الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
467

دون قلبه، فهذا إقرار بالبيعة، و أما تورّد أهل الكوفة على أهل البصرة فما يعجب من أهل حق‏وردوا على أهل باطل، و لعمري ما نقاتل أنصار عثمان، و لعلي أن يقاتل أتباع الجمل-و السلام-.

قال: فأنشأ رجل من الأنصار يقول أبياتا مطلعها:

حسن الخير يا شبيه أبيه # قمت فينا مقام أنهى خطيب‏

إلى آخرها.

قال: و دنا القوم من بعضهم بعضا، و خرج صبيان أهل البصرة و عبيدهم إلى عبيد أهل الكوفة، و أقبل كعب بن سور[ (1) ]إلى عائشة فقال لها: أدركي فقد دنا القوم بعضهم من بعض، و قد أبى القوم إلا القتال فلعل اللّه تبارك و تعالى أن يصلح بك الأمور، فأقبلت عائشة على جملها عسكر في هودجها و الناس معها، فلما أشرفت على الناس و نظرت إليهم و إذا بعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يردّ الناس و يأمرهم بالكف عن الحرب، فرجعت و رجع الناس.

ذكر رسالة عليّ إلى عائشة

قال: فلما كان من الغد دعا علي رضي اللّه عنه يزيد بن صوحان و عبد اللّه بن عباس، فقال لهما: امضيا إلى عائشة فقولا لها: ألم يأمرك اللّه تبارك و تعالى أن تقري في بيتك؟فخدعت و انخدعت، و استنفرت فنفرت، فاتقي اللّه الذي إليه مرجعك و معادك، و توبي إليه‏فإنه يقبل التوبة عن عباده، و لا يحملنك قرابة طلحة و حب عبد اللّه بن الزبير على الأعمال التي تسعى بك إلى النار.

قال: فانطلقا إليها و بلغاها رسالة علي رضي اللّه عنه، فقالت عائشة: ما أنا برادة عليكم شيئا فإني أعلم أني لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب، فرجعا إليه و أخبراه بالخبر، فأنشأ أبو الهيثم بن التيهان‏[ (2) ]الأنصاري يقول أبياتا مطلعها:

نحن الذين رأت قريش فعلنا # يوم القليب و قد هوى الكفار

[ (1) ]كعب بن سور بن بكر بن عبيد بن ثعلبة بن سليم... الأزدي. تابعي. استعمله عمر قاضيا على البصرة، شهد الجمل مع عائشة و لما اجتمع الناس خرج و بيده مصحف فنشره و جال بين الصفين يناشد الناس في ترك القتال فجاءه سهم غريب فقتل. (الإصابة) .

[ (2) ]بالأصل: «أبو القاسم بن نبهان» تصحيف، و قد مرت ترجمته.

468

إلى آخرها.

قال: ثم جمع علي رضي اللّه عنه الناس فخطبهم خطبة بليغة و قال: أيها الناس!إني قد ناشدت هؤلاء القوم كيما يرجعوا و يرتدعوا فلم يفعلوا و لم يستجيبوا، و قد بعثوا إليّ أن أبرز إلى الطعان و أثبت للجلاد، و قد كنت و ما أهدد بالحروب و لا أدعي إليها و قد أنصف القارة من راماها[ (1) ]، و لعمري لئن أبرقوا و أرعدوا فقد عرفوني و رأوني، ألا!و إن الموت لا يفوته المقيم و لا يعجزه الهارب، و من لم يمت يقتل، و إن أفضل الموت القتل، و الذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من موتة على الفراش!ثم رفع يده إلى السماء و هو يقول: اللهم!إن طلحة بن عبيد اللّه أعطاني صفقة بيمينه طائعا ثم نكث بيعته، اللهم!فعاجله و لا تميّطه، اللهم!إن الزبير بن العوام قطع قرابتي و نكث عهدي و ظاهر عدوّي و نصب الحرب لي و هو يعلم أنه ظالم، فاكفنيه كيف شئت و أني شئت‏

.

ذكر تعبية علي رضي اللّه عنه‏

قال: ثم وثب علي رضي اللّه عنه فعبى أصحابه‏[ (2) ]، و كان على خيل ميمنته عمار بن ياسر، و على الرجالة شريح بن هانئ، و على خيل الميسرة سعيد بن قيس الهمداني، و على رجالتها رفاعة بن شداد البجلي، و على خيل القلب محمد بن أبي بكر، و على رجالتها عدي بن حاتم الطائي، و على خيل الجناح زياد بن كعب الأرحبي، و على رجالتها حجر بن عدي الكندي، و على خيل الكمين عمرو[ (3) ]بن لحمق الخزاعي، و على رجالتها جندب بن زهير الأزدي. قال: ثم جعل علي رضي اللّه عنه على كل قبيلة من قبائل العرب سيدا من ساداتهم يرجعون إليه في أمورهم، و تقدمت الخيل و الرجالة.

قال: و برزت يومئذ عائشة على جملها عسكر، و هو الجمل الذي اشتراه لها [ (1) ]القارة قبيلة من كنانة، من أرمى العرب فرمى رجل من جهينة رجلا منهم فقتله، فرمى رجل منهم رجلا من جهينة، فقال قائل منهم: قد أنصف القارة من راماها. فأرسلها مثلا.

انظر الفاخر ص 140 الأمثال للميداني 2/31.

[ (2) ]انظر الأخبار الطوال ص 146-147.

[ (3) ]عن الطبري و قد مرّ، و بالأصل: «عمر» خطأ.

469

يعلى بن منية بمائتي دينار[ (1) ]، و على الجمل يومئذ هودج من الخشب و قد غشي بجلود الإبل و سمر بالمسامير و ألبس فوق ذلك الحديد، فلما توافقت الخيلان و دنت الفئتان بعضها من بعض، خرج علي رضي اللّه عنه حتى وقف بين الصفين.

ذكر ما جرى من الكلام بين علي و الزبير في يوم الجمل قبل الوقعة

قال: فوقف عليّ رضي اللّه عنه بين الصفين، عليه قميص‏و رداء و على رأسه عمامة سوداء، و هو يومئذ على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الشهباء التي يقال لها دلدل، ثم نادى بأعلى صوته: أين الزبير بن العوام!فليخرج إليّ!فقال الناس: يا أمير المؤمنين!أ تخرج إلى الزبير و أنت حاسر و هو مدجّج في الحديد؟فقال علي رضي اللّه عنه: ليس عليّ منه بأس فأمسكوا، قال: ثم نادى الثانية: أين الزبير بن العوام؟فليخرج إليّ! قال: فخرج إليه الزبير، و نظرت عائشة فقالت: وا ثكل أسماء!فقيل لها يا أم المؤمنين!ليس على الزبير بأس، فإن عليا بلا سلاح‏[ (2) ].

قال: و دنا الزبير من عليّ حتى وافقه‏[ (3) ]، فقال له علي رضي اللّه عنه: يا أبا عبد اللّه!ما حملك على ما صنعت؟فقال الزبير: حملني على ذلك الطلب بدم عثمان، فقال له عليّ: أنت و أصحابك قتلتموه فيجب عليك أن تقيد من نفسك، و لكن أنشدك باللّه الذي لا إله إلاّ هو أما تذكر يوما قال لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يا زبير! أ تحبّ عليا» ؟فقلت: يا رسول اللّه!و ما يمنعني من حبه و هو ابن خالي‏[ (4) ]؟فقال لك: «أما!إنك ستخرج عليه يوما و أنت ظالم؟فقال الزبير: اللهم بلى!قد كان [ (1) ]اشتروه من العرني و أعطوه بدله ناقة مهرية و زادوه أربعمائة أو ستمائة درهم. (عن الطبري 5/170- 171) و في مروج الذهب 2/394 فكالأصل. و في رواية في الطبري 5/167 بثمانين دينارا. و في رواية ثالثة كالأصل.

[ (2) ]زيد في مروج الذهب 2/401: فاطمأنت.

[ (3) ]في مروج الذهب: «و اعتنق كل واحد منهما صاحبه» و في البداية و النهاية 7/269: «حتى اختلفت أعناق دوابهما» .

[ (4) ]زيد في البداية و النهاية: و ابن عمي و على ديني؟ ـ

470

ذلك، قال علي: فأنشدك باللََّه الذي أنزل الفرقان أما تذكر يوما جاء رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم من عند بني عمرو بن عوف‏[ (1) ]و أنت معه و هو آخذ بيدك، فاستقبلته أنا فسلم عليّ و ضحك في وجهي و ضحكت أنا إليه، فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبدا!فقال لك النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم: «مهلا يا زبير!فليس به زهو و لتخرجن عليه يوما و أنت ظالم له» ؟

فقال الزبير: اللهم بلى!و لكن أنسيت، فأما إذ ذكرتني ذلك فو اللََّه لأنصرفن عنك!و لو ذكرت هذا لما خرجت عليك‏[ (2) ].

ذكر ما قاسى من الملامة للزبير بعد ذلك من أهل عسكره‏

قال: ثم رجع الزبير إلى عائشة و هي واقفة في هودجها، فقالت: ما وراءك يا أبا عبد اللََّه؟فقال الزبير: ورائي و اللََّه ما وقفت موقفا قط و لا شهدت مشهدا من شرك و لا إسلام إلا ولي فيه بصيرة، و إني اليوم لعلي في شك من أمرك، و ما أكاد أبصر موضع قدمي!فقالت عائشة: لا و اللََّه!و لكنك خفت سيوف ابن أبي طالب، أما إنها طوال حداد تحملها سواعد أنجاد و لئن خفتها لقد خافها الرجال من قبلك. قال:

ثم أقبل عليه ابنه عبد اللََّه فقال: لا و اللََّه!و لكنك رأيت الموت الأحمر تحت رايات ابن أبي طالب، فقال له الزبير: و اللََّه يا بني إنك لمشئوم قد عرفتك، فقال عبد اللََّه: ما أنا بمشؤوم، و لكنك فضحتنا في العرب فضيحة لا تغسل منها رؤوسنا أبدا.

قال: فغضب الزبير من ذلك‏[ (3) ]ثم صاح بفرسه و حمل على أصحاب عليّ حملة منكرة، فقال علي رضي اللََّه عنه: افرجوا له فإنه محرّج، فأوسعوا له حتى شق الصفوف و خرج منها، ثم رجع فشقها ثانية و لم يطعن أحدا و لم يضرب، ثم رجع إلى ابنه فقال: يا بني!هذه حملة جبان!فقال له ابنه عبد اللََّه: فلم تنصرف عنا و قد التقت حلقتا البطان‏[ (4) ]؟فقال الزبير: يا بني!أرجع و اللََّه لأخبار قد كان النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم [ (1) ]في الطبري 5/200 بني غنم.

[ (2) ]رواه البيهقي في الدلائل 6/414 و نقله ابن كثير في البداية و النهاية 7/269 و مروج الذهب 2/401.

[ (3) ]زيد في تاريخ اليعقوبي 2/183 ويلك!و مثلي يعير بالجبن، هلم إليّ بالرمح.

[ (4) ]البطان: الحزام الذي يشد على البطن.

471

عهدها إلي فنسيتها حتى أذكرنيها علي بن أبي طالب فعرفتها[ (1) ].

قال: ثم خرج الزبير من عسكرهم تائبا مما كان منه و هو يقول أبياتا مطلعها:

ترك الأمور التي تخشى عواقبها # للََّه أجمل في الدنيا و في الدين‏[ (2) ]

إلى آخرها.

ذكر مقتل الزبير بن العوام رحمه اللََّه‏

قال: ثم مضى الزبير و تبعه خمسة من الفرسان فحمل عليهم و فرق جمعهم، و مضى حتى صار إلى وادي السباع‏[ (3) ]فنزل على قوم من بني تميم، فقام إليه عمرو بن جرموز[ (4) ]المجاشعي فقال: أبا عبد اللََّه!كيف تركت الناس؟فقال الزبير: تركتهم قد عزموا على القتال، و لا شك قد التقوا، قال: فسكت عنه عمرو بن جرموز و أمر له بطعام و شي‏ء من لبن، فأكل الزبير و شرب، ثم قام فصلى و أخذ مضجعه، فلما علم ابن جرموز أن الزبير قد نام و ثب إليه و ضربه بسيفه ضربة على أم رأسه فقتله، ثم احتزّ رأسه‏[ (5) ]و أخذ سلاحه و فرسه و خاتمه، ثم جاء به بين يدي علي بن أبي طالب رضي اللََّه عنه و أخبره بما صنع بالزبير.

قال: فأخذ علي رضي اللََّه عنه سيف الزبير و جعل يقلبه و هو يقول: إنه لسيف طالما جلّى الكروب عن وجه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و لكن الحين و القضاء!ثم أقبل على [ (1) ]زيد في مروج الذهب 2/401 فاخترت العار على النار.

[ (2) ]في تهذيب ابن عساكر 5/365:

إن الأمور التي أخشى عواقبها # في اللََّه أحسن في الدنيا و في الدين‏

و في مروج الذهب 2/401:

اخترت عارا على نار مؤججة # ما إن يقوم لها خلق من الطين

نادى علي بأمر لست أجهله # عار لعمرك في الدنيا و في الدين

فقلت: حسبك من عدل أبا حسن # فبعض هذا الذي قد قلت: يكفيني‏

[ (3) ]وادي السباع: موضع على طريق مكة، بينه و بين الزبيدية ثلاثة أميال.

[ (4) ]عن الطبري 5/205 و مروج الذهب 2/402 و بالأصل «جرمود» تحريف و قد صححت في كل المواضع.

[ (5) ]ذكر ابن كثير في البداية و النهاية 7/277 مختلف الأقوال في كيفية قتله و انظر ابن الأثير 2/328 و انظر الإمامة و السياسة 1/93.

472

عمرو بن جرموز فقال: ويحك!لم قتلته؟فقال: قتلته و اللََّه و أنا أعلم أن ذلك مما يرضيك، و لولا ذلك لما قدمت عليه، فقال علي رضي اللََّه عنه: ويحك!فإني سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يقول: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار»

!قال: فوثب عمرو بن جرموز من بين يدي علي رضي اللََّه عنه و هو يقول: لا و اللََّه ما ندري أ نقاتل معكم أم عليكم!ثم انصرف عن علي و هو يقول أبياتا مطلعها:

أتيت عليا برأس الزبير # و قد كنت أرجو منه الزلفة[ (1) ]

إلى آخرها.

وصية علي لأهل عسكره بما يجب أن يكون منهم في الحرب‏

قال: و جعل عليّ رضي اللََّه عنه يعبّي أصحابه و يوصيهم و هو يقول: أيها الناس!غضوا أبصاركم و أكثروا من ذكر ربكم، و إياكم و كثرة الكلام فإنه فشل.

قال: و نظرت إليه عائشة و هو يجول بين الصفوف، فقالت: انظروا إليه كأن فعله فعل رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم يوم بدر، أما و اللََّه!ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس، فقال عليّ رضي اللََّه عنه: يا عائشة! عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ [ (2) ].

قال: و جعل أهل البصرة يرمون أصحاب عليّ بالنبل حتى عقروا منهم جماعة، فقالت الناس: يا أمير المؤمنين!إنه قد عقرتنا نبالهم فما انتظارك؟فقال عليّ رضي اللََّه عنه: اللهم إني قد أعذرت و أنذرت فكن لي عليهم من المساعدين‏

.

خبر الفتى الذي حمل المصحف إلى أصحاب الجمل يدعوهم إليه‏

قال: ثم دعا عليّ بالدرع فأفرغه عليه و تقلد بسيفه و اعتجر بعمامته و استوى [ (1) ]في العقد الفريد 4/323 «

و قد كنت أحسبها زلفة

» و بعده في مروج الذهب 2/403:

فبشر بالنار قبل العين # و بئس بشارة ذي التحفة

لسيان عندي قتل الزبير # و ضرطة عنز بذي الجحفة

[ (2) ]سورة المؤمنون الآية 40.

473

على بغلة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم،

ثم دعا بالمصحف فأخذه بيده ثم قال‏[ (1) ]: أيها الناس!من يأخذ هذا المصحف فيدعو هؤلاء القوم إلى ما فيه؟قال‏[ (2) ]: فوثب غلام من مجاشع يقال له: مسلم، عليه قباء أبيض فقال: أنا آخذه يا أمير المؤمنين!فقال له عليّ:

يا فتى!إن يدك اليمنى تقطع، فتأخذه باليسرى، فتقطع ثم تضرب عليه بالسيف حتى تقتل؟

فقال الفتى: لا صبر لي على ذلك. قال: فنادى علي الثانية و المصحف في يده، فقام إليه ذلك الفتى و قال: أنا آخذه يا أمير المؤمنين!فهذا قليل في ذات اللََّه.

ثم أخذ الفتى المصحف و انطلق به إليهم، فقال: يا هؤلاء!هذا كتاب اللََّه عزّ و جلّ بيننا و بينكم، قال: فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها، فأخذ المصحف بشماله فقطعها، فاحتضن المصحف بصدره، فضرب على صدره حتى قتل-رحمه اللََّه‏[ (3) ]-.

قال: فنظرت إليه أمه و قد قتل، فأنشأت تقول أبياتا مطلعها:

يا رب إن مسلما أتاهم # بمحكم التنزيل إذ دعاهم‏[ (4) ]

إلى آخرها.

قال: و أنشأ ابن عم له يرثيه و يقول أبياتا مطلعها:

تناوله شقي منهم بضربة # أبان بها يمناه حتى تصوب‏

إلى آخرها.

ذكر إذن عليّ حينئذ في القتال‏

ثم دفع علي رضي اللََّه عنه رايته إلى ابنه محمد ابن الحنفية و قال: تقدم يا بني!فتقدم محمد ثم وقف بالراية لا يبرح، فصاح به علي رضي اللََّه عنه: اقتحم لا أم لك!فحمل محمد الراية فطعن بها في أصحاب الجمل طعنا منكرا و عليّ ينظر،

[ (1) ]الخبر في الطبري 5/205 و مروج الذهب 2/399 باختلاف.

[ (2) ]الطبري: فقام إليه فتى من أهل الكوفة. و عنده 5/216: مسلم بن عبد اللََّه.

[ (3) ]زيد في الطبري: فقال علي: الآن حلّ قتالهم.

[ (4) ]الأرجاز في الطبري 5/206 و 5/216 و مروج الذهب 2/399 بزيادة و اختلاف في بعض الألفاظ.

474

فأعجبه ما رأى من فعاله فجعل يقول:

اطعن بها[ (1) ]طعن أبيك تحمد # لا خير في الحرب إذ لم توقد[ (2) ]

قال: فقاتل محمد ابن الحنفية ساعة بالراية ثم رجع، و ضرب عليّ رضي اللََّه عنه بيده إلى سيفه فاستلّه ثم حمل على القوم، فضرب فيهم يمينا و شمالا ثم رجع و قد انحنى سيفه، فجعل يسويه بركبته فقال له أصحابه: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين!فلم يجب أحدا حتى سوّاه ثم حمل ثانية حتى اختلط بهم، فجعل يضرب فيهم قدما قدما حتى انحنى سيفه. ثم رجع إلى أصحابه، و وقف يسوي السيف بركبته و هو يقول: و اللََّه ما أريد بذلك إلا وجه اللََّه و الدار الآخرة!ثم التفت إلى ابنه محمد ابن الحنفية و قال: هكذا اصنع يا بني!

قال: ثم حملت ميمنة أهل البصرة على ميسرة أهل الكوفة فكشفوهم إلا قليلا منهم، و حملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة أهل البصرة فأزالوهم عن موافقهم، و ثبت الناس بعضهم لبعض فاقتتلوا ساعة من النهار، و تقدم مخنف بن سليم الأزدي من أصحاب عليّ فجعل يرتجز و يقول أبياتا مطلعها:

قد عشت يا نفس و قد غنيت‏[ (3) ] # دهرا[ (4) ]و قبل اليوم ما عييت‏

إلى آخرها.

قال: ثم حمل فقاتل قتالا شديداو رجع مجروحا، ثم تقدم أخوه الصعب بن سليم فقاتل حتى قتل رحمة اللََّه. ثم خرج أخوه الثالث عبيد اللََّه بن سليم فقتل. ثم تقدم زيد بن صوحان العبدي من أصحاب عليّ فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية أخوه صعصعة فقاتل فجرح، و أخذ الراية أبو عبيدة العبدي‏[ (5) ]و كان من خيار أصحاب علي فقاتل فقتل، فأخذ الراية عبد اللََّه بن الرقية[ (6) ]فقتل، فأخذها رشيد بن سمي فقتل.

[ (1) ]في مروج الذهب 2/407 اطعنهم.

[ (2) ]بعده: بالمشرفي و القنا المسرد.

[ (3) ]في الطبري ثلاثة أرجاز نسبها «ليزيد بن قيس» 5/208.

[ (4) ]الطبري: «

دهرا فقطك اليوم ما بقيت‏

» و بعده:

أطلب طول العمر ما حييت‏

[ (5) ]في الطبري 5/208 أبو عبيدة بن راشد بن سلمى.

[ (6) ]عند الطبري 5/208 عبد اللََّه بن الرقبة بن المغيرة.

475

قال: فقتل سبعة أو ثمانية رهط من أصحاب علي في ربضة واحدة ثم تقدم رجل من أصحاب الجمل يقال له عبد اللََّه بن سري، فجعل يرتجز و يقول:

يا رب إني طالب أبا الحسن # ذاك الذي يعرف حقا بالفتن

ذاك الذي يطلبه على الأحن # و بغضه شريعة من السنن‏

قال: فخرج إليه علي رضي اللََّه عنه و هو يرتجز و يقول:

قد كنت ترميه بإيثار الفتن # قدما و تطلبه بأوتار الأحن

و اليوم تلقاه مليا فاعلمن # بالطعن و الضرب عليها بالسنن‏

قال: ثم شدّ عليه عليّ بالسيف فضربه ضربة هتك بها عاتقة فسقط قتيلا، فوقف عليّ رضي اللََّه عنه ثم قال: قد رأيت أبا الحسن فكيف وجدته؟

قال: ثم تقدمت بنو ضبّة فأحدقوا بالجمل و جعلوا يرتجزون بالأشعار من كل ناحية، و رجل منهم قد أخذ بخطام الجمل و في يده سيف له كأنه مخراق و هو يرتجز

و يقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل # ننازل الموت إذا الموت نزل

ننعي ابن عفان بأطراف الأسل # اضرب بالسيف إذا الرمح فصل

إنّ عليا يعد من خير البدل‏[ (1) ]

قال: فبدر إليه زيد بن لقيط الشيباني من أصحاب علي و هو يقول أبياتا مطلعها:

يا قائل الزور من أصحاب الجمل # نحن قتلنا نعثلا فيمن قتل‏

إلى آخرها.

قال: ثم حمل عليه الشيباني فقتله. و تقدم رجل من بني ضبة يقال له عاصم بن الدّلف و أخذ بخطام الجمل و جعل يرتجز و يقول أبياتا مطلعها:

[نحن‏]بنو ضبة أعداء عليّ # ذاك الذي يعرف فيكم بالوصيّ‏

إلى آخرها.

[ (1) ]نسبت الأرجاز في الطبري 5/217 إلى عمرو بن يثربي الضبي و هو أخو عميرة القاضي، و هي عنده باختلاف في ثلاثة مواضع 5/209 و 210 و 217 و في مروج الذهب 2/405.

476

قال: فخرج إليه المنذر بن حفصة التميمي من أصحاب علي رضي اللََّه عنه و هو يقول:

نحن مطيعون جميعا لعليّ # إذ أنت ساع في الوغى سعي شقي

إن الغويّ تابع أمر الغوي # قد خالفت أمر النبي زوج النبي‏

قال: ثم حمل علي الضبي فقتله، ثم جال في ميدان الحرب و هو يرتجز و يقول أبياتا مطلعها:

أ سامع أنت مطيع أم عصي # و تارك ما أنت فيه أم غوي‏

إلى آخرها.

قال: فخرج إليه وكيع بن المؤمل الضبي من أصحاب الجمل و هو يقول:

أ سامع أنت مطيع لعليّ # و تارك في الحق أزواج النبي

إني و لما ذقت حدّ المشرفي # أعرف يوما ليس فيه بعني‏[ (1) ]

قال: فحمل عليه صاحب عليّ فقتله، و تقدم على وكيع الأشتر حتى وقف بين الجمعين و هو يزأر كالأسد عند فريسته*و يقول هو في ذلك شعرا، فخرج إليه من أصحاب الجمل رجل يقال له عامر بن شداد الأزدي و أجابه على شعره، قال: فحمل عليه الأشتر فقتله، ثم نادى فلم يجب أحد فرجع.

ثم خرج محمد بن أبي بكر و عمار بن ياسر حتى وقفا قدّام الجمل، قال:

و تبعهما الأشتر و وقف معهما، قال: فقال رجل من أصحاب الجمل: من أنتم أيها الرهط؟قالوا: نحن ممن لا تنكرونه، و أعلنوا بأسمائهم و دعوا بأسمائهم و دعوا إلى البراز، فخرج عثمان الضبي و هو ينشد شعرا، فخرج إليه عمار بن ياسر فأجابه على شعره ثم حمل عليه عمار فقتله.

قال: و ذهب كعب بن سور الأزدي ليخرج إلى عمار، فسبقه إلى ذلك غلام من الأزد أمرد، فخرج و هو يرتجز و يقول شعرا، فذهب عمار ليبرز إليه، فسبقه إلى ذلك أبو زينب الأزدي فأجابه إلى شعره، ثم حمل عليه أبو زينب فقتله، و رجع حتى [ (1) ]الأرجاز في الطبري 5/214 باختلاف، و نسبها لأبي الجرباء، و هو من أصحاب الزبير، و قد مرت الإشارة إليه.

477

وقف بين يدي علي رضي اللََّه عنه.

قال: و خرج عمرو بن يثربي من أصحاب الجمل حتى وقف بين الصفين قريبا من الجمل، ثم دعا إلى البراز و سأل النزال فخرج إليه علباء[ (1) ]بن الهيثم من أصحاب علي رضي اللََّه عنه، فشد عليه عمرو فقتله، ثم طلب المبارزة فلم يخرج إليه أحد، فجعل يجول في ميدان الحرب و هو يرتجز و يقول شعرا[ (2) ]، ثم جال و طلب البراز، فتحاماه الناس و اتقوا بأسه، قال: فبدر إليه عمار بن ياسر و هو يجاوبه على شعره، و التقوا بضربتين، فبادره عمار بضربة فأراده عن فرسه،

ثم نزل إليه عمار سريعا فأخذ برجله و جعل يجره‏[ (3) ]حتى ألقاه بين يدي علي رضي اللََّه عنه، فقال علي: اضرب عنقه!فقال عمرو: يا أمير المؤمنين!استبقني حتى أقتل لك منهم كما قتلت منكم، فقال علي: يا عدو اللََّه!أبعد ثلاثة من خيار أصحابي استبقيتك‏[ (4) ]؟لا كان ذلك أبدا!قال: فأدنني حتى أكلمك في أذنك بشي‏ء، فقال علي: أنت رجل متمرّد، و قد أخبرني رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم بكل متمرد عليّ و أنت أحدهم،

فقال عمرو بن يثربي: أما و اللََّه لو وصلت إليك لقطعت أذنك-أو قال: أنفك-قال: -فقدمه عليّ فضرب عنقه بيده صبرا.

قال: و خرج أخوه عميرة[ (5) ]فجعل يرتجز و يقول شعرا، فخرج علي رضي اللََّه عنه و أجابه إلى شعره، ثم حمل عليه عليّ فضربه ضربة على وجهه، فرمى بنصف رأسه.

[ (1) ]عن الطبري و بالأصل: «علي» تحريف.

[ (2) ]و مما ارتجزه: (الطبري 5/210) :

أضربهم و لا أرى أبا حسن # كفى بهذا حزنا من الحزن

إنما نمر الأمر إمرار الرسن‏

[ (3) ]و كان عمرو يرتجز و هو يجرّ:

إن تقتلوني فأنا ابن اليثربي # قاتل علباء و هندا الجملي

ثم ابن صوحان على دين علي‏

و كان عمرو قد قتل يومئذ علباء بن الهيثم السدوسي، و هند بن عمرو الجملي و زيد بن صوحان (انظر الطبري 5/210) .

[ (4) ]انظر الملاحظة السابقة.

[ (5) ]عن الطبري، و قد مرت الإشارة إليه. ـ

478

و انفرق علي يريد أصحابه فصاح به صائح من ورائه، فالتفت و إذا بعبد اللّه بن خلف الخزاعي، و هو صاحب منزل عائشة بالبصرة، فلما رآه عليّ عرفه فناداه: ما تشاء يا بن خلف؟قال: هل لك في المبارزة؟قال علي: ما أكره ذلك و لكن ويحك يا ابن خلف!ما راحتك في القتل و قد علمت من أنا؟

فقال عبد اللّه بن خلف: دعني من مدحك يا ابن أبي طالب!و ادن مني لترى أيّنا يقتل صاحبه!ثم أنشد شعرا، فأجابه علي عليه، و التقوا للضرب فبادره عبد اللّه بن خلف بضربة دفعها عليّ بحجفته، ثم انحرف عنه عليّ فضربه ضربة رمى بيمينه ثم ضربه أخرى فأطار قحف رأسه.

ثم خرج عليّ إلى أصحابه، و خرج مبارز بن عوف الضبي من أصحاب الجمل و جعل يقول شعرا، قال: فخرج إليه عبد اللّه بن نهشل من أصحاب عليّ مجيبا له على شعره، ثم حمل على الضبي فقتله، فخرج من بعد الضبي ابن عم له يقال له ثور بن عدي و هو ينشد شعرا، فخرج إليه محمد بن أبي بكر مجيبا له و هو يقول شعرا، ثم شد عليه محمد بن أبي بكر فضربه ضربة رمى بيمينه ثم ضربه ثانية فقتله.

قال: فغضبت عائشة و قالت: ناولوني كفّا من حصباء، فناولوها فحصبت بها أصحاب علي و قالت: شاهت الوجوه!فصاح بها رجل من أصحاب علي رضي اللّه عنه، و قال: يا عائشة!و ما رميت إذ رميت و لكن الشيطان رمى، ثم جعل يقول شعرا:

قد جئت يا عيش لتعلمينا # و تنشر البرد لتهزمينا

و تقذفي الحصباء جهلا فينا # فعن قليل سوف تعلمينا

ذكر مقتل طلحة بن عبيد اللّه‏

قال: و جعل طلحة ينادي بأعلى صوته: عباد اللّه!الصبر الصبر!إن بعد الصبر النصر و الأجر، قال: فنظر إليه مروان بن الحكم فقال لغلام له: ويلك يا غلام!و اللّه إني لأعلم أنه ما حرّض على قتل عثمان يوم الدار أحد كتحريض طلحة و لا قتله سواه!و لكن استرني فأنت حر، قال: فستره الغلام، و رمى مروان بسهم مسموم لطلحة بن عبيد اللّه فأصابه به‏[ (1) ]، فسقط طلحة لما به و قد غمي عليه، ثم [ (1) ]في قتل طلحة بن عبيد اللّه قيل: إنه أتاه سهم غرب (أي الذي لم يعرف مصدره) و قيل: رماه مروان

479

أفاق فنظر إلى الدم يسيل منه فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، أظن و اللّه أننا عنينا بهذه الآية من كتاب اللّه عزّ و جلّ إذ يقول: وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ* [ (1) ]. قال: ثم أقبل على غلامه، و قد بلغ منه الجهد، قال: ويحك يا غلام!اطلب لي مكانا أدخله فأكون فيه، فقال الغلام:

لا و اللََّه ما أدري أين أنطلق بك!فقال طلحة: يا سبحان اللََّه!و اللََّه ما رأيت كاليوم قط!دم قرشي أضيع من دمي، و ما أظن هذا السهم إلا سهما أرسله اللََّه، و كان أمر اللََّه قدرا مقدورا. فلم يزل طلحة يقول ذلك‏[ (2) ]حتى فات و مات و دفن، ثم وضع في مكان يقال له السبخة[ (3) ]، و دخل من ذلك على أهل البصرة غم عظيم، و كذلك على عائشة لأنه ابن عمّها. و جاء الليل فحجز بين الفريقين.

ذكر ما كان بعد ذلك‏

قال: فلما كان من الغد دنا القوم من بعضهم بعض، و تقدمت عائشة على جملها عسكر حتى وقفت أمام الناس و الناس من ورائها و عن يمينها و شمالها. قال:

و صفّ عليّ رضي اللََّه عنه أصحابه و عبّاهم كالتعبية الأولى، و عزم القوم على المناجزة، و تقدم كعب بن سور الأزدي حتى أخذ بخطام الجمل و جعل يرتجز و يقول أبياتا مطلعها:

[ () ] (و كما بالأصل) .

و في موضع إصابته قيل: إن السهم وقع في ركبته، و قيل في رقبته، و قيل في أكحله.

انظر في ذلك الطبري 5/204 و مروج الذهب 2/403 تاريخ خليفة ص 185 ابن الأثير 2/337 البداية و النهاية 7/275 سير أعلام النبلاء 1/26 الإمامة و السياسة 1/97.

[ (1) ]سورة الأنفال الآية 25.

[ (2) ]قيل إن طلحة خاف أن يموت و ليس في عنقه بيعة، فبايع لرجل من أصحاب علي لعلي، و قد سمع و هو جريح يتمثل:

فإن تكن الحوادث أقصدتني # و أخطأهن سهمي حين أرمي

فقد ضيعت حين تبعت سهما # سفاها ما سفهت و ضل حلمي

ندمت ندامة الكسعي لما # شريت رضا بني سهم برغم

أطعتهم بفرقة آل لأي # فألقوا للسباع دمي و لحمي‏

ابن الأثير 2/338 مروج الذهب 2/404.

[ (3) ]السبخة: موضع بالبصرة.

480

يا معشر الناس عليكم أمكم # فإنها صلاتكم و صومكم‏

إلى آخرها.

قال: فحمل عليه الأشتر فقتله، و خرج من بعده غلام من الأزد يقال له وائل بن كثير فجعل يتلو و يقول شعرا، فبرز إليه الأشتر مجيبا له و هو يقول شعرا، ثم حمل عليه الأشتر فقتله، و خرج من بعده عمرو بن خنفر من أصحاب الجمل و هو يقول شعرا، ثم حمل عليه الأشتر فقتله، و خرج من بعده عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية فجعل يلعب بسيفه بين يدي عائشة و هو يقول شعرا، قال: فبدر إليه الأشتر مجيبا له، ثم حمل عليه فضربه ضربة رمى بيمينه فسقط لما به، و ثناه الأشتر بضربة أخرى فقتله، ثم جال في ميدان الحرب و هو يقول شعرا، ثم رجع الأشتر إلى موقفه.

و صاح رجل من أهل الكوفة: يا معشر المؤمنين!إذا خرج إليكم رجل من أنصار صاحبة الجمل و قال شيئا من الشعر فلا تجيبوه بشي‏ء ليستريح إلى إجابتكم له، و لكن استعملوا فيمن خرج إليكم بالسيف فإنه أسرع للجواب. قال: و إذا برجل من أصحاب الجمل يقال له الأسود البختري‏[ (1) ]قد خرج و هو يقول شعرا، فحمل عليه عمرو بن الحمق الخزاعي فقتله، و خرج من بعده جابر بن مزيد الأزدي، فحمل عليه محمد بن أبي بكر فقتله، و خرج من بعده مجاشع بن عمر التميمي‏[ (2) ]و هو يقول شعرا، فحمل على أصحاب عليّ حملة، و استأمن إلى عليّ فكان من خيار أصحابه بعد ذلك، و خرج من بعده عوف بن قطن و هو يقول شعرا، فحمل عليه محمد ابن الحنفية فقتله، و خرج من بعده بشر بن عمرو الضبي و هو يقول شعرا، فحمل عليه عمار بن ياسر فقتله، و خرج من بعده حرسة بن ثعلبة الضبي في يده خطام الجمل و هو يقول شعرا، ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قطعت يده على خطام الجمل و قتل و تقدم حازم الضبي فضرب بيده إلى الخطام الجمل و هو يرتجز و يقول شعرا، ثم حمل فجعل يقاتل حتى قطعت يده على الخطام ثم قتل، و خرج من بعده غلام من ضاهية يقال له أسلم بن سلامة فأخذ بخطام الجمل و جعل يرتجز و يقول شعرا فقاتل حتى قطعت يده على الخطام ثم قتل، و خرج من بعده رجل من الأزد يقال له سليم فأخذ [ (1) ]في الطبري 5/210 الأسود بن أبي البختري.

[ (2) ]كذا، مرّ قريبا مجاشع بن مسعود السلمي.

481

بخطام الجمل و هو يقول شعرا، فقاتل حتى قطعت يده على خطام الجمل ثم قتل، و خرج من بعده رجل من أزد شنوءة يقال له عبيد بن عمير فأخذ بخطام الجمل و هو يقول شعرا، فقاتل حتى قتل، و خرج من بعده رجل من بني مازن يقال له عوف بن مالك فأخذ بخطام الجمل و جعل يقول شعرا، فقاتل حتى قطعت يده على الخطام ثم قتل. فلم تزل القوم كذلك يتقدم رجل بعد رجل حتى قطع على الخطام يومئذ ثماني و تسعون يدا[ (1) ]، قال: و نادت عائشة رضي اللََّه عنها بأعلى صوتها: أيها الناس! عليكم بالصبر فإنما تصبر الأحرار، فناداها رجل من أصحاب علي و هو يقول شعرا.

قال: و اشتبكت الحرب بين الفريقين فاقتتلوا قتالا شديدا، و صاح الحجاج بن [عمرو بن‏]غزية الأنصاري: يا معاشر الأنصار!إنه لم ينزل موت قط في جاهلية و لا إسلام إلا مضيتم عليه، و لست أراكم اليوم كما أريد، و أنا أنشدكم باللََّه أن تحدثوا ما لم يكن، إن إخوانكم اليوم قد أبلوا و قاتلوا، و إن الموت قد نزل فصبرا صبرا حتى يفتح اللََّه عزّ و جلّ عليكم.

قال: ثم تقدّم الحجاج‏[بن عمرو]بن غزية الأنصاري عن القوم فجعل يضرب بسيفه قدما، و هو يقول شعرا، قال: ثم تقدم في أثره خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين و هو يقول شعرا، قال: ثم تقدم في أثره شريح بن هانئ الحارثي و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره هانئ بن عروة و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره زياد بن كعب الهمداني و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره سعيد بن قيس الهمداني و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره مالك بن الحارث الأشتر و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره عدي بن حاتم الطائي و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره رفاعة بن شداد البجلي و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره هانئ بن هانئ بن عبيد المذحجي و هو يقول شعرا، ثم تقدم في أثره عمرو[ (2) ]بن الحمق الخزاعي و هو يقول شعرا.

قال: فاقتتل القوم قتالا شديدا لم يسمع بمثله، و صار الهودج الذي فيه عائشة كأنه القنفذ مما فيه من النبل و السهام، قال: و جعلت بنو ضبة يأخذون بعر الجمل فيشمونه و يقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى بعر جمل أمنا كأنه المسك الأذفر.

[ (1) ]في مروج الذهب 2/406 سبعون يدا من بني ضبة.

[ (2) ]بالأصل: «عمرو» تحريف، و ما أثبتناه عن الأخبار الطوال.

482

قال: و جعل الأشتر يجول في ميدان الحرب و ينادي بأعلى صوته يا أنصار الجمل!من يبارزني منكم؟قال: فبرز إليه عبد اللََّه بن الزبير و هو يقول: إلى أين يا عدو اللََّه؟فأنا أبارزك!قال: فحمل عليه الأشتر فطعنه طعنة صرعه عن فرسه، ثم بادر و قعد على صدره، قال: فجعل عبد اللََّه بن الزبير ينادي من تحت الأشتر في يومه ذلك: اقتلوني و مالكا[ (1) ]!قال: و كان الأشتر في يومه صائما و قد طوى من قبل ذلك بيومين فأدركه الضعف، فأفلت عبد اللََّه من يده و هو يظن أنه غير ناج منه‏[ (2) ].

ذكر عقر الجمل و ما بعده‏

قال: و احمرت الأرض بالدماء و عقر من ورائه فعج و رغا، فقال علي: عرقبوه فإنه شيطان، ثم التفت إلى محمد بن أبي بكر و قال له: انظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها، قال: و بادر عبد الرحمن بن صرد التنوخي إلى سيفه، فلم يزل يقاتل حتى وصل إلى الجمل فعرقبه من رجليه جميعا[ (3) ]، فوقع الجمل لجنبه و ضرب بجرانه الأرض و رغا رغاء شديدا، و بادر عمار بن ياسر فقطع أنساع الهودج بسيفه، قال: و أقبل علي رضي اللََّه عنه على بغلة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فقرع الهودج برمحه ثم قال: يا عائشة أ هكذا أمرك رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أن تفعلي؟فقالت عائشة: قد ظفرت فأحسن. فقال علي رضي اللََّه عنه لمحمد بن أبي بكر: شأنك بأختك، فلا يدنو منها أحد سواك،

فأدخل محمد يده إلى عائشة فاحتضنها ثم قال: أصابك شي‏ء؟ فقالت: لا، ما أصابني شي‏ء[ (4) ]، و لكن من أنت ويحك!فقد مسست مني ما لا يحل لك؟فقال محمد: اسكتي فأنا أخوك محمد، فعلت بنفسك ما فعلت و عصيت [ (1) ]في مروج الذهب 2/407.

اقتلوني و مالكا و اقتلوا مالكا معي قال: و التقى الأشتر مالك... و عبد اللََّه بن الزبير فاعتركا و سقطا على الأرض عن فرسيهما، و طال اعتراكهما على وجه الأرض، فعلاه الأشتر و لم يجد سبيلا إلى قتله لشدة اضطرابه من تحته.

[ (2) ]قال المسعودي إن عبد اللََّه بن الزبير كان يصرخ من تحته: «فلا يسمعه أحد لشدة الجلاد، و وقع الحديد على الحديد، و لا يراهما راء لظلمة النقع و ترادف العجاج» (و انظر الطبري 5/217 و الإمامة و السياسة 1/96) .

[ (3) ]في الطبري 5/218 عقر الجمل رجل من بني ضبة يقال له ابن دلجة عمرو أو بجير و في الأخبار الطوال ص 151 كشف عرقوبه رجل من مراد يقال له أعين بن ضبيعة.

[ (4) ]في مروج الذهب 2/406 ما أصابني إلا سهم لم يضرني.

483

برسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم و لو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننت علينا و على جميع العالمين بذلك!و بعد فإنما كنت تسع إحدى حشايا من حشاياه، لست بأحسنهن وجها و لا بأكرمهن حسبا و لا بأرشحهن عرقا، و أنت الآن تريدين أن تقولي و لا تعصين و تأمري و لا تخالفين، و نحن لحم الرسول صلّى اللََّه عليه و سلّم و دمه و فينا ميراثه و علمه، فقالت عائشة: يا ابن عباس!ما باذلك عليك علي بن أبي طالب!فقال ابن عباس: إذا و اللََّه أقرّ له و هو أحق به مني و أولى، لأنه أخوه و ابن عمه و زوج الطاهرة-ابنته و أبو سبطيه و مدينة علمه و كشاف الكرب عن وجهه، و أما أنت فلا و اللََّه ما شكرت نعماءنا عليك و على أبيك من قبلك!ثم خرج و سار إلى عليّ فأخبره بما جرى بينه و بين عائشة من الكلام.

ذكر دخول عليّ على عائشة و ما جرى بينهم من الكلام حين أمرها بالانصراف إلى المدينة

قال: فدعا عليّ ببغلة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم فاستوى عليها، و أقبل إلى منزل عائشة، ثم استأذن و دخل‏[ (1) ]، فإذا عائشة جالسة و حولها نسوة من نساء أهل البصرة و هي تبكي و هن يبكين معها، قال: و نظرت صفية بنت الحارث الثقفية امرأة عبد اللََّه بن خلف الخزاعي إلى علي، فصاحت هي و من كان معها هناك من النسوة و قلن بأجمعهن: يا قاتل الأحبة يا مفرق بين الجميع أيتم اللََّه منك بنيك كما أيتمت ولد عبد اللََّه بن خلف!فنظر إليها علي فعرفها فقال: أما اني لا ألومك أن تبغضيني و قد قتلت جدك في يوم بدر، فقتلت عمك يوم أحد، و قتلت زوجك الآن، و لو كنت قاتل الأحبة كما تقولين لقتلت من في هذا البيت و من في هذه الدار[ (2) ]، قال: فأقبل عليّ على عائشة فقال: ألا تنحين كلابك هؤلاء عني، أما انني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل من فيه، و باب هذا البيت فأقتل من فيه، و لولا حبي للعافية لأخرجتهم الساعة فضربت أعناقهم صبرا، قال: فسكتت عائشة و سكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهن. قال: ثم أقبل على عائشة فجعل يوبخها و يقول: أمرك اللََّه أن تقري في بيتك [ (1) ]خبر دخول علي عائشة في الطبري 5/222 و مروج الذهب 2/408 و تاريخ اليعقوبي 2/183.

[ (2) ]و كان قد اختفى فيه مروان بن الحكم و عبد اللََّه بن الزبير و عبد اللََّه بن عامر و غيرهم (مروج الذهب 2/408) .

484

و تحتجبي بسترك و لا تبرجي، فعصيته و خضت الدماء، تقاتليني ظالمة و تحرضين عليّ الناس، و بما شرفك اللََّه و شرف آباءك من قبلك و سماك أم المؤمنين و ضرب عليك الحجاب قومي الآن فارحلي و اختفي في الموضع الذي خلفك فيه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم إلى أن يأتيك فيه أجلك، ثم قام عليّ فخرج من عندها.

قال: فلما كان من الغد بعث إليها ابنه الحسن، فجاء الحسن فقال لها: يقول لك أمير المؤمنين «أما و الذي خلق الحبة و برأ النسمة!لئن لم ترحلي الساعة لأبعثن عليك بما تعلمين» ، قال: و عائشة في وقتها ذلك قد ضفرت قرنها الأيمن و هي تريد أن تضفر الأيسر، فلما قال لها الحسن ما قال و ثبت من ساعتها و قالت: رحلوني! فقالت لها امرأة من المهالبة: يا أم المؤمنين!جاءك عبد اللََّه بن عباس فسمعناك و أنت تجاوبيه حتى علا صوتك ثم خرج من عندك و هو مغضب، ثم جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقك و قد كان أبوه جاءك فلم نر منك هذا القلق و الجزع!فقالت عائشة: إنما أقلني لأنه ابن بنت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فمن أحب أن ينظر إلى رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم فلينظر إلى هذا الغلام، و بعد فقد بعث إليّ أبوه بما قد علمت و لا بد من الرحيل، فقالت لها المرأة: سألتك باللََّه و بمحمد صلّى اللََّه عليه و سلّم إلا أخبرتني بما ذا بعث إليك عليّ رضي اللََّه عنه، فقالت عائشة رضي اللََّه عنها: ويحك!إن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم أصاب من مغازيه نفلا فجعل يقسّم ذلك في أصحابه، فسألناه أن يعطينا منه شيئا و ألححنا عليه في ذلك، فلامنا علي رضي اللََّه عنه و قال: حسبكن أضجرتن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم، فتجهمناه و أغلظنا له في القول. فقال: عَسى‏ََ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوََاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [ (1) ]فأغلظنا له أيضا في القول و تجهمناه، فغضب النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم من ذلك و ما استقبلنا به عليا، فأقبل عليه ثم قال: يا علي!إني قد جعلت طلاقهن إليك فمن طلقتها منهن فهي بائنة، و لم يوقّت النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم في ذلك وقتا في حياة و لا موت، فهي تلك الكلمة، و أخاف أن أبين من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم.

ذكر انصراف عائشة من البصرة إلى المدينة

قال: ثم دعا علي رضي اللََّه عنه بنسوة[ (2) ]من نساء أهل البصرة فأمرهن أن [ (1) ]سورة التحريم الآية 5.

[ (2) ]في الطبري 5/225 و ابن الأثير 2/347 أربعين امرأة. و في مروج الذهب 2/410 عشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس و همدان و غيرهما. و في تاريخ اليعقوبي 2/183 سبعين امرأة. ـ

485

ربك و هتكت سترك و أبحت حرمتك و تعرضت للقتل.

قال: ثم احتملها فأدخلها البصرة و أنزلها في دار عبد اللّه‏[ (1) ]بن خلف الخزاعي، فقالت عائشة لأخيها: يا أخي!أنشدك باللّه إلا طلبت لي ابن أختك عبد اللّه بن الزبير، فقال لها محمد: و لم تسألين عن عبد اللّه؟فو اللّه ما سامك أحد سواه!فقالت عائشة: مهلا يا أخي!فإنه ابن أختك و قد كان ما ليس إلى رده سبيل، فأقبل محمد إلى موضع المعركة فإذا هو بعبد اللّه بن الزبير جريحا لما به، فقال له محمد: اجلس يا مشؤوم أهل بيته!اجلس لا أجلسك اللّه!قال: فجلس ابن الزبير و حمله محمد بين يديه و ركب من خلفه، و جعل يمسكه و هو يميل من الجراح التي به حتى أدخله على عائشة، فلما نظرت إليه على تلك الحالة بكت ثم قالت لأخيها محمد: يا أخي!استأمن له عليا و تمم إحسانك، فقال لها محمد: لا بارك اللّه لك فيه!ثم سار إلى علي و سأله ذلك، فقال علي: قد آمنته و آمنت جميع الناس.

قال: و جعل رجل من أهل الكوفة يقال له مسعود بن عمرو الهمداني يجول في القتلى و ينظر إليهم، فبينما هو كذلك إذ مر برجل من بني ضبة يقال له عمير[ (2) ]بن الأهلب، فإذا هو مقطوع اليدين و به ضربات كثيرة و قد ندم على قتاله مع عائشة و هو يقول شعرا[ (3) ]، قال: فجعل الهمداني يتعجب من قول الضبي، فقال له الضبي:

ممن الرجل؟فقال: رجل من همدان، فقال: ما لي أراك واقفا متعجبا من قولي، فقال الهمداني: إني أتعجب من ندامتك حين لا تنفعك الندامة، فقال له الضبي:

قرب إليّ أذنك، فقرب إليه أذنه، فعض عليها الضبي حتى قطعها، و انفلت الهمداني بغير أذن ثم أنكر عليه بسيفه حتى قطعه إربا إربا[ (4) ].

[ (1) ]عن الطبري، و بالأصل عبيد اللّه. و في مروج الذهب 2/406 «أنزلها في دار صفية بنت الحارث بن طلحة العبدي، و هي أم طلحة الطلحات» . و هي امرأة عبد اللّه و كان قد قتل في ذلك اليوم.

[ (2) ]عن الطبري 5/213 و بالأصل «عمرو» .

[ (3) ]في مروج الذهب 2/409-410:

لقد أوردنا حومة الموت أما # فلم تنصرف إلا و نحن رواء

أطعنا ببني تيم لشقوة جدنا # و ما تيم إلا أعبد و إماء

[ (4) ]الخبر في مروج الذهب 2/409-410 و الطبري 5/213.

486

ذكر ما جرى من الكلام بين عبد الله بن عباس و بين عائشة لما أنفذه إليها برسالته علي بن أبي طالب رضي الله عنهم‏

قال: ثم دعا علي رضي اللّه عنه بعبد اللّه بن عباس فقال له: اذهب إلى عائشة[ (1) ]فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت و لا تقيم بالبصرة،

فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها، فأبت أن تأذن له، فدخل عبد اللّه بغير إذن، ثم التفت فإذا راحلة عليها و سائد فأخذ منها و سادة و طرحها ثم جلس عليها، فقالت عائشة: يا ابن عباس!أخطأت السنة دخلت منزلي بغير إذني‏[ (2) ]!فقال ابن عباس: لو كنت في منزلك الذي خلفك فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لما دخلت عليك إلا بإذنك، و ذلك المنزل الذي أمرك اللّه عزّ و جلّ أن تقرّي فيه، فخرجت منه عاصية للّه عزّ و جلّ و لرسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و بعد فهذا أمير المؤمنين يأمرك بالارتحال إلى المدينة فارتحلي و لا تعصي، فقالت عائشة: رحم اللّه أمير المؤمنين!ذاك عمر بن الخطاب!فقال ابن عباس: و هذا و اللّه أمير المؤمنين و إن رغمت له الأنوف و اربدت له الوجوه!فقالت عائشة: أبيت ذلك عليكم يا ابن عباس!فقال ابن عباس: لقد كانت أيامك قصيرة المدة ظاهرة الشؤم بنية النكد، و ما كنت في أيامك إلا كقدر حلب شاة حتى صرت ما تأخذين و ما تعطين و لا تأمرين و لا تنهين، و ما كنت إلا كما قال أخو بني أسد حيث يقول:

ما زال إهداء القصائد بيننا # شتم الصديق و كثرة الألقاب

حتى تركت كأن قولك عندهم # في كلّ محتفل طنين ذباب‏

قال: فبكت عائشة بكاء شديدا ثم قالت: نعم و اللّه أرحل عنكم!فما خلق اللّه بلدا هو أبغض إليّ من بلد أنتم به يا بني هاشم!فقال ابن عباس: و لم ذلك؟ فو اللّه ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر!فقالت عائشة: و ما بلاؤكم عندي يا ابن عباس؟فقال: بلاؤنا عندك أننا جعلناك أم المؤمنين و أنت بنت أم رومان، و جعلنا أباك صديقا و هو ابن أبي قحافة، و بنا سميت أم المؤمنين لا بتيم و عديّ، فقالت عائشة: يا ابن عباس!أ تمنون عليّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟فقال: و لم لا نمنّ عليك [ (1) ]خبر عائشة و ابن عباس (رض) في مروج الذهب 02/408. و تاريخ اليعقوبي 2/183.

[ (2) ]زيد في مروج الذهب: و جلست على رحلنا بغير أمرنا.

487

يخرجن مع عائشة إلى المدينة، فرحلت عائشة من البصرة[ (1) ]في تلك النسوة، و قد كان علي رضي اللّه عنه أوصاهن و أمرهن أن يتزيين بزي الرجال، عليهن العمائم، فجعلت عائشة تقول في طريقها: فعل بي عليّ و فعل، ثم وجّه معي رجالا يردّوني إلى المدينة!قال: فسمعتها امرأة منهن فحركت بعيرها حتى دنت منها ثم قالت:

ويحك يا عائشة!أما كفاك ما فعلت حتى انك الآن تقولين في أبي الحسن ما تقولين!ثم تقدمت النسوة و سفرن عن وجوههن، فاسترجعت عائشة و استغفرت و قالت: هذا ما لقيت من ابن أبي طالب.

ثم دخلت عائشة المدينة و صارت إلى منزلها نادمة على ما كان منها، و انصرفت النسوة إلى منازلهن بالبصرة.

قال: فكانت عائشة إذا ذكرت يوم الجمل تبكي لذلك بكاء شديدا ثم تقول:

يا ليتني لم أشهد ذلك المشهد!يا ليتني متّ قبل هذا بعشرين سنة!ثم قالت عائشة: و لو لم أشهد الجمل لكان أحب إليّ من أن يكون لي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مثل ولد عبد الرحمن بن الحارث، فإنه كان له عشرة أولاد ذكور كل يركب.

ذكر عدد من قتل من الفريقين في حرب الجمل‏

قال أبو يعقوب إسحاق بن يوسف الفزاري: سألت أبا المنذر هشام بن محمد بن السائب عمن قتل من أصحاب عليّ رضي اللّه عنه و عائشة رضي اللّه عنها في يوم الجمل، فقال: أما علي رضي اللّه عنه فكان في عشرين ألفا، قتل من أصحابه ألف رجل و سبعون رجلا، و أما عائشة فكانت في ثلاثين ألفا و يزيدون، فقتل من الأزد خاصة أربعة آلاف‏[ (2) ]رجل، و من بني ضبة ألف رجل‏[ (3) ]، و من بني ناجية [ () ]و زيد عنده: بعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر و ثلاثين رجلا.

[ (1) ]و كان ذلك يوم السبت غرة رجب (الطبري 5/225) .

[ (2) ]في مروج الذهب 2/411 ألفان و خمسمائة رجل. و في الطبري 5/225 ألف و ثلاثمائة و خمسون رجلا.

[ (3) ]الطبري: ثمانمائة رجل.

و في الطبري: قتل علي بن أبي طالب يوم الجمل ألفين و خمسمائة.

و في رواية عند الطبري: أن قتلى الجمل يزيدون على ستة آلاف. و في رواية أخرى: عدد قتلى

488

أربعمائة رجل، و من بني عدي و مواليهم تسعون رجلا، و من بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل، و من بني حنظلة سبعمائة رجل، و من سائر أخلاط الناس تسعة آلاف رجل.

قال: و نظر رجل من بني تيم بن مرة بعد ذلك إلى عبد الرحمن بن صرد التنوخي عاقر الجمل‏[ (1) ]، فقال له: أنت الذي عرقبت الجمل يوم البصرة؟فقال التنوخي: أنا و اللّه ذلك الرجل!و لو لم أعرقبه لما بقي من أصحاب عائشة ذلك اليوم مخبر، فإن شئت فاغضب و إن شئت فارض، ثم أنشأ يقول شعرا.

قال: فأقام عليّ بالبصرة بعد حرب الجمل أياما قلائل، فلما أراد الرحيل عنها نصب في عسكره منبرا ثم نادى في الناس فجمعهم، و صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و ذكر من أمر القوم ما ذكر.

قال: فوثب إليه المنذر بن الجارود العبدي‏[ (2) ]، فسأله عن أمر الفتن و غيرها، فأخذ علي في ذلك يخبره من يومه ذلك إلى أن تقوم الساعة، فذكر الفتن في مدينة مدينة و كيف تخرب و من يتولى خرابها، و كم النفقة تكون و على من تكون في المشرق و المغرب-فتركنا ذكرها لطولها-ثم‏

قال في آخر كلامه: يا منذر-يعني المنذر بن الجارود العبدي-إنه لن تقوم الساعة إلا على أشرار خلق ربك، و ذلك في أول يوم من المحرم يوم الجمعة، فافهم عني يا منذر ما نبأتك به، و لم أكتمه عن غيرك-و اللّه ولي الإحسان، اللهم صلّ على سيدنا محمد الكريم في الحسب، الرفيع في النسب، سليل عبد المطلب، و سيد العجم و العرب، و سلم تسليما كثيرا. ثم نزل عن المنبر و أمر أصحابه بالرحيل، و انصرف إلى الكوفة مؤيدا منصورا[ (3) ].

[ () ]الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي و نصفهم من أصحاب عائشة، و قد جرى تفصيل القتلى على القبائل انظر ج 5/222.

[ (1) ]انظر ما سبق فيمن عقر الجمل.

[ (2) ]هو المنذر بن الجارود و اسمه بشر بن عمرو بن حبيش بن المعلى بن زيد بن حارثة بن معاوية العبدي، ولد في عهد النبي (ص) . قيل قتل شهيدا في عهد عمر و قيل بل بقي و شهد الجمل مع علي (ع) و مات سنة 61 ه. (الاصابة) .

[ (3) ]و كان دخوله إليها لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب (مروج الذهب 2/412) .

489

ذكر وقعة صفين‏

ابتداء خبر وقعة صفين‏

قال أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي قال حدثني سليم‏[ (1) ]عن مجاهد عن الشعبي و أبي محصن عن أبي وائل و علي بن مجاهد عن أبي إسحاق قال و حدثني نعيم بن مزاحم قال: حدثني أبو عبد اللّه محمد بن عمر الواقدي الأسلمي قال:

حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب الزهري قال: و حدثني إسحاق بن يوسف الفزاري قال: حدثني أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال:

حدثني أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي قال: حدثني الحارث بن الحصين عن عبد الرحمن بن عبيد[ (2) ]و النضر بن صالح بن حبيب‏[ (3) ]بن زهير قال: و حدثني عمران‏[ (4) ]بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد اللّه‏[ (5) ]بن يزيد عن صالح بن إبراهيم و زيد بن عبد الرحمن الوافقي و علي بن حنظلة بن أسعد الشامي و الحسن بن نصر بن مزاحم العطار عن أبيه عن محمد بن عبد اللّه القرشي و غير هؤلاء، فذكر هذا الحديث سرا و علانية، و قد جمعت ما سمعت من رواياتهم على اختلاف لغاتهم فألفته حديثا واحدا على نسق واحد و كل [ (1) ]كذا بالأصل هنا، و قد مرّ في (خبر قتل عثمان رضي اللّه عنه) عثمان بن سليم. و في تهذيب التهذيب 4/167 سليم المكي أبو عبد اللّه مولى أم علي، من كبار أصحاب مجاهد.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 3: الحارث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود.

[ (3) ]مرّ في خبر مقتل عثمان (رض) «حسين» .

[ (4) ]بالأصل: «عمر» .

[ (5) ]بالأصل هنا عبيد اللّه، و قد مرّ صوابه عبد اللّه في خبر مقتل عثمان (رض) .

490

يذكر أنه لما فرغ علي بن أبي طالب من أمر البصرة في يوم الجمل و خطب الناس و ذكر من أمر الملاحم و الفتن ما ذكر ثم نزل عن المنبر و ذلك في وقت الظهر قام إليه عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين!إن الناس قد اختلفوا، فقائل منهم يقول:

بأنك تريد المقام بالبصرة، و قائل يقول: بأنك منصرف إلى الكوفة، و قد أرجف نفر من أهل عسكرك بأنك تريد الشام، و و اللّه يا أمير المؤمنين!لقد بايعناك و نحن لا نرى أحدا يقاتلك، ثم قاتلك من بايعك فأعطاك اللّه ما وعدك، و قد قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ مَنْ عََاقَبَ بِمِثْلِ مََا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ [ (1) ]ثم قال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنَّمََا بَغْيُكُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ [ (2) ]ثم قال: وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ [ (3) ]و قال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ [ (4) ]، و قد كانت الكوفة لنا و البصرة علينا، فأصبحنا بحمد اللّه على ما نحب من ماض مأجور و راجع معذور، و قد علمت أن بالشام الداء العضال، معاوية بن أبي سفيان، و هو رجل لا يسلم ما في يديه أبدا إلا مغلوبا أو مغلولا أو مسلوبا[أو]مقتولا، فعاجله‏[ (5) ]قبل الكفر و انهض إليه قبل الحذر.

ثم قام الأشتر النخعي فقال: يا أمير المؤمنين إنما ينبغي لنا أن نقول قبل أن تعزم، فإذا عزمت لم نقل، و لو سرت بهذا الجيش إلى الشام لم يلقك بمثله أبدا، فسر[ (6) ]بنا إلى القلوب القاسية و الأبصار العمية.

ثم وثب رجل من عبد القيس و أنشد شعرا لعليّ و جعل يحرضه على ذلك.

فنادى عليّ في الناس بالرحيل، فرحل الناس من البصرة إلى الكوفة فدخلوها يوم الاثنين لستة عشر يوما خلت‏[ (7) ]من شهر رجب سنة ست و ثلاثين، و معه يومئذ [ (1) ]سورة الحج الآية 60.

[ (2) ]سورة يونس الآية 23.

[ (3) ]سورة فاطر الآية 43.

[ (4) ]سورة الفتح الآية 10.

[ (5) ]الإمامة و السياسة 1/89 فعاجله قبل أن يعاجلك، و انبذ إليه قبل الحرب.

[ (6) ]الإمامة و السياسة 1/89 فإن القلوب اليوم سليمة، و الأبصار صحيحة فبادر بالقلوب القسوة، و بالأبصار العمى.

[ (7) ]مر قريبا عن مروج الذهب أنه وصل الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب.

491

أشراف الناس، قال: و استقبله أهل الكوفة يهنئونه و يدعون له بالبركة، ثم قال له أصحابه: يا أمير المؤمنين!أ تنزل القصر؟قال: لا، ذاك قصر خيال، و لكن أنزل الرحبة، ثم أقبل فنزلها، و حطت الأثقال، و دخل علي رضي اللّه عنه إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و قال‏[ (1) ]: الحمد للّه الذي نصر وليه و خذل عدوه، و أعز الصادق المحق و أذل الناكث المبطل، ألا!و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل‏[ (2) ]، فأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، و أما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا!و إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة[ (3) ]و الآخرة عن قريب مقبلة، و لكل واحدة منها[ (4) ]بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، و اليوم عمل و لا حساب، و غدا حساب و لا عمل، فإياكم يا أهل الكوفة و طاعة اللّه، و طاعة من أطاع اللّه من أهل بيت نبيكم، الذين هم أولى بطاعتكم من المستحلين المدعين من الحق ما ليس لهم، فقد ذاقوا و بال ما اجترموا، فسوف يلقون غيّا، ألا!و إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم و أنا عليكم عاتب، فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا و نرى منهم ما نرضى. [ (5) ] قال: فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي و قال‏[ (6) ]: و اللّه يا أمير المؤمنين!إني لأرى الهجران لهم و الإسماع لهم ما يكرهون قليلا بقعودهم عن نصرتك، و و اللّه لئن أمرتنا لنقتلنهم!فقال علي رضي اللّه عنه: سبحان اللّه يا مالك!لقد جزت المدى و تعدّيت الحدّ و أغرقت في النزع، و ليس هكذا قال اللّه تعالى، إنما قال: اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ (7) ]و قال تعالى: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً فَلاََ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كََانَ مَنْصُوراً* [ (8) ] [ (1) ]نهج البلاغة خطبة رقم 42 باختلاف يسير.

[ (2) ]طول الأمل: هو استفساح الأجل و التسويف بالعمل طلبا للراحة العاجلة و تسلية للنفس بإمكان التدارك في الأوقات المقبلة (عن محمد عبده) .

[ (3) ]في نهج البلاغة: ألا و أن الدنيا قد ولت حذاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء اصطبها صابها.

[ (4) ]في النهج: منهما.

[ (5) ]وقعة صفين لابن مزاحم ص 4.

[ (6) ]المائدة الآية 45.

[ (7) ]سورة الإسراء الآية 33.

[ (8) ]وقعة صفين لابن مزاحم ص 4-5 باختلاف يسير.

492

فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي و كان ممن تخلف عنه فقال: يا أمير المؤمنين!أ فرأيت القبيل الذين قتلوا يوم الجمل حول عائشة بما ذا قتلوا؟فقال علي رضي اللّه عنه: قتلوا بما قتلوا به شيعتي و عمالي بلا ذنب كان منهم إليهم، ثم صرت إليهم و أمرتهم أن يدفعوا إليّ قتلة إخواني، فأبوا عليّ و قاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء قريب من ألف رجل من شيعتي من المسلمين فقتلوهم، أ في شك أنت من ذلك يا أخا الأزد؟فقال قد كنت شاكا، و الآن فقد عرفت و استبان لي خطأ القوم و أنك لأنت المهدي المصيب.

قال: ثم نزل علي رضي اللّه عنه عن المنبر و ركب فصار إلى جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فنزل عليه، قال: و أقبل إليه سليمان بن صرد الخزاعي‏[ (1) ]مسلّما، فقال له علي رضي اللّه عنه: يا سليمان!إنك ارتبت و تربصت و راوغت و قد كنت من أوثق الناس في نفسي فما الذي أقعدك عن نصرتي؟فقال: يا أمير المؤمنين: لا تردّ الأمور على أعقابها، و لا توبخني بما قد مضي، و استبق مودتي يخلص لك نصيحتي، فقد تعذرت أمورا تعرف فيها عدوك من وليك، قال:

فسكت عنه عليّ.

فجلس سليمان بن صرد قليلا ثم نهض إلى المسجد الأعظم و الحسن بن علي قاعد في المسجد، فقال: أبا محمد!ألا أعجبك من أمير المؤمنين و ما لقيت منه على رؤوس الأشهاد من التبكيت و التأنيب؟فقال الحسن: إنما يعاتب من يرجو مودته النصيحة، فقال سليمان: أما إنه قد بقيت‏[ (2) ]مواطن يتقصّف فيها القنا و تتثلّم فيها السيوف، و يحتاج فيها إلى أمثالي، فلا تستغشوا مودّتي و لا تتهموا نصيحتي، فقال له الحسن: أي رحمك اللّه!ما أنت بالظّنين.

قال: ثم جعل يدخل إليه رجل بعد رجل ممن كان قد تخلّف عنه يوم الجمل، فإذا سلّم عليه يقول له علي رضي اللّه عنه: و عليك السلام و إن كنت من المتربصين!

فلم يزل على ذلك من شأنه إلى أن جاءت الجمعة، فخرج فصلى بالناس، ثم بعث [ (1) ]سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون، سماه رسول اللّه (ص) و كان اسمه في الجاهلية يسار، يكنى أبا المطرف، و كان فاضلا خيرا له دين و عبادة، قتل في عين وردة سنة 65. (أسد الغابة) .

[ (2) ]ابن مزاحم ص 7: إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا، و ينتضى فيها السيوف. ـ

493

عماله إلى جميع البلاد التي كانت في يده من العراق و الماهان و الجبال و خراسان و الجزيرة[ (1) ].

وقعة أهل الجزيرة مع الأشتر قبل وقعة صفين‏

قال: و كانت أهل الجزيرة عثمانيين و قد بايعوا معاوية و صاروا في سلطانه، فلما بلغ الخبر عليا رضي اللّه عنه ادعى بالأشتر و ولاه الجزيرة و بلادها، و الضحاك بن قيس الفهري يومئذ بحران‏[ (2) ]من قبل معاوية، فلما بلغه خروج الأشتر إلى ما قبله بعث إلى أهل الرقة فاستمدّهم إلى حرب الأشتر، فأدوهم برجل يقال له سماك بن مخرمة في جميع كثير.

قال: فأقبل الأشتر في جيش أهل الكوفة، و التقى القوم قريبا من مدينة حران‏[ (3) ]، فاقتتلوا قتالا كثيرا إلى وقت المساء، ثم انهزم الضحاك و من معه في جوف الليل حتى صاروا إلى حران، و سار إليهم الأشتر حتى نزل عليهم فحاصرهم، و بلغ ذلك معاوية فأرسل إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة، و بلغ ذلك الأشتر فسار إليهم حتى لقيهم دون الرقة[ (4) ]، فواقعهم و هزمهم هزيمة قبيحة حتى ألحقهم بالشام، ثم أقبل حتى نزل على أهل الرقة فحاصرهم.

قال: و خرج الضحاك بن قيس من حران يريد لقاء الأشتر ليزيله عن الرقة، و قدم أيمن بن خريم‏[ (5) ]الأسدي من عند معاوية في جيش عظيم، فاجتمعت العساكر على الأشتر من كل ناحية و التقى القوم للقتال، فصبر بعضهم لبعض صبرا حسنا، ثم [ (1) ]انظر في ذلك الأخبار الطوال ص 153 و مروج الذهب 2/412.

[ (2) ]حران مدينة قديمة فيما بين النهرين. قاعدة بلاد مضر: فتحها العرب على يد عياض بن غنم.

[ (3) ]اقتتلوا بين حران و الرقة بموضع يقال له المرج (الأخبار الطوال ص 154) و في وقعة صفين ص 12:

مرج مرينا.

[ (4) ]الرقة: قاعدة ديار مضر في الجزيرة على الفرات.

و في الأخبار الطوال: و بلغ ذلك الأشتر، فانصرف إلى الموصل، فأقام بها يقاتل من أتاه من أجناد معاوية.

[ (5) ]خريم بالتصغير.

494

انهزمت خيل الشام حتى لحقت بمعاوية، و جعل الأشتر يعبر على أطراف البلاد و يذل كل من ناواه، حتى ضبط الجزيرة ضبطا محكما.

و بلغ ذلك عليا فقام في الناس بالكوفة خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أيها الناس!إن اللّه تبارك و تعالى هو خالق الخلق، و لن يرضى من أحد من خلقه إلا بالحق، و لن يزال أمرنا هذا متمسكا و لم يشتم آخرنا أولنا، فإذا فعلوا ذلك فقد هلكوا و أهلكوا، ألا!و إني مخبركم أن معاوية بن أبي سفيان قد شكل أهل الشام و زعم لهم أني أنا الذي قتلت عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و قد حارب عاملي، و يوشك أنه سينازعني حقي و يدفعني عنه بمجموع أهل الشام، ألا!و إني قد عزمت على الكتاب إليه، فما ذا عندكم من الرأي؟

قال: فضجّ المسلمون من كل ناحية فقالوا: يا أمير المؤمنين!افعل في ذلك ما أحببت و أمرنا بأمرك، فأمرك فينا سمعا و طاعة، و ما طاعتك فينا إلا كطاعة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم.

ذكر كتاب علي رضي اللّه عنه إلى معاوية

قال: فنزل علي رضي اللّه عنه عن المنبر و دخل إلى منزله، ثم دعا بدواة و قرطاس و كتب إلى معاوية كتابا نسخته‏[ (1) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!فإن بيعتي لزمتك، و أنا بالمدينة و أنت بالشام، و ذلك أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان، فليس للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد، و أما عثمان فقد كان أمره مشكلا على الناس، المخبر عنه كالأعمى و السامع كالأصم، و قد عابه قوم فلم يقبلوه و أحبه قوم فلم ينصروه، و كذبوا الشاهد و اتهموا الغائب، و قد بايعني الناس بيعة عامة، من رغب عنها مرق و من تأخر عنها محق، فاقبل العافية و اعمل على حسب ما كتبت به- و السلام.

قال: ثم طوى الكتاب و دفعه إلى الحجاج بن‏[عمرو بن‏]غزية الأنصاري و وجهه إلى الشام إلى معاوية[ (2) ].

[ (1) ]نسخته في وقعة صفين ص 29 الإمامة و السياسة ص 93 العقد الفريد، 4/332 الأخبار الطوال ص 157 باختلاف النصوص و زيادة.

[ (2) ]في المصادر المذكورة بعث الكتاب مع جرير بن عبد اللّه، و سيرد قريبا نص رسالة بعثها علي (رض) إلى معاوية مع جرير بن عبد اللّه، و في المصادر المذكورة يتضح و كأن الرسالتين رسالة واحدة.

495

فلما ورد كتابه على معاوية فقرأه و رفع رأسه إلى الرسول و قال: أظنك ممن قتل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه!فقال الأنصاري: و أنا أظنك يا معاوية ممن استنصره عثمان فلم ينصره و لكن خذله و قعد عنه، قال: فغضب معاوية من ذلك و قال: ارجع إذا إلى صاحبك بغير جواب فإن رسولي في أثرك إن شاء اللّه تعالى. قال: فانصرف الأنصاري إلى عليّ رضي اللّه عنه و أخبره بذلك.

خبر الوليد بن عقبة[ (1) ]بن أبي معيط و سبب عداوته مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: و بلغ الوليد بن عقبة بن أبي معيط، و كان عدوا لعليّ رضي اللّه عنه، و ذلك أن عليا هو الذي أشار على عثمان أن يقيم عليه الحد في شرب الخمر لما شهد عليه أهل الكوفة بشربه، و ذلك أنه كان والي الكوفة، فصلى بهم الفجر أربعا و هو سكران، ثم التفت إليهم و قال: أزيدكم!فعلم الناس أنه سكران لا يعقل من أمره شيئا، و أنشأ الحطيئة العبسي يقول في ذلك شعرا[ (2) ]. و قيل فيه غير هذا، ثم إنه جلد الحدّ بين يدي عثمان بن عفان بمشورة علي رضي اللّه عنه، فحقدها عليه‏[ (3) ].

و قد كان قبل ذلك في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم جرى بينه و بين علي كلام،

فقال الوليد لعلي: أنا أحدّ منك سنانا و أسلط منك لسانا، و أملأ منك حشوا للكتيبة، فقال له علي: اسكت!فإنما أنت فاسق،

فغضب الوليد من ذلك و شكا إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بذلك، فنزلت فيه هذه الآية: أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً لاََ يَسْتَوُونَ [ (4) ] [ (1) ]بالأصل: «عتبة» و خطأ. و قد مرّ.

[ (2) ]الأبيات في الأغاني 4/178 بولاق و العقد الفريد 4/308 و مروج الذهب 2/370 و فيه قوله:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر

نادى و قد تمت صلاتهم # أ أزيدكم؟ثملا و ما يدري

ليزيدهم أخرى، و لو قبلوا # لقرنت بين الشفع و الوتر

حبسوا عنانك في الصلاة و لو # حلوا عنانك لم تزل تجري‏

[ (3) ]خبر الوليد بن عقبة، و سبب عزله عن ولاية الكوفة مرا (راجع في كتابنا خبر مقتل عثمان و ما نقم الناس عليه) .

[ (4) ]سورة السجدة الآية 18. انظر تفسير القرطبي 14/105.

496

يعني الوليد بن عقبة، فأنشد حسان بن ثابت الأنصاري يقول في ذلك أبياتا مطلعها:

أنزل اللّه و الكتاب عزيز # في عليّ و في الوليد قرآنا

إلى آخرها.

و كانت هذه قصة الوليد مع علي رضي اللّه عنه، فلم يزل حاقدا عليه إلى ذلك اليوم. لمّا بلغه كتاب عليّ إلى معاوية فكتب إلى معاوية بهذه الأبيات يأمره فيها أنه لا يجيب عليا بشي‏ء مما يريد و يحرّضه على حرب عليّ، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها:

معاوي إن الملك قد آب غاربه # و أنت بها في كفّك اليوم صاحبه‏[ (1) ]

إلى آخرها.

قال: فلما ورد كتاب الوليد بن عقبة و شعره على معاوية فرح بذلك و سره ما كتب إليه به الوليد. و عزم على مخالفة علي رضي اللّه عنه.

ثم إنه انتخب رجلا من بني عبس له لسان طلق و منطق ذلق، و شعر لا يبالي ما قال و ما يخرج من فيه، ثم دعا بطومارين فوصل أحدهما إلى الآخر فكتب في الطومارين: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» لا أقل و لا أكثر ثم طواهما و ختمهما و عنونهما و دفعهما إلى العبسي، و أرسله إلى علي بن أبي طالب.

فخرج العبسي إلى الكوفة حتى دخل علي عليّ رضي اللّه عنه و عنده وجوه المهاجرين و الأنصار، فسلّم ثم التفت يمينا و شمالا فقال: ههنا أحد من بني عبس أو من أبناء قيس عيلان؟فقيل له: نعم، هات ما عندك!فقال العبسي: عندي و اللّه [ (1) ]بعده في وقعة صفين ص 53:

أتاك كتاب من علي بخطة # هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه

.... فحاربه إن حاربت حرب ابن حرة # و إلا فسلم لا تدب عقاربه

فإن عليا غير ساحب ذيله # على خدعة ما سوّغ الماء شاربه‏

في أبيات أخرى:

و لا تدعن الملك و الأمر مقبل # و تطلب ما أعيت عليك مذاهبه

فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه # فقبح ممليه و قبح كاتبه‏

في أبيات عدة.

497

من الخبر أني قد تركت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبين لحاهم بدموع أعينهم على قميص عثمان، و أنهم قد عاهدوا اللّه عزّ و جلّ أنهم لا يشيمون سيوفهم في أغمادهم أبدا حتى يقتلوا من قتل عثمان، يوصي به الميت الحيّ و يرثه الحيّ عن الميت، حتى و اللّه لقد شبّ عليه الصغير و هاجر عليه الأعرابي، نعم و اللّه و حتى أن الناس قد كانوا يقولون: تعس الشيطان!و الآن فهم يقولون تعس قاتل عثمان بن عفان!قال

فقال له علي: ويحك!يا أخا بني عبس!فيريدون بذلك ما ذا؟فقال العبسي:

يريدون و اللّه خيط رقبتك!فقال له علي رضي اللّه عنه: تربت يداك و جدب فوك.

قال: ثم وثب إليه رجل يقال له صلة بن زفر العبسي و هو صاحب حذيفة بن اليمان فقال له: بئس الوافد أنت يا أخي بني عبس لأهل الشام، و بئس العون لمعاوية!أتخوّف المهاجرين و الأنصار ببكاء الرجال على قميص عثمان!فو اللّه ما قميص عثمان بقميص يوسف و لا بكاؤهم عليه كبكاء يعقوب!و لئن بكوا عليه بالشام فقد خذلوه بالحجاز، و أما قتالهم أمير المؤمنين عليا فإن اللّه عزّ و جلّ يصنع في ذلك ما يحب و يرضى.

قال: و همّ الناس بالعبسي و قاموا إليه بالسيوف، فقال علي رضي اللّه عنه:

دعوه فإنه رسول، و لكن خذوا منه الكتاب، قال: فأخذ الكتاب من يده و دفع إلى علي، فلما فضّه لم ير فيه شيئا أكثر من «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ، قال: فعلم أن معاوية يحاربه و أنه لن يجيبه إلى شي‏ء، فقال: لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، حسبي اللّه و نعم الوكيل،

فأنشأ قيس بن سعد بن عبادة و هو يرتجز و يقول شعرا.

قال: ثم إن العبسي رسول معاوية قام إلى علي رضي اللّه عنه فقال: يا أمير المؤمنين!و اللّه لقد أقبلت و أنا من أشد الناس عليك حنقا لما أخبرني عنك أهل الشام، و قد و اللّه أبصرت الآن ما فيه أهل الشام من الضلال و ما أنت فيه من الهدى، و لا و اللّه ما كنت بالذي أفارقك أبدا و لا أموت إلا تحت ركابك!ثم إنه كتب إلى معاوية أبياتا مطلعها:

كدت أهل العراق بالبلد الشا # م شفاها و كان كيدي ضعيفا

إلى آخرها.

498

قال: فلما انتهى شعره إلى معاوية و نظر إليه عجب لذلك ثم أقبل على من بحضرته و قال: قاتله اللّه!لقد قال و أبلغ ويله، إنما بعثناه رسولا فصار علينا محرّضا.

خبر الطائي مع معاوية[ (1) ]

قال: ثم إن معاوية ذات يوم ركب و خرج إلى الصحراء و معه جماعة من وجوه أهل الشام، فبينا هو كذلك إذا بشخص قد أقبل من ناحية العراق على قعود له فقال:

عليّ بهذا المقبل!فأتوا به، فقال له معاوية: ممن الرجل؟قال: من طي‏ء، قال: فمن أين أقبلت؟قال: من الكوفة، قال: و أين تريد؟قال: أريد ابن عم لي يكون في ناحيتك يقال له حابس بن سعد الطائي‏[ (2) ]، فقال معاوية: عليّ بحابس، فأقبل إليه، فلما نظر إلى ابن عمه رحب به و قربه و فرح برؤيته و أحضره بين يدي معاوية، فقال له معاوية: كيف خلفت علي بن أبي طالب و أين تركته و على ما ذا قد عزم؟فقال: نعم يا معاوية!أخبرك، أنه قدم من البصرة إلى الكوفة، فلما دخلها تهافت الناس عليه بالبيعة، ثم إنه ندب الناس إلى قتالك، فرأيته و قد حف به الناس من المهاجرين و الأنصار، حتى لقد حمل إليه الصبي، و دنت‏[ (3) ]منه العجوز و خرجت إليه العروس، كل ذلك فرحا بولايته، و لقد تركته و ما له همة إلا الشام، فهذا ما عندي من الخبر. فقال معاوية: ما اسمك؟قال: اسمي خفاف، قال: هل تقول شيئا من الشعر؟قال: نعم، فأنشأ يقول شعرا[ (4) ].

[ (1) ]خبر خفاف الطائي في وقعة صفين ص 64 و فيه أنه كلف بمهمة أن يلقى معاوية و يكسر أهل الشام.

و قد رواه ابن مزاحم باختلاف و زيادة.

[ (2) ]حابس بن سعد الطائي قيل كانت له صحبة (تهذيب التهذيب 2/127) و في الاشتقاق لابن دريد 235: كان على طي‏ء الشام مع معاوية و قتل. و كان عمر قد ولاه قضاء مصر ثم عزله.

[ (3) ]في وقعة صفين: و دبت.

[ (4) ]الأبيات في وقعة صفين ص 66-68 و مطلعها:

قلت و الليل ساقط الأكناف # و لجنبي على الفراش تجاف‏

و منها:

ارهب اليوم، إن أتاك علي # صيحة مثل صيحة الأحقاف

إنه الليث عاديا و شجاع # مطرق نافث بسم زعاف‏

499

قال: فلما سمع معاوية هذا الشعر كأنه انكسر بذلك ثم أقبل على حابس بن سعد فقال: ويحك يا حابس!أرى ابن عمك هذا عينا علينا لأهل العراق، فأخرجه عنا، لا يفسد علينا أهل الشام!فقال: و اللّه ما قدمت الشام رغبة مني فيها و لا في أهلها!و إني لراحل عنها و زاهد في جوارك.

خبر أربد الفزاري مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: و جعل عليّ يندب الناس إلى الخروج إلى الشام‏[ (1) ]، فقام إليه رجل من فزارة يقال له أربد فقال له: أ تريد أن تسير بنا إلى الشام إلى إخواننا[ (2) ]فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقاتلناهم!كلا و اللّه لا نفعل ذلك أبدا!

قال: فصاح الأشتر و قال: من هذا الجاهل!فقام إليه الناس، و هرب الفزاري و الناس في أثره، حتى لحقوه فضربوه بأيديهم و أرجلهم و داسوه حتى قتلوه، و بلغ ذلك عليا فقال: و من قتله؟قالوا: قتلته الأخلاط من همدان و غيرهم من الأساور، فقال علي: هذا قتيل عميّة[ (3) ]لا يدرى من قتله، و ديته من بيت مال المسلمين.

قال: فقام الأشتر، و قال: يا أمير المؤمنين!إن جميع ما ترى من الناس شيعتك، و ليس يرغبون بأنفسهم عن نفسك و لا يحبون بقاء بعدك، فإن شئت فسر بنا إلى عدوّك، فو اللّه ما ينجو من الموت من كره الموت، و إنا لعلى بيّنة من ربنا، و كيف لا نقاتل قوما و ثبت طائفة منهم على طائفة من المؤمنين، فأسخطوا اللّه في [ () ]...

استعدوا لحرب طاغية الشا # م فلبوه كالبنين اللطاف‏

في أبيات أخرى.

[ (1) ]العبارة في وقعة صفين لابن مزاحم ص 94: سيروا إلى أعداء اللّه سيروا إلى أعداء السنن و القرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين و الأنصار.

[ (2) ]زيد في وقعة صفين: إخواننا من أهل الشام.

[ (3) ]العمية بكسر العين و تشديد الميم المكسورة و الياء المفتوحة المشددة. أي ميتة فتنة و جهالة. و في قتله يقول علاقة التيمي:

أعوذ بربي أن تكون منيتي # كما مات في سوق البراذين أربد

تعاوره همدان خفق تعاليهم # إذا رفعت عنه يد وضعت يد

500

قتلهم و أظلمت الأرض لأعمالهم، و باعوا خلافتهم‏[ (1) ]بعرض يسير من الدنيا. فقال له علي: صدقت يا مالك!و الطريق مشترك و الناس في الحق سواء، و من أجهد رأيه في مصلحة العباد فله ما نوى و قد قضى ما عليه.

ذكر كتاب عليّ إلى جرير بن عبد اللّه‏

قال: و كان جرير بن عبد اللّه البجلي يومئذ علي ثغر همدان عاملا لعثمان و الأشعث بن قيس على بلاد أذربيجان، فكتب عليّ رضي اللّه عنه لذلك إلى جرير بن عبد اللّه‏[ (2) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من علي أمير المؤمنين، أما بعد!يا جرير! فإن اللّه تبارك و تعالى: لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاََ مَرَدَّ لَهُ وَ مََا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وََالٍ* [ (3) ]، و قد علمت ما كان من أمر عثمان ابن عفان و بيعة المهاجرين و الأنصار إياي و مسيري إلى البصرة، و ما كان من محاربتهم إياي حتى أعطاني اللّه عليهم الظفر، فرفعت عنهم السيف و استعملت عليهم عبد اللّه ابن عباس و سرت إلى الكوفة، و قد بعثت إليك بزحر[ (4) ]بن قيس فاسأله عما بدا لك و اقرأ كتابي هذا على المسلمين، و أقبل إليّ بخيلك و رجلك، فإني عازم على المسير إلى الشام إن شاء اللّه تعالى و لا قوة إلا باللّه.

قال: ثم طوى الكتاب و عنونه و ختمه بخاتمه و دفعه إلى زحر[ (5) ]بن قيس و أمره بالمسير إلى جرير.

قال: فكان مع علي بن أبي طالب ابن أخت لجرير بن عبد اللّه فدفع إلى زحر بن قيس كتابا فيه أبيات من الشعر قد قالها، و قال لزحر: ابن عبد اللّه البجلي خالي فادفع إليه كتابي هذا.

فخرج زحر بن قيس حتى ورد على جرير بن عبد اللّه و هو يومئذ بهمدان. فدفع [ (1) ]في وقعة صفين: خلاقهم.

[ (2) ]نسخته في الإمامة و السياسة 1/90 وقعة صفين ص 15 بزيادة.

[ (3) ]سورة الرعد الآية 11.

[ (4) ]بالأصل: «زجر» تحريف. و في الإمامة و السياسة: زفر. و ما أثبتناه عن الأخبار الطوال ص 156.

[ (5) ]مرّ قريبا. و قد صححت في كل مواضع الخبر. ـ

501

إليه كتاب عليّ فقرأه حتى أتى إلى آخره ثم دفع إليه كتاب ابن أخته، فإذا فيه أبيات مطلعها:

جرير بن عبد اللّه لا تردد الهدى # و بايع عليا إنني لك ناصح‏[ (1) ]

إلى آخرها.

قال‏[ (2) ]: فعندها وثب جرير و أخذ كتاب عليّ في يده، ثم خرج إلى الناس فنادى فيهم فاجتمعوا، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و هو المأمون على الدين و الدنيا، و قد كان من أمره و أمر عدوه ما حمد اللّه عليه، و قد بايعه المهاجرون و الأنصار، و أنتم التابعون بإحسان، و لو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين لكان أحق الناس بهذا الأمر لمصاهرته و قرابته و خدمته و شجاعته و هجرته، غير أن البقاء في الجماعة و العناء في الفرقة، و عليّ حاملكم على الحق ما استقمتم، فإن ملتم أقام ميلكم، فهاتوا ما عندكم من الرأي!فقال الناس: سمعنا و أطعنا و رضينا و بايعنا أمير المؤمنين عليا.

قال: ثم ركب رجل من عنزة[ (3) ]رافعا صوته و هو يقول شعرا.

قال‏[ (4) ]: ثم وثب زحر بن قيس رسول علي بن أبي طالب حتى صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إن عليا أمير المؤمنين قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول، و لكن لا بد من رد الكلام، و قد بايع الناس عليا [ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 16-17 و فيها بعده:

فإن عليا خير من وطئ الحصى # سوى أحمد و الموت غاد و رائح

و دع عنك قول الناكثين فإنما # أولاك، أبا عمرو، كلاب نوابح‏

في أبيات.

[ (2) ]في الإمامة و السياسة 1/90 أن جرير خطب خطبته بعد ما قام زحر (زفر) في الناس خطيبا... انظر عنده خطبته و خطبة جرير و انظر وقعة صفين ص 17.

[ (3) ]في إحدى نسخ وقعة صفين: و قال ابن الأزور القسري في جرير يمدحه و ذلك بعد ما ألقى خطبته و مما قاله:

لعمر أبيك و الأنباء تنمى # لقد جلى بخطبته جرير

في أبيات (انظر وقعة صفين لابن مزاحم ص 18-19) .

[ (4) ]انظر الحاشية (2) .

502

بالمدينة غير[ (1) ]محاباة ببيعتهم و لكن لعلمه بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنن الحق، و أن طلحة و الزبير كانا بايعاه طائعين غير مكرهين، ثم نقضا عليه بيعته على غير حدث كان منه إليهما، ثم إنهما ألّبا عليه الناس و نصبا له الحرب، فأخرجا أم المؤمنين، فأظهره اللّه عزّ و جلّ على من خالفه و نكث بيعته. و الكلام كثير، فهذا عيان ما غاب عنكم، و إن سألتم الزيادة زدناكم، و لا قوة إلا باللّه. ثم نزل عن المنبر، و أنشأ رجل من عبد القيس‏[ (2) ]شعرا.

قال: ثم سار جرير بن عبد اللّه بمن معه من الخيل و الرجل، حتى قدم الكوفة على عليّ و بايعه و دخل فيما دخل فيه الناس من طاعة علي رضي اللّه عنه، ثم أنشأ يقول شعرا[ (3) ].

كتاب علي رضي اللّه عنه إلى أشعث بن قيس‏

قال: ثم كتب علي رضي اللّه عنه إلى الأشعث بن قيس و هو يومئذ بأذربيجان عاملا لعثمان بن عفان‏[ (4) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس، أما بعد!فلو لا هنات كنّ منك‏[ (5) ]لكنت المقدّم في هذا الأمر قبل غيرك‏[ (6) ]، و لعل أمرك يحمل بعضه بعضا، و قد مضى عثمان لسبيله كما بلغك و بايعني المهاجرون و الأنصار و التابعون و إنما توقفي عليك، فإذا أتاك كتابي هذا [ (1) ]كذا بالأصل و الإمامة و السياسة، و في وقعة صفين: من غير محاباة له ببيعتهم.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 19: و قال النهدي في ذلك:

أتانا بالنبإ زحر بن قيس # عظيم الخطب من جعف بن سعد

تخيره أبو حسن علي # و لم يك زنده فيها بصلد

في أبيات.

[ (3) ]و مما قاله: وقعة صفين ص 18:

أتانا كتاب علي فلم # نرد الكتاب، بأرض العجم

له الفضل و السبق و المكرمات # و بيت النبوة لا يهتضم‏

[ (4) ]الإمامة و السياسة 1/91 وقعة صفين ص 20 الأخبار الطوال ص 156 باختلاف.

[ (5) ]الإمامة و السياسة و وقعة صفين: فيك.

[ (6) ]الإمامة و السياسة و وقعة صفين: الناس.

503

فاقرأه على من قبلك من المسلمين، و ادخل فيما دخل فيه المهاجرون و الأنصار، فإن العمل الذي في يدك ليس لك بطعمة و لكن أمانة، و في يدك مال من مال اللّه عزّ و جلّ، و أنت خازن من خزّانه عليه حتى تسلّمه إليّ، و لعلي لا أكون أنسى ولايتك إن استقمت إن شاء اللّه و لا قوة إلاّ باللّه.

ثم طوى الكتاب و ختمه و دفعه إلى رجل من أصحابه يقال له زياد بن مرحب الهمداني‏[ (1) ]، و أمره بسرعة السير إلى الأشعث.

قال: و كتب رجل من كندة من بني عم الأشعث‏[ (2) ]: أما بعد!فإن بيعة علي بن أبي طالب أتتني فقبلتها و لم أجد إلى دفعها سبيلا، و إني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان فلم أجده يلزمني و قد شهده المهاجرون و الأنصار، و كان أوثق أمورهم الوقوف، فالزم يا ابن عم بيعة أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه، فإنه أفضل من غيره، و قد قلت أبياتا فاسمعها. ثم أثبت في أسفل كتابه ما قاله من الشعر.

قال: فلما نظر الأشعث بن قيس في كتاب علي رضي اللّه عنه و قرأ شعر ابن عمه الكندي فنودي له في الناس، ثم خرج من منزله و أقبل فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى‏[عليه و صلى‏]على نبيه، ثم قال: إنه من لم يكفه القليل لم يستغن بالجزيل، و قد كان ابن عفان ولاّني بلاد أذربيجان‏[و هلك‏][ (3) ]و هي في يدي، و قد كان من أمر عائشة و طلحة و الزبير ما قد بلغكم، و قد بايع الناس عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و هو المأمون على ما قد غاب عنا و عنكم من الأمم، فما الذي عندكم من الرأي؟فقال الناس بكلمة واحدة: سمعنا و أطعنا و عليّ إمامنا، ما نريد به بدلا.

قال: ثم وثب زياد بن مرحب الهمداني رسول علي رضي اللّه عنه، فصعد المنبر، فحمد اللّه‏و أثنى عليه ثم قال‏[ (4) ]: أيها الناس!إن أمر عثمان بن عفان لا ينفع فيه العيان و لا يشفى منه الخبر، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه، و إن الناس قد بايعوا عليا راضين به طائعين غير مكرهين، و حاربه من حاربه من أهل البصرة، [ (1) ]الإمامة و السياسة 1/91 زياد بن كعب.

[ (2) ]في الإمامة و السياسة 1/92 أن جرير كتب إلى الأشعث، و ذكر الكتاب. باختلاف يسير عما في الأصل.

[ (3) ]عن الإمامة و السياسة 1/92 و وقعة صفين ص 21.

[ (4) ]الإمامة و السياسة 1/91 وقعة صفين ص 21.

504

فأورثه اللّه الأرض و جعل له عاقبة المتقين، و أنا رسوله إليكم، فاسمعوا و أطيعوا! قال: فضج الناس من كل ناحية بالسمع و الطاعة، و قام رجل منهم على قدمه و أنشأ يقول شعرا[ (1) ].

قال: و استبشر الناس بخلافة علي رضي اللّه عنه و بايعوه عن آخرهم و انصرف الأشعث بن قيس إلى منزله يقول شعرا[ (2) ].

قال: ثم أرسل الأشعث إلى جماعة من أصحابه فدعاهم، و قال: إن كتاب عليّ أوحشني و أخاف إن سرت إليه يطالبني‏[ (3) ]بمال أذربيجان، و إن سرت إلى معاوية لم يطالبني بشي‏ء، و اللحاق عندي بمعاوية أصلح، فهاتوا ما عندكم من الرأي؟ قال: فقال له قومه و عشيرته: فالموت خير لك من ذلك، أ تترك قومك و مصرك و عشيرتك و تكون ذنبا لأهل الشام!ثم أنشأ رجل من قومه يقول في ذلك شعرا[ (4) ].

قال: فلما سمع الأشعث هذه القصيدة من ابن عمه كأنه استحيى مما أراد أن يفعل من مسيره إلى معاوية، ثم إنه جمع الناس فواعدهم و هنأهم‏و سار بهم حتى قدم الكوفة على عليّ رضي اللّه عنه.

قال: فعندها وثب الأحنف بن قيس إلى عليّ فقال‏[ (5) ]: يا أمير المؤمنين!إنه [ (1) ]في وقعة صفين ص 23 و مما قيل على لسان الأشعث:

أتانا الرسول رسول علي # فسرّ بمقدمه المسلمونا

في أبيات.

[ (2) ]في وقعة صفين لابن مزاحم ص 24: مما قيل على لسان الأشعث:

أتانا الرسول رسول الوصي # عليّ المهذب من هاشم‏

في أبيات.

[ (3) ]في الإمامة و السياسة: و هو آخذي بمال آذربيجان.

[ (4) ]في وقعة صفين ص 21: فقال السكوني و قد خاف أن يلحق بمعاوية:

إني أعيذك بالذي هو مالك # بمعاذة الآباء و الأجداد

مما يظن بك الرجال، و إنما # ساموك خطة معشر أوغاد

في أبيات آخرها:

و انظر عليا إنه لك جنة # ترشد و يهدك للسعادة هاد

[ (5) ]وقعة صفين لابن مزاحم ص 24.

505

و إن لم يكن بنو سعد بن زيد مناة بن تميم نصرتك يوم الجمل فإنها تنصرك اليوم، و ذلك أنهم شكوا في طلحة و الزبير و لم يشكوا في معاوية، و عشائرنا بالبصرة، فإن رأيت كتبنا إليهم، فقدموا علينا فقاتلنا بهم عدوّك، و انتصفنا بهم من الناس، و أدركوا اليوم ما فاتهم بالأمس. قال: و تتابعت بنو تميم على قول الأحنف،

فقال له عليّ رضي اللّه عنه: قد آذنت لك أنجز فاكتب إلى قومك.

قال: فكتب الأحنف إلى قومه من بني سعد[ (1) ]: أما بعد!فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا و قد أخذوا[ (2) ]برأي سيدهم غيركم، و برأيه فيكم نلتم ما رجوتم و أمنتم ما خفتم، و أخبركم أننا قدمنا على قومنا من تميم الكوفة، فأخذوا علينا بفضلهم و واسونا بأنفسهم و أنزلونا ديارهم و أحشمونا ببرّهم، حتى كدنا لا نعرف إلا بهم، و قد عزموا على المسير إلى الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأقبلوا إلينا و لا تتباطوا، فإن من العطايا حرمانا و من النصر خذلانا، فحرمان العطاء القلة و حرمان‏[ (3) ] النصر الإبطاء، و لن تقضى الحقوق إلا بالرضا، و قد يرضى المضطر بدون الأمل- و السلام-. ثم أثبت في أسفل هذا الكتاب شعرا[ (4) ].

قال: فلما ورد كتاب الأحنف و شعر ابن أخته‏[ (5) ]على بني تميم بالبصرة ساروا بأجمعهم إلى الكوفة و بايعوا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

قال: شاور عليّ أصحابه فقال: إنكم قد علمتم أن البغي لا خير فيه، و لكن أشيروا عليّ برجل قد أحكمته التجارب أوجّه به إلى معاوية، فلعله أن يرتدع عما هو عليه، فإن فعل و إلا فما أقدرنا على ما نريد من حربه.

قال: فوثب جرير بن عبد اللّه البجلي فقال: يا أمير المؤمنين!ابعثني إليه رسولا فإنه لم يزل لي متنصحا و وادّا، فآتيه و أدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمرو يلزم [ (1) ]نسخته في وقعة صفين ص 26 باختلاف يسير. و الإمامة و السياسة 1/86.

[ (2) ]وقعة صفين و الإمامة و السياسة: شقوا.

[ (3) ]الإمامة و السياسة و وقعة صفين: و خذلان.

[ (4) ]في وقعة صفين «كتب معاوية بن صعصعة و هو ابن أخي الأحنف:

تميم بن مر إن أحنف نعمة # من اللّه لم يخصص بها دونكم سعدا

» في أبيات (ص 26-27) .

[ (5) ]مر قريبا ابن أخيه، و هو معاوية بن صعصعة.

506

الطاعة و يكون أميرا من أمرائك و عاملا من عمّالك ما عمل بطاعة اللّه و اتبع ما في كتاب اللّه، و أدعو أهل الشام إلى طاعتك و ولايتك فإنّ جلّهم قومي و عشائري و أهل بلادي، و أرجو أن لا يعصيني هو و لا أحد من الشام. قال: فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين!لا تبعثه إليهم فإن هواه هواهم و رأيه رأيهم، فقال عليّ: يا مالك!دعه حتى ننظر ما يرجع إلينا به من الخبر.

قال: ثم أقبل عليه عليّ فقال: يا جرير!إنّ معي من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم من البدريين و العقبيين من أهل الدين و الرأي من قد علمت، و قد اخترتك عليهم لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيك: «إنك خير ذي يمن‏[ (1) ]، فسر إلى معاوية بكتابي و اعذر إليه و أعلمه أني لا أرضى به أميرا و العامة لا ترضى به خليفة» ،

فقال جرير: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه‏[ (2) ].

ذكر كتاب عليّ رضي اللّه عنه إلى معاوية

قال: ثم كتب علي رضي اللّه عنه‏[ (3) ]: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!يا معاوية!فقد علمت أن الشورى للمهاجرين و الأنصار دون غيرهم، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان للّه عزّ و جلّ رضا، فإن خرج من أمرهم خارج‏[ (4) ]ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و قد علمت بما كان بالبصرة مما لا يخفى عليك، فجاهدتهم حتى جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون، و بعد فإني أراك قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي، ثم حاكم القوم إليّ أحملهم و إياك على كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و أما التي تريدها فإنها خدعة الصبي عن اللبن، و لعمري لئن نظرت بعقلك لعلمت أني أبرأ الناس من دم عثمان!و قد علمت أنك من أبناء الطلقاء[ (5) ]الذين لا تحل لهم الخلافة، و قد [ (1) ]أخرجه أحمد في مسنده 4/360-364 و الطبراني برجال ثقات، و البيهقي في الدلائل 5/346

[ (2) ]أرسله بعد مشاورة أصحابه و رغم معارضة الأشتر النخعي لهذا الاختيار.

[ (3) ]مرت الإشارة للكتاب، و قارن أيضا مع الأخبار الطوال ص 157 العقد الفريد 4/322 مروج الذهب 2/412 و نهج البلاغة. الإمامة و السياسة (1/113 من تحقيقنا) .

[ (4) ]زيد في النهج: بطعن أو بدعة.

[ (5) ]الطلقاء جمع طليق، و هو الأسير الذي أطلق عند إساره و خلي سبيله و يراد بهم الذين خلى عنهم

507

وجّهت إليك بجرير بن عبد اللّه البجلي، و هو من أهل الإيمان و الهجرة، و أحب الأشياء إليّ فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت قابلتك و استعنت اللّه عليك و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم-و السلام-.

قال: ثم طوى الكتاب و ختمه و دفعه إلى جرير، فلما أراد جرير أن يرحل إلى معاوية أقبل مسكين بن حنظلة و هو رجل من الصالحين إلى جرير[و قال‏][ (1) ]إن بيني و بين معاوية مودة و إخاء قديما فاحمل إليه كتابي هذا و انظر ما يرد عليك.

قال: فأخذ جرير كتاب عليّ و كتاب مسكين بن حنظلة، و سار بالكتابين حتى صار إلى الشام، و دخل على معاوية فسلم، فرد عليه معاوية السلام و قرّبه و أدناه، ثم قال: هات ما عندك يا جرير!فقال جرير: و اللّه!إنه قد اجتمع لابن عمك عليّ بن أبي طالب أهل الحرمين: مكة و المدينة، و أهل العراقين: البصرة و الكوفة، و أهل الحجاز و أهل اليمن، فلم يبق في يديك إلا هذه الحصون التي أنت عليها، و لو سال عليها سيل من أوديته لغرّقها و قد أقبلت إليك أدعوك إلى ما يرشدك و يهديك إلى اتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على أنه يعطيك أرضك التي أنت عليها، فتعمل فيها بكتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ما أنزل اللّه من الحق و السنن، فتكون كذلك أبدا ما دام عليّ حيا، فإن مات و أنت حي رأيت رأيك بعد ذلك، و أما أمر عثمان بن عفان فأنت تعلم يا معاوية أنه قد أعيا من شهده فكيف من غاب عنه!و هذا كتاب علي رضي اللّه عنه إليك.

قال‏: فأخذ معاوية الكتاب فقرأه حتى أتى على آخره، ثم أقبل على جرير فقال: أبا عمر!انظر في ذلك و تنتظر أنت أيضا و استطلع رأي أهل الشام.

قال: فأخرج جرير كتاب مسكين بن حنظلة فدفعه إليه، فإذا فيه أبيات من الشعر مطلعها:

معاويّ بايع قد أتاك جرير # و ما لجرير بالعراق نظير

إلى آخرها.

قال: فلما قرأ معاوية هذا الكتاب غضب لذلك، ثم أقبل على أصحابه فقال:

[ () ]رسول اللّه (ص) يوم فتح مكة و أطلقهم و لم يسترقهم.

[ (1) ]زيادة اقتضاها السياق.

508

أيكم يجيب مسكين بن حنظلة على شعره هذا؟فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: أنا أجيبه، فقال: أجبه يا ابن الأخ!و ألقى الكتاب إليه، فقال عبد الرحمن بن خالد أبياتاً من الشعر مطلعها:

أتانا بإحدى المنكرات جرير # و خطب الذي يدعو إليه كبير

إلى آخرها.

ثم عرض عبد الرحمن بن خالد شعره هذا على معاوية، فقال معاوية: ما رأيت شعر قرشي قط أضعف من شعرك، ثم قال: أنا أجيب عنك يا ابن أخ و عن نفسي، ثم أنشأ يقول أبياتا من الشعر مطلعها:

قل لمن أرسل الرسول إليّا # إن كلّ الذي تريد لديّا

إلى آخرها.

قال: و انصرف جرير إلى رحله و دخل معاوية إلى منزله، فلما جن عليه الليل رفع صوته و عنده نفر من أهل بيته، فأنشأ يقول أبياتا مطلعها[ (1) ]:

تطاول ليلي و اعترتني وساوسي # لآت أتي بالتّرّهات البسابس‏[ (2) ]

إلى آخرها[ (3) ].

فلما أصبح جرير أقبل إلى المسجد الأعظم فاجتمع إليه الناس و حضر معاوية، فجعل جرير يعظهم و يدعوهم إلى بيعة علي رضي اللّه عنه، ثم قال: أيها الناس!إن هذا الدين لا يحتمل الفتن، و إن الناس قد بايعوا عليا غير واتر و لا موتور، و قد كانت البصرة أمس ملحمة لم يسمع بمثلها، و قد بايعنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه [ (1) ]وقعة صفين ص 33 الكامل للمبرد 1/423.

[ (2) ]الترهات: الأباطيل، و البسابس جمع بسبس و هو القفر الواسع يريد اتساع الأباطيل.

[ (3) ]و بعده في وقعة صفين:

أتانا جرير و الحوادث جمة # بتلك التي فيها اجتداع المعاطس

أكابده و السيف بيني و بينه # و لست لأثواب الدني بلابس

إن الشام أعطت طاعة يمنية # تواصفها أشياخها في المجالس

فإن يجمعوا أصدم عليا بجبهة # تفت عليه كل رطب و يابس

و إني لأرجو خير ما نال نائل # و ما أنا من ملك العراق بآيس

و الا يكونوا عند ظني بنصرهم # و إن يخلفوا ظني كف عابس‏

509

على ما بايعه المهاجرون و الأنصار، و لو ملكنا أمورنا لم نختر للخلافة أحدا سواه، فاتق اللّه يا معاوية و احذر في نفسك، فإن اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون، فادخل فيما دخل فيه الناس، فإن قلت بأن عثمان بن عفان استعملني و لم يعزلني فإن الأمر لو جاز كما قلت لم يقم للّه دين و كان لكل امرئ ما في يديه، و لكن قد جعل اللّه تبارك و تعالى للآخر من الولاء مثل حق الأول-و السلام-.

قال: فلما سمع معاوية كلام جرير وثب فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس!إن اللّه عزّ و جلّ قد جعل الدعائم للإسلام أركانا، و جعل الشرائع للإيمان برهانا، يتوقد مقباسه‏[ (1) ]في الأرض المقدسة التي جعلها اللّه تعالى محل الأنبياء و الصالحين من عباده، فأدخلها و أحلّها أهل الشام، و رضيهم لها سكانا لما سبق في ذلك من مكنون علمه من طاعتهم و مناصحتهم لخلفائهم و للقيام بأمره، و الذبّ عن حرمه و دينه، ثم‏[ (2) ]جعل لهذه البلدة الآمنة نظاما و لسننه أعلاما. و باللّه نستعين على ما تشعب من أمور المسلمين و تباعد من فرقتهم، اللهم فانصرنا على أقوام يوقظون نائمنا و يخيفون قاعدنا[ (3) ]و يريدون إراقة دمائنا و إخافة سبلنا، و قد علم اللّه أني لا أريدهم عقابا و لا أهتك لهم حجابا، و لكن اللّه تبارك و تعالى قد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه منا أبدا ما جاوب الصدى، و ما سقط الندى و عرف الهدى، و باللّه نستعين على حسد الأعداء-و السلام-.

قال: ثم جلس على المنبر ساعة و قام قائما على قدميه فقال: أيها الناس!قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و خليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان‏[ (4) ]، و لم أقم على خزاية[ (5) ]قط، و قد قتل عثمان مظلوما و أنا وليّه، و اللّه عزّ و جلّ يقول: فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً فَلاََ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كََانَ مَنْصُوراً* [ (6) ]و أنا أحب أن تعلموني بما في أنفسكم من قتل عثمان!فقال: فوثب إليه الناس من [ (1) ]وقعة صفين ص 31: قبسه. و القبس: النار أو الشعلة منها.

[ (2) ]وقعة صفين: ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما، و في سبيل الخيرات أعلاما يردع اللّه بهم الناكثين، و يجمع بهم ألفة المؤمنين.

[ (3) ]و يخيفون آمننا.

[ (4) ]زيد في وقعة صفين: عليكم.

[ (5) ]يريد أنه لم يرد أن يعمل عمل ما يستحيى منه.

[ (6) ]سورة الإسراء: 33.

510

جنبات المسجد فقالوا: نحن كلنا طالبون بدم عثمان‏[ (1) ].

قال: و بلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فأراد أن يعجل بالمسير إلى الشام، فأشار عليه عامة الناس بالمقام بالكوفة إلا هؤلاء الخمسة نفر: الأشتر النخعي، و عدي بن حاتم الطائي، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و سعيد بن قيس الهمداني، و هانئ بن عروة المدحجي‏[ (2) ]، فإنهم قاموا إلى عليّ فقالوا: يا أمير المؤمنين!إن هؤلاء الذين أشاروا عليك بالمقام إنما يخافون حرب أهل الشام، و ليس في حربهم شي‏ء هو أخوف من الموت، و لسنا نريد إلا الموت، فسر بنا إليهم، وفقك اللّه لما تحب و ترضى!

قال: فأطرق عليّ ساعة ثم قال: إنه ليس يتهيأ لي المسير إليهم و رسولي عندهم، و قد وقّت لرسولي وقتا لا يتأخر عنه إلا مخدوعا أو عاصيا، فاسكتوا و لا تعجلوا!

قال: فسكت الناس، و أنشد النجاشي بن الحارث شعرا.

قال: و جعل جرير كل ما استعجل معاوية و استحثّه في رد الجواب يقول معاوية: ويحك أبا عمر!لا تعجل و أبلغني ريقي حتى أنظر في أمري و أستطلع رأي أهل الشام، ثم إني أجيب صاحبك عن كتابه و كرامته لك.

[كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص‏][ (3) ]

قال‏[ (4) ]: ثم كتب معاوية إلى عمرو بن العاص و عمرو يومئذ بفلسطين: أما بعد!فقد كان من أمر عثمان بن عفان ما علمت، و أن علي بن أبي طالب قد اجتمع إليه رافضة أهل الحجاز و أهل اليمن و البصرة و الكوفة، و قد وجّه إلينا رسوله جرير بن عبد اللّه و لم أجبه إلى هذه الغاية بشي‏ء، و قد حبست نفسي عليك، فاقدم على بركة اللّه و عونه لأشاورك و أستعين على أمري برأيك-و السلام-.

قال: فلما ورد كتاب معاوية على عمرو بن العاص و قرأه دعا ابنيه عبد اللّه [ (1) ]زيد في وقعة صفين: و بايعوه على ذلك، و أوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم و أموالهم أو يدركوا بثأره، أو يفني اللّه أرواحهم.

[ (2) ]في الإمامة و السياسة 1/114: الأشتر النخعي و عدي بن حاتم و شريح بن هانئ.

[ (3) ]استدرك للإيضاح.

[ (4) ]الإمامة و السياسة 1/115 وقعة صفين ص 34 الأخبار الطوال ص 157 تاريخ اليعقوبي 2/184 باختلاف النصوص. ـ

511

و محمد فاستشارهما في ذلك، فقال عبد اللّه: أما أنا فأقول: إن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم خرج من الدنيا و هو عنك راض و كذلك الخليفتان من بعده: أبو بكر و عمر، و أما عثمان فإنه قتل و أنت عنه غائب، و قد وسع اللّه عليك فاقعد في بيتك، فإنك لا تطمع أن تكون خليفة، و ليس ينبغي لك أن تكون حاشية معاوية على دنيا قليلة[ (1) ]زائلة عن أهلها- و السلام-.

و قال ابنه محمد: أما أنا فأقول: إنك شيخ قريش و صاحب أمرها، و إن اضطرب هذا الأمر و أنت عنه غائب‏[ (2) ]لصغر أمرك و يذهب قدرك، فالحق بجماعة من أهل الشام فكن يدا من أيديها و اطلب بدم عثمان بن عفان، فلست أقلّ من معاوية.

فأطرق عمرو ساعة ثم قال: أما أنت يا عبد اللّه فأشرت عليّ بما هو خير لي في دنياي و ديني، و أما أنت‏[يا محمد]فأشرت عليّ بما هو خير لي في دنياي، و سأنظر في ذلك. فلما جنّ عليه الليل رفع صوته و جعل يقول شعرا[ (3) ].

قال: ثم أدنى عمرو غلاما يقال له وردان فقال له: ارحل يا وردان!فعبّى له الأثقال و ترحل، فقال له عمرو: حطّ يا وردان!فحط، ثم قال: ارحل يا وردان! فرحل، فلم يزل عمرو يقول: ارحل و حطّ، فقال له وردان: أبا عبد اللّه!ما شأنك؟أ خولطت؟فقال عمرو: لا، قال: فما قصتك؟مرة تقول: ارحل يا وردان، و مرة تقول: حط وردان!فقال عمرو: لا أدري، قال وردان‏[ (4) ]: لكني أدري، و اللّه!أنت رجل قد اعترضت الدنيا و الآخرة على قلبك، فقلت: إن عليا معه آخرة بلا دنيا و في الآخرة عوض من الدنيا، و معاوية معه دنيا بلا آخرة، و ليس في الدنيا عوض من الآخرة، فأنت واقف بين أمرين لا تدري أ تأخذ الدنيا أم الآخرة، فقال عمرو: للّه أبوك يا وردان!ما أخطأت شيئا، و لكن هات ما عندك من الرأي، فقال وردان: عندي و اللّه من الرأي أن تجلس في بيتك، فإن اللّه تبارك و تعالى قد [ (1) ]وقعة صفين ص 34: دنيا قليلة، أوشك أن تهلك فتشقى فيها.

[ (2) ]وقعة صفين: و أنت فيه خامل.

[ (3) ]الأبيات في تاريخ اليعقوبي 2/185 وقعة صفين ص 35. و مطلعها:

تطاول ليلي للهموم الطوارق # و خوف التي تجلو وجوه العواتق

و ان ابن هند سائلي أن أزوره # و تلك التي فيها بنات البوائق

أتاه جرير من علي بخطة # أمرت عليه العيش مع كل ذائق‏

[ (4) ]في الإمامة و السياسة 1/116 أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك.

512

وسع عليك، فإن ظفر أهل الدين عشت في دينهم، و إن ظفر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك، فقال عمرو: يا وردان!الآن أقعد في بيتي و قد[ (1) ]سمعت العرب بتحريكي إلى معاوية، ارحل يا وردان!فرحل وردان، و أنشأ عمرو يقول شعرا[ (2) ].

قال: و سار عمرو حتى قدم على معاوية، فقرّبه و أدناه و رفع مجلسه ثم قال:

أبا عبد اللّه!إنه قد طرقتنا من هذه الليلة أخبار[ (3) ]ليس منها ورد و لا صدر، فقال عمرو: و ما ذلك يا معاوية؟فقال معاوية أما أحد الأخبار فإن محمد بن‏[أبي‏]حذيفة كسر سجن مصر فخرج منه و خرج معه أصحابه، و قد علمت أنه‏[من‏]أفات الدين‏[ (4) ]، و الخبر الثاني أن قيصر ملك الروم قد زحف بخيله و رجله ليغلب على الشام، و الخبر الثالث أن‏[ (5) ]علي بن أبي طالب نزل الكوفة فتهيأ للمسير إلى ما قبلنا، فهات ما عندك!فقال عمرو: كلّ ذلك عظيم، فأما محمد بن أبي حذيفة فتبعث إليه بالخيل فإما أن يقتل و إما أن يهرب، و لن يضرك هربه، و أما ملك الروم فتهدي إليه الهدايامن أواني الذهب و الفضة و غير ذلك من أنواع الهدايا من طرائف الشام و تسأله الموادعة، فإنه يجيبك إلى ذلك، و أما علي بن أبي طالب فلا و اللّه لا تخالفه و لا تقاتله. قال معاوية: ما قد قطع الرحم و فتن الأمة و شق العصا و قتل الخليفة و عصى ربه، و قتل و نقض ما كان في عنقه من بيعة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فقال عمرو: مهلا يا معاوية!فإن عليا أوحد الناس في الفضائل، و ليس لك مثل هجرته و لا سابقته و لا صهارته و لا قرابته و لا قدمته و لا شجاعته، و إن له من الحرب حظا سنيا ليس لأحد مثله، و إن له جدّا و حدّا[ (6) ]و حظوة في العرب، و بلاء من اللّه [ (1) ]في تاريخ اليعقوبي و الإمامة و السياسة: و قد شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية.

[ (2) ]الأبيات في تاريخ اليعقوبي 2/185 (بيت واحد) و وقعة صفين 36 و مطلعها:

يا قاتل اللّه وردانا و فطنته # أبدى لعمرك ما في الصدر وردان

لما تعرضت الدنيا عرضت لها # مجرص نفسي و في الأطباع إدهان‏

في أبيات أخرى (وقعة صفين) .

[ (3) ]وقعة صفين: ثلاثة أخبار، و في الأخبار الطوال: طرقتنا في هذه الأيام ثلاثة أمور.

[ (4) ]الأخبار الطوال: و هو من أعدى الناس لنا.

[ (5) ]الأخبار الطوال: و أما الثالثة فإن جريرا قدم رسولا لعلي بن أبي طالب يدعونا إلى البيعة له أو إيذان بحرب.

[ (6) ]الحد: الحدة و النشاط و السرعة في الأمور و المضاء فيها. و الجد: الحظ (بالفتح) ، و الجد (بالكسر) الاجتهاد.

513

و رسوله حسنا جميلا، فقال معاوية: صدقت يا أبا عبد اللّه!هو كذلك، و لكنا نقاتله على ما في أيدينا و نلزمه دم عثمان بن عفان، فضحك عمرو من ذلك ثم قال:

وا عجباه لهذا الكلام الذي أسمعه منك يا معاوية!إنه قد يجب عليّ و عليك أن لا نذكر شيئا من أمر عثمان، أما أنت فخذلته حين استغاث بك و هو محصور بالمدينة فلم تنصره، و أما أنا فإني تركته عيانا و ذهبت إلى فلسطين، فقال معاوية: إني لو أردت أن أخدعك لخدعتك، فقال عمرو: ليس مثلي يخدع، فقال معاوية:

فقال: أبا عبد اللّه!خدعتك أم لا؟هل في البيت غيري و غيرك؟كيف تدفع إليّ أذنك و ما معنا ثالث إلا اللّه تعالى؟و لكن دع عنك هذا و هات فبايعني!فقال عمرو:

لا و اللّه!ما أعطيك من ديني شيئا أو آخذ منك مثله، فهات ما الذي تعطيني، فقال معاوية: أعطيك رضاك، قال عمرو: رضاي أرض مصر، قال معاوية: إن مصرك كالعراق، قال عمرو: صدقت، إنها لكذلك، و لكنها تكون لي إذا كانت العراق لك، قال: فثقل ذلك على معاوية و أبى أن يعطيه أرض مصر، و خرج عمرو فصار إلى رحله، و بعث معاوية عليه عينا ليسمع ما يقول. فلما جنّ عليه الليل رفع صوته و أنشأ يقول شعرا[ (1) ].

قال: فلما أصبح معاوية أقبل إليه أخوه عتبة فقال: أخبرني عنك، ألا[ (2) ] ترضى أن يأخذ عمرو بن العاص مصر و قد عزم أن يبيعك خيط رقبته؟أعطه ما سألك!فإنك في وقتك هذا لا مصر في يدك و لا غيرها، ثم أنشأ في ذلك يقول شعرا[ (3) ].

[ (1) ]الأبيات في تاريخ اليعقوبي 2/186 وقعة صفين ص 39 مروج الذهب 2/391 و مطلعها:

معاوي لا أعطيك ديني، و لم أنل # به منك دنيا، فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فاربح بصفقة # أخذت بها شيخا يضر و ينفع‏

في أبيات أخرى.

[ (2) ]الأخبار الطوال ص 158 وقعة صفين 39: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن صفت لك فليتك لا تغلب على الشام.

[ (3) ]الأبيات في الأخبار الطوال ص 159 و وقعة صفين ص 39-40 مطلعها:

أيها المانع سيفا لا يهز # إنما ملت على خز و قز

إنما أنت خروف ناعم # بين ضرعين و صوف لم يجز

في أبيات أخرى.

514

قال: فلما سمع معاوية شعر أخيه عتبة بعث إلى عمرو فدعاه و أعطاه مصر، و كتب له بها كتابا و أثبت في الكتاب: لا ينقض طاعة شرطا و لا شرط طاعة، و أخذ عمرو الكتاب و انصرف إلى منزله مسرورا، فقال له ابن عم له: أبا عبد اللّه!ما لي أراك فرحا مستبشراو قد بعت دينك بدنياك، أ تظن أن أهل مصر يسلمون إليك مصر و هم الذين قتلوا عثمان بن عفان؟فتبسم عمرو ثم قال: يا ابن أخ!إن الأمر للّه عزّ و جلّ دون عليّ و معاوية، قال: فأنشأ ذلك الفتى يقول شعرا[ (1) ]. قال: فقال له عمرو: يا ابن أخ!إني لو كنت مع عليّ لوسعني بيتي و لكني مع معاوية، فقال له الفتى: اما معاوية فإنه لم يردك و لكنه أراد دينك و أردت دنياه-و السلام-.

قال: و بلغ ذلك معاوية و ما تكلم به الفتى معه و همّ بقتله، فهرب فصار إلى عليّ رضي اللّه عنه فحدثه بالقصة و كيف بايع عمرو معاوية، فقرّبه عليّ و أدناه و فرض له في كل أصحابه.

قال: و غضب مروان بن الحكم، ثم دخل على معاوية فقال: ما لي لا أشترى كما يشترى غيري، فقال معاوية: إني‏[ (2) ]إنما ابتاع الرجال لك، قال:

فسكت مروان.

قال جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن عبادة بن الصامت أنه نظر إلى معاوية و عمرو بن العاص مجتمعين، فجاء حتى جلس بينهما فقال له أحدهما: أما لك مكان غير هذا؟

فقال عبادة: بلى، و لكني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ذات يوم و قد نظر إليكما فأطال النظر ثم قال: «إذا رأيتم معاوية و عمرا مجتمعين ففرّقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير» .

قال: و أصبح معاوية بعد ما بايعه عمرو بن العاص فإذا برقعة مطوية على بساطه، فأخذها و نظر فيها، فإذا فيها أبيات من الشعر. قال: فدعا معاوية [ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 41 و مطلعها:

ألا يا هند أخت بني زياد # دهي عمرو بداهية البلاد

رمي عمرو بأعور عبشمي # بعيد القعر مخشي اللياد

له خدع يحار العقل فيها # مزخرفة صوائد للفؤاد

في أبيات أخرى.

[ (2) ]الإمامة و السياسة 1/118 اسكت يا ابن عم، فإنما يشترى لك الرجال.

515

بعبد الرحمن بن خالد المخزومي، فقال: إني أظن هذه الرقعة لك، قال: نعم هي لي، فقال معاوية: لا تفعل يا ابن أخ!فإن عمرا كان رأسا في الجاهلية و علما في الإسلام و لا ينبغي لك أن ألحقك به في العطاء و سأفعل بك جميلا، قال: فسكت عبد الرحمن بن خالد. و بلغ ذلك عمرو بن العاص، فأقبل إلى عبد الرحمن فقال:

يا ابن أخ!أما علمت أن قريشا اختارت رجلين في أيام النجاشي فكنت أنا أحدهم؟ أما و اللّه!لو كان أبو سليمان خالد بن الوليد في الأحياء لم أرض منك بهذا أبدا، ثم أقبل عمرو حتى دخل على معاوية فقال: يا هذا!إني و اللّه لم أزل أسمع في كل يوم من سفهاء قريش مثل هذا و أشباهه أبدا، فلعنة اللّه على مصر!و اللّه لقد استعملني على مصر من هو خير منك و من عثمان، و لقد استعملني النبي صلّى اللّه عليه و سلّم على عمان فأقلني يا هذا حتى أجلس في بيتي و أنت محسن-و أنشده شعرا، فقال معاوية: يا هذا! و اللّه لقد أكثرت و لم تكن مكثارا و أحببت أقواما ما كنت أدفعك عن جوابهم، و حسبك بأن يقال: قال عمرو و قيل لعمرو، فإنك إن كاشفت القوم كاشفوك.

ذكر جواب علي لجرير ابن عبد اللّه البجلي‏[ (1) ]

أما بعد يا جرير!فإن معاوية إنما أراد بكتابه هذا أن يجعل لي في عنقه بيعة و أن يختار من أمره ما يحب، و إنما احتبسك عنده ليذوق أهل الشام، و قد علمت يا جرير أن المغيرة بن شعبة أشار عليّ و أنا بالمدينة أن أستعمل معاوية على الشام‏[ (2) ]، فلم أفعل و لم يكن اللّه تبارك و تعالى ليراني و أنا أتخذ المضلين عضدا، فانظر!إن بايعك الرجل و إلا فاقبل و لا تكن رخو الجنان-و السلام-.

قال: و فشا كتاب معاوية إلى علي في الناس بالذي يطلبه من عليّ فلم يجبه إلى ذلك، فكتب الوليد بن عقبة إلى معاوية أبياتا مطلعها:

[ (1) ]كذا، و كان معاوية قد أتى جريرا في منزله فقال له: يا جرير إني قد رأيت رأيا، قال: هاته. قال:

اكتب إلى صاحبك أن يجعل لي الشام و مصر جباية: فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة، و أسلم هذا الأمر إليه. و أكتب إليه بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت.

فكتب إلى علي يسأله ذلك. فلما أتى عليا كتاب معاوية عرف أنها خدعة منه. فكتب إلى جرير....

(الإمامة و السياسة 1/115 وقعة صفين ص 52) .

[ (2) ]مرت نصيحة المغيرة بن شعبة لعلي (رض) .

516

معاوي إن الشام شامك فاعتصم # بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

إلى آخرها[ (1) ].

ذكر كتاب آخر من علي بن أبي طالب إلى جرير بن عبد اللّه البجلي‏

قال: و إذا كتاب آخر قد ورد على جرير من علي رضي اللّه عنه‏[ (2) ]: «أما بعد يا جرير!إذا أتاك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تعامل معاوية على الفصل‏[ (3) ] و احنقه بالجواب، ثم خيّره بين حرب مجلية أو سلم مقرّبة[ (4) ]، فإن اختار الحرب فاكتب إليّ بذلك، و إن اختار السلم فاستوثق منه ما تقدر عليه، و عجل القدوم عليّ- و السلام-.

قال: ثم كتب 2 النجاشي‏[ (5) ]شاعر علي رضي اللّه عنه إلى جرير أبياتا من الشعر مطلعها:

ألا ليت شعري و الحوادث جمّة # اللعب سار المالكي جرير

إلى آخرها.

قال: فلما ورد الكتاب على جرير أخذه و أتى به إلى معاوية فأقرأه إياه ثم قال:

يا معاوية!أما إني قد تأنيتك إلى وقتي هذا، و لا و اللّه ما أظنّ قلبك إلا مطبوعا! و كذلك يطبع اللّه على كل قلب متكبر جبار، و إني لأراك قد وقفت على الحق و الباطل وقوف رجل ينتظر شيئا في يد غيره، و لا أظنك مبايعا حتى لا تجد بدّا من الصلاة، و هذا كتاب أمير المؤمنين و قد ورد عليّ، فإما أن تبايع حتى أعلم ذلك فأكتب إلى صاحبي ببيعتك، و إما أن تختار الحرب فأعمل على حسب ذلك!فقال معاوية: نعم [ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 52-53 و بعده:

و حام عليها بالقنابل و القنا # و لا تك محشوش الذراعين وانيا

[ (2) ]و كان جرير قد أبطأ عند معاوية حتى اتهمه الناس و قال علي: وقتّ لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا. و لما آيس منه كتب إليه يستعجله بت الأمر و فصله و أخذ البيعة من معاوية.

[ (3) ]في النهج: و خذه بالأمر الجزم.

[ (4) ]النهج: «سلم مخزية» و في وقعة صفين: سلم محظية.

[ (5) ]اسمه قيس بن عمرو بن مالك، من بني الحارث بن كعب.