الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
517

و كرامة أبا عمرو!و اللّه ما انتظاري إلا على رجل واحد و هو شرحبيل بن السمط بن الأسود بن جبلة الكندي، و ذلك لأنه سيد من سادات أهل الشام و لا أحب أن أقطع أمرا دونه، فإذا قدم عليّ نظرت ما الذي عنده من الرأي، ثم إني ألقاك في أول المجلس بالفصل إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه.

قال: فانصرف جرير إلى رحله، و اتصل الخبر بالوليد بن عقبة، فأقبل على من كان عنده من بني أمية فقال: ألا تعجبون من معاوية و من حبسه جريرا عنده لا يوجهه إلى صاحبه و يعزم على حربه؟و اللّه!لقد بلونا من تربص معاوية لعثمان بن عفان و قعوده عنه ما قد اكتفينا به، و لكن و اللّه لأحركن أخاه عتبة فلعله أن ينهض إلى حرب علي رضي اللّه عنه، فليس عتبة بدون معاوية، قال: ثم كتب الوليد بن عقبة إلى عتبة بن أبي سفيان أبياتا من الشعر مطلعها:

أ عتبة حرّك من أخيك و لا تكن # فولّ الهوينا إن أراد مؤاتيا

إلى آخرها.

قال: فلما وردت هذه الأبيات على عتبة بن أبي سفيان غضب لذلك ثم قال:

إنما أراد الوليد أن يخطب إلى عقلي، أ يرجوني لأمر و معاوية، جنّ و اللّه ما أنصفنا الوليد و لا أراد بذلك إلا تحريض بعضنا ببعض!و ليس هذا جزاؤنا منه إذ نصبنا جباهنا و نحورنا لسيف علي بن أبي طالب غضبا لابن عمه عثمان بن عفان و هو بالحجاز متكئا على الحشايا، ثم أجابه عتبة بن أبي سفيان أبياتا من الشعر مطلعها:

كرهت أبا وهب قراع العواليا # و حسبك أن تهدي إليّ القوافيا

إلى آخرها.

قال: ثم بعث معاوية مالك بن هبيرة الكندي إلى محمد بن أبي حذيفة فحاربه فقتله‏[ (1) ]، ثم بعث إلى قيصر ملك الروم بالهدايا فواعده، ثم دعا عمرو بن العاص فقال: أبا عبد اللّه!هات الآن ما ترى في علي بن أبي طالب، فقال عمرو: أرى فيه خيرا، إنه قد أتاك هذا خير أهل العراق جرير من عند خير الناس علي بن أبي طالب، ورد هذه البيعة خطر شديد و أمر عظيم، و رأس أهل الشام اليوم شرحبيل بن السمط الكندي و هو عدو لجرير، فأرسل إليه و عبّ له رجالا من ثقاتك يشهدون‏[ (2) ] [ (1) ]انظر ابن الأثير 2/353.

[ (2) ]في وقعة صفين ص 44 «فليفشوا في الناس» و في الأخبار الطوال ص 159: «يخبرونه» .

518

بأن عليا قتل عثمان، و لتكن المستشهدون أهل الرضا فإنها كلمة جامعة، فإن علقت الشهادة بقلبه لا يخرجها شي‏ء أبدا.

قال: فدعا معاوية يزيد بن أسد[ (1) ]، و بسر بن‏[أبي‏]أرطاة، و مخارق بن الحارث، و حمزة بن مالك، و حابس بن سعد الطائي، و أبا الأعور السلمي، و الضحاك بن قيس الفهري، و ذا الكلاع الحميري، و الحصين بن نمير السكوني، و حوشب ذا الظلم-و هؤلاء رؤساء الشام يومئذ-فجمعهم معاوية ثم قال: أ تدرون لما ذا جمعتكم؟قالوا: لا علم لنا بذلك، فقال: إن شرحبيل بن السمط سيد من سادات قومه و هو عدو لجرير بن عبد اللّه البجلي، و قد عزمت أن أكتب إليه ليصير إليّ فإذا قدم عليّ أخبرته أن عليا قتل الخليفة عثمان بن عفان، فإن طلب مني شهادة كنتم أنتم الشهود لي على ذلك، فقال القوم: كفئت يا معاوية!فوجه إليه.

فعندها كتب إليه معاوية و شرحبيل يومئذ بمدينة حمص: أما بعد!فإن جريرا قدم علينا من عند علي بن أبي طالب بأمر فظيع، فاقدم إلينا رحمك اللّه!فإننا نريد أن نستشيرك في أمرنا، و قد حبسنا عليك أنفسنا و على مشورتك-و السلام-.

قال: فلما ورد كتاب معاوية على شرحبيل و قرأه‏أقبل إلى عبد الرحمن بن غنم‏[ (2) ]الأزدي و هو صاحب معاذ بن جبل و كان أفقه أهل الشام، فاستشاره في المسير إلى معاوية، فقال له عبد الرحمن: ويحك يا شرحبيل!إن اللّه تعالى لم يزل يريد بك خيرا مذ هاجرت إلى وقتك هذا!و إنه لن ينقطع المزيد من اللّه حتى ينقطع الشكر من الناس، و لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، و أنت رجل من خيار كندة، و إن القالة قد فشت في الناس أن عليا قتل عثمان، و لو كان عليّ قتله لما بايعه المهاجرون و الأنصار و هم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هم الحكّام على الناس!و إنما معاوية إنما يدعوك إلى نفسه ليأخذ من دينك و يعطيك من دنياه كما فعل بعمرو بن العاص، فإن كان و لا بد أن تكون أميرا فسر إلى علي بن أبي طالب، فإنه أحق الناس بهذا الأمر من معاوية و غير معاوية، ثم جعل يقول أبياتا مطلعها[ (3) ]:

[ (1) ]عن وقعة صفين ص 44، و بالأصل: أنس.

[ (2) ]عن وقعة صفين ص 45، و بالأصل: اليماني.

و عبد الرحمن بن غنم الأزدي، مختلف في صحبته مات سنة 78. انظر الاصابة رقم 5173 و 6371.

[ (3) ]الأبيات في وقعة صفين و نسبها إلى عياض الثمالي، قال: فبعث إليه عياض الثمالي، و كان ناسكا (ص 45) .

519

أيا شرح يا ابن السمط إنك بالغ # بأخذ[ (1) ]عليّ ما تريد من الأمر

[ (2) ] إلى آخرها.

قال: فلما سمع شرحبيل بن السمط هذا الشعر كأنه وقع بقلبه، ثم أقبل على عبد الرحمن بن غنم فقال: إني سمعت ما قلت و قد أحببت أن أسمع كلام معاوية في نفر من بني عمه. و كتب إليه الأسود بن عبد اللّه أبياتا من الشعر، فوافاه الكتاب من قبل أن يصير إلى معاوية مطلعها:

أيا شرح يا ابن السمط لا تتبع الهوى # فما لك في الدنيا من الدين بالبدل‏[ (3) ]

إلى آخرها.

قال: فلما تفهّم شرحبيل هذا الشعر ذعر منه ذعرا شديدا و أفكر في أمره ثم قال: هذه و اللّه نصيحة لي في ديني و دنياي!لا و اللّه لا عجلت في هذا الأمر بشي‏ء و في نفسي منه حاجة!قال: ثم سار حتى دخل على معاوية، فقرّبه معاوية و أدناه ثم قال: يا أبا السمط!إن جرير بن عبد اللّه قد أتى من الكوفة يدعو إلى بيعة علي بن أبي طالب، و لسنا نشك في عليّ أنه خير فاضل لولا أنه قتل الخليفة عثمان بن عفان، و قد حبست نفسي عليك لأنك رجل من سادات كندة و أنا واحد منكم، أرضى بما ترضون و أكره ما تكرهون، فهات ما عندك!فقال شرحبيل: إني سمعت مقالتك و لست أقضي على غائب، و لكن تؤخرني الليلة حتى أصبح و أسأل غيرك عن هذا الأمر، فإن شهدا عندي رجلان من سادات أهل الشام أن عليا قتل عثمان صدقتك و قاتلت بين يديك أنا و جميع من أطاعني من قومي، ثم انصرف شرحبيل إلى رحله.

[ (1) ]وقعة صفين: يود.

[ (2) ]أيا شرح: مرخم شرحبيل.

و بعده:

و يا شرح إن الشام شامك ما بها # سواك فدع قول المضلل من فهر

فإن ابن حرب ناصب لك خدعة # تكون علينا مثل راغية البكر

في أبيات.

[ (3) ]وقعة صفين ص 48 و بعده:

و قل لابن حرب ما لك اليوم حرمة # تروم بها ما رمت، فاقطع له الأمل‏

في أبيات.

520

فلما أصبح وجّه إليه معاوية بالقوم الذين أعدهم له، فشهدوا عنده أن عليا قتل عثمان، قال: فعندها أقبل شرحبيل حتى دخل على معاوية فقال: يا هذا!لقد شهد عندي العدول أن عليا قتل الخليفة ظلما، و و اللّه لئن أنت بايعته لنخرجنك من الشام!فاردد الرجل إلى صاحبه، فو اللّه ما لصاحبه عندنا إلا السيف. قال: فجعل ابن أخت شرحبيل‏[ (1) ]يقول أبياتا من الشعر مطلعها:

رمى شرحبيل بالدواهي و قد رمى # هنالك‏[ (2) ]بالسهم الذي هو قاتله‏

إلى آخرها.

قال: فهمّ معاوية بقتل قائل هذا الشعر، فهرب حتى صار إلى علي بن أبي طالب، و حدثه الحديث على جهته من أوله إلى آخره، فقربه عليّ و أدناه و فرض له في أصحابه.

قال: و بعث النجاشي شاعر علي إلى شرحبيل بن السمط الكندي أبياتا من الشعر مطلعها:

أيا شرح ما للدين فارقت أمرنا # و لكن لبغض المالكيّ جرير[ (3) ]

إلى آخرها.

قال: فلم يلتفت شرحبيل إلى هذه الأبيات و أقبل حتى دخل على جرير بن [ (1) ]في وقعة صفين: ابن اخت له من بارق.

[ (2) ]وقعة صفين ص 49:

لعمر أبي الأشقى ابن هند لقد رمى # شرحبيل................

و بعده:

و لفف قوما يسحبون ذيولهم # جميعا و أولى الناس بالذنب فاعله‏

في أبيات أخرى.

[ (3) ]وقعة صفين ص 51 و كان النجاشي صديقا لشرحبيل. و بعده أبيات أخرى منها:

و شحناء دبت بين سعد و بينه # فأصبحت كالحادي بغير بعير

أتفصل أمرا غبت عنه بشبهة # و قد حار فيها عقل كل بصير

يقول رجال لم يكونوا أئمة # و لا للتي لقوكها بحضور

ـ

521

عبد اللّه فقال: يا هذا!لقد جئت بأمر ملفف‏[ (1) ]، أردت أن تلقينا في لهوات الأسد، و أردت أن تخلط الشام بالعراق، و لقد أطرأت‏[ (2) ]من ذكر صاحبك عليّ عند أهل الشام، ما ظنوا أنه على ما تقول، حتى صحّ عندنا أنه هو الذي قتل الخليفة عثمان بن عفان، قال: فضحك جرير ثم قال: أما قولك بأني جئت بأمر ملفف، فكيف يكون ملففا و قد اجتمع عليه المهاجرون و الأنصار و قوتل عليه طلحة و الزبير، و أما قولك إني أردت أن أخلط الشام بالعراق، فإن خلطهما على الحق خير من تفريقهما على الباطل، و أما قولك إن صاحبي قتل عثمان بن عفان، فو اللّه ما في يديك شي‏ء من ذلك إلا القذف من مكان بعيد و اللّه سائلك عن ذلك يوم القيامة! و لكنك يا شرحبيل ملت إلى الدنيا كما مال غيرك، و شي‏ء كان في نفسك عليّ‏[ (3) ]، و ستعلم عن قريب‏ إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

ذكر تسريح معاوية جرير بن عبد اللّه إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: فخرج شرحبيل من عند جرير مغضبا حتى دخل على معاوية فقال لمعاوية: إننا قد علمنا أنك عامل أمير المؤمنين عثمان بن عفان و وليه و ابن عمه، فإن كنت رجلا تجاهد عليا حتى تدرك بثأر عثمان و إلا عزلناك و استعملنا على أنفسنا سواك ممن نريد، ثم جاهدنا معه أبدا أو تفنى أرواحنا و نهلك عن آخرنا. فقال معاوية: ما [ (1) ]ملفف: في اللسان: أحاديث ملففة أي أكاذيب مزخرفة. و فيه: اللفف: ما لففوا من هاهنا و هاهنا، كما يلفف الرجل شهادة الزور.

[ (2) ]أطرأت: أطرأ القوم: مدحهم، نادرة و الأعرف بالياء (اللسان) .

[ (3) ]و كان سبب التباعد بين جرير بن عبد اللّه و شرحبيل بن السمط. أن عمر بن الخطاب (رض) كان قد بعث شرحبيل إلى العراق إلى سعد بن أبي وقاص و كان معه، فقدمه سعد و قربه، فحسده الأشعث بن قيس لمنافسة بينهما، فوفد جرير على عمر، فقال له الأشعث: إن قدرت أن تنال من شرحبيل عند عمر فافعل، فلما قدم على عمر، سأله عمر عن الناس، فأحسن الثناء على سعد، قال، و قد قال شعرا:

ألا ليتني و المرء سعد بن مالك # و زبرا و ابن السمط في لجة البحر

فيغرق أصحابي و أخرج سالما # على ظهر قرقور أنادي أبا بكر

فكتب عمر إلى سعد يسأله أن يرسل زبرا و شرحبيلا إليه، فأرسلهما، فأمسك زبرا بالمدينة و سير شرحبيلا إلى الشام (ابن الأثير 2/360) .

522

أنا إلا رجل منكم، أحارب من تحاربون و أسالم من تسالمون.

قال: ثم أرسل معاوية إلى جرير أن الحق بصاحبك فأخبره بالذي سمعت من مقالة أهل الشام.

قال: فأمر جرير فقدمت أثقاله، ثم استوى على فرسه و سار حتى قدم على علي رضي اللّه عنه بعد عشرين و مائة ليلة، فأخبره بأخبار معاوية و ما سمع من أهل الشام، فقال له الأشتر: و اللّه يا أمير المؤمنين!لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى خناقه‏[ (1) ]و أقام حتى لم يدع‏[ (2) ]بابا مفتوحا إلا أغلقه و لا مغلقا إلا فتحه، فقال جرير: أما و اللّه لو كنت مكاني لقتلوك، لأني سمعتهم يقولون بأنك ممن قتل عثمان. ثم أقبل جرير على عليّ رضي اللّه عنه فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين!ان لو قدروا على هذا أو على محمد بن أبي بكر أو عمار بن ياسر أو حكيم بن جبلة أو مكشوح المرادي لقتلوهم، و لقد خرجت ذات ليلة من رحلي لحاجة لي فنظرت إلى غلام من أهل الشام رافعا صوته و هو يقول أبياتا من الشعر مطلعها[ (3) ].

حكيم و عمار و شيخ محمد # و مالك و المكشوح جرّوا الدواهيا[ (4) ]

إلى آخرها.

قال: فقال علي رضي اللّه عنه ما أخطأ الغلام شيئا و اللّه ولي عثمان.

فقال الأشتر: دعنا يا جرير من أشعار الصبيان، و اللّه إن لو كنت مكانك لما ثقل عليّ جوابهم، و لحملت معاوية و أصحابه على خطة أعجله فيها عن الفكر، فقال جرير:

فلم لا تأتيهم الآن؟فقال: و كيف آتيهم و قد أفسدتهم، قال: ثم أنشأ الأشتر يقول في ذلك أبياتا من الشعر مطلعها:

[ (1) ]أي مال حيث شاءت الريح أن يميل ليس بذي رأي أو عزيمة.

[ (2) ]في مروج الذهب 2/413: لم يدع بابا نرجو روحه إلا فتحه، و لا بابا يخاف منه إلا أغلقه.

[ (3) ]الأبيات في وقعة صفين ص 54 و نسبت إلى ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق.

[ (4) ]بعده في وقعة صفين:

و قد كان فيها للزبير عجاجة # و صاحبه الأدنى أشاب النواصيا

فأما علي فاستغاث ببيته # فلا آمر فيها و لم يك ناهيا

و قل في جميع الناس ما شئت بعده # و إن قلت: أخطأ الناس لم تك خاطيا

523

لعمرك يا جرير لقول عمرو # و صاحبه معاوية الشام‏[ (1) ]

إلى آخرها.

قال و جرى بين الأشتر و جرير كلام كثير.

ذكر أخذ معاوية أهبة الحرب‏

قال: ثم أقبل معاوية على شرحبيل بن السمط فقال: إنه كان من إجابتك إلى الحق ما وقع أجرك على اللّه عزّ و جلّ، و قبله منك الصالحون و هذا الأمر لا يتم إلا بأمر العامة، و أريد منك أن تكتب إلى مدائن الشام فتعلمهم بما كان من إجابتهم، فلعلهم أن يغضبوا للخليفة المظلوم، فقال شرحبيل: لا، و لكن أنا أسير إليهم بنفسي فأحرّضهم على ذلك.

قال: ثم سار شرحبيل حتى دخل حمص، ثم نادى في أهلها فجمعهم ثم قام فيهم خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: يا أهل حمص‏[ (2) ]!اعلموا أن عليا قتل عثمان بن عفان، و فرق الجماعة، و واقع بقتل البصرة وقعة لها ما بعدها، و قد هزم الجميع و غلب على الأرض حتى لم يبق له إلا الشام، و قد وضع سيفه على عاتقه و عزم على أن يخوض إليكم غمار الموت حتى يأتيكم فينزل بكم ما أنزله بغيركم، ألا!و إني لا أجد أحدا هو أقوى على حربه من معاوية، فخفوا معه و جاهدوا عدو اللّه، ف إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. قال: فأجابه أهل حمص بأجمعهم إلى ذلك‏[ (3) ]. قال: و جعل شرحبيل لا يأتي مدينة من مدائن الشام‏إلا دعاهم إلى نصر معاوية و حرّضهم على قتال علي بن أبي طالب، حتى اجتمع إليه خلق كثير، فأقبل بهم إلى معاوية، فبايعوه على أنهم يقاتلون بين يديه و يموتون تحت ركابه.

قال: فوثب رجل من أهل السكاسك و كان مجتهدا فاضلا و كان شاعرا و اسمه الأسود بن عرفجة، فوقف بين يدي معاوية و أنشأ و جعل يقول أبياتا من الشعر مطلعها:

[ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 61.

[ (2) ]الأخبار الطوال ص 160 و وقعة صفين 50: يا أيها الناس.

[ (3) ]زيد في الأخبار الطوال: إلا نفرا من أهل حمص نساكا فإنهم قالوا: نلزم بيوتنا و مساجدنا.

524

كانت الشام قبل شرح و بيل # لعليّ ظهرا له حدباء

إلى آخرها.

قال: فقطع عليه معاوية كلامه ثم قال: من هذا الأسد الورد[ (1) ]؟فقال: هذا و اللّه علي بن أبي طالب أخو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ابن عمه و زوج ابنته و أبو سبطيه الذي قتل جدك و غمّ أمك و أخاك و خالك يوم بدر!فأنت تطالبه في الإسلام بما فعل في قومك الكفرة الفجرة. فقال معاوية: خذوه!فوثب إليه غلامان من غلمان معاوية، و قام إليه شرحبيل فقال: كفّ عنه يا معاوية!فإنه رجل من سادات قومه، فلا تؤذيه فأنقض و اللّه ما في عنقي من بيعتك، قال معاوية: فإني قد وهبته لك.

قال: فهرب الرجل إلى مصر، ثم كتب إلى علي رضي اللّه عنه أبياتا من الشعر مطلعها:

ألا أبلغ أبا حسن عليّا # فكفّى بالذي تهوى طويله‏

إلى آخرها.

قال: و أقبل سعيد بن قيس الهمداني إلى علي رضي اللّه عنه فقال: يا أمير المؤمنين!إن شرحبيل رجل عمي القلب و قد سار في مدائن الشام فاستنفرهم إلى حربنا، فأذن لي أن أكتب إليه كتابا فلعلي أشكّكه فيما هو فيه، فقال علي: اكتب ما أحببت.

فكتب إليه سعيد بن قيس: أما بعد يا شرحبيل!فإن أهلك من أرض اليمن غير أنك هاجرت إلى الكوفة و انتقلت إلى الشام فكنت بها ما شاء اللّه، حتى إذا قتل عثمان و بايع الناس عليا عبّى لك معاوية رجالا لا يعرفون الحلال و لا ينكرون الحرام، فاختدعوك و شهدوا عندك أن عليا قتل عثمان، و لو نظرت بعقلك لعلمت أن ذلك باطل و زور، و لو كان على ما شهدوا عندك أن عليا قتل عثمان لما بايعه [ (1) ]يريد البيت:

فاحذر اليوم صولة الأسد الور # د إذا جاء في رحى الهيجاء

525

المهاجرون و الأنصار و هم واضعون أسيافهم على عواتقهم، يقاتلون معه من خالفه من أهل البصرة و غيرهم من الناس، فلا تكن رأس الخطيئة و مفتاح البلية، فإني ما زلت لك ناصحا و عليك مشفقا-و السلام. ثم أثبت في أسفل كتابه شعرا مطلعها:

أيا شرح يا ابن السمط أصبحت راجعا # على العقب فانظر في رجوعك للعقب‏

إلى آخرها.

قال: فلما انتهى الكتاب إلى شرحبيل أخذه فأتى به معاوية، فقرأه إياه، فقال معاوية: لا عليك، هو سيد في همدان و أنت سيد في كندة، فأجبه على كتابه.

قال: فكتب إليه شرحبيل: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه أني هاجرت إلى الكوفة و انتقلت إلى الشام، و لعمري ما العراق لي بدار و لا الشام عليّ بعار، و إنما أنا رجل من أهل اليمن، و أما قولي بأن عليا قتل عثمان، فإني أخذت ذلك عن الثقات من أهل الرضا، و لا يقال للشاهد: من أين قلت؟فأما المهاجرون و الأنصار، فلهم ما في أيديهم من بيعة عليّ و لنا ما في أيدينا من بيعة معاوية- و السلام-.

قال: ثم أقبل شرحبيل على ابن عم له من كندة فقال: أجب سعيد بن قيس على شعره هذا بما أمكنك!قال: فكتب إلى سعيد أبياتا من الشعر مطلعها:

أيها العائب الفتى شرحبيل # لن ينال الإنسان مجرى النجوم‏

إلى آخرها.

ذكر قدوم عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام و ما كان منهم من القول في علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏

قال: و قدم عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب على معاوية ليكون معه على عليّ، فأرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فدعاه و قال: أبا عبد اللّه!إنه قد أحيى اللّه لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم ابنه عبيد اللّه علينا، و قد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على عليّ بقتل عثمان و ننال منه!فقال عمرو بن العاص: يا معاوية!و اللّه ما أتاك‏

526

عبيد اللّه بن عمر إلا خوفا من عليّ أن يقع في يده فيقتله‏[ (1) ]!و لكن لا عليك أن تأمره أن يخطب، فأرسل إليه معاوية فدعاه ثم قال له: يا ابن الأخ!إن لك اسم أبيك فانظر بمل‏ء عينك و تكلم بمل‏ء فيك، فأنت المأمون المصدّق، أريد منك أن تشتم لي عليا و تشهد لي عليه بقتل عثمان!فقال له عبيد اللّه: أما الشتيمة فإنه علي بن أبي طالب بن هاشم، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في نسبه‏[ (2) ]، و أما حسبه‏[ (3) ]فهو و اللّه الشجاع المطرق!و أما أيامه فقد عرفتها أنت يا معاوية!و لكني ألزمه دم عثمان. فقال عمرو بن العاص: يا ابن أخ لقد نكأت القرحة و ما نريد منك غير هذا.

قال: فلما طلع عبيد اللّه من عند معاوية قال معاوية لعمرو: القول و اللّه على ما قلت!و اللّه لولا خوفه من علي أن يقتله بالهرمزان لما رأيته بالشام أبدا، ألم تسمع تقريظه لعلي و قوله فيه: أبوه كذا و أمه كذا و بأسه كذا؟فقال عمرو: أتنكر يا معاوية أن عليا كما قال عبيد اللّه بن عمر؟و اللّه!إن عليا لكما قال و فوق ما قال، غير أننا قد ملنا إلى هذه الدنيا، فليس نعقل ما نأتي و ما ندع.

قال: و خرج حديث معاوية و عمرو إلى عبيد اللّه بن عمر، فقام في الناس خطيبا كما أمره معاوية، فحمد اللّه و أثنى عليه و تكلم بحاجته، حتى إذا بلغ إلى أمر عليّ و عثمان أمسك و نزل عن المنبر، فقال له معاوية: يا ابن أخي!إنك بين عيّ و خيانة، فما منعك من ذكر علي و عثمان؟فقال: إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، و علمت أن الناس يحملونها عني.

قال: فهجره معاوية و استخفّ به، فأنشأ عبيد اللّه بن عمر في ذلك أبياتا مطلعها:

معاوي لم أخرس بخطبة خاطب # و لم أك عيّا في لؤيّ بن غالب‏[ (4) ]

[ (1) ]و كان عبيد اللّه بن عمر قد لحق بمعاوية خوفا من علي أن يقيده بالهرمزان و ذلك أن أبا لؤلؤة-غلام المغيرة بن شعبة-قاتل عمر، و كان في أرض العجم غلاما للهرمزان، فلما قتل عمر شد عبيد اللّه على الهرمزان فقتله و قال: لا أترك بالمدينة فارسيا و لا في غيرها إلا قتلته بأبي.

فلما صارت الخلافة إلى علي (رض) أراد قتل عبيد اللّه بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلما من غير سبب استحقه، فلجأ إلى معاوية (مروج الذهب 2/420 الإمامة و السياسة 1/122) .

[ (2) ]في وقعة صفين ص 83: حسبه.

[ (3) ]وقعة صفين: و أما بأسه.

[ (4) ]و بعده في وقعة صفين 83:

527

إلى آخرها.

قال: فبلغ قوله هذا معاوية، فبعث إليه فأرضاه و قربه و قال: حسبي هذا منك.

ذكر كتاب معاوية إلى أهل المدينة يستنصرهم‏

قال: ثم أقبل معاوية على عمرو بن العاص فقال: إني أريد أن ألقي إلى أهل المدينة[ (1) ]كتابا أذكرهم فيه أمر عثمان، فإما أن ندرك منهم حاجتنا و إما نكفهم عنا من قبل مسير عليّ إلينا، فقال له عمرو: إنك إنما تكتب إلى نفر منهم راضين بعليّ فلا يزيدهم كتابك إليهم إلا بصيرة و محبة لعليّ، و منهم من يهوى عثمان فلا يقدر أن يزيده على ما هو عليه، و منهم معتزل عن علي و عثمان و لا يلتفت إلى كتابك، فإن أحببت فاكتب.

قال: فكتب معاوية إلى أهل المدينة: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى جماعة أهل المدينة، أما بعد!فإنه مهما غاب عنا من الأمر فلم يغب عنكم أن عثمان قتل مظلوما و عليّ قتله، و الدليل على ذلك أنه قد آوى قتلته عنده، و إنما نطالبه بدمه حتى يدفع إلينا قتلته، فنقتلهم به بكتاب اللّه عزّ و جلّ، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه و جعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين كما جعله عمر بن الخطاب عند وفاته، فأما الخلاف فلسنا نطلبها، فأجيبوا[ (2) ]رحمكم اللّه و انهضوا معنا إلى حربه-و السلام-.

قال: فلما قرئ كتاب معاوية على أهل المدينة اجتمعوا فكتبوا[ (3) ]إلى معاوية و عمرو بن العاص جميعا: أما بعد!فإنكما أخطأتما موضع النصرة و تناولتماها من [ () ]

و لكنني زاولت نفسا أبية # على قذف شيخ بالعراقين غائب

و قذفي عليا بابن عفان جهرة # يجدع بالشحنا أنوف الأقارب‏

في أبيات أخرى.

[ (1) ]في الإمامة و السياسة 1/118 و وقعة صفين ص 62-63 إلى أهل مكة و المدينة.

[ (2) ]الإمامة و السياسة: فأعينونا.

[ (3) ]الإمامة و السياسة 1/119: اجتمع رأيهم على أن يسندوا أمرهم إلى المسور بن مخرمة، فجاوب عنهم.

و نسب في وقعة صفين ص 63 إلى عبد اللّه بن عمر. ـ

528

مكان بعيد، يا ابن هند و يا ابن العاص!ما أنتما و المكاتبة و المشورة؟و ما أنتما و الخلافة و الشورى؟أما أنت يا معاوية فطليق العين، و أما أنت يا عمرو فخائن‏[ (1) ]في الدين، فكفّا عن المكاتبة فليس لكما المكاتبة لأهل المدينة وليّ و لا نصير و لا معين و لا ظهير.

ثم كتب رجل من الأنصار أبياتا من الشعر مطلعها:

معاوي إن الحق أبلج واضح # و ليس كما ربصت أنت و لا عمرو[ (2) ]

إلى آخرها.

قال: فلما ورد كتاب أهل المدينة على معاوية و قرأه أقبل على عمرو بن العاص، فقال: أبا عبد اللّه!شعرت أننا أخطأنا في الكتاب إلى أوباش أهل المدينة و بها مثل عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و سعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة الأنصاري، إنما كان يجب أن نخص هؤلاء الثلاثة بالكتاب دون غيرهم، فقال عمرو: ذلك إليك و أنت على رأس أمرك، إن أردت أن تكتب إليهم و أنا لا أشير عليك بذلك، فإني أخاف أن تسمع منهم ما تكره، فلم يلتفت معاوية إلى قوله.

ذكر كتاب معاوية إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب‏

قال: و كتب إلى عبد اللّه بن عمر[ (3) ]: أما بعد فإنه لم يكن رجل من قريش أحبّ إليّ أن تجتمع الناس‏[ (4) ]عليه منك بعد قتل عثمان رضي اللّه عنه، ثم إني ذكرت خذلانك المرء، و قعودي عنه و طعنك على أنصاره فتغيّرت لك و قد هون اللّه عليّ ذاك إذ رأيتك مخالفا لعلي بن أبي طالب، فأعنّا رحمك اللّه على دم هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أطلب الأمر عليك، إنما أريدها لك، فإن أبيت كان شورى بين المسلمين-و السلام-.

و كتب في أسفل كتابه أبياتا من الشعر مطلعها:

[ (1) ]وقعة صفين: فظنون.

[ (2) ]وقعة صفين ص 63 في أبيات أخرى.

[ (3) ]الإمامة و السياسة 1/119 وقعة صفين ص 71.

[ (4) ]وقعة صفين: الأمة.

529

ألا قل لعبد اللّه و اخصص محمدا # و فارسنا المأمون سعد بن مالك‏[ (1) ]

إلى آخرها.

فأجابه عبد اللّه بن عمر[ (2) ]: أما بعد!فإن الرأي الذي أطمعك فيّ هو الذي صيرك إلى ما صرت إليه، يا معاوية!إذ حدثتك نفسك أني أترك عليا و المهاجرين و الأنصار و أتبعك، فأما زعمك أني طعنت على عليّ و خالفته، فلعلي ما أنا كعليّ في الإيمان و الهجرة و نكايته في المشركين و مكانه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و لكنه حدث أمر لم يكن عندي فيه عهد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ففزعت فيه إلى الوقوف و قلت: إن كان هذا هدى ففضل تركته، و إن كان ضلالا فشرّ نجوت منه، فارو عنا نفسك‏[ (3) ]-و السلام-.

قال: ثم أقبل ابن عمر على رجل من قريش يقال له ابن أبي عزة[ (4) ]فقال:

أجب عني معاوية على شعره، فأنشأ يقول أبياتا من الشعر مطلعها:

معاوي لا ترج الذي لست نائلا # و حاول بصيرا عند سعد بن مالك‏[ (5) ]

إلى آخرها.

ذكر كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص‏

قال: و كتب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص‏[ (6) ]: أما بعد!فإن إخواننا من شيعة عثمان بن عفان أهل الشورى من قريش الذين عرفوا حقه و اختاروه على غيره، و قد نصره طلحة و الزبير و هما شريكاك في الأمر، و نظيراك في الإسلام، و خفت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهنّ ما رضوا به، و لا تروينّ‏[ (7) ]ما قبلوا، فإنما نريدها شورى بين المسلمين-و السلام-. و أثبت في آخر كتابه أبياتا مطلعها:

[ (1) ]يريد سعد بن أبي وقاص، و اسمه سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري.

و الأبيات في وقعة صفين ص 72.

[ (2) ]الإمامة و السياسة 1/119 وقعة صفين ص 72.

[ (3) ]الإمامة و السياسة و وقعة صفين: فاغن عنا نفسك.

[ (4) ]وقعة صفين: ابن أبي غزية.

[ (5) ]وقعة صفين ص 73: و حاول نصيرا غير سعد بن مالك.

[ (6) ]الإمامة و السياسة 1/120 وقعة صفين ص 74. تاريخ اليعقوبي 2/187.

[ (7) ]الإمامة و السياسة: و لا تردن.

530

ألا يا سعد قد أحدثت‏[ (1) ]شكّا # و شكّ المرء في الأحداث داء

إلى آخرها.

فكتب إليه سعد[ (2) ]: أما بعد!فإن الشورى لم يدخل عمر بن الخطاب إلا من يحلّ له الخلافة، و لم يكن أحد من أهل الشورى أحق بالخلافة من صاحبه بالاجتماع، غير أن عليا كان فيه ما فينا، و لم يكن فينا ما فيه، و هذا أمر قد كرهنا أوله و كذلك نكره آخره، و أما طلحة و الزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما، و اللّه يغفر لأم المؤمنين عائشة ما أتت-و السلام. و أثبت في أسفل كتابه أبياتا من الشعر مطلعها:

معاوي داءك الداء العياء # و ليس لما تجي‏ء به دواء[ (3) ]

إلى آخرها.

ذكر كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري‏

قال: و كتب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري‏[ (4) ]: أما بعد!فإني كتبت إليك و أنا أرجو متابعتك‏[ (5) ]، و لكني أحببت أن أعرفك النعمة التي خرجت منها و الشك الذي صرت إليه، فأنت فارس الأنصار و عدة المهاجرين، غير أنك ادعيت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حديثا لم تستطع إلا أن تمضي عليه، فذكرت أنه نهاك عن قتال أهل الصلاة بعضهم بعضا[ (6) ]، و قد كان يجب عليك أن تكره لهم ما كرهه لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، أو ما رأيت عثمان بن عفان في يوم الدار و ما حلّ به من أهل الصلاة؟ و أما قومك فقد عصوا اللّه و خذلوا عثمان، و اللّه سائلهم و سائلك عن ذلك يوم القيامة و السلام-.

قال: ثم عرض معاوية كتابه على مروان بن الحكم، فقال له مروان: أما إنك قد أغلظت له في الكتاب، و لكن دعني حتى أكتب إليه أبياتا من شعره فلعلي أخدعه [ (1) ]وقعة صفين ص 74: «أظهرت» و فيه أبيات أخرى.

[ (2) ]الإمامة و السياسة 1/120 وقعة صفين ص 75.

[ (3) ]الأبيات في وقعة صفين ص 75.

[ (4) ]الإمامة و السياسة 1/120 وقعة صفين ص 76.

[ (5) ]في المصدرين: فإني لم أكتب إليك و أنا أرجو مبايعتك.

[ (6) ]في شرح النهج لابن أبي الحديد 1/580 و هو أنه نهاك عن قتال أهل القبلة.

531

بهن، فقال معاوية: اكتب ما أحببت، فكتب إليه مروان أبياتا من الشعر مطلعها:

أيا فارس الأنصار في كل ملحمة # و يا أيها الباني لها كل مكرمة

إلى آخرها.

قال: فلما ورد كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة كتب إليه‏[ (1) ]: أما بعد!فقد اعتزل هذا الأمر من قريش من ليس في يديه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مثل الذي في يدي، و قد أخبرني بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما رأيت ما أخبرني به كسّرت سيفي و لزمت بيتي‏[ (2) ]إذا لم يصح لي معروف آمر به و لا منكرا أنهى عنه، و لعمري يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا و لا اتبعت إلا الهوى، فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا، و ما أخرجني اللّه من نعمة و لا صرت إلى شك فإن أبصرت خلاف ما نحن عليه و نحن أنصار النبي صلّى اللّه عليه و سلّم.

[ثم دعا محمد بن مسلمة رجلا من الأنصار][ (3) ]فقال: أجب عني مروان بن الحكم على شعره، فأنشأ الأنصاري أبياتا من الشعر يقول مطلعها:

أ مروان دع هذا و في الأمر جمجمة # و لا تطلبن منّا جواب ابن مسلمة

إلى آخرها.

قال: فلما وردت هذه الكتب و الأشعار على معاويةندم على ما كتب، و شمت به عمرو، فأنشأ أبياتا من الشعر يقول مطلعها:

ألم ترني أشرت على ابن هند # فلم يقبل و قلت دع الكتابا

إلى آخرها.

ذكر تحريض معاوية الناس على القتال و وصيته إياهم بالصبر على ذلك‏

قال: فعندها قام معاوية في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (4) ]:

[ (1) ]الإمامة و السياسة 1/121 وقعة صفين ص 76-77.

[ (2) ] يروى أن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول اللّه (ص) سيفا فقال: قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فأت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية خاطئة. (الإصابة) .

[ (3) ]زيادة عن وقعة صفين ص 77. و يروى أن اسمه مروان بن عقبة.

[ (4) ]الإمامة و السياسة 1/123 باختلاف.

532

أيها الناس!قد علمتم أن خليفتكم عثمان بن عفان قتل مظلوما و قد جعل اللّه لمن قتل مظلوما وليا و ناصرا، و جعل لوليه سلطانا، و أنا وليه، استعملني و لم يعزلني، و أنتم أهل الحق، و الناس سواكم أهل فتنة و باطل، من بين باسط يديه في دم عثمان أو معين عليه، و قد قام بأمور الناس أبغض الناس إليه علي بن أبي طالب، و لنخوضن إليه حومات الموت ثم لنقدحن لكم من زندة شرره، لا يثبت لها شي‏ء إلا أحرقته، و قد علمتم أني لا أضبط الشام إلا بالطاعة، و لا أقوى على حرب أهل العراق إلا بالصبر، و أنتم عازمون على أن تحرزوا الشام و العراق، لعمري ما للشام كرجال العراق و لا للعراق كصبر أهل الشام!و القوم لا قوم غدا ببصائر أهل الحجاز و رقة أهل اليمن و قسوة أهل البصرة و كيد أهل الكوفة، و إنما يصبر غدا من قرأ هذه الآية:

و اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ [ (1) ].

قال: فوثب أبو الأعور السلمي فقال: يا معاوية!إنك و اللّه ما تستطيع أن تضرب الناس بمثل ما يضربهم علي بن أبي طالب!و لا يرجعون من أمرك إلى ما يرجعون إليه من عليّ، و إنك لتحملنا على أمر لو تركته لحملناك عليه، و نحن على بيعة الخليفة عثمان بن عفان، و أنت وليه و ابن عمه، و عليّ عدوه و خاذله، فنحن معك عليه-و السلام-.

قال: ثم وثب ذو الكلاع الحميري فقال: يا معاوية!إن أمير المؤمنين عثمان بن عفان استعملك فلم توف له، و استنصرك فلم تنصره، و أردت أن تصرف وجوه الناس إليك، فقد بلغت الذي أردت، و اللّه!لو خذلتك العرب قاطبة لكفيتك خذلانها بقومي و عشيرتي-و السلام-.

قال: ثم تكلم حوشب ذو الظليم فقال‏[ (2) ]: يا معاوية!لقد علمت العرب أننا أهل فعال و لسنا بأهل مقال، و أن عظيم فعالنا يأتي على قليل مقالنا، و الأمر لك و لمن شئت من بعدك-و السلام-.

ثم تكلم سعد بن وخاطة الحميري فقال: يا سبحان اللّه!أما من رجل يقدم رضا اللّه عزّ و جلّ على رضا الناس؟ويحكم يا أهل الشام!أما علمتم أن أهل [ (1) ]سورة البقرة الآية 153.

[ (2) ]مقالة حوشب في الإمامة و السياسة 1/123 باختلاف.

533

الحجاز هم الحكام على جميع الناس لمكانهم من الهجرة و الجهاد في سبيل اللّه بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟و إن كان في أيديكم مثل ما في أيديهم فكانوا هم في الأمر و أشركوهم في المشورة، فإن اللّه لا يستحيي من الحق، ثم أنشأ أبياتا يقول مطلعها:

قل لقوم يرون حرب عليّ # احرزوا الشام لا تروموا العراقا

إلى آخرها.

قال: فلما سمع معاوية شعره أمر به، فلبّب و خنق و شتم و سحب، و همّ بقتله، فقاموا و استوهبوه من معاوية، فلحق الفتى بالعراق و صار إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

ذكر ادعاء معاوية استحقاق الخلافة لنفسه‏

قال: ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: يا هؤلاء!أخبروني بما ذا صار علي بن أبي طالب أولى بهذا الأمر مني، و اللّه!إني لكاتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد كانت أختي تحت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و إني لعامل عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان، و أمي هند بنت عتبة بن ربيعة، و أبي أبو سفيان بن حرب، و إن كان قد بايعه أهل الحجاز و أهل العراق فقد بايعني أهل الشام، و إن هؤلاء في الأمر سواء، و من غلب على شي‏ء فهو له.

قال: و انصرف معاوية إلى منزلة، فلما أصبح إذا برقعة موضوعة على بساطه فيها أبيات من الشعر، مطلعها:

معاوي للّه من خلقه # عباد قلوبهم قاسيه

و قلبك من شر تلك القلوب # و ليس المطيعة كالعاصية

إلى آخرها.

قال: فلم يروعه ذلك أن دعا بدواة و بياض و كتب إلى علي رضي اللّه عنه‏[ (1) ]:

أما بعد فلو كنت على ما كان من قبلك لما قاتلتك و لا استحللت، و لكنه إنما أفسد [ (1) ]قارن مع الكامل للمبرد 1/423-424 العقد الفريد 4/333 وقعة صفين ص 56 شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد 1/259 الإمامة و السياسة 1/121-122.

534

عليك بيعتي خطيئتك في عثمان، و إنما كان أهل الحجاز هم الحكام على الناس حين صار الحق فيهم، فلما تركوه صار أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز و غيرهم من الناس، و لعمري ما حجتك عليّ كحجتك على طلحة و الزبير، و لا حجتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة!و لأن طلحة و الزبير قد كانا بايعاك و لم أبايعك، و بايعك‏[ (1) ]أهل البصرة و لم يبايعك أهل الشام، و أما فضلك في الإسلام و قرابتك من الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم و موضعك من بني هاشم فلست أدفعه-و السلام-.

قال: ثم دعا معاوية بشاعر أهل الشام و اسمه كعب بن جعيل الثعلبي، فقال له: قل أبياتا من الشعر و اثبتهم في هذا الكتاب!فأثبت في آخره أبياتا مطلعها[ (2) ]:

أرى الشام تكره أهل‏[ (3) ]العراق # و أهل العراق لهم كارهونا

إلى آخرها.

قال: فلما انتهى الكتاب إلى علي رضي اللّه عنه و قرأه كتب إلى معاوية[ (4) ]:

أما بعد!فإنه أتاني كتاب امرئ ليس له هاد يهديه و لا قائد يرشده‏[ (5) ]، دعاه الهوى فأجابه و قاده الغي فاتبعه، زعمت أنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، و لعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين!أوردت كما أوردوا، و أصدرت كما أصدروا، و ما كان اللّه ليجمعهم على ضلال و لا يضربهم بعمى، و أما ما زعمت أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز، فهات رجلين من قريش الشام يقبل الشورى أو تحل لهما الخلافة، فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون و الأنصار، و إلا فأنا آتيك بهم من قريش الحجاز، و أما ما ميزت بينك و بين طلحة و الزبير و بين أهل البصرة و أهل الشام، فالأمر[ (6) ]في ذلك إليّ واحد، لأن بيعة العامة لا يستثني فيها النظر[ (7) ]و لا يستأنف فيها الخبر[ (7) ]، و أما فضلي في الإسلام و قرابتي من‏

[ (1) ]في الكامل للمبرد: لأن أهل البصرة أطاعوك، و لم يطعك أهل الشام.

[ (2) ]الأبيات في الأخبار الطوال ص 160-و الكامل للمبرد 1/424 و وقعة صفين ص 56-57.

[ (3) ]في المصادر: ملك.

[ (4) ]نسخة الكتاب في الكامل المبرد 1/428 و وقعة صفين 57-58 و العقد الفريد 4/333-334 و الإمامة و السياسة 1/122. باختلاف النصوص و زيادة.

[ (5) ]قوله: يهديه معناه يقوده، و الهادي هو الذي يتقدم و يدل.

[ (6) ]وقعة صفين: ما الأمر فيما هناك إلا واحد. و عند المبرد: إلا سواء.

[ (7) ]عند المبرد: الخيار، و لا يستأنف فيها النظر.

535

الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم و موضعي من بني هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت-و السلام-.

قال: ثم دعا بشاعره‏[ (1) ]فقال: أجب كعب بن جعيل على شعره،

فأثبت في الكتاب أبياتا مطلعها:

عرفنا معاوي ما لم يكونا[ (2) ] # فقد حقق اللّه ما تحذرونا

إلى آخرها.

قال: فلما ورد كتاب علي رضي اللّه عنه على معاوية كتب إليه معاوية[ (3) ]: أما بعد!فاتق اللّه يا عليّ و دع الحسدو لا تفسدن سابقة قدمك في الإسلام بشرّة[ (4) ] حديثك فإن الأعمال بخواتيمها، و لا تلحدنّ بباطل من حق من لا حق له، فإنك إن تفعل ذلك لن تضر إلا نفسك و لا تمحق إلا عملك‏[ (5) ]، و لعمري ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقيقة أن تردعك عما قد اجترأت عليه من سفك الدماء و خلاف أهل الحق عن الحل و الحرام، فاقرأ سورة الفلق و تعوذ باللّه من شر ما خلق و من شر نفسك و الحاسد إذا حسد، أقبل اللّه بقلبك و أخذ ناصيتك و عجل توفيقك فإني أسعد الناس بذلك-و السلام-.

قال: فكتب إليه عليّ: من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!قد أتاني كتابك ليس ببعيد الشبه منك حملك على الوثوب على ما ليس لك بحق، و لولا ما قد علمت من علمي بذلك و بما قد سبق فيك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مما لا مرد له دون إنفاذه إذا لوعظتك، و لكن عظتي لا تنفع من قد حقت عليه كلمة العذاب، و لن يخاف العقاب، و لم يرجع للّه وقارا، و لم يحف له جدارا، فشأنك و ما أنت عليه من الضلالة و الحيرة و الجهالة، تجد اللّه عزّ و جلّ في ذلك بالمرصاد من [ (1) ]في الأخبار الطوال: النجاشي بن الحارث.

[ (2) ]في الأخبار الطوال: دعن معاوي ما لن يكونا، و في وقعة صفين: دعن يا معاوي.

الأبيات في الأخبار الطوال ص 160-161 وقعة صفين 58-59 الكامل للمبرد 1/428 و بعده في المصادر:

أتاكم علي بأهل الحجاز # و أهل العراق فما تصنعونا

[ (3) ]وقعة صفين ص 110.

[ (4) ]وقعة صفين: بشره نخوتك.

[ (5) ]وقعة صفين: و لا تبطل إلا حجتك. ـ

536

دنياك المنقطعة عنك و تمنيك الأباطيل، و قد علمت ما قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم‏فيك و في أمك و أبيك-و السلام-.

قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد!فإن الدين على قلبك و الغطاء على بصرك، و الشرّة من شيمتك، و الغدر من سجيتك، فأبشر بالحرب، و اصبر للضرب، فو اللّه ليرجعن الأمر إلى ما قد علمت و العاقبة للمتقين، فهيهات هيهات يا عليّ!أخطاك التمني و هوى قلبك فيمن هوى، و اضمحلّ عليك علمك، فصار في تباب بعد التمسك بالكتاب، فارتع على طلعك و قيّس فترك بشبرك، و اعرف ذلك من حال من يزن الجبال حلمه و يفصل بين أهل الشك علمه-و السلام-.

قال: فكتب إليه علي رضي اللّه عنه: من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!فإن علم اللّه حال بينك و بين أن يصلح لك، فإنك ابن صخر اللعين، و زعمت أنك يزن الجبال حلمك و يفصل بين أهل الشك علمك، فأنت المنافق القاسي القلب، القليل الفقه في الدين، فإن كنت صادقا فيما تنتظر و تصدر و يعينك عليه الأبتران و اصبر على مبارزتي، و اعف الناس على القتال، لتعلم أينا الشاك الران على قلبه المغطى على بصره، فأنا أبو الحسن حقا!قاتل جدك عتبة و عمك شيبة و خالك الوليد و أخيك حنظلة الذين سفك اللّه دماءهم على يدي في يوم بدر، و ذلك السيف معي، و بذلك القلب ألقى عدوي-و السلام-.

قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد!فقد أبيت في الغي إلا تماديا لابن السوداء عمار بن ياسر و أصحابه، فقد علمت بأنه إنما[لا]يدعوك إلى ذلك إلا مصرعك و حينك الذي لا بد لك منه، فإن كنت غير منته فازدد غيا، فطاش في المطاولة حلمك، و عزب عن الحق فهمك، و أنت راكب لأسوء الأمور، و معضل عن الحق بغير فكرة في الدين و لا رويّة، ثم تكون العاقبة لغيرك-و السلام-.

قال: فكتب إليه عليّ: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!فإنك من كافر ولدت فقربت و أشبهت آباءك و أجدادك و عمك و أخاك و خالك، إذ حملهم الشك و تمني الأباطيل بالجحود على نبي اللّه عليه السلام، فصرعوا مصارعهم حيث قد علمت، لم يمنعوا حريما و لا دفعوا عظيما و أنا صاحبهم في تلك المواطن و الفالّ لحدهم و القاتل لصناديدهم صناديد الضلالة و متابعي الجهالة، و أنت خلفهم فبئس الخلف يتبع السلف في نار جهنم، و اللّه لا يهدي القوم الظالمين.

537

قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد!فقد طال في الغي إدراجك، و عن الحرب إبطاؤك، و عن النفاق تقاعسك، و عن الوقوف جداتك و توعد و عيد البطل المحامي، و تروغ روغان الثعلب المواري، ما أعدك لكتاب و أكلك عن الضراب الذي لا بد لك فيه من لقاء أسباب، صادقة نياتهم، شديدة بصائرهم، يضربون عن الحق من التوى، و يوفون بالعهد من إليهم ضوى، و ما أقرب ما تعرف إن لم يتداركك اللّه منه برحمته، و يخرجك من أثر الغواية التي طال فيها تجبرك، و عن قريب تعرف عاقبة فعلك، و كفى باللّه عليك رقيبا-و السلام-.

قال: فكتب إليه عليّ: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!فالعجب لما تتمنى و ما يبلغني عنك، و ما أعرفني بمنزلتك التي أنت إليها كائن، و ليس إبطائي عنك إلا لوقت أنا به مصدق و أنت به مكذب، و كأني بك و أنت تعج في الحرب عجيج الجمال بأثقالها، و كأني بك و أنت تدعوني بابن آكلة الأكباد جزعا من النفاق المتتابع‏و القضاء الواقع و مصارع بين مصارع إلى كتاب اللّه، و أنتم به كافرون، و لحدوده جاحدون.

قال: فقال له عمرو بن العاص: ويحك يا معاوية!إلى كم تكاتب عليا؟ فو اللّه لو اجتمع عليه كل كاتب بأرض الشام لما قدروا على إجابته!فحسبك من مكاتبته و اعزم على محاربته أو مسالمته.

ذكر خروج معاوية من الشام إلى صفين لحرب علي رضي اللّه عنه‏

قال: فعندها جمع معاوية الناس‏[ (1) ]، فجعل على ميمنته عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و على ميسرته عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و على مقدمته أبا الأعور السلمي، و على ساقته بسر بن‏[أبي‏]أرطاة الفهري، و سار معاوية في أهل الشام بأجمعهم، و بين يديه مروان بن الحكم على فرس أغرّ محجل و قد تقلد بسيف عثمان بن عفان، حتى نزل بأول منزل من دمشق، فضرب عسكره هنالك لكي تتلاحق به الناس و كتب مروان إلى علي رضي اللّه عنه أبياتا من الشعر يقول مطلعها:

نسير إلى أهل العراق و إننا # لنعلم ما في السير من شرف القتل‏

[ (1) ]انظر في تعبئة معاوية الناس الأخبار الطوال ص 167 و الإمامة و السياسة 1/123 وقعة صفين ص 156 و 206-207 و انظر صفحة 213.

538

إلى آخرها.

فلما ورد هذا الشعر على أهل العراق علم عليّ و أصحابه بأن معاوية فصل من دمشق إلى ما قبله، فقال النجاشي بن الحارث: أجب مروان على شعره هذا، فأجابه النجاشي و هو يقول شعرا مطلعها:

نسير إليكم بالقبائل و القنا # و إن كان فيما بيننا شرف القتل‏

إلى آخرها.

قال: و سار معاوية بخيله و رجله‏[ (1) ]حتى نزل في صفين في ثلاثة و ثمانين ألفا[ (2) ]، و ذلك لأيام خلت من المحرم، فسبق إلى سهولة الأرض و سعة المرعى و قرب الفرات فنزل هنالك، ثم إنه بنى بنيانا له، و ضربت القباب و الخيام و الفساطيط، و بنيت المعالف للخيل، و اجتمعت إليه العساكر من أطراف البلاد فصار في عشرين و مائة ألف، ثم إنه كتب إلى علي رضي اللّه عنه بهذه الأرجوزة[ (3) ]:

لا تحسبنّ يا عليّ غافلا # لأوردنّ الكوفة القبائلا

و المشرفيّ و القنا الذوابلا # من عامنا هذا و عاما قابلا

فكتب إليه علي رضي اللّه عنه بهذه الأبيات:

أصبحت مني يا بن هند جاهلا # لأرمينّ منكم الكواهلا[ (4) ]

تسعين ألفا رامحا و نابلا # يزدجرون الأرض و السواهلا

بالحق و الحق يزيح‏[ (5) ]الباطلا # هذا لك العام و زرني‏[ (6) ]قابلا

[ (1) ]في ابن الأثير 2/361 و سار معاوية و تأنى في مسيره، فلما رأى ذلك الوليد بن عقبة بعث إليه يقول (أبيات مطلعها) :

ألا أبلغ معاوية بن حرب # فإنك من أخي ثقة مليم‏

فكتب إليه معاوية:

و مستعجب مما يرى من أناتنا # و لو زبنته الحرب لم يترمرم‏

[ (2) ]في مروج الذهب 2/416: 85 ألفا، و في العقد الفريد 4/337 في بضع و ثمانين ألفا.

[ (3) ]الأرجاز في وقعة صفين و نسبها لعمرو بن العاص. ص 136.

[ (4) ]في وقعة صفين ص 137:

إن لم نرام منكم الكواهلا.

[ (5) ]وقعة صفين: يزيل.

[ (6) ]وقعة صفين: و عام قابلا.

539

و كتب علي رضي اللّه عنه إلى عمرو بن العاص:

لأصبحنّ العاص و ابن العاصي # تسعين‏[ (1) ]ألفا عاقدي النواصي

مستحقبين حلق الدلاصي # قد جنّبوا الخيل مع القلاص‏[ (2) ]

آساد غيل حين لا مناص‏

فكتب عمرو بن العاص إلي علي رضي اللّه عنه أبياتا مطلعها:

أ لست بالعاصي و شيخ العاصي # من معشر في غالب مصّاص‏

إلى آخرها.

قال: ثم كتب إليه قيس بن سعد بن عبادة أبياتا مطلعها:

معاوي قد كنت رخو الخناق # فألحقت حربا يضيق الخناقا

إلى آخرها.

قال: فنادى عليّ في الناس فجمعهم، ثم خطبهم خطبة بليغة و قال: أيها الناس!إن معاوية بن أبي سفيان قد و ادع ملك الروم، و سار إلى صفين في أهل الشام عازما على حربكم، فإن غلبتموهم استعانوا عليكم بالروم، و إن غلبوكم فلا حجاز و لا عراق، و قد زعم معاوية لأهل الشام أنهم أصبر منكم على الحرب، و هذا كلام يستحيل عن الحق، لأنكم المهاجرون و الأنصار و التابعون، و القوم أهل شبهة و باطل، و إنما سميت شبهة لأنها تشبه الحق و لا يخلو أن يكون فيها رشح من الهدى، فخذوا في أهبة الحرب فقد تقارب إهراق دماء القاسطين، ألا!و إن المشورة فيها البركة، فهاتوا رحمكم اللّه ما عندكم.

قال: فقام إليه عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين!إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل، و اشخص‏[ (3) ]بنا إلى عدونا من قبل اجتماع عدونا على الصدور و الفرقة، فإذا وافيت القوم فادعهم إلى حظهم و رشدهم، فإن قبلوا سعدوا، و إن أبوا إلا حربنا فو اللّه!إن سفك دمائهم، و الجد في جهادهم لقربة إلى اللّه عزّ و جلّ و كرامة منه.

[ (1) ]ابن الأثير 2/361 و وقعة صفين 136: سبعين.

[ (2) ]كان العرب إذا أرادوا حربا فساروا إليها ركبوا الإبل و قرنوا إليها الخيل لإراحة الخيل و صيانتها.

[ (3) ]وقعة صفين ص 92: اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة، و اجتماع رأيهم على الصدود و الفرقة.

540

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا أمير المؤمنين!اكمش‏[ (1) ]بنا إلى حرب عدونا و لا تعرج، فو اللّه!إن جهادهم لأحب إلينا من جهاد الروم و الترك و الديلم، لادّهانهم‏[ (2) ]في دين اللّه و استذلالهم لأولياء اللّه، إذا غضبوا على رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حبسوه أو ضربوه‏أو حرموه أو سيّروه‏[ (3) ]، و فيئنا لهم في أنفسهم حلال و نحن لهم كمين‏[ (4) ].

قال: فتكلمت الأشياخ من الأنصار[ (5) ]و قالوا: يا قيس!لم بدأت أشياخ قومك بالكلام؟قال: فاستحيا قيس ثم قال: و اللّه!إني لعارف بفضلكم معظم لأنسابكم، و إنكم لساداتي و عمومتي و لكني قد وجدت، الذي في صدري قد جاش، فلم أجد بدا من الكلام. قال: فأمسك عنه القوم و قام سهل بن حنيف الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين!نحن سلم لمن سالمت و حرب لمن حاربت، و رأينا رأيك، متى دعوتنا أجبناك و متى أمرتنا أطعناك، و ليس عليك منّا خلاف- و السلام-.

قال: فوثب حنظلة بن الربيع التميمي‏[ (6) ]فقال: يا أمير المؤمنين!إننا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منها و لا تردها علينا، فإننا قد نظرنا لك و لمن معك من المسلمين، الرأي عندنا أنك تقيم و لا تعجل بالمسير إلى قتال أهل الشام، فإني و اللّه لا أدري على من تكون الدائرة.

قال: فتكلم عبد اللّه بن المعتمر[ (7) ]فقال: إن اللّه تبارك و تعالى رب‏[ (8) ]العباد و البلاد يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء، و يعز من يشاء و يذل من يشاء، فأما الدائرة[ (9) ]فإنها على الظالمين العاصين القاسطين ظفروا أو لم يظفروا.

[ (1) ]الانكماش: الإسراع و الجد.

[ (2) ]الادهان: الغش و المصانعة. قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ .

[ (3) ]إشارة إلى تسيير عثمان بعض الصحابة من المدينة أمثال أبي ذر الغفاري و غيره. و قد مرّ ذلك.

[ (4) ]وقعة صفين: قطين. إشارة إلى قول سعيد بن العاص لأهل الكوفة إن سواد قطين لقريش، و قد مرّ ذلك.

[ (5) ]منهم خزيمة بن ثابت، و أبو أيوب الأنصاري.

[ (6) ]عن الاصابة و وقعة صفين، و بالأصل: ربيعة التيمي.

[ (7) ]كذا بالأصل، و في الاصابة و وقعة صفين: ابن المعتم.

[ (8) ]وقعة صفين ص 96: وارث.

[ (9) ]وقعة صفين: الدبرة.

541

قال: فوثب عباس بن شريك العبسي فقال: يا أمير المؤمنين!إنه قد بلغنا أن صاحبنا هذا عبد اللّه بن المعتمر ممن يكاتب معاوية، فاحبسه عندك إلى أن تفرغ من غزاتك و إلا فأمكننا منه حتى نقتله.

قال: ثم وثب مالك‏[ (1) ]فقال: يا أمير المؤمنين!إن حنظلة بن الربيع‏[ (2) ]أيضا ممن يكاتب معاوية، فادفعه إلينا و إلا فاحبسه إلى أن تفرغ من أمرك.

قال: فقال علي رضي اللّه عنه: يا حنظلة و يا ابن المعتمر!إني قد سمعت كلامكما و اللّه بيني و بينكما و إليه أكلكما، فاذهبا حيث شئتما

!قال: فهربا جميعا، فأما عبد اللّه بن المعتمر فصار إلى معاوية، و أما حنظلة فاعتزل الفريقين جميعا[ (3) ].

قال: ثم وثب عدي بن حاتم‏[ (4) ]الطائي فقال: يا أمير المؤمنين!إنك ما قلت إلا بعلم و لا دعوت إلا إلى الحق و لا أمرت إلا بالرشد، و لكن آن أن تتأنى بالقوم و لا تعجل بالمسير إليهم، و تبعث إليهم بكتبك و تقدم عليهم رسلك، فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم، و العاقبة أوسع لنا و لهم، و إن ساروا[ (5) ]في الشقاق و لم ينزعوا عن الغيّ فسر و قد قدمنا إليهم العذر[ (6) ].

قال: فوثب زيد بن صوحان‏[ (7) ]العبدي فقال: و اللّه!لئن كنا في شك من خلاف من خالفنا فإنه لا يصلح لنا البتة قتالهم، و كيف نتأنى بالقاسية قلوبهم، القليل في الإسلام حقهم، أعوان الظلم و مؤسّسي أساس الحقد و الظلم و العدوان، و ليسوا من المهاجرين و الأنصار و لا من التابعين بإحسان. قال: فقام رجل من بني طي‏ء فقال: يا زيد بن صوحان‏[ (7) ]!أ تهجر[ (8) ]كلام سيدنا عدي بن حاتم و تعترض عليه؟ [ (1) ]هو مالك بن حبيب اليربوعي.

[ (2) ]بالأصل: ربيعة و قد مرّ.

[ (3) ]في وقعة صفين: هرب إلى معاوية. قال: و لكنهما لم يقاتلا مع معاوية و اعتزلا الفريقين جميعا.

[ (4) ]بالأصل: «حازم» خطأ.

[ (5) ]وقعة صفين ص 99: يتمادوا.

[ (6) ]زيد في وقعة صفين: و دعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق، فو اللّه لهم من اللّه أبعد، و على اللّه أهون، من قوم قاتلناهم بناحية البصرة أمس، لما أجهد لهم الحق فتركوه...

[ (7) ]وقعة صفين ص 99: زيد بن حصين الطائي. و المعروف أن زيد بن صوحان قتل مع علي في معركة الجمل (تاريخ خليفة ص 190) .

[ (8) ]وقعة صفين: تهجن.

542

فقال زيد: ما أنتم بأعرف بحق عدي بن حاتم مني، و لكن لا أدع القول بالنصيحة و الحق و إن سخط الناس. فقال عدي بن حاتم: يا زيد!الناس في الحق سواء، و من نصح فقد قضى ما عليه.

قال: ثم وثب أبو زينب بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين!و اللّه لئن كنا على الخلاف لأنت أهدانا سبيلا و لأعظمنا في الخير نصيبا، و لئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرا و أعظمنا وزرا، و قد أمرتنا بالمسير إلى أهل الشام‏[ (1) ]، و قد قطعنا ما بيننا و بينهم من الولاية، و أظهرنا لهم فيك العداوة، و نريد بذلك ليعلم اللّه ما في أنفسنا، فليس‏[ (2) ]الذي نحن عليه هو الحق المبين، و الذي عليه عدونا هو الغي و الضلال الكبير.

فقال علي: قل لي يا أبا زينب!أشهد أنك مضيت معنا ناصرا لدعوتنا صحيح النية في نصرتنا، و إنك إن قطعت لهم الولاية و أظهرت لهم العداوة فما زعمت أنك ولي اللّه تسبح في رضوانه و تركض في طاعته، فأبشر يا أبا زينب!

قال: و التفت إليه عمار بن ياسر فقال: يا أبا زينب!اثبت و لا تشكك في الأحزاب، فإنهم حزب اللّه و حزب الرسول.

قال: ثم و ثب يزيد بن قيس الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين!إننا على جهاز و عدة، و أكثر الناس أهل قوة و نجدة و من ليس به ضعف و لا علة، فمر مناديك فليناد في الناس أن يخرجوا إلى معسكرهم بالنّخيلة[ (3) ]، فإن أخا الحرب ليس بالسؤم و لا بالنؤم، و لا يؤخر عمل اليوم في الحرب إلى غد و بعد غد، و لكن‏[ (4) ]توكل على اللّه عزّ و جلّ وثق به و اشخص بنا إلى عدونا راشدا معانا، فإن يرد اللّه بهم خيرا تبعوك، فو اللّه ما يجدون مثلك في السابقة و القرابة من محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و إن أبوا إلا حربنا استعنا باللّه عليهم، و نرجو أن يصرعوا مصارع إخوانهم بالأمس.

قال: ثم وثب عبد اللّه بن بديل‏[ (5) ]بن ورقاء الخزاعي فقال: يا أمير المؤمنين! إن أهل الشام لو كانوا للّه عزّ و جلّ يقاتلون و إياه يريدون لما خالفونا، و لكنهم إنما يقاتلوننا على دنياهم التي في أيديهم و على إحن و اتّراث و عداوة يجدونها في [ (1) ]وقعة صفين ص 100: إلى هذا العدو.

[ (2) ]وقعة صفين: أليس.

[ (3) ]النخيلة: موضع قرب الكوفة. و بالأصل: «النخلة» و الصواب ما أثبتناه عن معجم البلدان و الطبري.

[ (4) ]هذا كلام زياد بن النظر كما في وقعة صفين ص 101.

[ (5) ]عن وقعة صفين، و بالأصل: «يزيد» خطأ.

543

صدورهم و يضمرونها في أنفسهم. ثم قال: أيها الناس!و كيف يبايع معاوية عليا و قد قتل أخاه و خاله و جده و عم أمه في يوم بدر، و اللّه!ما أظن أنهم يبايعون عليا أبدا و تقطع هاماتهم بالسيوف و تكسى حواجبهم بعمد الحديد.

قال: فعندها خرج حجر بن عدي و عمرو بن الحمق الخزاعي، فجعلا يظهران البراءة من أهل الشام و اللعنة لهم، فأرسل إليهما علي أن «كفا عما يبلغني عنكما» فأقبلا إلى علي و قالا: يا أمير المؤمنين!ألسنا على الحق؟قال: بلى! قالا: فلم تمنعنا عن شتمهم و لعنهم؟فقال: لأني أكره لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين، و لكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم كذا لكان ذلك أصوب في القول و أبلغ في الرأي، و لو قلتم: اللهم!احقن دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم‏[ (1) ]، لكان ذلك أحب إليّ لكم. فقالا: يا أمير المؤمنين!فإننا نقبل عظتك و نتأدب بأدبك.

قال: ثم أقبل عليه عمرو بن الحمق فقال: يا أمير المؤمنين!و اللّه ما أحببتك و بايعتك على قرابة بيني و بينك، و لا لأن عندك ما لا تعطينه و لا التماس سلطان يرفع ذكري!و لكني أحببتك بخصال خمس: لقدمك و سابقتك و قرابتك و شجاعتك و علمك‏[ (2) ]، فلو أني كلفت ثقل الجبال الرواسي و نزوح البحار الطوامي في أمر أقويّ به وليّك و أوهن به عدوك لما رأيت أني أدّيت فيه بعض الذي يجب عليّ من حقك.

فقال علي رضي اللّه عنه: اللهم!نور قلبه بالتقى و اهده إلى صراطك المستقيم، يا عمرو!لوددت أن في جندي مائة رجل مثلك‏

!فقال حجر بن عدي: إذا و اللّه يا أمير المؤمنين ما فينا إلا من هو ناصح لجندك‏و من يريد أن يقتل بين يديك.

قال: ثم كتب عليّ إلى عمّاله يأمرهم بالمسير إليه، و أعلمهم أنه يريد أن يسير إلى الشام لمحاربة أهلها، فأقبل إليه عبد اللّه بن عباس من البصرة، و مخنف بن سليم من أصفهان، و سعيد بن وهب من همدان، فاجتمع إليه عماله من جميع البلاد التي كانت في يده، و آخر من قدم عليه من عماله الربيع بن خيثم، قدم من الري في [ (1) ]زيد في وقعة صفين ص 103 حتى يعرف الحق منهم من جهله، و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به.

[ (2) ]في وقعة صفين 103: لخصال خمس: أنك ابن عم رسول اللّه (ص) . و أول من آمن به. و زوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد (ص) ، و أبو الذرية التي بقيت فينا من رسول اللّه (ص) ، و أعظم رجل من المهاجرين سهما في الجهاد.

544

أربعمائة رجل أن يزيدون.

قال: ثم خطب علي رضي اللّه عنه الناس و ندبهم إلى المسير إلى الشام، فقوم أسرعوا و أجابوا، و قوم كرهوا الخروج إلى الشام.

و دعا علي رضي اللّه عنه جماعة من باهلة فقال: يا معشر باهلة!إني قد علمت أنكم تبغضوني و أنا أبغضكم، فخذوا عطاءكم و اخرجوا إلى الديلم و إلى حيث شئتم، قال: فوثب الأحنف بن قيس فقال: و لكنا و اللّه يا أمير المؤمنين نحبك و نبرأ من عدوك!و لنخرجن معك على العسر، و اليسر، نحتسب في ذلك الخير و نؤمل به العظيم من الأجر.

قال: فعندها أمر علي رضي اللّه عنه الحارث الأعور أن ينادي في الناس أن «أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة» ،

و أمر مالك بن حبيب اليربوعي أن يحشر الناس إلى المعسكر، ثم دعا بأبي مسعود عقبة بن عمرو[ (1) ]فاستخلفه على الكوفة، و نادى في الناس بالرحيل، فرحلت الناس‏[ (2) ]و هم يومئذ تسعون ألفا و ثمانمائة رجل‏[ (3) ]ممن بايع النبي صلّى اللّه عليه و سلّم تحت الشجرة، قال سعيد بن جبير: كان مع علي رضي اللّه عنه يومئذ ثمانمائة رجل من الأنصار و تسعمائة ممن بايع تحت الشجرة، قال الحكم بن عتيبة:

شهد مع علي يومئذ ثمانون بدريا و خمسون و مائتان ممن بايع تحت الشجرة، قال سليمان بن مهران‏[ (4) ]الأعمش: كان مع علي يومئذ ثمانون بدريا و ثمانمائة من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. قال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان مع علي سيد التابعين أويس القرني، و قتل بصفين بين يدي علي رضي اللّه عنه.

خبر أويس القرني رحمه اللّه‏

قال: و سأل رجل عبد اللّه بن عباس عن أويس القرني‏[ (5) ]فقال ابن عباس:

[ (1) ]في مروج الذهب 2/415 «عقبة بن عامر» ، و هو من السبعين الذين بايعوا رسول اللّه (ص) ليلة العقبة.

[ (2) ]و كان ذلك يوم الأربعاء لخمس خلون من شوال سنة 36 (مروج الذهب 2/415 وقعة صفين ص 131) .

[ (3) ]كذا بالأصل و مروج الذهب، و في العقد الفريد 4/337: 95 ألفا.

[ (4) ]عن تهذيب التهذيب، و بالأصل: «مراز» .

[ (5) ]هو أويس بن عامر القرني، سيد التابعين، روى له مسلم، و القرني بفتح القاف و الراء نسبة إلى قرن، ـ

545

ويحك!أويس القرني له شأن عظيم، و هو سيد التابعين!و ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كان يقول لأصحابه: «يكون في أمتي رجل يقال له أويس القرني، يدخل في شفاعته عدد ربيعة و مضر، لو أقسم على اللّه لأبر قسمه، فمن لقيه من بعدي فليقرئه مني السلام» قال فقال له علي: يا رسول اللّه!و فينا من يلقاه؟فقال: «نعم يا علي أنت تلقاه، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام و اسأله أن يدعو لك بالخير» !فقال علي: يا رسول اللّه!و ما علامته؟فقال: «هو رجل أصهب أشهل، ذو طمرين أبيضين، إذا غاب لم يفتقد، و إذا طلع لم يفرح بطلعته، و إذا سلم لم يرد عليه» .

قال ابن عباس: فلم يزل بعد ذلك يحب أن نرى من يخبرنا عنه حتى كان زمن عمر بن الخطاب، فقدم عليه أهل الكوفةفقال لهم عمر: يا أهل الكوفة!هل تعرفون عندكم رجلا من اليمن يقال له أويس القرني؟فقال رجل: نعم يا أمير المؤمنين!عندنا رجل من قرن يقال له أويس، غير أنه نسخر منه و أهل الكوفة يهزؤون به، قال: فتنفس عمر صعداء و قال: ويحك!إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أخبرنا أنه يقدم إلى الكوفة رجل من اليمن يقال له أويس القرني، و ليس له بها إلا أم، و قد كان به بياض من برص، فدعا اللّه أن يذهبه عنه، فأذهبه إلا مثل مقدار الدينار و الدرهم، لو أقسم على اللّه عزّ و جلّ لأبر قسمه‏[ (1) ]، يدخل في شفاعته يوم القيامة عدد ربيعة و مضر، قال: فشهق شهقة ثم قال: وا شوقاه إلى النظر إليه.

قال: فسكت الكوفيون و أخفوا ذلك في أنفسهم حتى رجعوا إلى الكوفة ثم نظروا إلى أويس القرني بغير العين التي كانوا ينظرون إليه بها، ثم إنهم كانوا يذهبون إليه و يسألونه أن يستغفر لهم، فقال لهم أويس: يا أهل الكوفة!إنكم قد كنتم فيما مضى تسخرون مني و تهزءون بي فما الذي بدا لكم حتى أنكم تسألوني الاستغفار لكم؟فقالوا له: إن عمر بن الخطاب أخبرنا عنك بكذا و كذا، قال: و استغفر أويس لبعضهم، ثم إنه غاب فلم ير بالكوفة بعد ذلك.

قال: و جعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يسأل عنه الرفاق عشر سنين فلم يسمع له خبرا، فلم يزل كذلك حتى كان آخر حجة حجها عمر، فسأل عنه كما كان [ (-) ]و هم من بطون جعفي بن سعد العشيرة (تقريب التهذيب-الاشتقاق لابن دريد ص 245 حلية الأولياء 2/79 طبقات ابن سعد 6/161 تهذيب تاريخ دمشق 3/157 تهذيب التهذيب 1/386) .

[ (1) ]أخرجه مسلم في 44 فضائل الصحابة (55 باب) (ح 223) ص 1968.

546

يسأل‏[ (1) ]، فإذا برجل من قرن قد وثب إليه فقال له: يا أمير المؤمنين!إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، و ما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي و أنا عمه، غير أنه أخمل ذكرا و أوهن‏[ (2) ]أمرا من أن يرفع إليك ذكره، قال: فسكت عمر و ظن أنه ليس أويسا الذي يريد، ثم أقبل و قال: يا شيخ!و أين ابن أخيك هذا الذي تزعم، أهو معنا بالحرم؟فقال الشيخ نعم يا أمير المؤمنين!هو معنا بالحرم، غير أنه في أراك عرفة يرعى إبلا لنا.

قال: فاستوى عمر بن الخطاب جالسا هو و علي بن أبي طالب على حمارين لهما، و خرجا من مكة و أسرعا السير إلى عرفة و جعلا يتخللان الشجر، فإذا هما بأويس القرني في طمرين من صوف أبيض و قد صف قدميه قائما يصلي و قد رمى ببصره إلى موقع سجوده و ألقى يده على صدره، فقال عمر لعلي: يا أبا الحسن!إن كان في الدنيا أويس القرني فهذا هو و هذه صفته، قال: ثم نزلا عن حماريهما فشداهما إلى أراكة، قال ثم أقبلا إليه يريدانه، فلما سمع أويس أوجز صلاته ثم تشهّد و سلّم، و تقدما إليه فقالا: السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، فقال أويس:

و عليكم السلام و رحمة اللّه و بركاته، فقال له عمر: من أنت يرحمك اللّه؟فقال:

راعي إبل، فقال عمر: ليس عن الرعاية أسألك، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك اللّه؟فقال: أنا عبد اللّه و ابن عبده و ابن أمته، فقال عمر: إننا قد علمنا أن كل من في السماوات و الأرض عبيد اللّه، و إننا نقسم عليك بحق الحرم و المسجد المعظم إلا أخبرتنا باسمك الذي سمتك به أمك!فقال: أنا أويس بن عبد اللّه، فقال عمر: اللّه أكبر!نحب أن توضح لنا عن شقك الأيسر، فقال: و ما حاجتكما إلى ذلك؟فقال له علي: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم وصفك لنا و قد وجدنا الصفة كما أخبرنا[ (3) ]، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر بياضا كمقدار الدينار و الدرهم، و نحن نحب أن ننظر إلى ذلك، قال: فأوضح لهما عن شقه الأيسر، فلما نظر علي و عمر إلى اللمعة البيضاء ابتدراها أيهما يقبل قبل صاحبه، ثم بكيا طويلا و قالا: يا أويس! إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أمرنا أن نقرئك منه السلام، و أمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن [ (1) ]في حلية الأولياء 2/82 قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أ فيكم أويس من مراد؟

[ (2) ]حلية الأولياء: و أقل مالا، و أهون أمرا.

[ (3) ]و هي الصهوبة و الشهولة (حلية الأولياء) .

547

رأيت أن تستغفر لنا يرحمك اللّه فقد أخبرنا أنك سيد التابعين، و أنك تشفع يوم القيامة في عدد ربيعة و مضر، قال: فبكى أويس بكاء شديدا ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيري، فقال علي رضي اللّه عنه: إننا قد تيقنا أنك أنت هو و نحن لا نشك في ذلك، فادع لنا يرحمك اللّه بدعوة و أنت محسن، فقال أويس: إني لا أدعو لرجل و لا لرجلين و لا ثلاث، و إنما دعائي في البر و البحر للمؤمنين و المؤمنات في ظلم الليل و ضياء النهار، و لكن من أنتما يرحمكما اللّه؟فإني قد أخبرتكما باسمي و شهرت لكما أمري، و لم أكن أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس، فقال علي:

أنا علي بن أبي طالب و هذا عمر بن الخطاب، قال: فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما و سلم عليهما و رحب بهما فقال: يا أبا الحسن!و مثلي يستغفر لأمثالكما! فقال علي: نعم، إننا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصنا رحمك اللّه منك بدعوة حتى نؤمن على دعائك!قال: فرفع أويس رأسه و قال: اللهم!إن هذين يذكران أنهما يحباني فيك و قد زاراني من أجلك، فاغفر لهما و أدخلهما في شفاعة نبيك محمد صلّى اللّه عليه و سلّم. فقال له عمر: الميعاد بيني و بينك غدا في هذا الموضع، فقال أويس:

و ما تريد؟فقال عمر: أحببت أن آتيك بكسوة و شي‏ء من نفقة، فإني أراك رث الحال، فقال أويس: سبحان اللّه!ألا ترى عليّ طمرين جديدين جبة و كساء و نعلاي قد خصفتهما و معي أربعة دراهم قد أخذتها من أجرتي و لي عند القوم حساب؟فمتى آكل هذا؟يا أبا الحسن و يا أبا حفص إن الدنيا غدارة، غرارة، زائلة، فانية، فمن أمسى و همه فيها اليوم مد عنقه إلى غد، و من مد عنقه إلى غد علق قلبه بالجمعة، و من علق قلبه بالجمعة لم ييئس من الشهر، و يوشك أن يطلب السنة، و أجله أقرب إليه من أمله، و من رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار، و جرت من تحت منازله الأنهار، و تدلت من فوقه الثمار، قال: ثم سلم عليهما و مضى يسوق الإبل بين يديه و علي و عمر ينظران إليه حتى غاب فلم ير.

قال: و جعل بعد ذلك عمر يسأل عنه، فلم يخبره أحد أنه رآه إلا أن يكون الربيع بن خيثم، فإنه قال: أتيت موضعه فأصبته على شاطئ الفرات قائما يصلي فقلت في نفسي ينصرف من صلاته و أقوم إليه فأكلمه، فلما صلى بسط كفيه إلى اللّه فلم يقبضهما إلى وقت العصر، ثم قام فصلى و بسط يديه فلم يقبضهما إلى وقت العشاء الأولى، ثم قام فصلى و بسط يديه فلم يقبضهما إلى وقت العشاء الآخرة، ثم قام فصلى و وصلها، فلم يزل راكعا و ساجدا حتى أصبح، فأذن و أقام و صلى‏

548

الصبح، ثم بسط يديه إلى اللّه عزّ و جلّ فلم يقبضهما إلى أن طلعت الشمس، ثم خفق برأسه خفقة و وثب إلى الماء، فتطهر و عزم على الصلاة، قال الربيع: فدنوت منه و قلت له: رحمك اللّه!لقد أتبعت نفسك، فقال: لأني أريد راحتها غدا، فقلت له: يا أخي!من أين لك المطعم؟فقال: إن ربي عزّ و جلّ قد تكفل لي بذلك، و إنك مني على بال، يا ربيع!فلا تعد إلى مثل هذا الكلام.

قال: ثم مر أويس فلم يره بعد ذلك إلا هرم بن حيان العبدي، فإنه قال:

كنت أسأل عن أويس القرني مدة من عمري، فلم يعطني أحد خبره، حتى دخلت إلى الكوفة فسألت عنه، فقيل لي: إن أكثر مأواه على شاطئ الفرات، فإذا أنا به يغسل ثوبه، قال: فعرفته بالصفة و النعت الذي نعت لي، فدنوت منه و سلمت عليه، فرد عليّ السلام، قال: و خنقتني العبرة لما رأيت من سوء حاله، فقلت:

حياك اللّه يا أويس!فقال: و أنت فحياك اللّه يا هرم بن حيان!و لكن من دلّك على موضعي هذا؟قال: فقلت‏[ (1) ]: دلني عليك من عرفني اسمك، فقال أويس:

سُبْحََانَ رَبِّنََا إِنْ كََانَ وَعْدُ رَبِّنََا لَمَفْعُولاً . قال هرم: فقلت له: رحمك اللّه!من أين عرفت اسمي و اسم أبي و لم أرك و لم ترني قبل اليوم؟قال أويس: إذا أخبرك يا هرم!عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، و إن المؤمنين يتعارفون بنور اللّه عزّ و جلّ فإن لم يلتقوا و إن نأت بهم الدار. قال هرم فقلت: رحمك اللّه!حدثني حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أحفظه عنك!فقال أويس: إني لم أر[ (2) ]رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأحدث عنه و لم تكن لي معه صحبة، و لكن قد رأيت من رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد انتهى إليّ من حديثه كبعض ما انتهى إليكم، و لست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي لأحد فأكون محدثا، ولي في نفسي شغل عن ذلك يا ابن حيان، قال: فقلت له اتل عليّ شيئا من كتاب اللّه تعالى أسمعه منك، و ادع لي بدعوة، و أوصني بوصية!فقال أويس: نعم، قال ربي و هو أفضل كل قائل و صدق و قوله أصدق الحديث: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ*`مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ*`إِنَّ يَوْمَ اَلْفَصْلِ مِيقََاتُهُمْ أَجْمَعِينَ*`يَوْمَ لاََ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ*`إِلاََّ مَنْ رَحِمَ اَللََّهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ* [ (3) ]قال: ثم [ (1) ]حلية الأولياء 2/84 قلت اللّه عزّ و جلّ.

[ (2) ]حلية الأولياء: لم أدرك.

[ (3) ]سورة الدخان الآيات 38-42.

549

شهق شهقة كادت روحه أن تخرج، ثم أقبل عليّ فقال: يا هرم!مات محمد المصطفى صلّى اللّه عليه و سلّم فمن يطمع في البقاء؟يا هرم!مات فلان و مات فلان و نحن في ديوان الموتى، يا هرم!فعليك بذكر الموت، و إياك أن تفارق سنة اللّه عزّ و جلّ و سنة رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم فتفارق دينك و أنت لا تشعر فتدخل النار!قال: ثم رفع أويس طرفه نحو السماء فقال: اللهم!إن هذا يزعم أنه يحبني فيك و قد زارني من أجلك، فاجمعني و إياه غدا في دارك دار السلام، و أرضه، من هذه الدنيا باليسير، و اجعله لأنعمك من الشاكرين. ثم قال: أستودعك اللّه يا هرم و أقرأ عليك السلام، انظر!لا تطلبني بعد هذا اليوم و لا تسأل عني، و لكن اذكرني بقلبك و ادع لي، فإني أذكرك بقلبي و أدعو لك إن شاء اللّه تعالى، خذ أنت ههنا و آخذ أنا ههنا.

قال هرم: فطلبت أن يدعني أن أمشي معه ساعة فأبى، ففارقته و أنا أبكي، و جعلت أنظر في قفاه حتى دخل بعض‏[ (1) ]أزقة الكوفة. قال: ثم إني طلبته بعد ذلك و سألته عن ذلك فما أعطاني أحد خبره، قال هرم: و لا أعلم أنه أتت عليّ جمعة إلا و أنا أراه في منامي مرة أو مرتين، حتى إذا تحرك علي رضي اللّه عنه بالكوفة و عزم على المسير إلى معاوية أقبل إليه أويس القرني، فسلم عليه و خرج معه‏[إلى‏] صفين، فقتل هنالك في رجالة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

[ (1) ]حلية الأولياء: ثم دخل في بعض السكك.

550

ذكر خروج علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي اللّه عنه إلى صفين لمحاربة معاوية

قال: ثم خطب علي رضي اللّه عنه و حثهم على جهاد أهل الشام و المسير إليهم و جعل يقول: سيروا إلى قتال أهل الشام العماة الطغاة!سيروا إلى أولياء الشيطان و أعداء السنة و القرآن!سيروا إلى الكذبة الفجار و قتلة المهاجرين و الأنصار!سيروا! فقد أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين، فو اللّه لقد قرأت ما بين دفتي المصحف، فقلّبت هذا الأمر ظهرا لبطن فما وجدت إلا قتالهم و الصدق بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و جعل عمار بن ياسر يرتجز و يقول:

سيروا إلى الأحزاب أعداء النبيّ # سيروا فخير الناس أتباع عليّ‏[ (1) ]

قال: ثم دعا علي رضي اللّه عنه بفرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فجاء بالفرس، فلما أراد أن يضع رجله في الركاب قال: بسم اللّه!فلما استوى على ظهر الفرس قال:

سُبْحََانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنََا هََذََا وَ مََا كُنََّا لَهُ مُقْرِنِينَ*`وَ إِنََّا إِلى‏ََ رَبِّنََا لَمُنْقَلِبُونَ* [ (2) ]ثم قال: اللهم!إني أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب في المال و الأهل و الولد، اللهم!أنت الصاحب في السفر، و الخليفة في الأهل و الحضر[ (3) ].

[ (1) ]بعده في وقعة صفين ص 101:

هذا أوان طاب سل المشرفي # و قودنا الخيل و هز السمهري‏

[ (2) ]سورة الزخرف الآيتان 13، 14.

[ (3) ]زيد في وقعة صفين ص 132: و لا يجمعهما غيرك، لأن المستخلف لا يكون مستصحبا، و المستصحب لا يكون مستخلفا.

551

ثم سافر و سار الناس معه حتى إذا عبر جسر الكوفة نزل فصلى ركعتين في مسجد أبي سبرة.

ثم سار حتى صار إلى دبر أبي موسى على فرسخين من الكوفة فصلى هناك الظهر، فلما انفتل قال: سبحان من‏ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهََارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهََارَ فِي اَللَّيْلِ !ثم أمر مناديه فنادى في الناس: ألا!من كان مشيعا لنا أو مقيما فليتم الصلاة فإنا على سفر، و من كان سائرا معنا إلى عدونا فلا يصومنّ إلا الفرض، و الصلاة ركعتان.

فسار حتى إذا صار إلى حمام عمر نزل فصلى هنالك العصر، فلما انفتل من صلاته قال: سبحان اللّه ذي القدرة و القدم!سبحان ذي الطول و النعم!ثم نزل هنالك بعسكره، حتى إذا حانت المغرب قام فصلاها، فلما انفتل من صلاته: قال سبحانه ذي الملك و الملكوت!سبحان ذي العز و الجبروت، فلما صلى العشاء الآخرة انفتل من صلاته ثم قال: الحمد للّه كلما أظلم الليل و غسق، و الحمد للّه كلما لاح نجم و خفق.

قال: و بات تلك الليلة هنالك، فلما أصبح سار و سار الناس معه، فإذا هو بنخل من وراء النهر[ (1) ]، فجعل يقول: وَ اَلنَّخْلَ بََاسِقََاتٍ لَهََا طَلْعٌ نَضِيدٌ* [ (2) ]، ثم أقحم فرسه النهر فعبر إلى تلك الناحية، و سار حتى صار إلى أرض بابل حرك فرسه ثم قال: هذا موضع حتف، فسيروا لعلّنا أن نصلي خارجا منه، ثم حرك و حرك الناس معه حتى جاز الصراة[ (3) ]، ثم نزل فصلى هنا لك الظهر[ (4) ].

ثم سار حتى نزل بدير كعب فأقام هنا لك باقي يومه و ليلته. و أصبح سائرا حتى نزل بكربلاء، ثم نظر إلى شاطئ الفرات و أبصر هنالك نخيلا فقال: يا ابن عباس أتعرف هذا الموضع؟فقال: لا يا أمير المؤمنين ما أعرفه، فقال: أما!إنك لو [ (1) ]يريد نهر نرس، و هو نهر حفره نرسي بن بهرام بنواحي الكوفة.

[ (2) ]سورة ق الآية 10.

[ (3) ]الصراة: نهر يأخذ من نهر عيسى من بلدة يقال لها المحول بينها و بين بغداد فرسخ، و هو من أنهار الفرات.

[ (4) ]وقعة صفين: فصلى بالناس العصر.

552

عرفته كمعرفتي لم تكن تجاوزه حتى تبكي لبكائي، قال: ثم بكى علي رضي اللّه عنه بكاء شديدا، حتى اخضلّت لحيته بدموعه و سالت الدموع على صدره، ثم جعل يقول: اواه!ما لي و لآل أبي سفيان!ثم التفت إلى الحسين رضي اللّه عنه فقال:

اصبر أبا عبد اللّه!فلقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى من بعدي.

قال: ثم جعل علي رضي اللّه عنه يجول في أرض كربلاء كأنه يطلب شيئا، ثم نزل و دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة، ثم قام فصلى ما شاء أن يصلي و الناس قد نزلوا هنالك من قرب نينوى‏[ (1) ]إلى شاطئ الفرات، قال: ثم خفق برأسه خفقة فنام و انتبه فزعا فقال: يا ابن عباس!ألا أحدثك بما رأيت الساعة في منامي؟فقال:

بلى يا أمير المؤمنين!فقال: رأيت رجالا بيض الوجوه، في أيديهم أعلام بيض، و هم متقلدون بسيوف لهم، فخطوا حول هذه الأرض خطة، ثم رأيت هذه النخيل و قد ضربت بسعفها الأرض، و رأيت نهرا يجري بالدم العبيط، و رأيت ابني الحسين و قد غرق في ذلك الدم و هو يستغيث فلا يغاث، ثم إني رأيت أولئك الرجال البيض الوجوه الذين نزلوا من السماء و هم ينادون: صبرا آل الرسول صبرا!فإنكم تقتلون على أيدي أشرار الناس، و هذه الجنة مشتاقة إليك يا أبا عبد اللّه!ثم تقدموا إليّ فعزّوني و قالوا: أبشر يا أبا الحسن!فقد أقرّ اللّه عينك بابنك الحسين غدا يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم إني انتبهت، فهذا ما رأيت، فو الذي نفس عليّ بيده! لقد حدثني الصادق المصدوق أبو القاسم صلّى اللّه عليه و سلّم‏أني سأرى هذه الرؤيا بعينها في خروجي إلى قتال أهل البغي علينا، و هذه أرض كربلاء الذي يدفن فيها ابني الحسين و شيعته و جماعة من ولد فاطمة بنت محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و أن هذه البقعة المعروفة في أهل السماوات تذكر بأرض كرب و بلاء، و ليحشرنّ منها قوم يدخلون الجنة بلا حساب.

ثم قال: يا ابن عباس!اطلب لي حولها صيران الظباء، فطلبها ابن عباس فوجدها، ثم قال: يا أمير المؤمنين!قد أصبتها، فقال علي رضي اللّه عنه: اللّه أكبر!صدق اللّه و رسوله.

ثم قام علي رضي اللّه عنه يهرول نحوها حتى وقف عليها، ثم أخذ قبضة من بعر الظباء فشمها، فإذا لها لون كلون الزعفران و رائحة كرائحة المسك، فقال علي [ (1) ]نينوى: ناحية بسواد الكوفة.

553

رضي اللّه عنه: نعم هي هذه بعينها، ثم قال: أتعلم ما هذه يا ابن عباس؟قال: لا يا أمير المؤمنين!فقال: إن المسيح عيسى ابن مريم قد مر بهذه الأرض و معه الحواريون، فشمّ هذا البعر كما شممته، و أقبلت إليه الظباء حتى وقفت بين يديه، فبكى عيسى و بكى معه الحواريون و هم لا يدرون لما ذا يبكي عيسى عليه السلام، فقالوا: يا روح اللّه!ما يبكيك؟و لما ذا اختلست ههنا؟فقال لهم: أ تعلمون ما هذه الأرض؟قالوا: لا يا روح اللّه!فقال: هذه أرض يقتل عليها فرخ الرسول أحمد المصطفى و فرخ ابنته الزهراء قرينة الطاهرة البتول مريم بنت عمران، ثم ضرب بيده عيسى إلى بعر الظباء فشمّه و قال: يا معشر الحواريين!هذا بعر الظباء على هذا الطيب لأ[نه‏]كان‏[منّ‏]حشيش هذه الأرض، ثم مضى عيسى ابن مريم صلوات اللّه عليه‏و قد بقيت هذه البعرات إلى يومنا هذا من ذلك الدهر، حتى أنها قد اصفرّت لطول الزمان عليها، فهذه أرض الكرب و البلاء.

قال: ثم بكى علي رضي اللّه عنه و قال: يا رب عيسى!لا تبارك في قاتل و لدي و العنه لعنا كثيرا!ثم اشتد بكاء عليّ و بكى الناس معه حتى سقط على وجهه و غشي عليه، ثم أفاق فوثب فصلى ثماني ركعات و سلم من كل ركعتين، فكلما سلم جعل يتناول من ذلك البعر فيشمه، و يقول: صبرا أبا عبد اللّه!صبرا يا ثمرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ريحانة حبيب اللّه!ثم أخذ كفا من ذلك البعر فصره في ثوبه و قال:

لا يزال هذا مصرورا أبدا أو يأتي عليّ أجلي. ثم قال: يا ابن عباس!إذا رأيتها من بعدي و هي تسيل دما عبيطا، فاعلم أن أبا عبد اللّه قد قتل. قال ابن عباس: فواللّه لقد كنت أشد تحافظا لها بعد علي بن أبي طالب و أنا لا أحلها عن طرفي.

قال ابن عباس: فلما رجع علي رضي اللّه عنه من صفين و فرغ من أهل النهروان دخل عليه الأعور الهمداني، فقال له علي رضي اللّه عنه: يا حارث! أعلمت أني منذ البارحة كئيب حزين فزع و جل؟فقال الحارث: و لم ذاك يا أمير المؤمنين؟أ ندما منك على قتال أهل الشام و أهل البصرة و النهروان؟فقال: لا، ويحك يا حارث!و إني بذلك مسرور، و لكني رأيت في منامي أرض كربلاء، و رأيت ابني الحسين مذبوحا مطروحا على وجه الأرض، و رأيت الأشجار منكبة، و السماء مصدعة، و الرحال متطأمنة، و سمعت مناديا ينادي بين السماء و الأرض و هو يقول: أفزعتمونا يا قتلة الحسين أفزعكم اللّه و قتلكم!ثم إني انتبهت و أنا منه على‏

554

وجل لما رأيت، فقال له الحارث: كلا يا أمير المؤمنين!لا يكون إلا خيرا، فقال له علي رضي اللّه عنه: هيهات يا حارث!سبقت كلمة اللّه و نفذ قضاؤه، و قد أخبرني حبيبي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم أن ابني يقتله يزيد-زاده اللّه في النار عذابا-.

قال زهير بن الأرقم: فلما أصيب عليّ رضي اللّه عنه بضربة ابن ملجم دخلت عليه و قد ضم الحسين رحمة اللّه و رضوانه عليه إلى صدره و هو يقبله و يقول له: يا ثمرتي و ريحانتي و ثمرة نبي اللّه و صفيه و ذخيرة خير العالمين محمد بن عبد اللّه!كأني أراك و قد ذبحت عن قليل ذبحا، قال: فقلت: و من يذبحه يا أمير المؤمنين؟فقال:

يذبحه لعين هذه الأمة، ثم لا يتوب اللّه عليه و يقبضه، إذا قبضه و هو ملآن من الخمر سكران، قال زهير: فبكيت، فقال لي علي: لا تبك يا زهير!فالذي قضي كائن.

ثم رجعنا إلى الخبر

قال: ثم سار حتى أتى ساباط المدائن، فإذا هو بالدهاقين و قد أقبلوا إليه يعرضون عليه النزول، فأبى ذلك و قال: ليس لنا عليكم نزول.

ثم سار حتى أشرف على بنيان كسرى، فإذا برجل من أصحابه يقال له جرير[ (1) ]بن سهم بن طريف‏[ (2) ]التميمي قد وقف فنظر إلى آثار كسرى و هو يتمثل بهذا البيت:

سفت الرياح على محل ديارهم # فكأنهم كانوا على ميعاد[ (3) ]

فقال له علي رضي اللّه عنه: ويحك!فلو قلت‏ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ*`وَ زُرُوعٍ وَ مَقََامٍ كَرِيمٍ*`وَ نَعْمَةٍ كََانُوا فِيهََا فََاكِهِينَ*`كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ [ (1) ]وقعة صفين ص 142: حر.

[ (2) ]عن وقعة صفين و بالأصل: طراف. و فيه أنه: من بني ربيعة بن مالك (بن زيد مناة بن تميم) .

[ (3) ]البيت في وقعة صفين ص 142 و المفضليات 2/15 من قصيدة لابن يعفر (الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل التميمي) و في وقعة صفين:

جرت الرياح على مكان ديارهم # فكأنما كانوا على ميعاد

ـ

555

* فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مََا كََانُوا مُنْظَرِينَ* [ (1) ]هؤلاء قوم كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، لم يشكروا النعمة فحلت بهم النقمة و سلبوا دنياهم بالمعصية، فإياكم و كفر النعمة!لا تحل بكم النقم.

ثم سار حتى نزل الأنبار، فإذا أهلها قد أقبلوا يقودون البراذين و قد حملوا إليه الأطعمة و العلوفة، فقال لهم علي: ما هذه الدواب التي نراها معكم؟فقالوا: يا أمير المؤمنين!هذا خلق منا نعظم بها الأمراء و هي هدية منا إليك، و هذا طعام اتخذناه لك و لأصحابك، فقال لهم علي رضي اللّه عنه: أما الدواب فإننا نأخذها منكم و نحسبها لكم من خراجكم، و أما الطعام فإننا لا نقبله منكم إلا بثمن، فقالوا:

يا أمير المؤمنين!فإن لنا في أصحابك معارف، فأذن لنا أن نهدي لهم هذا الطعام و هذه العلوفة، فقال: ذلك إليكم و لست أمنعكم من الهدية و لا أمنع أصحابي منها، و لكن إن أخذ أحد من أصحابي منكم شيئا على طريق الغصب فأعلموني بذلك- و السلام-.

خبر الراهب و العين‏

قال: و أقام علي رضي اللّه عنه بالأنبار يومين، فلما كان في اليوم الثالث سار بالناس في برية ملساء، و عطش الناس و احتاجا إلى الماء، قال: و إذا براهب في صومعته، فدنا منه علي رضي اللّه عنه و صاح به، فأشرف عليه، فقال له علي رضي اللّه عنه: هل تعلم بالقرب منك ماء نشرب منه؟فقال: ما أعلم ذلك، و إن الماء ليحمل إلينا من قريب من فرسخين.

قال: فتركه علي رضي اللّه عنه و أقبل إلى موضع من الأرض فطاف به، ثم أشار إلى مكان منه فقال: احفروا ههنا، فحفروا قليلا و إذا هم بصخرة صفراء كأنما طليت بالذهب و إذا هي على سبيل الرحى لا ينتقلها إلا مائة رجل، فقال علي رضي اللّه عنه: اقلبوها فالماء من تحتها، فاجتمع الناس عليها فلم يقدروا على قلبها، ليحمل إلينا من قريب من فرسخين.

قال: فتركه علي رضي اللّه عنه و أقبل إلى موضع من الأرض فطاف به، ثم أشار إلى مكان منه فقال: احفروا ههنا، فحفروا قليلا و إذا هم بصخرة صفراء كأنما طليت بالذهب و إذا هي على سبيل الرحى لا ينتقلها إلا مائة رجل، فقال علي رضي اللّه عنه: اقلبوها فالماء من تحتها، فاجتمع الناس عليه فلم يقدروا على قلبها، قال: فنزل علي رضي اللّه عنه عن فرسه، ثم دنا من الصخرة و حرك شفتيه بشي‏ءلم يسمع، ثم دنا من الصخرة و قال: باسم اللّه، ثم حركها و رفعها فدحاها ناحية، قال: فإذا بعين من الماء لم تر الناس أعذب منها و لا أصفى و لا أبرد، فنادى في [ (1) ]سورة الدخان الآيات 25-29.

556

الناس أن «هلموا إلى الماء» قال: فورد الناس فنزلوا و شربوا و سقوا ما معهم من الظهر، و ملأوا أسقيتهم، و حملوا من الماء ما أرادوا، ثم حمل على الصخرة و هو يحرك شفتيه بمثل كلامه الأول حتى رد الصخرة إلى موضعها.

ثم سار حتى نزل في الماء الذي أرادوا و إذا ماؤه متغير، فقال علي رضي اللّه عنه لأصحابه: أ فيكم من يعرف مكان الماء الذي يتم عليه؟فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فانطلقوا إليه، فطلبوا مكان الصخرة فلم يقدروا عليه، فانطلقوا إلى الراهب فصاحوا به: يا راهب!فأشرف عليهم، فقالوا: أين هذا الماء الذي هو بالقرب من ديرك؟فقال الراهب: إنه ما بقربي شي‏ء من الماء، فقالوا: بلى!قد شربنا منه نحن و صاحبنا، و هو الذي استخرج لنا الماء و قد شربنا منه، فقال الراهب: و اللّه ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء، و إن لي في هذه الصومعة منذ كذا سنة ما علمت بمكان هذا الماء، و إنها عين يقال لها عين راحوما[ (1) ]، ما استخرجها إلا نبي أو وصيّ نبي، و لقد شرب منها سبعون نبيا و سبعون وصيا. قال: فرجعوا إلى علي رضي اللّه عنه فأخبروه بذلك، فسكت و لم يقل شيئا.

ثم رجعنا إلى الخبر

قال: ثم سار من منزله ذلك حتى نزل بمدينة هيت‏[ (2) ]، و رحل منها حتى نزل بموضع يقال‏[له‏]الأقطار، فبني هنالك مسجدا، و المسجد ثابت إلى يومنا هذا.

ثم إنه عبر الفرات و شق البلادحتى خرج إلى بلاد الجزيرة، ثم سار يريد الرقة حتى نزل بموضع يقال له البليخ‏[ (3) ]، فنزل هنالك على شاطئ نهر البليخ.

خبر الراهب و نزوله من صومعته إليه‏

قال: و نظر إليه راهب قد كان هنالك في صومعة له، فنزل من الصومعة و أقبل إلى علي رضي اللّه عنه، فأسلم على يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين!إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا، يذكرون أن عيسى ابن مريم عليه السلام كتبه، أ فأعرضه عليك؟ قال علي رضي اللّه عنه: نعم فهاته. فرجع الراهب إلى الصومعة و أقبل بكتاب عتيق [ (1) ]كذا، و لم نجدها.

[ (2) ]هيت: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار.

[ (3) ]البليخ: موضع قرب الرقة على جانب الفرات. و البليخ نهر بالرقة يجتمع فيه الماء من عيون.

557

قد كاد أن يندرس، فأخذه عليّ و قبله ثم دفعه إلى الراهب، فقال: اقرأه عليّ! فقرأه الراهب على عليّ رضي اللّه عنه، فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى و سطر فيما سطر، أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب و الحكمة، و يدلهم على سبيل الرشاد، لا فظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق، لا يجزي السيئة السيئة و لكن يعفو و يصفح، أمته الحامدون الذين يحمدون اللّه على كل حال في هبوط الأرض و صعود الجبال، ألسنتهم مذلّلة بالتسبيح و التقديس و التكبير و التهليل، ينصر اللّه هذا النبي على من ناواه، فإذا توفاه اللّه اختلفت أمته من بعده، ثم يلبثون بذلك ما شاء اللّه، فيمر رجل من أمته‏بشاطئ هذا النهر، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، يقضي بالحق و لا يرتشي في الحكم، الدنيا عليه أهون من شرب الماء على الظمآن، يخاف اللّه عزّ و جلّ في السرّ و ينصح اللّه في العلانية، و لا يأخذه في اللّه لومة لائم، فمن أدرك ذاك النبي فليؤمن به، فمن آمن به كان له رضوان اللّه و الجنة، و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإنه وصي خاتم الأنبياء، و القتل معه شهادة.

قال: ثم إنه أقبل هذا الراهب على عليّ فقال: يا أمير المؤمنين!إني صاحبك لا أفارقك أبدا حتى يصيبني ما أصابك، قال: فبكى علي رضي اللّه عنه ثم قال: الحمد للّه الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار.

قال: ثم سار و هذا الراهب معه، فكان يتغدى و يتعشى مع عليّ، حتى صار إلى صفين، فقاتل فقتل، فقال على لأصحابه: اطلبوه!فطلبوه فوجدوه، فصلى عليه علي رضي اللّه عنه و دفنه و استغفر له، ثم قال: هذا منا أهل البيت.

ثم رجعنا إلى الحديث‏

قال: ثم سار علي رضي اللّه عنه حتى دخل الرقة، وجد أهلها يومئذ العثمانية و هواهم مع معاوية، فلما نظروا إلى خيل علي رضي اللّه عنه قد وافتهم غلقوا باب المدينة و تحصنوا فيها.

قال: فنزل علي رضي اللّه عنه على شاطئ الفرات ثم كتب إلى معاوية[ (1) ]: من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، أما بعد!فإن للّه عبادا آمنوا بالتنزيل و عرفوا التأويل و تفقهوا في الدين، فبين اللّه فضلهم في القرآن العظيم، [ (1) ]نسخته في وقعة صفين ص 150.

558

و أنتم إذا ذلك أعداء الرسول، تكذبون بالكتاب و تجمعون على حرب المسلمين، حتى أظهر اللّه دينه و أدخل فيه الأمة الطائعين و الكارهين، فليس ينبغي لمن كان له قلب أن يجهل أمره و قدره و يتعدى حده و طوره، و قد علمت يا معاوية أن أولى الناس بهذا الأمر أقربهم من الرسول، و أعلمهم بكتاب اللّه عزّ و جلّ، و أولهم إسلاما و أكثرهم جهادا، فاتقوا اللّه الذي إليه ترجعون، و لا تلبسوا الحق بالباطل، فإن خير عباد اللّه الذين يعلمون بما يعلمون، و إني أدعوكم إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم‏[ (1) ]، فإن قبلتم أصبتم رشدكم و أخذتم‏[ (2) ]حظكم، و إن أبيتم إلا الفرقة و شق العصا لهذه الأمة لن تزدادوا من اللّه إلا بعدا و لن يزداد عليكم إلا سخطا- و السلام-.

قال: فكتب إليه معاوية[ (3) ]: أما بعد!فإن الحسد عشرة أجزاء، تسعة منها فيك و واحد في سائر الناس، و ذلك أنه لم تكن أمور هذه الأمة لأحد بعد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم إلا و له قد حسدت، و عليه قد بغيت، عرفنا ذلك منك في نظرك الشزر، و قولك الهجر، و تنفسك الصعداء، و إبطائك على الخلفاء، تقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل الشارد[ (4) ]حتى تبايع و أنت كاره، ثم إني لا أنسى فعلك بعثمان بن عفان في البر و البحر و الجبال و الرمال، حتى تقتلهم أو لتلحقنّ أرواحنا باللّه-و السلام-.

قال‏[ (5) ]: و كتب إليه علي رضي اللّه عنه: أما بعد!فإنه أتاني كتابك تذكر فيه حسدي للخلفاء و إبطائي عنهم، فأما الحسد فمعاذ اللّه أن يكون ذلك!و أما الإبطاء عنهم و الكره لأمرهم فلست أعتذر من ذلك إليك و لا إلى غيرك، و ذلك أنه لما قبض الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم و اختلفت الأمة قالت قريش: منا الأمير، و قالت الأنصار: بل منا، و قالت قريش: محمد منا و نحن أحق بالأمر منكم، فسلمت الأنصار لقريش الولاية و السلطان، و إنما استحقتها قريش بمحمد دون الأنصار، فنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر من غيرنا، فأما عثمان فإنه فعل ما قد علمت، ففعلت به الناس ما قد بلغك، [ (1) ]وقعة صفين: و حقن دماء هذه الأمة.

[ (2) ]وقعة صفين: و اهتديتم.

[ (3) ]في وقعة صفين ص 151 فكتب إليه معاوية: أما بعد فإنه:

ليس بيني و بين قيس عتاب # غير طعن الكلى و ضرب الرقاب‏

[ (4) ]في العقد الفريد 4/335: البعير المخشوش.

[ (5) ]العقد الفريد 4/336 باختلاف.

559

و قد علمت أني كنت في عزلة عنه، و أما قتلة عثمان فلعمري لئن لم تنزع عن غيك و شقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك و لا يكلفونك أن تطلبهم في‏[ (1) ]بر و لا بحر، و قد كان أبوك أبو سفيان جاءني في الوقت الذي بايعت الناس فيه أبا بكر فقال: «لأنت أحق الناس بهذا الأمر من غيرك و أنا أؤيدك على من خالفك، و لئن شئت لأملأن المدينة خيلا و رجلا على ابن أبي قحافة» فلم أقبل ذلك، و اللّه يعلم أن أباك قد فعل ذلك حتى كنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين أهل الإسلام‏[ (2) ]، فإن تعرف حقي ما كان أبوك يعرفه فقد أصبت رشدك، و إن أبيت فها أنا قاصد إليك-و السلام-.

قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد!فإن اللّه تبارك و تعالى اصطفى محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بعلمه، و جعله الأمين على وحيه، و الرسول إلى خلقه، و اجتبي له من المهاجرين و الأنصار و خيار المسلمين أعوانا و وزراء و أصحابا، أيده بهم، فكانوا عنده على قدر فضائلهم و منازلهم في الإسلام، فكان أفضل أصحابه في إسلامه و أنصحهم للّه و رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم الخليفة من بعده، أبو بكر الصديق، و خليفة الخليفة عمر بن الخطاب، و ثالث الخلفاء عثمان بن عفان، فأما الصديق و الفاروق فما زلت لهما مبغضا عدوا حتى مضيا لسبيلهما محمودين، ثم بغيت أشد البغي على ابن عمك عثمان بن عفان، فكان الواجب أن لا تفعل به ذلك لقرابته و صهره، فقطعت رحمه و قبحت محاسنه و ألبت الناس عليه حتى ضربت عليه آباط الإبل من الآفاق، و قدت إليه الخيل العراب، و حملت عليه السلاح في حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، حتى قتل معك في المحلة و أنت تسمع‏[ (3) ]الداعية في داره، و لا ترى الناس من نفسك أنك نصرته بقول و لا فعل، و أقسم باللّه قسما صادقا أن لو قمت في أمره مقاما واحدا فنهنهت عنه الناس لما عدل بك أحد من الناس، و لكنك أحببت قتله، و الدليل على ذلك تعظيمك لأقدار قتلته، فهم عضدك و أنصارك و يدك و بطانتك، ثم إنك تنتفي و تتبرأ من دمه، فإن كنت صادقا مكّنّا من قتلة عثمان حتى نقتلهم به و نحن أسرع الناس إجابة لك، فإن فعلت ذلك كان الأمر على ما تريد، و إلا فليس لك و لأصحابك عندي إلا السيف‏[ (4) ]-و السلام-.

[ (1) ]العقد الفريد: في سهل و لا جبل، و لا بر و لا بحر.

[ (2) ]العقد الفريد: لقرب عهد الناس بالكفر.

[ (3) ]العقد الفريد 4/312: تسمع في داره الهائعة. و في الأخبار الطوال 162: الهيعة.

[ (4) ]زيد في العقد: و الذي نفس معاوية بيده لأطلبن قتلة عثمان في الجبال و الرمال و البر و البحر حتى

560

قال: فكتب إليه علي رضي اللّه عنه أما بعد!فإنه أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء اللّه فيه نبيّه محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم لدينه و تأييده إياه بمن أيده و ما أنعم عليه في الوحي و الهدى، فالحمد للّه الذي صدق له الوعد، و تمم له النصر، و مكّن له في البلاد، و أظهره على أهل العناد[ (1) ]في قومه الذين وثبوا به و أظهروا له التكذيب، و نابذوه بالعداوة و البغضاء، و ظاهروا على إخراجه‏[ (2) ]، و جهدوا عليه و على أصحابه، حتى ظَهَرَ أَمْرُ اَللََّهِ وَ هُمْ كََارِهُونَ [ (2) ]، و كان أشد الناس عليه أسرته الأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصم اللّه منهم، و لقد خبأ لنا منك الدهر خبيا معجبا إذا طفقت تخبرنا عن بلاء اللّه في نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و فينا، فكأنك في ذلك كجالب التمر إلى هجر، ذكرت أن أفضل أصحابه خليفته الصديق و خليفة خليفته الفاروق، إن مكانهما في الإسلام لعظيم، و إن مصابهما لشديد في حبهما اللّه و جزاهما بأحسن أعمالهما، و ذكرت أن عثمان كان لهم في الخلافة ثالثا، فذكرت لهؤلاء فضلا إذ هو ثم اعتزلك، و إن نقص لم يلحقك ثلمة، و ما أنت و الصديق؟صديقنا إذ صدق بحقنا و كذب بباطل غيرنا، و ما أنت و الفاروق؟إنما فرق بيننا و بين أعدائنا، و أما عثمان فإن كان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف له الحسنات و يمحو عنه السيئات، فإن كان مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، و لكني لأحب أن تخبرني يا ابن هند ما للطلقاء و أولاد الطلقاء و الأحزاب و أولاد الأحزاب و إن لم يثبت بين المهاجرين الأولين إلا بربع، أيها الإنسان!على طلعك، و تتأخر حيث أخرك القدر، و لكن بنعمة اللّه تعالى إننا قد فزنا على جميع المهاجرين كفوز نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم على سائر النبيين، أولا ترى أن قوما استشهدوا في سبيل اللّه و لكل فضل؟حتى إذا استشهد عمه حمزة قيل: سيد الشهداء، و خصه صلّى اللّه عليه و سلّم بسبعين تكبيرة، و وضعه بيده في قبره، و إن قوما قطعت أيديهم في سبيل اللّه و لكل فضل، حتى إذا قطعت يد أخي جعفر قيل: الطيار في الجنة، أو لا ترى أن مسلمنا قد بان في إسلامه كما بان جاهلنا في الجاهليته؟حتى قال عمي العباس بن عبد المطلب لأبي طالب:

أبا طالب لا تقبل النصف منهم # و إن أنصفوا حتى نعق و نظلما

[ () ]نقتلهم أو تلحق أرواحنا باللّه. (و انظر الأخبار الطوال ص 162) .

[ (1) ]العقد الفريد: الأعادي.

[ (2) ]العبارة في العقد الفريد 4/312 (من تحقيقنا) : و إخراج أصحابه، و ألبوا عليه العرب، و حزبوا الأحزاب، حتى جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون.

561

أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت # صوارم في أيماننا تقطر الدما

تركناهم لا يستحلّون بعدها # لذي حرمة في سائر الناس محرما

و لو لا ما نهى اللّه عنه من تزكية المرء نفسه لذكره أكثر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين و لا تملحها آذانهم من أشياء لو شئت لقلت، فدع عنك يا ابن هند من قد بانت الرمية، فإننا صنائع ربنا و الناس كلهم لنا صنائع، و لم يمنعنا شرفنا أن خلطناهم بأنفسنا، و لستم هنالك، و انّى يكون ذلك؟و منا المشكوة و الزيتونة و منكم الشجرة الملعونة، و منا هاشم بن عبد مناف و منكم أمية كلب الأحلاف، و منا شيبة الحمد عبد المطلب و منكم الكذاب المكذب. و منا أسد اللّه و منكم طريد رسول اللّه، و منا الطيار في الجنة و منكم عدو الإسلام و السنة، و منا سيدة نساء العالمين بلا كذب و منكم ابن حمالة الحطب، و حسبي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم صهرا و ابنته فاطمة شرفا و عزا و فخرا، و كنت تسألني أدفع إليك قتلة عثمان، و ليس لك أن تسأل ذلك و لا إليّ أن أدفعهم إليك، و إنما ذلك إلى ورثة عثمان و أولاده، و هم أولى بطلب دم أبيهم منك، فإن زعمت أنك أقوى على الطلب بدم عثمان فادخل فيما دخل فيه المهاجرون و الأنصار، و حاكم القوم إليّ أحملك و إياهم على كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنة نبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و ذكرت أنه ليس لي و لأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكتني بعد استعبار يا ابن آكلة الأكباد!متى لقيت بني عبد المطلب؟فسيطلبك من يستبطن و يقرب ما يستبعد و تره، عليك سيوف قد عرفت نصالها في أخيك و خالك و جدك و عم أمك‏و أسلافك، فإن تكن الدائرة عليك تصطلمك عزائم الدين و حكم الكتاب، و إن تحل منا بعاجل ظفر فلا ضير إلا إلى ربنا لمنقلبون-و السلام على عباد اللّه الصالحين-.

قال: فلما ورد هذا الكتاب على معاوية و قرأه أقلقه ذلك، و لم يدر بما ذا يجيب عليا، فكتب إليه يقول:

ليس بيني و بين قيس عتاب # غير طعن الكلى و ضرب الرقاب‏

و كتب إليه علي رضي اللّه عنه: إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

[ (1) ].

[ (1) ]سورة القصص الآية 56.

562

خبر هشام بن عبد الملك مع الشيخ و قوله في بني أمية

قال: فبينا هشام بن عبد الملك ذات يوم في برية الشام ينتزه و يتصيد إذ نظر إلى غبار ساطع على قارعة الطريق، فقال هشام لمن معه: قفوا في مواضعكم!لا يتبعني أحد منكم إلى أن أرجع إليكم، قال: ثم حرك هشام و مضى نحو الغبار، فإذا بعير قد أقبلت من بعض مدائن الشام، عليها زيت و أمتعة من أمتعة الشام يراد بها الكوفة. قال: و في العير شيخ من أهل الكوفة له رواء و منظر، و مع الشيخ غلمة له أحداث و هم بنوه، و مع هشام مولى له يقال له ربيع.

قال: فسلم عليهم هشام، فردوا عليه السلام و هم لا يعرفونه، فأقبل هشام على الشيخ فقال: ممن أنت و أين منشأك؟فقال الشيخ: أما المنشأ فالكوفة، و أما من أين فما سؤالك عن ذلك؟فو اللّه إني لو كنت من العرب في أعلاها لما نفعك، و لو كنت من أدناها لما ضرك، فقال هشام: و اللّه يا شيخ ما أظنك كتمت نسبك إلا و أنت مستح، قال: فضحك الشيخ ثم قال: يا هذا!ما هو إلا ما ظننت، و إني لأرجو أن يسأل اللّه عزّ و جلّ عمن يحبسني بما اطلع عليه من دناءة جنسك و نسبك إذا أنبأتني به، فإن قبح وجهك و حول عينيك و ذمامة خلقتك و سوء منطقك قد أطمعني في ذلك منك، و أنا أخبرك ممن أنا إذ قد أبيت إلا ذلك، أنا رجل من حكم و أمي سلولية، و نحن اليوم خلف في عكل. فقال هشام: نسأل اللّه العافية ممن قد ابتلاك به يا شيخ!لقد اجتمع فيك ما لم يجتمع في أحد قط، فقال: و لم تقول ذلك، و قد أملت أن يسأل اللّه عمن ينسبنا عند ما قد توسمته فيك عند معرفتي بنسبك، فمن أنت يا هذا؟فقال هشام: أنا رجل من قريش، فقال الشيخ: إن قريشا كثير، و إن فيهم من قد علا نجمه، و فيهم من قد سقط سهمه، فمن أيها أنت؟فقال هشام: أنا و اللّه من أعلاها و أسناها و أزكاها!أنا رجل من بني أمية التي لا تسامى أخطارها و لا يدرك آثارها، فقال الشيخ: مرحبا بك يا أخي بني أمية!سليت و رب الكعبة غمي، و فرجت عني كربي، كنتم و اللّه يا بني أمية في الجاهلية تربون في التجارة، و في الإسلام عاصين لأهل الطهارة، سيدكم حمار و أميركم جبار، إن قللتم عن الأربعين لم تدركوا بثأر، و إن بلغتموها كنتم بشهادة الرسول من أهل النار، رجالكم يتقلبون في عار النسبة، و نساؤكم على نساء الأنام سبة، و منكم الباكي على معطليه، و منكم معاليه مؤوي الطرداء و باقي الأخيار السعداء الذي اختار القرابة على الصحابة، و صرف المال عن أهل النجابة، و منكم صاحب الراية يوم القليب و أبو اللعينة ذات

563

العيوب، و منكم صخر بن حرب، فكان في الجاهلية خمارا و على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مجهزا كفارا، و في إسلامه رديا منافقا و إلى كل السوءات سابقا، و ابنه معاوية لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لعنات سبعا، سبعا منعه اللّه عزّ و جلّ أن ينال بدعوته عليه، سبعا منع أباه من الإسلام حثه على عبادة الأصنام، ثم قال في الشعر الذي بعث به إلى أبيه يقول:

يا صخر لا تسلن طوعا فتفضحنا # بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

خالي و جدي و عم الأمّ ثالثهم # و المرء حنظلة المهدي لنا أرقا

لا تركننّ إلى أمر تقلدنا # و الرافضات به في مكة الخرقا

فالموت أهون من قول النساء لنا # خلا ابن حرب عن العقبي كذا فرقا

ثم إنه بعد ذلك عادى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و قاتل الوصي، و ألحق زيادا الدعي، و عهد إلى ابنه الفاسق الردي، و بدل مكان كل سنة بدعة، و جعل لابنه يزيد في إراقة الدماء فسحة و سعة، و نبش قبر حمزة سيد الشهداء و أجرى فيه الماء عداوة و بغضا، ألحق زياد بن عبيد اللعين بأبي سفيان الخمار، و أزوجه من نسائه ذات القلائد و الخمار،

و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» ،

فترك قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و بزياد بن عبيد افتخر، و سلطه على شيعة علي بن أبي طالب، و لم يخف من سوء العواقب.

و منكم عقبة بن أبي معيط نفاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من قريش و سائر العرب، و ضرب عنقه بين يديه عليّ ذو الحسب، و ألبسكم بقتله من بين قريش العار، و جعل أرواحهم إلى النار، فقبلتم نسبه فيكم و زوجتموه، و هو علج من أهل صفّوريّة فادعيتموه، و ابنه الوليد المحدود في الخمر، صلى بالناس أربعا في الفجر و الظهر، في مساجد اللّه و هو سكران و قرب أهل الخيانة و الغدر، فسماه اللّه في كتابه فاسقا، و جعله في الدرك الأسفل منافقا. و منكم يا بني أمية الحكم بن أبي العاص، الملقب الحيّاض، نفاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعد لعنه إياه، و أردفه ثانية و باللعنة ثناه. و منكم عبد المطلب غصب الأبرار، و استعان بالفجار، و تهاون بالأخيار، فالحجاج أفضل حسناته، و الغدر و الجور أقل سيئاته، ثم بنوه الجبابرة في الإسلام، أبناء اللعنة و الجور في الأحكام، منهم سليمان و الوليد و هشام، و قبله يزيد، لا نذكر أحدا منهم برأي سديد، و ما لهم في اللعنة من مزيد، خونة غدرة، رموا بيت اللّه الحرام بالحجارة و العذرة، و قتلوا قبل ذلك العشرة البررة. و من نسائكم آكلة الأكباد، و مظهرة الفساد الصادة لزوجها عن الرشاد، و الداعية إلى الكفر و الفساد و العناد، و صويحباتها الناقرات يوم أحد

564

بالدفوف، المغنيات و قد دنت الزحوف، فأنتم يا بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن، لا ينكر ذلك إنس و لا جان، و لا أحد من أهل الإيمان، فأولكم ردي، و أوسطكم دري‏ء، و شريفكم دني‏ء، و آخركم مسي‏ء.

ألا فخذها يا أخا أميّة # يكون في قلبك منها كيّه

لا تفخرنّ بعدها عليّه # ما تركت فخرا لكم سميّه‏

قال: ثم مر الشيخ على وجهه حتى لحق بالعير، و بقي هشام حيرانا لا يدري بما يقول: ثم أقبل على غلامه ربيع فقال: ويلك يا ربيع!رأيت ما منينا به في هذا اليوم من هذا الشيخ!و اللّه لقد أظلمت الدنيا عليّ حتى ظننت أني لا أبصر شيئا! و لكن هل تحفظ من كلامه شيئا؟فقال ربيع: يا أمير المؤمنين!و اللّه لقد بقيت متحيرا لا أعقل من أمري شيئا، و لقد هممت أن أعلوه بالسيف مرارا لولا هيبتك، فكيف أحفظ ما قال!فقال هشام: لكني و اللّه قد حفظته، و لو علمت أنك تحفظه لضربت عنقك.

قال: ثم رجع هشام إلى أصحابه و وجه الخيل في طلب الشيخ و عزم على قتله، قال: فكان الشيخ داهيا، فوقع في قلبه أنه هشام بن عبد الملك و اتقى ما قال و خشي الطلب، فعدل عن الطريق و أخذ في البرية على مياه بني كلاب، فطلب فلم يقدر عليه، و مضى حتى دخل الكوفة، فلم يزل هشام متأسفا على ما فاته من قتل الشيخ. قال: فكان ربيع يقول: و اللّه ما شذ عني من كلام الشيخ شي‏ء و إني لأحفظه و ما حدثت بهذا الحديث أحدا حتى مات هشام.

ثم رجعنا إلى الخبر

قال: ثم دعا على أهل الرقة فقال: اعقدوا لي جسرا على هذا الفرات حتى أعبر عليه أنا و أصحابي إلى قتال معاوية، فأبوا ذلك، و علم علي رضي اللّه عنه هوى أهل الرقة في معاوية، فتركهم و نادى في أصحابه: نمضي لكي نعبر على جسر منبج‏[ (1) ].

قال: فخرج الأشتر إلى أهل الرقة مغضبا و قال: و اللّه يا أهل الرقة!لئن لم [ (1) ]منبج: بالفتح ثم السكون مدينة كبيرة واسعة ذات خيرات كثيرة بينها و بين الفرات ثلاثة فراسخ، و بينها و بين حلب عشرة فراسخ. (معجم البلدان) .

565

تعقدوا لأمير المؤمنين جسرا لأجردن فيكم السيف و لأقتلن الرجال و لأحوين الأموال‏[ (1) ]، فلما سمع أهل الرقة ذلك قال بعضهم لبعض: إن الأشتر و اللّه يوفي بما يقول، ثم إنهم ركبوا خلف علي بن أبي طالب فردوه و قالوا: ارجع يا أمير المؤمنين! فإننا عاقدون لك جسرا، قال: فرجع علي إلى الرقة، و عقدوا له جسرا على الفرات، و نادى في أصحابه أن اركبوا!فركبت الناس و عبرت الأثقال كلها، و عبر الناس بأجمعهم و عليّ واقف في ألف فارس من أصحابه، ثم عبر آخر الناس.

تحريض معاوية جنده على القتال‏

قال: و بلغ ذلك معاوية فنادى في أهل الشام فجمعهم ثم قال: أيها الناس! هل تعلمون من قد وافاكم؟وافاكم و اللّه الأسد الأسود و الشجاع المطرق علي بن أبي طالب!و معه أفاعي أهل العراق من ذي شرف يحامي عن شرفه، و ذي دين يحامي عن دينه، و ذي كلب يؤمل فيكم الغارة، أتاكم و اللّه من درعه الأنصار، و سيفه همدان، و رمحه عبد القيس، و سنانه أخلاط العرب، فإن كنتم تريدون الصبر فهذا وقت الصبر.

قال: فوثب نبهان بن الحكم فقال: يا معاوية!و اللّه لقد جهدت يوم الجمل أن أموت فلم أمت و أبت المقادير ذلك، و و اللّه لئن رأيت عليا لأجهدن في قتله أو أموت، دعوتنا إليه فجعلونا بينك و بينهم و قد جعلها بيننا و بين اللّه عزّ و جلّ، فأمرنا بما تحب و انهنا عما تكره.

قال: ثم وثب حوشب ذو الظليم فقال: يا معاوية!و اللّه ما إياك ننصر و لا لك نغضب و لا عليك نحامي إلا على الشام، فكفّ الخيل بالخيل و الرجال بالرجال، و لا يهولنك علي و من معه، فإن ما له و لأصحابه عندي‏[إلا]حملة واحدة، فأفرق جمعهم و أبدد شملهم.

قال: ثم و ثب أبو الأعور السلمي فقال: يا معاوية!إننا لو شهدنا مقتل عثمان و عرفنا من قتله بأعيانهم لما دخلنا في ذلك الشك، و لكنا نصدقك على ما غاب- و السلام-.

[ (1) ]وقعة صفين ص 151: و لأخرين أرضكم، و لآخذن أموالكم. (انظر الطبري 5/227 و ابن الأثير 2/362) .

566

قال: ثم وثب شاعر أهل الشام فجعل يحرض على القتال و هو يقول أبياتا مطلعها:

إن بالشام يا معاوي قوما # يبذلون النفوس و الأموال‏

إلى آخرها.

ذكر ذواق لأهل الشام من حرب أصحاب علي رضي اللّه عنه‏

قال: و نزل عليّ على شاطئ الفرات حذاء مدينة الرقة، و بلغ ذلك معاوية، فدعا بأبي الأعور السلمي، فضم إليه جيشا كثيفا من أهل الشام، ثم قال: سر بهذا الجيش نحو عليّ، فلعلك أن تواقعه وقعة قبل مصيره إلينا. قال: فسار أبو الأعور في جند من أهل الشام يريد عليا، و بلغ ذلك عليا، فدعا زياد بن النضر و شريح بن هانئ فضم إليهما جيشا[ (1) ]و قدمهم بين يديه نحو أبي الأعور، قال: فساروا حتى إذا بلغوا إلى الموضع الذي فيه أهل الشام‏[ (2) ]نظروا إلى جيش عظيم، فلم يقاتلوا و بعثوا إلى عليّ فأخبروه بذلك.

قال: فدعا عليّ بالأشتر النخعي فقال: يا مالك!إن زياد بن النضر و شريح بن هانئ أرسلا إليّ يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور في جند من أهل الشام كثيف، و قد أخبرني الرسول أنه ترك القوم متوقفين‏[ (3) ]، فالنجاء النجاء إلى أصحابك!فإذا أتيت القوم فلا تبدأهم بقتال حتى يبدءوك، ثم ادعهم‏[ (4) ]و اعذر إليهم مرة بعد أخرى، فإن أجابوك إلى ما تريد فالحمد للّه على ذلك، و إن أبوا إلا القتال فاستعن باللّه عزّ و جلّ عليهم، فالقهم بحدّ و جدّ، و ابعث إليّ بخبرك، و ما يكون منك و من أمرك إن شاء اللّه-و السلام-.

قال: فسار الأشتر في جيش خشن و معه يومئذ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حتى وافى بهم القوم، فلما نظر أبو الأعور إلى جند أهل العراق قد وافوا صاح [ (1) ]في اثني عشر ألفا 5/238 و ابن الأثير 2/363.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: لقياه بسور الروم.

[ (3) ]متواقفين: وقف بعضهم أمام بعض في الحرب.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير: حتى تلقاهم فتدعوهم و تسمع منهم و لا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم و الأعذار إليهم مرة بعد مرة.