصر إلى محاربة عثمان بعد ما وجدوا الكتاب‏

قال: فلما قرأ محمد بن أبي بكر الكتاب رجع إلى المدينة هو و من معه، ثم جمع أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قرأ عليهم الكتاب و أخبرهم بقصة الكتاب، قال: فلم يبق بالمدينة أحد إلا حنق على عثمان، و اشتد حنق بني هذيل خاصة عليه لأجل صاحبهم عبد اللّه بن مسعود، و هاجت بنو مخزوم لأجل صاحبهم عمار بن ياسر، و كذلك غفار لأجل صاحبهم أبي ذر.

[ (1) ]في العقد: إداوة قد يبست.

[ (2) ]قارن مع نسخة الكتاب في الطبري 5/119 و مروج الذهب 2/380 و ابن الأثير 3/168 و العقد 4/289.

[ (3) ]مرّ قريبا: عمرو بن بديل بن ورقاء.

[ (4) ]مر قريبا: عبد الرحمن بن عديس.

[ (5) ]الطبري: عروة بن النباع الليثي. ـ

413

ثم إن عليّا أخذ الكتاب و أقبل حتى دخل على عثمان فقال له: ويحك لا أدري على ما ذا أنزل!استعتبك القوم فأعتبتهم بزعمك و ضمنتني ثم أحقرتني و كتبت فيهم هذا الكتاب!قال: فنظر عثمان في الكتاب ثم قال: ما أعرف شيئا من هذا، فقال علي: الغلام غلامك أم لا؟قال عثمان: بل هو و اللّه غلامي و البعير بعيري و هذا الخاتم خاتمي و الخط خط كاتبي، قال عليّ رضي اللّه عنه: فيخرج غلامك على بعيرك بكتاب و أنت لا تعلم به؟فقال عثمان: حيرتك يا أبا الحسن!و قد يشبه الخط الخط و قد تختم على الخاتم، و لا و اللّه ما كتبت هذا الكتاب و لا أمرت به و لا وجهت هذا الغلام إلى مصر، فقال عليّ: لا عليك فمن نتّهم؟قال: أتهمك‏[ (1) ]و أتّهم كاتبي، قال علي: بل هو فعلك و أمرك، ثم خرج من عنده مغضبا.

قال: و عرف الناس الخط أنه خط مروان و إنما كتبه عن غير علم عثمان، و مروان كان كاتب عثمان و خاتم عثمان في إصبع مروان و شك الناس في مروان.

قال: ثم خرج عثمان بن عفان رضي اللّه عنه إلى المسجد و صعد المنبر فحمد [ (1) ]كذا بالأصل، و لم تشر أي من المصادر التي ذكر قصة الكتاب إلى اتهام عثمان عليا بكتابته. إلا أنه جاء في دائرة المعارف الإسلامية (النسخة الإنكليزية، المجلد الثالث ص 1010: «إن البلاذري روى دون غيره من المؤرخين أن عثمان اتهم عليا بتزوير الكتاب. و هذا ما ظنه كيتاني في حولياته ج 8 ص 159 من غير أن يطلع على رواية البلاذري» .

و ما يتبادر إلى الذهن فورا ضعف هذا الاتهام، و سقوط روايته لأسباب أهمها:

-استبعاد أن عثمان يمكن أن يتهم عليا بتزوير الكتاب فالغلام غلامه، و البعير بعيره و الخاتم خاتمه فكيف يصل علي إلى هذا كله، بل كيف يصل إلى خاتمه و هو بيد كاتبه مروان بن الحكم.

-الخط الذي كتب به الكتاب خط مروان و قد عرف.

-كيف يمكن لعلي أن يكتب كتابا لابن أبي سرح بقتل محمد بن أبي بكر و أصحابه و هم ليسوا بأعداء لعلي، بل من محبيه و مؤيديه.

-و لما ذا يكتب علي إلى ابن أبي سرح بالقتل، و المعروف عنه تقواه و خوفه من اللّه، و العمل من أجل إخماد الفتنة و قد لعب دورا كبيرا في ذلك. و قد تدخل لدى المعارضين و أقنعهم بالعودة إلى ديارهم.

-ما مصلحة علي من ذلك، لا نرى له أي مصلحة و قد كان إلى جانب عثمان يحاول دائما معالجة الأمور و تدارك الأخطار و التدخل لمنع الانهيار، و دفع عثمان-أكثر من مرة-في الاتجاه الذي يحرره من سيطرة أقربائه و العمل من أجل مد الجسور بينه و بين المعارضين.

من هنا يستبعد، بل يستحيل أن يكون عثمان قد وجه اتهاما لعلي بتزوير الكتاب، أو أنه فكر بذلك، لأنه كان مقتنعا أن هذا العمل من مروان.

414

اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!لا تتهموني في هذا الكتاب و لا تظنوا أني كتبته، فإنكم إن قلتم ذلك أثمتم، فو اللّه ما كتبته و لا أمرت به و الآن فإنكم تعطون الحق و يعمل فيكم بكتاب اللّه و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم حتى ترضوا و تعتبوا[ (1) ].

قال: فوثب إليه كنانة بن بشر التجيبي فقال: يا عثمان!إننا لا نرضى بالصفة دون العمل قد عاتبناك فأعتبتنا بزعمك فكتبت لنا بالوفاء إلى ذلك كتابا و أشهدت شهودا و أعطيتنا عهد اللّه و ميثاقه، ثم إنك كتبت فينا ما كتبت!فقال عثمان: إني لم أكتب و قد حلفت لكم و ليس يجب عليّ شي‏ء هو أكبر من اليمين، فقال كنانة بن بشر: إننا لا نصدّقك على يمينك.

قال: ثم وثب كثير بن عبد اللّه الحارثي فقال: يا عثمان!أ تظن أنك تنجو منا و قد فعلت ما فعلت؟فقال عثمان: يا سبحان اللّه!أما لهذا أحد يكفينيه؟قال:

فقام إليه موالي عثمان فأثخنوهم ضربا، ثم إنهم حصبوا عثمان من كل جانب حتى نزل عن المنبر و قد كاد أن يغشى عليه فحملوه حملا حتى أدخلوه إلى منزله‏[ (2) ].

قال: و دخل عليه نفر من الصحابة يتوجعون له لما نزل به، و في جملة من [دخل‏]عليه عليّ بن أبي طالب، فقالت له بنو أمية: يا ابن أبي طالب!إنك كدرت علينا العيش و أفسدت علينا أمرنا و قبحت محاسن صاحبنا، أما و اللّه لئن بلغت الذي ترجو لنجاهدنّك أشدّ الجهاد،

قال: فزبرهم علي رضي اللّه عنه و قال: اعزبوا فما بلغ اللّه لكم من القدر ما تحابون!فإنكم سفهاء و أبناء سفهاء و طلقاء و أبناء طلقاء، إنكم لتعلمون أنه ما لي في هذا الأمر ناقة و لا جمل.

ثم خرج علي من عند عثمان مغضبا.

قال: فلما كان من غد جلس عثمان و كتب إليهم كتابا، نسخته: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين المسلمين، سلام [ (1) ]قال في العقد الفريد 4/289 فسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبي... قالوا: لا نبرئ عثمان إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نمتحنه و نعرف أمر هذا الكتاب... فإن يك عثمان كتبه عزلناه، و إن يك مروان كتبه على لسانه نظرنا في أمره (انظر مروج الذهب 2/380) .

[ (2) ]في البداية و النهاية 7/196 قال له جهجاه: قم يا نعثل فانزل عن هذا المنزل و أخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى... فنزل عثمان... فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر و قتل.

415

عليكم، أما بعد!فإني أذكركم اللّه الذي أنعم عليكم بالإسلام، و هداكم من الضلال، و أنقذكم من الكفر، و أراكم اليسار و أوسع عليكم في الرزق، و بصركم من العمى، وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظََاهِرَةً وَ بََاطِنَةً [ (1) ] وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ [ (2) ]فاتقوا اللّه! وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ (3) ] وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ*`وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ وَ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ* [ (4) ]يا أيها الذين آمنوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثََاقَهُ اَلَّذِي وََاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ* [ (5) ] يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا فَعَلْتُمْ نََادِمِينَ [ (6) ] إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ وَ أَيْمََانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ‏[وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ] وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ [ (7) ]ألا!و قد علمتم أن اللّه تعالى رضي لكم السمع و الطاعة و حذركم المعصية و الفرقة و تقدم إليك في ذلك لتكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة اللّه و احذروا عذابه فإنكم لم تجدوا أمة هلكت من قبلكم إلا من بعد ما اختلفت و لم يكن لها رأس يجمعها، و متى تفعلون بي ما قد أزمعتم عليه فإنكم لا[ (8) ]تقيمون صلاة جميعا و لا تخرجون زكاة جميعا، و يسلط عليكم عدوكم و يستحل بعضكم حرمات بعض، ثم تكونوا شيعا، كما قال اللّه تعالى:

إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كََانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّمََا أَمْرُهُمْ إِلَى اَللََّهِ [ (9) ] الآية، ألا و إني أوصيكم بما أوصاكم اللّه به و أحذركم بما حذركم اللّه به من عذابه، [ (1) ]سورة لقمان الآية 20.

[ (2) ]سورة إبراهيم الآية 34.

[ (3) ]آل عمران الآية 102.

[ (4) ]آل عمران الآيتان 104-105.

[ (5) ]سورة المائدة الآيتان 6، 7.

[ (6) ]سورة الحجرات الآية 6.

[ (7) ]سورة آل عمران الآية 77.

[ (8) ]عند ابن سعد 3/67 لا تصلوا جميعا أبدا و لا تغزوا جميعا أبدا و لا يقسم فيؤكم بينكم. و انظر فيه ص 71 رواية أخرى.

[ (9) ]سورة الأنعام الآية 159.

416

فقد علمتم أن شعيبا عليه السلام لما نسبه قومه إلى الشقاق قال اللّه تعالى: لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صََالِحٍ وَ مََا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ* [ (1) ]و اعلموا أيها الناس!أني قد أنصفتكم و أعطيتكم من نفسي الرضا على أن أعمل فيكم بالكتاب و السنة و أسير فيكم بالسيرة و أعزل عن أمصاركم من كرهتم و أولي عليكم من أحببتم، و أنا أضمن لكم من نفسي أن أعمل فيكم بما كانا يعملان الخليفتان من قبلي جهدي و طاقتي فقد علمتم أن من تولى أمر الرعية يصيب و يخطئ، و كتابي هذا معذرة إلى اللّه و إليكم و يتصل إليكم مما كرهتم‏ وَ مََا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاََّ مََا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ* [ (2) ] فاكتفوا مني بهذا العهد إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً [ (3) ]و إني أتوب إلى اللّه من كل شي‏ء كرهتموه و أستغفره من ذلك فإنه لا يغفر الذنوب إلا اللّه، و قد تبت إلى اللّه من كل ما كرهتموه فإن رحمته وسعت كل شي‏ء-و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‏[ (4) ]-.

قال: فلما جاءهم كتاب عثمان و قرأوه لم يقبلوا شيئا مما و عظهم به ثم نادوا من كل ناحية و أحاطوا بداره و خاصموه و عزموا على قتله و خلعه.

ذكر استنصار عثمان بعماله لما أيس من رعيته‏

قال: و خشي أن يعاجله القوم فيقتل، فكتب إلى عبد اللّه بن عامر بن كريز و هو الأمير بالبصرة و إلى معاوية بن أبي سفيان، و هو أمير الشام بأجمعها فكتب إليهم عثمان نسخة واحدة[ (5) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أما بعد!فإن أهل البغي و السفه و الجهل و العدوان من أهل الكوفة و أهل مصر و أهل المدينة قد أحاطوا بداري‏و لم يرضهم شي‏ء دون قتلي أو خلعي سربالا سربلنيه ربي، ألا!و إني ملاق ربي فأعنّي برجال ذوي نجدة و رأي، فلعلّ ربي يدفع بهم عنّي بغي هؤلاء الظالمين الباغين عليّ-و السلام-.

[ (1) ]سورة هود الآية 89.

[ (2) ]سورة يوسف الآية 53.

[ (3) ]سورة الإسراء الآية 34.

[ (4) ]نسخة الرسالة في الطبري 5/140-141.

[ (5) ]نسخة أخرى للكتاب في الطبري 5/115 و الإمامة و السياسة 1/36 و فيه أن عثمان كتب إلى المسلمين الذين حضروا الموسم و بعثه مع نافع بن طريف يستغيثهم و أهل مكة. نسخته فيه ج 1/36.