الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
417

قال: و أما معاوية فإنه أتاه بالكتاب المسور بن مخرمة فقرأه لمّا أتاه ثم قال: يا معاوية!إن عثمان مقتول فانظر فيما كتبت به إليه، فقال معاوية: يا مسور!إني مصرّح أن عثمان بدأ فعمل بما يحبّ اللّه و يرضاه ثم غيّر فغير اللّه عليه، أ فيتهيأ لي أن أردّ ما غيّر اللّه عزّ و جلّ‏[ (1) ].

قال: و أما عبد اللّه بن عامر فإنّه لمّا ورد عليه كتاب عثمان نادى في أهل البصرة فجمعهم ثم قال: أيها الناس!إن أمير المؤمنين كتب إليّ يخبرني أن شرذمة من أهل الكوفة و أهل المدينة و أهل مصر نزلوا بساحته، فأعطاهم من نفسه النصفة و دعاهم إلى الحق، فلم يقبلوا ذلك منه، و إنه كتب إليّ يسألني أن أبعث إليه منكم نفرا من أهل الدين و الصلاح فلعل اللّه أن يدفع بكم عنه ظلم الظالمين و عدوان المعتدين، قال:

فأمسك الناس عنه و لم يجبه أحد منهم بشي‏ء[ (2) ].

قال: و علم أهل المدينة و أهل الكوفة و أهل مصر أن عثمان قد كتب إلى أهل الشام و أهل البصرة يستنجدهم، فكبس عليهم فلجوا في حصاره و منعوه من الماء، فأشرف عليهم من جدار داره ثم قال: أيها الناس!هل فيكم علي بن أبي طالب؟ قالوا: لا، فسكت و نزل. قال: و بلغ ذلك عليا رضي اللّه عنه و هو في منزله، فأرسل إليه بغلامه قنبر فقال: انطلق إلى عثمان فسله ما ذا يريد، فجاء قنبر إلى عثمان فدخل و سلم ثم قال: إن مولاي أرسلني إليك يقول لك: ما الذي تريد؟فقال عثمان: أردته أن يوجه إليّ بشي‏ء من الماء فإني قد منعته و قد أضرّ بي العطش و بمن معي في هذه الدار!فرجع قنبر إلى عليّ فأخبره بذلك، فأرسل إليه عليّ ثلاث قرب من الماء مع نفر من بني هاشم، فلم يتعرض لهم أحد حتى دخلوا على عثمان فأوصلوا إليه الماء[ (3) ]، فشرب و شرب من كان معه في الدار.

قال: و دخل عمرو بن العاص على عثمان مسلّما، فقال له عثمان: يا ابن [ (1) ]في الطبري 5/115 أن معاوية بعد وصول كتاب عثمان إليه تربص به. عندئذ أرسل عثمان يستغيث بيزيد بن أسد بن كرز البجلي و بأهل الشام. فاستنفر الناس و ندبهم و لما وصلوا إلى وادي القرى جاءهم خبر مقتل عثمان فرجعوا.

[ (2) ]و عند الطبري أن عبد اللّه استنفر الناس فأجابوه و استعمل عليهم مجاشع بن مسعود فساروا حتى وصلت مقدمتهم صرار أخبروا بمقتل عثمان (5/116) .

[ (3) ]في مروج الذهب 2/380 فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم و بني أمية. و في العقد الفريد 4/290 جرح بسببها عدة من موالي بني هاشم و بني أمية، حتى وصل إليه الماء.

418

العاص!و أنت أيضا ممن تولّيت على الناس فيما بلغني و تسعى في الساعين عليّ حتى قد أضرمتها و أسعرتها ثم تدخل مسلّما عليّ!فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين!إنه لا خير لي في جوارك بعد هذا، ثم خرج عمرو من ساعته و مضى حتى قد صار إلى الشام و نزل بأرض فلسطين و كان بها مقيما.

قال: ثم أقبل عثمان حتى أشرف على الناس ثانية فسلم عليهم، فردوا عليه سلاما ضعيفا، فقال عثمان: أ فيكم طلحة؟قال: نعم ها أنا ذا، فقال عثمان:

سبحان اللّه!ما كنت أظن أن أسلم على جماعة أنت فيهم و لا ترد عليّ السلام، فقال طلحة: إني قد رددت عليك، فقال عثمان: لا و اللّه ما ذلك لك يا أبا محمد!إني أسمعتك السلام و لم تسمعني الردّ. قال: و سمع عثمان بعضهم يقول: لا نقتله و لكنا نعزله، فقال عثمان: أما عزلي فلا يكون، و أما قتلي فعسى و أنا أرجو أن ألقى اللّه و بأسكم بينكم، قال: و تكلم رجل من الأنصار يقال له مجمع بن جارية[ (1) ] فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، أخاف و اللّه أن يقتل هذا الرجل، فقال له رجل من الصحابة: و إن قتل فما ذا و اللّه نبي مرسل و لا ملك مقرب!قال: و عثمان مشرف من جدار داره يسمع ذلك.

ذكر استمالة القلوب بعد إياسه من نصرة عماله‏

فقال عثمان: أ هاهنا سعد بن أبي وقاص؟أ هاهنا الزبير بن العوام؟فقالا:

نعم، نحن ههنا فقل ما تشاء!فقال: ناشدتكم اللّه تعالى جميعا بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال يوما: «من يبتاع لي مربد بني فلان غفر اللّه له» ، فابتعته ثم أتيت النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فقلت: يا رسول اللّه!إني قد ابتعت لك مربد فلان، فقال: «اجعله في المسجد و أجره لك» ، ففعلت ذلك؟فقالوا: قد كان ذلك، قال عثمان: اللهم اشهد!ثم قال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال يوما: «من يبتاع بئر رومة غفر اللّه له» ، فابتعتها فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم:

«اجعلها سقاية للمسلمين و أجرها لك» ، ففعلت ذلك؟فقالوا: قد كان ذلك، قال [ (1) ]عن الإصابة، و هو مجمع بن جارية بن عامر بن مجمع بن العطاف... بن عوف الأنصاري الأوسي.

بعثه عمر إلى الكوفة يعلمهم القرآن. و بالأصل حارثة بدل جارية. تحريف.

419

عثمان: اللهم اشهد!ثم قال: أنشدكم باللّه الذي لا إله إلا هو. هل تعلمون أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم نظر ذات يوم في وجوه أصحابه و ذلك في يوم جيش العسرة فقال: «من جهز هؤلاء غفر اللّه له» ،

فجهزتهم حتى ما فقدوا خطاما و لا عقالا[ (1) ]؟فقالوا[ (2) ]:

قد كان كل الذي ذكرت و لكنك غيّرت و بدلّت، فقال عثمان: يا سبحان اللّه!ألستم تعلمون أنكم دعوتم اللّه ربكم يوم توفي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن يختارني لكم؟قالوا: بلى، قال عثمان: فما ظنكم باللّه تبارك و تعالى أ تقولون إنه لم يستجب لكم وهنتم عليه؟أم تقولون إنه هان عليه هذا الدين فلم يبال من ولاه أمره؟أم تقولون إن اللّه لم يعلم ما في عاقبة أمري حين كنت في بعض أمري محسنا ثم إني أحدثت من ذلك ما أسخط اللّه عزّ و جلّ؟فهل لا عافاكم اللّه؟فقد تعلمون ما لي من الفضائل الشريفة و السوابق الجميلة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فارتدعوا عما قد أزمعتم عليه من قتلي‏[ (3) ]، فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفعه اللّه عزّ و جلّ عنكم أبدا إلى يوم القيامة، فاتقوا اللّه فإني أدعوكم إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذه مفاتيح بيوت أموالكم ادفعوها إلى من شئتم و أمروا على أمصاركم من أحببتم و أنتم معتبون من كل ما ساءكم، و أما ما ادعيتم عليّ أني كتبت فيكم فهاتوا بينتكم، و إلا فأنا أحلف لكم باللّه العظيم أني ما كتبت هذا الكتاب و لا أمرت به، قال: فنادته قوم من المصريين: يا هذا إننا قد اتهمناك فاعتزلنا و إلا قتلناك.

قال: فسكت عثمان و تكلم زيد بن ثابت و كان إلى جانب عثمان، فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كََانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّمََا أَمْرُهُمْ إِلَى اَللََّهِ [ (4) ]، قال:

فصاح به الناس: يا زيد!إن عثمان قد أشبعك من أموال الأرامل و لا بد لك من نصره.

قال: فنزل عثمان من موضعه ذلك إلى داره و أقبل إليه عبد اللّه بن سلام فقال:

[ (1) ]الحديث في مسند أحمد 1/70 و نقله ابن كثير عنه في البداية و النهاية 7/198-199 و الطبري باختلاف و اختصار 5/125.

[ (2) ]عند ابن كثير: فقالوا: اللهم نعم!فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد اللهم اشهد، ثم انصرف.

[ (3) ]زيد في الكامل لابن الأثير 2/289 قالوا: و أما ما ذكرت من قدمك و سلفك مع رسول اللّه (ص) فقد كنت كذلك و كنت أهلا للولاية، و لكن أحدثت ما علمته و لا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا.

[ (4) ]سورة الأنعام الآية 159.

420

يا أمير المؤمنين!إن حقك اليوم على كل مسلم كحق الوالد على الولد، فأمّرني بأمرك!فقال له عثمان: تخرج إلى هؤلاء القوم تكلمهم، فعسى اللّه تبارك و تعالى أن يجري على يديك خيرا أو يدفع بك شرا.

قال: فخرج عبد اللّه بن سلام إلى الناس، فلما نظروا إليه ظنوا أنه إنما جاء ليكون معهم، فرحبوا به‏و أوسعوا له في المجلس، فلما جلس حمد اللّه و أثنى عليه و صلى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم وعظهم و ذكرهم و قال‏[ (1) ]: أيها الناس!إن اللّه تبارك و تعالى اختار من الأديان كلها دين الإسلام، ثم اختار لدينه رسولا جعله بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا، ثم اختار له من البقاع المدينة فجعلها دار الهجرة و دار الإسلام، فلم تزل الملائكة تحف بها مذ سكنها رسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم إلى يومكم هذا و ما زال سيف اللّه مغمودا عنكم، فأنشدكم اللّه أن لا تطردوا جيرانكم من الملائكة و أن لا تسلّوا سيف اللّه المغمود، فإن للّه عزّ و جلّ سيفا لم يسلّه قط على قوم حتى يسلّوه على أنفسهم، فإذا سلوه لم يغمده عنهم إلى يوم القيامة، فإياكم و قتل هذا الشيخ!فإنه خليفة، و و اللّه!ما قُتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا من أمته عقوبة لهم، و لا قُتل خليفة من بعده إلا قتل به خمسة و ثلاثون ألفا، فاتقوا اللّه ربكم في هذا الشيخ. قال: فنادوه من كل جانب: كذبت يا يهودي!فقال عبد اللّه بن سلام: بل كذبتم أنتم، لست بيهودي و لكني تركت اليهودية و تبرأت منها و اخترت اللّه و رسوله و دار الهجرة و الإسلام، و قد سماني اللّه تبارك و تعالى بذلك مؤمنا، فقال عزّ و جلّ فيما أنزل على نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ [ (2) ]و لقد أنزل اللّه تعالى آية أخرى إذ يقول اللّه عزّ و جلّ: قُلْ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ [ (3) ].

قال: ثم وثب عبد اللّه بن سلام من عند القوم فصار إلى عثمان فأخبره بذلك، فبقي عثمان لا يدري ما يصنع.

[ (1) ]قارن مع الطبري 5/130 و الإمامة و السياسة 1/42.

[ (2) ]سورة الأحقاف آية 10.

[ (3) ]سورة الرعد الآية 43. ـ

421

خروج عائشة إلى الحج لما حوصر عثمان و أشرف على القتل و مقالها فيه‏

قال: و عزمت عائشة على الحج، و كان بينها و بين عثمان قبل ذلك كلام، و ذلك أنه أخّر عنها بعض أرزاقها إلى وقت من الأوقات فغضبت، ثم قالت: يا عثمان!أكلت أمانتك و ضيقت رعيتك و سلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، لا سقاك اللّه الماء من فوقك و حرمك البركة من تحتك!أما و اللّه لولا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ذو ثياب و بصائر يذبحوك كما يذبح الجمل، فقال لها عثمان:

ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَ اِمْرَأَتَ لُوطٍ كََانَتََا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبََادِنََا صََالِحَيْنِ فَخََانَتََاهُمََا فَلَمْ يُغْنِيََا عَنْهُمََا مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ اُدْخُلاَ اَلنََّارَ مَعَ اَلدََّاخِلِينَ [ (1) ].

قال: و كانت عائشة تحرض على قتل عثمان جهدها و طاقتها و تقول: أيها الناس!هذا قميص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يبل و بليت سنته، اقتلوا نعثلا[ (2) ]، قتل اللّه نعثلا.

قال: فلما نظرت عائشة إلى ما قد نزل بعثمان من إحصار القوم له قربت راحلتها و عزمت على الحج، فقال لها مروان بن الحكم: يا أم المؤمنين!لو أنك أقمت‏[ (3) ]لكان أعظم لأجرك، فإن هذا الرجل قد حوصر فعسى اللّه تبارك و تعالى أن يدفع بك عن ذمه!فقالت: الآن تقول هذا و قد أوجبت الحج على نفسي، لا و اللّه لا أقمت، و جعل مروان‏[ (4) ]يتمثل بهذا البيت:

ضرم قيس على البلاد دما # إذا اضطرمت يوم به أحجما[ (5) ]

[ (1) ]سورة التحريم الآية 10.

[ (2) ]نعثل: رجل من أهل مصر كان طويل اللحية، قيل إنه كان يشبه عثمان رضي اللّه عنه. و كان عثمان إذا نيل منه و عيب شبه بهذا الرجل المصري. (اللسان) .

[ (3) ]في تاريخ اليعقوبي 2/175 لو قمت فأصلحت بين هذا الرجل و بين الناس.

[ (4) ]عند اليعقوبي: قال: فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين. قالت لعلك ترى إني في شك من صاحبك؟أما و اللّه لوددت أنه مقطع في غرارة من غرائري، و إني أطيق حمله فأطرحه في البحر.

[ (5) ]البيت للربيع بن زياد العبسي و هو في شرح الحماسة و العقد الفريد 4/299 و فيه:

و حرق قيس على البلا # د حتى اضطرمت أجذما

و البيت على ما في الأصل ساقط الوزن.

422

فقالت عائشة: قد فهمت ما قلت يا مروان!فقال مروان: قد تبينت ما في نفسك، فقالت: هو ذاك.

ثم إنها خرجت تريد مكة، فلقيها ابن عباس فقالت له: يا ابن عباس!إنك قد أوتيت عقلا و بيانا فإياك أن ترد الناس عن قتل هذا الطاغي عثمان، فإني أعلم أنه سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر، ثم إنها مضت إلى مكة و تركت عثمان على ما هو فيه من ذلك الحصار و الشدة.

ذكر ما أشير به على عثمان من إحراز دمه و النظر لنفسه‏

قال: و أقبل سعيد بن العاص على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين!أرى لك من الرأي أن تخرج على القوم و أنت ملبّ كأنك تريد الحجّ، فإني أرجو أن لا يتعرضوا لك إذا نظروا إليك ملبيا، ثم تأتي مكة، فإذا أتيتها لم يقدم عليك أحد بما تكرهه، فقال عثمان: لا و اللّه لا أختار على هذه المدينة التي اختارها اللّه تعالى لرسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم.

قال: فقال له سعيد بن العاص الثقفي: يا أمير المؤمنين!فإني أخبرك بثلاث خصال فاختر واحدة، قال عثمان: و ما ذلك؟قال: إما أن تقاتل القوم و تجاهدهم فنقاتل معك حتى نفني أرواحنا، قال عثمان: ما أريد ذلك، قال: فتركب نجائبك حتى تأتي الشام، فإن بها معاوية و هو ابن عمك‏و بها شيعتك و أنصارك، قال عثمان: و اللّه لا أريد ذلك!قال: فأقلك على نجائبي حتى أقدم بك البصرة، فإن بها قوما من الأزد و فيهم معروف لي و هم لي شاكرون، فتنزل بين أظهرهم فيمنعوك، فقال عثمان: لا و اللّه لا خرجت من المدينة كائنا في ذلك ما كان.

قال: و أقبل أسامة بن زيد إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: يا أبا الحسن!و اللّه لأنك أعز عليّ من سمعي و بصري، و إني أعلمك أن هذا الرجل ليقتل، فاخرج من المدينة و سر إلى ضيعتك ينبع‏[ (1) ]، فإنه إن قتل و أنت بالمدينة [ (1) ]ينبع: موضع على سبع مراحل من المدينة، قال ابن دريد: ينبع بين المدينة و مكة.

قال في الإمامة و السياسة 1/34: و ذكروا أنه لما اشتد الطعن على عثمان، استأذنه علي في بعض بواديه ينتحي إليها فأذن له.

423

شاهد رماك الناس بقتله، و إن قتل و أنت غائب لم يعذل بك أحد من الناس بعده،

فقال له علي: ويحك!و اللّه إنك لتعلم أني ما كنت في هذا الأمر إلا كالآخذ بذنب الأسد، و ما كان لي فيه من أمر و لا نهي.

قال: ثم دعا علي بابنه الحسن، فقال: انطلق يا ابني إلى عثمان فقل له:

يقول لك أبي: أ فتحب أن أنصرك!فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان: لا ما أريد ذلك، لأني قد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في منامي فقال: يا عثمان! إن قاتلتهم نصرت عليهم، و إن لم تقاتلهم فإنك مفطر عندي‏[ (1) ]، و إني قد أحببت الإفطار عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فسكت الحسن و انصرف إلى أبيه فأخبره بذلك.

ذكر ما كان منهم من حرق الباب و الاقتحام على الدار

قالوا: قد كان طلحة بن عبيد اللّه قد استولى على حصار عثمان مع نفر من بني تيم‏[ (2) ]، و بلغ ذلك عثمان فأرسل إلى علي بهذا البيت:

فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي # و إلا فأدركني و لمّا أمزّق‏[ (3) ]

أ ترضى أن يقتل ابن عمك و ابن عمتك و يسلب نعمتك و أمرك؟

فقال علي رضي اللّه عنه: صدق و اللّه عثمان!لا و اللّه لا نترك ابن الحضرمية يأكلها.

ثم خرج علي إلى الناس، فصلى بهم الظهر و العصر، و تفرق الناس عن طلحة و مالوا إلى علي، فلما رأى طلحة ذلك أقبل حتى دخل على عثمان فاعتذر إليه [ (1) ]طبقات ابن سعد 3/75 و ابن كثير 7/204.

[ (2) ]قال في الإمامة و السياسة 1/52 (من تحقيقنا) : و رجا الزبير و طلحة-بعد خروج علي من المدينة-أن يميلا إليهما قلوب الناس، و يغلبا عليهم، و اغتنما غيبة علي، فكتب عثمان إلى علي إذ اشتد الطعن عليه. أما بعد فقد بلغ السيل الزبى، و جاوز الحزام الطبيين. و ارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره! و زعموا أنهم لا يرضون دون دمي، و طمع فيّ من لا يدفع عن نفسه.

و إنك لم يفخر عليك كفاخر # ضعيف و لم يغلبك مثل مغلب‏

و قد كان يقال: أكل السبع خير من افتراس الثعلب.

و انظر العقد الفريد 4/310 و الكامل للمبرد 1/26.

[ (3) ]البيت للمزق العبدي: الأصمعيات ص 166 الكامل للمبرد 1/26 الإمامة و السياسة 1/53.

424

مما كان منه، فقال له عثمان: يا ابن الحضرمية!و ليت على الناس و دعوتهم إلى قتلي، حتى إذا فاتك ما كنت ترجو و علاك علي رضي اللّه عنه على الأمر جئتني معتذرا، لا قبل اللّه ممن قبل منك.

قال: فخرج طلحة من عنده، و أشرف عثمان على الناس فقال: أيها الناس! إن لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نصيبا جليلا و سابقة في الإسلام، و أنا وال مجتهد، و إن أخطأت في الاجتهاد أو تعمدت فاقبلوا مني فإني أتوب إلى اللّه تعالى و أستغفره مما كان مني، قال: فشتمه المصريون خاصة شتما قبيحا.

فتكلم زيد بن ثابت و قال: يا معشر الأنصار!إنكم قد نصرتم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فكنتم أنصار اللّه فانصروا خليفته اليوم لتكونوا أنصار اللّه مرتين فتستحقوا الأجرين. قال:

فناداه جبلة بن عمرو الساعدي‏[ (1) ]و قال: كلا و اللّه يا زيد!لا يقبل ذلك منك، و لا نحب أن نكون عند اللّه غدا من أولئك الذين قالوا: إِنََّا أَطَعْنََا سََادَتَنََا وَ كُبَرََاءَنََا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ [ (2) ]، و اللّه يا زيد!إذا لم يبق من عمره إلا ما بين العصر إلى الليل، لتقربنا إلى اللّه بدمه، قال: و صاح الحجاج بن غزية الأنصاري‏[ (3) ]بالقاعة من أهل مصر فقال: لا تسمعوا من هذا القائل ما قال، و اعزموا على ما أنتم عليه عازمون، فواللّه ما تدري هذه البقرة ما تقول.

قال: فسب القوم زيد بن ثابت. و بادر رجل من القوم إلى شي‏ء من الحطب، فأضرم فيه النار[ (4) ]و جاء به حتى وضعه في إحدى البابين، فاحترق الباب و سقط، و دفع الناس الباب الثاني فسقط أيضا، فأنشأ المغيرة بن الأخنس بن شريق يقول:

لما تهدمت الأبواب و احترقت # تممت منهن بابا غير محترق‏

[ (1) ]يعد في أهل المدينة، من فضلاء الصحابة و فقهائهم. شهد صفين مع علي. قال ابن الأثير:

«الأنصاري» ، و قوله: «الساعدي و هم» . (أسد الغابة) .

[ (2) ]الأحزاب: 67.

[ (3) ]كذا بالأصل، و هو حجاج بن عمرو بن غزية بن ثعلبة... الأنصاري الخزرجي ثم من بني مازن بن النجار. له صحبة. (أسد الغابة) .

[ (4) ]في الطبري أن اقتحام الباب و حرقه كان بسبب قتل نيار بن عياض أحد الصحابة-و كان مع الناس-و قد رماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم، فقالوا لعثمان: ادفع لنا قاتله فلنقتله به فرفض فثاروا إلى الباب فأحرقوه. (5/124) .

425

شدا أقول لعبد اللّه آمره # إن لم تقاتل لذي عثمان فانطلق

هو الإمام فلست اليوم تاركه # إن الفرار عليّ اليوم كالسرق

فلست أتركه ما دام بي رمق # حتى يفرق بين الرأس و العنق‏

قال: فلما نظر عثمان إلى الباب و قد احترق، ، قال لمن عنده في الدار: ما أحرق الباب إلا لأمر هو أعظم من إحراقه. ثم اقتحم الناس الدار على عثمان و هو صائم، و ذلك في يوم الخميس أو يوم الجمعة لثماني عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة و أحد عشر شهرا خلت من مقتل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قال: و التفت عثمان إلى الحسن بن علي و هو جالس عنده فقال: سألتك باللّه يا ابن الأخ إلا ما خرجت!فإني أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك، فخرج الحسن بن علي رضي اللّه عنه و خرج معه عبد اللّه بن عمر.

426

ذكر مقتل عثمان رحمة اللّه عليه‏

قال: و نظر عثمان فإذا مروان و قد سل سيفه و تهيّأ للقتال و هو يقول:

آليت جهدا لا أبايع بعده # إماما و لا أصغي لما قال قائل

و أصلى بحرّ الحرب ما هبّت الصبا # بذي رونق قد أصقلته الصياقل

حسام كلون الملح ليس بعائد # إلى الجفر ما هبت رياح الشمائل

أجالد من دون ابن عفان أنه # إمام و قد حلّت لديه الفضائل‏

قال: فقال عثمان: عزمت عليك إن قاتلت!قال: و أنا أعزم على نفسي إن لم أقاتل.

قال: ثم شد مروان على الناس هو و سعيد بن العاص و المغيرة بن الأخنس، و عبد اللّه بن أبي ربيعة[ (1) ]و عبد اللّه بن ميسرة بن عوف بن السباق، و عبد اللّه بن عبد الرحمن بن العوام، و رجال من موالي عثمان فشدوا على من دخلوا في الدار[ (2) ]، فدفعوهم حتى أخرجوهم من الدار، قال: فالتفت عثمان إلى مواليه و قد سلوا سيوفهم، قال: من وضع سلاحه و أغمد سيفه فهو حر لوجه اللّه!انصرفوا [ (1) ]عن أسد الغابة 3/155 و بالأصل «زمعة» قال ابن الأثير أنه لما حصر عثمان جاء لينصره فسقط عن راحلته قرب مكة فمات.

[ (2) ]في الطبري أن الذي شجع مروان و أصحابه على القتال أنه بلغهم أن مددا من أهل البصرة نزلوا صرارا و أن أهل الشام قد توجهوا مقبلين إلى المدينة لنصرتهم. (5/125) .

427

يا هؤلاء إلى منازلكم و دعوني و القوم!فأغمد القوم سيوفهم.

و أقبل عثمان على من معه في الدار من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: أعزم على كل من يرى لنا عليه طاعة أن لا يمد يده و لا سلاحه!قال: و كفّ الناس عن القتال، و رمي عثمان بالحجارة من وراء داره من دار ابن حزم‏[ (1) ]الأنصاري، فقال عثمان: ما هذه الحجارة؟قال: فصاح رجل منهم: لسنا نرميك يا عثمان و لكن اللّه يرميك، فقال عثمان: كذبتم، لو رماني ربي لما أخطأني.

قال: و اقتحم الناس الدار ثانية و قد أصلتوا سيوفهم و عثمان ساكت لا يحرك يدا و لا رجلا، فلما نظر اقتحامهم عليه قال: ادخلوا فإنّ لي مصرعا قد كتبه اللّه عليّ و أنا لاقيه، و إني لصائم حتى ألقى ربي.

قال: و تقدم المغيرة بن الأخنس بالسيف و هو يرتجز و يقول:

قد علمت جارية عطبول # لها و شاح و لها جديل‏[ (2) ]

أني بنصل السيف خنشليل # لتمنعنّ منكم الخليل‏[ (3) ]

بصارم ليس به فلول‏

قال: فشدّ عليه رفاعة بن رافع الأنصاري و هو يقول:

قد علمت ذات القرون الميل # و الكف و الأنامل الطفول

أني أروع أول الرعيل # [بفاره‏]مثل قطا الشليل‏[ (4) ]

ثم شد عليه الأنصاري فقتله‏[ (5) ]، قال: ثم تقدم مروان بن الحكم بالسيف و هو يقول:

قد علم القوم إذا الحرب اشتعل # و انتضى الأسياف فيها و الأسل‏

[ (1) ]عن الطبري 5/125 و البداية و النهاية 7/210 و ابن الأثير 2/293 و بالأصل «ابن حرب» تحريف.

في العقد الفريد 4/290 محمد بن حزم الأنصاري.

[ (2) ]في الطبري 5/125 حجول. و في صفحة 128 ذات و شاح و لها جديل.

[ (3) ]في الطبري 5/128 لأمنعن منكم خليلي.

[ (4) ]الأرجاز في الطبري 5/123 و تمثل بها مروان بن الحكم، و في الطبري أيضا 5/129 ذكر الرجزين الأولين مع آخرين غيرهما تمثل بهما المغيرة بن الأخنس الثقفي.

[ (5) ]في الطبري: قتله عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي.

428

و احولت الأحداق فيها و المقل # إني أنا الليث هناك و القلل‏

قال: فقصده الحجاج بن‏[عمرو بن‏][ (1) ]غزية الأنصاري و هو يقول:

قد علمت بيضاء حسناء الطلل # واضحة الخدين عجزاء الكفل

إني غداة الروع مقدام بطل # اطحطح الهامات و الحرب و هل‏

قال: ثم شد على مروان فضربه ضربة على عاتقه‏[ (2) ]، فقطع الدرع و وصل السيف إلى عاتق مروان فجرحه جراحة منكرة.

قال: و تقدم عبد اللّه بن عبد الرحمن بن مروان بن العوام حين وقف في وجوه القوم فقال: يا هؤلاء!أما تتقون اللّه في هذا الشيخ؟و قد علمتم أنه إمام مفترض الطاعة!يا هؤلاء بيننا و بينكم كتاب اللّه و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، قال: فشد عليه عبد الرحمن بن حنبل الجمحي‏فضربه بسيفه ضربة قتله، ثم انصرف عنه و هو بقول:

لأضربن اليوم بالقرصاب # ضرب امرئ ليس بذي ارتياب

أ أنت تدعو إلى الكتاب # نبذته في سالف الأحقاب‏

قال: و اقتحم الأشتر الدار و سيفه في يديه، فنظر إليه مولى لعثمان فحمل عليه يريد قتله، فالتفت إليه الأشتر فضربه‏[ضربة]قتله، ثم شد على عبد اللّه بن وهب بن زمعة بن الأسود فقتله‏[ (3) ]، ثم حمل على مولى لعثمان فضربه ضربة فأطبّ يده اليسرى، ثم ضربه أخرى فقتله، و شدّ على عبد اللّه بن ميسرة بن عوف فقتله، ثم أقبل الأشتر يريد عثمان ليقتله، فلمّا نظر إليه وحيدا ليس عنده مانع ندم و استحيا فرجع عنه، و صاح رجل من أهل الكوفة يقال له مسلم بن كثير الفرافصي، قال:

ويحك يا أشتر!دخلت على الرجل تريد قتله فلما نظرت إليه نكصت و رجعت عنه.

قال: و دخل محمد بن أبي بكر فلم يكذب إلى أن صار إلى عثمان، فقال:

[ (1) ]سقطت من الأصل، مرت الإشارة إليه قريبا.

[ (2) ]في الطبري 5/125 رفاعة بن رافع الأنصاري هو الذي ضرب مروان بن الحكم. و في ابن الأثير 2/293 ضربه رجل من بني ليث يدعى النباع. ضرب مروان على رقبته فأثبته و قطع إحدى علباويه (العلباوان: أصل العنق و عصبه) .

[ (3) ]كذا بالأصل و الإصابة و أسد الغابة أنه قتل يوم الدار. و في الإصابة عن ابن حبان أنه قتل يوم الحرة و به جزم الكلبي. ـ

429

يا نعثل!فقال عثمان: أنا عثمان بن عفان أمير المؤمنين و أنت كذاب من الكذابين، قال: فضرب محمد بيده إلى لحية عثمان و قال: كيف ترى صنع اللّه بك؟فقال عثمان: ما صنع بي ربي إلا خيرا، فاتق اللّه و دع لحيتي، فإنّ أباك لو كان حيا لم يأخذها أبدا، فقال محمد: لو كان أبي حيا و رآك تفعل هذه الفعال لأنكرها، قال:

فضرب عثمان بيده إلى مصحف عن يمينه فوضعه في حجره ثم فتحه و قال: هذا كتاب اللّه بيني و بينكم، إني أعمل بما فيه و لكم العتبى مما تكرهون، فقال له محمد بن أبي بكر: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ ، ثم جاءه بمشاقص كانت في يده فأدماه و لم يقطع‏[ (1) ]و اللّه أعلم، قال: و أول قطرة قطرت من دمه-و اللّه أعلم-وقعت على هذه الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللََّهُ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ [ (2) ]، قال: ثم تنحى محمد بن أبي بكر و ضربه كنانة بن بشر النخعي بعمود كان في يده على رأسه، و ثناه سودان‏[ (3) ]بن حمران المرادي بالسيف، فسقط عثمان رحمة اللّه عليه على قفاه‏[ (4) ].

قال: و أخذته السيوف و الجراحات فصاحت امرأته نائلة بنت الفرافصة الكلبية: يا هؤلاء!إن تقتلوه فإنه لم يزل صوّاما قوّاما، يحيي الليل و يختم القرآن في ركعة واحدة، قال: فشتموها من كل ناحية و همّوا بقتلها، فتوارت عنهم.

قال: ثم إنهم غادروا عثمان في داره قتيلاو جعلوا يرتجزون بالأشعار.

ذكر ما قيل فيه بعد قتله رضي اللّه عنه‏

قال: فأول من خرج من دار عثمان رضي اللّه عنه عبد الرحمن بن حنبل الجمحي و هو يقول:

[ (1) ]كذا بالأصل و الطبري و ابن الأثير، لكنه ضعف روايته و ثمة اتفاق في المصادر على أن محمد عبث بلحيته ثم ندم و تركه و خرج. و المشقص: سهم فيه نصل عريض.

[ (2) ]سورة البقرة الآية 137.

[ (3) ]بالأصل: «سندان» تحريف و ما أثبتناه عن ابن سعد 3/74.

[ (4) ]اختلف أهل السير في قتله، كيف قتل، و من قتله، و من أجهز عليه. انظر مختلف الأقوال في ذلك:

الطبري 5/130 مروج الذهب 2/381-382 ابن سعد 3/72-74 العقد الفريد 4/291 تاريخ اليعقوبي 2/176 البداية و النهاية 7/210 الإمامة و السياسة 1/43 تاريخ خليفة ص 174-175.

430

فذق أبا عمرو بسوء الفعل # و ذي صنيع فاجر ذي جهل

لما سددت باب كل عدل # و صرت ترجى حقنا بالمطل

عدا عليك أهل كل فضل # بمشرفيات حداث الصقل

كذاك يجري كل عان و عل‏

قال: ثم خرج في أثره سبرة بن درهم و آخر يرتجز و هو يقول:

نحن قتلنا نعثلا ذا السيرة # إذا زاغ عن أعلامنا المنيره

يحكم بالجور على العشيره # و قد قتلنا قبله المغيرة[ (1) ]

نالته أسياف لنا مأثوره # إنا أناس نعرف البصيره

إن نحن أعلنا و في السريره‏

قال: ثم خرج في أثره الحجاج بن‏[عمرو بن‏][ (2) ]غزية الأنصاري و هو يقول:

نحن قتلنا نعثلا في المجلس # نحن جلسناه بشر مجلس

و خر عند الماهر بن الأخنس # حتى جرى طائره بالأبخس

نجوز بين أروس و أروس # خطفا بأطراف الرماح الدّعّس

و فر مروان فرار الأكيس # حين رأى وقع السيوف الخلّس‏

قال: ثم خرج في أثره محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة[ (3) ]و هو يرتجز و يقول:

إنا نهضنا و بنا انتصار # بالسيف و السيف له غرار

و فيلق يقدمها عصار # فدروا سيوفها حذار

قال: ثم خرج سودان‏[ (4) ]بن حمران المرادي و سيفه ملطخ بالدم من عثمان و هو يقول:

[ (1) ]يريد المغيرة بن الأخنس بن شريق.

[ (2) ]سقطت من الأصل، و قد مرت الإشارة إليه.

[ (3) ]هو محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي، أبو القاسم.

صحابي ولد بأرض الحبشة. و كان من أشد الناس تأليبا على عثمان. أقره علي على مصر، و قتله معاوية لما أراد الخروج إلى صفين. (الإصابة) .

[ (4) ]بالأصل «سندان» و قد مرت الإشارة إليه.

431

أقبلن من مصر و من أشتات # عليّ في عتاق مرسلات

ما أن نبالي كلّما قد يأتي # في اللّه ما نلقى من الهنات

من ابن عفان أخي السوءات # المسخط اللّه في أوقات

في غير ما يعطى من الهنات # و نقذف الغي إلى الغوات

إلى بنيه و إلى البنات‏

قال: و دخل حسان بن ثابت يعرض بعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و هو يقول:

خذلته الأنصار أن‏[ (1) ]حضر المو # ت و كانت ثقاته‏[ (2) ]الأنصار

أين أين الوفاء إذ منع الما # ء فدته النفوس و الأبصار[ (3) ]

من عذيري من الزبير و من طلـ # حة هاجا أمرا له أعصار[ (4) ]

ثم قالا أراد يستبدل الدى # ن اعتذارا و للأمور قرار

فوليه‏[ (5) ]محمد بن أبي بك # ر جهارا و بعده عمّار

هكذا ضلت اليهود عن الح # ق بما زخرفت لها الأحبار

باسط للذي يريد ذراعي # ه عليه‏[ (6) ]سكينة و وقار

يرتجي الأمر... ... # كالذي... ... له الأقدار[ (7) ]

قال: و أقبل عبد الرحمن بن أبي بكر و أبو جهم بن حذيفة العدوي إلى باب عثمان فإذا هم بالحجاج بن‏[عمرو بن‏]غزية الأنصاري و معه نفر من بني عمه قد وقفوا على باب عثمان لا يتركون أحدا أن يدخل عليه، فقال أبو جهم بن حذيفة: يا [ (1) ]في مروج الذهب 2/383 و العقد الفريد 4/297: إذ.

[ (2) ]في مروج الذهب: ولاية.

[ (3) ]البيت في العقد:

أين أهل الحياء إذ منع الما # ء فدته الأسماع و الأبصار

[ (4) ]في المروج: و طلحة إذ جاء أمر له مقدار.

[ (5) ]في المروج: «فتولى» و في العقد: ثم وافي. و فيهما: و خلفه عمار.

[ (6) ]في العقد:

باسطا للتي يريد يديه. # و عليه.............

[ (7) ]موضع النقاط غير واضح بالأصل، و البيت في العقد:

يرقب الأمر أن يزف إليه # بالذي سببت له الأقدار

432

هؤلاء!إنكم قد قتلتم الرجل فدعونا نحمله فنصلي عليه!فقالت الأنصار و من هنالك: كلا و اللّه لا ندعكم تصلون عليه حتى يبايع الناس رجلا نرتضيه، فقال أبو جهم بن حذيفة: إنكم لم تدعونا نصلي عليه فإن اللّه و ملائكته قد صلوا عليه، فقال له الحجاج بن‏[عمرو بن‏]غزية الأنصاري: إن كنت كاذبا أدخلك اللّه مدخله!فقال أبو جهم: نعم و حشرني اللّه معه!قال: فقال له رجل من البصريين: لا عليك! فإن اللّه عزّ و جلّ حاشرك معه و مع الشيطان الرجيم، و اللّه إن تركنا إياك من غير أن نلحقك به لعجز، قال: فقال له أصحابه: ويحك أبا جهم!أما لك في نفسك حاجة؟دع القوم و امض لشأنك!فانصرف أبو جهم و هو يقول: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، فتلقاه حسان بن ثابت و قال: ما وراءك يا أبا جهم؟فقال: ورائي و اللّه أن عثمان بن عفان في داره مقتول و قد منعنا أن نصلي عليه!فقال له حسان بن ثابت:

عن قريب ترى غب هذا أبا جهم!فانصرف إلى منزلك و لا تعرض نفسك لهؤلاء الغاغة، فإنه من يقدر على عثمان فيقتله يهون عليه قتل غيره من الناس.

قال: فانصرف أبو جهم إلى منزله، و أنشأ حسان بن ثابت قصيدة[ (1) ]:

من سرّه الموت صرفا لا مزاج له # فليأت مأدبة[ (2) ]في دار عثمانا

مستشعري حلق الماذيّ قد سفعت‏[ (3) ] # قبل المخاطم بيض زان أبدانا

رضيت حقا[ (4) ]بأهل الشام نافرة # و بالأمير و بالإخوان إخوانا

إني لمنهم و إن غابوا و إن شهدوا # ما دمت حيا و ما سميت حسانا

يا ليت شعري و ليت الطير تخبرني # ما كان شأن عليّ و ابن عفانا

لتسمعنّ وشيكا في دياركم‏[ (5) ] # خيلا تكدس تحت النخع فرسانا

[ (1) ]الأبيات في ديوانه المطبوع ص 409 و الطبري 5/151 و ابن الأثير 2/301 و العقد الفريد 4/297- 298 و البيتان الأخيران في مروج الذهب 2/383 و البداية و النهاية 7/219 و الاستيعاب لابن عبد البر.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير و الديوان و العقد و البداية و النهاية: مأسدة.

[ (3) ]الطبري ابن الأثير: شفعت. و البداية و النهاية: فوق بدل قبل.

[ (4) ]الطبري و ابن الأثير: فقد رضينا.

[ (5) ]في المصادر السابقة: ديارهم و بعده في ابن الأثير و العقد:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به # يقطع الليل تسبيحا و قرآنا

433

قال بعض أهل العلم: و كان مقتل عثمان رضي اللّه عنه في أيام التشريق، و قال بعضهم: قتل عثمان يوم الخميس لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين من الهجرة، و قال عوانة بن الحكم: قتل عثمان في يوم الجمعة وقت العصر لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين و هو ابن إحدى و ثمانين سنة، و كان مقتله على رأس إحدى عشرة سنة و أحد عشر شهرا و ثمانية عشر يوما من مقتل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏[ (1) ].

قال: و ترك عثمان قتيلا[ (2) ]إلى أن بويع علي رضي اللّه عنه و أتي به إلى حفرته، و صلى عليه حكيم بن حزام. و قال قوم: بل صلى عليه جبير بن مطعم بن عدي، و دفن ببقيع الغرقد.

[ (1) ]أجمع أهل السير و مترجمو سيرة عثمان رضي اللّه عنه على مقتله في ذي الحجة. و اختلفوا في وقت مقتله، و في مدة ولايته و قدر مدة حياته.

انظر في ذلك: الطبري 5/145-146 مروج الذهب 2/366 تاريخ خليفة ص 177 طبقات ابن سعد 3/77 كتاب المحبر ص 63 العقد الفريد 4/284 مآثر الإنافة 1/95 تاريخ أبي الفداء 1/170.

[ (2) ]في الطبري 5/143 بقي ثلاثة أيام لا يدفن.

434

خلافة امير المؤمنين على بن ابى طالب‏

ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: و أقبل الناس إلى علي بن أبي طالب بعرف الضبع‏[ (1) ]فقالوا: يا أبا الحسن!إنه قد قتل هذا الرجل و لا بد للناس من إمام، و ليس لهذا الأمر أحد سواك، فهلم فبايع الناس حتى يدفن هذا الرجل فإنه في داره قتيل، فقال علي: لا حاجة لي في البيعة، فقال له بعض القوم: يا سبحان اللّه!لم لا تجيب القوم إلى البيعة و قد تعلم أن قتل عثمان كان للّه عزّ و جلّ رضا، فقال علي: ليس الأمر كما تقولون لقد قتلتموه بلا دية و لا قود، فدعوني و التمسوا غيري لهذا الأمر، فإني أرى أمرا له وجوه و لا تقوم لها القلوب و لا تثبت عليها العقول، فعليكم بطلحة و الزبير! قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة و الزبير، فقال علي: أفعل ذلك.

ثم خرج من منزله مع القوم حتى صار إلى طلحة في داره، فقال: يا أبا محمد!إن الناس قد اجتمعوا إليّ في البيعة، و أما أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتى يبايعك الناس، فقال طلحة: يا أبا الحسن!أنت أولى بهذا الأمر و أحق به مني لفضلك و قرابتك و سابقتك، فقال له علي: إني أخاف إن بايعني الناس [ (1) ]كذا بالأصل، و في الطبري 5/153 و البداية و النهاية 7/253 دخل حائط بني عمرو بن مبذول. و في الكامل لابن الأثير 2/302 كان في بيته، و قيل في حائط لبني عمرو بن مبذول.

و عرف الضبع: اسم جبل لغطفان، و الضبع أيضا: موضع قبل حرة بني سليم. و الضبع أيضا: واد قرب مكة بينها و بين المدينة.

435

و استقاموا على بيعتي أن يكون منك أمر من الأمور!فقال طلحة: مهلا يا أبا الحسن!فلا و اللّه لا يأتيك مني شي‏ء تكرهه أبدا، قال علي: فاللّه تبارك و تعالى عليك راع و كفيل!قال طلحة: يا أبا الحسن نعم!قال علي: فقم بنا إذا إلى الزبير بن العوام. فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلمه علي بما كلم به طلحة، فرد عليه الزبير شبيها بكلام طلحةو عاقده و عاهده أنه لا يغدر به و لا يحبس بيعته.

قال: فرجع علي إلى المسجد و اجتمع الناس، فقام نفر من الأنصار منهم أبو الهيثم‏[ (1) ]بن التيهان و رفاعة بن رافع‏[ (2) ]و مالك بن العجلان و خزيمة بن ثابت و الحجاج بن‏[عمرو بن‏]غزية و أبو أيوب خالد بن زيد، فقالوا: أيها الناس!إنكم رأيتم ما سار فيكم عثمان، و أنتم اليوم على شرف أن تقعوا في مثلها، فاسمعوا قولنا و أطيعوا أمرنا!قال: فقال له الكوفيون و المصريون: فإننا قد قبلنا منكم فأشيروا علينا فإنكم أهل السابقة و قد سماكم اللّه أنصارا، فأمرونا بأمركم، فقالت الأنصار: إنكم قد عرفتم فضل علي بن أبي طالب و سابقته و قرابته و منزلته من النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مع علمه بحلالكم و حرامكم و حاجتكم إليه من بين الصحابة و لن يألوكم نصحا، و لو علمنا مكان أحد هو أفضل منه و أجمل لهذا الأمر و أولى به منه لدعوناكم إليه، فقال الناس كلهم بكلمة واحدة: رضينا به طائعين غير كارهين، فقال لهم علي: أخبروني عن قولكم هذا رضينا به طائعين غير كارهين أحق واجب هذا من اللّه عليكم أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟قالوا: بل هو واجب أوجبه اللّه عزّ و جلّ لك علينا، فقال علي رضي اللّه عنه: فانصرفوا يومكم هذا إلى غد، قال: فانصرف الناس.

فلما كان من غد أقبل الناس إلى المسجد، و جاء علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه‏ثم قال: أيها الناس!إن الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم من أحببتم و أنا سامع مطيع لكم!قال: فصاح الناس من كل ناحية و قالوا:

نحن على ما كنا عليه بالأمس، فابسط يدك حتى يبايعك الناس!قال: فسكت عليّ [ (1) ]هو مالك بن التيهان بن مالك بن عتيك... بن الأوس الأنصاري، أبو الهيثم و بالأصل «أبو القاسم» تحريف. أحد النقباء. مات سنة 20 أو 21 ه و قيل إنه أدرك صفين و شهدها مع علي و قتل بها.

[ (2) ]هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان... الأنصاري الخزرجي. و بالأصل ابن نافع بدل «ابن رافع» تحريف. شهد العقبة، و قيل إنه شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها مع النبي (ص) (أسد الغابة 2/178) .

436

و قام طلحة إلى عليّ فبايعه و ضرب بيده على يد عليّ، و كان به شلل من ضربة أصابته يوم أحد، فلما وقعت يده على يد عليّ قال قبيصة بن جابر[ (1) ]: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ !أول يد وقعت على كف عليّ أمير المؤمنين يد شلاء، لا و اللّه لا يتم هذا الأمر من قبل طلحة بن عبيد اللّه أبدا. قال: ثم وثب الزبير و بايع، و بايع الناس بعد ذلك بالبيعة من المهاجرين و الأنصار و من حضر من العرب و العجم و الموالي.

قال: و تقدم رجل من أهل مصر يقال له سودان‏[ (2) ]بن حمران المرادي فقال له: يا أبا الحسن!إننا قد بايعناك على إن عملت فينا كما عمل عثمان قتلناك، فقال علي رضي اللّه عنه: اللهم فنعم، قال: فبايعه الناس على كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم.

قال: و أنشأ عبد الرحمن بن حنبل الجمحي قصيدة مطلعها:

لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة # على الدين معروف العفاف موفقا

إلى آخره.

[دفن عثمان رضي اللّه عنه‏]

[ (3) ] قال: ثم أمر علي بدفن عثمان، فحمل و قد كان مطروحا على مزبلة ثلاثة أيام حتى ذهبت الكلاب بفرد رجليه، فقال رجل من المصريين و أمة: لا ندفنه إلا في مقابر اليهود[ (4) ]!قال حكيم بن حزام: كذبت أيها المتكلم!لا يكون ذلك أبدا ما بقي رجل من ولد قصي، قال: فحمل عثمان رحمة اللّه عليه على باب صغير قد جازت رجلاه من الباب، و أن رأسه ليتقعقع، و أوتي به إلى حفرته، فتقدم حكيم بن حزام فصلى عليه‏[ (5) ]، و دفن في بقيع الغرقد، فأنشأ حسان بن ثابت الأنصاري يقول:

إذا ما أردتم من أخي الدين تارك # يد اللّه في ذاك الأديم الممزّق‏

[ (1) ]في الطبري 5/153 و ابن الأثير 2/302 حبيب بن ذؤيب. و في تاريخ اليعقوبي 2/178 رجل من بني أسد.

[ (2) ]بالأصل: سندان. و قد مرّ.

[ (3) ]استدرك للإيضاح.

[ (4) ]بدير سلع، مقبرة اليهود.

[ (5) ]في ابن الأثير: صلى عليه جبير بن مطعم، و قيل حكيم بن حزام و قيل مروان 2/295. ـ

437

قال: ثم أمر علي رضي اللّه عنه بكل مال و سلاح في دار عثمان بن عفان رحمة اللّه عليه و نجائب أخذها من مال الصدقة، فقبضت و جعلت في بيت مال المسلمين، و ما كان سوى ذلك جعله علي رضي اللّه عنه ميراثا بين أهله و ولده، و جمع علي رضي اللّه عنه ما كان في بيت المال ففرقه في المهاجرين و الأنصار، و أصاب كل رجل ثلاثة دنانير-و اللّه أعلم-.

ذكر قدوم عائشة من مكة و ما كان من كلامها بعد قتل عثمان‏

قال: و قدمت عائشة من مكة و قد قضت حجها، حتى إذا صارت قريبا من المدينة[ (1) ]استقبلها عبيد[ (2) ]بن أبي سلمة الليثي و كان يقال له ابن أم كلاب فقالت له عائشة: ويحك!ألنا أم علينا؟فقال: قتل عثمان بن عفان، فقالت: ثم ما ذا؟ فقال: بايع الناس علي بن أبي طالب، قالت عائشة: وددت أن هذه وقعت على قتل-و اللّه-عثمان بن عفان مظلوما و أنا مطالبة بدمه، و اللّه ليوم من عثمان خير من علي الدهر كله. فقال لها عبيد بن أم كلاب: و لم تقولين ذلك؟فو اللّه ما أظن أن أحدا بين السماء و الأرض في هذا اليوم أكرم من علي بن أبي طالب على اللّه عزّ و جلّ، فلم تكرهين ولايته؟ألم تكونين تحرضين الناس على قتله؟ثم إنك أظهرت عيبه و قلت: اقتلوا نعثلا فقد كفر، فقالت عائشة: لعمري قد قلت ذلك و قالوا، ثم رجعت عما قلت لما عرفت خبره من أوله، و ذلك أنكم استتبتموه، حتى إذا جعلتموه كالفضّة البيضاء قتلتموه، فو اللّه لأطلبن بدمه!فقال لها عبيد بن أم كلاب: هذا و اللّه التخليط يا أمير المؤمنين!ثم أنشأ يقول‏[ (3) ]:

إذا زرتماها فقولا لها # و حطّ القضاء بذاك القدر

فمنك‏[ (4) ]البداء و منك الغير # و منك الرياح و منك المطر

[ (1) ]وصلت إلى سرف (الطبري-ابن الأثير) و هو موضع بين مكة و المدينة.

[ (2) ]عن الطبري 5/165 و عنده 5/172 «عبد» و بالأصل: عبيد اللّه.

[ (3) ]الأبيات في الطبري 5/172 و ابن الأثير 2/313.

[ (4) ]في الطبري: منك.

438

و أنت أمرت بقتل الإمام # و قلت كذا إنه قد كفر[ (1) ]

فهبنا أطعناك في قتله # فقاتله عندنا من أمر

فقد بايع الناس ذا مرّة[ (2) ] # يزيل الشبا و يقيم الصّعر

و يلبس للحرب أثوابها # و ما من وفي مثل من قد غدر[ (3) ]

فلم يسقط السقف من فوقنا # و لم ينكسف شمسنا و القمر

قال: فقالت عائشة: يا عبيد[ (4) ]إنه لو قال هذه الأبيات غيرك لم يحتمل و لكنك في عثمان غير ظنين. ثم إن عائشة رجعت إلى مكة من المدينة و أقامت بها.

ذكر بيعة أهل البلدان بعد ذلك لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: و بلغ أهل الكوفة قتل عثمان و بيعة الناس لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقامت الناس إلى أميرهم أبي موسى الأشعري‏[ (5) ]فقالوا: أيها الرجل!لم لا تبايع عليا و تدعو الناس إلى بيعته فقد بايعه المهاجرون و الأنصار؟فقال أبو موسى:

حتى أنظر ما يكون و ما يصنع الناس بعد هذا قال: فأنشأ رجل من أهل الكوفة[ (6) ]أبياتا مطلعها:

أبايع غير مكتتم عليا # و إن لم يرض ذاك الأشعريا

إلى آخره.

قال: و أقبل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى أبي موسى الأشعري فقال: يا أبا موسى!ما الذي يمنعك أن تبايع عليا؟فقال: أنتظر الخبر، قال: و أي خبر [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: و قلت لنا.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير: ذا تدرإ.

[ (3) ]عن الطبري و ابن الأثير: و بالأصل: و فيمن وفي و فيمن غدر.

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل: عبيد اللّه.

[ (5) ]مرّ أن عثمان ولى الكوفة بعد سعيد بن العاص، و كان أهل الكوفة استقبلوا سعيدا، و أعادوه إلى المدينة من الجرعة.

[ (6) ]هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص كما في الإصابة.

439

تنتظر و قد قتل عثمان؟أ تظن أنه يرجع إلى الدنيا؟إن كنت مبايعا لأمير المؤمنين و إلا فاعتزل أمرنا، ثم أنشأ أبياتا مطلعها:

إن ابن عفان إذ أودى بشقوته # طغى فحلّ به من ذلكم غير

إلى آخره.

قال: ثم ضرب هاشم بن عتبة بيده على الأخرى و قال: لي شمالي و يميني لعلي بن أبي طالب، فلما قال هاشم ذلك وثب أبو موسى الأشعري فبايع و لم يجد بدا من ذلك قال: و بايعت أهل الكوفة عليا رضي اللّه عنه بأجمعهم، و أنشأ هاشم بن عتبة أبياتا مطلعها:

أبايعه في اللّه حقا و ما أنا # أبايعه مني اعتذارا و لا بطلا

إلى آخره.

قال: فبايعت أهل الحجاز و أهل العراقين لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

ذكر الوفود القادمة على علي بن أبي طالب بعد بيعتهم إياه في بلادها

قال: و بلغ ذلك أهل اليمن فبايعوا طائعين غير مكرهين، ثم إنهم قدموا عليه يهنونه بالخلافة، فأول من قدم عليه رفاعة بن وائل الهمداني في قومه من همدان و هو يقول أبياتا مطلعها:

نسير إلى علي ذي المعالي # بخير عصابة يمن كرام‏

إلى آخره.

قال: و قدم عليه كيسون بن سلمة الجهني في قومه من جهينة و أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

أجبنا عليا بعل بنت نبينا # على كل خنذيذ من الخيل سابح‏

إلى آخره.

قال: ثم قدم عليه رويبة بن وبر البجلي في قومه من بجيلة و أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

440

أجبناه دون الهاشمي سوابخ # و موّاه برق مقفرات موادخ‏

إلى آخره.

قال: فكانت هؤلاء الوفود يسيرون من بلاد اليمن يريدون المدينة الليل مع النهار و لا يفترون من السير، و قد ذكر بعضهم ذلك في أرجوزة له حيث يقول أبياتا مطلعها:

سيروا بنا في ظلمة الحنادس # في مهمه قفر الفلاة واهس‏[ (1) ]

إلى آخره.

قال: و بلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فدعا بالأشتر النخعي فأمره أن يخرج فيتلقاهم في أهل المدينة، فخرج الأشتر في تعبية حسنة حتى يلقاهم فرحّب بهم، و قال: قدمتم خير مقدم إلى قوم يحبّونكم و تحبّونهم، و إلى إمام عادل خليفة فاضل قد رضي به المسلمون و بايعه الأنصار و المهاجرون. قال: فدخل القوم المدينة فنزلوا، و جاء الأشتر حتى دخل على عليّ رضي اللّه عنه رافعا صوته و هو يقول أبياتا مطلعها:

أتتك عصابة من خير قوم # بما ينوون من حضر و بادي‏

إلى آخره:

قال: و أقام القوم يومهم ذلك، فلما كان من الغد بعث إليهم، فأقبل رؤساء القوم منهم العياض بن خليل الأزدي و رفاعة بن وائل الهمداني و كيسوم‏[ (2) ]بن سلمة الجهني و رويبة بن وبر البجلي و رفاعة بن شداد الخولاني و هشام بن أبرهة النخعي و جميع بن خيثم الكندي و الأخنس بن قيس العتكي و عقبة بن النعمان النجدي و عبد الرحمن بن ملجم المرادي، قال: فلما دخل إليه هؤلاء العشرة و سلموا عليه رد عليهم السلام، ثم قربهم و أدناهم و قال لهم: إنكم صناديد اليمن و ساداتها فليت [ (1) ]واهس: قال الجوهري: التوهس مشي المثقل في الأرض. و الوهس: شدة الغمز. وهسه وهسا:

وطئه وطئا شديدا. (اللسان) .

[ (2) ]مرّ قريبا «كيسوم» .

441

شعري إن دهمنا أمر من الأمور كيف صبركم على ضرب الطلا و طعن الكلأ؟قال:

فبادر عبد الرحمن بن ملجم بالكلام فقال: يا أمير المؤمنين!ارم بنا حيث شئت إذا شئت لتعلم ذلك، فو اللّه!ما فينا إلا كل بطل أهيس‏[ (1) ]، و حازم أكيس، و شجاع أشرس، و ليث أعبس، ورثنا ذلك عن الآباء و الأجداد، و كذلك يرثه عنا صالح الأولاد، و أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

أبادر في الحروب إلى الأعادي # بكل مهنّد يوم الضراب‏

إلى آخره.

قال: فدعا علي رضي اللّه عنه بالحبر اليمانية و الثياب الألحمية فجعلها عليهم، و انصرفوا إلى رحالهم فرحين مسرورين.

ذكر من فشل عن البيعة و قعد عنها

قال: و أقبل عمار بن ياسر إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: يا أمير المؤمنين!إن الناس قد بايعوك طائعين غير كارهين، فلو بعثت إلى أسامة بن زيد و عبد اللّه بن عمر و محمد بن مسلمة و حسان بن ثابت و كعب بن مالك فدعوتهم ليدخلوا فيما دخل فيه الناس من المهاجرين و الأنصار[ (2) ]!

فقال علي رضي اللّه عنه:

إنه لا حاجة لنا فيمن لا يرغب فينا، قال فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين!إننا و إن لم يكن لنا في السابقة ما لهم فإنهم ليسوا بشي‏ء أولى من أمور المسلمين منا، و هذه بيعة عامة، الخارج منها طاعن علينا، فلا تدعهم أو يبايعوا، فإن الناس اليوم إنما هم باللسان و غدا بالسنان، و ليس كل من يتثاقل عليك كمن يخف معك، و إنما أرادك القوم لأنفسهم فردهم لنفسك، فقال له علي رضي اللّه عنه: يا مالك جدي و رأيي، فإني أعرف بالناس منك.

قال: و كان الأشتر وجد من ذلك في نفسه، فأنشأ أبياتا مطلعها:

منحت أمير المؤمنين نصيحة # فكان امرءا تهدى إليه النصائح‏

[ (1) ]الأهيس: الشجاع. (اللسان) .

[ (2) ]انظر ما ذكره الطبري 5/153 و ابن الأثير 2/303 و ابن كثير 7/253 فيمن تخلف عن بيعة علي رضي اللّه عنه.

و قال الواقدي: و تربص سبعة نفر لم يبايعوا... و لم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع فيما نعلم.

(نقله الطبري 5/155) .

442

إلى آخرها.

قال: فوثب إلى علي رضي اللّه عنه رجل اسمه زياد بن حنظلة التميمي، فقال: يا أمير المؤمنين!ما الرأي إلا ما رأيت و أنه من عاند نفسه فإنك غير مشفع به، فإن بايعك كرها فدع عنك هؤلاء الراغبين عنك، فو اللّه لأنت الأمين و المأمون على الدين و الدنيا-و السلام-ثم أنشأ التميمي أبياتا مطلعها:

أبا حسن متى ما تدع فينا # نجبك كأننا دفاع بحر

إلى آخرها.

قال: و أقبل سعد بن أبي وقاص إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال:

يا أبا الحسن!و اللّه ما أشك فيك أنك على الحق، و لكني أعلم أنك تنازع في هذا الأمر و الذي ينازعك فيه هم أهل الصلاة، فإن أحببت أني أبايعك فأعطني سيفا له لسان و شفتان يعرف المؤمن من الكافر حتى أقاتل معك من خالفك بعد هذا اليوم، فقال علي رضي اللّه عنه: يا ابن نجاح يا سعد!أ ترى لو أن سيفا نطق بخلاف ما نزل به جبريل عليه السلام هل كان إلا شيطانا، ليس هكذا يشترط الناس على واليهم، بايع و اجلس في بيتك، فإني لا أكرهك على شي‏ء،

فقال سعد: حتى أنظر في ذلك يا أبا الحسن‏[ (1) ]!قال فوثب عمار بن ياسر فقال: ويحك يا سعد!أما تتقي اللّه الذي إليه معادك؟أ يدعوك أمير المؤمنين إلى البيعة فتسأله أن يعطيك سيفا له لسان و شفتان؟أما و اللّه إن فيك لهنات!ثم أنشأ عمار أبياتا مطلعها:

قال سعد لذي الإمام و سعد # في الذي قاله حقيق ظلوم‏

الى آخرها

ذكر خبر مروان بن الحكم و سعيد بن العاص و الوليد بن عقبة مع علي رضي اللّه عنه في أمر البيعة له‏

قال: ثم بعث علي رضي اللّه عنه إلى هؤلاء الثلاثة فدعاهم و قد كانوا تخلفوا [ (1) ]و بقي سعد معتزلا في بيته لم يبايع عليا (الإصابة-البداية و النهاية) و هو ما نقله الطبري 5/155 عن الواقدي.

443

عن بيعته.

فقال لهم: ما لي أراكم قد أبطأتم عن بيعتي؟قال: فتكلم الوليد بن عقبة فقال: يا أبا الحسن: إنك و ترتنا بأجمعنا، أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم مكة[ (1) ]، و خذلت أخي عثمان بن عفان فلم تنصره، و أما سعيد بن العاص فقتلت أباه يوم بدر و كان سيد بني أمية، و أما مروان فسحقت أباه‏[ (2) ]عند عثمان لما ردّه إلى المدينة و ضمه إليه، و نحن نبايعك الآن على أن تقتل من قتل صاحبنا عثمان، و على أنك تسوغنا ما يكون منا، و على أنا إن خفناك على أنفسنا لحقنا بالشام عند ابن عمّنا معاوية، فقال علي رضي اللّه عنه: أما ما ذكرتم أني وترتكم فإن الحق وتركم، و أما وضعي عنكم ما يكون منكم فليس لي أن أضع عنكم حقا للّه تعالى قد وجب عليكم، و أما قتلي لقتلة عثمان‏ فلو لزمني اليوم قتلهم لقتلتهم أمس، و أما خوفكم إياي فإني أؤمنكم مما تخافون. قال: فقال له مروان: أ فرأيت إن نحن لم نبايعك ما ذا تصنع بنا؟فقال علي: أصنع بكم أني أحبسكم حتى تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، و إن طعنتم ذلك عاقبتكم أشد العقوبة، قالوا: فإننا نبايع. قال: فبايع مروان و الوليد بن عقبة و سعيد بن العاص صاغرين‏[ (3) ]، ثم إن الوليد بن عقبة أنشأ أبياتا مطلعها:

تقدمت لما لم أجد لي مقدما # أمامي و لا خلفي من الموت مرحلا

إلى آخرها.

قال: فبلغ عليا هذا الشعر، فأرسل إلى الوليد بن عقبة و إلى صاحبيه مروان و سعيد بن العاص، فقال: إن خفتم من أمري شيئا أمنتكم منه، و إن أبيتم إلا ما في أنفسكم فالحقوا بأي بلدة شئتم، فقال مروان: لا بل نقيم، فقال علي: ذاك إليكم.

قال: فأقام القوم بالمدينة[ (4) ]، فقال رجل: يا مروان!كم أتت عليك من [ (1) ]كذا بالأصل و هو تحريف و الصواب يوم وقعة بدر (انظر سيرة ابن هشام) .

[ (2) ]مر أن عثمان رضي اللّه عنه كان قد رد الحكم بن العاص و كان قد نفاه رسول اللّه (ص) من المدينة، و كان هذا مما نقمه الناس عليه.

[ (3) ]الخبر في مروج الذهب 2/390 و تاريخ اليعقوبي 2/178-179 باختلاف، في حين أنه لم يشر أي من المصادر الأخرى إلى أنهم بايعوا عليا، و في الإمامة و السياسة 1/47 «و أمر بطلب مروان، فهرب منه، و طلب نفرا من بني أمية و ابن أبي معيط، فهربوا» .

[ (4) ]انظر ما سبق، و في الطبري 5/156 «... على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضي اللّه عنه...

444

السنين؟فلست من أعمارنا، و ذلك لأنا لا نأمن عليا على أنفسنا، قال فقال الرجل:

يا مروان!احذر عليا و لا يبلغه عنك هذا، فقال مروان: و اللّه ما أبالي أن قصّر عني يده و إن طوّل عليّ لسانه، فقال له الرجل: مهلا!فإنه إن طال عليك لسانه طال عليك سيفه، فقال مروان: كلا إن اللسان أدب و السيف خطر. قال: ثم انصرف مروان إلى منزله و جعل يقول أبياتا مطلعها:

إن تكن يا عليّ لم تصب الذن # ب جهارا فإن ذلك سرا

إلى آخرها.

قال: ففشا هذا الشعر بالمدينة و همّ المسلمون بقتل مروان، فقال علي رضي اللّه عنه: دعوه فإنه لم يرد بهذا الشعر غيري،

قال: و بلغ الوليد بن عقبة ما قاله مروان فعذله على ذلك و بعث إليه أبياتا مطلعها:

حللت المدينة رخو الخناق # و قد كانت النفس عند الحقم‏

إلى آخرها:

قال: ففشا هذا الشعر و بلغ عليا، فقال: كل ما قال حسن إلا البيت الأخير[ (1) ]، فإنه يخوفنا فيه بحربه إيانا،

قال: فكف مروان بن الحكم و لم يقل شيئا.

خبر الحجاج بن خزيمة بن نبهان و قدومه على معاوية

قال: و جعل معاوية يتجسس أخبار المدينة، فبينما هو كذلك إذ دخل عليه حاجبه فقال: أيها الأمير!إن بالباب رجلا يطلب الدخول عليك و يزعم أنه أقبل من المدينة، فقال معاوية: ائذن له بالدخول!فأذن له فدخل حتى وقف بين يدي معاوية [ () ] وجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب و هرب الوليد و سعيد إلى مكة في أول من خرج و تبعهم مروان» .

[ (1) ]أما البيتان الأخيران فهما:

و لا يبسطن إليه اليدين # و لا ينقلن إليه القدم

إلى ترى الكف فيها البنان # و قرنا... لنا قد نجم‏

ـ

445

و سلم، فرد عليه السلام ثم قال: من أنت أيها الرجل؟قال أنا الحجاج بن خزيمة بن نبهان‏[ (1) ]، و أنا النذير العريان، أنعي إليك عثمان، ثم انطلق يقول‏[ (2) ]:

إن بني عمك عبد المطلب # قد قتلوا عثمان حقا لا كذب‏[ (3) ]

فأنت أولى الناس بالوثب فثب # و اغضب جهارا[ (4) ]للإله و احتسب

و سر مسير الليث قدما إذ غضب # بجمع أهل الشام ترشد و تصب‏

فقال له معاوية: ويحك!قد بلغني قتل عثمان، و لكن هل شهدت المدينة يوم قتل؟فقال: نعم و اللّه لقد شهدت ذلك اليوم‏[ (5) ]!فقال: أخبرني من تولى قتله، فقال: على الخبير سقطت، حضره‏[قيس بن‏][ (6) ]المكشوح المرادي، و حكم في دمه حكيم بن جبلة[ (7) ]، و هجم عليه محمد بن أبي بكر و الأشتر النخعي و عمار بن ياسر و عمرو بن الحمق الخزاعي و سودان‏[ (8) ]بن حمران و كنانة بن بشر[ (9) ]و جماعة لا أقف على أسمائهم-و كانت ثم أبحاث لا أحب ذكرها من رجلين-دبوا في ذلك و مشوا و حرضوا على قتله، قال: و أنشأ الرجل أبياتا مطلعها:

إن ابن عفان أصيب و حوله # إخوانه و جماعة الأنصار

إلى آخرها.

قال: فقال له معاوية: و كيف لا يضيع دم عثمان و قد خذله ثقاته و اجتمع عليهم أمر عدوهم؟أما و اللّه!لئن بقيت لهم و ساعدني أهل الشام لأسوّينّهم إن شاء اللّه تعالى، ثم أنشد معاوية أبياتا مطلعها:

[ (1) ]في وقعة صفين لابن مزاحم ص 77: «الحجاج بن خزيمة بن الصمة» . (انظر الأخبار الطوال ص 155) .

[ (2) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 77 و بعضها في الأخبار الطوال ص 155.

[ (3) ]في وقعة صفين و الأخبار الطوال:

هم قتلوا شيخكم غير الكذب.

[ (4) ]وقعة صفين: معاوي.

[ (5) ]في الأخبار الطوال أنه لقي رجلا في الطريق-و كان قد خرج مع يزيد بن أسد لنصر عثمان-فأخبرهم بمقتل عثمان و أنه ممن شايع على قتله، فقتلاه. (انظر وقعة صفين) .

[ (6) ]سقطت من الأصل، و قد مرّ.

[ (7) ]بالأصل: «حنبل» و قد مرّ.

[ (8) ]بالأصل: «سندان» و قد مرّ.

[ (9) ]بالأصل: بشير. و قد مرّ.

446

أتاني من الأنباء أمر مجمجم # أجود بأنفاس الرجال فضيعوا

إلى آخرها.

قال: ثم أقبل معاوية على هذا الرجل القادم عليه فقال: أيها الرجل!إن كان عندك مهزّ فهزّني، فقال: نعم، فاسمع ما أشير به عليك، إن عليا قد بايعه أهل الحجاز و أهل اليمن و أهل مصر و أهل الكوفة و لا أظن أهل البصرة بايعوه، و أنك لتقوى على عليّ إن أردت مخالفته بدون ما تقدره نفسك، لأن الذين معك من أهل الشام لا يقولون إذا قلت، و لا يسألون إذا سألت‏[ (1) ]، و الذين مع عليّ يقولون إذا قال: و يسألون إذا أمر، فقليل من معك خير من كثير من معه، و اعلم يا معاوية!إن غلبه العراق و الحجاز حتى تأخذ الشام دون العراق، فقال معاوية: و اللّه!لقد صدقت في جميع ما قلت، و لقد ندمت عن قعودي عن عثمان، و قد استغاث بي فلم أجبه و أنا القائل في ذلك أبياتا مطلعها:

أتاني أمر فيه للنفس غمة # و فيه بكاء للعيون طويل‏[ (2) ]

إلى آخرها.

قال: فشاعت هذه القصيدة بالمدينة و بلغ ذلك المغيرة بن شعبة[ (3) ]

فجاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقال: يا أمير المؤمنين!إن لك عندي نصيحة فاقبلها، فقال علي: و ما تلك يا مغيرة؟قال: لست اني أخاف عليك أحدا يخالفك و يشعث عليك إلا معاوية بن أبي سفيان، لأنه ابن عم عثمان و الشام في يده، فابعث إليه بعهده و ألزمه طاعتك، و ابعث إلى عبد اللّه بن عامر بن كريز بعهده على البصرة، فإنه يسكن عنك الأعداءو يهدي عليك البلاد، فقال علي:

ويحك يا مغيرة!و اللّه ما منعني من ذلك إلا قول اللّه تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم: وَ مََا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِّينَ عَضُداً [ (4) ]و اللّه!لا يراني اللّه تعالى و أنا أستعمل معاوية [ (1) ]وقعة صفين: أمرت. و في الأخبار الطوال: لا يقولون إذا سكت و يسكتون إذا نطقت و لا يسألون إذا أمرت.

[ (2) ]من أبيات ذكرها نصر بن مزاحم في وقعة صفين ص 79 و الأخبار الطوال ص 155-156.

[ (3) ]خبر المغيرة بن شعبة و نصيحته لعلي (رض) في الطبري 5/159 و مروج الذهب 2/391 البداية و النهاية 7/255 ابن الأثير 2/306.

[ (4) ]سورة الكهف الآية 51.

447

على شي‏ء من أعمال المسلمين أبدا، و لكني أدعوه إلى ما نحن فيه، فإن هو أجاب إلى ذلك أصاب رشده و إلا حاكمته إلى اللّه عزّ و جلّ، قال: فسكت المغيرة بن شعبة و انصرف إلى منزله و أنشأ أبياتا مطلعها:

منحت عليا في ابن حرب نصيحة # فرد فما منّى له الدهر ثانيه‏[ (1) ]

إلى آخره.

[نصيحة أبي أيوب الأنصاري‏][ (2) ]

قال: و أراد عليّ الشخوص إلى الشام ليزور أهلها و ينظر ما رأي معاوية، فأقبل أبو أيوب الأنصاري، فقال: يا أمير المؤمنين!إني لأشير عليك أن تقيم بهذه البلدة فإنها الدرع الحصينة و مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و بها قبره و منبره فأقم بها، فإن استقامت لك العرب كنت بها كمن كان من قبلك، و إن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم من الناس، قال: فقال له علي رضي اللّه عنه: صدقت يا أبا أيوب!و لكن الرجال و الأموال بالعراق، و أهل الشام لهم وثبة، أحب أن أكون قريبا منهم، و لن يصيبنا إلا ما كتب اللّه لنا،

قال فأنشأ أبو أيوب أبياتا مطلعها:

أقول و قد أودى بعثمان يومه # و لا علم لي ما يصنع اللّه في غد

إلى آخرها.

قال: و أخذ علي رضي اللّه عنه برأي أبي أيوب الأنصاري في الإقامة بالمدينة، ثم دعا بابن أخته‏[ (3) ]جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فعقد له عقدا [ (1) ]البيت في مروج الذهب 2/414:

نصحت عليا في ابن هند مقالة # فردت فلا يسمع لها الدهر ثانيه‏

و بعده فيه:

و قلت له أرسل إليه بعهده # على الشام، حتى يستقر معاويه

و يعلم أهل الشام أن قد ملكته # و أم ابن هند عند ذلك هاويه

فلم يقبل النصح الذي جئته به # و كانت له تلك النصيحة كافيه‏

[ (2) ]استدرك للإيضاح.

و هو خالد بن زيد بن كليب... الأنصاري الخزرجي، صحابي، عقبي بدري أحدي كان مع علي و من خاصته. مات سنة 51 عند القسطنطينية فدفن هناك.

[ (3) ]بالأصل «ابن أخيه» تحريف و هو ابن أم هاني بنت أبي طالب، أخت علي.

448

و ولاه على بلاد خراسان‏[ (1) ]و أمره بالمسير إليها ليفتح ما بقي منها، ثم دعا بعبد الرحمن مولى بديل‏[ (2) ]بن ورقاء الخزاعي، فعقد له عقدا و أمره بالمسير إلى أرض الماهين‏[ (3) ]أميرا و عاملا عليها، و وجه بعماله إلى جميع البلاد[ (4) ]التي كانت تحت طاعته، فسمع القوم و أطاعوا.

[ (1) ]و كان ذلك بعد ما فرغ من حرب أصحاب الجمل (تاريخ اليعقوبي 2/183) .

[ (2) ]بالأصل: «يزيد» و في الإصابة عبد الرحمن بن بديل بن ورقاء الخزاعي و هو أخو عبد اللّه. قتلا بصفين مع علي (رض) .

[ (3) ]الماهان: تثنية الماه. و الماهان: الدينور و نهاوند، و الماهان ماه البصرة (نهاوند) و ماه الكوفة (الدينور) معجم البلدان.

[ (4) ]انظر في تفريق علي (رض) عماله على الأمصار الطبري 5/161 ابن الأثير 2/309 و تاريخ اليعقوبي 2/179-180.

449

ذكر وقعة الجمل‏

و أوائله قال: و بلغ ذلك عبد اللّه بن عامر و هو يومئذ أمير البصرة، فأيقن بأخذ البصرة من يده‏[ (1) ]و أن ينفذ إليها جيشا، فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أيها الناس!إن خليفتكم عثمان بن عفان قتل مظلوما و بيعته في أعناقكم، و نصرته ميتا كنصرته حيا، ولي عليكم اليوم ما كان لي بالأمس، و قد بايع الناس عليا و نحن اليوم طالبون بدم عثمان، فأعدوا للحرب عدتها، قال: فوثب إليه حارثة[ (2) ]بن قدامة السعدي، فقال له: يا ابن عامر!إنك لن تملكنا عنوة و لن نوليك عن مشورة إنما بطاعة غيرك، و قد قتل عثمان بحضرة المهاجرين و الأنصار فلم يغيروا على قاتله، و قد بايع الناس عليا، فإن أقرّك على عملك أطعناك، و إن عزلك عصيناك- و السلام، قال: فسكت عبد اللّه بن عامر و نزل عن المنبر و أمر بمراكبه فهيّئوها، ثم دعا برجل من حضرموت قد كان ولاّه شيئا من عمله، فقال له: احتفظ بعملك فإني خارج نحو المدينة انظر ما يؤول أمر الناس إليه، ثم خرج عبد اللّه بن عامر في جوف الليل هاربا نحو المدينة[ (3) ]، و أصبح أهل البصرة يظنون أنه بين أظهرهم، فلما علموا أنه هرب أنشأ رجل منهم أبياتا مطلعها:

لعمرك و الأيام غير غوابر # لقد كادنا عما أراد ابن عامر

أ يأمرنا بالحرب و الليل‏[أظلم‏] # و قد يدرك المحتال ريب المقادر

[ (1) ]في التعيينات التي أقرت، عزل علي (رض) عبد اللّه و ولى البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري.

[ (2) ]كذا بالأصل و مروج الذهب، و في الطبري و ابن الأثير: جارية.

[ (3) ]انظر مروج الذهب 2/394.

450

لشق به عرض الفلاة (؟) ... يدع # كأن ركابيه على ظهر طائر

و خلف فينا الحضرمي و إننا # لفي قتله من بين ناه و آمر

فإن يتركوه يتركوه و... # و إن يقتلوه فالأمور مقادر

و قد كانت الأخبار عنه بأسرها # و في راحة التسليم محض السرائر

و إن عليا حاملا من أطاعه # على الحق إن والاه أهل البصائر

و إن عليا خير من وطئ الحصى # و أفضلهم من ناصر و مهاجر

قال: فلما قدم عبد اللّه بن عامر المدينة لقيه طلحة و الزبير فقالا له: لا مرحبا بك يا مضيع و لا أهلا!تركت البصرة و الأموال و أتيت المدينة فزعا من علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه!هل لا أقمت بالعراق حتى وافيناك بها؟قال؟: ثم بعث إليه الوليد بن عقبة[ (1) ]بن أبي معيط أبياتا مطلعها:

تركت العراق و فيها الرجال # و جئت إلى البلدة الخامله‏

إلى آخرها.

قال: و انتفضت البلاد على عليّ رضي اللّه عنه، فجعل كلما وجه عاملا من عماله إلى بلدة من البلدان حاربوه و تبروه إلاّ أهل الكوفة و أهل البصرة و أهل مصر و قليل من أهل الحجاز،

فقال علي رضي اللّه عنه لأصحابه: اعلموا أنه قد وقع الأمر الذي كنت أحذّركم إياه، و إن الفتنة كالنار كلما أسعرت ازدادت، و إنما سأمسك هذا الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي.

قال: ثم خرج علي رضي اللّه عنه ذات ليلة من منزله لحاجة، فمر بباب زينب بنت أبي سفيان فسمع صوت دف ينقر و صاحبته تقول أبياتا مطلعها:

ظلامة عثمان عند الزبير # و أظلم منه لنا طلحة

إلى آخرها.

قال: فانصرف علي رضي اللّه عنه من هنالك و أقبل حتى دخل المسجد، فإذا هو بغلام متوسد ذراعه، و هو يقول أبياتا مطلعها:

[ (1) ]بالأصل: ابن أبي عقبة تحريف.

451

أبا حسن إن ثبيت الأمور # ستأتيك باللبث و الحسرة

إلى آخرها.

قال: فتعجب علي رضي اللّه عنه من قول الغلام ثم دنا منه فقال: يا غلام! من يقول هذه الأبيات؟فاستوى الغلام جالسا و قال: أنا أقولها يا أمير المؤمنين! قال: فتاركوه متاركة الأهل، لا الحريم ممن كان للّه مجيئا و لدعوة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه مجيبا، قال: فتركه علي رضي اللّه عنه و انصرف و هو يقول أبياتا مطلعها:

لقد طال ليلي فالحزين موكّل # حذارا لأمر عاجل و مؤجّل‏

إلى آخرها.

قال: و أصبح علي رضي اللّه عنه فصلى بالناس صلاة الصبح ثم جعل يحدث بعضهم بما سمع من الغلام ثم أمر طلحة و الزبير، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! يد اللّه على من لم ينكث و قد برئ اللّه ممن نكث، ثم تفرق الناس و دخل علي رضي اللّه عنه إلى منزله، و أنشأ خزيمة بن ثابت الأنصاري أبياتا مطلعها:

إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا # أبو حسن مما نخاف من الفتن‏[ (1) ]

إلى آخرها[ (2) ].

ذكر خروج طلحة و الزبير إلى مكة معتمرا زعما و ما أزمعا عليه من الخروج على عليّ رضي اللّه عنه و النكث بعده‏

قال: ثم أقبل الزبير و طلحة إلى علي رضي اللّه عنه فاستأذناه في العمرة، فقال لهما علي رضي اللّه عنه: إنكما ليس إلى العمرة تريدان، و قد كنت قلت لكما في أول الأمر: إنكما تفعلان أمرا من الأمور، فأبيتما إلا بيعتي طائعين غير مكرهين، [ (1) ]هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن غياث. بدري. شهد مع علي (رض) الجمل و قتل بصفين. (الإصابة) .

[ (2) ]بعده في الإصابة:

و فيه الذي فيهم من الخير كله # و ما فيهم بعض الذي فيه من حسن‏

452

و الآن فقد أذنت لكما فاذهبا حيث شئتما راشدين!

قال: فخرج الزبير و طلحة إلى مكة، و خرج معهما عبد اللّه بن عامر بن كريز[ (1) ]و هو ابن خال عثمان، فجعل يقول لهما: أبشرا!فقد نلتما حاجتكما، و اللّه لأمدنكما بمائة ألف سيف.

قال: و قدموا مكة و بها يومئذ عائشة و حرّضوها على الطلب بدم عثمان، و كان معها جماعة من بني أمية، فلما علمت بقدوم طلحة و الزبير فرحت بذلك و استبشرت و عزمت على ما أرادت من أمرها، قال: و تكلمت بنو أمية و رفعت رؤوسها عند قدوم طلحة و الزبير على عائشة و لم يزالوا يحرضوها على الطلب بدم عثمان، قال: و كتب الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى من كان بالمدينة من بني هاشم أبياتا مطلعها[ (2) ]:

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم # و لا تنهبوه لا تحل مناهبه‏[ (3) ]

إلى آخرها.

قال: فأجابه الفضل بن العباس بن‏[عتبة بن أبي لهب‏][ (4) ]و هو يقول أبياتا مطلعها[ (5) ]:

سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختكم‏[ (6) ] # فهم سلبوه سيفه و حرائبه‏[ (7) ]

إلى آخرها.

و أقبل طلحة و الزبير إلى عبد اللّه بن عمر و هو يومئذ مقيم بمكة[ (8) ]، فقالوا له:

[ (1) ]في الطبري 5/166 و ابن الأثير 2/313 «أنه قدم عليهم من البصرة» و قد مرّ أنه هرب من البصرة بعد ما وليها عثمان بن حنيف. قال المسعودي إنه جهزهم بألف ألف درهم و مائة من الإبل و غير ذلك (مروج الذهب 2/394) .

[ (2) ]كذا بالأصل، و في المصادر التي ذكرت الأبيات لم يرد هذا البيت في مطلع الشعر.

[ (3) ]ذكر عدة أبيات غيره في مروج الذهب 2/384 الاستيعاب 3/636-637 الأغاني 5/120.

[ (4) ]عن مروج الذهب و الاستيعاب، و بالأصل: ابن عبد المطلب تحريف.

[ (5) ]كذا، و لم يرد هذا البيت في مطلع الأبيات في المصادر.

[ (6) ]في مروج الذهب 2/384 ابن أختنا.

[ (7) ]في مروج الذهب 2/384 و الاستيعاب 2/637 عدة أبيات.

[ (8) ]و كان ابن عمر-قد غادر إلى مكة معتمرا بعد ما طلب إليه علي النهوض معه، فاعتذر إليه و أبلغه أنه مقيم على طاعته إلا النهوض (الطبري 5/164 و انظر الإمامة و السياسة 1/59-60) . ـ

453

أبا عبد الرحمن!إن عائشة قد خافت في هذا الأمر و عزمت على المسير إلى البصرة فاشخص معنا و لك بنا أسوة، فأنت أحق بهذا الأمر، قال: و كلمه الزبير و قال: أبا عبد الرحمن!لا تنظرن إلى أول أمرنا في عثمان و بيعتنا عليا و لكن انظر إلى آخر أمرنا، إننا ما نريد في مسيرنا هذا إلا علاج الأمة و قد خافت عائشة و ليست بك عنها رغبة، قال: فقال عبد اللّه بن عمر: أيها الرجلان!أ تريدان أن تخدعاني لتخرجاني من بيتي كما يخرج الأرنب من جحره، ثم تلقياني بين لحيي‏علي بن أبي طالب، مهلا يا هذان!فإن الناس إنما يخدعون بالوصف و الوصيفة و الدينار و الدرهم و لست من أولئك، إني قد تركت هذا الأمر عيانا و أنا أدعى إليه، فدعوني و اطلبوا لأمركم غيري، قال فقال الزبير: يغني اللّه عنك.

قال: و قدم يعلى بن منية من اليمن، و قد كان عاملا عليها من قبل، فقدم و معه أربعمائة بعير[ (1) ]فدعا الناس إلى الحملان، فقال له الزبير: دعنا بين إبلك هذه، هات فأقرضنا مما لك ما نستعين به على ما نريد، فأقرضهم ستين ألف دينار، ففرقها الزبير فيمن أحب ممن خف معه، قال: ثم شاوروا في المسير، فقال الزبير: عليكم بالشام!فيها الرجال و الأموال و بها معاوية و هو عدو لعلي، فقال الوليد بن عقبة: لا و اللّه ما في أيدكم من الشام قليل و لا كثير!و ذلك أن عثمان بن عفان قد كان استعان بمعاوية لينصره و قد حوصر فلم يفعل و تربص حتى قتل، لذلك يتخلص له الشام، أ فتطمع أن أسلمها إليكم؟مهلا عن ذكر الشام و عليكم بغيرها[ (2) ] ثم اعتزلهم الوليد بن عقبة و أنشأ يقول أبياتا مطلعها:

قولا لطلحة و الزبير خطئتما # بقتلكما عثمان خير قتيل‏

إلى آخرها.

قال: و اتصل الخبر بمعاوية أن طلحة و الزبير و عائشة قد تحالفوا على علي رضي اللّه عنه و قد اجتمع إليه جماعة من الناس و أنهم يريدون الشام، فكأنه اغتم [ (1) ]الطبري و ابن الأثير و البداية و النهاية: ستمائة بعير و ستمائة ألف درهم. و في مروج الذهب: أربعمائة ألف درهم و كراعا و سلاحا. و بعث بالجمل المسمى عسكرا إلى عائشة... و في الإمامة و السياسة:

أربعمائة بعير، و أقرض الزبير ستين ألفا، و أقرض طلحة أربعين ألفا.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير أن هذا قول عبد اللّه بن عامر بن كريز، و زيد عندهما أنه أقنع الخارجين بالتوجه إلى البصرة فإن له فيها صنائع و أن أهلها لهم هوى في طلحة. و انظر الإمامة و السياسة.

454

بذلك ثم كتب إليهم أبياتا لا عن لسانه و لا عن لسان غيره، مطلعها:

قل للزبير على ما كان من عند # و المرء طلحة قولا غير ذي أود

إلى آخرها.

قال: فلما وردت الأبيات على طلحة و الزبير و نظرا فيها قال الزبير: و اللّه ما هذا إلا من قول معاوية و لكنه جعله على لسان غيره.

خبر عائشة مع أم سلمة حين أرادت المسير إلى البصرة

قال: و أقبلت عائشة حتى دخلت على أم سلمة[ (1) ]زوجة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و هي يومئذ بمكة، فقالت لها: يا بنت أبي أمية!إنك أول ظعينة هاجرت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و أنت كبيرة أمهات المؤمنين و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقسم لنا بين بيتك، و قد خبّرت أن القوم استتابوا عثمان بن عفان حتى إذا تاب وثبوا عليه فقتلوه، و قد أخبرني عبد اللّه بن عامر أن بالبصرة مائة ألف سيف يقتل فيها بعضهم بعضا، فهل لك أن تسيري بنا إلى البصرة لعل اللّه تبارك و تعالى أن يصلح هذا الأمر على أيدينا؟قال:

فقالت لها أم سلمة رحمة اللّه عليها: يا بنت أبي بكر!بدم عثمان تطلبين!و اللّه لقد كنت من أشدّ الناس عليه، و ما كنت تسميه إلا نعثلا، فما لك و دم عثمان؟و عثمان رجل من عبد مناف و أنت امرأة من بني تيم بن مرة، ويحك يا عائشة!أعلى عليّ و ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تخرجين و قد بايعه المهاجرون و الأنصار؟ثم جعلت أم سلمة رحمة اللّه عليها تذكر عائشة فضائل علي رضي اللّه عنه و عبد اللّه بن الزبير على الباب يسمع ذلك كله، فصاح بأم سلمة و قال: يا بنت أبي أمية!إننا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير، فقالت أم سلمة: و اللّه لتوردنّها ثم لا تصدرنّها أنت و لا أبوك!أ تطمع أن يرضى المهاجرون و الأنصار بأبيك الزبير و صاحبه طلحة و علي بن أبي طالب حي و هو ولي كل مؤمن و مؤمنة[ (2) ]؟فقال عبد اللّه بن الزبير: ما سمعنا هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [ (1) ]و هي أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين، و اسمها هند، و قيل اسمها رملة. كانت زوج أبي سلمة سعيد بن عبد الأسد بن المغيرة فمات عنها. تزوجها النبي (ص) . ماتت سنة 59 و قيل سنة 61 و قيل سنة 62.

[ (2) ]أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/438 و أخرجه الترمذي في المناقب ح 3712 ج 5/632 و نقله ابن كثير في البداية و النهاية 7/381 باختلاف اللفظ.

455

ساعة قط، فقالت أم سلمة رحمة اللّه عليها: إن لم تكن أنت سمعته فقد سمعته خالتك عائشة و ها هي فاسألها!

فقد سمعته صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «علي خليفتي عليكم في حياتي و مماتي فمن عصاه فقد عصاني» .

أ تشهدين يا عائشة بهذا أم لا؟فقالت عائشة: اللهم نعم!قالت أم سلمة رحمة اللّه عليها: فاتقي اللّه يا عائشة في نفسك و احذري ما حذرك اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم، و لا تكوني صاحبة كلاب الحوأب‏[ (1) ]، و لا يغرنك الزبير و طلحة فإنهما لا يغنيان عنك من اللّه شيئا.

قال: فخرجت عائشة من عند أم سلمة و هي حنقة عليها، ثم إنها بعثت إلى حفصة فسألتها أن تخرج معها إلى البصرة، فأجابتها حفصة إلى ذلك‏[ (2) ]. قال: فعند ذلك أن مؤذن طلحة و الزبير بالمسير إلى البصرة، فسار الناس في التعبية و الآلة و السلاح و سارت معهم عائشة و هي تقول: اللهم!إني لا أريد إلا الإصلاح بين المسلمين، فأصلح بيننا إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

ذكر كتاب أم سلمة إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه تخبره بأمر عائشة و طلحة و الزبير

قال: و كتبت‏[ (3) ]أم سلمة رحمة اللّه عليها إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: لعبد اللّه عليّ أمير المؤمنين، من أم سلمة بنت أبي أمية، سلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، أما بعد!فإن طلحة و الزبير و عائشة و بنيها بني السوء و شيعة الضلال [ (1) ]إشارة إلى قوله (ص) لبعض نسائه: «ليت شعري أيتكنّ التي تنبحها كلاب الحوأب» نقله ابن كثير في البداية و النهاية عن عائشة رضي اللّه عنها . و قال: هذا إسناد على شرط الصحيحين و لم يخرجوه.

و أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/52، 97.

و الحوأب: موضع في طريق البصرة محاذي البقرة ماءة أيضا من مياههم.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير أن حفصة أرادت الخروج فجاءها عبد اللّه بن عمر و طلب إليها أن تقعد فقعدت.

و بلّغت ذلك إلى عائشة.

[ (3) ]في الطبري رواية تشير إلى أن أم سلمة كانت بالمدينة و قد قامت إلى علي فقالت: يا أمير المؤمنين لولا أن أعصى اللّه عزّ و جلّ و أنك لا تقبله مني لخرجت معك و هذا ابني عمر و اللّه لهو أعز علي من نفسي فيخرج معك فيشهد مشاهدك (5/167) و ذكر ابن عبد البر أن أم سلمة أرسلت رسالة إلى عائشة تنصحها بعدم الخروج إلى البصرة و قد ردت عليها عائشة. نص الرسالتين في العقد الفريد 4/316- 317 و انظر الإمامة و السياسة 1/56-57.

456

خرجوا مع ابن الجزار عبد اللّه بن عامر إلى البصرة، يزعمون أن عثمان بن عفان قتل مظلوما و أنهم يطلبون بدمه، و اللّه كافيكم و جعل دائرة السوء عليهم إن شاء اللّه تعالى، و تاللّه لولا ما نهى اللّه عزّ و جلّ عنه من خروج النساء من بيوتهن و ما أوصى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عند وفاته لشخصت معك، و لكن قد بعثت إليك بأحب الناس إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و إليك ابني عمر بن أبي سلمة-و السلام-.

قال: فجاء عمرو بن أبي سلمة إلى علي رضي اللّه عنه فصار معه، و كان له فضل و عبادة و عقل، فأنشأ رجل من أصحاب عليّ رضي اللّه عنه يمدح أم سلمة و هو يقول أبياتا مطلعها:

أمّ يا أمّة لقيت الظفر # ثمّ لا زلت تسقينّ المطر

إلى آخرها.

قال: ثم أنشأت امرأة أيضا من نساء بني عبد المطلب تمدح أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و تذكر عائشة و فعلها فقالت أبياتا مطلعها:

بنت أبي أميّة الداهشة # كفّ إلى الخير لها مائشة

إلى آخرها.

قال: و كتبت أم الفضل بنت الحارث إلى علي رضي اللّه عنه: بسم اللّه الرحمن الرحيم لعبد اللّه علي أمير المؤمنين من أم الفضل بنت الحارث‏أما بعد!فإن طلحة و الزبير و عائشة قد خرجوا من مكة يريدون البصرة، و قد استنفروا الناس إلى حربك و لم يخف معهم إلى ذلك إلا من كان في قلبه مرض، و يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ - و السلام-.

قال: ثم دفعت أم الفضل هذا الكتاب إلى رجل من جهينة له عقل و لسان يقال له ظفر فقالت: خذ هذا الكتاب و انظر أن تقتل في كل مرحلة بعيرا و عليّ ثمنه، و هذه مائة دينار قد جعلتها لك، فجد السير حتى تلقى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فتدفع إليه كتابي هذا[ (1) ].

قال: فسار الجهني سيرا عنيفا حتى لحق أصحاب علي رضي اللّه عنه و هم [ (1) ]انظر الطبري 5/167 و ابن الأثير 2/314.

457

على ظهر المسير[ (1) ]، فلما نظروا إليه نادوه من كل جانب: أيها الراكب!ما عندك؟ قال: فنادى الجهني بأعلى صوته شعرا يخبر فيه قدوم عائشة و طلحة و الزبير، قال:

فلما سمع علي ذلك دعا محمد بن أبي بكر و قال له: ألا ترى إلى أختك عائشة كيف خرجت من بيتها الذي أمرها اللّه عزّ و جلّ أن تقر فيه و أخرجت معها طلحة و الزبير يريدان البصرة لشقاقي و فراقي؟فقال له محمد: يا أمير المؤمنين!لا عليك، فإن اللّه معك و لن يخذلك، و الناس بعد ذلك ناصروك، و اللّه تبارك و تعالى كافيك أمرهم إن شاء اللّه.

قال: فعندها نادى علي رضي اللّه عنه في أصحابه فجمعهم، ثم قال‏[ (2) ]: أيها الناس!إن اللّه تبارك و تعالى بعث كتابا ناطقا لا يهلك عنه إلا هالك و إن المبتدعات المشتبهات‏[ (3) ]هن المهلكات المرديات إلا من حفظ اللّه، و إن في سلطان اللّه عصمة أمركم، فأعطوه طاعتكم، ألا!و تهيئوا لقتال الفرقة الذين يريدون تفريق جماعتكم فلعل اللّه تعالى يصلح بكم ما أفسد أهل الشقاق، ألا[ (4) ]إن طلحة و الزبير قد تمالآ عليّ بسخط أقاربي‏[ (5) ]و دعوا الناس إلى مخالفتي و أنا سائر إليهم و منابزهم حتى يحكم اللّه بيني و بينهم-و السلام-.

قال: فأجابه الناس إلى ذلك، و عائشة قد تقدمت فيمن معها من الناس، حتى إذا بلغت إلى ماء الحوأب و ذلك في وقت السحر نبحت الكلاب، فسمعت عائشة رجلا من أهل عسكرها يسأل و يقول: أي ماء هذا؟فقيل له: هذا ماء الحوأب، فقالت عائشة: ردوني!فقيل لها: و لم ذلك؟فقالت: لأني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو يقول: «كأني بامرأة من نسائي تنبح عليها كلاب الحوأب، فاتقي [ (1) ]و كان علي (رض) قد تهيأ للخروج إلى الشام، بعد تردد بالمدينة أربعة أشهر ينتظر جواب معاوية على كتب أرسلها إليه متتالية، ثم أتاه جوابه على غير ما يجب. (الطبري-ابن الأثير) .

و في الإمامة و السياسة: فلما كان ببعض الطريق (متوجها نحو الشام) أتاه كتاب أخيه عقيل بن أبي طالب يخبره فيه خبر عائشة و طلحة و الزبير.

[ (2) ]وردت الخطبة في الطبري 5/163-164 و ذلك عند ما تجهز و عبأ الناس للسير نحو الشام.

[ (3) ]الطبري: و الشبهات.

[ (4) ]في الطبري جاءه خبر طلحة و الزبير فقام و خطب فيهم، و ما ذكر من هنا جزء من خطبته بعد ما أبلغ الخبر.

[ (5) ]الطبري: إمارتي.

458

اللّه أن تكوني أنت يا حميراء» [ (1) ].

قال: و نزل القوم هنالك، فلما أصبحوا إذا عبد اللّه بن الزبير[ (2) ]قد أتى بخمسين رجلا يشهدون عندها أن هذا الماء ليس بماء الحوأب و أنهم قد جازوا ماء الحوأب بليل، قال: فكانت هذه الشهادة أول شهادة زور شهد بها في الإسلام.

قال: و سار القوم حتى إذا دنوا من البصرة خرج إليهم عثمان بن حنيف الأنصاري‏[ (3) ]في شيعة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و همّ بمحاربتهم، ثم إنه كره القتال و مشى بعضهم إلى بعض و سألوه الصلح إلى أن يقدم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه على أن يكون المال و دار الإمارة في يد عثمان بن حنيف، قال:

فرضي الفريقان بذلك و كتبوا بينهم كتابا[ (4) ]، و أقام طلحة و الزبير و عائشة بموضع يقال لها الخريبة[ (5) ]يدبرون أمرهم و آراءهم بينهم.

ذكر ما جرى من الكلام بين عائشة و الأحنف بن قيس حين دعي إلى نصرتها

قال‏[ (6) ]: ثم إنهم بعثوا إلى الأحنف بن قيس فدعوه و قالوا: إننا نريد منك أن تنصرنا على دم عثمان بن عفان فإنه قتل مظلوما، قال: فالتفت الأحنف إلى عائشة و قال: يا أم المؤمنين!أنشدك اللّه أما قلت لك ذلك اليوم إن قتل عثمان فمن أبايع؟ قلت: علي بن أبي طالب؟فقالت عائشة: قد كان ذلك يا أحنف، و لكن ههنا أمور نحن بها أعلم منك، فقال الأحنف: لا و اللّه لا أقاتل علي بن أبي طالب أبدا و هو أخو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ابن عمه و زوج ابنته و أبو سبطيه، و قد بايعه المهاجرون و الأنصار.

قال: ثم وثب الأحنف حتى صار إلى ديار قومه من بني تميم ثم نادى فيهم [ (1) ]تقدمت الإشارة إليه.

[ (2) ]في مروج الذهب 2/395 طلحة بن عبيد اللّه.

[ (3) ]و كان قد ولاه علي البصرة.

[ (4) ]انظر نسخة الكتاب بين عثمان بن حنيف و أنصار عائشة (رض) في الطبري 5/177.

[ (5) ]الخريبة: محلة من محال البصرة، و كانت عنده وقعة الجمل بين علي و عائشة (معجم البلدان) .

[ (6) ]خبر الأحنف بن قيس في الطبري 5/197 و العقد الفريد 4/319-320 باختلاف و زيادة.

459

فاجتمع إليه أربعة[ (1) ]آلاف رجل، فسار بهم حتى نزل بهم على فرسخين من البصرة[ (2) ].

قال: و عزم طلحة و الزبير و من كان معهم أن يهجموا على عثمان عامل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فيقتلوه و يقتلوا الأنصار الذين لعليّ و أزمعوا على ذلك، فلما كان الليل لم يسع عثمان بن حنيف إلا و طلحة و الزبير و ابنه عبد اللّه و مروان بن الحكم و أصحابه قد هجموا عليهم و وضعوا فيهم السيف، فقتلوا أشياعه‏[ (3) ]و هم أنصار علي بن أبي طالب، ثم أخذوا عثمان بن حنيف فأرادوا قتله، فقال بعضهم لبعض:

هذا رجل من الأنصار و له بالمدينة عشيرة، فإن نحن قتلناه ازدادوا علينا غلظة، فلم يقتلوه و لكن أخذوه فنتفوا لحيته و شاربه و أشفار عينيه و حلقوا رأسه.

قال: و أمرت عائشة عبد اللّه بن الزبير و محمد بن طلحة بالصلاة، فكان أحدهم يصلي بالناس صلاة و الآخر يصلي بالناس صلاة.

قال: و عليّ يومئذ كان قد خرج من المدينة و هو نازل بالربذة، فلما بلغه ذلك سار من الربذة حتى نزل بذي قار[ (4) ]، ثم إنه وجه ابنه الحسن‏[ (5) ]و عمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفرون أهلها إلى البصرة لمحاربة القوم.

خبر أبي موسى الأشعري لما وافاه الحسن بن عليّ و عمار بن ياسر بالكوفة

قال: فلمّا قدم الحسن بن عليّ و عمّار بن ياسر إلى الكوفة استنفرا أهلها، وثب أبو موسى الأشعري و هو يومئذ عامل عليها فقال: يا أهل الكوفة!اتقوا اللّه وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً* [ (6) ] [ (1) ]في الطبري: ستة آلاف.

[ (2) ]في الطبري بموضع: الجلحاء.

[ (3) ]في مروج الذهب 2/395 قتل منهم سبعون غير من جرح، و خمسون من السبعين ضرب رقابهم صبرا من بعد الأسر. و هؤلاأ أول من قتل ظلما في الإسلام و صبرا. و عند ابن الأثير: أربعون رجلا.

(و انظر اليعقوبي 2/181) .

[ (4) ]ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة.

[ (5) ]بالأصل: الحسين تحريف و ما أثبتناه عن الطبري.

[ (6) ]سورة النساء: 29.

460

وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا وَ غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذََاباً عَظِيماً* [ (1) ]قال:

فغضب عمار بن ياسر، ثم وثب أبو موسى فأسكته، فقام رجل من بني تميم إلى عمار بن ياسر فقال: اسكت أيها الرجل الأجذع!بالأمس كنت مع غوغاء مصر على عثمان و اليوم تسكت أميرنا، قال: فوثب زيد بن صوحان و أصحابه مع شيعة علي بالسيوف و قالوا: من لم يطع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فما له عندنا إلا السيف، فقال أبو موسى: أيها الناس!اسكتوا و اسمعوا كلامي، هذا كتاب عائشة[ (2) ]إليّ تأمرني فيه أن أقرأه إن أقرّ الناس في منازلهم إلى أن يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين، فقال له عمار بن ياسر: يا أبو موسى!إن عائشة أمرت بأمر و أمرنا بغيره، أمرت أن تقرّ في بيتها، و أمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا هي بما أمرت و ركبت ما أمرنا به. قال: فكثر الكلام يومئذ بين الناس، فوثب زيد بن صوحان العبدي فقال: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ `الم*`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ*`وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ* [ (3) ]أيها الناس!سيروا إلى أمير المؤمنين و انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق راشدين. قال: ثم وثب عمار بن ياسر فقال: أيها الناس!إنه لا بد لهذا الأمر و لهؤلاء الناس من وال يدفع المظالم و يعين المظلوم، و هذا ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يستنفركم إلى زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و إلى طلحة و الزبير، فاخرجوا و انظروا في الحق فمن كان الحق معه فاتبعوه.

قال: ثم وثب الحسن بن علي فقال:

أيها الناس!إنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، فأجيبوا دعوتنا و أعينونا على ما قد بلينا به، فو اللّه إني لأعلم أن من سمع بهذا الأمر و لم يكن إلا مع الحق أنه لسعيد.

قال: فوثب الهيثم بن مجمع العامري‏[ (4) ]فقال: أيها الناس!إن أمير المؤمنين قد دعانا و أرسل إلينا رسله و هذا ابنه الحسن فاسمعوا قوله و أطيعوا أمره و انفروا إلى أميركم و أشيروا عليه برأيكم.

قال: فأجاب الناس إلى ذلك و نفر من أهل الكوفة تسعة آلاف و مائتا رجل‏[ (5) ]، [ (1) ]سورة النساء الآية 93.

[ (2) ]نسخة كتاب عائشة إلى أهل الكوفة في الطبري 5/181-182.

[ (3) ]سورة العنكبوت الآيات 1-3.

[ (4) ]في الطبري 5/189 و ابن الأثير 2/329 هند بن عمرو.

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: قريب من تسعة آلاف، أخذ في البر ستة آلاف و مائتان، و أخذ في الماء ألفان ـ

461

فأخذ بعضهم في البر و بعضهم في البحر حتى قدموا على علي بن أبي طالب،

فاستقبلهم علي رضي اللّه عنه و رحب بهم و أدناهم و حياهم، ثم قال: يا أهل الكوفة!إنكم وليتم شوكة الأعاجم و ملوكهم ففضضتم جموعهم و هدمتم عزهم، حتى صارت إليكم مواريثهم و أموالهم، ثم منعتم‏[ (1) ]حوزتكم و أعنتم الناس على عدوهم، و قد دعوتكم الآن لتشهدوا معنا إخواننا هؤلاء من أهل البصرة، فإن يتقوا اللّه و يرجعوا فذلك ما تريدون و إن أبوا ذلك نداويهم‏[ (2) ]باللين و الشدة، و لسنا ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: فاجتمع الناس بذي قار مع علي بن أبي طالب ستة آلاف من أهل المدينة و أهل مصر و أهل الحجاز و تسعة آلاف‏[ (3) ]من أهل الكوفة و جعل الناس يجتمعون حتى صاروا في تسعة عشر ألف رجل من فارس و راجل، و سار علي رضي اللّه عنه عن ذي قار يريد البصرة في جميع أصحابه و الناس يتلاحقون به من كل أوب.

ذكر تعبية أهل البصرة للحرب‏

قال: و بلغ طلحة و الزبير أن عليا قد تقارب من البصرة في خيله و جمعه، فعزموا على تعبية الناس، فكانت الخيل كلها إلى طلحة و رجّاله إلى عبد اللّه بن الزبير، و على خيل الميمنة مروان بن الحكم و على رجالتها عبد الرحمن‏[ (4) ]بن عتاب بن أسيد، و على خيل الميسرة هلال بن وكيع الدارمي، و على رجالتها حاتم بن بكير الباهلي، و على الجناح عمر بن طلحة، و على رجالتها عبد اللّه بن حكيم بن حزام، و على خيل الكمين جندب بن يزيد المجاشعي، و على رجالتها مجاشع بن مسعود السلمي‏[ (5) ].

قال: و صاح رجل من بني ضبة: وطّنوا أنفسكم على الصبر، فإنه يلقاكم أسد [ () ]و أربعمائة. و في مروج الذهب 2/396 نحو من سبعة آلاف. و في تاريخ خليفة ص 184 ما بين السنة آلاف إلى السبعة.

[ (1) ]الطبري 5/190 فأغنيتم.

[ (2) ]الطبري: داويناهم بالرفق و بايناهم حتى يبدؤنا بظلم.

[ (3) ]انظر ما سبق.

[ (4) ]بالأصل عبد اللّه تحريف. و ما أثبتناه عن الطبري 5/203.

[ (5) ]انظر في تعبئة طلحة و الزبير للناس الطبري 5/203.

462

خفّان و جماهير أهل الحجاز و أفاعي أهل الكوفة مع علي بن أبي طالب، فانظروا أن تفضحوا قبائل مضر، قال: ثم أنشأ أبياتا مطلعها:

ألا قولا لطلحة و الزبير # و قولا للذين هم النصار

إلى آخرها.

قال: فقال له الزبير: بئس ما قلت يا أخا بني ضبة!فقال الضبي: أنا عبد اللّه، إني أعلم من تقدم علينا غدا، فإذا كان ذلك فاطلبني في الرعيل الأول.

قال: و بلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: إن القوم قد تعبّوا لحربكم فما ذا عندكم من الرأي؟

فقال له رفاعة بن شداد البجلي: يا امير المؤمنين! تعبية لتعبية، و حق يدفع باطلا، و هذا ما كنا نريد، فأبشر و قرّ عينا!فسترى منا ما تحب، قال: ثم أنشأ رفاعة بن شداد يقول أبياتا مطلعها:

أتتك الأمور بسعد السعود # و سرت إلى الفئة الناكثة

إلى آخرها.

قال: و دنا علي في أصحابه من البصرة، فقال طلحة بن عبيد اللّه لأصحابه:

اعلموا أيها الناس!أن عليا و أصحابه قد أضربهم السفر و تعب الطريق، فهل لكم أن نأتيهم الليلة فنضع فيهم السيف؟فقال مروان بن الحكم: و اللّه لقد استبطأت هذه منك أبا محمد!و ليس الرأي إلا ما رأيت، قال: فضحك الزبير من ذلك ثم قال:

أمن علي تصاب الفرصة و هو من قد عرفتم؟أما علمتم أنه رجل ما لقيه أحد قط إلا ثكلته أمه؟فسكت طلحة و لم يرد إلى الزبير شيئا.

قال: فلما كان الليل إذا بغلام من بني تيم بن مرة قد أقبل حتى وقف إلى جنب منزل طلحة بن عبيد اللّه و أنشأ أبياتا مطلعها:

يا طلح يا ابن عبيد اللّه ما ظفرك # كفاك إذ رزت في عرّيسة الأسد

إلى آخره.

قال: ثم وثب رجل من أصحاب الزبير يكنى أبا الجرباء[ (1) ]فقال للزبير: أبا عبد اللّه!ما الرأي عندي إلا أن تبيتوا هذا الرجل، فإن الرأي في الحرب من [ (1) ]و هو من بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم (الطبري 5/201) .

463

النجدة، فقال له الزبير: يا أبا الجرباء!إننا لنعرف من الحرب ما لم يعرفه كثير من الناس غير أن القوم أهل دعوتنا، و نحن و هم مسلمون، و هذا أمر حدث في أمتنا لم يكن قبل اليوم، و لا كان فيه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قول، و بعد ذلك فهو علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه من لم يلق اللّه فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة، و نحن مع ذلك نرجو الصلح إن أجابوا إليه، و إلا فآخره الداء الكي.

قال: و أقبل الأحنف بن قيس في جماعة من قومه إلى عليّ رضي اللّه عنه

فقال‏[ (1) ]: يا أمير المؤمنين!إن أهل البصرة يقولون بأنك إن ظفرت بهم غدا قتلت رجالهم و سبيت ذريتهم و نساءهم، فقال له علي: ليس مثلي من يخاف هذا منه، لأن هذا ما لا يحل إلا ممن تولى و كفر، و أهل البصرة قوم مسلمون، و سترى كيف يكون أمري و أمرهم!و لكن هل أنت معي فأعلم!فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين! اختر مني واحدة من‏[اثنتين‏][ (2) ]إما أن أكون معك مع مائتي رجل من قومي، و إما أن أرد عنك أربعة آلاف سيف، فقال علي رضي اللّه عنه: لا بل ردهم عني، فقال الأحنف: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين!ثم انصرف.

قال: و خرج الزبير و طلحة فنزلوا موضعا يقال له زابوقة[ (3) ]، و هم ثلاثون ألف مقاتل، و بلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقام في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إني قد منيت بثلاث مرجعهن على العباد من كتاب اللّه: أحدها البغي ثم النكث و المكر، قال اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنَّمََا بَغْيُكُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ [ (4) ]، ثم قال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ [ (5) ]، ثم قال: وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ [ (6) ]، و و اللّه لقد منيت بأربع لم يمن بمثلهن أحد بعد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، منيت بأشجع الناس الزبير بن العوام، و بأخدع الناس طلحة بن عبيد اللّه، و بأطوع الناس في الناس عائشة بنت أبي بكر، و بمن أعان عليّ [ (1) ]الطبري 5/196-197.

[ (2) ]عن الطبري: اثنتين. و بالأصل يمين خطأ.

[ (3) ]عن معجم البلدان، و هو موضع قريب من البصرة و بالأصل «رانوقة» .

[ (4) ]سورة يونس الآية 23.

[ (5) ]سورة الفتح الآية 10.

[ (6) ]سورة فاطر الآية 43.

464

بأنوع الدنانير يعلى بن منية، و و اللّه لئن أمكنني اللّه منه لأجعلنّ ماله و ولده فيئا للمسلمين.

قال: فوثب خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين!لقد بغوا عليك و نكثوا عهدك و مكروا بك، و لقد علم الزبير بأنه ما له مثل نجدتك، و لا لطلحة مثل علمك، و لا لعائشة مثل طاعتك، و مال اللّه أكثر من مال يعلى بن منية، و لقد جمعه ظلما و أنفقه جهلا، ثم جعل يقول أبياتا مطلعها:

[و]أما الزبير فأكفيكه # و طلحة يكفيكه وجوحه‏

إلى آخره.

قال: و زحف علي رضي اللّه عنه حتى نزل قبالة القوم فنزلت مضر إلى مضر و ربيعة إلى ربيعة و اليمن إلى اليمن، قال: فعرض علي رضي اللّه عنه من معه من أصحابه و أعوانه، فكانوا عشرين ألفا، و الزبير في ثلاثين ألفا.

ذكر كلام ما جرى بين حفصة بنت عمر بن الخطاب و بين أم كلثوم بنت علي رضي اللّه عنه‏

قال: و بلغ ذلك حفصة بنت عمر بن الخطاب فأرسلت إلى أم كلثوم فدعتها ثم أخبرتها باجتماع الناس إلى عائشة، كل ذلك ليغمها بكثرة الجموع إلى عائشة، قال:

فقالت لها أم كلثوم: على رسلك يا حفصة!فإنكم إن تظاهرتم على أبي فقد تظاهرتم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فكان اللّه مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير، فقالت حفصة: يا هذه!أعوذ باللّه من شرّك فقالت أم كلثوم: و كيف يعيذك اللّه من شرّي و قد ظلمتني حقّي مرتين: الأول ميراثي من أمي فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و الثاني ميراثي من أبيك‏[ (1) ]عمر بن الخطاب!قال: و لامت النساء حفصة على ذلك لوما شديدا.

[ (1) ]و كانت أم كلثوم بنت علي (رض) قد مات عنها زوجها عمر بن الخطاب (رض) .

465

ذكر الكتاب الذي كتب عليّ إلى طلحة و الزبير

قال: ثم كتب عليّ إلى طلحة و الزبير: أما بعد!فقد علمتم أني لم أرد الناس حتنى أرادوني، و لم أبايعهم حتى أكرهوني، و أنتم ممن أرادوا بيعتي، و لم تبايعوا لسلطان غالب‏[ (1) ]و لا لغرض حاضر، فإن كنتم قد بايعتم مكرهين فقد جعلتم إليّ السبيل عليكم بإظهاركم الطاعة و كتمانكم المعصية، و أنت يا زبير فارس قريش! و أنت يا طلحة شيخ المهاجرين!و دفعكم هذا الأمر[ (2) ]قبل أن تدخلوا فيه كان أوسع لكم من خروجكم منه بعد إقراركم، و أما قولكم: إني قتلت عثمان بن عفان، فبيني و بينكم من يحلف عني و عنكم من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بما يحتمل، و هؤلاء بنو عثمان بن عفان فليقروا بطاعتي ثم يخاصموا قتلة أبيهم إليّ، و بعد فما أنتم و عثمان قتل مظلوما!كما تقولان أنتما رجلان من المهاجرين، و قد بايعتموني و نقضتم بيعتي، و أخرجتم أمكم من بيتهاالذي أمرها اللّه تعالى أن تقرّ فيه-و اللّه حسبكم-و السلام.

ذكر كتاب عليّ إلى عائشة

قال: ثم كتب إلى عائشة[ (3) ]: أما بعد فإنك قد خرجت من بيتك عاصية[ (4) ]للّه تعالى و لرسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين المسلمين، فأخبريني ما للنساء وقود العساكر و الإصلاح بين الناس فطلبت!زعمت بدم عثمان و عثمان رجل من بني أمية و أنت امرأة من بني تيم بن مرة، و لعمري أن الذي عرضك للبلاء و حملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان!و ما غضبت حتى أغضبت و لا هجت حتى هيّجت، فاتقي اللّه يا عائشة و ارجعي إلى منزلك و اسبلي عليك بسترك-و السلام-.

قال: و أما طلحة و الزبير فإنهم لم يجيبوا عليا عن كتابه بشي‏ءلكنهم بعثوا إليه برسالة أن يا أبا الحسن!قد سرت مسيرا له ما بعده، و لست براجع و في نفسك منه [ (1) ]في الإمامة و السياسة 1/90 لسلطان خاص.

[ (2) ]يعني خلافته.

[ (3) ]الإمامة و السياسة 1/90.

[ (4) ]الإمامة: غاضبة.

466

حاجة، و لست راضيا دون أن ندخل في طاعتك، و نحن لا ندخل في طاعتك أبدا، و اقض ما أنت قاض-و السلام‏[ (1) ].

قال: فأنشأ حبيب بن يساف الأنصاري يقول أبياتا مطلعها:

أبا حسن أيقظت من كان نائما # و ما كل ما يدعى إلى الحق يسمع‏

إلى آخره.

ذكر خطبة عبد اللّه بن الزبير لأهل البصرة

قال: ثم وثب عبد اللّه بن الزبير فقال: أيها الناس!إن علي بن أبي طالب هو الذي قتل الخليفة عثمان بن عفان، ثم إنه الآن قد جاءكم ليبين لكم أمركم، فاغضبوا لخليفتكم و امنعوا حريمكم و قاتلوا على أحسابكم، قال: فوثب إليه رجل من بني ناجية فقال: أي رحمك اللّه!إننا قد سمعنا كلامك و نحن على ما يحب أبوك و خالك، و سترى منا ما تقر به عيناك إن شاء اللّه تعالى.

ذكر خطبة الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام لما بلغه كلام ابن الزبير

قال: و بلغ عليا رضي اللّه عنه ما تكلم به عبد اللّه بن الزبير، و قد خطب الناس و ذكر لهم أني أنا الذي قتلت عثمان بن عفان، و زعم لهم أني أريد أن أبين للناس أمورهم، و قد بلغني أنه شتمني، فقم يا بني فاخطب للناس خطبة بليغة موجزة و لا تشتمن أحدا من الناس.

قال: فوثب الحسن‏[ (2) ]بن علي رضي اللّه عنهما فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أيها الناس!إنه قد بلغنا مقالة عبد اللّه بن الزبير، فأما زعمه أن عليا قتل عثمان فقد علم المهاجرون و الأنصار بأن أباه الزبير بن العوام لم يزل يجتني عليه الذنوب و يرميه بفضيحات العيوب، و طلحة بن عبيد اللّه راكد رأيته على باب بيت ماله و هو حيّ، و أما شتيمته لعلي فهذا ما لا يضيق به الحلقوم لمن أراده، و لو أردنا أن نقول لفعلنا، و أما قوله إن عليا أبتر الناس أمورهم، فإن أعظم حجة أبيه الزبير أنه زعم أنه بايعه بيده [ (1) ]زيد في الإمامة و السياسة 1/91 و كتبت عائشة: جلّ الأمر عن العتاب، و السلام.

[ (2) ]بالأصل: الحسين خطأ.